مقالات

الطانغو/ خورخي لويس بورخيس

السيدات، السّادة،

نَصِل إلى سنوات أوْج الطانغو، أي تلك السنوات الواقعة بين 1910 و1914، ذلك أنه في 1914 حلَّت الحرب العالمية الأولى، وطبيعيا أنْ يظل الطانغو مغمورا تحت وقائع تلك الحرب. في عام 1910، والذي يُقابل بالمثل، كما تعلمون، الذكرى المئوية الأولى لتأسيس دولتنا. طيب، عندما نحن نُعيد قراءة ” Oda a la Argentina [نشيد إلى الأرجنتين]” لرُوبِنْ دارِّيُّو، [1] و” Odas seculares أناشيد العَلمانية،[2] اللتيْن سمّاهما هكذا بملحمية هوراسية لِيُوپُلْدُو لوغونِس، فإننا نشعر، أو يكون لدينا قليلٌ من الإحساس بشرب نخب، ومن الحماسِ المُتَّفق عليه والإجباري. لكن الحقيقة هي أن كلتا القصيدتيْن، ويُمكننا هنا أنْ نُضاعِف الأمثلة التي تعود إلى ذلك التاريخ، كلتا القصيدتيْن تعودان إلى تلك التواريخ، كلتا القصيدتين تُقابلانِ بالمثل إيمانا، وحماسا أَصلِيًّا.  وأعتقد أنه لكي أنجح في تقديم ذلك الانطباع سيكون عليَّ أنْ أعودَ إلى ذكرى من طُفولتي قصية.

كانت سنة 1910 سنة ظهور المذَنَّب هَالِي. وأُذكِّر، عَرَضًا، أنَّ المذَنَّب كان قد ظهر في السماء سنة 1835، سنة ولادة مارْكْ تْوايْنْ. وقد قال مارك تواين إنه لن يموت حتى يعودَ ذلك النور، ذلك الغبار المتوهّج عبر السماء. وهكذا كان: في عام 1910 عاد المذنَّب هالي ومات مارْك توايْن. والذّكرى التي أُحيل إليها كانت شيئا أحسسْتُه وقتذاك، وأعتقد أننا جميعا، نوعا ما، نشعر به، على الرغم من معرفتنا بأنه شيء لا يُمكن قولُه، لأنه يُقابل فكرة عبثية. ومع ذلك، فجميعا نُحسّ بها كأنها حقيقة. أحْسسنا أن المذَنَّب، ذلك المذنَّب الذي كنت أراه فوق البيوت الخفيضة من رصيف الشارع المقابِل، أو انطلاقا من أحد فناءات البيت، ذاك المُذَنَّب كان يُقابل بالمثل إشراقات المئوية، وكان جزءً من الاحتفالات، وكأنه كان رِضى سماويّا. سوف لن أقول -لأن ذاك سيكون عبثا- إنّ تلك الفترة كانت فترة أُوتوبية، وأن كل الناس كانوا سُعداء، وأننا كنا نعيش في الجنة. لكنْ بالتأكيد سأقول إنَّ المدينة، ولو أنها كانتْ صغيرة وقتذاك، فإنها كانتْ مدينة في طور النشوء، وأنها كانت عاصمة بلد ناشئ. في المقابل، الآن لست أدري عن صِدق إنْ كان باستطاعتنا أن نُفكِّر في ذلك. في السابق، كنَّا جميعا نُحسُّه.

الفقر، خلال تلك الأعوام، كان مسألةَ جِيل، كحد أقصى. أنا نشأتُ في حيٍّ فقير، في أحد أطراف المدينة. وكان بيتُنا أحَدَ البيتيْن أو الثلاثة لعلية الناس المُقيمة بين أزيد من عشرين تجمُّعا سَكَنيًّا في شارع سِرَّانُو. لقد تردَّدتُ على المدرسة الابتدائية، والآن عندما ألتقي أحَدَ زملاء تلك الفترة، وأندهش من رؤيته قد هَرِم كثيرا -مِثلما هو، دون شك، يندهش لرؤيتي قد شِختُ جدا-، ذاك الزميل، في كثير من الأحيان يكون ابْنًا لمهاجرين أُمِّيّين، هو الآن أستاذ جامعي، أو مهندس، أو طبيب، أو محام، أو مهندس معماري. بمعنى أن البلد كان في طور النشوء، ولم يكنْ لِيَهُمَّ في شيء أنّ، على بُعد ثلاثة تجمُّعات سَكنية في پْلَاسَا إيطاليا، بيتَنا يتوافر على طاحونة، عُوِّضتْ لاحقا بالماء الجاري. لم تكن تهم في شيء الأراضي البور (كان في إحداها حصان ملوّن، وكنتُ أدّعي لعِبًا مني أنَّ الحصان لي، وأقول لأبويَّ أنَّ لديّ آلافا أخرى من الأحصنة في الداخل). الأهمّ هو أننا جميعا كان لدينا ذلك الإحساس، وقد تُرجِم ذلك الإحساسُ إلى وقائع كثيرة.

قد يُمكننا أنْ نُلخِّصه هكذا: إنّ تاريخنا حتى ذلك الوقت كان تاريخا مأساويا، تاريخَ حروبِ انتصاراتٍ، وتاريخا في كثير من الأحيان مجيدا وقاسيا. لكن، على الرغم من ذلك، وحتى تلك السنوات كُنّا غير مرئيّين بالنسبة للعالَم تقريبا، وبَعْدُ، حوالي 1910، بعام زيادةً أو نقصانا، شرعتْ تحدُث وقائع أبْهجَتنا وأثَّرتْ فينا. أتذكَّر زيارة الأميرة إٍزَابيل، وأتذكَّر الطريقة التي بَترْنا بها النشيدَ القومِيّ، وكيف حُذِف ذلك المَقطع من “وإلى نباتاته استسلمَ أسدٌ”، كي لا يُزعِجَ الأميرةَ ذلك الأسدُ المستسلمُ، لقد شُطِّبَ على الأسد من أجل الأميرة. ثم جاء أشخاص آخرون مرموقون، الأستاذ أَلْتامِيرا، وعلى الخصوص، وصل في غضون تلك السنوات أَنَاتُولْ فْرانْسْ. كانت المحاضرات نادرة وقتَها. وألقى أناتُولْ فْرانْسْ -بلغة فرنسية يُمكن أنْ نُسمِّيَها نجِيَّة أو سِرِّيَة، لأنه كان يتحدَّث بصوت خفيض جدا- سلسلةً من المحاضرات عن Gargantúa y Pantagruel للكاتب رابُلِيه Rabelais.

لقد قال الفيلسوف الإيرلندي بِرْكْلي عبارةً سائرة هي “الوجود هو أنْ تُدْرَكَ”، وأيضا “يَكمُن وجودُكَ في أنْ تُدرِكَ”. طيب، حتى ذلك الحين كُنّا نُدرك، كُنَّا ندرك وجود البلدان الأخرى، وكنا أدْركنا الماضي، والحاضر، لكنَّنا لم نكنْ قد أُدْرِكنا من قِبَل العالَم.

وبعد ذلك، وصل أولئك الزُّوار الشَّهيرون، وصلتْ لحظة الابتهاج تلك التي تغنى بها لوغونِسْ ودارِيُّو، وبَعدُ وصل الخبر، الخبر الذي أثَّر فينا جميعا: أنَّ الطانغو يُرْقَص في باريس، ولاحقا، في لندن، وروما، وڤِيِينا، وبرلين، وحتى في سانْ پيترسبورغ، لكي أستعمل لائحة أسماء تلك السنوات.[3] وغَمرَنا جميعا ذاك الخبرُ فرَحًا. ذاك الطانغو، بالطبع، لم يكن هو نفسه الذي يُعرَف في البيوت سيئة السمعة ببوينوس آيرس أو مونتيفيديو أو في لاپْلاتا. والغريبُ أنه في باريس -المدينة التي بالإضافة إلى كونها رمزا للذَّكاء النَّيِّر هي أيضا رمزٌ للحرية- تَنظَّم فيها الطانغو، وخسر هذا الطانغو التَّثبيتاتِ البدائيَّةَ والتكسيرات (كان يُتحَدّث عن تثبيتات وتكسيرات أيضا)، وسينقلب إلى نوع من التنزُّه المُتنعِّم.

[مقطع من كتاب بورخيس الطانغو: أربع محاضرات يصدر قريباً عن منشورات الجمل. ترجمة د. مزوار الإدريسي]

هوامش

[1]- يُحيل إلى القصيدة “Canto a la Argentina أغنية إلى الأرجنتين”، التي نظَمها الشاعر النيكاراغوي Rubén Darío رُوبِنْ ارِّيُّو سنة 1910، بتكليف من الجريدة اليومية لانَسْيُونْ [الوطن].

[2]- ألَّف Leopoldo Lugones لَيُوپُولْدُو لوغونِسْ ديوانه المعَنوَن Odas seculares أناشيد عَلمانية سنة 1910، بمناسبة الاحتفاء بالمئوية أيضا.

[3]- سانْ پيترسبورغ، مدينة روسية أُسِّستْ سنة 1703 من قِبل بيدْرو إلْ غْرَانْدِ. في 1914 سُمِّيتْ بِيتْرُوغْرَاد، ثم، انطلاقا من 1924، أُطلِق عليها اسمُ لِينِينْغْراد، واستمرَّ الاسم مُستعمَلا لما أمْلى بورخيس هذه المحاضرة. ومؤخَّرا، استردَّت المدينةُ اسمَها الأصليَّ سانْ پيترسبورغ سنة 1991.

جدلية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق