الناس

عن تقلبات الليرة السورية/ حيّان جابر

يعاني المواطن السوري أعباء اقتصادية إضافية، ناجمة عن تقلّب قيمة تداول الليرة، إذ عرفت الفترة التي أعقبت الثورة السورية موجات من انهيار الليرة، حيث كان سعر صرفها قبل الثورة بحدود 48 – 50 ليرة مقابل الدولار الواحد، بينما انحدرت قيمة تداولها، حتى وصلت، في الأسابيع الأخيرة، إلى قرابة أو أقل بقليل من 700 ليرة للدولار الواحد، تبعته استعادة جزء بسيط من قيمتها لتبلغ أخيرا قرابة 630 ليرة للدولار الواحد، من دون وجود أي مؤشراتٍ توحي بقدرة النظام قريبا على منع، أو الحد من، أي انهيارات قادمة جديدة، فقد اعتقد بعضهم أننا مقبلون على مرحلةٍ تشهد تحسّن الليرة وتعافيها، استنادا إلى معطيات إيجابية داخلية، من وجهة نظر النظام، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، كتقدم قوات النظام المدعومة من حلفائها، خصوصا الروس، في منطقة خفض التصعيد في إدلب، وتوقيع مشاريع استثمارية أو احتكارية عديدة مع الحليفين، الروسي والإيراني، بالإضافة إلى الحديث عن إعادة تأهيل النظام والأسد أو تعويمهما عربيا وعالميا. إلا أن الرياح الاقتصادية لم تسر وفق ما تشتهيه سفن النظام، لتقود السوريين نحو تقهقر جديد وكبير في قيمة عملتهم المحلية، بدلا من تحسّنها، أو الحفاظ على قيمتها على الأقل في حدود 500 ليرة مقابل الدولار الواحد. الأمر الذي يؤشر وبوضوح إلى عمق الأزمة الاقتصادية، ويطيح الفرضيات والأوهام التي يردّدها إعلام النظام ومناصروه، والتي كانت وما زالت تعتبر انهيار قيمة الليرة يعود إلى الحملات الإعلامية المضلّلة المندرجة ضمن باقي عناصر المؤامرة الكونية!!. وهو ما يتجاهل حجم الدمار الكبير الذي حل بسورية، وتسبب في لجوء وهجرة ما يقارب نصف السوريين، فضلاً عن تدمير البنية التحتية الضرورية لأي عملية إنتاجية صناعية أو زراعية، بالإضافة إلى التخريب الممنهج للمساحات الصالحة للزراعة أو لتربية الثروة الحيوانية، من دون أن نتناسى فقدان السيطرة على أهم مناطق الثروات الباطنية والنفطية خصوصا، ودمار منشآت كثيرة معنية بها.

إذا يبدو أن تقهقر الليرة أخيرا تعبير واضح عن مدى تدهور الوضع الاقتصادي، وعن حجم الصعوبات الكبيرة التي تحول دون تعافيه وعودته إلى سابق عهده، بعيداً عن الأحلام والتمنّيات المتعلقة بتعديل (وإصلاح) مساره أصلاً، والذي كان وما زال عرضة لنقد ورفض كثيريْن، منذ بداية الثورة وما قبلها. وهو ما أكده النظام نفسه في أشهر الثورة الأولى، عبر إعلامه وبعض الناطقين باسمه، بالذات حين إقالته نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، عبد الله الدردري، منتصف عام 2011، على اعتباره يتحمّل المسؤولية المباشرة عن سوء الأوضاع المعيشية والاقتصادية السورية، وسببا رئيسيا في اهتزاز ثقة المواطن بدوائر الدولة ومؤسساتها، ما أدى إلى الثورة أو المؤامرة وفقا للنظام.

لذا وبعيداً عن التهويل من دور الميديا بأشكالها المتعدّدة، وتأثيرها على المسار الاقتصادي، هناك عوامل رئيسية تشكل مجتمعةً أهم ركائز البنية الاقتصادية والسند الحقيقي لها أمام أي أزمة أو اهتزاز محتمل، وهي ما يفتقدها الواقع السوري الراهن وبشدة، ومنها استعادة العجلة الإنتاجية الصناعية والزراعية والحيوانية وإنتاجية الثروات الباطنية، كما يمكن إضافة العائدات السياحية وعودة الاستثمارات الأجنبية. حيث لا يخفى على أحد صعوبة استعادة أي من تلك العوامل الآن لعدة أسباب؛ منها الأزمة السياسية التي عصفت بوحدة المجتمع السوري، ودفعت جزءا كبيرا من السوريين، مستثمرين ومهنيين وحرفيين، إلى الهروب من قبضة النظام نحو المناطق الخارجة عن سيطرته، أو إلى خارج الوطن، الأمر الذي يقودنا إلى أزمة الثقة في الدولة ومؤسساتها، وهي ما تعيق عودة اللاجئين بشكل طوعي، وتحصر العودة بشكلها القسري في فئات اجتماعية لا تملك قدرات مالية كبيرة، تمكّنها من مواجهة حملات النظام وحلفائه الإقليميين، لفرض عودتهم رغما عنهم، بفعل سياسات اقتصادية وأمنية وقانونية في أماكن لجوئهم، تخنقهم وتحاصرهم، وتجعل من العودة سبيلا وحيدا لا بديلا عنه.

ولدينا كذلك مفرزات المعضلة الأمنية، والتي لا يمكن حصرها بنتائج الصراع العسكري المباشرة، كما يحلو للنظام الادّعاء، بل تطاول تعدّد المراكز الأمنية الرسمية، واستقلاليتها، ونمو قدراتها التحكمية والسلطوية والاقتصادية، تجار الحرب، بالإضافة إلى المليشيات والمجموعات المسلحة التابعة لحلفاء النظام السوري، سواء حزب الله اللبناني أو العراق أو إيران عموما، وروسيا كذلك، فضلاً عن القوى التابعة للجهات غير الحليفة، كتركيا وأميركا، والتوجس من طبيعة العلاقة الناظمة بينها، خصوصا في المرحلة التي تعقب إعلان انتهاء العمليات العسكرية واستعادة السيطرة على المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. وهو ما يقود إلى الضبابية المرتبطة بالعملية السياسية، وبالمنظومة الحاكمة من حيث شكلها وماهيتها ودورها، حتى في ظل انتصار معسكر حلفاء النظام بشكل كامل، فتعدد المراكز الأمنية والعسكرية والاقتصادية يوحي بأجواء تصادمية وخلافية مستترة، وهو ما يشيع توجّسا وذعرا من انعكاسه ميدانيا وسياسيا، من خلال عدم استقرار سياسي داخل مؤسسات النظام، حتى لو تمكّنت هذه القوى من حصر النزاعات المسلحة المحتملة. وهو ما يعمّم أجواء عدم الاطمئنان لاستقرار الطبقة الحاكمة (النظام عموما) وثباتها، فضلاً عن فقدان الثقة بفاعليته أصلاً.

في النهاية، يمكن القول إن حل الأزمة الاقتصادية وتجلياتها، كانهيار العملة، نسب البطالة، الناتج المحلي وغيرها من المظاهر الملموسة والإحصائية، عملية معقدة ومتداخلة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وتحتاج إلى إرادة سياسية ورؤية علمية ودعم شعبي. ولذا لن يتمكّن النظام الحاكم، أو أي من حلفائه وداعميه، الروس والإيرانيين، من تحسين الوضع الاقتصادي والمعاشي السوري في المدى القريب أو المتوسط أو حتى البعيد، لأنه يتطلب إحداث تغيراتٍ بنيويةٍ وهيكلية، جذرية سياسية واقتصادية، الأمر الذي يتعارض مع مصالحهم المباشرة في سورية، فضلاً عن افتقادهم الحد الأدنى من الثقة والالتفاف الشعبي حولهم. كما تفتقد المعارضة أي رؤية عملية في شأن هذا الموضوع، على الرغم من نجاح الثورة في الإشارة إلى موضع الخلل والأزمة البنيوية السورية السياسية والاقتصادية منذ يومها الأول، حيث تاهت أو غابت الأبحاث والمداولات الجدّية والوطنية السورية التي تطرح الحلول السياسية والاقتصادية العلمية والواضحة في زحمة المأساة الإنسانية، أو لتعارضها مع مصالح بعض الأطراف وداعميهم، ما أفقد الثورة قدرتها على التغيير ورؤيتها له، على الرغم من امتلاكها الزخم الشعبي الضروري له في حينه.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق