وجها لوجه

حوار مع للفائزة بجائزة نوبل للآداب 2019 أولغا توكارتشوك: نحو عالم يكون فيه للمرأة قوّة حقيقيّة

ترجمة يوسف أشرف علي

في الحوار المترجم الآتي، الذي تديره كلارا كوبيسكوفا مع الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، بمناسبة فوز روايتها “كتب جاكوب” بجائزة “نايك”، تخبرنا أولجا بأن هذه الرواية الضخمة ليست مجرد رواية عن الماضي، بمقدار ما هي بحث عن إجابات حول أوروبا اليوم.

رواية “The Books of Jakub” أو “كتب جاكوب”، هي الرواية التي تمتد على تسعمئة صفحة، نالت عنها الكاتبة والنسوية أولغا توكارتشوك جائزة “نايك” المرموقة، رغم أنها استبعدت من الدوائر البولندية المحافظة. بطل الرواية يعقوب فرانك، كان مسيحًا مخلصًا، معلمًا لنفسه، زعيمًا يهوديًا مارقًا، لذا فهو يضع أكثر من أسطورة محل تساؤل، الأولى طبقًا لتوكارتشوك هي فكرة وضع الهرطقة أو الإلحاد في القرن الثامن عشر والتي تقترب جدا من الاتجاه المتخذ ضد المهاجرين. والآن يوجد جدال آخر، وهو الجدال الذي أثاره فيلم “Spoor” للمخرجة أجنزيسكا أولاند والذي اعتمد على رواية لتوكارتشوك تثير التساؤلات حول حقوق الحيوان.

    استغرقت كتابة “The Books of Jakub” ست سنين، فكيف هي حياتك بعد قضاء كل هذا الوقت مع يعقوب فرانك؟

رائعة، الآن أنا حرة، العمل على ذلك الكتاب كان نوعًا من أنواع الاستحواذ، حياتي الشخصية كاملة، كل أفكاري، أعطيتها لذلك الكتاب. لقد قمت ببحوث مكثفة، كان عليّ أن أنتقل فكريًا وذهنيًا إلى بلاطات القرن الثامن عشر، النبلاء وبيوت الفلاحين لمدة طويلة، وكأنني عشت معهم. حين صرت على وشك إنهاء الكتاب شعرت بالراحة وكأنني قد شفيت بعد مرضي لفترة طويلة.

    كيف عرفت “يعقوب فرانك”؟

حتى عام 1996 لم أكن أعلم بوجود ذلك الشخص. ثم وجدت نسخة من كتاب “Lord’s Words”، مكتوبة بأقلام تلاميذه وأتباعه في متجر للكتب القديمة. حينما قرأته شعرت أنني أقرأ تاريخًا غامضًا، التفكير فيه بعيد عن الاحتمال، كانت قصة غير منطقية، مليئة بالأحداث وكأنني في رواية مغامرات. ثم بعد ذلك أدركت أنها قصة مهمة في تاريخ بولندا وأنها وقعت أمامي لأمررها لأكبر عدد متاح من الناس. مصير يعقوب فرانك تم مسحه من الذاكرة التاريخية للبولنديين واليهود، كان شخصًا غير مريح للجميع. بالنسبة لليهود كان مرتدًا، وبالنسبة للكاثوليك فقد كان شخصية محيرة، حتى حواريوه وأحفاده لم يريدوا الاعتراف بجذورهم الممتدة له.

    كم كان عددهم؟

طبقًا للمصادر، فإن فرانك استطاع جمع حوالي خمسة عشر ألف شخص، أصبحوا مسيحيين، بعضهم عاد إلى الدين اليهودي. زاد عددهم بالإنجاب، لذا فإن الطائفة ظلت تنموا. لم يكونوا مرتدين بمعنى الكلمة، كانوا الطائفة الشعبية في المدينة، أفراد الطبقة المتوسطة، مجموعة مهمة أغفلها التاريخ.

    أين دعا فرانك لمذهبه؟

عاش في أوكرانيا وتركيا والبلقان ثم في بودوليا ببولندا، والتي تنحدر منها عائلة أبي، تم القبض عليه بشيستوشوا وبعد إطلاق سراحه انتقل إلى برنو ثم مات في أوفنباخ. لكن على الرغم من ذلك، فإنه لم يؤثر بمناطق كبيرة، مثله مثل “جان هوس”؛ الواعظ التشيكي والذي لم تؤثر أيضًا تعاليمه تأثيرًا واسعًا.

الشيء المثير للاهتمام هو أنه في غرب أوروبا بدأت تتكون فكرة التنوير، بدأ الناس يسمعون خطب دينيس ديدرو، وحينما وصل فرانك إلى أوفنباخ اندلعت الثورة الفرنسية، كان الهاجس في شرق وغرب أوروبا تحت التغير. علم فرانك بحتمية التغير وأن العالم لا يمكنه أن يمضي في ذلك الطريق.

    كما هو الحال الآن؟

الوضع مطابق لما حدث سابقًا، في أوروبا كانت الدول ذات الطابع القومي في طريقها إلى التكوين، العالم العدائي القديم كان في طريقه إلى الانتهاء. التكوينات الخاصة بالقارة مرت بتغيرات مستمرة. نحن الآن في وضعية مشابهة، لا زال الناس يصرون على النظام القديم، لا يرون نهاية الدول القومية في أوروبا، إلا أننا أمام آخر بقايا الجسد الميت. الفرانكية كانت الدين الغريب الذي أتى في وسط الكتلة الكاثوليكية المتجانسة، وفي مصير تلك الديانة يمكننا أن نرى الثمن الباهظ الذي يدفعه كل المهاجرين الذين يتم اقتلاعهم من جذورهم ليزرعوا في مجتمع لا يقبلهم. هم في فراغ غير مريح على الإطلاق. فقاعة بين الفراغات. إننا نظن أن المهاجرين يريدون الأخذ فقط، لكن خسارتهم عظيمة. أريد من قراء “كتب يعقوب” أن يفكروا في ذلك الثمن الذي يدفعه كل مهاجر كي يخالف التابوهات الخاصة ببلده وثقافته، في مخالفة ضرورية كي تبقى المجموعة حية.

    وما هي التابوهات التي كسرها فرانك؟

عقيدته كلها كانت مبنية على كسر التابوهات الدينية والاجتماعية. كان له قواعده الخاصة، وتسلل هرمي خاص بالعقيدة، لم يكن حراسه من الرجال، بل النساء وهذا تقليد غير مسبوق.

    ماذا كان تدريبهم؟ وهل مارسوا الجنس معه؟

لقد لقبهم اليهود الأرثوذوكس بأكبر المهرطقين.

    ومن هم مهرطقو عصرنا؟

إن عالمنا ما بعد الديني فيه العديد من المهرطقين خارج الكنيسة، اقتصاديون وعلماء اجتماع ينشرون أفكار جديدة.

    ونسويات؟

بالتأكيد، النسوية المتطرفة والمعتدلة، بمثابة بيئات حاضنة للإرهاب، بولندا تتعامل مع مفهوم نوع الجنس كهرطقة، المجتمع البولندي الكاثوليكي يؤمن بأن أي مفهوم عن الجنسانية هو غير مقبول. إن عدنا إلى الدين، فاليوم الأمور مختلفة تمامًا عن أيام السيد المسيح أو الإمبراطور نيرون، لكن المنطلق لا زال كما هو. هدف الهرطقة أن تواجه العقائد والمذاهب، تراجعها وتنفحها، الهرطقة مفيدة للغاية. إن ضعف الكنيسة الكاثوليكية في أنها ترفض مشاركة المرأة بقوة في النظام الكنسي، وهذا بالنسبة للكنيسة الآن بمثابة الانتحار.

    هل انتفضت النساء ضد البحث الذي قمت به في “كتب يعقوب”؟

نادرًا، ما فعلته هو أنني أعدت إحياء نسوة ذلك الزمان في بيئتهن، لم يكن التاريخ المكتوب مطابقًا لما حدث بالفعل؛ لم يوجد ذلك العالم الذي لا يوجد فيه نساء، لكن الأرشيف التاريخي يجعل الأمر وكأنه حدث بالفعل. العديد من المصادر تذكرهن إما كأمهات أو عشيقات، وفي أغلب الأحيان لا تذكر حتى أسمائهن. هل تعلمين معنى كلمة “حدس”؟

    ماذا تعني؟

إنها تلك الوثائق التاريخية الناقصة والتي تحوي فراغات تحتاج للملء. رواية “كتب يعقوب” هي ذلك العمل، كانت حقائق أردت بها ملأ الفراغات، لم يكن هناك ذكر كامل لهؤلاء النسوة ومصائرهن لأكتب عنه.

    ألا توجد مجازفة بأن تشوهي مصائرهن برؤيتك الحداثية؟

لم أخرج النسوة من بيئتهن، كانت هنالك امرأة فرانكية يذهب لها دائمًا الناس لأخذ النصيحة، كانت مهمة ولديها الكاريزما المطلوبة. إحدى حارسات يعقوب فرانك هي كاتارفينا كوساكوفسكا، وهي ناشطة سياسية لم يتنسَ لها المشاركة في الساحة السياسية البولندية لأن الناس لم يسمح لهن بتلك السلطات. لكن رسائلها بقت، فعلمت أين أبحث. امرأة أخرى، حذفت من التاريخ، وهي الشاعرة إليزيتا دروزباكا، والتي كتبت الشعر الرومانسي في عصر الباروك، وحين تقرأه تشعر بأنك تقرأ شعرًا حديثًا. إن التأويل الآلي للتاريخ ظالم، لقد مسحوا بتعنت من سجلات التاريخ والكتب التدريسية. البولندي واسع المعرفة هو فقط من يعرف شيئا عن دروزباكا. نفس الآلية التي تم حذف المرأة بها من قضايا التكافل، والآن لا يتحدث عنهم أحد.

    هل سيجد الجيل القادم نساء يبحثن في تاريخنا الحالي؟

مع استمرار البطريركية، فإن تلك الآليات ستبقى، كاتبة أنا ممتنة للقدر لأن بإمكاني خلق عالم تكون المرأة فيه قوية. لدي إحساس ما بأنه في الحقيقة هنالك عالمان متوازيان، عالم تقليدي ندركه وعالم للمرأة. وهذان العالمان لا ينسجمان على الإطلاق، لكنها ليست فقط قضية المرأة فالنسوية تدور حول فلسفة المساواة، إلى جانب المرأة، فإن العالم يضع الحيوان أيضًا بنفس الكفة. أظل أفكر كيف سنرى المهاجرين لو أنهم يتعاملون مع الحيوانات بنفس القسوة التي نتعامل معهم بها، كيف سيتفاعل الجمهور مع ذلك؟

    وهذا ينقلني إلى كتابك “Drive Your Plough” والذي تم تحويله إلى فيلم سينمائي عن طريق أجنزيسكا هولاند بعنوان “تقفي الأثر”، كيف استقبل في بولندا؟

لامس العديد من النساء، كما أنه لامس أيضًا المتفتحين فكريًا الذين يحبون القصص التي تحمل نهايات غامضة. بطلة الرواية تتحدث عن الرجال الذين يعانون من مشاكل بهرمون التيستيستيرون، وهم من استاؤوا من ذلك الفيلم. إن الاستقبال البطريركي لفكرة تحرير المرأة دائمًا ما تبعه وصمًا لتلك الحركة بالهيستيرية. لا غرابة في أن يكون أصل استعمال الكلمة يعود إلى فرويد في بداية الحركات النسوية، وهي كلمة سرية، حينما تريد محو أو إيقاف منافستك، صفها بالهيستيرية. البطلة جانا دوسيجكو، حارة الدماء، لا تستطيع البقاء باردة، وهي تدفع بالرجال إلى الجنون حتى يصفوها بالهيستيرية، لكنها لا تحب القتل الوحشي للحيوانات، كنت أفكر فيها مبكرًا اليوم، وأدركت أن البشرية تحتاج إلى ثلاثة اختراعات مهمة.

    ما هي؟

أدوات منع الحمل والإنترنت واللحوم النقية. إن اللحوم الموجودة في المعامل أو المزارع المنزلية يمكنها أن تؤدي بالإنسانية إلى بعد آخر. نحن نعيش في وسط جزارة، اللحم النقي سينهي تلك المجزرة، الأجيال القادمة ستحكي عن بربريتنا، كيف كان أجدادهم يقتلون الحيوانات. سيكون لدى كل منزل حضانة، وفيها تضع جزءًا من عينة أنسجة لتنموا بعد يوم أو يومين وتصبح جناح دجاجة.

    لكن تجارة المواشي توفر وظائف كثيرة وتعمل على تنمية رأس المال، لن يكون من السهل التخلص منها!

بالطبع، لكن ماذا إن قلت لأحدهم عما يمكن أن يقوم به الإنترنت منذ خمسين عامًا، هل كان ليصدقك؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق