مقالات

خارج الثنائيات: أسئلة في اللغة العربية المعاصرة/ سناء الخوري -مقالات مختارة-

حبّ اللغة العربيّة مادة خصبة للتفاعل على الإنترنت. بعكس ما كان عليه الحال عند بزوغ فجر تطبيقات المراسلة، صارت الكتابة بالأحرف اللاتينية أونلاين أمرًا غير مستحبّ. تحظى حسابات المعاجم بشعبيّة. مهووسو التدقيق اللغوي نجوم أحيانًا. كلّما انتشرت «ميم» لتعداد تدرّجات الحبّ بالعربيّة، يصاب الناس بالذهول. لكنّنا لن نقول لأحد «أهيم بك» أو «أنا متيمة بك». قد نقول «بحبك»، حسب لهجة البلد، أو I love you، أو قلب أحمر مكان love اختصارًا. تبدو لغتنا جميلة داخل إطار يعلّق على الجدران الافتراضية. نتأملها كعمل فنّي مجرّد، كإعجاز.

هناك نمط تفكير هوياتي حول اللغة، يشعرنا مع كلّ نقرة على الإنترنت أننا نرتكب خيانة ما للغة العربية الفصحى. يقولون منذ ثلاثة عقود على الأقل إنها تموت، وإنّنا نساهم في ذلك. يفهم البعض ذلك كنتيجة حتميّة لفشل مشاريع القومية العربية. يُخاض النقاش السياسي حول إنقاذ العربية كأنها آخر مدماك صامد من عروبتنا. يوصم كلّ ما هو غير فصيح بالمياعة أو «التشبّه بالغرب». يأخذ الأمر أبعادًا أخرى عند السجال غير الجديد حول العاميات والفصحى. نسعى لحماية الفصحى الصحيحة كلغة مكتوبة وتنقيتها من الشوائب. حركة اللغة في الواقع أسرع من حركة تطويرها على الورق. وبعيدًا عن هواجس الفنّ والأدب والقول والبوح، وحدها تلك الفصحى الموضوعة في إطار ما يمنح مشروعيّة لأيّ إنتاج فكري أو ثقافي.

في هذا الملف، نحاول أن نأخذ النقاش أبعد بقليل عن أوراق النعي للعربية الفصحى، ونتقصّى في الواقع تحوّلات سياسية واجتماعية راهنة لتساعدنا على فهم اللغة في حراكها وتحوّلها اليومي، في سيرها الطبيعي والدارج على ألسنتنا، فوق حدود ما يخرج أو يدخل إلى المعجم: من الأردن حيث لفظ القاف مؤشر على تحولات سياسية وعلى ثنائيات طبقية وجندرية؛ ومن مصر حيث نخوض مغامرة مع «مجمع اللغة العربية» في القاهرة، ونسأله إيجاد معادل عربيّ لكلمة GIF؛ ومن سوريا حيث نبحث العنف السياسي المكثّف في مشتقات «الهيبة»؛ ومن الجزائر حيث حوّل الشباب الدراجة إلى أداة ثورة؛ ومن تونس حيث حركة الترجمة بالعاميّة باتت أمرًا واقعًا؛ ومن لبنان حيث تستخدم العاملات الأجنبيات لغة «المدام» للتواصل وتنظيم النضال النقابي؛ ومن فرنسا نفكّر بحضور اللغة العربية خارج محيطها الطبيعي وبين الجاليات العربية واحتكاكها بحساسيات أوروبية؛ وإلى النصّ القرآني نذهب لنستعيد محاولات التأويل النسوي لبعض الآيات.

قراءة متشعبة لواقع اللغة العربية اليوم، نأملها عميقة وإن لم تكن وافية وكاملة، لتفتح ربما آفاقًا جديدة لكيفية تفكير لغتنا، بمقاربات أكثر راهنية من المعتاد.

مواد الملف:

    قال وقلنا: كيف اكتسب حرف القاف في المحكية الأردنية معانيه ودلالاته شاكر جرار – حبر

    هل ترتقي الدارجة التونسية إلى لغة إنتاج فكري؟ حمادي لِسْود – نواة

    القراءات النسوية للنصّ القرآني: سؤال اللغة منى علام – السفير العربي

    حين تكون العربية صلة وصل في ظروف غير متوقّعة ميشلين توبيا – مشالله نيوز

    اللغة العربية خارج أراضيها، بين الأوهام والواقع ندى يافي – أورينت 21

    هيبة الدولة: معجم العنف السياسي في كلمة محمد جلال ونائلة منصور – الجمهورية

    يضاف للعربي أحمد وائل – مدى مصر

    حركات الاحتجاج تحرر العامية الجزائرية نبيل منصوري – مغرب إيميرجان

—————————–

قال وقلنا: كيف اكتسب حرف القاف في المحكية الأردنية معانيه ودلالاته/ شاكر جرّار

    «علاقات التواصل هي دومًا علاقات سلطة تتوقف، شكلًا ومضمونًا، على السلطة المادية والرمزية التي تشكل رصيد الأعضاء الذين يدخلون في هذه العلاقات».[1]

    – بيير بورديو

«تكلكوش» عبارة قالها يوسف الصقور، رئيس نادي الوحدات الأردني، عام 2017 حين تسلم رئاسة النادي، مطمئِنًا جمهوره بأن الفريق سيقدّم أداءً أفضل في ذلك الموسم الكروي. وفّرت هذه العبارة مادة خصبة للتندر من قبل جمهور نادي الفيصلي الذي يُعد معظم جمهوره تقليديًا من الشرق أردنيين، وللاعتزاز من قبل جمهور نادي الوحدات الذي يُعد معظم جمهوره تقليديًا من الأردنيين – الفلسطينيين. كُتبت العبارة على الجدران في الأماكن العامة، واستخدمت كوسم على منصات التواصل الاجتماعي، ووضعت كلافتات على المحلات التجارية، كما غنّى عددٌ من المغنين الشعبيين أغانٍ تحمل العبارة نفسها.

كل ما في الأمر أن رئيس النادي قلب حرف القاف كافًا بكلمة «تقلقوش» كما يفعل العديد من أبناء قرى فلسطين عندما يتكلمون مَحكيّتهم. لم تكن الكلمة ستستوقِف أحدًا لو أن رئيس النادي لفظ القاف قافًا معيارية، أو جيمًا قاهرية (كما ينطقها مصريو القاهرة) ويستخدمها معظم الشرق أردنيين في محكيّتهم سواء كانوا من أصول فلاحية أو بدوية أو حضرية. وربما لو قلب القاف همزة، كما يفعل معظم أهل مدن فلسطين والمشرق، لكان رجال الجمهوريْن -الذين يلفظ غالبيتهم القاف جيمًا قاهرية- تندروا أو اعتزّوا بدرجة أقلّ، وربما لم يكن سيتوقف عند الكلمة أحد.

يحظى حرف القاف في محكيات بعض الدول العربية بأهمية تتجاوز حروفًا أخرى، باعتباره أحد الرموز اللسانية التي تدل على هوية المتكلم أو أصله أو جنسه أو عمره أو طبقته الاجتماعية. ويعتبر حرف القاف رمزًا لغويًا مركزيًا في المحكيات الأردنية لما يحمله من دلالات اجتماعية تؤشر على أصل ومنشأ عائلة-قبيلة المتكلم الاجتماعية (فلاح، بدوي، مدني) والإقليمية (أردني-فلسطيني) وطبقته الاجتماعية (فقير، غني) إضافة إلى العمر (طفل، شاب، مسن) والنوع الاجتماعي (رجل، امرأة). كما يستمد القاف فاعليته في المحكيات الأردنية من الأدوار والوظائف المختلفة التي يلعبها ويؤديها في الفضاءين العام والخاص، إضافة إلى الحدود التي يرسمها على صيغ الكلام. لذا، فالقاف في محكيات مدينة عمان ليس حرفًا مثله كمثل باقي الحروف بل هو رمز لساني، اجتماعي، سياسي، عمري، مجنسن.

يلفظ القاف في الأردن بأربعة أشكال مختلفة على الأقل. إذ يُقلب جيمًا قاهرية أو (G) بالإنجليزية، حيث تلفظ كلمة «قال» «جال». والبعض يقلب القاف همزة، فيلفظها «آل»، والبعض الآخر يقلبه إلى كاف فيلفظها «كال»، والبعض يلفظها قافًا كما يلفظ بالفصحى. (لغايات الكتابة، سوف نستخدم الفعل «قال» لوصف اللهجة أو من يتحدث بها. فنقول فلان يتحدث بـ«الجال» أي يقلب القاف جيمًا قاهرية، أو قد نقول تعتبر «الجال» لهجة المجموعة الفلانية، وكذلك مع «الكال» و«الآل»).

يبدو أن دخول «الآل» إلى عمان كان مع الفلسطينيين والسوريين الحضريين الذين قدموا إلى المدينة في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي[2] وشكلوا طبقة من التجار وموظفي الدولة، حيث كان غالبية رجالهم ونسائهم يقلبون القاف همزة في الكلام.[3] كانت عمان في ذلك الوقت مستقرًا لعدد من أبناء القبائل البدوية التي يقلب رجالها ونساؤها القاف جيمًا قاهرية، كالغالبية العظمى من الشرق أردنيين/ات خارج عمان اليوم. بعد اللجوء الجماعي القسري في نكبة فلسطين، دخلت «الكال» إلى عمان مع اللاجئين الفلسطينيين القرويين. وبعد عام 1967، لجأ ونزح مئات الآلاف من قرى فلسطين ومدنها وباديتها، ومنهم من يتحدث بـ«الكال»، كأهالي بعض قرى الداخل والضفة الغربية، ومنهم من يتحدث بـ«الآل» كأهل القدس ويافا وغيرها من مدن فلسطين، ومنهم من يتحدث بـ«الجال» كأهالي بئر السبع وبعض المناطق في جنوب الخليل، الأمر الذي شكل خروجًا عن أحادية «الجال» في الأردن التي يستخدمها غالبية الشرق أردنيين في الكلام.

يتطرق المقال للهجة أهالي عمان من خلال الوقوف على التحولات التي طرأت على نطق حرف القاف، وارتباطاته السياسية والاجتماعية والنوعية (النوع الاجتماعي)، وما يعكسه ذلك من أن المحكية ليست مجرد أداة تواصل تقنية، بل انعكاسًا هامًا لشكل علاقات القوة والسلطة في المجتمع الذي تتفاعل فيه وتستمد قيمتها وسلطتها منه.

سميرة توفيق والبدونة كمسار للوطننة

بعد الانقلاب على حكومة سليمان النابلسي عام 1957، شهد الأردن عملية وطننة للدولة والمجتمع، كانت اللهجة في قلبها. سعت الدولة للتأسيس لـ«لهجة أردنية» موحدة من خلال أدوات جماهيرية أهمها الأغنية الشعبية التي راجت بشكل رئيس بعد تأسيس الإذاعة الأردنية،[4] وإطلاق مشروع إحياء الفلكلور الأردني. كان لوطننة اللهجة أبعاد سياسية تدفع -عمليًا- نحو تحويل المحكية إلى ما يشبه لغة الدولة الرسمية، في تجاهل لكوْن المحكية لهجة منطقة أو إقليم أو مدينة أو قرية أو قبيلة، وهي بطبيعتها أقدم من الدولة الوطنية ولا يمكن أن تكون على مقاسها. فأي محاولة لخلق «لهجة دولة» هي موقف أيدولوجي يسعى إلى تحويل المحكية من لهجة مجتمعات (داخل الدولة الواحدة أو عابرة لها) إلى لهجة دول.

يشرح جوزيف مسعد في كتابه «آثار استعمارية: تشكل الهوية الوطنية في الأردن» كيف أن الوطننة في الأردن جاءت عقب عملية توطين للبدو بدأت مع تأسيس الإمارة، إذ كانت البداوة في ذلك الحين، العدو الأول من وجهة نظر الدولة حديثة النشأة والموظفين الاستعماريين الإنجليز الذين اعتبروا البداوة قضية بحاجة إلى «حل».

يقول مسعد إن القضية بالنسبة للدولة والاستعمار لم تكن مجرد استحداث مجموعة من الإجراءات لإدارة شؤون البدو، بل تغيير نمط حياتهم القائم على الترحال وفرض التقسيم الإقليمي عليهم من خلال مجموعة من الوسائل الضبطية والقوانين التي بدأت بقانون الإشراف على البدو لعام 1929.[5][6] يهدف القانون إلى إخضاع البدو (الذين كانوا يمثلون نصف سكان شرق الأردن)[7] ومراقبة تحركاتهم «كأنهم مشتبهون جنائيون»،[8] ومعيرتهم وإدماجهم في إطار الدولة الوطنية بعد «تحديثهم».[9] واستدعي للقيام بهذه المهمة القائد البريطاني جون باغوت غلوب (قائد الفيلق العربي 1939-1956) الذي عمل على إخضاع العشائر البدوية في العراق قبل المجيء إلى شرق الأردن.

شرع غلوب في نزع البداوة عن البدو وإعادة إنتاج بداوة جديدة تتناسب مع رؤية الاستعمار والدولة الوطنية من خلال التجنيد في الجيش و«منح عشرات الآلاف من البدو الهمجيين رؤية لنمط جديد من الحياة»،[10] كما ينقل مسعد عنه. كانت عملية تمدين البدو من خلال التجنيد في الجيش عنيفة، حيث قامت على تدمير الاقتصاد البدوي وضبط البدوي وإعادة تشكيله على مقاييس الحداثة الأوروبية، إضافة إلى جعل البدو يلعبون دور الشرطة على البدو أنفسهم، كما يقول مسعد.

إنتاج «الثقافة البدوية الجديدة» استمر لعقود طويلة، وكان لها غاياتها السياسية وانعكاساتها على حياة البدو وأجسادهم ومأكلهم وكلامهم وملبسهم. في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، قدمت الدولة هذه الثقافة الجديدة باعتبارها «الثقافة الوطنية». يصف مسعد العملية كالتالي: «إن عملية توطين البدو كانت جزءًا من عملية تقوم بها الدولة لإعادة تعريف ثقافة البدو للبدو أنفسهم، وفي الوقت ذاته تقوم الدولة بتقديم هذه الثقافة بوصفها الثقافة البدوية، ثم تطرح هذه الثقافة الجديدة بوصفها الثقافة المعيارية للمجتمع ككل، وتعرفها بأنها «الثقافة الأردنية» الحقة»[11].

إن ما يسميه مسعد «نزع البداوة عن البدو كمقدمة لبدونة الهوية الوطنية الأردنية»، كان له دور كبير في وطننة اللهجة من خلال بدونتها، وهذا ما نراه بوضوح مع صعود الأغنية الشعبية في الأردن في ستينيات القرن الماضي التي هدفت إلى «بلورة شخصية الدولة الأردنية القائمة على وحدة الضفتين»، كما يقول الباحث محمد الجريبيع.[12]

مع مطلع الستينيات، استقطبت الدولة الأردنية المغنية اللبنانية من أصول سورية ( أب مالطي وأم حورانية) سميرة غسطين كريمونة التي اشتهرت باسم سميرة توفيق، «لإحياء الفلكلور الأردني بصوتي»، كما تقول. وتخبرنا سميرة في مقابلاتها التلفزيونية كيف علّمها مسؤولو الدولة والإذاعة الأردنية ما تسميه أحيانًا بـ«اللهجة الأردنية» وأحيانًا بـ«اللهجة البدوية»، إذ كثيرًا ما تساوي «فنانة البادية الأولى» بين البداوة والأردنة في مقابلاتها من دون تمييز.

غنّت سميرة توفيق أول مرة في افتتاح الإذاعة الأردنية عام 1959 بعدما دعاها صلاح أبو زيد -أصبح فيما بعد مدير الإذاعة الأردنية- هي ومجموعة من المغنين والمغنيات العرب لإحياء حفلة الافتتاح. لم تتوفق سميرة في ذلك الحدث، بل انسحبت من الحفلة وهي تبكي بعدما فشلت في الغناء على المسرح أمام الملك الحسين وعدد كبير من المسؤولين. في اليوم التالي أقام لها أبو زيد حفلةً أخرى في منزل أحدهم وبحضور مجموعة من الفنانين ومسؤولي الدولة، غنت فيه سميرة عددًا من الأغاني والمواويل العراقية القديمة، وبعد أشهر قليلة وجّهت الدولة دعوة لها للقدوم إلى الأردن والنهوض بالأغنية الشعبية التي أصبحت أداة سياسية مهمة لبدونة اللهجة ووطننتها.

من خلال سميرة توفيق، روجت الدولة النمط الغنائي الذي تغنيه باعتباره «غناء بدويًا»، بعدما فشلت المحاولات الأولى لنشر الأغاني بألوان الموسيقى البدوية التقليدية (الشروقي، والهجيني، والحداء) بسبب هيمنة الأغاني المصرية والعراقية واللبنانية وعدم استساغة أهل الحضر في الأردن لهذا النمط الغنائي وعدم فهم العديد من كلماته المستمدة من لهجات البدو في الأردن.[13] عمل عدد من الشعراء وعلى رأسهم رشيد زيد الكيلاني[14] (من أصول حضرية) وبتوجيه من رجالات الدولة (الحضر والفلاحين) على تجميع وإعادة كتابة الفلكلور الشعبي المستمد بشكل رئيسي من فلكلور الفلاحين في الأردن وفلسطين مع بعض المصطلحات البدوية وتلحينه بألحان حديثة -مستساغة من قبل أهل المدن- وترويجه للجميع في الأردن والدول العربية باعتباره «بدويًا».

كان لحرف القاف أهمية قصوى في هذه الأغاني، إذ أن العديد من أغاني سميرة توفيق وغيرها في تلك المرحلة كانت تغنى بلهجات حضرية[15] بعيدة عن اللهجات البدوية مع التركيز الشديد على قلب القاف جيمًا قاهرية كما يلفظها معظم الشرق أردنيين وليس البدو فقط. يضرب الملحن روحي شاهين مثالًا مهمًا على مركزية حرف القاف في الأغنية الشعبية الأردنية، مذكرًا كيف أن مسؤولي الدولة الذين كانوا في ذلك الوقت يشرفون على إنتاج الأغنية في الإذاعة الأردنية كانوا يطلبون أن تغنى الأغاني بـ«الجال». «الإذاعة لأنها كانت في رام الله، كانوا يستخدموا اللهجة البيضا [الآل]، لما جينا ع عمان، أجو كبار المسؤولين، أذكر منهم، الله يرحمه دولة وصفي التل، هزاع المجالي، يشرفوا ع تسجيل الأغنية، بدهم أغنية أردنية بالجال».

ساهمت أغنية سميرة توفيق في تعبئة حرف القاف بكم هائل من الرموز البدوية، فغنت لبيت الشعر والربابة والقهوة والهيل والجمل والخيل والثوب البدوي. كما ترافق مع أداء اللفظ أداءٌ آخر يتعلق بالملابس والرقص، مع الترويج لفساتين سميرة التي كان يصممها المصمم اللبناني وليم خوري على أنها زي بدوي، والتعبير عن الرقص والموسيقى واللهجة المصاحبة لأغانيها باعتبارها عناصر تنتمي إلى نمط حياة البداوة. يقول مصطفى الخشمان الباحث في الشعر البدوي: «لما إجت سميرة توفيق وغنت هاي الأغاني، هاي الأغاني نظموها فلاحين. وصفي التل وحابس المجالي وغيرهم. لكن كانت النظرة إنه هذا الكلام كلام بدوي. الشعر البدوي إله مفردات بدوية خاصة، الكلام اللي غنته سميرة توفيق هذا كلام وأغاني الفلاحين (..) لا الكلمات ولا اللحن ولا الرقص بدوي، أغاني البدو ما فيها رقص، دبكات خبط بالأرجل، بس ما في نط». [16]

بعدما تعلّمت سميرة توفيق لفظ حرف القاف على الطريقة البدوية المتخيلة، تقمّصت دور البدوية «الأصيلة» وأصبحت تنظر لنفسها باعتبارها بدوية ولدت ونشأت في البادية، فتقول في إحدى مقابلاتها «أنا روحي بْدوية، يعني إحساسي وشعوري ونفسيتي كلها بْدوية، كأني خلئانة بالصحرا وعايشة فيها». وتفتخر المغنية أنها أجادت الحديث بـ«الجال» بعكس أبناء بيروت. فتقول في مقابلة معها أن الجمهور، في إحدى الحفلات في بيروت، كان يهتف «نسكافيه، نسكافيه» طالبًا منها أن تغني أغنية «صبوا القهوة»، وتقول إنها لم تعرف ماذا يريدون قبل أن يصرخ أحد الحضور «بدنا غنية الأهوة». «ئلتله، الأهوة!! أُول الجهوة في عينك، شو الأهوة هاي، أُول الجهوة (…) ما كانوا آدرين يؤولوا الجهوة، فيؤولوا نسكافيه» (..) بتعرف من الفرنساوي بدك تعلمهن اللهجة البدوية؟!».

يتضح هنا أن اللهجة البدوية عند سميرة توفيق ما هي إلا قلب القاف جيمًا قاهرية لا أكثر. وهذا واضح في غنائها، إذ يبدو أنها لم تُعلّم لفظ أحرف أخرى كما يلفظها معظم البدو في الأردن، بل كان التركيز ينصب بشكل رئيسي على القاف مع أنها تقول بأنها تعلمت «اللهجة» بشهر وأصبحت متمكنة لدرجة أنها صارت تصحح للكورال اللفظ. فمثلًا، في إحدى حفلاتها وهي تغني أغنية «وين ع رام الله» تلفظ كلمة حظي مرة بالظاء ومرة بالزاي فتصبح «حظي ونصيبي، ريتك من الله حزي ونصيبي»، كما تقلب الثاء تاءً والضاد دالًا في أغانٍ أخرى، كما يفعل الكثير من أهل المدن في المشرق حين يحكون.

مع أنه لا وجود لشيء اسمه «اللهجة الأردنية» كما لا يوجد شيء اسمه «اللهجة الفلسطينية» أو اللبنانية وغيرها (فاللهجات محكيات مناطق ومجتمعات وقبائل وتختلف من منطقة لأخرى داخل البلد الواحد وتشترك مع منطقة أخرى خارج البلد الواحد)، إلا أن عقد الستينيات والسبعينيات شهدا عملية بدونة للهجة في إطار تصديرها كلهجة وطنية أردنية، وكان لأغنية سميرة توفيق دور في ذلك. وكان للقاف وطريقة لفظه الدور الرئيس في هذه العملية، مع أن قلبه جيمًا قاهرية لا يقتصر على البدو فقط، ويوجد حتى اختلاف في لفظه عند البدو أنفسهم. فعلى سبيل المثال، عند العدوان وبني حسن وبعض عشائر بدو الوسط تقلب القاف أحيانًا جيمًا معيارية، فيقال مثلًا عن إبريق الماء «بريج»، ونلاحظ هذا في القصيدة البدوية الشهيرة «يا طروش ياللي ناحرين المراجيب»، أي «المراقيب» وهي الجبال العالية.[17]

قاف ما بعد السبعين: ديناميكيات القوة وتقسيم العمل

مع مطلع سبعينيات القرن الماضي، كانت الخارطة القافيّة في عمان كالتالي تقريبًا مع وجود استثناءات: يتحدث الأردنيون-الفلسطينيون من أصول قروية رجالًا ونساءً بـ«الكال»، ويتحدث الأردنيون-الفلسطينيون من أصول حضرية رجالًا ونساء بـ«الآل»، ويتحدث الشرق أردنيون من العشائر البدوية المستقرة في عمان رجالًا ونساءً بالـ«جال»، ويتحدث معظم الرجال والنساء الشرق أردنيين الحضريين المقيمين في عمان بـ«الآل».

يتفق العديد من الباحثين[18] على أن الصراع السياسي-العسكري بين فصائل الثورة الفلسطينية والنظام الأردني ألقى بتأثيراته على المحكيات في عمان وأعاد تصنيفها وتعريفها اجتماعيًا وسياسيًا مما غير من استخدامات القاف في الحيز العام والخاص وأعاد رسم الخارطة من جديد.

يستند الباحث ياسر سليمان في كتابه «A War of Words: Language and Conflict in the Middle East» إلى مجموعة من الدراسات والأبحاث اللسانية الميدانية التي أجريت في عقد الثمانينيات والتي ترصد التغيرات التي طرأت على نطق حرف القاف في عمان، بشكل رئيس عند الأجيال الشابة وليس عند الكبار بالعمر. يشير سليمان إلى تحول الرجال الأردنيين-الفلسطينيين القرويين من «الكال» إلى «الجال»، وتحول الرجال الأردنيين-الفلسطينيين الحضريين من «الآل» إلى «الجال»، وتحول الرجال الشرق الأردنيين الحضريين من «الآل» إلى «الجال». في المقابل، تحوّلت الأردنيات-الفلسطينيات من أصول قروية من «الكال» إلى «الآل»، وتحوّلت الشرق الأردنيات من أصول قروية وبدوية من «الجال» إلى «الآل»، وبقيت النساء الحضريات الشرق الأردنيات والأردنيات-الفلسطينيات متمسكات ب«الآل».[19] وأصبح يطلق على التحول النسائي نحو «الآل» في الدراسات اللسانية «التحضر اللغوي» أو «تأنيث الكلام»،[20] تحديدًا أن صوت القاف في عقد السبعينيات بدأ يحيل إلى تعريفات وتوصيفات جديدة. فأصبح ينظر إلى «الآل» -كما تظهر الدراسات التي يستخدمها سليمان- باعتبارها لهجة «لطيفة» و«ناعمة» و«أنثوية»[21] مقارنة بـ«الكال» و«الجال»، بينما أصبحت «الجال» تحمل دلالات خاصة بالذكورة والرجولة والوطنية كما يبين مسعد في كتابه.

بالتالي، تعرّض حرف القاف في عمّان إلى جنسنة أفضت إلى تقسيم لساني بين رجال يتحدثون بـ«الجال» من مختلف الخلفيات الاجتماعية والإقليمية، وبين نساء يتحدثن بـ«الآل» من خلفيات اجتماعية واقليمية مختلفة، إلا أن إحالة وتحليل ما حدث إلى فروقات متعلقة بالنوع الاجتماعي وحده لن يوصلنا إلى فهم وتفسير متماسك لما حدث. يطرح سليمان مجموعة من الحجج والأسئلة التي تثبت ذلك، ويتساءل: لماذا تحول الرجل الأردني-الفلسطيني القروي من «الكال» إلى «الجال» وليس إلى «الآل»، في حين أن علاقات القوة بين «الكال» و«الآل» والسلطة الرمزية للأخيرة المتأتية من «تفوق» المدينة، ووصم «الكال» بسلبية باعتبارها لهجة فلاحين «أدنى» مرتبة في التراتبية الاجتماعية السائدة، قد تدفع بالقروي الفلسطيني إلى التحوّل إلى «الآل» وليس إلى «الجال»، كما يفعل بعض أبناء بيت لحم أو الجولان حين يختلطون بأبناء القدس أو دمشق. وكذلك الحال بالنسبة للشرق أردنيين والأردنيين-الفلسطينيين الحضريين الذين تعتبر «آلهم» أعلى مرتبة وفقًا للتراتبية الاجتماعية السائدة من «الجال» التي تبنوها بعد السبعين. وإذا كانت «الجال» تتميز بالرجولة، فلماذا بدأ الذكور الأردنيون-الفلسطينيون القرويون والحضريون باستدخال هذا المعيار في مطلع السبعينيات وليس قبل ذلك؟

يعزو مسعد التغيرات اللسانية على لفظ القاف في عمان إلى النتائج السياسية المترتبة على «أحداث أيلول» وتحول الفلسطيني إلى آخر لمشروع الوطننة المستمر. ويذكر سليمان كيف بدأ زملاؤه وأصدقاؤه في الجامعة الأردنية من الذكور الأردنيين-الفلسطينيين باستخدام«الجال» بديلًا عن «الكال» و«الآل» وتحديدًا «الكال» حين كان طالبًا في الجامعة عام 1970. كان يلاحظ ذلك يوميًا عند التفتيش على الهويات الشخصية من قبل رجال الأمن في الشارع الممتد من دوار المدينة إلى الجامعة الأردنية. كما يذكر كيف أن أخاه الصغير الذي كان عمره عام 1971 إحدى عشر عامًا بدأ يستخدم «الجال» في الأماكن العامة مع أنها غير مستخدمة في العائلة.[22] يتقاطع ذلك بوضوح ما يقوله مسعد: «مع وطننة اللهجة وجنسنتها، أخذ الفتيان الفلسطينيون والشرق أردنيون الحضريون الذين ينطقون الهمزة بدل القاف قبل سن البلوغ، يحولون نطقهم عند الوصول إلى سن البلوغ فينطقونها «ج» للتأكيد على ما اكتسبوه من ذكورة».[23]

يشير سليمان إلى أن الملصق الإثني-اللغوي «بلجيكي» الذي أطلق على الأردنيين-الفلسطينيين، والذي كان محمّلًا بالتعابير الهوياتية ومعبئًا بالثنائيات التي ترمز للموقع والتراتبية، كان له أثر على التقسيمات الجديدة للفظ القاف في عمان. ساهم هذا التوصيف برسم الحدود بين الشرق أردنيين والأردنيين-الفلسطينيين كمجموعتين داخلية وخارجية على التوالي، كما عزز «التباينات في علاقات السلطة المؤسسية وتبرير وصف الفلسطينيين بأنهم مجموعة تابعة والأردنيين بأنهم مجموعة مسيطرة»، مما أكسب «الجال» رأس مالٍ رمزيًا، باعتباره يمثل لهجة المجموعة المسيطرة.[24]

ترافق ذلك مع عامل مادي مهم، أصبحت «الجال» من خلاله لهجة رجالات الدولة، وهو تقسيم العمل على أساس هوياتي-إقليمي. لأسباب سياسية، أصبح القطاع العام بعد أيلول 1970، مؤسسة خاصة بالرجال الشرق أردنيين، وأصبحت «الجال» لهجة رجل الأمن وموظف الإدارة العامة والعسكري والفني والقاضي، بالتالي اكتسبت قوتها ورمزيتها باعتبارها لهجة المؤسسة والرجال تحديدًا. وفي السياق نفسه، بات يحكم على «الآل» -بتأثيرات عملية البدونة– باعتبارها لهجة مؤنثة أو مخنثة، وكان هذا الحكم يستند على نظرة البدو إلى أهل المدن المستقرين باعتبارهم «أقل رجولة»، فهم الذين تخلوا عن السلاح، ويفتقرون إلى الشجاعة، ويبحثون عن الراحة والرفاهية داخل بيوتهم. هذا الترتيب الجديد -يقول مسعد- قام بتأنيث الشباب الحضريين الأردنيين-الفلسطينيين، «فأخذوا ينطقون حرف القاف «ج» بدلًا من «الهمزة» تأكيدًا لذكورتهم عندما يكونون في صحبة الرجال».[25]

«آل» النساء: المكانة أم العمل؟

على الجانب الآخر؛ جانب النساء، قد يكون من المخل أن نستسهل ونقول: «بالتالي أصبحت الآل لهجة النساء في عمان». تعزو الباحثة إنعام الور في ورقة لها بعنوان «The Lifecycle of Qaf in Jordan» تبني النساء الشرق أردنيات والأردنيات-الفلسطينيات من أصول قروية وبدوية لـ«الآل» إلى محاولة استعادة المكانة. فنظرًا إلى أنهن محرومات من السلطة في الحياة العامة، فقد تبنين «الآل» المرتبطة برمزية اجتماعية مستمدة من مدن رئيسية في المشرق كدمشق وبيروت والقدس كطريق وحيد لتأكيد المكانة.[26] ويعتمد ناهض حتر على دراسة الور ليستنتج أن «النساء المهمشات سياسيًا، يلفظن القاف (آ) متمثّلات اللهجات الشامية والمدنية الفلسطينية واللبنانية»، ويحمّلهن مسؤولية «عرقلة التطور الطبيعي للهجة العمانية» المتمثلة بـ«الجال»، لكونهنّ غير «مُندمجات» في الحيز العام و«يتركن لدى أطفالهن الذكور، خلائط لهجوية قد تعرقل اندماجهم وتطورهم السياسي»، كما يقول حتر.

غيبت الور «الطبقة» كعامل أساسي في دراسة اللهجات، وتجاهلت «الكال» ومستخدميها ما أدى إلى وصولها إلى استنتاجات مستعجلة بنى عليها حتر تحليلًا يلوم النساء على عدم تبني اللهجة التي عمل الرجال المهيمنون على تحويلها إلى لهجة خاصة بهم. فالإجابة على سؤال لماذا تبنت النساء الأردنيات-الفلسطينيات القرويات «الآل» متخليات عن «الكال»، قد يساعد على معرفة كيف هيمنت «الآل» عند النساء في عمان. المسألة باعتقادي ليست في عدم فعالية النساء وعدم انخراطهن بالحياة العامة، بل العكس تمامًا.

كان ممكنًا لدى النظام السياسي أن يستبدل الطاقم البيروقراطي المكون من الرجال الأردنيين-الفلسطينيين والشرق أردنيين بالرجال الشرق أردنيين حصرًا، الأمر الذي لم يكن ممكنًا عند النساء لأسباب اقتصادية واجتماعية. النسبة الأكبر من النساء العاملات في القطاع العام في فترة السبعينيات والثمانينيات كانت من الأردنيات-الفلسطينيات المدينيات، المتحدثات بـ«الآل» واللواتي تلقين تعليمًا مبكرًا، بعكس القرويات والبدويات الشرق أردنيات والأردنيات-الفلسطينيات. فالمرأة المعلمة في بداية السبعينيات، من المفترض أن تكون قد أنهت تعليمها الثانوي في الخمسينيات أو الستينيات، الأمر الذي كان متاحًا للمدينيات أكثر من الريفيات في الأردن.

تقول سهير سلطي التل في كتابها «مقدمات حول قضية المرأة والحركة النسائية في الأردن» إن فرص الفتاة الأردنية الريفية أو البدوية في التعليم في ذلك الوقت كان أقل بكثير من فرص الفتاة المدينية، حيث أن مفهوم التعليم الإلزامي الذي أُقرّ في الخمسينيات كان يعني توفير مقاعد دراسية للمرحلتين الابتدائية والاعدادية في كل مكان ولا يعني إلزام أولياء الأمور بإرسال بناتهم للدراسة.[27] في السبعينيات، كانت نسبة المسجلات في المراحل التعليمية في المدن الرئيسية مثل عمان والزرقاء واربد تصل إلى 47%[28] وهي نسبة عالية جدًا إذا ما قورنت بنسب المسجلات في باقي محافظات المملكة. وتعزو التل توقف الفتاة الريفية أو البدوية عن التعليم بعد التعليم الإلزامي إلى أسباب عديدة منها أن الفتاة التي ترغب بأن تستمر في التعليم بالمرحلة الثانوية كان يجب عليها أن تسافر يوميًا إلى مركز اللواء أو المحافظة، وتقول التل إن «تكاليف الدراسة الثانوية ومصاريف السفر اليومي يدفع بالكثيرين إلى التوقف عند حد التعليم الإلزامي».[29] كان هذا يحدث في ظل نظام اجتماعي يفضل الإنفاق -إذا كان لا بد منه- على الذكر وليس على الأنثى. إضافة إلى هذا، كثيرًا ما كانت الفتاة الريفية الأردنية تتوقف عن التعليم لتساهم في اقتصاد الأسرة. وحتى الفتيات الأردنيات الريفيات اللواتي يدرسن الإعدادية أو الثانوية كثيرًا ما كُنّ يحصلن على تعليم متقطع في مواسم الزرع أو الحصاد، قد ينتهي بهن بالتوقف عن التعليم كليًا.[30]

تأخر الشرق أردنيات القرويات والبدويات بالالتحاق بالتعليم مقارنة بالأردنيات -الفلسطينيات له أساس مادي، ولا يتعلق من قريب أو بعيد بمقولات التفوق التي يتبناها بعض الفلسطينيين أحيانًا تحت تأثير النزعات الوطنية. فالتعليم لا يستمد قيمته من ذاته، بل ما يجعل له قيمة هو ما يوفره من رأس مال اقتصادي يشكل أرضية لرأس مال اجتماعي. وحين كان الأردني البدوي أو الفلاح يقف على بنية اقتصادية فلاحية أو بدوية ثابتة، تؤمّن الأساسيات المطلوبة في ذلك العصر، كان من المنطقي ألا يبحث عن بنية جديدة أو أن يساهم بيده بضرب بنيته من خلال سحب بناته إلى بنية أخرى (حداثية-مدينية) تشكل النقيض له. أما الأردني-الفلسطيني اللاجئ الذي حطمت بنيته الاقتصادية مع احتلال فلسطين لم يعد يملك خيارًا آخر سوى التأسيس والانخراط في بنية أخرى تضمن له الاستمرار في الحياة. وهذا ما تؤكده التل، إذ تقول إن 71 بالمئة من مجموع العاملات عام 1975 هنّ من محافظة عمان[31] ذات الأغلبية الأردنية-الفلسطينية.

استفادت الفتيات المتعلمات من تطور التعليم الثانوي المهني وإدخال مجالات تعليم مهني جديدة في بداية السبعينيات، مثل التمريض والبريد والخياطة والتجميل، وتأسيس المدارس الشاملة للإناث التي زاد أعداد الملتحقات فيهن من 497 عام 1970 إلى 2831 عام 1978.[32] كما شهد الأردن توسعًا في تأسيس المعاهد المتوسطة بعد الثانوية، وتوسعت هذه المعاهد بعدما كانت تعلم تخصصات محددة جدًا لتدرس المهن المساعدة، مما زاد من عدد الملتحقات في التعليم المتوسط المهني من 419 ملتحقة عام 1970 إلى 3423 عام 1978.[33] وتقول التل إن نسبة العاملات في قطاع الخدمات والإدارة العامة فقط، أي الوزارات والدوائر المعنية في القطاع الحكومي عام 1975 كانت 23.5 بالمئة من مجموع القوى العاملة النسائية، وكانت وزارة التربية والتعليم في العام نفسه تشغل قرابة 12 ألف معلمة ومستخدمة وسكرتيرة، وكانت وزارة الصحة تشغل قرابة 1600 امرأة.[34]

اعتمادًا على هذا المسار الاجتماعي والاقتصادي لتطور الدولة الأردنية، نستطيع أن نقول إن «الآل» اكتسبت فعالية اجتماعية بحكم أنها لهجة المعلمات، والممرضات، والجامعيات أيضًا. من المهم أن نتذكر أن المبعوثات للدراسة الجامعية في الخارج (على نفقة الوزارة أو نفقتهن الخاصة)، اللواتي ازداد عددهن من 62 طالبة عام 1966 إلى أكثر من 5 آلاف مبتعثة عام 1978،[35] كانت غالبيتهن مدينيات يتعلمن في جامعات دمشق وبيروت والقاهرة، حيث يتحدث النساء والرجال بـ«الآل».

أُمّي من عائلة فلسطينية قروية، هجّرت «إسرائيل» عائلتها عام 1948 من إحدى قرى جنين المدمرة ولجأت إلى عمّان وسكنت في منطقة المحطة (محطة الحجاز)، في حي المعانية، حيث كان والدها يعمل «بالسكة». تخبرني كيف بدأت التحول من «الكال» إلى «الآل» في منتصف السبعينيات بتأثير معلماتها المدنيات في المدرسة، إذ ما زالت لليوم تذكر أسماء عائلاتهنّ وأصولهنّ المدنية. ويخبرني صديق مكث في المستشفى العسكري في ماركا ثلاثة شهور في مطلع السبعينيات أن جميع الممرضات في المستشفى (شرق أردنيات أو أردنيات-فلسطينيات) كن يتحدثن بـ«الآل»، رغم أن ماركا كانت منطقة فيها تنوع لساني، إذ يسكنها بدو شرق أردنيون يتحدثون بـ«الجال»، وقرويون أردنيون-فلسطينيون كانوا يتحدثون بـ«الكال»، وحضريون أردنيون وأردنيون-فلسطينيون كانوا يتحدثون بـ«الآل». كانت الممرضات يدرسن في كلية الأميرة منى في ماركا، ويُقِمن في سكن الممرضات، ويتدربن في المستشفى العسكري تحت إشراف أطباء رجال شرق أردنيين أو أردنيين-فلسطينيين حضريين، تلقوا تعليمهم في الدول العربية أو أميركا أو بريطانيا، وكانوا يتحدثون بـ«الآل» وكان لهذا أثر مباشر على الممرضات من أصول غير حضرية لتبني «الآل» في الحياة العامة.

فإذا كان لتقسيم العمل وعوامل سياسية دورٌ في هيمنة «الجال» عند الرجال باعتبارها لهجة المؤسسة ورجال الدولة، فإن لتقسيم العمل دورًا في هيمنة «الآل» عند النساء. فالنساء الفاعلات في المجال العام واللواتي يعملن بالتمريض والتعليم ومهن أخرى ويتكلمن بـ«الآل»، كنّ في نظر النساء الأخريات يتمتعن بمكانة اجتماعية حداثية وبمقام «أعلى» في التراتبية الاجتماعية السائدة، إضافة إلى تصدير «الجال» كلهجة رجال، بالتالي أصبح لـ«الآل» فاعلية اجتماعية ورأس مال رمزي تسعى النساء الأخريات في عمان إلى امتلاكه.

ومن المهم أن نتذكر أن التلفزيون ساهم في تكريس هيمنة الآل عند النساء باعتبارها «أرقى» من «الكال» و«الجال»، إذ كانت أكثر مسلسلات الثمانينات تبرز المرأة التي تتحدث بـ«الآل» باعتبارها امرأة حداثية وفاعلة في الحياة العامة، مثل شخصية المُعلّمة في مسلسل «العلم نور» التي أدت دورها الممثلة عبير عيسى، إضافة إلى النساء الشابات في مسلسل «حارة أبو عواد» ومسلسل «عليوة والأيام». ومع مطلع التسعينيات رسخت «الآل» كلهجة نساء عمان، وأحد مؤشرات ذلك تبنيها من قبل جميع مقدمات برنامج «يسعد صباحك» الواسع الانتشار ابتداء من جمان مجلي أول مقدمة للبرنامج، مرورًا بمنتهى الرمحي، وصولًا إلى لانا القسوس.

مع تحول اللهجات المرتبطة بالمنشأ الاجتماعي والجغرافي (مدينة، ريف، بادية) غير المجنسنة إلى لهجات وطنية مجنسنة، انعكس هذا على طبيعة العلاقات اللسانية في عمان ومعانيها ومضامينها الاجتماعية والسياسية. ونستطيع أن نلمس هذا في حياتنا اليومية وتعاملنا مع بعضنا البعض.

التبني والتناوب: القاف اليومية

تراجعت «الكال» تراجعًا حادًا بعد أن تبنى رجالها «الجال» وتبنت نساءها «الآل»، فالمنكسر والمغلوب يتبنى رموز المسيطر ولغته كما يقول بورديو.[36] لهذا، قد تختفي «الكال» بالكامل من سوق المحكيات في عمان بعد أن تفارق المسنات الأردنيات-الفلسطينيات الحياة، وتتوقف قناة «رؤيا» عن استضافتهن وعرضهن بأثوابهن الفلاحية كجزء من التراث، وتكريس لهجتهن كلهجة قديمة «عفا عليها الزمن».

كثيرًا ما يحدث تناوب بالحياة اليومية في عمان بين «الجال» و«الآل» وبالعكس، وبشكل أقل بكثير بين «الكال» وكليهما. يقول مسعد إنه من «الطريف في الأردن تتبع التعثر في لهجات الجميع، سواء أكانوا رجالًا أردنيين فلسطينيين، أم رجالًا ونساء شرق أردنيين/ات حضريين وطنيين، وتحديدًا عندما ينزلق لفظ حرف القاف في حديثهم من «ج» إلى همزة؛ ذلك أن القناع الوطني الجديد يصعب ارتداؤه طوال الوقت»[37]

ويحدث تناوب آخر وفقًا لمتغيرات اجتماعية عديدة مرتبطة بطبيعة المحادثة وموقع طرفيها في السلم الاجتماعي والسياسي، ومكانها وغايتها المتمثلة بالموافقة الاجتماعية أو الخضوع، وفقًا لحاجات المتحدث المادية أو الرمزية وعلاقته بالمُستقبِل إضافة إلى جنس كل منهما. فتبني قاف هنا وتبديلها هناك يخضع، كما يقول سليمان، للتبادل الاجتماعي بين ثنائية «التكلفة والمنفعة» في علاقاتنا الاجتماعية-اللسانية اليومية.

من مشاهداتي الخاصة ومشاهدة بعض الأصدقاء المتقاطعة والمتكررة غير المبنية على دراسات علمية ذات مناهج إمبريقية، وإن كنت أتحفظ على العديد من هذه المناهج، سوف أتطرق لبعض الأمثلة اليومية لاستخدامات القاف وتبدلاتها في الفضاءين العام والخاص في عمان. فقد ترى شابًا يتكلم مع أصدقائه الذكور بـ«الجال» وينتقص من قيمة من يتحدث بـ«الآل» في حيز الرجال باعتبارها مؤنثة أو مخنثة، لكنه، وفي الوقت نفسه يتخلى مؤقتًا عن «الجال» حين يتحدث مع الشابات. فالحديث بـ«الآل» مع الرجال قد يجعله عرضة للحكم الذكوري الذي ينتقص من رجولته، بينما تخليه عن «الجال» في الحديث مع بعض الشابات قد يضفي على شخصيته صبغة حضرية/متمدنة، يعتقد بعض الشباب بأن النساء في عمان يفضلنها. كما أن الشاب الذي يتحدث بـ«الجال» في حياته اليومية قد يتخلى عنها لمصلحة «الآل» في مقابلة عمل في شركة خاصة أو إحدى المنظمات غير الحكومية، لكي يظهر بمظهر الشاب الحداثي-المتمدن.

التناوب بلفظ القاف يأخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا في بعض السياقات الاجتماعية. أحد الأصدقاء كان يقلب بين «الكال» و«الجال» و«الآل» بشكل متقن ويومي، فهو يتحدث بالمنزل بـ«الكال» (كفرد في عائلة تتحدث بالكال) ويتحدث في الحارة بـ«الجال» (كي يُقبل كرجل) ويتحدث في مدرسته الخاصة الذي حصل على منحة للدراسة فيها بـ«الآل» (كي يخفي موقعه الطبقي/الاجتماعي). وتفعل أمي الشيء نفسه فهي تتحدث مع الخضرجي بـ«الكال» (من أجل خلق تقارب اجتماعي أكبر بينهما يمنعه من أن يزيد السعر عليها)، بينما تتحدث بـ«الآل» في عرس دعيت عليه في إحدى مناطق عمان الغربية (كي تخفي موقعها الطبقي ووصمة لهجة الفلاحين).

هناك استثناء وحيد، كنت قد عايشته في عمان، يتعامل مع «الكال» النسائية بإيجابية تجعل مِمن تتبناها في الكلام نحو التمسك بها دون التحويل إلى «الآل». كانت لي صديقة أردنية-فلسطينية من أصول قروية تتحدث بـ«الكال» وتحظى بإعجاب العديد من الرجال، فصديقتي هذه حداثية، متعلمة تعليمًا عالي، تتحدث الانجليزية بطلاقة، مستقلة اقتصاديًا، تنتمي للطبقة الوسطى، وتعمل في مؤسسة دولية. في هذه الحالة تضفي «الكال» على حياتها إثارة لدى الرجال الأردنيين-الفلسطينيين فهي بنظرهم تجمع بين الحداثة والتراث، وبلغة أدبية متمدنة لكن فيها «شيء من بقايا الوطن». هذا الوضع لا يمكن أن يكون نفسه لو كانت صديقتي هذه فتاة تعيش في احدى مخيمات عمان أو مناطقها الشعبية.

إن النساء المتحدثات بـ«الجال» أو «الكال» في عمان قد يجبرن في لحظات عديدة من حياتهن أن يقلبن إلى «الآل» كي يُقبلن في سياقهن الطبقي والمجنسن. فالنظرة إلى «الجال» باعتبارها لهجة رجال ليست حكرًا على الرجال أنفسهم، فالعديد من النساء يتبنين النظرة نفسها «للجال». تخبرني صديقة شرق أردنية من أصول قروية كيف أنها طيلة فترة دراستها في المدرسة كانت تتبنى «الآل» في المدرسة و«الجال» في البيت كي تقبل اجتماعيًا وتتساوى رمزيًا مع بنات مدرستها اللواتي ينتمين إلى عائلات من أصول سورية وفلسطينية مدنية. وهذا ينطبق تمامًا على أم صديقي المعلمة في مدرسة خاصة والتي كانت تسكن في أحد مخيمات عمان للاجئين الفلسطينيين وهي من أصول قروية، إذ اضطرت أن تحول من «الكال» إلى «الآل» بشكل يومي بين البيت والمدرسة، وهي اليوم مضطرة أن تتبنى «الآل» لأن ابنتها ترفض أن تتحدث أمها مع حفيدتها بـ«الكال» باعتبارها لهجة لا تليق بالأطفال، وتخشى أن تتعلمها منها فتوصم بالمستقبل بما تحمله «الكال» من دلالات دونية في المجتمع العماني.

وكما تمتعض بعض الشابات الأردنيات-الفلسطينيات من أصول قروية من تحدث أمهاتهن مع أحفادهن بـ«الكال»، فإن بعض النساء الشرق أردنيات العمانيات من أصول قروية يمتعضن من أن يتحدث آباؤهن مع حفيداتهم بـ«الجال»، ولا يمانعن من أن يتحدثوا مع أحفادهم بها. من المهم أن نتذكر أن هيمنة «الجال» باعتبارها لهجة رجال ينطبق على عمان وحدها تقريبًا، فالمرأة في المحافظات بالغالب تتحدث بـ«الجال»، ولا ينظر إليها بأنها مسترجلة أو تتدخل في حيز الرجال.

إذا نحينا جانبًا التخيلات الوطنية سنرى واقع المحكيات في الأردن أكثر اتساعًا بكثير مما رسمته الدولة الوطنية

من جانب آخر، قد يكون مفهومًا التخلي عن «الكال» من قبل أصحابها، فقد تعرضت لهزات عديدة، مادية ورمزية. لكن التحويل من «الآل» إلى «الجال» عند أبناء الطبقات الوسطى والعليا الذكور في عمان لا يمكن فهمه إلا من باب الاسترجال. وقد شاهدنا كيف أن عددًا من ممثلي مسلسل جن كانوا يتحدثون بـ«الجال» عندما يغضبون ويريدون أن يبدوا أكثر رجولة. فـ«الآل» ما زالت توصف بأنها «ناعمة» و«ومؤنثة» و«مخنثة» أيضًا. لذلك، قد تسمع شخصًا يقدم على أنه مثلي يصور ويتحدث بـ«الآل» في أحد المسلسلات الأردنية، لكن من الصعب جدًا أن تسمعه يتحدث بـ«الجال» في هذا المسلسل أو بغيره.

من جهة أخرى، يُحكم على «الجال» في بعض السياقات بأحكام حداثية-عمرية إضافة إلى الجنسنة. لا تخفي أمي -التي تبدّل لهجتها القروية خجلًا أو اضطرارًا في كثير من الأحيان- امتعاضها من استخدام أبناء أخي، المتزوج من شرق أردنية، تنتمي إلى قبيلة بدوية استقرت بالعقود الأولى من القرن الماضي، «الجال» في الكلام. فهي تعتقد بأن «الجال» رمز للبداوة، ولا تليق بالأطفال ولا بلهجة أبناء المدن الحديثة، وهي بذلك تتواطأ[38] مع النظرة التطورية الحداثية التي تنظر للبداوة كبنية قديمة «متخلفة»، تمامًا كما ينظر أبناء المدن للبنية الفلاحية. بينما لا يكترث أبي بالموضوع، وكأنه استدخل «الجال» دون أي مساءلة.

هذه النظرة لعلاقة «الجال» بالبداوة لها سياق مهم، كنت قد تطرقت إليه في بداية المقال. أمّي وغيرها من أبناء المدينة لا يعرفون أنه لا توجد أي علاقة بين لهجة الكثير من أبناء عمان الذين يتحدثون بـ«الجال» وبين اللهجات البدوية سوى بقلب القاف جيمًا قاهرية، كما يفعل الغالبية العظمى من البدو. فاللهجة البدوية مقصاة من الفضاء العام في عمان، فلا هي لهجة أبناء المدينة ورجال أعمالها، ولا هي لهجة وزرائها ورؤسائهم، ولا هي لهجة البرامج التلفزيونية، والدعايات، والمسلسلات (إذا استثنينا المسلسلات البدوية التي تُنقل بعيون ماضوية تراثية). وتصوّر اللهجة البدوية باعتبارها شيئًا من الماضي[39] غير حاضر في واقع الحياة في عمان وقد لا يفهمها أهل عمان جيدًا ويعتبرون المتحدث بها غريبًا عن المدينة وربما عن البلد. يقول المسؤول السابق لمؤسسة المواصفات والمقاييس حيدر الزبن (من أصول بدوية)، في مقابلة مع طوني خليفة، كيف أنه تخفّى مرة وذهب ليكشف عن محطة محروقات «هاي المحطة، إجت عليها أكثر من شكوى، وصاحب المحطة له نفوذ (..) فارتديت الثوب البدوي والشماغ ونزلت وحكيت باللهجة البدوية، فهو [فكر] إني أنا من خارج الأردن، غشّني، فضبطته»، يقول الزبن.

خاتمة

هناك تحولان قد يحدثان في العقود القليلة القادمة. قد نشهد تزايدًا في استخدام «الآل» عند الرجال الشرق أردنيين والأردنيين-الفلسطينيين، وتحديدًا عند الطبقات الوسطى والعليا وعند موظفي بعض القطاعات التجارية. في السنوات الماضية، ومع صعود القطاع الخاص وتراجع القطاع العام، تبنى العديد من الرجال العاملين في البنوك والشركات «الآل» كمُكمّل لاستخدام الإنجليزية في العلاقات الوظيفية. ومن الملاحظ أن العديد من العاملين من الفقراء والطبقات الوسطى الدنيا في أعمال تتطلب التعامل مع الزبائن يستخدمون «الآل» بشكل متزايد، في وقت العمل. أكثر من سائق يعمل لدى شركة كريم أخبرني بأن «الآل» أفضل للعمل باعتبارها «أكثر رقيًا» و«أقل دفاشة»، وهذا ينطبق على العاملين في المطاعم الفاخرة وتنظيم الأعراس والمولات وبعض التلفزيونات والإذاعات، إضافة إلى العاملين في خدمة العملاء.

هذا لا ينطبق على عمان فقط بالمناسبة. منذ فترة كنت بإحدى المطاعم السياحية في عجلون وكان العمال يتحدثون بـ«الآل». سألت أحدهم وهو من منطقة عنجرة فقال إن الإدارة تطلب من الموظفين أن يكونوا ألطف مع الزبائن، خاصة أنهم من عمان، وهو ما تُرجم إلى الحديث بـ«الآل». أما في البترا ووادي رم، تكون «الجال» جذابة أكثر للسياح المستشرقين والساعين لعيش «تجربة البداوة». لا أعتقد بأن الشاب العجلوني وزملاءه في العمل سيحوّلون لـ«الآل» بشكل كلي، فـ«الجال» في المحافظات مهيمنة وسائدة بشكل مستقر. لكن التناوب بين «الآل» و«الجال» في عمان عند بعض العاملين في القطاع الخاص قد يجعلهم لاحقًا يحولون لـ«لآل» بشكل كامل.

إضافة إلى هذا، في بعض السياقات، أصبحنا نرى «الآل» تكتب كما تلفظ. فبعض المقاهي في عمان الغربية تكتب «أهوة كذا» على يافطة المحل أو على قائمة الطعام. وبعد أن كانت الإنجليزية مسيطرة على مقاهي وكافيهات عمان الغربية باعتبارها اللغة «العصرية»، نشهد عودة إلى عربية محكية ممدننة أو مُلَبننة لكنها مكتوبة، لتمييزها عن الفصحى التي ينظر لها من قبل البعض باعتبارها لغة «تقليدية-تراثية» يستخدمها التجار المحليون الصغار في المناطق الشعبية.

في المقابل، نستطيع أن نرصد أن عددًا أكبر من الشرق أردنيات في عمان، تحديدًا الشابات، أخذن يتحدثن بـ«الجال» في الفضاء العام وفي المنزل من عقدين تقريبًا، ويشير مسعد في كتابه الصادر عام 2001 باللغة الإنجليزية أنه في ذلك الحين كانت بعض النسويات الوطنيات الشرق أردنيات قد أصبحن يتحدثن بالجال «ليؤكدن المساواة في هذه السمة الوطنية الأردنية الجديدة».[40] إضافة إلى ذلك كان لانتشار التعليم وتزايد عدد القوى النسائية العاملة، الأثر في تزايد حضور الشرق أردنيات من خارج عمان اللواتي يتبنين «الجال» في الكلام في عمان، ممّا ترك شعور ايجابيًا وتشجيعيًا لدى الشرق أردنيات العمّانيات بإمكانية تبني «الجال» في الفضاء العام في عمان، بغض النظر عن الدافع من وراء ذلك. وقد يشكل التزايد في تبني «الجال» من قبل الشابات الشرق أردنيات العمّانيات اختراقًا نسائيًا للهجة الرجال في عمان.

ختامًا، كما لاحظنا أن القاف المحكية في عمّان، ليست قافًا أبدية، بل هي قاف تاريخية أي أنها تتبدل وتتغير وفقًا لعلاقات القوة والهيمنة داخل بنى اجتماعية وسياسية واقتصادية متغيرة. ما هو مهم أن ندرك أن اللهجات لا تحمل سمات وطنية جوهرية بأي شكل من الأشكال. وإذا نحينا جانبًا التخيلات الوطنية سنرى واقع المحكيات في الأردن أكثر اتساعًا بكثير مما رسمته الدولة الوطنية وسنتفاعل معه بتشنج أقل.

    الهوامش

    [1] بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة عبد السلام العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2007، ص 50-51.

    [2] Yasir Suleiman, A War of Words: Language and Conflict in the Middle East, Cambridge University Press, 2004 p.g 102

    [3] تتعدد الروايات حول أصل قلب القاف همزة، يرجعها هادي العلوي إلى أصل أندلسي، فهو يعتقد أن بعض الأندلسيين كانوا يلفظون القاف همزة، ومع افتراض هذا الإبدال في عامية الأندلس، يقول العلوي إنه لا بد أن يكون من لهجة عربية قديمة، لأن لهجة الأندلس تتألف من نفس لهجات القبائل العربية التي استوطنت إسبانيا. للمزيد راجع\ي: هادي العلوي، المعجم العربي الجديد، دار المدى للثقافة والنشر، بيروت، 2014، ص 38-39.

    [4] عن تاريخ الإذاعة، راجع\ي عامر أبو جبلة «مسيرة إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية ودورها الثقافي (1956-1996)»، دراسات في تاريخ الأردن الاجتماعي، مؤلف جماعي، دار سندباد للنشر، عمّان، 2003.

    [5] جوزيف مسعد، آثار استعمارية: تشكل الهوية الوطنية في الأردن، ترجمة شكري مجاهد، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، 2019، ص101.

    [6] ألغي القانون عام 1976

    [7] يشير جوزيف مسعد إلى أن البدو الرحل عام 1922 كانوا يشكلون 46% من سكان شرق الأردن، إذ بلغ عددهم في ذلك الوقت قرابة 102 ألف من أصل 225 ألف وفقًا لتقديرات «نيابة العشائر». وهذا العدد لا يشمل المنطقة الممتدة من معان حتى العقبة والتي ضمت إلى شرق الأردن عام 1925 والتي تضم واحدة من أكبر القبائل البدوية، قبيلة الحويطات.

    [8] جوزيف مسعد، ص 112.

    [9] جوزيف مسعد، ص 107.

    [10] جوزيف مسعد، ص 261.

    [11] جوزيف مسعد، ص 133.

    [12] محمد الجريبيع، الإذاعة الأردنية في الخمسينيات والستينيات: المجال السياسي وبلورة الشخصية الوطنية الأردنية، دراسات في تاريخ الأردن الاجتماعي، مؤلف جماعي، دار سندباد للنشر، عمّان، 2003، ص 775.

    [13] جوزيف مسعد، ص 141.

    [14] كان من أكثر الشعراء الذين كتبوا أغاني لسميرة توفيق، للاطلاع أكثر راجع رائدة أحمد، «سميرة توفيق ودورها في نشر الأغنية الأردنية»، المجلة الأردنية للفنون، مجلد 10، عدد 3، 2017، ص 271- ص 296.

    [15] للاطلاع على الفروقات بين اللهجات البدوية واللهجات الحضرية راجع\ي إبراهيم أنيس، في اللهجات العربية، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، الطبعة الثامنة، 1992، ص 90-138.

    [16] للمزيد، راجع\ي مصطفى الخشمان، نسائم الديار، بحوث في اللغة والتراث، وزارة الثقافة، عمّان، 2011.

    [17] مصطفى الخشمان، المفردات الشعبية التراثية في محافظة معان، وزارة الثقافة، عمّان، 2014، ص 8-9.

    [18] جوزيف مسعد، ياسر سليمان، إنعام الور.

    [19] Yasir Suleiman, p.g 96-136

    [20] Yasir Suleiman, p.g 108.

    [21] Yasir Suleiman, p.g 108.

    [22] Yasir Suleiman, p.g 114-115.

    [23] جوزيف مسعد، ص 448.

    [24] Yasir Suleiman,p.g 116-118.

    [25] جوزيف مسعد، ص 447.

    [26] The Lifecycle of Qaf in Jordan, Enam Al-Wer et Bruno Herin, 2011, p.g 70-71.

    [27] سهير سلطي التل، مقدمات حول قضية المرأة والحركة النسائية في الأردن، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1985، ص 54.

    [28] سهير سلطي التل، ص 54.

    [29] سهير سلطي التل، ص 63.

    [30] سهير سلطي التل، ص 64-65

    [31] سهير سلطي التل، ص 79.

    [32] سهير سلطي التل، ص 55-56.

    [33] سهير سلطي التل، ص 57-58.

    [34] سهير سلطي التل ص 71-74.

    [35] سهير سلطي التل ص 60-61.

    [36] بيير بورديو، أسئلة علم الاجتماع، ترجمة عبد الجليل الكور، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1997، ص 103.

    [37] جوزيف مسعد، ص 449.

    [38] يشرح بورديو في «الرمز والسلطة» كيف أن السلطة الرمزية بطبيعتها سلطة لا مرئية ولا تُمارس إلا بتواطؤ أولئك الذين يأبون الاعتراف بأنهم يخضعون لها، بل ويمارسونها.

    [39] وهكذا يراها بعض المثقفين أيضًا، انظر\ي هاني العمد، الأغاني الشعبية في الأردن، وزارة الثقافة، عمان، 2001، ص 79.

    [40] جوزيف مسعد، ص 448.

حبر،

———————–

هل ترتقي الدارجة التونسية إلى لغة إنتاج فكري ؟

موقع نواة

————————

القراءات النسوية للنصّ القرآني: سـؤال اللغة/ منى علام

أثار حديث شيخ الأزهر عن ضرب الزوجة “الناشز” الكثير من الجدل، في أيار/ مايو الماضي، وفتح الباب لتجدّد النقاش حول أحكام المرأة في الشريعة الإسلامية. وكان الشيخ أحمد الطيب قد قال في برنامج تلفزيوني يتناول أحكام الأسرة، إن ضرب الزوجة الناشز ينبغي ألاّ يكون مبرحاً

1

ما أثار حفيظة الكثيرين، ومن بينهم النسويات بطبيعة الحال، الذين كانوا يريدون منه أن يعلن رفض الإسلام لأي شكل من أشكال العنف ضد المرأة. في حلقة لاحقة، عاد الطيب ليقول إنه يتمنى أن يعيش ليرى تجريم الضرب بشكل مطلق لما يمثله من إهانة وأضرار نفسية للإنسان

2

. دائمًا ما تكون الآية 34 من “سورة النساء” مادة للجدل في ما يخص قضية المرأة في الإسلام يقول نصّ الآية:

    الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا.

وتُقدَّم حيال تلك الآية معنى لغوي للفظ “اضربوهن” يختلف عن المعنى الشائع، يشير إلى المفارقة أو الابتعاد. وهذا ما سبق أن ذهبت إليه نسويات مسلمات في الغرب مثل الأميركية من أصل إيراني لاليه بختيار (Laleh Bakhtiar) التي ترجمت القرآن إلى الإنكليزية عام 2007، ما أثار الجدل وقتها

3

التفسير ذاته كما أشارت إليه الأميركية من أصل أفريقي آمنة ودود (Amina Wadud) في كتابها “القرآن والمرأة: إعادة قراءة النص القرآني من منظور نسائي” (مكتبة مدبولي القاهرة، 2006، ترجمة سامية عدنان).

“التخريجات” اللغوية

وبغض النظر عن مدى صحة “التخريجات” اللغوية، فإن القضية تثير سؤال اللغة وكيف يمكن استخدامها في تكريس معنى معين للنص الديني وإزاحة آخر، ما بين التفسيرات التقليدية والقراءات النسوية لتلك النصوص، لا سيما مع نصّ نزل “بلسان عربي مبين”، وإتقان اللغة أحد أهم شروط فهم النص وتفسيره.

تستند المقاربة النسوية للنص الديني – تتولاها في العادة مثقفات مسلمات غير متخصصات أكاديمياً في علوم الشريعة أو اللغة -إلى مجموعة استراتيجيات من أهمها الاقتراب اللغوي من ألفاظ معينة تبدو إشكالية مثل: “قوامون”، “نشوزهن”، “اضربوهن”، و/أو نقد مرويات أسباب النزول كونها في كثير من الأحيان سبباً في تقرير أحكام فقهية متحيزة ضد المرأة، و/أو القراءة السياقية لبعض الآيات وربطها بواقع المجتمع العربي الأول بظروفه الاجتماعية والاقتصادية المختلفة. ويحكم كل ذلك الانطلاق من مبادئ عامة تعتبر المفسرات أن القرآن قررها، تتمثل في العدل والكرامة والمساواة الإنسانية.

وتعود محاولة النسويات الإسلاميات الاقتراب “المباشر” من القرآن وتقديم قراءاتهن الخاصة له إلى عقود قليلة خلت. والهدف منها “امتلاك الصوت” إزاء تراث طويل سيطر فيه المفسرون (الرجال) على الساحة، والفصل الحاسم بين النص المقدس وما أنتج حوله من اجتهادات “بشرية”.

بدأت تلك المحاولة على يد نسويات إسلاميات في الغرب أولاً

4

ثم انتقلت إلى نظيراتهن العربيات. إلا أن هناك محاولات في هذا الصدد ترجع إلى أواخر القرن التاسع عشر، كما نجد لدى الشاعرة والأديبة عائشة التيمورية (1840-1902) في رسالتها “مرآة التأمل في الأمور” (الصادرة بالعربية عام 1892 وأعاد “ملتقى المرأة والذاكرة” في القاهرة طبعها عام 2002)، ذهبت فيها إلى أن قوامة الرجال مشروطة، وأنها تنتقل للنساء حال تقاعسهم وقيامهن بواجباتهم، وهي محاولة رائدة لقراءة النص الديني من منظور نسوي.

5

هناك اختلافات في الطرق التي تقترب بها النسويات الإسلاميات العربيات (وهنّ موضوعنا هنا) من النص القرآني. فعلى سبيل المثال، تتوقف أستاذة العلوم السياسية المصرية أماني صالح في قراءتها لآية القوامة عند كل لفظ مشْكِل، وتأخذ على المفسرين تفسيرهم لها بشكل منحاز “يقنّن دونية المرأة”، بل إنها تأخذ على معاجم اللغة نفسها انحيازها وتفضّل تتبع اللفظ كما ورد في آيات أخرى لفهم معناه.

من جهتها، ترى الطبيبة والباحثة النسوية المغربية أسماء المرابط ضرورة ربط مفهوم “القوامة” بمفهومي “الاستخلاف” و“الولاية” وبالقيم التي أكدها القرآن للعلاقة الزوجية. في مسألة الميراث تميل المرابط للقراءة السياقية، وهو المنهج الذي يعد نصر حامد أبو زيد أبرز منظريه، في كتابه “دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة”. ولكن نسويات إسلاميات أخريات رفضن هذا المنهج لأنه يهدر في رأيهن إطلاقية النصّ المقدس ويؤدي إلى الخروج عليه

6

. فكيف تعاملت النسويات الإسلاميات العربيات في قراءاتهن للنص الديني مع اللغة وبعض الألفاظ الإشكالية، بصورة مختلفة عن التفسيرات التقليدية؟

قوامون، نشوزهن، قانتات

في المعجم الشهير “كلمات القرآن: تفسير وبيان” للشيخ حسنين مخلوف تعني “قوامون” قيام الولاة على الرعية، و“قانتات” مطيعات لله ولأزواجهن، و“نشوزهن” ترفعهنّ عن طاعتهم، وهذا ما ذهب إليه معظم المفسرين. إلا أن للنسويات رأياً آخر.

ي “قضية النوع في القرآن: منظومة الزوجية بين قطبي الجندر والقوامة” (بحث منشور بدورية “المرأة والحضارة”، العدد الثالث، القاهرة، 2002) تقول أماني صالح إن مفهوم النشوز “من أخطر المعضلات في البحوث الخاصة بوضع المرأة في تشريعات الأسرة لأنه يرتّب أقسى حكم يخص المرأة وهو التوجيه بالضرب، بل إنه يعد حكمًا فريدًا من نوعه لم يرد مثله في القرآن لأي من صنوف العاصين”. برأيها، يتسم المفهوم بالغموض، “فالمصادر اللغوية غير مفيدة في تحديد المفهوم لاتساعه (النشز هو ما ارتفع من الأرض، ويقال نشز وينشز إذا كان قاعدًا فنهض قائمًا). أما المفهوم الذي يقدمه المفسِّرون فيتسم بدوره من ناحية بالضيق الناجم عن الانحياز، ومن ناحية أخرى بالاختلاف حول مدلوله”. تستند صالح إلى السيرة النبوية التي تخلو من ضرب الزوجات لاستبعاد “تفسير النشوز بالطاعة والمعصية بين الزوجين أو النفور الوقتي”. ثم يأتي لفظ “قانتات” الذي تقول عنه إنه يثير لبسًا ولكن تفسيره محوري في تحديد معنى النشوز. ففي حين فسّره كثيرون بـ“الطائعات لأزواجهن”، تتتبع هي الاستخدام القرآني للكلمة لتجد أنه لا يؤيد هذا الاتجاه: “لقد ورد لفظ القنوت ثلاث عشرة مرة في القرآن الكريم ودل في الأغلب الأعم على شدة الخضوع والانقياد لله والمداومة عليه”.

تخلص إلى أن النشوز يعرّف بالمقابلة مع الصالحات بأنه “الفساد والخروج عن طاعة الله، وخيانة الزوج بالغيب فيما أمر الله به من حفظ للمال والعرض والولد”، وأن عبارة “واللاتي تخافون نشوزهن” تنصرف إلى مقدمات الخيانة الزوجية للزوج وهذه -كما تصفها– “حالة من الشذوذ والاعتداء الخطير من الزوجة على أسس الحياة الأسرية”، مع استمرار الزواج وعدم طلبها الانفصال، وأن الأحكام القرآنية لا يمكن تفسيرها بمعزل عن المنظومة ككلّ.

أما فيما يخصّ القوامة، فتركز على اللفظ “قوامون على” الآتي بصيغة المبالغة والذي يتمحور النص حوله، وتنوّه إلى صعوبة اللجوء إلى معاجم اللغة العربية. ترى أن اللغة العربية المسجلة والمؤصلة في المعاجم وكتب النحاة ليست مرجعًا محايدًا لفهم القرآن، إذ كان هو مرجع تقعيد اللغة معجميًا ونحويًا وليس العكس. ولذا، ولصعوبة اللجوء إلى اللغة كحكَم محايد في مسألة معضلة أو خلافية كالقوامة، تجد الباحثة أن المخرج الأفضل لفهم دلالة اللفظ القرآني هو الرجوع إلى الاستخدام القرآني ذاته، ففعل “يقوم” أفاد معانٍ مختلفة تدل على الوقوف والنهوض، أو السعي وبذل المشقة والجهد، كما يفيد الرعاية. كذلك استخدم القرآن اسم الفاعل “قائم” للدلالة على الواقف، والمتعهد الراعي.

أخيراً تقول الباحثة إن القرآن أورد في موضعين آخرين اللفظ في صيغة المبالغة (“قوامين” دون حرف الجر “على”) لبيان دوام الالتزام بالأمر. وتستكمل تحليلها بقولها إن الفقهاء فسّروا عبارة “قوامون على النساء” باعتبارها تشير إلى ممارسة السلطة والهيمنة والتأديب، لكننا نجد أن القرآن قد خص ألفاظاً معينة بالدلالة على هذه المعاني، وهي (“وكيل”، “حفيظ”، “ولي”، “مسيطِر”، “سلطان”) وامتنع عن استخدامها في ما يخص علاقة الرجال بالنساء. وتخلص إلى أن لفظ “قوامون على” إنما يدور حول معاني النهوض والسعي وبذل المشقة في سبيل أحد أو شيء، والرعاية وتعهّد الشيء من دون توان أو نكوص.

أما “بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا”، فتذهب فيها إلى أن “البعضية” تعود على الرجال، وأن استخدامها بين الرجال والنساء يبدو أمرًا غير منطقي لا يستقيم معه المعنى، فالمراد تفاوتهم في جوانب التميز والفضيلة والنعمة التي يمكن أن يقوموا برعاية النساء بواسطتها، إلى جانب الإنفاق المادي.

… ولا تُخسروا الميزان

تقول أسماء المرابط

7

إنه ليس هناك لغة خاصة أو مفاهيم جديدة تستخدمها النسويات، بل هناك مقاربة مختلفة للنصوص. فالجديد هنا هو محاولة الرجوع إلى توازن النص القرآني الذي أدى التأويل التقليدي الذكوري إلى الاختلال في فهمه، فرجّح كفة الرجل وجعله المهيمن والمعيار للإنسان، والمرأة مجرد كائن تابع ثانوي لا قيمة له إلا لخدمة الرجل -ذلك “الإنسان الكامل”. يتناقض ذلك مع مفهوم “النفس الواحدة” المذكور في القرآن الذي يؤكد الأصل الواحد لهما في الخلق، وليس كما ذهب المفسرون بأن المقصود به الرجل أو آدم، وأن كلمة “زوجها” تشير إلى حواء أو المرأة الأولى كخلق ثانوي، وإنما المراد الشريك.

ترى المرابط أنه لا حاجة إلى إنتاج مفاهيم أو تأويلات جديدة أو “نسوية” بقدر ما نحن بحاجة إلى ضبط الخلل والتمييز في التفاسير التقليدية، وتبيّن مفاهيم العدل والميزان. ولا ترى في غياب أكاديميات متخصصات في اللغة العربية بين النسويات الإسلاميات نقطة ضعف، فاللغة تبقى مجرد أداة أو وسيلة لنقل الأفكار والمفاهيم. وبالنسبة لها فإن الذكورية اتهام يطال كل اللغات، وإن اللغة العربية ليست ذكورية من حيث روحها وجوهرها ولكن في كيفية استعمالها، مشيرة إلى طرح الصحابيات هذا السؤال حينما اشتكين للنبي وسألنه عن كون الخطاب القرآني يُوجّه للرجال فقط، فنزلت الآية “إن المسلمين والمسلمات.” (الأحزاب: 35) لتقنعهن بالعكس.

مفردات جديدة لخطاب جديد

تقول أستاذة الأدب الإنكليزي والمقارن في جامعة القاهرة أميمة ابو بكر

8

، ولها قراءة لآية القوامة، إن البحث النسوي الإسلامي المكتوب بالعربية أدى إلى نحت مفردات جديدة تلائم الخطاب الجديد الذي يخصّ منظومة العلاقات بين الجنسين، وهو مختلف عن الخطاب الأبوي سواء كان تقليديًا أو حديثًا، كأن نقول مثلاً رؤية “مساواتية” أو نرفض “التراتـُبية” في تفسير علاقات النوع…إلخ. وتعتبر أن التفسيرات التي جرى تداولها حول لفظ “الضرب” غير سليمة لغويًا ومناقضة لقواعد اللغة، وأن الأجدر في هذه الحالة ربط حكم الضرب بمنظومة عقاب “الفاحشة” سواء ارتكبها رجال أو نساء، كما ورد في الآيتين 15 و16 من “سورة النساء”.

وتقول إن تلقي النص بلغة أخرى له ميزة وعيب: فالقارئ هنا يتحرر من أسر المدلولات الثقافية التي ألصقت بالنص على مدار قرون، ويمكنه النفاذ إلى المقصد القرآني الصافي، ولكن العيب في غياب بعض دقائق اللغة وتطوّر بعض الألفاظ تاريخيًا. إلا أن المهمّ في نظرها هو المنهج المتبع في الاستنباط والتأويل الذي يقوم على البحث عن مقاصد العدل والمساواة في القرآن وتطبيقها على النوع (gender)، مع تبني منظور نقدي للتراث دون التحقير من شأنه. هنا تظهر ميزة للنسويات الإسلاميات العربيات، إذ يمكنهن قراءة المصادر التراثية بسهولة وبلغتها الأصلية، كما أن إنتاجهن يصل للجمهور العربي على نطاق أوسع. وردًا على سؤال حول تأثر النسويات الإسلاميات العربيات بأطروحات نظيراتهن في الغرب رغم امتلاكهنّ ميزة نسبية بخصوص اللغة، ترفض “الطرح الثنائي التضادي بين المجموعتين” وتقول إنّه ليس مفيدًا، وإنّ كل مجتمع له سياقاته وقوانينه، وإن كان هناك هدف واحد يجمعهن هو ترشيد الفكر الديني في قضايا النوع، انطلاقًا من الأرضية الإيمانية.

بين معسكرين

تقول أماني صالح

9

إن علينا، إن كنا حريصين على إنتاج فكر جاد، ألا نقع في فخ التدليس والتزييف في ما يتعلق باللغة، فهذا مخرج العاجزين عن الإنتاج الفكري الرصين والنزيه. وهي ترى أن معضلة الآية لا تحلّ لغويًا فحسب، بل كذلك من خلال منهجيتي التعامل التأويلي مع القرآن والتعامل السوسيولوجي مع اللغة. تأويليًا، من خلال استيعاب الشروط والافتراضات الضمنية للموقف محلّ النقاش، فمفهوم الضرب لا يُفهم إلا بفهم حالة سلوكية أخرى هي النشوز، والخلاف حول لفظ “النشوز” يدل على صعوبة تحديد المحتوى الفكري للغة ودخول الأيديولوجيا على الخط، وأي تفسيرات في هذا الإطار مهما كانت درجة شيوعها لا تُلزم إلا أصحابها. فالقرآن والسنة هما المصدر الوحيد لفهم حالة النشوز، إذ هوَّن المفسرون قضية النشوز بينما تعاملت معها السنّة –التي هي مبيّنة للقرآن-بالتعظيم والتضييق.

أما من الناحية السوسيولوجية فتشير إلى تطور مفهوم “الزواج” بالقول إن هناك افتراضات اجتماعية ضمنية تتعلّق بالنمط السائد للأسرة وبسمات نظام الزواج السائد في مراحل تاريخية معينة، وربما لا يزال موجودًا في بعض المجتمعات حيث لا يشكّل الزواج بالنسبة للمرأة نظامًا للتعايش الاجتماعي بقدر ما يعدّ نظامًا للإعالة، دونه تتعرض المرأة للأهوال. وهنا يفرض السياق الاجتماعي خيار الاستمرار في العلاقة على الرغم من وجود خيارات بديلة كالطلاق أو الخلع، ويمكن اعتبار أن عمل المرأة والدور الاجتماعي المفترض للدولة في رعاية الفئات الضعيفة من شأنه إزالة تلك الحالة. ومن ناحية أخرى يمكن فهم معاناة الرجل -في ظل هذا النظام-حين يتعرّض لظلم وخيانة من المرأة بينما يوفّر لها أسباب الحياة. هذا الإطار الاجتماعي لا بدّ أن يكون حاضرًا لفهم آية الضرب بالتوازي مع تفسير “النشوز”.

تؤكّد صالح على حق كل جيل في إنتاج فهمه الخاص للنصّ الديني وفقًا لظروفه واحتياجاته، مع احترام التراث من دون تقديسه، والاستفادة منه فيما نراه صالحًا لزماننا. وهذا الفهم الجديد بدوره ليس مقدسًا أو نهائيًا مشيرة إلى وجود صراعات مصالح كامنة وراء الخلاف الثقافي بين التجديديين والتقليديين. فثمة قوى قبلية وعشائرية ومؤسسات دينية تقليدية تقوم على حفظ التراث من دون تجديده، تعمل على تكريس هيمنة الماضي على الحاضر. وترى أن غياب التخصص اللغوي في التأويل الاجتهادي النسوي ليس المشكلة الأكبر، بل إن مشكلة الجميع –من تقليديين واجتهاديين، تراثيين ومعاصرين-تتمثل في الاقتراب من اللغة من منظور خاطئ لا يأخذ في الاعتبار كل العناصر السابقة. وتضيف: “ذكورية اللغة ليست سمة ذاتية فيها، فاللغة مادة طيّعة في يد الإنسان، وهي ناقل الفكر وتتحدد منتجاتها ومحتوياتها بحسب القوى النشطة التي تنتج الثقافة، وإذا كان المحتوى الثقافي الذي أنتج في ظل هيمنة ذكورية كاملة على المجتمع والسياسة والاقتصاد والفكر ذكورياً، فإن صعود المرأة بإمكانه أن يغيِّر هذا المحتوى: إما إلى النقيض، أي إلى الانحياز النسوي، أو إلى التوازن النوعي”.

خاتمة

لا يمكن الإلمام بقضية متشعبة كهذه هنا، وما عرضناه يثير أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات. أسئلة حول بنية اللغة العربية وسماتها ومدى تأثير ذلك في فهم النصّ، وحول انحيازات التفاسير التقليدية، التراثية

10

منها والمعاصرة، وهي تحتاج إلى مراجعة شاملة، لاسيما في الآيات المتعلقة بالنساء، مع وجود جوانب إيجابية يمكن البناء عليها، وأيضا حول الإشكاليات المنهجية في القراءات النسوية، مع ارتباط كلّ آية بشبكة كبيرة من النصوص القرآنية والنبويّة وبقواعد للغة وللاستنباط، وكذلك حول أفق تطوير تلك القراءات، لا سيما حين تكون لغة النص هي اللغة الأم للنسويات الإسلاميات العربيات، وهذه نقطة قوة يملكنها. فهل يمكن أن يُحلّ الأمر بأن يكون هناك معجم لألفاظ القرآن التي تتناول قضايا المرأة من منظور نسوي؟

———————

لبنان: حين يمتلك الخدم لغة الأسياد/ ميشلين توبيا

ترجم المقال من الانكليزية عمر فارس من مجلة حبر

كظهيرةَ يوم أحد هادئ وحارّ من شهر آب، والشوارع خاوية، على عكس طبيعة بيروت الصاخبة، عجّت شقّةٌ في الأشرفيّة بمجموعة تقارب الثلاثين سيّدة في اجتماع يُعقَد في القاعة الرئيسيّة. كنّ يستمعن إلى رهف دندش وكلّهن آذان صاغية. نحنُ في مركز العمّال الأجانب (MCC) وهي مؤسّسة تدعم حقوق العمالة المهاجرة في لبنان. كانت رهف، منسّقة مركز للعمّال الأجانب، تديرُ ذلك الاجتماع وتعدّد نقاط الحوار، إضافة إلى سردها للمستجدّات الأسبوعية حول أنشطة المؤسسة، ورحلاتها القادمة، وأمور مؤسسيّة، وغير ذلك مما يتعلّق بالمشاريع. القاعة ملأى بأعضاء المركز من مختلف الجنسيّات، مع حضور طاغٍ لعاملات من إثيوبيا والسّودان. ومن المثير للاهتمام أنه وبرغم تنوّع جنسيّات الحاضرات، إلا أن الحديث كان باللغة العربيّة.

عدد الخادمات الوافدات 250000

نشأ المركز المنبثق عن حركة مناهضة العنصريّة التي أُسّست عام 2010، لتلبية حاجةٍ تتمثّل في توفير مساحة آمنة تضمّ العاملات المهاجرات وتُدار من قِبلهنّ. وهذه المساحة تعدّ مكانًا يستطعن الاستراحة فيه، والتنفيس عن مشاعرهن، وبناء مجموعة داعمة لهن. لدى المركز ما يزيد على 500 عضوة، جئن من أكثر من 12 بلد ومن خلفيات متنوعة. يعيشُ في لبنان قرابة 250 ألف عامل مهاجر، معظمهم نساء جئن من بلدان مثل إثيوبيا، وسيريلانكا، ونيبال، وبنغلادش، والكاميرون، وغيرها. يُقدّرُ أن عائلة واحدة من كل خمس تستقدمُ عاملة منزليّة، في هذا البلد الذي يصل تعداده السكّاني إلى خمسة ملايين نسمة. تعمل أولئك النساء بمختلف أنواع المهن، ومعظمهن يتعلّمن العربيّة في بيوت لا تتحدّث بلغة سواها. وتعاني العمالة المهاجرة من ظروف عملٍ قاسية كما تعاني من عنصريّة متفشّية وتمييز جنسيّ.

يتوقّع من العاملات الأجنبيات أن يتعلمن العربيّة بين ليلة وضحاها. نساء ترعرعن في أثيوبيا وهن يتحدّثن الأمهريّة أو أخريات من سيريلانكا ترعرعن وهن يتحدّثن السنهاليّة، يستطعن اليوم التواصل بالعربيّة. غدت اللغةُ، شيئًا فشيئًا، وفي أماكن شبيهة بالمركز، وسيلةً تجميع للناس يستخدمها الناشطون وأعضاء المجموعات على حدّ سواء.

«عندما تتعلّم اللغة فإنّ ذلك يمكّنك من معرفة حقوقك، وكيفيّة التعامل مع الناس»، تقول رشا، الناشطة الإثيوبيّة والعاملة المنزليّة، المنتسبة إلى «مركز العمال الأجانب». كانت رشا واحدة من عدّة أشخاص وافقوا على مشاركة تجاربهم، لكن عن طريق الرسائل الصوتية لانشغالها في العمل وشحّ الوقت المتاح. فضّلت أخريات أيضًا ألّا يستخدمن أسماءهن الحقيقيّة، فغيّرنها حفاظًا على سرّيتهن.

أوّلُ صلة بالعربيّة

يُسمَح للعمّال المهاجرين إلى لبنان العمل عن طريق نظام الكفالة فقط، وهذا ما حصل مع رشا. يُعمَل بهذا النظام في عدّة دول في المنطقة، وتحكمه مجموعة من القوانين التي تختلف عن قوانين عمّاليّة أخرى في لبنان. تحكمُ أنظمةُ الكفالة دخول العمالة المهاجرة إلى البلد، وإقامتها فيه، وإمكانيّة توظيفها، وتمنع عنها بعض القوانين التي يتمتّع بها عادةً الموظّفون الاعتياديّون في ظلّ القانون. تشتمل تلك القوانين على الحدّ الأدنى للأجور، والتعويض مقابل الفصل التعسّفي، والضمان الاجتماعيّ، وغيرها.

تصطدم العمالة المنزليّة المهاجرة باللغة العربيّة، عمومًا، عند وصولها إلى البلد. عندما تهبط العاملات في المطار أوّل مرّة يُفصَلنَ عن المسافرين الآخرين، ويُدخلونهن إلى غرفةٍ تحت إشراف الأمن العام، الجهة الحكومية المسؤولة عن متابعة المقيمين الأجانب وإصدار إقامات وتصاريح عمل لهم. في تلك الغرفة، تنتظر العاملات وصول كفلائهن من أجل استلامهن. «ممنوعٌ أن تقولي أيّ شيء، وإن فعلتِ، فإن عنصر الأمن لن يفهمكِ»، تقول رشا، أثناء تذكّرها للحظة وصولها إلى البلد قبل 12 عامًا.

أُخذ منها جواز سفرها عندما وصلت إلى المطار وسُلّم إلى ربّ العمل، برغم أن ذلك مخالف للقانون. وفقًا لعقد العمالة المنزليّة الموحّد، الذي توقعه العاملة المهاجِرَة لدى مباشرة العمل، فإنه من المسموح لهنّ الاحتفاظ بجوازات سفرهن، إلا أن وكالات استقدام العاملات وأرباب العمل يحتفظون بأوراق العاملات الرسمية لأنفسهم، كوسيلة لمنعهن من الهرب من المنزل.

«المدام على الطريق»

عندما وصلت مايا* إلى لبنان من إثيوبيا عام 2011 وعمرها 29 عامًا، لم تفهم كلمة واحدة من اللغة العربيّة. قيل لها، أثناء انتظارها وصول ربّة عملها، أنّ «المدام على الطريق» باللغة الإنجليزيّة. «مدام» هي الكلمة المستخدمة لوصف ربّة العمل التي يتعاملن معها معظم الوقت داخل المنازل، لأنّ مهام الأعمال المنزليّة الرتيبة عادةً ما تناط بالنساء. تستطيعُ مايا فهم اللغة الإنجليزيّة مثل بعض زميلاتها، ولذلك استطاعت فهم بعض ما قيل أثناء تواجدها في المطار، «لكن عندما جاءت المدام، وجدتُ أنها تتحدّث العربيّة فقط»، قالت مايا.

«عندما ركبنا السيّارة، تحدّثت إليّ بالعربيّة فقط. لم أستطع فهم كلمة واحدة، فحاولنا التواصل بالإشارة لكن لفترة محدودة، حيث كانت تحدّثني بالعربيّة طوال الوقت، كما لو أنني كنت أفهم ما تقوله، في حين أنني لم أكن أفهم أيّ كلمة، ولا كلمة واحدة»، تقول مايا وهي تتذكّر تعاملها مع لغة سمعتها في ذلك الوقت لأول مرة.

تجربة مايا ليست فريدة من نوعها. «لن يتعلّم ربّ العمل لغتكِ. هو ليس في بلدكِ وإنما أنتِ في بلده، حيث عليكِ أن تتعلّمي لغته لكي تستطيعي الحديث معه»، تقول سلام* التي وصلت إلى لبنان من إثيوبيا عام 2011 أيضًا.

استغرق تعلّم العربيّة من سلام ثمانية أشهر، حيث تدرّبت باستمرار على اللغة، وواظبت على طرح الأسئلة، وأخذ الملاحظات، بل وطرح المزيد من الأسئلة. «طاقتي كانت مهولة، وسألت العديد من الأسئلة، لدرجة أنني أزعجتُ الناس. إن لم أفهم شيئًا فإنني سوف أسأل عنه حتى لو كانت المرّة الأربعين التي أطرح فيها السؤال نفسه. مكّنني هذا النمط في التفكير من تعلّم العربيّة»، تقول. يلّا، احكي!

إحدى أولى الكلمات التي تتعلّمها العاملات المهاجرات هي كلمات الأمر بصيغة المؤنث، حيث تستذكر مايا الأمر: «الكلمات التي كنت أفهمها في الحال هي مَيْ [ماء]، تَعِي [تعالي]، جِيبِيْ [أحضريه]، رُوْحِيْ [اذهبي]». أما أول كلمات تعلّمتها رشا فكانت «لا» و«نعم»، حسبما تتذكّر بصعوبة. لم تسمح لها ربّة عملها الإجابةَ بـYes عندما يناديها أحدهم، برغم أنّ ربّة العمل كانت تعرف اللغة الإنجليزيّة. كان على رشا أن تنطق «نعم» بالعربيّة.

الشتائم، والأوامر

تخاطَب معظم العاملات بتلك الطريقة، لذلك، ينتهي بهنّ الأمر بتعلّم اللغة العربية بالطريقة نفسها، مستخدمين نفس المصطلحات، وبناءَ الجملة، والصيغةَ المؤنثةَ لقول أيّ شيء. «اسألي أيّ عاملة مهاجرة عمّا تتذكّره عن أول صلة لها بالعربيّة وسوف تكون إجابتها هي أن أوّل ما تعلّمته وواجهته هي الشتائم، والأوامر، وأشكال أخرى من الإساءات اللفظيّة»، تقول سميّة قساملي، الباحثة في مجال الأنثروبولوجيا لدى مركز الإنسانيّات في جامعة تَفْتس، في مقابلة مكتوبة.

تتذكّر تانيا المهاجرة من سيريلانكا، أن «أول كلمة استطعتُ فهمها هي يلّا». وعند وصفها أيامها الأولى في لبنان، عدّدت كلمات أخرى: «يلّا يلّا يا سيريلانكيّة، تَعِيْ [تعالي]، امْشِيْ [امشِ]». عادة ما يُشَار إلى عاملات المنازل المهاجرات بألفاظ تزدريهن مثل أن يُطلق على إحداهنّ لفظ “سيريلانكيّة” بغض النظر عن جنسيّتها الحقيقيّة، لأن كثيرًا من العاملات المهاجرات جئن من ذلك البلد في البداية. ومن ثم استُبدلن بالإثيوبيّات [الإثيوبيّة]، عندما زاد حجم العمالة القادمة من هناك، مع الاستمرار باستخدام اللفظ عند الإشارة لأي عاملة مهاجرة بغض النظر عن جنسيّتها.

تعلم الكلمات

«كان يُغضب المدام التي اشتغلتُ عندها في البداية أنني لا أفهم ما تقوله. وكان ذلك يثير غضبي تجاه نفسي»، تقول مايا، «وعندما كانت تحدّثني لطالما قالت أنني لا أعرف التكلّم بالعربيّة، لم أكن أفهم اللغة لكنني كنت أحسّ بصراخها عليّ. كان الأمر صعبًا، صعبًا جدًّا». تتعلّم كثيرات من العاملات المهاجرات التحدّث بالعربيّة في غضون بضعة أشهر، لكن انتقاد ضعف لغتهن أو بطأهنّ في التعلّم لا يتوقّف. «هنالك مجموعة من الممارسات التي تتمحور حول كيفيّة التحدث إلى (وعن) عاملات المنازل، والتي تشكّل جزءًا محوريًّا من بنية العنف الموجّه نحوهن، وأكثره باللغة العربيّة طبعًا»، تكتب لنا سميّة. شعرت مايا بذلك. «تفهمين أحيانًا أنهم يتحدثون عنك عندما يتحدّثون فيما بينهم، ويغضبون إن لم تفهمي كلمة بسيطة من أصل جُمَل عديدة. إنه شعور سيّئ». احتاجت مايا إلى شهرين لتعلّم الكلمات والأوامر الأساسية، وستة أُخَر لتتمكّن من اللغة ومن إفهام الآخرين ما تقوله. في حين يقضي معظم المغتربين القادمين من الغرب أشهر – إن لم يكن سنوات – إقامتهم في لبنان من دون الحاجة لتعلّم العربيّة للعمل أو العيش. «تكون الأمور صعبة أثناء الأشهر الستة أو الثمانية الأولى؛ فأنتِ تتعلّمين اللغة من الصفر، كأنكِ طفل. تشرح [ربُّة العمل] لكِ الأمر مرة واحدة فقط»، تقول رشا التي كانت في الـ21 حين تعلّمت اللغة العربيّة.

لكلّ عاملة طريقتها في تعلّم العربيّة. بعضهن يشاهد المسلسلات العربيّة يوميًّا، وأخريات يتحدثن مع عاملات منازل أخريات بالعربيّة للتمرين، ويكتبن الكلمات العربية بأحرف لغاتهن، ويطرحن الأسئلة. السبيل الذي ساعد الكثيرات على التعلّم هو الممارسة. لدى رشا صديقة تعمل في لبنان منذ ست سنوات، حيث تعتني بعجوز مريضة قلّما تنطق بكلمة. «لم يتسنَّ لها أن تتمرّن، أو تتحدّث لأي شخص. سوف يخيّل إليك أنها وصلت البلد للتوّ بسبب العربيّة التي تتحدّثها»، تقول رشا.

يتكوّن معظم قاموس من تعلّمنَ اللغة العربيّة من العاملات المهاجرات، إضافة إلى مفردات الأوامر والتوجيهات، من مفردات المطبخ والأعمال المنزلية إذ أن ذلك هو مجال عملهنّ في المنازل. عملت رشا في منزل يعيش فيه أطفال، مما ساعدها على التعلّم بسرعة أكبر. «كلما جاؤوا إليّ كانوا يطلبون مني شيئًا، مثل الماء، في هذه الحالات يمكنني التعلّم بالحديث معهم»، تقول رشا.

مسألة بقاء

يسهم التحدّث باللغة العربيّة في تسهيل التواصل عند بعض الناس الذين يتحدّثون بلغات أخرى. «كما تعلمين، أفادني تعلّم اللغة العربية كثيرًا في هذا البلد»، تقول مايا. «جارتي إثيوبية أيضًا، لكنها من قرية مختلفة لا تتحدّث الأمهريّة». في إثيوبيا، هنالك ما يزيد عن 80 لغة. تكتب لنا باتريشا، التي تعمل مع صفحة الفيسبوك التي تحمل اسم «This is Lebanon»: «يعدّ إتقان اللغة العربيّة في الغالب وسيلةً للبقاء»، وتتابع مفسّرة: «كلما كانت العاملة تتحدّث العربيّة بطلاقة، كلّما شعرت أنّها أقوى». بعض ممن قابلناهنّ لكتابة هذه المقالة اتفقن مع هذا الكلام.

معظم عمالة المنازل المهاجرة من النساء، وتُضفي هذه الحقيقةُ طبقةَ تمييز جنسيّ على العنصريّة التي يعانين منها، إذ يتعرّض بعضهنّ للتحرّش والاعتداءات الجنسيّة أثناء مشيهنّ في الشوارع. يساعدك تعلّم العربيّة في الدفاع عن نفسك. «لو تحرّش بكِ أحدهم أثناء مشيك في الشارع سوف تعرفين حينها كيف تردّين عليه»، تقول رشا. يعدّ تعلّم العربيّة وسيلة مفيدة لتسيير الحياة اليومية؛ من التجوّل في أرجاء بيروت، وركوب سيارات الأجرة، ووصولًا إلى التسوّق ومفاصلة البائعين، بحسب إستيلّ*. «من الجيّد أن تتعلّمي العربيّة، إذ تبدأين تعلّمها أوّل وصولك إلى البلد لتحمي نفسكِ شوي [بعض الشيء]»، تقول إستيلّ.

يتحدّث كثيرون في لبنان بالفرنسيّة أو الإنجليزيّة، فبذلك تستطيع العاملات المهاجرات اللواتي يتحدّثن تلك اللغات تدبير أمورهنّ، حسب مكان عملهنّ. «شخصيًّا، عندما قَدِمتُ إلى لبنان كان كلّ من اضطررت إلى التعامل معهم يتحدّثون الفرنسيّة بعض الشيء»، تقول نتالي*، القادمة من مدغشقر، والتي قضت الـ23 سنة الماضية وهي تعيش وتعمل في لبنان. «كنت أحدّثهم بالفرنسيّة. وبرغم أنها أحيانًا كانت صعبة عليهم، لكنهم كانوا يصرّون على محادثتي بتلك اللغة». لكنها تعلّمت أساسيّات العربيّة، «لا أفهم اللغة العربيّة، لكنني في الحقيقة لست مضطرّة للتحدّث بها، بما أنني لم أحتج يومًا لتعلّمها. لكن إن اضطررت، أستطيع أن أُفهم الناس ما أريده بالعربيّة، لكن أن أخوض حوارًا؟ لا أستطيع ذلك باستخدام تلك اللغة»، تقول نتالي.

من العامية الى الفصحى

تتعلّم العاملات العربيّة من خلال ربّات المنازل، فيستنسخنَ لهجاتهنَ ولغاتهنّ المحكيّة، مما يخلق أحيانًا حكايات مدهشة. هذا ما جرى مع ميرا* التي عملت لسنتين لدى عجوزين من مدينة زغرتا الشماليّة، اللواتي تتحدّثان بلهجة ذلك المكان، الثقيلة جدًّا والمميّزة. بين كلّ عبارة تقول ميرا «يرحم مواتك»، وهو تعبير حزين وقديم بعض الشيء، ويرتبط بتلك المدينة، حيث يستَخدَمُ تعبيرًا عن الشكر الجزيل.

اللغة التي تتعلّمها عاملات المنازل المهاجرات أثناء عملهنّ هي المحكيّة اللبنانيّة، المغايرة تمامًا للعربيّة الفصيحة. ونتيجة لذلك، ليس من الشائع أن تستطيع كلّ من تعلّمت العربيّة القراءةَ والكتابةَ أيضًا. لذلك، يتبادلن مراسلاتهنّ النصيّة باللغة العربية لكن باستخدام الأحرف اللاتينيّة.

اتخذت رشا قرارًا مختلفًا، إذ قرّرت تعلّم القراءة والكتابة والتحدّث بالعربيّة الفصيحة برغم انشغالها في العمل. «يضحكني سماع العربيّة الفصيحة، لأن الأمر يبدو كما لو أنني لم أتعلّم الكلام بالعربيّة أصلًا، إنها لغة مختلفة تمامًا»، تقول رشا، «قلتُ لنفسي عليّ أن أتعلّم كيف أكتب وأقرأ بالفصيحة، لذلك تعلّمتُ كيف أكتب الحروف، وتدرّبتُ على ذلك».

«كلّما أردت مشاهدة نشرة أخبار المساء، كنت أدرك أنني، في بعض الأحيان، لا أفهم ما يُقال.. لأنهم يتحدّثون بكلمات فصيحة، لا الكلمات التي نستعملها في الحياة اليوميّة. دائمًا ما أحتاج تركيزًا شديدًا حتى أستوعب ما يُقال»، تشرح رشا. تضيف أنّ تعلّم القراءة والكتابة أفادها «لمعرفة ما الذي نوقّع عليه على الأقل».

يتوجّب على جميع العاملات المهاجرات، قبل انضمامهن لكفلائهن، توقيع عقدٍ رسميّ يُكتَب باللغة العربيّة. ويفترض أن يُترَجم ذلك العقد إلى عدّة لغات، إلا أن ذلك لا يتمّ، وفقًا لتقريرٍ لمنظمة العفو الدولية. إلى جانب العقود، قد يصعب عليهنّ أحيانًا تدبير أمورهنّ اليوميّة، مثل الاستدلال على وجهاتهنّ من خلال إشارات الطرق المكتوبة بالعربيّة والفرنسيّة، والتسوّق من البقّالة، وإنجاز الأوراق الرسميّة، إضافة إلى أمور بسيطة مثل تفقّد تاريخ انتهاء تصاريح إقاماتهنّ.

لدى رشا أهداف أخرى لتعلّم العربيّة الفصيحة. «طالما أنكِ موجودة في هذا البلد، قد ترغبين في بناء حياة هنا، وإنجاب أطفال. كيف ستعلّمين أطفالك كتابة وقراءة الحروف إن كنتِ لا تعرفين ذلك بنفسك؟». تأخذ رشا دروسًا في اللغة العربية لدى مركز العمّال الأجانب منذ أربعة أشهر، إذ توفّر المؤسسة دروس اللغة العربية بالمجّان، إضافة إلى الإنجليزية والفرنسية. تُعطى تلك الدروس من قِبل متطوّعين عدّة مرّات في الأسبوع، مع التركيز على نهايات الأسبوع، لأن إجازة معظم العاملات تصادف أيام الآحاد فقط. يتولّى سبعة متطوّعين إعطاء 21 درسًا بالإجمال، لما يقارب 180 طالبًا. مايا، على سبيل المثال، تأخذ دروسًا أسبوعيّة في اللغة الإنجليزيّة. «عادة ما نتحدّث باللغة العربيّة فقط في المركز، ما عدا خلال دروس اللغة الإنجليزيّة، حيث لا نتحدّث بسواها مع المعلّم، من أجل أن نتعلّم اللغة بشكل أفضل»، تقول مايا.

الدفاع عن الحقوق

عودةً إلى مركز العمّال الأجانب في ظهيرة يوم الأحد ذاك. توضح رهف (منسّقة منطقة بيروت) للأعضاء مزيدًا من التفاصيل حول التسجيل للماراثون ورحلات الشاطئ التي رُتّبت للجميع. تطرح بعض الأعضاء الأسئلة بالعربيّة، وتجري أحاديث جانبيّة بالهمس، أيضًا بالعربيّة، إلا أن بعض الكلمات تُتَرجم إلى الأمهرية عندما تحتاج إحداهنّ ذلك.

صحيح أنّ اجتماعات المركز تُعقَد باللغة العربيّة بأغلبها، لكن هناك استثناءات. عند مشاركة من لا يتحدّثون العربيّة، عادة ما يُتَرجم الاجتماع إلى الفرنسيّة أو الإنجليزيّة. «بحضور كلّ هذه الجنسيّات في لبنان، والتي تخضع للنظام نفسه، فإن الوسيلة الوحيدة لحل مشاكلهم هي في تغيير ذلك النظام. والوسيلة الوحيدة لتنظيم تلك الجهود تكمن في بناء صلة بين كلّ تلك المجموعات. بناء على ذلك، تلعب اللغة دورًا مهمًّا»، تشرح لنا رهف. مع إتقان اللغة أو بدونها، تحاول العاملات المهاجرات أخذ حقوقهنّ بأيديهنّ. بعدما قضين سنوات تحت نظام الكفالة، وبعضهنّ عقودًا، بتن يعرفن خباياه وأين يجدر بالتغيير أن يحدث، وماهية المساعدة والدعم الذي يحتجنه لتحقيق ذلك.

تتحدّث العديد من العاملات عن ظروف عمل سيئة، وعن حالات تنام فيها العاملات في الصالونات أو على الشرفات، أو يُمنَعنَ عن الطعام، أو يعملنَ في عدة منازل أخرى من دون موافقتهنّ. يَصعبُ أن تُنهي العاملات عقودهنّ في نظام الكفالة، بل إنّ ذلك أقرب إلى المستحيل. يقرّر بعضهنّ الهرب من المنزل، لأسباب تنطلق من ظروف العمل الصعبة، وامتناع أرباب العمل عن دفع الراتب، وتصل إلى الهرب من الاستغلال الجسديّ أو العاطفيّ. كلّ من تفعل ذلك تصير مهاجرة غير شرعية برسم الاعتقال والترحيل عند الإمساك بها. «الكلمة الأخيرة في هذا النظام، دائمًا، لربّ العمل. حتى عندما نكون على حقّ، فإننا نظلّ مذنبات في عيون هذا النظام. حتى وإن ارتكب ربّ العمل خطأ، فإننا من يُرَحّل»، تشرح لنا نتالي.

دُفعت العاملات في حالات عدّة، بعد أن وصلن لنهاية حدود احتمالهنّ، لمحاولة الهرب بطرق خطرة جدًّا إن كنّ محتجزات في البيت، وأخريات حاولن الانتحار أو انتحرن بالفعل. تتكرّر تلك الحوادث بمعدّلات خطرة؛ فبحسب تقرير لـ«هيومن رايتس ووتش» يعود لعام 2008، فإنّ عاملة منازل مهاجرة واحدة أسبوعيًّا تموت في لبنان، وتتراوح الأسباب بين دفعها على الانتحار، أو حادثة في العمل، أو قتلها. وبحسب تقرير آخر لـ«نيو هيومانيتاريان» يعود لعام 2017، فإن عاملتين منزليّتين تموتان كلّ أسبوع، بالمعدّل، في لبنان.

أول أيار عيد العمال

في يوم العمّال، أو في أقرب يوم أحد إلى تاريخ الأول من أيّار/مايو، وبهدف إشراك أكبر قدر ممكن من عاملات المنازل، تنظّم مسيرة سنوية لمحاولة تغيير الوضع الراهن. وكل سنة، تتّخذ المسيرة طريقًا جديدًا، عادة ما يمرّ بأحياء سكنيّة شعبيّة، بهدف نشر المزيد من التوعية. وبينما تمشي الناس في الشوارع، وتهتف وتصفّق، فإن العديد من العاملات يلوّحنَ من الشرفات، غير قادرات على الالتحاق بالمسيرة.

كثيرةٌ هي الأعلام، والشعارات، والهتافات، وبلغات متعدّدة: العربيّة، والإنجليزيّة، والفرنسيّة، والأمهريّة، وغيرها. «نحن نستهدف الشعب اللبنانيّ، لذلك تكون الهتافات في المظاهرات بالعربيّة»، تفسّر لنا رهف. تُلقى الخطابات بلغات مختلفة، لكن الإعلام اللبنانيّ التقليديّ الذي يغطّي المسيرة عادة ما يهتمّ بالخطابات العربيّة فقط.

إلى جانب المسيرة السنويّة، فالبعضُ يساعدن في الميدان. قرّرت نتالي، على سبيل المثال، أن تنشئ بنفسها شبكة عاملات وناشطات يشاركنها نفس الأفكار، إضافة إلى مشاركتها في العديد من الفعاليّات والورشات. وأسّست، برفقة سبع عاملات منازل أخريات، اتحاد عاملات المنازل عام 2016، والذي يجمع 70 مشارِكَةٍ ينتمين لما يزيد على سبع بلدان. يؤمنون في هذا الاتّحاد بتمكين المرأة على مجابهة العنصرية والتمييز الجنسيّ. تعمل نتالي بدوام كامل في المنزل الذي عملت فيه منذ وصولها إلى لبنان، وتمارس أنشطتها أيام السبت والأحد.

أما رشا، فتديرُ شبكة دعمٍ للعاملات الإثيوبيات تحت اسم “نَيَالي نَيَالي”، والتي تعني بالأمهريّة «أنتَ عوني، وأنا عونُك». وتعمل هذه الشبكة على دعم العاملات الإثيوبيّات اللواتي تركنَ أرباب أعمالهنّ ولا يعرفنَ مكانًا يذهبنَ إليه. واستطاعت تانيا أيضًا أن تحوّل تجاربها السابقة إلى مصدر قوّة، وأسّست مجموعة تضمّ 35 عاملة سيرلانكيّة. وإلى جانب هذه الأنشطة، تعمل تانيا طاهية في أحد المطاعم بعد أن تخرّجت من كليّة للطبخ، وتنظّم موائد عشاء وفعاليّات للعديد من المؤسّسات.

قرّر بعضهم نقل أنشطتهم إلى العالم الافتراضيّ بهدف إيصال صوتهم إلى أكبر قدرٍ من الناس. على سبيل المثال، تحظى صفحة This is Lebanon بما يزيد عن 47 ألف متابع لحظة كتابة هذه المقالة. وهي صفحة أنشأها ديبندرا أوبيرتي لتسليط الضوء على استغلال العمالة المهاجرة. عاش أوبيرتي في لبنان لسنوات، وتطوّع مع القنصليّة النيباليّة قبل أن يغادر إلى كندا. دفعَهُ ما يعايشه هناك إلى بذل المزيد من المجهود لتحسين الأوضاع في لبنان. تعمل تلك الصفحة على التشهير بأرباب العمل الذين يستغلّون العمالة المهاجرة بشكل أو بآخر. وتعتمد هذه الصفحة التعاونيّة على أخبار من قِبل الجيران مع الحفاظ على سريّة هويّاتهم، وعلى أخبار من زملاء أو زميلات في العمل، أو على من شهدوا حوادث الاستغلال، وتحاول من خلال عملها تأدية الدور الذي تخلّت عنه السلطات.

بدأت الصفحة بنشر كتاباتها باللغة الإنجليزيّة، إلا أنها اليوم تنشر بالعربيّة أيضًا بسبب «الأعداد المتزايدة لمصادر المعلومات العربية»، بحسب باتريشا من الفريق الذي يدير الصفحة، عبر الإيميل. ومع تزايد المنشورات المكتوبة باللغة العربيّة، «فقد وَصَلَتنا هذا الأسبوع تبليغات من ثلاثة أشخاص يتحدّثون العربيّة عن أرباب عملٍ استغلاليّين». ويدلّ هذا التزايد أنّ الجمهور الذي تصله الصفحة قد توسّع ليشمل المزيد من متحدّثي العربيّة.

الانعتاق من العبودية الحديثة

برغم الوضع الراهن، تنتشر هذه المنشورات والرسائل على امتداد السوشال ميديا والإعلام التقليديّ. برأي نتالي، فإن الطريق ما يزال طويلًا، لكنها ليست متشائمة تمامًا، فبعدما قضت في هذا البلد ما يزيد على عقدين، فإنها تشعر بأن بعض الأمور تغيّرت، مع إدراكها أن المعاملة التي تتلقّاها العاملات المهاجرات ما تزال بعيدة تمامًا عن الإنصاف. «تغيّرت الأوضاع قليلًا. بدأت الناس تفهم أننا بشر مثلهم، وأن النساء تحتاج لأن تأكل، وأن تنام، وأن النوم في الشرفات غير مناسب، وأننا أحيانًا نحتاج الحماية»، تقول نتالي.

قد يكون هنالك بعض الأمل في نهاية المطاف. قبل بضعة أشهر، صرّح وزير العمل اللبنانيّ، كميل أبو سليمان، أن نظام الكفالة يعدّ «عبوديّة حديثة» وأنه يؤمن بضرورة تغيير النظام. كانت تلك أوّل مرة يصرّح فيها مسؤول حكوميّ عن النظام بتلك النبرة، لكن يجب أن نصبر لنرى إذا أُنجز أيّ شيء على أرض الواقع. لكنّ هذا التصرّف على النقيض تمامًا من تصرّفات الوزير السابق الذي حظر إنشاء نقابة للعمالة المهاجرة ووقف سدًّا في وجه أي تغيير. في الخلاصة، تقول نتالي بحماسة: «أصدقكِ القول أنني ما زلت على أمل. نشطتُ في مجال حقوق العمالة المهاجرة منذ 10 سنوات إلى اليوم، وسعدتُ بتصريح الوزير. أشبعني ذلك الفتات، إذ لم يسبق لنا أن أكلنا حتى الفتات من قبل، وأنا لا أفقد الأمل». بانتظار تغيّر الأحوال، باتت أعداد كبيرة من المواطنين المهاجرين تتحدّث لغة جديدة الآن، ويجعلونها لغتهم.

تمزج بعض من التقيناهنّ لكتابة هذه المقالة بين العربيّة ولغاتهنّ الأم، حتى أثناء حديثهنّ مع عوائلهنّ في بلدانهنّ. «أمزجُ بين اللغتين عندما أتحدث مع أهلي. أقولُ “يعني” كثيرًا عندما أتحدّث الأمهريّة، كما أقول “شو”، و“مثلًا”. أستخدم الأخيرة بكثرة»، تقول مايا. وذلك هو الجمال والقوّة الكامنة في تعلّم لغة جديدة، وفي جعلها لغتك الخاصة.

orientxxi

———————–

اللغة العربية خارج أراضيها/ ندى يافي

على دروب العربية · الأرض بْتِتْكلِّم عربي”. قول مأثور من أغنية مصرية قديمة، قد يتعرّض اليوم للتشكيك النسبي، بسبب منافسة اللغات الأجنبية للعربية في ديارها، أو صعود لغات أصيلة الجذور فيها تطالب بتواجد أكبر كالأمازيغية في المغرب العربي.

تم تقديم هذا المقال ومناقشة عدد من القضايا المرتبطة باللغة العربية المعاصرة خلال فعالية حوارية من تنظيم مؤسستي حبر وأوريان 21، تحدث فيها:

– الصحفي أحمد وائل، مدى مصر.

– المترجمة والمحرّرة ندى يافي، أوريان 21.

– الصحفي والمحرر شاكر جرار، حبر. وتيسّر النقاش دعاء علي، مديرة التحرير في حبر.

وكان ذلك يوم الأربعاء 30 تشرين الأول/أكتوبر 2019 بعمّان، الأردن.

في الوقت الذي تبدو فيه اللغة العربية في العالم العربي نفسه معرّضة لشتى التساؤلات، وكأنها تعيش أزمة وجود، بين حرب اللغات في المغرب، والسجال حول تعريب اليافطات الفرنسية في تونس وتدني شعبية اللغة العربية في لبنان وما يقال عن أزمة اللغة العربية في الخليج، قد يكون من المفيد أن نبتعد قليلاً عن الساحة العربية، فكثيراً ما تنجلي الرؤية بالمسافة، لنوجّه أنظارنا برهةً الى الخارج، الى ما وراء حدود الدول التي تتبناها مبدئياً كلغة رسمية. ماذا عن تواجدها؟ ما هي الانطباعات التي يولدها هذا التواجد في ذهن الآخر؟ ما هي الإشكاليات التي يطرحها؟ من البديهي أننا لا نطمح الى الشمولية في طرحنا هذا، لضيق المساحة وغياب البحوث الكافية المدعومة بالإحصاءات الدقيقة. ما يهمنا بالأحرى هو طرح التساؤلات والحث على التفكير. ولن نقوم بالتالي برحلة سياحية حول العالم نرصد فيها تواجد اللغة في كل الأقطار . حسبنا أن نركّز على مكان تتكثف فيه الأسئلة حَولها. ولقد اخترنا “مكانين”: بلد أوروبي هو فرنسا، و“قرية كونية” هي الفضاء الافتراضي.

حدود متحركة

لا ترتبط اللغات بأرض المنشأ وحده. أسطع مثال على ذلك الإنكليزية، فواحد من ثلاثة ناطقين بها فقط هو من سكان إنكلترا والولايات المتحدة . “لم تعد روما في روما”، كما ورد منذ القدم في إحدى المسرحيات الكلاسيكية الفرنسية . ولكن هل ينسحب ذلك على العربية؟ نظرة سريعة الى التاريخ تفيدنا بأن اللغة العربية، بعد أن فاضت عن موطنها الأصلي مع الفتح الإسلامي، استوعبت عوالم أخرى، لا عبر التوسع بالأراضي فحسب، في عصر الدولة الأموية، بل عبر ديناميكية الترجمة. مائتا عام من الترجمة في عصر الامبراطورية العباسية أدخلت الى اللغة العربية حضارات اليونان والهند وفارس. وكان العلماء الناطقون بالعربية من شتى الأديان والقوميات. الأندلس مثال آخر على عدم تطابق اللغة الحتمي مع أرض المنشأ، حيث لعبت فيها اللغة العربية بين القرن التاسع (الميلادي) والقرن الثالث عشر دور الناقل للمعرفة العلمية والفلسفية الى أوروبا عبر الترجمة الى اللاتينية ومنها الى اللغات الأوروبية التي احتفظت حتى يومنا هذا بمئات المفردات ذات الأصل العربي . ثم كانت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فرصة لتعود اللغة العربية من رحلتها الأوروبية بما يبعث على التفكير والتجديد وإنتاج العديد من المصطلحات التقنية. واليوم تكاد لا تخلو قارة واحدة في العالم من حضور اللغة العربية، وإن بشكل متفاوت. إلا أننا سنلتفت في حديثنا الى أوروبا بشكل خاص، لقربها الجغرافي من المنطقة وتاريخها الطويل معها. وداخل “القارة العتيقة” كما تسمى أحياناً، سنقرّب عدستنا من فرنسا، لأسباب عدة:

قد تكون الجالية العربية في إسبانيا أكبر منها في فرنسا ، ولا سيما نسبةً الى السكان المحليين، إلا أن مسألة اللغة العربية غير مطروحة فيها على صعيد الشأن العام. وهو الأمر الذي يؤكده لنا المترجم والصحفي مزدوج الجنسية، العربي الإسباني شوقي الريس. كما يُنوه الريس بأن ما يسمى بالبيت العربي casa arabe في مدريد “أقل شأناً من معهد العالم العربي في فرنسا من حيث أهدافه وطموحاته وميزانيته وبالتالي فنشاطه أضعف بكثير من نظيره الفرنسي”. والشيء نفسه في ألمانيا حيث أغلق معهد الشرق الألماني Deutsches Orient Institut أبوابه منذ حوالي 15 عاماً بسبب نقص التمويل كما أوضح لنا المترجم الرسمي الأسبق للغة العربية لدى السلطات الألمانية، عارف حجاج. ويضيف قائلاً إنه بالرغم من الهجرة العربية الكثيفة الوافدة إلى ألمانيا مؤخراً “فاللغة العربية لا تستحوذ على اهتمام مركّز”. كذلك الأمر في لندن، التي لا تأوي من ناحيتها أي منارة عربية ثقافية شبيهة بالمعهد المطل على نهر السين، حتى لو كانت العاصمة البريطانية “مَربط فرس” الإعلام العربي الخليجي، تقليدياً. ويبدو أن الجالية العربية في إنكلترا، شأنها شأن الجاليات العربية في إسبانيا وألمانيا، لا تجعل من اللغة قضيتها، حتى لو بقيت بعض الفئات فيها على اتصال بها طبعاً. وهو الأمر الذي يَأْسَف له عبد الرحمن عزام، مؤلف كتاب “صلاح الدين” بالإنكليزية، فيقول لنا “إن الانقطاع عن اللغة مأساة”.

المفارقة الفرنسية

لا شك أن فرنسا حالة فريدة من نوعها. وما معهد العالم العربي فيها سوى أحد أوجه تميّزها، فلقد أورثتها علاقاتها القديمة بالعالم العربي عدداً يكاد لا يحصى من مراكز البحوث المختصة بالشأن العربي، وتراثاً ما زال حيّاً من الاستشراق الأدبي والعلمي ، وأجيالاً متعاقبة من المستعربين المتألقين، وشبكة واسعة من المدارس الموزعة في أرجاء العالم العربي، تُدرِّس فيما تدرس اللغة العربية (حصص اللغة فيها تضم 120,000 تلميذ من شتى الجنسيات). ولقد كان للتفكير التنويري الفرنسي تأثير على أعلام النهضة العربية، فاستقطبت “مدينة النور” أعلاماً كرفاعة الطهطاوي الذي مكث فيها خمس سنين في بداية القرن التاسع عشر (1826-1831) وطه حسين لأربعة أعوام في مطلع القرن العشرين (1915-1919). وفرنسا بلد اهتمت فيه السلطات منذ عهد بعيد باللغة العربية، فأوصى الملك فرنسوا الأول منذ القرن السادس عشر بإدخالها الى أرقى مؤسسة تعليمية عمومية هي الكوليج دو فرانس. وآخر من أكّد على أهمية تدريسها وزير التربية جان ميشال بلانكير في شهر سبتمبر أيلول 2018، وما زلنا نذكر العاصفة التي أثارها تصريحه آنذاك.

ففرنسا بالرغم من كل ما ذُكر آنفاً، بلد يقابَل فيه تصريح بسيط لوزير التربية، عن اللغة العربية كلغة عريقة لا بد من تدريسها منذ المرحلة الابتدائية، بحملة شعواء تحتل صدارة الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي لمدة أسبوع… وهو سجال غريب، يهبّ من حين الى آخر، يُحرِّكه ويؤججه اليمين السياسي بشكل خاص في الفترات الانتخابية لتعبئة الجماهير لصالحه، فيقوم بالتهويل بخطر “الإرهاب الإسلامي” الذي سينتج دون شك عن تدريس اللغة العربية في المدارس. وتؤثر هذه الحملات على الرأي العام، ومن المرجح أنها تنعكس سلباً على مدى إقبال الجمهور على تعلم العربية، وقد تُقلِّص من فرص فتح صفوف اللغة في المدارس الحكومية (التي تُعتبر العامود الفقري للنظام التعليمي في فرنسا، حيث المدارس الخصوصية هي الاستثناء لا القاعدة). والمدارس هذه تتيح في مرحلة مبكرة اختيار إحدى اللغات الأجنبية كلغة ثانية أو ثالثة. علماً أن نسبة متعلمي العربية لا توحي بأن ثمة خطر اجتياح. فواحد من أصل ألف تلميذ فقط في فرنسا يتعلم العربية كلغة حيّة في المرحلة الابتدائية، واثنان من ألف في المرحلة التكميلية والثانوية. أما الأعداد في الجامعات والمعاهد العليا فلا تتعدى ال9000 بالمطلق.

قد تتعجب إذاً لهذا التعامل المتقلب مع اللغة العربية، الذي يتراوح بين السجال والتبجيل. فمن بين الدبلوماسيين الذين صادفتُهم شخصياً، من كافة البلدان، لم أسمع أحداً يتحدث عن اللغة العربية بالشغف الذي يتحدث به الدبلوماسيون الفرنسيون. ولقد استطعت التأكد من إتقانهم المميّز لها، في الفصحى والعامية، وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر فرانسوا غوييت سفير فرنسا في المملكة العربية السعودية، والذي يتحدث بطلاقة يغبطه عليها العرب أنفسهم. “لقد لعبت اللغة العربية دوراً حاسماً في حياتي وسيرتي المهنية” يقول لنا غوييت، ويلفت انتباهنا الى الميزة الفرنسية المتمثلة بما يسمى مسابقة “كادر الشرق” في الخارجية الفرنسية“. أما جوليان كليش المستشار في السفارة الفرنسية في عمان، والذي ترك ذكرى استثنائية في الكويت كمستشار ثقافي، فلا يتردد بالقول”باتت اللغة جزءاً من حياتي اليومية“، وأما ديلفين ليدا المستشارة في قسم المراسم في وزارة الخارجية والتي عملت في المنظمات الحكومية متعددة الأطراف، فأتقنت فيها لغات عدة، فهي تُميّز العربية عن غيرها، قائلةً إنها”أجمل لغات العالم”.

فما سرّ هذا الولع الذي قد لا تلقاه من الناطقين بالضاد أنفسهم؟ بالإضافة الى الموسيقى الخاصة بها، في الشعر والأدب، يعتبر هؤلاء أن العربية توقد الذهن، “لما تتيح من تبحّر لا ينتهي في عالمها الثري” كما يقول جوليان كليش. ويؤكد لك جميعهم “أنها لغة عالمية بالفعل” حسبما رأوا في تعاملهم مع الجهات الدولية. وعندما تبحث عن أسباب تعلّمهم اللغة، تدرك أنها بعيدة كل البعد عن النَفْعية، ففي لحظة من حياتهم كانت لهم قصة حب حقيقية مع اللغة العربية. ترى أهي ميزة فرنسية، تُثَمِّن عالياً كل ما هو ثروة ثقافية؟

هذه اللهفة نفسها تأكدت لنا عبر أصداء أخرى آتية من شرائح مختلفة من المجتمع، من دارسي اللغة في معهد العالم العربي ومدراء معاهد مهنية تبنوا تدريسها، أو من عاملين في الإعلام أو في أوساط الأعمال.

الصورة النخبوية

لماذا إذاً هذا السجال حول موضوع يأخذ فجأة أبعاد القضايا السياسية والاقتصادية الحيوية؟ توجّهنا الى فريديريك فوده، المجازة بالتاريخ وبأعلى شهادة فرنسية في اللغة العربية، والتي عملت طويلاً كمستشارة ثقافية في مركز اللغة والحضارة العربية في معهد العالم العربي، وشاركت مع بريجيت ترانكار في وضع كتاب لتعليم العربية لغير الناطقين بها ، كما شاركت في وضع اختبار قياسي للغة العربية على الكومبيوتر ووضعت حجر الأساس لأول اختبار قياسي دولي لإثبات المستوى في العربية، بالتعاون بين أساتذة اللغة في معهد العالم العربي وخبراء الاختبارات القياسية في المركز الدولي للدراسات التربوية.

سألناها عن هذه المفارقة فقالت “إنها فعلاً صورة متناقضة، فالصورة الإيجابية والسلبية تتعايشان في المجتمع الواحد، وهي صورة مركّبة. لديك من ناحية صورة اللغة”الصعبة“المتطلِّبة، التي تتيح لك التفرد والامتياز، وولوج ثقافة عريقة. وهي الصورة السائدة في التعليم العالي، حيث لذاكرة التاريخ قيمة عالية، صورة متأثرة بكبار المستشرقين المتبحِّرين بالمعرفة، وبكبار العلماء العرب”.

ونسأل فريديريك إن لم تكن هذه الصورة الإيجابية والنُخْبوية نفسها من العوامل التي تُبقي اللغة في حيّز من الغرابة، فتقول “بالفعل، ثمة افتتان بجمالية الخط العربي مثلاً كغلاف من الألغاز” و تضيف: “يحملك الى عوالم وجدانية صوفية أو غامضة متلوّنة بالشّبقية، كقصص ألف ليلة وليلة” وتتابع: “ثم أن هناك الصورة المعاصرة لواقع اليوم، الأقل رومانسية، حيث اللغة هي أحد مؤشرات الهوية اللصيقة بأبناء الهجرة الوافدة، والتي هي عموماً من الطبقات المتواضعة”. وهنا ينكشف لنا ما يخالج المشاعر الشوفينيّة من حّسٍ طبقي، يعرف اليمين تماماً كيف يعزف على أوتاره.

“وأخيراً”، ترى فريديريك أنه “بعيداً عن هذا وذاك، ثمة صورة هادئة بسيطة تظهر فيها اللغة كأداةٍ حيّة للتواصل مع الأقران”. فمن الحوادث التي تأثرت بها شخصياً موقف إحدى السيدات، مزدوجة الجنسية، فرنسية- بريطانية، فضلت ألا تسجل ابنها في القسم الدولي الاعتيادي في المدرسة لتسجله في قسم يعلم اللغة العربية الى جانب الإنكليزية، لأنه “يريد التواصل مع أصدقائه العرب”. نفس الشيء سمِعَته فريدريك من أولياء آخرين، وترى أنه “كل ما كان الناس بعيدين عن اللغة وأوساطها كلما أثرت بهم الدعايات المُغرضة”.

حساسية مفرطة

لا شك أن ثمة عوامل تاريخية تفسر هذه الحساسية المفرطة، يعود جزء منها الى الحِمائيّة الفرنسية بشكل عام من اللغات الأخرى، وهي نزعة ناتجة عن ارتباط اللغة الشديد بالدولة القومية، وذلك منذ الثورة الفرنسية، بحيث باتت لا تنفصل عن الشخصية الوطنية. الى درجة أن فرنسا في فترتها الاستعمارية، حين أرادت “تطبيع” الجزائر باعتبارها امتداداً للأرض الفرنسية، ضيّقت بشدة على اللغة العربية في هذا البلد، واعتبر مجلس الدولة الفرنسي، في مرسوم له بتاريخ 8 مارس 1935 أن اللغة العربية في الجزائر “لغة أجنبية”!

وقد يكمن هنا بالذات العصب الحيوي للحساسية الشديدة: أي ما علق في اللاوعي الجماعي من رواسب حرب التحرير الجزائرية، التي دفعت بما يقارب من مليون فرنسي بعد استقلال الجزائر على دروب العودة الى بلدهم الأصلي بعد أن كانوا قد استوطنوا في الجزائر، وبَعضهم وُلد فيها ولا يعرف موطناً آخر. وهي ترسبات لم تعالَج في التعبير الفكري والفني في فرنسا بحيث يجري استيعابها وتجاوزها، فبقيت كالجمر تحت الرماد.

وهي عوامل قد تُوَلِّد تخوفاً دفيناً من “غزو ثقافي مضاد”، وإن أنت استمعتَ الى بعض التعابير المستخدمة في الحرب الكلامية هذه لتهيأ لك أنك في زمن الحروب الصليبية. وهنا لا بد من التنويه بأن الفرنسيين يربطون اللغة العربية بالدين الإسلامي حصراً، وعلينا أن نتذكر هنا خاصيّة فرنسية أخرى، ألا وهي تمسّك المجتمع الفرنسي الشديد بعلمانية الدولة التي انتزعتها مؤسساتها من صراع تاريخي مرير مع الكنيسة، فبات البعض يخلط اليوم، بغير وجه حق، بين عَلْمَنة الدولة وعَلْمنة المجتمع.

تواصل دون حدود

هل من سبيل لكسر القوالب النمطية هذه؟ ترى فريدريك أن ذلك ممكن تماماً عبر كل ما يساهم بالتعريف باللغة والحضارة على نطاق واسع، وهو الشيء الذي تساهم فيه كتب التعليم المبنية على أسس حديثة، مشوّقة. وتضيف “كما أنني أؤمن بدور الأفراد، وخاصة منهم مدرّسي العربية، مسؤوليتهم كبيرة، فهم سفراء لها”.

لا شك أن كل ما من شأنه أن يظهر اللغة كأداة تواصل، لا كموضوع دراسة “متميزة”، حكراً على الصفوة الاستشراقية، ولا كتعبير قومي أو ديني بحت ، له دور إيجابي للغاية في إزالة الرهبة. لذا، فإن إتاحَتَها على أجنحة وسائل الإعلام العصرية أمر حيوي. أي مبادرة من هذا النوع تجد فوراً ترحيباً واسعاً بها، كما تبيّن من نجاح مبادرة لوك دهوفيلز من معهد اللغات الشرقية الشهير في باريس، الذي قام بوضع “مووك” طريف على الانترنت للتواصل الأوّلي بالعربية. أما شبكات التواصل الاجتماعي فهي خير وسيلة لتقريب اللغة من عامة الجمهور.

ولقد لفتت انتباهنا مبادرة الشابة مريم موفق، الفرنسية من أصل عربي، التي تعلمت العربية في كِبرها. ثم أنشأت صفحة فيسبوك إسمها “أرابوتيك” (بما معناه مكتبة العرب)، لها 5600 متابع حتى الآن، وجمهورها مختلط من شتى الأصول الأوروبية والعربية. وثمة صفحة فيسبوك أخرى، وضعتها فاطمة مزيان الفرنسية من أصل عربي أيضاً، ومفتشة اللغة العربية في وزارة التربية الفرنسية، بعنوان “مستعربات و مستعربو العالم”، بدأت تحظى باهتمام روّاد الشبكة.

وما يلفت الانتباه في هذه المبادرات هو هدوء النظرة فيها الى اللغة العربية، بصفتها لغة عالمية، والتعامل العِلمي معها كلغة حيّة مُمتعة، والترفّع عن السجالات الشَعْبوية. الفضاء الافتراضي بشكل عام “مكان” مميز للحديث عن تواجد اللغة خارج أراضيها، ويستحق أن يُفرد له بحثٌ مطوّل. تحتل اللغة العربية اليوم المركز الرابع للغات الأكثر تداولاً على الإنترنت، وهو ارتقاء سريع للغاية حدث في السنوات القليلة الماضية (فقبل 2015 لم تكن اللغة العربية أساساً بين اللغات العشر الأول على الإنترنت)، ونتج ذلك عن سرعة تحول الصحافة العربية من المطبوعة الى الإلكترونية، وعن تعاظم استعمال اللغة في شبكات التواصل الاجتماعي، وعن المدونات، الفردية منها والجماعية، التراثية والمعاصرة، الأدبية والعلمية، وعن فيض المواد السمعية البصرية على اليوتيوب والمكتبات الصوتية وتطبيقات الكتب المسموعة. هذه الثورة الإعلامية المعاصرة التي شملت أيضاً القنوات التلفزيونية الفضائية قد أزالت الحدود لا بين الدول العربية نفسها، بل حدود المعمورة قاطبة، فبات العالم يخاطب العرب بلغتهم عبر جملة من القنوات الفضائية التابعة لبلدان غير عربية (الأمريكية منها والصينية والروسية والبريطانية والفرنسية والتركية والإيرانية ألخ) وكذلك عبرالمواقع الإعلامية الناطقة بالعربية على الشبكة.

تعايش سلمي بين الفصحى والعاميات

وفي هذا الكم الهائل من المواد الإلكترونية، والسمعية البصرية، تجد الغث والسمين بطبيعة الحال. وتستوقفك على نحو خاص ظاهرة زوال الحدود الكتيمة بين الفصحى والعاميات. وقد يهال البعض ما يعتبره “أزمة” تعيشها اللغة الفصحى، التي خرجت من دوائرها التقليدية الى فضاء رحب، دون أي رقيب أو سلطة مركزية. حيث لم تعد تقتصر على الكتابة ولا هي تنحصر في مجالات بعينها. وتتمثل الإشكالية الأساسية المطروحة على المهتمين باللغة العربية اليوم في الحفاظ على سلامتها مما تعيشه في نظر البعض من خبط عشواء. فيرى البعض أن استعمال العموم لها دون دراية كافية، ومخالطتها للهجات العامية في القرية الكونية، إنما يؤدي الى تسيّب مرفوض في النحو والصرف.

وثمة إشكالية أخرى تتمثل في فوضى المصطلحات. والفوضى هذه ناتجة عن حركة الترجمة الواسعة الجارية حالياً في الإعلام، والهادفة لاستيعاب النصوص من مختلف اللغات، والمتسمة أحياناً بالتسرع وانعدام البحث الكافي في المفاهيم الكامنة وراء الألفاظ الأعجمية، والتي تعطي المعنى الحقيقي، بغض النظر عن حرفية اللفظ.

ومع ذلك فنحن نؤيد ما ذهب إليه المؤرخ أحمد بيضون في كتابه الأخير “في صحبة العربية” ، من أن ثمة حيوية كبرى في هذه الظاهرة الكونية لا خشية منها على الفصحى. كما نؤيد ما خلص إليه هذا العاشق للغة العربية والمتابع لشؤونها وشجونها، حين أكد في الوقت نفسه على ضرورة العمل على إرساء سلطة أكاديمية موحّدة تسهر على سلامة الفصحى عموماً وتحدّ من فوضى المصطلح، وتعالج الافتقار للمعاجم الحديثة.

وهنا لا مناص لنا من العودة الى “الأرض”، حيث تقع على الدول القائمة عليها مسؤولية مساندة كل مَن يعمل على نشر اللغة العربية بالشكل الحديث المتطور الذي يليق بها، كما تقع عليها مسؤولية تشجيع العمل الأكاديمي الموحّد، ليواكب هذه الظاهرة العالمية الإيجابية. وهي مسؤولية يتوقف عندها شوقي الريس الذي جاب كمترجم فوري سندبادي كل الوكالات الدولية لتي تستخدم اللغة العربية بصفتها لغة رسمية في منظومة الأمم المتحدة، وخرج منها بصورة قاتمة “عما تتعرّض له اللغة من تنكيل واستهتار وإهمال على كل المستويات”. يتابع الريس قائلاً “مؤسساتنا الرسمية، من مسؤولين سياسيين وسلك دبلوماسي ومندوبين حكوميين وخبراء تقنيّين، لا تقيم الاعتبار الواجب لأهمية التواصل والتعبير باللغة الأم”.

ولا بد لنا من الإقرار بغياب الوعي الرسمي العربي – إلا من بعض المبادرات النادرة الجديرة بالاهتمام – بأهمية هذه اللغة التي بات الجميع يعترف بعالميتها. فنحن حيال نظام عربي تربوي يتداعى فيه التعليم العمومي بشكل مريع، وتُدرّس فيه اللغة بشكل تقليدي مُنفِّر، ويكاد ينعدم وجودها في تدريس العلوم، ناهيك عن انعدام البيئة الحاضنة لإنتاج المعرفة أساساً (يعتبر إنتاج المعرفة من المعايير الهامة التي تجعل من لغة ما لغة كونية). ونحن حيال نظام عربي أكاديمي يغيب عنه التنسيق الفعلي بين مجامع اللغة وعددها لا يقل عن 11. ورغم ذلك كله، فنحن لا نرى أن ثمة “أزمة لغة عربية” لا خارج أراضيها، ولا داخلها، بقدر ما هناك أزمة دَوْلَة عربية، دولة أثبتت عجزها في شتى الميادين، فباتت تعصف بها رياح التغيير، ويُعقد الأمل على نهوضها مجدداً.

——————–

هيبة الدولة: معجم العنف السياسي في كلمة/ نائلة منصور و محمد جلال

تنويه إلى أي قارئ قد تغويه التمارين اللغوية الهذيانية التي نقوم بها فيحسبها تحليلاً وتفكيكاً وفلسفة وسياسية؛ ضميرنا الحيّ يحتم علينا أن نقول لك إن اللغة تغوي بسهولتها كالماء، والحذر واجبٌ من الغرق أو التلذذ المتكرر بلا طائل. ليس الحال أن الإمساك بالكلمات وتعدادها وتصنيفها هو فكر، ولكنّنا نعتقد أن الإمساك بالكلمات التي تُؤذي ضرورةٌ أولية للتفكير بالعنف، ومن بين أنواعه العنف السياسي. ولغتنا الجميلة، ذات المعجم العملاق والخلّاق، تضم كل ما يمكنه جرحنا بعمق كذلك. 

«نهيب» كلمةٌ مخيفة، يتلوها شخصٌ مخيفٌ على مواطنين خائفين، تدعوهم للشعور بالخوف من أمرٍ مخيف، قد يؤدي إلى عواقب مخيفة تتجاوز الجرعة اليومية الدائمة من الخوف: «الداخلية تُهيب بالمواطنين إلى ضرورة التعاون مع الأجهزة الأمنية في كل ما يحافظ على أمنهم وسلامتهم»، مصدر عسكري مسؤول: «نهيب بالإخوة المواطنين ألا يصغوا إلى الشائعات التي تروجها تلك التنظيمات الإرهابية»، «وزارة الداخلية تهيب بالأخوة المواطنين التقيد بالأنظمة والقوانين، وعدم اللجوء إلى استخدام مكبرات الصوت وبثّ الأغاني وإطلاق بعض الشعارات والموسيقا الصاخبة التي تؤدي إلى إقلاق راحة المواطنين».

يثير الدهشة مدى التصاق بعض كلمات اللغة العربية وجملها مثل هذه الـ«نُهيب» بنظام الأسد، تُلازم بياناته الرسمية التي يضفي بها حضوره الثقيل على السوريين، وتخرج بشكل يومي من أفواه مسؤوليه؛ في تصريحاتهم الصحفية أو لقاءاتهم المباشرة. وكأن هناك قاموساً للمعاني يوزعه النظام على مسؤوليه، يضم لغة النظام وكيفية استخدامها، وما يجب ولا يجب استخدامه من المصطلحات، كي لا يبقى أيّ مجال للإبداع والابتكار في التصريحات. وما يثير الدهشة أكثر هو سماع هذه الكلمات تصدر عن جهةٍ غير نظام الأسد، وكأن قائلها ارتكب خطأً لغوياً ما اقتضى تصحيحه، أو ربما هناك علاقة بينه وبين هذا النظام بطريقة أو بأخرى، فهذه المهارات اللغوية لا تأتي من فراغ، بل هي بحاجة إلى إعداد نضالي طويل.

الخطر المحدق

لدى سماع هذه الكلمة يتبادر إلى الذهن شخصٌ متجهمٌ يرتدي حلّة رسمية، يخاطبنا مؤنباً ومنبهاً وواعظاَ. صوته مرتفع، تتوالى كلماته بفصاحة وسرعة ثابتة، وتظهر جلياً بينها الفواصل والنقاط وباقي علامات الترقيم. الإخوة المواطنون هم على الدوام «المُهيّب بهم»، عليهم «التهيّب» قدر الإمكان، وإن لم يستطيعوا فعليهم التظاهر بذلك، كي لا يصيب «هيبة» الدولة مكروهٌ ما، فنقع بما لا تحمد عقباه. الإخوة المواطنون عليهم الشعور دائماً بأنهم فعلوا أمراً خاطئاً، أو ارتكبوا ذنباً، ولا داعي حتى أن يعرفوا ما هو. «المُهيّب بهم» عليهم الاقتناع بالعيش في عالمٍ دونيٍّ خارج أسوار الدولة، التي يُعدّ مجرد الاقتراب منها تعديّاً على «هيبتها»، وكلما زادت هذه الـ«نهيب» وتطورت طريقة تقديمها، كلما ازداد ابتعاد وخوف «المهيب بهم» من انتهاك هذه الأسوار. 

«نهيب» من الفعل «هاب»، أي خاف وخشي. ورغم أنها أفعال داخلية تعبر عن مشاعر لا إرادية، لكن لا شيء لا إرادياً لدى نظام الأسد؛ حتى الحب والكره والخوف. فدعوات النظام المتواترة «للتهيّب» خلقت مع الزمن منعكساً شرطياً يُلزم «المهيب بهم» بالإحساس بخطرٍ ما محدقٍ، فلطالما كان لهذه الـ«نهيب» نتائجُ وخيمةٌ على عدد محدود أو كبير من الأفراد. هذا أبداً لم يكن صدفة، بل هي الوظيفة الحقيقية لهذه الكلمات؛ فلا يجب أن يُترك المجال «للمهيب بهم» كي «يهابوا» أو «لا يهابوا» كما يشاؤون، فكما أن على السوري أن يقرر أنه «يهاب»، عليه أيضاً أن يقرر بأنه «لا يهاب» خصوم النظام، الأمر الذي يتناسب عكساً مع «هيبته». وعليه أن يقرر أنه يحب ويكره على هوى الدولة، كما فعل وينستون في آخر صفحات رواية 1984؛ عندما اقتنع بأنه يحب الأخ الكبير، واستغرب المشاعر التي كان يُكنّها له في كل مراحل الرواية.

هي دعوة للناس «لتهاب» شيئاً ما «مهيب»، وهي أيضاً رتبةٌ ورثها صدام حسين من أسلافه، ذلك بعد أن تكرست «مهابته» في قلوب العراقيين، بخلاف حافظ الأسد الذي كان مُهيباً يحمل، دون غيره في سوريا، رتبة «فريق». أما المشهد «المَهيب»، فهو الذي نراه عندما يقتضي الأمر بعض الخشوع، أو ربما الحزن والحداد، تماماً كما كان «مهيباً» يوم موت حافظ الأسد ومن قبله ابنه باسل، ومشاهد التنافس في البكاء واللطم عليهما.

لدينا كذلك «المهيوب» قصي؛ مساعد رئيس الاستخبارات الجوية، وأحدُ ثلاثةَ عشرَ مسؤولاً في نظام الأسد موضوعون على قائمة العار الأميركية، و«المهيوب» علي؛ العميد والناطق باسم جيش النظام، والذي اعتدنا عليه وهو «يُهيب» بالإخوة المواطنين، كإحدى أبرز هواياته. كذلك هناك أسمر يا شب «المهيوب»؛ الذي غنت له سميرة توفيق. ولا يرد اسمه هنا لمجرد تشابهٍ في الأسماء، فهذا الوصف شرطٌ لازمٌ لكمال شخصية الرجل الشرقي الذي تتغنى به توفيق؛ الرجل نفسه الذي بنى هذا النظام على شاكلته؛ عنيف وغاضب وعاطفي ومعتدّ برأيه، و«مهيوب» بطبيعة الحال. 

الكارثة المنتظرة

«نهيب، هيبة، يهاب، مهيوب…» مفردات تعبر عن عقلية تراتبية عميقة يستبطنها السوريون قديماً، قبل نظام الأسد، الذي بدوره كرسها منذ سيطرته على الحكم لتكون أحد ركائز سلطته. تقتضي هذه الحالة أن «يهاب» الجميعُ الجميع. على المواطنين أن «يهابوا» الدولة، والمدينة عليها أن «تهاب» الريف، والطوائف يجب أن تتبادل «المهابة» فيما بينها. الموظف عليه أن «يهاب» مديره، والمدير عليه أن «يهاب» مسؤول الفرقة الحزبية، الذي عليه أن «يهاب» عنصر الأمن. لم يجد النظام صعوبةً كبيرةً في تعميم حالة «الهيبة» هذه؛ لأن المجتمع الذي «تهاب» فيه الزوجةُ زوجَها، والأطفال آباءَهم، والإخوة أخاهم الكبير، جاهزٌ للانتقال إلى مراحل أكثر تطوراً وتعقيداً من «الهيبة». أُعيدَ إنتاج هذه الحالة في ظل نظام الأسد بشكل أكثر تطوراً وتعقيداً، لينتشر كالعدوى أمرُ الإفراط باستخدام مصطلحات «الهيبة» والتفخيم والتعظيم والتصرفات التي تضمن للأفراد الحفاظ عليها؛ كحمل السلاح واستخدامه في المناسبات الاجتماعية، وغيرها من الممارسات التي تخفي خلفها هزائم وانكساراتٍ وخيبات. التحدث بلهجة أهل الساحل على سبيل المثال هو إحدى طرق السوريين الأكثر ضعفاً وانكشافاً للحصول على قيمة مضافة من «الهيبة»، والاستماع لأغاني علي الديك ووفيق حبيب وغيرهم باعتبار شعبيتهم الكبيرة لدى رموز النظام تندرج كذلك في السياق ذاته.

«أهبة» الاستعداد؛ من الكلمات المشابهة في شكلها ومعناها. سوريا دائماً على «أهبة» الاستعداد لشيء، كحالة طبيعية أخرى نعيشها مع هذا النظام «المُتأهّب». الجيش وقوى الأمن دائماً على «أهبة» الاستعداد، والمواطنون كذلك يجب أن يكونوا على هذه الحال، من أجل تجاوز المنعطف التاريخي الذي نمرّ فيه منذ زمنٍ طويلٍ نكاد لا ندرك بدايته. «أهبة» الاستعداد وسمت السوريين في طبائعهم، فهم دائماً على أهبة الاستعداد للنجاة ووضع مخطط ب ومخطط ج ومخطط د موضع التنفيذ حين تأتي الكارثة المنتظرة أبداً، وأهبة الاستعداد توحي بشيءٍ لحظيٍّ يُحدث قطيعةً ما؛ غالباً قطيعة في زمان ومكان السوريين الاستثنائيَّيْن، قطيعة مستمرة متتابعة يقابلها أبدٌ مستمر: الأسد للأبد.

دلال متولي

دلال متولي

الدولة كما الأب

«الهيبة» كذلك هي من مشتقات هذه الـ«نُهيب»، أو ربما الأمر هو العكس؛ فلهذه الدولة المسماة سوريا وشبيهاتها «هيبةٌ» هي أهم بكثير من الدولة نفسها، الأمر الذي يجعلنا نفهم ما الذي دفع بشار الأسد لأن يقول يوماً بأن لا مشكلة لديه مع المتظاهرين، بل مشكلته كانت مع الذين يصورون هذه التظاهرات وينقلونها للخارج، ويعتدون بذلك على «هيبة» الدولة التي لم يبق فيها حجر على حجر، ولم يعتدِ على «هيبتها» لا توريث للسلطة ولا توزيع أصولها على الأقارب والخلّان.

«التطاول على هيبة» الدولة كان أحد أبرز محركي مؤيدي النظام الذين أعطوا لها الحق بقمع من يخرج عن طاعتها، بالطريقة ذاتها التي أعطوا فيها الحق للوالد بتأديب ابنه الخارج عن الأسرة وقواعدها، فالدولة كما الأب تعرف مصلحة أبنائها أكثر منهم، وبإمكانها أن تضربهم لتربّيهم، والمشاكل التي تحدث يجب ألّا تظهر إلى الخارج؛ كي لا تنال من «هيبة» العائلة. الأب مهمته اتخاذ القرارات في هذه العائلة، دون الحاجة للرجوع لباقي أفراد الأسرة الذين لا يحق لهم الاعتراض، حتى لو كان القرار يقتضي تزويج أحد الأبناء أو البنات، أو المهنة التي عليهم اختيارها، والعديد من الأمور الشخصية الخاصة بالفرد. صورة الأب القائد عليها أن تزين جدران البلد؛ كما تزين صور الأب أو الجد جدران المنازل. هنا بالذات يكمنُ جنون اللغة الطغيانية؛ فالدالّ هنا مخيف، ولكنه يرتكز إلى مرجعياتٍ قريبة جداً؛ مرجعيات الأسرة والأب والعائلة والجماعة الأهلية. هذا الخلط الفصامي بين الدولة وكل شيء يثير جنوننا وجنون غيرنا.    

أمّا النيل من «هيبة» الدولة، فتكاد تكون أكثر تهمة وجهت قضائياً للسوريين المعتقلين منذ انطلاقة الثورة عام 2011. أُدرجت رسمياً في النصوص القانونية وفي المحاكمات التي خضع لها موقوفون أمام مختلف المحاكم. والحال أن جزءاً مهماً وأساسياً في آلة القمع تلك هي عدم تحديد ماهية ما ينال من هيبة الدولة، كل شيء مفتوح ومبهم في الوقت عينه لتوجيه التهم، الإبهام يشل الحركة والمبادرة ويثير الذعر أكثر. الإبهام أكثر هيبة! منشور في فيسبوك أو عبارة على جدار، أو كلمة قالها صاحبها دون أن يلقي لها بالاً، الشكوى من الفساد والظلم والمطالبة بالحقوق، مجادلة موظفي الدولة ورفع الصوت في حضرتهم، الاعتراض على قانون أو تشريع أو تعيين؛ كلها أمور تنال من «هيبة» دولةٍ نالت من حدودها عدة دول وجيوش.

الابن العاقّ

في محاولة أخرى يائسة لتفكيك غموض وهيبة «الهيبة»، تساءلنا بسذاجة: هل يمكن لمن تُوجَّه له هذه التهم من نوع «النيل من هيبة الدولة»، والتي هي على شاكلة تهم كثيرة من قبيل «وهن عزيمة الأمة»، «إضعاف الثقة بالاقتصاد الوطني»، «بث الفرقة بين عناصر الأمة»، «الخيانة»، و«التعامل مع جهات أجنبية» … إلخ، هل يمكن لحامل تلك التهم أن يكون بارداً تماماً دون أن يُجرح؟ الكثير من المعنيين كانوا يضحكون فيما بعد على التهم الموجهّة إليهم ويشعرون وكأنهم في محاكاة ساخرة (باروديا)، ولكن هل يمكن لهم حقاً ألا يُجرحوا؟ قد يضحكون من منطلق الاستهجان الأقصى لهول التهمة، إلا أن هذا الاستهجان بعينه هو الذي يدلنا على جرحٍ ما. لماذا تجرحنا تهم المس بهيبة الدولة والأمة وإثارة النعرات الطائفية؟

ولكنّا نسينا أن نعرف تعريفاً مبدئياً لغوياً للهيبة، حقاً ما هو تعريف الهيبة؟ نشعر به مفهوماً جمالياً، الطلة مع مزيج من بث الاحترام والسحر، وهناك طبعاً شيءٌ من الرصانة…. وماذا بعد؟ قد يكون مفيداً أن نقارن مُعادلات كلمة «هيبة» في اللغات الثانية، على الأقل تلك التي نعرفها في الفضاء المتوسطي المشابه إلى حدٍّ ما في جذوره البطريركية. لا كلمة معادلة تفي الهيبة العربية حقها: هي المكانة مع القوة مع الكرامة مع الوقار مع فخر، وثمة كذلك عنصر جمالي ما لا يمكن تبينه بدقة؛ ينطبق على الرجال والنساء، ولكن على الرجال أكثر، لتشتمل الهيبة بذلك عنصراً من تمثيلات الذكورة؛ شيء ما يتماهى معه تيم حسن، شيخ الجبل في مسلسل الهيبة ذي الثلاثة أجزاء، والذي لقي رواجاً كبيراً، إذ تجري أحداثه في قرية تحمل اسم «الهيبة»، بطله تاجر ومزارع حشيش، يتزعم عصابةً خارجة عن الدولة والقانون، ورغم ذلك سَحَرَ مشاهدي المسلسل «بهيبته» ووسامته وإنسانيته وطيبة قلبه. يعيش هو والدولة اللبنانية صراعاً على «هيبتهما» التي تنقص كل واحدة منهما الأخرى. إذن في النهاية: الهيبة عنصر جمالي تمثّلي وليس طبيعياً إو إجرائياً، يعاقب القانون السوري على النيل منه، وهو عنصر ذكوري أبوي، المسّ به يُشعر المُدان بعار العقوق. في الحقيقة إنْ ابتغينا تفكيك جرح «المس بهيبة الدولة» فإنه يكمن هنا بالضبط؛ إحساس العقوق والذنب العميق. التعابير العاطفية والجمالية والعاطفية المستعملة في مقامٍ قانوني غير مقامها تمحو المسافة بين الدولة/الأمة/الوطن والقائد، لتصبح علاقة قربى في غير محلها؛ علاقة سفاح في الواقع. الأفراد المحكومون فيه يُقرّبون بطريقة انتهاكية من جسد «الأب القائد» الذي «منحبّك» دون احترام للمسافة التي تكفلها لغة قانونية باردة غير انطباعية وغير عاطفية. وحين ينتهك المحكوم ضمن تلك العلاقة يشعر بالذنب مثل المغتصب تماماً الذي انتهكت خصوصيته. في الحقيقة طرق التعذيب في السجون السورية لها خصوصية لا تمتلكها أي سجون في العالم، ليست الوحشية هي تلك السمة، فالوحشية وجدت (وربما أكثر) في كثيرٍ من التجارب الإنسانية. ما يميّز التجربة السورية هي العلاقة الحميمة مع جسد المعتقل وتملّكه، ولا نقصد بالعلاقة الحميمية الانتهاكات الجنسية وحسب، ولكن الإصرار على ملكية المعتقل وتأديبه وكأنه ابن عاقّ. لا داع بعد ذلك أن نشرح. 

كان في انتفاضة الثائرين السوريين عام 2011 محاولة لاستبدال «الهيبة» بـ«الكرامة»، محاولة لإسقاط «هيبة» الدولة في نفوسهم، وقبل ذلك «هيبة» مجتمعاتهم والأفراد المحيطين بهم، فأصابوا هذا النظام بمقتل، وتهاوى أمامهم هذا الصنم العملاق، وكنا على موعد لتغيير اجتماعي وسياسي حقيقي، قبل أن تنحدر الأمور بطريقة غير منضبطة، لنصل إلى ما نحن عليه الآن. واليوم كل ما يقوم به النظام من اعتقالات وترويع وقتل تحت التعذيب في المناطق التي يسيطر عليها، وقصف بربري في المناطق خارج سيطرته، هو محاولة منه لاستعادة «هيبته» كشرطٍ لازم لاستمراره.

موقع الجمهورية

———————-

 يُضاف للعربي/ أحمد وائل

يوميًا تُترجم كلمات، أو تُنقل كما هي باللغة الأصلية مع وضعها بين قوسين، أو تُرفق بكلمات شارحة أو عبر تذييل النص بهامش في أحيان أخرى. أغلب هذه الكلمات لم ترد في المعاجم. قمتُ هنا برصد كلمات صارت من كلامنا، لكنها لا تزال خارج أقاليم العربية التي يضع حدودها في مصر مجمع اللغة العربية.

أُسس المجمع عام 1932، ويتكون من 20 عضوًا دائمًا، فضلًا عن 96 من اللغويين العرب والمستعربين الأجانب. وهو حاليًا «هيئة مستقلة ذات شخصية اعتبارية مقرها القاهرة، ويكون وزير التربية والتعليم رئيسًا أعلى للمجمع بحكم منصبه»، بحسب القانون 434 لسنة 1955. يسعى المجمع للعب دور أكبر، وذلك عبر  مشروع قانون تقدّم به لوزارة العدل في 2017 يمنع الصحف من نشر كلمات بالعامية. بينما هناك مشروع قانون آخر صاغه بعض النواب في أكتوبر 2018 يُلزم الوزارات باعتماد المصطلحات العلمية والفنية التي يعتمدها المجمع. ولم توافق الحكومة على المشروع الأول حتى الآن، بينما لا يزال المشروع الثاني داخل مجلس النواب.

يتشكل المجمع من ثلاثة أنواع من اللجان؛ اللغوية والعلمية والعلوم الاجتماعية. ومن مهامه إصدار المعاجم الثلاثة؛ «الكبير» و«الوسيط» و«الوجيز»، ويستمر في إصدار كتاب من عدة أجزاء يضمّ الكلام الجديد الذي أجازه المجمع. خلال هذه القصة استخدمتُ القرارات الواردة في الجزئين الأحدث من كتاب الألفاظ والأساليب؛ الرابع والخامس، واللذين صدرا بفارق سبع سنوات بينهما؛ 2010 و2017.

يبيّن المجمع بحكم تعريفه «ما يجوز استعماله لغويًا، وما يجب تجنبه من الألفاظ والتراكيب في التعبير»، وهو المسؤول عن «إحياء التراث العربي»، ويوصي «الجهات المختصة باتخاذ ما يكفل الانتفاع بما ينتهي إليه المجمع لخدمة سلامة اللغة». يقول محمد عثمان، مدير مكتب رئيس مجمع اللغة العربية، إن لجنة الألفاظ والأساليب تتعامل في حالات شيوع مصطلحات من منشأ غير عربي، أو اكتساب مصطلحات معروفة لمعانٍ جديدة، ويوضح: «كلمة نشأت في بيئة غير عربية، ثم انتقلت إلى العالم العربي، إما أن تدخل بمنطوقها في اللغة الأجنبية، أو تُعرب».

يكون على الكلمة أن تمرّ بثلاث مراحل عمل المجمع: تتلقى إحدى اللجان اللغوية وهي لجنة «الألفاظ والأساليب» الأبحاث من أعضاء المجمع والخبراء المعتمدين أمام هذه اللجنة حصرًا، ثم تنظرها، بعد ذلك يُقدم ما أجازته اللجنة إلى المجلس الذي يضمّ أعضاء المجمع كافة، وإذا أقرّه المجلس فإن الكلمة يُصوّت عليها في مؤتمر مجمع اللغة العربية الذي يُقام سنويًا ويضم أعضاء المجمع المصريين كافة، فضلًا عن بقية أعضائه من حاملي الجنسيات المختلفة. يقول عثمان: «إذا لم يُجزِ المجمع كلمة، فمعنى ذلك أن الكلمة ليس عليها اتفاق». ثم يضيف بنبرة مطمئنة: «يمكن أن تستخدمها بلا قلق لأن قرار اللجنة بإجازتها له وجاهته أيضًا».

«أقرأ ما يصدره المجمع من باب المتابعة، لكن لم أعد مهتمًا بهذا المجهود»، يقول محمود عبد الرازق مؤسس صفحة «نحو وصرف» التي «تهدف إلى نشر اللغة العربية بأسلوب سهل وسلس». ثم يشير إلى جهود المجمع وقرارته الماثلة في إصدارات المجمع فقط والتي لا تصل إلى الناس. يحكي عبد الرزاق عن محاولات مجمعية سابقة لفرض كلمة «مرنة» بدلًا من «التلفاز»، وقد برر المجمع ذلك بأن الناس ترنو إلى شاشة التلفزيون، بمعنى أدام النظر في سكون، وهو ما يعلق عليه مؤسسة «نحو وصرف» قائلًا: «يمكن أن نرنو إلى الطائرة، فهل هذا يجعلنا نسميها مرنة بدلًا من طائرة»، مضيفًا أن المجمع تبنى -سابقًا- كلمتين عربيتين للتليفون «المسرة» ثم «الهاتف»، وكلاهما متناقضين؛ واحدة من «سرّ» والأخرى من «هتف».

بخلاف طريقة تصديه للتليفون سابقًا، أجاز مجمع اللغة العربية بالقاهرة أربع كلمات للتعبير عن الموبايل. ففي مارس 2002 أقرّ كلمات «محمول» و«نقال» و«جوّال» و«موبيل»، للتعبير عن «جهاز للاتصال (هاتف) يحمله صاحبه حيثما يكون، ويستخدمه في إرسال الرسائل (منطوقة ومكتوبة) وفي استقبالها»، ولم يُعلن هذا القرار إلا مع صدور الجزء الرابع من «الألفاظ والأساليب» في 2010، وذلك بعد أربع سنوات من دخول الخدمة مصر.

في 2016، أجاز المجمع «وسمة-توسيم» مقابل هاشتاج hashtag وما يتعلق به. أجيز التعبير بعد مناقشة بحث قدمه عضو المجمع، الدكتور إبراهيم عبد المجيد ضوة، للجنة الألفاظ والأساليب. وأشار البحث إلى أن «وسم» كفعل لم يرد في المعاجم مرتبطًا بوضع العلامة، بل معناه: شهِدَ. لن يعرف القرار أحد إلا من حصل على الكتاب الصادر في 2017، بينما تستخدم الناس هاشتاج أو وسم. يرى المترجم أحمد غربية أن «وسمة» و«وسم» تصلحان، ولا يجد سببًا يمنع استخدامهما، وإن كان ذلك سيؤدي إلى تضارب. بينما يميل محمود عبد الرازق، صاحب كتاب «الأخطاء اللغوية الشائعة في الوسط الثقافي» ومؤسس صفحة «نحو وصرف» كما أشرنا، إلى استخدام «هاشتاج» مثلًا بدلًا من «وسم» أو «وسمة»، مبررًا ذلك بأن «هاشتاج» مستخدمة ومفهومة، «العربية لا ترفض اللغات الأجنبية، بل يمكنها أن تتفاعل معها وتأخذ منها».

 قبل خمس سنوات شُغل المجمع بطريقة التعامل مع شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك، وفي النهاية قرر تعريبه بنحت كلمة جديدة هي «فُسبك». وذلك بعدما مرّ النقاش والاتفاق في مراحله الثلاث؛ اللجنة ثم المجمع وأخيرًا المؤتمر، وهو الأمر الذي يشبه صدور حكم قضائي بات.

في جلسة مؤتمر المجمع بتاريخ 27 مارس 2014، أُجيزت «طائفة من الألفاظ المشتقة من لفظ فيس بُك»، وقرر المجمع تعريب الموقع «قياسًا على نهج العرب في الاشتقاق من الاسم الأعجمي» فصار «فُسْبُك» [على وزن فُعْلُل]. لكن القرار لم يصدر إلا بعد نحو ثلاث سنوات بكتاب «الألفاظ والأساليب -الجزء الخامس» عام 2017، وبعد 13 عامًا، من تأسيس الموقع في 2004. يدعو المجمع كُتّاب العربية لاستخدام «فَسبكَ» وهو فعل للتعبير عن نشر تدوينة أو صورة على الفيسبوك.

يقول المترجم م.ف.كلفت إن «فيسبوك كلمة تجارية. يعني إيه أكتبه: فاء سين باء كاف، هذا شيء منعزل عن الحياة. الشركة التي تُدير الموقع سمته فيسبوك، فكيف يسميه [المجمع] هكذا. ثم يتفاصح ويعمل منه فعل: فَسبَك». ويشير إلى أن «المشكلة إن المجمع عمل بحثًا في اللغة، وليس في الحياة».

أما بقية «الطائفة المشتقة من فيس بُك» فهي:

    «الفُسبُكيّ»: المنسوب إلى الفُسْبُك رجلًا كان أو غيره، وهي بالتاء [المقصود إضافة التاء في حال مخاطبة المرأة فيُقال لها الفُسبكُية].

    «فسابكة» وهو جمع «فُسبكيّ».

    «فَسبَك» فعل بمعنى نشر أي نص أو صورة على فيسبوك.

    «فَسْبكة» اسم يخص عملية التواصل من خلال الموقع أو استخدامه.

    «المُفسْبَك»: هو النص أو المنشور الذي يتمّ تداوله عن طريق الفُسْبُك.

    «المُفَسبِك»: المُتعامل مع الفُسبُك، إرسالًا واستقبالًا.

بحسب الجزء الرابع من «الألفاظ والأساليب»، وجد عضو المجمع محمد حسن عبد العزيز أن «القرف» كلمة فصيحة ذات جذر عربي أصيل، فكتب بحثًا وقدّمه إلى لجنة الألفاظ والأساليب، لتضاف إلى مادة «ق ر ف» في المعجم، مشيرًا إلى أن معناها «في الاستعمال المحدث هو: القبح، والكره، والاشمئزاز، والتقزز»، وبالفعل أضاف المجمع القرف إلى العربية بجلسة من مؤتمر الدورة الرابعة والسبعين في 28 أبريل/ نيسان 2008.

كما أقرّ في أبريل 2009 «تعطيش السوق»، وذلك لأنه «ليس في عبارة تَعْطيش السوق أي خروج على ذوق العربية وقواعدها والكلمة هكذا صحيحة مبنى ومعنى». وهو ما أنجز بناءً على بحث تقدم به حسن الشافعي الذي يشغل حاليًا منصب رئيس المجمع، وذلك بعدما قرأها في جريدة «المصري اليوم».

يرى كلفت أن بعض قرارات المجمع مثيرة، هي «دليل إرشادات وتنسيق»، كأنهم يقولون لأنفسهم الكلمات التي يريدونها، فهم «يضعون ستايل جايد، إرشادات تنسيق. المجمع بيطلّع إنتاج معرفي أو إرشادات تنسيق لجميع مؤسسات الدولة التي تصدر إنتاجًا معرفيًا. هل مثلًا جريدة «الأهرام» ستلتزم بـ فسبك؟». كما يشير غربية إلى استخدام المجمع -في قرارته الصادرة في «الألفاظ والأساليب» -كلمة «إجازة» أو فعل «يُجيز»، مع أن دوره اقتراح الكلمات على المجتمع، وليس فرضها. معتبرًا أن المجمع يتعامل بوصفه سلطة أو جهة تملك القدرة على الإلزام.

تكشف قراءة المداولات والمحررات والأبحاث المقدمة داخل المجمع عن دور أقرب إلى رصد الكلمات الموجودة في المجتمع، ثم التعليق عليها. وهو ما يعتبره غربية «توثيقًا أو تسجيلًا لرأي المجمعين في الكلمات، وهو ما لا يستحق أخذ موقف أو إجازة الكلمة من عدمه». يشير غربية إلى مرونة توثيق استخدام xerox في قواميس اللغة الإنجليزية لعملية نسخ صورة ضوئية لورقة.

بعض جهود المجمع تبدو كعملية لضبط الكلام من دون الانتباه للمعنى، وهو ما يظهر في تقديم كتاب الألفاظ والأساليب لكلمة «ناسوخ» للتعبير عن الـ fax، ويعلّق غربية على ذلك: «اختيرت الكلمة بالتركيز على النسخ، لكن وظيفة الفاكس الأساسية هي إرسال المنسوخ». وبعيدًا عن عدم دقة الكلمة، إلا أن الآلة لم تعد تستخدم.

وفي مارس 2014، أجاز المجمع فعلًا جديدًا وهو «شفر» وما يؤخذ منه، للدلالة على تحويل الأمر إلى النظام الرمزي الذي كان يُعرف بـ «التعمية». وهو ما يعلق عليه غربية بأن التعمية فرع من التشفير، «كل التعمية تشفير، لكن ليس كل التشفير تعمية»، ويشير إلى صفحتي الويكي لـ تشفير وتعمية على منصة «أضف» للتعبير الرقمي، ونفهم منهما أن «العلاقة بين الصيغة المشفرة وغير المشفرة قد تكون معكوسة مثل التعمية».

كما تعكس قرارات المجمع حالة من بطء دورة العمل التي قد تستغرق سنوات قبل تقديم الحلول اللفظية، وذلك بعدما يستقر مدوّنو العربية على كلمات تصبح شائعة بينهم، أو يتراجع انشغالهم بالبحث عن كلمة عربية بديلة للكلمة الأجنبية، مثل ما جرى حينما قرر المجمع التعامل مع «جندر». هكذا أجاز كلمة «جنوسة»، في أبريل 2009، بمعنى «السمات الفارقة بين الجنسين الذكر والأنثى»، مبررًا ذلك بأنها «مصدر على وزن فعولة نحو ذكورة وأنوثة وبرودة».

تقول فرح برقاوي، محررة ومنسقة مشروع «ويكي جندر»: «جنوسة لم تنجح في الانتشار، بخلاف جندر ونوع اجتماعي»، مرجحة أن يكون السبب «تشابه جنوسة مع جنسانية وجنس».

وبحسب منصة «ويكي جندر» التي تُنتج معرفة نسوية مفتوحة في قضايا الجندر والنساء بالعربية، فإن تعريف جندر هو «الأدوار والفروقات الاجتماعية التي تظهر تحت مصطلح الذكورة والأنوثة، وترتكز في المجتمع على نظام من الثنائيات المتعارضة بين النوعين مثل سيادة الرجل ضد انقياد المرأة، وعقلانية الرجل ضد عاطفية المرأة، وقوة الرجل ضد ضعف المرأة».

في 28 أبريل 2008 أجاز المجمع كلمة «جنسانية» بمعنى الميل إلى الجنس وإثارة الشهوات الجنسية، وذلك لأن الجنسية مستعملة في الدلالة على الهوية الوطنية، بحسب ما جاء في المعجم الوسيط تحت مادة (ج ن س). «فكانت صيغة «جنسانية» بديلًا عن الصيغة القياسية «جنسية» للدلالة على المعنى الجديد هو الميل إلى الجنس وإثارة الشهوات المرتبطة بنوعي الذكر والأنثى. وهو استعمال لا بأس به قياسًا على العلمانية، العقلانية. إلخ»، بحسب ما ورد بكتاب «الألفاظ والأساليب».

لكن التعريف قاصر، فالمصطلح واسع ويستخدم بمعنى الطريقة التي يختبر الناس ويعبرون بها عن أنفسهم جنسيًا. وتقدّم منصة ويكي جندر هُنا أكثر من تعريف له، فيما ترى برقاوي أن تعريف المجمع للكلمة محدود، وإن كانت «بداية جيدة».

هكذا تنتهي جولتنا مع جزئي الألفاظ والأساليب، لكننا لم نجد ضالتنا من الكلمات، ونحتار في التعبير عن بعض المعاني. خلال الأسابيع الماضية عرضتُ على فريق «مدى مصر» جزئي «الألفاظ والأساليب»، وبدأنا في إعداد قائمة بالكلمات الأجنبية والعامية التي نستخدمها في عملنا اليومي، واعتبرنا ما جاء في هذه القائمة كلامًا معاصرًا، ولكن فكرت أن نشارك مجمع اللغة العربية بالقاهرة في لعبتنا.

لم يصدر المجمع قرارًا بشأن القائمة، التي أرسلناها لمدير مكتب رئيس المجمع عبر واتس آب بالفعل، حتى الآن، الذي يقول إن القائمة ستوزع على أكثر من لجنة، فبعض الكلمات تأتي ضمن اختصاص لجنة الألفاظ والأساليب، والبعض الآخر قد يقدم إلى لجنتي الإعلام والحوسبة. «سوف أتواصل معك لأخبرك بما توصلت له هذه اللجان»، يقول عثمان.

القائمة التي أرسلتُها، لمَن يحب المشاركة معنا، كالآتي:

السادة والأساتذة الأجلاء والأعزاء في مجمع اللغة العربية

تحية طيبة وبعد،

قرأتُ بشغف كتابي الألفاظ والأساليب الأخيرين؛ الرابع والخامس، وتابعتُ الجهود الكبيرة من جانبكم لإثراء معرفتنا بكلمات جديدة، لتُستخدم من قِبل كُتّاب العربية وناطقيها في مصر.

أعمل حاليًا على كتابة قصة صحفية حول طُرق إضافة كلمات جديدة إلى اللغة العربية، ومن المقرر أن تُنشر على موقع «مدى مصر». خلال بحثي لإعداد القصة، استفدتُ كثيرًا من كلمات وأبحاث الكتابين السابق الإشارة إليهما، لكن آلية عمل المجمع في إدراج ما يستجد من كلمات لا تزال آلية بطيئة، ولا تلبي استخدامنا اليومي للغة ورغبتنا في التعبير كذلك.

فكرتُ في تقديم كلمات نستخدمها في حياتنا اليومية، ولم ترد في المعاجم، وأقدمها لكم في هذه الورقة، لأن المجمع يكتفي بالمقترحات من أعضاء المجمع نفسه أو من قِبل لجنة الألفاظ والأساليب، فكنتُ أحب أن أتعرّف على موقف المجمع من كلمات نستخدمها ونكتبها، لكنها لا تزال خارج دائرة الاهتمام.

أولًا من الإنجليزية:

Empathy

Overwhelm

مغمور لا تعبّر عن الشعور بأن محاط بمشاعر تشلك أو تقيد حركتك.

Mentor

هل هناك كلمة تناسبها بخلاف المرشد؟

Gif

وهو تصميم بصري متعدد الوسائط، يضمّ صورًا متحركة، أقصر من الفيديو وأكثر ثراء من الصور

Abuse

كلمة يستخدمها المصريون في حالة استغلال شخص لآخر، أو إساءة تعامل شخص مع آخر وتمتع المسيء بمزايا كذلك.

ثانيًا: كلمات تستخدم بالعربية في مجال التعبير عن الهويات الجنسية مثل:

الجندر.

الكويرية

عابر جنسيًا [في حالة تغيير الجنس]

ثالثًا: كلمات ننطقها معربة بإضافة باء في أولها وهي كلمات متصلة بمجالات البرمجة والتكنولوجيا أو استخدام الإنترنت مثل:

«بـ سكرول»: حينما يلمح أحد على الإنترنت شيئًا وينزل بعينيه لأسفل الصفحة دون قراءة ما فيها.

بهذه المناسبة، ما رأيكم أن نتوسع في استخدام هذه الصيغة؟

استخدم وزن «اتفعل» للإشارة إلى المبني للمجهول.

أرجو الإفادة وتفضلوا بقبول وافر الاحترام والتقدير.

محبتي

أحمد وائل

 مدى

 —————————

حركات الاحتجاج تحرر العامية الجزائري/  نبيل منصوري

يحق لنا أن نتحدث بالجزائرية/ نبيل منصوري

ترجمة حميد العربي

في سهرة الاثنين 12 مارس/ٱذار، بعد إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن تخليه عن الترشح لعهدة خامسة وتأجيل الانتخابات الرئاسية، نزلت وسائل الإعلام الأجنبية إلى الشوارع لنقل رأي الجزائريين. ففي حين كانت مراسلة القناة الإماراتية /سكاي نيوز عربي/ تغطي حسب قولها “مظاهرات الفرح” بوسط العاصمة والتي أعقبت الإعلان، تدخل شاب مقاطعا بثها المباشر. قرر ذلك الشاب الجزائري التدخل قصد “تصحيح” كلام المراسلة وتبليغها بأن الشعب الجزائري ليس سعيدا وأن إعلان الرئيس العزوف عن عهدة خامسة مجرد لعبة سياسية. وكان تدخل الشاب غير المنتظر والعفوي، والذي فاجأ صحفية القناة العربية، بالعامية الجزائرية. ولما طلبت منه الصحفية التكلم باللغة العربية حتى يتمكن مشاهدو القناة من فهم أقواله، أجابها بعفوية: “أنا لا أعرف التكلم بالعربية، =هذه هي دارجتنا”.

تم تداول الفيديو بكثرة في الشبكات الاجتماعية في الجزائر وكان ذلك أول مرة تقتحم فيه العامية الجزائرية وسيلة إعلامية موجهة لجمهور متعود على سماع اللغة العربية الفصحى. وقد رأى الكاتب والباحث في اللغة العربية الأردني، هشام بستاني، أن هذا الفيديو بمثابة “تمرد أحد المضطهدين ضد أولئك الذين لا يريدون سماع صرخته وفهم لغته”. ويُفهم من خلال الفيديو، حسب البستاني، أن هذا الشاب الذي تدخل على المباشر في تلك القناة العربية هو جزء من مجموعة كبيرة يستمد منها قوته. وهي قوة يعبر عنها في شكل مواجهة ذات طابع لغوي.

ويرى البستاني أيضا أن الشاب أدلى بتصريحه بثقة وانسجام رافضا النطق بلغة الصحفية أو المشاهدين، مؤكدا على أن ذلك كان “جوابا” “ناريا” في تلك الظروف في وجه صحفية كانت تريد أن تحول الاحتجاج إلى “فرجة” متلفزة لجمهورها. “هذا الشاب الجزائري الذي ينتمي إلى الشعب هو جزء من المضطهدين المطالِبين بالتغيير. كما هو أيضا جزء من مجموعة اجتماعية تطالب الآخرين (السلطة والإعلام والمسؤولين الرسميين) أن يتفهموها وأن يلموا”بمطالبها“و”آمالها“و”طموحاتها”.

يرى الكاتب أن ذلك الشاب توجه بطريقته إلى نظام أصم ومتظاهر بعدم فهم ما يقوله، مطالبا إياه التحدث بلغة أخرى غير “لغة التسوية” و“أنصاف الحلول” و“التسويف”. قال الشاب: “يتنحاو ڨاع (فليرحلوا جميعاً)، وعلى السلطة والمشاهدين أن يفهموا”. في هذا السياق يُذكِّرُ الكاتب هشام البستاني من جهة أخرى بكلمة “أنا فهمتكم” التي قالها الرئيس التونسي المخلوع، زين العابدين بن علي، قبل مغادرته السلطة على خلفية المظاهرات الشعبية. كان ذلك مع اندلاع الانتفاضات العربية في سنة 2011. “يتعلق الأمر”بفهم“مفقود أو متجاهل بين السلطة (التي تمثلها استعارةً الكاميرا والميكروفون) والشعب المطالب بالتغيير. إنها”اللغة الأليفة“، اللغة العامية للجمهور الواسع، للشعب، باختصار إنها لغة مطالبهم المباشرة والواضحة بالتغيير”.

عبارة “يتنحاو ڨاع” تدخل ويكيبيديا

في أوت 2019 أدرجت الموسوعة الافتراضية المرجعية ويكيبيديا ضمن صفحاتها الشعار الشهير للحركة الاحتجاجية الجزائرية “يتنحاو ڨاع”. وتشرح “ويكيبيديا” في تعريفها أن “يتنحاو ڨاع” هي “جملة بالعامية الجزائرية ظهرت خلال المظاهرات التي اجتاحت الجزائر ابتداء من 16 فبراير 2019.”وتحولت إلى شعار في أوساط المتظاهرين ومتصفحي الأنترنت منذ نشر فيديو على الشبكات الاجتماعية يظهر فيها شاب جزائري يقطع بثا مباشرا على قناة سكاي نيوز العربية، مساء 11 آذار/ مارس 2019، عندما أعلن الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة تخليه عن ولاية خامسة”. وتُعرِّف الموسوعة الافتراضية باللغة الفرنسية عبارة “يتنحاو ڨاع” على أنها طلب “رحيل كل أولئك الذين استفادوا وساهموا وشاركوا وعززوا وحموا الرئيس الجزائري السابق خلال العشرين عاما من حكمه. وخلاف ذلك يعني أن كل محاولة للانتقال نحو نموذج ديمقراطي قد تتعرض للنسف من طرف هؤلاء الأفراد. وعندما يتم الحديث عن الثورة المضادة فهؤلاء هم المقصودون”. وبالنسبة ل“ويكيبيديا” فقد كان هذا الشعار الأكثر رواجا خلال كل المظاهرات. وكثيرا ما تشير إليه وسائل الإعلام المحلية والدولية التي تغطي أخبار المظاهرات في الجزائر منذ آذار/ مارس 2019. وكدليل على تدويل الشعار الجزائري تُذكِّرُ “ويكيبيديا” بحدثين دوليين مهمين ظهر بهما الشعار: يتعلق الأمر بالدورة 72 لمهرجان كان السينمائي، حيث قام ممثلون جزائريون برفع لافتات وشارات تحمل شعار “يتنحاو ڨاع” تعبيرا عن دعمهم للمتظاهرين الجزائريين. أما الحدث الثاني فقد كان على هامش كأس إفريقيا للأمم (كان 2019) الذي انتظم بمصر. ولدعم فريقهم الوطني لكرة القدم حمل ثلاثة مشجعين جزائريين لافتة مكتوب عليها الشعار الشهير وتم توقيفهم وطردهم من طرف السلطات المصرية. ولدى وصولهم إلى العاصمة الجزائرية اعتقلوا مرة أخرى وأودعوا الحبس الاحتياطي. وقد قدمت صفحة “ويكيبيديا” باللغة الفرنسية 19 مصدرا مختلفا منها وسائل إعلام فرنسية وجزائرية.

“هذا اللغة”الوسيطة“التي يعتز بها الجزائري”

إذا كان بعضهم في الجزائر يرى في العامية مشكلة، فهناك آخرون يرون فيها غنى، وهي التي تجعلنا مختلفين عن المجموعات الأخرى. ويعد تدخل السياسة في المجال اللغوي هو أصل المشكلة. رأي يشاركه الأستاذ الجامعي والكاتب والمترجم واللساني لمين بن علو، صاحب عدد من الكتب في اللسانيات. وهو يؤكد أن التعبير بالعامية الجزائرية “كتابة أو شفهيا” في رسائل الحركات الاحتجاجية يعد مطلبا هوياتيا. “أعتقد أن التعبير عن رسائلهم باللغة العربية الجزائرية أو البربرية أو الفرانكوـ جزائرية وأحيانا حتى بالإسبانية، هو شكل من المطالبة بالهوية الجزائرية بتعدديتها وتفاعلاتها الثقافية”. ويرى في ذلك طريقة للتعبير عن رفض النظام ولغته الرسمية: “إنه رفض للنمطية وكل ما هو ناجم عن النظام، بما في ذلك اللغة العربية الفصحى واللغة الخشبية وكل الخطابات الداعمة للسلطة”. ويرفض بن علو فكرة أن تكون العامية الجزائرية لغة تقسم المجتمع الجزائري وكذلك حال كل لغات التعبير في الجزائر (العربية، الفرنسية، البربرية). “أعتقد، على عكس ذلك، أن هذه اللغة الوسيطة التي يعتز بها الجزائري، هي التي توحد الشعب. يجد الجزائريون في جميع أنحاء البلاد أنفسهم في هذه اللغة الثرية، المفعمة بالحيوية والعبارات والكلمات التي تشكل الهوية الجزائرية”. وهو يرى على عكس ذلك أن العامية مهمشة في الجزائر، خاصة في القنوات الرسمية للتعبير كوسائل الإعلام والسياسة والمدرسة…إلخ.. “أنا لا أحب كثيرا مصطلح”اللهجة“الذي يقيم نوعا من التدرج بين اللغات وهو مفهوم غير لغوي… أفضل الحديث عن الجزائرية أو العربية الجزائرية”. ويتمنى لمين بن علو، في إشارة أمل، أن يكون للتغيير الذي ينشده بقوة الشعب الجزائري من خلال الاحتجاجات الشعبية، أثر على اللهجة الجزائرية في المستقبل. وهو يتمنى، لو حصل تغيير، أن يصل أيضا إلى دمقرطة العامية. كما يأمل أن “تسمح ريح الديمقراطية هذه وحرية التعبير والكلام ببروز عربية جزائرية ، وبدون أية عقدة”.

التعريب سياسة تخفي مآرب أخرى

في أول خطاب علني ورسمي له غداة الاستقلال عرَّف أحمد بن بلة، أول رئيس للجمهورية الجزائرية، الهوية الجزائرية قائلا: “نحن عرب، عرب، عشرة ملايين عربي (…) لا مستقبل لهذه البلاد إلا في العروبة”.

انطلاقا من هذا تم اعتبار التعدد والتنوع اللغوي تهديدا للوحدة الوطنية، وكل نداء لاحترام التنوع اللغوي، إرادة لزرع الشقاق في شعب واحد ذي ثقافة واحدة. عرفت هذه السياسة زخما أكبر مع الرئيس الثاني للبلاد، الراحل هواري بومدين، الذي وصل إلى الحكم عن طريق انقلاب، وقد اتخذ إجراءات عملية من أجل التعريب. وكان ذلك منتظرا كون أن هواري بومدين تكون في الزيتونة بتونس وفي الأزهر بالقاهرة. وكانت مسألة التعريب خلال هذه الحقبة من تاريخ الجزائر خطابا سياسيا قبل كل شيء، فاللغة العربية استعملت كوسيلة لإضفاء الشرعية على حزب السلطة القائمة (جبهة التحرير الوطني) وتقديمه على أنه حصن منيع ضد الاستعمار.

وقد اتضح مع مرور الوقت أن تعريب المجتمع كان مجرد أداة للإقصاء الاجتماعي من خلال موازين قوى سياسية. وأصبح جليا بعد نصف قرن من الاستقلال أن الرهان لم يكن أبدا التحكم في اللغة العربية، بل تحقيق أهداف ضيقة لأصحاب السلطة. في الواقع لم يكن واحد من المدافعين عن تعريب المجتمع الجزائري مقتنعا بهذا المشروع. والدليل على ذلك أن أكبر المتحمسين للتعريب كانوا يعملون دوما على إرسال أبنائهم إلى المدارس الخاصة أو إلى الخارج حيث كان التعليم باللغة الفرنسية.

“نحن أحرار في التعبير عن أنفسنا بالجزائرية”

من خلال المطلب الأساسي والذي لا مفر منه للحركة الشعبية، أي “يتنحاو ڨاع”، تتجلى الرسالة بشكل مفهوم من جميع أطياف المجتمع الجزائري، لأن التعبير عنها جاء بالعامية الجزائرية. وفضلا عن معناها الذي يطالب برحيل كل وجوه النظام السياسي القائم والذي صار شعاراً للحراك، هناك خلفية أيضا تتمثل في المطالبة بهوية جزائرية. إنها مواجهة حقيقية بين العربية الدارجة والعربية الفصحى التي برزت من أعماق الاحتجاجات الشعبية. فهو صراع عفوي بين لغة الشعب الممارسة في الحياة اليومية للجزائريين ولغة أخرى، صارت مع مرور الزمن لغة السلطة كونها تستعمل في القنوات الرسمية ومن طرف البيروقراطية. تمكن المجتمع الجزائري خلال أكثر من 130 سنة من الاستعمار الفرنسي من المحافظة على لهجته في وقت كانت الجزائر تعتبر جزءا من التراب الفرنسي. وقد حافظت اللهجة على وجودها أيضا بعد استرجاع اللغة العربية الفصحى غداة الاستقلال من خلال سياسة تعريب كانت تمثل رهانا سياسيا واجتماعياً ـ ثقافياَ آنذاك. أما اليوم، فيمكن قراءة رسائل بالعامية الجزائرية قوية وواضحة جدا، مكتوبة بالأحرف العربية أو اللاتينية خلال المسيرات الاحتجاجية. فإلى جانب “يتنحاو ڨاع” (فليرحلوا كلهم) نجد أيضا “البلاد بلادنا ونديروا راينا” (البلاد بلادنا ونفرض فيها رأينا)، “جيش ـ شعب خاوة خاوة” (الجيش والشعب إخوة إخوة)، أو أيضا الجملة الشهيرة “كليتوا البلاد يا السراقين” (نهبتم البلاد أيها اللصوص).

ويقول حكيم، وهو شاب جزائري يسكن في إحدى ضواحي الجزائر العاصمة، أن التعبير باللهجة الجزائرية يعد بالنسبة له شكلا من الحرية: “أشعر أنني حر وقوي عندما أعبر عن حقوقي ورأيي بالعامية”. مضيفا أن “لا أحد يمكنه أن يجبرني على استعمال لغة غريبة عني”.

وخلال المظاهرات هناك كثير من الذين يعبرون عن نفس الرأي. وتؤكد ليلى، وهي طالبة شابة بجامعة الجزائر، على أن الشباب الجزائري يريد كسر كل الطابوهات (المحرمات) التي فرضها النظام: “نحن جيل مثقف، يعرف جيدا تاريخ هذه البلاد. الجزائر ليست بلدا صغيرا، بل قارة فيها تنوع ثقافي ولغوي. نحن فخورون بانتمائنا إلى هذا التنوع وهذا الثراء الذي نعبر عنه بصوت عال خلال كل مظاهرة”.

ويقول رجل في عقده السادس: “إننا نعبر بالعامية حتى يتسنى الفهم للجميع. حتى الأجانب يتمكنون، رغم كل شيء، من فهمنا لأن صرختنا تخرج بعفوية من أعماقنا، لتصل إلى الذين يريدون الاستماع”. وهو يرى أن الشعارات المرددة بالعامية الجزائرية تشكل أصالة هذه الثورة السلمية مؤكدا: “نحن أحرار في التعبير عن أنفسنا بالجزائرية”. ثم يضيف: “لقد تم خنقنا لمدة طويلة جدا، ولم يُطلب من الشعب يوما ماذا يريد؟ وبأية لغة يريد التعبير؟ وأي نظام تعليمي يناسبه؟ لقد سئمنا اليوم من هذه السلطة، وأقولها بصوت عال وقوي: البلاد بلادنا ونديروا راينا.

نبيل منصوري

صحفي في “مغرب إيميرجان”

————————-

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق