وجها لوجه

حوار مجلة رمان مع إيليا سليمان

سليم البيك

-1-

أول ما تشعر به كي تصنع صورة هو الإحساس بإمكانية أن تحمل متعةً ما. أمّا ما يرافق هذه المتعة، فيمكن الحديث كثيراً عن ذلك. لكن فكرة أن يكون في الصورة متعة مشاهدة وأن يكون عندك (وهي عندي) الرغبة أن يكون هنالك مشاركة لهذه الصورة واستمتاعك بها، مع كلّ مُشاهد لها تتخيّل وجوده.

لا مقدّمات تُكتب لمقابلة مع إيليا سليمان…

السؤال الأوّل هو الأكثر توقّعاً، لم انتظرتَ عشر سنين بين «الزمن الباقي» و«إن شئت كما في السماء»؟

الإجابة بسيطة، أولاً لأنّي كسول. هنالك أسباب موضوعية وهنالك تلك التي لا جواب لها، وهنالك أسباب تبقى -لنقُل- نوعاً من الأعذار، أو لستُ متأكداً من أنّها أسباب فعلاً، لكن لها “مشروعية” ما. مثلاً،  هنالك فترة ليست قصيرة بين كل فيلمين من أفلامي، ٧ أو ٨ سنين. لكن لكونها ١٠ الآن، يمكننا السؤال “لمَ؟”.

أنا لا أصنع أفلاماً روائية/سردية ولا مبنية على كتب، لا أكتب سيناريوهات عن شخصية متخيّلة. كل ما تراه في أفلامي هي أمور مأخوذة من حياتي الشخصية، أو قد تكون ملاحظاتي/مراقباتي لما يحصل حولي، أو تأمّلات لمسائل داخليّة. فإن أراد أحدنا أن يصنع فيلماً، لا بدّ أن يعيش، يعيش ليرى ما حوله. أحياناً يكون أحدنا متنبّها وأحياناً لا، تكون سارحاً أحياناً قد تكون في حلم يقظة ما، وأنت جالس على كرسي، كما أفعلها مراراً، أو حين تكون في الشارع وترى ما حولك وتدوّنه. وهذا لا يكون كل الوقت، ذلك يستقرق سنيناً. تجمّع هذه الملاحظات إلى أن تثقل وتجد أنّه يمكننا صنع شيء منها.

أساساً، لا أعرف متى يمكن أن يُصنع شيء، لا بد من التجريب لأرى، إلى أن أكتشف أنّ هنالك احتمال لحكاية ما. حتى الحكاية، تُكتشَف أثناء الشغل، وليس قبله. يكون لدي حسٌ، فكرة، شعور أنّ هنالك ما يتوجّب قوله لكني لست أكيداً كيف. لكن عادة لا بدّ من التخيّل، وإن كنت لا أجيد الرسم بالمرّة. لا بد من تخيّل غاليري فيها ٢٠٠ لوحة على كانفاس أبيض، وأبدأ التعليق عليها كما أعلّق قصاصات الملاحظات هذه هنا. تبدأ بالملاحظات التي ستتركّب على ملاحظات غيرها، أشتغل عليها، ثم تتآلف الملاحظات مع بعضها، تماماً كما أنّ رساماً ما يبدأ بالعمل على لوحة لا يعرف بعد إلى أين يتّجه. الفرق أنّي لا أشتغل على لوحة واحدة، بل على عدّة لوحات في الوقت نفسه.

بعدها، هنالك ما أسمّيه مونتاجاً لاشعورياً وهو ما يقابل مونتاج الاستمرارية، وهو كيف أن لوحات عدّة، تُصفّ إلى جوار بعضها لتعطي معنى ما. وهذا يكون كذلك بالتجريب والأخطاء. حيث أجلس الآن، عادة يكون أمامي، هنا، خزانة. يكون الحائط مليئاً بقصاصات الملاحظات، أبدأ بتركيبها معاً، وأبدأ باكتشاف أين يذهب الفيلم. أحياناً ترى أنّه مسدود، أحياناً أتراجع وأحياناً لا… هذا التركيب لوحده يستغرق سنوات. سنوات لتعيشها، سنوات لتركيبها، وسنوات لتشعر أنّ لديك فعلاً ثقلاً معيّناً يمكن تسميته بسيناريو.

خذ هذه السنوات كسبب للتأخير، وخذ بعدها مسألة التمويل. كلّما أشتغل على فيلم يستغرق التمويل ٣ أو ٤ سنين، لعلّه استغرق في هذه المرة أكثر قليلاً، لأنّ ميزانية الفيلم كانت أكبر. هذه أسباب أطرحها الآن هكذا، قد يكون بعضها دقيقاً وبعضها لا، لكن نعم، أعتقد أن الأسباب الأولى التي طرحتُها هي صحيحة، لكن لمَ السنين الإضافية فصارت بالمجمل عشر سنين؟ السبب هو التمويل.

هناك سبب آخر لا أتحكّم به، هو أنّي لا أتعاطى كثيراً مع فكرة أنّي مُلزمٌ (الآن) بكتابة فكرة سيناريو. أنهي فيلمي ثم أعيش. ولا أعيش كي أكتب بالضرورة. أكمّل حياتي كما أنا، فعندي شغف لأشياء أخرى كذلك. ولا أُدخل نفسي في حالة ضغط أن الناس تنتظر مني فيلماً، كما صار يُقال لي موخراً بأن “لا نريد انتظار عشر سنين أخرى للفيلم القادم”. السؤال عندي هو إن كانت هنالك حاجة ضرورية لفيلم أو لا. لستُ مأخوذاً بسحر الكاميرات ولا السينما، حتى روح السينيفيليّ تلك، ليست فيّ، بالتالي أصنع أفلاماً عندما أحسّ أن لدي شغف تجاه فكرة أكتشفها لحظتها وتجاه إحساس يطغى ويدفع لأن أبدأ بصناعة فيلم.

عموماً. انظر، كلّما أريد قول شيء، أريد كذلك قول عكسه. تشعر أن هنالك حاجة سياسية، جيوسياسية، وطنية أو مهما يكن، لكن هنالك مقابلها دائماً ذلك الشعور بمتى ترغب بالبدء بتركيب الصّور. ليس المقصود الفن لغاية الفن، هنالك شيء أقول أنّ له علاقة بالواقع الذي نعيشه، بما يحصل حولنا في العالم. لكن الفكرة تبدأ بأن تشعر بتلك الرغبة أولاً، تريد أن ترى وتحقّق هذه الصورة التي تراها.

أقول أنّ السينما هي كذلك، أحياناً تشعر برغبة بصناعة فيلم ليس بالضرورة لأن له رسالة، لكن يكون له رسالة. تبدأ من السرد، وليس من استراتيجية أنّ لا بد من قول شيء ما. أقول ذلك لأنّ بالأمس تحديداً أجريت مقابلة مع “لوس أنجلس تايمز”، قلتُ تماماً كل ما لم يتوجّب قوله في هذا الموضوع، لأنّه متوقّع.

بأنّهم كيف سيأخذون كلامك، في أي سياق يضعونه.

مثلاً. لا أعرف إن كان هذا الصحافي بالذات أراد ذلك، لكن قد يكون ذلك متوقّعاً منّي. تكلمت عن تركيبة الصّور وقلت له في النهاية، وأنا أفكّر ملياً بهذا، أنّ أول ما تشعر به كي تصنع صورة هو الإحساس بإمكانية أن تحمل متعةً ما. أمّا ما يرافق هذه المتعة، فيمكن الحديث كثيراً عن ذلك. لكن فكرة أن يكون في الصورة متعة مشاهدة وأن يكون عندك (وهي عندي) الرغبة أن يكون هنالك مشاركة لهذه الصورة واستمتاعك بها، مع كلّ مُشاهد لها تتخيّل وجوده.

لهذه الأولوية، أحياناً يقول أحدنا “لا”، وصحيح كذلك، أنّك تصنع فيلماً لأن إحساساً صار لديك بأنّ هنالك ما يتوجّب قوله. صحيح، في هذا الفيلم، لكن ليس بالضرورة في جميع الأفلام. في لحظة معينة كانت تأتيني تلك المشاعر، كأن أكون جالساً هنا وأقول “حسناً، نواصل الحديث عن: ما هي قضية فلسطين؟ وعولمتها؟ والعالم في ظل العولمة، في أية مراحل خطرة هو الآن؟” وكل يوم نسمع أخباراً عن ذوبان الجليد إلى…

حرائق الأمازون مؤخراً.

تماماً، هنالك كوارث بيئية يومياً، أصبحت كليشيه غير متنهية، فتقول “حسناً لمَ لا نحكي عنها بشكل فردي وليس جماعي”، وهنا لا أتحدّث عن حِراك. أحكي شعور أحدنا بالوحدة، لأنّ شعوراً بالغربة يبدأ بالتشكل، هو فعلاً تعريف كامل وخالص للاغتراب. تشعر، أثناء جلوسك، بخوف معين، بأنّ الأمور تسوء وتشعر، أنّ لا أحد يتحرّك من أجل ذلك باستثناء المظاهرات القليلة هنا وهناك، التي تعرف عنها من التلفزيون، والتي لا تكفيك كمانع. أتاني هذا الشعور في الفيلم، على مستوى أن يكون هنالك مواساة، فإن جلس اثنان مع بعضهما، على إثر هذا الفيلم، وبدآ بالحديث عن غربتهما ووحدتهما، هذه لوحدها تواسيني. هذا أجده في الفيلم الأخير تحديداً، لأنّي في الأفلام السابقة لم يكن لدي هذا الشعور بدمارٍ (أبوكاليبس) متوقّع. لكنّنا نعيش هذه المرحلة الآن، كل يوم نتحدّث عن متى سيصل العالم إلى مكان بائس. صرنا نحس بذلك جسدياً كذلك. مثلاً، مع كل موجة حر، تشعر فعلاً بحر شديد لكن هنالك كذلك الشعور بالخوف، الشعور بأن الأمور تتغيّر، لم تعد على طبيعتها.

بخصوص الكسل. للكسل وزنه، ألاحظ -بطبيعة الحال- أنّني كسلان، لا أحب أن أقوم بشيء. هنالك متعة كبيرة في الكسل.

والإبداع يحتاج للكسل…

نستطيع قول ذلك، لكن ليس كل مبدع كسول. أنا كسول بامتياز. أستطيع الجلوس  لساعات كي أحلم فقط، أحلم بما لن يحصل أبداً، وبما يمكن أن يتحوّل لمواد سينمائية. لكني لا آخذ نفسي بجديّة في هذا المعنى. أي لا آخذ نفسي كمبدع كسول. أي أنّه لا بد من الكسل كي أكون مبدعاً، أبداً. لستُ كذلك. أنا كسول وحسب، بساطة.

أحب أن أطبخ، وأحب المشي ببطء، أحب أن لا أقوم بشيء، أحب التسكّع، وأعتقد أن أكثر اللحظات التي عشتها، حتى كذكريات، هي التي كنت جالساً فيها، لساعات، لا أفعل شيئاً. إن كانت في الناصرة أو بيروت أو… كنتُ أحدّث صديقاً أن أجمل لحظاتي كانت في مقهى في بيروت هو مغلق الآن وحزنت كثيراً عليه، هو لصديق، المقهى كان رائعاً لأن لا شيء يحصل فيه ولا يمر أمامه، وزبائنه قليلون، أفراد. مقهى خاسر وجميل.

عندما عشتُ فترة في بيروت، وحين كنت أشتغل على فيديو كليب لياسمين (حمدان) مكثت لشهر ونصف في هذه المنطقة، وكانت فكرة أن أستيقظ كل يوم، أنزل لأتمشى قليلاً -كان هنالك مساحةً تمشي فيها وهذا غير عادي في بيروت- أجلس في المقهى نفسه، كنت أشعر أن الدنيا واسعة. وأنّ الوقت يمرّ وأنت تشعر أن لديك كل الوقت. يمر وقتٌ دون أن يحصل أي شيء، ثم يحدث أمر بسيط جداً، يكون حينها مركزياً كأنّه حديث عظيم، لكنه مجرد حدث عابر. في مكان كهذا، أعتقد أنّي إن جلست لسنة فقط، كنت كتبت ملاحظات عديدة، لأنّ لا شيء يحصل هناك ولأنّي لا أفعل شيئاً هناك. يوجد، لا بد، مخرجون آخرون كذلك، لكنهم ليسوا كثر. لأنّك حين تنظر إلى سيَر المخرجين تجدها مليئة بالأفلام وليس باللاشيء. أنا حياتي مليئة بـ “ولا شي”.

من هنا، من الـ “ولا شي” تأتي المَشاهد.

أكيد

طبيعة المشاهد التي تكتبها تحتاج قعدة كهذه.

أكيد. وربّما لأنّي منجذب لهذه القعدات، عندما تتشرب أموراً كهذه وتستوعبها، يكون ذلك لأنك منجذب لهذا النوع. فأكثر ما يعطيني روح النكتة أو السخرية يكون في مرات كثيرة هذا اللاشيء. أكبر مثال يمكن أن أحكيه لك، لما يأتي من هذا اللاشيء، هو عن فيلم «سجل اختفاء»، في مشهد منه لا يحصل شيء، وأنا جالس مع صديق لا نفعل شيئاً. يسقط كتاب، وبعد صمت يقول له “عمتشتّي ثقافة”. بالنسبة لي هنا تكون النكتة. لإنّه صحيح أنّنا كنا نجلس في هذا المحل، ولا شيء كان يحصل، لا أحد يمر، قليلون كانوا يمرّون، كما شاهدتَ في الفيلم، كان الملل عميقاً جداً، لكن في اللحظة التي يحصل فيها أي حدث بسيط، تكون له أهمية مركزية، وعندما تكون فيه روح النكتة، طبعاً سيهمّني ذلك كثيراً.

سئلت بالأمس سؤالاً مماثلاً، لماذا تحبّ أن تضحك العالم؟ سؤال جميل، بسيط جداً ومعقّد جداً، لكن له جوابه، لماذا؟ لأن هنالك انجذاب كبير، تريد المشاركة في الصورة وتريد المشاركة في القصص المضحكة. لا تريد أن تضحك على نكاتك الخاصة، تريد مشاركة النكتة. وفي النهاية، المتعة هي هذه المشاركة. أعدك أن لا تكون هنالك عشر سنين أخرى للفيلم القادم.

الآن، بالنسبة لفكرة أن لا تفعل شيئاً، وتخرج من ذلك بمَشاهد مكثفة جداً، إذ لا بد لأحدنا أن ينتبه لكل لحظة في كل مشهد. هذا يذكّرني بمقولتين متناقضتين في السينما، أو لنقل مدرستين: ألفرد هيتشكوك يقول إنّه لصناعة الفيلم لا بد من أخذ اللحظات المثيرة للاهتمام في الحياة التي نعيشها، والسيناريست الأساسي في “الواقعية الجديدة” الإيطالية، سيزار زافاتيني، يقول العكس، إنّنا نحذف من الحياة اللحظات المثيرة ونصنع بما تبقى الفيلم. أين ترى أفلامك من بين الاثنين؟

في الثانية، حيث نحذف اللحظات المثيرة للاهتمام. لكن المقولتان صحيحتان، لا تناقض بينهما. هنالك أفلام تُصنع للحظات مركزية وهنالك ما يأخذك إلى الهامش. أفلامي هي، أكثر، مراقَبات لهوامش، لكل ما هو على الهامش، فأسلّط الضوء عليه. لذلك كان الكثير من الناس يقولون “آه، كنا نرى ذلك كل يوم لكنّنا لم ننظر إليها مرة بشكل خاص”. فتمر كغيرها. حين تكون متنبّهاً، ما يحصل على الهامش يمكن إن رُبط ببعضه، أن يحمل معاني عدّة. فتبحث عن المعنى في الهامش. وهذه ليست استراتيجيات.

قد تكون من طبيعة كتابة هكذا مَشاهد.

نعم، هي تكون في النهاية، حسب من أنت تكون. أي أنّي أنتبه لأمور كهذه، أنتبه لما فيها من كوميديا أو سخرية أو ميلانكوليا. أفلامي جميعها تشبه بعضها، فيها جميعها كوميديا وميلانكوليا. وطبعاً، مثقلة بالتسييس. هذه هي الشخصية الرئيسية لأفلامي، هو من يقوم بها.

كلما أعود إلى أفلامي، وأتساءل عن سبب صناعتها، ليس في أي منها غموض. واضح تماماً لي لمَ صنعت «سجل اختفاء»، أتذكر تماماً ما الذي أدخلني إلى هذا المكان، فمن ناحية كنت غاضباً جداً، ومصاباً بالخيبة من مسار القضية الفلسطينية، وحزيناً. كان اتفاق أوسلو بالنسبة لي تراوما، عشت مرحلته بألم. أضحك على نفسي الآن حين أرى الإحباط الذي عشت به تلك المرحلة. وكنت أريد سرد فلسطين بطريقة بديلة. كان ذلك همّي، أنّي أردت صناعة فيلم يكون السرد فيه مختلفاً عن كل الكليشيهات، صنعته لأني أردت القول “يمكن للأفلام أن تُصنع هكذا، كذلك”، الآن لم أعد أقوم بذلك، فيلم واحد هو الذي أردت قول ذلك به وكفى. كان لدي حماس كبير لأن أبيّن كيف يمكن أن تُصنع الأفلام عن فلسطين لكن من زاوية مختلفة تماماً وسردية مختلفة تماماً، بدون الكليشيهات الفلسطينية “القومية”. ووقتها فعلت ذلك مع حب انتقام من الأفلام التي كانت تحكي عن فلسطين من خارج فلسطين، من إسرائيليين، فرنسيين…

وكذلك الأفلام التي مع القضية؟

وهذه كذلك، عن الكليشيهات التي فيها شعاراتية وتبسيط فظيع. وخالية من التعقيد المتعلق بما هي السينما. هي تحكي عن موضوع بشكل سيّء، كأنّك تستعمل لغة بمفردات ركيكة كي تحكي عن موضوع حساس جداً ويحتاج للدراسة والمشاعر. السينما فن في النهاية. أثناءها، في بداية «سجل اختفاء»، كانت هنالك رغبة في القول إن هنالك طرق بديلة كذلك، إضافة إلى السياسة، لذلك تجد أوسلو في الفيلم.

لذلك أردت في «سجل اختفاء» أن تكون الشخصية الرئيسية صامتة؟ كنوع من احتجاج؟

لا،  ليس هناك، هذه كذلك لم تكن استراتيجية. بدأ الصمت من أول فيلم قصير لي، «تكريم بالقتل»، صنعته كواحد من خمسة أفلام عن حرب الخليج. وهكذا كانت بداياتي. كان لي فيديو قبله، لا علاقة له بالسينما التي أصنعها اليوم، هو نوع من المونتاج السريع، أشبه بأفلام تلفزيونية ووثائقيات وهوليوود، عن كيف يتم تصوير العرب في الإعلام الغربي، لكن لا علاقة له بأفلامي. عندما أتيت لأصنع البديل، أردت أن أقوم بهجوم معاكس على سلاح يُستخدم ضدّي، كفلسطيني، سألت نفسي “هل سأقدّم لغةً بديلة؟” وبدأت. أتاني عرض لإنجاز هذا الفيلم القصير، وكان تكليفاً، لا برغبة منّي. أتى منتج ورأى الفيديو الذي صنعته وقال “هل تحب أن تصنع فيلماً عن حرب الخليج؟” قلت “نعم، أصنعه في نيويورك”.

بدأت بكتابته، كان ذلك تجريبياً، لم يكن لدي بعد شعوراً عن “ما هي السينما التي أريد أن أصنعها؟” لم يكن ذلك تجريباً وحسب، بل مغامِراً كذلك. كنت أريد تقليد مايكلأنجلو أنطونيوني وجان-لوك غودار، إحالات لأفلام شاهدتها، كنت أُقحم لغتي الخاصة في ساندويش، كانت تنقصني الثقة بنفسي طبعاً، في وضعية كهذه، فاتّكأت على أسماء هي أكثر فكرية منها عاطفية. تتكئ على نص أكثر مما تتكئ على الصمت، وتتكئ على ما أنت متأكداً من أنّه سيمرّ وبسرعة، كي لا تفشل في نوع السرد السينمائي الذي فيه مخاطرة أكبر.

الاتكاء على ما هو مضمون.

نعم، أردت وضع عواميد. ذلك من عدم الثقة في النفس، لم يكن لدي لغة، بل فقط فكرة عن ما هي اللغة التي أردت استعمالها. كانت المرة الأولى التي أقف فيها خلف الكاميرا، فلم أعرف تماماً ما الذي سيحصل بعدها. أردت أن أرمي نفسي في هذا المكان لأرى أين يمكن للغة أن تأخذني، لم أكن أسيطر. أردت بداية أن أبحث عن ممثل، يمثلني أنا، كجالس في بيتي في نيويورك، تندلع حرب الخليج وأقلق على أهلي في فلسطين. بعدها انتبهت إلى “لمَ أبحث عن ممثل يشبهني، أنا هنا”.

كانت هذه هي الخطوة الأولى التي أوصلتني إلى  أفلامي اليوم. كان حدساً أكثر من أي شيء آخر. والأمر نفسه بخصوص الصمت. شعرت أن هذه الشخصية -أنا- لا بد أن تكون صامتة، وأنّها ستُمثّل بهذه الطريقة، وشعرت أن الأصوات التي في الفيلم هي التي ستسرد وليس اللغة بالضرورة. أكملت بعدها كذلك. لو ترى سيناريو «سجل اختفاء»، في نسخه الأولى، ستجد شخصيات حقيقية موجودة في الناصرة، لكن السرد أتى من المخرج التايواني هاو هيساو-هايسن، وهو كان السبب لصناعتي أفلاماً اليوم، لأنّ المرة الأولى التي شاهدت له فيلماً، قلت لنفسي “آه، أنا بقدر أعمل أفلام”. هو بعد ياسوجيرو أوزو طبعاً، وهو من المتأثرين بأوزو، فسيناريو «سجل اختفاء» كان فيه حبكة، فتاة وأخوها، وقصة، وأموراً كهذه، فيها عناصر لو صارت فيلماً لكان فيلماً جميلاً. وقد نال السيناريو الذي كتبته، الإعجاب.

لمَ لم تصنعه؟

صنعته، لكنّي شرّحته، صار «سجل اختفاء». أتت لحظة معينة قلت لنفسي فيها “لا، أريد تجريب لغتي الخاصة” رأيت أن السيناريو يشبه هاو هيساو-هايسن لكنّه في الناصرة. فيه تقليد وفيه حقيقة.

في تلك اللحظة خرجت بهذا الأسلوب الذي نراه في ما لحقه من أفلام.

نعم. حينها كنت أبحث عن لغتي الخاصة، ما تطلّب المخاطرة. لو كنت صنعت ذلك الفيلم، لكان فيلماً جميلاً، له سيناريو جميل، فيه دراما والكثير من الفكاهة، بعض  الملاحظات المكتوبة لهذا السيناريو أرويها اليوم في المزاح أحياناً. كان فيه مشهد لشرطة متخفّية. فجأة تصل سيارات، تشحّط عندنا، يخرج منها رجال شرطة بملابس مدنية ويسألون عما نفعله هنا. نكون جالسين ندخّن، لا نفعل شيئاً، مراهقين، يدفشنا، عند العين في الناصرة، ويديرنا إلى الجدار ويسأل، كما في أي بيئة غيتو. يسأل “ما هو شغلك؟” فنعطي أجوبة ساخرة كـ “بركّي عواميد”… أي لا نفعل شيئاً، ويظن الشرطي أن ذلك عملٌ لا يعرفه هو.

هذا مثلاً مشهد فيه سرد معقّدة مع قصّة تراجيدية في نهايتها للفتاة التي كانت شقيقة الشخصية الرئيسية. شخصيتي أنا لم تكن هناك بالمرة. كان السيناريو مبنياً على شخصيات أعرفها، ما يذكّر بمجتمعات فيها شيء من الغيتو، شيء مافيوزي. مثلاً، كنت جالساً مرّة، في محل سوفينير، وقد كتبت هذا المشهد، يمر رجل من أمامنا، يدخّن، في صمت، يمر ويقول “هيّاني راجع”. يعود بعد عشر دقائق وحين يشعل سيجارته نجد دماً على يده. نعرف أنّه نزل ولكمَ أحدهم ورجع وجلس بصمت وأشعل سيجارته، دون أن يشتم من ضربه حتى. هذا النوع من اللحظات السينمائية كان يجذبني. فيها صمت، وفي الوقت نفسه العنف الذي في البلد، تستطيع أن تخرج كل ما تريده عن البلد، الغيتو، من لحظات الصمت هذه. أردت أولاً صنع الفيلم لكني قلت “لا، لا بد من مخاطرة أكبر” وكانت تلك بداية فكرة انقلبت لتصير فيلم «سجل اختفاء»، وكانت مخاطرة مخيفة. اليوم لا أستطيع الدخول في مخاطرات كهذه. لن أذهب إلى مكان احتمال الفشل فيه عالية كتلك.

قرّرت أن أصوّر الفيلم كلّه دون حكاية، وكنتُ أنا المنتج. أتى فريق كامل، ضخم، من فرنسا، أجلستهم وقلت لهم “ليس هنالك حكاية للفيلم، فقط عندي لوحات، لكن لا بد أن يحصل شيء ما خلال التصوير، وذلك سيتحوّل لمركز الحكاية في الفيلم”. سألوا “ما هو هذا الشيء؟” قلت “الحوادث تحصل دائماً”، لا بد أن يحصل شيء ما أثناء التصوير ويفتّح عندي فكرة لمركز تحوم حوله الحكاية، كبداية ووسط نهاية. فات الفريق كلّه بحالة رعب طبعاً. سألوا كيف لي أن أقوم بعمليّتي إنتاج، وهذا كلّه يحتاج لميزانية كبيرة وهذا يزيد من خوفهم. فكان أحدهم يأتي كل يومين يسأل “سيّد سليمان، هل من حادث؟ هل حصل شيء ما اليوم؟” أقول “لا شيء”. مرّت أيّام ولم يحصل شيء وزادت حالة الرعب لديهم. قالوا “سينتهي التصوير ولا حكاية عندك؟” وأنا أردّ بأن شيئاً ما لا بد أن يحصل. وكانت الفكرة أنه عندما يحصل شيء ما، نوقف التصوير والكل يعود إلى بيته، وأنا أكمل كتابة الفيلم بناء عليه، وهذا ما حصل. في مرحلة معينة، كنّا نصوّر المشهد الذي تأتي فيه سيارة شرطة إسرائيلية، بسرعة مخيفة وتشحّط، ويخرج عدة رجال شرطة منها ليتبوّلوا على جدار. كان مشهداً خطراً جداً، لأن السيارة المسرعة كانت تشحّط في اتجاهنا ويمكن أن ترتطم بنا. وكان المنتج يسألني “هل التقطتَ المشهد الجيّد”. أقول “لا”، وإن كان مشهداً جيّداً. كان يخاف أن تنقلب السيارة علينا. من المحاولة الأولى إلى الثانية عشرة، وقد صوّرت ٤ أو ٥ محاولات جيّدة. لكن لا أعرف ما كان يحصل في رأسي، إلى أن وصلنا إلى المحاولة التي يقع فيها الجهاز (الووكي توكي) من الشرطي الذي كان يركض بسرعة خلف السيارة، هو شرطي متأخر عن زملائه فيركض ليتبول معهم، وهذه بالمناسبة لقطة تهكمية من رامبو. يركض ويقفز ويقع منه الجهاز، بالغلط، ومن هناك أتت الفكرة، بعدها الشخصية الرئيسية (أنا) تجد الجهاز، تسمع أن عملية ستحصل، تعرف تفاصيل المهمة، وأنّها أُنجزت. تأخذ الجهاز وتضعه في مسرح “الحكواتي”، ثم تستعمله الفتاة كجزء من استعراض في الشارع. ويبدأون بالبحث عنها.

كل هذا المشهد، في الحكواتي، والفتاة، وما فعلته، والألعاب النارية، كُتب في ثلاثة أسابيع، وأنهينا التصوير، والجميع عاد إلى بيته، وهكذا صارت حبكة الفيلم. هذه المخاطرة مثلاً، لا أفعلها الآن.

أي أن المشاهد كلّها كانت مكتوبة مسبقاً في الفيلم الأخير؟

نعم، هنالك مشهد أو اثنان كتبتهما أثناء التحضير. هنالك مشاهد صوّرتها ولم أضعها، هنالك مشهد كبير جداً، متعلق بالشرطة الفرنسية وهي تلاحق أحدهم، في أكثر من مكان، وكان تتابعاً كوريوغرافياً، لكني وجدت أنه يكسر إيقاع الفيلم، فألغيته. لم يكن هنالك ارتجال. ومشهد آخر ضخم، فيه الكثير من الناس، مع الشرطة كذلك، صوّرته وحذفته لأنّه لم يكن كما أريد. هنالك مشاهد كنت قد حذفتها ثم أرجعتها. حذفتها لأسباب تخص الميزانية ثم أرجعتها، ثم حذفت غيرها. نستطيع القول أن الفيلم ممول بشكل جيد، لكن ليس تماماً، كان هنالك دائماً رغبة في تمويل أكبر، لأن الفيلم كبير، والمشاهد كبيرة، وفيه ثلاث عمليات ما قبل الإنتاج، وسفر كثير، وتأثيرات خاصة ضخمة. فكان هنالك قلق فيما يتعلّق بالقسم الخاص بنيويورك. فقد حذفت منه حوالي ٣٠٪ قبل التصوير لأنّ ميزانية هذا الجزء من الفيلم كانت صغيرة.

حذفته بعدما كان مكتوباً وجاهزا؟

كان مكتوباً في السيناريو، كنّا نتحضّر للتصوير.

بالحديث عن المَشاهد والتصوير، أول مشهد في الناصرة، في الكنيسة، هل كان سهل التصوير؟

لا، أبدًا، كان صعباً جداً.

لماذا؟

مشهد كهذا كان لا بد من يومين لتصويره، أنجزناه في ليلة واحدة، لكنه صُوّر كما يجب في النهاية. كان مشهداً أكبر، بزوايا أوسع، حذفت لقطات منه، كنّا نصوّر بمنطق الكر والفر. وما زاد المشهد صعوبة أنه احتاج إلى ممثلين إضافيين كثر، وهؤلاء يصعب تأمينهم، فليس هنالك أقسام لتأمين الممثلين الإضافيين، كما لدى الإسرائيليين. عندنا، لا بد من تجميعهم، فكان هنالك طلّاب سينما، وناس من البلد. بداية كانوا قليلين جداً، ثم أعلنا عن حالة طوارئ فاتصل كل واحد بأقرباء له للمشاركة. انتهى التصوير كما يجب أخيراً، لكنها لم تكن لحظة مريحة. أنهينا التصوير بشعور أنّ المشهد لم يُصوّر جيداً وأني سأحذفه، وتسبب ذلك بإحباط رهيب.

انتهى المشهد أخيراً كما تريده.

نعم، كما تراه أنت كمُشاهد، لكن خلال العملية ذاتها، تتعذب كثيراً عندما تعرف أنّ ما كنت تتخيله في رأسك لتصنعه، غير موجود أثناء التصوير، بسبب الوقت أو العدّة أو غيره، ولا تنسَ أن هذا المشهد أُنجز مع قلق بما يمكن أن يكون ردّ فعل الكنيسة. تعرف الكنيسة أن هذه القصة سترِد في الفيلم، لكني لا أعرف إن كانوا قد عرفوا المشهد، سنرى، إلى أن ينعرض الفيلم في الناصرة.

ذكرتني هنا في ما قاله جون كازافيتس مرة: “لا شيء مما تخطط له سيتحقق، الشيء الحيوي عن الفيلم أنّه يقاومك، يقول الفيلمُ لك: تظنّ أنّك ستفعل هذا وذاك، لكني سأفعل شيئاً آخر، وسأخبرك بما سأفعله.” رغم أنّ كازافيتس يكتب حكاية بحبكة وغيره.

طبعًا.

إلى أي درجة إذن يكون ما نشاهده نحن قريباً من النسخة الأولى التي هي قصاصات الملاحظات التي حدثتني عنها، أو السيناريو؟

الأكيد أنّه قريب جداً. عندما أرجع إلى السيناريو وأقرأه، أجد أنه تقريباً ذاته كما في الفيلم. لكن الأكيد كذلك أنه بعيد جداً. فأنت، حين تكون جالساً هنا، ما يكون في خيالك لا يمكن أن يكون ذاته لما تتيحه الإمكانيات حين تصوّر، كما هي في الواقع. فتشاهد الفيلم كشيء مختلف عمّا كتبته لكن في الوقت نفسه أنت صوّرت تماماً ما كنت كتبته. إن أنت تلتصق بالسيناريو كنوع من الويكيبيديا، أو الكتاب المقدّس، ويكون بالنسبة لك مرجعاً، سيكون الفيلم فاشلاً بالتأكيد، فلا عفويّة هنا. ففي البداية أنت تكتب السيناريو، ثم يمر بعض الوقت، فكيف يمكن لك أن تتأكد من آنية اللحظة المكتوبة أثناء التصوير، إذن لا بد أن تنسى السيناريو حينها. لا بد أن يكون لديك إلهام أثناء العمل. لأنّك إن تنفّذ ما هو في السيناريو فقط: ٤ يأتون من هنا، ٥ من هناك… يكون ذلك تطبيقاً وحسب. لا أقوم أنا بذلك. بل أثناء التصوير، كي أشعر أنّي الآن أبدأ العمل، من جديد، كي يكون هنالك إحساس لدى المُشاهد بأن هذه الآنية موجودة، وإلا يشعر بأنّه شيء من “الزمن الماضي”، بالتالي، إن أردت منح هذا الشعور “بالزمن المضارع” للمُشاهد، لا بد من دخول المخاطرة مرة أخرى. ما أفعله هو أني بعدما أكون قد كتبت السيناريو، وفي قسم الإنتاج والأقسام الأخرى، وكل قسم يريد ما يريده، ما أحاوله أثناء التصوير هو كأن تقوم بالواجب المنزلي لكنّك لا تحضره معك إلى المدرسة. هذا ما أحاوله وإن كان مخيفاً أحياناً. لا بأس، حين يصل الخوف إلى درجات معيّنة أعود إلى السيناريو وأقول “آه صحيحة هذه الشخصية، فهمتُ الآن لم قمت بذلك”. لكني لا أعود إلى السيناريو كمُرشد أو دليل. هو ليس كتاباً مقدساً. فيحدث الإلهام، ولا بد أن يحدث، بالتالي تبقى مشحوناً بالخلق أثناء التصوير.

تشتغل فترة طويلة على السيناريو، لسنين، فمن المستحيل أن تنسى ما كتبته، لكنه يعطيك مساحة لتحلم من جديد. حتى في الماستر كلاس، أنصح المخرجين بعدم الالتزام بالنّص لأنّه يحدّدهم، فالنّص كُتب مسبقاً، وستعود لكتابته أثناء قراءته، لا بد من كتابته من الأوّل. قراءة السيناريو لا بد أن تكون إعادة كتابة له. أنا أعطي السيناريو للمساعد، وأقول له بأن يبقيه لديه، وهو دائماً معي، حين أشعر بأنني ضعت قليلاً، أعود وقتها إلى النّص.

بعض الأمور أثناء التصوير تعطيك إمكانيات لم تكن تحلم بها حتى، تنظر حولك وتقول “نعم هنالك ما هو مثير للاهتمام، أحدهم يأتي من هنا وليس هناك مثلاً، بسبب الخلفية أو الإيقاع أو غيره”. لا بد من شغل عفوي وابتكاري أثناء التصوير. إن كان لديك الوقت لذلك، عظيم، وإن لم يكن، لا بد أن تضغط نفسك قليلاً لتشتغل هكذا.

في الجزء الثاني من المقابلة والمنشورة غداً، يتحدّث إيليا سليمان أكثر عن كتابة السيناريو، عن العنوان «إن شئت كما في السماء»، عن “الجنة” المقصودة، عن عولمة الحالة الفلسطينية، عن التنبّؤات أثناء الكتابة لأفلامه، عن التفاؤل والتشاؤم وإسرائيل، عن تغييرات في المشهد الأخير للفيلم، عن الجيل الجديد وأساليب المقاومة، عن الصمت كأسلوب سردي سينمائي ومقاوِم، عن الاستهلاك في السينما، عن جاك تاتي وبستر كيتن، عن معنى “أنا فلسطيني” التي قالها في الفيلم، عن فكرة “الغريب التام” والهوية الفلسطينية التي قويت مع هذا الفيلم، عن التوقعات من عرضَي رام الله والناصرة…

 يُعرض «إن شئت كما في السماء» ضمن مهرجان “أيام فلسطين السينمائية” في رام الله (٢ أكتوبر) وفي الناصرة (٤ أكتوبر).

-2-

هنالك إذن عملية الخلق، هي في كتابة الملاحظات والسيناريو والتصوير…

ليس الملاحظات. هذه أكتبها أثناء الجلوس في مقهى، أو هنا في البيت أحلم وأقول “قد يكون ذلك مثيراً للاهتمام” أو ترى في الخارج شيئاً ما وتقول “آه هذا مضحك”. وتبدأ بكتابة الملاحظات. بعدها أرتّب هذه الملاحظات، هنالك أقسام: باريس مثلاً، أضع الملاحظات حول المدينة، بتاريخ ومكان محددين، كأنّها دفتر يوميات. بعدها تتخيل إن كان هنالك احتمال ليتحقق ذلك أو ليتم مسخه إلى بعدٍ فنّي أو سينمائي، فتبدأ في الحلم بها. ويمكن أن تجد ملاحظتين متقاربتين فتقول “آه هذه تشبه تلك، أو بين هذه الملاحظات صلة ما، بالتالي، سنرى إن أمكن وضعها في الصورة ذاتها”. ثمّ تبدأ بتركيب الصور. تركّب إلى أن يصير هنالك ثقل ما في المشهد، كي لا يبقى على مستوى النوادر أو القصص المتفرقة. لا بد أن تشعر بأن هذا المشهد صار لوحة بحد ذاته، صار فيه أجسام كمقدّمة وخلفية وجانبية.

عندي دائماً الطموح بأن أحدهم حين يشاهد أفلامي ويشاهدها مرة أخرى، أن يكون كما يذهب إلى متحف لمشاهدة لوحة ما، يزوره عدة مرات ليعود إلى اللوحة ويرى أشياء جديدة لم يكن منتبهاً لها، وأشياء جديدة تخص علاقته باللوحة في تلك اللحظة، لأنّ الزمن قد مرّ على المشاهدة السابقة للوحة. عندما تشاهد فيلماً مرة أخرى تكون كمُشاهد قد تغيّرت، بالتالي سيرورة التماهي تكون قد تغيرت كذلك، فتصير هنالك رؤية جديدة للصورة، ليست من جانب المخرج بل المُشاهد كذلك.

تصنع الفيلم ليكون هنالك شراكة في الإنتاج، لا تظنّ أنّك كمخرج من صنع الفيلم وانتهى الأمر، فالمشاهد هو الذي يقرأ، هو الذي يتخيل، هو الذي يحلم. أنت ستعطيه مساحة معينة، بعدها ستتطوّر المساحة إلى مستوى آخر. لا أؤمن بأن المخرج هو من يصنع الفيلم.

هنالك الكثير من الأسئلة التي مرّت إجاباتها أثناء حديثك… لكن عندي سؤال قصير ومباشر. العنوان غريب بعض الشيء، It Must be Heaven، بالإنكليزية، و”إن شئت كما في السماء” بالعربية.

دعنا لا نتكلم عن “إن شئت كما في السماء” لأنّ عنوان وضعته فقط كي لا يكتب أحدهم…

لا بد أنّها الجنّة.

نعم.

طّيب، العنوان الإنكليزي، من أين أتى؟

لا أعرف في الحقيقة.

لها معنيان، كلمة Must قد نفهمها هنا كإلزام وكذلك كافتراض.

أعتقد أنّ المقصود هنا أنها، “إت مَست بي هيفن” غير الموجودة، أحكي عن الجنّة غير الموجودة. لأن الفيلم يحكي عن الوهم الذي يحصل عند أحدنا عندما. مثلاً، يصل إلى باريس ويرى ما يراه، النساء مثلاً كما في الفيلم، ويقول “واو، هي الجنّة”. يستيقظ في اليوم التالي ليرى الشرطة في كل مكان، تلاحق العرب والهنود وغيرهم. هنالك خيبة أمل.

طيّب، ما الجنّة التي في الناصرة؟

(يضحك) جهنّم. في البداية لا جنّة هناك. لكنّ الشخصية الرئيسية ترى نهاية البلد، وترى أنّ إمكانيات أن يبقى في البلد صارت ضئيلة جداً، وأنها لم تعد تُحتمل. طبعاً هذا ضمن الهزل والنكتة، لكن ضمن الوضع السياسي كذلك. لا يجد الجنة في النهاية، بل احتماليات للجنة، تحديداً في المشهد الأخير من الفيلم، ترى شباباً وفتيات يرقصون بسعادة، يمنحون الأمل، لكن لا يكون ذلك الجنّة أبداً، لأنّ الشخصية (إيليا سليمان) لا تجد الجنة، بل تجد نفسها بعيدة عن هذا المجتمع وجوهره. هنالك فجوة غير معرّفة بينه وهم، لأن الشخصية تنظر إليهم دون قدرة على مشاركتهم. تنظر إلى جيل لم يعد جيلها، لكنها ترى مقاومة، نوعاً من المقاومة لما يعانيه المكان، لكن لا جنّة هنا.

عنوان الفيلم هو نوع من السخرية في الحقيقة، هو الوهم بأن هنالك جنة، الفكرة واضحة تحديداً في الجزء الخاص بباريس من الفيلم، كون الفكرة أكثر وضوحاً فيها. ثم الحماس يخف لكن الأمل يبقى موجوداً عندها، العنوان هو مجاز (ميتافور) عن وضع اللا جنّة الذي نعيش فيه.

الذي هو كما قلتَ عنه مرّة إنّه “فلسْطَنَة العالم”.

نعم

هل الوضع متأزّم إلى هذه الدرجة في العالم، أو “كافكاوي”، لنقُل؟ كأن تدخل إلى حالة لا مخرج منها، والمدخل قد اختفى، كأنّ العالم كلّه علقَ كما هي فلسطين عالقة.

نعم، هي هذه فكرة الفيلم، هي عن عولمة العنف والاحتلال، هي ما يمكن تسميته بـ “حالة الاستثناء”. أنّ أحدنا أين يمكن له أن يذهب؟ إن هرب من هذا المكان ليبحث عن بديل، لا يجد سوى المكان ذاته، لأن الأمكنة كلها صارت تتشابه. صار هنالك حالة استثناء، وشرطة وحدود وحواجز…

تقصد حضور السّلاح؟ الجيش الإسرائيلي في فلسطين، الشرطة في فرنسا، تسلّح المدنيين في أميركا.

نعم، والجو العام كذلك. هنالك دائماً طائرات هليكوبتر، سيارات شرطة… هنالك توتّرات الآن في كل مكان. يحكي الفيلم عن هذه بالأساس. عن عولمة فلسطين، أو احتلال فلسطين، فنحن لا نحكي عن مسألة اجتماعية، بل عن وضع التوتر. بين قوسين أقول، أثناء كتابة السيناريو، كنت أقول “سيحصل ما هو مخيف في هذه البلد (فرنسا)”، لأني صرت أشعر في مرحلة ما بأن الأمور ليست على طبيعتها، قبل الأحداث الأخيرة (عسكرة البلد). وعندها حصلَت قلت “هذه هي”. أحياناً  يكون لأحدنا غريزة حيوانية.

في مصر مثلاً. قبل ثورة يناير ٢٠١١، كنت هناك من أجل ماستر كلاس، وحضر أناس كثر. أتت المسؤولة عن المهرجان وقالت إن هنالك من يطلبون منّي ماستر كلاس، قلت لها “كان من الأفضل الإعلان عنه منذ وقت فأنا باق ليومين في مصر”. قالت “ما تقلقش يا خواجة، احنا عندنا حاجة اسمها انترنت”. قلت “أوكي اعملوها”. وكنت أظن أن الحضور سيكون ضئيلاً. لكن في النهاية أُجبروا على وضع شاشة في الخارج بسبب امتلاء القاعة. وأتذكّر أنّي قلت بعدها أنّ ما رأيته هناك كان باروداً مستعداً للانفجار، من حماسة الشباب الجالسين بعيون مفتوحة والراغبين بشدة في المعرفة، شعرت وقلت “إن شيئاً ما سيحصل في هذه البلد”. وقلت كذلك إنّه من المحبط أن يكون أحدنا في القاهرة. كان هنالك شعور عام بالتوتر، مع حالة “أمر واقع” لكنه شعور مهيب وفي الوقت نفسه فارغ. وعَدت نفسي في تلك اللحظات بأن لا أعود إليها. قلت “لا أريد أن أكون في وضعية كهذه بتوتّر من هذا النوع”. بعدها بأشهر قليلة بدأ الربيع العربي.

أحياناً تشعر بالأمور، وعندما كتبت السيناريو للفيلم كان في ذهني أن ما أكتبه هو إنذار للعنف المحتمل الذي يمكن أن يحصل كذلك هنا في باريس. أتذكر تماماً حين حصلت الأحداث في فرنسا وقلت “خلص، لا داعي للسيناريو”، واكتأبت. قلت “الآن أريد كتابة شيء آخر لأن ما أردت كتابته حصل”، وقد صار ذلك معي من قبل، وكدتُ أتخلى عن فكرة «يد إلهية»، لأني كنت أكتبه مع علامة إنذار أن شيئاً ما سينفجر، فاندلعت الانتفاضة الثانية أثناء التصوير. وقلت للمنتج وقتها إنّي لست أكيداً من أني سأنجز هذا الفيلم. سأل لماذا؟ قلت “ما أردت أن أحكيه في الفيلم، يحصل تماماً في الشوارع. لمَ قد يعيد أحدنا القصص ذاتها!” ضحك وقال “فلننته من الفيلم”. قلت “أوكي”. وانتهينا.

من الفيلم ومن عنوانه، نشعر بالنظرة التشاؤمية. لكن هنالك لقطات نقيضة، آخر مشهد مثلاً من الجزء الأول الخاص بالناصرة، الجنود في سيارة لا يرون سيارتك، فتاة في الخلف معصوبة العينين -تشبه عهد التميمي- تنظر إليك. هذا مشهد يعطي تفاؤلاً في النهاية. إلى أي درجة يمكن القول إن الفيلم، في النهاية، “تشاؤليّ”؟ قد لا نستطيع القول إنه تفاؤلي ولا تشاؤمي.

بلى، الفيلم متفائل جداً. لكن -أكثر- من المشهد الذي يليه، البدوية التي تروح وتجيء، وينتهي الجزء بهذا المشهد. الآن سأحدثك عن هذا الموضوع تحديداً. مشهد “عهد التميمي”. كان أكثر مشهد فيه إسرائيليون، إضافة لمشهدين أو ثلاثة غيره فيها إسرائيليون، لكن من القدر الذي كنت فيه مستاءً من حتى وجودهم في أفلامي السابقة، ما يعطيهم شرعية حضور، صار عندي قرار خلال التحضير بأن أقلّص من وجودهم في الفيلم، من منطلق سياسي تماماً، فإسرائيل صارت دولة فاشية بامتياز، لا نقاش بعد في ذلك، صار هنالك إطار أسود لنظام عسكري فاشي بأساليب عصرية. قلت لنفسي “لمَ إذن أتعاطى معه!” كان القرار أخيراً أني ألغيت مشهداً ضخماً جداً، وجميلاً جداً، كي ألخّص كل ما هو إسرائيلي في مشهد “عهد التميمي” فقط. بعدها حذفت من السيناريو المقاطع الأخرى وقلت إنّ هذا هو الوضع، إسرائيل توجد في فيلمي ضمن هذا الحيّز، وهذا تعريفُ إسرائيل: جنود وخلفهم معتقلة، ووقتها أتتني فكرة لمَ لا يكون مشهداً تكريمياً لعهد التميمي. لخّص هذا المشهد لي الوضع في البلد.

لم يكن فيه تفاؤلاً بل تلخيصاً لما هي إسرائيل، ودرت ظهري لإسرائيل. كما قال صحافي إسرائيلي لي مرة “هذه المرّة، فعلاً، وحّشتَ بنا، هذه المرّة أنت تجاهلتنا تماماً”. قلت له “ليس هنالك نقاش بعد في من تكونون، إن كان لديك طاقة لتذهب وتغيّر الوضع، اذهب، الله معك. لكن بالنسبة لي، انتم انتهيتم. صرتم فقط ماكينة للقمع والاحتلال ولم يعد هنالك أي هامش للأمل”. لكنّي وضعت أملي، أخيراً، في هذا الفيلم في البدوية التي ماتزال موجودة، تمشي وقد باعت جرّة اللبن ومعها غيرها لتبيعها، هي استمرارية لفلسطين، بالمجاز طبعاً.

بعدها، حين مررنا ببارات حيفا، في أحدها رأيت الناس يرقصون ومتحمّسون فرِحت ورأيت مشهداً يشبه المشهد الأخير الذي كنت كتبته، قلت لنفسي “هذه ستكون نهاية الفيلم”. وكنّا لحظتها نصوّر الفيلم في الناصرة، فذهبت إلى الإنتاج وقلت لهم هنالك مشهد إضافي سوف أصوّره، وطبعاً دخلوا في حالة رعب كجهة إنتاج. وأنجزنا المشهد في آخر يوم تصوير.

غيّرت إذن في المشهد الأخير؟

زدتُ هذا المشهد فقط، ففيه وضوح أكثر عمّا أحكيه بخصوص الأمل. في مرحلة معيّنة، أنا اكتشفت الأمل، لأني حين بدأت التحضير للفيلم، ذهبت إلى المحل الذي أعرفه، الناصرة، وهو الغيتو ذاته والذي تسوء حالته مع الزمن. لم أكن أعرف أنّ الشباب يتحرّكون بنوع من الاستمرارية دون أن يكونوا متحزّبين أو تابعين، هذا فوران جديد. كنت أظن أن الفيلم سينتهي بنغمة حزينة فيها أمل لكن فيها ميلانكوليا. لكن حين اكتشفت هؤلاء الشباب، اكتشفت، أنا كذلك وليس فقط للفيلم، أن الشباب المتجمعين مع بعضهم، راغبون في التعبير عن أنفسهم ثقافياً، ومن خلال الاحتفال أو مهما يريدون، ولديهم هم مكان للأمل. كان ذلك تجلّي واكتشاف بالنسبة لي، أحببت ما رأيته. سعدتُ كثيراً لأرى شباباً يجدون طريقتهم الخاصة في مقاومة الاحتلال العسكري أو السيكولوجي أو غيره.

كان عندي ماستر كلاس بعد الانتهاء من الفيلم، لأن بعض الشباب المشاركين في المشهد الأول (في الكنيسة) أتوا على شرط أن أقدّم ماستر كلاس في حيفا. وقتها كنت قد ذهبت مرّات إلى البارات ذاتها في حيفا، لكني قلت شيئاً، وهو ما أضعه اليوم كعلامة تحذير، أن هذه الحياة، لا يجب أن تصير كما هي في مدن وبلدان أخرى كسراييفو أو بيروت، هذه الأمكنة الصغيرة التي تجد مجالاً للتنفّس والحماس، نتيجة لأوضاع سياسية أو قمع، لا يجب أن يصير هنالك نوع من المؤسساتية في هذا النوع من التعبير عن المقاومة، وأنّ الأمور لا بد أن تمشي إلى الأمام. في الماستر كلاس قلت ذلك “آه، أحب ما يحصل، وهو عظيم، لكن أتمنى أن لا يتحول ذلك لشيء يحوم حول نفسه”، أنّنا نضح قرطاً على الأذن ونذهب إلى البارات… يصير ذلك نوعاً من الركود. هنالك قلق حيال ذلك.

قد يكون هنالك شكل مقابل له في فيلمك، هو الصمت، المراقبة، وقد قلتَ في مقابلة مرّة إن الصمت هنا هو نوع من أنواع المقاومة. لأنّ أصحاب السلطات يريدون ضجّة وليس صمتاً تأملياً.

طبعًا

كيف يكون ذلك؟

الصمت هنا يتعلّق بالسرد السينمائي وليس خارج السينما. الصمت كمقاومة في الأعمال الفنية وليس خارج العمل الفني. السؤال الذي سُئلته كان “لمَ الصمت؟” أقول لأن الصمت بحد ذاته أقوى من الكلام، لأن هنالك شيء لامركزي في الصمت، وهو ما تخاف منه المؤسسة والسلطات. يريدونك أن تقول ما تريده كي يستطيعوا الإجابة، أو ما تفكّر به، ذلك أفضل لهم من أن تعطيهم شعراً، الحكّام يكرهون الشعراء، خصوصاً حين يكونون غير مباشرين في شعرهم، لأنّ الأنسب لهم أن يمسكوا المركزية، وقتها يستطيعون سجن الناس، ويختلف الأمر حين تؤلف لحناً أو أغنية وفيها انبعاث لأمل ما، وبالنسبة للحاكم سيكون الأمل هو بإسقاطه عن الحكم. الصمت تابع للشعر، تابع لمنح الصورة لمراكز مبعثرة. كأن أحدنا ينظر إلى الكون، لا كمن ينظر إلى مركز. هذا أولاً بخصوص الصمت.

أما ثانياً، وهو في اللاوعي وليس من الضروري قراءته في الفيلم، الصمت يقرّبنا دائماً إلى حقيقة أننا زائلون، هذه كذلك مهدّدة للسلطة، لأنّه مطلوب من سوق الاستهلاك أن تبقى هنالك ضجّة ما، وتتوقّع الفيلم الذي يليه دائماً، وتتناول البوبكورن، كي تكون مستهلِكاً. أما إن بدأت بالتفكير في الزمن، وفي كيف يمر، وتشعر بتساؤل وجودي، وقتها كذلك تدخل في نوع من المقاومة، لأنّك تسأل “لماذا أنا؟ لماذا أنا هنا؟ كيف يمكنني تغيير حياتي؟ أو أحسّنها؟ أو أغيّر حياة الآخر؟ كيف يكون هنالك استمرارية أو تواصل؟” ثم تبدأ في التفكير في ما هو مُسيّس. كيف مثلاً ستبدأ في حياة أفضل؟ كيف تتناول طعاماً نظيفاً؟ فتبدأ حربك ضد الكيماويات. تفكّر كيف تحسن في الوضع البيئي الاجتماعي السياسي. بالتالي فإن فيلماً يطرح أسئلة كهذه، هو، بالشعر وبالفن، مناهض ومقاوم. بينما، في فيلم بضجّة أو حبكة سريعة، لا تشعر فيه بالزمن، تدخل إليه كأنك تدخل جبّالة صور ترميك في النهاية منتشياً من الأكشن الذي شاهدته، وتعود مرة أخرى لتشاهد فيلماً يختلف قليلاً، الشخصيات تختلف قليلاً، لكن في النهاية يكون بتركيبة مشابهة، كي تسعد مرّة أخرى السعادة ذاتها، كي يمر الوقت كذلك، لتكون أنت في النهاية استهلاكياً مرة أخرى. طبعا الفن هو ضد الاستهلاك. هنالك مواقع شائبة منه كونه منغمساً في السوق الاستهلاكية. لكن ما أقوله في الأفلام هو في مرّات كثيرة مناهضاً للاستهلاك.

هذا يرجعني إلى جاك تاتي الذي اختار الصمت لنقد الرأسمالية والاستهلاك كذلك. هنالك إحالات إلى جاك تاتي وبستر كيتن في الحديث عن أفلامك، الاثنان صامتان. إلى أي درجة ترى أن أفلامك فعلاً تشبه أفلامهما؟

انظر، أكيد مليون في المئة. أشعر بالإطراء حين يقول لي أحدهم أن فيلمي يذكّره بتاتي أو كيتن، والجميل أن المسألة لم تأت بأن كان هؤلاء مرجعيات لي، مرجعياتي كانت ياسوجيرو أوزو وهاو هيساو-هيسان. لم أكن حتى أعرف تاتي وكيتن. أنا أساساً لست مثقفاً سينمائياً. لم أبدأ بمشاهدة أفلام صامتة بل اكتشفتها متأخراً. اكتشفت كيتن متأخراً جداً، كنت أعرف تشارلي تشابلن لكن أكيد لا علاقة له بأفلامي، هو أكثر دراما اجتماعية. باستر كيتن شاعر أكيد، وهو ليس راقصاً وبهلوانياً مهماً فقط، هو كذلك شاعر عظيم، وكذلك تاتي. أستطيع أن أقول لك إن ما يشبّهني بكيتن هي -أكثر- الشخصية التي أمثّلها، وطريقة التمثيل، بملامح دون تعبير.

بالنسبة لتاتي، اللوحات هي نفسها، محتوى الصورة هو ما يتشابه أكثر، إلى درجة أنّي ذهبت مرة في ٢٠٠٢ لمشاهدة فيلمه Playtime. حصلت معي نهفة في الشارع فأخرجت دفتري وكتبت ملاحظة، شاهدنا الفيلم ووجدت الصّورة نفسها فيه. هنالك طبعاً تشابه في قصص كهذه.

حين تشاهد أفلامي، تلاحظ أنها بدأت من سكون تام، ملامح ثابتة تماماً، دون تعابير بالمرة. لكن حين ترى التطور، تجد أنّي في الفيلم الأخير غيّرت كلياً، قد لا يكون ذلك ملاحَظاً لكنه بالنسبة لي هو نقلة كبيرة. صارت الشخصية الممسوحة في الفيلم تعطي تعابير أكثر. تحديداً، عندما صوّرت المشهد الأخير، الحفلة والرقص، قلت “هنا لا أستطيع أن أكون بملامح ثابتة أو أن لا أتأثّر”. هنا لا بد من منح كل المشاعر التي هي حقيقة موجودة لدي، منها الحزن، الميلانكوليا، منها السعادة لما أراه، منها أني لا أستطيع أن أدخل وأشاركهم، ومليون شعور آخر. قلت “لا بد لهؤلاء أن يكونوا التعبير لما أشعر به. لا أستطيع أن أكون مجرد مرشد لما أراه أمامي”، لأن التفاعل بيني وبين هذه الصورة مهم جداً، بالتالي، في أكثر من لحظة، أغيّر في تعابير وجهي كي أدخل أكثر إلى ما أشعر به، وإن لم يظهر ذلك بصوت عالٍ. لم أعد المراقب السلبي، صرتُ جزءاً من الصورة.

وأنت تقول ذلك، أكثر ما يتذكّره مشاهد الفيلم قد يكون أنّك تحكي للمرّة الأولى في أفلامك، وقلت كلمتين: أنا فلسطيني، من الناصرة.

ليستا كلمتين، هي كلمات مشفّرة. ليست كلمات عادية. كان لها سبب، كان لوجودها سبب فكأني لم أحكِ في الواقع. بالنسبة لي ليس هذا الكلام كلاماً، هو -أكثر- القليل من المتفجرات. فيها، وهي القليلة، ما يحكي عن مسألة كبيرة جداً. لا أعطي معلومات فيها. فكان من الضروري أن أقول “الناصرة” و”فلسطيني” للأسباب السياسية الواضحة جداً.

لا أعرف أين كنت أقرأ مراجعة سيئة للفيلم، تحكي عن ذلك، عن عدم اكتراثي ولا اعترافي بالدولة، كانت في جريدة كبيرة نسيتها. هذا ليس عدم اعتراف، هو عدم اكتراث. هنالك شيء غير معلوماتي، هو مجاز مشفّر.

في الجزء نفسه، في نيويورك. يقول أحدهم إن علاقتك صارت في الأمكنة المتعددة وليست المكان الواحد (فلسطين) ويسألك إن كنتَ “الغريب التام”. هل كانت إجابة “أنا فلسطيني من الناصرة” على هذا الرجل وليس شوفير التاكسي الذي سألك من أين أتيت؟

لا، الجواب عليه كان المشهدُ الأخير، أنّي في النهاية لستُ “الغريب التام”. انتمائي فلسطينياً هو كذلك انتماء فيه تماهي مع كل شعوب العالم التي تعاني من المعاناة ذاتها، عدتُ وقمت بـ “المغادرة مجدداً” مرة أخرى في هذا الفيلم. لم أكن واعياً لهذه المسألة. بدأت أعيها عندما كنت في الناصرة أصوّر الفيلم، شعرت بشيء غريب فيّ، شيء كنت أدحضه تماماً. فقد كنت أظن بأنّي أممي من حيث الانتماء، وكل مكان هو وطن لي. اتّبعتُ مفهوماً يجعلني أصل للآخر دون أي مركزية جيوسياسية. القومية ملغيّة بالنسبة لي. اكتشفت أني قد ألغيت كل ما هو قومي، لكني اكتشفت أمراً آخر، هو انتماء قوي جداً، دون التباس بينه وبين القومية، هو لهذا الشعب. اكتشفتها في هذا الفيلم.

انتهى هذا الفيلم بالطريقة التي انتهى فيها لأني اكتشفت أثناء صنعه ما هي علاقتي مع هذا المكان، قويَت العلاقة. أتتني فترة طويلة كنت أشعر فيها بأن علاقتي ترحاليّة نوعاً ما، بأني غريب تام، مواطن العالم، وفي النهاية، لا. إني أعيش نوعاً من المنفى. لا بد أن أعايش هذا المنفى. لأنّه من الأكيد أن لا عودة، ليس الموضوع أن يكون أحدنا هناك، الموضوع هو كم أنا مرتبط، وبشكل حاد، عاطفياً، بالفلسطينيين. هذه اكتشفتها، وكانت كإعادة تركيب للعلاقة، لكنها علاقة صارت أقوى. كانت قوية لكنها أساساً وصارت قوية جداً. أو كانت قوية لكنها خفّت أولاً، والآن صارت أقوى بكثير. اكتشفتها أثناء التحضير للفيلم، أخبرك بما هو خارج الصورة الآن، بدأت بالشعور به في الناصرة، قد يكون لأسباب منها الغضب، منها الألم، التعاضد، التعاطف، أنا متأكد بأننا نستطيع الآن تجميع الكثير من الكلمات من القاموس لوصف ذلك. في النهاية هو إحساس بدأ يقوى عندي أثناء التحضير للفيلم، عن علاقتي بهذا المكان، والتي قويت، وتلخصت في هذا المشهد الأخير. أما المشهد الذي في نيويورك، حيث سئلت عن “الغريب التام”، فهو النقيض للمشهد الأخير.

في مشهد نيويورك الكثير من الرطانة الفكرية، عندما كتبت المشهد، قد سرقت ملاحظات المشهد من هنا وهناك، ودمجتها مع بعضها -كما فعلت مرّة مع خالتي في فيلم «سجل اختفاء»- ليكون مفهوماً بشكل ما، وفيه نوع من السخرية على ما يُقال في المشهد نفسه، لكن في ذلك أيضاً شيء من تجربتي، ففي الكثير من الماستر كلاس التي قمت بها، كانت هنالك مقاربات أسطورية على من أنا، على مستوى الوجود الترحالي والغريب التام.

في الأكاديميات ومراكز السينما مثلاً، يحبون الحديث عن أني مواطن العالم، وذلك صحيح لكني أحببت أن ألعب عليها لأن ذلك صار مؤسساتياً بحد ذاته، كأنّه يتوجّب الحديث عنها في كل مرة يقدّمني أحدهم، أنّي أعيش في كل مكان وفي لامكان. نستطيع اللعب كثيراً على مفردات كهذه. تكون الفكرة عميقة، ثم تتسطح عندما تبدأ بالإعادة، تكرار المفهوم ذاته، يصبح هناك إطناب، ويصبح لزاماً عليك العمل على إعادة بناء للمفهوم الذي قلته مسبقاً. فالطريقة التي قال بها الرّجل ذلك، الطريقة التي أخرجتُه بها ليحكيها، كان شيئاً ما عن الإطناب، لأنّه في النهاية هنالك ما هو أعمق للحديث عنه. لكن أجمل ما في هذا المشهد هو الفتاة التي كانت ترتدي رأس حيوان والتي ملّت ولفّت رأسها ولم تستطع تحمّل الحديث وغادرت. أعتقد أنّي أمضيت ساعة أوجّه هذه الفتاة لتمثّل الدور كما أريده. كلما مثّلَت أقول لها “لا، أريدك أن تملّي عن جد”. في هذا المشهد كانت هي أكثر من اشتغلت عليه، أردتها أن تقول بملامح وجهها “حل عنّي أنت وحكيَك”.

السؤال الأخير، سيُعرض الفيلم لأوّل مرة في فلسطين في ٢ أكتوبر، وفي ٤ الشهر في الناصرة. ضمن مهرجان “أيام فلسطين السينمائية”، هل تتوقع شيئاً من الجمهور الفلسطيني؟

لا. عندي فضول أن أرى كيف ستكون ردّة فعلهم.

هل سيفهمون جيداً مثلاً الجزأين الخاصين بباريس ونيويورك؟

أنا كذلك عندي السؤال ذاته، ولستُ أكيداً. أعتقد أنه قد يتواجد نوعان من المشاهدين، من قد لا يفهم بعض الإحالات والشيفرات الثقافية الخاصة خارج فلسطين، لكن قد يحب ما يشاهده على مستوى سينمائي بحت. طرحت على نفسي هذا السؤال، إن كانوا ينتظرون مني دائماً أن أعود حاملاً قضية فلسطين بجغرافية فلسطين، قد يكون هنالك تجاوب سلبي، فهنا ليس كما كان الحال في «الزمن الباقي» مثلاً، حضرت النكبة من أوّل الفيلم، فيقولون “أوكي، هذا نحن”. لكن هنا، لا. هنا أوسّع المساحة الخاصة بفلسطين، بالتالي قد لا يكون لديهم الشعور ذاته، فلا يتفاعلون بالحدّة ذاتها، لأننا، كالجميع، نحب أن يعكس الأمر واقعنا، بشكل شخصي، وقد نحتاج جهداً أكبر كي نخرج من أنفسنا، ونرى أشياء أخرى بعيدة عنا ولنا علاقة بها. أتأمّل أن من سيأتي للفيلم سيكون عارفاً مسبقاً بطبيعته، كي لا يدخل في تساؤل “أين نحن في الفيلم؟ نحن هنا فقط؟ ولمَ هو غير مباشر سياسياً؟ وإسرائيل في مشهد واحد فقط؟” وهذا عكس ما كنت قد قلتُه بأنّي لخّصت حضور إسرائيل بذلك المشهد (عهد التميمي)، فقد يشكّل ذلك خيبة أمل للناس بأن “فقط هذا عن إسرائيل؟”

طبعاً سيكون هنالك تجاوب، يجب الأخذ بعين الاعتبار أن الأمور هناك، لدى الحضور الفلسطيني، كذلك يمكن أن تتغير، وقد يكونون هناك كذلك على إدراك ودراية، وهذا لا أعرفه. هنالك الكثير من هذا الجيل الذي سيشاهد الفيلم عاشوا هذه التجربة خارج فلسطين، فمن الصعب توقع رد الفعل. أعتقد بأنه ستكون هنالك عدة طبقات لاستقبال الفيلم، لكن أعتقد أن العرض في مدينة الناصرة هو الذي سيحمل أسئلة أكثر من هذا النوع. ستكون هنالك خلطة بين هذا الرأي وذاك، والجيل الجديد، لأنه ثقافياً صارت لديه رغبة في التجوال في العالم الفني، فحتى لو لم تكن لديهم معرفة بالشيفرات الثقافية، فقد يكون لديهم عطش لما في الفيلم، وهؤلاء كثر.

سؤال ما بعد الأخير، هل من أمل في أن يغيّر الفيلمُ شيئاً؟

أنا أتساءل أحياناً “ما الذي يستطيع الفيلم فعله؟” الأكيد أن فكرة صناعة الفيلم تأتي من نوع من الأمل، لكن كما كنت مرّة في نقاش مع جون برجر، وكلانا يشعر باليأس قليلاً، وإن كان هو أكثر تفاؤلاً منّي، بمليون مرة، سألته “كيف مانزال ننظر إلى الدنيا؟ أنا أصنع أفلاماً وأنت تكتب، إلى أين نحن ذاهبون في النهاية؟ لمَ نفعل ذلك والوضع ما هو عليه؟” قال “لدينا أمل. نحن ننظر إلى العالم بأمل، لكنّنا ننظر إليه بعين جريحة”.

يُعرض «إن شئت كما في السماء» ضمن مهرجان “أيام فلسطين السينمائية” في رام الله (٢ أكتوبر) وفي الناصرة (٤ أكتوبر)

مجلة رمان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق