مقالات

نصوص وقصص للفائزة بجائزة نوبل للآداب 2019 أولغا توكارتشوك

أولغا توكارتشوك: البرابرة لا يرتحلون/ كلير أرميتستيد

ترجمة: شادي خرماشو

النجمة الساطعة في فضاء الأدب البولندي، أولغا توكارتشوك المرشحة بقوة لحصد جائزة المان بوكر الدولية (هذا اللقاء منشور قبل نيل روايتها “رحلات” جائزة البوكرقبل أيام)، تتحدث عن المضايقات التي تتعرض لها والجدل الذي تثيره في بلادها، وعن الحراس الشخصيين المسلحين الذين تم تعيينهم لحمايتها.

عندما كانت رواية أولغا توكارتشوك السادسة في مسيرتها، والتي تحمل عنوان “رحلات” flights، على وشك أن تصدر في المملكة المتحدة العام الماضي، نشر موقع Bookseller على صفحته في تويتر تغريدة ورد فيها “قد تكون – والإشارة هنا إلى أولغا – من أعظم كتّاب عصرنا، لكنكم لم تسمعوا بها بعد.” يمكننا أن نبرر لهذه المجلة الأسبوعية التجارية، التي تخاطب جمهور القرّاء في المملكة المتحدة على وجه الخصوص، هذا الحكم القاطع المتسرع– بالرغم من أن اثنتين من رواياتها السابقة تمت ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية – خاصة أن أولغا لم تبدأ بالاستحواذ على اهتمام العالم المتحدث بالإنجليزية، وهو أمر يعتبره قراؤها البولنديون استحقاقاً لها، إلا بعد أن دخلت روايتها “رحلات” في القائمة القصيرة للأعمال المرشحة لنيل جائزة مان بوكر الدولية. لطالما كانت أولغا واحدة من أهم الكتّاب في بولندا – هي النباتية المناصرة لحقوق المرأة التي تعيش في بلد بطريركي يتقدم بلا رادع في رجعيته، والمثقفة القريبة من هموم شعبها التي يمكن لأي كلمة تتلفظ بها أن تتصدر عناوين الصحف وأن تثير هرجاً ومرجاً في مجتمعها.

تجمع “رحلات” (ضمن ما تجمع) بين مشاهدات مسافر عصري نكِد، وقصة طائفة دينية سلافية تقضي حياتها في حل وترحال، وتدمجهما بالسيرة الذاتية لعالم تشريح فلمنكي من القرن السابع عشر ، وبحكاية الرحلة الأخيرة لقلب شوبان من باريس، حيث فارق الملحن البولندي الحياة، إلى مثواه الأخير المنشود في وارسو.

التقيت بتوكارتشوك قبل مقابلة أجراها معها الناقد الأدبي آدم مارس-جونز في المكتبة البريطانية، وهو الذي كتب مراجعة مليئة بالثناء عن رواية “رحلات” في ” لندن ريفيو أوف بوكس” الأدبية، وأطنب في مديحه لها، إذ قال فيها “يوشك هذا الكتاب أن يكون جردة للأساليب السردية التي قد يستعين بها الكاتب الذي لا يمتلك قصصاً ليرويها، وقد يتعدى الأمر ذلك. تشكل اللغة النثرية في الكتاب بيئة تتبلور فيها العناصر السردية وتتطور لتصل إلى حجمها المثالي، أما البنية المستقلة لكل قصة فلا تربك توازن الكتاب ككل.”

تفضّل توكارتشوك المجازات الفلكية، أو النجمية إذا جاز التعبير، وتفسر ذلك بأنه كما كان أسلافنا القدماء ينظرون إلى النجوم ويتوصلون إلى طرق لتحزيبها في مجموعات وربطها بأشكال المخلوقات أو الأشخاص، فإن ما تدعوه بـ”رواياتها الكوكبية” تقذف بالقصص والمقالات والصور في فلك القارئ تاركة لخياله أن يجمعها معاً ليخرج منها بأشكال وصور ذات معنى.

حدث لقاؤنا السابق منذ عام مضى في مقهى وارسو، يومها كانت “رحلات” لم تنشر بعد في المملكة المتحدة. النزوات والشطحات المرتكبة في الترجمة الإنجليزية قادتني إلى هناك لنناقش رواية صدرت لأول مرة في 2007. أما في الوقت الحالي فقد ذاع صيت كاتبتنا في بولندا بسبب روايتها التاريخية الملحمية التي تغطي 900 صفحة والتي تحمل اسم “كراريس يعقوب” The Books of Jacob التي نُشرت في 2014 (ومن المقرر أن تترجم إلى الإنجليزية العام المقبل).

تحكي الرواية التي تدور أحداثها على الحدود الفاصلة بين بولندا وما يُعرف اليوم بأوكرانيا، وتحمل عنوان “كراريس يعقوب” قصة يعقوب فرانك، القائد المولود لعائلة يهودية الذي قاد حملة لإدخال أبناء جلدته اليهود قسراً في الكاثوليكية في القرن الثامن عشر. الرواية بحد ذاتها لاقت نجاحاً لافتاً وتلقاها القراء بشكل جيد، وقد بيع منها 170000 نسخة ونالت عنها جائزة Nike الثانية في مسيرتها، والتي تُعرف بأنها “جائزة البوكر البولندية”. لكن في مقابلة تلفزيونية أجرتها بعد الحصول على الجائزة أثارت أولغا حفيظة مواطنيها المؤيدين للأحزاب اليمينية عندما قالت، بما يتناقض مع صورتها كوطنية شجاعة عايشت القمع وحاربته ونجت منه، إن بولندا نفسها قد ارتكبت “أفعالاً استيطانية مروعة” في بعض الحقب التاريخية. وقد وصمت بأنها targowiczanin، وهو مصطلح قديم كان يُطلق على الخونة وبائعي أوطانهم – وهذا ما اضطر ناشرها إلى الاستعانة بحراس شخصيين يبقون معها لبعض الوقت لحمايتها. في ذلك قالت أولغا: “كنت ساذجة للغاية. ظننت أنه بإمكاننا مناقشة تلك المراحل المظلمة في تاريخنا”.

بعد ذلك ببضعة أيام أدخلت نفسها في معمعة أخرى وأثارت موجة جديدة من الجدل عندما تم عرض الفيلم المأخوذ عن روايتها التي نشرت في 2009 “قُد محراثك فوق عظام الموتى” Drive Your Plow Over the Bones of the Dead، والذي حمل عنوان Pokot، أي أثر الحيوان، لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي. الفيلم الذي كتبت نصه هي نفسها بالتعاون مع المخرجة أغنيشكا هولاند، كانت إحدى وكالات الأخبار البولندية قد نددت به واتهمته بأنه “عمل مغرق في عدائيته للدين المسيحي” وبأنه “يشجع على الإرهاب البيئي.” وقد حصل الفيلم على جائزة الدب الفضي في مهرجان برلين وبدا الثنائي، المخرجة وأولغا، في قمة الابتهاج أثناء عقد مؤتمر صحفي مشترك. “نفكر الآن في وضعه على ملصقات ترويجية،” قالت هولاند ممازحة “لأنه سيشجع أولئك الذين لن يزعجوا أنفسهم بالمجيء لحضوره إن لم نفعل ذلك.”

القرّاء الذين عرفوا توكارتشوك من خلال “رحلات” سيصابون بالحيرة على الأغلب لدى قراءة “قد محراثك على عظام الموتى”، والذي سيصدر بالإنجليزية خريف هذا العام. هي رواية قائمة على الإثارة والتشويق في قالب وجودي، ونتابع فيها قصة امرأة عجوز غريبة الأطوار تعيش في قرية نائية وتجد حياتها الرتيبة الهادئة تنقلب رأساً على عقب عندما يُعثر على أحد جيرانها أولاً، ومن ثم قائد الشرطة ورجل من أعيان المنطقة، مسحوقة عظامهم ومضروبين حتى الموت.

كتبت هذه الرواية في الفترة التي فصلت بين كتابتها “رحلات” و”كراريس يعقوب”، وتفسر الأمر على أنه محاولة للفصل بين العملين وتقديم قالب جديد للقصص البوليسية. “لكن كتابة رواية كاملة لمعرفة من هو القاتل هي مضيعة للورق، لذا قررت أن أدس فيها تفاصيل تخص حقوق الحيوان وقصة عن المواطنين الذين يغردون خارج سرب الوطن لأنهم أدركوا أن القوانين السارية غير أخلاقية لأرى إلى أي مدى يمكنهم أن يمضوا في الوقوف في وجهها ورفضها.”

منذ أن صدرت الرواية أصبح الصيد من القضايا السياسية الساخنة في بولندا، لكن قبل ذلك ما كان أحد ليفكر فيه سوى القلة القليلة. “البعض قال ها هي العجوز المخبولة توكارتشوك تطلق أفكارها المجنونة من جديد، لكن بعد ذلك انطلق جدل كبير على شبكة الإنترنت حول ما الذي يمكن فعله حيال هذا التقليد الكاثوليكي البطريركي المغرق في سلطويته.”

المميز عند هذه الكاتبة التي تنعق بالحقائق كما هي أن العنوان مأخوذ من البيان الثوري الذي كتبه وليم بليك بعنوان زواج الجنة والنار The Marriage of Heaven and Hell. إذ لا تتصدر أبيات من شعر بليك كل فصل من فصوله وحسب، بل إن بطلها يقيم علاقة صداقة مع مترجم شاب أدت محاولته إلى نقل ما كتبه الشاعر إلى البولندية في مرحلة ما إلى خلق خمس نسخ مختلفة من مقطوعة شعرية واحدة، وهو ما سبب صداعاً لمترجمة توكارتشوك أنتونيا لويد-جونز (الأمريكية جنيفر كروفت هي المسؤولة عن ترجمة “رحلات”). يمكن للمرء أيضاً إن يلصق بتوكارتشوك تهمة السخرية عندما جعلت إحدى شخصياتها تقول: “في البداية، نشب نزاع حول ما إذا كان علينا أن نترجم الكلمة الإنجليزية “mental” بمعناها الحرفي وجعلها مرتبطة بالعقل “mentalny” “عقلي”، أم تفسيرها على أنها مرتبطة بالروح duchowy، “روحي”.

كما كان حال بطلة روايتها، تعيش توكارتشوك وشريكها زاغوج زيغادوا – مترجم متخصص باللغة الألمانية – في بلدة سيليزيا الرعوية المنخفضة، وهي منطقة في جنوب بولندا لم تنضم إلى البلاد إلا بعد الحرب العالمية الثانية. تقول أولغا “كم أنا محظوظة لأن أمامي مثل قطعة الأرض هذه لأصفها، خاصةً أنه لا وجود لأساطير أو حكايات خرافية عنها في الأدب البولندي.”

هو “مكان مميز جداً” بمناخ توسكاني محلي، وقد أصبح محجاً لأولئك الذين ينتمون إلى “جيل الـ68” من هيبيين وفنانين، ناهيك عن العديد من مترجمي أشعار بليك الذين كانوا قد اكتشفوا الشاعر في حقبة الوعود الكاذبة في أواخر الستينيات، كما اكتشفوا موسيقى فرقة ذا دورز* وذا إنيميلز**.

كانت توكارتشوك في السادسة من عمرها تعيش في بلدة صغيرة اسمها سوليخوف عندما اندلعت احتجاجات الطلبة في العام 1968. عائلة والدها كانت لاجئة من منطقة من بولندا هي اليوم جزء من أوكرانيا. كان والدها يعمل مدرساً، أمها أيضاً كانت كذلك، وكلاهما “عاش في جزيرة لا يعيش فيها سوى مثقفين يساريين، لكنهما لم يكونا شيوعيين” وقد ساهم منزلهما المفروش بالكتب في ملء رأس ابنتهما بإمكانية أن تصبح روائية.

لكن بدلاً من ذلك ذهبت بها “فكرة رومانسية تدور حول إسعاد البشر” إلى جامعة وارسو، حيث درست علم النفس وبدأت تطور شغفاً بنظريات كارل يونغ التي حافظت في ما بعد على موقعها كركن أساسي في كتاباتها. بعد تخرجها عملت في إحدى المستشفيات كمتخصصة في معالجة الإدمان، وتزوجت من أحد زملائها المتخصصين في علم النفس وأنجبت ولداً. لكن بعد خمس سنوات، قررت أنها أوهن من أن تستمر في عملها في المشفى “كنت أعمل مع أحد مرضاي وأدركت أنني أكثر اضطراباً وتشوشاً منه.”

تركت عملها وأصدرت مجموعة من الأشعار، وألحقتها بسرعة برواية “رحلة سكان الكتاب” The Journey of the People of the Book ، وهي حكاية رمزية تدور أحداثها في فرنسا القرن السابع عشر، وقد نالت عنها جائزة أفضل عمل ضمن فئة العمل الأدبي الأول لكاتبه. وبالرغم من أن الكتب بدأت تتوالى، والجوائز باتت تنهال عليها، إلا أن توكارتشوك تعرضت إلى أزمة وهي في منتصف الثلاثينيات من عمرها وقررت أنها بحاجة إلى استراحة تبتعد فيها عما حولها، وانطلقت تسافر بمفردها، فزارت تايوان ومنها ذهبت إلى نيوزلندا. وفي أحد شتاءات بولندا، الذي كان بارداً بصورة استثنائية، حملت ابنها وذهبت به إلى ماليزيا. لكن من ينظر إلى شعرها المجدول جدائل صغيرة أصبحت سمة دائمة تُعرف بها، يشعر وكأنها قد تركت جزءاً من قلبها على درب الهيبيين، بالرغم من أن تسريحة شعرها هي في الواقع – كما شرحت بأسلوب علمي فصيح ومن دون تكلف –”plica polonica” أي ضفيرة بولندية تعود إلى القرن السابع عشر. وتقول في ذلك “إلى حد ما، يمكننا أن نكون فخورين بأننا قد عرفنا أوروبا إلى تصفيفة الشعر هذه. يجب أن تضاف الـplica polonica إلى قائمة اختراعاتنا التي تضم النفط الخام والزلابية والفودكا.”

تدمج اليوم بين عملها ككاتبة ومشاركتها في تنظيم مهرجان أدبي مصغّر قرب منزلها. بالرغم من أن كتبها نُشرت على نطاق واسع في أوروبا، إلا أن حركة صدورها في البلدان الناطقة بالإنجليزية بطيئة إلى حد ما. كتابها “منزل النهار، منزل الليل” House of Day House of Night(1998/2003), استهل أسلوبها “النجمي” في مزيج من القصص والحواشي والمقالات التي تدور في قريتها الأم على مدى حقب زمنية متعددة عبر التاريخ، بينما يؤرخ “أول الوقت وأوقات أخرى” Primeval and Other Times حياة ساكني مستوطنة خيالية على مدى 80 عاماً ابتداءً من العام 1914 من وجهة نظر الملائكة الأربعة المعينين لحمايتها. صدر الكتاب في 1996، لكنه لم يُترجم إلا في العام 2009.

يختلف أدب أوروبا الوسطى بشكل كبير عن أدب أوروبا الغربية، تشرح لنا قائلة “الفرق الأول هو أننا لا نثق في الواقع كما تفعلون أنتم. عندما أقرأ روايات إنجليزية دائماً ما تصعقني قدرتكم على الكتابة بلا خوف من الجوانب النفسية الداخلية التي تكون بالغة الحساسية. في صيغة كهذه يكون في الإمكان بناء القصة بأسلوب خطي مع بداية ونهاية، لكننا لا نتحلى بطول الصبر هذا. نشعر بأنه في كل لحظة هناك شيء ما يسير بصورة خاطئة لأن قصتنا تتشعب ولا تسير في خط مستقيم. ثمة فرق آخر، وهو أن التحليل النفسي متجذر في ثقافتكم، أما نحن فما زال الدين والخرافة يسيطران على تفكيرنا.”

وفي توقف مفاجئ تبتعد عن الزمن الحاضر لتنظر نظرة تاريخية موسعة، وتقول: “إذا ما حدث وانمحى بلدك عن الخارطة وحظرت لغتك من التداول، وإذا كان على الأدب الذي تخطه أن يخدم قضية، يصبح صعباً عليه، مهما كان باهراً وألمعياً، أن يسافر ويصل إلى شعوب أخرى.” أو كما يمكن لهذا الأمر أن يُرى من الطرف المقابل، وكما عبرت عن ذلك بصورة غاية في الروعة والسخرية في “رحلات”. “البرابرة لا يرتحلون. هم ببساطة ينطلقون إلى وجهاتهم أو يؤدون غزواتهم.”

____________________

*فرقة روك أمريكية اشتهرت في السيتينيات بسبب كلمات أغانيها وأسلوبها المثير للجدل

**فرقة روك وبلوز بريطانية اشتهرت في السيتينيات

عن جريدة “الغارديان”

مقتطف من «رحلات» (1)

ترجمة أحمد محسن

درسْت علم النفس في مدينة شيوعية كبيرة وكئيبة. كانت شقتي تقع في مبنى استخدمَته الشرطة السرية النازية كمقرٍّ خلال الحرب. ذلك الجزء من المدينة كان مبنياً على أنقاض الغيتو، وإذا نظرت جيداً، يمكنك ملاحظة ارتفاع هذا الحيّ بثلاثة أقدام فوق بقية الأحياء في البلدة. ثلاثة أقدام من الأنقاض. لم أشعر بالراحة هناك أبداً، وبين المباني الشيوعية والساحات التافهة كانت هناك رياح دائماً، وكان للهواء الفاتر طعم خاص بالمرارة، يلسعك في وجهك. في نهاية الأمر كان مكاناً للموتى، بغض النظر عن كل محاولات البناء. ما زالت لدي أحلام متعلقة بالمبنى الذي كان يحتوي على صفوف الدراسة: ممراته الواسعة التي لطالما بدت منحوتةً في الصخر، وقد هدأ دبيب الأقدام من روعها، الحواف البالية للدرج، الدرابزين المصقول بأيدي العابرين، آثار مطبوعة في الفراغ. ربما لذلك كنّا مسكونين بتلك الأشباح.

عندما كنّا نضع الجرذان في متاهة، واحد منها فقط كان يناقض بسلوكه النظرية المعتمدة، فيرفض الاكتراث لفرضيتنا الذكية. قد يقف على رجليه الخلفيتين، غير مبالٍ إطلاقاً بالجائزة في نهاية الطريق، مزدرياً نظرية الاشراط البافلوفي (2)، وقد يصوّب نظره نحونا لمرةٍ واحدة ثم يستدير، أو يصرف انتباهه باتجاه المتاهة متأملاً إياها بلا عجلة. قد ينظر إلى شيء ما في الرواق الجانبي، محاولاً جذب الانتباه. وقد يصدر صريراً مشوشاً، بعد ذلك، الإناث تحديداً، بغض النظر عن الواجبات، كنّ يسحبن أنفسهن إلى خارج المتاهة. أما عضلات الضفدعة الميتة المفلطحة، فقد تنثني وتستقيم تبعاً للنبضات الإلكترونية، لكن على نحوٍ لم يتم شرحه بعد في كُتبنا المدرسية. كانت تصدر إيماءة في وجهنا، وأطرافها تعلِن التهديد والتهكم، كما لو أنها تهدم إيماننا المقدّس بالبراءة الميكانيكية لردات الفعل النفسية.

تعلمنا هناك أن العالم قابلُ للوصف، وحتى للتفسير، بواسطة إجابات سهلة لأسئلة ذكية. كما لو أن العالم في نواته كان خاملاً وميتاً، محكوماً بقوانين أسطورية كانت تحتاج إلى الشرح، والخروج إلى العلن، بمساعدة الرسوم البيانية إذا أمكن ذلك. نُصِحنا بالقيام بالتجارب. وباختراع النظريات لإثبات شيء ما. زُج بنا في أسرار الإحصاءات، عُلِّمنا التصديق أننا عندما نتسلح بهكذا أداة يمكننا أن نفهم كيف يعمل العالم، وأن الـ 95% أكثر أهمية من الخمسة المتبقية. ولكن إن كان هناك شيء واحد أعرفه الآن هو أن أي أحد يرغب فهم العالم، يجب عليه أن يفهم علم النفس. الذهاب إلى الفيزيولوجيا وإلى اللاهوت بالمقابل، سيوفر دعماً قوياً في مسألة الروح، بدلاً من تضاريس السيكولوجيا اللزجة. ثمة ما يقوله الناس عن علم النفس، كاختصاص يختاره الناس ليس من أجل العمل، ولا بسبب الحشرية، أو لامتهان مساعدة الآخرين. وقد اكتشفت أن للاختيار سبب واضح ومحدد. أعتقد أن كل شخص لديه خلل خفي وعميق، ولكن بلا شك الجميع يحبّ أن يعطي انطباعاً بالذكاء والحيوية. لكن الخلل يكون مبطناً ومموهاً بإتقان، عندما ندخل الامتحان. تنهار طابة المشاعر المعقدة بشدة، مثل تلك الأورام الغريبة التي تظهر أحياناً في الجسد البشري، ويمكن رؤيتها في أي متحف يعرض جثثاً مشرّحة. ذلك يطرح سؤالاً آخر: ماذا لو كان الناس الذي يديرون حياتنا من تلك النوعية، وكانوا يعرفون ما الذي يفعلونه فعلاً؟ في هذه الحالة، سنكون ورثة على نحوٍ مباشر. عندما، في عامنا الثاني، ناقشنا عمل الميكانيزمات الدفاعية، وجدنا أننا نخضع لقوة جزء من روحنا، بدأنا نفهم أن الإنكار لم يكن للوصول إلى صورة واضحة وعقلانية، بل كان عبارة عن ألاعيب صغيرة سمحنا لأنفسنا بأن نلعبها، بدلاً من أن نرى العالم كما هو، بلا أي شيء لحمايتنا، بصدقٍ وشجاعة. أنكرنا، لأن ذلك كان سيكسر قلوبنا.

ما تعلمناه هو أننا مصنوعون من دفاعات، من دروع ومصفحات، هو أننا مدن تقوم في أساسها الهندسي على جدران، أسوار، معاقل، ومخابئ. بمرور الوقت صرنا في الصف الثالث. وبعد كل امتحان، استمارة، ودراسة قمنا بها على بعضنا البعض، صارت لدي تسمية للخطأ الذي أواجهه. كان الأمر بمثابة اكتشاف اسمي السرّي، الاسم الذي يدعو صاحبه إلى المبادرة.

لوقتٍ طويل تمرّنت على التجارة لكني لم أمارسها. في إحدى البعثات (3)، علِقت في مدينة كبيرة من دون أن يكون لدي أي مال، وكنت أعمل كخادمة، فبدأت الكتابة. كانت قصة رحلاتي التي أضعها في كتاب، وكنت أريد أن يقرأها الناس في القطار، لأني كنت أكتب لكي أقرأ ما أكتبه. كان كتاباً صغيراً بحجم شطيرة صغيرة من ساندويش، يمكن ابتلاعها بسهولة. وكنت قادرة على التركيز، بغض النظر عن أن أذني أحياناً اكتسبت شكلاً عملاقاً، وصارت تلتقط تذمر الآخرين والأصداء والهمسات. كانت أصواتاً مصفاة تخترق أحد الجدران. أصوات تأتي من بعيد.

1- عنوان الرواية الأصلي هو Bieguni، صدرت في 2007 بالبولندية، ثم نقلتها جنيفر كروفت إلى الإنكليزية في 2017، وهذه الترجمة هي تعريب لمقطع من نسخة كروفت.

2- مصطلح مستخدم في علم النفس السلوكي، لوصف أحد أشكال التعلم الترابطي، حيث يكتسب منبه خارجي معين القدرة على استحضار استجابة الفرد الخاصة بمنبه آخر. ظهر المصطلح على يد عالم النفس الروسي إيفان بافلوف عام 1903، وقام جون واتسون فيما بعد بدراسته على الأطفال.

3- تقصد بعثة علمية.

خزانة الملابس/ أولغا توكارتشوك

((عندما انتقلنا إلى هنا اشترينا خزانة ملابس، كانت مظلمة وعتيقة وكلفتنا أكثر من مجرد النقل من المخزن إلى منزلنا. كان لها بابان مزخرفان برسومات زهور ونباتات وباب آخر زجاجي، وعندما نقلناها إلى المنزل في شاحنة مستأجرة انشغلت البلدة كلها بأمرها. وقد اضطررنا لربط حبل حول الخزانة حتى لا تنفتح أبوابها أثناء القيادة. بعد ذلك وعندما وقفت أمامها لأول مرة، شعرت أن وجودي لا معنى له. “إنها تتلاءم بشكل جيد مع بقية أثاثنا ” قال (ر) بعد أن رفع جسده بحنان، تماما كما لو كان بقرة تم شراؤها لمزرعة جديدة. في البداية، وضعنا الخزانة في القاعة – كان لا بد من عزلها قبل إدخالها إلى عالم غرفة نومنا. وقد دلقت كمية من التربنتين في الثقوب التي لا تكاد تُرى، لقاح موثوق ضد ويلات الزمن. أثناء الليل صرصرت الخزانة وتأوهت بعد أن سحبناها إلى موقعها الجديد. أما ديدان الخشب فقد كانت تولول على مصيرها.

في الأيام التالية أعدنا الهدوء والنظام إلى شقتنا القديمة وحدث أن وجدت شوكة في صدع في الأرضية حُفر عليها صليب معقوف. يبرز من طرفها الخشبي بقايا جريدة مصفرة. كانت الكلمة الوحيدة التي يمكن قراءتها عن الورقة هي “البروليتاريا”. فتح (ر) النافذة على مصراعيها وعلَّق الستائر على الجانبين، فاقتحم صوت الموسيقى الذي صدح من فرقة تعزف على آلات نحاسية وتجوب البلدة في المساء الغرفة. في الليلة الأولى التي شاركتنا فيها الخزانة أحلامنا، لم نستطع النوم لوقت طويل. يدا (ر) القلقتان كانتا تمسدان معدتي ذهابًا وإيابًا. ثم حلمنا معا. منذ ذلك الوقت كنا دائمًا نحلم معًا. حلمنا بالهدوء التام حيث كل شيء معلق هناك مثل الزينة في نافذة محل، وكنا سعداء بذلك الهدوء، لأننا في كل مكان وفي لا مكان. في صباح اليوم التالي لم يكن لدينا حتى ما نقوله لبعضنا عن الحلم – كل ما قلناه كان كلمة واحدة. بعد ذلك لم يحدث أن تحدثنا حول أحلامنا قط.

وحدث ذات يوم أنه لم يكن لدينا ما نقوم به في شقتنا. كان كل شيء في مكانه منظمًا ونظيفًا. دفأت ظهري بالموقد وحدقت في مناشفي القماشية. لم يكن ثمة ترتيب معين في أنماط حياكتها. وكأن شخصًا ما قد صنع ثقوبًا بإبرة الكروشيه في قماش سميك.

نظرت إلى الخزانة من خلال هذه الثقوب وتذكرت الحلم. كان الهدوء ينبعث من الخزانة. وقفنا قبالة بعضنا البعض. كنت أنا الهشة والقلقة والهالكة. كانت الخزانة مجرد خزانة، وكانت بالضبط ما هي عليه. لمست مقابضها الرقيقة بسلاسة فانفتحت الخزانة أمامي ورأيت ظلال ملابسي وبذلتين باليتين لـ (ر). لكل شيء اللون نفسه في الظلام. وفي الخزانة لم يكن هناك فرق بين أنوثتي وذكورة (ر)، لا يهم ما إذا كان الشيء أملس أو خشنًا، مستديرًا أو مربعًا، بعيدًا أو قريبًا، غريبًا أو حميميًا. كانت للخزانة رائحة ملابس من أماكن وأزمنة أخرى غريبة بالنسبة لي. ولكن يا إلهي لقد ذكَّرتني تلك الرائحة بشيء مألوف، شيء قريب جدًا مني لا يمكن وصفه بالكلمات. (الكلمات دائما في حاجة إلى مسافة معينة من أجل تسمية الأشياء).

دخلت صورتي في المساحة التي تعكسها المرآة المثبتة في الباب من الداخل. بدوت على شكل خطوط داكنة، من الصعب تمييزها عن ثوب معلق على شماعة الملابس. لم يكن هناك فرق بين الأحياء والأموات. كنت أنا، في عين مرآة الخزانة. وكل ما علي فعله الآن هو رفع ساقي والدخول إلى وسط الخزانة. وهذا ما فعلته. جلست على أكياس بلاستيكية مملوءة بالصوف واستمعت إلى صوت أنفاسي التي علت بسبب المكان المغلق في الخزانة. عندما يكون الفكر وحده يبدأ بالصلاة. هذه طبيعة الفكر. “ملاك الرحمة، حارسي”، رأيت ملاكي من قبل مع وجهٍ جميلٍ بدا لي أنه لا بد أن يكون ميتًا. “هل يمكنك أن تكون دائمًا معي…”ـ احتضنت أجنحته الشمعية الفضاء من حولي بمحبة، “في الصباح”، عندما تؤذي رائحة القهوة والنوافذ المشرقة عينيك الناعستين، و”في المساء” عندما يتباطأ الوقت عند الغروب، وفي منتصف النهار حين يغدو الكائن مشابهًا للخبرة والضجيج والحركة وملايين الأفعال التي لا معنى لها، و”في الليل”، حيث الجسد الوحيد الضعيف في الظلام، تعال دائما لمساعدتي ” ـ أيها الملاك الذي يحرس الأطفال السائرين نحو الهاوية، “احرسني، واحم روحي وجسدي” ـ صناديق من الورق المقوى مكتوب عليها ” قابل للكسر : ارفعها برفق”، “وسر بي نحو الخلود، آمين”، الملابس معلقة في الخزانة نصف المظلمة. منذ ذلك الوقت والخزانة تشدني إليها، لقد أصبحت مثل قمع عملاق في غرفة نومنا. في البداية قضيت فترة بعد الظهر جالسة فيها ولم يكن (ر) في البيت. بعد ذلك لم أعد أقوم سوى بالأعمال الأكثر ضرورة: التسوق، تشغيل الغسالة، مكالمة شخص ما ثم أعود إلى خزانة الملابس، وأغلق خلفي الباب بهدوء. في الداخل لم يعد مهمًا في أي يوم نحن أو أي موسم أو أي عام..لا فرق. كان كل شيء مخمليًا. كنت أعيش على أنفاسي وحسب. وفي ليلة استيقظت من حلم ثقيل كعاصفة رطبة. كنت أشعر بتوق للخزانة كما لو كانت رجلًا. اضطررت إلى لف ذراعي وساقي حول جسد (ر) والتشبث به من أجل البقاء في السرير. تكلم (ر) في نومه ولكن كلماته لم يكن لها معنى. أخيرًا، أيقظته في إحدى الليالي. لم يكن يريد مغادرة السرير الدافئ. سحبته خلفي ووقفنا معًا أمام خزانة الملابس. لم تتغير، قوية ومغرية. لمست المقبض السلس بأصابعي فانفتحت الخزانة أمامنا. في داخلها كانت هناك مساحة كافية للعالم بأسره. وداخل المرآة كنا منعكسين معًا، تحررت هيئاتنا من الظلمة المحيطة بها. كانت أنفاسنا في البداية متفاوتة ثم اتحدت في إيقاع واحد. لم يعد هناك فرق بيننا. غطت الملابس المعلقة وجوهنا. وأغلقت الخزانة الباب وراءنا. وبذلك بدأنا العيش هناك. في البداية كان (ر) يخرج أحيانًا لشراء شيء ما، يذهب إلى العمل، وأشياء من هذا القبيل. ولكن بعد حين أصبحت تلك الجهود شاقة. وغدت الأيام أطول. كان بإمكاننا أحيانًا أن نستمع إلى موسيقى تخفت بالتدريج تعزفها فرق في الشارع. تشرق الشمس وتختفي، وتحاول النوافذ استدراجها إلى الداخل دون جدوى. والآن تغطي طبقة سميكة من الغبار الأثاث والمناديل والأطباق فيما تغرق شقتنا أكثر وأكثر في ظلام دامس)).

ترجمها من السلافية الى الانجليزية راؤول ايشلمان وترجمتها أنا عن الانجليزية . والقصة والنقد المتعلق بها في سياقها الأدبي والثقافي في كتابي نهاية ما بعد الحداثة :مقالات في الأدائية وتطبيقات في السرد والسينما والفن.

https://www.academia.edu/25396208/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%B7%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9_%D8%AE%D8%B2%D8%A7%D9%86%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%A8%D8%B3_%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84%D8%BA%D8%A7_%D8%AA%D9%88%D9%83%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D8%B4%D9%88%D9%83_%D8%A3%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC%D8%A7

أقبح امرأة في العالم/ أولغا توكارتشوك

كان قد تزوج من أقبح امرأة في العالم. ولكونه مشهورا بأنه منظم للسيرك؛ قام برحلة إلى فيينا لأجل رؤيتها. لم يكن فعلا متعمدا على الإطلاق؛ فلم يخطر له مسبقا أنه ربما قد يتخذها كزوجة له. لكن بمجرد أن رآها، وبمجرد أن تجاوز الصدمة الأولى، لم يتمكن من أن يدير عينيه عنها. كان لديها رأس كبير مدفونا بين الكتل والتورمات. وكانت عيناها الصغيرتان، والباكيتان دوما موضوعين أسفل حاجبيها القصيرين المجعدين. بديا عينيها من بعيد كما لو كانا شقين ضيقين. وظهر أنفها كما لو كان مكسورا بعدة مواضع، كان طرفه أزرقا داكنا؛ مغطى بشعيريات متفرقة. كان فمها ضخما، ومتورما، دوما متروك مفتوح، دوما مبتل، بسِنة حادة مدببة لداخله. وفوق كل هذا؛ وكأن هذا غير كافٍ، كان وجهها بالغ الطول، ذا شعر حريري هائش.

رآها لأول مرة وهي تطل من خلف الحجاب الكرتوني لخشبة المسرح بالسيرك المتنقل كي تظهر نفسها إلى الحضور. هبت عاصفة مدوية من التعجب والاشمئزاز معا فوق روؤس الجميع وسقطت عند قدميها. كانت تبتسم ربما، لكن بدت كما تجهم يرثى له. كانت تقف واثقة من نفسها، مدركة لحقيقة أن دستة من الأعين تحدق بها، بتوقٍ متشربين بكل تفصيل، بحيث يمكنهم- الحاضرون-  وصف هذا الوجه لأصدقائهم وللجيران أو إلى أولادهم، أو كي يتمكنوا من استدعائه مجددا، بينما يقارنون بينه وبين أوجههم بالمرآة، ويتنفسون بعدها زفرة من الارتياح. كانت تقف بصبر، ربما بقدر من التفوق، وحدقت لما فوق الرؤوس نحو أسطح المنازل وراءهم.

وبعد صمت مطول، ممتلئ بالدهشة، أخيرا صرخ شخص “حدثينا عن نفسكْ”

ندت إلى الجماهير، إلى البقعة والتي منها أتى الصوت. كانت تبحث عن الشخص الذي قال ذلك، لكن حينئذ جرت مدربة سمينة بالسيرك من تحت الأجنحة الكرتونية للمسرح وأجابت نيابة عن أقبح امراة في العالم “إنها لا تتحدث!”

“إذن اخبرينا حكايتها” هذا ما طلبه الصوت، لذا السيدة السمينة ابتلعت ريقها وبدأت بالحديث.

بعد الأداء، وبينما كان يتناول كوبا من الشاي بواسطة موقد القصدير الصغير خاصتها والذي أدفأ ما بداخل مقطورة السيرك؛ وجدها ذكية جدا. بالطبع كان بإمكانها الحديث، وكلامها مفهوما كذلك. راقبها عن قرب مصارعا افتتانه بهذا المسخ الخاص بالطبيعة. كان يمكنها معرفة ذلك.

سألته  “اعتقدت أن خطبتي سوف تكون غريبة ومثيرة للاشمئزاز كما وجهي، أليس كذلك؟”

لم يُجب.

شربت شايها بالطريقة الروسية، صابة إياه من الساموفار(1) إلى أكواب صغيرة، كانت الأكواب بلا مقابض. كانت تمتص مكعب سكر بين كل رشفة. وسرعان ما اكتشف أنها تعرف العديد من اللغات، لكن كما يبدو أنها لا تجيد التحدث بأي لغة منهم. من وقت لآخر كانت تتنقل من لغة لأخرى. لم يعد ثمة مدعاة للاندهاش، فقد نشأت منذ طفولتها المبكرة بالسيرك بجماعة عالمية مليئة بالأغراب، من كل نوع، فلا يوجد مثيلٌ لأحدهم بنفس المكان.

“أنا أعلم بماذا تفكر” ناظرة إليه بتلك الأعين الحيوانية الصغيرة المنتفخة. وبعد فترة من الصمت قالت “فأي شخص ليس لديه أم، ليس لديه أيضا لغة أم كذلك. أستخدم العديد من اللغات، لكن ولا واحدة منها تخصني”

لم يجد الجرأة للرد. على الرغم من كونه لا يعلم لماذا، فجأة بدأت تعصبه. كانت تقول ملاحظات لماحة. وحالها متماسكة ودقيقة على عكس ما كان يتوقعه منها. لذا حياها مودعا، ولدهشته أعطته يدها، لفتة نسائية للغاية، بإيماءة سيدة، في الواقع؛ يدها جميلة كانت. بدوره، انحنى نزولا إليها، لكن لم يمسها بشفتيه.

كان ما يزال يفكر بأمرها، بينما كان يستلقي على ظهره بسرير الفندق. تفرس قدما داخل العتمة، ظلمة الفندق المخيمة، هذا النوع من الظلمة والذي حذا بخياله أن ينبعث. استلقى هناك متسائلا عن كنه أن يصبح مثلها، عما يكون شعورها بداخلها، وكيف يبدو العالم عبر عيون مثل أعين الخنزير خاصتها، ماذا بشأن تنفسها الهواء عبر هذا الأنف، المشوه؟ هل تشتم حتى نفس الأشياء كما الأشخاص الطبيعيون؟ وشعورها بلمس جسد مثل هذا كل يوم أثناء الاغتسال؟ أو الحك؟ أثناء أداء كل هذه الأشياء الصغيرة المعتادة؟

لم يشعر بالأسى بمرة تجاهها أبدا. ولو كان قد تعاطف معها، لم يفكر أبدا في التقدم إليها.

اعتاد بعض الناس رواية هذه القصة كما لو كانت علاقة حب عابرة غير سعيدة، قائلين بأن قلبه توقف مباشرة بطريقة ما لدى رؤيتها، وقتما وقع بحب ملاكه الرقيق كاشفا ما بداخلها؛ رغم وجهها الكريه. ولكن لا، لم يكن تفكيره بشيء من هذا القبيل. ببساطة، بعد مقابلتها بهذه الليلة لم يتوقف عن التخيل بشأن كيف سيمارس الحب مع مخلوق مثل هذا؟ أن يُقبلها، ويعريها..

ظل يحوم حول السيرك بعدها عدة أسابيع. كان يغادر ثم يعاود مرة أخرى مجددا. إلى أن اكتسب ثقة المدير وتفاوض بشأن عقد للفرقة في مدينة برنو(2). وإلى هناك تبعهم، وبدأ أهل السيرك باعتباره فردا منهم. تركوه يبيع التذاكر، ولاحقا تولى الأمر عوضا عن سيدة تقديم السيرك السمينة، ويمكن القول أنه كان جيدا بهذا العمل، بقيامه بتحميس الجمهور قبل أن ترفع ستارة المسرح الرثة.

قال صارخا “اغمضوا أعينكم” وأتبع “خاصة السيدات والأطفال، لأن بشاعة هذا المخلوق تصعب على الأعين الحساسة تحملها. لا أحد قد رأى وحش الطبيعة هذا عاد قادرا أن يقع بالنوم بسلام من جديد. وفقد بعض الناس منهم إيمانهم بالخالق..”

دلى رأسه عند هذه اللحظة، بدا كما لو أنه ترك جملته غير مكتملة، على الرغم من كونها مفهومة؛ هو لم يكن يعلم ماذا يقال أيضا. هو أطلق كلمة “الخالق” لكن في ضوئها الملائم. نعم من الممكن لبعض الناس أن يفقدوا إيمانهم بهذا الخالق، بالنظر إلى تلك المرأة خلف الستارة، لكن بداخله أصبح مقتنعا بالعكس: فقد حدث، وأثبت الخالق وجوده باختياره سيدة التقديم خارجا، واهبا هذه الفرصة إليه. أقبح امرأة في العالم. سابقا قد تقاتل الأغبياء مع الحمقى، وقتلوا بعضهم لأجل السيدات الحسناوات. وكذلك وهب بعض من الحمقى ثرواتهم بهوى النساء. لكنه لم يكن مثلهم. فقد خطب وده أقبح امرأة كما حيوان أليف، حزين. كانت مختلفة عن كل السيدات الأخرى، حتى أنها وفرت له فرصا مالية عبر الاتفاق. سيوفر إذا ما جعلها زوجته. خاصة أنه كان لديه شيء لم يكن لدى كل الناس.

بدأ بشراء الورود لها -ليس بوكيهات خاصة- فقط باقات صغيرة رخيصة ملفوفة بالفويل بعقدة منديل ورقية سخيفة. أو كان يعطيها منديل عنق قطني، شريطا لامعا، أو علبة صغيرة من شوكلاتة اللوز. بعدها يشاهد، منوَّما، وهي تربط الشريط حول جبهتها، وعوضا عن كونها قطعة تزيين، تستحيل الربطة الملونة رعبا. يراقبها بينما تبتلع الشوكلاتات بلسانها المنتفخ، الزائد عن الطبيعي، مسببة لعابا بنيا بين أسنانها العريضة المتباعدة ويقطر نزولا إلى ذقنها المخشوشن.

كان يحب أن ينظر إليها وهي لا تعلم أنه يشاهدها. ينسل في الصباح ويختبئ خلف الخيمة أو المقطورة، ثم يتسلل كي يكمن أقرب ويشاهدها لساعات بوضع مناسب، حتى عبر الشقوق بالسياج الخشبي. كانت قد اعتادت أن تتشمس، وبينما تفعل تمضي وقتا طويلا بتمشيط شعرها المجعد ببطء، كما لو كانت بغيبوبة، تجدل إياه إلى ضفائر أرفع ثم على الفور تفكها من جديد. أو عوضا عن ذلك تصنع الكورشيه، والأبر بيدها تتلألأ بضوء الشمس وهي تطعن الهواء الصاخب للسيرك، أو بأيد عارية تغسل ملابسها بحوض الغسيل ، بقميص فضفاض. بحينئذ كان الجلد حول ذراعيها وأعلى صدرها مغطى بفراء شاحب. بدا جميلا. ناعما، كما لو كان لحيوان.

كان بحاجة إلى هذا التجسس، لأنه يوما بعد يوم بدأ اشمئزازه ينقص، يذوب في الشمس، يختفي مثل بركة بعد ظهيرة حارة. باتت تدريجيا عيناه  تعتاد  على عدم التماثل المؤلم لديها، على نسبها المكسورة، على كل قصورها وزياداتها. وأحيانا كان يظن أنها حتى تبدو طبيعية.

وكلما بدأ يشعر بعدم الارتياح، أخبرهم عن مضيه بعيدا في عمل ضروري، أن لديه اجتماع مع فلان أو علان، وربما ذكر اسما غريبا، أو على العكس اسما شهيرا. كان يبرم الصفقات، يجري المحادثات، يلمع الأحذية، يغسل قميصه المفضل، وينطلق بطريقه. لم يكن يبتعد كثيرا. من الممكن أن يتوقف بأقرب بلدة، ويسرق محفظة أحدهم، ويسكر. لكن رغم ذلك لم يكن أبدا متحررا عنها، لأنه عامة يبدأ في التحدث عنها. لم يستطع على بعدها، حتى خلال تلك المغامرات.

الشيء الأكثر غرابة كان، أنها أصبحت أثمن ممتلكاته. كان يدفع رغم قبحها لشرب النبيذ وقتما أراد، وأكثر من ذلك، كان يسامر فتاة جميلة بوصفه لوجهها القبيح، وفتاة أخرى التي أخبرته بأن يغرب للحديث عنها لاحقا، بهذه الأمسية، عندما كانوا متمددين حوله عاريتين.

عندما يعود، سوف يكون لديه دوما قصة جديدة حول قبحها جاهزة لقولها للجمهور، مدركا أن لا شيء يصبح واقعا حتى يكون لديه قصته الخاصة به. في البدء جعل فتاته  تحفظها عن ظهر قلب، لكنه سرعان ما أدرك أن المرأة الأقبح لم تكن جيدة برواية القصص: تتحدث بملل، وتنفجر بالبكاء بنهايتها، لذا بدأ بروايتهم نيابة عنها. سيقف إلى جانب، مشيرا بيده نحوها، ويتابع حديثه “عاشت أم هذا الكائن غير المحظوظ الذي يظهر أمامكم، والذي رؤيته أبشع شيء يمكن لأعينكم البريئة أن تحتمله بقرية على حدود الغابة السوداء. وهناك، بيوم صيفي، وبينما كانت تقطف التوت من الغابة، تم مطاردة الأم بواسطة خنزير وحشي، والذي هاجمها بلوثة من الجنون والشهوة الفظة..”

بهذه اللحظة كان يسمع دون تقطع صرخات، مكتومة، مصعوقة من الرعب، وبدأت بعض النسوة ممن كن يرغبن بالفعل في المغادرة بجذب أكمام أزواجهن المتمنعين.

كان لديه العديد من النسخ:

“أتت هذه المرأة من أرض ملعونة من قبل الرب. من نسل سلالة شريرة، بلا قلب والتي لم تظهر رحمة إلى متسول مريض، ولأجل ذلك عاقب ربنا هذه القرية بأكملها بهذا القبح الوراثي الفظيع..”

أو “هذا هو المصير الذي يصيب أطفال النساء الساقطات. ها أنتم ترون ثمار داء الزهري، مرض رهيب، والذي يعاقب للنجاسة حتى الجيل الخامس!”

لم يشعر قط بالذنب. أي واحدة من هذه القصص من الممكن أن تكون صحيحة. لأن المرأة الأقبح أخبرته “كنت دوما هكذا. وجدوني بالسيرك وأنا رضيعة. ولا أحد يتذكر ما حدث قبلها”

عندما أتى موسمهما الأول معا لنهايته، وكان قد سافر السيرك بمنحنى كسول عودة إلى فيينا لأجل بياته الشتوي، حينئذ تقدم إليها. احمرت خجلا وارتعدت. ثم قالت بهدوء “حسنا!” وبرفق أراحت رأسها على ذراعه. كان بإمكانه شم عطرها. كان صابونيا وناعما. أبقى هذه اللحظة بعدها تراجع للوراء وبدأ بإخبارها بشأن خططه معا لحياتهما المستقبلية، ذاكرا كل الأماكن التي سوف يزورانها. وبينما كان يسير إلى الغرفة، أبقت عينيها مثبتة إليه، لكنها كانت حزينة وصامتة. في بالأخير تولت الحديث عنه وقالت أنها تفضل العكس تماما، بأن يقيما بمكان ناءٍ، ألا يضطرا للذهاب أبدا إلى أي مكان، أو رؤية أي شخص. إنها سوف تطبخ، وسوف يكون لديهما أطفال وحديقة.

“لن تكوني قادرة أبدا على التعامل مع ذلك” ورد ساخطا “لقد نشأتِ في السيرك. أنتِ تريدين، تحتاجين، إلى أن يتم النظر إليكِ. ستموتين دون نظر الناس إليكِ”

لم تجب.

تزوجا بالكريسماس، بكنيسة صغيرة ضئيلة. كاد الكاهن الذي أجرى بينهما المراسم أن يغمى عليه. كان صوته يرتجف وهو يتلو. كان الحضور أشخاصا من السيرك، أخبرها وقتها أنه ليس له عائلة، وأنه مثلها وحيد تماما في هذا العالم.

وبينما كان كل الموجودين ينعسون في كراسيهم، كانت كل الزجاجات فارغة وحان أوان الذهاب إلى الفراش (حتى إنها كانت تتعلق بكمه منتشية) ، أخبر الجمع بأن ينتظر، وأرسل لأجل المزيد من النبيذ. لم يكن بمقدوره السكر،رغم كونه يحاول قدر ما يمكنه الاستطاعة. لكن كان شيء بداخله متيقظا للغاية، مشدودا كما وتر. لم يكن بمقدوره أن يرخي أكتافه، أو يمدد ساقيه، لكن جلس وقتئذ حازما منتصبا، وجنتاه زاهيتان، وعيناه تلتمع.

همست بأذنه “حبيبي، هيا بنا نذهب” بيد أنه تعلق بحافة الطاولة كما لو ثبت بواسطة مسامير غير مرئية. افترض معظم الحضور الملاحظين أنه ببساطة خائف من أي حميمية معها، عاريا، خائف من العلاقة الحميمية الإلزامية بموثق إتفاقية ما بعد الزواج. هل كان هذا في الحقيقة؟

سألته بالظلمة “المس وجهي” لكنه لم يفعل. فقد رفع نفسه بعيدا عنها مباعدا بين يديه لذا كان كل ما يمكنه رؤيته بالظلام صورتها الظلية، أخف قليلا من الظلمة بباقي الغرفة، رقعة باهتة بلا أي ملامح جلية. ثم أغمض عينيه- لم يمكنها رؤية ذلك- وأخذها، مثل أي امرأة أخرى، بلا أي فكرة برأسه، كما اعتاد.

بدآ الموسم المقبل بمفرديهما. كان لديه بعض الصور التي التقطها لها، ووزعها بأنحاء العالم. أتت الحجوزات عبر التلغراف. أتى لديهما الكثير من العروض وسافرا على الدرجة الأولى. كانت دوما ترتدي قبعة بطرحة رمادية ثقيلة، ومن خلفها رأت روما، فينيسيا، الشانزليزيه. جلب لها فساتينا عديدة وبرم لها الكورسيه بنفسه، كي يتمكنا  من المشي عبر الشوارع المزدحمة لمدن أوروبا، بديا كما زوجين آدميين مناسبين. على الرغم من ذلك، وخلال هذه الأوقات السعيدة، كان ما زال يضطر إلى الهرب من وقت إلى آخر. كان من هذا النوع من الرجال: الهارب الأبدي. فجأة تنتابه نوبة من الهلع، قلق مرضي لا يطاق. يبدأ بالتعرق والاختناق، بعدها يأخذ حفنة من المال، يجلب قبعته، يركض عبر السلالم، يجد نفسه قريبا، بانسياق واقعا بإحدى تلك الغطسات قرب الميناء. هنا وهنا فقط يسترخي، ووجهه يتراخى، وشعره يرفرف، والرقعة الصلعاء المختئبة دوما خلف شعره المسرح للخلف تبرز بوقاحة للجميع ليراها. سوف يجلس ويشرب بروية وفرح، تاركا نفسه طافيا إلى أن تسرقه بعض العاهرات المقيمات.

وفي المرة الأولى التي عايرته أقبح امرأة بشأن سلوكه، لكمها بمعدتها، لأنه إلى الآن كان لايزال خائفا من لمس وجهها.

لم يعد يروي قصصا عن الزهري أو الخنزير في الغابات كما كانا يمارسان روتينهما. فقد تسلم خطابا من بروفيسير للطب من فيينا، وأضحى يفضل تقديم زوجته بمنظور علمي:

“سيداتي، سادتي، لدينا هنا مسخ من الطبيعة، متحولة، خطأ للتطور، الحلقة الحقيقية المفقودة. عينات من هذه النوعية نادرة الحدوث. احتمالية أن يولد المرء هكذا ضئيلة كما احتمالية أن يضرب نيزك هذه البقعة بالذات بينما أنا أتحدث”

اعتادا بالطبع على زيارة بروفيسير الجامعة من وقت لآخر، وبالجامعة وقفا لالتقاط الصور معا. كانت جالسة، وهو واقف خلفها، ويده على كتفها.

ومرة، بينما كان يجرى قياسا للزوجة، طلب البروفيسير كلمة مع الزوج.

قال”أتساءل إذا ما كان تشوهها وراثيا؟” ثم “هل فكرت بشأن إنجاب الأطفال؟ هل جربت؟ هل زوجتك؟.. إممم.. هل أنت بالحقيقة قد……إممم………؟”

وبعد فترة ليست ببعيدة، ربما ليس كذلك على صلة بهذه الدردشة السرية، أخبرته أنها حامل. من هذه اللحظة انفصم الرجل. أراد لها الحصول على طفل فقط مثلها، ليمكنهم الحصول على المزيد من العقود، المزيد من الدعوات. لو كان بحاجة لزيادة فسوف يضمن الآن عيشة طويلة؛ حتى لو ماتت زوجته خلال هذا، ولم لا يكون كذلك مشهورا؟ ولكن بعدئذ فكر في حال إذا ما أتى الطفل وَحَشا، وكونه يفضل أن ينزعه من بطنها لحمايته من دمها المعيوب، المسمم عوضا عن رؤيته مقضي عليه بحياة كما حياتها. ورأى أحلاما، كان هو نفسه ذاك الابن في بطنها، مسجونا هناك، ملعونا بأن يُحب من سيدة مثل هذه، وبحبسه بداخلها، تخيل أنها تدريجيا تغير وجهه. أو حلم آخر كان ذاك الخنزير البري في الغابة، ويغتصب فتاة بريئة. واستيقظ غارقا بالعرق، وهو يرجوها بشأن الإجهاض.

أعطى مظهر بطنها الشجاعة للجمهور، وجعل من السهل لهم غفران قبحها الوحشي. بدأوا بطرح أسئلة، والتي أجابتها بخجل ومُسَالَمة، وبطريقة مقنعة. وبدأ المعارف الأقرب لهم بعقد المراهنات بخصوص الطفل، وعما إذا كان فتاة أو ولد. احتملت كل هذا بوداعة كما حَملْ. وبالمساء تحيك ملابسا للطفل.

قالت “تعلم؟” توقفت للحظة، مثبتة عينيها ببقعة بعيدة “الناس هشة للغاية، ووحيدون جدا. أشعر بالأسى حيالهم بينما هم جالسون أمامي، محدقون بوجهي. كما لو كانوا بحاجة لإلقاء نظرهم جيدا نحو شيء، ملء أنفسهم بشيء. أحيانا أعتقد أنهم يحسدونني. فعلى الأقل أنا شيء. إنهم يفتقرون إلى أي شيء استثنائي، لكونهم بحاجة لأي تميز يخصهم.”

جفل حينما قالت ذلك.

ليلا قد وُلَدت، بلا أي جلبة، بهدوء، كما حيوان. جاءت القابلة فقط لقطع الحبل السري. أعطاها قبلا حفنة من العملات، ليتأكد أنها لن تنشر عنها أي حكايات مبكرا. كان قلبه يطرق خارجه، أضاء كل اللمبات مرة واحدة، لكي يكون قادرا على إعطاء هذا الشيء  نظرة دقيقة. كان الطفل بشعا، أسوأ بمراحل عن أمه. كان عليه أن يغلق عينيه ليمنع نفسه من التقيؤ. فقط وبوقت لاحق، أقنع ذاته بأن المولود الجديد كان فتاة، كما زعمت أمه.

ولذا هذا ما قد حدث: مضى إلى مدينة مظلمة، كانت فيينا، أو ربما كانت برلين. كان يتساقط ثلجا مبللا، وخفيفا. خطا حذائه بخفة فوق أحجار الرصيف. شعر بنفسه منقسما بداخله سعيدا من جديد، ولكن بائسا بنفس الوقت.

سَكَر، وبقى واعيا. حلم أحلام يقظة، وشعر بالخوف. بعد عدة أيام لاحقة عندما عاد، كان لديه بالفعل أفكار بشأن ارتباطاتهم الارتحالية الترويجية. كتب إلى البروفيسير، والذي رتب للمصور لأن يقدمْ، وسجل بيد ترتعد خلال الفلاش بعد وميض المغنيسيوم القباحة الوحشية لكلي المخلوقين.

واعتقد أنه بمجرد أن ينتهي الشتاء، وتزهر(3) الفورسيثيا، وتجف أحجار طرق المدن الكبيرة،  بطرسبرغ، بوخارست، براغ، وارسو، أبعد من ذلك وأبعد على طول الخط إلى نيويورك وبوينس آيرس. وبمجرد أن تمتد السماء فوق سطح الأرض مثل شراع أزرق سماوي ضخم، فإن العالم بأسره سوف يسحر ببشاعة زوجته وابنته، وسوف يركع أمامهم على ركبتيه.

وعند هذه اللحظة وليس قَبْلها قبَّلها على وجهها لأول مرة على الإطلاق. ليس على الشفه، لا، لا.. بل فوق الحاجب. نظرت إليه بأعين صافية، بشرية تقريبا. ثم عاوده السؤال، السؤال الذي بمرة لم يستطع أن يسأله “من أنتِ؟ من أنتِ؟ من أنتِ؟” ظل يكرره لنفسه، فاشلا بملاحظة أنه بدأ بطرح أسئلة تخص الآخرين كذلك، حتى بشأن نفسه أمام المرآة وهو يحلق.

بدا الأمر كما لو اكتشف للتو سرا، أن كل إنسان متنكر، وأن الأوجه البشرية فقط أقنعة، وأن الحياة بأكملها(4) قاعة تنكرية كبيرة. كان أحيانا يتصور مخمورا- كونه لا يدع لنفسه المجال لهذا الهراء وهو ميتقظ- أنه ينزع الأقنعة، مع فرقعة رقيقة للورق الملصوق عندما يكشفه….ماذا؟ لم يكن يعلم. بدا متضايقا جدا لأنه لا يمكنه احتمال التواجد معها بالبيت أو مع الطفل. كان خائفا أنه بيوم ما بحال أن يستسلم لهذا الإغواء الغريب، ويبدأ محاولا بكشط القبح لوجهها. أن ينقب بأصابعه في شعرها وصولا إلى أطرافه الخفية، وحواف الجلد، وخطوط الغراء. لذا كان يتسلل خلسة للشراب، مفكرا بشأن ارتحالهم القادم، يصمم البوسترات، ويصيغ جديد التلغرفات.

لكن بأوائل الربيع أتى وباء الإنفلونزا الأسبانية  الرهيب، ووقعت له الأم، والطفلة. تمددا لجوار بعضيهما في حمى، يتنفسان بصعوبة. وكانت الأم من وقت لآخر نابعا من غريزتها المرتعبة تحتضن الطفلة إليها، محاولة إطعامها بهذيانها، غير واعية بأنه لم تكن لديها قوة باقية لتمتص ثديها، وأنها كانت تموت. وعندما ماتت أخيرا، أخذها برفق، وأرقدها على طرف الفراش، وأشعل سيجارا.

بتلك الليلة عندما استعادت المرأة الأقبح وعيها، فقط لتبدأ نشيجها، ونحيبها بيأس. كان ذلك أكثر من احتماله، كان صوت الليل، صوت الظلمة، قادما من أسْوَد هاوية. غطى أذنيه، إلى أن جلب أخيرا قبعته وجرى، لكنه لم يمض بعيدا. تمشى ذهابا وإيابا بين نوافذ شقته حتى الصباح، وبهذه الطريقة قد ساعدها كذلك كي تموت. حدث هذا أسرع مما كان يتوقع.

أغلق على نفسه بغرفتهم، ونظر إلى الجثتين؛ وفجأة بديا ثقيلين، منهكين، جامدين. واندهش من قدركيف هبطت المرتبة أسفلهما. لم يكن لديه فكرة عما يفعل، لكنه لم يخبر أي أحد عدا البروفيسير. جلس يشرب مباشرة من الزجاجة مراقبا الشفق وهو يمحي هيئة الأشكال الراقدة فوق الفراش.

وعندما وصل البروفيسير والذي أتى لفحص ما بعد الوفاة توسل إليه بشكل متقطع “انقذهم”

رد لاذعا “هل جننت؟  لقد فارقا الحياة” بعدها أعطاه البروفيسير قطعة من الورق، وقع عليها الأرمل بيده اليمنى، وأخذ المال منه باليد اليسرى.

لكن لاحقا بهذا اليوم، قبل اختفائه بالميناء، ساعد البروفيسير بنقل الجسدين بعربة إلى العيادة الجامعية، حيث تم بأقرب وقت تحنطيهما سرا.

ولوقت طويل، تقريبا لعشرين عام. ظلا واقفين بالقبو الرطب للبناية، حتى أتت لهما أوقاتا أفضل، وخرجا، وذهبا للانضمام للمجموعة الرئيسية، إلى جانب الجماجم اليهودية، والسلافية، والرضع أصحاب الرأسين، والتوائم الملتصقة من كل عرق، ولون. ولا يزال من الممكن رؤيتهما لليوم في مخازن المتحف الباثولوجي- التشريحي. إمرأة مغطاة بالزجاج وابنتها، باقية مجمدة، بوضع لائق تماما، كما بقايا لسلالات جديدة غير ناجحة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق