سياسة

مقالات مختارة تناولت الوضع في ادلب

إدلب والمعادلة المستحيلة للحلّ/  إسماعيل حاج إسماعيل

ينطلق هذا التحليل من افتراض قد يكون خاطئاً، وهو أن جميع القوى المسيطرة على المناطق المحررة من نظام الأسد هي قوى تريد “بحق” إسقاط هذا النظام. ولأننا نعيش منذ 8 سنوات مع الكذب من جميع الأطراف فقد أصبح أي تحليل يتعلق بالشأن السوري من الصعوبة بمكان يستحيل فيه تحديد المواقف بدقة، ولذلك فإن أي تحليل “ومن ضمنها هذا” يدعي أنه على يقين بالخطط المعدة لإدلب بل لسورية كلها هو تحليل فارغ. ذلك أن القوى الكبرى نفسها لم تحدد مواقفها النهائية بسبب شدة تعقيد الموقف السوري، كما أن سيولة تلك المواقف قد تؤدي خلال أي لحظة إلى تبدلات جذرية في الوضع على الأرض.

الجغرافيا

يسيطر على الجغرافيا السورية المحررة اليوم كل من تركيا، الفصائل العسكرية الموالية لها على اختلاف مسمياتها “درع الفرات، غصن الزيتون، الجبهة الوطنية، الجيش الوطني، فيلق الشام.. إلخ”، والفصائل السلفية الجهادية، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام.

مع الانتصارات الروسية الأخيرة في ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، بدأ شبح اتفاقيات تسليم درعا وحمص والغوطة وغيرها من المناطق يخيّم على أذهان ملايين المدنيين في إدلب وجوارها، لكن الرعب هنا يتضاعف لأنه “لا إدلب بعد إدلب”، فأين سيذهب ملايين البشر؟

والسؤال الأكثر إثارة للجدل أين سيذهب الآلاف من المقاتلين وعلى ماذا يراهن قادة التيار الجهادي الذين أسسوا “حكومة” وبدأوا بإرسال إيحاءات تفيد بأنهم بصدد إنشاء نموذج مشابه للنموذج الغزي.

وبغضّ النظر عن سذاجة إسقاط الواقع السوري على نموذج غزة بسبب اختلاف عقلية القوى المسيطرة على كل منهما، فإن من الخطأ الكبير افتراض أن القوى المتحكمة بالمحرر، سواء الجهادية منها أو حتى تركيا، نفسها تتصرف بالعقلانية التي يفترضها المتابع والتي يثير غيابها الاستغراب لدى مشاهدة سياسات متخبطة تحاكي إطلاق شخصٍ النار على قدميه.

اللاعبون

يتلخّص موقف اللاعبين الأساسيين في الساحة السورية؛ أميركا، روسيا، إسرائيل، إيران، بشأن إدلب بشكل رئيسي بما يتبناه الروس ويطالبون به تركيا من إخراج “الجماعات الإرهابية” من المنطقة، أما بقية التفاصيل فهي تفرعات لا تستحق الحديث عنها.

والحقيقة أن هذا الطلب هو طلب برسم الاستحالة، بمعنى أن هذه الدول تعلم أن تركيا لا تستطيع تحقيقه إلا بصعوبة تقارب حد المحال، وحتى لو اتخذت قرارها؛ فالدماء التي ستراق هناك ستجعل تركيا صاحبة حق دائم في المنطقة ولن تخرج منها إلا بحرب شاملة لا يريد أحد حدوثها. كما أن اختفاء “الكرت” السلفي الجهادي سيحرم الروس من أقوى حججهم ولن يكفيهم اتهام القبعات البيضاء بالإرهاب لشن حملة شبيهة بالحملة الأخيرة على مناطق ستكون تحت الوصاية التركية بالكامل، وبالنتيجة فإن أشد الراغبين في بقاء الجهاديين في إدلب هم الروس أنفسهم.

هيئة تحرير الشام

بالنسبة إلى جهاديي هيئة تحرير الشام، ومع استبعاد النظرية التآمرية التي تقول باختراق قياداتهم من قبل إيران وغيرها من استخبارات دول الإقليم؛ فالقوم، وخلافاً لما يعلنون، هم أكثر المراهنين على تفاهمات أستانة وسوتشي وشبيهاتها المتعلقة بالانسحاب من مناطق معينة، بمعنى أنهم مقتنعون و”راضون” بتسليم المناطق التي تتخللها الطرق الدولية لسيطرة روسية تركية مشتركة، معتقدين أنهم يلعبون لعبة ذكية تفترض أن الأتراك سيحافظون مجبرين على إدلب لحماية أمنهم القومي متحولين إلى “حرس حدود” لمشروع “التمكين”، والذي سيحاول فيه الجهاديون بناء أنموذج “غزي” إنما على الطريقة السلفية.

وحتى بافتراض ارتباط قيادات الجهاديين مع إيران، فإن الأخيرة ورغم دعمها الأسطوري لنظام الأسد، فإنها وبخلاف المعلن لن تكون سعيدة حال سيطرته بالرعاية الروسية على إدلب والتي سيتبعها بدء الدعوات لخروج كل القوات الأجنبية من سورية تمهيداً لإجلاء تركيا، فعودة الأسد ومن ثم إعادة تعويمه ستفتحان الباب للمعركة المستقبلية بين الحلفاء على “الطريدة” السورية، وإيران ستكون عندها أضعف أولئك الحلفاء لأن روسيا تريد الاستئثار بتلك الغنيمة في حين أنه ليس لدى الأميركيين أو الإسرائيليين أي مشكلة مع نظام الأسد. لذلك فإن إيران من مصلحتها حالياً على الأقل عدم حسم المعركة في سورية ولديها من المرونة السياسية ما يجعلها تدعم الجهاديين أنفسهم في أي كانتون مفترض تشكيله في إدلب، وليس من المستبعد أن تكون الهدنة الأخيرة بمثابة محاولة روسية لطمأنة إيران ودعوتها للمشاركة في “رقصة الموت الأخيرة”.

 تركيا

أما تركيا، ورغم أنها الدولة الوحيدة التي تشكّل “سورية الأسد” تهديداً لأمنها القومي، فهي الدولة الأضعف تأثيراً في الملف السوري، إذ يمكن تلخيص سياستها في هذا الملف طيلة 8 سنوات بالتردد والتخبط أي الفشل بالمحصلة، ومع ما يرشح عن اتهامات متكررة من صانع السياسة التركي للسوريين بأنهم سبب هذا الفشل بتفرقهم، فإن الاختراقات الأجنبية للأجهزة الأمنية والعسكرية التركية والتي لم يتم الكشف عنها إلا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016 تعطي فكرة أولية عن مصدر الفشل. ومن جانب آخر فإن الرأي العام التركي غير مستعد لأي تدخل عسكري جدّي في سورية تصوره المعارضة على أنه لحماية السوريين الذين أصبحوا مكروهين من الأغلبية.

هذا داخلياً، أما خارجياً فتركيا هي الطرف الذي يختلف اللاعبون الباقون على كل شيء فيما يتفقون على إخراجها من سورية، لذلك فليس من المستغرب أن تكون التصريحات التي أدلى بها الرئيس أردوغان حول اختفاء إدلب ثم تهديده الأوروبيين بفتح الحدود أمام موجات الهجرة بمثابة صرخات الاستسلام الأخيرة للإرادة الدولية تحت ضغوط الخارج والداخل، فمن نافل القول إن التطورات “إن وصلت” إلى المفاضلة بين الاستمرار في الحكم أو التدخل في سورية أن يتم الاستغناء عن سورية.

إن فهم وتوصيف موقف أنقرة ليس بوارد أدبيات الهجاء، فتركيا قد نالها من جراء الكارثة السورية الكثير وإنما لتوضيح عبثية المراهنين على أي اتفاقيات يعقدونها مع الروس. فبوتين هو الرجل الأقوى اليوم في سورية بشبه تفويض أميركي إسرائيلي، ورغم أنف إيران، لذلك فإن الرجل سيستمر بقضم المناطق مدمراً الحجر والشجر سواء تم تطبيق سوتشي أو لم يتم تطبيقه.

الطرف الأصعب

بالعودة إلى “الجهاديين” الذين يشكلون الطرف الأصعب في المعادلة المستحيلة، فإن حجتهم المعلنة لعدم اندماجهم أو توحدهم أو اختفائهم عن المشهد هو أن الطلب الروسي ما هو إلا ذريعة للاستمرار بالعدوان. ورغم وجاهة هذه الحجة، فإن افتراض حسن النية بقادة الجهاديين “وهو افتراض صعب للأمانة” يقتضي أنهم يعلمون أنه وبظل موازين القوى الحالي فإن الروس لن يوقفهم شيء عن إبادة الملايين “بمن فيهم الجهاديون وأسرهم” حتى استعادة إدلب، وهذا يمنحهم حتى وفق فهمهم السلفي “الرخصة الشرعية” للاندماج والتوحد تحت أي راية، ولو كانت “شركية”، بسبب وصولهم إلى حالة “الإكراه الملجئ” تحت خطر فنائهم بأسلحة الروس أو عودتهم إلى حكم الأسد. فالأجدر بالسوريين الذين يحملون نفس هذا الفكر محاورة قادة هؤلاء الجهاديين أمام قواعدهم بدلاً من المناكفات على وسائل التواصل الاجتماعي، ذلك أن الفصائل الجهادية “اختلفت أو اتفقت معها” تضم في صفوفها أشد المقاتلين بأساً وانضباطاً والذين تحولوا بسبب انتمائهم إلى هذا التيار إلى فاعل سلبي يعقد الاستعصاء الداخلي بدلاً من دورهم الواجب كقوة تحرير ودفاع عن المدنيين.

 الفصائل الموالية لأنقرة

أما الطرف السوري الثاني في هذه المعادلة المستحيلة فهو الفصائل الموالية لأنقرة، والتي لا تستقل بقرارها عن الراعي إلا بموضوع واحد وهو عدم قدرتها “وحيدة” على قتال هيئة تحرير الشام واستئصالها حتى لو أرادت منها أنقرة ذلك.

بعيداً عن العواطف، فإن المنطق يفرض “في حال رفض هيئة تحرير الشام لأي حل توافقي” أن تتدخل هذه الفصائل التي تضم آلاف المقاتلين عسكرياً لتسيطر على المحرر بالكامل، لكن الهيبة الأيديولوجية للفكر السلفي الجهادي تشل قدرة قادة فصائل أنقرة، وخصوصاً تلك التي تشكل بقايا حركة أحرار الشام عنصرها الأكبر، على دفع مقاتليهم لمثل هذه المعركة، والمفارقة عصية الفهم على البعيدين عن الوضع السوري أن هؤلاء المقاتلين تم طردهم وقتالهم من قبل الهيئة سابقاً، ورغم امتلاكهم شجاعة تؤهلهم للقتال وصولاً إلى دمشق فيما لو رفع الغطاء الدولي عن النظام، فإنهم يسقطون سريعاً في أي معركة طرفها الثاني قوى سلفية جهادية بسبب تنشئتهم سابقاً على أيديولوجيا شبيهة مستمدة من إصدارات القاعدة منذ أيام أفغانستان والعراق.

هدوء ما قبل العاصفة

فيما يرتب كل من الأتراك والروس والإيرانيون أوراقهم، فإن الهدوء النادر الذي يعم إدلب “وقت كتابة هذه السطور” قد يكون الهدوء الذي يسبق هبوب عاصفة الحملة العنيفة، كما يمكن أن يكون مقدمة للتسوية فيما لو ظهر أن بيد تركيا أوراقاً لم تستخدمها بعد. ويبقى السوريون هم الغائب الأكبر عن القرار ووقودَ ثورةٍ تحولت إلى حروب للآخرين.

العربي الجديد

هل بدأت مرحلة ما بعد إدلب؟/ باسل الحاج جاسم

بعد نقاش سياسي وتركيز إعلامي كبير امتد لأسابيع وأشهر طويلة حول المنطقة الآمنة في سوريا، ما يزال هناك العديد من إشارات الاستفهام حتى اليوم، فلم يتضح بعد امتدادها الحدودي، وكم سيكون عمقها؟ وربما السؤال الأكثر إلحاحاً: من هي القوات التي ستنتشر فيها؟

الشيء الذي بات لا يخفى على أحد، أن فهم الولايات المتحدة الأميركية للمنطقة الآمنة، هو إنشاء منطقة تحمي المواقع التي تسيطر عليها أدواتها الانفصالية، بينما تصر تركيا وفق ما هو معلن على أن تكون المنطقة الآمنة بعرض 460 كم، مع أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال قمة أنقرة الأخيرة مع قادة ضامني مسار أستانا، تحدث عن مسافة 910 كم، على طول الحدود السورية التركية، وعمق 30 – 35 كم، وأيضا تحدث أردوغان خلال قمة أنقرة لأول مرة عن مدن في العمق السوري مثل الرقة ودير الزور.

في المقابل وبحسب ما رشح من معلومات تقترح الولايات المتحدة منطقة بعرض 140 كم وعمق 10-15 كم، وبعد ضغوط وحشود عسكرية تركية وتهديدات، توصلت أنقرة إلى اتفاق مع الولايات المتحدة على إنشاء منطقة آمنة بطول 100 كم (ما زال عمق المنطقة غامضًا).

اختلفت آراء الكثير من المراقبين حول احتمالات وجود صلة بين الاتفاق التركي الأميركي على إقامة “منطقة آمنة” في الشمال السوري، والتصعيد العسكري الذي ازداد مؤخراً في محيط محافظة “إدلب”، آخر منطقة بين التي أطلق عليها مناطق خفض التصعيد.

في 7 آب الماضي، توصلت أنقرة وواشنطن لاتفاق يقضي بإنشاء “مركز عمليات مشتركة” في تركيا، لتنسيق وإدارة إنشاء المنطقة الآمنة، لاحقاً، أعلنت تركيا شروع مركز العمليات المشتركة مع الولايات المتحدة في العمل بطاقة كاملة وبدء تنفيذ خطوات المرحلة الأولى ميدانياً لإقامة منطقة آمنة شرقي الفرات في سوريا.

لم يعد يخفى على أحد ما تريد الولايات المتحدة فعله في سوريا، لكن موقفها المتناقض من تركيا اليوم يثير الكثير من المشاكل، ويضع العلاقات التركية_ الأميركية على المحك من جديد، بعد سلسلة من التوترات، وفي الواقع، توافق تركيا وروسيا وإيران على وحدة التراب السوري من شأنه إفساد المخطط الذي تسعى الولايات المتحدة لتطبيقه.

قبل أيام، عقدت قمة ثلاثية في أنقرة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيريه الروسي فلاديمير بوتين والإيراني حسن روحاني، والقضية الرئيسية التي توافق عليها الزعماء في قمة ضامني مسار أستانا، هي وحدة الأراضي السورية، ورحب بوتين بطلبات تركيا المتعلقة بإنشاء المنطقة الآمنة.

واشنطن كانت الغائب _ الحاضر في قمة أنقرة الثلاثية حول سوريا، فالقادة الثلاث تطرقوا وبشكل مفصل إلى الوجود الأميركي شمال شرق سوريا، وما يشكله هذا الوجود من تهديدات لهم، وللسوريين والمنطقة، ولكل طرف منهم دوافعه وأسبابه بشأن استمرار الوجود العسكري الأميركي داخل أراضي الجمهورية العربية السورية.

ومع استمرار وجود خلافات في وجهات النظر بين تركيا وروسيا وإيران إلا أن استمرار مسار أستانا، يتمتع بأهمية قصوى وهو ما عبر عنه المشاركون في قمة أنقرة بشكل واضح.

تريد الولايات المتحدة، عدم نجاح أي اتفاق بين روسيا وتركيا، لأن نهاية ملف إدلب يعني توجيه الأنظار وبدء العمل على إنهاء المشروع الأميركي شرق الفرات، فواشنطن تخلت العام الفائت عن المعارضة في جنوب سوريا، والتي كانت هي طرف ضامن لها في تفاهمات خفض التصعيد، ولو كانت واشنطن مهتمة حقاً بمصير المعارضة لما تخلت عنهم وهي كانت الضامن لهم أمام الروس.

لا يخفى أن واشنطن تعمل بشكل بات مكشوفاً على تمزيق سوريا، من خلال دعمها مجموعات مسلحة وأقليات عرقية، وسيطرة الأخيرة على مناطق ذات غالبية عربية مطلقة (الرقة العرب أكثر من 93 بالمئة، والحسكة العرب قرابة 80 بالمئة، ومنبج العرب أكثر من 94 بالمئة، والباقي مكونات متعددة الأعراق)، بالإضافة إلى التقارير التي صدرت عن منظمة العفو الدولية الأمنستي، بين عامي 2015 – 2017، وتحدثت بوضوح عن جرائم حرب تعرض لها العرب شرق الفرات من تهجير وإزالة بيوتهم وبلداتهم من على وجه الأرض.

وصحيح أن المسميات المتداولة تعتبر أن غرب الفرات هي منطقة نفوذ روسي، وشرق الفرات هي منطقة نفوذ أميركي، وبأن إدلب التي دخلت في اتفاقات أستانا لخفض التصعيد، أدرجت لاحقاً في اتفاق سوتشي الثنائي الروسي التركي، إلا أن الاهتمام في إدلب يفوق هذه الأطراف ليشمل أيضاً الاتحاد الأوروبي المهتم بعدم حدوث موجات نزوح ولجوء جديدة يمكن أن تحدث جراء وقوع عمل عسكري شامل وغير مدروس في إدلب ومحيطها، بالإضافة لأسباب أخرى تتعلق بالمقاتلين الأجانب وينحدرون من جنسيات أوروبية، وينتشرون اليوم في إدلب، وهذا الأخير هو مبرر موسكو كما واشنطن لاستهداف المنطقة بذريعة استمرار وجود منظمات على قوائم الإرهاب الدولي، لذلك ستتجه الأنظار إلى القمة المرتقبة الرباعية بين روسيا وألمانيا وفرنسا وتركيا في إستانبول حول إدلب والمنطقة الآمنة.

يمكن الاعتقاد أن تركيا استطاعت خلال قمة أنقرة، من الحصول على تأييد موسكو وطهران لإقامة المنطقة الآمنة التي تتطلع لإنشائها منذ سنوات، بهدف التمهيد لعودة اللاجئين الطوعية، إلا أنه ما تزال هناك اعتراضات أميركية.

يمكن استبعاد أي صدام أميركي – تركي، ولاسيما في ظل تأكيد سابق لأردوغان أن بلاده ليس لديها أي عداء اتجاه الإدارة الأميركية ولا الجنود الأميركيين الموجودين في سوريا، مضيفاً: «رغم كل شيء، نرى أميركا كحليف استراتيجي ويمكننا المضي معًا في المستقبل شريطة الالتقاء على أرضيات صحيحة».

الواضح من التصريحات التركية الرسمية وعلى أعلى مستوى سياسي وعسكري في البلاد، أن أنقرة ماضية في تنفيذ خطتها لضرب الأهداف التي تهدد أمنها القومي خارج الحدود، بغض النظر عن موقف واشنطن.

تلفزيون سوريا

إدلب: هل تشتبك المعارضة مع “تحرير الشام”؟/ خالد الخطيب

لا يبدو القضاء على “تحرير الشام” بالمهمة السهلة للمعارضة. ويمكن ادراج التلميحات لبعض قادة المعارضة، كتهديد لـ”تحرير الشام”، في إطار الضغط التركي لتحصيل المزيد من التنازلات منها، ومحاولة من قبل الفصائل لإخلاء مسؤوليتها عن الخسائر السابقة واللاحقة، وتحويل أنظار المعارضة نحو “تحرير الشام” باعتبارها أساساً للمشكلة، والذريعة التي تستفيد منها مليشيات النظام لمواصلة معاركها.

جهوزية المعارضة

لفصائل المعارضة في الشمال السوري ما يزيد عن إمكانات وقدرات “تحرير الشام” العسكرية بثلاثة أضعاف، وتقدر أعداد مقاتلي فصائل “الجيش الوطني” في منطقتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون” بريف حلب بأكثر من 30 ألف مقاتل، ومثلهم لدى فصائل “الجبهة الوطنية للتحرير”. ولدى قسم كبير من هذه الفصائل أسلحة ومعدات عسكرية تركية، وذخائر متنوعة، تحقق لها الغلبة على “تحرير الشام”.

وبرغم تفوق المعارضة في العدد والعتاد، إلا أنها غير قادرة على خوض معركة ضد “تحرير الشام”، لأسباب أهمها؛ امتناع الفصائل الإسلامية عن المشاركة في القتال لأنها لا ترى فيه مصلحة لها. موقف يتناقض مع العداء السابق لغالبية الفصائل الإسلامية مع “تحرير الشام”؛ وهي “جيش الأحرار” و”أحرار الشام” و”صقور الشام” و”فيلق الرحمن” و”تجمع دمشق” وغيرها.

إذ ترى الفصائل الإسلامية أن القضاء على “تحرير الشام” لن يمنع مليشيات النظام الروسية من استكمال عملياتها العسكرية، بل ربما يزيد من حماستها لتكثف هجماتها مستغلة حالة الفوضى التي من المتوقع أن تسود في مناطق المعارضة في حال اندلعت معركة مع “تحرير الشام”، بالفعل. ولذلك تفضل الفصائل الإسلامية الضغط على “تحرير الشام” للقبول بتغييرات في قيادتها وتقديم المزيد من التنازلات في الادارتين العسكرية والمدنية في ادلب لصالح المساعي التركية.

ولا يمكن لمقاتلي فصائل “الجبهة الوطنية” الصغيرة كـ”جيش النصر” و”جيش ادلب الحر” خوض معارك مع “تحرير الشام” في المناطق المدنية، التي تعيش حاضنتهم الشعبية فيها. أما “فيلق الشام” الذي يقود “الجبهة الوطنية” وأكبر فصائلها، فهو يعاني من اختراق “تحرير الشام” له، وفي حال قررت قيادة “الفيلق” خوض معركة ضدها، سينشق عنه عدد كبير من التشكيلات والألوية التي يقودها قادة مقربون من “تحرير الشام”.

وعلى الجانب الآخر، لا تبدو فصائل “الجيش الوطني” أحسن حالاً من فصائل “الجبهة الوطنية”، لكن المبررات تختلف. جزء كبير من مقاتلي “الجيش الوطني” عبارة عن موظفين انتسبوا للفصائل لأجل الرواتب، ولن يشاركوا في القتال غالباً، وما تبقى من مقاتلي الفصائل لا يكفي لخوض معركة ضد “تحرير الشام”، حتى وإن دعمها الجيش التركي بشكل غير مباشر.

هل تدعم تركيا المعركة؟

باستثناء كلام مستشار الرئيس التركي قبل أيام، لا تُعبّرُ تصريحات المسؤولين الأتراك عن شكل علاقة تناحرية مع “تحرير الشام”، ولا إيحاء بتوجه لدعم معركة تهدف للقضاء عليها. وقد أتيح لفصائل المعارضة خلال العامين 2017 و2018 أكثر من فرصة لقتال “تحرير الشام”، لكنها لم تحصل على الدعم الكافي، ولم يُرد لها بالفعل أن تنفذ المهمة. نهاية العام 2018 كانت الفرصة الذهبية للقضاء على “تحرير الشام”، ووصل مقاتلو “حركة الزنكي”، إلى مشارف معبر باب الهوى، لكنهم أجبروا على وقف الهجوم. وبعد فترة وجيزة خسرت” الزنكي” معاقلها غربي حلب، وأجبرت على النزوح إلى عفرين.

ويبدو أن اتهام “تحرير الشام” بأنها الذريعة لاستمرار هجوم المليشيات، يهدف إلى إحراجها وتحميلها مسؤولية تقدم النظام بدلاً من إلقاء اللوم على النقاط التركية. والتهديد بشن معركة ضدها، يهدف للضغط عليها لتقديم تنازلات جديدة، وتسليم نقاطها على جانبي الطريق الدولي إلى فصائل “الجيش الوطني” وحلّ “حكومة الإنقاذ” لصالح توسيع “الحكومة المؤقتة”، والتعاون مع وزارة الدفاع التابعة لـ”المؤقتة” التي من المفترض أن تُعاد هيكلتها بدعم تركي خلال الفترة المقبلة.

ولا يمكن للجيش التركي تقديم الدعم الناري، الجوي والبري، لفصائل المعارضة في معركتها المفترضة ضد “تحرير الشام”، كما حصل في معركة عفرين مثلاً أو في معارك ريف حلب ضد “تنظيم الدولة”، فالوضع في ادلب مختلف من حيث انتشار ونفوذ “تحرير الشام” في مناطق مدنية يستحيل فيها القتال من دون خسائر. ولا يمكن أن تأمن تركيا على نقاطها وقواعدها العسكرية في ادلب، من الهجمات والحصار، في حال دعمت أي معركة ضد “تحرير الشام”. هذا عدا عن أن أي معركة بين الفصائل و”تحرير الشام”، ستصب في صالح مليشيات النظام الروسية، لا في صالح تركيا والفصائل التي تدعمها.

مصدر عسكري معارض أكد لـ”المدن”، أن تركيا تسعى إلى تنظيم وتفعيل دور وزارة الدفاع في “المؤقتة”، ومن المفترض أن يتم الدمج الكلي لمقاتلي “الجبهة الوطنية” و”الجيش الوطني” تحت مظلة وزارة الدفاع، واستدعاء الضباط المنشقين المقيمين في تركيا وتوزيعهم على قيادة القطاعات والفيالق العسكرية. وبحسب المصدر، فإن تمكين وزارة الدفاع، والصهر والتنظيم الفعلي للفصائل تحت مظلتها، سيليه في مراحل لاحقة ضمّ تشكيلات مثل “تحرير الشام” و”جيش العزة”، من دون المسميات الحالية.

عرضُ العسكريين والأمنيين الأتراك المسؤولين عن ملف ادلب لـ”تحرير الشام” يشبه إلى حد كبير العرض الذي قدموه لـ”الزنكي”، كشرط لازم لدعمها. هناك قائمة أسماء يجب على “تحرير الشام” استبعادها من الواجهة، وعلى رأسها، قائدها “أبو محمد الجولاني”، وأكثر من 30 شخصية جهادية من قادة الصف الأول، مهاجرين وسوريين. وهي الخطوة الأولى في التغيير الجذري المفترض، والذي سيشمل حلّ التنظيم والاستفادة من قواته وعتاده تحت مسمى آخر ضمن وزارة الدفاع في “المؤقتة”.

هل تتنازل الهيئة؟

بدت “تحرير الشام”، أقل عدائية مؤخراً تجاه المعارضة المسلحة والسياسية على الرغم من تلميح المعارضة المتواصل الى إجبار “تحرير الشام” على حل نفسها للحفاظ على ما تبقى من مناطق المعارضة. لم يهاجم أنصار “تحرير الشام” خصومهم كما جرت العادة، وبدا تصريح المتحدث الإعلامي مختلفاً، ويلمح بشكل غير مباشر إلى كارثية المعركة وأنها تصب في صالح المليشيات. ولم تصدر أي تصريحات رسمية عدائية تجاه تركيا. وتبدو “تحرير الشام” مستعدة بالفعل لتقديم المزيد من التنازلات لكسب الوقت.

وبدا أن “تحرير الشام” مرتاحة لعدم تصنيفها على قوائم الإرهاب الأميركية، ويقول جهاديون مناهضون لها، إن “تحرير الشام” قدمت قوائم بأسماء عناصر تنظيم “الدولة” للأميركيين، وهي معلومات حصلت عليها من خلال التحقيقات مع عناصر الخلايا الأمنية التابعين للتنظيم في ادلب خلال الفترة الماضية، وهي مستعدة للتعاون بشكل أكبر في هذا الاتجاه وتقديم المزيد من الخدمات.

وقد عوّضت “تحرير الشام”، خلال أيلول/سبتمبر، خسائرها من العناصر، في حملات تجنيد جديدة، وضمت أكثر من 2000 عنصر، أي أربعة أضعاف الرقم الذي خسرته في المعارك الأخيرة مع المليشيات. ورفعت جاهزية تشكيلاتها للتعامل مع أي تطور ميداني في الجبهات، والتصدي لأي هجوم داخلي.

ويمكن أن تُقدّمَ “تحرير الشام” الكثير من التنازلات والخدمات لكنها لن تنسحب من جانبي الطريق الدولي، ومنطقة خفض التصعيد، وهي مستعدة لجولة جديدة من المعارك مع المليشيات بأداء مختلف، كما يقول أنصارها.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق