سياسة

تطورات عملية “نبع السلام في سورية -مقالات مختارة-

“نبع السلام” فرحة لم تتم/ علي العبدالله

تطوّرت العملية العسكرية التركية (نبع السلام) في شرق الفرات في سورية من السيطرة على مساحةٍ من الأرض السورية، جزر متباعدة بين رأس العين (كوباني) في محافظة الحسكة وتل أبيض في محافظة الرّقة، إلى الاتفاق على إيقاف العملية، بموجب الاتفاقين، التركي الأميركي (17/10/2019) والتركي الروسي (22/10/2019)، بعد الاعتراف لتركيا بمنطقة أمنية تحت سيطرتها بطول 120 كلم وعرض 32 كلم، هي المسافة بين المدينتين المذكورتين، وبعمق يصل إلى الطريق الواصل بين حلب والقامشلي، طريق إم 4، وانسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من كل المنطقة الحدودية السورية التركية بطول 450 كلم وعمق 32 كم ومن منبج وتل رفعت، أثارت عشرات الأسئلة وعلامات الاستفهام: ماذا حققت “نبع السلام” للسوريين؟ وما الثمن الذي دفعته الثورة السورية لتحقيق هدف تركي؟ وأي مستقبل لشرق الفرات بعد رش الملح على جرح الخلاف العربي الكردي، النازف أصلا، بإهراق الدماء، وتصعيد الأحقاد والكراهية؟ وأين أصبحت “وطنية” الجيش الوطني بعد غرقه في مستنقع الممارسات الوحشية والسرقة والنهب والاستيلاء على ممتلكات المواطنين؟ وماذا يعني منح تركيا هدايا لروسيا من حساب الثورة السورية واتفاقها معها حول عودة اللاجئين؛ بحيث تمكّنها من العودة إلى فتح ملف إعادة الإعمار وابتزاز الغرب والعرب للمساهمة فيه بمعزل عن طبيعة الحل السياسي المنتظر؟ أسئلة تكشف الكارثة التي لحقت بالثورة السورية؛ والهدية المسمومة التي قدّمتها تركيا للمعارضة السورية، السياسية والمسلحة، بدفعها إلى الانخراط في معركة تركية بذريعة محاربة الانفصاليين، حيث لم يلحظ أي من الاتفاقين دورا للحكومة السورية المؤقتة في إدارة المنطقة الأمنية، ولا دخول الجيش الوطني إلى منبج وتل رفعت.

لم تنجح تركيا بتحقيق هدفها الرئيس: إقامة منطقة أمنية من عين العرب (كوباني) إلى فيش خابور؛ عند تقاطع الحدود التركية السورية العراقية؛ بطول 450 كلم وعرض 32 كلم تحت سيطرتها وحدها؛ بل وجدت نفسها بين المطرقة الأميركية والسندان الروسي، وجنت ثمار لعبها على التناقضات الأميركية الروسية، عبر استخدام التقارب مع طرفٍ للضغط على الطرف الآخر، بانقلاب اللعبة عليها واضطرارها، في اللحظة التي كانت تتطلع فيها إلى جني مكاسب جمّة، لدفع الطرفين، في ضوء ضعف قدراتها السياسية والعسكرية، في مواجهة الطرفين، أو كل منهما على حدة؛ وتوجهات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ضد استمرار التدخل الأميركي المجاني في الخارج، وتغاضيه عن التمدّد الروسي في سورية؛ ما سمح للأخيرة بتحديد هامش حركة تركيا في سورية، والوجود على معظم الشريط الحدودي السوري التركي بالاتفاق معها.

صحيحٌ أن تركيا حققت مكسبا في نقطتين: الاعتراف بنفوذٍ لها شرق الفرات، المنطقة الأمنية بين رأس العين وكوباني وتل أبيض؛ والمشاركة بدورياتٍ مع القوات الروسية في بقية الشريط الحدودي بعمق 10 كلم، وإضعاف قوات “قسد” بإبعادها عن الشريط الحدودي مسافة 32 كلم، وسحب السلاح الثقيل منها، على فرض تنفيذ هذا البند في الاتفاق الأميركي التركي، واعتبار مشروعها، وفق ما ورد في الاتفاق مع روسيا، حالة انفصالية يجب “تعطيلها”، ما دفع وزير الخارجية التركي، ميلود جاويش أوغلو، إلى التباهي بتحقيق نصر سياسي ودبلوماسي، بعقد اتفاقين مع الولايات المتحدة وروسيا في خمسة أيام. إلا أنها دفعت، وستدفع، ثمنا باهظا لهذه المكاسب الهشّة، أولها دخول روسيا والنظام إلى منطقة شرق الفرات، وثانيها الكلفة العسكرية والاقتصادية التي ستتحمّلها لمراقبة المنطقة الأمنية الواسعة، خصوصا أن الاتفاقين لم يحققا طلبها تفكيك “قسد”، أو إخراجها من المعادلة، حيث بقي الجزء الأعظم من قواتها سليما، ما يسمح بالافتراض بمواصلتها العمل ضد الوجود التركي على الأرض السورية، فالعملية العسكرية التركية، بضحاياها من العسكريين والمدنيين الكرد، وما ترتب عليها من دمار ونزوح، قد عزّزت قناعات الكرد بعداء تركيا كل ما هو كردي، وصعّدت مشاعر المظلومية وذكرياتها السوداء؛ ما خلّف تعاطفا والتفافا حول الإدارة الذاتية و”قسد” ومنحها المبرّر والشرعية لأي عمل ستقوم به مستقبلا، واحتفاظ الأخيرة بدورٍ في شرق الفرات: حماية النفط والغاز وملاحقة خلايا “داعش” النائمة، ما يبرّر استمرار الشراكة الأميركية معها، في ضوء الحاجة إليها بعد قرار الرئيس الأميركي، ترامب، الاحتفاظ بالسيطرة على آبار النفط والغاز، وحمايتها ودعمها عسكريا، حمايتها متضمنة في البند السادس من الاتفاق التركي الأميركي، ونصه “تتفق تركيا والولايات المتحدة على أن عمليات مكافحة الإرهاب يجب أن تستهدف فقط الإرهابيين وملاجئ مخابئهم ومواقعهم والأسلحة والمركبات والمعدات الخاصة بهم”، إذ معلومٌ أن الولايات المتحدة، على عكس تركيا، لا تعتبر “قسد” منظمة إرهابية.

هذا بالإضافة إلى احتمال تحرّك إيران المضاد على خلفية تجاهل وجودها ومصالحها في الاتفاقين، التركي الأميركي والتركي الروسي؛ وتحفظها السابق على العملية العسكرية؛ وعلى تزايد النفوذ التركي على الأرض السورية، من خلال التشويش على الاتفاقين بدفع جيش النظام إلى صدام عسكري مع الجيش التركي، للتذكير بعدم شرعية وجوده على الأرض السورية، والتضييق على الوجود التركي هناك، والتأكيد الروسي الدائم على الطابع المؤقت للوجود العسكري التركي في عموم سورية، ما يعني أن أنقرة قد تواجه قريبا قوى كثيرة تتفق، كل لحساباتها الخاصة، على محاصرتها والضغط عليها. كان الممثل الأميركي الخاص في سورية، جيمس جيفري، قد قال للصحافيين على متن طائرة وزير الخارجية مايك بومبيو: “نحن حذّرنا تركيا من هذه العملية، لأننا كنا نخشى أن تتعامل “قسد” مع النظام وتغيّر الوضع في المنطقة، وهذا ما حدث، ونحن لن نوقف تدخل قوات الأسد في مناطق “قسد”. علاقتنا محصورة بـ “قسد” وتركيا فقط”.

يبقى الجزء الأكثر إيلاما وخطورة ما ترتب على العملية العسكرية من أضرار على العلاقات العربية الكردية عامة، وعلى أفق العلاقات بين مؤسّسات المعارضة السورية السياسية (الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والهيئة العليا للمفاوضات)، والعسكرية (الجيش الوطني) خصوصا، في ضوء مباركة هذه المؤسسات للعملية ومشاركة الجيش الوطني فيها، ما كرّس القطيعة وأسّس للصدام على خلفية الانتقام مما حصل خلال أيام القتال.

كان على المعارضة السورية، السياسية بخاصة، التعاطي مع الموقف بصورةٍ مختلفةٍ تماما، حيث كان الواجب الوطني والمنطق السياسي السليم يستدعيان إلى تجنّب تكريس القطيعة والعداوة مع مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، واستثمار التصعيد السياسي والتحشيد العسكري بينها وبين تركيا في كسر الجمود السياسي والتحاور معها على حل وطني سوري، يبدأ مثلا بدعوتها إلى المشاركة في هيئة التفاوض واللجنة الدستورية، تساعدها فيه على النزول عن الشجرة التي علقت عليها، بطرحها عالي السقف ومطالبها المستحيلة، ومدّ حبل النجاة لها، ولمشروع الثورة السورية في آن، بتجنيب الطرفين الغرق في تبعات حربٍ بين العرب والكرد في معركةٍ هي تركية بامتياز، والتعاطي مع حليفها التركي على قاعدة أصحاب القضية وأم الولد. .. كان القائد الفلسطيني، ياسر عرفات، قد وضع قاعدة للتعاطي مع ضغوط الدول العربية التي تسعى إلى استتباعه مفادها: “نحن أصحاب القضية، فلا تسألونا أنتم مع من بل قولوا لنا هل أنتم معنا”. والتفاهم معها على تفكيك المعادلة من دون حرب تعمّق القطيعة وتزيد الجراح السورية، وعلى إعطاء فرصة للسياسة والدبلوماسية على الحوار بينها وبين “مسد” يتوصل إلى حلٍّ يلبّي بعض مطالب الطرفين، ويخرج الموقف من عنق الزجاجة بالاتفاق على حلٍّ يوحد الجهود، ويضعها في خدمة حل سياسي شامل، ينهي، في الوقت نفسه، هواجس الأتراك ومخاوفهم. “مسد” بدورها ارتكبت خطأ فادحا عندما لم تضع في تصوّرها التوجه إلى مؤسسات المعارضة وقواها لتخفيف التوتر والانخراط في حوار معها، بحثا عن مخرج توافقي، كانت فرصتها باستثمار وجود المجلس الوطني الكردي في “الائتلاف” و”الهيئة” كبيرة لكسر الجمود بين الطرفين، كان التلميح باستعدادها لمراجعة تصوّرها وخططها شرق الفرات كاف لفعل ذلك، لكنها مالت نحو الخيار القاتل باللجوء إلى روسيا والنظام، وهي تعلم تبعات ذلك على مشروعها، وعلى الثورة السورية، لم تنظر إلى الموقف بعين السياسي المتّزن، بل تصرفت على خلفية العداوة والبغضاء القائمة.

لقد قادت إدارة السياسة من المعارضة السورية، السياسية والعسكرية، و”مسد” على قاعدة “كل شيء أو لا شيء” إلى خسارة الطرفين، حيث أضاعت المعارضة السياسية فرصة رأب الصدع بالانخراط في حوار سياسي مع “مسد” لردم الفجوة وتقريب المواقف وتمهيد الطريق إلى حل سياسي شامل. وخسرت “مسد” فرصة حوار مع المعارضة السياسية، كانت تسمح بدخولها في العملية السياسية طرفا أصيلا؛ والعمل على تحقيق بعض تطلعات الكرد عبر توافق وطني سوري.

العربي الجديد

———————–

حقائق قاسية عن الاتفاق الأميركي التركي حول سورية

أثار قرار إدارة ترامب سحب القوات الأميركية، من أجزاء من شمال شرق سورية الخاضع للسيطرة الكردية، لإفساح المجال لغزو تركي للمنطقة، ضجةً. هناك أسباب عديدة توضح أسباب موجة الانتقادات لخطوة واشنطن، بما في ذلك المواقف الحزبية تجاه الرئيس، ووجهة نظر جزئية عن رقعة الشطرنج السورية المعقدة[1]، وسوء فهم لدور القوات الأميركية والكردية في سورية، وفشل في مراعاة الإستراتيجية الأميركية الأوسع نطاقًا. مع استقرار العاصفة، هناك حاجة إلى تفكير واضح حول البحث في الأسباب التي أدت إلى هذه اللحظة، وما يجب القيام به لتخفيف التكاليف ومنع حدوث فراغ أمني. يجب أن تتأكد إدارة ترامب من أن تركيا ستتوصل إلى تفاهم مع الأكراد السوريين، وأن المكاسب التي تحققت ضد (داعش) لن تضيع.

بعد محادثة هاتفية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، أصدر السكرتير الصحفي للبيت الأبيض إعلانًا ليلة الأحد، بأن تركيا ستنفذ قريبًا عمليتها العسكرية المخطط لها منذ مدة طويلة في شمال شرق سورية[2]، وأن القوات الأميركية ستخرج من المنطقة. أوضح البيان كذلك أن الأتراك سيكونون مسؤولين عن جميع مقاتلي (داعش) الذين تم أسرهم خلال العامين الماضيين. صباح يوم الاثنين، غرّد ترامب: “إن الولايات المتحدة لن تتورط في صراعات مفتوحة، ولن تقاتل إلا من أجل المصلحة الأميركية، وحيث يكون النصر ممكنًا”. وقال: “إن على تركيا وأوروبا وسورية وإيران والعراق وروسيا والأكراد معرفة الوضع الآن”.

النقد والقيود

أثارت هذه الخطوة انتقادات شديدة[3]، لأسباب مختلفة: أولًا، لأن النقاد يصفون القرار بأنه خيانة للأكراد السوريين. ثانيًا لأن هذه الخطوة ستسهل عودة داعش. ثالثًا لأنها ستسمح لإيران بترسيخ نفسها في سورية. كل هذه الحجج صحيحة، جزئيًا، والعواقب المحتملة لقرار واشنطن ليست حتمية.

الضحية الأولى الناتجة عن النقد الحزبي هي غياب التحليل الموضوعي والصادق للوضع، خاصةً عندما يخرج النقد من المسؤولين الحكوميين السابقين المعارضين للبيت الأبيض ضد قرار معين. في حالة إدارة ترامب، تضاعفت هذه الديناميكية كثيرًا بسبب المشكلات المتعلقة بالسمعة وسجل التتبع، وعدم القدرة على التعبير المتسق عن الإستراتيجية وخيارات السياسة الأميركية. في هذه المعمعة، ما يضيع هو أن هناك اختلافًا بسيطًا للغاية في السياسة من إدارة إلى أخرى، وتدور معظم الاختلافات، عادةً، حول كيفية تطبيق السياسة.

غالبًا ما ننسى أن القيود التي تواجهها الولايات المتحدة، بشأن أي قضية متعلقة بالسياسة الخارجية، لا تتغير من إدارة إلى أخرى. لهذا السبب لم تكن إدارة أوباما مهتمة بالتورط في سورية، فسورية بلد محطم، وبالتالي من الصعب للغاية التعامل معها. وأن العمل مع أي طرف، أو وفق أصحاب المصلحة، يؤدي حتمًا إلى مشكلات مع طرف آخر. ومع ذلك، ليس بالضرورة أن تكون محصلة اللعبة صفرًا.

حسابات واشنطن

لطالما أرادت الولايات المتحدة من تركيا أن تأخذ زمام المبادرة، في إدارة تهديد داعش والصراع السوري الأوسع. حاولت إدارة أوباما القيام بذلك، ولكن كانت هناك خلافات استمرت حتى وصول ترامب إلى البيت الأبيض؛ ذلك أن قتال (داعش) بالنسبة إلى الأتراك، يأتي تاليًا لمواجهة الأكراد. الآن، بعد أن أضعفت الولايات المتحدة -من خلال تحالفها التكتيكي مع الأكراد السوريين – قوةَ (داعش)، كانت بحاجة إلى إصلاح علاقتها الاستراتيجية مع الأتراك. كان على واشنطن أن تجد طريقة لتحقيق هدفها الأصلي المتعلق بتركيا، وهو ما ناقشتُه في مقالة سابقة[4] منذ ما يزيد قليلًا عن عام مضى: ما ثمن الاعتراف بالضرورات التركية تجاه سورية[5].

بعد التدخل العسكري الأميركي عام 2003 في العراق، توصل الأتراك إلى ترتيب مع الأكراد العراقيين، على الرغم من أنهم عارضوا ذلك بشدة. وبالمثل، سوف يقبلون في نهاية المطاف شكلًا محدودًا من الحكم الذاتي للأكراد السوريين، ولكن ليس حتى تشعر أنقرة بالراحة، وبأن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وجناحه العسكري ووحدات حماية الشعب، لا يشكّل تهديدًا على تركيا. إن فكرة أن الاتفاقية مع تركيا ترسل رسالة خاطئة إلى حلفائنا الذين حاربوا داعش، في الحقيقة ليست مجرد حجة، لأن هؤلاء الحلفاء سيقاتلون داعش على أي حال. في الواقع، من خلال وضع المسؤولية على الجهات الفاعلة الإقليمية، تحاول واشنطن إيصال فكرة أن الولايات المتحدة لن تقوم دائمًا بالعبء الثقيل، عسكريًا وماليًا، في الصراع.

بالطبع، هناك خطر كبير من أن يسهّل الصراع التركي الكردي عودة داعش. ولكن ليس بالضرورة. حيث تتمتع واشنطن بنفوذ كافٍ مع كلا الجانبين، للتوصل إلى ترتيب بين أنقرة والأكراد السوريين. من الجدير بالذكر أن الرئيس ترامب حذر تركيا من المضي بعيدًا في تدخلها العسكري المخطط، كما أن الأكراد السوريين كانوا يعتمدون منذ مدة طويلة على واشنطن لإدارة التهديد التركي.

طبيعة العلاقة الأميركية الكردية

في غياب صفقة مع الأتراك، كان الأكراد الوكيل الطبيعي للولايات المتحدة لمحاربة داعش، بسبب العامل الجغرافي إلى حد كبير. لكن أميركا لم تعتبر الأكراد مقاتلين دائمين لداعش، على المدى الطويل في استراتيجيتها، لأن المناطق التي كان يسيطر عليها في السابق الجهاديون كانت ذات أغلبية من العرب السنّة، ووضع هذه المناطق تحت السيطرة الكردية سيُعيد خلق الظروف ذاتها التي استغلتها (داعش) للاستيلاء على تلك الأرض. صحيح أن تركيا ليست عربية، لكنها سنّية، وتتمتع بدرجة كبيرة من النفوذ بين العرب السنة السوريين الذين ليس لديهم راعٍ آخر قادر على حماية مصالحهم ضد نظام سوري، وتأثير متزايد إيراني/ شيعي.

من الناحية الجيوسياسية الموضوعية البحتة، فإن تركيا، على عللها، هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي لديها القدرة على التدخل في سورية. إنها أيضًا حليف للناتو، لا تستطيع واشنطن أن تخسرها أمام موسكو. لقد ابتعدت تركيا بالفعل عن الغرب، على العديد من المستويات المختلفة، وستواصل الانجراف، ما لم يتم التعامل معها. في هذه المرحلة، يبدو أن المصالح الأميركية والتركية تتقارب، من حيث إن أنقرة تريد أن تلعب دورًا رئيسًا في سورية والمنطقة، والولايات المتحدة بحاجة إلى تركيا للقيام بذلك.

لقد مثّل الأكراد السوريون جوهر الخلاف الأميركي التركي، الذي كان لا بد من حله. يدرك الأكراد أنفسهم أن الأميركيين لم يروهم كبديل لتركيا. لقد أدركوا أن لهم علاقة تكتيكية مع واشنطن ضد داعش، وأن الولايات المتحدة كانت لديها قضايا أكثر استراتيجية، وأن معالجتها توجب العمل مع تركيا. على سبيل المثال، كانت إيران المستفيد الأكبر من هزيمة داعش.

تركز الولايات المتحدة بشدة على مواجهة طموحات طهران التوسعية. من نواح كثيرة، تمثل إيران تهديدًا أكبر من داعش. وتُعدّ تركيا منافسًا طبيعيًا لإيران، واللاعب الإقليمي الوحيد القادر على عرقلة مشروع الجمهورية الإسلامية، ولكن بشرط أن تتمكن

من لعب دور رئيس في سورية. كان قرار واشنطن هذا الأسبوع هو الخطوة الأولى نحو هذا الهدف.

احتاجت الولايات المتحدة إلى إدخال تركيا إلى سورية، وهي تنتقل من الهدف المباشر المتمثل في هزيمة داعش، إلى قضايا الاستقرار الأكثر تعقيدًا، والتعامل مع نظام الأسد، ومواجهة إيران وروسيا. كل هذه القرارات السياسية محفوفة بالمخاطر. في الوقت الحالي، يجب على إدارة ترامب ضمان عدم وجود صراع بين القوات الكردية والتركية والسورية. إن تحقيق تفاهم، بين أنقرة والقوات التي يقودها الأكراد في شمال شرق سورية، سوف يقطع شوطًا طويلًا نحو إبقاء (داعش) في وضع حرج، ويساعد في اتجاه معالجة القضايا الأوسع المتعلقة بسورية والمنطقة.

العنوان الأصلي للمقالة             Hard Truths About the U.S.-Turkey Deal on Syria

الكاتب             كامران بوخاري

المصدر             المركز العالمي للسياسات

الرابط               https://www.cgpolicy.org/articles/hard-truths-about-the-u-s-turkey-deal-on-syria/

المترجم           محمد شمدين

[1] A Syria Strategy Based on Battlespace Realities: https://www.cgpolicy.org/articles/a-syria-strategy-based-on-battlespace-realities/

[2] Statement from the Press Secretary: https://www.whitehouse.gov/briefings-statements/statement-press-secretary-85/

[3] GOP Allies Criticize President Trump’s Syria Withdrawal Announcement: https://time.com/5694306/trump-syria-troops-criticism/

[4] Towards A New U.S. Turkey Policy https://www.cgpolicy.org/articles/towards-a-new-u-s-turkey-relationship/

[5] https://www.youtube.com/watch?v=h1S6fPynhF0

——————————————-

الجزيرة السورية والمسألة الكردية وسياسات آل الأسد/ رشيد حاج صالح

لا يمكن النظر إلى التطورات الدراماتيكية التي تمر بها الجزيرة السورية، منذ بداية الثورة عام 2011 حتى اليوم، إلا بوصفها امتداد لصراعات وحساسيات سياسية تعود لمرحلة ما قبل الثورة، سببتها سياسات النظام الأسدي، الذي كان يعتقد أنه يستطيع استخدام الورقة الكردية للضغط على تركيا. اليوم انقلب السحر على الساحر وانتقل الصراع التركي مع حزب العمال الكردستاني إلى داخل سورية، ودخلت معه الجزيرة السورية مرحلة إعادة حسابات جديدة لم تعشها منذ أيام الحرب العالمية الأولى.

بالرجوع إلى أصل المسألة لم يكن للقضية الكردية أي وجود يذكر قبل عام 1925, حيث كانت غالبية العشائر الكردية مسلمين سُنّة مثلهم مثل العشائر الكبرى الأخرى التي تعيش في منطقة الجزيرة السورية. ولكن عندما بدأت السلطنة العثمانية بالتفكك والتراجع بعد الحرب العالمية الأولى راحت إنكلترا وفرنسا تقتسمان المنطقة، وتعيدان تشكيلها من جديد. على الرغم من أن الأكراد توقعوا بأن يحصلوا على دولة مستقلة، مثل بقية شعوب المنطقة، إلا أن الذي حصل أن الدولة الكردية لم تخرج إلى الوجود بسبب سياسات المصالح بين تركيا وفرنسا، حيث خسر الأكراد دولتهم المنشودة وخسرت سورية أجزاءً واسعاً من مناطقها الشمالية لصالح تركيا، كان آخرها لواء إسكندرون. طبعاَ لم يقبل الأكراد بتجاهل مطالبهم وتوالت انتفاضاتهم لكنهم لم يحصلوا على ضالتهم. يذكر أن فكرة إقامة دولة كردية، تكون الجزيرة السورية من ضمنها، كانت فكرة فرنسية ومطلبا كرديا في نفس الوقت. الفرنسيون كانوا يريدون إقامة كيان كردي لمواجهة الأتراك، الذين أخذوا يماطلون في ترسيم الحدود السورية التركية من جهة، وبغية مواجهة تحدي الثورات السورية المتلاحقة، ولا سيما الثورة السورية الكبرى 1925, من جهة ثانية.

أما سورية، في مرحلة ما بعد الاستقلال، فلم يكن لها علاقة مباشرة بالصراع التركي الكردي، باستثناء حركات النزوح التي كانت تتسبب بها حملات الجيش التركي ضد الأكراد المطالبين بدولة مستقلة. حركات النزوح تلك دفعت بعض الحكومات السورية آنذاك لتوطين بعض العرب في منطقة رأس العين حتى لا يشكل الأكراد أغلبية مطلقة. حافظ الأسد هو من دخل على خط الصراع الكردي / التركي عندما بدأ بدعم حزب العمال الكردستاني، العدو اللدود للحكومات التركية منذ أواخر سبعينات القرن العشرين.

فكرة تبني حزب العمال الكردستاني ودعمه ضد تركيا، من قبل حافظ الأسد، تعود إلى أسباب نفسية وليس لها أي مردود مُجد في حسابات السياسة. تركيا دولة علمانية وقوية، وتتطلع لتكون جزء من أوربا، مثلما هي جزء من حلف الشمال الأطلسي، وليس من مصلحة سورية الدخول في نزاع معها، سيما وأن القضية الكردية كانت قضية ذات حساسية كبيرة، لدرجة أن تركيا مستعدة أن تدخل في صراع حتى العظم مع من يلعب بهذا الملف. يضاف إلى ذلك أن مسألة اقتسام مياه نهر الفرات لم تكن في صلب اهتمامات الأسد، حيث تعد المشاريع الزراعية المقامة على نهر الفرات في الرقة مثالاً لا يضاهيه مثال في الفساد وهدر مياه.

في عام 1998 قررت تركيا غزو شمال سورية للقضاء على حزب العمال الكردستاني في الجزيرة السورية، ولكن وساطة مصرية هدأت الأمور في حينها، وخضع الأسد لجميع الشروط التركية، حيث وقعت اتفاقية أضنة المعروفة، والتي تعطي صلاحيات للجيش التركي بالتوغل داخل الأراضي السورية لمسافة 5 كيلو مترات لملاحقة الفصيل الكردي المسلح، مثلما قبل الأسد أيضاً بالتخلي عن المناطق الحدودية المتنازع عليها.

بعد عام 2011 تخلى النظام الأسدي عن غالبية مناطق الجزيرة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي PYD، غير أن الأخير دخل في صراع مسلح مع تنظيم الدولة الإسلامية، أسفر عن تدمير عدد كبير من القرى والبلدات التي تقطنها أغلبية كردية، إلا أن دعم التحالف الدولي مكن الحزب المذكور من دحر تنظيم الدولة والبدء بتأسيس كيان سياسي جديد يقوم على الإدارة الذاتية والإشراك الشكلي للسكان المحليين في حكم مناطقهم.

غير أن تركيا فهمت من ذلك أن الحزب الكردي سيجعل من هذا الكيان بداية لتأسيس دولة كردية في المستقبل، الأمر الذي ترفضه تماماً. ولذلك قررت تركيا الدخول مرة ثانية إلى الجزيرة السورية، وترتيب هذا الدخول مع الولايات المتحدة عبر اتفاق 17 أكتوبر، ثم مع الروس عبر تفاهم 22 أكتوبر.

ما يريد أن يقوله التاريخ هنا أن القضية الكردية بوضعها الحالي في سورية هي من إنشاء حافظ الأسد وعبد الله أوجلان. حتى أن التحالف بين الرجلين كان قائماً على أن القضية الكردية هي قضية تركية فقط، وعلى هذا الأساس أمد الأول الثاني بالسلاح ومعسكرات التدريب. ولكن بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011 قرر النظام الأسدي وقادة جبل قنديل إحياء التعاون القديم غير أن الوضع اليوم مختلف. ذلك أن ترك نظام الأسد مناطق واسعة من الجزيرة السورية لحزب PYD جعلهم يفكرون في توسيع طموحاتهم السياسية، ثم إنشاء تحالفات دولية مع دول فاعلة، كان على رأسها الولايات المتحدة، التي دعمتهم ثم تخلت عنهم بعد ذلك.

يذكر أن غالبية أكراد سورية شاركوا بهمة عالية في الفعاليات السلمية للثورة، وكانت مطالبهم لا تختلف في شيء عن مطالب السوريين عموماً في الحرية والكرامة، ولذاك كانوا ينتظرون الدولة الجديدة ليبنوها مع بقية السوريين، دولة مدنية تمنحهم كامل حقوقهم السياسية والثقافية. إلا أن لجوء حزب الـ PYD إلى فرض نفسه بالقوة على الساحة السياسية الكردية، والاستقواء على باقي الأحزاب الكردية جعله المتحكم الوحيد بالورقة الكردية على أرض الواقع. هكذا ادخل هذا الحزب الأكراد السوريين في صراعات ليس لهم علاقة مباشرة فيها كما فعل حافظ الأسد بهم نفس الأمر في ثمانينات القرن المنصرم.

اليوم دخلت الجزيرة السورية في مرحلة إعادة تشكل من جديد وسط صراع عسكري ووجود قوات من روسية وأمريكا وإيران وتركيا وفرنسا، ناهيك عن قوات النظام. صراع جلبه عليها سياسات قاصرة وحسابات لا تمت للواقع بصلة، ولا دخل لأهل المنطقة فيها.

تشير سيارات الأغنام التي أقلت جنود الأسد إلى أن النظام تفاجأ بطلب مظلوم عبدي للمساعدة ولم يكن لديه أي خطط مسبقة، مثلما يشير الاتفاق الكردي مع النظام السوري إلى أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي سيترك المنطقة لمصيرها المجهول، وسيكون تحت رحمة النظام والروس، أما التفاهم التركي الروسي فيشير إلى أن الروس سعيدون ترتيب علاقتهم مع تركيا على حساب أهل الجزيرة السورية من عرب وكرد، أما الاتفاق الأميركي التركي فهو مجرد ضمان لمنع حصول مجازر وحملات تطهير واسعة ضد الأكراد قد تحرج الحكومات الغربية, مع تقديم النفط السوري كجائزة ترضية للـ PYD.

بروكار برس

———————

شرق الفرات: تداخلات عسكرية ومساومات سياسية/ رانيا مصطفى

تشهد منطقة شرق الفرات تغيّرات مستمرّة في تموضع القوات العسكرية المختلفة للأطراف الفاعلة على الأرض: أميركا وروسيا وتركيا والجيش الوطني المعارض وجيش النظام وقوات سوريا الديمقراطية، وسط مناوشات عسكرية، خاصة حول بلدة تل تمر الاستراتيجية في ريف الحسكة الشمالي، بالقرب من الحدود السورية الشمالية، الواقعة على مفترق طرق منها طريق الحسكة- رأس العين، والطريق الدولي أم 4 القادم من حلب إلى الحسكة والقامشلي، إضافة إلى عودة القوات الأميركية إلى المنطقة، للتمركز حول حقول النفط في ريفي الحسكة ودير الزور.

التموضعات العسكرية الجديدة تسير بالتوازي مع خطوط المساومات السياسية المختلفة: التنسيق الأميركي- التركي الذي بدأ مع بداية أكتوبر الماضي، والمساومات التركية- الروسية المبنية على مذكرة تفاهم سوتشي في الـ22 من الشهر الماضي، ووساطة روسية بين النظام من جهة، وكل من تركيا وقوات سوريا الديمقراطية، بشكل منفصل.

وذلك مع تغير شبه أسبوعي في الاستراتيجية الأميركية تجاه سوريا، وتجاه استمرار دعمها قوات سوريا الديمقراطية، وتأهب عسكري تركي مع عدم ثقة بالطرفين الروسي والأميركي، ومخططات تركية لعودة اللاجئين إلى المنطقة الآمنة، ورغبة روسية في الإمساك بكل الخيوط السورية، واستعجال لاستعادة سيطرة النظام على موارد الطاقة، وسعي النظام لضم الوحدات الكردية إلى جيشه وفق مبدأ المصالحة الذي طبقه مع معارضيه في مناطق التسوية، وتمسك كردي بالإدارة الذاتية لتكون عودتها إلى دائرة النظام وفق تسوية سياسية أممية تحفظ لها خصوصيتها، وخضوع كلي للأجندات التركية من “الجيش الوطني” السوري، المعارض للنظام، فيما لا مكان لإيران وميليشياتها شرق الفرات.

جغرافياً، وحتى الساعة، ارتسمت حدود المنطقة الآمنة، التي اتفق الروس والأميركان على منحها لتركيا، بطول 100 كيلومتر، بين مدينتي تل أبيض ورأس العين، وعمق 30 كيلومتراً من الحدود مع تركيا، أي حتى الطريق الدولي أم 4.

وسيرت روسيا دورية جديدة، هي السادسة، مؤلفة من ثلاث آليات عسكرية روسية، وسيارات لقوات الأسايش التابعة للإدارة الذاتية، من مدينة القامشلي، باتجاه مدينة عامودا شمال الحسكة، في إطار الاتفاق الروسي- التركي المبرم في 22 أكتوبر الماضي، والذي كان قد نصّ على أن تقوم الشرطة العسكرية الروسية بإخراج عناصر قوات سوريا الديمقراطية وأسلحتهم حتى 30 كيلومتراً من الحدود التركية، وإخراج عناصر الوحدات الكردية من منبج وتل رفعت في ريف حلب.

تتأهب تركيا والفصائل السورية التابعة لها، بحجة استعدادها للهجوم إذا لم تنسحب الوحدات الكردية من المنطقة الآمنة، لكن المطامح التركية تريد التوسع شرقاً، لتشمل سيطرتها بقية الحدود بطول 440 كيلومترا، فيما المقترح التركي إعادة اللاجئين السوريين إلى المنطقة الآمنة، ما زال يفتقد إلى التأييد والدعم الدوليين.لاقت تبعية الجيش الوطني المعارض لتركيا استهجاناً كبيراً في الوسط السوري المعارض، مع تسليم تركيا 18 أسيرا من قوات النظام إلى روسيا، دون مقابل إخراج معتقلين، أي وفق اتفاق روسي- تركي، في حين أن سكان مناطق المعارضة في إدلب يرون أنه من الأفضل أن يوجه الجيش المعارض قواه لردع النظام عن التقدم شمالاً في ريف حماه وإدلب، وأن يتولى مهمة إنهاء ملف هيئة تحرير الشام والفصائل الجهادية غير السورية، حتى لا تكون ذريعة لروسيا والنظام، وخاصة أن أبوبكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش كان مختبئاً في منطقة حدودية مع تركيا ضمن محافظة إدلب، قبل مصرعه بعملية عسكرية أميركية، ما يفتح الباب أمام قوات التحالف أيضاً لاستباحة المنطقة بحجة محاربة الإرهاب.

كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد أعلن في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر الماضي، الانسحاب من سوريا؛ وانسحبت قواته من القواعد الأميركية، ثم أعلنت واشنطن مؤخراً إرسال تعزيزات لحماية حقول النفط والغاز. فقد عبر رتل كبير من القوات الأميركية، برفقة عناصر كردية، مدينة تل تمر باتجاه الطريق أم 4، إلى قاعدة صرين قرب عين العرب/ كوباني، التي لا تزال تحت سيطرة الوحدات الكردية، بعد أن دخلتها مؤخراً وحدات من النظام والشرطة العسكرية الروسية.

وكذلك سيرت القوات الأميركية، للمرة الأولى، دورية في المنطقة الممتدة بين الرميلان والقحطانية، شرقي القامشلي، حيث توجد آبار النفط، وحقول البترول في الرميلان هي الأهم في سوريا. ويبدو أن واشنطن قررت البقاء في الجهة الشرقية من الحدود السورية الشمالية، ومنع روسيا وجيش النظام من الانتشار شرق القامشلي.

وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية إرسال تعزيزات إلى منطقة دير الزور، للتموضع في محيط حقول النفط والغاز، بحجة منع الإرهاب من الوصول إليها.

طالما أن الإدارة الأميركية لم تحسم أمرها بالانسحاب من شرقي سوريا، وما زالت تقدم الدعم العسكري لحلفائها المحليين على الأرض من قوات سوريا الديمقراطية، فإن الأخيرة ستبقى تراهن على استمرار هذا الدعم، ما يقوي موقفها تجاه رفع سقف شروطها بالانضمام إلى جيش النظام، وتجاه التوجه كلياً إلى الحضن الروسي، خاصة مع بقاء سيطرتها واستفادتها من منابع النفط والغاز في المنطقة، وبحماية أميركية.

وهي تتمسك بمطلب إدارة ذاتية، أو لامركزية موسعة، تشمل استقلالاً اقتصادياً بدرجة معقولة؛ ومع المنع الأميركي من استفادة النظام من منابع الطاقة، يبدو أن أي تقارب مع دمشق مرهون بحل سياسي للمنطقة، توافق عليه واشنطن، وبالتالي هو أيضاً مرتبط بحل شامل للملف السوري، يتوافق عليه الروس والأميركان.

روسيا كانت سعيدة بقرار الانسحاب الأميركي مطلع الشهر الماضي، وبالتنسيق العالي مع واشنطن والسماح لقواتها ولقوات النظام بعبور نهر الفرات شرقاً، بعد أن كان ممنوعاً عليها منذ سنتين. لكنها أصيبت بالخيبة مجدداً مع احتفاظ الولايات المتحدة بالسيطرة على حقول النفط، التي كانت تريد استعادة سيطرة النظام عليها للخروج من أزمة انهياره الاقتصادي، وتمكنه من تسديد الديون الروسية والمضي بمشاريع الاستثمار للعقود الموقعة مع الجانب الروسي.

ورغم التزام موسكو بعدم السماح لطهران وميليشياتها بالاقتراب من مناطق شرق الفرات، لا تزال تواجه التعنت الأميركي تجاه تمرير الحل الروسي لسوريا، المتمثل في الاحتفاظ الأميركي بمنابع الطاقة، ضمن مخطط الحصار الاقتصادي والعقوبات التي تفرضها واشنطن على حكومة النظام. وبالتالي لا قيمة عملية لما يجري في جنيف بخصوص عقد اللجنة الدستورية، والعمل على كتابة دستور جديد، طالما أن التوافقات الروسية الأميركية، والمساومات على الملفات غير السورية أيضاً، لم تصل إلى درجة حسم الملف السوري سياسيّا وعسكريّا.

كاتبة سورية

العرب

———————-

هل ستنسق تركيا مع الأسد ضد “وحدات الحماية”؟/ فراس فحام

منذ أن بدأت تحركات تركيا السياسية والعسكرية ضد الكيان الانفصالي الذي تعمل “وحدات الحماية” على تأسيسه شمال شرق سوريا وصولاً إلى شمالها الغربي على مقربة من الحدود التركية، ظهر رأي متصاعد يعتقد بأن أنقرة ستقبل في لحظة ما التنسيق مع نظام الأسد ضد الوحدات المرتبطة بقيادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل بالعراق، واستدل أصحاب هذا الرأي على صحة وجهة نظرهم بما حصل في العراق، حيث فضلت تركيا التنسيق مع “الحكومة المركزية” من أجل تنفيذ عملياتها في “جبال قنديل”، معتبرين أنه لو تم حصر خيارات أنقرة بين وحدات الحماية ونظام الأسد، فإنها ستختار إعادة العلاقات مع الأخير.

للوهلة الأولى يبدو أن هذه الفرضية منطقية وواقعية، على اعتبار أنها ستضمن لتركيا التخلص من مشروع يهدد أمنها القومي ووحدة أراضيها، إلا أنها تغفل سياقات تاريخية مهمة لا بد من النظر إليها عند الحديث عن العلاقة بين تركيا ونظام الأسد، حيث ارتبط حزب العمال الكردستاني وزعيمه “عبد الله أوجلان” بعلاقات متينة مع نظام الأسد الأب منذ عام 1979 عندما دخل “أوجلان” الأراضي السورية ليعقد فيها المؤتمر الأول عام 1981، ثم المؤتمر الثاني عام 1982 الذي جرى من خلاله إعلان الحزب للعمل المسلح ضد تركيا انطلاقاً من الأراضي السورية من أجل تأسيس دولة كردستان الموحدة التي يجب أن يحكمها نظام اشتراكي، وهو النظام السياسي والاقتصادي الذي يتبناه حافظ الأسد.

وتوجت العلاقة بين “العمال الكردستاني” و نظام الأسد بافتتاح معسكرات تدريبية للحزب عام 1992 في مناطق ( صحنايا – شبعا – النشابية) بريف دمشق، تم من خلالها تدريب المئات من كوادر “العمال الكردستاني”، الذين اشتركوا لاحقاً في العمليات العسكرية ضد الجيش التركي، التي استمرت من عام 1984 حتى عام 1999، وسعى النظام خلال تلك الفترة الزمنية لتأسيس كيان كردي سوري مرتبط بـ “العمال الكردستاني” بزعامة ضابط  كردي مُنتمٍ للاستخبارات السياسية ويدعى “مروان زركي”، وتنصيب معاون له وهو : صالح مسلم الذي تزعم لاحقاً حزب الاتحاد الديمقراطي.

وعندما تم اعتقال “أوجلان” من قبل الاستخبارات التركية في العاصمة الكينية “نيروبي” عام 1999، أوقف حزب العمال الكردستاني العمليات ضد أنقرة وسحب عناصره من الأراضي التركية، مما شكل إحراجاً لنظام الأسد الأب الذي استثمر في هذا الصراع لعقدين من الزمن من أجل استنزاف تركيا، الأمر الذي أجبر النظام على إغلاق معسكرات الحزب بريف دمشق، والتوقيع على اتفاقية “أضنا” التي تتيح لتركيا التوغل بعمق 5 كيلومترات داخل الأراضي السورية من أجل محاربة التنظيمات الإرهابية، وقبل النظام بالاتفاقية بعد تلويح أنقرة بالخيار العسكري وحشدها لألوية عسكرية على حدودها الجنوبية مع سوريا.

تعرض حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني) في الفترة الممتدة بين عام 2003 و 2011 لقمع من النظام السوري، حيث جرى اعتقال أكثر من 1000 عضو عاملين في الحزب، إلا أنه ومع انطلاقة الثورة السورية في آذار/ مارس عام 2011، بدأ الصراع بين حزب الاتحاد الديمقراطي ونظام الأسد يتراجع تدريجياً، إلى أن تفاهم الطرفان في حزيران / يونيو عام 2012 ضمن

اجتماع في مدينة حلب على ترك النظام الأحياء الكردية في حلب والشريط الحدودي شمال شرق سوريا لإدارة حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه المسلح “وحدات الحماية”، على أن يلتزم الأخير بمنع أي نشاطات مناهضة لنظام الأسد في تلك المناطق، وأن ينسق الطرفان ضد تركيا التي تصاعد دعمها لثورات الربيع العربي وخاصة الثورة السورية.

ولعبت إيران دوراً مهماً في توطيد العلاقة بين حزب العمال الكردستاني ونظام الأسد، حيث مارست بعض الضغوط على الحزب في عام 2011 كقصف مواقعه في “جبال قنديل”، واعتقال رئيس اللجنة التنفيذية “مراد قره إيلان”، واشترطت تعاون “العمال الكردستاني” مع نظام الأسد في قمع الثورة السورية مقابل وقف الضربات ضده وإطلاق سراح “إيلان”، وتوطدت العلاقات بين الحزب وطهران عام 2013 بعد وصول “جميل باييك” لرئاسة اللجنة التنفيذية لحزب العمال الكردستاني، الذي وافق على عدم شن أي عمليات عسكرية ضد إيران، وشرع في التنسيق معها بالتزامن مع تسخين الجبهات التركية فقط.

ورغم وجود العديد من المراكز الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة الحسكة، فإنها لم تتحرك لمنع مشروع “الإدارة الذاتية” عام  2013، وسبقتها تصريحات لـ “أوجلان” من محبسه في تركيا أكد فيها أنهم سيدعمون نظام الأسد في حال وافق على نمط إدارة ذاتي للمناطق الكردية شمال شرق سوريا، الأمر الذي أعطى مؤشراً واضحاً لتركيا أن نظام الأسد لايزال يستثمر في ورقة حزب العمال الكردستاني، وأن مقاربته لحل القضية الكردية مختلفة عن المقاربة التركية، خاصة في ظل وجود نوع من التوافق الأيديولوجي بين الحزب الكردي اليساري والنظام السوري الذي يتبنى نظريات اشتراكية.

مؤخراً أوحى تفاهم “سوتشي” الذي جرى توقيعه بين تركيا وروسيا في آواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أن تركيا في طريقها للقبول بانتشار قوات نظام الأسد قرب حدودها كبديل لوحدات الحماية، إلا أن مجريات الأحداث لاحقاً وتوسع عملية “نبع السلام” التي يشنها الجيشان “الوطني السوري” والتركي إلى خارج المنطقة الممتدة من رأس العين حتى تل أبيض، واستهدافها لمواقع مشتركة بين “وحدات الحماية” ونظام الأسد، وإعلان وزارة الدفاع التركية  يوم أمس “القبض على 18 عنصراً يتبعون لنظام الأسد”، كل ذلك أعطى مؤشرات واضحة على أن أنقرة مدركة حجم العلاقة بين حزب العمال الكردستاني وجناحه السوري ونظام الأسد، وأنها لن تقبل بتكرار ما حصل في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لكنها استفادت من مذكرة “سوتشي” لشرعنة دخولها إلى شمال شرق سوريا بمقتضى اتفاق مباشر مع روسيا، التي حاولت مراراً دفع تركيا للقبول باتفاقية أضنا كإطار لتحركها على الأراضي السورية، الأمر الذي يعني في حال حصوله اعترافاً ضمنياً من أنقرة بشرعية نظام الأسد الحالي الذي كان طرفاً في تلك الاتفاقية.

إن اعتراف تركيا بشرعية النظام السوري وقبولها التنسيق المشترك معه سيعني بطبيعة الحال موافقتها على التحرك ضمن الهامش الذي ستتيحه التفاهمات مع النظام، ما يعني تحجيم دورها وعدم قدرتها على تنفيذ أهدافها المتمثلة في مكافحة الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني ومنعه من تهديد الأراضي التركية وهذا يتطلب التوغل لعمق يزيد على 40 كيلومتراً، بالإضافة إلى رغبة تركيا في تمهيد الأرضية المناسبة لإعادة المهجرين قسرياً من شمال شرق سوريا، وهم في الغالب من المكون “العربي السنّي” ، لأن عودة السكان الأصليين إلى مناطقهم كما حصل مؤخراً في “تل أبيض”، يعتبر

ضماناً لإعاقة وصل الكانتونات التي سعت “وحدات الحماية” لإقامتها في سوريا، وهذه الخطوة صعبة التحقق في حال انتشر النظام السوري في تلك المنطقة على اعتبار أن غالبية المهجرين قسرياً منها من الشريحة المعارضة للنظام.

لا يزال خيار تركيا المفضل هو التنسيق مع روسيا (وليس إيران ولا نظام الأسد) في سوريا، لأن أنقرة تعتقد بامكانية التوصل إلى تفاهم لاحقاً مع موسكو، يتضمن تغييرات في النظام السوري الحالي بما يحقق لها بعض المصالح، وأبرزها تغيير البنية الطائفية للنظام الحالي وتحويله إلى حكومة تمثل مختلف فئات الشعب، لأن تركيا تخشى من لعب النظام السوري بالورقة الطائفية ضدها، كما أن حجم العلاقة والارتباط بين إيران ونظام الأسد وانحياز الأخير إلى جانب طهران أمر غير مريح بالنسبة لأنقرة التي ترى في المشروع الإيراني وتمدده إلى سوريا والعراق تهديداً لمصالحها.

خلاصة القول: لقد استثمرت تركيا في الثورة السورية لفترات طويلة، وأوجدت روابط مع فصائلها العسكرية المنضوية ضمن “الجيش الوطني السوري” حالياً والبالغ عددها أكثر من 100 ألف مقاتل، واعتمدت عليها سابقاً في عمليتي “درع الفرات” و “غصن الزيتون”، ومنعت بالقوة العسكرية دخول قوات الأسد إلى “عفرين”، بالتالي ليس من السهل عليها التخلي عن إستراتيجيتها في سوريا والانقلاب عليها بشكل كلي، لأنها عندها ستغامر بروابطها مع المعارضة السورية وفصائلها، وهي تدرك أن نظام الأسد لن يقدم لها الكثير، بل قد يتم استثماره من قبل إيران أو إسرائيل من أجل محاصرة تركيا في حال استعاد كامل السيطرة على الأراضي السورية، لكن في نفس الوقت فإن تركيا عملت منذ عام 2016 على تدوير زوايا الخلاف مع روسيا والتراجع عن مطالبتها برحيل نظام الأسد، من أجل الاستفادة من التفاهمات مع موسكو لتوسيع نفوذها في سوريا، الذي يزداد منذ عملية “درع الفرات” حتى اليوم، وتزداد معه رقعة مساحة سيطرة “المعارضة السورية” بعد أن كادت تتلاشى.

يمكن القول إن تركيا حزمت أمرها بالاعتماد على نفسها وتحالفها مع المعارضة السورية من أجل تحقيق مصالحها في سوريا، واستفادت كثيراً من المناورة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، ونجحت في ذلك حتى الآن، وهي غير مضطرة في المدى القريب والمتوسط لتغيير سياستها ما لم تحصل متغيرات كبيرة تجبرها على ذلك، خاصة في ظل المطالبات الدولية بإجراء عملية انتقال سياسي في سوريا، وقطع غالبية الدول لعلاقاتها المباشرة مع نظام الأسد.

تلفزيون سوريا

————————

تحديات كبرى أمام تطبيق التفاهمات التركية- الروسية في سوريا.. وغموض يلف مصير منبج وتل رفعت/ إسماعيل جمال

تشير العديد من المعطيات إلى وجود تعثر في المباحثات التركية الروسية حول آليات تطبيق اتفاق سوتشي الذي ينص على إبعاد وحدات حماية الشعب الكردية عن الحدود السورية مع تركيا بعمق 30 كيلومترا شرق نهر الفرات شمالي سوريا، في ظل غموض كبير حول مصير منطقتي منبج وتل رفعت غربي النهر.

وفي الثاني والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، جرت مفاوضات صعبة بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في منتجع سوتشي استمرت لأكثر من 6 ساعات متواصلة نتج عنها “تفاهم سوتشي” الذي تكون من 10 بنود وينص في جوهره على تكفل روسيا بإخراج الوحدات الكردية من الحدود السورية مع تركيا بعمق 30 كيلومترا ومنطقتي منبج وتل رفعت، وتسيير دوريات عسكرية مشتركة.

ورغم إعلان الوحدات الكردية انسحابها من تلك المناطق، وإبلاغ روسيا تركيا رسمياً بتطبيق بنود الاتفاق، وإعلان تركيا “عدم الحاجة للقيام بعملية عسكرية جديدة”، إلا أن المعطيات على الأرض تشير إلى عكس ذلك تماماً، وتؤكد المصادر التركية أن الوحدات الكردية ما زالت تنتشر في الكثير من المناطق الحدودية وأن تحصيناتها لم يتم تدميرها بعد، وأن لا شيء تغير في منبج وتل رفعت.

وعلى مدار يومي الأول والثاني من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، أجرى وفد عسكري روسي مباحثات في العاصمة أنقرة حول “الجوانب التكتيكية والتقنية لتطبيق تفاهم سوتشي”، وذكر بيان لوزارة الدفاع التركية أن المباحثات انتهت دون الإعلان عن نتائج واضحة.

وقبل بذلك بأيام، جرت مباحثات على مدار يومين بين مسؤولين عسكريين روس وأتراك في أنقرة أيضاً، دون الإعلان عن أي تفاصيل سوى تأكيد وزارة الدفاع التركية أن المباحثات ركزت على بحث آليات تطبيق تفاهم سوتشي، وسط أنباء عن تحضيرات لعقد لقاء ثالث بين البلدين.

وبعد أيام من التأخير، نفذت القوات التركية والروسية أول دورية جوية وبرية في مناطق شرق نهر الفرات بموجب تفاهم سوتشي، حيث شاركت 8 عربات عسكرية مشتركة وطائرات بدون طيار في دورية في المنطقة الواقعة شرقي رأي العين بـ40 كيلومترا وحتى غربي مدينة القامشلي بـ30 كيلومترا.

والمنطقة التي جرت فيها الدورية تعتبر منطقة محدودة جداً مقارنة بالحجم الإجمالي المقرر أن تسير فيه الدوريات من بداية شرق نهر الفرات وصولاً للحدود العراقية بطول قرابة 300 كيلومتر، حيث يستثني من شرق النهر المنطقة التي سيطر عليها الجيش التركي بين رأس العين وتل أبيض، ومنطقة القامشلي غير المشمولة بالاتفاق.

وتطالب تركيا بآلية واضحة تمكنها من التأكد من إخراج كافة عناصر الوحدات الكردية من المنطقة المحددة وأسلحتهم المختلفة وتدمير التحصينات العسكرية وشبكات الأنفاق التي أقيمت في تلك المنطقة، وهو أمر معقد ما زال الجيش التركي لم ينته منه في المناطق التي يسيطر عليها عسكرياً في تل أبيض ورأس العين، وسط تساؤلات حول آلية القيام بذلك من خلال دوريات عسكرية محدودة.

الكاتب التركي المقرب من دوائر صنع القرار في البلاد، عبد القادر سيلفي، ذكر في مقال له بصحيفة “حرييت” التركية، الإثنين، أن الكثير من الجوانب لم يتم التوصل إلى اتفاق حولها مع روسيا، لافتاً إلى أن أبرز الخلافات تتمحور حول “آلية تحييد الإرهابيين الذين يجري اكتشافهم خلال الدوريات المشتركة”، موضحاً أن روسيا تتفق على مبدأ وضرورة تحييدهم لكنها تختلف مع تركيا في الطريقة الواجب اتباعها.

ويلفت سيلفي إلى أن الخلافات تمتد أيضاً إلى الآلية التي سيجري من خلالها التنسيق والمتابعة للأوضاع الميدانية، حيث ترجح روسيا مقترح إنشاء مركز عمليات مشترك، بينما تريد تركيا إقامة نقاط مراقبة عسكرية -ما بين 12 إلى 13 نقطة مراقبة- على غرار النقاط التي أقامها الجيش التركي في إدلب ومحيطها بموجب اتفاق أستانة مع روسيا وإيران، وكتب سيلفي: “حسب معلوماتي الأجواء إيجابية بشكل عام لكن ذلك لا يعني وجود توافق حول جميع الملفات”.

وقبيل إطلاق عملية “نبع السلام” شرق نهر الفرات شمالي سوريا، أكدت مصادر تركية أن “مخطط المنطقة الآمنة يشمل إقامة 12 نقطة مراقبة عسكرية للجيش التركي من أجل تأمين المنطقة”، لكن عقب تنفيذ العملية تضاربت الأنباء حول إمكانية تطبيق هذا المخطط.

ورداً على سؤال حول هذا الشأن، قال أردوغان: “نعم، في حال الإعلان عن إنشاء المنطقة الآمنة فإن قواتنا المسلحة تخطط لإنشاء نقاط المراقبة العسكرية على غرار نقاط المراقبة في إدلب”، وذكر في تصريح سابق أن الجيش التركي يخطط لإقامة 12 نقطة مراقبة عسكرية في المنطقة الآمنة.

إلى جانب ذلك، ورغم أن الاتفاق ينص على إخراج الوحدات الكردية وأسلحتها بشكل كامل من منطقتي منبح وتل رفعت، تؤكد مصادر المعارضة السورية أنه لم يحصل أي تغيير بعد في تلك المنطقتين، وسط تظاهرات كبيرة لأهالي تل رفعت في مناطق درع الفرات تطالب الجانب التركي بالإيفاء بتعهداته وتمهيد الطريق لهم للعودة إلى مناطقهم.

ورغم تسيير دوريات تركية أمريكية لأشهر طويلة في منبج، ودوريات تركية روسية في تل رفعت أيضاً، إلا أن كل التفاهمات النظرية والدوريات التي وصفت بـ”الشكلية” فشلت في تغيير الوضع القائم وإخراج الوحدات الكردية من تلك المناطق التي ما زالت تنتشر فيها بقوة.

وقبل أيام، قال وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو إن “الروس موجودون هناك (منبج وتل رفعت) بعد انسحاب الولايات المتحدة، وسيتم إخراج ‘إرهابيي ي ب ك/ بي كا كا’ من مدينتي تل رفعت ومنبج السوريتين، وحققنا عبر الاتفاقيْن مع واشنطن وموسكو ما كنا نريده وبأقل الخسائر”.

ورغم حديث أردوغان ومسؤولين أتراك آخرين عن آليات مختلفة يمكن أن تطبق في منبج وتل رفعت مثل نقاط المراقبة، وآليات عمل مشتركة مع روسيا، وتشكيل مجالس محلية وإدارات من السكان بعيداً عن النظام، وغيرها، إلا أنه لا يوجد حتى الآن أي آلية واضحة ومعلنة بشكل نهائي، وبالتالي لا يوجد أي تغيير على الأرض في تلك المنطقتين.

القدس العربي”

————————-

الحسكة… عنوان إضافي للتنافس شرق الفرات/ أمين العاصي

لا تزال الاشتباكات محتدمة في ريف الحسكة الشمالي في أقصى الشمال الشرقي من سورية، في الوقت الذي يشتد فيه الصراع بين الأطراف الفاعلة في منطقة شرق نهر الفرات لتقاسم النفوذ في المناطق الغنية بالنفط، في ظلّ عودة مفاجئة للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ونيته إقامة قواعد جديدة، فضلاً عن عودته إلى قواعد ونقاط تمركز كان أخلاها في وقت سابق.

وأشار “المرصد السوري لحقوق الإنسان” أمس الأحد، إلى أنّ ريف مدينة رأس العين الشرقي لا يزال يشهد اشتباكات بوتيرة متفاوتة العنف، بين فصائل “الجيش الوطني” التابع للمعارضة السورية من جهة، و”قوات سورية الديمقراطية” (قسد) التي تشكل الوحدات الكردية ثقلها الرئيسي من جهة أخرى، بالتزامن مع قصف مدفعي عنيف ومكثف متبادل بين طرفي القتال. وأكد المرصد أنّ “قسد” استعادت السيطرة على 13 قرية وموقعاً من “الجيش الوطني” وهي: داودية والسعيد وريحانة والسويدية وكنبهر وعبوش وأم شعيفة وفيصلي وعزيزة وقاسمية وجميلية وأم عشبة والعريشة.

من جانبها، قالت مصادر من “الجيش الوطني” لـ”العربي الجديد”، إنّ مليشيا “قسد” شنّت هجوماً معاكساً ضدّ قوات الجيش في محور تل تمر بريف الحسكة الشمالي الغربي، واندلعت اشتباكات عنيفة على إثر ذلك. وأدت الاشتباكات وفق المصادر ذاتها، إلى وقوع قتلى وجرحى من الطرفين، وانسحاب مقاتلي “الجيش الوطني” من مواقع عدة كانوا قد تقدموا إليها في وقت سابق. ولفتت المصادر إلى أنّ “قسد” شنّت هجومها مدعومة بالقصف المدفعي، في إشارة إلى أنها خرقت الاتفاقين التركي الروسي والأميركي التركي، اللذين نصّا على انسحاب “قسد” بالسلاح الثقيل من الحدود السورية التركية.

في الأثناء، قالت مصادر محلية إنّ “المجلس العسكري السرياني”، وهو جزء من “قوات سورية الديمقراطية”، استلم المسؤوليات الأمنية والعسكرية لمنطقة تل تمر والخابور، وسينشر قواته في جميع الخطوط الأمامية للمنطقة. وتتميز مدينة تل تمر بالحضور السكاني للمسيحيين السريان الآشوريين، حيث تنتشر قرى عدة غالبية سكانها من السريان في ريف المدنية، وأبرزها: تل طويل، تل جمعة، تل كيفجي وتل قريبط.

من جانبها، ذكرت وكالة “سانا” للأنباء التابعة للنظام السوري، أنّ قوات الأخير تعمل على تعزيز نقاط انتشارها في محافظة الحسكة، مشيرةً إلى أنّ وحدات من هذه القوات عززت وجودها على محور يمتد على 60 كيلومتراً بدءاً من قرية الاغيبش غرب بلدة تل تمر، وصولاً إلى قرية الواسطة جنوب صوامع عالية. وفي الإطار ذاته، ذكرت مصادر مقربة من “قسد” لـ”العربي الجديد”، أنّ قوات النظام حصّنت مواقع في المنطقة وقامت بتعزيزها بالمدفعية الثقيلة، مشيرةً إلى أنّ النظام يقوم بدعم “قسد” في عمليات الهجوم المعاكس ضدّ “الجيش الوطني”.

إلى ذلك، من الواضح أنّ التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية بصدد العودة مجدداً إلى منطقة شرقي نهر الفرات، وخصوصاً محافظة الحسكة، في تراجع عما كان أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن نيته سحب قوات بلاده من سورية والإبقاء على قوة صغيرة لحماية حقول النفط. ونقل مراسل “العربي الجديد” في الحسكة سلام حسن، عن مصادر مطلعة قولها، إنّ “القوات الأميركية أدخلت شاحنات فارغة إلى قاعدة صرين بالقرب من مدينة عين العرب بريف حلب، تمهيداً لإعادة إخلائها بالكامل، بالتزامن مع إنشاء قواعد عسكرية جديدة في الحسكة، في الوقت الذي وصلت فيه تعزيزات عسكرية جديدة من قبل قوات النظام إلى محور تل تمر”.

وأوضحت المصادر المقربة من “قسد” التي تحدّثت لـ”العربي الجديد”، أنّ “القوات الأميركية تبدأ بالانسحاب (أمس) الأحد من قاعدة صرين العسكرية، والتي تعد آخر قاعدة لها في القسم الغربي من شمال شرقي سورية، وذلك عقب دخول عشرات الشاحنات والحاملات إلى القاعدة بهدف نقل ما تبقى من معدات”. وكانت قد عادت قوات أميركية إلى القاعدة المذكورة عقب إخلائها أخيراً، وهو ما أثار تساؤلات عن نية تلك القوات، في وقت تقول المصادر إنّ واشنطن تريد إخلاء النقطة بالكامل.

وبحسب المصادر ذاتها، بدأت القوات الأميركية بإنشاء قواعد جديدة لها في محافظة الحسكة، ولا سيما في منطقة القامشلي، حيث قامت أمس باستطلاع العديد من المواقع وبتسيير دورية انطلاقاً من بلدة رميلان، متجهة على الطريق الواصل إلى القامشلي، مروراً بمناطق وبلدات كل من الجوادية والشبك. وأضافت المصادر أيضاً أنّ دورية أميركية مكونة من خمس عربات عسكرية جالت بين مدينة القامشلي وبلدة تل تمر، علماً أنّ القوات الأميركية ما زالت تحتفظ بقاعدة عسكرية في صوامع قرية تل بيدر الواقعة شمال مدينة الحسكة وقاعدة بالقرب من مزرعة قسروك. وأشارت المصادر إلى نية القوات الأميركية تجهيز ثلاث قواعد جديدة على الأقل في مدينة القامشلي وريفها الغربي شمال شرقي محافظة الحسكة.

وتأتي هذه التطورات في ظلّ وصول رتل عسكري لقوات النظام السوري يضم دبابات وراجمات صواريخ ومدفعية إلى منطقة تل تمر في ريف الحسكة. وقالت مصادر لـ”العربي الجديد” إنّ تلك القوات توجهت إلى الناحية الشمالية لتل تمر على الطريق الواصل إلى بلدة أبو راسين، بالقرب من المحاور التي تشهد اشتباكات بين “الجيش الوطني السوري” و”قسد”.

وتزامن وصول الرتل العسكري للنظام وفق المصادر ذاتها، مع تحليق من طيران حربي مجهول يعتقد أنه للتحالف الدولي ضدّ “داعش”، إذ قام بخرق جدار الصوت في أجواء تل تمر، وتلا ذلك قصف على موقع في المنطقة لم تتبين هويته.

وكانت مصادر محلية قالت لـ”العربي الجديد”، أول من أمس السبت، إنّ مجموعة من القوات الأميركية عادت إلى قاعدة الجزرة الواقعة غربي مدينة الرقة، بعد إخلاء القاعدة قبل أسبوعين. وأضافت أنّ المجموعة ترافقها خمس مدرعات، وأنّها قامت بجولة في مدينة الرقة قبل العودة والتمركز في القاعدة المذكورة. ومن الواضح أن الجانبين الأميركي والروسي يسعيان لتقاسم النفوذ في محافظة الحسكة التي تعد المحافظة الأهم في سورية اقتصادياً، كونها تضمّ جانباً مهماً من ثروة سورية النفطية.

وذكر “المرصد السوري لحقوق الإنسان” السبت، أنّ القوات الروسية سيطرت على النادي الزراعي في القامشلي على مقربة من منطقة المطار لاتخاذه مقراً لقواتها. ونقل “المرصد” عن مصادر معلومات تفيد باحتمال تأجير النظام السوري مطار القامشلي إلى القوات الروسية لتتخذه مقراً لها لمدة 49 عاماً.

في غضون ذلك، لا تزال المنطقة التي سيطر عليها “الجيش الوطني السوري” التابع للمعارضة والواقعة بين مدينتي تل أبيض وراس العين على طول نحو 100 كيلومتر وعمق 30 كيلومتراً، عرضة لانتهاكات من قبل فصائل تتبع هذا الجيش. وفي هذا الإطار، ذكرت مصادر محلية لـ”العربي الجديد” أمس، أنّ “أهالي قرية أم عشبة بريف رأس العين، قرروا النزوح بشكل جماعي ومغادرة قريتهم، بعد زيادة الانتهاكات من مجموعة عسكرية تنتمي إلى الجيش الوطني تطلق على نفسها اسم صقور الشمال”.

إلى ذلك، أعلنت وزارة الدفاع التركية انتهاء المباحثات مع الوفد العسكري الروسي الثاني، والتي عقدت في أنقرة خلال اليومين الماضيين حول تطبيق مذكرة التفاهم المبرمة في مدينة سوتشي بشأن شمال شرق سورية. وقالت الوزارة، في بيان أصدرته السبت: “انتهت المباحثات مع الوفد العسكري الروسي الثاني، والتي عُقدت في أنقرة يومي 1 و2 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، حول الجوانب التكتيكية والتقنية في إطار التفاهم الذي تم التوصل إليه في سوتشي يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول 2019”.

وتعدّ هذه المباحثات الثانية من نوعها، إذ تمت مناقشة تطبيق مذكرة التفاهم بين الطرفين في أنقرة يومي 28 و29 أكتوبر، وأعلن وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، في حينه أنّ الجانبين توصلا إلى اتفاق شبه كامل حول تفاصيل تطبيق المذكرة.

في السياق متصل، جددت وزارة الدفاع التركية، أمس الأحد، إدانتها قرارات واشنطن وباريس رداً على عملية التركية في سورية. وقالت الوزارة في بيان، إن “تركيا ما زالت تتلقى تهديدات خطيرة من تنظيمي داعش والوحدات الكردية الموجودان في مناطق شرق الفرات السورية”، مضيفةً أن قرار مجلس النواب الأميركي فرض عقوبات على تركيا ومسؤوليها رداً على العملية، يتعارض مع روح الاتفاق المبرم في 17 أكتوبر الماضي والتحالف والشراكة الاستراتيجية بين البلدين. وأردف: “يجب أن تعلم أوروبا جيداً أن تركيا هي العائق الأخير بينهم وبين والإرهاب، وهي بمثابة خط جبهة في محاربة الإرهاب”. ولفت إلى أن “استهداف فرنسا للعملية، ما هو إلا محاولة من حكومتها لتحريف وإخفاء الحقائق عن الشارع الفرنسي والمجتمع الدولي بأكمله”.

على صعيد سياسي ذي صلة، أعلن “مجلس سورية الديمقراطية” (مسد) وهو الجناح السياسي لـ”قسد” استعداده لـ”خوض عملية تفاوض حقيقية” مع النظام، وفق بيان صدر عن المجلس مساء السبت. وزعم المجلس أنه “أكبر إطار تحالفي لقوى المعارضة الديمقراطية في سورية”، مبدياً استعداه لتشكيل ما سمّاها بـ”منصة معارضة سورية حقيقية تضم من هم خارج مجلس سورية الديمقراطية؛ من داخل سورية أو خارجها؛ ممن استبعد في عمليتي جنيف وأستانة أو تم تغييبه عمّا تسمى باللجنة الدستورية”، وذلك لـ”بدء التفاوض مع الحكومة السورية من دون شروط مسبقة”. واعتبر المجلس “التفاهم العسكري الذي جرى ما بين قوات سورية الديمقراطية والجيش السوري، برعاية من موسكو، يمثل بداية بناء إجراءات الثقة بين الطرفين”.

ولطالما رفض النظام السوري التفاوض مع “قوات سورية الديمقراطية”، إلا بشرط تسليم منطقة شرقي الفرات التي تعادل ثلث مساحة سورية، إلى قواته. ويعتبر النظام أفراد هذه القوات “خونة” يخدمون الأجندة الأميركية وجلّ ما عرضه عليهم “تسوية وضعهم” وضمهم إلى قواته.

العربي الجديد

———————-

الوطنية السورية ومأزق التعايش العربي الكردي/ عمر كوش

باتت الهوية الوطنية السورية، بعد أكثر من ثماني سنوات على اندلاع الثورة السورية، عُرضة للتآكل والاضمحلال، نتيجة تجاذبات وصراعات ورهانات مختلفة، أحدثت شروخاً وتمزّقات وانشطارات بين مكونات النسيج السوري، إلى درجة أن أسئلة كثيرة باتت تطاول هذه الهوية، والممكنات التي سيُعاد عليها بناء وطنية سورية جديدة، وماهية مكوناتها ومركباتها، وسوى ذلك كثير.

ولعل تجاذبات العلاقة العربية الكردية ومماحكاتها أثرت كثيراً على الوطنية السورية، بدءاً من الموقف من الثورة، وصولاً إلى الموقف من التوغل العسكري التركي في منطقة شرقي الفرات، عبر عملية نبع السلام، وقبلها غصن الزيتون، وما ثار بينهما من جدل كبير بين ناشطين وسياسيين سوريين كثر، وصل إلى درجة غير مسبوقة من التحريض والتخوين وإنكار الآخر وحقوقه، وتصنيفه في خاناتٍ جاهزة وانتقاصية، ونعته بمختلف الصفات السلبية. وتجسّد ذلك كله في مقالات ودراسات مكتوبة في وسائل الإعلام، وأخطرها حملته تعليقات وانطباعات وآراء، نشرت على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، ووصل الأمر إلى حدٍّ بدا وكأن حرباً أهلية مستعرة، نشبت بين الطرفين منذ سنوات عديدة، بينما يكشف واقع الحال على الأرض أن لا شيء يحدث من قبيل ذلك، بل إن غالبية السوريين العظمى في كل المناطق في الداخل وبلدان الشتات، تمارس حياتها بعيداً عن التجاذبات والصراعات والتشرذمات، في محاولتها العيش من جديد.

وبالافتراق عن المؤدلجين والمتحزبين من مختلف الأطراف الذين لا يشكلون سوى نسبة متواضعة جداً، فإن السوريين في الداخل يتدبرون أمور معيشتهم، محاولين الحياة مرة ثانية، سواء الذين يعيشون في مناطق سيطرة النظام والمليشيات المتعددة والروس والإيرانيين، أم في مناطق سيطرة سلطات الأمر الواقع في مختلف أجزاء سورية. أما السوريون في بلاد الهجرة والشتات، فهم أيضاً يحاولون تدبّر أمور معيشتهم قدر المستطاع. ولم تحدث في جميع مناطق وبلدان وجود السوريين واقعة واحدة لها صلة بالثأر من الآخر، لا من السوريين العرب، ولا من السوريين الأكراد، باستثناء حالات محدودة من التعبير عن الحساسية والكراهية، ولا يبنى عليها تمايز أو خوف أو رهاب من المستقبل.

لست في معرض تجميل الصورة، أو تزييف الواقع والوقائع، إذ إن شروخاً وتصدعات طاولت الهوية السورية التي لم تكن صلبة في أي يوم، وكشفت الثورة الغطاء عنها، لتظهر أزمتها وهشاشتها. ولعل ما وصلنا إليه اليوم، بعد أكثر من ثماني سنوات من انطلاق الثورة، جعل الكلام عن الوطنية السورية نوعاً من الترف الفكري لدى بعضهم، ولكنها ليست كذلك عند سوريين كثيرين.

باتت القضية السورية لعبة تدار بين ساسة الدول الفاعلة وأجهزتها، الدول التي يتجاوز عددها الخمسة، بينما غُيب السوريون، بفعل عوامل ذاتية وموضوعية، عن التأثير في مجريات الأمور. وباتت الأحزاب والقوى السياسية والعسكرية للعرب والأكراد وسواهما مجرّد أدوات بيد أجهزة الدول الخائضة في الدم السوري وساستها، الأمر الذي جعلهم خارج اللعبة، وخارج دائرة صنع القرار أو التأثير فيه، وبالتالي كانت مواقف القوى السياسية والعسكرية للمعارضة السورية مرتبكة ومحيرة، باستثناء من يراهنون على تركيا، ومن كانوا يراهنون على الولايات المتحدة الأميركية.

وليس جديداً القول إن المسألة الكردية هي أحد الأبعاد الأكثر إشكالية في مسألة الهوية السورية التي عرّتها الثورة السورية، حيث منحت الثورة لكل مكونات المجتمع السوري، أو كما يقال لكل أقلياته الدينية والإثنية، مثلما منحت لأغلبيته أيضاً، الفرصة المناسبة التي لا تتكرر كثيراً، كي تبني هوية جامعة، وتنال ما تريد، وتحقق مطامحها وأهدافها، لأنها أعلنت سقوط جدران الخوف، وانطلاق لحظة الانعتاق من الاستبداد المقيم، وخطّت طريق الحرية والخلاص، ورفض الإذلال، واسترجاع الكرامة المهدورة. وهي فرصةٌ لا تلوح كثيراً، لأنها نادرة الحدوث.

كانت الهوية السورية، طوال سنوات الاستبداد، مطموسة ومكبوتة، ويعتريها التغلّب الطائفي لعائلة آل الأسد الذي يدّعي تمثيل العلويين والدفاع عن سائر الأقليات. وبوصفها هوية مأزومة، وتكمن فيها قابلية متزايدة للانفجار، لم تكن تملك ما يفيد بأنها تعبّر عن تكوينات المجتمع السوري، المعروف بتعدد بناه ومكوناته وتفاعلاته، وتسوده علاقات وتشابكات متعدّدة،

وانتماءات إثنية وثقافية ودينية مذهبية ولغوية وجهوية متعدّدة.

التحدي المطروح على جميع السوريين، عرباً وأكراداً، ومسلمين ومسيحيين، وسنة وعلويين وشيعة ودروزا وإسماعيليين وسواهم، يتجسّد في كيفية إعادة بناء الوطنية السورية، لا تغلّب فيها، وليست بديلاً عن التعدد المجتمعي، ولا تعبيراً عن العصبيات، ولا عن غلبة أي مكون من مكوناته.

وكان الانخراط في الثورة السورية مناسبة لإعادة تشكيل الهوية الوطنية على أسس جديدة من التعاقد الاجتماعي. وقد سطّرت شعارات وهتافات شباب وشابات الثورة في مرحلتها السلمية، الأحرف الأولى، أو اللبنات الأولية، نحو إشادة وطنية سورية، تنهض على قيم الحرية والمواطنة والمساواة وسواها، في التربة السورية، ولكن ما حدث بعد أن أُخرِجت الثورة عن مسارها السلمي هو مزيد من التشظي والتفتيت.

ولم تتمكّن القوى السياسية والعسكرية التي ادعت تمثيل الثورة من نسج خيوط وطنية سورية، بل أنتجت خطابات انقسام سياسي واجتماعي، كما لم تنتج حالةً من التجانس والاستقلالية، حيث لم تتوافق على برنامج سياسي سوري، بل أسهمت في تعميق الانقسام والتشظي، فكانت الهوية السورية ضحية عمليات إعادة إنتاج بطرق عنيفة وقسرية.

وينطبق هذا الحال على السوريين العرب، كما على السوريين الأكراد وسواهم، بالنظر إلى مراهنة القوى والتشكيلات السياسية السورية، العربية والكردية، على قوى الخارج، والاستقواء بها، للخلاص وتحقيق الأهداف، حيث راهنت تشكيلات المعارضة السورية، بدءاً من المجلس الوطني وصولاً إلى ائتلاف قوى الثورة والمعارضة والهيئة العليا للمفاوضات، على قوى الخارج، ممثلة في دول الخليج وتركيا ودول الغرب، وارتهنت إليها، وباتت أسيرة أجنداتها ومخططاتها. كذلك فعلت القوى والأحزاب السياسية الكردية في سورية، التي راهنت على قوى الخارج، سواء على قيادة جبال قنديل، أو على قيادة إقليم كردستان العراق، حيث وضع المجلس الوطني الكردي كل ما يملك في سلته، فيما وقف حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية الذي شكله حزب العمال الكردستاني التركي بالتنسيق مع النظام الأسدي في البداية، وبعدها تحالف مع الولايات المتحدة الأميركية التي استخدمته في حربها على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ثم تخلت عنه، رفعت الغطاء عنه وعن أجنحته العسكرية والمدنية أمام التوغل التركي، وراح سياسيون وناشطون يتحدثون عن الخيانة والطعنة في الظهر، ويضيفونها إلى سرديةٍ تاريخيةٍ فيها كثير من المظلومية.

وفيما تعامى الائتلاف الوطني السوري، وأشباهه وحواشيه، عن المسألة الوطنية، لصالح بقائه، ولو مجرد صورة معترف بها دولياً، تستخدم عند الحاجة، فإن الأحزاب السياسية الكردية التي عرفت الانقسام ما بين أجندات قنديل وأربيل، تمادت في إنتاج هوية كردية بعيدة كل البعد عن الهوية السورية، لتعمّق التشظي والتفتت الذي عرفته الهوية السورية، وظهرت إلى العلن مصطلحات مثل “روج آفا” (غرب كردستان)، وشعب غرب كردستان، وإدارة ذاتية وبرلمان وحكومة وعلم وسوى ذلك. وقد وظّفت القوى والتشكيلات السياسية التي تدّعي تمثيل أكراد سورية، من أجل، ذلك رساميل مادية ورمزية، بغية إيجاد نموذج هوية كردية، تمكّنها من السيطرة على الأكراد في مناطق الجزيرة السورية وسواها من المناطق داخل سورية، والسيطرة كذلك على السوريين الأكراد خارج سورية أيضاً.

في المقابل، ظهرت الهيئات الشرعية التي فرضتها بالقوة سلطات الأمر الواقع، ممثلة بالفصائل الإسلامية، المعتدلة منها والمتطرّفة التي لا تقر بالوطنية السورية، ولا تعترف بالثورة السورية، بل فرضت شعاراتها وراياتها ورموزها وطرق عيشها على سكان المناطق الواقعة تحت سيطرتها. واجترحت كل هذه التوظيفات، لتحقيق أهداف سياسية انفصالية جذرية، تعرّضت فيها المسألة الوطنية إلى عمليات إعادة إنتاج عنيفة من القوى السياسية والعسكرية المتناحرة.

كانت الثورة السورية فرصة ضائعة بالفعل، لاحت أمام السوريين جميعاً لبناء هوية وطنية سورية بامتياز، وقد شارك في بداياتها شباب وشابات من مختلف الأطياف والانتماءات فيها، حيث عمّت التظاهرات الاحتجاجية مختلف المدن والبلدات السورية، بدءاً من درعا جنوباً وصولاً إلى القامشلي شمالاً، ومن اللاذقية شرقاً وصولاً إلى البوكمال شرقاً. وأظهر شباب وشابات الأكراد مختلف رموز هويتهم، من أزياء وأغان ورقصات وأهازيج، كانت محرمة وممنوعة عليهم في عهود الاستبداد الأسدي، ولم يمثل تأكيد رموز الأكراد وسردياتهم أي إشكال لدى الشباب والشابات السوريين العرب، بل إنهم سموا إحدى جُمع المظاهرات باسم “آزادي (حرية)، ورفعوا شعارات تتضامن مع مظاهرات أهلهم وإخوتهم في القامشلي والحسكة وعامودا والمالكية/ ديريك ورأس العين والدرباسية وعين العرب/ كوباني وسواها، وظهر المناضل الراحل مشعل تمو زعيم تيار المستقبل، والذي يتهم باغتياله حزب الاتحاد الديمقراطي، بوصفه زعيماً سورياً بامتياز، كما ظهر اتحاد شباب الكرد بوصفه تنسيقية الثورة الفاعلة التي تنظم التظاهرات الاحتجاجية ضد النظام في مختلف مناطق الجزيرة السورية التي باتت تُعرف باسم مناطق شرقي الفرات.

وكان موقف الأحزاب والقوى السياسية الكردية سلبياً وملتبساً من الثورة السورية، باستثناء تيار المستقبل، الأمر الذي أحدث انقساماً واضحاً في الموقف من الثورة. ولعبت تلك الأحزاب دوراً كبيراً في تعميق سردية المظلومية، وفي إظهار التمايز الكردي عن العربي، حتى في التظاهرات، من خلال رفع العلم الكردي وأعلامها، وتوظيف الرموز الكردية، لتعزيز الشعور القومي، وإبعاده عن الشعور الوطني السوري. ولجأ النظام الأسدي إلى تشجيع ذلك، من أجل إعادة إنتاج هوية كردية بالتضاد مع الهوية الوطنية السورية، وجرّها إلى التصادم معها، وفق مفهوم “نحن” مقابل “هم”. وأسهمت أحزاب كردية في ذلك، خصوصا حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي حظي بدعم النظام الأسدي مادياً وعسكرياً، إلى درجة أنه سهل له تكوين مليشيات “وحدات حماية الشعب”، كي تبسط سيطرتها على المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية العالية في مناطق الجزيرة السورية، وتكوين شبه كيان منفصل عن الجسد السوري.

لم تع الأحزاب الكردية حقيقة أن حراك الثورة الاحتجاجي السلمي الذي يندرج في حقل السياسة كان رداً على سنوات طويلة من التغييب والإقصاء والتهميش لجميع السوريين، وموجهاً ضد الشعارات الإيديولوجية المزيفة للسلطة التي كانت تقفز على الوطنية السورية إلى قومية متخيلة، حيث كانت تنادي بوحدة الأمة العربية، فيما تمارس أجهزتها وأذرعها الأخطبوطية تقسيماً مذهبياً ومناطقياً وإثنياً، وتعمل على إلحاق سورية، وطناً وشعباً، بمشروع نظام الملالي الإيراني، وما يخططون له في المنطقة.

وقد ساهم موقف الأحزاب الكردية، ومعها مواقف مختلف كيانات المعارضة السورية، في ضرب الإجماع السوري حول الثورة، ومنعه من أن يجسد إجماعاً وطنياً عاماً. إضافة إلى ممارسات النظام الأسدي التفتيتية والتقسيمية التي فعلت فعلها لدى قطاعات من الطيف السوري، فضلاً عن تدخلات القوى الإقليمية والدولية التي لا تنظر إلى سورية إلا بوصفها موقعاً جيوسياسياً هاماً بالنسبة إليها، يستوجب الصراع والسيطرة عليه.

وارتضت أغلب الأحزاب الكردية الانسياق وراء ما طمح إليه النظام السوري في إبعاد الشارع الكردي عن الثورة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل استخدم بعضها لقمع الناشطين الأكراد وملاحقتهم وتهجيرهم.

وقام النظام الأسدي بخطوات وإجراءات، أراد منها أن يظهر وكأنه المدافع عن القضية الكردية، وأنه لم يقمعهم في يوم من الأيام، الأمر الذي اعتبر بمثابة رشوة مفضوحة للحركة السياسية الكردية وللشارع السياسي الكردي، غايتها إبعاد الشباب الأكراد عن الثورة. وأهم الخطوات التي قام بها النظام هي إصدار المرسوم الجمهوري الذي حمل الرقم 49، في الثامن من إبريل/ نيسان 2011، الذي يقضي بمنح الجنسية العربية السورية لأجانب محافظة الحسكة، وقصد بهم المواطنين الأكراد الذين حُرموا منها، نتيجة الإحصاء السكاني الاستثنائي الذي جرى في المحافظة في عام 1962. وبعد هذا المرسوم بعشرة أيام، أصدر الأسد مرسوماً آخر، حمل الرقم 41، عدّل فيه مرسوماً سابقاً أصدره في عام 2004، كان يقضي بوضع حظر شامل على التصرفات العقارية في المناطق الحدودية السورية.

ولعل أول متحقق لمحاولات تقسيم سورية حدث في شمال شرقي سورية، مع تشكيل كانتونات الإدارة الذاتية التي فرضها حزب الاتحاد الديمقراطي، حين أرسى دعائم ما يشبه دويلة لشعب، له مجلس، دعاه “مجلس شعب غربي كردستان”، وشكل قوات عسكرية، دعاها “قوات حماية الشعب”، وشكّل أيضاً شرطة معروفة باسم “أساييش”، لعبت دوراً كبيراً في ملاحقة وقمع الناشطين الأكراد المختلفين مع ما يطرحه الحزب وتوجهاته وممارساته، التي تمخضت أيضاً عن اجتراح إقليم، له عاصمة وحكومة ودستور ونظام تعليمي خاص، وفق أجندة هذا الحزب وتوجهاته.

ركز حزب الاتحاد الديمقراطي، والمنظمات الخارجة منه، على إعادة تشكيل هوية كردية، تضمن له سيطرته على مناطق شاسعة من الجزيرة السورية، ومناطق في غربي الفرات، مثل منبج وتل رفعت وسواهما، حيث نشر خرائط متخيلة لدولة شعب غربي كردستان، تمتد من الحدود العراقية وصولاً إلى البحر المتوسط، ووضع في مختلف أماكن وجوده صور الزعيم التركي الكردي عبد الله أوجلان. وكان للأكراد الأتراك الدور القيادي في الحزب، وفي جناحه العسكري، وفي حكم المناطق الواقعة تحت سيطرته. وعمل هذا الحزب ذو الإيديولوجيا الماركسية على نشر مفاهيم ومصطلحات زائفة، تعتبر مناطق سورية، يتعايش فيها الأكراد إلى جانب العرب والتركمان والآشوريين وسواهم، جزءاً من كردستان الكبرى، وبوصفها أرضاً تاريخية للأكراد، أي “مناطق كردستانية” و”أرض تاريخية للأكراد”، وباتت الخرائط المتخيلة لكردستان الكبرى تضم أجزاء كبيرة من سورية، وراح يسوّق أن وجود العرب فيها يعدّ احتلالاً لأرض كردية، يمتد إلى العهد الإسلامي، الأمر الذي أراد منه تبرير سيطرة مليشيات وحدات حماية الشعب عليها، باعتباره تحريراً لأرض كردية من محتل عربي. والأخطر على الوطنية السورية هو نشر دعايات هذا الحزب الديماغوجي، تصور التعايش العربي التركي نوعاً من الاستحالة، لأن العرب السوريين بداة ورعاة، ولا يعرفون الحضارة، وبالتالي لا بد من الانفصال عنهم، ورغم كل ذلك قدم هذا الحزب مشروع الإدارة الذاتية، كمرحلة أولى للتعايش مع من تبقّى من عرب سوريين، تليها مرحلة توحيد الأقاليم الكردية في المنطقة في دولة كردستان الكبرى، التي يسعى إلى تحقيقها.

ولعل من المفارقات أن يطبق حزب الاتحاد الديمقراطي الإدارة التي يصفها بالذاتية بالقوة التي تملكها مليشيات الوحدات التي يسميها وحدات حماية الشعب، مع أنها تشكلت وتسلّحت في البداية بالتنسيق مع نظام الأسد، ثم تحالفت مع الأميركيين الذين تخلّوا عنها أمام التوغل التركي، فعادت مرة أخرى إلى نظام الأسد بتدبير روسي، وذلك يعني نهاية مشروعها، وخسارتها معظم المناطق التي كانت تسيطر عليها، بانتظار اندماجها مع جيش النظام الأسدي.

والحاصل أن الثورة السورية، خصوصا في مرحلتها السلمية، قد شكلت فرصة نادرة الحدوث لبناء وطنية سورية جامعة حول مطالب شبابها وشاباتها المشروعة، الذين عبّروا في شعاراتهم عن وطنية سورية، تنهض مقامات تشييدها على الحرية والكرامة والمواطنة والمساواة. وقد فوّتت هذه الفرصة معظم القوى السياسية، العربية والكردية وسواهما، بل إن الأخطر من ذلك هو أن أغلب هذه القوى والتشكيلات، ساهمت في تمزيق الهوية السورية، من خلال زيادة حدة نبراتها الأيديولوجية والقومية، التي أفقدت السوريين بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم القدرة على تقديم تصوّر جديد لقضيتهم، مقابل المزيد من التمزّق الاجتماعي وسد آفاق الحياة والحرية والتحرر، الأمر الذي ألقى بظلال كثيفة على إمكانية التعايش في بلد لم تكن تنقصه التمزقات الاجتماعية والسياسية.

وكان حَريّا بالقوى والتشكيلات السياسية أن تجمع السوريين في مواجهة أفظع أنواع العدوان على حياة السوريين وعوالمهم، تلك التي خاضها نظام الأسد منذ 15 مارس/ آذار 2011 ضدهم، بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم، وأن تدرك أن مواجهة عدوانية نظام آل الأسد كانت الشرط اللازم لكل محاولة تحرر وخلاص من الاستبداد، وبناء وطنية جديدة لسورية جديدة، وشعب جديد. ومن دون الانحياز إلى توق السوريين إلى الحياة بحرية وكرامة، من المستحيل بناء أي إدارة أو كيان، لأنها، ببساطة، يجب أن تضمن لهم ما يطمحون إليه، وما يستحقونه من الحياة.

العربي الجديد

—————————-

أنقرة أكثر قربا من موسكو بعد إلغاء عقوبات واشنطن/ ذو الفقار دوغان

علّق المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا على الاتفاقات التي أبرمتها أنقرة مع واشنطن في 17 أكتوبر ومع روسيا في 22 أكتوبر بالقول إن بلاده “انتصرت في الميدان وعلى الطاولة”.

لكنّ أيا كان تفسير تلك الاتفاقات، فإنها جعلت الأميركيين والروس معتمدين على تركيا في ما يتعلق بالصراع السوري.

قبل أربع سنوات فقط، وبالتحديد في 24 نوفمبر 2015 حين أسقطت تركيا مقاتلة حربية روسية مثيرة أزمة كبرى بين البلدين، فرضت موسكو عقوبات على صادرات تركيا وعلى السياحة إليها وعلى صناعة المقاولات.

يومها توعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن تدفع تركيا “ثمنا باهظا” لهذه الفعلة، بالقول إن قائمة شاملة من العقوبات ستسري على أنقرة في أول يناير 2016.

كان طيار روسي آخر من المقاتلة المستهدفة بنيران جماعات جهادية في سوريا قد أصيب، ونُشرت له صور ومقاطع فيديو قبل مقتله.

وبعد الواقعة، علّقت روسيا اتفاقا مع تركيا كانت تلغى بموجبه تأشيرات الدخول من الجانبين. كما أوقفت مشاريع مقاولات بقيمة مليارات الدولارات كانت قد فازت بها تركيا ضمن العمل لاستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم في روسيا عام 2018.

عانت الشركات التركية كثيرا في تلك الفترة بعد أن فرض بوتين العقوبات فاضطر الرئيس التركي للاعتذار ستّ مرات كاملة بعد أن أوشكت صادرات بلاده من الفاكهة والخضروات على الانهيار، بينما أوقفت روسيا تدفقا سياحيا يقدّر بخمسة ملايين زائر إلى تركيا التي كانت تستفيد بمليارات الدولارات.

لكنّ اعتذارات أردوغان أعادت العلاقات مع روسيا إلى طريقها الصحيح في يونيو 2016. في البداية تحدّث أردوغان وبوتين هاتفيا في 8 أغسطس 2016، ثم التقيا وجها لوجه في سان بطرسبرغ.

بعدها اقتربت تركيا من المعسكر الروسي الإيراني في سوريا لتعود العلاقات العسكرية والسياسية أفضل ممّا كانت قبل فرض العقوبات.

لكن روسيا في المقابل لم ترفع الحظر على تأشيرات دخول الأتراك حتى الآن، ولا تزال أبوابها مغلقة في وجه العمّال والمقاولين الأتراك.

وفي مقابل حوافز استثمارية مميزة وانخفاض تكلفة الاستثمار فيها بنحو النصف تقريبا، حصلت تركيا على عقود في روسيا بقيمة 16 مليار دولار في خط أنابيب توركاك.

وفي النهاية اشترت تركيا نظام الدفاع الصاروخي الروسي أس-400 بنحو أربعة مليارات دولار، مخاطرة بذلك بالتعرّض لعقوبات من الولايات المتحدة وصلت لحدّ استبعادها من برنامج الطائرة المقاتلة أف-35.

وفي الوقت الحالي، يجري التفاوض على عقود لشراء الطائرة المقاتلة الروسية سوخوي 35 والجيل الأحدث من المقاتلة سوخوي 57.

إذا، حصل بوتين على كل ما يريده خلال اجتماع 22 أكتوبر في سوتشي، إذ قُبلت جميع الطلبات الروسية تقريبا.

وفي الواقع، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في سوتشي وأمام أردوغان أن العملية العسكرية نبع السلام، التي قادتها تركيا في شمال سوريا قد انتهت.

وفي صباح اليوم التالي، أعلنت وزارة الدفاع التركية انتهاء العملية العسكرية، أي بعد ساعات من إعلان لافروف.

مكاسب كبرى لروسيا إذا في العلاقة مع تركيا منذ 2016، إذ باتت تتحكم في اتفاقات المياه المبرمة بين سوريا وتركيا منذ عام 2009. وتبقى في يد بوتين إمكانية إغلاق خطوط الغاز في حالة حدوث أيّ خلاف.

الشيء نفسه عاشته تركيا مع الإدارة الأميركية، التي هددت مرارا بفرض عقوبات مع كل أزمة من قبيل أزمة القس برانسون. وفرضت عقوبات على أصول للرئيس وعائلته ووزير الخزانة والمالية، ووزراء الدفاع والداخلية والطاقة.

وعلى طاولة مجلس الشيوخ الأميركي، هناك الآن مقترحات تشريعية مختلفة تشمل عقوبات ضد أفراد وجهات متورطة في قضية بنك خلق.

وحين هدد ترامب والكونغرس بفرض عقوبات على تركيا، توصل أردوغان إلى قناعة بقدرته على جلب هذه الإدارة إلى النقطة التي يريدها، رغم خطاب شديد اللهجة بعثه ترامب إلى أردوغان في التاسع من أكتوبر.

في ذلك الخطاب، هدد ترامب بتدمير الاقتصاد التركي إن لم تفعل تركيا المطلوب وتوقف عمليتها العسكرية في شمال سوريا. لكن اليوم، وبعد الاجتماع الذي جرى قبل أيام، تبدو الأشياء مختلفة بشكل كبير.

فحين يزور أردوغان واشنطن في 13 نوفمبر، فإن المتوقع أن يهدي ترامب صفقة لشراء نظام باتريوت الدفاعي من الولايات المتحدة.

لقد تفادى أردوغان بهذه السياسة الضغوط الأميركية والروسية وحصل على كل ما أراد في أنقرة وفي سوتشي.

كاتب في موقع أحوال تركية

العرب

—————–

التضامن العربي الكردي أساس المشروع الوطني السوري/ عبدالباسط سيدا

لم يتمكن النظام السوري على مدى عقود من اعتماده سياسة اضطهادية رسمية مبرمجة مزدوجة ضد الأكراد، تمثلت في الحرمان من الحقوق، والتعرض لجملة من المشاريع التمييزية، من إحداث شرخ بين المجتمعين العربي والكردي مثلما هو حاصل في يومنا الراهن.

فالسياسة الاضطهادية تلك تبقى في المستوى السلطوي الفوقي، ولا تؤثر في بنية العلاقات العميقة بين الوسطين الكردي والعربي، خاصة في مناطق الجزيرة ودمشق وحلب، حيث الاختلاط السكاني، وتداخل العلاقات على مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وحتى على المستوى السياسي عبر الانتماء إلى الأحزاب السياسية ذاتها، لاسيما الحزب الشيوعي، ومن ثم الأحزاب الشيوعية واليسارية بتوجهاتها المختلفة.

هذا رغم أن النظام كان يحاول، بكل السبل، تفتيت النسيج المجتمعي الوطني من أجل التمكن من السيطرة على الجميع. وقد تجسّد توجهه هذا بصورة واضحة في أحداث ملعب القامشلي عام 2004، وتعامله مع الانتفاضة الكردية التي كانت احتجاجاً على إقدام عناصر النظام على إطلاق الرصاص الحي على المدنيين العزل المتظاهرين بدم بارد.

ومع تصاعد الاحتجاجات والمظاهرات، أعطى النظام الضوء الأخضر لحفنة مرتبطة به أمنيا من أبناء العشائر في المنطقة الذين حطموا المحلات العائدة بملكيتها للأكراد، ونهبوا وسلبوا ممتلكاتها، الأمر أحدث جروحاً في النسيج المجتمعي، ولكن بفضل تدخل وتأثير العقلاء والحكماء من الجانبين، لم تتطور الأمور نحو الأسوأ الذي كان النظام قد خطط له، ويريده.

ومع انطلاقة الثورة السورية شارك الشباب الكردي في مختلف المناطق، خاصة من غير المنتمين إلى الأحزاب السياسية، في الثورة منذ أيامها الأولى؛ وكانت المظاهرات في المناطق الكردية فاعلة، ولافتة للانتباه. ولكن الذي حصل هو أن النظام كان قد تحسّب للأمر، فهو كان يدرك أن تدخله المباشر لقمع المظاهرات في المناطق المعنية سيؤدي إلى تصاعد التفاعل الكردي مع الثورة، وسيعزز تماسك السوريين في مواجهته.

هذا إلى جانب الخشية من المواقف الدولية التي كانت ستختلف من دون شك، وكان من الصعب حينئذ بالنسبة إليه أن يمرر استراتيجيته التي كانت تقوم على الربط بين الثورة والإرهاب، ومحاولة تصوير ما يجري في سوريا وكأنه صراع بين التيارات الإسلامية العربية السنية المتشددة، والنظام العلماني “الحامي للأقليات” المذهبية والقومية في سوريا.

ولتحاشي كل ذلك، عقد النظام صفقة مع حزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، من أجل تسليمه المناطق الكردية، ليتمكن من ضبطها، ومنع تفاعلها مع الثورة بكل الوسائل وبأي ثمن؛ وتفاصيل هذا الموضوع قد باتت معروفة من قبل الجميع.

ومع ظهور داعش، الذي هو في الأساس كوكتيل مخابراتي أسهمت في صناعته وترويجه أجهزة أمنية متعددة الجنسيات، ومن ضمنها أجهزة النظام نفسها، سعى النظام لخلق حالة من الفوضى العاتية، ووضع العالم أمام خيارين فاسدين: إما النظام بفساده واستبداده أو التطرف الإسلاموي المتشدد الذي يهدد المنطقة، بل والعالم بإرهابه.

وكان من الواضح أن هناك جهات تعمل بمختلف الأشكال من أجل تفجير العلاقات العربية- الكردية، وقد ظهر ذلك واضحا من خلال الهجمات التي قامت بها قوات حزب الاتحاد الديمقراطي على بعض المدن والقرى العربية مثل تل حميس وتل براك دون أسباب مقنعة. كما هاجم بعض المسلحين بلدة تل معروف حيث مقر مشيخة آل الخزنوي، وهاجمت بعض الفصائل التي كانت محسوبة على المعارضة مدينة رأس العين، حيث قامت عناصرها بسرقة الممتلكات العامة والخاصة، وارتكبت جملة من الانتهاكات بحق المواطنين.

بعد ذلك كان الهجوم الداعشي المفاجئ على سنجار والمناطق الإيزيدية المحيطة بها، وهو الهجوم الذي أسفر عن مجازر مروعة، وحالات خطف جماعية للأطفال والنساء، ونهب متوحش للممتلكات. وكانت هناك محاولات مشبوهة من قبل الداعمين والمستفيدين للربط بين العرب السنة والتنظيم المذكور؛ الأمر الذي أحدث صدمة عميقة في الوجدان الكردي الشعبي العام، ومنح ذريعة إضافية للكرد المترددين، أولئك الذين كانوا قد اصطفوا بناء على المصالح مع النظام، لتسويغ مواقفهم، بل واتهام الكرد الآخرين الذين كانوا قد التزموا خط الثورة منذ البدايات بأنهم ضد شعبهم، يتحالفون مع الإسلاميين المتشددين، الأمر الذي كان يتطابق حرفياً مع الاستراتيجية التي اعتمدها النظام منذ البداية كما أسلفنا.

الربيع المنتظر يظل هدف الأكرادالربيع المنتظر يظل هدف الأكراد

ومع الهجوم الداعشي على كوباني ومنطقتها، توفر المزيد من الحجج لأنصار عزل الأكراد عن الثورة السورية، وتعززت جهود أولئك الذين كانوا يخططون، وما زالوا، لإحداث قطيعة مجتمعية بين الكرد والعرب، بل وترسيخ أسباب الكراهية والعداوة بينهم.

وتطورت الأمور، وجاء التدخل الأميركي في سوريا بالتنسيق مع التدخل الروسي، وتم الاعتماد على قوات حزب الاتحاد الديمقراطي في محاربة مشروع داعش، وذلك بعد إخفاق تجربة تدريب فصائل الجيش الحر بسبب إصرار الجانب الأميركي على أن يكون الهدف محاربة داعش من دون النظام.

وكان إقحام القوات المعنية في القتال ضمن المناطق العربية سواء في الرقة أو في دير الزور، وريف الحسكة الجنوبي، من الأسباب التي أدت لاحقاً إلى تصاعد وتيرة خطاب الكراهية بين العرب والكرد؛ خطاب مبني على جرائم خططت لها الأطراف التي كانت، وما زالت، لا تريد الخير للكرد وللعرب، وإنما تريد إشغال الطرفين ببعضهما البعض، لتتمكن من تنفيذ خططها، والوصول إلى أهدافها.

وقد أسهمت انتهاكات عناصر الفصائل العسكرية التي أدخلتها القوات التركية إلى عفرين تحت مسمى الجيش الحر، أو تلك التي رافقت الحملة التركية الأخيرة في منطقتي تل أبيض ورأس العين تحت اسم الجيش الوطني، في تفاقم الأمور بصورة أسوأ، ورسخت حالة من التوتر والتشنج والترقب لدى الأكراد والعرب في الوقت ذاته، وفي مختلف المناطق؛ وكل ذلك لن يكون في مصلحة السوريين، بل سيكون في مصلحة النظام ومصلحة القوى التي تعبث بمصير سوريا والسوريين.

المسؤولية الوطنية تلزم النخب العربية والكردية بالتدخل لمواجهة هذه الوضعية المصطنعة التي فرضت على الجميع بإرادة الآخرين. التزام الصمت في هذه الحالة لا يخدم سوى المتطرفين، سواء في هذا الجانب أو في ذاك، وفي المحصلة النهائية يخدم النظام.

ما نحتاج إليه هو أن نلتزم الصبر والهدوء، ونتناول الموضوع من جوانبه بجرأة وحكمة بعيدة النظر. نبحث بموضوعية عن الأسباب التي أدت إلى ما نحن فيه، ونعمل على تجاوز النتائج السلبية التي لا تخدم قطعاً المشروع الوطني السوري الذي ثار الشعب السوري لتحقيقه، هذا المشروع الذي تمكنت القوى المضادة بفعل عوامل عدة لسنا بصدد الإسهاب في شرحها بتفاصيلها هنا، من عرقلته، حينما دفعت بالثورة نحو مسارات لا تتقاطع من بعيد أو من قريب مع تطلعات السوريين، بل تتناقض معها بالمطلق.

ولكن مهما يكن، فإن الربيع المنتظر سيظل هو هدف السوريين، كل السوريين، رغم كل ما حصل ويحصل.

وما تشهده عدة دول عربية في أيامنا هذه من تحركات شعبية تطالب بإبعاد الفاسدين عن الحكم ومحاسبتهم، بل تدعو إلى تفكيك الأنظمة الفاسدة المفسدة، واحترام إرادة الشعوب، يؤكد أن التغيير بات خياراً استراتيجيا بالنسبة إلى شعوب المنطقة، وكل الأدوات التي استخدمت، وتستخدم لمنع أنصار التغيير لن تتمكن من منع حصول المنتظر المطلوب.

ربما تمكنت من تشكيل عرقلة هنا أوهناك، أو أفلحت أحيانا في تكريس إحباط هنا وهناك، ولكن في نهاية المطاف ستكون الكلمة للشعوب بعد أن تحررت من أوهامها؛ أوهام الأيديولوجيات التي لم تتناسب يوماً مع طبيعة مجتمعاتها وحاجاتها الحقيقية، كما تحررت تلك الشعوب من مخاوفها بعد أن وصل السكين إلى العظم كما يقول المثل، نتيجة تراكمات الفساد والاستبداد.

لقد أثبتت العقلية الماضوية النكوصية بكل توجهاتها فشلها الذريع، الأمر الذي يفتح الطريق أمام الجهود المتوجهة نحو مستقبل أفضل، يضمن لمجتمعنا وأجيالنا المقبلة حياة إنسانية كريمة، ويوفر أسباب نمو مستدام، أساسه الاستثمار الرشيد لمواردنا البشرية والطبيعية.

كاتب سوري

العرب

————————————-

دور أوروبا بعد عملية “نبع السلام”: هل يرسل الاتحاد الأوروبي قوات عسكرية إلى شمال سوريا؟/ حسام الحسون

إرسال قوات أوروبية إلى شمال سوريا يعني حصول الأوروبيين على موطئ قدم قوية في المنطقة، وإمكانية إحياء الثقة مع فرقاء سوريين، أكراد وعرب وغيرهم، كما سينغص على إردوغان خططه المستقبلية، وسيضعف من موقفه الابتزازي ومن استخدامه المتكرر لورقة اللاجئين السوريين. تحليل الباحث السوري حسام الحسون لموقع قنطرة.

بالتزامن مع إطلاق العملية العسكرية التركية في الجزيرة السورية (نبع السلام) هدد الرئيس التركي إردوغان الأوروبيين بفتح حدود بلاده مع الاتحاد الأوروبي أمام اللاجئين، وأوحى بإغراق أوروبا بأكثر من ثلاثة ملايين وستمائة ألف لاجئ في تركيا، مستعدون للعبور براً وبحراً.

وجه إردوغان تهديداته هذه بصورة خاصة للأحزاب الأوروبية الحاكمة، إذ أن فتح أبواب تركيا أمام اللاجئين على أوروبا يعني حدوث موجة لجوء جديدة أكبر من تلك أواخر العام 2015، ما يعني ضمن حسابات الساسة الأوروبيين إتاحة فرصة جديدة للأحزاب اليمينية الصاعدة في أوروبا لكسب مزيد من أصوات الانتخابية وتحقيق مزيد من التقدم على حسابهم في السلطة.

رضوخ الاتحاد الأوروبي

ومما لا شك فيه أن عدم إيجاد حل للأزمة السورية ساهم في تحويل ملف اللاجئين السوريين إلى مجموعة أزمات تختلف شدتها وتفاعلاتها بحسب البلد المضيف. ويتعاطى الرئيس التركي مع هذا الملف على أنه ورقة قوية رابحة في سياق التفاوض مع الاتحاد الأوروبي، وفي ابتزازه، وكذلك الأمر مع أطراف الحرب في سوريا.

“الخطأ الاستراتيجي الأكبر للاتحاد الأوروبي”: يرى حسام الحسون -باحث في التاريخ الحديث والمعاصر وطالب دكتوراه في دارسات العالم الإسلامي في جامعة الرور بمدينة بوخوم، ألمانيا- أن “وصول قوات أوروبية إلى شمال سوريا يعني للاتحاد الأوروبي تحقيق الحد الأدنى من تحمل مسؤولياته السياسية والأخلاقية والإسهام في تحقيق سلام يسهم في إنهاء الأزمة السورية التي طالت وأثقلت كاهل الحكومات الأوروبية”… ويرى أن “الخطأ الاستراتيجي الأكبر، الذي ارتكبه الاتحاد الأوربي فيما يخص القضية السورية، كان الاعتماد على الحليف الأمريكي بصورة شبه كاملة في مسألة التواجد العسكري الغربي في سوريا”.

وقد بدت فعالية ورقة الضغط هذه جليةً من خلال رضوخ الاتحاد الأوروبي الواضح أمام تهديدات رجب طيب إردوغان عبر الاقتصار على إدانة “العدوان” التركي، ومحاولة خجولة لفتح ملف حظر توريد السلاح الأوروبي لتركيا، بإضافة إلى انتقاد هذه الحملة العسكرية في وسائل الإعلام، والسماح لمعارضي الحملة العسكرية بنظم وقفات احتجاجية أمام السفارات والقنصليات التركية في أوروبا.

تهجير جديد لمهجري إدلب المدنيين؟

وبحسب المعطيات على الأرض السورية، تبدو المنطقة الآمنة المزعومة مخصصةً فعلاً لاستقبال لاجئين سوريين. ولكن مهلاً! ليس أولئك المتواجدون حالياً في تركيا، وإنما لتهجير جديد قد يطال المدنيين في إدلب، لاسيما أولئك المهجرون أصلاً من مناطق سورية أخرى إلى إدلب، وذلك عبر إعادة تهجيرهم مجدداً من إدلب، وتوطينهم على الطرف السوري من الحدود التركية-السورية، ضمن صفقة محتملة في مسلسل الصفقات التي تشرف عليها روسيا في سوريا. بموجب هذه الصفقات تخرج معظم أطراف الحرب السورية رابحةً على حساب الشعب السوري نفسه.

وواقعيا تمس المسألة أمن تركيا الاستراتيجي بشكل مباشر، إذ قد تسهم مثل هذه الصفقة في تحقيق إنجاز ذي “طبيعة مستدامة” فيما يخص سياسة حظر صعود كيان كردي على حدودها الجنوبية الغربية، وذلك عبر تغيير ديموغرافي قسري يزيد من نسبة السكان العرب السنة في هذه المنطقة الحساسة بعد تهجيرهم من إدلب.

كما يستغل إردوغان هذه الورقة إلى آخر حد، فيوحي في نفس الوقت لمعارضيه في الداخل التركي أن المنطقة الآمنة في شمال سوريا ستسهم في إعادة اللاجئين السوريين في تركيا إلى بلدهم، أو بالأحرى إعادة توطينهم في منطقة ما خارج تركيا.

وفيما يتصل بالموقف في موسكو، تعني السيطرة على إدلب، أو القسم الجنوبي منها على الأقل، التحكم بعقدة المواصلات الأهم في سوريا: طريق M5 الرابط بين حلب ودمشق، وطريق M4 الرابط بين حلب واللاذقية، وهما، إن جاز التعبير، بمثابة الشريان الأبهر الصاعد (Ascending aorta) والشريان الأبهر النازل (Descending aorta) بالنسبة لخريطة المواصلات في “سوريا المفيدة”.

“مخططات بعثية قومجية قديمة”

أما بما يرتبط بالموقف في دمشق، يعني الأمر انتصار جديد مزعوم في إدلب، ونفض الغبار عن مخططات بعثية قومجية قديمة حول الحزام العربي المفترض إقامته منذ ستينيات القرن العشرين على الضفة السورية من الحدود السورية-التركية.

وفيما يتعلق بموقف قوات سوريا الديمقراطية، تعني وصول قوات أوروبية تجديد الثقة بأوروبا، والاعتماد على طرف ضامن أكثر نزاهة من أمريكا وروسيا وتركيا والنظام السوري مجتمعين.

“حد أدنى من تحمل أوروبا للمسؤولية”

وفيما يخص الاتحاد الأوروبي، يعني الأمر تحقيق الحد الأدنى من تحمل مسؤولياته السياسية والأخلاقية، والإسهام في تحقيق سلام يسهم في إنهاء الأزمة السورية التي طالت وأثقلت كاهل الحكومات الأوروبية. كما يعني ذلك الحد من وصول اللاجئين إلى أوروبا، وإمكانية إبقاء السوريين في بلدهم، أو في الحد الأدنى قصر إمكانية لجوئهم على مناطق أخرى داخل الجغرافيا السورية نفسها.

ضمن هذه الحسابات يتضح للمراقب أن الخطأ الاستراتيجي الأكبر، الذي ارتكبه الاتحاد الأوربي فيما يخص القضية السورية، كان الاعتماد على الحليف الأمريكي بصورة شبه كاملة في مسألة التواجد العسكري الغربي في سوريا.

فمقارنةً مع الولايات المتحدة، يبدو الاتحاد الأوروبي معني بصورة مباشرة بتطورات الحرب في سوريا وبانعكاساتها على دول الجوار السوري، ومن ثم بعلاقات هذا الجوار مع أوروبا نفسها. وبالتالي، توجب على حكومات الاتحاد الأوروبي أن تكون منخرطة بصورة أكبر في المسألة السورية، وليس الاتكال على الحليف الأمريكي الذي يمر بمرحلة تقلب سياساته الخارجية.

إرسال قوات أوروبية إلى شمال سوريا يعني حصول الأوروبيين على موطئ قدم قوية في المنطقة، وإمكانية إحياء الثقة مع فرقاء سوريين، أكراد وعرب وغيرهم، كما سينغص على إردوغان خططه المستقبلية، وسيضعف من موقفه الابتزازي ومن استخدامه المتكررة لورقة اللاجئين السوريين.

​​​​​​إن حدث، واقتنع الاتحاد الأوروبي بإرسال قوات عسكرية أوروبية إلى الجزيرة السورية، فقد يعني ذلك بالنسبة لأنقرة الخوض في حسابات استراتيجية جديدة، إذ لا بد من الشروع في مفاوضات على اتفاقية لتحديد عدد هذه القوات، ومدة بقاءها، ونوعية السلاح الذي ستحمله، وكمياته، وغيرها من بنود، ما قد يكفل عدم تحويل هذه المنطقة الآمنة إلى منطقة انتداب أوروبية شبيهة بما حصل عقب نهاية الحرب العالمية الأولى في الولايات العثمانية العربية، لاسيما في فلسطين، التي لم تخرج القوات البريطانية منها في عام 1948 إلا بعد أن ضمنت لمليشيات الهاغانا ما يكفل لها من قوة عسكرية قادرة على إلحاق الهزيمة بالجيوش العربية المصرية والأردنية والسورية واللبنانية والعراقية والسعودية مجتمعةً، وتحقيق وعد بلفور واقعاً على الأرض.

وأخيراً لا بد من الإشارة إلى أن استقرار اللاجئين السوريين في تركيا، أو عودتهم إلى وطنهم، لا يصب أبداً في مصلحة الرئيس التركي، لاسيما ضمن الظروف الراهنة. الأمر يشبه إلى حد بعيد الطريقة التي استخدمتها بعض الأنظمة العربية مع اللاجئين الفلسطينيين: لا استقرار، ولا عودة. فالرقم الذي وظفه إردوغان في تهديده الأخير لأوروبا (ثلاثة ملايين وستمائة ألف لاجئ) هو نفسه عدد اللاجئين السوريين في تركيا دون غيرهم بحسب إحصاءات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR).

أي أن استقرار السوريين في تركيا، أو عودتهم إلى وطنهم، لا يعني فقط ضمن هذا المنظور انتهاء مفعول ورقة الضغط التركية، بل انقلاب الطاولة على إردوغان نفسه، إذ سيتلو ذلك إحياء ملفات دعم المعارضات التركية، والمفاوضات المتعلقة بها، والتي سيغدو فيها الطرف الأضعف، لاسيما مع استمرار تناقص شعبية حزب العدالة والتنمية وتصاعد شعبية معارضيه.

حسام الحسون

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

ar.Qantara.de

—————————

إيران و”نبع السلام”… الطبع غلب التطبع/ ماجد عزام

انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ما وصفها بالأصوات المزعجة الصادرة من إيران تجاه عملية “نبع السلام” لإقامة منطقة آمنة للاجئين، خالية من الإرهابيين شمال سوريا، وطلب من نظيره الإيراني حسن روحاني إيقاف تلك الأصوات كونها تسبب الإزعاج له ولرفاقه في القيادة التركية.

ما قاله الرئيس أردوغان يكاد يختصر الموقف الإيراني من عملية “نبع السلام”، حيث غلب الطبع التطبع. فالدولة الإيرانية تبنت رسمياً لهجة دبلوماسية هادئة ولم ترفع حدة اللغة أو السقف السياسي تجاهها، بينما خرجت تصريحات مناقضة من الدولة الموازية لا الثورة لأن معادلة الثورة والدولة انتهت منذ سنين طويلة، أي منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وتولى هاشمي رفسنجاني رئاسة الجمهورية، وفي الحد الأدنى منذ تزوير انتخابات 2009 ووضع المرشح الفائز مير حسين موسوي وقادة المعارضة في السجن، ثم الإقامة الجبرية، علماً أن الدولة الموازية التي تتحكم فعلاً بالقرار هي من أدارت الحملة السياسية والإعلامية ضد عملية “نبع السلام” عبر تصريحات لمسؤولين مقربين منها، وآخرين سعوا لإرضائها كما عبر ذراعها المتمثل بالحشد الشعبي الإعلامي من مقره المركزي في بيروت.

الموقف الإيراني الرسمي أي موقف الرئيس روحاني وحكومته جاء هادئاً لعدة أسباب

منها أن إيران نتيجة لسياسات الدولة الموازية والمتنفذة، وعجز روحاني شخصياً عن تنفيذ سياساته وبرامجه باتت مستنزفة في عدة جبهات ولا تريد الانشغال في معارك وجبهات أخرى، رغم تورطها في سوريا، لكنها تبدو بالعموم بعيدة نسبياً عن الشمال السوري ومستجداته.

إلى ذلك يعرف روحاني وحكومته أن ليس من مصلحتهم إغضاب أو استفزاز تركيا التي تعارض العقوبات ضدها، كما أنها وقفت مراراً إلى جانب إيران في اللحظات الصعبة، كما قال الرئيس أردوغان وهي تمثل متنفسا محتملا أو ساحة يمكن أن تخفف طهران عبرها الضغوطات والعقوبات الاقتصادية ضدها.

ثمة معطى آخر في الحسابات السياسية لروحاني والدولة الإيرانية يتمثل بالنظر للعملية بصفتها تعبير عن الأزمة بين تركيا وأميركا، وهي أي إيران مستفيدة من الخلافات بينهما في الحالتين، ربما اعتقدت أو فهمت أن موقف تركيا أقوى كما أن الانسحاب الأميركي من الشمال السوري هناك سيصب لصالحها في ظل صراعها المستجد والمحتدم مع أميركا.

سبب آخر يكمن في واقعية حكومة روحاني وحساباتها الباردة المستندة إلى قناعاتها أنها لم تعد لاعبا – رغم ضجيج وصخب الحشد الشعبي الإعلامي – مركزيا ومؤثرا في سوريا بعد فشلها في حماية نظام بشار الأسد ومنع سقوطه هي وحشودها الشعبية، واستجدائها الاحتلال الروسي الذي أخذ المكانة القوية لإيران في مناطق النظام نيابة عنها، وبالتالي فإن المشهد في سوريا يحسم نتيجة تفاهمات ثنائية بين تركيا وأميركا وروسيا وحتى معادلة أستانا التي تبدو ثلاثية شكلياً، إلا أنها في الواقع أقرب إلى صيغة 2 + 1 كما اتضح في كل التفاهمات الثنائية المتعلقة بإدلب، ثم المنطقة الآمنة شرق وغرب الفرات التي تم التوصل إليها بين موسكو وأنقرة.

بناء على ما سبق كله جاءت اللهجة الإيرانية الرسمية هادئة حتى مع تحفظها الخجول تجاه العملية، إلا أن ذلك جاء على قاعدة تفهم الحاجات والمصالح التركية، وحقها في محاربة الإرهاب دفاعاً عن أمنها.

من هنا، نصل إلى السؤال عن مصدر وأسباب الأصوات الإيرانية المزعجة ضد العملية حسب تعبير الرئيس أردوغان، كما عن قدرة روحاني على إيقافها، ولماذا سمح بها ولم يمنعها أصلاً.

الدولة الموازية المتنفذة صاحبة القرار الفعلي يقودها مسؤول الحرس الثوري قاسم سليماني الرئيس الفعلي للبلاد، وواضع السياسات الإيرانية في الحوض العربي، الإسلامي الممتد من المغرب العربي إلى المشرق، الإسلامى تحديداً فى شرق المتوسط وهي تتصرف بذهنية إيديولوجية تاريخية موتورة تعتقد أن أي حضور ونفوذ لتركيا يأتي على حسابها وضد مصلحتها، مع مزيج من التفكير الفارسي والصفوي كونها دولة قومية مذهبية حسب التوصيف الدقيق للمفكر الإسلامي العبقري حسن الترابي رحمه الله.

لا ينفصل عما سبق حقيقة أن تركيا تتصرف بعقل وحدوي جامع، بينما إيران تتصرف بعقل أقلوي تقسيمي. فكرة التقسيم ولو غير المعلن حاضرة دوماً في سياساتها الإقليمية. هنا فقط يمكن تذكر مصطلح سوريا المفيدة الذي وضعته أساساً الدولة الموازية، وروجت له مع أبواقها من الحشد الشعبي الإعلامي في بيروت، وهو مصطح انفصالي مذهبي يشبه مصطلح سوريا المتجانسة لبشار الأسد، وأي عمل ناجح لتركيا ينهي الأفكار التقسيمية والانفصالية يؤذي إيران ومشروعها. هذا النفس التقسيمي – ذهنية الغرباء – كان سببا أو أحد أسباب تماهي إيران مع الغزاة والاحتلالين الأمريكي في العراق والروسي في سوريا.

من هنا تعتقد الدولة الموازية أن زيادة قوة تركيا تؤدي مباشرة للانتقاص من إيران ومشروعها الاستعماري وإمبراطوريتها الوهمية الفارسية، مع الانتباه إلى حقيقة أن اضطرار تركيا للعمل العسكري في سوريا والعراق يمثل استثناء في سياساتها الخارجية العربية الإسلامية تحديداً، القائمة أساساً على القوة الناعمة في أبعادها وجوانبها المختلفة، بينما لا تملك إيران سوى الحديد النار الدم والدموع لفرض حضورها ونفوذها.

تشنج الدولة الموازية التي يقودها سليماني وحشوده الشعبية الطائفية

تجاه عملية “نبع السلام” ناتج كذلك عن فضحها الضعف الإيراني والعجز عن التأثير على الأحداث في ساحات يقودها سليماني مباشرة، رغم البروباغندا السياسية الإعلامية التي تتبجح بأنها القوة الإقليمية الأكبر في المنطقة.

إلى ذلك فإن دولة سلطة سليماني الموازية المتنفذة غير متأكدة من استفادة نظام الأسد جراء العملية وتعتقد أن الفائدة ستذهب للروس المستعدين دوماً لبيع النظام وحتى إيران نفسها، كما يكتب مراراً في صحفها مواقعها ومنابرها الإعلامية.

العلاقة القوية مع بي كا كا بجناحيه في سوريا والعراق مثلت كذلك أحد أسباب موقف دولة سليماني الموازية تجاه “نبع السلام” كونها كانت حاضرة دوماً في ترتيب الأوضاع بينه وبين النظام، وحتى المشاركة إلى جانبه ضد الثوار السوريين وتركيا في معارك تل رفعت منبج عفرين في سوريا. كما فعلت مع التنظيم الإرهابي نفسه في معارك سنجار وتل عفر بالعراق، وهي حتى من دفعت وتدفع رواتب لأعضاء التنظيم، أيضاً عبر حشدها الشعبي العراقي.

أما فيما يخص روحاني فهو لا يملك القدرة على إيقاف الأصوات المزعجة، ولم يملك القدرة على منع صدورها أصلاً. هو يعي أن السياسات الخارجية الفعلية – حتى الداخلية – بشكل عام، والإقليمية بشكل خاص، ترسم بشكل كامل من سليماني ودولته الموازية بتماهي تام مع مكتب على خامنئي المريض المعزول مع تساؤل عمن يقود من هو أو سليماني.

في العموم أكدت الأصوات المزعجة ضعف وعجز روحاني، الازدواجية الإيرانية مع قوة الدولة الموازية المتنفذة وتحكمها الفعلي بالقرار العام. أما من الناحية التركية الإقليمية فلم تكن أكثر من ضجيج مزعج في الخلفية، علماً أنها أكدت كذلك تراجع الدولة الموازية خارجياً، عجزها عن التأثير على العملية أو عرقلتها، كما مجريات الأحداث في سوريا بشكل عام.

تلفزيون سوريا

—————————–

النظام و”قسد” شرقي الفرات: هل اقتربت المواجهة؟/ ريهام منصور

تلقت قوات النظام المتجهة إلى جبهات القتال في رأس العين شمالي الحسكة، هزائم متتالية على يد “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا، في كافة المعارك التي خاضتها. وبدأت مليشيات النظام بالتقهقر من حدود رأس العين إلى منطقة تل تمر، وسط أنباء  متسارعة عن إمكانية سحبها من البلدة وتركها لـ”الجيش الوطني”.

مصادر “المدن” أفادت أن الاشتباكات على المحور الجنوبي لرأس العين، أجبرت قوات النظام على التراجع من نقاطها في قرى الجميلية والسيباطية وام الكيف، لتنقل تمركزها إلى أطراف بلدة تل تمر، لكن “الجيش الوطني” ما زال يلاحقها، رغم ما قيل عن اتفاق روسي-تركي يقضي ببقاء المنطقة الأخيرة تحت سيطرة النظام و”قوات سوريا الديموقراطية”.

وأفادت مصادر مقربة من ضباط في قوات النظام، بإن قوات النظام المقبلة من “الفوج 154” تبدو غير مؤهلة لخوض مواجهات، لعدم اشتراكها في معارك سابقاً، وقد تنسحب إلى مقر الفوج قرب القامشلي. ويعني ذلك تخلي قوات النظام عن تل تمر، التي يشكل العرب والاشوريون الغالبية العظمى من سكانها، وبالتالي فقد لا تدافع عنها “وحدات حماية الشعب” الكردية.

وعلى المحور الشرقي لرأس العين تمكن “الجيش الوطني” من السيطرة على قرى جديدة وانتزاعها من “قسد” وقوات النظام مثل  بلدة ابو رأسين والأسدية والمشيرفة والريحانية وعنيق الهوى، وقامت قوات النظام بإخلاء جميع القرى الشرقية على طريق رأس العين-الدرباسية، منسحبة إلى الدرباسية، بعد قطع طريق امدادها من بلدة تل تمر.

وقال أحد قادة “الجيش الوطني” في رأس العين، لـ”المدن”، بإن “الاخوة الاتراك منحونا الضوء الأخضر لانتزاع السيطرة على بلدة تل تمر ومناطقها”.

وفي محاولة لاعاقة تقدم “الجيش الوطني”، قامت “وحدات الحماية” بإشعال برك كبيرة من النفط، في محيط بلدة تل تمر، بقصد التشويش على طائرات الاستطلاع التركية.

وعلمت “المدن” من مصادر “الفوج 154″، أن مجموعة جديدة من قوات النظام تضم 36 عنصراً، قد وقعت، الأربعاء، في كمين في عنيق الهوى، وقتل منها 6 عناصر، وأسر 18 بينهم ثلاثة ضباط، فيما استطاع الباقون الفرار باتجاه نقاط النظام و”قسد” في الخطوط الخلفية. وكان “الجيش الوطني” قد أعلن، الثلاثاء، عن أسر 18 عنصراً من قوات النظام، خلال معارك ريف رأس العين الشرقي في قرية عنيق الهوى.

وفي هذه الاثناء، تشهد الحسكة والقامشلي وعامودا والدرباسية، حالة من الفوضى والتخبط، بسبب موجة النزوح المتواصلة من مناطق الاشتباك، ومن انتكاسة قوات النظام على الجبهات.

وتتبادل الوحدات والنظام الاتهامات، بتسليم المناطق والتخاذل في المعركة. وأعرب قادة من النظام عن خيبتهم من إمكانيات “قسد” بعدما طالبت فقط بـ”غطاء سيادي” لعملياتها، ثم تبين أنها في منتهى الضعف. فيما يتهم القادة الاكراد النظام بالتهاون للسماح للجيش التركي والفصائل السورية بـ”اذلالهم” لانتزاع مزيد من التنازلات من الطرف الكردي قبل التدخل الفعال في المعارك، ويدلون على ذلك بنوعية القوات الهزيلة التي زج بها النظام في المعارك، ومعظمها لم تدخل أي معركة حقيقية خلال السنوات الماضية.

غموض الموقف الروسي

وسط هذا الاضطراب، ما زالت الأطراف المشاركة في العمليات تترقب الموقف الروسي، الذي لم يصدر عنه سوى تصريحات عامة، تفيد بانسحاب “قسد” وفق اتفاق سوتشي. وعلمت “المدن” بوجود انقسام داخل الصف الكردي يعيق تنفيذ الاتفاق، ويرفض الانصياع له، الامر الذي دفع موسكو لغض النظر عن التحركات التركية، والسماح لقواتها بالتقدم إلى مناطق سيطرة “قسد” شرقي رأس العين، لاخضاع الجناح المتشدد في “قسد”. والخلاف الروسي مع الجناح المتشدد في “قسد”، أي جناح قنديل، لا يتعلق فقط بقتال القوات التركية، بل بالاتفاق النهائي بين “قسد” والنظام، الذي قدم جناح قنديل تحفظات عليه، وفسره وفق رؤيته، خاصة على صعيد العلاقة مع قوات النظام والتي يريدونها بهامش كبير من الاستقلالية، فيما يريدها الروس، كـ”المصالحة” مع المعارضة في الجبهة الجنوبية، أي الانخراط في “الفيلق الخامس”، أو في قوة جديدة، ضمن هيكل وتراتبية وقوانين تتبع لقوات النظام.

تمرد كردي محتمل

مصادر “المدن” أشارت إلى أن القيادات الكردية في الرقة، تعقد اجتماعاً الخميس، للبت في مصير قوات النظام المتمركزة في عين عيسى، والتي لم تساهم في العمليات الجارية، وكان وجودها رمزياً، بل عالة على القوات الكردية. وثمة اتجاه إلى الطلب من قوات النظام في عين عيسى اخلاء المنطقة، بالتزامن مع قرار بإعادة مؤسسات الإدارة الذاتية إلى المدينة، وفرض سيطرة “قسد” عليها مجدداً. يأتي هذا التحرك مستقوياً بالقرارات الاميركية المفاجئة، بالبقاء في سوريا، وعودة القوات الأميركية إلى قاعدة صرين في ريف حلب الشرقي، ليس بعيداً عن عين عيسى، ما يؤمن الحماية لهذه البلدة. وهذا الأمر إن حصل، سيكون سابقة تبني عليها “قسد” للتمرد والانسحاب من الاتفاق المعلن مع النظام وروسيا، بعدما ثبت بالدليل القاطع إن كلاهما غير جاد بالوقوف في وجه التدخل التركي، بل فقط لابتزاز “قسد”.

إلى أين يذهب الاكراد؟

أدت القرارات المتخبطة والمتسرعة من “قسد” إلى تعقيد موقفها على الساحة، فلا هي بقيت تحت المظلة الاميركية، ولا عقدت اتفاقاً جيداً مع النظام وروسيا، يؤمن حماية المدن الكردية على الحدود. وما زال وضع “قسد” منقسماً بين الشراكة مع الولايات المتحدة في جنوب شرق الفرات، وبين الشراكة مع روسيا والنظام في شمالها، موضع خلاف شديد بين جناحين كرديين.

ولا يبدو من سبيل للاستمرار في هذا التجاذب إلا باتخاذ أحد خيارين أحلاهما مر؛ فإما الانحياز الكامل لموسكو والتحالف معها، بما يعنيه ذلك من فقدان السيطرة على أجزاء كبيرة من مناطق “قسد” وخسارة فاعليتها، وإما الالتحاق كلياً بالقوات الاميركية المتموضعة جنوباً، بما يعنيه ذلك من فقدان “القواعد” الكردية الرئيسية في المدن الحدودية.

المدن

—————————–

في عدالة القضية الكردية/ علي أنوزلا

أعادت الأحداث في شمال سورية الحديث عن القضية الكردية، بوصفها واحدةً من القضايا المعقدة والشائكة في الشرق الأوسط، والتي بدون إيجاد حل لها يصعب تصور شرق أوسط خال من الصراعات والنزاعات والحروب التي تشهدها المنطقة منذ مطلع القرن الماضي. فقد أدى الهجوم التركي أخيرا على شمال سورية، واستهداف المنطقة الخاضعة لسيطرة أكراد سورية، إلى حالة من الاصطفاف في العالم العربي ما بين مؤيدين ومعارضين لهذا الهجوم، بين من اعتبره حقا شرعيا للنظام التركي في الدفاع عن نفسه، وحماية حدوده من الفصائل الكردية التركية المسلحة التي تتخذ من شمال سورية قاعدة خلفية في هجومها على الجيش التركي، وأبرز هذه الفصائل حزب العمال الكردستاني (التركي) الذي تصنفه أنقرة تنظيما “إرهابيا”. وأغلب هؤلاء المؤيدين للهجوم من المحسوبين على التيارات الإسلامية، وبالتالي موقفهم مساند للرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الإسلامي، العدالة والتنمية، وربما كانوا سيتخذون موقفا آخر لو كان على رأس تركيا العلمانية حزبٌ آخر وزعيمٌ آخر لا يتقاسمان معهم الانتماء إلى الإيديولوجيا الإسلامية.

أما من عارضوا الهجوم التركي ووصفوه احتلالا لأرض عربية، فمن بينهم من بنى موقفه المسبق على معاداته النظام الإسلامي في تركيا، ومن بينهم من تضامنوا مع الكرد بسبب انتمائهم إلى قومياتٍ تتقاسم مع الأكراد معاناة الاضطهاد نفسها وعدم الاعتراف بها داخل بلدانها. ولن نتحدث هنا عن النفاق الغربي الذي أبانت عنه دول أوروبية كثيرة أقامت الدنيا ولم تقعدها في احتجاجها على الهجوم التركي على شمال سورية، وفي الوقت نفسه، تدعم الهجوم الإجرامي السعودي الإماراتي على شعب اليمن، وتزكّي وتبارك منذ عقود الظلم الإسرائيلي السافر للشعب الفلسطيني. وفي كل الحالات، غاب الموقف المبدئي المبني على القيم الكونية المشتركة التي تنتصر للحرية والحق والعدل.

والمفارقة أن الذين أيدوا الحملة التركية، خصوصا من المنتمين لتيارات الإسلام السياسي، هم أنفسهم الذين يرفعون لواء الدفاع عن القضية الفلسطينية، على اعتبار أنها قضية تحرّر وتقرير مصير شعب مظلوم. وفي المقابل، أغلب الذين رفعوا أصواتهم للتنديد بالهجوم التركي ومناصرة الأكراد هم أنفسهم الذين يغضّون الطرف عن الاحتلال الإسرائيلي الغاشم لأرض فلسطين، بل ويسعون إلى التطبيع مع الكيان الإسرائيلي العنصري، غير آبهين بالظلم التاريخي الذي ألحقه وما زال بالشعب الفلسطيني. والواقع أن القضية الكردية لا تختلف، من حيث الجوهر، عن القضية الفلسطينية، فثمّة تلاقٍ أخلاقي وتاريخي وسياسيوجغرافي ما بين القضيتين. ومن يعتبر القضية الفلسطينية قضية ظلم تاريخي وبشري وجغرافي لا يمكنه إلا أن ينتصر للقضية الكردية، لكونها أيضا قضية شعوبٍ ظلمت تاريخيا وجغرافيا، عندما مزّقت أرضها اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 بين عدة دول، أوجد بعضَها الاستعمار لزرع الفتنة والتفرقة بين شعوب المنطقة، تماما كما حصل للقضية الفلسطينية التي أحدث وعد بلفور المشؤوم عام 2017 كيانا هجينا فوق أرضها لإبادة شعبها وتشريده، وزرع الفتنة والحروب التي لم تتوقف في المنطقة منذ مائة عام ونيف.

من ينتصر للقضية الفلسطينية لا يمكنه إلا أن يقف إلى جانب حق الشعب الكردي في تقرير مصيره بكل حرية، بعيدا عن إملاءات الأنظمة التي تقمعه وتدخلات الدول التي تريد أن تستعمله حطبا في حروبها الاستعمارية الجديدة، بحثا عن مصالحها الجيوستراتيجية في منطقة حسّاسة. وفي المقابل، لن يستقيم موقف الذين يرفعون اليوم أصواتهم دفاعا عن الأكراد ضد الهجوم التركي، إذا ما استمرّوا في الصمت عن الظلم التاريخي الذي تعرّض ويتعرّض له الشعب الفلسطيني، بل ويسعون إلى التطبيع مع الكيان الذي ارتكب، وما زال يرتكب، هذا الظلم ببشاعة وعنجهية وغطرسة.

لقد سبق الفلسطينيون والأكراد كل الأنظمة، وكل أصحاب الإيديولوجيات والانتماءات السياسية والعرقية والإثنية الطارئة، إلى التعبير عن الترابط فيما بينهما باعتبارهما أصحاب قضايا عادلة وضحايا ظلم تاريخي، عندما امتزج الدم الكردي مع الدم الفلسطيني في حربه العادلة من أجل إثبات حقه في الوجود، وفي تقرير مصيره على أرضه التاريخية. حدث ذلك إبّان العدوان الإسرائيلي على لبنان بداية ثمانينيات القرن الماضي. ومن مفارقات التاريخ أن الفصيل الكردي الذي قاتل إلى جانب الفلسطينيين واللبنانيين ضد الغزو الإسرائيلي الغاشم كان ينتمي إلى حزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه تركيا إرهابيا، وبدعوى القضاء عليه نفذت هجومها أخيرا على شمال سورية. فما بين القضيتين، الفلسطينية والكردية، من اتصال أوثق من أن تقطعه بينهما مواقف سياسية أو عقائد إيديولوجية أو انتماءات قومية وعرقية. كلتا القضيتين عادلتان، يربط بينهما خيطٌ رفيعٌ، لكنه وثيق، هو خيط العدل والحق، القيمتين الجوهريتين اللتين تبنى على أساسهما المواقف المبدئية التي لا تتبدّل مع تبدل الأحوال، ولا تتغير بتغير الزمان والمكان. كلتا القضيتين تستحقان منا كل الدعم والتأييد والمناصرة نفسيهما بلا تردّد ولا تحفظ، ولن يستقيم مصير المنطقة، ويكتب لها استقرارها، وتشهد تنمية شعوبها وتطورها، ما دامت هاتان القضيتان المعقدتان معلقتين، ومتروكتين لمزايدات أنظمة قمعية واستبدادية، ومغامرات المحتلين وأطماع الاستعماريين الجدد.

العربي الجديد

—————————————–

القوى السياسية الكردية في سوريا واستجداء الحقوق/ خلف علي الخلف

في يوم واحد اطلعت على بيانين صادرين عن قوى سياسية كردية سورية متعارضة، لكنهما يتشاركان في التعمية على حقوق الكرد السوريين الناصعة الوضوح. الأول كان بيانا صادرا عن الإدارة الذاتية لـ “شمال وشرق سوريا”، وهي أخر تسمية لإقليم الجزيرة الواقع ضمن حدود سوريا، والتي تم اعتمادها من القوى الكردية السورية المتفرعة عن حزب العمال الكردستاني التركي التي تحكم الإقليم، بعد ضغوط أمريكية متواصلة لتحسين فرص قبولهم من السكان المحليين، بعد سيطرتهم عليه بشكل تام كنتاج لنهاية الحرب مع تنظيم الدولة الإسلامية الذي قتل “خليفته” قبل قليل. أما الثاني فهو خطاب عبد الحكيم بشار ممثل المجلس الوطني الكردي في اجتماعات اللجنة الدستورية التي تجتمع في جنيف، بصفته جزءاً من قوى المعارضة الممثلة في الائتلاف السوري الذي تسيطر على إرادته ومخرجاته الدولة التركية أيضاً.

هذا مدخل جيد لنقاش القضية الكردية السورية، فالقوى السياسية الكردية تخضع لإدارة عابرة للحدود، لكنها تدافع عن وحدة التراب الوطني السوري.فبيان الإدارة الذاتية يعدد ما قدمته الإدارة دفاعاً عن وحدة الأراضي السورية، ويستجدي السلطات الحاكمة في دمشق أن تقبل الحوار للوصول إلى ما أسماه “حل سياسي”، بينما خطاب المجلس الوطني عبر ممثله يركز في مطالبه على “حماية وحدة سوريا وسلامة اراضيها وسيادتها الوطنية” ويؤكد على أن “الشعب السوري الواحد”.

يعتقد المرء لكثرة تكرار الخطاب السياسي الكردي “السوري” لـ لازمة وحدة التراب الوطني السوري، ووحدة الشعب السوري أن هذه الوحدة منصوص عليها في الكتب السماوية المقدسة، بل ربما وجد النص عليها في الألواح السومرية، التي تشكل أقدم تدوين لغوي بشري، وبالتالي فإن مخالفتها هو عبث بالمقدسات وعبث بنصوص ما قبل التاريخ، مما يجعل المطالبة بالحقوق الكردية في تضاد مع إيمان جميع المؤمنين أيّاً كانت ديانتهم، يحتاج بالتالي لكل هذه “التقية السياسية”، ويتطلب تزويراً لوقائع التاريخ القريب، التي تقول أن سوريا لا تشكل دولة إقليم، بل هي نتاج خرائط معاهدة سايكس- بيكو وما تلاها من اتفاقات دولية، وبالتالي هي عبارة عن خريطة جغرافية رسمها مستعمرون قبل مئة عام لا يعرفون عن المنطقة إلا خرائط النفوذ وقد تحولت هذه الخريطة إلى دولة، لكن هذه الدولة لم تنجز هوية تحولها إلى دولة راسخة، بل عاشت جل تاريخها كمزرعة لحكامها وهو ما ينفي عنها صفة الدولة.

فيما يخص الإدارة الذاتية التابعة لحزب العمال الكردستاني فقد قاومت هذه الإدارة بعناد لا يمكن فهمه سياسياً كافة الضغوط الأمريكية لتحويل الإقليم الذي يقع تحت سيطرتها إلى كيان قابل للعيش والاستمرار، عبر فتح المشاركة السياسية لكافة السكان، وإنجاز هياكل حكم محلية تحظى بالمصداقية المحلية قبل الدولية، ورفضت كافة دعوات الحوار من السكان لإنجاز حكم تشاركي يحظى بالديمومة، ويشجع سكان الإقليم على التمسك بالوضع القائم الذي نتج عن متغيرات في السياسة الدولية. وذلك كان يمكن له أن يصحح أخطاءً تاريخية نتجت أيضا عن متغيرات سياسة دولية جعلتالجزيرة جزءا من سوريا، ونتيجة هذا العناد والإصرار على إعادة انتاج أيديولوجيا شمولية تكرر حكم البعث المندثر في هذه المنطقة، فرطوا بمكتسبات واقعية كان يمكن أن ينتج عنها استقلال الإقليم. خصوصاً وأنهذا الإقليم بحدوده التاريخية المعروفة، وبمكوناته السكانية الحالية يمتلك هوية مشتركة للسكان؛ تقوم على الثقافة المشتركة، وطرق تحصيل العيش،والوجود التاريخي المشترك لآلاف السنين، وهو ما يقدم أرضية صلبة للمطالبة بحق تقرير المصير والانفصال عن سوريا. لكن الإدارة الذاتية فرطت بكل هذا حتى وجدت نفسها في المآل الأخير تستجدي سلطات دمشق للقبول بالحوار معها، والتي لم تقبل بأقل من حل نفسها والعودة الفردية لعباءتها الفاشية.

أما خطاب المجلس الوطني الكردي في اللجنة الدستورية غير الشرعية، التي شكلتها دولا فاعلة في الملف السوري تحت عباءة الأمم المتحدة، لم يكن بودي التعليق عليه، ذلك أن الملهاة الدستورية برمتها تجري بمعزل عن السوريين، لولا أنه طرح نفسه ممثلاً لغالبية الكرد في سوريا في تزويرٍ فادح للوقائع، كما وادعائه أن سوريا شعباً واحداً ودفاعه المستميت عن وحدة “التراب الوطني”. وهو ما يزايد على أي قوى سياسية تطالب بحق تقرير المصير لإقليم الجزيرة الفراتية الذي تنطبق عليه كافة الاشتراطات والمحددات القانونية الدولية لطلب هذا الحق وطرحه للنقاش العام أمام سكانه أولا، حيثيشكل الكرد جزءا أصيلا منهم. وبغض النظر عن المطالب التي طرحها ممثل المجلس في الدستورية، فإن هذا الخطاب لا يعبر إلا عن الأشخاص المنضوين في المجلس الوطني الكردي، وهم أقلية مجهرية في الجزيرة.

وبصفتي أحد سكان الجزيرة الفراتية المطالبين بالاستقلال التام عن سوريا،أؤكد أن أحداً لم يستشر السكان للحديث باسمهم؛ كرداً وعرباً وعشائراً وسرياناً وآشوراً وشركساً وأرمناً وتركماناً وشيشانا وقرباطا ونوراً؛ وإذا كان لدى المجلس تفويضا بهذا الخصوص فليبرزه؛ ولا أحد مخول نيابة عنالسكان بالحديث عن البقاء في سوريا الموحدة أيّاً كان حاكمها وأيّاً كان دستورها. نحن شعب لنا هوية مشتركة متمايزة عن بقية السوريين ومطالبتنا بحق تقرير المصير مكفول وفق شرائع حقوق الإنسان وحقوق السكان والشعوب.

كما أتوجه مخلصاً للقوى السياسية الكردية في الجزيرة على وجه التحديد والخصوص، والتي تمثل مركز الثقل الديموغرافي للكرد السوريين، أن تكف عن خطاب الاستجداء المشين الذي اعتادوا عليه، وأن ينفضوا يدهم من “الرغاء الوطني” حول وحدة سوريا، التي هي وحدة مصطنعة تفتقر لهوية جامعة، وقامت هذه الوحدة منذ نشوئها على قمع السكان وتعطيل مطالبهم المشروعة.

إن تكرار السياسيين الكرد لـ لازمة “وحدة سوريا” بشكل ممل لأثبات “وطنية” لوطن وهمي لم يتشكل يوماً؛ وتقديم براءة ذمة وحسن سلوك “وطني”، لقوى سياسية مزورة ومصنعة مخبرياً لا تمثل شيئا، لا في وطن واقعي ولا في وطن متخيل حتى، يتجاهل مطالب السكان في إقليم الجزيرة ورغبتهم في حق تقرير المصير المشروع قانوناً.

ونجد أن الاجدى للسياسيين الكرد من سكان الجزيرة المطالبة بالاستقلال التام والانفصال لكامل الإقليم عن سوريا التي صادرت وستصادر حقنا التاريخي بأراضينا بكل مكوناتنا، وأن يطرحوا أنفسهم كممثلين لكافة مصالح سكان الإقليم بدلا من السياق الضيق الذي يضعون أنفسهم فيه، وأن يذهبوا لقراءة القوانين والمعاهدات والمواثيق والأدبيات الدولية التي تعطينا هذا الحق بشكل واضح، بدلا عن خطابات الانشاء “الوطنية” التي تزور الواقع.

نريد أن ننشئ وطناً مستقلا جديدا على أرضنا التاريخية، يتشارك جميع سكان الجزيرة في بنائه من نقطة الصفر، وعندها لن يكون هناك مكاناً لخطاب الاستجداء المشين، لأيٍ من الجماعات السكانية التي تعيش على أرضها، وليس لأحد منة في منحها هذا الحق.

وننصح هذه القوى، بدلا من اللهاث وراء قوى المعارضة التي تتحكم بمساراتها الدول الفاعلة في الملف السوري،أن يشاركوا بقية السكان المطالبة باستقلال الجزيرة لتكون وطناً مشتركاً ونهائياً لسكانها الذين عاشوا آلاف السنين متآخين قبل أن تفتتهم الدولة السورية الحديثة لإثنيات وطوائف وشيع ومذاهب، وأقليات وأكثريات، لتنهب مواردهم وتصادر أراضيهم وتغير أسماء مناطقهم وتنتهك حقوقهم وتمنع لغاتهم وثقافاتهم من التداول.

ايلاف

—————–

شرقي الفرات:روسيا تواصل انتشارها..و”الادارة الذاتية” تضع شروطها

نشرت روسيا نحو 300 عنصر من الشرطة العسكرية و20 سيارة مصفحة في شمال سوريا، من المقرر أن تبدأ دوريات مشتركة مع العسكريين الأتراك.

ومن المقرر أن تقوم الشرطة العسكرية الروسية بدوريات يومية تشمل 9 مناطق سكنية على الأقل. وذكرت وكالة “نوفوستي” أن الدوريات الروسية والتركية، ستلتقي في نقاط يتم الاتفاق عليها مسبقاً، قبل بدء أعمال المناوبة المشتركة، حيث ستقطع الدوريات نحو 150 كيلومتراً خلال 5 ساعات، وذلك اعتباراً من الجمعة.

وفي السياق، قال وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف، إنه ينبغي ألا تزيد أزمة الأكراد في سوريا من التوتر في المنطقة، مؤكداً أنه لا أحد يرغب في “تفجر” المنطقة.

وأضاف لافروف: “الأكراد يعيشون في إيران والعراق وجزء كبير منهم يعيش في تركيا، ولا أحد يرغب في أن تنفجر هذه المنطقة بسبب التوتر حول المسألة الكردية، ولا أحد يرغب في أن يحس الأكراد أنهم أناس من الدرجة الثانية”.

وأوضح وزير الخارجية الروسي أن مشكلة الأكراد لا يمكن تجاهلها.. هي مشكلة تتجاوز الأزمة السورية”.

من جهتها، أعلنت “الإدارة الذاتية” التابعة لحزب “الاتحاد الديموقراطي”، والمسؤولة عن “قوات سوريا الديموقراطية”، عدم موافقتها على التعاون مع النظام في دمشق في قضايا إدارة شؤون المنطقة التي تُسيطر عليها شمال شرق البلاد. وذكرت أن التعاون يقتصر على تسليم عملية حماية الحدود إلى قوات النظام السوري.

وقالت “الإدارة الذاتية” إن التفاهم الذي جرى مع “الجيش السوري برعاية وضمان روسيا” هو “لحماية الحدود والسيادة السورية من المحتل التركي”، وأن هذا الاتفاق “هو لحماية الحدود والسيادة السورية فقط، ولم يتطرق التفاهم لمؤسسات الادارة الذاتية وعملها، بل تبقى الإدارة تمارس عملها والعاملون فيها يمارسون مهامهم كلٌ في مؤسسته في ظل الدعوة للحوار”.

واشتكت الإدارة التي سلّمت بعض المناطق لقوات النظام من قيام مؤسسات السلطة بدمشق كالدفاع والداخلية والتربية بـ”مخاطبة الأفراد القاطنين بمناطق الإدارة الذاتية وحضهم على تسوية أوضاعهم كما تتم تسوية أوضاع الإرهابيين والمجرمين”.

وأعلنت “الإدارة” جاهزيتها لفتح حوار مع دمشق ووضع خريطة طريق تكون الممر الآمن لحل الأزمة السورية، وقالت إن “على السلطة بدمشق إذا كانت جادة بالوصول لحل الأزمة السورية أن تُعلن ذلك بكل وضوح، وتوجه خطابها  بشكل واضح لمؤسسات الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”.

وكانت وزارة الدفاع السورية قد أصدرت بياناً قالت فيه إنها “مستعدة لاستقبال العناصر والوحدات الراغبين بالانضمام إليها من هذه المجموعات وتسوية أوضاع المتخلفين عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية والمطلوبين أمنياً”، وكذلك فعلت وزارة الداخلية.

“الوحدات” انسحبت..والاتفاق الروسي-التركي ينفذ بـ”صعوبة”

أكد وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، الأربعاء، أن مذكرة التفاهم التي أبرمتها روسيا وتركيا حول سوريا “تنفذ بصعوبة”، لكنه شدد على أنها “السبيل الوحيد لإرساء السلام في سوريا والحفاظ على وحدة أراضيها”.

وانتهت مساء الثلاثاء، مهلة الـ150 ساعة الممنوحة لـ”وحدات حماية الشعب” الكردية للانسحاب من منطقة عملية “نبع السلام” التركية، بموجب مذكرة التفاهم الروسية-التركية.

وأعلن شويغو، مساء الثلاثاء، اكتمال انسحاب عناصر “وحدات حماية الشعب الكردية” إلى عمق 30 كيلومتراً عن الحدود السورية التركية قبل انتهاء المهلة.

في حين أعلن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، أن بلاده ستباشر قريبا تسيير الدوريات المشتركة مع روسيا في “المنطقة الآمنة” شمال شرقي سوريا. وقال أكار، إن الوفدين التركي والروسي سيواصلان، الأربعاء، محادثاتهما لمتابعة تطبيق النقاط المتفق عليها في سوتشي بين رئيسي البلدين.

وقال رئيس دائرة الاتصالات في الرئاسة التركية فخر الدين ألتون: “سنتحقق من خلال دوريات مشتركة (تركية-روسية) ما إذا انسحب الإرهابيون بالفعل”.

من جهته، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأربعاء، عزم بلاده توسيع مساحة “المنطقة الآمنة” في سوريا، إذا استدعى الأمر.

وقال أردوغان، في كلمة ألقاها أمام كتلة “حزب العدالة والتنمية” في البرلمان التركي، إن بلاده ستوسع المنطقة الآمنة التي أقامتها شمال شرق سوريا بعمق 30 كيلومترا في حال تطلب الأمر، بعد الاتفاق مع الولايات المتحدة.

وأشار أردوغان إلى أن المعلومات المتوفرة لدى تركيا تفيد بأن مسلحي “وحدات حماية الشعب” الكردية، التي تعتبرها أنقرة إرهابية، لم تنسحب بشكل كامن من المنطقة خلافا لما تم الاتفاق عليه مع روسيا في مذكرة التفاهم التي توصل إليها مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول.

وشدد على أن تركيا تحتفظ بحق تنفيذ عملية عسكرية ثانية “إذا تبين عدم إبعاد الإرهابيين إلى عمق 30 كيلومترا أو إذا استمرت الهجمات من أي مكان كان”.

وأضاف أن القوات التركية “قامت بتطهير 558 منطقة سكنية على مساحة 4219 كيلومترا في منطقة عملية نبع السلام بتحييد أكثر من 900 إرهابي”، معتبرا أنه يجب “تطهير عين العرب (كوباني) من الإرهابيين بأقرب وقت ممكن”.

وأعلن أردوغان أن تركيا وروسيا ستطلقان الدوريات المشتركة شمال شرق سوريا يوم الجمعة المقبل، مبينا أنها ستجرى مبدئيا على أراض عمقها 7 كيلومترات عن منطقة عملية “نبع السلام”.

وكانت وزارة الدفاع التركية قد قالت: “في نهاية مهلة الـ 150 ساعة، الجانب الروسي أبلغنا بابعاد تنظيم ي ب ك مع أسلحته الثقيلة لمسافة 30 كم عن الحدود التركية-السورية واخراجه من منبج وتل رفعت أيضا”.

وأوضحت أنه سيجري البدء بتسيير دوريات تركية روسية مشتركة غرب وشرق منطقة “نبع السلام” بعمق 10 كيلومترات، باستثناء مدينة القامشلي.

—————————

أسرى النظام ال18 في عهدة القوات التركية

أفادت مصادر عسكرية روسية بأن قضية الأسرى الـ18 الذين يُعتقد أنهم من قوات النظام، ستُحلُّ الأربعاء. وكانت تركيا قد أعلنت أن قواتها أسرت الجنود، الثلاثاء، في منطقة رأس العين شمالي سوريا.

مصادر “المدن” أكدت أن القوات التركية تسلمت الأسرى من فصائل “الجيش الوطني”، وأن هناك تواصلاً بين تركيا وروسيا بخصوصهم، وقد يتم إطلاق سراحهم في وقت لاحق، الأربعاء، من سجن رأس العين.

ونقلت وكالة “الأناضول” عن الدفاع التركية، قولها إنه “تم القبض على 18 شخصا ادعوا أنهم من عناصر النظام خلال أنشطة التمشيط والاستطلاع وبسط الأمن جنوب شرقي رأس العين”. وتابعت الوزارة بالقول إن تركيا تجري تحقيقاً بالتعاون مع السلطات الروسية.

وكان “الجيش الوطني” قد أسر 18 عنصراً من قوات النظام و”قوات سوريا الديموقراطية”، جنوبي مدينة رأس العين شمالي الحسكة، وجنوب غربي مدينة تل ابيض شمالي الرقة، بحسب مراسل “المدن” عبدالله المحمد.

وكانت “قسد” قد عقدت اتفاقاً مع النظام يقضي بدخول عناصره إلى خطوط المواجهة ضد القوات التركية و”الجيش الوطني” في محاور عملية “نبع السلام”. واستقدم النظام عقب الاتفاق مع “قسد”، وبعد الاتفاق بين روسيا وتركيا، تعزيزات عسكرية من ديرالزور والطبقة وريف حلب، تتألف من عناصر وعتاد وآليات، توزعت على مدينة عين عيسى شمالي الرقة والتي تضم “اللواء 93 مدرعات”، وعلى غربي مدينة تل ابيض مع عناصر “قسد” في قرى سليب قران والاحمدية والحرية والجرن الاسود، وعلى المنطقة جنوب شرقي مدينة رأس العين وتمركز قسم كبير منها يضم آليات ثقيلة في بلدة تل تمر ومحيطها شمالي الحسكة.

وأسرت “فرقة الحمزة” المنضوية في “الجيش الوطني” 18 عنصراً من النظام بينهم ضابط برتبة ملازم أول، وبينهم عناصر يتبعون لـ”قسد” متخفين بلباس قوات النظام، إضافة لمقاتلة من “وحدات حماية الشعب” الكردية شرقي رأس العين، بحسب مصادر “المدن”.

ومع انتهاء المهلة التي حددها الاتفاق الروسي-التركي، مساء الثلاثاء، والذي ينص على انسحاب “قسد” مسافة 32 كيلومتراً على طول الحدود السورية-التركية، سيطر “الجيش الوطني” على قرابة 30 قرية في محوري تل أبيض ورأس العين.

وجاءت سيطرة “الجيش الوطني” على القرى جنوب غربي تل ابيض من دون مقاومة تذكر حيث انسحبت “قسد” مسافة 25 كيلومتراً على طول الخط وصولاً لقرية ابو صرة شرقي عين عيسى الواقعة على الطريق الدولي m4. ويتواجد عناصر النظام وحواجز مشتركة مع “قسد” في مدينة عين عيسى ومحيطها.

وفي محور رأس العين دارت الاشتباكات بين “الجيش الوطني” من جهة وعناصر النظام و”قسد” في المحور الجنوبي الشرقي، واستخدمت فيها جميع أنواع الاسلحة الخفيفة والثقيلة. وأدت الاشتباكات إلى سيطرة “الوطني” على 15 قرية، وما يزيد عليها في المحور الشرقي الجنوبي، وصولاً إلى شمال بلدة تل تمر التي تتمركز فيها قوات النظام. وسيطر “الوطني” على قرى الاسدية وأبو راسين وتلها الاستراتييجي وتل محمد وتل الورد وتل شعير شرقي رأس العين، كما سيطر على قرية العريشة والاهراس وتل الطويل وطويل الوكاع والعامرية والسلماسة على الطريق الدولي غربي بلدة تل تمر.

وعلى ما يبدو، فقد أتم “الجيش الوطني” مدعوماً بالقوات التركية، المرحلة الأولى من عملية “نبع السلام”، بالسيطرة على جميع المناطق المتتفق عليها بين أميركا وتركيا، من شرقي رأس العين إلى غربي تل أبيض، بطول 120 كيلومتراً وبعمق 32 كيلومتراً.

———————-

اتفاق سوتشي واكتمال النفوذ الروسي على سوريا/ عمر كوش

يشير اتفاق سوتشي الذي توصل إليه الرئيسان، الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، في 22 أوكتوبر/ تشرين الثاني الجاري، إلى اكتمال النفوذ الروسي في سوريا، بما يعزز وجودها العسكري على الأرض، ويمنحها الدور السياسي الأهم في القضية السورية.

وتأتي أهمية الاتفاق في كونه جاء بعد قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الانسحاب من مناطق سورية في شرق نهر الفرات الذي جاء في منزلة تخلٍ أميركي عن ميليشات ما عرفة بالإدارة الذاتية والوحدات الكردية وحلفائها، وإعطاء الضوء الأخضر لتركيا، كي تتوغل عسكرياً في المنطقة الممتدة من رأس العين إلى تل أبيض، بغية إقامة منطقة آمنة فيها، وإعادة لاجئين سوريين إليها.

وإذا كان الطرف التركي قد تمكن من الحصول على ضمانة روسية، تقضي بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من الشريط الحدودي، الممتد من الضفة الشرقية لنهر الفرات وصولاً إلى الحدود العراقية، وبعمق 30 كيلومتراً، إلا أن روسيا عززت وجودها العسكري في هذه المنطقة، عبر تضمين الاتفاق بنداً، يقضي بنشر دوريات مشتركة روسية تركية، وتمكنت أيضاً من إشراك قوات من النظام الأسدي، فضلاً عن نشر قواتها وقوات النظام في كل من منبج وعين العرب والطبقة والرقة سواها.

والناظر اليوم في خريطة نفوذ القوى الإقليمة والدولية في سوريا، يجد أن الوجود العسكري الروسي هو الأهم والأقوى والأوسع انتشارا على الأرض السورية، حيث أنشأت روسيا قواعد عسكرية في كل من حميميم والشعيرات وتدمر، فضلاً عن القاعدتين البحريتين في كل من اللاذقية وطرطوس, وتخطط لبناء قاعدة عسكرية جديدة قرب مدينة عين العرب/ كوباني. بالمقابل انسحبت القوات الأمريكية من معظم قواعدها العسكرية في شرق الفرات، وبات الوجود العسكري الأميركي يقتصر على قاعدة “التنف” في الجنوب الشرقي السوري، وعلى وجود أكثر 200 عسكري قرب حقول النفط في مناطق دير الزور ورميلان والشدادي وسواها.

ولا شك في أن روسيا تطمع في السيطر الكاملة على سوريا، إذ تعد كل القوات التي توجد على الأرض السورية غير شرعية، بل محتلة، باستثناء قواتها العسكرية، لذلك ثارت حفيظة ساسة موسكو عندما تراجعت الإدارة الأمريكية عن قرار الانسحاب الذي أعلنه ترامب، وأرسلت أرتالاً عسكرية، دخلت من العراق إلى سوريا، بغية تعزيز حماية حقول النفط في المناطق التي تسيطر عليها الوحدات الكردية بحماية أميركية.

ولعل مجيء الاتفاق الروسي التركي في سوتشي بعد اتفاق أنقرة الأميركي التركي حول المنطقة الآمنة، يعطي دلالات كثيرة، تشي بأن موسكو تريد أن تظهر أنها اللاعب الأساسي في الملف السوري، والضامن الوحيد لالتزام مختلف الأطراف بالتوافقات والاتفاقات التي تعقدها، سواء مع الطرف التركي الذي تنسق معه وتتوافق منذ بداية عام 2016، عبر مساري آستانة وسوتشي، والطرف الذي تمثله الوحدات الكردية التي سارعت بالاستنجاد بالروس، كي يتوسطوا بينها وبين نظام الأسد، من أجل حمايتها أمام الزحف التركي، حيث لم تتأخر روسيا في عقد تفاهم أو اتفاق بين الوحدات الكردية ومعها الإدارة الذاتية وبين نظام الأسد، يقضي بعودة الإدارة الذاتية والوحدات الكردية إلى حضن النظام، مقابل انتشار قوات الأخير في المناطق التي كانت تسيطر عليها الوحدات. وعُدّ الاتفاق بمنزلة القشة التي يتعلق بها الغريق، وذلك بعد تخلي إدارة ترامب عنها، وغياب دور فاعل لأوروبا في الملف السوري.

ولا شك في أن الضمانة الروسية لاتفاق سوتشي متعددة الابعاد والأهداف، إذ تشير أمام الطرفي التركي إلى اهتمام روسيا بأمن تركيا، وتفهمها لدواعيه وموجباته، كما تريد أن توحي لوحدات الكردية وإدارتها الذاتية أن روسيا لن تتخلى عنها مثلما فعلت الولايات المتحدة، فضلاً عن إظهار الدور الروسي بوصفه الأهم في القضية السورية، وتمكنها من إدارة الأوضاع على الأرض، تمهيداً لإجراء مفاوضات بين الأتراك والسوريين، ربما من باب إحياء اتفاقية أضنة التي وقعت بين الطرفين في 1998. وستحاول روسيا عقد تفاهمات محلية مع ميلشيات الوحدات الكردية، بغية دمجها مع قوات نظام الأسد، وربما منحها مسؤولية إدارة المناطق التي تسيطر عليها.

وهناك مداخل كثيرة للساسة الروس، بعد الانسحاب الأميركي من سوريا، من خلال بناء تفاهمات، سواء كانت معلنة أم غير معلنة، بين مختلف الأطراف، عبر عمليات تبادل المناطق التي تتصارع عليها الأطراف على الأرض السورية، على غرار التفاهمات التي عقدوها مع الوحدات الكردية، وأفضت إلى دخول قواتهم وقوات النظام التي باتت منتشرة على الحدود التركية السورية من دون إطلاق رصاصة واحدة، وهو أمر لم يكن أحد يتوقعه من قبل. كما أن الدور الروسي في سوريا لن يتوقف عند ذلك، بل سيمتد إلى مسألة إعادة اللاجئين السوريين إلى المنطقة الآمنة التي تنوي تركيا إقامتها في الحيّز الممتد من منطقة تل أبيض إلى منطقة رأس العين، وبعمق 30 كيلومتراً. وهو أمر تريد روسيا التعاون فيه مع تركيا، وتطمح إلى إشراك نظام الأسد في العملية أيضاً، لكن الأوضاع في الجزيرة السورية التي تعرف باسم مناطق شرق الفرات، ما تزال متحركة ومتغيرة، ومفتوحة على عدد من الاحتمالات، بانتظار ما ستؤول إليه الاتفاقات بين مختلف الأطراف.


أنظر تغطيتنا للحدث

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب 1

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب 2

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب 3

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب 4

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب 5

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب 6

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب 7

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب 8

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب  9

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب 10

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب 11

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب 12

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب 13

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب 14

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب 15

الحرب شرق الفرات – أحداث تحليلات ومقالات مختارة تناولت الحدث من كل الجوانب 16

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق