شهادات

مسرّات صغيرة/ وائل السوّاح

ولكن للحياة مسراتها الصغيرة أيضاً. واحدة منها كانت حين تعرّفت إلى شفيق. عملاق بشاربين أسودين كثين وصوت يلعلع كالبلدوزر. للحظة شعرت بالرهبة من ضخامة حجمه وارتفاع صوته. ولكنني سرعان ما انفرجت أساريري حين علمت أن الرجل كان “شفيق بياع الحلاوة. ذلك أنه كان محاسب السجن، ومن ضمن مهامه أن يبيع المساجين مواد كالصابون والحلاوة وزيت الزيتون والتمر والغيارات الداخلية. كان ذلك مكسبا عظيما. وأهم من الحلاوة أن شفيق كان يعتبر نفسه تاجرا ويعتبرنا زبائن، فلم يكن يضرب أو يصرخ أو يوجه أية إهانة.

فتح علي الباب في الزنزانة وأطلّ عليّ بعملقته وشاربيه الكبيرين وعينيه السوداوين الواسعتين، وسألني:

“بدك شي؟”

كان برفقته اثنين من سجناء السخرة، وهؤلاء كانوا على الأرجح موقوفين عسكريين لأسباب غير سياسية، يدفعان على الأرض سحارتي بلاستيك فيها أشياء ملوّنة جميلة. حين بدا على وجهي الوجوم وعلامات الاستفسار، سألني:

“أيمتى إجيت؟”

“أول مبارح،” أجبت بصوت متردّد، فبدأ يعرض عليّ بضائعه.

لا تحتاج إلى طويل وقت لتألف شفيق وتنشأ بينكما علاقة تشبه علاقتك بالسمّان في أسفل بنايتك أو على ناصية الشارع. وبعد فترة سيحكي لك عن أسرته وأطفاله ومصاعب الحياة في دمشق، ويتذكّر بحسرة بساطة قريته وهناءتها.

اشتريت حلاوة وجبنا وزيتا وصابونا وكيسا من السكاكر كان شفيق يسميها “دْرُوبِس”، كاسراً الباء، ماداً إياها بلحن لطيف. وأهم من ذلك كله اشتريت سجائر _ لفافة كاملة من سجائر الحمراء القصيرة. وضعت العلب والأكياس على الأرض بجانب القصعتين وكوز الماء، ورحت أتأملها بفتنة. وحين وضعت قطعة حلاوة في فمي، ذابت على الفور، مخلّفة وراءها طعما ذكّرني بحمص وسحور رمضان، حين كانت أمي توقظني، لآكل لقيمات من الزبدة والحلاوة وجبنة الحلوم. وأولمت لنفسي وليمة كبيرة. كان اكتشاف إضافة الزيت على البرغل الجاسي المسلوق اكتشافا يوازي اكتشاف النار كما كان إضافة جبنة المثلثات إلى مائدة الصباح حدثا في غاية الأهمية واللذة. أما سندويشة الحلاوة في ساعة متأخرة من الليل مع جرعة من الماء فكانت تذكر بسهرة لطيفة في مطعم شامي أصيل.

المتعة الأخرى كانت الحمام وارتداء لباس داخلي نظيف بعد أسابيع من القذارة ورائحة العفن المنبعثة من زوايا الجسم. لم يستغرق الحمام أكثر من دقيقتين، ولكن الماء الدافئ كان ينسكب على رأسي وجسمي فيغسل الروح كما يغسل الجسد. كان حنونا غامرا لطيفا وقويا في آن. ظلت رائحة النظافة تنعش روحي الجريح ساعات بعد العودة من الحمام. وكنت احتفظت ببعض الشاي البارد من الصباح في القصعة الصغيرة، فرحت أتلذذ باحتسائه، ثم جاءت السيجارة لتجلو الهم للحظات.

أما أحلى اللحظات في الزنزانة فكانت الجريدة. سألني العقيد كمال قبل أن يأمر بإعادتي إلى الزنزانة إذا ما كنت أرغب بشيء. ترددت لحظات قبل أن أقول: ” أجل. جريدة.” ثم أردفت بسرعة كي لا يعتبر طلبي جريمة: “تشرين أو الثورة.” هزّ العقيد رأسه ولم يجب، ثم أمر الحارس بإعادتي إلى المنفردة. في الطريق، رحت ألوم نفسي لأنني طلبت من العقيد مثل هذا الطلب، فهو أولا لا يليق بمناضل سياسي، كما أنه غير ممكن التحقيق. حين وصلت إلى الزنزانة، انفردت بنفسي ورحت أسير من أول الزنزانة إلى آخر حلم في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. أقطع المائة والتسعين سنتيميترا بأربع خطوات أو خمس ثم أستدير وأؤوب عائدا إلى نقطة البداية. وحين أخذ مني التعب مأخذه، تمددت على العازل ورحت أحلم بحمام جديد. ولا بد أنني غفوت لحظات، لأنني قفزت متنبها حين أدخل السجان المفتاح في القفل ليفتح الباب. لم يكن وقت العشاء قد حان بعد وكان الغداء قد وزع من زمن. أهو التحقيق من جديد؟

فتح الباب وبرز وجه أليف لسجان كان يبتسم دائما كأنه يعتذر عن وجودنا هناك، وقال: “تفضل!” ثم قدم لي كدسة من الجرائد. ولم تكن الثورة وتشرين فقط بل كانت السفير والنهار والأنوار ومجلة المستقبل الباريسية أيضا. وما أنسَ لا أنسَ الإحساس العميق بالغبطة الذي اجتاحني تلك اللحظة. رحت أنظر إلى الجرائد بذهول، وودت لو طرت إلى السجان فقبلته، ولكنني شكرته بحرارة عوضا عن ذلك. ولم أستطع إلا أن أكن العرفان للعقيد كمال الذي أرسل لي ذلك الكنز. وكالبخيل الذي يحرص على متاعه وماله رحت أقنّن بالقراءة، ألا أنهيها كلها ولا أستطيع الحصول على سواها.

وكالجائع يقدم له طبق لذيذ، رحت ألتذ بكل كلمة أقرأها. قرأت الأخبار والتعليقات وأخبار الثقافة والرياضة والتحقيقات وصفحات الرأي والوفيات وشكر الأطباء والأبراج والإعلانات التجارية والرسمية، ثم جاء دور الكلمات المتقاطعة. لم يكن عندي قلم، فاخترعت واحدا. في يوم سابق أحضروا لنا عنقودا من العنب فيه عشر حبات، فالتهمتها وأبقيت على عودة العنقود أتسلى بها. وتجلّت العبقرية حين مزجت رماد سيجارة بنقطة من الماء فصار حبرا ثم استخدمت العود كالريشة ورحت أحلّ بها الكلمات المتقاطعة والكلمة المفقودة وبعض التسليات الأخرى. كان ذلك اختراعي الوحيد. وهو، على أية حال، لا يقارن بإنجازات الرفاق لاحقا الذين اخترعوا مكتبات لوضع الكتب التي تأتينا من الزيارات وورقا للعب وشطرنجا وطاولة زهر وطاولات صغيرة للقراءة والكتابة، وكل ذلك من بقايا الخبز المعجون بالماء والسكر ليغدو غراء ومن أوراق الجرائد وأغلفة عبوات السجائر. وهو لا يقارن قطعا باختراع القلم، الذي سيقومون به في المهجع، وكان لا يقل أهمية عن اختراع الكتابة قبل أربعة آلاف سنة. وقلمنا اخترعناه من ورق الألمنيوم الذي يغلف السجائر داخل كل علبة. أما الورق فكان الأغلفة الخارجية المشمعة لعلب السجائر. على هذا الورق كتبت قصائدَ وقصصا ومشاريع روايات ومداخلات سياسية ورسائل عشق وصلوات وأدعية ورغبات محرّمة. وعلى هذا الورق كتبت قصصا جمعتها في مجموعتين لم أنشرهما حتى الآن، ولا أحسب أنني سوف أفعل.

على أن السجائر والصحف والحلاوة وزيت الزيتون لها مفعول مؤقت، تعود بعدها الوحدة وفقدان الآخر والرغبة في الحديث تتملكك، فتغرق في كآبة عميقة، وتروح كتسكين لها تبحث عن لحظة حوار مع سجان أنيس أو جار لك في الزنزانة، وقد اكتشفت ضربات المورس الخاصة بالسجن. والمورس الذي ابتدعه السجناء يعتمد على الأبجدية العربية المجموعة في كلمات ثمان: أبجد، هوز، حطي … إلخ. تقرع الجدار عددا من المرّات، وتصمت، ثم تعود لتقرعها عددا آخر. المرّة الأولى تحدّد الكلمة، أبجد هوز، والثانية تسلسل الحرف في الكلمة. لحرف الباء مثلا يجب أن تقرع مرة واحدة (أبجد) ثمّ مرّتين (الباء في أبجد).

بواسطة هذه الشفرة علمت أن أنور السادات مات. واحتفل في داخلي عيد من المسرات. ثم راح سؤال أخلاقي يساورني: أيهما أسوأ السادات أم الأصولي الإرهابي الذي اغتاله؟ وبواسطة هذه الشفرة أيضا سوف نعلم بعد أشهر بالعدوان الإسرائيلي على بيروت وبالمقاومة العجيبة التي أبدتها بيروت. على أن الأهمّ كان قدرتك أحيانا، حين يسعفك الحظ فتجد أن جارك هو أحد رفاقك، على أن تتبادل معه معلومات التحقيق فيساعدك ذلك على المناورة والتخفيف من حدة التعذيب.

حين انتقلت إلى الزنزانة التي جمعتني بمنيف، كانت الجريدة والحلاوة وزيت الزيتون ومورس أبجد هوز جميعها مصادر للبهجة، وخاصّة في الأمسيات، حين كنا نجلس نتسامر، ندخّن، ونشرب الشاي البارد الذي رفعناه من الصباح.

ثمّ ذات صباح، وبعد أن تناولنا إفطارنا، وأشعلنا سيجارتين، ورحنا نحلم بشوارع وسيارات ومقاهي ونساء، فتح باب الزنزانة واسعا، ووقف وراءه أحد السجّانين الذين كان يتلطّف معنا.

ضبوا أغراضكم!” قال السجان.

” إلى أين؟” سألته بتشكّك.

” بعدين بتعرف.”

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق