منوعات

القيام بأشياء بسيطة يمنح الفرد القوة لتحقيق إنجازات عظيمة/ نهى الصراف

لسعادة تأتي كنتيجة مكملة للنجاح وليست هدفا بذاتها.

يعتقد العديد من الناس بأنه يتوجّب عليهم أن يدفعوا أنفسهم إلى اتجاه النجاح، ثم السعادة وهذا مفهوم خاطئ تماما، قد يؤدي إلى زيادة مبيعات أصحاب الكتب التي تدعو إلى ذلك، بينما تحبط الشباب وتدمّر نفسياتهم، خاصة إذا ما تسنّى لهم مقارنة إنجازاتهم المتواضعة بما قد يحققه أقرانهم.

أكثر مفردة حملت إشكالية في معناها ومغزى ارتباطها بمعان أخرى هي كلمة نجاح؛ النجاح عند بعض الناس مرادف للسعادة وعند البعض الآخر نتيجة تتبع أسباب معيّنة، أما من هم أكثر حساسية فهم في الغالب كانوا ضحية لسؤال الطفولة الأشهر “ماذا تريد أن تصبح عندما تصبح كبيرا؟”.

وكلمة كبير هذه تحمل ما تحمل من شكوك وتنبيهات منها مثلا أنّ سنّ الشباب هي الحدود التي تبدأ عندها أولى سلالم النجاح؛ النجاح هنا هو السعادة والسعادة هناك في المستقبل وليس في الحاضر، سنّ النضج لا الطفولة أو المراهقة، العمل والجهد والتحصيل الدراسي وليس الاستمتاع بمراحل الحياة المختلفة بكل ما فيها من سحر اللامسؤوليات وبراءة الأفكار وصفاء الذهن وعشوائية التفكير.. وكل ما يتعلق بمرحلة الطفولة خاصة.

في الواقع، كل فرد يسعى إلى تحقيق ما في وسعه هو فعلا داخل دائرة إمكاناته والظروف التي تحيطه، كما أن الجميع يبذلون قصارى جهدهم، لذلك، فهو لا يمكن أن يشبه غيره وليس بالضرورة أن يكون ناجحا أو فاشلا من منظور قاصر، إذ أنّ النجاح مسألة نسبية، فلا يفشل المرء أو ينجح بصورة متعمدة وهذا الأمر ينطبق على مفهوم السعادة.

في مقاله الأخير في مجلة “علم النفس” الأميركية، يؤكد توم بيسونيت، معالج نفسي أميركي ومحاضر حول تنمية الشباب والمراهقين في جامعة تينيسي، على أن مفهوم النجاح أكثر تعقيداً مما نظن إذا ما نظرنا إلى محفّزات الجهد الإنساني والدوافع والطموحات التي توجه سلوكه.

ويؤكد “عندما كنت في مقتبل الشباب سمعت أحدهم يقول بأنه يمكننا فقط من خلال القيام بأشياء صغيرة بصورة جيّدة، أن نكتسب القوة لتحقيق إنجازات كبيرة وعظيمة”.

ويضيف بيسونيت موضحا “كان لهذه الومضة الصدى المهمّ في حياتي اللاحقة حين اكتشفت بأن الأمر فيه الكثير من المنطق، لأن الانتصارات الصغيرة التي حققتها هي التي أحدثت الفرق، وقد تحقق معظمها خارج إرادتي ودون تخطيط مسبق”.

ويتابع ”نعم، هذه القرارات اليومية الصغيرة التي توقظنا من نومنا كل صباح، بإرادة لفعل شيء، أيّ شيء نشعر بالقدرة والحاجة إلى تحقيقه، تلك الساعة الداخلية التي تعمل كمنبّه يغنينا عن المنبّه الذي نضعه قربنا على المنضدة، هذا هو التحدي الحقيقي”.

وعلى الرغم من اختلاف دوافع الناس إلا أنّ الحافز الحقيقي الذي يجذبنا إليه أكثر من أيّ خيار آخر هو الرغبة؛ عندما نتفوّق في دراستنا الجامعية مثلاً، فهذا لا يعني بأننا أفضل من زملائنا أو أكثر طموحاً، بل لأن الفرصة أتيحت لنا أن ندرس في اختصاص معيّن توافرت فيه كل العوامل التي تجتذبنا وعززت رغبتنا في الاستمرار، مع ظروف مواتية وبيئة مناسبة اجتمعت برمّتها لنحقق هذا النجاح.

وقد لا يكون هذا النجاح شيئاً يُذكر، لو لا أنه مجرّد مدخل أو عتبة أولى لعالم أرحب من الطموحات المتجددة وتذكرة لفهم أعمق للعالم والأشياء التي تحيط. ثم، يأتي الشعور بالرضا والسعادة ربما كعامل مساعد كنتيجة أو مكسب مواز وليس هدفاً بحد ذاته.

في حين يبدو أن العديد من المراهقين أو من هم على عتبة سلّم الشباب الأول، يقعون ضحية لخيارات الآخرين، خاصة في ما يتعلق بدراستهم حين يقوم الأهل بممارسة ضغوطهم على أبنائهم لاتخاذ قرار بشأن التخصّص الدراسي سواء أكانوا مستعدين له أم لا، وسواء تماشى أو تعارض مع رغبتهم الشخصية. هذا الاستسلام لرغبات الآخرين هو أفظع ما يمكن أن يحدث للشاب، وبالتأكيد فهو أبعد ما يكون عن خلق الإحساس بالرضا.

سن الشباب هي الحدود التي تبدأ عندها أولى سلالم النجاحسن الشباب هي الحدود التي تبدأ عندها أولى سلالم النجاح

مرة أخرى، يؤكد بيسونيت على أن السعي والجهد مطلوبان لتحصيل ما نرغب بالحصول عليه أو ما يمثّل النجاح من مفهومه الظاهري، إلا أن هذه الجهود نفسها تعتمد على ما نشعر به عاطفيّا وجسديّا في لحظات قيامنا بأيّ عمل.

ويضيف “لهذا، فإن كل ما علينا فعله أن نقدم ما يمكننا تقديمه وأن نقوم بعملنا على الصورة التي نراها وعلى وفق إمكاناتنا مهما كانت محدودة، أما النجاح فهذا أمر لا ينبغي القلق بشأنه، فالأكثر أهمية من ذلك الاستمتاع بالعيش والتجربة الحياتية”.

ويوضح أنّ “كونك شخصا ناجحا لا يتم تحديده بالضرورة بما حققته، ولكن بما استطعت تخطّيه. لدينا جميعا عقبات في طريقنا، لكن لكل طريقه الفريدة والمتميّزة التي يعمل بها ويقدّم من خلالها أفضل ما لديه، لا يهمّ بعد ذلك انتظار نتائج بعينها بل الأهم القدرة على المواصلة بقلق أقلّ على المستقبل”.

ومن جانبها، ترى الكاتبة الأميركية كارلين فلورا؛ أن بعض الناس يولدون وهم يتمتعون بحظوظ أكثر وأوفر من غيرهم.

وتشير إلى أن هؤلاء الأشخاص يجدُون الفرصة المناسبة ويرون الجمال في طريقهم أينما حلّوا، بينما يصطدم غيرهم على الدوام بمطبّات الطريق وأخطاره ويرتكبون الأخطاء رغما عنهم.

وتستدرك فلورا قائلة “لكن، على الرغم من ذلك، وبدلا عن الاستسلام لمصير يظلّله التشاؤم، ينبغي أن يخرج هؤلاء الناس، الأقلّ حظا، من دائرة تشاؤمهم وأن يتحدّوا أفكارهم السلبية وافتراضاتهم المخيفة ويسعون إلى الانخراط في حوار داخلي إيجابي هو في حقيقته علامة تدلّ على تمتّعهم بالصحة العقلية”.

كاتبة عراقية

العرب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق