مقالات

جائزة نوبل للآداب 2019 مقالات مختارة تناولت الحدث

“جائزة نوبل للآداب” 2019.. نسويةٌ ويميني/ سفيان طارق

أعلنت “الأكاديمية السويدية”، اليوم الخميس في ستوكهولم، عن فوز الكاتب النمساوي بيتر هاندكه (1942) بـ”جائزة نوبل للآداب” لسنة 2019، في حين عادت الجائزة في دورتها لسنة 2018، والتي تأجّلت العام الماضي بسبب فضيحة جنسية طاولت الأكاديمية، إلى الكاتبة والناشطة البولندية أولغا توكاركوك (1962).

وهذه هي المرّة الأولى التي تُمنَح فيها الجائزة عن دورتَين متتاليتَين منذ عام 1974، حين فاز بها الكاتبان السويديّان إيفند يونسون وهاري مارتنسون.

ويُنتظر أن يتسّلَم الفائزان، إلى جانب خمسة فائزين آخرين بجوائز نوبل المختلفة لهذا العام، ميدالية وشهادة وجائزةً نقدية تبلغ قيمتها تسعة ملايين كرونة، في حفلٍ يُقام في ستوكهولم في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر المقبل، في ذكرى رحيل ألفرد نوبل عام 1986.

لكن، هل سيثير منحُ هاندكه الجائزة احتجاجاً، وهو الروائي الاستثنائي الذي قرأناه في “الشقاء العادي” و”المرأة العسراء”، ولكنه أيضاً صاحب الآراء السياسية المثيرة للجدل والأقرب إلى أن تكون يمينية؟

كل شيء بدأ بعد أن ألقى هاندكه خطاباً في جنازة مجرم الحرب الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش عام 2006، وهو ما أثار انتقادات على نطاق واسع، ودفعه إلى سحب ترشيحه لـ”جائزة هاينريش هاينه” في العام نفسه، بينما قُوبل فوزه بـ”جائزة إبسن الدولية” في 2014، باحتجاجات في أوسلو. فهل سيتكرّر الأمر نفسُه؟

المسألة الثانية التي قد تُثير انتقاداتٍ هذا العام، هي أنَّ منح الجائزة للكاتبة أولغا توكاركوك قد يُقرَأ على أنه محاولةٌ لإرضاء الأصوات التي طالما انتقدت “ذكورية” نوبل وتركيزها على الكتّاب الرجال في معظم دوراتها، وهو ما أعلنت الجائزة قبل أيام عن نيّتها تجاوزه.

والكاتبة البولندية هي الفائزةُ الخامسة عشرة بالجائزة منذ بدء “الأكاديمية السويدية” منحها في 1901، في مقابل 101 رجلاً فازوا بها. وكانت آخر الفائزات هي الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش (2015).

تنشغل توكاركوك بالمجتمع البولندي والحياة فيه وتاريخه الملتبس، وسبق لها أنْ فازت بـ “جائزة مان بوكر” الدولية لعام 2018 عن روايتها “الرحلات الجوية”. أما هاندكه فكتاباته إنسانية الطابع، وتحاول تفكيك التعقيدات الشخصية والتجربة الإنسانية.

بيتر هاندكهأيّاً كان، قد يُخفّف منح الجائزة لكاتَبين دفعةً واحدة من وقع فوز هاندكه بها، خصوصاً أنّ توكاركوك تقف في منطقةٍ مناقضة تماماً لـ هادكه؛ حيثُ تُعتَبر، أيضاً، نسويةً وحقوقية كثيراً ما أغضبت مواقفها اليمين البولندي.

لكنَّ ذلك لن يُلغي بالتأكيد الأسئلة حول رسالة نوبل التي أرادت أن توجّهها للعالم من خلال اختيارها هاندكه، ولا شكَّ أنَّ قراءاتٍ ستعتبر منحها لكتاب يمكن وصفه باليميني مناصرةً ضمنية لليمين الصاعد في العالم.

قد يكون الأمر برمّته محض تصريفة غريبة مِن “نوبل للآداب” المتعثّرة منذ سنوات، ومحاولةٍ لتبييض سمعتها بعد أن كشفت حملة Me too في 2017 عن حالات تحرُّش جنسي داخل المؤسسة العريقة، ما أدّى إلى حجب الجائزة لعامٍ وسط إشاعاتٍ عن إلغائها تماماً. وقبل ذلك، أثارت الجائزة علامات استفهامٍ كثيرة بعد منحها لمؤلف الشعر الغنائي الأميركي بوب ديلان المؤيّد للاحتلال الإسرائيلي.

لا شك أن الأدب يُبدعه الكاتب أياً كانت ميوله السياسية، وأنّ الأدب العظيم قد يكتبه، أيضاً، روائيّون وشعراء ذوو مواقف جدلية ومستفزّة سياسياً وحقوقياً. ولكن قرارَي “نوبل” هذا العام يفتح أسئلة كثيرة حول الأدبي والسياسي والعلاقة المتشابكة بينهما، وحول المرأة الكاتبة والرجل الكاتب ونظرة المؤسّسة بكل أشكالها إلى الأدب الذي يكتبه كلٌّ منهما.

العربي الجديد

نوبل للآداب للمعارِضة أولغا توكارتشوك.. وصديق السفاح بيتر هاندكة

منحت جائزة نوبل الآداب للعام 2018 إلى الكاتبة البولونية أولغا توكارتشوك بعد إرجائها السنة الماضية بسبب فضيحة جنسية، فيما نال النمسوي بيتر هاندكه مكافأة العام 2019. وقال الأمين العام الدائم للأكاديمية السويدية المانحة للجائزة، ماتس مالم، إن أولغا توكارتشوك كوفئت “على خيالها السردي الذي يرمز من خلال شغف موسوعي إلى تجاوز الحدود كشكل من أشكال الحياة”. أما بيتر هنادكه فقد كوفئ على أعماله “التي غاصت في فرادة التجربة البشرية، مدعومة ببراعة لغوية”. وكان لافتاً أن الاسمين تداولتهما وسائل الإعلام كمرشحين للجائزة، وان كان فوز أولغا مفاجئاً نسبياً. في المقابل، بدا فوز هاندكة أشبه بحدث روتيني، فهو كأنه تجاوز هذه الجائزة في شهرته وحضوره وانتشاره.

لم تُترجم أولغا توكارتشوك الى العربية من قبل، وإن كانت عُرفت من خلال مجموعة من المقالات وبعض النصوص والقصص المترجمة في الصحف و”فايسبوك”، ويتردد ان ثمة رواية لها تُترجم وتصدر قريبا عن “دار التنوير”… وسبق أن فازت أولغا بجائزة “مان بوكر” للرواية العالمية المكتوبة بالإنكليزية للعام 2018 وذلك عن عملها “رحلات” أو الترحال. وفيه تستعرض الكاتبة حكايات عن السفر عبر الزمن، وتربط ذلك بشكل فني بجسم الإنسان، والذي تُستنتج من خلاله طرق الحياة والموت والحركة والهجرة. تطير الكاتبة إلى القرن السابع عشر، وتسلط الضوء على قصة عالِم التشريح الهولندي فيليب فيرهاين، الذي قام بتشريح ساقه المبتورة ورسمها، أما خلال القرن الثامن عشر، فتستعرض قصة العبد المولود في شمال أفريقيا لكنه بعد موته ظهر مرة أخرى في النمسا.

درست توكارتشوك علم النفس في جامعة وارسو، ولدراستها الجامعية أثر واضح في نتاجها الأدبي، لذا كان أول عمل أدبي لها مجموعة شعرية نشرت العام 1989. ونشرت حتى الآن أكثر من 8 أعمال روائية إلى جانب مجموعتين قصصتين. وإلى جانب عملها في الكتابة الروائية، تشرف توكارتشوك على مهرجان أدبي قرب محل سكنها في جنوب بولندا.

ولا تتردد الروائية في الإعراب عن مواقفها المناهضة لموقف الحكومة البولندية اليمينية المحافظة. وقالت في مقابلة لها في التلفزيون الحكومي العام 2014، إن بلادها ارتكبت أعمالاً فظيعة عبر تاريخها واستعمرت دولاً أخرى، واضطر ناشر أعمالها إثر ذلك إلى تدبّر حراسة شخصية لها لحمايتها، وصرّحت في ما بعد: “لقد كنت ساذجة جداً. ظننت إننا بتنا قادرين على مناقشة الصفحات السوداء في تاريخنا”.

صاحب “خوف حارس المرمى”

أما بيتر هاندكة فمعروف على الصعيد العربي، ترجمة له “الشقاء العادي” دار الفارابي و”المرأة العسراء” – دار الآداب، و”خوف حارس المرمى من ضربة الجزاء” و”رسالة قصيرة للوداع الطويل” دار الجمل…

خلال مسيرة أدبية امتدت أكثر من نصف قرن، تمكّن هاندكه من أن يصبح واحداً من أبرز أصوات الكتابة باللغة الألمانية. تنوّعت إبداعاته بين كتابة الشعر، والرواية، والمسرحيات، والقصص القصيرة، والمقالات. لعبت صداقته مع المخرج الألماني، فيم فيندرز، دوراً كبيراً في تحويل مجموعة من رواياته إلى أفلام نذكر منها: “خوف حارس المرمى من ضربة الجزاء”، و”المرأة العسراء”، و”أجنحة الرغبة”. انتحرت والدته في العام 1971، وقد تناول هذا الانتحار في كتابه “الحزن وراء الأحلام” بالإضافة إلى زوج والدته مدمن الكحول الذي كان يعنّفه بشكل مستمر، مما جعله كارهاً للقيود الأسرية.

استطاع هاندكة أن يؤسس مكانة خاصة في عالم الكتابة المسرحية من خلال التفاعل مع الجمهور؛ إذ اعتبره النقاد خليفة بريخت. لكن هاندكه المشاغب يعدّ واحداً من أكثر الكتّاب في العالم إثارة للجدل؛ خصوصاً بعد موقفه الداعم للنظام الصربي خلال الحرب اليوغسلافية. ومنذ أن نشر مقاله بعنوان “الرحلة إلى الأنهار: العدالة لصربيا”، لم تتوقف أقلام النقاد عن مهاجمته واعتبار تصرفه عنصرياً ينم عن أنانية شخصية، ولم يكن هذا حال النقاد أيضاً بل أفراد شعوب المنطقة كذلك.

آنذاك، لم يكتف هاندكه بإعلان موقفه من الحرب، بل سافر في العام 2006 إلى صربيا ليشارك في جنازة الديكتاتور الصربي ملقياً خطاباً أمام قبره. انحاز هاندكه إلى الصرب، واتخذ موقفاً يعتبره كثيرون موقفاً سياسياً خاطئاً. لم يتحمل أحد تصريحات هاندكه التي بثها وسط عشرين ألفاً من أنصار اليمين الصربي، لا على المستوى السياسي وحسب، بل والأدبي والإبداعي كذلك. فحجبت عنه جائزة هاينرش هاينه (دوسلدوف) بعدما كان أبلغ فوزه بها شفوياً قبيل ذهابه إلى جنازة ميلوسوفيتش بأيام، وقام مدير أكبر المسارح الفرنسية مارسيل بوزونّيه بإلغاء عروض لبعض مسرحياته. وأربك ما قام به بوزونّيه، المسرح الفرنسي ككل، فاعتبر الفرنسيون لاحقاً أن ما قام به الأخير لا يمثل إلا نفسه، وأنه لن يكون هناك منع لأعمال أو مسرحيات هاندكه. وفي العام 2014 تكرر الموقف نفسه تقريباً. لجنة جائزة إبسن تحتفي بهاندكه الأديب، لكن هذا الاختيار يثير انتقادات سياسية في النرويج، ويتسبب في اندلاع تظاهرات البوسنيين والألبان الذين يعيشون هناك الذين اختزلوا الكاتب في موقفه السياسي من قضية صربيا. لم يتجاهل هاندكه المتظاهرين، وتوجه إليهم “لينظر في عيونهم”، كما قال لوكالات الأنباء. تنازل هاندكة عن قيمة الجائزة الضخمة، متبرعاً بجزء منها لبناء مسبح للأطفال في كوسوفو، أما باقي الأموال فقد أوصى بإعادتها إلى خزينة الدولة النروجية.

وحصد هاندكه العديد من الجوائز الأدبية المرموقة منها: “غيورغ بوشنر – 1973″، و”فرانز كافكا – 2009”.

نبذة عن أولغا توكارتشوك الفائزة بجائزة نوبل للآداب

فازت الروائية البولندية، أولغا توكارتشوك، بجائزة نوبل للآداب لعام 2018.

وتم تأجيل الإعلان عن الفائز بالجائزة العام الماضي بسبب الفضيحة المالية والجنسية التي هزت لجنة التحكيم.

وصفت لجنة التحكيم نتاج الروائية الفائزة بقولها: “إن الخيال الروائي الممزوج بالشغف المعرفي الجامح الذي يتجاوز الحدود هو شكل من أشكال الحياة”.

وكانت الروائية قد فازت العام بجائزة بوكر العالمية للرواية لعام 2018 عن روايتها “الترحال”، وهي أول روائية بولندية تفوز بهذه الجائزة العالمية.

وتعد توكارتشوك غزيرة الإنتاج ورواياتها الأكثر مبيعا في بلدها ونالت العديد من الجوائز عن أعمالها.

ودرست توكارتشوك علم النفس في جامعة وارسو ولدراستها الجامعية أثر واضح على نتاجها الأدبي، لذا كان أول عمل أدبي لها مجموعة شعرية نشرت عام 1989. ونشرت حتى الآن أكثر من 8 أعمال روائية إلى جانب مجموعتين قصصتين.

وإلى جانب عملها في الكتابة الروائية تقوم توكارتشوك بالإشراف على مهرجان أدبي قرب محل سكنها في جنوب بولندا.

جائزة “مان بوكر” الأدبية تعلن عن “جائزة ذهبية” في الذكرى الخمسين لتأسيسها

صدام

والرواية التي فازت عنها الكاتبة بجائزة بوكر هي الثالثة في سجلها وصدرت عام 2009. وتعرض فيلم مقتبس عن روايتها “سر بمحراثك فوق عظام القتلى” لحملة نقد شديدة من قبل الحكومة وصلت لدرجة أن وكالة الأنباء البولندية وصفت الفيلم بأنه “معاد جدا للمسيحية ويدعو إلى الإرهاب البيئي”.

وبيعت 170 ألف نسخة من روايتها الملحمية التاريخية “كتب يعقوب” التي يبلغ عدد صفحاتها 900 ونالت عنها جائزة أفضل رواية على المستوى الوطني للمرة الثانية عام 2014.

ولا تتردد الروائية في الإعراب عن مواقفها المناهضة لموقف الحكومة البولندية اليمينية المحافظة. وقالت في مقابلة لها على التليفزيون الحكومي عام 2014 إن بلادها ارتكبت أعمالا فظيعة عبر تاريخها واستعمرت دولاً أخرى، واضطر ناشر أعمالها إثر ذلك لتوفير حراسة شخصية لها لحمايتها وصرحت فيما بعد: “لقد كنت ساذجة جدا. ظننت إننا بتنا قادرين على مناقشة الصفحات السوداء في تاريخنا”.

مان بوكر الدولية لـ”لينكولن في المقبرة”

عنوان الرواية التي فازت والمترجمة الى اللغة الانجليزية “رحلات جوية” لا علاقة له بموضوع الرحلات المتعارف عليها في الوقت الراهن.

وقد حافظت بعض الترجمات إلى اللغات الاخرى على عنوانها الأصلي “بيغوني” ومعنى الكلمة باللغة البولندية “الرحالة” أو البدو في اللغة العربية.

ويطلق اسم بيغوني على مجموعة سلافية صغيرة عاشت سابقا، وتروج شكوك حول وجودها، إذ رفضت هذه المجموعة الاستقرار وأصرت على طريقة حياتها التقليدية والتي لا تعرف الاستقرار في مكان واحد، وهو أسلوب الحياة الذي اتبعته بعض الفئات في العالم الاسلامي أو فئة من الرهبان البوذيين الذين يعتمدون على الصدقات المقدمة من الغرباء لتدبر معيشتهم.

وتظهر هذه الفئة في النصف الثاني من الرواية عندما تصادف امرأة تواجه وضعا مأساويا في إحدى المدن الروسية امرأة اخرى غريبة المظهر وتلف نفسها بعباءة. تقول المرأة ذات العباءة والتي تنتمي لمجموعة بيغوني السلافية للمرأة المعذبة : بإمكانك وضع نهاية للمعاناة التي تعيشنها وتستطرد قائلة: “عندما نتوقف عن الترحال نصبح أصناما. من يتوقف يصبح مثل حشرة مثبتة بدبوس، يخترق قلبه مسمار خشبي، تثقب اقدامه ويداه ويتم ربطه بالسقف وبعتبة البيت…… لذلك يضمر الطغاة بكل أصنافهم وعبدة الجحيم كرها عميقا للبدو والرحل وهذا هو سبب اضطهادهم للغجر واليهود. يرغموننا على الاقامة واتخاذ مكان ثابت لنا كي نقضي فيه أحكام سجننا”.

أولغا توكارتشوك.. الطريق إلى نوبل يبدأ قبل البوكر

يبدو أن 2018 و2019 عامي الحظ بجدارة للكاتبة البولندية توكارتشوك، حيث فازت العام الماضي بجائزة المان بوكر الدولية عن روايتها “الرحالة” وتعد أول كاتبة بولندية تفوز بالبوكر على مدى تاريخها، كما أعلنت جائزة نوبل للآداب فوز أولجا بجائزة نوبل للآداب لعام 2018، وكأنها فازت بالجائزتين في العام نفسه لولا تأجيل إعلان جائزة نوبل للآداب العام الماضي بسبب الفضيحة الجنسية.

تعتبر توكارتشوك التي نالت جائزة نوبل للآداب للعام 2018 ألمع روائيي جيلها في بولندا، حيث تحمل القارئ خلال سعيها إلى الحقيقة، عبر عوالم متعددة الألوان تمزج بدقة بين الواقع والخيال.

ولا تتردد الكاتبة اليسارية الملتزمة سياسياً وبيئياً في انتقاد سياسة الحكومة الحالية المحافظة والقومية في بلادها.

وهي نباتية وتتميز بتسريحة شعر بضفائر إفريقية.

ولدت توكارتشوك في 29 يناير 1962 في عائلة مدرسين في سوليكوف في غرب بولندا. وقد ألفت نحو 12 عملاً. ونالت شهادة في علم النفس من جامعة وارسو.

وعملت لفترة معالجة نفسية في جنوب غرب البلاد قبل أن تبدأ الكتابة. وقد أصدرت ديواناً شعرياً قبل أن تنطلق في النثر.

وبعد نجاح أول كتبها، كرست وقتها كاملاً للأدب وأقامت في بلدة كرايانوف في جبال السوديت (جنوب غرب). وتسجل كتبها اليوم أفضل المبيعات في بولندا وقد تُرجمت إلى أكثر من 25 لغة من بينها الكاتالونية والصينية. وقد حولت الكثير من أعمالها إلى مسرحيات ومسلسلات وأفلام سينمائية.

وتراوح أعمالها المتنوعة جداً بين القصة الخيالية الفلسفية (الأطفال الخضر 2016) والرواية البوليسية البيئية الملتزمة والميتافيزيقية (على عظام الموتى 2010) وصولاً إلى الرواية التاريخية الواقعة في 900 صفحة (كتب يعقوب 2014).

في عالمها الشاعري، يختلط المنطقي باللامنطقي. فعوالمها في حركة دائمة من دون نقطة ارتكاز وثبات مع شخصيات تتمازج سيرتها وأطباعها على غرار أحجية كبيرة لتشكل لوحة جماعية رائعة. وتتمتع بلغة غنية دقيقة وشاعرية تهتم بأصغر التفاصيل.

وقالت الكاتبة والناقدة الأدبية كينغا دونيو وهي صديقة لها: “أولغا زاهدة في بحث دائم عن الحقيقة، الحقيقة التي يمكن إدراكها فقط من خلال الحركة ومن خلال تجاوز الحدود. كل الأشكال والمؤسسات واللغات الجامدة هي مرادف للموت”.

وتصف توكارتشوك نفسها على أنها شخص من دون سيرة شخصية. وقد أوضحت الكاتبة خلال مقابلة مع مؤسسة الكتاب البولندية “لا أملك سيرة واضحة جداً يمكنني أن أسردها بطريقة مثيرة للاهتمام. أنا مجموع هذه الشخصيات التي تخيلتها واخترعتها. أنا مؤلفة من كل هذه الشخصيات لذا سيرتي ضخمة ومؤلفة من حبكات عدة”.

-ونالت “كتب يعقوب” التي صدرت 2014 أعرق جائزة أدبية في بولندا.

وسجل هذا العمل أفضل المبيعات في بولندا لكنه كان محط هجمات عنيفة من الأوساط القومية.

وبعد مقابلة مع التلفزيون العام في 2015 انتقدت فيها خدعة بولندا المتسامحة والمنفتحة برأيها، تلقت تهديدات بالقتل لأنها “أساءت إلى سمعة بولندا والبولنديين الجيدة”. وعلى مدى أسبوع خصصت لها دار النشر المتعاقدة معها حراسا لحمايتها.

ونالت توكارتشوك ومترجم هذا العمل إلى السويدية جائزة “كولتورهوسيت ستاديترن” في نسختها الأولى في ستوكهولم. وقالت يومها “أشعر وكأنني نلت جائزة نوبل”.

وشاركت أولغا توكارتشوك أيضاً في كتابة سيناريو فيلم “سبور” للمخرجة أنييسكا هولاند والمستوحى من روايتها “على عظام الموتى”. وقد بدأ عرض الفيلم الذي يتراوح بين العمل البوليسي البيئي والرواية الفلسفية المتخيلة، في فبراير 2017 وفاز بجائزة الفريد-باور في مهرجان برلين في السنة نفسها ومثل بولندا في السباق إلى جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي

أولغا توكارتشوك… الأدب البولندي عندما يحمل مِطرقة نيتشه

فاجأت الروائية البولندية أولغا توكارتشوك (1962) العالم، بفوزها بجائزة «بوكر» العالمية للرواية لعام 2018 عن روايتها «رحلات» (نقلتها جنيفر كروفت إلى الإنكليزية وفازت معها بالجائزة مناصفة). وقد درست توكارتشوك علم النفس في جامعة وارسو، حيث تظهر دراستها الجامعية في أعمالها الأدبية بوضوح تام

تتأرجح أولغا توكارتشوك بين عدة أزمنة. بين بولندا «الأم» قبل الخرائط الجديدة، حيث تنقل قصصاً من «كتب يعقوب» في القرن الثامن عشر، وعبر «رحلات» تصل إلى الزمنين المؤسِّسَين للصورة المعاصرة لبلادها. الأول هو زمن الاحتلال النازي، والثاني هو الزمن الشيوعي. ومِثل جميع البولنديين، تركت المحرقة أثراً فيها. والأثر هنا ليس أثراً دعائياً، يستوجب شعوراً عارِماً ومكرراً بالندم، ولا أثراً يذهب إلى الإنكار خوفاً من سطوة الجانب الدعائي في الشعور بالمحرقة. إنه أثر في السرد، الذي يطغى على لغتها البولندية، حيث تبدو الكاتبة وكأنها في محاولة دائمة لكسر الحواجز الزمنية، بما هي قيود تعذّب لغة صاحبتها.

«كتب يعقوب» رواية تبحث عن الأصل، عن دعائم المحرقة في مكانٍ محدد، وفي ذات الوقت تبحث عن موقع بولندا نفسها في المحرقة، خاصةً وأن أحداثها تدور على الحدود مع أوكرانيا. أما في الزمن الثاني، فقد أقامت روحها فيه وخرجت منه بجسدها بفِعل الوقت الذي تكرهه. لكنها لم تخرج معافاة تماماً. فبولندا اليوم عادت إلى كاثوليكيتها. وإن كان يعقوب لا يرغم اليهود على اعتناق الكاثوليكية كما في القرن الثامن عشر، فذلك لأن اليهود لم يعودوا موجودين. يعقوب ما زال موجوداً؛ وحرب أولغا توكارتشوك مستمرة في الزمن. في «رحلات» تذهب إلى روسيا لتتقفى مآسي السلافيين، وتأخذ معها عدة الألم البولندي: قلب شوبان يتوقف في شوارع باريس.

في الواقع، تنتمي أولغا توكارتشوك إلى جيل عاصر الثورة الطالبية الفرنسية أواخر الستينيات، بينما كانت تعيش في وارسو الشيوعية، ويتلو هذا ما يتلوه من تناقضات. ويصنع ما يصنعه من شخصيات تتشابه في نظرتها إلى الأيديولوجيا وإلى العالم. وفي هذه النقطة، ليس في موقفها الذي تُعلِن عنه نصوصها ما هو استثنائي. لقد خرجت من هذا الزمن كما خرج ميلان كونديرا منه، بنقمةٍ مضاعفة، حتى أنها أحياناً تكاد تتطابق مع الكاتب التشيكي ــ الذي كان يجب أن يكون حِرفياً في حياةٍ أخرى ــ عندما تصف المدينة الشيوعية، أو فلنقل مدينتها الشيوعية. ذلك أن كونديرا في خفة كائنه التي لا تُحتمل، كان يشعر بالخجل عندما يتحدث عن دمار براغ، مقارنة بما حلّ بوارسو نفسها. رغم إفراط توكارتشوك في بولنديتها، ورغم إفراط سردها الغزير بالسيلان حول تاريخ بولندا ومستقبلها، إلا أنها غير قادرة على مغادرة عباءة أوروبا الشرقية. فالتقاؤها المتواصل مع التشيكي الليبرالي على السأم من البناء الاشتراكي بهيئته التي عرفتها أوروبا الشرقية، لا يعفيها من التقاء مع تشيكي آخر أقل حضوراً في الموقف السياسي بكثير، وأكثر توهجاً في الأدب. عندما تتأرجح نصوصها بين ساركازمية كونديرا، وكآبة كافكا، يُستسحن الانحياز إلى الثاني بلا تردد. هذه هي الإضافة الحقيقية لكاتبة تُحارِب وتُحارَب. إنها تحارب بالكتابة، لا بكونها «نباتية»، أو بكونها تردد شعارات نيوليبرالية يبحث المعلّقون الغربيون عنها في أدب أوروبا الشرقية، لكي يبرروا انبهارهم بأدب الآخرين ويوافقوا عليه.

أولغا توكارتشوك لا تبيع الوهم. وهذا ما فات أغلب المعلّقين الغربيين الذين قرأوا «رحلات» باستحسان شديد. ما هو متعارف عليه أن كافكا سوداوي. وإن كانت المعلومة أقرب إلى أن تكون «كيتش» من قربها إلى أي وصفٍ آخر، إذا سمحنا لأنفسنا باستعارة المفردة من أفواهٍ غاضبة على حضور الكيتش، كميلان كونديرا وأولغا توكارتشوك. والأخيرة تخضع أبطال قصصها إلى تحولات دائماً، على غرار التحولات الكافكاوية، على نحوٍ تصر فيه على جذرية التحولات. تتلاعب بالوجوه، وبشكل الأذنين، وترسم صوراً تفيض عن الواقع لشخصيات تقدمها كما لو أنها الواقع، تماماً كما تفعل في «رحلات». تتذرع بالتجريب، وتحضر السيكولوجيا في كل زاوية من زواياها كأداة ضدّ الفلسفة وضدّ التاريخ. يُشعِر هذا قارئها أنها تحاول تأكيد موت الإنسان المثالي، ودفع الجميع إلى العدمية، إلى الإيمان بفراغ شاسع ولا محدود، تتكسر فيه قوالب المُثل الجاهزة. وإن كان نيتشه يعتبر البشر كائنات «برمائية» تسير إلى الخواء، فإن أولغا توكارتشوك تميل إلى الروح أكثر من ميلها إلى العقل، وإلى العقل أكثر من الميل إلى السائد عن العقل. تميل إلى التحطيم وإن اقتضى الأمر عنفاً مبالغاً فيه، كما تفعل في روايتها: «سِر بمحراثك على عظام الموتى». القول إن الإطار الذي تستكين فيه أفكارها، وجودي هو قول فضفاض. حتى إن عدميتها لا ترنو أن تكون مستقاة من قواعد جينالوجية، بل يمكن الاكتفاء بدور علم النفس في صوغها المتقن. ما تقدمه البولندية هو رواية «عنيفة»، أشبه بمطرقة. وهذا ما يفسّر العدائية تجاهها من اليمينيين المتعصبين في بلادها، الذين صنفوا «سِر بمحراثك على عظام الموتى» عملاً معادياً للمسيحية. وإن كان النقاش في المسيحية يستدعي نقاشاً أطول، فإن ما يستدعي القلق فعلاً هو الإجابة عن سؤال ما انفكت توكارتشوك تطرحه: ما الذي يمكن فعله تجاه التقليد الكاثوليكي البطريركي المفرط في سلطويته؟

دائماً لا إجابة. ذلك أن العدم هو العدم. لا يسأل ولا يجيب. لا يسأل، ولا يجيب. العدم الذي يرافق قلب شوبان في رحلته الأخيرة إلى باريس، هو نفسه العدم الذي يمنعها من الحديث عن التاريخ المرعب للبولنديين، كمثال عن التاريخ المرعب للعالم. وما لا يفهمه اليمين البولندي، هو أن التاريخ للجميع، وليس للبولنديين وحدهم، مِثل «رحلات» أولغا توكارتشوك تماماً. إنها رحلات بلا أي وجهة، إقامة رحبة في ترحالٍ يدور حول العالم وحول نفسه.

المعركة مع الخرافة

نشأت أولغا توكارتشوك في بيئةٍ يسارية خصبة، حيث كانت محاطة بالثقافة الشيوعية. لكن والديها لم يكونا شيوعيين. إلا أن حضور والديها في نصوصها ليس جلياً، أكثر من حضور بولندا نفسها، كمختبر لآلام أوروبا الشرقية الطويلة. وهذا ما ينعكس إعجاباً «تسطيحياً» في كثيرٍ من الأحيان بالغرب، إلى درجة أنه يكاد يظهر سوء فهم للتاريخ، بدلاً من أن يكون قراءة عدمية للتاريخ. وربما، لشدة تعلّقها بعِلم النفس الذي درسته، تقول عن الغربيين «التحليل النفسي متجذر في ثقافتكم. أما نحن، فما زال الدين والخرافة يسيطران على تفكيرنا». ورغم أن مترجمتها إلى الإنكليزية جنيفر كروفت واجهت صعوبة أمام الحقل المعجمي البولندي الثري، إلا أن أولغا حافظت على انبهارها بتفوق الشِق الغربي من أوروبا في معركة العالم مع الأسطورة. وفي هذا تقول في إحدى مقابلاتها «إن الفرق هو أننا (في بولندا) لا نثق في الواقع كما تفعلون أنتم (في الغرب)… عندما أقرأ روايات إنكليزية دائماً ما تصعقني قدرتكم على الكتابة بلا خوفٍ من الجوانب النفسية الداخلية التي تكون بالغة الحساسية. في صيغةٍ كهذه، يكون في الإمكان بناء القصة بأسلوب خطي مع بداية ونهاية، لكننا لا نتحلى بطول الصبر هذا. نشعر في كل لحظة أن هناك شيئاً ما يسير بصورةٍ خاطئة».

الكاتبة أولغا توكارتشوك تكشف العديد من أسرارها.. والكتب التي أثرت في حياتها!

كشفت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الفائزة بجائزة مان بوكر للرواية العالمية، عن روايتها «الرحلات» لعام 2018، عن الكتب التي شكلت وعيها وساعدتها في تنمية مهارات الكتابة، كما كشفت أيضاً عن الكتب التي دفعتها لأن تسرقها من المكتبة نتيجة لولعها بها.

جاء ذلك خلال حوار قصير أجرته صحيفة «الغارديان» مع أولغا توكارتشوك، حول مجالات القراءة، والكتب التي تقرأها حاليا، والتي أثرت في تكوينها المعرفي، والكتب التي تخجل من عدم قراءتها حتى اليوم.

وقالت أولغا توكارتشوك إنها تقرأ هذه الأيام كتاب «هومو ديوس» للمؤلف يوفال نوح هاراري، لافتة إلى أن هذه المرة الثانية التي تقرأ فيها هذا الكتاب، نظرا للإلهام الذي تمنحه إليها القصص القصيرة الغريبة.

أما عن الكتاب الذي غير حياتها، فأشارت إلى أنها قرأت كتاب «ما فوق مبدأ اللذة» للفيلسوف سيغموند فرويد، وذلك حينما كانت فتاة صغيرة، وساعدها هذا الكتاب على فهم أن هناك الآلاف من الطرق الممكنة لتفسير تجربتنا في الحياة، وأن كل شيء له معنى، وأن هذا التفسير هو مفتاح الحقيقة. وأن هذه كانت بمثابة الخطوة الأولى لتصبح كاتبة.

أما عن المؤلف الذي أثر على كتابتها، فقالت: أعتقد في بولندا أن العديد من الكتاب سيعطون نفس الجواب: برونو شولتز، الذي أثارت قصصه الجميلة والحساسة وذات المغزى على اللغة البولندية إلى مستوى مختلف تمامًا. «أنا أحبه ولكنني أكرهه أيضا لأنه لا توجد طريقة للتنافس معه. إنه عبقري اللغة البولندية».

وحول رأيها عن الكتاب الذي يعد من وجهة نظرها أقل من الواقع، فقالت انه رواية «الدمية» للكاتب بوليسلاف بروس، وهي رواية اجتماعية، صدرت لأول مرة عام 1890، في بولندا، وهي قصة حب تعتمد على الطبقة الاجتماعية في بولندا في نهاية القرن التاسع عشر. «إنها كتابة جميلة من التقاليد الأدبية البولندية لتلك الفترة، وعندما تقارنها بما كان يكتب في أجزاء أخرى من العالم في الوقت نفسه، ترى كيف كان ذكيا».

وحــول الكـتـاب الذي كان ســببــا فــي تغييـرهـا ذهنيا، فقالت الفائزة بجائزة مان بوكر 2018 عن رواية «الرحلات»: سأختار اســـمين، بدلاً من كتب محددة، من عالم الشعر. عندما كنت في ســن المراهقة وقعــت فـــي الحب مع ت إس إليوت، لدرجة أنني قمت بسرقة كتبه من المكتبة، ثم بدأت في جمع كل أعماله. أما عن الاسم الثاني، فهو الشاعر البولندي تشيسلاف ميلوش، لقد كان شاعراً عظيماً وكاتب مقالات غيرت رأيي بشأن الكتابة.

وبسؤالها عن الكتاب الذي جعلها تضحك، فأشارت أولغا توكارتشوك، إلى أنه كتاب The Hearing Trumpet من تأليف ليونورا كارينغتون، وهو كتاب مضحك جدا «إنها رواية بارعة» وقد تأثرت بها في روايتي Drive Your Plow Over the Bones of the Dead.

وحول الكتاب الذي لم تستطع إنهاءه، فأشارت إلى رواية «يقظة فينيغان» من تأليف جيمس جويس، وذلك لأنها شعرته بأنها رواية لا تناسبها.

وحول الكتاب الذي تخجل كثيرا لعدم قراءته، فهي رواية The Rings of Saturn من تأليف و.ج. سيبالد، ولا يزال ضمن قائمة الكتب التي تسعى لقراءتها.

أولغا توكارتشوك هل هي أعظم كاتبة مجهولة/ تحسين الخطيب

على الرغم من وجود ترجمة إنكليزية لروايتين سابقتين لها، “منزل النهار، منزل الليل” (2002)؛ “أزمنة بدائيّة وأوقات أُخَر” (2010)، لم تحظ أولغا توكارتشوك، الشاعرة والروائيّة التي طار صيتها في موطنها بولندا، والتي سبق لها أن ترشحت لجائزة نوبل للأدب في العام 2012، باهتمام القارئ الإنكليزي إلّا بعد أن أدرجت روايتها السادسة “رحلات” ضمن القائمة القصيرة لجائزة المان بوكر العالمية لهذا العام.

وها هي بعد نحو أكثر من شهر على إعلان الترشيحات النهائيّة تفوز بالجائزة المرموقة عن جدارة واستحقاق؛ فشعريّة السرد الشذريّ الطاغية في هذا العمل “غير التقليديّ” كفيلة بتبديد أيّ ريبة أو شكّ حول هاته المسألة.

ولا أجدر من الإشارة، في هذا المقام، إلى أن مجلة “ذا بوك سيلر” العريقة، المتخصصة بكل ما يتصل بصنعة الكتاب منذ العام 1858 قد خاطبت الجمهور البريطانيّ حين كانت روايتها، هذه، على وشك أن تصدر بالإنكليزيّة سنة 2017، قائلة “قد تكون ‘توكارتشوك’ أعظم كاتبة حيّة لم نسمع بها من قبل”؛ فيما قالت الروائيّة ليزا أبيغنانيسي، رئيسة لجنة تحكيم الجائزة لهذا العام، إنّ توكارتشوك “تحلّق بنا عبر مجرّة من الرحيلات والحضورات، الحكايا والاستطرادات، تستبطن طيلة الوقت مسائل لصيقة بالمأزق الإنسانيّ المعاصر”.

رواية تنهمك في المشاغل الوجودية للجسد الفانيرواية تنهمك في المشاغل الوجودية للجسد الفاني

اختيرت الرواية من بين ستة أعمال ضمتها القائمة القصيرة، على رأسها رواية “فرانكشتاين في بغداد” للعراقي أحمد سعدواي. ولم يكن الاختيار سهلا، بحسب أبيغنانيسي، خاصّة وأنّ أسماء من العيار الثقيل كانت حاضرة بقوّة كالكورية الشمالية هان كانغ والهنغاريّ لاسلو كراسناهوركاي اللذان سبق لهما الفوز بالجائزة من قبل، والإسباني أنطونيو مونيوث مولينا، الحائز على جائزة أمير أستورياس في الأدب للعام 2013.

وبالرغم من أنّ عنوان الرواية، في النسخة الإنكليزيّة، ليس ترجمة للعنوان الأصلي، وعلى الرغم من أنّ مترجمي العمل إلى اللغات الأخرى كالهنغارية والروسية على سبيل المثال، قد حافظوا على العنوان الأصليّ كما هو، دون تغيير، إلّا أنّ العنوان الإنكليزيّ، الذي اختارته المترجمة الأميركية جينڤر كروفت، لم يبتعد عن “جوهر” ما يكتنفه المعنى الثاوي في الأصل. ونشرت الرواية باللغة البولنديّة سنة 2007 تحت عنوان“Bieguni”؛ وهي لفظة تطلق على طائفة سلاڤيّة غامضة، دائمة الترحال، تعتاش على صدقات الآخرين، وبذلك يكون المعنى أقرب، في العربية، إلى “الدراويش” السّائحين في أرض الله. فازت الرواية، في السنة اللاحقة، بجائزة “نايكي الأدبيّة”، التي تُعدّ بمثابة “البوكر” البولنديّة.

تنهمك الرواية عبر شذراتها المترابطة في “المشاغل الوجوديّة.. للجسد الفاني”، بحسب الشاعرة والروائية البلغاريّة كاپكا كاسابوڤا في مراجعتها المنشورة بصحيفة الغارديان، في منتصف العام 2017. “إنّها رواية حدوس بقدر ما هي رواية أفكار، تنافر أصوات وحكايات تبدو للناظر بأنّها غير مترابطة عبر الزمان والمكان، ولكنها تتعرّج بين البليغ والظريف، والمبهم والعاديّ، فتظلّ مدوّنتها الحقّة ذات غموض مجيد”.

وبهذا الفوز تكون توكارتشوك أول كاتبة بولنديّة تحصد هذه الجائزة العريقة التي تمنح، منذ تأسيسها في  2004، لأفضل كتاب قَصصيّ ينشر مترجمًا بالإنكليزيّة.

ستتقاسم توكارتشوك قيمة الجائزة، البالغة خمسون ألف جنية إسترليني مع مترجمتها جينڤر كروفت التي درست الترجمة الأدبية في جامعة أيوا الأميركية، وتترجم عن الإسبانية والأوكرانيّة، إلى جانب البولنديّة، وترأس هيئة تحرير المجلة الأدبيّة “بوينس آيرس ريڤيو”.

وتاليا ترجمة عن النسخة الإنكليزية لشذرات مختارة من هذه الرواية، الجديرة بالقراءة والمديح – شذرات قائمة بذاتها، كوحدة سرد مستقلّة لا تبتعد كثيرا عن “مناخات” قصيدة النثر؛ ولكنها لا تنفصل في جوهر وجودها عن بقيّة شذرات الكتاب، فمثّة رابط يجمع بينها لتنتظم في آخر المطاف في نسيج السرد الجامع للرواية برمّتها.

 عمري بضع سنين ولا مكان أذهب إليه

*ها أنا ذي

بضع سنينَ عُمريَ الآن. أجلسُ على حافّة النافذة، محاطة بلُعبٍ متناثرة وأبراج مقلوبة ودمىً بعيون متورّمة. ها إنّها العتمة في البيت، والهواء يبرد في الغرف، على مهله، ويعتم. لا أحد إلّايَ هنا؛ لقد رحلوا، لقد ذهبوا، ولكنّ المرء يستطيع سماع أصواتهم تتلاشى، وذلكَ المشي الوئيد، أصداءَ وقع أقدامهم، وبعض ضحك قصيّ.

فارغ، خارج النافذة، الرّيف. والعتمة تُرخي سدولها، بهدوء، من السماء، وتهبط فوق كل شيء كنَدىً أسود. أسوأ شيء هو السّكون، الواضح والكثيف – غسق بارد والضوء الواهن لمصابيح بخار الصوديوم قد تلطّخ بالعتمة، للتوّ، على بُعْد بضع أقدام من حيثُ أتى.

لا شيء يحدث – زحف العتمة يتلكّأ عند الباب المفضي إلى البيت، وصخب الخفوت يسقط صامتًا، ويغلف كل شيء، بغشاء غليظ، كالذي يتكوّن حين يبرد الحليب الساخن. معالم البنايات المنعكسة على خلفية السماء، تمتد بلا نهاية، فاقدة زواياها الحادة وأركانها وحوافها، رويدًا رويدًا. ثم يأخذ الضوء الخافت الهواء معه – فلا شيء يبقى للتنفس. ها إنها العتمة تتسرب إلى جلدي الآن.

والأصوات قد تموّجت في داخل أنفسها، واستردّت عيونَها الحلزونَ؛ لقد غادرت أوركسترا العالَم، وتلاشت في الحديقة العامة. ذلك المساء حدُّ العالم، ولقد عثرت عليه، صدفةً، في أثناء لهوي، وليس بحثًا عن شيء. لقد اكتشفته لأنّني تُركت بلا مراقبة لوقت قصير.

لقد وقعتُ في شرَك الآن، ولا أستطيع الخروج. عمري بضع سنين، وأجلس على حافة النافذة، ناظرة إلى الباحة الباردة. لقد أطفأت أضواء مطبخ المدرسة؛ وغادر الجميع. كلّ الأبواب موصدة، والكوى مغطّاة، والستائر مسدلة. أرغب في المغادرة، ولكن لا مكان أذهب إليه. فلا شيء إلّا وجوديَ واضح المعالم الآن، هيئة ترتعش وتموج، ولكنّها تُوجِع حين تفعل ذلك. ولكنني أعرف على حين غفلة: لا شيء يستطيع أحد أن يفعله الآن، ها أنا ذي.

*مبارك الآتي

أبريل على الطريق السريع، شرائط الشمس الحمراء عبر الإسفلت، والعالَم مُنمنَم بغشاوة كالزّجاج من المطر الأخير – كعكة عيد الفصح. أقود سيّارتي يومَ جمعةِ الآلام، عند الغسق، من هولندا إلى بلجيكا- لا أعرف في أيّ بلد أنا الآن، فالحدود تلاشت؛ لقد اندثرت.

إنهم يعزفون موسيقى قدّاس الموتى في المذياع. وعند “ترنيمة نشيد زكريا”، تنير الأضواء على طول الطريق السريع، كما لو أنّها تحصّن البركة التي أنالها من المذياع، رغمًا عنّي. بيد أنّ المسألة، في الحقيقة، لم تعن أيّ شيء أكثر من أنني قد نجحت في الوصول إلى بلجيكا، حيث جميع الطرق السريعة -لحسن حظّ المسافرين!- مضاءة على نحو جيّد.

*شقة مهجورة

لا تفهم الشقّة ماذا حدث. تظنّ الشقّة بأنّ مالكها قد مات. فمنذ أن صُفقَ الباب، وصَرَّ المفتاحُ في الترباس، وجميع الأصوات قد كُتمَتْ، وغابت ظلالها وحدودها، كما في البقع الباهتة. الفراغ يتكثّف، جديدا، لا يعكّر صفوه تيّار هواء، ولا تكدّره الستائر، وفي هذا السكون، تبدأ أشكال أوليّة بالتبلور، أشكال تدلّت لبرهة بين الأرض وسقف المدخل. لا أشياء جديدة تخرج إلى الوجود الآن بالطبع – أنّى ذلك؟

فليست هذه إلّا محاكاة لأشكال مألوفة، تنخلط في كتل فوّارة ومنفّطة، تحافظ على معالمها لثانية فحسب. هذي حوادث فرديّة، إيماءات معزولة، كأثر قدم على سجّادة ناعمة وُجدَتْ في البقعة ذاتها، دائمًا وإلى الأبد، ثم ها إنها تتلاشى. أو يد على طاولة، تكابدُ حركات الكتابة، رغمَ أنّ الحركات صعبة وملتبسة، فهي تحدث بدون قلم، وبدون ورقة، وبدون كتابة، وبدون بقيّة الجسد.

*تعليمات

حلمتُ بأنني كنت أتصفّح مجلة أميركية تضمّ صورَ بركٍ ومسابح. لقد رأيت كلّ شيء، بالتفصيل. وصفت الأحرف، ألف وباء وتاء، كلّ الأجزاء المكوّنة للخطط والمخططات التفصيليّة، بحذافيرها. شرعت، متلهّفة، في قراءة مقالة بعنوان “كيف تشيّد أقيانوسًا: التعليمات”.

(تر: ت. خ)

العرب

الكاتب النمساوي بيتر هاندكه

جائزة نوبل للآداب لعام 2019 ذهبت إلى الكاتب النمساوي بيتر هاندكه من مواليد جريفن سنة 1942، وهو الذي يعتبر من الكتاب المثيرين للجدل في الأوساط الأدبية العالمية، بالرغم من إنتاجه المرموق في الرواية والقصة والمسرح، وخصوصا مسرحيته “إهانة الجمهور”، وانتمائه إلى “حركة الطليعيين” الألمانية في السبعينات من القرن الماضي.

ويجمع بيتر هاندكه بين صنوف إبداعية مختلفة فهو إضافة إلى كونه روائيا هو كاتب مسرحي، ومخرج سينمائي، وكاتب سيناريو. ويطلق عليه النقاد اسم “الأديب الكاميرا” لدقة تصويره لمشاعر الإنسان ولمظاهر الحياة اليومية التي تحيط به.

عاش هاندكه في البداية ببرلين الشرقية بين عامي 1944 إلى 1948، ثم عاد إلى جريفن، أين حصل على شهادته العليا عام 1959، والتقى بأعضاء مجموعة 47 وهي أهم مجموعة أدبية في تاريخ ألمانيا ما بعد الحرب، وجاءت تعبيرا عن أحلام جيل جديد عاش مآسي الحرب العالمية الثانية، وانضم إليهم، ولكنه في الثمانينات رحل إلى أماكن عديدة حول العالم وكتب نصوصه رحلاته، وقد كتب عن الحرب العرقية في منطقة البلقان منحازا إلى الصرب.

بدأ حياته ككاتب مسرحي عام 1964، بمسرحية “إثارة سخط الجمهور” والتي تنتمي إلى مسرحية الطليعة الألماني الحديث، ثم توالت أعماله الروائية “المعاناة الحادة للجنايني في لحظة عقاب” (1970)، “خطاب قصير الوداع طويل”، “اسكن برجا عاجيا”، “الألم المختلف” (1972)، و“حركات مزيفة” (1975)، “عودة بطيئة” (1979)، “أجنحة الرغبة” (1987)، “مقال حول التعب” (1989)، “رحلة شتوية”، “ملحوظات حول عمل يان قوس” (2005)، “كامي” (2006)، “في الطريق بالأمس” 2011، (1971)، “الدهاليز الزرقاء” (2013) وغيرها.

وحاز هاندكه قبل فوزه بجائزة نوبل في الآداب 2019، جائزة جيرهارت هاوبتمان عام 1972 وعلى الجائزة الأدبية من ولاية شتايرمارك عام 1973، وجائزة الكاتب المسرحي هنريك إبسن المرموقة لعام 2014 وغيرها.

كان هاندكه قد لفت الانتباه إليه قبل صدور روايته الأولى في مطلع عام 1966، خلال اشتراكه في اجتماع لجماعة 47 في برينستون، وبعد قراءات ومداخلات للكتاب المشاركين استمرت لساعات، تكلم هاندكه فأعرب عن اشمئزازه من كتاباتهم وتلا كلمة مليئة بالشتائم الطويلة تحدث فيها عن ضعف الوصف للكتاب وتناول كذلك النقد الأدبي فقال عنه “إنه سخيف مثل هذا الأدب السخيف”. وقد كسر بتلك الكلمة تابوها لأنه كان من المعتاد ألا يقع الخوض في جدال حول ما يكتب، وكأن الجلسة نوع من المسلمات.

نقد هاندكه الأساس الأدبي ذاته وأصبحت كلمته تلك موضوعا للنقاش في الأركان الأدبية وفي الصحف. وفي نفس العام قام المخرج كلاوس بايمان بتقديم مسرحيته الكلامية التي شتم فيها الجمهور على المسرح للمرة الأولى. ودام ارتباطه ببايمان كصديق ومخرج حتى اليوم. وقد احتفى نقاد المسرح بهذه المسرحية المثيرة الجديدة من نوعها. حينذاك انطلقت شهرة هاندكه بشكل نهائي ككاتب. وكذلك مسرحياته الكلامية التي كتبها من قبل مثل “النبوءة” و”تأنيب النفس”، فقد أخرجهما جونتر بيش وعرضا للمرة الأولى في أوبرهاوزن واستقبلهما النقاد بشكل إيجابي، وأصبح بيتر هاندكه في غضون أشهر نجما شعبيا للمشهد الأدبي الألماني.

رأى نوبل “تكريساً زائفاً لا يفيد القارئ”… بيتر هاندكه يكسر التقاليد بإنتاجه الزاخر

ب النمسوي #بيتر_هاندكه الذي حاز #نوبل_الآداب للعام 2019 بسعيه الحثيث لسبر أغوار اللغة وإنتاجه الزاخر الذي يكسر التقاليد وببعض المواقف التي أثارت الجدل لا سيما تلك المؤيدة لصربيا.

وكان الأديب البالغ من العمر 76 عاما الذي يتميّز بقامته الممشوقة وشعره الأشيب المسدول إلى الخلف ونظرته الثاقبة قد قال: “لا بدّ من إلغاء نوبل الآداب، فهو تكريس زائف لا يفيد القارئ بشيء”.

وظنّ كثيرون من أهل الأدب أنه لن ينال هذه الجائزة يوما، بالرغم من شهرة اعماله، بسبب مواقفه خلال حرب يوغوسلافيا السابقة.

فقد كان هذا الكاتب المولود لأم سلوفينية في السادس من كانون الأول 1942، في كرنتن في جنوب النمسا، من المفكرين الغربيين القلائل الذين أيّدوا الصرب.

وفي خريف العام 1995 بعد بضعة أشهر من مجزرة سريبرينتسا، سافر إلى صربيا وسجّل الانطباعات التي خلفتها هذه الرحلة في كتاب أثار جدلا يحمل عنوان “رحلة شتوية نحو الدانوب والسافا والمورافا والدرينا”.

وفي العام 1999، أعاد جائزة “بوشنر” الألمانية الأدبية العريقة وانسحب من الكنيسة الكاثوليكية تنديدا بالضربات التي شنّها حلف شمال الأطلسي على بلغراد مشبها الوضع بـ “أوشفيتز جديد”.

وبعد سبع سنوات، أثار جدلا بحضوره مراسم دفن الرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوشيفيتش المتهم بجرائم ضدّ الإنسانية وإبادة جماعية.

واضطر إثرها إلى التخلي عن جائزة كانت مدينة دوسلدورف قررت منحها إياه وسحب فرقة “كوميدي-فرانسيز” المسرحية أحد أعماله من برنامجه.

وهبّ مثقفون إلى الدفاع عنه، من بينهم موطنيه إلفريده يلينيك الحائزة نوبل الآداب سنة 2004. غير أن الجدل الذي سببه طغى لفترة من الفترات على أعمال هاندكه الأدبية في الإعلام.

لكن الكاتب النمسوي الذي ألف أكثر من 80 عملا يبقى أحد الكتاب باللغة الألمانية الذين يتمتعون بأكبر نسبة قراءة. وحولت الكثير من أعماله إلى مسرحيات.

وقال هاندكه هخال تسلّم جائزة للأدب الأوروبي في ألمانيا “أحلم بأن أكون عالميا ولدّي القدرة على ذلك”، وفتح له صديقه السينمائي الألماني فيم فندرز أبواب مهرجان البندقية حيث عرض “أيام أرانخويس الجميلة” المقتبس من إحدى مسرحياته. وأقرّ السينمائي الألماني “لولاه، لكنت أصبحت رساما ربما”.

وبقي هاندكه الذي منح لقب مواطن شرف في بلغراد في شباط 2015، متمسكا بتأييده لصربيا.

وهو خصص جزءا من المبلغ المرفق بجائزة إيبسين المسرحية التي نالها سنة 2014 لتشييد مسبح عام في منطقة صربية في كوسوفو.

أصدر هاندكه الذي تأثر كثيرا بكتاب جورج بيرنانوس “تحت شمس الشيطان” عندما كان في الخامسة عشرة من العمر، أول رواية من توقيعه سنة 1966 بعنوان “الزنابير”، بعدما توقف عن دراسة الحقوق في فيينا.

وأثار ضجة في السنة عينها مع أول مسرحية له بعنوان “إهانة الجمهور” التي تمتزج فيها شتائم موجهة للمتفرجين ورسائل يائسة وانتقادات لاذعة للأدب الملتزم.

وانتقد الكاتب البالغ وقتها 24 عاما مبادئ ما يعرف بـ “مجموعة 47” المهيمنة على الأدب الألماني في مرحلة ما بعد الحرب العالمية، رافضا رفضا قاطعا الاستخدام المؤطر للغة.

وهاندكه من أرباب النثر وقد طوّر أسلوبا قاطعا وكثيفا، مؤكدا أنه لا يسعى إلى “استثارة الأفكار بل العواطف”.

وذاع صيته مع “توتر حارس المرمى خلال ركلة الجزاء” في العام 1970 ثم “المصيبة اللامبالية” (1972) الذي يرثي فيه والدته بشكل مؤثر.

وكانت الهجرة والوحدة من المواضيع الأكثر تداولا في أعمال هذا الأديب الغزير الإنتاج الذي في رصيده نحو أربعين رواية ومحاولة أدبية وديوانا، فضلا عن 15 مسرحية وسيناريوات من بينها “أجنحة الرغبة” لصديقه فيم فندرز. وصدر كتابه الاخير بالالمانية سنة 2018 لدى دار “سوركامب”.

واستقرّ هاندكه في شافيل في ضاحية باريس سنة 1990 بعدما عاش لفترة طويلة في سالزبورغ. وهو مطلّق وله ابنتان.

بيتر هاندكه… بعد حرب البلقان والعزلة جاءت «نوبل»/ سعيد خطيبي

أخيراً ذهبت نوبل للأدب 2019 للنمساوي بيتر هاندكه (1942) التي أُعلن عنها في ستوكهولم، تزامناً مع إعلان نوبل 2018 التي حُجبت العام الماضي، على خلفية فضيحة تحرش جنسي، وتوجت بها البولونية أولغا توكارتشوك. إذا كان اسم توكارتشوك قد ورد في قائمة التكهنات منذ أكثر من شهر، وتداوله العديد من الصحف، فلا أحد توقع اسم بيتر هاندكه.

ونيله الجائزة، وإن جاء متأخراً، يعد بمثابة ثورة في الأكاديمية السويدية، أخرجت الكاتب من عزلة طالت أكثر مما يلزم، فقد قضى هاندكه سنوات وحيداً في صحراء التجاهل والعزلة والتيه، متهماً بجرم لم يرتكبه، وهو تأييد صرب البوسنة، في حرب البلقان في تسعينيات القرن الماضي، وتفاقمت التهمة بعدما ذكر سلوبودان ميلوسوفيتش اسمه، أمام محكمة لاهاي، وطلب حضوره كشاهد، وقد أدين رئيس صربيا حينها بجرائم حرب، هاندكه لم يحضر المحاكمة، لكنه شارك في جنازة سلوبودان ميلوسوفيتش (2006)، ولذي مات في مركز الاعتقال الأممي، وألقى يومها الكاتب النمساوي كلمة فتحت عليه أبواب مقاطعة، دامت 13 سنة، قال فيها: «العالم أو ما يُسمى بالعالم يعرف كل شيء عن يوغسلافيا، عن صربيا، عن سلوبودان ميلوسوفيتش، العالم، أو ما يُسمى بالعالم يعرف الحقيقة، لكنه غاب اليوم».

دافع صاحب «أقيم في برج عاجي» عن ميلوسوفيتش، ودفع الثمن بأن منع المسرح الفرنسي عرض عمله «سفر في بلد صاخب أو فن السؤال»، وظن البعض أنه قد ودع «نوبل» ولن ينالها أبداً، كما سُحبت منه جائزة أدبية كان يفترض أن يتسلمها في ألمانيا، ووجهت له مجلة «نوفل أوبس» الفرنسية تهمة مباركة مجزرة «سربرينيتسا»(1995) لكن الكاتب رفع دعوى قضائية ضد المجلة وكسبها، مع ذلك سقط يومها اسمه من تكهنات نوبل للأدب، ليظفر بالجائزة، خلافاً لكل التوقعات، هذه السنة.

وُلد بيتر هاندكه في مقاطعة كارينتيه، المحاذية لسلوفينيا، وهي مقاطعة تتكلم اللغتين الألمانية والسلوفينية، السلوفينيون يقولون إنها جزء من أراضيهم سلبت منهم، والنمساويون ينفون ذلك، وبين البلدين جدل، والناس هناك يجدون أنفسهم ـ تلقائياً ـ متورطين في الحديث وفي مناقشة السياسة، كما إن والده كان عسكرياً، بالتالي من الطبيعي أن ينخرط الكاتب، منذ صغره، في الشأن السياسي، وفي ملاحظة ما يدور من حوله، أضف إلى ذلك أن تنشئته الأدبية كانت «كافكاوية»، زادها نضجاً تعلمه الفرنسية (فقد كان أول من نقل باتريك موديانو ـ مثلاً ـ إلى الألمانية). اشتغل على الترجمة وعلى تمتين كتابة وجودية في مسرحه، هذه التنشئة الأدبية انطبقت على حياته، فرغم ما تعرض له من تجاهل وتضييق عقب مواقفه من حرب البلقان، ودفاعه عن عدالة انتقالية في البوسنة والهرسك، لم تُفهم كما ينبغي، وبينما ازداد التضييق عليه، وقل الاهتمام به، أصدر قبل ثماني سنوات رواية بعنوان «كسكسي في فيليكا هوتشا»، وهي مدينة في كوسوفو، دافع فيها عن الأقليات الصربية هناك، غير مبال بالنزاع الذي لا يزال قائماً، بين كوسوفو التي أعلنت استقلالها، وصربيا التي تصر على أنها جزء منها.

بيتر هاندكه ومواطنته ألفريد يلينك يعدان أهم وجهين في الأدب النمساوي، ولن نُبالغ إن قلنا أهم اسمين يمكن أن نقرأ لهما من اللغة الألمانية (نددا معاً قصف الحلف الأطلسي لصربيا 1999)، ولكنه تجاوزها ـ إن صح التعبير ـ أن قضى سنوات في الترجمة من الفرنسية، مع أن فرنسا كانت لاحقاً أول بلد تجاهله بعد 2006، وسبق له أن برر علاقته بالترجمة قائلاً: «كنت أترجم نصوصاً من الفرنسية، لأنني شعرت بأن النصوص التي أكتبها لا قيمة لها»، ذلك شعوره الأولي، قبل أن تخرج كتبه الأولى من مدينته الصغيرة، شرق النمسا، ثم تعبر الحدود، وتترجم في أوروبا واليابان، وقد وصل منها إلى العربية كتب «رسالة قصيرة للوداع الطويل»، «خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء»، «الشقاء العادي» و»المرأة العسراء».

في رواية «المرأة العسراء» تقرر ماريان هجر زوجها، هكذا بدون سبب. في غالبية نصوص هاندكه الوجودية يعلو المنطق، لا يهمه السبب بقدر ما يهمه الحدث. تهجر ماريان زوجها بحثاً عما تعتقد أنه السعادة والحرية، وأشياء أخرى تعجز عن تسميتها، وتتركه بصحبة ابنهما ستيفان. هذه الرواية على الرغم من حجمها الصغير (130 صفحة)، فقد جاءت مكثفة في بحثها النفسي، وفية لأسلوبية هاندكه في التفتيش عن دواخل شخصيته، بدل الإغراق في التوصيف الخارجي. في كتاب «الشقاء العادي» قد يخطر على بال القارئ، من صفحاتها الأولى، رواية «الغريب» لألبير كامو، فهاندكه ينطلق من مقاربة مماثلة، فبعد موت والدته السلوفينية منتحرة، يقرر أن يكتب عن حياتها وموتها، وهي التي عاشت حياة عادية وشقاء عادياً. في «رسالة قصيرة للوداع الطويل» ينتقل في ترحال إلى أمريكا، في رواية تحضر فيها الموسيقى والسينما، يحكي فيها عن كاتب نمساوي (مستثمراً سيرته) يبحث عن زوجته، التي وصلته منها رسالة وداع قصيرة.

الأدب والمسرح ليس هما كل شيء في حياة هاندكه، فقد اشتغل أيضاً سيناريست، ويظل اسمه مرتبطاً بالمخرج فيم فيندرز، وفيلم «الجنة فوق برلين»، شارك في كتابة حوارات الفيلم ذاته، ونال «السعفة الذهبية» (1987). وآخر رواياته التي صدرت بالألمانية، ترجمت إلى العربية ﺑ»الحادث الكبير»، يروي فيها حياة ممثل فاشل يفكر في ارتكاب جريمة، قبل أن يقع في حب فتاة.

لقد كسبت الأكاديمية السويدية الرهان هذا العام، وطوت فضيحة العام الماضي، انتصرت للأدب على حساب السياسة، ومنحها الجائزة لبيتر هاندكه يحسب لها، ولعل هذا الخيار سيكون له وقع على الحال في البلقان، ويحيل الإخوة الأعداء على مراجعة مواقفهم الراديكالية تجاه بعضهم بعضاً، فمواقف هاندكه من صربيا، في التسعينيات، وقربه منها، وتعاطف معها في كتابه «سفر شتوي إلى الدانوب»، لم يكن ميلاً لطرف على حساب الآخر، بل كان يقدمه على أنه من أجل «العدالة» ومصالحة تاريخية، ولعل اليوم تتجدد المناسبة كي نُعيد النظر في مواقفه، ونفهم حماسته من أجل «وفاق» بين جيرانه البلقانيين.

كاتب من الجزائر

القدس العربي

هل تعافت جائزة نوبل للآداب؟/ معن البياري

أمّا وأن الفائزيْن بجائزتي نوبل للآداب لعامي 2018 و2019، المعلنيْن أمس، البولندية أولغا توكارتشوك (1962) والنمساوي (الألماني) بيتر هاندكة (1942)، لم يكونا من بين من ذاعت أسماؤهم في بعض الصحافة الأوروبية، وفي مراهناتٍ وتخميناتٍ في الأيام القليلة الماضية، مرشّحين للجائزة العتيدة، فذلك مما قد يعني أن الأكاديمية السويدية المنوط بها، منذ العام 1901، منح هذا التكريم العالمي لأديبٍ تختاره، ربما آثرت حماية سلطتها الخاصة، وتعزيز القناعة بأن مداولات أعضائها الـ 18 السرّية (قل الطوطمية؟) لا تتأثّر أبدا بأي ميولٍ أو أمزجةٍ أو ذائقاتٍ لدى غير هؤلاء، وإنْ تتلقَّ الأكاديمية ترشيحاتٍ من غير جهة، وإنْ كانت عاليةً كعوبُ كثيرين من المتداولة أسماؤهم للفوز، والتي يتردّد (أو يتسرّب، بحسب صحافاتٍ مدّعية) أنها التي ستحظى بالجائزة. وللاسمين الجديدين في نادي “نوبل للآداب” بعض الشهرة في العالم (سبعٌ من روايات هاندكة مترجمة إلى العربية)، وتحوّلت نصوصٌ لهما إلى السينما والمسرح والتلفزيون. وعلى ما نشر، فإن روايةً ملحميةً لتوكارتشوك، اسمها “كتب يعقوب” (900 صفحة) بيع منها 170 ألف نسخة. وسبق للاثنين أن أحرزا جوائز عالميةً مقدّرة. ويشتركان في أنهما غزيران في إنتاجهما المتنوّع، فهما كاتبا سيناريو أيضا، وأول إصدارات البولندية في 1989 ديوان شعر، ولها مجموعتان قصصيتان، وهي أيضا كاتبة مقال وناشطة سياسية، ومدافعة عن حقوق الحيوان. وهاندكة مخرج ومترجم وكاتب رأي أيضا.

مشهورٌ أن الجائزة مُنحت أمس لفائزيْن بها عن العامين، الماضي والحالي، لأن الأكاديمية السويدية لم تكن قد تعافت من الآثار الفادحة لفضائح فيها، بعد إعلان نساء من أعضائها تعرّضهن لاعتداءاتٍ جنسيةٍ من مصوّر فرنسي، زوج زميلة لهن، تبيّن أن له نفوذا على أداء الأكاديمية، فضلا عن منافع مالية منها (حُكم عليه بالسجن سنتين ونصف السنة)، استقالت الزوجة وست آخرون من عضوية الأكاديمية التي دخل إليها بديلون (الأعضاء لا يُقالون، يستقيلون فقط!)، أحدُهم قاضٍ في المحكمة العليا السويدية (ما علاقته بالأدب؟ أم للتدليل على النزاهة؟). وقبل ذلك كله، كان أكثر من أربعمائة كاتب ومثقف قد طالبوا بتعديلاتٍ “ثورية” في عمل الأكاديمية ونظامها الداخلي، بعد أن فاز في العام 2016 المغني الأميركي، بوب ديلان، بجائزة نوبل للآداب، الأمر الذي اعتبره بعضُهم فضيحة، ورآه صاحب هذه الكلمات، في مقالةٍ منشورة في هذا المطرح، مزحةً. وبعد هذا كله، وبعد مداولات القضاء السويدي في أمر الأكاديمية العتيقة (تأسّست في 1786)، قال رئيس الجائزة، أندرس أولسون، إن معايير الجائزة تغيّرت، وإن لدى لجنتها منظورا واسعا وأكثر شموليةً بشأن الأدب، وأنها وسّعت نطاقها في العالم، وأضاف “لدينا كاتبات كثيرات رائعات حقا”.

ولكن، من قال إن فضائح الجنس والفساد تلك وحدها عيوبُ جائزة نوبل للآداب، أليس من مثالب أخرى رافقت الجائزة في غير موسم سنويٍّ لها؟ هل يُحسب منحُها لأولغا توكارتشوك وبيتر هاندكة أمس دلالةً على تعافيها؟ الإجابة عن السؤال الأول ميسورة، فقد مرضت “نوبل للآداب” من اعتباراتٍ سياسيةٍ مرّاتٍ، كما أنها مُنحت لأسماء، ليست قليلةً، متواضعة الموهبة والأهمية والمكانة، واستحقّها غيرهم لم تلتفت الجائزة إليهم. ومن العيوب الثقيلة المركزية الأوروبية المهيمنة على منظور اللجنة التي تحتكر تسمية الفائزين (ما أهليتها بالضبط؟)، فمن غير المعقول أن طاغور وحده من الهند استحقّ الجائزة، وأن معدودين من آسيا وأفريقيا أعطيت لهم، أما العرب فلطه حسين أن يُرشّح 14 مرة، وليمكث أدونيس في قوائم المترشحين ما شاء الله، وليفلت نجيب محفوظ بالمرّة العابرة.

لم تترجم أولغا توكارتشوك إلى العربية، فلا نعرفها. وبعضُ ما قرأنا لهاندكه لا يشجّع لحماسٍ خاصٍّ له، وليتفوق على كثيرين أرفع منه خيالا وإمتاعا فيسبقهم إلى “نوبل”. ولأن أمرَنا على هذا النحو معهما، ما الذي أراده كرادلة (مجازا) الأكاديمية السويدية في إعطاء الجائزة لكاتبةٍ بولنديةٍ ليبراليةٍ، ذات مزاج يساري، منشغلةٍ بألم اليهود ومحرقتهم في بلادها، فيما تمنحها أيضا لكاتبٍ انتصر لمجرمي الحرب في صربيا، وزار ميلوسيفيتش في سجنه، وتغنّى به عند وفاته؟ هل في هذا شيءٌ من تعافي جائزة نوبل للآداب من عيوبها وفضائحها، عندما تتوخّى توازنا ما في أمري توكارتشوك وهاندكه، كما بين عمريْهما، فضلا عن كونهما كاتبا وكاتبة؟ لا أعرف.

العربي الجديد

ماذا قال العرب عن نوبل وبيتر هاندكة؟

ماذا قال العرب عن نوبل وبيتر هاندكة؟ هاندكة
قال بيان “نادي القلم” في نيويورك بخصوص فوز بيتر هاندكة بجائزة نوبل للآداب 2019: “لقد صُعقنا باختيار كاتب استخدم صوته العام لتقويض الحقيقة التاريخية وتقديم ضحية عامة لمرتكبي الإبادة الجماعية(…) نحن نأسف بشدة لاختيار لجنة نوبل للآداب”. وفي “فايسبوك” هناك عشرات الأصوات العربية التي استنكرت الاختيار، أو تعاطت معه بطريقة جدلية… هنا بعض الفسبكات لروائيين وشعراء وناشطين.


لماذا ينشغل الأدباء العرب كثيراً بهذا الأمر
كالعادة، أثار منح جائزة نوبل للأدب لبيتر هاندكة الكثير من الأسئلة المتعلقة بمدى إمكانية فصل مواقف الكاتب السياسية عن منجزه الأدبي. فالحائز عليها هذا العام عُرف بمناصرته اليمين الصربي وقربه من ميلوسوفيتش حتى حضر جنازته بعدما حوكم كمجرم حرب، فيما قال هاندكه إن ذلك يتعلق بحنينه ليوغسلافيا، البلد الأوروبي الذي كان مفضلاً لديه! [في المقابل منحت الجائزة أيضاً للكاتبة البولندية المعارضة لليمين في بلدها أولغا توكاركوك]
لكن، لماذا ينشغل الأدباء العرب كثيراً بهذا الأمر، وهذا من حقهم، ولا يتساءلون عن أدبائهم الذين قاموا بمناصرة الديكتاتوريين العرب بكل الوسائل، بما في ذلك الشعر والقصة والرواية، إذ صار حافظ الأحد وبشار الأبد والقذافي الزعيم وصدام المهيب وصالح بارق الغيمات المُمطر! بمثابة آلهة عندهم…
علي المقري – روائي يمني


يكتب نُصوصاً قصيرة بالألمانيّة الملطاء
والحقيقة أنّ توقّع فوز كاتبٍ محلّيّ تافه، مثل علاء الإسواني أو يوسف زيدان بجائزة نوبل 2019… كان أقرب عندي من توقّع فوز الكاتب النّمساوي (بيتر هاندكه Peter Handke) بها لهذه السّنة، مع الكاتبة البولونيّة – (أولغا توكارتسوك Olga Tokarczuk) – التي لا أعرفها ولم أقرأ لها أيّ عمل في حياتي بصراحة. ولمن لا يعرفه، فإنّ الكاتب النمساوي (بيتر هاندكه) يكتب نُصوصاً قصيرة بالألمانيّة الملطاء المقلّمة الأظافر، تبدو مدرسيّة ساذجة من شدّة إختزالها وتكثيفها وأناقتها وخلوّها من المفاجآت والخطايا والأخطاء البلاغيّة الضروريّة لكلّ طبخة إبداعيّة مارقة وخارقة، لكنّه أيضاً، ثعلب حقيقيّ، وطبّاخ ماكر، وفي عباراته ملح خاصّ وتوابل صحّيّة موصوفة، هيّ ماسخة طبعاً، إذا قارنّاها بالتّوابل العالميّة في النّصوص الفُصوص، لكنّها توابل (بيّو Bio)غير ضارّة ومضمونة، وتغيّر قليلاً طعم طبيخ المستشفيات العُموميّة المتشابه الذي تعوّدنا عليه في الأدب النّمساوي الحديث خلال ربع القرن الأخير، وبعد أفول عهد العمالقة في النّمسا… هنيئا لك يا سيّد (بيتر هاندكة)… ليس من القلب، لكن هنيئا… ويوفى الحبّ.
كمال العيادي – كاتب تونسي


(“لا اسلامية ولا مْسيحية/جايزة نوبل علمانية”؟)
بمنح الأكاديمية السويدية الكاتب النمسوي بيتر هاندكه جائزة نوبل الآداب للعام 2019، توازياً مع اعلان فوز البولندية اولغا توكارتشوك بجائزة العام الماضي، هل حاولت الاكاديمية إقامة توازن ما بين منح الجائزة من جهة لكاتبة يسارية معادية لحكومة بلادها اليمينية المحافظة وتنتقد “الجانب المظلم” من تاريخ بولندا المسيحية، وأخرى لهاندكه المدافع عن الرئيس الصربي المدان بجرائم حرب ضد الانسانية؟ (“لا إسلامية ولا مْسيحية/جايزة نوبل علمانية”؟). والمعروف ان هاندكه اتُهم العام 1996 بـ”تبرير جريمة الحرب الصربية” بعد نصّ بعنوان “رحلة شتوية في أنهار الدانوب وساف ومورافا ودرينا أو العدالة الصربية”. وفي العام 2004 زار هاندكه ميلوسوفيتش في سجنه في لاهاي. ثم وجّه اليه محامو الرئيس اليوغوسلافي السابق دعوة للمثول كشاهد في محاكمته، فلم يتجاوب، لكنه حضرَ جنازته مؤبّناً اياه ولاحقاً وَضعَ مسرحية “لعبة الأسئلة أو الرحلة إلى الأرض ذات الصوت الجهوري”، فحُذف من برنامج “الكوميدي فرانسيز”. اعتذر في 2006 عن قبول جائزة هاينريش هاينه (50 ألف يورو) داعياً الى تحويل المبلغ لإعانة القرى الصربية في كوسوفو وتمّ التجاوب مع طلبه. في تعليق له في “لوفيغارو”، 2008، أشار إلى التاريخ العام ليوغسلافيا، خاصةً النصر على النازية، واصفاً الدول الغربية بالدول المخادعة.
جوزيف عيساوي – شاعر لبناني


أنكر مجزرة سربرينيتسا
نشرت الجريدة الكرواتية Jutarnji، بعد ظهر اليوم، مقالاً في موقعها الإلكتروني، بعنوان: “صديق سلوبودان ميلوشوفيتش ينال نوبل: كاتب عبقري دافع عن زعيم صربي يوم تخلّى عنه الجميع”. لم تذكّر اسم هاندكه في العنوان، مكتفية بصورة له وخلفه لافتة كُتب عليها: ناكر المجزرة. بينما نشرت صحيفة Telegraf الصّربية مقالاً بعنوان مقتبس من تصريح للكاتب النّمساوي يقول فيه: “تمنيّت أن أكون قساً أورثوذكسياً محارباً في كوسوفو”، وبينهما نشرت صحيفة Oslobodjenje في سراييفو مقالاً بعنوان: “الحائز نوبل بيتر هاندكه أنكر مجزرة سربرينيتسا وشارك في جنازة سلوبودان ميلوشوفيتش”، مع العلم أن هاندكه هو صاحب المقولة المتداولة: “مجزرة سربرينتسا هي أبشع ما وقع في في أوروبا بعد الحرب العالمية الثّانية”. ورغم أن هاندكه لم يكتب في السّياسة، لكن تصريحاً واحداً له، وزيارات وديّة إلى صربيا، وحضور جنازة رئيس متّهم بجرائم حرب (مات قبل أن يصدر حكم في حقّه) جعلت منه مبجلاً في بلغراد ومنبوذاً في سراييفو وزغرب. ما يحدث الآن من ردود أفعال متناقضة، صدرت أيضاً عن وزراء في كوسوفو وألبانيا، حول الرّجل وجائزة نوبل ليس سوى حلقة أخرى من تبعات حرب لم تنته.
سعيد خطيبي – روائي جزائري


مركزية أوروبية لا شفاء منها
نوبل للآداب، للنمساوي بيتر هاندكه، والبولندية أولغا توكارتشوك. جائزة لا تخرج من مركزيتها الأوروبية إلا نادراً. لا مكان للصين أو اليابان أو إفريقيا أو الهند وبقية بلدان آسيا. مرض المركزية الأوروبية عضال، ولا شفاء منه. لا تصدقوا لجنة نوبل إن قالت لكم إنها ستذهب إلى مناطق أخرى من العالم. إنها تضللنا فقط وتعلقنا بحبال الوهم.
فخري صالح – ناقد أردني


لو كان هاندكه تونسياً
الكاتب النمسوي الكبير بيتر هاندكه تحصل على جائزة نوبل للآداب لهذا العام، وهو المعروف في كتاباته بحبه للتكثيف والاقتضاب وبنفوره من الإطالة. معظم روايات هاندكه لا يتجاوز عدد صفحاتها الـ120. لو كان هاندكه تونسياً لما تحصل حتى على جائزة محلية صغيرة. لأن المجتمع الأدبي هنا يؤمن بكثرة عدد الصفحات وليس بجودة الكتابة. والمثل التونسي الشهير يقول: “ما يعرفوه بقري كان بالكرشه”.
وليد سليمان- كاتب تونسي

نوبل للآداب 2019… درسٌ في البصيرة والعماء/ ريم غنايم

على عادتها سنويًا، وخلافًا للتوقعات والتنبؤات حول الفائز بجائزة نوبل للآداب، توّجت الأكاديمية السويديّة يوم الخميس الموافق 10-10-2019 كلا من الروائيّة الأديبة البولنديّة أولغا توكارتشوك (57 عامًا) بجائزة نوبل عن عام 2018 بعد حجبها العام الفائت، لأسباب جنسيّة فضائحيّة وأخرى ماليّة، والروائيّ والمسرحيّ النمساويّ بيتر هاندكه (77 عامًا) عن عام 2019.

تواصل الأكاديمية السويديّة في إدهاش العالَم وإثارة التساؤلات حول طريقة عملها واختياراتها الجدليّة، منذ عام 2016 مع اختيارها بوب ديلان حاصدًا لجائزة نوبل. هذا العام أيضًا تواصل الأكاديمية في مسارها الجدليّ وهي تجمع بين شخصيّتين أدبيّتين لهما أثرهما في الثقافة والمشهد الأدبيّ المحلي في بلديهما، وتثير أسئلة الصّوت والتمثيل في الأدب.

أولغا توكارتشوك، من مواليد عام 1962 وتقيم في وارسو، مؤلفة الروايات والمقالات وقد سبق وحصدت العديد من الجوائز والأوسمة، بما في ذلك جائزة مان بوكر العالميّة عام 2018 عن كتابها “flights” ، إلى جانب فوزها مرّتين بجائزة نيكي الأدبيّة البولنديّة عام 2008 وعام 2018، حيث، وعلى نحو نادر الوقوع، تمّ اختيارها بالإجماع  من قبل لجنة التحكيم والجمهور العام. توكارتشوك، التي درست علم النفس وزاولته، ولها دار نشر خاصّة، روتا، تصدر فيها أعمالها الأدبيّة، أصدرت عملها الأدبيّ الأول “رحلة أهل الكتاب” عام 1993 والذي استقبله النقاد بحرارة، ومنذ ذلك الوقت وهي تنشر أعمالاً، هي عبارة عن ثماني روايات ومجموعتين قصصيّتين، تلقى استحسانا ورواجًا كبيراً في الأوساط الأدبية والعامة في بولندا، وتحقق انتشاراً دولياً يصل بها إلى جائزة مان بوكر بعد ترجمتها إلى الانجليزية. تُعرف أولغا توكارتشوك أيضًا بعملها في مجال علم النّفس الذي أثرى عوالمها الأدبية، وبنشاطها السياسيّ ومواقفها اليساريّة، وهي عضوة في حزب الخضر البولنديّ. 

وقد بررت اللجنة اختيار توكارتشوك بإعلان السكرتير الدائم للجنة ماتس مالم أنّ كتابتها جاءت دامجةً بين الخيال السرديّ والشغف الموسوعيّ اللذين يمثّلان عبور الحدود كشكل من أشكال الحياة.

أما عن اختيار الكاتب النمساوي بيتر هاندكه، والمعروف أكثر في المشهد الأدبيّ العربيّ، بحُكم الترجمات التي قدّمتها دور النّشر العربيّة للعديد من أعماله الروائيّة والمسرحيّة نذكر منها “خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء”، “رسالة قصيرة للوداع الطويل”، “كاسبار”، “الحادث الكبير”، “الشقاء العادي” وغيرها، فقد قال السكرتير الدائم للجنة ماتس مالم إن أعماله الأدبيّة المؤثّرة تتميّز ببراعة لغويّة تستكشف الهامش والمحيط  وخصوصيّة التجربة الإنسانيّة.

أثار اختيار أعضاء لجنة نوبل لهندكة جدلاً كبيراً وصاخباً في العالم، وطرح سؤالاً تجاوز الخطاب السياسيّ والأدبيّ ودخل في جدل الشيفرة الأخلاقيّة لهذا الاختيار. وقد أثار فوز هاندكه غضباً واسعاً في كوسوفو والبوسنة، إلى جانب استنكار كتّاب ومثقفين عديدين من أمثال سلمان رشدي الذي وصفه في صحيفة الغارديان عام 1999 بالمتسابق الثاني على لقب المأفون العالمي للعام. وقد ظهر هاندكه كمدافع عن الصّرب أثناء حرب يوغسلافيا في تسعينات القرن الماضي، مقارنًا إياهم باليهود في عهد النازيين، مؤيداً التيار اليميني الصربيّ. حتّى أنّه صرّح بأنّ مسلمي سيراييفو قد ذبحوا أنفسهم منكرًا فعل الإبادة الجماعيّة التي وقعت في سريرنيتسا عام 1995 والتي نفّذتها القوّات الصربيّة في المكان كجزء من عمليّة التطهير العرقيّ ضدّ البوسنيين المسلمين.

بعد سبع سنوات من إدانة رشدي له، يعود هاندكه، ليحضر أيضًا جنازة ميلوسوفيتش ويقوم بتأبينه أمام آلاف المشيّعين في الثامن عشر من آذار عام 2006، وهو نفس العام الذي تمّ ترشيحه لنيل جائزة هاينرش هاينه في دوسلدورف وسحبها بعد أن اعترض عضو في مجلس المدينة على هذا الترشيح.

الكاتب الإشكاليّ على صعيد مواقفه السياسيّة، الذي دعا في عام 2014 إلى إلغاء جائزة نوبل التي تسعى إلى قوننة الأدب على نحو خاطىء، أحدثَ ضجّةً كبيرة بنيله هذه الجائزة، بعد أن فقد أمل نيلها منذ سنوات. وقد أبدى الكثيرون استياء من هذا الاختيار الذي كان من الممكن أن يكون طبيعيًا لو لم تكن له هذه المواقف المعلنة حيال حكم ميلوسوفيتش وجرائم الحرب والإبادات الجماعيّة التي ارتكبها. “فهو كاتب جيّد يدمج بين بصيرة عظيمة وعماء أخلاقي”، يقول الكاتب هاري كنزرو الذي أكّد على أهميّة أن يقف المفكّرون والمثقّفون في وجه استهزاء الحكّام ولامبالاتهم حيال الحقوق الإنسانيّة، لا مساندتهم. ووصفته فلورا سيتاكو، سفيرة كوسوفو في واشنطن ، بأنه “ناشر للكراهية والعنف الإثني”. ووصفه الكاتب جوناثان ليتل بالأخرق وعدوّه الإنسانيّ، ووصفته الروائية جنيفر إيغان بالمضلّل الذي استخدم صوته ليقوّض الحقيقة التاريخية التي تؤكّد المذبحة الجماعية التي ارتكبتها القوات الصربيّة.

نعم، يبدو أن الأكاديمية السويديّة غيّرت سياستها وتوجّهها في اختيار المرّشحين، إذ فتحت باب الصوت النسائيّ الأقلويّ لتكون توكارتشوك الفائزة الخامسة عشر بهذه الجائزة. هذا الصوت القادم من بولندة والذي يحمل معه قيم اليسار وجرأة النّبش في التاريخ البولنديّ ومواجهته وهي تصدر روايتها الصعبة “كُتب يعقوب” في محاولة لنبش التاريخ البولندي اليهوديّ وتغيير مساره نحو مفهوم التسامح والانفتاح على الآخر. إلى جانب كاتب بحجم هاندكه وعمقه الأدبيّ وثقافته الواسعة وصوته السياسيّ الذي حوّله إلى مضغة في ألسنة الخواصّ والعوامّ. فجاءت نوبل لتضع صوتَين يشكّلان بصمة أدبيّة هامّة ومشروعَين لغويّين بارعين وعالمين هويّاتيّين جديرين، إلا أنّها فشلت فشلا ذريعًا عندما طَرحت اسم هاندكه أدبيًا وتجاوزته سياسيًا. وربّما هذا هو السؤال الأصعب حول الكود الأخلاقيّ ومدى أهميّته مقارنةً بالكود الجماليّ في المطبخ الأدبيّ.

“أنا كاتب ولست قاضِ” هكذا وصف صاحب “سبّ الجمهور” نفسه مبرراً حضوره جنازة زعيم أدين بارتكاب جرائم حرب. لكنّه نسي أن مهمّته ككاتب أخطر بكثير من مهمّة القاضي. فالقاضي يفصل قوله في حياة شخص وربما ثلّة، لكنّ قول الكاتب يفصل في مصير أمم وأجيال ويعيد إنتاج مفهوم الأوطان والإنسان والتاريخ. هاندكه، حاصد جائزة إبسن وجائزة كافكا، مقابل توكارتشوك التي رافقها يوماً حارس ليحميها من التعرض لأي اعتداء في أعقاب نشر روايتها “كتب يعقوب” وهي تعيد تعريف تاريخ بلادها.

بين صوتين، واحد يعيد كتابة التاريخ ويفتحه على أسئلة إنسانية وجمعيّة حساسة، وآخر ينكر التاريخ ويفتحه على أسئلة فرديّة حساسة، نجحت نوبل هذا العام في أن تثير الجدل وتثير الأسئلة الحرجة حيال الأدب ودوره، وحيال الصوت الذكوريّ مقابل الصوت النسائي، وحيال إعادة تعريف مفهوم الجائزة وحدود بصيرتها وعمائها.

الأديب النمساوي بيتر هاندكه حائز نوبل: أَكْتبُ كي تَتَّسِعَ رُؤْيَتِي على الْعالَمِ

ترجمة: عاطف محمد عبد المجيد

بيترهانكه أديب نمساوي ولد عام 1942، وقضَى سنواته الأولى في برلين الشرقية. في عام 1966 أصدر مسرحيته «إهانة الشعب» وروايته «حشرات لادغة» وهما كتابان لَفَتَا إليه الأنظار. وبمناسبة صدور مُذِّكْراتِهِ.. كان معه هذا الحوار الذي أجرته معه جريدة «لوموند» الفرنسية منذ سنوات.

■ لماذا تَهْتمّ بكتابة المذكرات؟

□ لقد بدأتُ أَهْتمُّ بكتابة المذكرات عندما دخلت المستشفى عام 1975 وحتى ذلك الحين كنتُ أُدَوِّن بعض الملاحظات، فقطْ لتساعدني في تأليف كتبي..أما اليوم فلمْ أَعُدْ أُدوِّن شيئًا تقريبًا، وليس لديَّ رغبة في أن أكون مَنْهجيًّا تمامًا.

■ يُقال عنك إنك تحذف ثلاثة أرباع نصوصك قبل نشرها؟

□ نعم.. ذلك صحيح، خاصةً عندما يوجد في النص كثير من الاستشهادات والشرح والتفسير، لكيلا أزعج القراء.. ولكي يجد الهواء مكانًا يتجوَّلُ فيه عبْرَ صفحات كتبي.

■ هل يمنحكَ المكانُ فكرةَ كتابةِ قصةٍ ما؟

□ في الواقع.. أنا مُقيَّدٌ بالفضاء.. بالمكان.. بمنعطفات نهر.. برسم بين شجرتين. مكانٌ يَأْسِرني وقصةٌ تبدأ. إنني أعمل دائمًا هكذا وأعتقد أنَّ الفضاء هو الذي يُبْدعُ العبارات. لنلاحظ الأدب الروسي أو الأمريكي.. إنه شيء يُعطي رغبة في الحياة في بلد كبير.

■ هل هم حقيقةً الروس والأمريكان وعلى رأسهم فوكنر وأندرسون الذين وضعوكَ على طريق الحكاية؟

□ وهم ما زالوا يقودونني دائمًا نحوها، إضافةً إلى كونهم مَثَلِي الأعلى.

■ هلْ أنْتَ قارئٌ كبيرٌ؟

□ أنا أقرأ كثيراً.. كثيرًا جداً لكي أتأمَّلَ.. لكي أُطهِّر نفْسي.. ولكي أشعر ـ في الوقت نفسه ـ بأنني شفيف وقويٌّ. أقرأُ أيضًا لكي أَفكّ الرموز.

■ لقد ترجمتَ كثيرًا عن كُتاب فرنسيين مثل باتريك موديانو وفرانسيس يونج ورينيه شار.. فهل بفضل هذا الأخير كتبتَ (لقد اكتشفتُ أنني لم أتعلم القراءة.. غير أنني كان لديَّ ميل لالتهام الصفحات بدلاً من تأمل ترتيب كلماتها بتمهل)؟

□ حدث هذا مع فيرجيل وشار اللذين علَّماني حقيقةً أن أقرأ وأن أرى. وكان هذا مثل الولوج داخل جبل واكتشاف وجود ضوء آخر هو ضوء اللغة.

■ لو أُلْغيتْ كل وجهات النظر والْتزمْتَ (اللاوصف واللانموذج) هل تستطيع أن تمتنع عن الإساءة إلى البورجوازيين ـ سادة العالم الثرثارين؟

□ هذا صحيح.. إذ توجد في كل عصر معركة ضد التقزز. وأنا أعتقد ـ رغم ذلك ـ أن الرأي يستعصي على الكتابة. منذ خمسة عشر عامًا أَخَّرْتُ فِعْلَ الكتابة في الصباح إلى ما بعد الظهر، لأنه غالبًا ما كنتُ ألجأ في تلك اللحظات إلى الدعاية وتأمل وجهات النظر. وأنا هكذا.. عندما أعمل يختفي كل شيء وأظل أعمل حتى أصل إلى مرحــــلة التعب، وعندما أصل إلى حد الإعياء لا تكون لديَّ ـ وقتها ـ أي آراء.

■ هل تكتب لكي تتدخل في الأحداث؟ أم فقط لكي تُلْفتَ النظر إلى ما هو كائن بالفعل؟

□ أنا أكتب لكي تتسع رؤيتي على العالم. أحيانًا أريد فقط أن أوضح مشكلةً ما يجب أن نحيط بها بالعبارات.. مثلما نرسمها.

■ مع مرور الوقت أصبحت عباراتك طويلة ورحبة جداً.. فما هو تفسيرك لهذا؟

□ في عصر يقلق فيه حارس المرمى لحظة ضربة جزاء، مازلتُ أكتب عبارات قصيرة.. إنه نَصٌّ مكثف ذاك الذي وَدَدْتُ أن أنتهي منه قبل ميلاد طفلي الأول.. أنهيته قبل يومين..إننا مع الوقت ندرك أن جعل العبارات كالفلاشات له جانب الادعاء قليلاً، خاصةً مع ما نراه ونُعايشه كحقيقةٍ معقدةٍ تمامًا. يجب أن نَحومَ حول الْحَبْلِ لكي نصْطادَ الحيوان. لديَّ تَوْقٌ لكتابة جُمَلٍ قصيرة.. لكنها ستتركني غير راضٍ. أعود مرة أخرى إلى الجمل الطويلة التي تمنح الفرصة لكثير من الأشياء للمرور خلالها، كما أنها تدرك الحقائق المختلفة..حينئذٍ أُهْمِلُ كل شئ مُنْتبِهًا.. ويلزمني أن أصارع دائمًا ضد غنائية نثري. ودراساتي في القانون ساعدتني في هذا كثيرًا.

■ هل ثمة صِلة تربط بينك وبين اللغة الألمانية؟

□ اللغة الألمانية لغةٌ رائعةٌ. إنها لغة مجازية، دقيقةٌ جداً، وخطيرة أيضاً.. حقيقةً من السهل أن تتوه بين دروبها.

■ هل تقوم بعملية تنقيح نصوصك دائمًا؟

□ هذا شئ فظيع.. لديَّ القدرة على أن أفعل هذا حتى المرة الرابعة.. إذ أنني أحترم من ينشرون لي، ويقبلون مخطوطاتي التي تكون أحيانًا كأنها بلا رسم، بل هي ساحة وَغَى حقيقية. إنني أُنَقِّح حتى أفقد إيقاع الكتابة الأولى، وعندما أُغيِّر وأُبدِّلُ كثيرًا فيها يصير هذا شيئًا بَشِعًا. أنا لا أرى سوى الضوء، كما أنني قريب جداً من المفردات ولا يوجد فراغ بيننا .

■ في كتابك «سَنتي داخل كوة» نقرأ لك «أنا عنيفٌ جداً لكي أكون زعيم قضية في الحياة الاجتماعية، وكأبطال كتبي أستطيع أن أتصرف بخلاف هذا بكثير من المثابرة».

□ عندما أكتب أكون أكثر إنصافًا مني لحظة الكلام.. كما أتجرأ على العمق وعلى المجاز مثلما استطاع أن يفعل ذلك (ويتـجينستين) في فلسفته. الراوي هو الذي يفتتح ويستشف، أما كاتب الحوليات فيغلق الفضاء الوسيط والزمن.. أما عندما يصبح كاتب الحوليات راويًا فهذا شيء مثالي.

القدس العربي

بيتر هاندكه.. رحلة ملتبسة/ زهير سوكاح

“لا أملك مواضيع. لدي موضوع واحد فحسب، وهو أن أستوضح ذاتي، وأن تصير أكثر وضوحاً”، بهذهالكلمات القصيرة والمباشرة وصف، ذات يوم، الكاتب النمساوي بيتر هاندكه (1942) نتاجه الإبداعي الممتد لأكثر من نصف قرن، والذي تكلل أخيراً بحصوله على “جائزة نوبل للآداب: لسنة 2019 إلى جانب الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك (1962) التي أُعلن في نفس الوقت عن فوزها بالجائزة لسنة 2018، والمؤجَّلة بسبب الفضيحة المعروفة التي هزّت الأكاديمية السويدية.

وبخلاف شريكته في التتويج هذا العام، والتي تكاد تكون شبه مجهولة عربياً، فإن هاندكه، أو “الأديب الكاميرا” كما يُطلِق عليه بعض دارسيه لدقّة تصويره لمحيطه الاجتماعي، معروف عربياً إلى حد كبير، على الأقل منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث توالت ترجمات إنتاجاته المسرحية والروائية التي فرضت نفسها على الساحة الأدبية العالمية، بل إنَّ بعضها تحوّل إلى أفلام شهيرة. ولعل من أبرز إنتاجات هاندكه المترجمة إلى العربية روايات “كاسبار” و”المرأة العسراء” و”محنة” و”الشقاء العادي” و”خوف حارس مرمى” و”الحادث الكبير”، كما يتردد الآن اقتراب صدور ترجمة عربية جديدة لمجموعته القصصية “دون خوان”.

كان من البديهي أن يخلّف خبر فوزه بأشهر جائزة أدبية عالمية ترحيباً واسعاً، فالرجل، صاحب الجُمل التلغرافية المتلاحقة، استطاع منذ عقود أن يتحوّل إلى أحد أعمدة الأدب الأوروبي الحديث، وقد توزّعت مدوّنته بين الشعر والرواية واليوميات والسيناريو والمسرحيات والقصص القصيرة. وقد سارعت الكاتبة النمساوية إلفريده يلينيك، التي سبقته بالفوز بنفس الجائزة سنة 2004، بتهنئته قائلة إنَّ من المفروض أن يكون قد فاز بها قبلها. غير أن تتويجه هذا قوبل أيضاً بنقد بارز يقترن بمواقفه السياسية المنحازة ولا سيما للصرب في حرب البوسنة، والتي يصفها الكثير من منتقديه باللاأخلاقية واللاإنسانية، حتى أنّ بعضهم اعتبر بأنه لا يستحق الجائزة.

هذا الانتقاد الحاد ليس بالجديد، فقد لاحق هذا الكاتب المثير للجدل منذ أزيد من عشرين سنة، وتحديداً سنة 1996، حينما قام هاندكه، ذو الأصول اليوغوسلافية، بنشر نصه الرحلي الذي حمل عنوان “رحلة شتوية نحو الدانوب والسافا والمورافا والدرينا، أو العدالة لصربيا” بعد ثلاث سنوات فقط على مجزرة سريبرينتشا، وحاول فيه تبرير تلك الإبادة الجماعية، موظفاً أسلوباً انتقائياً في وصف تلك الأحداث الأليمة وكأنها أحداث عادية، مما اعتُبر استخفافاً بأرواح الآلاف من ضحايا المجزرة الأبشع التي شهدتها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي لا تزال صورها عالقةً في الذاكرة الجمعية للمنطقة عامة، ولذوي الضحايا خاصة.

أكثر من هذا، قام هاندكه سنة 2004 بزيارة لسلوفودان ميلوسوفيتش في سجنه بلاهاي، فلقّبه البعض بصديق “سفاح البوسنة”، وبعد ذلك بسنتين حضر جنازة ميلوسوفيتش، وألقى فيها خطاباً أدى إلى إحياء النقد الشديد له لوقوفه بجانب متّهَم بارتكاب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، وهو ما ستمتدّ تبعاته إلى 2006 بعد الإعلان عن فوزه بـ “جائزة هاينرش هاينه” لمدينة دوسلدورف الألمانية؛ حيث اضطرّ إلى التخلي عنها. وفي 2008 وَصف في تعليق له بجريدة “لوفيغارو” الفرنسية أن تاريخ يوغسلافيا هو تاريخ النصر على النازية، واصفاً دول الغرب بأنها مخادعة.

سبق لإحدى المجلات الفرنسية أن وصفت عمل هاندكه بأنه ذو معالم مصاغة جيداً، فالمعاني محددة وواضحة ضمن جمل، لها بريقها وسلاستها، مضيفة أنه ليس علينا أمامها سوى أن نعيد بناءها بقدر الإمكان. لكن من جهة أخرى وبعيداً عن قدرته الاستثنائية على الكتابة الإبداعية، فإن تأييده للنزعة القومية الصربية، التي خلّفت وراءها مآسيَ إنسانية لا تزال آثارها ماثلة أمامنا، والذي لا يزال كما هو منذ عقود بإصراره الواضح والذي لا لُبس فيه، يجعلنا نتساءل: هل يستحق هاندكه الجائزة التي تصف نفسها بكونها تكريماً لتلك الأعمال الأدبية الرائعة بشرط أن تصدر عن نظرة منفتحة ومثالية للعالم؟ وهل سيعذتر عنها على وقع النقد الحالي المتعاظم، وهو الذي وصف الجائزة ذات يوم بأنّها تقديس مخادع؟

العربي الجديد

احتجاجات على “نوبل”: السويد كرّمت هاندكه وتخلصت من أسانج

كما هو متوقع، أثار فوز الروائي النمساوي بيتر هاندكه بجائزة نوبل لعام 2019، ردود أفعال عالمية من قبل منظمات ومثقفين وأدباء من خلفيات متعددة، من ذلك البيان الذي نشرته منظمة PEN الأميركية على موقعها، وروّسته بالعبارة التالية: “صُعقنا باختيار كاتب استخدم صوته العام لتقويض الحقيقة التاريخية وتقديم العون علنًا لمرتكبي الإبادة الجماعية”.

وقالت المنظمة إنها “لا تعلق بشكل عام على الجوائز الأدبية للمؤسسات الأخرى. نحن ندرك أن هذه القرارات ذاتية وأن المعايير ليست موحدة. ومع ذلك، يجب أن يكون إعلان اليوم عن جائزة نوبل في الأدب لعام 2019 لبيتر هاندك استثناءً”، مذكرة بتأييد هاندكه للرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش وزعيم صرب البوسنة رادوفان كاراديتش.

وأضاف البيان: “نرفض القرار الذي يرى بأن الكاتب الذي ظل يشكك باستمرار في جرائم الحرب الموثقة توثيقاً كاملاً، مستحقاً للجائزة لـ”براعته اللغوية”. في لحظة تصاعد القومية والقيادة الاستبدادية والتضليل الواسع الانتشار في جميع أنحاء العالم، يستحق المجتمع الأدبي أفضل من هذا. نحن نأسف بشدة لاختيار لجنة نوبل للآداب”.

وكان الروائي الهندي البريطاني سلمان رشدي قد وصف هاندكه قبل عشرين عاماً بأنه “المعتوه العالمي لعام 1999″، بعد أن قال علانية إن مسلمي سراييفو ذبحوا أنفسهم وأنحوا باللائمة على الصرب، وأنكر الإبادة الجماعية في سربرينيتشا. رشدي، عندما سألته “غارديان” البريطانية التعليق على حصول هاندكه على نوبل، قال إن ليس لديه ما يضيفه على ما قال في ذلك العام.

بدوره قال الروائي والصحافي الهندي البريطاني هاري كونزور إن “هاندكه كاتب يجمع بين الرؤية الأدبية العظيمة، والعمى الأخلاقي المروّع”، واصفاً قرار لجنة نوبل بأنه يثير القلق إن كان هذا ما تعتقد أنه سيضع الجائزة على المسار الصحيح.

بدوره ذكر المفكر السلوفيني سلافوي جيجيك بدعوة هاندكه نفسه عام 2014 إلى إلغاء جائزة نوبل، معتبراً أنها “تطويب كاذب للأدب”، مبيناً أن قرار نوبل هذا العام يثبت أن هاندكه كان على حق.

وأضاف جيجيك: “هذه هي السويد اليوم: حصل مدافع عن جرائم الحرب على جائزة نوبل بينما شاركت البلاد مشاركة كاملة في اغتيال شخصية البطل الحقيقي في عصرنا، جوليان أسانج. يجب أن يكون رد فعلنا: ليس عن جائزة نوبل للآداب عن هاندكه، بل جائزة نوبل للسلام لأسانج”.

العربي الجديد

نوبل 2019.. مزيد من المركزية/ مليكة ياسين

كان من المتوقّع أن تكون “نوبل للآداب” 2019 مناسَبة لـ “الأكاديمية السويدية” كي تعيد الاعتبار لنفسها بعد الهزّات التي تعرضّت لها في السنتَين الأخيرتَين، بسبب فضائح التحرّش الجنسي التي طاولت عدداً من أعضائها، ما منع تسليمها للجائزة العام الماضي. بعد إعلانها عن الفائزَين؛ الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك لعام 2018، والكاتب النمساوي بيتر هاندكه للعام الحالي، يمكن أن نتساءل: هل نجحت الجائزة في استرجاع موقعها؟

يُفترَض في هكذا وضعية أن تميل الأكاديمية السويدية إلى جعل الإعلان عن “نوبل للآداب” هذا العالم حدثاً خاصاً، في فضاء الأدب العالمي من جهة، ومن جهة أخرى في تاريخها الممتد لأكثر من قرن. لكن لا يبدو أن شيئاً من ذلك قد حصل، فالتغيير الوحيد الذي يمكن تسجيله هو تسليم الجائزة لفائزين في سنة واحدة، وكأن الأمر يتعلّق بملء فراغ كان سيبقى في الجدول في خانة 2018، ولعلّها أكثر سنة تحاول الأكاديمية نسيانها. لكن هذا الخيار لا يضع في اعتباره أنه يظلم الفائزَين معاً، فعلى عكس بقية من أحرزوا “نوبل” منذ 1974، تقاسم توكارتشوك وهاندكه الأضواء.

من جهة أخرى، فإن الخيارين متقاربان جغرافياً، ما يعيد إلى الأذهان تهمة المركزية الأوروبية التي عملت الأكاديمية على التخلّص منها عبر تنويع جنسيات الحاصلين على الجائزة، ولكنها في هذه اللحظة المفصلية فضّلت الكاتب الأوروبي على غيره من كتّاب العالم، وهو ما يطرح السؤال عن المساواة في معايير هذه الجائزة التي تعتبر نفسها عالمية، فهل يعرف عضو “الأكاديمية السويدية” عن الأدب في شرق آسيا أو غرب أفريقيا مثل معرفته عن الأدب في وسط أوروبا، ناهيك عن الأدب العربي، والذي تعوق قراءته، إضافة إلى التعالي الغربي، المسلّمات الجديدة التي اصطنعتها الحروب والإرهاب وموجات اللاجئين من المنطقة؟

ما يزيد في إحراج “جائزة نوبل” هو أن السنة الماضية شهدت إطلاق جائزة نوبل بديلة منذ أن جرى الإعلان عن حجبها من قبل الأكاديمية. انطلقت الفكرة من مكتبات السويد، وعملت على وضع معايير أكثر ديمقراطية في تحديد الفائز، فجرى الاعتماد على ترشيحات وتقارير أمناء المكتبات، وهو خيار وإن كان لا يصل إلى القارئ العادي، فإنه بالتأكيد أكثر انفتاحاً من أساليب عمل أعضاء “الأكاديمية السويدية”.

وللتذكير، فقد أفضت نوبل البديلة إلى تتويج الكاتبة الغوادالوبية ماريز كوندي، ولاقى هذا الخيار ترحيباً لم نلمسه مع خيارات الأكاديمية هذا العام، خصوصاً مع الكاتب النمساوي بيتر هاندكه الذي تُثار مواقفه العنصرية مع كل جائزة أدبية ينالها.

أما خيار أولغا توكارتشوك، فلا يمكن قراءته بمعزل عن فضائح التحرّش التي هزّت الأكاديمية؛ إذ يبدو الأمر وكأنه التفات إلى كاتبة عُرفت بمواقفها النسوية. ولعلّ هذا الطرح نفسه يهدّد قبول الجائزة من الكاتبة البولندية، ولو فعلت ذلك، ربما ستسقط آخر ما تبقّى في سمعة “نوبل للآداب”. أليس ذلك في مصلحة الأدب في النهاية؟

العربي الجديد

أولغا توكارتشوك.. مراقبة لأحداث الحياة من الأعلى/ أمير داود

تذهب أعمال الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك (1962) – الحائزة على جائزة “نوبل للآداب” للعام 2018 وتتسلمّها هذا العام – إلى تسليط الضوء بفضل قدرتها الفائقة في السرد والتصوير، على قشرة الحداثة الخارجية للإنسان، للوصول إلى حالة من تمثلات الجوهر البشري. مزيجٌ من الواقعية السحرية والانشغالات النفسية التي قالت فيها إنها تبدو أكثر عصابية من مرتادي عيادتها من المرضى النفسيّين، أسّس لنفسه بشكل متين في الأدب البولندي الذي قادها إلى العالمية.

بهذه الطريقة، قدّمت صاحبة “الأطفال الخضر” (2016) نفسها: “مراقبة لأحداث الحياة من الأعلى”. وبنظرة بانورامية عريضة، منحت رواياتها حالة من حالات التشظّي التنوعي التي لا تسمح لقصصها أن تنتهي كما يحب القارئ لها أن تكون. تقول في إحدى مقالاتها: “كتابة الروايات، مثل سرد قصصي للذات، هدهدة ما قبل النوم، كما يفعل الأطفال، مستخدمين تلك اللغة التي تقع على الحدود بين النوم والوعي”.

لا تخفي صاحبة “كتاب إبراهيم” تأثرها بـ إدغار آلان بو، الكاتب الأميركي الذي اشتهرت قصصه بالنهايات المروّعة وتحرّي الجرائم؛ إذ تقول: “عليكم أن تلوموا إدغار آلان بو، لأنه هو الذي جعلني كاتبة، بالإضافة إلى غوغول وتشيخوف”. لا يبدو ذلك بعيداً عن جوهر ما تردّده دوماً من أنَّ “الرواية عليها أن تدفع بمواجهة المشاعر بالأفكار. هذا يعني أنه في بعض الأحيان تكون الحالة مؤلمة، وأحياناً تُحدث اضطراباً”.

في عام 2007، نشرت روايتها “رحلات”، وهي الرواية التي ستصبح الأكثر مبيعاً وتفوز بـ “جائزة نايك” لعام 2008. بعد عقد من الزمان، ستفوز بـ “جائزة مان بوكر الدولية” في الترجمة الإنكليزية التي أنجزتها جنيفر كروفت. ولكن بعد الانتهاء من كتابة الرواية، أحست توكارتشوك بالكثير من الانزعاج؛ فقد أُصيبت الكاتبة برهاب السفر، حيث تضم الرواية قصصاً مضطربة تتجوّل في بلدان متعددة، وبدأت تميل إلى البقاء في مكان واحد.

“رحلات” هي رواية عن السفر في القرن الحادي والعشرين والتشريح البشري، تمزج فيها بين قصص وأفكار السفر مع تلك المسحة التي تستكشف من خلالها تفاصيل جسم الإنسان، وتطرق في تلك الرحلات ذلك الغشاء الذي يفصل الحياة والموت والحركة والهجرة، معرّجة على القرن السابع عشر وقصة عالم التشريح الهولندي فيليب فيرهيين، الذي قام بتشريح ورسم صور ساقه المبتورة. ومن القرن الثامن عشر، تسرد قصّة رجل وُلد في شمال أفريقيا وظهر بعد موته في النمسا، وقصّةً مروّعة لزوج شاب اختفت زوجته وطفلته في ظروف غامضة خلال عطلة في جزيرة كرواتية.

تقول في كتابها: “عندما نتوقّف عن الترحال نصبح أصناماً. من يتوقّف يصبح مثل حشرة مثبتة بدبّوس، يخترق قلبه مسمار خشبي، تثقب أقدامه ويداه ويتم ربطه بالسقف وبعتبة البيت… لذلك يضمر الطغاة بكل أصنافهم كرهاً عميقاً للبدو والرحّل، وهذا هو سبب اضطهادهم الغجر واليهود. يرغموننا على الإقامة واتخاذ مكان ثابت لنا كي نقضي فيه أحكام سجننا”.

وتسرد هنا قصة طريفة حدثت معها: “عندما أرسلتها في بداية الأمر للتحرير، اتصلوا بي وسألوني عمّا إذا كنت قد قمت بخلط الملفات على جهاز الكمبيوتر الخاص بي، لأن ذلك لم يكن رواية على أي حال، على حد وصفهم”.

في روايتها “كتاب يعقوب” (2014)، تتجول توكارتشوك في إمبراطورية هابسبورغ والإمبراطورية العثمانية والكومنولث البولندي الليتواني بحثاً عن جاكوب فرانك، الشخصية التاريخية المثيرة للجدل من القرن الثامن عشر وزعيم جماعة منشقة يهودية غامضة تحوّلت في أوقات مختلفة لكل من الإسلام والكاثوليكية. ترسم الروائية صورة معقّدة لرجل يثير الانقسام في المجتمع، لكنه يتمتّع بجاذبية غامضة، ومن حياته تسلّط الضوء على مسارات سرد التاريخ المعقّدة. وهو الكتاب الذي أدّى إلى رد فعل عنيف من جماعات اليمين المتطرف في بولندا؛ حيث تلقّت تهديدات بالقتل بسبب خلخلته للتفسير القومي السائد لتشكيل الدولة القومية البولندية الحديثة.

تكثّف في كتابها “البدائية وأوقات أخرى” (2010) قريةَ بريمفال البولندية الأسطورية كصورة مصغَّرة عن العالم تسكنها شخصيات غريبة الأطوار ويحرسها أربعة رؤساء ملائكة. تسرد الرواية حياة السكّان على مدار القرن العشرين الوحشي بأسلوب نثري أقرب إلى واقعية غابريل غارسيا مركيز السحرية في “مائة عام من العزلة”. تقوم الرواية على صياغة صراع من نوع خاص، بين الحداثة (المذكّرة) والطبيعة (المؤنّثة)، والذي دار فوق حلبته تاريخ بولندا السياسي من العام 1914 إلى وقتنا المعاصر، متناولة الوحشية في إطار حياة قرية عادية بسحرية متقنة.

وفي روايتها “دفع محراثك فوق عظام الموتى” (2018)، تستكشف تلك الحدود الغامضة بين العقل والجنون، والعدالة والتقاليد، والحكم الذاتي والمصير، من خلال قصّة الساحرة جانينا التي تكرّس أيام الشتاء المظلمة في قرية بولندية نائية لدراسة علم التنجيم وترجمة أشعار ويليم بليك والعناية بالمنازل الصيفية لسكان وارسو الأثرياء. يعتقد سكان البلدة أنها من غريبي الأطوار الفوضويين، تظهر في البلدة حالات قتل غريبة، تعتقد جانينا أن الحيوانات في محيط البلدة تنفذ عمليات انتقام من الصيادين.

بفوز أولغا توكارتشوك بـ “نوبل للآداب” يوم الخميس الماضي، تصبح الفائزة الخامسة عشرة بالجائزة في تاريخها، بعد أن مُنحت 114 مرة للذكور وأربع عشرة مرة فقط للنساء. وكانت “الأكاديمية السويدية” أعلنت في معاييرها المسبقة للإعلان بأنها ستتجنّب المنظور الموجّه نحو الذكور ومركزية أوروبا، لتمنح الجائزة للعام 2019 للنمساوي اليميني بيتر هاندكه (1942) الذي أثارت مواقفه العنصرية، وتحديداً بعد أن ألقى خطاباً في جنازة الصربي سلوفودان ميلوسوفيتش في عام 2006، الكثير من المواقف الغاضبة والاحتجاجات التي دفعته إلى الانسحاب من “جائزة هاينريش هاينه”.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق