سياسة

وحش الهيمنة الإيرانية في مواجهة ثورات العراق ولبنان -مقالات مختارة-

ثورة لبنان وأعداؤها من ذوي العزم الفاشي/ ياسين الحاج صالح

استطاع الثائرون اللبنانيون احتلال فضاءات عامة مركزية في العاصمة بيروت والعديد من المدن اللبنانية. هذا المعطى المكاني أساسي، أبقى الثورة اللبنانية خلال أسبوعين ونيف ملء البصر والسمع، يجري نقل فاعلياتها في الزمن الحقيقي. وأهم من ذلك أتاح أن يكون للثورة إيقاع يومي، وليس أسبوعياً، خلافاً للثورة السورية في بواكيرها.

المحرك الأول

الثورة اللبنانية في انعقاد دائم إذا جاز التعبير، على نحو يُغني عن قيادة خاصة. الثورة تقود نفسها، إنها الجمعية العمومية لنفسها. وهي تحقق تقدما مستمراً بفضل شرطيْها المكاني (ساحات عامة) والزماني (إيقاع يومي)، ثم بفعل مساحة التماس الواسعة بين الثورة والمجتمع، أو النسبة العالية من اللبنانيين المشاركين في الثورة. لقد أمكن السير إلى الأمام  خلال أسبوعين طويلين، وتحقق مطلب أول باستقالة الحكومة، مروراً بالتغلب على تهديدات حزب الله واعتداءاته المتكررة.

محرك الثورة الأول معيشي، يرتبط بتدهور مداخيل وتضاؤل فرص قطاعات متسعة من اللبنانيين، وبنهب فاجر من قبل الطبقة السياسية ومحظييها ومحمييها. وبأثر هذا المحرك سجلت الثورة انتشاراً جهوياً واسعاً من جهة، وكانت عابرة للطوائف من جهة أخرى. هذا غير مسبوق في تاريخ لبنان المعاصر.   

ليس الطريق إلى إسقاط “العهد” والتقدم نحو نظام غير طائفي ممهداً، وقد يُسدُّ بالقوة والدم، لكن هذه أول مرة في لبنان يرى طيف وطني شعبي واسع ومتنوع، يخص بشتائمه ألأقذع السياسيين الأكثر طائفية، والتركيبة كلها: “كلّن يعني كلّن”! و”كلن” تعني النظام بوصفه نظام نهب وفساد وإفقار، كما تعني تركيبته الطائفية.

ملكيّة البلد وحزب الله

الطائفية صمام أمان نظام النهب العمومي في لبنان، وهي التي توفر هوامش حرية ومناورة واسعة لطغم فاسدة عبر سهولة تفريق المنهوبين وتأليبهم ضد بعضهم البعض وضربهم ببعضهم البعض، كما جرى في أوقات سابقة. إفشال هذا المسعى ليس جهداً ناجحاً ضد الطائفية فقط، وليس تضييقاً لهوامش لعب المركب النهبي الطائفي الميليشياوي فقط، وإنما هو الخطوة الأهم نحو استعادة ملكية البلد والمعالجة الجذرية للأزمة الوطنية الاجتماعية المتجددة.

“كلن” تعني أيضاً حزب الله من حيث أنه الميليشيا الحارس للنظام اليوم، القوة المسلحة التي شعرت قبل غيرها بتضيّق مساحة مناورتها، فوضعت نفسها في مواجهة الثائرين، وأظهرت أن بقاء “العهد”، وليس تغييره، هو خيارها. تُعطل المشاركة الشيعية الواسعة عملية نزع وطنية الشيعة اللبنانيين التي يشرف عليها حزب الله عبر شبكة مالية عسكرية عقدية مشدود إلى إيران.

لكن الامتلاء بالنفس، الذي صدر عنه كلام حسن نصرالله منذ البداية، يثير الخشية من مسالك دموية. عبر عقود رفع الحزب نفسه فوق شجرة عالية جداً، وجعل من النزول منها صعباً عليه وعلى أنصاره قبل الجميع. هناك مكون عدمي في تكوين الحزب وتفكيره، يظهر في ميله إلى التعامل مع الصراع الحالي كصراع وجود، مثلما خاض الصراع ضد الثورة السورية. وتبدو “تغريدة” خامنئي يوم 30 تشرين الأول بمثابة أمر عمليات تنفيذي، بالنظر إلى أن الرجل هو “الولي الفقيه”، المسموع الكلمة عند أتباعه، ومنهم نصرالله وحزبه. يقول المرشد الإيراني: “أوصي الحريصين على العراق ولبنان أن يعالجوا أعمال الشغب وانعدام الأمن الذي تسببه في بلادهم أميركا والكيان الصهيوني وبعض الدول الغربية بأموال بعض الدول الرجعية”. ما يلفت النظر ليس انتحال الولي الفقيه موقعاً “تقدمياً” لا يُعلم له سند فكري أو واقعي، بل عطف لبنان على العراق في كلامه، وما يضمره هذا العطف من موقع امبراطوري يصدر عنه خامنئي تلقائياً. هذا نذير أقوى بعدُ بمسالك دموية، لا يملك المرء حيالها إلا أن يأمل وجود أصوات عاقلة في بيئة حزب الله وبين صفوفه، أصوات تجد في انفضاض قطاعات مؤثرة من البيئة الشيعية عن سياسة نصرالله ما يشد أزرها في نزع إيرانية الحزب، وفي لبننته.

الغرب.. تحول بنيوي

وفي مواجهة امبراطورية الجماجم الإيرانية، يعرض الوضع اللبناني اليوم خاصية لا يبدو أنها تنال ما تستحق من اهتمام تحليلي: ليس هناك سند أوروبي أو غربي للثورة اللبنانية، ولا حتى تعاطف. القوى الغربية التي كانت تولي الاستقرار دوماً أولوية عليا في الشرق الأوسط، صارت توليه أهمية أعلى بعد. وهذا في ارتباط بكل من “الحرب ضد الإرهاب” و”أزمة اللاجئين”. هناك تحول بنيوي في “أوروبا القلعة” وأميركا نحو المحافظة والتثبيت، بخاصة حيال منطقتنا. والتفضيل يتجه نحو ضامني الاستقرار، ولو ميليشيات عنيفة مثل حزب الله، على أوضاع مضطربة، ولو في سياق ثورة سلمية تحررية. يستطيع حسن نصرالله ومرشده الإيراني وبشار الأسد زعم العكس، لكن القوى الغربية تفضلهم كحرس استقرار، وإن لم تحبهم.

على أنه يقف إلى جانب الثورة اللبنانية سوريون وعراقيون ويمنيون ومصريون… توحدهم خبرة “كلنا في الهم شرق”.

الحذر واجب

بنظرة عن بعد، يرى المرء مشهد الثورة اللبنانية المتعددة الأصوات، الكثيرة الألوان، الواعدة بلبنان جديد والمفعمة بالأمل، ويلمح المخاطر القاتمة الأحادية الصوت، الداعية للاستسلام والحليفة لليأس تترصد الثورة بالشر. لا يستطيع السوري الذي هو كاتب هذه السطور أن لا يخشى كثيراً. لا تزال الدماء على إيادي الحزباللهيين في سوريا، ولا تزال رائحة الدم في خياشيمهم، وتصور أنهم لن يكونوا دمويين في لبنان لا يبدو لي مما يمكن الركون إليه.

لكن إذا كان الحذر واجباً فإن استمرار احتلال الساحات والسير نحو العصيان المدني والإضراب السياسي العام هو السلاح الأقوى بيد اللبنانيين في وجه سلاح الوكيل الامبراطوري.

لا نعلم ماذا سنقول بعد أسابيع من اليوم أو شهور. الثورات تفاجئ وتخلق المفاجآت، وأعداؤها من ذوي العزم الفاشي قادرون على مفاجأتنا في التوحش. لكن رغم كل المخاطر التي تُخوِّف من الأمل وتشجع على اليأس، فإن الموقع الصحيح هو في الثورة ومع الثورة.

المدن


مبدأ خامنئي للعراق ولبنان: التغيير ممنوع/ حازم صاغية
الربط بين ثورتي العراق ولبنان وبين المؤامرات والأوضاع الإقليميّة ربط فاسد. هذا ما تقوله أوضاع داخليّة مُلحّة في البلدين، وآراء ومواقف وأعمال تواكب هذه الأوضاع وتصفها. لكنّ الربط الفاسد هو ما ينبع من وعي فاسد، وعي تآمري ممزوج برغبة عميقة في استخدام البلدين وأحداثهما في النزاعات الإقليميّة.
في الحالتين الثوريّتين للعراق ولبنان، تعجز النظريّات على أنواعها عن تمويه دور إيراني نافر، لا بمعنى تآمري للكلمة، بل بمعنى يسعى أن يكون موضوعيّاً، وهو قابل للبرهنة في أقوال حسن نصر الله وأفعاله، كما في تغريدات علي خامنئي. فطهران، ذات العلاقة المتوتّرة مع إقليمها ومع العالم، لا تملك التصرّف كدولة محدودة بحدودها، كما لا تملك التصرّف بما تقتضيه أحوال السلم. والعراق خصوصاً، ولبنان أيضاً، ينبغي أن يُرفض أي تغيير فيهما لأنّهما، وفق النظرة الإيرانيّة، موقعان استراتيجيّان لإيران. وفي حالات الحرب والتوتّر، تغدو التضحية بموقع حربي ترفاً لا يتحمّله قائد المحاربين.
هذا ما يفسّر أحداثاً شهدها المشرق العربي منذ ثارت المخاوف الدوليّة حيال البرنامج النووي الإيرانيّ. مثلاً: في صيف 2003 أصدر مجلس حكّام الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة قراراً يُلزم طهران بـ«الوقف الفوري الكامل» لنشاطاتها في تخصيب اليورانيوم، وبتوقيع البروتوكول الإضافي الخاصّ بمعاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النوويّة، والسماح الفوري بتفتيش المنشآت النوويّة الإيرانيّة «من دون قيد أو شرط». في 2004 كان التمديد للرئيس اللبناني إميل لحّود عنوان الإصرار على استبعاد كلّ تغيير في لبنان. الرغبة نفسها، وبنسبة أعلى، كانت رغبة النظام السوري الذي هاله الغزو الأميركي للعراق: في العام ذاته، 2004. انتفضت القامشلي على حكم الأسد، كما صدر القرار الأممي 1559 لجعل لبنان بلداً طبيعيّاً.
المثل الأبرز والأخطر كان مشاركة إيران و«حزب الله» في قمع الثورة السورية. إذاً، ممنوعٌ التغيير في مناطق النفوذ الإيراني التي تُعدّ أحداثها أحداثاً إيرانيّة. إنّه ممنوع ما دامت طهران في حالة حرب أو توتّر. وطهران، بحكم طبيعة نظامها، هي دائماً في هذه الحال.
مع فوارق الحجم والأهميّة نقع على المبدأ نفسه في تجارب إمبراطوريّة سابقة. في التاريخ المصري الحديث هناك «حادثة 4 فبراير (شباط) 1942»، حين فرض الإنجليز بالقوّة على الملك فاروق تسليم زعيم «الوفد» مصطفى النحّاس رئاسة الحكومة. لقد فعلوا هذا خوفاً من حكومة تتعاطف مع «المحور» إبّان الحرب العالميّة الثانية، وتحول تالياً دون استفادتهم من موقعي مصر وقناة السويس الاستراتيجيين.
الإمبراطوريّة السوفياتيّة عرفت أكثر من تجربة: المطالب الإصلاحيّة الهنغاريّة في 1956 والتشيكوسلوفاكيّة في 1968 قمعتها دبابات حلف وارسو. في بولندا، أواخر 1981 أعلن الجنرال أوجياش جاروزلسكي الأحكام العرفيّة محاولاً سحق نقابة «التضامن» الحديثة النشأة. لاحقاً، في 1990 اعتذر جاروزلسكي من البولنديين على فعله هذا. قال إنه أقدم عليه مضطرّاً لكي يقطع الطريق على تدخّل حلف وارسو.
سياسة رفض التغيير في الأطراف الإمبراطوريّة كان يحكمها، أقلّه منذ 1968، ما بات يُعرف بـ«مبدأ بريجنيف». المبدأ هذا، الذي واكب غزو تشيكوسلوفاكيا وبرّره، كان يقول إنّ أي تهديد لأي نظام اشتراكيّ، في أي بلد من بلدان المعسكر الشرقيّ، تهديد للمعسكر كلّه. لهذا من الجائز لدول المعسكر أن تواجهه بالقمع. بعد عشرين عاماً، نبذ ميخائيل غورباتشوف هذا المبدأ، فتساقطت دول حلف وارسو سلماً تساقط أوراق ذابلة.
حال إيران مع بلدان المشرق لا تختلف كثيراً. صحيح أنّ الانكفاء الأميركي وفّر لها فرصاً استثنائيّة، كما أنّ فوضى السنوات الأخيرة أهدتها فراغاً راحت تتأهّب لملئه. لكنّ هذا لا يكفي بذاته. فالمشكلة التي تظهر في العراق أوّلاً وفي لبنان ثانياً، أنّ إيران لا تملك القدرة على بناء أوضاع بديلة عن الأوضاع التي تسهم في تقويضها. إنّها تحمل مشروعاً إمبراطوريّاً مفلساً ومحاصراً، ينجح في التقويض ويفشل في البناء. يكفي التذكير بالانتفاع من ثروة العراق في مواجهة الحصار. يكفي التذكير، في ظلّ الانتفاض الواسع على الفساد، أنّ طهران تقدّم نموذجاً فاسداً.
مقابل مشكلة إيران هناك مشكلة أذرعها، أكان في العراق أم في لبنان. فهذه، وبشيء من التفاوت، تريد أن تمسك بالسلطة في بلدانها ولا تريد ذلك في الوقت نفسه. إنّها تملك وتحكم ولا تُساءل. وضع كهذا قابل دائماً للانفجار، لا سيّما في ظلّ أزمات اقتصاديّة خانقة.
فلنلاحظ الوجهة: بعد الوقوف في وجه قوى مذهبيّة وإثنيّة أخرى، يدلّ العراق على وصول الاشتباك إلى داخل البيئة الشيعيّة نفسها. في لبنان، ظهر التنافر للمرّة الأولى بين «حزب الله» وبيئته، وبينه وبين بعض حلفائه…
هذا المشروع، أتمثّل بقيادته في طهران أم بامتداداته في بغداد وبيروت، لا يفتح على سياسة. فكلّما تجمّع ألف عراقي أو لبناني في ساحة ما خافت القوى المرعيّة من إيران وانتابها التوجّس. إنّها حالة لا تعيش إلاّ في هامش يتأرجح بين التوتّر والعنف، مصحوبَين بالتردّي الاقتصاديّ: فإمّا ازدهار هذا المشروع وتعفّن الشعوب المطالبة بالتغيير والممنوعة عنه، وإمّا التغيير وانهزام مبدأ خامنئي.
الشرق الأوسط

ثورة الحرية تواجه وحش الهيمنة الإيرانية في لبنان والعراق/ برهان غليون

قادت الظروف التاريخية التي أعقبت انحسار موجة الحركة القومية، وعلى أنقاضها، إلى ولادة أنماط متعددة من النظم السياسية التسلطية في العالم العربي، كان الجامع الرئيسي بينها خوف أصحابها من الحركات الشعبية، ومن الجماهير عموما، وتحالفها الضمني أو المعلن ونجاحها، من خلال شبكة الأجهزة الأمنية المترابطة، في تحييد الشعوب وتهميشها واستبعادها من أي مشاركة سياسية. وكما يحصل للمياه الراكدة أو المستنقعة، أدت هذه الظروف إلى نشوء نخب حاكمة وطبقة سياسية مكرّسة ومضمونة البقاء، لا شيء يهدّدها ولا يمكن لأي ضغوطٍ أن تزحزحها أو تؤثر عليها، فتحوّلت شيئا فشيئا إلى نخب مستقلة تماما عن شعوبها، ومقيمة في أبراج عالية فوقها، وصارت ترى في السلطة التي وقعت في يدها نوعا من الغنيمة التي كافأها بها التاريخ مقابل مهارتها في انتزاع السلطة في غفلةٍ عن الزمن والشعوب، والاحتفاظ بها. وشيئا فشيئا أصبحت هذه النخب الحاكمة تنظر إلى هذا “الإنجاز” أنه برهان على عبقريتها وتفوقها الاجتماعي، وترى فيه مصدر مشروعية، ومبرّرا كافيا لاحتكارها السلطة وتخليدها بين يديها، وعدم التردّد، في سبيل الاحتفاظ بها والدفاع عنها، باستخدام أي وسيلة، من العنف الدموي إلى التلاعب بعقول الشعوب وخداعها بالشعارات الوطنية، مرورا بتسعير النزاعات والانقسامات الطائفية والقبلية والأيديولوجية، ووضع الفئات الاجتماعية واحدتها في وجه الأخرى، وإذا احتاج الأمر ليس لديها أي مانع من التفاهم والتواطؤ مع القوى الأجنبية، للحصول على دعمها في مواجهة شعوبها “المتآمرة” عليها.

وكما هو منتظر، ما كان من الممكن أن تكون النتيجة لهذا النمط من نظم الحكم سوى الفساد الشامل والانحطاط المستمر والمتسارع للإدارة المدنية والسياسية، والتدهور الذي نشهده اليوم في شروط التنمية الإنسانية على جميع أصعدتها المادية والثقافية، حتى وصلت معظم البلاد العربية إلى وضعٍ تكاد تصبح الحياة فيها غير محتملةٍ بالنسبة للطبقات الوسطى، فما بالك بالنسبة للطبقات الشعبية التي أخذت تواجه شروط حياة مستحيلة، وليس أمامها سوى أن تعلن إفلاسها.

ليس هناك شك في أن القمع الأعمى الذي أتقنته عديد من هذه النظم، بما في ذلك تنظيم المجازر الجماعية، للإيقاع بجمهورها المعارض أو المحتج، قد ساهم في تأجيل موعد المواجهة التاريخية، واندلاع الثورة الشعبية، لكنه لم يمحُها من جدول أعمال التاريخ، وربما زادها تجذّرا وصلابة وإصرارا، كما يظهر جليا منذ بداية هذا العقد من القرن الواحد والعشرين، حيث أصبحت الانتفاضة العارمة الحقيقة الوحيدة في الحياة السياسية والاجتماعية على امتداد الأرض العربية، من دون أن تكون هناك أحزابٌ قوميةٌ تجمع بين نخبها، ولا تنسيق بينها من أي شكل كان. كان إضرام الشهيد محمد البوعزيزي النار في جسده، في ديسمبر/ كانون الأول 2010، إشارة الانطلاق لهذه الموجة العنيفة والعميقة من ثورةٍ مضمونها العميق تصفية حساب الشعوب مع نظم غريزية وانتقامية، ليس لها أي علاقة بالسياسة، ولا يعادل فسادها وانحطاطها الأخلاقي والسياسي سوى عدم كفاءة النخب التي تقودها، وافتقارها أي شعور بالمسؤولية، واستهتارها بحياة شعوبها وبمستقبل بلدانها.

1

بعد الموجة الأولى من الانتفاضات التي أغرقت جميعها بالدم، كان منتظرا من النخب السياسية العربية التي حافظت على وجودها في البلدان الأخرى أن تتعلم الدرس، وتعي خطورة الأوضاع التي تعيشها مجتمعاتٌ تئن تحت ضغوط مادية ومعنوية حتى الاختناق، وأن تخفّف من استهتارها بمصالح الناس وكرامتهم، وتظهر استعدادا أكبر للنظر في شؤونهم، وتتحمّل مسؤولياتها تجاه مصير الدول التي تسيّرها، وتبادر جدّيا بإصلاحاتٍ أصبحت أكثر من ضرورية وعاجلة، لقطع الطريق على الانفجارات المنظورة وشبه المعلنة. ولكن شيئا من ذلك لم يحصل. بالعكس، أظهرت هذه النخب شرها أكبر، ومكابرةً أشد في الاستمرار على طريقتها في الحكم وسوء إدارة الدولة والتصرّف بالمال العام، غير عابئة بمشاعر الناس ومعاناتهم. هل نأمل بعد ذلك، على الأقل، بعد فشلهم في الإصلاح، أن يستفيد الحاكمون من درس الكارثة الكبرى التي حلت بالسوريين، ولم يبق أحدٌ في العالم لم يعرف تفاصيلها، وأن يعوا خطورة زجّ شعوبهم في دوامة الحروب الأهلية التي لن يخرج منها منتصر، مهما كان حجم الهزيمة التي يكبّدها للطرف الآخر، ما دامت الهزيمة سوف تنعكس على البلاد بأكملها، وتهدّد مستقبل الدولة والمجتمع بكاملهما.

ربما كان لهذا الدرس دور ما في تعبيد الطريق الذي سلكته السودان، والذي أدى إلى التوصل إلى تسويةٍ حول مرحلة انتقالية بين قيادة الجيش والمنظمات المهنية والمدنية التي تصدّت لقيادة مطالب الشعب. كما لا يمكن تجاهل تاثيره في حث النظام الجزائري على ضبط أعصابه في مواجهة الانتفاضة الشعبية السلمية المستمرة، من دون توقف منذ ثمانية أشهر متواصلة.

ولكن هذا التأثير يبدو ضعيفا، إن لم يكن معدوما، في حالتي العراق والجزائر، فلم تمض على اندلاع انتفاضتيهما أسابيع، بل أيام، حتى بدأ النظامان يضيقان ذرعا بالمتظاهرين السلميين ويسعيان، بجميع الوسائل، كما فعل الأسد من قبل، إلى استفزازهم بهدف حرف الثورة السلمية عن مجراها وتفجير فتنةٍ مسلحةٍ لتبرير استخدام القوة المفرطة في قمعها، وتفريق المسيرات والاعتصامات السلمية، ومنعها من الاستمرار. وما حصل في العراق من عمليات قمع وقنص وهجوم على المتظاهرين من شبيحة النظام لا يمكن أن لا يذكّر بما حصل في سورية من قبل، ومنذ الأيام الأولى من عمليات قنص وتفجيرات دموية. وهذا ما تنطوي عليه أيضا تهديدات حسن نصر الله الذي أعطى لنفسه مركز المرشد الأعلى للجمهورية اللبنانية، على منوال علي خامنئي في طهران.

يرجع الصلف الذي يتميز به سلوك السلطات العميقة في بغداد وبيروت، تماما كما كان عليه الحال في دمشق في بداية هذا العقد، إلى سببين رئيسيين: الأول، ثقة النخب السياسية الحاكمة بفعالية نظامها “الأمني” والطائفي، وقوة هيمنتها وسيطرتها على شعوبها، ماديا وأيديولوجيا، ورسوخ اعتقادها بأن تمثيلها جماعاتها الأهلية يتجسّد في انتزاعها حصةً أكبر في المناصب الحكومية لها ولأنصارها وحاشيتها المقرّبة، ولا يرتب عليها أي مسؤولية عمومية. ولا يمكن لطبقةٍ عاشت على اقتسام المنافع والموارد الوطنية، وتربّت على الفساد، ولم تر في الدولة سوى بقرة حلوب تعمل لحسابها أن تتحوّل إلى طبقة سياسية وطنية، تشعر بالمسؤولية عن مصير الشعب، وتجعل من تحسين شروط حياته وتأمين مصالحه والدفاع عن موارده وسيادته مركز اهتمامها والبند الأساسي في جدول أعمالها. ترسيخ الطائفية وتوزيع المكاسب والمنافع على زعماء الطوائف، هذه هي السياسة الوحيدة الممكنة في نظر هؤلاء، وهذا هو الأمر الطبيعي والصحيح أيضا. هذا كان أيضا المنطق الذي حكم سلوك بشار الأسد، ونخبته التي تقاسمت الدولة مناصب وموارد ومحسوبيات على قدر مشاركة كل طائفةٍ وطبقةٍ وفردٍ في تمكين النظام من البقاء والدفاع عنه وتعزيز سطوته السياسية والأيديولوجية. السبب الثاني هو إدراك هؤلاء أنهم ليسوا معزولين في التصدّي للانتفاضات الشعبية، وإنما هم جزءٌ من منظومة وحلقة في محور يتجاوز لبنان والعراق وسورية معا، تقع في صلبه جمهورية إيران التي أظهرت بالفعل أنها صاحبة مشروع كبير، وأنها لن توفر جهدا لحمايتهم والدفاع عنهم في إطار المعركة التاريخية التي تخوضها لتحقيق الانتصار في معركة السيطرة الإقليمية، وفرض نفسها وأجندتها السياسية والمذهبية على خصومها ومنافسيها الدينيين والسياسيين في عموم المنطقة.

هكذا، كما أعلنت الحكومة العراقية ضرورة وقف الاحتجاجات بأي ثمن، وبدأت باستخدام القوة قبل مرور أسبوع على المظاهرات الشعبية، أعلن “السيد” حامل مفتاح سيادة لبنان ومجسّدها، زعيم حزب الله، أنه لن يسمح للبنانيين بتغيير الحكومة، ولا بإسقاط العهد. وكل شيء ينبغي أن يبقى كما هو، وإلا سيدفع جنوده إلى الشوارع، ويحسم الأمر، ويلقن المتمردين ما يستحقونه. وهكذا كان.

2

واضحٌ أن معركة التحرّر السياسي وانتزاع الحق في المواطنة، أي في السيادة الشعبية أيضا، في لبنان والعراق وسورية، قد اصطدمت بمخطط الهيمنة الإيرانية، وأصبحت رهينة الحفاظ على التوازنات الجيوستراتيجية الإقليمية والدولية، والدفاع عن دولة ولاية الفقيه ضد مناوئيها الإقليميين والدوليين معا. ولا تخفي طهران أنها لن تقبل خسارة معركتها “التاريخية” و”الكونية”، بذريعة انتفاضةٍ شعبيةٍ تطالب بالاعتراف بحقوق سياسية واجتماعية، ترفضها طهران لشعبها ذاته، ولا ترى لها أي قيمة استراتيجية. وهذا يعني أن تحرّر الشعوب المشرقية لن يمرّ إلا على جسد مشروع الهيمنة الإيرانية، وأن طهران لن توفر وسيلةً لإجهاضة وتقويضه وسحقه، إذا اضطر الأمر كما حصل في سورية، لحماية مصالحها “القومية” والمذهبية. وهذا ما اكتشفه المتظاهرون في ساحات بغداد وبيروت، وما لم يعد بإمكانهم التغطية عليه في شعاراتهم التي تقدّم اليوم، أكثر فأكثر، مطالب إخراج إيران وأذيالها من بلدانهم على الشعارات السياسية الأساسية التي كانت الحافز الأول للخروج على السلطة القائمة.

يشكل هذا التداخل بين المعركتين، معركة التحرّر من الفساد والاستبداد والاستعباد ومعركة التحرّر من السيطرة الإيرانية وارتهان الطبقة السياسية في لبنان وسورية والعراق لها، ومعها مصائر شعوب المشرق بمعركة نظام الولي الفقيه، لاستعادة مجد الامبرطورية الفارسية، عقدة كبيرة وقاسية، وتكاد تكون مستحيلة الحل، في طريق الانتفاضات الثلاث السورية واللبنانية والعراقية. وهو يهدّد بإدخال شعوب المنطقة في مواجهةٍ صعبةٍ وعنيدةٍ ومكلفةٍ ودامية، كما أظهرته الأحداث في سورية في السنوات الماضية، بمقدار ما يضع المسألة في إطارٍ وجودي، يجعل انتصار أي طرفٍ هزيمةً ساحقةً للطرف الآخر، ولا يلحظ إمكانية الوصول إلى أي تسوية ممكنة. وهي لا تترك لشعب الانتفاضة في هذه الدول الثلاث سوى مخرجين من المواجهة: إما هزيمة نظام الهيمنة الإيرانية أو الانكفاء والانسحاب من المواجهة، وهذا لن يعني قبول النظم العبودية كما هي فحسب، وإنما تعزيزها، وتكريس تحييد الشعوب وهزيمتها الساحقة أمام نخبها الفاسدة وتمديد أجل النظم القائمة من دون حدود.

والحال أن تراجع الانتفاضات التحرّرية غير ممكن، لأنه يعني ببساطة القضاء على الأمل الكبير الذي فجرته الثورة وروح الوطنية الوليدة التي خرجت من الساحات والشوارع، والعودة بالشعوب إلى مستنقع الانقسامات والنزاعات والمحاصصات الطائفية التي ثارت ضدها. وفي نظري، سيكون من الصعب، إن لم يكن المستحيل، إقناع الجمهور الذي شعر، من خلال الانتفاضة، بأنه استعاد ملكية وطنٍ كان قد انتزع منه لصالح أمراء الحرب ومافيات المال، أن يتخلى عنه، ويعود إلى قواقعه الطائفية وانقساماته وعبوديته لطبقةٍ سياسيةٍ لم يكفّ، منذ بداية الانتفاضة، عن إعلان تبرئه منها، وتصميمه على محاسبتها. كما، لن يقبل الشعب العراقي أن يظل مستعبدا في وطنه ولاجئا أو مشرّدا وأجنبيا فيه، ولن يتخلّى عن سيادته التي استرجعها عليه بفضل الانتفاضة وبدماء شهدائها، مهما علا أزيز الرصاص، وتكالبت عليه فرق الموت.

في هذه المواجهة الوجودية التي فرضتها وتفرضها طهران الخامنئية على بعض الشعوب العربية، لن يكون النصر في جانب ذيول التسلطية الإيرانية ونظام ولاية الفقيه، مهما أريق من دماء وجرب من أسلحة. وسيبقى النصر، عاجلا أو آجلا، في صف الشعوب، لا لأنها تدافع عن حقوقها الطبيعية والمشروعة في الحرية والكرامة والأمان فحسب، ولكن لأن حقيقة نظام إيران التوسعي وإفلاسه التاريخي والأخلاقي لم يعودا ينطليان على أحد. وكل ما في الأمر أن الثورة السياسية على الفساد والاستبداد سوف تتحوّل وتندمج مع ثورةٍ وطنيةٍ على السيطرة الأجنبية وارتهان النخب المحلية للمصالح الخارجية.

والنتيجة، بخلاف ما جرى ويجري في بلدان المغرب العربي، لا ينبع الانزلاق إلى العنف في ثورات المشرق العربي من أي ثقافةٍ أو تقاليد دينية أو ثقافية خاصة، وإنما، بدرجة كبيرة، من ارتهان مصير معركة الحرية للسياسات التوسّعية الإيرانية. ولن يتوقف سفك الدماء في هذه المنطقة المنكوبة من العالم، ما لم تنجح شعوبها في هزيمة مشروع الإمبراطورية الجديد هذا، والقضاء على وحش الفاشية وإسقاطه. وعلى الرغم مما يبدو عليه من قوة وقدرة على العدوان، يعيش هذا المشروع في أسوأ حالاته، وهو يواجه ثورات الحرية في أكثر من عاصمة عربية، ولا ينقصه إلا انتفاضة جديدة للشعب الإيراني، ضحيته الرئيسية، حتى يتهاوى كقصر من ورق.

العربي الجديد

————————

الرد على النظام اللبناني- السوري: الحق في معارضتَين/ وضاح شرارة

لم تتلعثم الأنظمة الاستبدادية والإيديولوجية في إنذارها معارضيها والمتمردين أو الخارجين عليها بالويل والبلاء إذا اضطرت إلى ترك الحكم عنوة. فغوبلز- وزير الدعاية النازي والهتلري المفوّه، وخطيب تظاهرات الحزب القومي والاشتراكي (“الاجتماعي” في ترجمة معاصرة يومها) الألماني، ولسان فوهرر رايخ الألف عام أو القائد المرشد- نبّه إلى أن سقوط الحزب وفوهرره يعني دمار ألمانيا: “إذا اضطررنا للمغادرة فسنصفّق الباب وراءنا”، كناية عن الخراب الموعود. وكان هذا جوابه عن محاولات المعارضات الألمانية التكتل والتآمر على حياة الزعيم.

ولما ظهر أن نقابة التضامن البولندية، في 1980، تلم حولها صفوف العمال والمواطنين، وتبعث في صفوفهم الإحساس بالكرامة والتماسك، والاستقلال عن الاستتباع الروسي السوفياتي، لوّح قادة الحزب الشيوعي المتسلّط بطيف الحرب الأهلية، وحذّروا البولنديين من القيام على الشرطة الحزبية (شَبَه الباسيج في “الجمهورية الإسلامية”)، ومضايقتها وإيذاء أهالي الشرطيين. وهذا ما لم تظهر بوادره يومذاك، ولم ينوِ أحد فعله، وحين هوى النظام الشيوعي، وخسر استقواءه بـ “أجهزة القوة”، على قول سوفياتي ثم روسي عتيد، لم يعتد أحد على أشرس الشيوعيين حين وسعتهم الشراسة وهم في سدة السلطة.

وأخيراً وليس آخراً، لم تكد دعوة غورباتشيف، آخر أمناء الحزب الشيوعي السوفياتي الحاكم، إلى حسر اللثام عن نكبات الشيوعية الستالينية وخالفها الخروتشوفي والبريجنيفي، تعمّ بعض الشيء، وتدعو الرعايا إلى الإعراب عن أحوالهم، حتى حُملت الدعوة على الحض على الاقتتال، والنفخ في الفتنة، وإشاعة الفوضى، والعمل على تدمير “الإنسان الأحمر” ودولته وخدمة الإمبريالية الأميركية والغرب النيوليبرالي…

فالفوضى، الناجمة عن الحرب الأهلية وانقسام القوات المسلحة، هي الاسم الذي يطلقه أهل النظام (الأنظمة الديكتاتورية كلها… يعني كلها!) على ما ينبغي أن يكون مرحلة انتقالية تعقب التاريخ الطويل من الإخفاقات والجرائم والسقطات التي لم يفلح أهل الأنظمة الاستبدادية في تجنبها، وأمعنوا في ارتكابها، وهددوا بالفوضى جزاء تنحيتهم أو حتى تقييد سلطانهم الاسمنتي وموازنته بمراقبته ومعارضته وتقسيمه وإنشاء أجسام وسيطة. ومِحَنُ “المرحلة الانتقالية” السورية التي نص عليها القرار الأممي 2254، 2012، قرينة حديثة وعربية وقريبة على استعصاء خلافة أنظمة الطغيان، بالغاً ما بلغ تواضع الإجراءات التي يقترحها المتضررون من هذه الأنظمة. فهذا “الأمر”، السلطة، يحسب المستولون عليها على الدوام أنه “فيهم (في ملكهم) إلى ألف عام”، على قول أبو العباس السفاح، الخليفة العباسي الأول، في خطبته الأولى أهلَ الكوفة. وبين رايخ الألف عام الألماني الهتلري وبين ألف عام العباسي الأول حبل غليظ يجدله الجمع بين شهوة السلطان وبين فكرة الخلاص الأخير والوشيك عن يد السلطان المستولي.

الدولة الواحدة

ولعل أشد ما يستفز أولي الأمر (اللبناني)، أصحاب الدولة والرئاسة والحضرة والسعادة والسماحة…، في الحركة المدنية العريضة المولودة ببيروت أولاً في 17 تشرين الأول (أوكتوبر) هو قيامها خارج دائرة السلطة، وقسمتها الدولة والمجتمع اللبنانيين شطرين: شطر “الطبقة” الحاكمة، وهي “كلهم” المكررة، وشطر المحكومين، المنقادين إلى طبقة الحكام والمنصاعين صاغرين إليها. والدولة “الواحدة”، على معنى الأنظمة الديكتاتورية والبوليسية و… الأهلية (في إضافة “عربية”)، تنفي المعارضة وجوازها أصلاً. فطبقة الدولة الواحدة قسراً (دولة الحزب الواحد، ودولة “الجبهة الوطنية” الواحدة، ودولة قيادة التحرير ومقاومة الاستكبار المجسّدة وحدة الشعب…) تفترض أنها واحد والشعب (العامل أو الشريف أو الحر). وهي واحد والمجتمع وقواه. فلا محل للخلاف ولا “للتناقض” بين قوى الشعب، أو فئات المجتمع، إلا إذا تناول الخلاف، وليس التناقض، المتحدّر من العدو ومبيِّت التآمر، مسائل ثانوية. وهذه تحلّ بإقامة دعاوى على الفاسدين سنداً إلى قوانين بعضها ينام في مكتب رئاسة المجلس النيابي وبعضها أُقر ولم يُنشر، على ما يدعو ويكرر خبراء المنار وإن بي إن على شاشات التمويل الذاتي.

وعملاً بنفي جواز الخلاف بين جماعات الشعب وبوحدة الجماعات المرصوصة حول برنامجها الخلاصي وقيادة البرنامج و “مقاومته”، اجترحت وأوجبت قيادة “النظام اللبناني- السوري”، على ما سمّيت البنية التي لحمت بين ألوية الاستخبارات السورية وبين مواليها المحليين، ركنين متصلين ومتضايفين نهضت عليهما سياسة اللبنانيين: لا تجوز معارضة في نظام وطني وبالأحرى قومي مقاوم، ولا يجوز أن تمتنع من الشراكة في الحكم الظاهر، وتحت عباءة “الرعاية” القومية وقانون توزيعها المغانم، جماعة من الجماعات الوازنة التي قد تنقلب إلى الشارع وتمثل بعض مقوّماته.

وعلى هذا، تعاقبت إلى اليوم وزارات الثلاثين وزيراً، لا تنقص وقد تزيد، ومجالس نواب الـ 128 نائباً، عوض الـ108، التي “أصلح” بها الصديق المنسّق والمتعاون السوري مؤسسات الدولة الخربة. والوزارات والمجالس النيابية والرئاسات لا تُقحم نفسها في الشؤون السيادية. فالحرب والسلم، والأحلاف والصداقات، وعلاقات الجماعات بعضها ببعض، والسياسات العامة (المالية والتربوية والاستثمارية…) يبتها الوكلاء المحليون بعد استشارة “صاحب” السيادة، وفي ضوء مصالح استراتيجية “المقاومة”.

المعارضة “الممنوعة”

وامتثلت سياسة اللبنانيين إلى الركنين اللذين أرساهما السيِّد السوري، وتعهّدهما السيد الذي يخلفه. وحمت “فوّهة البندقية”، على ما ينبغي في الأنظمة الديكتاتورية والمقاومة، وثيقة “العمل الوطني” بالقوة الشرعية، وليس المشروعة فحسب. وتنتهك الحركة المدنية والوطنية (“القطرية”)، وهي تسمي نفسها “ثورة” على سبيل الرطانة الببغائية السائدة، الركنين وموجباتهما. ولا ينجم الانتهاك عن برنامج، والحركة الكثيرة على قدر كثرة أصحابها لا “تملك” برنامجاً على ما هو مشهور، ولا تعلنه قيادة. واستغناء الحركة عن قيادة “عيب” فاضح يعيبه عليها المتربّعون في سدات الحل والعقد المقاومين أو وكلاؤهم المأذونون. فقيامها ودوامها على صورتها العامية و”المهلهلة” (من الزير بو ليلى المهلهل: هلهل الشعر وقرَّبه من أفهام الناس!) ينقض أركان النظام اللبناني- السوري، كما صوره السيد الرئيس، ويمضي على تصويره من يقوم مقامه.

والحق أن هذا هو الإنجاز الكبير الذي يُحسب للحركة المدنية والوطنية، وليس ذاك الذي يزعمه الزعماء، أي حمل الحكم على إجراءات معلقة ومشكّلة. والإصلاح من غير معارضة قوية وعلنية وهمٌ وسراب. وقد ينبغي إرساء الاتجاه على سنن ثابتة وانتظار ثمراته المرجأة على الأرجح. ويُحسن بالحركة المدنية والوطنية دعوة “اصدقائها” في الوزارة إلى الاستقالة، والتخلي عن “الوحدة الوطنية” الكاذبة والمزوّرة التي يقتضيها استبداد الآمر المتخفّي بمقاليد السلطة وتوزيع حصصها وعوائدها. ويترتب على الاستقالة هذه أمران: انفراد أهل الوحدة الصورية والكاذبة بالحكم، وقيامهم جهاراً بالمسؤولية عن قرارات يفرضونها على اللبنانيين عموماً وعلى “شركائهم” الذين يتسترون بهم ويُعمّون على المحاسبة العامة. ومن مزاعمهم الرائجة انه في وسعهم حكم “بلد أكبر من لبنان مئة مرة”، ويقصدون بالحكم التخوين والردع والإكراه والتواطؤ.

والأمر الثاني هو قيام معارضتين: واحدة مدنية ووطنية، ينبغي توسيعها إلى الأجسام الإدارية والقضائية والنقابية، والثانية برلمانية نيابية، تجمع ربما نواب كتلة “القوات اللبنانية”، ونواب الكتلة الديموقراطية الجنبلاطية، إلى نواب المستقبل والكتائب، أو بعضهم، والمنشقين عن كتلهم الأصلية، وأول غيثهم نائبا الكتلة العونية الباسيلية. وتنسيق عمل المعارضتين يتيح مراقبة مزدوجة للحكم، من داخل ومن خارج. وما أقدمت عليه المعارضة السودانية حين فاوضت هيئة عسكرية من قادتها متهمون بجرائم حرب وجرائم في حق الإنسانية، ينبغي ألا يعصى اللبنانيين المقيدين والموقتين، وترسي أسس وطنيتها العمومية. فيسعها الانخراط في انتخابات تنظم بناء على قانون نسبي ودائرة واحدة. فعند ذاك، يحول تنسيق المعارضة الوطنية دون إعمال “الصوت الشيعي”، التفضيلي أو غير التفضيلي، “الأوتوماتيكي” والمطواع، في تصنيع اقتراع شكلي. ويسلّط التنسيق على “الأصدقاء” البرلمانيين، وعلى كتلهم، رقابة الحركة.

ولا شك في أن مثل هذه الوجهة تعوّل على أناة اللبنانيين، وعلى إدراكهم ثقل المخلفات التي أُورثناها، طبقةً حاكمة ومحكومين (عازفين ومتواطئين ومستفيدين)، اجتماعنا ونظامنا السياسيين منذ عقود. فـ “النظام” الذي استقر في عهدة “السيدين” اللذين خدمتها وتخدمهما حركة عسكرية وأهلية وأمنية خلاصية، تستقوي بمشروعية إجلاء محتل أجنبي عن جزء من الأرض الوطنية، هذا النظام لم يترك شكاً، في محنتين قاسيتين، في إرادته قمع ما يخل بالموازين التي يتصدى لإرسائها منذ أربعين عاماً. والتلويح بالحرب الأهلية، وانقسام الجيش، والتسلّح والاقتتال، وبتهمات التمويل والتآمر والتخابر، في وجه “هايد بارك” اللبناني، قرينة على قوة تقاليد انقلابية عميقة الجذور والدواعي. وربما تستر كلام معسول ومتناقضة ومتقلب على عنف عدة التقاليد المتجدّدة. والخروج من هذه التقاليد، المنسية، مسير سياسي. صعب ومتعرّج.

المدن

————————

العراق ولبنان: الجيوسياسة في مواجهة الخبز/ صادق عبد الرحمن

قبل انطلاق الثورات والانتفاضات المتتالية منذ مطلع العام 2011، كان نوعٌ من الكتابة يشيع بكثرة في الصحافة العربية؛ الكتابة عن الجيوسياسة بوصفها شأناً سياسياً متعالياً، يتعلق بمصالح الدول وحدودها ونوعية تسليحها وتوجهات قادتها، دون أن يكون هناك أي اعتبار لسكان هذه الدول وأوضاعهم وإرادتهم وتوجهاتهم. كانت تلك كتابة «غير مأهولة بالسكان» إذا صحّ القول، تُعنى بأسلوب جلوس حافظ الأسد في اجتماعاته، وبما إذا كان ياسر عرفات سيعبر من الباب قبل إسحاق رابين أم بعده، وبفعالية نظام إس 300 الروسي للدفاع الجوي، وبطول ووعورة المناطق الحدودية بين تركيا والعراق، أكثر مما تُعنى بحياة ملايين البشر وأوضاعهم الاقتصادية والسياسية.

وليس القصد أن هذا النوع من الكتابة الصحفية رديءٌ بالتعريف، أو أنه لا فائدة منه، بل القصد أنه كان الشكل الوحيد تقريباً للكتابة السياسية في الصحافة العربية، مع استثناءات كان ميدانها بعض الصحف اللبنانية على وجه الخصوص، ويرجع ذلك إلى عاملين متراكبين؛ الرقابة الأمنية الشديدة على الصحافة في العالم العربي، وإخراج عموم سكانه من السياسة بقوة القمع والسجون، والمذابح عند اللزوم. غير أن هذا تغيّر لاحقاً، بعد أن اقتحمت الجموع الشوارع والميادين والسياسة وصفحات الجرائد والمواقع الالكترونية.

لكن الأنظمة وصحفييها ومحاسيبها لم يعجبهم الأمر طبعاً، فراحوا منذ اللحظات الأولى يعملون على حشر مطالب المتظاهرين في متطلبات الجيوسياسة، ويشاركهم في ذلك كتّابٌ وخبراء ومراقبون غربيون كُثُر، لم يتورع بعضهم عن توجيه النصائح للسوريين مثلاً بعدم مواصلة الثورة لأن في نجاحها قلباً للأوضاع الجيوسياسية في المنطقة لصالح إسرائيل والولايات المتحدة، وكأن حياة البشر لا قيمة لها إلّا بقدر ما تندرج في خدمة مصالح ورؤى جيوستراتيجية عليا.

والحقُّ أن هؤلاء ليسوا مخطئين بشكل كامل، لأن حياة البشر وأوضاعهم الاجتماعية والسياسية تبقى عاملاً أساسياً في صناعة الوقائع الجيوسياسية، حتى في أزمنة الخضوع المطلق للأنظمة الحاكمة، التي يكون فيها هذا الخضوع ذاته عاملاً مؤثراً، لكنه عاملٌ مسكوتٌ عنه، يحضر في الخلفية البعيدة لكل تحليل جيوسياسي، سواء كان صاحب التحليل واعياً بهذا الحضور أم لا. وعليه فإن ساسة الأنظمة وكتّابها ومحلليها ليسوا مخطئين عندما يأخذون بعين الاعتبار الترابط العميق بين الحراك الاجتماعي السياسي من جهة والصراعات الجيوسياسية من جهة أخرى؛  ليست تلك خطيئتهم، بل تكمن خطيئتهم في إعلاء متطلبات الجيوسياسة على متطلبات تحقيق عيش أفضل للبشر، تكمن خطيئتهم في استخدام صراعات المحاور الإقليمية والدولية لتبرير أعمال القمع والإخضاع، لينتهي ذلك إلى تحطيم حياة البشر وإعادة تركيبها بما يتناسب مع صراعات النفوذ الدولية والإقليمية، على غرار أولئك الذين يبررون مشاركة حزب الله في قمع الثورة السورية بضرورة حفاظ الحزب على خطوط إمداده، وأولئك الذين يبررون ينابيع السلام التركية في سوريا بمتطلبات الأمن القومي التركي.

ولقد جرّبنا في سوريا الأثر الرهيب لهذه السياسات التي لا ترى في حياة البشر سوى حوامل للصراعات الجيوسياسية، حتى انتهى الحال بالبلد إلى أرض ممزقة تتناهشها القوى الإقليمية والدولية، وتتقاسمها وفقاً لمتطلبات أمنها وتماسك محاورها، دون النظر إلى حياة السكان الذين تتقاذفهم ضربات الإبادة واتفاقات التهجير والهندسة السكانية. والحال أنه ليس محتوماً أن تتناقض متطلبات الجيوسياسة مع متطلبات العيش الكريم للبشر على هذا النحو التصادمي والحدّي الذي نراه في بلادنا، وليس محتوماً أن تكون المصالح الجيوسياسية لأنظمة الحكم في تناقض مباشر وكامل مع رغبات سكانها في تحسين شروط حياتهم، لكن «لعبة الأمم» وصراعاتها تحمل في ذاتها بذور هذا التناقض، لأنها تعكس صراعات النخب الحاكمة في البلدان ومصالحها وليس كفاح السكان من أجل تحسين شروط حياتهم، وعلى هذا فإنها لا تحمل أوضاعاً أفضل لعموم البشر إلّا كأثر جانبي لهذا الصراع أو ذاك.

ينتزع البشر حقوقهم بحياة أفضل من خلال النضال الحثيث في مواجهة النخب التي تحكمهم، وهذا ما يفعله مئات آلاف الثائرين في لبنان والعراق اليوم، وما يحاول فعله ملايين الثائرين في أنحاء العالم العربي منذ نحو تسع سنوات. لقد خرج المتظاهرون في لبنان والعراق إلى الشوارع مدفوعين بأوضاع اقتصادية واجتماعية بالغة السوء، رافعين شعارات ومطالب تتعلق بالصحة والتعليم والبيئة والخدمات العامة وإنهاء الفساد، لكنهم يجدون أنفسهم في مواجهة لصوص مندرجين في محور يخوض صراعاً جيوسياسياً واسعاً في الإقليم والعالم، على نحو يضعهم شيئاً فشيئاً في مواجهة المحور كله سواء أرادوا ذلك أم لم يريدوا، ويجعلهم أيضاً موضع استغلال من قبل خصوم هذا المحور سواء أرادوا ذلك أم لم يريدوا أيضاً.

لقد نجح النظام السوري في استجلاب «الجيوسياسة» كلّها إلى قلب البلد كي تساعده في إخضاع السوريين، ولم يتمكن الثائرون على الأسد ومعارضوه من مقاومة هذا التوجه، بل إن بعضهم اندرج سريعاً وبحماس في «لعبة الأمم» تلك، حتى وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم. وتشتغل الآن ماكينات النظامين العراقي واللبناني الإعلامية والأمنية على المنوال نفسه، تحاول أن تدفع بالثورتين الشعبيتين بكل ما أوتيت من قوة إلى قلب صراع المحاور الإقليمي والدولي، آملة في أن يكون هذا سبيلاً إلى تراجع جزء من الثائرين عن ثورتهم، أو سبيلاً إلى تفريق صفوفهم بما يسهّل الانقضاض على ثورتهم وسحقها.

في الوقت الذي أعلن فيه عادل عبد المهدي في العراق وسعد الحريري في لبنان خططاً إصلاحية مستحيلة التنفيذ في ظل الأوضاع القائمة، ويُراد منها فقط أن تكون دافعاً لانسحاب أكبر عدد من من المتظاهرين من الشارع، كانت الأجهزة الأمنية ومعها ميليشيات متعددة في البلدين تمارس مقادير متفاوتة من العنف، وكان بعض رموز السلطتين ومعهم وسائل الإعلام التابعة لها يطلقون سيلاً من الأحاديث عن الفتنة التي يتم الإعداد لها من الخارج، عن أموال قادمة من السفارات، وعن خطط أميركية وإسرائيلية وخليجية لتقويض السلطة في البلدين بهدف ضرب محور المقاومة. يتفاوت المشهدان في الدموية، لكن المسار يبدو واحداً، يبدو المحور الإيراني مستعداً للذهاب في المواجهة إلى آخرها، يسفك دماء المتظاهرين العراقيين برصاص القناصات المباشر في الرؤوس، ويهدد اللبنانيين بسفك الدماء والحروب الأهلية.

بالمقابل، يُظهر الثائرون في البلدين صلابة وإصراراً شديدين، ويعبّرون في شعاراتهم وهتافاتهم ولافتاتهم عن رغبة عارمة في تجاوز هذا المستنقع كلّه، والإفلات من أنياب الجيوسياسة المتوحشة من أجل الظفر بالعيش الكريم. وليس واضحاً بعد كيف يمكن للثائرين في البلدين الخروج من هذا الاستعصاء الرهيب، لكن الحشود التي تواصل النزول إلى الشوارع، تعلن بأجسادها وأصواتها أن زمن الجيوسياسة المتعالية يجب أن ينتهي، وأن سيادة البشر على مصائرهم هي المقدّس الوحيد الذي ينبغي الدفاع عنه.

موقع الجمهورية

—————————

“الولي الفقيه” قلق على إمبراطوريته/ ماجد كيالي

لم تكن تصريحات “المرشد الأعلى” أو “الولي الفقيه” علي خامنئي، الأربعاء الماضي، والمتعلقة بالوضع في لبنان والعراق، مفاجئة، لا في توقيتها ولا في موضوعها. فالنظام الإيراني يتصرف منذ سنوات على اعتبار أن منطقة المشرق العربي (العراق وسوريا ولبنان) باتت تخضع لهيمنته.

العديد من المسؤولين الإيرانيين سبق أن تحدثوا، صراحة، طوال السنوات السابقة عن أن طهران باتت تسيطر، فعليا، على عدة عواصم عربية هي؛ بغداد وصنعاء ودمشق وبيروت، وثمة من يضيف إليها أفغانستان وغزة.

في تصريحات خامنئي تلك، بمناسبة تخريج دفعة من ضباط جامعات الجيش في طهران، والتي نقلتها وكالة “فارس”، قال إن “الولايات المتحدة والدول الرجعية في المنطقة، تقومان بإثارة الفوضى والاضطرابات”، وأن “أكبر ضربة يمكن أن يوجهها الأعداء لبلد ما، هي تقويض أمنه”.

وأشار، ضمنا، إلى أن الحل يكمن، حسب رأيه، في أن “أطر الآليات القانونية كفيلة بتحقيق المطالب المشروعة للشعبين اللبناني والعراقي”.

ثمة ملاحظات ثلاث أساسية تكشف عنها تلك التصريحات التي أطلقها تدخل خامنئي: الأولى، حالة القلق التي باتت تعتري أركان النظام الإيراني إزاء ما يحدث، باعتباره يمسّ بشكل مباشر النظام وهيبته، أو سطوته، سواء على الصعيد الداخلي، أي إزاء شعبه، وكذلك على الصعيد الإقليمي، أي إزاء البلدان المجاورة.

والثانية تؤكد أن ما يجري في العراق ولبنان، يعني بأن الأمور أفلتت أو باتت خارج سيطرة الوكلاء المحليين، سواء في ما يخص حسن نصرالله وحزبه المسلح في لبنان، أو قادة الحشد الشعبي وميليشياتهم المسلحة في العراق، بحيث استدعت تدخل خامنئي.

والملاحظة الثالثة، هي حالة الانفصام عن الواقع، حيث بدا خامنئي وكأنه يخاطب رعاياه، ويحضهم على الهدوء وانتهاج الأطر القانونية الرسمية، التي صممت من الأصل لبقاء النظام. كما بدا منفصما عن الواقع، غير مدرك أن نظامه (مع إسرائيل) هو أكبر أسباب التوتر وعدم الاستقرار في المشرق العربي، التي صدعت وحدة المجتمعات العربية بإثارته النعرة الطائفيةـ المذهبية، ودعم قيام ميليشيات مسلحة فيها.

أما مصادر قلق النظام الإيراني إزاء انتفاضتي الشعبين في العراق ولبنان، فتأتي من عوامل متعددة، ربما يكمن أهمها في الآتي:

أولا، إن الانتفاضتين الشعبيتين في العراق ولبنان اخترقتا الخزان الطائفي الذي تعتبره إيران مواليا لها (الشيعة) أو الذي تظنه تحت عباءتها، بعد أن ظهرت أعلى تجليات الانتفاضتين في البيئات الشعبية “الشيعية” في البلدين المذكورين.

كانت من أبرز ساحات الانتفاضة اللبنانية مدن مثل النبطية وبنت جبيل والضاحية في العاصمة بيروت. أما في العراق فكانت مدن كربلاء والبصرة والديوانية والناصرية والعمارة، إضافة إلى العاصمة بغداد.

ومعنى ذلك أن تلك الطائفة باتت تهدد بالتحرر أو الخروج من عباءة “الولي الفقيه”، ومن هيمنة النظام الإيراني وادعاءاته، وأنها باتت تعي ذاتها الوطنية، كلبنانيين في لبنان وكعراقيين في العراق.

ثانيا، أتت الانتفاضتان عابرتين للطوائف، في تحول ملحوظ من الطائفي إلى الوطني، وهو أمر في غاية الأهمية للتحرر من ربقة المحاصصة الطائفية والنظام الطائفي في لبنان والعراق. تلاقت مصالح العراقيين واللبنانيين، كل على حدة، في الانتفاض على النظام الطائفي الفاسد في البلدين وضرورة التخلص من هيمنته جملة وتفصيلا، وهو أمر يثير فزع نظام طهران، الذي يتغذى من ذلك الوضع أصلا، أي التصدع الوطني والتفكك الطائفي.

ثالثا، أن التحول من الطائفي إلى الوطني في لبنان والعراق، صاحبه انتقال أعمق من الشعارات المطلبية الاقتصادية والاجتماعية وتقديم الخدمات ومكافحة الفساد، إلى المطالبات السياسية، المتعلقة بإسقاط الطبقة السياسية الطائفية المتحكمة بالبلد، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

وربط جميع المحتجين بين تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية في العراق ولبنان، وتلك الطبقة السياسية الطائفية المتحكمة بالبلدين، والتي تستمد نفوذها من علاقاتها بالنظام في طهران.

رابعا، مشكلة النظام في إيران أن انتفاضتي العراقيين واللبنانيين حدثتا بشكل متزامن، وهو ما يظهر أو يفضح الخيط المشترك، الناجم عن الهيمنة الإيرانية في لبنان والعراق (وينطبق ذلك على سوريا طبعا).

كما أن الانتفاضتين تزامنتا أيضا، مع الأوضاع الصعبة التي يمر بها النظام في إيران، في ظل العزلة الدولية والعقوبات القاسية التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية على طهران، والتي من أبرز أهدافها تحجيم نفوذ إيران المزعزع للاستقرار في المشرق العربي.

تصريحات خامنئي الأخيرة، تنسجم مع تصريحات نصرالله في لبنان وتصريحات قادة الحشد الشعبي في العراق، ويجمعها قاسم مشترك هو أنها تعتبر ما يجري مؤامرة إمبريالية صهيونية، وكلها تحاول استدراك الوضع بمحاولة تحويل الانتفاضتين إلى حرب أهلية ذات طابع طائفي. لكن تلك التصريحات تؤكد في الواقع أن مسار التحرر من هيمنة النظام الإيراني بدأ يشق طريقه في بلدان المشرق العربي، سواء بالطريقة السهلة أو بالطريقة الصعبة.

كاتب سياسي فلسطيني

العرب

—————————–

مهي يحيَ: لبنان: إلى أين؟

مايكل يونغ

تقول مهي يحيَ، في مقابلة معها، إن البلاد تُواجه مرحلة انتقالية صعبة بُعيد استقالة سعد الحريري.

مهى يحيَ، مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، راقبت عن كثب التظاهرات التي عمّت الأراضي اللبنانية على مدى الأسبوعين الماضيين. أجرت “ديوان” مقابلة معها يوم استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، تطرّقت فيها إلى أسباب الاستقالة وكذلك احتمالات المرحلة المقبلة فيما تجري الاتصالات لتأليف حكومة جديدة، كما ناقشت موقف حزب الله في الاحتجاجات الأخيرة والخيارات المتاحة أمامه راهناً.

مايكل يونغ: لماذا قرّر رئيس الوزراء سعد الحريري تقديم استقالته بعد رفضه الأولّي القيام بهذه الخطوة؟

مهى يحيَ: لم يكن أمام الحريري أي خيار آخر، إذ كان يرزح تحت وطأة ضغوط كبرى من المتظاهرين المطالبين باستقالته، في حين أن شركاءه السياسيين في حكومة الوحدة الوطنية أرادوه أن يبقى، لكن ضمن شروطهم هم. ومن بين تلك الشروط معارضة إجراء أي تعديل وزاري، ورفض تغيير الحكومة، وإبداء استعداد لاستخدام العنف في الشارع، كما حدث قبل ساعات من الاستقالة، عندما أقدم مناصرون لحزب الله وحركة أمل على الاعتداء على المتظاهرين في وسط بيروت وإحراق خيمهم. وكان الحريري قد أوضح في وقت سابق أنه سيستقيل لتفادي إراقة الدماء. في غضون ذلك، استخدمت أحزاب سياسية وحلفاء سابقون للحريري التظاهرات كوسيلة لتصفية حسابات داخلية مع خصومهم السياسيين.

يونغ: ما تأثيرات الاستقالة، في ضوء هذه الوقائع؟

يحيَ: قَلَبَ الحريري باستقالته الطاولة على كلٍّ من الرئيس ميشال عون وأمين عام حزب الله حسن نصر الله. واقع الحال أنه نقض الكلام الذي وجّهه نصر الله إلى المتظاهرين في خطابيه السابقين، اللذين أكّد فيهما أن الحكومة لن تستقيل. كذلك، تجاوز الحريري الخطوط الحمراء التي وضعها عون، عبر تنحية وزير الخارجية وصهر الرئيس جبران باسيل، من منصبه، عندما أعلن استقالة الحكومة ومن فيها. يُشار إلى أن حجم العداء تجاه باسيل كان بارزاً على وجه الخصوص في صفوف المتظاهرين. إذن، يفسح كل هذا المجال أمام رئيس الوزراء الجديد لتأليف حكومة جديدة لا تشمل أشخاصاً لا يحظون بقبول المتظاهرين.

يونغ: ماذا سيحدث الآن فيما نحن نترقّب تشكيل حكومة جديدة؟ وما العقبات المُحتملة؟

يحيَ: قد يدخل لبنان مرحلةً من اللااستقرار، حيث يرأس الحريري حكومة تصريف أعمال صلاحياتها مقلّصة إلى حدٍّ بعيد، في ظل الحاجة إلى تحقيق إصلاحات اقتصادية لمعالجة الأزمات الاقتصادية والمالية العميقة التي تعصف بلبنان. في غضون ذلك، يتعيّن على البرلمان اختيار رئيس وزراء جديد، ما يتطلّب الحصول على غالبية أصوات الكتل البرلمانية. ونظراً إلى التشكيلة الحكومية الراهنة، سيكون من الصعب ضمان توافق مختلف الكتل على مرشّح واحد. لكن في ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي تلوح في الأفق، ينبغي على جميع الأفرقاء الإسراع في اختيار مرشّح يحظى بقبول النواب من جهة، والمتظاهرين من جهة أخرى. البلاد ببساطة غير قادرة على تحمّل عملية المساومة الطويلة التي تحصل عادةً عند تشكيل الحكومات. ففي حال حدوث الانهيار الاقتصادي وتراجع قيمة الليرة اللبنانية، قد يفقد المواطنون اللبنانيون مداخيلهم ومعاشاتهم التقاعدية ومدّخراتهم. عندئذٍ، سيبدو ما شهدناه حتى الآن مجرّد قطرة من بحر السخط الشعبي الذي قد نشهده لاحقاً.

يونغ: ما الأسماء المطروحة لتولّي رئاسة الحكومة بعد الحريري؟ وكيف يُرجّح أن يتم ذلك؟

يحيَ: ثمة احتمالات عدة، من بينها أن يُكلَّف الحريري بتشكيل حكومة تكنوقراط. لكن هذا السيناريو مُستبعد نظراً إلى المأزق القائم مع باسيل وحزب الله، ناهيك عن أن المحتجّين لن يقبلوا به على الأرجح. الاحتمال الثاني ربما هو اختيار شخصية غير برلمانية إنما تحظى بقبول النخبة السنية من جهة، وسائر الأحزاب من جهة أخرى. في مطلق الأحوال، سيكون مصير أي شخصية أو حكومة الفشل ما لم تحظيا بالدعم الكامل من الطبقة السياسية اللبنانية. فكل الوزارات ومؤسسات الدولة خاضعة إلى نفوذ سياسيين أقوياء وقادرين على عرقلة عمل وزراء الحكومة الجديدة بشتّى الطرق.

أحد الأسماء التي يتمّ تداولها هو وزيرة الداخلية والبلديات الحالية ريا الحسن، وهي المرأة الأولى التي تشغل هذا المنصب في المنطقة. إنها عضو في كتلة الحريري البرلمانية، لكن لم تطلها أي فضائح فساد. كما أنها من طرابلس، هذه المدينة التي تشهد أكبر التظاهرات. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تستطيع هي أو غيرها من الشخصيات ذات الصفات المشابهة الحصول على دعم سياسي واسع النطاق؟ والأهم من ذلك في حالة الحسن، هل يقبل المتظاهرون بشخصية مرتبطة مباشرةً بالأحزاب السياسية الحالية؟

لكن السؤال الذي يحتل الحيز الأكبر من الأهمية يتمحور حول خيارات حزب الله، فهل سيواصل الحزب التمسّك بباسيل وحكومة تصريف الأعمال الحالية على حساب استقرار لبنان؟ في حال فعل ذلك، سيخاطر بتوسيع الشرخ داخل المجتمع الشيعي في الحزب، نظراً إلى أن المقاومة التي أبداها حزب الله إزاء تغيير الحكومة أثارت سخطاً شعبياً لبنانياً كبيراً، حتى في أوساط الشيعة الذين ساندوا حركة الاحتجاج.

يونغ: هل من الممكن اندلاع أعمال عنف، بما أن حزب الله وحلفاءه سبق أن هاجموا المتظاهرين خلال الأسبوعين الفائتين؟

يحيَ: بات احتمال اندلاع أعمال عنف ملموساً أكثر من قبل. فالهجمات التي نفذّها مناصرو حزب الله وحركة أمل وطالت المتظاهرين السلميين في وسط بيروت، تشير إلى أن حركة الاحتجاج وصلت إلى نقطة لم يعد بإمكانهم احتمالها. ولا يُعزى ذلك إلى أن المتظاهرين سمّوا القادة الشيعة السياسيين بالأسماء وأهانوهم وحسب، بل إلى أن كلا الحزبين حاولا إسكات المعارضة داخل مجتمعهما وتضييق الخناق بسرعة على أي انشقاقات محتملة قد تقوّض مكانتهما في البلاد.

في الخطابين الذي ألقاهما نصرالله خلال الأسبوعين الماضيين، وصف التظاهرات والسخط الشعبي من الوضع القائم بأنهما جزء من مؤامرة حيكت لتقويض حزب الله وشرعيته. وبالتالي، اختار إدامة الوضع القائم والنظام السياسي الذي يحمي الحزب، في رد فعل مماثل لما فعلته الأحزاب الموالية لإيران في العراق. أما السؤال هنا فهو إلى أين يمكن أن يكون حزب الله مستعداً للوصول في لبنان، وهو اكتفى حتى الآن بإرسال البلطجية لتفريق المتظاهرين في بيروت وجنوب لبنان؟

أمام حزب الله في المرحلة المقبلة خياران: بإمكانه أن يقبل أن الوضع القائم آخذ في التغيُّر وأن ما حصل ليس مؤامرة ضدّ الحزب، بل مجرد موجة كبيرة صادقة معارضة لنظام بات ببساطة لا يُطاق. حينها فقط يمكن أن يوافق حزب الله على تأليف حكومة إنقاذ وطني جديدة وإجراء انتخابات مبكرة كما طالب المتظاهرون. أما الخيار الآخر والأكثر ترجيحاً، فيتمثّل في أنه سيواصل تبنّي موقف رجعي، بالتنسيق مع حركة أمل والتيار الوطني الحر التابع لعون، ما يعني أنه سيحتاج إلى اللجوء إلى القوة بمستويات أعلى مما شهدناه حتى الآن. 

لكن في ظل استمرار حماية الجيش للمتظاهرين، يُطرح سؤال: إلى أي حدّ يمكن أن يصل حزب الله لمنع التعبئة في الشوارع؟ وفي حال كان الحزب مستعداً لاستخدام القوة، كيف سيتعامل مع التظاهرات في طرابلس ذات الغالبية السنّية والمناطق المسيحية حيث يُعتبر وجوده محدوداً؟

الطبيعة الواسعة النطاق واللامركزية للتظاهرات تجعل أي جهود للحدّ منها في جميع أنحاء لبنان صعبة على نحو متزايد. هنا يلعب النظام الطائفي لعبته. فأي تدخّل لحزب الله في المناطق غير الشيعية يمكن أن يُطلق بسرعة شرارة نزاع طائفي.

مركز كارنيغي للشرق الأوسط

————————–

عن خامنئي ونصرالله وسليماني: هل تجفّف الحرائق النهر؟/ موفق نيربية

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أسبوع على “تويتر” أن هنالك حدثاِ مهماً قد حصل، ليعلن بعد ساعات، في مؤتمر صحافي رنان، مقتل البغدادي. وبنهاية البغدادي، المشرّد سراً وحيداً وبعيداً عن أماكن قوته، يمكن الحديث عن مرحلة جديدة بالفعل. لقد انتصر الأميركيون وحلفاؤهم على “داعش”، وسوف تكون هنالك صورة أخرى غالباً أكثر سريةً وإرهاباً.

سوف يعاني “التطرّف السني” بوجهه الأبشع هذا من ضربة كبيرة وربما قاصمة. ولن يكون نافلاً التساؤل عن مآلات “التطرف الشيعي”، الوجه الآخر للإرهاب في المنطقة، ذلك الذي يتمركز في طهران، ويمد العديد من أذرعه بعيداً ليصل إلى سوريا ولبنان واليمن، حيث لم تكن الأرض أرضه سابقاً.

في ذلك يستند نظام الوليّ الفقيه في طهران إلى قاعدة وازنة القوة في العراق، فيها كتلة بشرية شيعية هي الأبرز، وفيها ميليشيات في إطار ما يُسمّى بالحشد الشعبي، لنواتها الصلبة صلات مباشرة واستراتيجية في طهران. حيث قائد فيلق القدس سليماني يدِ المرشد الأعلى العنيفة في خارج البلاد، الذي يتحرك بحرية في الساحات المذكورة كلها؛ حين يكون في بلدٍ منها، يكون ظلّ المرشد الأعلى حاضراً، بوجهه المدرع الضارب.

في منتصف القرن العشرين، كانت باكستان نتيجة لنجاح محمد علي جناح في تسويق “نظرية القوميتين” بين مسلمي الهند أو بعضهم. اعتمد في ذلك على مركزية الدين في بناء الأمة المتمايزة. حديثاً تخيّم على قسم رئيس من السياسات الصربية أفكار قريبة من ذلك، بل أكثر خيالاً. بالنسبة لأولئك تشكل كوسوفو “أورشليم الصرب”، التي يتمركز حولها كل شيء حتى يُعاد بناء الهيكل فيها، والتي من دونها ينعدم وجود الأمة الصربية. ومن أجل ذلك ينشدون تراتيل تروي حكاية الأمير لازار ومعركة “أرض الطيور السوداء” في القرن الرابع عشر، حين انهزم الصرب أمام العثمانيين. ويرون لذلك حتى في القرن الحادي والعشرين، أنه على تلك الأرض والتاريخ، يتعلق الوجود والمستقبل، بحماية وإلهام إلهيين، ليتحقق البعث من جديد، بالرسالة الخالدة التي يحملها.

الحروب الدينية في أوروبا أيضاً كانت على وقع معاهدة ويستفاليا، لذلك كانت تمزج القومي بالديني، من أجل خلق الحافز الأسمى لممارسة العنف ورسم الحدود أو تعديلها أو إزالتها بأفضل  شكلٍ يناسب الفئة السائدة، أو التي تطمح للسيادة.

القومية و”الوطنية” المسلحة بالدين، هي الخيار الأقصى والأكثر عنفاً لتحقيق الأهداف والطموحات السياسية. في منطقتنا، يمثل النظام الإيراني هذا الوجه بأبشع أشكاله، المتوالدة يوماً بعد يوم. ولعل توالدها اللاهث تعبير عن أزمة ذلك الخيار وحامليه، وأزمة الإيديولوجيا المسلحة التي تسوقها.

مؤخراً، صرح الناطق باسم المرجع السيستاني في العراق بشكل صريح أكثر من أي مرة أخرى، ليقول برفض تدخل “القوى الإقليمية والدولية”، ليتلقف المتظاهرون كلامه، ويرفعوا لافتاتٍ ضخمة تفسر ما قالته المرجعية مباشرة “يعني إيران”. كذلك ليتقدم أصحاب العمائم إلى الصف الأول من التظاهرات، ويتدافعوا لحمل تلك الرايات المذكورة. هنالك ظاهرة جديدة إذاً، وحالة وحدة وطنية غير مسبوقة، تطالب برفع اليد الإيرانية بشكلها الإرهابي عن العراق، الذي يكاد يتفكك ويضمحل تحت ضرباتها وتدخلاتها.

وربما كان تركيز الناس بعد تجاربهم الطويلة التي خالطها الدم على “العراق” كهوية أولى. والحداثة التي تنبذ الاستبداد والفساد والفرقة، هو ما يجعل من الحراك الحالي ثورة وتجديداً جوهرياً. فهنالك فرق إسلامية تختلف بين السنة والشيعة، وفرق قومية تختلف بين العرب والكرد. وهنالك هامش مشترك طالما كانت تأكله الحيرة في أيام عصبية صدام القومية العربية، وعصبية النظام الحاكم في طهران بفارسيتها وشيعيتها. في ذلك كان تداخل الهويتين قوياً في النجف، حيث كثيراً ما تكون المرجعيات من أصول فارسية، وقد أقامت بجوار أضرحة الأئمة. وفي العقود السابقة، كانت تظهر الميول القومية أحياناً، وعرفنا المراجع من مثل بحر العلوم وكاشف الغطاء ومحسن الحكيم والصدرين، الذين كانوا في نشاطهم يعكسون ذلك التملّص من الهيمنة الفارسية، ويقاربون بأشكال متباينة موضوعتي العروبة والمواطنة. عرفنا أيضاً محمد حسين فضل الله، الذي اعتبره خامنئي خطراً منافساً له بالقوة والأثر، فسلط عليه رجاله في حزب الله بالتشهير والأذى حتى انعزل إلى يوم مات كمداً وحسرة. حالياً، يتيح خيار الانتماء للعراق إمكانية لحلّ الأزمة، ويمثّل السيستاني بعراقيته حتى الآن رمزاً لذلك الخيار.

ويوماً بعد يوم، تزداد حدّة ردود الفعل والقرارات شبه الحربية في طهران. هنالك يقف في القمة خليفة الخميني صاحب الثورة الإسلامية، وأمين سره الأقرب خامنئي، الذي تملكته روح الفرد الملهم المسلح بالتفضيل الإلهي، ودخل من طريق تسمية الولي الفقيه ليعمل على لجم كل من يعارضه، في صفوف شيعة إيران وشيعة العالم خصوصاً. وأتاح له الصراع العربي الإسرائيلي آليات قوية ومتماسكة من أجل ذلك الهدف. أصبح استمرار ذلك الصراع وحيويته من بين أسباب حياة ذلك النظام وقوته. في مشروع حزب الله غرفة عمليات ذلك الخط، أو غرفته الأكثر أهمية الآن، بعد ظهور الحوثيين في اليمن، وميليشيات متنوعة في سوريا.

قام حزب الله على فكرة احتكار “الصراع مع العدو” وتسخينه إلى الحد الأقصى. ومن أجل ذلك كان الاغتيال هو التمهيد الأول لتسلطه في لبنان ثم التصفية والتفكيك لكل البنى الوطنية التي تعتبر الصراع مع إسرائيل مركزياً. تلك البنى كانت في تركيبها يسارية أيضاً إضافة إلى وطنيتها. وهذا يمزج البعد الديني بشكل آلي مع القومي، ويفصله أيضاً حين يستلزم الأمر ذلك. فحزب الله في الخط الأول ضد العدو للدفاع عن العروبة والإسلام معاً، يقدّم أحدهما أو الآخر إلى الواجهة حسب واقع الحال، مع الانتباه أكثر إلى ضرورة توجيه النظر إلى القاعدة الأولى في طهران. المهم هو استمرار الصراع وتأجيجه، ومزارع شبعا أرض لبنانية محتلة، ولو كرهت الأمم المتحدة. احتلالها ولبنانيتها هما مناط شرعية حزب الله: المقاومة.

لذلك كله، ساحتان رئيستان هما في هذه الأيام: في العراق ولبنان. وهما ساحة واحدة في الحقيقة. فكلاهما، إضافة إلى ما يجري في سوريا واليمن وغير مكان، موقعان لممارسة الطغيان الذي يقوده خامنئي، وجناحاه سليماني ونصرالله بدروع وصواريخ ونيران لم تظهر حتى الآن، لأن الشعبين يعرفان أن الحراك السلمي الجامع وحده القادر على هزيمة الوحش المسلّح الآتي من ظلام التاريخ ودمائه. فاستثمار القومية وحده قد يكون مولِّداً للعنف، واستثمار الدين وحده  أيضاً قد يكون مولّداً للعنف، واستثمار يمزج بينهما قد يكون جسراً محتوماً إلى نهر من الدم والدمار.

صحيح أن ذلك الخط محظوظ بحلفاء طارئين يتمثلون في لبنان بالتيار الوطني الحر وشراسة البنية الطائفية ودستور الطائف؛ وفي العراق بشريحة جديدة من الفاسدين الشرهين استطاعت تفخيخ الحزب الشيعي الكبير( حزب الدعوة- أنصار محمد باقر الصدر) وتقسيمه وإغوائه، وبسلاح الميليشيات التي أسس بعضها الطموح الإيراني ذاته، وشدّ من أزرها وحمى توسّعها ما فعلته “داعش” وكل أشكال التطرف وبقايا الطغيان القديم. وصحيح أيضاً أن الوضع دقيق ويحتمل كلّ الاحتمالات، مع ابتسامة ساخرة تستهين بكل ما عداها على وجهي نصرالله وسليماني.. إلا أن أملنا موجود مع الربيع الحالي، ويتوالد.

المدن

————————-

طريق “المؤامرة” الطويل/ حسام كنفاني

لا بد لكل من يتابع مشهدية التظاهرات العارمة في العراق ولبنان أن يشعر بأنه لا يزال هناك أمل في الحراك المدني في الدول التي تعتريها انقسامات طائفية كبيرة. وأن إمكانية الخروج على التقسيمات المذهبية التي أريد لهذه البلاد الغرق فيها ممكنة.

في العراق، وتحديداً في بغداد وكربلاء والنجف، لم يكن للمرء أن يصدق أن شعارات مثل التي شاهدناها مرفوعة ضد الطبقات السياسية والمرجعيات الدينية والسياسية، وتحديداً الإيرانية، يمكن أن تظهر في الساحة العراقية التي سيطرت عليها مليشيات متعددة المشارب والمذاهب، وعمدت إلى محاصرة الأفراد ضمن إطار ديني ومذهبي، مع الحرص على ألا يخرج منه. إلا أن الأمور لم تسر كلياً كما أرادت هذه الأطراف، ومشاهد التظاهرات دلالة على أن حالة وعي جديدة بدأت بالتشكل خارج الأفكار المعدة سلفاً، والتي أريد للمجتمع العراقي السير على هديها.

الأمر نفسه يمكن القول عنه في لبنان، فالانقسامات العميقة في البلد، وإرث الحرب الأهلية الطويل، إضافة إلى التدخلات السياسية الإقليمية والدولية وارتهانات الأطراف لها، أوصلت إلى قناعة أنه من غير الممكن مشاهدة مئات آلاف اللبنانيين يتجمّعون تحت راية واحدة، ومطالب بعيدة عن الفئوية التي أريد للبنانيين العيش في كنفها، غير أن ذلك حصل بالفعل، وضمن مشاهد مبهجة بثت أملاً في نفوس الكثيرين، وأعطت انطباعاً أن المستحيل لا يزال ممكناً.

غير أن مشهدي العراق ولبنان الحاليين لا يمكن أن يكونا إلا بدايةً لحالة التغيير العامة المطلوبة، ليس سياسياً فقط، بل اجتماعياً أيضاً، وهو ما تدركه الطبقتان السياسيتان في العراق ولبنان، إضافة إلى القائمين الإقليميين المعنيين بهذين البلدين، وهو ما انعكس هجوماً شرساً على الحراكين، ووضعهما في سياق المؤامرة الدولية والصهيونية، كما قال مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي، وسبقه إلى ذلك الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، وإنْ بلهجة مختلفة، عندما وضع علامات استفهام حول الحراك اللبناني، وارتباطه بسفارات أجنبية. ولكنّ خامنئي ونصرالله، وغيرهما من القلقين من الحراكين العراقي واللبناني، لم يفندا فحوى المؤامرة هذه، فإذا كان التخلص من الإرث الطائفي والمذهبي وكسره في النفوس والنصوص يمثل مؤامرة، فلا بد لجميع المعنيين بخلق مستقبل أفضل للعراق ولبنان، وغيرهما من البلدان التي تعيش حالة تشرذم اجتماعي مشابهة، أن يرحب بمثل هذه المؤامرة. وإذا كانت المطالبة بمحاربة الفساد ووقف الهدر واستعادة الأموال المنهوبة هي وصفة تآمر، فلا بد أن يكون الجميع متآمرين.

غير أن “المؤامرة الحقيقية” بالنسبة إلى هؤلاء هي الخوف من توسّع الحالة الرافضة للقيود الدينية والطائفية والسياسية المرتبطة بهذين العنصرين، وخروجها عن السيطرة، إضافة إلى تمدّدها إلى مناطق أخرى، وربما إلى الداخل الإيراني تحديدا، وتهديد عناصر الوجود الحالي لهذا النظام وحلفائه، وهو ما يفسر الهجمة الشرسة على هذا الشكل من الحراك. الأمر ليس مختلفاً بالنسبة إلى دول أخرى في المعسكر المناوئ لإيران، فالسعودية على سبيل المثال، وإن كانت تظهر في إعلامها تأييداً للحراك الحالي، إلا أنها لا تفعل ذلك إلا من باب مناكفة إيران، إلا أنها في لحظة الحقيقة ليست بعيدة عن النهج والقلق الإيرانيين من مثل هذه الحركات الشعبية العابرة للطائفية، وخصوصاً أن التركيبة الطائفية هي أساس نظام المملكة أيضاً.

في كل الأحوال، لا يزال طريق تحقيق هذه “المؤامرة” طويلاً. ومن المبكر الاستنتاج أن المشاهد التي نراها هي انعكاس كامل للمجتمع، على الرغم من أن صوتها هو العالي اليوم. فخروج هذه المجتمعات من إرث عمره عشرات السنين، وتدخلات سياسية، سعت إلى تكريس التباعد بين مكونات البلد الواحد، يحتاج إلى الكثير من الجهد الذي يقع، في قدر كبير منه، على القائمين حالياً على الحراكين في لبنان والعراق، وقدرتهم على التأثير في المجتمع.

العربي الجديد

——————————-

العراق ولبنان… أين تتلاقى الثورتان؟

———————————

ثورة في العراق؟ لم لا/ حيدر سعيد

نستغرق، دائمًا، في مناقشة الحدود التي تفصل بين الثورة والانتفاضة والوثبة والهبّة، وما إلى ذلك من كلماتٍ تحاول توصيف حركات اجتماعية كبرى، منها الحراك القائم في العراق منذ مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

وإذا كانت هذه المفاهيم لم تُصنَع داخل مختبرات أكاديمية، بل بدأت في الخطاب السياسي أولًا، فإنها خضعت إلى جهد أكاديمي ونظري مكثّف، لتمييز كلّ منها، وضبط حدودٍ دقيقةٍ فاصلة، بينها. ومع ذلك، لم نستطع يومًا الوصول إلى رسم حدود قاسية بين هذه المفاهيم، لا على مستوى الخطاب السياسي، ولا على المستوى الأكاديمي والنظري الذي ظلت فيه هذه الحدودُ مختبرية، تحاول تصنيف الحركات الاجتماعية التي تشهد، على الأرض، تداخلًا وسيولة كبيريْن بينها، فضلًا عن تنوع أشكالها على نحو ثرّ.

وُضعت هذه المفاهيم في تراتبية، فأعلاها هو الأكثر جذريةً في إحداث قطيعة في البنية السياسية و/ أو الاجتماعية القائمة. وأتحدث، هنا، عن مفهوم الثورة الذي، بسببٍ من هذا، بدا جذّابًا وَذَا شحنة انفعالية، فبدأ يُستعمَل في خطاباتٍ سياسية، تمجيدًا لحركاتٍ اجتماعية بعينها. وقد شهدنا، في العقود الماضية، سجالات كبيرة على حركات ولحظات قطع سياسي مهمة في تاريخنا، هل هي “ثورات” أم لا، كالسجال على “ثورتي” 1952 و1958 في مصر والعراق، أو حتى بعض السجال على الربيع العربي. ودائمًا، كان الدفاعُ عن توصيف هذه الأحداث بأنها ثورات دفاعًا تمجيديًا، منتميًا لها أو لما أفرزته وفتحته من معانٍ، وكان يبدو التشكيك في كونها ثورات مُغرِضًا.

ولذلك، ومع ادّعاء الأطر الأكاديمية والنظرية لهذه المفاهيم وحدودها، كان جزءٌ غير قليل من النقاش نقاشًا غير أكاديمي، بل مسيّس، ورغبوي، وغير محايد. ودعني أقل، كان الاستعمالُ السياسي الأول لهذه المفاهيم، الذي أكسبها شحنة قيمية انفعالية، يتنقّل داخلَ المختبرات الأكاديمية، وهي تحاول التنظير لها. غير أن ما أحاوله، هنا، في طرح سؤال “الثورة” وصفتِها على الاحتجاجات العراقية الراهنة ليس نقاشًا أكاديميًا، ولا أريد ذلك، وليس محاولة تمجيدية، مع أن عواطفي (أعترف) ليست محايدة تجاه الاحتجاجات، فليست هذه الكلمات، في النهاية، سوى خطوط يرسمها مَن يبصر ظلالَه هناك، ولكنه يفتقدها، في الساحات التي تصدح فيها مطالبُ العدالة والكرامة.

ما أسعى إليه، من محاولة فهم الاحتجاجات الراهنة، بوضعها في إطار التصنيفات القائمة، هو محاولة لفهم ماهيتها، وقد يكون فهمها لنفسها. وأنا أدرك أن السرديات التي تُنتَج (ونُنتجها، بل ينبغي أن ننتجها) عن الحركة الاحتجاجية لن تكون مفصولةً عنها، حيث تختلط اللغة والخطاب بالوقائع، وتكون جزءًا منها، وتُنتجها، وترسم صورتَها، تمامًا، كما الشعارات والهتافات.

انهمكتُ، كثيرًا، بمتابعة الحركات الاحتجاجية في العراق ما بعد الغزو الأميركي للبلاد وسقوط نظام صدام حسين في عام 2003، والتي تصاعدت منذ عام 2009، متّخذة وتيرة محددة: أنها تظاهراتٌ مطلبية، يحرّكها تردّي الخدمات وقصور الدولة وأجهزتها عن الوفاء بالتزاماتها في هذا المجال. وقد كان آخر هذه الاحتجاجات انتفاضة البصرة في صيف 2018. أستثني

من هذا الحكم حركةَ الاحتجاج التي انطلقت في فبراير/شباط 2011، بتأثيرٍ مباشرٍ من الربيع العربي، وتزعمها مثقفون وناشطون يساريون، وكانت المطالَب الديمقراطية فيها واضحةً، وحركةَ الاحتجاج في المحافظات السُنّية (2012-2013) التي كانت ذاتَ طابع هوياتي.

كنت أفترض، دائمًا، أن هذه الاحتجاجات المطلبية جزء من الظاهرة الريعية وثقافتها الدولتية، أي الإيمان بأن الدولة هي الناظم الأول والأخير للمجتمع. ومن ثم، كانت الاحتجاجاتُ، بمعنى ما، مطالَبة بالدولة، إلى الحد الذي نستطيع أن نتحدّث فيه عن معادلة (أظن أنه يمكن تعميمها لفهم سائر الحركات الاحتجاجية في البلدان الريعية): أنه كلما ضعفت الدولة، نشطت الحركة الاحتجاجية، وكلما قويت الدولة واستطاعت الوفاء بالتزاماتها، ضعفت الحركة الاحتجاجية وخمدت. ويصدق هذا التحليلُ (والفهم) على الحركة الاحتجاجية الراهنة في مبتدئها: أنها ابتدأت في إطار مطلبي، ينتظر جوابًا من الدولة، غير أن هذه الحركة، في ديناميكيتها وتطورها، ما بين مطلع أكتوبر/تشرين الأول وخواتيمه، شهدت تفاعلات وتطورات كبيرة، جعلت منها نقطةَ تحول نوعي في سياق الحركات الاحتجاجية ما بعد 2003، فالاحتجاجُ (بدأ مطلبيَ الطابع) تحول إلى ثورة.

حين أكتب هذا السطر، يهمّني أن أستدرك أنني لم تحركني عواطفي المنحازة للحركة الاحتجاجية، ولسائر الحركات الاحتجاجية، وهو موقفٌ لا معنى للمثقف من دونه، بل إنني أكتب بمعرفتي (غير المكتملة، بالتأكيد) بالأطر النظرية لمعنى الثورة.

لماذا ثورة؟ لأن الحركة الاحتجاجية، حتى وإن بدأت على يد فئات اجتماعية محدّدة، فإنها انفتحت لتُشرك فيها سائرَ فئات المجتمع، ولأنها خرجت من المطالَب المباشرة، لينبني، بالتدريج، إيمان بأن هذا النظام، بوضعه هذا، غير قادرٍ على الوفاء بالمطالب، وغير قابلٍ للإصلاح، ومن ثم، ينبغي تغيير النظام، وإعادة صياغته جذريا، لينبني نظامٌ بديل، قادر على استيعاب المطالَب.

قد تكون هذه الفكرة (أن هذا النظام غير قابل للإصلاح) موجودة من قبل، هنا أو هناك، غير أن المهم الآن أنها أصبحت عامة، فبدأ يشترك في الثورة كل من يحسّ بعيوب النظام، أوسعَ بكثير من المطالَب المباشرة التي انطلقت منها الحركةُ الاحتجاجية، فالذين نهش الفسادُ كرامتَهم، والذين أجبرتهم الدولةُ على البقاء تحت نير شظفٍ لا يعرف أيَّ معنى للإنسانية، والذين قيل لهم: اقبلوا بالفتات، فالعمر رحلةٌ قصيرة وتنقضي، والذين وأدت سيطرةُ أحزاب السلطة

كفاءاتهم لصالح منتسبيها، والذين أُذلّوا بسبب استهتار الطبقة السياسية بالمال العام، والذين نُكّل بفرصهم وطموحاتهم في الحياة تحت شعارات إيديولوجية ترفعها الأحزابُ المسيطرة، والذين افتقدوا الأمنَ تحت حراب السلاح المنفلت، والذين سفحت أهواءُ الخارج وإملاءاتُه كرامةَ وطنهم، هؤلاء كلُّهم بدأوا يحسّون أن الثورة تجسيد لهم.

وهكذا، تخلّق “فضاء ثوري” (جسّدته ساحةُ التحرير في بغداد، برمزيتها العالية)، تصبّ فيه كل فئات المجتمع، الموجودة داخله أو خارجه، إسهاماتها في الثورة، دعمًا، وعواطف، ومطالب، وتصورات، وآمالًا، ورهانات، فضاء ثوري تتكثف فيه رؤية تغيير النظام، نحو نظامٍ أكثر عدالة.

ما الثورة، إذن، إن لم تكن تحرّكًا جماهيريًّا عامًا، تحرّكه رؤية بتغيير النظام، وإقامة نظام بديل، يلبي طموحاتها ومطالبها وتوقها نحو العدالة؟ أكثر من ذلك، أظن أن الصورة التي أرسمها، هنا، لا عهد سابقًا للعراق بها، وكأن العراق الذي انتفض مراتٍ ومراتٍ، على احتلال أجنبي، أو سلطاتٍ ظالمة، لم يعرف معنى اجتماع فئاتٍ مجتمعه كلّها، على مطلب تغيير النظام، وتحركها على وفق هذه الرؤية، إلا الآن.

هل أقول إن ثورة تشرين الأول/ أكتوبر 2019 هي الأولى التي يشهدها العراق الذي عرفناه؟ أكاد، نعم.

العربي الجديد

————————

لبنان: شوارع الزعماء لكسر احتجاجات الشعب!

أثارت التظاهرة المضادة التي نظمها «التيار الوطني الحر» لأنصار الرئيس اللبناني ميشال عون، وصهره جبران باسيل، رئيس التيار ووزير الخارجية الحالي، جدلا في الساحة اللبنانية، في خصوص مكان تواجدها قرب القصر الرئاسي، أو بتوقيته بعد قرابة أسبوعين من الاحتجاجات التي بدأت في 17 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أو بمضمون الخطابين اللذين ألقاهما باسيل وعون، وبالشعارات التي استخدمها المتظاهرون، وتعليقات الساسة والجماهير اللبنانية التي تابعت هذه الأمور كلها.

يسجّل لهذه التظاهرة، ولتصريحات عون وباسيل، بداية، بعض الإيجابية، فهي يمكن تأطيرها، حتى الآن، ضمن السجال السياسيّ الذي يعتمد على استدعاء الجمهور ومخاطبته وإبداء آراء سياسية لإقناع «الطرف الآخر»، وهو يختلف عما حصل قبل أيّام حين قام جمهور محسوب على «حركة أمل» و«حزب الله» بالهجوم المباشر على المتظاهرين وتكسير خيم الاعتصام، في بيروت وفي مناطق جنوبية.

غير أنه باستثناء هذه الملاحظة «الإيجابية» فإن خطاب المداورة والتقبل الظاهري لفكرة الاحتجاجات الشعبية، وطرح الوعود بدولة مدنية لامركزية وقانون موحد للأحوال الشخصية، وإنكار المشاركة في الفساد العام، ما لبث أن عاد لاستخدام الخطاب العربيّ الرسميّ الجاهز، واصفا المتظاهرين بـ«أقلية» تقوم «بتوجيه من الخارج»، في حين أنه هو نفسه «لم يتآمر مع دولة خارجية»، وباستعادة آرائه المثيرة للجدل بالقول «عنصريون في لبنانيتنا»، وبالتحريض المكشوف على اللاجئين بدعوى أن «اللبناني المقيم والمنتشر هو قبل اللاجئ والنازح»، وبعد هذا الخطاب من باسيل عاد عون وأشار إلى «كثرة الساحات» داعيا «الجميع إلى الاتحاد» ضد الفاسدين وللنهوض بالاقتصاد وإرساء الدولة المدنية.

قابلت الجماهير اللبنانية خطاب «اتحاد الساحات ضد الفساد» لعون، وخطاب «عنصريون بلبنانيتنا» لباسيل بالرفض، وبكشف المفارقات الكاريكاتورية في الخطابين، وفيما تحدث زعيما التيار عن «الاتحاد» و«كلّن يعني كلّن» (باستثنائهما)، وعلى أن «النشيد الوطني» كان الأعلى في ساحات التظاهر، فإن الذي حصل فعلاً هو أن عون منع اللبنانيين من التظاهر أمام القصر الرئاسي بينما فتح الطرقات وحشد الحشود لمحازبيه وأنصاره الذين لم يرفعوا العلم الوطني فحسب بل كذلك أعلام تيارهم السياسي، كما رفعوا رايات مناهضة لأحزاب أخرى، فيما نشط أنصارهم على وسائل التواصل الاجتماعي على قول ما سكت عنه الزعيمان، وهو ما دفع المحتجين لاعتبار أن عون فشل في إدارة البلاد فعاد إلى رئاسة حزبه.

رغم الحشد الكبير الذي نجح عون وباسيل في جمعه أمس فالحقيقة هي أن مظاهرة «التيار الوطني» كانت تدعم رئيسا وصهره، بينما كانت التظاهرات اللبنانية في كل ربوع البلاد تطالب بوطن وتنادي بثورة وتعمل على الخلاص من الشبكة المتماسكة من السياسيين الفاسدين الذين يتبادلون المنافع ويقسّمون اللبنانيون إلى طوائف تكره بعضها وتكره الآخر وترفض الفرصة التاريخية الحالية لسرديّة جديدة تعيد بناء الشعب اللبناني على أنقاض الهيكل المتداعي القديم.

القدس العربيّ

——————-

هل دخلنا مرحلة ما بعد الطائفية؟/ خليل العناني

تفادت التظاهرات والاحتجاجات في العراق ولبنان، على الأقل حتى الآن، الوقوع في فخ الطائفية. واستطاع المحتجون والمتظاهرون تجاوز خلفياتهم وانقساماتهم الطائفية والمذهبية، ليس فقط من خلال تبنّي أجندة سياسية واقتصادية واجتماعية جامعة، وواعية بضرورة تجاوز البعد الطائفي، وإنما أيضا من خلال محاولتهم الخروج من تحت عباءة الطائفة والمذهب، في خطابهم وأفعالهم وممارساتهم، وذلك بعد أن ظلت الطائفية تهيمن على الخطاب والفعل السياسيين في هذين البلدين طوال عقود، وهو ما تم التعبير عنه في شعار “كلّن يعني كلّن” الذي رفعه، ولا يزال، المتظاهرون في لبنان. وعلى الرغم من محاولات بعض السياسيين والمسؤولين في البلدين لتغذية البعد الطائفي، من أجل ضرب الحراك و”دق إسفين” بين المحتجين، إلا أن الأمر لم ينجح. بل يبدو أن ثمة وعياً استباقياً لدى المتظاهرين بهذه المسألة، ما جعلهم يتفادون الخوض فيها، خوفاً من تشتيت مطالبهم التي خرجوا لأجلها، وأهمها مكافحة الفساد وإيجاد حلول عاجلة للمشكلات الاقتصادية المزمنة، كالفقر والبطالة وغياب العدالة الاجتماعية.

وحقيقة الأمر، المدهش في الاحتجاجات الحالية في العراق ولبنان، ليس فقط استمراريتها وعدم تراجع زخمها وإصرار المحتجين على بلوغ مراميهم، وذلك على الرغم من العنف المادي واللفظي الذي يمارس تجاههم، سواء من قوات الأمن أو المليشيات الطائفية والمذهبية، وإنما في قدرتها على تجاوز الطبقة السياسية بمختلف اتجاهاتها وانتماءاتها. وكان الكاتب قد أشار، في مقال سابق في “العربي الجديد”، إلى مسألة سقوط الطبقة السياسية العربية، باعتباره واحدا من ملامح الحالة السياسية الراهنة في العالم العربي. وهي الحقيقة التي تتأكد كل يوم، حيث فقدت الجماهير العربية الثقة في نخبها ومسؤوليها، بل تعتبرهم أساس المشكلة، وليس الحل. لذا فإن محاولات التغيير الشكلية و”الترقيع” لن تجدي نفعاً مع المحتجين. بل قد تزيد الاحتقان والغضب.

بالطبع، من مصلحة القوى والجماعات والأحزاب الطائفية أن تتحوّل الاحتجاجات والانتفاضات الحالية في العراق ولبنان من حراك شعبي جامع إلى مجرد مطالب طائفية أو هوياتية، فهذه هي الطريق الوحيدة التي يمكن من خلالها خلخلة المحتجين، وامتصاص زخم حراكهم، ونزع الشرعية عنه. وقد حاولت بالفعل بعض هذه القوى في العراق ولبنان تصوير الاحتجاجات الحالية باعتبارها مؤامرة “طائفية”، تحرّكها أصابع داخلية وخارجية من أجل “إسقاط الدولة”. وهو الخطاب نفسه الذي تروجه دوماً الأنظمة والجماعات السلطوية، من أجل تشويه الحراك، وتشكيك العوام فيه وفيمن يقف وراءه. شهدنا ذلك، ولا نزال، في مصر والجزائر وسورية والسودان… إلخ. ولا يدرك هؤلاء أن من يتظاهرون ويحتجون الآن يعبّرون عن جيل عربي جديد، لم يعش الصراعات الطائفية التقليدية، كما هي الحال مع جيل الآباء والأجداد. بل يرى بعضهم أن الطائفية والتطييف، وما يلحقهما بالتبعية، من محاصصة سياسية واجتماعية واقتصادية، هي السبب الرئيسي في بؤس الأوضاع الحالية. كما لا يدرك هؤلاء أن ممارساتهم الفاسدة، واحتقارهم إرادة طوائفهم، هي السبب الرئيسي في خروج الناس إلى الشوارع، مطالبين بعزل هؤلاء القادة الطائفيين، ومحاسبتهم ومعاقبتهم.

نحن إذا إزاء ديناميات “لا طائفية” جديدة، يشهدها أكثر بلدين عربييْن، يتبعان نظام المحاصصة الطائفية، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. وهي دينامياتٌ هي ذاتها النتيجة الطبيعية لهذا النظام الذي ثبت فشله في تحقيق مطالب الطوائف. ما دفع “العاديون” المنتمون لهذه الطوائف إلى الانتفاض والاحتجاج، ليس لتغيير النظام الطائفي، وإنما لتجاوزه سياسياً ورمزياً. ويظل التحدّي هو كيفية البناء على هذه الاحتجاجات، العابرة للطوائف والمذاهب، وإلى أي مدىً يستطيع المحتجون والمتظاهرون جعل هذا التجاوز الطائفي عنصراً أساسياً في عملية التفاوض التي قد تحدث مع حكومات البلدين. وهو تحدٍّ ليس سهلاً، خصوصا إذا لم تحقق الانتفاضات الحالية مطالبها، وإذا نجح الطائفيون في تفريغها من مضمونها.

قطعاً لا تمكن المبالغة في الاعتقاد أن الموجة الحالية للاحتجاجات والانتفاضات تعني سقوط الطائفية ونهايتها، ومحو الانقسامات المذهبية. كما يصبح من السذاجة توقع أن تؤدّي هذه الموجة إلى تفكيك البنية الطائفية العربية، وتذويبها في مطالب جماعية، تتجاوز الطائفة لمصلحة الأمة ككل، فالمسألة ليست بهذه البساطة. ولكن ما لا يمكن إغفاله أيضا أن هذه الموجة قد تعطي الأمل بدخول مجتمعاتنا مرحلة جديدة من الاجتماع السياسي العربي، لا تلعب فيه الطائفية دوراً مركزياً كما كانت هي الحال من قبل.

العربي الجديد

———————–

لبنان بين “الطائف” وأمراء الطوائف/ معين الطاهر

يتحدّث كثيرون في لبنان والعالم العربي عن “الميثاق الوطني” الذي تأسس بموجبه لبنان الحديث، ومُنح على أثره الاستقلال، أو بتعبير أدق، تكريس فصل لبنان عن سورية. ما هي حكاية هذا الميثاق الذي لم يُذكر في الدستور اللبناني، ولم يُكتب، ولم يسجّل، ولا توجد أي وثيقة رسمية تتحدّث عنه، مع أنه هو الذي رسم هوية لبنان الجديدة، وقسّم المواقع بين طوائفه، وسمح بتعايشها حينًا، وبخلافها واقتتالها أحيانًا.

حوّل الزعماء الأديان والمذاهب إلى طوائف وعصبيات متخيّلة، تقف في مواجهة طوائف أخرى، تتحالف معها وتتقاسم وإياها خيرات الوطن، أو تتقاتل على مغانمه، وفقًا لمصالح زعماء الطوائف ورموزها، وينحاز لهم جمهورهم، ليدافع عن حقهم أو باطلهم، ويعتبر المساس بهم مساسًا بالطائفة وكرامتها ورموزها، لتحل الطائفة محل الوطن.

منذ ذاك الوقت، لبنان يُحكم باتفاق غير مكتوب وغير مسجّل، تم بين رياض الصلح وبشارة الخوري في اجتماع لم يُدوّن، ولم تتم الإشارة إليه في الدستور اللبناني، عُرف بـ”الميثاق الوطني”، مع أنه لم يخضع لتصويتٍ أو استفتاء شعبي، أو مصادقة أي هيئة، مهما كان شكلها. وتضمن هذا الميثاق غير المكتوب تقسيمًا للمواقع والوظائف الحكومية كافة؛ فرئيس الدولة ينبغي أن يكون مسيحيًا مارونيًا، ورئيس مجلس النواب، وكان يُعرف باسم المجلس الوطني سابقًا، هو مسلم شيعي، ونائبه مسيحي أرثوذكسي، أما رئيس الوزراء فهو مسلم سني، وقائد الجيش مسيحي ماروني، في حين أن رئيس الأركان من الموحدين الدروز. وتُقسّم مقاعد مجلس النواب المنتخب بحيث تكون نسبة النواب المسيحيين إلى النواب المسلمين 6 إلى 5. وجعلت هذه التركيبة الطائفية من لبنان بلدًا هشًا، تؤثر فيه أي متغيرات في الإقليم من حوله، أو تهزّه أي رياح تهب عليه، ويختلّ بنيانه لدى شعور أي من مكوناته بالغبن، أو بالاستقواء من شركاء الوطن، نتيجة تغيّر في المعادلة الداخلية أو الخارجية. وعلى الرغم من الشعار الذي ساد بأن قوة لبنان تكمن في ضعفه، إلا أن هذا الضعف المتولّد من طبيعة النظام الطائفي نفسه، يحمل في داخله معادلة جدلية تتضمن الاتفاق بين زعماء الطوائف وممثليها، والصراع بينهم في آن واحد، في محاولة من كل منهم تعزيز مواقعه وإضعاف خصومه وشركائه، أكانوا من داخل طائفته، أم من الطوائف الأخرى.

لم تجلب المحاصصة الطائفية الهدوء والأمن والسلام للبنان، بل كانت مفتاحًا للفتن والحروب الأهلية، حتى في داخل الطائفة الواحدة، وبوابة مشرعةً أمام التدخل الأجنبي، فمنذ عام 1974، شهد لبنان تدخلاتٍ عسكرية، وحروبًا على أراضيه، شاركت فيها قوات فلسطينية وسورية وأميركية وفرنسية، واحتلالا إسرائيليا منذ عام 1982 وحتى عام 2000. إضافة إلى القوى اللبنانية المتصارعة، والتي حظي كلٌّ منها بدعم خارجي من هذه الجهة أو تلك.

لم تقتصر الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 14 عامًا، وأدّت إلى مقتل ما بين 120 و150 ألفًا، على الاقتتال بين الطوائف، وإنما امتدت إلى داخل الطوائف ذاتها، في محاولة من أمراء الحرب في كل طائفةٍ للسيطرة على طائفته، وعزل القيادات والقوى الأخرى وتصفيتها. وهنا، ينبغي أن يلاحَظ أن التغيّرات القيادية التي جرت في داخل كل طائفة، أكانت عن طريق استخدام القوة، كما هو في فترة الحرب الأهلية، مثل تصفية القوى المسيحية الأخرى لصالح القوات اللبنانية، أم من خلال صعود قوى وتراجع أخرى، مثل تأسيس حركة أمل، على يد السيد موسى الصدر، على حساب الإقطاع السياسي الشيعي، أو ظهور حزب الله لاحقًا، أو بروز تيار الرئيس رفيق الحريري على حساب قوى سنية أخرى، لم يكن ذلك كله خروجًا عن المعادلة الطائفية، بل تكريسًا لها وتعزيزًا لوجودها.

أعاد مؤتمر الطائف (سبتمبر/ أيلول 1989) تشكيل التوازن الطائفي في لبنان، فبدلًا من معادلة 6 إلى 5، أصبحت المقاعد مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، كما قلص من صلاحيات رئيس الجمهورية، وأحالها إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، والقرارات التي يصدرها مجلس الوزراء إن لم يقم الرئيس بالمصادقة عليها، أو إعادتها إلى المجلس خلال أسبوعين، أو أصرّ عليها المجلس، تصبح نافذة حكمًا. ولكن مجلس الوزراء، وفقًا لتعديلات الطائف، يحتاج إلى ثلثي الأعضاء كي تُعقد جلساته، كما أنّ قراراته يلزمها موافقة أغلبية الثلثين، وهو ما عُرف لاحقًا بمصطلح “الثلث المعطِل”. وتحدّث اتفاق الطائف بخجل عن إلغاء الطائفية السياسية، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، لدراسة واقتراح الطرائق الكفيلة بإلغاء الطائفية، وذكر مرحلة انتقالية يتم فيها إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي، واعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامة. وأشار إلى أنه “مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني غير طائفي، يُستحدث مجلسٌ للشيوخ، تتمثل فيه العائلات الروحية، وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية”. ولم يحدد تاريخًا زمنيًا لتنفيذ ذلك، فلم تُطبّق هذه الإجراءات خلال ربع قرن على اتفاق الطائف.

لا تحمل الكيانات الطائفية عوامل استقرار في داخلها، بل هي وصفة جاهزة للانفجار أمام أول أزمة، أو عند أي منعطف في موازين القوى السائدة محليًا وإقليميًا. معادلات “الطائف” لم تحل المشكلة، وإنما عقدتها. الثلث المعطل شل حكومات لبنان، وأدّى إلى غياب الدولة أشهرا وأعواما، وساعد على إبرام صفقات الفساد، وصلاحيات رئيس الجمهورية التي قُلّصت يلوّح جبران باسيل (التيار الوطني الحر) بضرورة إعادة النظر فيها، وقد اعتبرها الرئيس ميشال عون تبريرًا لعجزه عن إجراء إصلاحات.

وفي مقابل الحديث عن صلاحيات رئيس الجمهورية، يردّ بعضهم بطرح شعار المثالثة، مستندين، في غياب أي إحصاء رسمي للسكان، إلى سجلات الناخبين، وقيود الأحوال الشخصية، والتي تفيد بأن عدد المسلمين يكاد يقارب الثلثين، وهي إشارات ودلائل تنذر بعودة البحث في التوازنات الطائفية في لبنان، حتى وإن بدا للعيان أن ثمّة اتفاقا بين أركانه على بقائه، فإن ثمّة خلافًا كبيرًا على توزيع تركته، وهو خلافٌ محكوم بموازين قوى إقليمية في طابعها الأعم، وتسمح لهذه القوى بالتدخل في الشؤون اللبنانية. وهذا هو حال الوصفة الطائفية التي جُربت في لبنان، فلم يُحصد منها سوى الحروب والفساد، ونُقلت إلى العراق، فكانت وبالًا على أبنائه.

مهما بدا الحال وكأن المتنفذين في الطوائف وأركان السلطة يمسكون بزمام الأمور، فإن لبنان أشبه بقِدْر الحليب على النار؛ تشاهده فترى سطحه الأبيض الهادئ، ولا ترى تفاعلات ما تحت السطح، لكنه ما يلبث أن يفور مرة واحدة. وهو ما فاجأ الشعب اللبناني به الجميع في خطوةٍ لعلها تكون حجر الأساس باتجاه لبنان حرّ وديمقراطي، بعيدًا عن الطوائف المتخيلة كلها.

العربي الجديد

———————

عزيزي حسن.. لن تهزم جيل Play Station/ يوسف الخوري

إسمح لي أن أكلّمك من دون استخدام أيّ لقب من ألقابك الكثيرة، لأنّ الأدبيّات تفرض عليّ أن أخاطبك بالعفويّة نفسها والأسلوب المباشر اللذَين استخدمتهما في اطلالتك الأخيرة لمخاطبة الشعب المنتفض.

كنت برفقة مجموعة من الأصدقاء نرتشف القهوة معًا حين اندفعت وسائل الاعلام المحليّة والأجنبية إلى نقل كلمتك يوم 25/10/2019. بدأتَ بتلاوة درس “الأَشيا” علينا عبر شاشة التلفزيون، لكنّ البعض منّا تابع نقاشاته الجانبيّة حتى انتفض أحد الحاضرين صارخًا: “سَمْعونا!… إذا مش هامِمْكن اللي بدّو يقولو حسن نصرالله، عالقليلي تسمّعوا وتعلّموا كيف بيعمل build up لأفكارو، تعلّموا فن الـcommunication!” وبالفعل، صمتَنا جميعًا وتوجّهنا بأنظارنا نحو التلفزيون مُنصِتين لحديثك. لم يمرّ على إملاءاتك عشرون دقيقة، وأنت لم تكن بعد قد دخلت صلبَ الموضوع، حتى علا في الصالون شخير أحدنا لدرجة أنّه شتّت انتباهنا عن كلامك، فنظرنا معًا نحو الشاخر، فإذا بصاحبنا الذي زجر في وجهنا مرغِمًا إيّانا على سماعك، قد ملَّ وانسحب من بيننا إلى قيلولة عميقة.

لم نتكوّم حول التلفزيون لسماعك إلّا اعتقادًا منّا بأنّ خطابك قد يشكّل خريطة طريق ترأب الصدع بين المنتفضين والنظام القائم. لكن، في الحقيقة، تبيّن لنا أنّ الزمن قد سبقك على غفلة.  شابَت حديثَك أربعُ معضلات في الأساس، فكانت كافية لإطاحة محاولاتك التأثير في المنتفضين، إذ: لم تكن متجدِّدًا في خطابك؛ لا تزال جاهلًا لقوّة خصمك؛ جعلتَ من نفسك طرفًا في الأزمة القائمة؛ نسيتَ أو تناسيت أنّ بيتك من زجاج.

في خطابك غير المتجدّد

توجّهت، يا حسن، إلى المنتفضين بالأسلوب نفسه الذي تتوجّه به إلى جمهور حزبك، بينما هؤلاء الذين يفترشون ساحات لبنان اليوم منتفضين، يختلفون عن جمهورك، أقلّه لناحية تأليه الأشخاص والتحزّب الأعمى. استلّهيت كلامك بسردٍ لأحداث انتفاضة الشعب منذ اشتعالها، وهو أمر لا فائدة منه لأنّ الكل يعرفه، سواء من النقل المباشر عبر التلفزيونات أو من مشاركته في تحرّكات الشارع. ثمّ رُحتَ تملي علينا أخبارًا عن شواذ وانتهاكات يرتكبها المنتفضون بحقّ المواطنين، والتي، بغضّ النظر عن مدى صحّتها، تبقى أخبارًا قديمة – “بايتة” على قَوْل اللبنانيين – إذ سوّقها قبلك بأيّام “العونيون” بشتّى الوسائل. أضف إلى ذلك أنّك نطقت كلام الرئيس نفسه، ورئيس الحكومة، وكأنّ الضوء الأخضر لإطلالاتكم مصدره غرفة العمليّات نفسها.

في جهلك قوّة الخصم

جيلان يفصلانك، يا حسن، عن هؤلاء المنتفضين، وكان يجدر بمَن حولك لفت انتباهك إلى أنّ التطويل في الكلام والاستفاضة في التحاليل لا ينفعان معهم، وأنّ عليك أن تخطف انتباههم بجمل مختصرة ومعبّرة من بداية الحديث. ألم تلاحظ كيف أنّهم يعبّرون بقليل من الكلام؟ كلّنا للوطن، كلّن_يعني_كلّن، هيلا هيلا هيلا هووووو… الجيش اللبناني منحبّو. هم جيل البلاي ستايشن والعالم الافتراضي، عالم Assassin’s Creed وCall of duty وRunescape. في نظرهم، هم مقاومون أكثر منك؛ أنت مقاومتك سلبيّة هامدة ومحدودة، تقتصر على الإطلالات الإعلامية والتهديد بسبابتك من ملجأ أنت أسيره منذ سنين، بينما هم مقاومتهم إيجابيّة حيّة، إذ بكبسة زرٍ، ينتقلون افتراضيًّا من غرفهم ليضربوا أهدافهم من أقصى شمال الكرة الأرضية حتى أقصى جنوبها، مرورًا بأفغانستان وإسرائيل و”داعش”. قوّتهم أنّهم في مقدورهم رؤيتك، في حين أنك، ولغاية خطابك الأخير، ما زلت تطلب منهم أن يُعرِّفوا عن أنفسهم وكأنّك تنعتهم بالأشباح… نعم يا حسن، هم أشباح. في بيتي نموذج منهم، أترافق معه إلى السينما، نتشارك مائدة الطعام نفسها ونسافر معًا… إنه ابني. هو أمامي طيلة الوقت، أراه لكنّي لا أعرفه، فكيف تعرفه أنت وتتواصل معه وتُملي عليه من حيث أنت قابع في ملجئك؟ كيف لرئيس البلاد أن يخاطبه وبينهما هوّة تصل إلى أربعة أجيال؟ ألوم المستشارين حولك وحول الرئيس، كيف أنّهم لم ينتبهوا إلى المسافة بين الزمن المتجمّد الذي تقبعان فيه مع الشلّة الحاكمة منذ عقود، والزمن الافتراضي الذي يتقدّم فيه شعب المنتفضين بسرعة الضوء.

لن أخفي عليك سرًّا يا حسن، وأرجو ألّا تُزعجك صراحتي: حين بدأتَ خطابَك المتلفز، كان الشارع المنتفض في مكان، وحين أنهيت كلامك بعد ساعة، كان قد أصبح في مكان آخر بعيد. وبما أنّنا نتصارح، يجب أن تعرف أنّ السلاح لا يُخيف هؤلاء المنتفضين لأنّهم اعتادوا الموت كل يوم عشرات المرّات في عالمهم الافتراضي، كما اعتادوا أن يقوموا بعد الموت ليتابعوا من جديد. في بداية الانتفاضة، لاحظت أنّهم لا ينادون بنزع سلاحك غير الشرعيّ على غرار أخصامك الحزبيين، وظننت مخطِئًا أنّ ذلك مردّه لعدم اعتبارهم هذا السلاح قوّة في وجههم. لكن، بعد دخولي بينهم في الساحات وتحدّثي معهم، اكتشفت أنّهم حتى لا يعيرون “ترسانتك العسكرية التي ترعب إسرائيل” أيّ اهتمام لأنّها بالنسبة إليهم مجرّد خردوات بالية أكلَ عليها الدهر وشرب، إذا ما قارنوها بالتقنيّات الحربية المذهلة داخل عالمهم الافتراضي. وهذا جلّ قوّتهم!

في دخولك طرفًا في الأزمة

لم يَكفِك، يا حسن، يا صديقي، أنّك وثبتَ إلى مخاطبة المنتفضين من حيث لا صفة تُخوّلك القيام بهذه الخطوة، بل انزلقتَ إلى التموضع كمدافع عن السلطة بخطواتها المرقِّعة للأزمة، وبالتالي جعلت من نفسك طرفًا في النزاع. بناءً عليه، فإن من حقّ المنتفضين، لا بل من واجبهم، التعامل معك كواحد من السياسيين المتّهمين، ومن واجبك ثني جماعتك عن التصرفات الميليشياوية في الشارع، إذ أنّ “زعرناتهم” ضد المنتفضين سلميًّا لا تُشرّفك ولا تُشرّف أيّ حزب إلهيّ.

أنا متفاجئ بأنّك ورّطت نفسك بالإعلان عن أنّ العهد لن يسقط وأنّك لا تؤيّد استقالة الحكومة، وفي الوقت نفسه دعوْتَ المنتفضين، أصحاب شعار “كلّن يعني كلّن”، للتفاوضّ! أيّ تفاوض يا حسن بعد إعلانك موقفًا مُسبقًا؟! ما هذا التناقض يا أخي؟! وللأسف، لم تكن مقنعًا بحضّ المنتفضين على مفاوضة السلطة، بل كنت تدور حول نفسك عبثًا، كحين يردّد ابن أخي ذو التسع سنوات “تيتو بيسلِّم عليكو، وعليكو بيسلّم تيتو …”. لا تراهن على عجز المنتفضين عن تشكيل لجنة تمثّلهم، لأنّهم قادرون على هذا الأمر لو أرادوا ذلك! بينما السلطة التي تتولّى الدفاع عنها هي المُحرجة في هذا المكان، إذ ليس بمقدورها تشكيل لجنة موحّدة ذات رأي واحد لمفاوضة الناس، لأن أفرقاءها ليسوا على وِئام … لذا، فلتبدأ يا صديقي بلمّ شمل أهل بيتك قبل أن تُرشد المنتفضين.

في أنّك نسيت أنّ بيتك من زجاج

أيُعقل، يا حسن، أنّك تناولت في حديثك قصّة حرق الدواليب وقطع الطرق وانزعاج الناس جرّاء ذلك؟! لم ينسَ أحد يوم اندفعتَ مع حلفائك “العونيين” وربطتم لبنان من جنوبه إلى شماله بحبل من الدواليب المشتعلة، إلّا إذا كنت تُريد أن تقنعني بأنّ دواليبكم عضوية غير مضرّة! وما هذا الأسلوب في التخاطب حين تُبدي قلقك على رواتب الناس آخر الشهر؟ أنسيتَ حرب تموز وتقديرك الخاطئ الذي كلّف البلاد آلاف القتلى ومليارات الدولارات وحربًا دمّرت البلاد وشلّتها 33 يومًا؟ أنسيتَ اعتصامكم لسنة ونصف السنة في العاصمة حيث قضيتم على شرايين الاقتصاد؟ كيف تتجرّأ على اتهام جهات خارجية بتمويل الانتفاضة وأنت مئات الملايين من الدولارات تصلك سنويًّا من إيران؟ لا يا حسن لا، ما عهدتك يومًا، يا صديقي، تنزلق إلى هذا الدَرك من الإسفاف والارتباك والتناقض.

في المحصّلة، دَعْكَ من رهاناتك على أناس غير محبوبين من الشعب، وأرجو منك أن تقتنع منّي أنّ الزمن قد تغيّر وسبقك! صدّقني، هذا العالم الافتراضي الذي يسكنه شباب الانتفاضة يتحرّك بسرعة الضوء ومن الصعب أن تلتقطه راداراتكم. والبرهان أنّك، قبل أسبوع واحد من الانتفاضة، كنت تلتقي كل مرشّح ماروني مُحتمل للرئاسة لسِتِ أو سبع ساعات متواصلة، ومعهم تجلس تخطط وتخطط وتخطط من دون أن يتمكّن جهاز واحد من أجهزتكم الوقائيّة المخابراتيّة من التقاط ذبذبة واحدة تنبئ بتحرّك المنتفضين.

نصيحتي الأخيرة لك، لا تحاول أن تُخيف هؤلاء الشباب من الانهيار الكبير أو الفراغ، فهم مُدركون أنّ أعمارهم الفتيّة تتيح لهم إعادة بناء الهيكل بسرعة. وإذا كان النظام القائم، وأنت يا حسن، تتخوّفان فعلّا من الانهيار الشامل والمصير المجهول اللذين قد يطرآن بسبب تمترس الشعب في الشارع وقطع الطرق، فأنا أنصحكما: إنّ أسرع طريقة لإنهاء المُشكلة الحاليّة وسحب فتيل الفتنة هي الخضوع لمطالب الشعب الداعية إلى رحيل السلطة، ومن بعد ذلك دعوا الشعب يتكفّل بالباقي. فهذا النظام الذي تُدافع عنه يتكرّر بالوجوه نفسها منذ ثلاثين سنة وهو غير قادر بعد اليوم على التطوّر!

عزيزي حسن، سأختصر لك الصورة بجملة واحدة: أنت والزمرة الحاكمة في وادٍ مغلق، بينما المنتفضون يتحرّكون بسرعة الضوء في فضاء فسيح وافتراضي، فكيف تحكمونهم بعد اليوم؟

بيروت، في اليوم الحادي عشر لانبعاث الفينيق.

لمدن

—————–

انتفاضة لبنان: ضرورة البقاء خارج الحكومة …/ حازم الأمين

سيبدأون قريباً باستدراجنا، وهم بدأوا محاولاتهم. الانتفاضة يجب أن تبقى رقصاً على ضفة ما يحصل في أروقتهم. تراقب ولا تقبل. الحكومة العتيدة ليست حكومتنا. ستتشكل تحت ضغط حناجرنا، لكننا سنبقى في الخارج. سترتفع أصواتنا على وقع فسادها، وسينفجر غضبنا في وجوه أعضائها. يجب أن تعمل وهي مدركة أننا هنا متحفزون لها في الطريق، وأننا الساحة، ولسنا شارعاً في مقابل شارعٍ، على ما بدأوا يروجون.

الحكومة العتيدة لن تكون حكومتنا مهما كان شكلها. إنها حكومتهم، وحولها تنعقد شكوكنا. شكوكنا كلها. فهي تشكلت في أروقة السلطة نفسها، وأنتجها قانون الانتخاب نفسه، وسيرأسها واحد منهم. الرجال الـ”أنيقون” الذين انبث عدد منهم بيننا في التظاهرة نعرفهم. يريدون استدراج بعضنا إلى حكومتهم. وهم إذا ما نجحوا سيكونون قد نجحوا أيضاً في إشراكنا بفسادهم، وفي تعطيل قدرتنا على محاسبتهم، ذاك أننا سنكون شركاءهم. يجب أن تبقى التظاهرة بلا قيادة وبلا ممثلين. تظاهرة في الشارع تشتغل على وقعٍ آخر غير وقع تشكيل الحكومة. بينما هم سيكونون في تلك الأروقة يتهامسون ويسعون إلى لملمة الفضيحة.

التظاهرة أنجزت من دون أن تدعي. استقالت الحكومة، وصار صعباً على جبران باسيل أن يعود وزيراً، ووضع أمين عام “حزب الله” علماً لبنانياً خلف كرسيه وخاطبنا، وتراجع عن اتهامنا بأننا ممولون من “السفارات”. لم يضع أحد هذه الأهداف للتظاهرة. فعلتها من تلقاء نفسها. واليوم عليها أن تكمل المهمة بعيداً من المفاوضة. ستجري مياه كثيرة، وسنحقق المزيد من الأهداف، من دون السقوط في الأفخاخ التي ينصبونها لنا. الحكومة العتيدة من دون رموز فسادهم ستكون جزءاً مما أنجزته الانتفاضة، إلا أنها ليست حكومتنا، وهي يجب أن تعمل تحت ضغط التظاهرة، وتحت أعينها. فأعضاؤها هم أنفسهم. البدلاء سيكونون ممثلي الأصلاء. لن نأمن لهم، والشك والريبة يجب أن يكونا اللغة الوحيدة بيننا وبينهم. فتجربتنا معهم كانت مريرة وبشعة، وفسادهم بلغ أعناقنا.

وفي هذا الوقت، لن نكون “شارعاً في مقابل شارع”. الشعار الثاني بعد شعار “كلن يعني كلن” كان “14 و8 عملوا البلد دكانة”، فكيف استقام لهم اجتراح عبارة “شارع في مقابل شارع”. في التظاهرة انشقاقات كبرى عن “14 آذار” وعن “8 آذار”. هذه الظاهرة هي حديث الانتفاضة، وغبطتنا بها. وجوه أساسية من مشهد الانقسام انضمت إلى التظاهرة، وهالها أن يوصف المشهد بعبارة “شارع في مقابل شارع”. لقد انشق كثيرون منا عن أنفسهم وعن صحفهم وعن جوههم، وانضموا إلى التظاهرة. دهشة كبيرة أصابتنا حين التقينا في ساحات الانتفاضة وفي لياليها بمن التقينا. هذه المهمة أنجزتها الانتفاضة أيضاً، وصارت صعبة إعادتنا إلى ذلك المربع البغيض.

حين اعتلى جبران باسيل بالأمس المنبر وقال: “نحن أيضاً لنا شارعنا”، بدا هزيلاً وفاقداً القدرة على “شد العصب”، فمن توجه لهم بأصبعه ليسوا “الشارع الآخر” ولا الطائفة الأخرى، ولا يمكن له أن يحدد وجهاً لهم. والجواب المسائي كان جلياً. يمكننا أن نقول إننا حيال مشهد في مقابل مشهد. نحن لا نطمح لأن نكون أكثر من مشهد جميل في مواجهة طبقة سياسية قبيحة وفاسدة ومرتهنة. مشهدنا هز أركان سلطتهم. مشهد ساحتي رياض الصلح والشهداء عشية انعقاد مشهد شارعهم في بعبدا. وجوه الناس في الساحتين في مقابل وجه جبران باسيل الواحد الأحد في تظاهرة بعبدا. وهو إذ استقدم مناصريه من كل لبنان إلى بعبدا، جاءه جواب الساحات في طرابلس والنبطية وجل الديب، وهذه ليست شوارع طالما أنها ألغت خط الانقسام الذي لا تعرف الطبقة السياسية أن تشتغل من دونه.

يجب أن نحفظ للانتفاضة نجاحها حتى الآن في تعطيل رغبتهم في تحويلها إلى “شارع في مقابل شارع”. والأرجح أن الساعين لتثبيت هذه المعادلة غائبون عن الساحات. لا أحد يشعر هناك بأن عودة سعد الحريري تخاطبه، وأكثر من نصف المتظاهرين كانوا إلى الأمس القريب متحفظين على ضم نصرالله إلى “كلن يعني كلن”، لكنهم اليوم مقتنعون بذلك. والممعنون في السعي إلى “شارع في مقابل شارع” يزيدون الهوة بينهم وبين من ابتعد منهم خطوة، واستقل بنفسه وبوجهه عن “شارعه” وعن طائفته وعن حزبه. لقد اتهمهم “حزب الله” بأنهم ممولون من السفارات، ولم يوضح لهم قبوله بظاهرة الاعتداء على المتظاهرين، لا بل سبب إقدامه على ذلك، وقالت وسائل إعلامه إن سمير جعجع يحركهم. هم موجودون في الساحات، ويعايشون هناك حقيقة “كلن يعني كلن”.

وفي هذا الوقت، أبدت الساحات قدراً مذهلاً من الوعي في رفضها عروض “الشراكة” في حكومة ما بعد السقوط. فالوجهة أن نبقى خارج “التسوية” نراقب ونتظاهر ونضغط، حتى تتشكل حكومة ما بعد العهد. وهذه مهمة طويلة الأمد، لكن لا خيار آخر للبنانيين سواها.

درج

—————————-

إختطاف صبا المهداوي يُهدد الناشطين في العراق / زينب المشاط

عند الساعة الحادية عشر وخمسة عشر دقيقة ليلاً، تتصل الفتاة التي تقود سيارتها متجهة من جسر الجادرية في بغداد إلى منطقة البياع  بمدير شركتها. انتاب المدير الفزع حين سمع صرخات من الجانب الاخر للهاتف، ثُم أغلَق الاتصال بعد ثواني…

حادثةٌ تُطفئ الصباح العراقي، وترهب بعضاً من ثوار ساحات التحرير. تمّ اختطاف الناشطة والمتظاهرة، صبا المهداوي، التي حرصت خلال الأسابيع الماضية من بدء الحراك الاحتجاجي العراقي، على اسعاف المتظاهرين المصابين خلال تظاهرات تشرين الأول/اكتوبر.

 لم تكُن الصورة جليّة، المعلومات متضاربة، بين النفي والتأكيد. وعائلة المهداوي وأصدقاؤها لا يريدون تصديق الخبر، أو أنهم اعتقدوا أن ما حصل ممكن أن يكون نكتة سمجة، تماماً كالصور التي كانت تنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن قتل نشطاء او اختفائهم منذ انطلاق التظاهرات وحتى اليوم، ليظهر فيما بعد أن الأمر خدعة، ومحض إشاعة لا أكثر …

إلا أن خبر اختفاء صبا المهداوي لم يكن إشاعة…

عبر مواقع التواصل الاجتماعي نشرت الصفحات المعنية بأمن وسلامة مستخدمي الهواتف النقال المعلومة التالية:” كان بحوزة صبا هاتفي نقال، أحدهما استخدمته للاتصال بشخص، واثناء الاتصال وحينما كانت تقود سيارتها تم اختطافها، وأغلقت الجهة الخاطفة هاتف صبا بعد دقائق، أما الثاني فلم تكُن الجهات الخاطفة على دراية به، ما منح الفرصة لاتباع موقعها من خلاله.” وبحسب ما ذكرته هذه الصفحات “أن الـ GPS أكد انها انتقلت بعد اختطافها من منطقة البياع إلى منطقة زيونة.” فيما أكدت صفحات أخرى “أن خاطفيها اتجهوا بها إلى شارع الصناعة مقابل الجامعة التكنولوجية.”

تعطيل الفيسبوك

بعد ساعات ليست بالقليلة من انتشار خبر اختطاف صبا، زار العديد من الإعلاميين والمدونين والنشطاء موقع الناشطة المختطفة عبر فيسبوك، محاولين التأكد من الخبر، إلا إن المُفاجئة حدثت مع صباح اليوم التالي من ليلة الاختطاف، وهي أن حساب الفيسبوك الخاص بصبا المهداوي قد تم تعطيله لأسباب مجهولة.

والدة صبا

“بادرت ابنتي الى مساعدة المتظاهرين منذ اليوم الاول للتظاهرة، كحال اي مواطنٍ عراقي، إلا أنها لم تقم بأكثر من ذلك”، بكلماتٍ غلبت عليها الدموع والألم، تحدثت والدة المختطفة صبا المهداوي وتقول: “ابنتي عمدت الى جمع التبرعات من صديقاتها واقاربها، ومنا نحن ايضاً اسرتها لغرض دعم التظاهرة، وتوفير الطعام والاسعاف الاولي للمتظاهرين، لكنها لم تقم بأكثر من ذلك، كانت تزور ساحة التحرير وتساعد زملائها كل يوم في إسعاف المصابين جراء التظاهرات .”

الأم طالبت الجهات المعنية بضرورة اعادة ابنتها التي لم ترتكب اي اثم تحاسب عليه وتقول ” اناشد الجهات المعنية من الحكومة العراقية والسيد مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري، ورئيس الجمهورية برهم صالح، واناشد اي جهة باستطاعتها اعادة ابنتي لي، فأنا غير متوازنة منذ ليلة اختطافها.”

شقيقها

احمد شقيق صبا، الذي يراقب هاتفه النقال بقلق، في حال اتصال اي رقم غريب، قد يكون يحمل معلومات عن المختطفة يقول ” لقد اتصلت بها عند الساعة العاشرة مساءً ليلة يوم السبت 2 تشرين الثاني 2019، وقبل ان يتم اختطافها بساعة تقريباً، واخبرتني انها ستخرج من ساحة التحرير لتتوجه نحو البيت، إلا أننا تلقينا اتصالاً من مديرها ليُفاجئنا بقوله إن هناك من اختطف ابنتكم.”

يحاول أحمد وباقي العائلة التواصل مع كل الأطراف التي يمكن ان تساعد في كشف مصير شقيقته، ” اتصلت بجهات أمنية وحكومية للبحث عن اختي، وحتى أنني اتصلت بجهات غير حكومية كالميليشيات المسلحة، فضلاً عن جهات من الأمن الوطني ولكن الجميع يخبرونا أن لا وجود لها، سجلت محضراً في مركز الشرطة وانا بانتظار خبر يشفي غليلي.”

لم يكُن لأحمد علم بأن هنالك من تتبع هاتف صبا النقال، وان الهاتف يُنبئ عن انتقال شقيقته من منطقة البياع الى منطقة زيونة وقال ” في الواقع لا علم لي بذلك ولا اعرف حتى من الذين تتبعوا الهاتف النقال الخاص بها، كل ما اعرفه انها اختفت ولم يتصل بنا أي شخص من الجهة الخاطفة بعد.”

وتحدثنا مع شخص من الشركة حيث تعمل صبا لكنه رفض الكشف عن اسمه، وهو اكد انه صديق العائلة، وهذا ما دفعه للاتصال بعائلة صبا التي كانت تحادثه في وقت الحادث تماماً، ومدهم ببعض المتطلبات والأمور المتعلقة بعملها معه في الشركة  وهي شركة معدات الثقيلة ومقرها في شارع السعدون ويقول ” بين الساعة الحادية عشر والحادية عشر وخمسة عشر دقيقة، كنت على اتصال مع صبا، وأثناء اتصالي بها سمعت صوت فرامل السيارة، وصرخات صبا مُستنجدة، ثم أُغلق الهاتف النقال بعد ثواني من تلك الصرخات، لم اجد وسيلة سوى الاتصال بأسرتها لأخبرهم بما حصل.”

مكتب العصائب

عصائب أهل الحق، هي واحدة من أبرز الميلشيات الناشطة في بغداد، ولها مقر في منطقة زيونة، وقد وجهت العديد من الاتهامات لهذه الميلشيا باختطاف الناشطة صبا المهداوي. هذه الأنباء انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهي تستند الى تتبع هاتف صبا، وبحسب المعلومات فإن رصد الهاتف أثبت خطفها من منطقة البياع باتجاه منطقة زيونة، لكن العصائب نفت الأمر وأكدت أن ” لا علاقة لهم باختطاف الناشطة نهائياً.”

في الوقت ذاته أكدت جهات حكومية لعائلة صبا أن اسم ابنتهم لم يندرج ضمن قوائم المعتقلين وأنها “غير مُعتقلة من قبل اي جهة امنية او حكومية.”

تهديد المتظاهرين والنشطاء

اختفاء صبا أثار موجة قلق واستنكار واسعة داخل العراق وخارجه، ونشطت أوسمة تضامن عديدة معها وسط قلق زملائها واصدقائها،

“نحن قلقون من استمرار قمع المتظاهرين والنشطاء، سواء بالقتل الذي يحدث في ساحة التحرير وجسر الجمهورية والسنك، أو عن طريق الاختطاف.” تعبر الناشطة رسل اكرم عن مخاوفها من استمرار حالة الاختطاف هذه وتقول :” سبق وان تم اختطاف الناشط سيف الربيعي، واليوم تُختطف الناشطة صبا المهداوي، بالواقع لسنا متأكدين من اختطاف صبا من قبل ميليشيات، او اعتقالها من قبل جهات حكومية، وقد تكون هنالك عصابات اخرى قامت بخطفها مع هذه الفوضى التي نعيشها اليوم، وتخلي الحكومة عن اداء مهامها، وإصرارها على التمسك بكرسي الحكم دون الالتفات الى المصلحة العامة للشعب، فقبل ذلك تم اختطاف الدكتور ميثم الحلو واكتشفنا انه مختطف من قبل عصابات طمعاً بمبلغ مالي لا أكثر بعد أن قاموا باطلاق سراحه مقابل مبلغ مالي.”

اختطاف صبا محطة مقلقة في سياق الحراك الاحتجاجي العراقي الذي ينذر بمزيد من التصعيد مع رفض السلطات على التراجع ازاء المطالب واستمرار المتظاهرين باحتجاجاتهم…

درج

————————–

مصير المنطقة يتقرّر في العراق/ خيرالله خيرالله

ليست معركة العراق سوى معركة تقرير مستقبل المنطقة كلّها. هل يكون العراق أرضا تسرح فيها الميليشيات المذهبية التي ترعاها “الجمهورية الإسلامية” التي تأسست في عام 1979… أم لا؟

بكلام أوضح؛ إيران تسعى إلى وضع يدها على العراق بشكل نهائي، وكانت قاب قوسين أو أدنى من ذلك بعدما تمكّنت من فرض عادل عبدالمهدي رئيسا للوزراء بعد انتخابات آيار – مايو 2018 على الرغم من انّه لا يمتلك قاعدة شعبية تذكر.

اخترعت إيران قاعدة لعبدالمهدي من أجل استبعاد حيدر العبادي عن موقع رئيس الوزراء. سعى العبادي، على الرغم من انتمائه إلى حزب الدعوة الإسلامية المعروف بتعصّبه وفكره المتزمت، إلى امتلاك هامش من الحرّية عن إيران طوال السنوات التي تولّى فيها موقع رئيس الوزراء خلفا لنوري المالكي.

اكتشف العبادي متأخّرا أن ذلك ليس ممكنا وأن التحالف، الذي كان مفترضا أن يعيده إلى موقع رئيس الوزراء لن يصمد أمام الضغوط الإيرانية التي تمارس عبر وسائل وشخصيات وميليشيات مذهبية مختلفة. من بين تلك الشخصيات، مقتدى الصدر، الذي كان ينادي في الأمس القريب بالقرار العراقي المستقلّ… فإذا به يعود إلى لعب الدور المطلوب منه، أي الدور المرسوم له في طهران بعد إعلان ولائه لـ”المرشد” علي خامنئي مجدّدا.

لا بدّ من العودة إلى أحداث وتواريخ معيّنة للتأكّد من أن الذي يجري في العراق ناتج عن تراكمات مكّنت إيران من القول إنّها باتت تمسك أخيرا بكلّ خيوط اللعبة العراقية، لو لم تفاجأ بحجم الحراك الشعبي المعادي لها والذي رأس حربته شيعة العراق من العرب.

لم يقترب العراق من فم إيران بمقدار اقترابه منذ العام 2018، خصوصا بعد الانتخابات التشريعية التي أجريت في تلك السنة. كشفت نتائج تلك الانتخابات الثقل الإيراني في العراق من جهة وغياب السياسة الأميركية الواضحة من جهة أخرى.

لا يتعلّق الأمر بالعراق وحده بمقدار ما يتعلّق بالمنطقة كلّها، حيث لا همّ للرئيس الأميركي دونالد ترامب سوى تفادي أيّ مواجهة عسكرية مع إيران. وهذا ما تبيّن بوضوح، ليس بعده وضوح، بعد إسقاط صاروخ إيراني لطائرة تجسّس أميركية فوق مضيق هرمز في حزيران – يونيو الماضي.

يخشى ترامب في الواقع أن تؤدي أي مواجهة عسكرية إلى القضاء على أمله في العودة إلى البيت الأبيض ثانية. إنّه رئيس لا همّ لديه سوى انتخابات تشرين الثاني – نوفمبر 2020. أمّا العراق والعراقيون وسوريا والسوريون ولبنان واللبنانيون، فيمكنهم الذهاب إلى الجحيم!

قرّر العراقيون أخذ زمام أمورهم بأيديهم، تماما كما قرّر اللبنانيون، الذين اكتشفوا في تشرين الأوّل – أكتوبر 2019 أنّهم يعيشون في ظلّ عهد “حزب الله”، النزول إلى الشارع والمطالبة بتغييرات كبيرة بدءا بتغيير الحكومة، التي يرأسها سعد الحريري، والتي استقالت استجابة لمطالب الأكثرية الشعبية اللبنانية، على الرغم من مطالبة “حزب الله” بإبقائها غطاء له!

تكمن أهمّية كلّ ما يجري في العراق في أنّه موجّه ضد إيران، مباشرة وعلنا، وضدّ مشروعها التوسّعي الذي كانت له انطلاقة جديدة بعد الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003 وعودة زعماء الميليشيات المذهبية العراقية إلى بغداد على ظهر دبّابة أميركية. بات زعماء هذه الميليشيات في معظمهم، يشكلون قيادة “الحشد الشعبي” الذي يفترض أن يكون الأداة الإيرانية، التي تستخدم في السيطرة على العراق، على غرار “حزب الله” في لبنان.

من الطبيعي في ظلّ هذه المعطيات أن تلقي إيران بثقلها لقمع التحرّك الشعبي في العراق، الذي لم يكن أيّ يوم لقمة سائغة لإيران، مثلما هو منذ تولي عادل عبدالمهدي موقع رئيس الوزراء.

تفوّق عادل عبدالمهدي على نوري المالكي الذي قبل بعد العام 2010 أن يكون مجرّد أداة إيرانية طيّعة من أجل البقاء في موقع رئيس الوزراء قبل أن تطيحه أحداث الموصل وفضيحة تسليمها إلى “داعش” في حزيران – يونيو 2014.

من العراق، انطلقت إيران بعد 2003 في كلّ الاتجاهات. وعززت وجودها أيضا في سوريا وكذلك في لبنان، خصوصا بعد اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط – فبراير 2005. إيران ستعمل كلّ ما في وسعها من أجل البقاء في العراق، أو على الأصحّ، من أجل بقاء العراق مستعمرة إيرانية. هذا ما يفسّر كلّ الجهد الذي يبذله قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني من أجل القضاء على أي مقاومة عراقية للوجود الإيراني. هذا ما يفسّر تمسّكه بعادل عبدالمهدي ويفسّر أيضا كلّ الجهود التي تبذلها إيران من أجل تفادي قيام جيش وطني عراقي له حيثياته وله وزنه وضباطه، الذين لا ولاء لديهم سوى للعراق.

ستكون معركة العراق طويلة، وفي ضوء نتيجتها سيتقرّر موقع إيران على خارطة المنطقة. هناك حلم إيراني كاد أن يتحقّق لو لم ينتفض العراقيون. كان أمل آية الله الخميني الذي عرف كيف يجيّر الثورة الشعبية الإيرانية على نظام الشاه لمصلحته، بسقوط العراق سريعا. لكن آمال الخميني في 1979 و1980، خابت بعد خوضه حربا مع العراق استمرّت ثماني سنوات وانتهت بشبه انتصار عراقي.

استفاد الخميني كثيرا من تلك الحرب بإرسال الجيش الإيراني إلى الجبهات وإبعاده عن المدن. وسمح له ذلك بتعزيز وضع نظامه، الذي يعتمد على “الحرس الثوري” أكثر بكثير من اعتماده على الجيش النظامي، الذي طالب قادته الشاه بالحسم باكرا في الشارع، لكنّه رفض الاستماع إليهم.

بعيدا عن العقل السياسي التبسيطي لصدّام حسين، صمد العراق ثماني سنوات في المواجهة مع إيران. وهذا يعود إلى عدّة عوامل، في مقدّمها الشعب العراقي نفسه، الذي خيّب آمال الإيرانيين، الذين كانوا يعتقدون أن شيعة جنوب العراق في انتظار الساعة التي يقتربون فيها من الحدود كي يرموا السلاح.

المعركة لا تزال مستمرّة منذ عام 1979 وهي بين إيران والشعب العراقي، الذي يرفض الاستسلام. لا يوجد أدني شكّ بأن معركة العراق أهمّ بكثير من معركة لبنان، نظرا إلى أن مستقبل النظام الإيراني أصبح على المحكّ. لو لم يكن الأمر كذلك، لما كانت تلك الاستماتة الإيرانية في رفض أي تغيير في العراق، بما في ذلك تغيير عادل عبدالمهدي، الذي خدم عسكريته، من الزاوية الإيرانية، ولم يعد أمامه في نهاية المطاف سوى الاستقالة، بدل البقاء أسير لعبة هي جزء من معركة طويلة وخطيرة.

لا بدّ لهذه المعركة من الانتهاء ذات يوم، لكن يبقى هناك سؤال لغز لا مفرّ من طرحه: هل مسموح أميركيّا أن تسيطر إيران على العراق وثرواته أم لا، وذلك على الرغم من كلّ ما فعله جورج بوش الابن بتقديمه العراق على صحن من فضّة إلى إيران؟ 

إعلامي لبناني

العرب

————————-

لبنان والعراق..خسارات إيرانية/ حسن فحص

لم يكن خروج امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله عن سياق الحديث المخصص لمفاعيل الانتفاضة الشعبية التي شهدها لبنان في الاسبوعين الماضيين والجدل الحاصل حول تداعيات استقالة الحكومة برئاسة سعد الدين الحريري وما يرافقها من جدل حول طبيعة الحكومة المقبلة بين تكنوقراط او مختلطة بين تكنوقراط وسياسي او اعادة انتاج الحكومة السابقة على الاسس نفسها والشخصية التي ستتولى رئاستها، للانتقال للحديث عن المقاومة وقوتها (قوية جدا جدا) والتصدي للمسيّرة الاسرائيلية، خروجا على سياق حديثه، بل استطرادا حاملا للرسائل التي اراد توجيهها للداخل والخارج اللبناني المعني بالتطورات التي تشهدها هذه الساحة.

فعلى المستوى الداخلي، يبدو ان القرار لدى القوى المقررة في الازمة الحكومية والسلطوية ذاهب باتجاه تبني خيار تشكيل حكومة مختلطة بين سياسيين وخبراء على حساب تلك التي تدعو وترفع شعار التكنوقراط مراهنة انها قادرة على تقديم وجوه جديدة غير واضحة الانتماء الحزبي ما يعزز نجاحها في تحقيق هدفها الذي لم تبذل كثير جهد في اخفائه باخراج وابعاد حزب الله عن اي تشكيلة وزارية مقبلة تمهيدا لمحاصرته. ما يعني ان اصرار هذه القوى على خيار “الحكومة المختلطة” سيجعل من الفريق “التكنوقراطي” اكبر الخاسرين واول الخارجين من هذه الحكومة بما يشبه عملية العزل الذاتي التي تخدم الفريق الخصم وتعفيه من تحمل عبء وتبعات محاسبته لاحقا.

هذه “الصدمة الايجابية” التي تحدث عنها امين عام الحزب، تشكل رسالة طمأنة لحلفائه في الداخل وفي الاقليم بان المسار السياسي والعمل على استيعاب التطورات الناتجة عن الازمة الحكومية وما احدثته الانتفاضة الشعبية من جراح في التركيبة السياسية يتم العمل على علاجها بهدوء وروية، خصوصا وان المرحلة الاولى من العلاج قد تمت بنجاح من خلال خلخلة مواقف القوى الداعمة للانتفاضة عبر استقالة الحريري التي تبدو لدى الحزب وقيادته “اشكالية” وغير بريئة، الا ان خيار العودة لتنبي ترشيح الحريري لا يبدو مستبعدا لانه سيكون اهون الشرور. الاعداد للمرحلة التالية والخطوة الاستيعابية الثانية على قدم وساق، وستبرز مفاعيلها ونتائجها بحيث تسقط ورقة “قوى الانتفاضة” التي تعتمد على الشارع.

لا شك ان السيد نصرالله قد سمع واطلع على المواقف التي اعلنها المرشد الاعلى آية الله السيد علي خامنئي قبل ايام، والتي شكلت اول حديث رسمي من اعلى المستويات حول الاحداث التي تشهدها الساحتان العراقية واللبنانية، والتي حمل فيها المسؤولية لاجهزة المخابرات الامريكية والاسرائيلية وتمويل دول خليجية وصفها “بالرجعية”، داعيا الى تعزيز العمل الامني لمواجهة هذه المخططات وفرض الاستقرار والهدوء الذي يمهد الطريق امام العمل لمعالجة الازمات الاقتصادية.

من هنا، فان رسائل الطمأنة التي حملها خطاب نصرالله عن قدرة الحزب على مواجهة التحديات السياسية والتطورات الداخلية والتصدي لما تقوم به اجهزة المخابرات الامريكية والاسرائيلية ومن معهم، بالتزامن مع بقاء المقاومة العسكرية على جهوزيتها واستعدادها التام للمواجهة في اللحظة المناسبة ، تتجاوب مع القلق الذي عبر عنه المرشد الاعلى لما اعتبره استهدافاً لمحور المقاومة الممتد من ايران مرورا بالعراق وسوريا وصولا الى لبنان وفلسطين ودرة تاجه اليمن.

وكما يبدو فان الدوائر الايرانية ومعها القوى الحليفة لها في العراق ولبنان، قد دخلت في نقاش جدي لما قد تؤول اليه الامور في هذين البلدين وتداعياتها على الدور الاقليمي لمحور المقاومة وايران بالتحديد، خصوصا وان الامور وصلت الى مرحلة الانتقال لاستثمار الانجازات التي حققها هذا المحور في الاقليم وترجمتها انجازات سياسية مع القوى الدولية، ومن الطبيعي هنا ان تعتبر نفسها (طهران) المستهدف الاول في هذه التحركات حتى وان كانت منطلقاتها الاعتراض والاحتجاجات على الطبقة السياسية الحاكمة والفساد الذي تمارسه والنهب المنظم والوقح الذي تقوم به لمقدرات الدول ومسؤوليتها عن تراجع الاوضاع الاقتصادي والافقار الذي طال الطبقة الوسطى وزاد الفقراء فقرا. وقد زاد من حراجة الموقف الايراني، خصوصا في العراق، التحذير الذي صدر عن المرجعية الدينية في النجف الذي توجهت به الى بعض القوى الاقليمية والدولية وتضمن كلاما واضحا وتأكيدا على “ان احترام ارادة العراقيين في تحديد النظام السياسي والاداري لبلدهم من خلال اجراء الاستفتاء العام على الدستور والانتخابات الدورية لمجلس النواب هو المبدأ الذي التزمت به المرجعية الدينية واكدت عليه منذ تغيير النظام السابق… وليس لاي شخص او مجموعة او جهة بتوجيه معين او اي طرف اقليمي او دولي ان يصادر ارادة العراقيين في ذلك ويفرض رأيه عليهم”. في مؤشر  واضح على خروج الصراع بين (قم والنجف) الى العلن بشكل غير مسبوق ومن دون قفازات، خصوصا وان الطبقة السياسية الحاكمة والمحسوبة على ايران في العراق قد ساهمت في إلحاق الاذى بموقع ودور مرجعية النجف التي كانت وستبقى الضامن والراعي لوحدة العراق والدفاع عن مصالح الشعب العراقي.

امام هذه التطورات، من غير المستبعد ان تكون دوائر القرار الايراني الامني والسياسي قد بدأت التفكير في السنياريوهات الاكثر صعوبة وأذية لها ولدورها ونفوذها الاقليمي في هذه المرحلة الحساسة، ولعل السيناريو الاكثر تحديا لها قد يكون التفكير في امكانية ان تواجه واقعا يفرض عليها التعامل مع احتمالية خسارة الساحتين العراقية واللبنانية، ما يعني خروجها الحتمي من الساحة الاقليمية بكاملها، بحيث تكون بعد خسارة العراق ولبنان، مجبرة على تقديم تنازلات قاسية في اليمن، فضلا عن امكانية ان تواجه صفقة دولية تجبر الحكومة السورية على الطلب من طهران سحب قواتها من الاراضي السورية، خصوصا وانها دأبت على التأكيد ان هذا الوجود مرتبط بقرار الحكومة السورية التي طلبت المساعدة بداية ومستمر طالما هي بحاجة له.

امام هذا السيناريو، لا يمكن استبعاد ان يكون قلق المحور الايراني مسوغاً وان يدفع باتجاه استخدام كل الوسائل والرسائل لاعادة تثبيت المعادلات التي عمل على إرسائها خلال العقود الماضية وما زال يدفع الاثمان من اجل ذلك؟.

المدن

——————————–

من العراق إلى لبنان.. استباحة إيرانية/ محمود الريماوي

فيما يشهد العراق ولبنان موجة عارمة من الاحتجاجات الشعبية بصورة متزامنة، ما الذي يجمع بين البلدين، عدا الانتماء للمشرق العربي، واللغة القومية الواحدة، والريادة في مجال الثقافة والفنون؟ لقد بدا البلدان على تباعدٍ في تكوين النظام السياسي فيهما، إذ طغى الحكم العسكري على بلد الرافدين منذ العام 1958، فيما حافظ بلد الأرز على نظام طائفي تعدّدي، تزدهر فيه الحرية وتقِلّ الديمقراطية، على ما قال رئيس وزراء لبنان الأسبق سليم الحص، ويفتح أبوابه للاجئين السياسيين العرب. وكان البلدان، في أواسط الخمسينيات، قد جمعهما “حلف بغداد” إبّان الحكم الملكي في العراق ورئاسة كميل شمعون جمهورية لبنان. وعلى الرغم من أن لبنان لم يكن عضوا في هذا الحلف الذي جمع العراق وتركيا والولايات المتحدة وباكستان، إلا أن شمعون، اعتمادا على مبدأ إيزنهاور الذي ورث حلف بغداد، استعان بقوات أميركية في يوليو/ تموز من العام 1958، لمواجهة ما اعتبرها تهديداتٍ من الرئيس جمال عبدالناصر الذي أخذ على شمعون عدم قطع بلاده العلاقات مع دولتي العدوان الثلاثي: فرنسا وبريطانيا. وقد مكثت القوات الأميركية مائة يوم، ووجهت بموجة احتجاجات. وبينما تجدد النظام على مستوى رأس الهرم في لبنان بانتخاب فؤاد شهاب، وهو عسكري ذو ميولٍ عروبية معتدلة، وشهد بعدئذ حربا أهلية وإقليمية طويلة، دخل العراق في موجةٍ من الانقلابات، ومن صراعات القوميين البعثيين والناصريين من جهة، والقريبين من الحركة الشيوعية من جهة ثانية. كما دخل في حربٍ طويلةٍ مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وغزا دولة الكويت، وغزته أميركا، ثم تغلغلت إيران في كل مفاصله، بما في ذلك المراكز الحساسة من مستويات أمنية عليا إلى مراكز صنع القرار السياسي، وإلى درجةٍ باتت معها إيران ومليشياتها (أزيد من 60 مليشيا مسلحة) تعتبر أن الوجود الإيراني “طبيعي لا يمسّ بالسيادة والاستقلال”، مع تحذيرات إيرانية متكرّرة من أي تدخل أجنبي في هذا البلد، وباحتساب أن التدخل الإيراني في هذا البلد العربي عائلي!

وعلى الرغم من اختلاف التكوين الاجتماعي في البلدين، وبقاء النظامين في بيروت وبغداد على درجةٍ من الاختلاف، إلا أن ما جمع بينهما، خلال العقد ونصف العقد الماضي، هو غلبة المسألة الطائفية على الحكم، وتاليا على المجتمع في العراق في محاكاةٍ مشوّهةٍ للنموذج اللبناني، إذ أن التعدّدية الطائفية في لبنان ظلت تكفل قدرا من التوازن بين المكونات الاجتماعية، وذلك مع الاعتراف بنحو 16 طائفةٍ بعضها صغير العدد. أما في العراق، فعلى الرغم من التعدّد العرقي والديني: مسيحيون، مسلمون، أكراد، أرمن، صابئة، أزيدية، شبك، إلا أن الاستقطاب تمحور في مجتمع المسلمين بين سنّة وشيعة. وجرت عمليات تغليبٍ طائفي تحت عناوين مثل: استئصال “البعث” والبعثيين، ثم مكافحة الإرهاب و”داعش”. وتطور الحال إلى تشكيل مليشيات مسلحة لمكوّن طائفي واحد، وجرى تغذية هذه المليشيات من إيران مقابل فتح الأبواب على مصاريعها أمام الجار الكبير، لفرض نفوذه وهيمنته، فيما نظر إلى المكونات العرقية والدينية الأخرى نظرة دونية، بدعوتها إلى الالتحاق بالتركيب الجديد للنظام السياسي.

وبموازاة ذلك، كانت الحياة السياسية في لبنان تشهد بروز دور حزب الله الذي أنجز تحرير جنوب لبنان في العام 2000، بعد تنحية المقاومة الوطنية اللبنانية، ومنعها من أداء دورها، ثم شهد انسحاب القوات السورية عام 2005 إثر اغتيال رئيس الوزراء الذي كان نائبا في حينه، رفيق الحريري. وفي ضوء الحلف الذي نشأ بين دمشق وطهران، والذي أرسى لبناته الأولى الرئيس السابق حافظ الأسد، فقد أضيف حزب الله إلى هذا المحور. وقد عمل هذا الحزب على اتباع سياسةٍ مستقلة عن الدولة اللبنانية في الأمور السيادية، محتفظا، في الوقت نفسه، بالمشاركة في مجلسي الوزراء والنواب. وقد أدى تحالف الحزب مع التيار الوطني الحر بزعامة الرئيس الحالي، ميشال عون، إلى تحقيق اختراق في المجتمع المسيحي، وانتهى الأمر بتسيد هذا الحلف الحياة العامة، حين أصر حزب الله على تخيير اللبنانيين بين بقاء كرسي رئاسة الجمهورية فارغا بعد انتهاء فترة الرئيس السابق، ميشال سليمان، أو اختيار حليفه عون رئيسا للجمهورية، وهو ما حدث قبل ثلاثة أعوام.

ليس المقام هنا لسرد ما شهدته الحياة السياسية من تطورات في البلدين، ولكن المراد في ما سبق هو التأشير إلى مقدّماتٍ جعلت العراقيين واللبنانيين يتحدون حول الخروج من الطائفية واكتشاف الجوامع التي تجمع كل شعب. لقد احتفل العراقيون، كما اللبنانيون، باستعادة الوطنية الجامعة التي تضمهم، بعد أن استثمر زعماء الطوائف أيمّا استثمار في هذه الآفة، وعلى حساب فقر أبناء الطوائف. وقد بلغ الخيلاء وقصر النظر في زعماء الأمر الواقع في العراق تصوّرهم أن أبناء الشيعة باتوا مُلكا لهم، وقاطرة لتسيدهم واحتكارهم الحكم وتفتيت الدولة بين حشدٍ وجيش، وبين اقتصاد رسمي وآخر موازٍ تتولاه المليشيات، بغطاء من “الدولة”. ولكن مشاركة العراقيين من سائر الطوائف في الانتفاضة، ألجمت المراهنين على الخيار الطائفي، ودفعتهم إلى المشاركة في القمع الدموي للمنتفضين الشبان.

وفي لبنان، سعى حزب الله، متحالفا مع التيار الوطني الحر ومع حركة أمل، إلى مصادرة الحياة السياسية وترهيب الفرقاء، وإلى ترك الناس يتدبّرون معيشتهم. هذا من دون إعفاء القوى السياسية الأخرى من تيار المستقبل والقوات اللبنانية وغيرهما من مسؤوليتها عن المشاركة والتواطؤ في تعميم حال الفساد والإفقار، وهو ما يعبّر عنه شعار الاحتجاجات “كلّن يعني كلّن” (كُلّهم، نعم، كلّهم).

على أن حزب الله اختار، من دون بقية الأحزاب والقوى، مهمة مناوأة الاحتجاجات ومقاومتها، ابتداء من خطابين لزعيمه حسن نصرالله خلال عشرة أيام، مروراً بوسائل إعلامه بما في ذلك الجيش الإلكتروني. وصولاً إلى تجريد حملاتٍ لأصحاب القمصان السوداء لترويع المحتجين وتهديدهم. فيما تبارى زعماء مليشيات في العراق بوصف احتجاجات الشبان بأنها من صنع أميركا وإسرائيل، وهي التهمة الفورية التي يطلقها محور الممانعة على كل معارض أو معترض. وقد انتهى الحال بالمرجع آية الله علي خامئني إلى نعت الاحتجاجات في البلدين بأعمال الشغب، وهو وصفٌ يكرر النعت الذي لطالما أطلقته قوى الاستعمار الغربي على الاحتجاجات في مستعمراتها خلال القرنين الماضيين.

وبينما يكافح اللبنانيون والعراقيون لتكريس هويتهم الوطنية الجامعة، والارتفاع عن الهوية الفرعية الطائفية، وبينما ينتفضون ضد الفساد والإفقار، فإن إيران وأذرعها المسلحة ينكرون عليهم ذلك، ويبذلون كل ما تملك يمينهم لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ولحرمان الشعبين من حق إعادة بناء الدولة، وفق المعايير الوطنية والعصرية، وهو ما سعى إليه من قبل السوريون، فجرى إغراق حراكهم بالدم منذ اليوم الأول بمباركة إيران، ثم مشاركتها الكثيفة لاحقاً في وأد تطلعات السوريين.

شكراً لإيران الإمبراطورية على كل هذا الاستضعاف المُعلن، وعلى هذه الاستباحة المشهودة لشعوبٍ عربية.

العربي الجديد

———————————-

لبنان.. ولّى زمن الإحباط/ بيار عقيقي

في خلفية الصورة العامة التي استولدتها انتفاضة 17 أكتوبر/ تشرين الأول اللبنانية، تمترست صور وحكايات صغيرة، أفراد قلقون ومُحبطون وخائفون. منهم من يخشى “سقوط الحلم” ومنهم مرعوبٌ من فكرة العودة إلى ما قبل تاريخ الانتفاضة. من حق هؤلاء الذين أملوا ويأملون بولادة لبنان جديد الشعور بهذا الكمّ من المشاعر المتناقضة. الطبيعة الإنسانية تتحرّك عادة بعنف في أي موجة جماهيرية انفعالية، تدفع المرء إلى التنقل بين ضفتي الأسئلة المشروعة والقلقة وبين العمل على تحقيق الحدّ الأقصى من الأحلام. وفي أثناء عملية التنقل والمقارنة، يخشى الإنسان الكثير، وأكثر ما يخشاه هو العودة إلى الوراء، أو قمع أحلامه وتطلعاته.

حسناً، ما فعلته انتفاضة 17 أكتوبر لم يكن “لحظة مرحلية” كما يحلو لبعضهم الاعتقاد، فقد شرّعت الأبواب أمام حراكٍ مماثل عابر للطوائف في المستقبل الذي يبدو قريباً بفعل الأزمة المالية الخانقة. ثم إن استقالة حكومة سعد الحريري تحت ضغط الشارع، وهي المكوّنة من أطراف سياسية مهيمنة على القرار الدولتي ليست تفصيلاً أبداً. محاولة شيطنة الحراك الشعبي، ثم تخوينه واعتباره مموّلاً من سفارات ودول خارجية يتناقض تماماً مع محاولات تسلّقه والمشاركة فيه لدى كل الأحزاب، وهو دليل قاطع على صدق الحراك، وكونه نابعاً من صميم الواقع اللبناني. هذا الأمر ليس تفصيلاً، مهما حاولوا تحجيمه.

شهد المقيم في لبنان، في الأيام الأخيرة، كيفية انتشار شائعاتٍ كاذبة عن حصول حوادث أمنية وفتنوية، إذ بلغ رعب الأحزاب إلى حدّ تأليف رسائل صوتية لإثارة الذعر في صفوف اللبنانيين، واللعب على الوتر الطائفي، ولكن ذلك كله سقط. كما أن الاستدعاءات الأمنية والحزبية للناشطين، من دون اعتقال أي من المعتدين على المعتصمين في بيروت وصور والنبطية وبنت جبيل والهرمل وعاليه وعكار وصيدا، تُشكّل ذخيرةً لمستقبلٍ آتٍ ستسقط فيه أصنام الأحزاب وقياداتها. الحلم والأمل وُلدا للتوّ ولن ينتهيا، أما الآن فالسؤال الأهم هو ما الذي سيحصل؟

ستحاول السلطة وأحزابها تدوير الزوايا لإعادة شدّ أنصارها وعَصَبَها الطائفي، وستنجح لفترة قصيرة، قبل أن تعود إلى سابق عهدها. لن يقبل أحد من الموجودين اليوم محاربة الفساد، فحزب الله الذي يواجه مشكلةً مع المصرف المركزي وحاكمه رياض سلامة، ويعتبره أمين العقوبات الأميركية على الحزب، دافع عن سلامة أخيراً، واستطراداً عن المصارف كافة التي تتحمّل مسؤولية كبيرة عما بلغه التدهور الاقتصادي. التيار الوطني الحرّ، وبعدما عمل أنصاره وقناته التلفزيونية على تخوين الناس والمتظاهرين، فوجئوا بأن رئيس الجمهورية ميشال عون أيّد الحراك في خطابات متتالية. تيار المستقبل، الذي لم يشارك أساساً في الحراك، حاول استعطاف الرأي العام السنّي بأن “استقالة سعد الحريري هي هزيمة للسنّة”، علماً أنه يمكن فعل الكثير بـ16 مليون دولار لتحسين جزء بسيط من البنى التحتية في المناطق ذات الأكثرية السنية. ولكن الحريري فضّل دفع المبلغ في جنوب أفريقيا. أما وزير الخارجية في الحكومة المستقيلة، جبران باسيل، فاكتشف أن حلمه الرئاسي لخلافة عون انهار بفعل سلوكه ومواقفه المتناقضة، فضلاً عن استخدامه لغة الاستعلاء في تصرّفاته. تاريخ لبنان علّمنا أن ما من لبناني رفع إصبعه تجاه لبنانيّ آخر إلا خسر. الحزب التقدمي الاشتراكي حاول التمظهر بصورة “الطفل البريء”، وهو المعروف بأنه من المشاركين في الفساد في لبنان منذ عام 1992، بينما ينهمك عناصر حركة أمل الذين اعتدوا على الناس في معظم المناطق الجنوبية والبقاعية وبيروت، بتدوين أسماء الناشطين بغية التضييق عليهم. وهو ما يظهر في محاولات تسجيل فيديوهات يعتذر فيها بعض الناشطين، تحت الضغط، عن مشاركتهم في الحراك. ماذا يعني هذا؟ يعني أن الحقّ لن يُهزم، وأن الهدنة بين مرحلتين لن تدوم طويلاً، ولبنان الجديد لن يعود إلى الوراء، فالوعي تراكميّ.

العربي الجديد

———————————–

المتظاهرون اللبنانيون: إلى ما بعد الحريري

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري يوم أمس الثلاثاء استقالته من منصبه، وذلك في اليوم الثالث عشر للمظاهرات التي تعمّ مدن لبنان احتجاجاً على الفساد السياسي والاقتصادي للنخب الحاكمة. وتأتي استقالة الحريري لتكون بمثابة إعلان عن فشل مساعي السلطة لاحتواء المظاهرات بالاعتماد على التركيبة الحكومية الحالية، وهي المساعي التي جاءت على شكل مزيج من ثلاثة عناصر؛ الوعود الإصلاحية التي أعلنها الحريري في ورقة يوم الحادي والعشرين من الشهر الجاري، والقمع متفاوت العنف الذي مارسته بشكل رئيسي مجموعات منظمة مرتبطة بحركة أمل وحزب الله في أماكن ومناسبات متعددة، والقوى الأمنية والجيش في أماكن ومناسبات أخرى؛ والتهديد بالانهيار الاقتصادي وانتشار الفوضى وعودة شبح الحرب الأهلية.

وقبيل إعلان الحريري عن استقالته، كانت مجموعات مرتبطة بحزب الله وحركة أمل قد اعتدت على المتظاهرين والمعتصمين ظهر أمس عند جسر الرينغ في بيروت، لإجبارهم على فتح الطريق الذي يغلقونه هناك، كما هاجمت مجموعات مماثلة ساحتي رياض الصلح والشهداء، وقامت بإحراق خيام الاعتصام وتخريبها والاعتداء على المعتصمين بالضرب، دون أن تتحرك القوى الأمنية التي قامت بالرد فقط عندما اقتربت تلك المجموعات من مقر السرايا الحكومي، لتقوم بتفريقها وإخراج عناصرها من الساحات.

وكانت مجموعات مرتبطة بأمل وحزب الله قد نفّذت سابقاً اعتداءات على المتظاهرين في مناطق من الجنوب اللبناني أبرزها النبطية وصور، وكذلك في ساحتي رياض الصلح والشهداء يوم الجمعة الماضي، الخامس والعشرين من تشرين الأول الجاري، وذلك قبيل كلمة حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني، التي ألقاها في ذلك اليوم وتضمنت تجديده رفض حزبه لفكرة استقالة الحكومة، وتحذيره من الذهاب بالبلاد مجدداً إلى حرب أهلية، واتهامه قطاعات من المتظاهرين بالحصول على تمويل ودعم من سفارات أجنبية. وكما عاد المتظاهرون إلى الساحتين بعد اعتداءات يوم الجمعة الماضي، كذلك عاد المتظاهرون بعد اعتداءات يوم أمس الثلاثاء، ليحتفلوا هناك باستقالة الحريري معلنين مواصلتهم لثورتهم حتى إزالة كامل النخبة السياسية الحاكمة وإجراء تغيير جذري في النظام السياسي اللبناني.

وبالإضافة إلى الاعتصامات والمظاهرات في ساحات وشوارع لبنان، التي شملت جميع المناطق اللبنانية من أقصى جنوب البلاد وغربها إلى أقصى شمالها وشرقها، يحاول المحتجون الاستمرار في قطع الطرقات الرئيسية في عموم البلد، من أجل ممارسة أكبر قدر ممكن من الضغط على السلطة، التي تسعى إلى منع المتظاهرين من مواصلة هذا النوع من الفعل الاحتجاجي، ودفعهم إلى الاقتصار في المرحلة الراهنة على التظاهر والاعتصام في ساحات لا تعرقل حركة السير. وقد حاولت قوى الجيش والأمن اللبنانية فتح الطرقات المقطوعة بأجساد المتظاهرين عدة مرات وفي عدة مواقع، دون أن يُكتب لمعظم محاولاتها تلك النجاح، وشهدت إحدى هذه المحاولات عنفاً مفرطاً، عندما استخدم عناصر من الجيش الرصاص لتفريق المتظاهرين في البداوي قرب طرابلس شمال لبنان، ما أدى إلى جرحى هناك يوم السبت الماضي.

وإلى جانب مسألة قطع الطرقات، التي هي أحد العناوين الرئيسية في لبنان اليوم، تحضر مسألة إقفال المصارف والأوضاع المالية والاقتصادية المتردية في البلد. وكانت جمعية المصارف اللبنانية قد أعلنت استمرار إغلاق أبواب المصارف اليوم الأربعاء لليوم الرابع عشر على التوالي، وهي المسألة التي تثير سجالاً واسعاً في لبنان، ذلك أنها تشكل ضغطاً جدياً على السلطة التي لا تبدو قادرة على تحمّل تبعات انهيار اقتصادي ومالي في لبنان، لكنها أيضاً يمكن أن تكون عامل ضغط على الحركة الاحتجاجية، لأن السلطة ستستغلّ هذا الأمر لتحميل المتظاهرين مسؤولية أي انهيار اقتصادي سيؤدي في حال حدوثه إلى مزيد من تردي الوضع المعيشي لعموم اللبنانيين.

وكان رياض سلامة حاكم مصرف لبنان قد حذَّرَ خلال مقابلة مع قناة CNN من انهيار اقتصادي وشيك «خلال أيام»، ليعود ويتراجع عن كلامه في تصريحات أخرى لوكالة رويترز، شارحاً أنه تحدَّثَ عن ضرورة الوصول إلى حلّ «خلال أيام» لتلافي انهيار مستقبلي محتمل. وعن هذا الأمر، تحدّثَ الكاتب والباحث اللبناني بشار الحلبي للجمهورية من داخل ساحة الشهداء في بيروت، وقال إن «رياض سلامة كان يحاول رفع المسؤولية عن نفسه إذا حدث انهيارٌ اقتصادي، ويبدو أن هناك كذباً متفقاً عليه بين الأطراف التي تدير البلد بخصوص هذا الموضوع، لأن الوضع في الحقيقة خطير فعلاً، ويتحدث كثيرون عن أننا دخلنا فعلاً في مرحلة الانهيار، ومن أجل مواجهة هذا الوضع فإنه لا بدّ من تعيين حكومة من المختصين لمواجهة هذه المرحلة». يتابع الحلبي حديثه متوقعاً سيناريوهين للوضع بعد استقالة الحريري؛ الأول هو «العمل بحكومة تصريف أعمال ما سيؤدي إلى مزيد من الضغط في الشارع، خاصة إذا ما أعلنت الدولة إفلاسها ولم تستطع دفع التزاماتها»، والثاني هو «الذهاب إلى حكومة تكنوقراط»، وهو الخيار الذي يستبعد الحلبي حصوله نتيجة «تعنّت التيار الوطني الحر وحزب الله».

وينص الدستور اللبناني على أن استقالة رئيس الحكومة تعني استقالة الحكومة بكاملها، وهو ما يفرض على رئيس الجمهورية إجراء مشاورات نيابية بهدف تشكيل حكومة جديدة، وليس ثمة ما يمنع دستورياً من أن يُعاد تكليف الرئيس المستقيل نفسه بتشكيلها مجدداً. ولا يبدو أن استقالة الحكومة، التي قال الحريري إنها جاءت استجابة منه لمطالب «كثير من اللبنانيين»، ستخفف من زخم المظاهرات في الشارع، بل إنها ربما تزيد من هذا الزخم لأنها تأتي إثباتاً على قدرة الحركة الاحتجاجية عن إجبار السلطة على تقديم تنازلات.

في حديث له مع الجمهورية، يقول الكاتب الصحفي اللبناني خالد صاغيّة: «لقد تجاوز الشارع هذا الإجراء، وعندما أعلن الحريري استقالته كان الناس يهتفون: الأول راح راح… التاني وينو وينو. أعتقدُ أن المتظاهرين مستمرون، خاصةً بعد مشهد الاعتداءات التي حصلت اليوم (أمس الثلاثاء)، كما أن التحرك أصلاً ليس موجهاً ضد سعد الحريري فقط». وعن مرحلة ما بعد استقالة الحريري، يقول صاغيّة: «لا يمكن أن تأتي الاستشارات النيابية التي قد يجريها رئيس الجمهورية بحكومة وحدة وطنية على غرار الحكومة المستقيلة، والأرجح أنه لن يتم تكليف الحريري بتشكيل حكومة جديدة، كما أن حزبي القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع والتقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط لن يشاركا في حكومة جديدة ضمن الوضع الحالي، ما يعني أننا أمام واقع سياسي جديد في لبنان».

يتوقع صاغية في نهاية حديثه مع الجمهورية أن تتواصل الاحتجاجات في عموم لبنان، وهو يرى أنها ربما تتصاعد أيضاً، ما لم يتغير موقف الجيش وينخرط بشكل فاعل في عمليات قمع الحراك، وهو الأمر الذي سيقود البلاد إلى سيناريوهات أخرى لا يمكن توقّعها الآن.

جاءت استقالة الحريري إعلاناً لنهاية التوافقات التي كان قد عقدها مع التيار الوطني بزعامة ميشال عون وجبران باسيل، وهي التوافقات التي أمنت الغطاء الميثاقيّ لحكومة يهيمن عليها سياسياً تحالف حزب الله مع التيار العونيّ، وتنتهج سياسات اقتصادية مدمرة أبرز معالمها الهدر والفساد وإغراق لبنان في مزيد من الدين العام بالتزامن مع تدهور مستمر للأوضاع الاقتصادية والخدمية. وإذا كان حزب الله وحلفاؤه يستطيعون نظرياً الذهاب إلى تشكيل حكومة اعتماداً على الأغلبية النيابية التي يحوزون عليها، فإن هذا الخيار سيعني تحدياً للشارع المنتفض من جهة، وسيعني من جهة أخرى أن حكومة لبنان قد باتت بالكامل تحت هيمنة حزب الله ما قد يجعلها عرضة لعقوبات غربية قاسية، وهو بالتالي خيارٌ يبدو أقرب إلى الانتحار السياسي في بلد متأزم سياسياً واقتصادياً، ويشهد حركة ثورية غير مسبوقة في تاريخه الحديث.

يبدو واضحاً أن المتظاهرين اللبنانيين مستمرون في ثورتهم، التي أنتجت وقائع جديدة أبرزها إثبات أن سلطة تحالف أمراء الطوائف ليست قدراً لبنانياً لا يمكن تغييره، وأن الشعب اللبناني قادر على خوض نضال مشترك واسع عابر للطوائف والمناطق، وأن ساحات لبنان وشوارعه ليست ملكاً للسلطة وأحزابها وخطابها. وبالمقابل، لا يبدو أن النخبة السياسية اللبنانية مستعدة للتسليم بهذه الوقائع الجديدة ونتائجها بسهولة، ولذلك فهي ستواصل مزيج الترهيب والقمع والمناورات، بانتظار أن ينجح كفاح اللبنانيين في خلق مزيد من الوقائع الجديدة.

موقع الجمهورية

————————–

سياسة الفشل الإيراني/ فايز سارة

ظهر مفهوم «الهلال الشيعي»، بوصفه تجسيداً لطموحات إيران في إحكام سيطرتها الإقليمية في شرق المتوسط، خصوصاً في تمددها عبر جوارها في الغرب: انطلاقاً من العراق، مروراً بسوريا، وصولاً إلى لبنان. وقد تجاوز المفهوم حدود الطموحات إلى الواقع العملي في سياسات إيران نحو جوارها، بل يمكن القول إن المفهوم تطور أساساً على هامش سياسة إيران في شرق المتوسط، التي شهدت تغيراً عميقاً بعد مجيء الملالي، بزعامة الخميني، إلى السلطة عام 1979، بعد إسقاط نظام الشاه محمد رضا بهلوي.

كانت الخطوة الأهم في تغييرات السياسة الإيرانية في شرق المتوسط انفتاح الحكم على الفلسطينيين، فاستبدلت السلطة الجديدة بعلاقات النظام السابق مع إسرائيل علاقة من الفلسطينيين، وتحول مقر السفارة الإسرائيلية في طهران إلى مقر لمنظمة التحرير الفلسطينية. واحتل نظام الأسد مكانة الأفضلية في علاقات إيران الخارجية، ونشطت سياسة طهران في لبنان الذي يضم أقلية شيعية هي الثانية في لبنان، وأنشط الأقليات الشيعية في البلدان العربية، وصار العراق إلى المقدمة في سياسة إيران، التي كانت تعتمد في حينها فكرة تصدير الثورة نحو محيطها القريب، خصوصاً أن العراق يضم أكثرية شيعية بين سكانه.

رسمت سنوات الملالي الأولى ملامح السياسة التي نتابع نتائجها اليوم في شرق المتوسط. فقد عززت إيران حضورها في لبنان، بإحكام سيطرتها على حركة أمل التي أسسها موسى الصدر، ثم قادها نبيه بري، بعد اختفاء الصدر عام 1978، ثم عملت على توليد قوة سياسية – عسكرية مسلحة بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، وصلت إلى إعلان «حزب الله» اللبناني عام 1985، وكرست حسن نصر الله على رأس الحزب في عام 1992، وهو الذي أعلن نفسه وكيلاً للمرشد العام الإيراني. وبواسطة تحالف بري ونصر الله، أحكمت إيران قبضتها على لبنان، وصارت صاحبة القرار فيه، عبر سياسة الترغيب والترهيب.

وذهبت طهران في سياستها السورية نحو توثيق علاقاتها مع نظام الأسد (الأب)، عبر سياسة الدعم المادي والسياسي، مقابل تأييدها في الحرب على العراق، فأغرقت النظام بالمساعدات، وفي مقدمتها النفط، وشكلت داعماً قوياً لسياسته الإقليمية، خصوصاً في الصراع العربي – الإسرائيلي، مما سمح لها بوضع أسس لتمدد مذهبي وثقافي واقتصادي في سوريا، وساهم في تطور كبير لعلاقات إيران معها بعد مجيء الأسد (الابن) للسلطة عام 2000، تمهيداً لتحول سوريا إلى محمية إيرانية، عبر امتدادات بشرية وطائفية وسياسية واقتصادية وعسكرية، بعد ثورة السوريين على النظام عام 2011. وصارت طهران مع موسكو صاحبتي أكبر تأثير في القرارات السورية.

أما في موضوع سياسة إيران العراقية، فبدأ بعد ثورة الملالي تصعيد صراع وخلاف مع العراق، أدى إلى حرب مدمرة بين البلدين انتهت بهزيمة إيران، ولم يستفد نظام بعث العراق من دروسها، فاندفع إلى حروب لاحقة بدأت باحتلال الكويت، مما أدى إلى تحالف دولي ضده انتهى بإسقاط النظام، وتولى آنذاك عملاء إيران زمام السلطة هناك، من خلال الحكومة والأحزاب والميليشيات والجيش، بدعم مباشر من المخابرات الإيرانية الحاضرة في غالبية مناطق العراق، وفي معظم أجهزته ومؤسساته.

ووسط صورة الحضور والسيطرة الإيرانية في الدول الثلاث، يمكن فهم التصريحات المتعددة الصادرة عن مسؤولين إيرانيين عن تأكيد سيطرة إيران على البلدان الثلاثة، إضافة إلى سيطرتها على الفصائل الفلسطينية المسلحة، لا سيما حركتي «حماس» و«الجهاد»، مما يعني أن «الهلال الشيعي» أصبح «حقيقة واقعة»، في تعبيره عن علاقة إيران بالمنطقة، وأن هذه البلدان لم تصبح فقط تحت السيطرة الإيرانية، بل صارت جزءاً من جبهة المواجهة مع خصوم إيران ومعارضي استراتيجيتها في المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

وتشمل جبهة المتضررين من سياسات إيران شعوب كل من العراق وسوريا ولبنان والفلسطينيين، التي تسللت إيران مباشرة، أو عبر أدواتها المحلية، أو بالحالتين معاً، بما فيها الحكومات القائمة، لإحكام قبضتها على تلك البلدان، ومقدراتها البشرية والمادية، الظاهرة والكامنة، وهذا ما تم القيام به في البلدان الثلاثة. كما تشمل الجبهة أغلب دول المنطقة، التي تأذت من سياسات إيران على مدار العقود الماضية، خصوصاً لجهة تدخلات نظام الملالي في شؤونها الداخلية، عبر إثارة النعرات الطائفية بين جناحي الإسلام من السنة والشيعة، وادعاء إيران أنها تمثل مرجعية الشيعة، وعبر مطامع إيران بأراضي الدول المجاورة في الخليج، خصوصاً في البحرين، ومن خلال تكريس احتلالها ثلاث جزر إماراتية منذ عام 1969، وعبر تعزيز سياسة المحاور، وتصعيد الصراعات البينية بين دول المنطقة.

ويتجاوز البعد الإقليمي صراعات إيران مع البلدان العربية، ليشمل بلداناً أخرى ذات تماس مباشر مع العرب، كما هي حال تركيا وإسرائيل اللتين تتجنب إيران الدخول في اشتباك مباشر معهما، وإن كان ذلك لا يمنعها من التحرش بهما، على نحو دفعها عملاءها إلى تأسيس «حزب الله التركي»، ودعمها «حزب العمال الكردستاني» في تركيا (PKK)، واتباعها استراتيجية في تمزيق المنطقة، بالتوازي مع ما تقدمه إيران من دعم متعدد للتنظيمات الإسلامية في فلسطين، خصوصاً لحركتي «حماس» و«الجهاد»، ودعمها «حزب الله» اللبناني الذي أصبح أداة إيران في صراعاتها الخارجية، تحت لافتة العداء لإسرائيل.

إن الأهم في البعد الدولي لصراعات إيران يتمثل في مشروعها النووي، وفي تطويرها صناعات عسكرية، بينها المجموعات الصاروخية. وقد سعت المجموعة الدولية «5+1» إلى الحد من طموحات إيران النووية، عبر اتفاق بين المجموعة وإيران، لكن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق أعاد إلى الواجهة صراع إيران مع القوى الدولية، الذي نجد له تعبيرات في عقوبات وحرب إعلامية وتحشدات سياسية وتماسات عسكرية، خصوصاً في الخليج.

ووسط لوحة واسعة من صراعات إيران المتعددة المستويات، تتوالى تحركات شعوب سوريا والعراق ولبنان نهوضاً في وجه السلطات الحاكمة، بما تمثله من أنظمة ديكتاتورية مستبدة فاسدة مرتبطة بإيران واستراتيجيتها في المنطقة، وهي تحركات تتجاوب في مضمونها مع التحركات الأخيرة للإيرانيين في مواجهة سلطة الملالي، ومطلبها الرئيس إسقاط النظام الحاكم، مما جعل نظام الملالي بإيران، وأدواته من حكومات دول، هدفاً لتحركات عموم شعوب شرق المتوسط.

إن صعود شعوب شرق المتوسط في مواجهة إيران وأدواتها بات يتطلب مواقف حاسمة ضد إيران وأدواتها والأنظمة المرتبطة بها، ليس انتصاراً للنضال من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان فقط، بل دعماً وتأييداً لنضال الشعوب في مواجهة إيران وسياساتها وتدخلاتها في شؤون دول وشعوب المنطقة والعالم؛ لقد بات من المطلوب تغييرات جوهرية إقليمية ودولية، تتجاوز ما تم اعتماده من سياسات حيال العراق وسوريا ولبنان في أوقات سابقة.

الشرق الأوسط

————————–

تحيا «المؤامرات»!/ جلبير الأشقر

نعيش في زمن خطير يستوجب أقصى درجات اليقظة. فنحن إزاء سلسلة جديدة من المؤامرات في منطقتنا، بدأت قبل ما يناهز تسع سنوات. وقد كشف الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، قبل أن يفرّ إلى مملكة آل سعود التي وجد فيها مثواه الأخير، كشف أن ما بدأ في سيدي بوزيد يوم 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 وتحوّل إلى انتفاضة شعبية عارمة عمّت كل أرجاء البلاد، إنما كان «مؤامرة للمسّ من استقرار تونس بهدف تغيير النظام». ومثله، حذّر رئيس مخابرات مصر ومن ثم نائب رئيسها، عمر سليمان، من أن الحراك الذي انطلق يوم 25 كانون الثاني/يناير 2011 إنما تحوّل إلى مؤامرة بمجرّد استمراره، وهي المؤامرة التي جعلت الرئيس المخلوع حسني مبارك يسلّم السلطة للجيش من أجل تداركها، على حدّ ما أفصح عنه هو نفسه.

أما الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، الذي اغتاله الحلفاء الأعداء، فقد ألقى خطاباً أمام طلاب كلية الطب في جامعة صنعاء، في أول آذار/مارس 2011، أكّد فيه على أن «الربيع العربي» إنما هو «مجرد ثورة إعلامية تديرها الولايات المتحدة من غرفة في تل أبيب». ومثلما أسرع حكّام البحرين إلى التنديد بالمؤامرة الإيرانية التي اندلعت في مملكتهم تديرها في نظرهم غرفة في طهران، لم يتأخر ملك ملوك أفريقيا الراحل، معمّر القذّافي، في فضح حقيقة الانتفاضة الشعبية التي هبّت في ليبيا. ويتذكّر الجميع تأكيده، وهو يخاطب سكان مدينة الزاوية بعد أيام من بدء الانتفاضة ضد حكمه القراقوشي، أن تنظيم «القاعدة» يقف وراء «التغرير بأبناء الزاوية الذين يقل عمرهم عن 20 سنة لإشاعة الفوضى والدمار». وقد دعا آنذاك أبناء المدينة إلى القبض على «أتباع بن لادن» مناشداً إياهم أن «ينزلوا إلى الشوارع ويمسكوا أولادهم الصغار الذين غرّر بهم عناصر من «القاعدة» الهاربين من «غوانتانامو» وأن يعالجوهم «من حبوب الهلوسة الموضوعة في القهوة والحليب».

وبعد أيام، أعلن ملك الملوك أن نطاق المؤامرة قد توسّع وباتت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا تشارك فيها. أما الرئيس السوري بشّار الأسد، فبعد أسبوعين من بدء الحراك إثر أحداث درعا، ألقى خطاباً شهيراً كشف فيه أن سوريا «تتعرّض لمؤامرة كبيرة خيوطها تمتدّ من دول بعيدة ودول قريبة ولها بعض الخيوط داخل الوطن وتعتمد هذه المؤامرة في توقيتها لا في شكلها على ما يحصل في الدول العربية… اليوم هناك صرعة جديدة هي ثورات بالنسبة لهم ونحن لا نسمّيها كذلك».

وأما الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، فكلّ لسانه وهو يفضح المؤامرة التي تجسّدت في الانتفاضة الشعبية قبل أن تطيح به المؤسسة العسكرية التي طالما استند إليها حكمه الاستبدادي. وبعد لقائه نظيره المصري عبد الفتّاح السيسي، الذي ما انفكّ يُحبط المؤامرات هو الآخر، وبعد أسابيع من انطلاق الانتفاضة السودانية، كشف البشير «أن هناك العديد من المنظمات التي تعمل على زعزعة الأوضاع في دول المنطقة». وفيما يخص السودان، يحاول الإعلام الدولي والإقليمي التهويل… هناك محاولات لاستنساخ قضية «الربيع العربي» في السودان بنفس الشعارات والبرامج والنداءات واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي».

أما الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش الجزائري، فقبل أن يذهب إلى سوتشي ليطمئن مُحبط المؤامرات الأكبر، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ألقى كلمة أمام وحدات عسكرية جاء فيها: «لقد سبق لي أن أشرت في العديد من المناسبات إلى أن هناك أطرافاً خارجية معادية تتربّص بالجزائر وتحاول التدخّل في شؤونها الداخلية، بتواطؤ مفضوح مع العصابة في الداخل التي نحذّرها من اللعب بالنار، وهي محاولات يائسة تهدف بالأساس إلى زعزعة استقرار وأمن الجزائر… إننا لا نقول هذا الكلام من فراغ، بل لدينا معطيات تؤكد تورّط هؤلاء العملاء وسنتّخذ دون شك الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب».

وأما في العراق، فقد كشف مستشار الأمن الوطني ورئيس هيئة «الحشد الشعبي» فالح الفياض، أن الذين يتظاهرون منذ بداية هذا الشهر بلا خوف من الرصاص ليسوا سوى «متآمرين» يعملون وفق مخطط يرمي إلى «إسقاط النظام السياسي وزرع الفتنة». وأكّد أن «الحكومة تعرف تماماً الجهات التي تقف وراء أعمال العنف التي شهدتها البلاد خلال الأيام الماضية، وسيتم الكشف في الوقت المناسب عن أسماء هؤلاء المتآمرين وكافة المعلومات بشأنهم». وقبل أيام، كشفت صحيفة «الأخبار» اللبنانية المقرّبة من «حزب الله» عن حصولها على «وثيقة أمنية تبيّن دور السفارة الأمريكية في بغداد في إدارة التشكيلات السرّية لـ«تظاهرات تشرين» في العراق.

هذا ومن حسن حظّ شعب لبنان أن الأمين العام لـ «حزب الله» لا يؤمن بنظرية المؤامرة، كما شرح بصورة مقنعة تماماً في الكلمة التي ألقاها قبل أيام: «أنا أرفض نظرية المؤامرة، لكن بالأيام الأخيرة مجموعة المعلومات والمعطيات وأعيد وأقول ليس تحليلاً، معلوماتنا ومعطياتنا التي قاطعناها من أكثر من مكان، الآن الوضع في لبنان دخل في دائرة الاستهداف السياسي الدولي والإقليمي والذي يوظّف جهات داخلية. ما عاد الموضوع حراك شعبي واحتجاجات شعبية وصحة وبيئة وفرص عمل وجوعانين وفساد وما شاكل. كلا، بالحد الأدنى معلوماتنا ومعطياتنا والمؤشرات والقرائن..»..

قالها بشّار الأسد: «هناك صرعة جديدة هي ثورات بالنسبة لهم ونحن لا نسمّيها كذلك». أما نحن، وما داموا يصرّون على تسمية الثورات «مؤامرات»، فنقول لهم: فلتحيا «المؤامرات»!

كاتب وأكاديمي من لبنان

القدس العربي

————————–

عن ظاهرة تقدّم الفساد محرِّكاً للتغيير/ موفق نيربية

في الأيام الأولى لثورة السوريين عام 2011، حاولت ناطقة باسم النظام، إغواء الناس للتراجع عن انتفاضتهم، بتقديم وعود بزيادة الرواتب. وردّ عليها المتظاهرون بأن المطلوب هو الحرية والكرامة، وأن «الشعب السوري موجوعان». كادت تلك الثورة آنئذٍ أن تكون بالفعل ثورة حريرية، لحرصها على وحدة المجتمع والدولة، ولضرورة مراعاة بنية النظام التي بلغت حدود الاستبداد المطلق، فاختزان العنف المطلق. ولم ينفع ذلك في النتيجة، فحدث ما حدث.

تشهد المنطقة الآن موجة ثانية من الربيع، مختلفة عن تلك الأولى، ابتدأت في السودان والجزائر، وامتدت حالياً إلى العراق ولبنان. وهي موجة مختلفة، لأنها تستهدف الفساد أولاً، وحالة البطالة والفقر، وغياب الخدمات العامة الناتجة عنه، في شعاراتها ودوافع حركتها، قبل استهداف الاستبداد. فهل هي استراتيجية جديدة في عفوية الشعوب وعبقريتها أثناء سعيها للتغيير؟

كان منظر أكداس الدولارات التي صودرت من منزل الرئيس السوداني السابق فاقعاً وفاضحاً وجارحاً. كان ذلك استفزازاً بدائياً في سلوك الديكتاتور، ثم كشفت لجنة حكومية مختصة في ما بعد حقائق مذهلة وصادمة للشعب المحروم، عن أن كلفة «عمليات الفساد والتجاوزات المالية التي تمت من بيع للأصول الثابتة والمتحركة تجاوزت جملتها سقف الـ80 مليار دولار». ومن ذلك تجاوزات بيع الفيلات الرئاسية بمبلغ 50 مليون دولار، وهي تتجاوز في قيمتها الحقيقية 500 مليون دولار. والأشدّ فظاعةً تلقي الرئيس شخصياً لعشرات أو مئات ملايين الدولارات نقداً، وحفظها في البيت، ليتم التصرف فيها على طريقة الأمراء والسلاطين.

في الجزائر، وفي شركة سوناطراك وحدها، وهي تنين النفط الجزائري، قيل إنها صدرت ما يعادل 670 مليار دولار من النفط بين 2000 و2013، ذهب أكثر من نصفها (370 مليار دولار) لموازنة الدولة، وتسديد الواردات الجزائرية، وذهب 40 مليار دولار في تسديد الدين الخارجي، بينما بقي 200 مليار دولار في احتياطات العملة الأجنبية لدى البنك المركزي الجزائري. وظهرت التساؤلات والاتهامات بعد ذلك حول الستين مليارا الناقصة أو المنهوبة.

وحول تعميم الفساد، قال تحقيق أجرته «بي بي سي» حول كرة القدم الجزائرية، إن رشوة اللاعبين والمسؤولين في الجزائر، أمرا بات مألوفا، إلى الحد الذي أدى إلى نشوء «قائمة أسعار» شبه رسمية تتفق عليها كل الأطراف، ويُرجع إليها في تقرير المبالغ اللازمة لشراء ذمم اللاعبين والمسؤولين – أي فساد حسب الطلب – أخذا بنظر الاعتبار أهمية كل مباراة وسياقها. وحدّد التقرير سعر ضربة الجزاء وترتيب تعادل نتيجة مباراة أو الفوز فيها.

أما في العراق، فهنالك تقارير تفيد بأن البلاد قد خسرت منذ عام 2003 جراء عمليات الفساد 450 مليار دولار، في حين قدرت دراسات أخرى أن الفساد يستنزف نحو 25% من المال العام. وفي مقابل ذلك تبلغ نسبة الفقر في العراق نسبة 22%، وفي الجنوب 31%، مع نسبة بالبطالة تصل إلى 23% عموماً، وإلى أكثر من 40% بين الشباب.

ذلك كله مع تراجع كبير في البنية التحتية، والصناعة والزراعة وقطاع الخدمات، في ظلّ انعدام للأمن وسيطرة الجماعات المسلحة في الشارع، أمام عجز للسلطة المركزية وتراجع في هيبتها، مع نفقات حكومية هائلة يتوقع أن تزيد في العام المقبل عن 30 مليار دولار، في تجسيد رسمي وقانوني للفساد.

وفي لبنان – جار سوريا، مع تفاصيل متداخلة قديمة وجديدة، هنالك دولتان، رسمية تكاد تتهاوى، وأخرى موازية يستقل بها حزب الله تأخذ من تلك الأولى ولا تعطيها إلا الشعارات والهتافات. وإضافة إلى ذلك، هنالك مشكلة الدين العام الذي زاد عن 150% من حجم الناتج المحلي الإجمالي، كما اختلّ الميزان التجاري بشكل كبير، وساد التهريب في التجارة والتهرّب من الضرائب، وتمّ نهب الأموال العامة بأشكال عديدة جعلت نسبة الأشخاص فائقي الثراء أقل من 10% من مجموع السكان يسيطرون على أكثر من 55% من الدخل الوطني و70% من إجمالي الثروة (المالية والعقارية) و90% من الودائع المصرفية. وسادت البطالة وعجز الشباب عن متابعة التعليم، وتدهورت الخدمات العامة، وعمّ الفساد وكاد يصبح حكماً وعُرفاً معمّماً، مع تقدير لفاتورته التي تصل إلى ما يزيد عن 10 مليارات دولار سنوياً في بعض التقديرات، مع تأثير العقوبات بسبب حزب الله وأفعاله، التي تضع اقتصاد البلاد بين فكيّ الكماشة الخارجية والداخلية، فتشلّه، وذلك كله زاد من معدلات الهجرة حتى قاربت أيام السفر برلك.

في منطقتنا الهشّة أساساً، التي يقال إن الاستبداد وحده هو ما تستحقه، دخلت الليبرالية الجديدة دخولاً ظافراً منذ انتعاشها عالمياً في المرحلة ما بعد الشيوعية في التسعينيات خصوصاً، وهي بذاتها المرحلة التي تمكّن فيها البشير بانقلابه في السودان، ودخلت الجزائر في العشرية السوداء كما تُسمى، وابتدأ مسار عراق صدام نحو الهاوية، بغزوه للكويت، وتوقفت الحرب اللبنانية وعاد الحريري إلى لبنان، كلّها شروط ممتازة لاستقبال الليبرالية الجديدة، التي تفتح على الفساد الواسع ويفتح الفساد عليها. فكان ذلك في أسباب شرارة موجة الربيع العربي الثانية المختلفة شكلاً عن تلك الأولى بانطلاقها المباشر من الطغيان والاستبداد والقمع، والمختلفة أيضاً في مفاعيلها ونتائجها.

فإن كان الفشل في تلك الموجة الأولى من نتائج البنية المتفجّرة وطنياً وقومياً ودينياً وطائفياً، فلن يكون النجاح إلا بالذهاب إلى ما يوحّد المجتمع، وإلى البنية الاجتماعية بمركباتها الأكثر ديناميةً، القائمة على الاقتصاد والحاجات وأصول العيش وركائزه. ولعل ذلك ما يجعل من الفساد والأزمة المعيشية المتفاقمة محرّكاً أكثر فاعليةً لعملية التغيير، وتجربة جديرة بالتفاعل معها، بل الاندماج فيها من دون تردد.

من عناوين دروسنا من هذه الموجة، نحن السوريين وأمثالنا، يمكن أن نرى تأكيد موقف مقاومة التدخل الخارجي لا استسهاله واستقدامه أو الترحيب به؛ والتعزيز المستمر لمفهوم الاعتماد على الذات، وأنه «ما حكّ جلدك غير ظفرك»، وعلى التركيز على الوطني – العام- الجامع، المانع للانقسامات الكامنة في الزوايا.

وهنالك إبداع في حرص شباب الجزائر والعراق ولبنان- والسودان قبلهم- على الروح السلمية، واجتهادهم في الحفاظ عليها. إبداع أيضاً في توليد استمرارية الحراك والابتكار في مقومات استدامته ومقاومة محاولات قضمه وتقسيمه، وفي لجم مظاهر التفريق على أساس ديني أو طائفي أو عرقي أو قومي. هنالك إبداع كذلك في تحصين وحدة المجتمع أمام خصائصه النابذة، وتخطيط للانطلاق من الاجتماع إلى السياسة.

ذلك صحيح كما يبدو في المستوى الدولي أيضاً، كما تأتي الأنباء من تشيلي.. وغير مكان. ولا تحتاج الأمور إلى أكثر من شرارة عابرة عند اكتمال شروط الاشتعال، كرفع سعر بطاقة المترو، في سانتياغو، أو إقرار ضريبة على اتصالات الواتس أب في لبنان، أو انتهاك حرية ناشط في أديس أبابا، من قبل حكومة يرأسها من نال جائزة نوبل لحقوق الإنسان قبل أيام.

يبدو أن الاجتماع حين يتكثف، يمكن أن يتحول إلى فعل سياسي؛ والسياسة حين تتكثّف، يمكن أن تتحول بالعنف إلى فعل عسكري.. فالاجتماع المدني هو ما يعصم الجماعة البشرية من تأثير العوامل ما قبل الوطنية، وها هي الجماعات الأقرب إلى المدني منها إلى السياسي تتقدم الجموع في لبنان كما فعلت في السودان، وبروح خلاقة لا نعرفها من قبل.

قد لا يكون الفساد بما يرافقه من الفقر وانعدام المساواة أكثر إثارة للغضب من الاستبداد وتعجيلاً بالتغيير.. لكنه حتماً أكثر عموميةً وتأسيساً وأقل مغامرةً، في البنى الهشة خصوصاً، وقد يكون خيراً! وعلى كل حال، هذا ما يجري أمامنا الآن، ولا بدّ من المتابعة عن قرب، ولو بدونا وكأننا نجرّب الأفكار ونعيد تقليبها بين الفينة والأخرى، ولا نحسمها.

كاتب سوري

القدس العربي

—————————–

الانتفاضة اللبنانية.. لا مهرب من مواجهة حزب الله/ يوسف بزي

تفوق اللبنانيون على أنفسهم، وتفاجأوا بما يمكنهم أن يصيروا عليه. ما كان غير مفكر فيه وغير متصور في مخيلتهم، تحقق في لحظة سحرية. وهذا هو تعريف الثورة: مباغتة تاريخية.

كانت الملحمة السورية هي الأقرب إلى انفعالات اللبنانيين، وقد أبصروا فيها استعصاء دموياً وتدميرياً، رسخ في وعيهم ما كانوا قد اختبروه في 2008 في مواجهة حزب الله، أي عدم تورعه عن إشعال حرب على اللبنانيين وسحقهم بكل سهولة، وهو الطرف الوحيد الذي يملك السلاح.

وكان راسخاً في نفوسنا أن “انتفاضة الاستقلال” (أو “ثورة الأرز”) عام 2005 والتي سبقت الربيع العربي بست سنوات، ورغم أنها أنجزت رفع وصاية النظام السوري، هُزمت بالإرهاب والعنف والانقسام الطائفي الذي تفاقم على وقع الحروب المذهبية في المنطقة. وعليه، بات من الصعب تجاوز “التسوية” أو تعبئة الجمهور في أي مشروع سياسي معارض.

في العام 2011، حاولت مجموعات شبابية وطلابية تنظيم بعض التجمعات والاعتصامات والمسيرات تحت شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”. بدا مشهدهم غير متناسق بتاتاً مع قناعات اللبنانيين، الذين نظروا إلى هذه المحاولات بوصفها مراهقة سياسية متأثرة بالميادين العربية ولا علاقة لها بالواقع اللبناني.

في العام 2015، حدثت حركة “مطلبية” واحتجاجية تقصدت أن لا تقرب السياسة لا من قريب ولا من بعيد. كانت حراكاً ضد فشل الحكومة في حل أزمة النفايات. لكن عندما تكشفت العلاقة القذرة بين السياسة والنفايات، انقلبت أيضاً إلى معضلة “طائفية”- مناطقية. هكذا اصطدم الحراك رغماً عنه بالسياسة فتشظى نتفاً لشدة هشاشته. وتحولت حراكات 2015 إلى نكتة عن “ثورة NGO” (منظمات غير حكومية). وهذا ما أعاد تأكيد قناعة اللبنانيين بلا جدوى الاعتراض.

الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2018، كرست على نحو “ديموقراطي” الانقسامات الطائفية العميقة وأحقادها، وثبتت الطبقة السياسية الحاكمة شرعياً، كما أكدت بالإرادة الشعبية غلبة حزب الله وحلفائه وإمساكه بالسلطة وتحكمه بالدولة وفق “تسوية” تؤمّن حكومة ائتلافية بين الغالبين والمغلوبين. وهي تسوية أمنت لحزب الله أن لا سياسة خارجه.

كان هناك “طمأنينة” لدى النظام اللبناني – “الحزبلاهي”، أن ثورات العالم العربي بموجتيها: مصر، ليبيا، تونس، اليمن، البحرين، سوريا.. ثم الجزائر والسودان، إنما هي مندلعة ضد طغاة وديكتاتوريين وأنظمة استبدادية. وهذا ما لا ينطبق على لبنان. ثم إن أطياف الحرب الأهلية التي لا تغادر ذاكرة الناس، تردعهم عن التوغل في الاعتراض أو المواجهة.

قايض حزب الله اللبنانيين جميعهم قبوله بحرياتهم الاجتماعية بل وبحرياتهم الشخصية، ممتنعاً عن فرض إيديولوجيته، مقابل تسليمه السياسة والقرار الوطني، بوصفه “المقاومة” صاحبة إنجاز تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي. إنجاز لا يقل ثمنه عن امتلاك المصير وعن تحديد “الهوية” السياسية للبلد. وبمعنى آخر، تسليم لبنان لإرادة محور الممانعة، وتنصيب حسن نصرالله مرشداً أعلى للجمهورية.

العطب الأساسي في هذه المعادلة أن خيارات حزب الله السياسية وانخراطه في حروب المنطقة وتحوله إلى رأس حربة في المشروع الإيراني للمنطقة، حتمت ابتعاد لبنان عن مصدر الأوكسيجين لاقتصاده. جرّ الحزب البلاد إلى خانة “الدولة المارقة”. ولأن لبنان يعتنق الاقتصاد الحرّ الرأسمالي، ويعتمد على نظام مصرفي معولم، بل ويعيش على قوة الصلة بالعالم العربي ودول الخليج خصوصاً، والصلة بالغرب والنظام المالي الدولي.

إذا أضفنا إلى هذا المأزق الارتفاع القياسي لمستويات الفساد عند الطبقة السياسية، والفشل التام في برامج التنمية وفي تأمين الخدمات من كهرباء وماء ورعاية صحية ومعالجة النفايات وحماية البيئة (كارثة الحرائق وفضيحة عجز الدولة عن مكافحتها قبل أسبوع من اندلاع الاحتجاجات).. عدا عن الغلاء والبطالة وتزعزع الثقة بالعملة وتردي أحوال الإدارة وتفاقم الدين العام، واستسهال الحكومة بفرض الضرائب الباهظة.. تكفلت كل هذه الظروف في الانفجار المباغت.

لقد وجد اللبنانيون عبر ما هو مسموح لهم، أي الاحتجاج المطلبي أو الاعتراض على الفساد، منفذاً لتطوير خطاب الانتفاضة. أما المعجزة التي نتمنى دوامها، فهي اندفاع اللبنانيين اضطراراً – وبسبب طبيعة المأزق الذي وصلوا إليه – للخروج على وعن طوائفهم. لقد سُلبوا حق تقرير مصيرهم السياسي، ثم سُلبت منهم شروط الحياة الكريمة، وفقدوا دولة تحترم تطلعاتهم.

من الطبيعة المطلبية لاحتجاجهم إلى الاعتراض السياسي الشامل، حدث التحول من “حراك” مدني إلى “انتفاضة” شعبية. وأول من أدرك ذلك هو حزب الله. عرف أن هذه الانتفاضة بشعار “إسقاط النظام” إنما تعني قطع رأسه.

اليوم يواجه اللبنانيون الحقيقة المخيفة: الطبقة السياسة ونخبها وأحزابها وزعماؤها بحكم السقوط. أما النظام فهو هناك بكل صلابته وعنجهيته وقوته العارية. هو “الجهاز” المترع بالطاقة العنفية وبالاستعداد لاقتراف واسع وشامل على غرار ما اقترفه في سوريا وما يرتكبه حلفاؤه في شوارع العراق وساحاته.

منذ ليل الخميس الماضي، بدأت “الثورة المضادة” التي يقودها حزب الله، مستخدماً الترهيب والاعتداءات المتفرقة والدعاية المضادة، ويلجأ إلى تعبئة الموالين له. وهو يضغط بشراسة على بعض الأجهزة الأمنية كي تنفذ أوامره: عزل المتظاهرين وحصرهم في بعض الأمكنة وفتح الطرقات، بما يمنع “العصيان المدني” ويكسر الإضراب العام. وتحويل الاعتصامات إلى حالة عبثية لا معنى لها. وهو لوّح للجيش وللقوى الأمنية وللمواطنين، أنه في حال فشل هذه الخطة، فسيتولى حزب الله بجحافله قمع وتشتيت التظاهرات والاعتصامات وفتح الطرق.. ولو بالدم.

اليومان المقبلان حاسمان.

———————–

أسئلة وفرضيات برسم الخبث الإيراني/ يحيى العريضي

قبل أيام، لم تبق جهة إلا ونشرت عرض تركيا والجيش الوطني الحر على ما سُمي “نبع السلام”. تلك الجهات اعتبرت تركيا غازية، والجيش الوطني أداةً مستأجرة. رغم تغيّر الحسابات والمواقف، إلا أن صوت إيران المنتقد شكّل علامة نشاز فارقة في النظر إلى المسألة.

مستهجن كان موقف طهران؛ فهي التي قال مسؤولوها بعظمة لسانهم يوماً إنهم يسيطرون على أربع عواصم عربية، وهي كي تنقذ نظام الأسد من “شعبه” قد جلبت ميليشيات ومرتزقة لذبح السوريين، وتمزيق الديموغرافيا السورية؛ وهي التي بثت الرعب في الأوصال السورية بمساهماتها بالاعتقال والاحتلال والتشريد. ولكن تحسسها خطر ما يحدث عليها وعلى مَن تحميه في دمشق جعلها تقع بالمحظور، وتدين الفعلة التركية؛ وهي التي لم يكن لها متنفس يوماً إلا تركيا، عندما حاصرها العالم. فإذا كان يحق للقاصي والداني انتقاد تركيا، فإن آخر من يمتلك هذا الحق هو إيران التي تعهدت عملية القمع والقتل والتدمير والتشريد وبناء قواعد تخريب النفوس في سوريا. 

وها هي الآن تحاضر بالطهارة. فإن كانت جادة فعلاً، وحريصة على سوريا، عليها أن تبدأ بنفسها بالخروج من سوريا كي تريح وتستريح.

 عندما تكون إيران بوضع المرتكب؛ ما الذي يدفعها إلى موقف مستهجن كهذا؟

    فإذا كان يحق للقاصي والداني انتقاد تركيا، فإن آخر من يمتلك هذا الحق هو إيران التي تعهدت عملية القمع والقتل والتدمير والتشريد وبناء قواعد تخريب النفوس في سوريا

    هل ترى إيران أن الثورة السورية التي بدأت تخسر منذ عام 2014 أغلب ما حررته من ربقة الاستبداد بسبب تدخلها، وأن هذا الجيش الوطني (مهما قيل عنه، ورغم محاولات تهميشه) والذي يخص أعداء صديقها الأسد، قد توحّد؛ وربما يكون له قول وأهمية في مستقبل بلد تصورت ايران أنها سيطرت عليه؟!

    هل باتت إيران متأكدة أن الذراع البطشي الإرهابي المتمثل بالـ “بي كي كي”، والذي كانت إيران تعتمد عليه، قد بُتر كتنظيم إرهابي؟!

     هل يضيرها أن تحفظ تركيا، صديقتها افتراضياً، أمنها القومي؟!

    بعد خسارة إيران لداعش في تلك المنطقة، هل ترى في خسارة ذلك التنظيم الإرهابي ضربة أخرى على الرأس؟!

    هل الخلاص من هذا التنظيم الإرهابي يعطل مشروع إيران التفتيتي لسوريا حيث كانت ونظام الاستبداد أول من فكر بـ”سوريا المفيدة”؛ وبزوال ذلك التفكير الانفصالي للـ” بي كي كي”، يتم نسف مخططها؟!

    عندما تقول إيران إن أميركا عدوتها؛ وإن كانت ستخرج؛ أو على الأقل سيكون بين عدوتها هذه وصديقتها روسيا شيء من الصراع في تلك المنطقة؛ ألا يكون ذلك في صالحها؟!

    إذا كانت إيران حريصة على سوريا، فهل يضيرها أن يكون هناك منطقة آمنة يعود إليها بعض السوريين الذين اقتُلعوا من بيوتهم، أم أن عودتهم تخرّب عليها مخططها في التغيير الديموغرافي في سوريا ونشر التشيّع كما تفعل في الجزيرة السورية؟!

لا بد أن إيران متيقنة أن أي عودة للنظام إلى تلك المنطقة / المفترض أن تكون آمنة/ ستكون شكليةً؛ والأهم، سيكون وجود ميليشيات إيران محظور تماماً. ربما الأمر المؤلم استراتيجياً بالنسبة لإيران هو أن أحد أهم منافسيها إقليمياً -وهنا الحديث عن تركياً- قد أصبحت لاعباً أساسياً في الحلبة السورية، بعد أن كانا شريكين في أستانا؛ وأنه كلما زاد التقارب التركي – الروسي، يتم تحييد إيران، ويتلاشى موقع وقيمة المنظومة الأسدية في المعادلة، وتتحول إلى ورقة مساومة حصرية بيد الروس لا بيدها. ومن هنا، ورغم أن انتقادات الآخرين لسلوك تركيا والهجوم على الاتفاق الذي تم في الشمال السوري ليس أقل استهجاناً من سلوك إيران، ولكنها تتفرد بغاياتها الخبيثة التي تتمثل بابتزاز تركيا ودفعها باتجاه ترطيب العلاقات مع النظام. فإذا كان هذا هو الهدف، فقد فاتها السوق؛ فتلك الورقة التي تسعى للحرص عليها لم تفقد قيمتها فحسب، بل إن هناك من هو أقوى منها للتحكم بها.

إن أي انتقاد أو هجوم على الفعلة التركية يمكن أن يكون مقبولاً من أولئك المحايدين أو الذين لا مطامع لهم في سوريا؛ ولكن أن يأتي من إيران؛ فلن يكون إلا مستغرباً ومستهجناً؛ ويحمل غايات خبيثة. فإن كان من أجل أن يُقال: “ما حدا أحسن من حدا” لتبرير أفعال إيران ذاتها، فهو قاصر. وإن كان ليقول للعالم إن إيران موجودة في سوريا بطلب من حكومتها “الشرعية”- كي ترسل رسالة مفادها أن الوجود التركي يفتقد هذا الشرط، وعليه التواصل مع نظام دمشق؛ فهي واهمة، ولا بد أن إيران تعرف في داخلها أن من دعاها لقتل شعبه فاقد للشرعية.

لم يكن الموقف الإيراني إلا محاولة يائسة بائسة في وقت يضيق الخناق على أعناق ملالي طهران وأدواتهم /وخاصة في لبنان/؛ حتى أولئك المعاقون الذين هاجموا العملية التركية والاتفاق التركي – الروسي، يُصابون بالارتباك، ويسعون للتنصل من سقطات كانوا بالغنى عنها.

السوري، في المحصلة النهائية، يبحث عن شبر آمن فعلياً في بلده. هل يتحقق ذلك، وكيف؟! هذا ما يبحث عنه ويريده. لقد تعب من القتل والتدمير والاستبداد والظلم والتشييع والتصافق عليه وعلى حساب كرامته من أجل الحفاظ على طغمة قاتلة أضحى وجودها ثقيلاً حتى على المغرمين بها.

تلفزيون سوريا

———————–

ثورة لبنان: عن بهجة أسقطت الزمن الإلهي/ شادي علاء الدين

لوهلة بدا أن كل شيء في لبنان قد بات مكسوا بطبقة كثيفة من الإلهية المنتسبة إلى حزب الله وزمانه. لم يستطع أحد التفلت من سطوة هذا الواقع أو إظهار ولو حداً أدنى من الاختلاف مع مآلاته وأخلاقه. ساد التماثل وتفشى، حتى لم يعد الفصل بين خطابات التيارات السياسية ممكناً لأنها تنطلق جميعاً من مرجعية واحدة ووحيدة وتصب فيها.

بذلك تحولت السياسة إلى بنية إلهية متعالية عن الواقع، تنحصر مهماتها في تدبير شؤون تسفيهه وتخريبه وتحويله إلى كابوس لا شفاء من سطوته.

رد الناس كان مفاجئا ومباغتا وتمثل في إصرار الثورة القائمة حاليا على إلغاء انتساب مطالب الناس إلى السياسة، ما يعني تاليا الرفض التام لأن يكون لأي طرف سياسي الحق في التفاوض مع الناس.

هجم الناس على السياسة والسياسيين بالبهجة والخفة. كانوا ينتظرون

ثقلا وصراخا وبكاء أو استجداء أو أي شيء مما يجيدون تماما التعامل معه. كانوا ينتظرون السياسة كي تظهر الثورة كعنوان خلافي بوصفها شارعا يقابله شارع آخر.

كشفت القوى السياسية أنها لا تملك شارعا، وفي كل لحظة كانت تحاول فيها التعبير عن تمثيلها لفئة من الناس، لا تجد أمامها سوى الركون إلى فعل بلطجة، بدا بائداً وقديماً ومفتقداً للجدوى.

نصرالله فقد إصبعه وهوله، واضطر إلى أن يخاطب الناس قائلا يمكنكم أن تشتموني. جمهوره لم يعرف ماذا جرى. نراه ينزل إلى الساحات محاولا البحث عن مقايضة ما بين شتم زعيمه المقدس وبين السماح بشتم نوابه ووزرائه.

الشارع كان أوسع من قداسة نصرالله، وربما يكون هو تحديدا قد سبق غيره من السياسيين في استشعار هول ما يجري ونوعه، لأنه عرف أنه المستهدف، وأن أمواج الهيلا هيلا هو الشتائمية الموجهة إلى باسيل إنما طالت زمنه وروحه.

نصرالله لا يُشتم ولكنه يسقط. يسقطه الجديد وغير المألوف والذي توءَم النبطية، والضاحية، صور وطرابلس، جل الديب وساحة الشهداء، وجعل النبطية أيقونة الثورة.

كان يريد أن يخفي الشيعة في جبّته وأن يخرجهم علينا بهيئة فزاعات ولكنهم خرجوا عليه في النبطية وغيرها. صرخوا في وجهه أنت إرهابي ونحن المقاومة. ولعل صورة الحجة التي كانت تخبئ السلاح للمقاومين السابقين في حديقة منزلها معرضة نفسها وعائلتها للموت وقد سحلت تحت أقدامهم الآن، تقول بوضوح ما لا يستطيع نصرالله تحمله ولا التعامل معه سواء إذا اعتبرنا أنه يفهمه أو لا.

الجديد عطل آلات السياسة وآلات التنظير، وأعاد الاعتبار لطاقة الجسد والبهجة بوصفهما قوة خارقة لا قبل لأحد بتفسيرها ولا بمواجهتها.

لدينا هنا في الساحات طاقة تنزع عن كل ماض هالته، وتتجه حصرا نحو المستقبل ولا تبني على شيء ولا تتخذ من أي شيء مرجعية. كل محاولات مقارنتها بما سبق بدت فذلكة تافهة، وكل محاولات القراءة لا تعدو كونها محاولة للتوثيق.

هجمت البهجة على الساحات مخلية المجال لأورغازم ثوري متواصل. رقص، غناء، شتائم، قبلات، رقص في كل الأماكن. خرجت المدن والساحات من التشادور الإجباري لتكشف عريها وترفض النقاش والتفاوض.

يبحث الناس عن الجديد فلا شيء في الماضي الإلهي سوى موتهم. دفن الناس موتهم وعطلوا أدواته. إنهم يعيشون الآن.

اكتشف اللبنانيون أنهم أحياء فخرجوا ليمارسوا حياتهم. ما يحدث ليس سوى الحياة وقد تنفست خارج السياسة ومستنقعاتها.

يرى الناس حاليا في السياسة نزعة لعقلنة التمويت. قدَّم سعد الحريري ورقته الاقتصادية فكان الرد الفوري للناس برفضها، وبعد مضي أكثر من أسبوع على الثورة يخرج رئيس الجمهورية بخطاب مسجل ليقول فيه للناس أنا الأمين على مطالبكم والمرجع المخوَّل بتنفيذها، فكان الرد المباشر بأهازيج السخرية والشتائم.

بدا الزمن الإلهي على هيئة الجنرال المتعب مترهلا وجليديا ومنفصلا عن الزمن. نفهم عمق حرص حزب الله في الدفاع عن العهد العوني ورمزه الوثن العجوز في هذا البعد تحديدا.  يعشق الحزب الإلهي الرموز ويعرف سطوتها، لذا يصرّ أن يلقي في وجهنا بصورة الجنرال الرئيس المستحضرة لموت ممتد يريدنا أن نسكن فيه جميعا. لا أحد يستطيع أن يناقش في أن سعد الحريري الذي لم يبلغ الخمسين

بعد يردد أصداء صورة عون وأنه، على هيئته ومثاله، بدا مترهلا فاقدا للشباب والحيوية، والقدرة على فهم مطالب الناس وحيوية الشارع.

يُهزم الترهل بالزهو المفتخر للأجساد الراقصة الهازئة وبالمدن التي تصرخ “كلن يعني كلن”، وبتمويت الطائفية وتذويبها بأسيد النشوة وفي خلخلة اللغة والكلام.

نجحت الثورة في تحويل كلام الساسة كلهم إلى كلام متحفي. بدت الشتائم وكأنها اللغة المحايثة للزمن، واستطاعت وصل البلاد بالعالمية، وأعادت إنتاج الهوية اللبنانية ووصلها بثورات المنطقة وخصوصا الثورة السورية.

إن الكسأميّات الموجّهة إلى أركان السلطة في لبنان تصيب أيضاً بشار والولي الفقيه ولعل في استبشار السوريين بثورة اللبنانيين ما يضيء على المعاني الكامنة والصعبة التحديد حاليا فيها. بدأت هذه الثورة كاملة وممتلكة لوعي حاد ومباشر، أسقط فجأة عنوان العنصرية ضد اللاجئين من التداول، فبتنا نعرف الآن أنه لم يكن صناعة لبنانية بل كان صناعة إلهية.

كنا قبل هذه الثورة نلعن البلاد ونخجل من هويتها. الآن إذا سألت أي لبناني، ما خلا هؤلاء الذين يخاطبهم الرئيس المترهل بلقب أعزائي، من أي البلاد أنت لأجابك بكل فخر وثقة: أنا لبناني من بلاد الهيلا هيلا هيلا هيلا هو.

—————————–

مسخرة “فائض القوة”/ يوسف بزي

إسقاط الحكومة لم يكن الإنجاز الأول لانتفاضة 17 تشرين. سبقه بساعات إنجاز سياسي بعيد الأثر: “إسقاط” إصبع الترهيب أيضاً، تعرية نظام 7 أيار 2008 الحاكم حتى يومنا هذا بعهوده ورموزه واقترافاته.

الانتفاضة، وأولاً بشاباتها مسخرن “فائض القوة” وأيديولوجيا القوة وخطاب القوة. ضعفهن الإنساني أمام همجية “أشرف الناس” كان انتصاراً مغايراً لكل ما يدعونه “انتصارات”. تغلبهن على الهراوات وعلى الوحشية وعلى السفالة جاء من رقتهن ومحبتهن وشفافيتهن، ومن عنادهن ووضوحهن وجنونهن الشِعري وعقلانيتهن الحالمة وطموحهن الناصع. كن لهذا السبب هدف الشبيحة، الذين شعروا بالإخصاء أمام تألقهن على مدى 13 يوماً. بل وشعروا بالعجز أمام “خطر” طليعيتهن، التي منحت ساحات الانتفاضة بعداً أعمق من السياسة، كبشارة إلى ثورة اجتماعية وحقوقية كبيرة تليق بهذا الجيل اللبناني.

الشابات والشبان الذين باغتتهم قطعان الشبيحة، “الباسيج” اللبناني، حولوا جراحهم ورضوضهم وخوفهم ودمعهم ودماءهم.. إلى كبرياء مدني نادر. وحوّلوا عودتهم إلى الساحات من فور تواري فلول الشبيحة إلى رصيد سياسي للمستقبل. نصاعة المشهد ونصاعة الإصرار ونصاعة التحدي ونصاعة تغلبهم على خوفهم النبيل، هو الفارق الجوهري بين رؤيتين لمستقبل لبنان ولمعنى الحياة فيه بكرامة وحرية وسلام. لكن الأهم، ومرة أخرى منذ ذاك “اليوم المجيد” في أيار 2008، كان مشهد الشبيحة بمواجهة شباب وشابات لبنان يعيدنا إلى تعريف الأخلاق في السياسة كفارق دائم بين الفاشية والديموقراطية، بين “عبادة القوة” و”توقير الضعف”.

على أي حال، في هذا المشهد تحررت كلمة “المظلومية” من الذي كان يصادرها بابتذال ورياء.

مشهد “القمصان السود” بكل خساستهم ودناءتهم يعيدنا إلى أصل الصراع السياسي في لبنان، الذي هو ببساطة رفض أكثرية اللبنانيين أن يكون بلدهم وضيعاً على شاكلة هؤلاء، أن يكون بشعاً كهيئاتهم، أن يكون جاهلاً كرؤوسهم، ضحلاً ووحليّاً كنفوسهم. فلا شيء أكثر إهانة للبنانيين من أن يقرر هؤلاء سياسة لبنان وأن يحكم هؤلاء حياة اللبنانيين.

انتفاضة 17 تشرين هي الفعل العادل ضد الزمن المهدور طوال عقد، زمن تم فيه اختطاف كل آمال اللبنانيين وجهدهم وتعبهم وخياراتهم وهويتهم. وهي تعويض عادل لما أهدره جيلنا في التسعينات والعشرية الأولى بـ”تسويات” فاسدة، حين أقنعنا أنفسنا أنه يمكن التعايش مع سلطة حزب السلاح ومافيا الاقتصاد.

أمس تحديداً، رأينا أملاً للبنان في ذاك الألم الذي أصاب شابات وشبان بيروت. أما ذاك اللغو عن استقالة رئيس حكومة وما قبلها وما بعدها، فمجرد ضجيج ينتمي إلى عهد آفل.

المدن

—————

المتظاهرون اللبنانيون: إلى ما بعد الحريري

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري يوم أمس الثلاثاء استقالته من منصبه، وذلك في اليوم الثالث عشر للمظاهرات التي تعمّ مدن لبنان احتجاجاً على الفساد السياسي والاقتصادي للنخب الحاكمة. وتأتي استقالة الحريري لتكون بمثابة إعلان عن فشل مساعي السلطة لاحتواء المظاهرات بالاعتماد على التركيبة الحكومية الحالية، وهي المساعي التي جاءت على شكل مزيج من ثلاثة عناصر؛ الوعود الإصلاحية التي أعلنها الحريري في ورقة يوم الحادي والعشرين من الشهر الجاري، والقمع متفاوت العنف الذي مارسته بشكل رئيسي مجموعات منظمة مرتبطة بحركة أمل وحزب الله في أماكن ومناسبات متعددة، والقوى الأمنية والجيش في أماكن ومناسبات أخرى؛ والتهديد بالانهيار الاقتصادي وانتشار الفوضى وعودة شبح الحرب الأهلية.

وقبيل إعلان الحريري عن استقالته، كانت مجموعات مرتبطة بحزب الله وحركة أمل قد اعتدت على المتظاهرين والمعتصمين ظهر أمس عند جسر الرينغ في بيروت، لإجبارهم على فتح الطريق الذي يغلقونه هناك، كما هاجمت مجموعات مماثلة ساحتي رياض الصلح والشهداء، وقامت بإحراق خيام الاعتصام وتخريبها والاعتداء على المعتصمين بالضرب، دون أن تتحرك القوى الأمنية التي قامت بالرد فقط عندما اقتربت تلك المجموعات من مقر السرايا الحكومي، لتقوم بتفريقها وإخراج عناصرها من الساحات.

وكانت مجموعات مرتبطة بأمل وحزب الله قد نفّذت سابقاً اعتداءات على المتظاهرين في مناطق من الجنوب اللبناني أبرزها النبطية وصور، وكذلك في ساحتي رياض الصلح والشهداء يوم الجمعة الماضي، الخامس والعشرين من تشرين الأول الجاري، وذلك قبيل كلمة حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني، التي ألقاها في ذلك اليوم وتضمنت تجديده رفض حزبه لفكرة استقالة الحكومة، وتحذيره من الذهاب بالبلاد مجدداً إلى حرب أهلية، واتهامه قطاعات من المتظاهرين بالحصول على تمويل ودعم من سفارات أجنبية. وكما عاد المتظاهرون إلى الساحتين بعد اعتداءات يوم الجمعة الماضي، كذلك عاد المتظاهرون بعد اعتداءات يوم أمس الثلاثاء، ليحتفلوا هناك باستقالة الحريري معلنين مواصلتهم لثورتهم حتى إزالة كامل النخبة السياسية الحاكمة وإجراء تغيير جذري في النظام السياسي اللبناني.

وبالإضافة إلى الاعتصامات والمظاهرات في ساحات وشوارع لبنان، التي شملت جميع المناطق اللبنانية من أقصى جنوب البلاد وغربها إلى أقصى شمالها وشرقها، يحاول المحتجون الاستمرار في قطع الطرقات الرئيسية في عموم البلد، من أجل ممارسة أكبر قدر ممكن من الضغط على السلطة، التي تسعى إلى منع المتظاهرين من مواصلة هذا النوع من الفعل الاحتجاجي، ودفعهم إلى الاقتصار في المرحلة الراهنة على التظاهر والاعتصام في ساحات لا تعرقل حركة السير. وقد حاولت قوى الجيش والأمن اللبنانية فتح الطرقات المقطوعة بأجساد المتظاهرين عدة مرات وفي عدة مواقع، دون أن يُكتب لمعظم محاولاتها تلك النجاح، وشهدت إحدى هذه المحاولات عنفاً مفرطاً، عندما استخدم عناصر من الجيش الرصاص لتفريق المتظاهرين في البداوي قرب طرابلس شمال لبنان، ما أدى إلى جرحى هناك يوم السبت الماضي.

وإلى جانب مسألة قطع الطرقات، التي هي أحد العناوين الرئيسية في لبنان اليوم، تحضر مسألة إقفال المصارف والأوضاع المالية والاقتصادية المتردية في البلد. وكانت جمعية المصارف اللبنانية قد أعلنت استمرار إغلاق أبواب المصارف اليوم الأربعاء لليوم الرابع عشر على التوالي، وهي المسألة التي تثير سجالاً واسعاً في لبنان، ذلك أنها تشكل ضغطاً جدياً على السلطة التي لا تبدو قادرة على تحمّل تبعات انهيار اقتصادي ومالي في لبنان، لكنها أيضاً يمكن أن تكون عامل ضغط على الحركة الاحتجاجية، لأن السلطة ستستغلّ هذا الأمر لتحميل المتظاهرين مسؤولية أي انهيار اقتصادي سيؤدي في حال حدوثه إلى مزيد من تردي الوضع المعيشي لعموم اللبنانيين.

وكان رياض سلامة حاكم مصرف لبنان قد حذَّرَ خلال مقابلة مع قناة CNN من انهيار اقتصادي وشيك «خلال أيام»، ليعود ويتراجع عن كلامه في تصريحات أخرى لوكالة رويترز، شارحاً أنه تحدَّثَ عن ضرورة الوصول إلى حلّ «خلال أيام» لتلافي انهيار مستقبلي محتمل. وعن هذا الأمر، تحدّثَ الكاتب والباحث اللبناني بشار الحلبي للجمهورية من داخل ساحة الشهداء في بيروت، وقال إن «رياض سلامة كان يحاول رفع المسؤولية عن نفسه إذا حدث انهيارٌ اقتصادي، ويبدو أن هناك كذباً متفقاً عليه بين الأطراف التي تدير البلد بخصوص هذا الموضوع، لأن الوضع في الحقيقة خطير فعلاً، ويتحدث كثيرون عن أننا دخلنا فعلاً في مرحلة الانهيار، ومن أجل مواجهة هذا الوضع فإنه لا بدّ من تعيين حكومة من المختصين لمواجهة هذه المرحلة». يتابع الحلبي حديثه متوقعاً سيناريوهين للوضع بعد استقالة الحريري؛ الأول هو «العمل بحكومة تصريف أعمال ما سيؤدي إلى مزيد من الضغط في الشارع، خاصة إذا ما أعلنت الدولة إفلاسها ولم تستطع دفع التزاماتها»، والثاني هو «الذهاب إلى حكومة تكنوقراط»، وهو الخيار الذي يستبعد الحلبي حصوله نتيجة «تعنّت التيار الوطني الحر وحزب الله».

وينص الدستور اللبناني على أن استقالة رئيس الحكومة تعني استقالة الحكومة بكاملها، وهو ما يفرض على رئيس الجمهورية إجراء مشاورات نيابية بهدف تشكيل حكومة جديدة، وليس ثمة ما يمنع دستورياً من أن يُعاد تكليف الرئيس المستقيل نفسه بتشكيلها مجدداً. ولا يبدو أن استقالة الحكومة، التي قال الحريري إنها جاءت استجابة منه لمطالب «كثير من اللبنانيين»، ستخفف من زخم المظاهرات في الشارع، بل إنها ربما تزيد من هذا الزخم لأنها تأتي إثباتاً على قدرة الحركة الاحتجاجية عن إجبار السلطة على تقديم تنازلات.

في حديث له مع الجمهورية، يقول الكاتب الصحفي اللبناني خالد صاغيّة: «لقد تجاوز الشارع هذا الإجراء، وعندما أعلن الحريري استقالته كان الناس يهتفون: الأول راح راح… التاني وينو وينو. أعتقدُ أن المتظاهرين مستمرون، خاصةً بعد مشهد الاعتداءات التي حصلت اليوم (أمس الثلاثاء)، كما أن التحرك أصلاً ليس موجهاً ضد سعد الحريري فقط». وعن مرحلة ما بعد استقالة الحريري، يقول صاغيّة: «لا يمكن أن تأتي الاستشارات النيابية التي قد يجريها رئيس الجمهورية بحكومة وحدة وطنية على غرار الحكومة المستقيلة، والأرجح أنه لن يتم تكليف الحريري بتشكيل حكومة جديدة، كما أن حزبي القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع والتقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط لن يشاركا في حكومة جديدة ضمن الوضع الحالي، ما يعني أننا أمام واقع سياسي جديد في لبنان».

يتوقع صاغية في نهاية حديثه مع الجمهورية أن تتواصل الاحتجاجات في عموم لبنان، وهو يرى أنها ربما تتصاعد أيضاً، ما لم يتغير موقف الجيش وينخرط بشكل فاعل في عمليات قمع الحراك، وهو الأمر الذي سيقود البلاد إلى سيناريوهات أخرى لا يمكن توقّعها الآن.

جاءت استقالة الحريري إعلاناً لنهاية التوافقات التي كان قد عقدها مع التيار الوطني بزعامة ميشال عون وجبران باسيل، وهي التوافقات التي أمنت الغطاء الميثاقيّ لحكومة يهيمن عليها سياسياً تحالف حزب الله مع التيار العونيّ، وتنتهج سياسات اقتصادية مدمرة أبرز معالمها الهدر والفساد وإغراق لبنان في مزيد من الدين العام بالتزامن مع تدهور مستمر للأوضاع الاقتصادية والخدمية. وإذا كان حزب الله وحلفاؤه يستطيعون نظرياً الذهاب إلى تشكيل حكومة اعتماداً على الأغلبية النيابية التي يحوزون عليها، فإن هذا الخيار سيعني تحدياً للشارع المنتفض من جهة، وسيعني من جهة أخرى أن حكومة لبنان قد باتت بالكامل تحت هيمنة حزب الله ما قد يجعلها عرضة لعقوبات غربية قاسية، وهو بالتالي خيارٌ يبدو أقرب إلى الانتحار السياسي في بلد متأزم سياسياً واقتصادياً، ويشهد حركة ثورية غير مسبوقة في تاريخه الحديث.

يبدو واضحاً أن المتظاهرين اللبنانيين مستمرون في ثورتهم، التي أنتجت وقائع جديدة أبرزها إثبات أن سلطة تحالف أمراء الطوائف ليست قدراً لبنانياً لا يمكن تغييره، وأن الشعب اللبناني قادر على خوض نضال مشترك واسع عابر للطوائف والمناطق، وأن ساحات لبنان وشوارعه ليست ملكاً للسلطة وأحزابها وخطابها. وبالمقابل، لا يبدو أن النخبة السياسية اللبنانية مستعدة للتسليم بهذه الوقائع الجديدة ونتائجها بسهولة، ولذلك فهي ستواصل مزيج الترهيب والقمع والمناورات، بانتظار أن ينجح كفاح اللبنانيين في خلق مزيد من الوقائع الجديدة.

موقع الجمهورية

——————-

من بغداد لبيروت.. الثورة لا تموت/ منير الربيع

تسع سنوات، والعالم العربي في حالة انفجار اجتماعي. تماثل الانفجار في مختلف الدول العربية بين المشرق العربي ومغربه. كانت المطالب واضحة، “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”، وتظلل هذه الثلاثية كلمة مفتاح بالنسبة إلى الشباب العربي بالتحديد وهي “الكرامة”. كان الصوت الذي تفجر في الساحات والميادين، هو الصرخة العميقة لاستعادة هذه الكرامة، بعد عقود من التهميش والإهمال والإذلال. خنقت هذه الصرخات على مدى أربعين سنة، بذرائع الأنظمة المعروفة والبائدة. عملت الأنظمة بتنوعاتها، على عسكرة الثورات وتسييسها. في العقل الأمني العميق لكل نظام، ثابتة واحدة هو ممنوع على هؤلاء الناس أن يصرخوا.

عاكست الأنظمة كلها، رياح المجتمع. ولم تسلّم بأن ما يجري في العالم العربي، هو أن المجتمعات تتغير بطبيعتها وتركيبتها، ولم يعد بالإمكان قيادة الناس على أساس طائفي ومذهبي وإيديولوجي. في مقابل ترسخ نموذج آخر هو نموذج المواطنية، الذي يفسح المجال أمام اكتشاف الإنسان لمصدر ظلمه أكثر فأكثر في ظل انتهاك حقوقه الفردية، وتهميشه كإنسان، كمتقدم على كل “الشخصيات” الأخرى التي تطبع به، بأشكالها الطائفية أو العرقية أو المذهبية، أو الميليشياوية. لأن الطائفة والحزب عندما حكما الناس لم يصل بهم إلى حقوقهم، بل أوصلهم إلى الخيبات المتراكمة. ولذلك فإن ما يجري هو أن السلطة تعيد إنتاج نفسها من تحت إلى فوق، أي من المجتمع الذي تنبع منه هذه السلطة.

غالباً ما تلعب العوامل الخارجية أدوارها. ففي لبنان ما بعد الحرب الأهلية، وفي العراق بعد حرب الخليج، وفي سوريا منذ الستينيات، قامت صيغ السلطة على عقلية: “أن هناك خطراً خارجياً دائماً” يبرر إدارة البلاد بطريقة استئثارية، تجلى ذلك في الوصاية السورية

على لبنان، وفي ظل حكمي حافظ الأسد في سوريا، وصدام حسين في العراق. همّشت هذه الصيغة المجتمع الداخلي، وتطوير الحيوية السياسية فيه والحقوق المدنية، ما يعني تهميش المواطن. ما أوصل إلى هذا الانفجار. وهو يعني أنه لا بد من إعادة بناء الذات المواطنية. الأولوية حالياً تتعلق بتقدم بناء الداخل الاجتماعي والسياسي على كل ما عداه، وإحالة معادلة “لا شيء يعلو فوق صوت المعركة” جانباً.

لكن الحقيقة في مكان آخر، هي أن وصايات الأنظمة على مجتمعاتها، ووصايات القوى الخارجية على دول بعينها، لا تتم دون توافق دولي. اجتياح العراق وتداعياته الجيواستراتيجية، كشف ذلك، من خلال التكامل الأميركي الإيراني في قتال داعش، مثّل ذلك فضيحة سابقة على اكتشافها أو افتضاحها، كلقاءات سرية عقدت بين قاسم سليماني وديفيد بترايوس بعيد الاجتياح الأميركي للعراق، واستكملت في لقاء بين كونودليزا رايس مع وزير الخارجية الإيراني وأحد المسؤولين الإيرانيين الموكل إليهم الملف العراقي، قبيل الانتخابات العراقية في العام 2009. إذ قدم الإيرانيون في اللقاء رؤيتهم للتوزيع في المواقع النيابية وما بعدها، والتزم بها الأميركيون فيما بعد.

اللعبة نفسها كانت في لبنان، لجهة التعاطي الأميركي مع الوصاية السورية بداية، والوصاية الإيرانية فيما بعد. اللعبة الدولية نفسها هي التي أعادت إنتاج العسكريتاريات وتعيد تعويم بشار الأسد، على حساب خنق المجتمعات ووقف مسار تطوراتها. لكن ما يجري هو انفجارات اجتماعية متتالية، من بغداد إلى بيروت مروراً بالشام.

يتفجر المجتمعان اللبناني والعراقي اليوم على النفوذ الإيراني، القوي والمتمكن فيهما. الانفجار هذه المرةّ هو انعكاس لثنائية الدولة والدويلة، وتعزيز منطق الدويلة على حساب الدولة بكل مقوماتها، الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية والسياسية. فتعجز هذه الثنائية عن التعبير البسيط لإدارة شؤون الناس، وها هي تنفجر بشكل عنيف. في داخل البنية العراقية، فإن القوى المستحكمة فيها إيران هي التي تنفجر، وهذا دليل على أن البيئات الشيعية ليست جيدة في مقابل سوء لدى البيئات الأخرى، لا بل البيئة الشيعية تكاد تكون الأكثر تفجراً، وهذا ينعكس في لبنان أيضاً من خلال التظاهرات التي حصلت في الجنوب.

وهذا نتاج لنظام المحاصصة الذي يتشابه بين لبنان والعراق، إذ كل تطبيق هذا النظام، القائم على فكرة المحاصصة بين المجموعات، سواء كانت طائفية أو عشائرية أو قومية، وخاضع للوصاية الإيرانية يثبت فشله، الأمر الذي يتجلى بهذه التفجرات، وبالتالي أصبحت المعادلة واضحة بين البلدين، عرقنة لبنان ولبننة العراق. الذي يوفر الغطاء الكامل للفساد. وهذا النموذج نفسه تستمر المحاولات في تعميمه بسوريا، عبر استحضار

النموذجين اللبناني والعراقي، على قاعدة توزيع تحاصصي للسلطة أو الدولة، على أساس عرقي أو قومي أو طائفي أو مذهبي. بينما الفشل أصاب هذا النموذج بمقتل، بخروج العراقيين بهويتهم الوطنية واللبنانيين كذلك.

بلا شك أن الثوار السوريين الملسوعين من تجربة الديكتاتورية التي دمرت سوريا، لا بد لهم أن يستفيدوا من فشل التجربتين اللبنانية والعراقية. وهم يستفيدون أيضاً من عدم العودة إلى تلك الديكتاتورية، مقابل البحث عن صيغة مواطنية تعلو ولا يعلى عليها، تتحكم بها الديمقراطية والمؤسسات وتداول السلطة. صحيح أن ذلك سيكون صعب المنال في سوريا حالياً، لكنه بالتأكيد سيصل إلى هذا المسار، خاصة أن دورات الربيع العربي لم تنته.

تقف المجتمعات الثلاثة أمام تحول اجتماعي وسياسي هائل، طريقه ستكون طويلة، يخرج من مبدأ العودة إلى الحكم الواحد، ورفض الدخول في النماذج التحاصصية المتفجرة، إلى إرساء نماذج دولتية ديمقراطية. سيعبر المسار بعد مخاضات عسيرة ودموية، لكنه سيصل في النهاية.

تلفزيون سوريا

—————–

في لبنان والعراق.. ثورة على نظام “المكونات”/ أحمد عيشة

ظهر مفهوم “المكونات” ضمن الخطاب السياسي بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 عندما دعا الحاكم العسكري بول بريمر إلى كتابة دستور جديد يؤسس لدولة في العراق قائمة على حفظ واحترام حقوق “مكوناته”، وذلك بعد تفكيك أركان “الدولة” العراقية السابقة -خاصة الجيش- بحجة أنها مؤسسات تخص صدام حسين، ولم يكن خافياً على أحد طبيعة ذلك الخطاب الذي قسّم العراقيين إلى أكراد وتركمان وآشوريين وسنة وشيعة، من دون أي ذكر للعرب، الذين يشكلون أغلبية الشعب العراقي، في مسعى مكشوف لنسف هوية العراق العربية الإسلامية، وتركه في مهب الريح، وهو الأمر الذي جعل منه ساحة للقتال القائم على أسس طائفية وعرقية لا تزال مستمرة حول اليوم، ومن جهة أخرى جعله موطناً لانطلاق التنظيمات الإسلامية الجهادية التي كانت نتيجة طبيعية للممارسة الناتجة من ذلك الخطاب، لكنها بالاتجاه الخاطئ والعنيف.

وقبل العراق، كان لبنان، الذي قام على أساس ميثاق 1943 الوطني بين بشارة الخوري ورياض الصلح، وهو اتفاق غير مكتوب لكنه شكّل صيغة لتقاسم الحكم في لبنان بين المسيحيين والمسلمين ولتحول دون إثارة النعرة الطائفيّة، حيث تم بموجبه اقتسام دوائر الحكم الثلاثة: الرئاسة بصلاحيات واسعة للمسيحيين الموارنة، ورئاسة الحكومة للمسلمين السنة، ورئاسة البرلمان للمسلمين الشيعة، وهي الصيغة التي استمرت إلى أن انفجرت الحرب الأهلية عام 1975، التي انتهت بموجب اتفاق الطائف عام 1990 الذي عدل من صيغة ذلك الميثاق وذلك بالتقليل من صلاحيات الرئيس لصالح رئيس الحكومة.

كان لظروف الحكم القائم على أساس “المكونات”، التي جعلت من الانتماء للطائفة أو الإثنية هما المجال الوحيد للانشغال والمشاركة بالشأن العام، الدور الأكبر في إفشال بناء الدولة من جهة، ومن جهة أخرى تحويل الديمقراطية المزعومة إلى إطار لتقاسم ونهب ثروات البلاد، كما فتحت الباب واسعاً أمام التدخلات الخارجية، إذ سهلت تلك الصيغة لكل “مكون” الاستعانة والطلب من داعمه، مما جعل من تلك البلاد ساحة لصراع إقليمي ودولي، ومن جهة أخرى ساهم ذلك الوضع بتهميش فئات أخرى من السكان، وهي ليست بالقليلة- ناهيك عن التهميش العام، وفتح طرق الفساد أمام نخب “المكونات” تلك، ذلك التهميش الذي سيكون له دور كبير في أخذ البلاد في مسارات غير طبيعية، بل انفجارية.

في العراق، كان للسياسة الأميركية التي جعلت من مواجهة العرب السنة وإقصائهم تحت ذريعة علاقتهم مع صدام حسين، وصيغة الحكم القائم على “المكونات” دور كبير في فسح المجال لإيران للدخول والهيمنة على كثير من مفاصل الحياة العامة (تجارة وثقافة وسياسة وعسكرة)، وفي تعميق تلك الصدوع القائمة بين السنة والشيعة، وبالنهاية الهيمنة على مفاصل الحياة العامة في البلد وعزله بالكامل عن محيطه وإلحاقه بفلك السياسة الإيرانية عبر تحويله لممر آمن لمشاريعها وإيديولوجياتها نحو سوريا ولبنان.

أما في لبنان، فقد حافظت صيغة الميثاق على استقراره الهش لعام 1975، عندما اندلعت الحرب الأهلية نتيجة لاختلال التوازنات بين تلك “المكونات”، التي جعلت من لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية إلى أن استقر الأمر فيها لنظام الأسد، الذي جعل منها مرتعاً للفساد والمحسوبية، وساهم بشكل فعال مع إيران لاحقاً في الاستقطاب الطائفي الحاد من خلال دور حزب الله وتسليحه الذي أوكل له دور إقليمي في قمع ثورات الشعوب، ناهيك عن الهيمنة على لبنان ومسخ دور دولته ومؤسساته.

أدت التجربة في كلا البلدين، في لبنان من خلال ميثاق غير مكتوب أسس لحكم قائم على الانتماء الطائفي، وفي العراق أيضاً، من خلال الدستور البريمري، إلى تنمية الانقسامات غير السياسية القائمة على أساس مذهبي أو إثني، حيث تمكنت إيران تحديداً في كلا البلدين من خلال تلك الصيغة من الحكم من طمس هوية البلدين، وتذكية الانتماءات ما قبل الوطنية، وبالتالي ساهمت في التهميش الكبير لفئات محددة ناهيك عن البلاء العام الذي تلحقه بالبلاد نتيجة الفساد وغياب مبدأ المحاسبة “حرصاً” على الوحدة الوطنية الزائفة، وهو ما أدى في العراق إلى بروز حركات مثل داعش كتعبير عن الظلم الذي لحق بالعرب السنة، ومن ثم بحجة محاربتها تأسيس ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية التي تقوم بأدوار قمع للثورات في العراق وخارجه، وفي لبنان، تضخم دور حزب الله ليقوم بأدوار إقليمية لخدمة الطموحات الإيرانية، وخاصة في سوريا، حيث تشارك الميليشيات من العراق وحزب الله، وما تزال في قمع ثورتها، ناهيك عن دور تلك الميليشيات اليوم في قمع الثورات سواء في لبنان أو العراق.

إن ما جرى ويجري في الفترة الأخيرة في العراق من تحركات احتجاجية ضد نظام الحكم الطائفي الملحق بإيران، وما يجري اليوم في لبنان، الذي يهيمن عليه ولي الفقيه من خلال حزب الله، هو نتاج طبيعي للحكم القائم على المحاصصة بين “المكونات” الذي لم يجلب سوى الدمار والإفقار والتبعية لكلا البلدين، وتذكية الانقسامات الطائفية. فالاعتقاد بأن البديل عن الخطاب القومي هو الخطاب القائم على حقوق “المكونات” في ظروف الاستبداد القائمة، وفي ظل الصدوع التي تغذيها وتعتمد عليها أنظمة الاستبداد هو اعتقاد واهم، ولن يوصل في حال التمسك به سوى إلى دمار البلاد وارتهانها بالكامل. كما يدخل البلاد في أزمة هوية أو هويات لا سبيل للتفاهم فيما بينها سوى التقاتل.

يستحضر خطاب المكونات، بكونه خطابا رجعيا، جميع الإيديولوجيات العابرة للحدود سواء الإسلامية أو العلمانية، فرغم اعتماده على المفاهيم الحديثة من ديمقراطية وحقوق إنسان، إلا أنه يستنهض ويعتمد على الانتماءات ما قبل الوطنية، وخاصة الطوائف، وبالتالي يجعل من البلاد مجرد ساحة للتقاتل الإقليمي والدولي، وتجربة العراق ولبنان، وما ذاقه وخبره العراقيون واللبنانيون واضح جداً. وما نشهده اليوم في بيروت وبغداد من ثورات، ما هو إلا إرادة جدية بالخلاص من سلطة “المكونات” أولاً وتأسيس دولة القانون، لا دولة المحاصصة ثانياً، وأخيراً الخلاص مما استجلبه ذلك النظام من هيمنة إيرانية تغذي الإفساد وتقمع الشعوب وتطمس هويتها الوطنية وتلحقها بمشاريعها الإمبراطورية.

اليوم، ورغم كل الكارثة الناتجة من ذلك الشكل من الحكم، تروج روسيا بعناد للتاريخ والتجارب لذلك الخطاب في سوريا، ومعها بعض القوى والشخصيات السياسية كنموذج للحكم في سوريا، حكم قائم على تمثيل المكونات، وهو في حقيقته صيغة لحكم “الأقليات” الذي تلمّح لها روسيا ولا تمانعها الولايات المتحدة في مسعى لإدامة نظام القهر والاستعباد.

تلفزيون سوريا

—————————

الاجتماعي المتواري خلف الانتفاضات العربية/ موريس عايق

مقدمة: الانتفاضة اللبنانية

قدمت الانتفاضة اللبنانية تجربة فريدة لم يعرفها لبنان خلال العقود الأخيرة، وهي وحدة الشعب اللبناني المتجاوزة لانقساماته الطائفية والمناطقية، في مواجهة النخبة السياسية المتحكمة بالبلد. استندت هذه الوحدة إلى الدور المحوري الذي لعبته القضية الاجتماعية-الاقتصادية في هذه الانتفاضة. فاللبناني وصل إلى أقصى ما يمكن له احتماله في مواجهة الفساد والفقر وسوء الإدارة والفشل على كل المستويات، أمور لا تميز بين شيعي وسني وماورني وغيرهم، وهكذا كان اللبنانيون في انتفاضتهم في مواجهة منظومة الفساد والفقر لبنانيين فقط.

تجاوُز الانقسام الطائفي على مستوى الحراك، حتى الآن، تم بفضل الانتقال إلى ما يجمع ويوحّد، وهو الوضع الاجتماعي/الاقتصادي المتردي، ومواجهة الاستغلال والنهب والافقار الذي يتعرض له اللبناني بغض النظر عن طائفته، والذي لم تعد فاتورته مقتصرة على مناطق مهملة ومنسية من مشاريع التنمية. وهكذا فإن الاجتماعي-الطبقي يحرر من الطائفي أو أية أشكال أخرى للانقسام الأهلي بتقديمه خط نزاع آخر متمثل بالصراع مع الأوليغارشية. وهو ما يصرخ به بشكل واضح ومتزايد العديد من اللبنانيين الذين يرون أنفسهم في مواجهة الأوليغارشية التي تحكم البلد وتنهبهم، سواء كان اسمها الحريري (السني) أو باسيل (الماروني) أو بري (الشيعي). الشعب في مواجهة الأوليغارشية، بما يتجاوز الانقسام الطائفي الذي طالما استفادت منه الأوليغارشية في وضع الشعب في مواجهة بعضه بعضاً.

وُجِد تقليد نظري يساري عريق، ولبناني بخاصة، قارب الطائفية بوصفها شكلاً لهيمنة البرجوازية وتأمين سيطرتها. فالطائفية تُزيف الصراع الحقيقي، الطبقي، مستبدلة إياه بصراع طائفي يقسم الشعب ويضمن تبعية الجماعات لزعاماتها الطائفية ويكرس الإنتاج والسلطة والتبعية الاجتماعية لصالح هذه البرجوازية. لهذا التحليل وجاهته، فقط يكفي أن ننظر إلى العائلات اللبنانية المسيطرة لنراها نفسها قبل الحرب الأهلية وبعدها. الحرب التي دمرت البلاد وسرقت أعمار أجيال وأثقلتها بالديون، لكنها في المقابل لم تمس سيطرة الطبقات السائدة ولا علاقات السيطرة والتبعية التي تستند إليها. هنا تبدو كفاءة النظام الطائفي في الحفاظ على الهيمنة مهولة.

لكن ما يهمله هذا التحليل هو عمق هذا الانقسام الطائفي واستناده إلى التاريخ، الحقيقي أو المتخيل، وإلى قوانين وأشكال حياة يتم من خلالها إعادة إنتاج هذه الطوائف، قوانين شخصية وأحياء ومناطق سكن خاصة بها. فلا يمكن الاقتصار على فكرة الوعي الزائف لفهم الطائفي، ولا الاكتفاء بمظاهرات عابرة للطوائف للتدليل على تجاوز الطائفي. فبرغم أن المطالب الاجتماعية توحد الشعب، أو تشكله في سياق الصراع مع النخبة في الساحات، إلا أنه لا يتجاوز الطائفي ويقصيه، هو يقدم رهاناً عظيماً يجب أخذه بجدية لتجاوز الطائفي أو لتقديم أشكال أكثر تحررية للتعامل مع الولاءات والانتماءات الأهلية بما لا يجعل منها أداة للتحكم والسيطرة الاجتماعيين بيد النخبة المهيمنة.

في الاحتجاج يحضر الناس غاضبين ويعرّفون أنفسهم في مواجهة «النخبة»، لكنهم لا يقدمون حلولاً ولا يقترحون خيارات، وحَّدتهم وحدة سلبية تتعرف بشكل أولي في المواجهة التي يخوضونها ضد الأوليغارشية أو العهد أو الطبقة السياسية أو أية تسمية أخرى، هم «الشعب» المعتر في مواجهة النخبة. لكن بالضرورة هناك مرحلة تالية عليها أن تجيب على سؤال: ما الذي نريده؟ عندها يبدأ الاختبار الجدي لهذه الوحدة. لهذا يرغب العديد بتفادي الاشتباك المبكر مع هذا السؤال والتأكيد على مطالب سلبية في طبيعتها، إسقاط الحكومة أو استقالة الرئيس، دون تقديم مطالب. وخلال هذا الوقت ربما يمكن استكشاف بعض الشعارات التي يمكن تحقيق إجماع (أو توافق واسع) عليها وتكون قادرة على إعطاء معنى إيجابي للوحدة الشعبية. يحتاج هذا الاستكشاف وقتاً، فالاستعجال بتقديم مضمون إيجابي للوحدة الشعبية، لا يحظى بقبول واسع، قد يؤدي إلى تحطمها وبدء الاختلاف بين المتظاهرين.

لنضع المسألة عبر الافتراض التالي، وهو أن الحكومة سقطت ومعها البرلمان، وتم إقرار انتخابات مبكرة. عندها يُطرح السؤال حول النظام الانتخابي الذي ستُنظَّم الانتخابات على أساسه. وبهذا الشكل يصبح الوضع مختلفاً تماماً. وقتها سيفكر المسيحي أو الدرزي، بأن نظاماً انتخابياً خارج القيد الطائفي وعلى أساس لبنان دائرة واحدة مترافقة مع غلبة تصويت طائفي (يصوت الشيعي للشيعي والماروني للماروني وهكذا، وهي فرضية عقلانية تماماً في الشرط اللبناني) ستتركهما عراة أمام الواقع العددي الذي لا يصب في مصلحتهما. القانون الأرثوذكسي! ألا يعني هذا انتهاكاً للعدالة وترسيخاً للطائفية؟ أمام مثل هذا السؤال، القانون الانتخابي، لا يبدو أن الوحدة الشعبية ستبقى حاضرة، لأن الجماعات التي تجاوزت نفسها وقدمت نفسها بوصفها «الشعب» في مواجهة الأوليغارشية، ستظهر كجماعات متباينة بمصالح مختلفة ومتعارضة مرة أخرى. فهذه الجماعات ومصالحها، الحقيقية أو المتخيلة، تشكل العالم المُعاش والخبرة الاجتماعية اليومية لعموم اللبنانيين. وتجاوز هذه الخبرة يحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد وحدة شعبية معرّفة بشكل سلبي، إنما إلى مضمون إيجابي لفكرة الشعب، وإلى مخيلة سياسية مختلفة بشكل جذري عما يعرفه عموم اللبنانيين، وهو ما يبدو مهمة معقدة وقد تحتاج إلى زمن طويل. هنا، ما يبدو مطروحاً بشكل أكثر واقعية هو إعادة تنظيم العقد الاجتماعي بين هذه الجماعات ومن داخلها بما يضمن توسيع مجال الحرية للأفراد. على أية حال، المسألة المعنية هنا، أن هذه الوحدة العابرة للطوائف هي محققة طالما أنها مُعرَّفة بشكل سلبي (بالضد)، لكن التحدي يكمن في الحفاظ على هذه الوحدة مع الانتقال إلى إعطائها مضموناً إيجابياً.

الاجتماعي الضامر عربياً

في السياق اللبناني لعبت عدة عوامل في تثبيت المطالب الاجتماعية كأساس المواجهة مع النظام السياسي، الحاجة إلى تجاوز الطائفي وتأكيد الوحدة الشعبية في مواجهة النخبة. أيضاً وجود قدر كبير وحقيقي من الحرية والديمقراطية يتمتع بها النظام السياسي اللبناني، وهو أساس التباين مع باقي الانتفاضات والثورات العربية. حيث واجه العرب تحدياً مختلفاً عما يواجهه اللبنانيون. فالعرب واجهوا أنظمة تنكر عليهم حقوقهم السياسية الأساسية، بما جعل انتفاضاتهم بالضرورة شديدة التسييس، حيث توجَّبَ منذ البداية تحدي شرعية النظام السياسي نفسه، سواء في مصر وتونس وسوريا وغيرها. الانتفاضات كانت بشكل إلزامي ثورة ضد النظام السياسي، وهذا ما جعل السؤال السياسي في الواجهة منذ البداية.

لا يجب أن ينسينا تقدم السياسي للواجهة الأسباب الاجتماعية الكامنة في أساس هذه الثورات، مثلما هو الحال مع الانتفاضة اللبنانية. فالربيع العربي انطلق بحرق البوعزيزي لنفسه بعد أن تعرض لإهانة مرتبطة بمصادرة عربة البيع الخاصة به، وبعدها انتفض أهالي منطقته الفقيرة والمهملة سيدي بوزيد. ثورة مصر أتت بعد سنوات من احتجاجات عمالية وفلاحية، وسخط على الفساد الهائل والقمع المستشري لجهاز الأمن المركزي. سوريا نفسها مثال ممتاز عن مركزية المسألة الاجتماعية في الثورة التي انطلقت من درعا باعتبارها تمثيلاً للريف السوري الذي تعرض للانهيار خلال العقد السابق على الثورة، بسبب اجتماع سياسات جائرة ودورات جفاف. كذلك الفساد الهائل وسوء الإدارة وترهل الدولة وخدماتها، بمقابل تمركزها على القمع. لقد ثار العرب –مثل اللبنانيين- لأنهم وصلوا إلى حد من البؤس والشقاء الذي لم يعد بإمكانهم من بعده أن يصبروا على ما هم فيه.

لكن ما أن انتفض العرب حتى توجَّبَ عليهم طرحُ سؤال النظام السياسي نفسه، فيما لا يبدو هذا –أقلّه الآن- مطروحاً على اللبنانيين. وبطرح سؤال النظام السياسي، تراجعَ المطلب الاجتماعي القابع في أساس الثورة. وبهذا لم يعد ممكناً الاكتفاء باللحظة السلبية في مواجهة النظام دون مضمون إيجابي تفرضه المنازعة الكلية مع النظام السياسي من أجل توحيد الشعب، وفي الآن نفسه لم يكن المطلب الاجتماعي لوحده قادراً على تقديم مضمون إيجابي لتوحيد الشعب في منازعة النظام. مع الثورة على النظام السياسي، الأمر الذي أُجبرت عليه الثورات العربية من البداية، فإن السؤال حول «ماذا بعد» أصبح مطروحاً مباشرة على الجميع حتى قبل سقوط النظام، وفي مواجهة هذا السؤال عملياً تقرر مصير الثورات العربية.

لدينا نموذجان لمآل الثورات العربية. التجارب السورية والعراقية (في موجتها الاولى) والليبية واليمنية من جهة، والتجربة المصرية من جهة أخرى.

في النموذج الأول، وهو نموذج المجتمعات المنقسمة أهلياً على أساس طائفي أو إثني أو عشائري وهلم، كانت الترجمة المضمرة لسؤال النظام السياسي تتمحور حول إدارة هذه الانقسامات الأهلية العميقة التي ينوء المجتمع تحتها والتعاطي معها، خاصة أن الأنظمة السلطوية اعتمدت على الاستثمار المكثف في هذه الانقسامات للحفاظ على سلطتها. فلم تعد الفكرة الوطنية تقدم أساساً صلباً للبناء عليه في مواجهة هذه الانقسامات. عندها قد يكون الحديث عن «ديمقراطية» مفزعاً للأقليات بوجود «جماعة» أغلبية وافتراض غلبة التصويت الأهلي. بل حتى الوطنية نفسها، بوجود انقسامات إثنية، تبدو مفزعة لأقلية إثنية ترغب بالاعتراف بهويتها الخاصة والمميزة والحؤول دون انصهارها في هوية وطنية «أوسع» لا تعترف بخصوصيتها.

في هذا النموذج للمجتمعات المذررة، كان تحدي النظام السياسي يفرض تلقائياً سؤال إدارة الجماعات الأهلية وولاءاتها المختلفة، غير أن الثورات العربية عجزت عن تقديم رؤية سياسية قادرة على توحيد الشعب في مواجهة النظام الحاكم، الذي كان أقدر منها على الاستثمار في هذه الانقسامات الاجتماعية. خاصة أن الثورات اعتمدت الخيار الأسوأ، وقد خبر اللبنانيون بدورهم هذا الخيار سابقاً، والمتمثل بإنكار المسألة برمتها وتحميلها للنظام، والاكتفاء بافتراض أنها ستختفي أو تذوي بمجرد سقوطه. غير أن الواقع أظهر أن العكس قد يكون هو الصحيح في الغالب، فهذه التناقضات انفجرت بشكل لا يمكن ضبطه مع سقوط النظام في ليبيا أو المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في سوريا. كان لهذا الإنكار مصدران مختلفان، ينطلق أولهما من مقاربة وطنية ترى أن الاعتراف بوجود النزاع الأهلي دون ردّه إلى الاستبداد يتضمن قبولاً بتبرير الاستبداد بوصفه ضمانة للسلم الأهلي؛ والثاني رفض وجود نزاع أهلي انطلاقاً من تصور ذمي، حيث تضمن الأكثرية ما يشبه الحقوق «الذمية» للأقليات (وهو بهذا تماهى تماماً مع الصورة المتخيلة التي قدمتها الأنظمة عن الثورات).

في النموذج الثاني، كانت الانقسامات الأهلية مسألة هامشية، وحضر بالمقابل انقسام لا يقل حدة تمحور حول شكل حضور الإسلام في الحياة السياسية. فقد حقق الإسلاميون خلال العقود الأخيرة هيمنة واسعة على المجال العام، فنجحوا بإعادة تشكيل الفضاء السياسي، من مجال يتمحور حول الانقسامات الاجتماعية أو المسألة القومية إلى مجال يدور حول الهوية الدينية. تشكيل المجال السياسي على منازعة تدور حول الهوية الدينية كان مصدر انقسام عميق، بقدر ما هو أيضاً مصدر لشرعية كبيرة يستمدها الكلام باسم الإسلام. الانقسام القائم على سؤال الهوية الدينية كان أشد عمقاً ووطأة من الانقسام الاجتماعي في مواجهة النخبة، بحيث أن جمهوراً واسعاً رأى في الإسلام السياسي خطراً أكبر من النظام المستبد نفسه، ولهذا لم يجدوا حرجاً في التحالف مع النظام (الأقل سوءاً) ضد خطر الإسلام السياسي.

في النموذجين، كان لاختزال السياسة في سياسات هوية، شكلت الهوية الدينية شكلها الأبرز، دورٌ في انقسام المنتفضين أو الذين من الممكن أن يلتحقوا بهم، معطلة بهذا الشكل من إمكانية «تشكيل» شعب على أساس المنازعة مع النظام السياسي، تكون المطالب الاجتماعية في أساس هذه المنازعة.

الشعب في الساحة، والإرادة الشعبية تعلن: «الشعب يريد إسقاط النظام». تقدم الساحة مسألتين مهمتين، الأولى تخيل الشعب كذات موحدة وفاعلة وذات حضور مباشر. الثانية، أن الشعب الحاضر في الساحة يعلن عن نفسه كإرادة، وبالتالي كمصدر للشرعية التي ينتزعها من النظام.

نملك جميعنا هويات مختلفة ومتنوعة ونُحيل إليها في سياقات اجتماعية مختلفة، قد تكون هذه الهويات متنازعة ولها قضايا ومطالب مختلفة وحتى متناقضة فيما بينهما. عمال وعاطلون وفلاحون ومهندسون، مسلمون ومسيحيون، سنة وشيعة وأرثوذكس وعلويون ودروز، أبناء مدينة وأبناء ريف، رجال ونساء وهلم. غير أنهم في الساحة يتجاوزون هذه الانقسامات متحدين حول مُتخيَّل مشترك، هو «الشعب»، هم «الشعب» في منازعته مع النخبة. في مواجهة نظام مبارك توحّد الشعب المصري في الساحة متجاوزاً كل انقساماته الواقعية، طائفية وطبقية ومناطقية وغيرها. في الساحة كان هناك «شعب» موحد في مواجهة نظام يطالب برحيله. في الساحة لا يكتفي الشعب بتجاوز انقساماته، بل يتعين بالإحالة إلى الموجودين في الساحة بوصفهم الشعب، ومن ليس في الساحة ليس شعب. قد يكون جزء من النخبة التي ينتفض ضدها الشعب، قد يكون من حزب الكنبة الذي لا صوت له وبالتالي لا ذات له. «الشعب» يقتصر على الموجودين في الساحات رغم كونهم عددياً أقلية.

في عمله حول العقل الشعبوي، أشار إرنستو لاكلاو إلى كون الشعب مُتخيَّلاً يتشكل حول المنازعة الأساسية التي هي خط الانقسام بين الشعب والنظام (النخبة الحاكمة). الشعب المتخيل على أساس هذه المنازعة السياسية ليس موحداً أو منسجماً بشكل طبيعي، بل مؤلف من جماعات مختلفة ومتباينة وقد تكون في سياقات عديدة متنازعة. لكن مع تحديد المنازعة المركزية مع النظام يمكن لمطالب هذه الجماعات أن تبدو وكأنها متكافئة، يمكن التوحيد والجمع بينها في سلسلة مطالب يجد الجميع أنفسهم فيها ويرونها معبرة عن همومهم ومطالبهم. المنازعة السياسية وسلسلة المطالب المتكافئة المرتبطة بها هما ما يعطينا معنى للشعب المتخيل كوحدة في مواجهة النظام.

هذا الشعب المتخيل والحاضر بشكل عيني في الساحة يصبح مُعبِّراً عن إرادة موحدة لا تقبل التجزئة أو الانقسام، الإرادة العامة لدى روسو. فلا تعود هناك إرادات جزئية تتعارض مع مطالب الإرادة الشعبية، لا توجد إرادات أخرى ترغب ببقاء النظام، فمن يرغب ببقاء النظام وليس بإسقاطه يعفي نفسه أساساً من كونه من الشعب.

يقدم حضور الشعب في الساحة أسطورة سياسية، قصة تعطي مغزى ومعنى لما نشهده، وتُزوِّدُنا برموز نجتمع حولها وبفعل تأسيس للمخيلة نعيد اكتشاف أنفسنا عبره. خلال الاعتصامات اكتشف كل شعب عربي نفسه مرة أخرى، تعرف الناس على أنفسهم وعلى شركائهم بطرق جديدة لم يعهدوها من قبل وكأنهم يرون أنفسهم للمرة الأولى، نوع من الكشف الذي يزيل غشاوة لطالما أعمتهم. كما رأى جورج سوريل في الإضراب العام أسطورة سياسية للطبقة العاملة، يمكن النظر إلى اعتصامات الساحات خلال الانتفاضات العربية بوصفها أسطورة سياسية للشعب، معها تبدأ حكاية شعب موحد بإرادة عامة لا تقبل التجزئة تعلن عن نفسها كأصل للشرعية وتنزعها عن خصمها.

لا تكون المنازعة الأساسية التي تُخاض مع النخبة بالضرورة ذات مضمون إيجابي، بل على الأرجح تكون في البداية سلبية التحديد، مكتفية بتعريف الشعب كضد للنخبة، ضد سياسات وممارسات، ضد الفقر والفساد. حتى الشعار المركزي للانتفاضات العربية، «الشعب يريد إسقاط النظام»، هو تعريف بالسلب. في هذا الشعار، لا يحوز الشعب مضموناً إيجابياً خاصاً بما يريد، بل يدور أساساً حول مضمون سلبي متمثل بمنازعته مع النظام الذي يرغب بإسقاطه.

التحديد بالسلب له ميزة شديدة الفائدة في لحظة مواجهة النظام، وهي أنها تسمح بتجاوز كل الانقسامات الممكنة والمحتملة داخل الشعب وتركيز كامل المواجهة مع النظام. فنحن لا نقول ما نرغب وبالتالي، وطالما أننا لا نقول هذا، لن يكون لدينا أسباب للاختلاف. فابن الطبقة المتوسطة يرغب بسقوط نظام مبارك مثل ابن العشوائيات، ابن المدينة مثل ابن الريف وهلم. لكن ما أن يصبح السؤال حول ما يرغب كل منهم بتحقيقه، فإن الاختلافات تظهر، وما كان «شعباً» يمسي عندها جماعات وطبقات مختلفة ومتباينة فيما بينها وحول تحديد ماهية المصلحة العامة. التعريف السلبي يسمح بالوحدة التي لن يضمنها أي تعريف إيجابي. على العكس، فإن المظاهرات والإضرابات التي انطلقت من مطالب محددة تماماً في سياق جماعات بعينها، إضرابات عمال أو إضرابات سائقي نقل أو أطباء، نُظر إليها باعتبارها مطالب فئوية، وفي العديد من الحالات تم تبرير قمعها لكونها مطالب فئات تتعارض مع المصلحة العامة للشعب التي احتكر النظام تعريفها.

بعد لحظة المنازعة القصوى في الساحة وانتزاع الشرعية من النظام تأتي المهمة التالية، استعادة الدولة أو تأسيس نظام جديد، الأمر الذي يفرض تقديم صياغة إيجابية لمطالب الشعب. ليس من الضروري دوماً أن تكون المهمة التالية، التأسيس، لاحقة زمنياً على منازعة النظام وإسقاطه، بل ربما تكون محايثة للمهمة الأولى المتمثلة بتثبيت المنازعة نفسها. هذا يتعلق بالسياق الخاص بكل بلد وبمدى جذرية المنازعة نفسها مع النظام.

في حال نجاح طبقة (جماعة) في تحقيق الهيمنة، عندها تكون قادرة على تقديم نظرتها الخاصة بوصفها الإطار الناظم لتصور المصلحة العامة. هكذا فعلت البرجوازية عندما جعلت من نفسها الشعب، حيث قبلت بقية الطبقات بالتصور البرجوازي للشعب والمصلحة العامة لأنها وجدت فيه ما يمكن لها أن تتماهى معه ويلبي مطالبها، الانتخاب وحكم الجدارة والمساواة وإلغاء الامتيازات. الشعبوية، في المقابل، قامت على إرضاء تحالف واسع من الطبقات الشعبية دون القدرة على فرض هيمنة محددة، التي استعاضت عنها بكاريزما القائد الملهم، وهو ما فرض عليها لاحقاً –بتوليها السلطة- تبني سياسات ترضي هذا التحالف الطبقي الواسع الذي تقوم عليه.

في سياق الانتفاضات العربية، لعب فشل الدول ونموذجها الاقتصادي دوراً أساسياً في الانتفاض عليها، الفقر والفساد وسوء الإدارة وعدم قدرة قطاعات متزايدة على العيش ضمن هذه الشروط، وانسلاخ متزايد للطبقات الوسطى عن الدولة ودفعها إلى الانحدار الاجتماعي. ترافق فشل الدولة وترهلها مع تمحور متزايد لها حول المركب القمعي في تثبيت سيطرتها. هذه العوامل كانت كامنة خلف الانتفاضات العربية وأساساً في تحقيق وحدة واسعة بين المنتفضين ضد الأنظمة. غير أن التحدي تمثل بالانتقال إلى تأسيس إيجابي لوحدة الشعب التي تجلت في الساحات مع التحول إلى سؤال استعادة الدولة.

طُرح سؤال البديل بشكل سريع وحاد على الدول العربية ذات الأنظمة التسلطية، وكلما كان التداخل بين الدولة والنظام أكبر كان السؤال أشد إلحاحاً، بما فرض طرح مضمون إيجابي للوحدة الشعبية، فالاكتفاء بمضمون سلبي في مواجهة النظام لا يكفي لتوحيد الشعب. في الحالة السورية اندثر الشعب نفسه تحت وطأة التحدي الذي كان مطروحاً بشكل ضمني حتى قبل السقوط الواقعي للنظام، فالشعب لم يستطع أن يتوحد بوجود انقسامات أهلية أشد عمقاً من أن يتمّ الالتفاف حولها بمنازعة سلبية مع النظام. خاصة مع وجود خيار لتحديد المنازعة بشكل هوياتي (طائفي) بما يضمن لها أيضاً جمهوراً واسعاً، عبر توحيد السُنّة في مواجهة العلويين بما يضمن توحيد جماعات مختلفة ومتباينة في هوية سنية واسعة، وهو الخيار الذي استثمر فيه بكثافة لاحقاً. في مصر وبعد سقوط مبارك والانتقال إلى مجلس عسكري وبعده إلى الانتخابات، انقسم الشعب على نفسه إلى إسلاميين وخصومهم، وعوضاً عن منازعة تُخاض ضد النظام أصبحت منازعة بين الإسلاميين وخصومهم بما مكن النظام من القيام بثورته المضادة بالاتكاء على هذا الانقسام.

في الانتفاضات العربية لم يكن الأساس الاجتماعي للسخط على النظام، وهو السبب الأساسي للانتفاضة، قادراً على تجاوز خطوط الانقسام الأخرى التي تمزق الشعب بما يؤمن وحدة متخيلة للشعب في مواجهة النظام. في المقابل، اختارت قوى سياسية الاستثمار في خطوط نزاع تعتمد سياسات الهوية، وتؤمن لها هيمنة مضمونة بشكل أكبر، لكن بتكلفة تمزيق الشعب وتشكيل خطوط نزاع سياسي غير المنازعة مع النظام، أو بصياغة المنازعة مع النظام في شكل نزاع هوية بما يجعل جزءاً كبيراً من الشعب في صف النظام بوصفه الأقل ضرراً.

الشعب والإرادة السياسية

أول ما يظهر كقصور واجه الانتفاضات العربية يتمثل في عدم قدرتها على تنظيم نفسها (أياً يكن شكل هذا التنظيم، فلا يهم سواء كان حزباً أو كان اتحاداً طوعياً لعاميات أو نقابة شعبية تحوز القبول أو أي شيء آخر) وتقديم هيئة مفوضة للكلام باسمها، باعتبارها التمثيل السياسي للإرادة العامة المتحققة في الساحات. على العكس أبدت الانتفاضات العربية نفوراً من السياسي، وكأنها ليست هي نفسها ثورات سياسية تستهدف تغيير نظام سياسي. مثل هذه الهيئة كان لها أن تساعد بشكل فعال في صيانة الوحدة الشعبية المتحققة وإعطائها مضموناً إيجابياً، عبر التفاعل والتواصل المباشر مع الحاضرين على الأرض وربط مطالبهم بعضها ببعض وصياغتها في لغة موحدة وقيم مشتركة  (إعادة تشكيل للمخيال السياسي وبلورته على أساس المنازعة) تحوز على قبول المنتفضين بما يصون الوحدة الشعبية في المراحل اللاحقة من تطور المنازعة.

كذلك، تُقدِّمُ مثل هذه الهيئة شكلاً مضاد للدولة كتجسيد للشرعية الشعبية. فلا يمكن تناسي أن جهاز الدولة لم يكن يوماً للشعب، وأنظمتها وقوانينها وضعتها النخبة بهدف إحكام السيطرة على الشعب وحماية نفسها من الشعب الذي يثور عليها الآن. من الطبيعي في القانون المصري أن يخرج مبارك بريئاً، وأن يجد الثوار أنفسهم في السجون، في النهاية هم يتحاكمون إلى قوانين وأنظمة قضائية وقضاة صنعتهم دولة مبارك نفسها.

يضاف لهذا أن الوصول إلى الانتخابات يعني أن الشعب لم يعد يتحدد بمن كان في الساحات، بل بكل من يملك حق التصويت، سواء من أنصار النظام أو من أنصار حزب الكنبة. عندها، ربما يكون الشعب أقلية تصويتية، خاصة مع الانقسامات التي تقسمه.

غياب مثل هذه الهيئة السياسية الممثلة للإرادة الشعبية المنبثقة من الساحات، لتقوم بمحاورة الدولة –إن لم نأخذ المسألة للحد الأقصى واعتبار هذه الهيئة بديلاً عن الدولة- يجعل من السهل فرز الشعب مرة أخرى إلى جماعات متنافرة عبر بوابة الدخول إلى الدولة، حيث تكون «الدولة العميقة» الأقدر على إدارة هذه الدولة وقوانينها لمصلحتها، وعلى الاستثمار في اختلاف الجماعات وتباينها. في النهاية، عرف النظام المصري أن يغذي الانقسام القبطي-الإسلامي؛ خوف الطبقة الوسطى من الإسلاميين؛ وتنازع الإسلاميين (الإخوان والسلفيين) على الحق بتمثيل الإسلام.

عانت الانتفاضات العربية من عدم قدرتها على تقديم مثل هذه الهيئة السياسية التي تستند إلى تمثيلها للإرادة العامة، بما يسمح لها بالحفاظ على «الشعب»، الوحدة المتخيلة للجماعات المختلفة، وفرض احترام إرادتها على الدولة بوصفها أساس للشرعية المنبثقة من الساحة.

في السياق اللبناني، ما تزال الانتفاضة في لحظاتها الأولى، لحظة صياغة نفسها في مواجهة النخبة الحاكمة، وفيها تعيش وحدتها (الشعب اللبناني) المتجاوزة للانقسامات الطائفية والمناطقية. لكن التحدي اللاحق هو التحدي الذي سيطرح ما أن تقرر الحكومة الاستقالة أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، هل يبقى الشعب اللبناني المتخيل في الساحات شعباً أم ينحلّ إلى جماعاته الأهلية؟ إن الخبرة المعاشة والمستندة إلى مثل هذه الجماعات، بما يرافقها من وضعيات قانونية لها، سواء على مستوى الأحوال الشخصية أو على مستوى التنظيم السياسي للدولة، سيجعل من العودة لها أمراً شبه محتوم في غياب مثل هذه الهيئة التي تنبثق من الساحات بوصفها تعبيراً عن الإرادة العامة وعلى أساس من الخبرة الجديدة للوحدة الشعبية. بالمقابل يسعى العديد من الناشطين اللبنانيين إلى تقديم نموذج لهذه الهيئة عبر العاميات التي يسعون لتشكيلها وربطها بمطالب وطنية يمكن للجماعات المختلفة أن تتماهى معها في مواجهة النخبة الحاكمة.

إن نجاح الانتفاضة أو فشلها هو رهن بالقدرة على الحفاظ على الشعب المتخيل الذي تم تشكيله في الساحات، وهذا الأمر رهين بالسياسي، وبالانخراط أكثر في الانتفاضة.

موقع الجمهورية

————————–

الآن وهنا في بيروت/ شيرين الحايك

في الساعات الأولى كنّا مرتبكين جدّاً، نحنُ الغرباء الذين نحاولُ في معظم الأوقات أن نكون «بوليتيكلي كوريكت» في تعاملنا مع هذه البلد. نخجل أنَّ لنا ظلّاً يزاحمُ ظلال العابرين في الشوارع، نحاولُ أن نختفي أحياناً، نموّه لهجاتنا أحياناً أخرى، وفي بعض الأوقات نكون قياديين في خبراتنا، نُنظّرُ على بعضنا بعضاً وعلى الوضع في لبنان. لا نعرفُ متى نُتّهم وبمَ قد نُتّهم. نعيشُ ككتلٍ لا تتواصل كثيراً، نتنفس خذلاننا ونحملُ أسئلتنا حولَ ما حصل معنا، وما يمكن أن يحصل في بلدٍ علاقتهُ مع سوريا متداخلة ومتغيرة.

وفيما نحاولُ التأقلم، وفيما نحاول استيعاب السنوات الثماني الماضية بحجمها وثقلها ونتائجها، تنتفضُ هذه البلاد. في ساعة متأخرة من الليل، الناس يملأون الشوارع، وهتافات التغيير تعود لتطرق آذاننا فرداً فرداً. نعرفُ هذه اللحظات ونعرفُ هذا الشيءالذي يحدث، لكن كلَّ ما في الذاكرة بخصوصه مشوّهٌ بما حصلَ بعده، إلى درجة أننا بتنا أحياناً ننسى تلك اللحظات الأولى التي تحملُ وقعها الخاص. نعودُ إليها عندما نريدُ أن ننسى، كرجلٍ تسعينيّ يتغنّى بشبابهِ.

«الشعب يريد إسقاط النظام»، هذا الشعار الجميل، أنظرُ إلى البوستر المعلّق على الحائط وأسمعُ أصوات الهتافات من الشارع. أجمل ما في الثورات هي المفاجأة التي تحملها، إيقاعها الخاص، ذلك الارتباك الغريب كمن يكتشفُ فجأةً أنّه على قيد الحياة، ولا يَعرفُ من أينّ يبدأ. أتحدّثُ مع عدد من الأصدقاء حول ما يحصل، تسألني صديقة «شو عم تعملي بالبيت، انزلي عالشارع»…

تأتي جملتها تلك لتذكرني بمن أنا، بمن أكون بعيداً عن أنني مشروعُ تهمة ما، وجزءٌ من مجموعة غير مرغوب بها هنا؛ أجيبها بتردد أنني كـسوريّة أواجه كثيراً من التعقيدات المركّبة في الدول التي تتقاطع شؤونها الداخليّة مع الملفّ السوري، وأقول لها إنه كان قد طُلبَ منّي مغادرة بعض المظاهرات في دول أخرى، وإنني لا أريدُ أن أتعرّضَ لهذا الموقف مجدداً.

لم أكن مُدركةً لحجمَ التغيير القادم.

يهاتفني أبي، يدور شجار بيننا…

أخلدُ للنوم، وأستيقظ لأجدَ بيروت التي لطالما أحببتُ، على الرغم من كلّ قسوتها وغرابتها، حالمةً ومتألقة ومختلفة عن بيروت التي أعرف. الناس تتجمّع في ساحتَيّ الشهداء ورياض الصلح بشكلٍ أساسيّ، العصيان المدني يجوب الشوارع، الطرقات مقطوعة، المتظاهرون يحملون الأعلام. لوهلةٍ أشعرُ أنّها المرّة الأولى التي أرى فيها علم لبنان.

اليوم هو الجمعة. أتحمّسُ كثيراً ومن ثمّ أتذكّر. أشعرُ أنني سأكون متطفلةً على هذا الحراك المبهر الذي يهتفُ بعباراتٍ مشجعة وغير تقليديّة، وكأنني أخشى أن أقترب منهُ فنُتَّهَمَ ببعضنا بعضاً. أُتَّهمَ بهِ ويُتَّهمَ بسورية. أشعرُ أنني أريدُ أن أكون وسط تلك الجموع كي أعوّض الحاجة التي أفتقدها لأن أكون هناك، أن أكون في أيّ هناك أستطيع أن أنتمي لهُ دون تعقيدات كثيرة، أُطالب وأصرخ وأساهم في التغيير دون أن يكون ثمن ذلك ثماني سنواتٍ من القلق شبه الدائم، ودون أن يكون ثمن ذلك عدداً بأصفارٍ كثيرة من الشهداء والقتلى والمهجرين والنازحين والمتعبين. انتماءٌ ما، حراكٌ ما، دون ثمن يفوق قدرتي على التخيّل.

أتذكّر أنني انتميتُ لبيروت أكثر من أيّ مكان آخر اخترتُ العيش فيه؛ أُبعِدُ تلك الأفكار الرومنسيّة عن رأسي، فالانتماء هنا، ليسَ شعوراً، إنما هويّة نحملها في جيبنا.

أحبسُ نفسي في المنزل، أقرّرُ ألّا أخرج، أفكاري بعضها سوداويّ والآخر حماسيّ، وأنا أقفُ مترددة بين هنا وهناك، ولا أريدُ أن أجابه عمليّة اتخاذ القرار.

رغبةٌ ملحّةٌ بالخروج إلى الشارع، ناتجة عن الفضول ربما، أو ربما من أجل البحث عن شيء ما يدفعني بعيداً عن كلّ ذاك الارتباك، أو نتيجة رغبتي الملحّة في أن أدعم هذا الجمال الذي لا أستطيع استيعابهُ دفعة واحدةً، فأُفاجأ بهِ تباعاً على مدار الساعة.

أسأل نفسي إن كان هذا الحماس الذي أشعرُ به هو حاجة نفسيّة أرمم بتلبيتها ثقوب الخيبات التي أصابتني في السنوات الماضية، وهل يأتي ترددي من خوفي من أن أدعم مشروع تغيير يُجابَه بوحشيّةٍ، يُقتلْ ويُشرَّد، ويتركني لأعيش مع سؤال «لو بيرجع الوقت…» الذي كثيراً ما يتمّ تداولهُ بينَ بعض السوريين. وعلى وضوح إجابتهِ من حيث المبدأ، فإنه يأتي أسودَ ثقيلاً فيهِ شيء من المسؤوليّة، والإحساس بالذنب لدى من يحملُ رفاهيّة أنّه استطاع النجاة بطريقة أو بأخرى.

أخرجُ مساءً؛ الشوارع مشتعلةٌ بدواليب السيارات، هتافات يعتبرها البعض مخلّة بالآداب العامة، تأتي ردّاً على خطابات السياسيين التي جاءت خلال النهار. تراودني رغبة في البكاء، أكره الارتباك الذي أنا عليهِ. أحاولُ العودة إلى المنزل، وإنجاز ما يجبُ إنجازهُ.

لا أريدُ أن أكون في المنزل، ولا أعرفُ كيفَ أكون في الشارع.

وكأنّ الكون لم يعد يتسعُ لهويتي المُربَكَة والمركبّة.

تسألني إحدى الصديقات مازحةً: «نحنا السوريين هلأ وين بنروح بحالنا إذا ولعت هون؟».

أفكّرُ في كم أننا بؤساء حقّاً، نسمعُ عن مظاهراتٍ واحتجاجاتٍ في أيّ بلدٍ عربيّ، وكلّ ما نتخيّله هو السيناريو السوري والفوضى والهجرة والدمار والإرهاب والدول الكبرى والبراميل والتشوّه الإنسانيّ الكامل. وفي أحسن الأحوال نتخيّل السيناريو المصريّ، وحكم العسكر.

معظمنا يريدُ أن يكون في الشارع، معظمنا يحبّ بيروت كثيراً، ومعظمنا يدرك كم نحنُ غرباء هنا. نريدُ الأفضل للبنان، ونريدُ أن ننفض عن أنفسنا عبء كلّ ذلك السواد الفرديّ الذي نعيشهُ، ونريدُ أن يكون لنا وجودنا غير المُهدَّد هنا، ونريدُ ونريدُ…

«قولك بيرجع الجيش السوري يدخل على لبنان؟ طيب إذا دخل بيعتقلنا من هون؟».

أخاف، وأغضب، وأرغبُ بدفن رأسي في زجاجة.

أحاولُ أن أنام مجدداً، اليوم السبت، لا أريدُ مغادرة الغرفة، وكأنني لا أريدُ أن يمرّ الوقت قبلَ أن أكون قد اتخذتُ قراري. القرار البديهيّ، التافه جدّاً مقارنةً بما يحصل خارج حيطان الغرفة.

يا الله، لا أريدُ أن أحملَ كلّ تلك الهواجس التي أحملها في رأسي. أريدُ أن يتوقف رأسي عن الدوران. أتابعُ الأخبار من على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وأفكّر في أنني بلا شكّ فقدتُ حماس سنّ العشرينيات، أبحثُ في كلّ الأسباب المنطقيّة عن مصدر ذلك التردد مع هذا الكمّ من الحماس.

كلّ شيء على الإنترنت بات أجمل. الفيديوهات، الصور، الأصدقاء، المبادئ، الشعارات، التنظيم، كلّ شيء، كلّ شيء.

اليوم الأحد صباحاً، أخرجُ إلى الشارع.

أمشي، وأمشي وأمشي، لا يتراءى لي سوى سمير قصير غائباً بينَ الجموع، وكأنّه كان يعيشُ في المستقبل. الناس في تدافعٍ من حولي وأنا أقفُ ثابتةً من دون حراك. أقرأ إلى يميني وقد كُتبَ على أحد الجدران عبارة «فليسقط الخوف»… ابتسم. أراقبُ المتظاهرين وأعيشُ من خلالهم لحظات حالمة، أشكرُ الأقدار التي قادتني إلى بيروت. أتخيّل كيف سيبدو شكل المدينة إذا بقيت الروح العامة على ما هي عليه، أُقرّر أنّ بيروت هي المدينة التي سأعيشُ فيها ما بقي من عمري. أعودُ من الخيال، أفتحُ عينيّ الدامعتين وكلّي عشقٌ لكلّ ما يدور حولي. يبدأ جامع الأمين بالأذان فيعمّ الهدوء، كلّ الموسيقى وكلّ الضجيج يسكتان لوهلات، ثمّ يعودُ البعض للهتاف بصوتٍ خافتٍ محترمين الأذان. يتجهُ بعض المتظاهرين نحو الجامع للصلاة معاً على اختلاف مذاهبهم. أقتربُ من باب الجامع، وقبل الدرج إلى اليسار أرى أكياساً زرقاءَ قد عُلِّقت على جذوع الشجر وكتب فوقها «إعادة تدوير»، وبالقرب منها على الأرض أكياس سوداء للقمامة الأخرى.

التنظيم والتوحّد والنكتة في الشارع، تبدو كلّها كالحلم فعلاً.

لا أذكرُ متى تماماً، لكنني ومنذُ سنوات أكرهُ الأمل، وأكره ربطه بالمستقبل. اعتذرتُ من ونوّس مراراً، ولكنني على قناعة بأنّ أيّ أمل هو كذبة مؤجلة، شنيعة. أتجنّبُ دائماً ذكر المصطلح وأتوجّسُ إن ذكرهُ أحد أمامي، فما أن أسمعهُ حتّى تتراءى لي جزرةٌ على وشك التعفّن، يعلّقها مزارع لتتدلى أمام حمار ما كي يستمرّ بالسير قُدُماً وطاعة. وأعشقُ اللحظة، الآن، الحاضر.  وكلّ ما أراهُ وأشاهدهُ في هذه الشوارع هو هذا «الآن»، الحاضر الذي غالباً ما نهملهُ ونحنُ نحاولُ تلافي الماضي والتطلّع إلى المستقبل.

المستقبل سيأتي حينَ يأتي. أُقرّر. أريدُ أن أعيش الآن، اقفُ في ساحة الشهداء، وعلى الرغم من الازدحام الشديد، أتنفّس الصعداء، أغمض عينيّ وأتنفّس وأتنفّس وأتنفّس. ما زلتُ لا أعرفُ ماذا أفعل تماماً، ولكنّ هذه الفوضى، هذه الطبول، هذه الباصات التي تصلُ من مناطق مختلفة، هذا الجَمَال العظيم الذي يحصل الآن، الآن وهنا، في بيروت. بيروت التي لم تعد تشبهُ بيروت أصلاً.

بيروت، 23 تشرين الأول 2019، الساعة الخامسة صباحاً

موقع الجمهورية

———————-

جمهوران وساحة واحدة: حراك لا يقبل الانقسام؟/ محمد سامي الكيال

يمكن اعتبار الصور الواردة من الاحتجاجات الاجتماعية الممتدة من أمريكا اللاتينية إلى العالم العربي جانباً مهماً من الخطاب السياسي والاجتماعي في عالم اليوم، فبعد عصر سادت فيه البيانات الحزبية والكراسات التثقيفية، التي تحاول صياغة الفعل الاجتماعي في نص متماسك، تهيمن اليوم أساليب تعبير أكثر تنوعاً ومرونة وقابلية للتأويل، تعتمد بشكل مباشر على الهيئة العامة للمحتجين وأجسادهم، والعبارات القصيرة التي يكتبونها على لافتاتهم. وكل هذا يتم نقله عبر صور يسهل مشاركتها وانتشارها على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

ضمن هذا الشرط يمكن ملاحظة تغيّر أساسي في الوجوه والأشكال التي تظهر في واجهة التظاهرات: في البداية غالباً ما يظهر أبناء الضواحي والمناطق الريفية وشبه الريفية، وأغلبهم من الذكور الغاضبين، الذين يتحدثون بشكل مباشر عن الفقر والبطالة والظلم الاجتماعي. في ما بعد تبدأ «المظاهر الحضارية» بالبروز، فنرى جمهوراً أكثر تنوعاً: شابات وشبانا من الفئة الوسطى. بمطالب متعددة ومتضاربة أحياناً، وأساليب تعبير أشد لفتاً للانتباه.

شهدت العقود الثلاثة الأخيرة كثيراً من انتفاضات الضواحي والمناطق المهمشة، التي ارتبطت عادة بالعنف الشديد وأعمال الشغب، وكانت منفصلة عادةً عن احتجاجات الفئات الأكثر حظاً. فبينما يحرق الفقراء والعاطلون عن العمل السيارات عشوائياً، أو ينخرطون في تظاهرات توصف بالعنصرية أو التطرف، يتحرك أبناء الطبقة الوسطى لأجل قضايا مثل البيئة وحرية الإنترنت ورفض الحرب. هذه الصورة النمطية تراجعت في أيامنا، وبتنا نرى الجمهورين يجتمعان في ميدان واحد، بعد أن طال التدهور الاجتماعي شرائح أوسع من المجتمع. فهل من الممكن قيام ائتلاف طبقي بين جمهورين مختلفين بالفعل؟ وإلى أي مدى يمكن للاجتماعي، الذي يعود ليحتل المقدمة، أن يصبح رمزاً لوحدة المطالب المتنوعة للمحتجين؟ وهل تَصَدّرُ الفئات، التي يمكن وصفها بالبورجوازية الصغيرة والمتوسطة، للصورة العامة للاحتجاج يمكن أن يؤسس لكتلة اجتماعية قادرة على التغيير؟

الطبقة القائدة

صياغة كتلة شعبية من جمهور متنوع هي الأطروحة الأساسية للشعبوية اليسارية، إلا أن منظريها الأساسيين حاولوا تجنب معالجة المسألة الطبقية بشكل واضح، على اعتبار أن التحديد الطبقي بات مُتجاوزاً نسبياً في مجتمعات ما بعد صناعية. بالنسبة لأرنستو لاكلو وشانتال موف، لم تعد الطبقة العاملة لوحدها هي المحرك المحتمل للاحتجاج والتغيير الاجتماعي، ولا بد من الانتباه إلى الفئات الجديدة، التي برزت بقوة في الساحة، مثل النساء والمثليين والمهاجرين. أما نانسي فريزر فبنت جانباً مهماً من طرحها على نقد النظرية الكلاسيكية للحيّز العام، كما وردت عند هابرماس أساساً، وتحدثت عن حيّز أكثر تنوعاً مما تفهمه العقلانية البورجوازية، يحوي الفئات التي تسعى للاعتراف الاجتماعي. هكذا يقوم الائتلاف الجماهيري، الذي يقترحه الشعبويون، على تلازم قضايا إعادة توزيع الثروة مع قضايا الاعتراف، بدون طرح مسألة القيادة الطبقية لهذا الائتلاف، وهي المسألة التي ناقشها الماركسيون الكلاسيكيون طويلاً، وتوصلوا إلى ضرورة قيادة الطبقة العاملة لبقية الفئات الثائرة، مثل الفلاحين والبورجوازية الصغيرة، أو قيادة العمال للأمة بأكملها، في البلدان التي لا تزال في مرحلة التحرر الوطني والتحديث، حسب الصيغة التروتسكية الشهيرة.

تجاوز «اليسار الجديد» لهذه المسألة أدى في التجربة العملية إلى نشوء حركات وتنظيمات ضعيفة الفعالية، مشتتة بين التعبير عن هواجس الفئات المتوسطة حول الفردانية ونمط الحياة، والهموم الاجتماعية للفئات الأفقر عن فرص العمل، والقدرة الشرائية والتأمينات الاجتماعية، عموماً يمكن القول إن قيادات تنظيمات «اليسار الجديد» مالت أكثر لتمثيل الفئة الأولى، خاصة أن مطالبها قابلة أكثر للتحقق، ولا تصطدم مباشرة مع المنظومة القائمة، التي باتت بالفعل أكثر تقدمية. في حين أن المسألة الاجتماعية تتطلب حلولاً أكثر تعقيداً، ومواجهة أشد جذرية مع السلطة. دعك من أن مطالب الفئات الوسطى، مثل فتح الحدود للهجرة والانتقال البيئي، تصبح أحياناً متعارضة بشكل مباشر مع تطلعات الطبقات الأدنى، التي تظن أن هذه المسائل تشكل تهديداً لفرص عملها، وعبئاً ضريباً يثقل كاهلها. في العالم العربي تصطدم، في كثير من الأحيان، قضايا الحريات الفردية وتطوير الإطار القانوني والدستوري بما يتناسب معها، مع منظور يمكن وصفه بالمحافظ اجتماعياً لدى الفئات الشعبية، ما يجعل الأحلام التحررية لجانب من الفئة الوسطى تتحطم غالباً، ويسود الحديث بعدها عن «الثورات المسروقة».

«غير قابل للانقسام»

يمكن رصد أزمة اليسار الجديد بوضوح في الخلاف بين «اليسار الاجتماعي» و«اليسار الهوياتي»، الذي تجسّد في السنوات الأخيرة في الصراع الذي يشهده يسار الحزب الديمقراطي الأمريكي، وحركة «الاشتراكيين الديمقراطيين»، حول شعار «إفعل الأمرين معاً»، أي ضرورة تجاور المطالب الطبقية مع المطالب الهوياتية. وهو شعار يتم انتقاده من أقلية من اليسار الأمريكي، ترى أن الاحتجاج الاجتماعي سيصبح خاضعاً للأيديولوجيا النيوليبرالية إن ركز على قضايا الهوية.

في ألمانيا أدى الصراع بين جناحي اليسار، إلى موجة تظاهرات ضخمة، نظمتها القوى اليسارية المكرسة تحت شعار Unteilbar «غير قابل للانقسام»، أي أن محاربة العنصرية وقضايا الجندر والاعتراف، لا يمكن فصلها عن القضايا الاجتماعية مثل، أجور المساكن وحقوق العمل. وهو رد مباشر على انتقادات «اليسار الاجتماعي» المتصاعدة، إلا أن هذه التظاهرات حوت مزيجاً غير متجانس من المطالب والتنظيمات، ولم تعرف مشاركة واسعة من الفئات التي من المفترض أن تعنيها الشعارات الاجتماعية، فبدت مظهراً بورجوازياً مرعياً من أجهزة الدولة ووسائل الإعلام. يبدو أن هنالك كثيرا مما هو قابل للانقسام في الحراك الاجتماعي المعاصر.

في الحالة التي يجتمع فيها جمهور الطبقتين في حراك واحد فمن المرجّح أن ينشأ نوع من النزاع الطبقي بين المحتجين، فنصبح أمام صراع مركّب: مواجهة بين المحتجين والسلطة، وأخرى بين المحتجين أنفسهم. سبق للينين أن تحدث عن حالة شبيهة في كراسه «خطتا الاشتراكية الديمقراطية في ثورتنا»، الصادر عام 1905، حين افترض الثوريون الروس أن البلاد تشهد ثورة بورجوازية ضد الأوتوقراطية الروسية، واختلفوا حول الطبقة التي بإمكانها تحقيق مهمات هذه الثورة. بالنسبة للينين فإن التغيير المنشود لن يكون إلا من خلال تحقيق هيمنة الطبقات الدنيا، التي ستتجاوز تخاذل البورجوازية الروسية في تحقيق ما يفترض أنه مهمتها التاريخية، بعبارة أخرى طالب لينين بالديكتاتورية – الديمقراطية للعمال والفلاحين لتحقيق أهداف مثل، إطلاق الحريات العامة، وفصل الدين عن الدولة، وحد أدنى من إعادة توزيع الملكية، أي أنه رأى قابلية الحراك للانقسام، وسعى إلى تكريسه إلى أبعد حد، إلا أننا لا نمر اليوم بالتأكيد بمرحلة ثورة بورجوازية أو بروليتارية، والمهام الثورية ليست واضحة، كما أنه لا يوجد من يمتلك منظوراً تاريخانياً لمراحل التغيير المتدرجة، يشبه منظور اشتراكيي مطلع القرن الماضي.

طبقات غير طبقية

لا يعود تشوش منظور الحراك الاجتماعي المعاصر إلى تخاذل البورجوازية الصغيرة والمتوسطة، أو خوفها من التغيير الفعلي، كما أن الطبقات الدنيا ليست حالياً الحامل الأكثر جذرية لمشروع التحويل الثوري للمجتمع. هنالك حالة سخط عامة تنتج مطالب لا يمكن صياغتها في برنامج متماسك. وضمن هذا الشرط لا يمكن التعويل على «استعادة الديمقراطية وتجذيرها» كما يطالب الشعبويون، كما لا توجد بوادر لنشوء مجالس شعبية يمكنها إنتاج سلطة بديلة. يمكن تفسير هذه الوضع بعدم وجود طبقة اجتماعية لديها القدرة والاستعداد للاستيلاء على السلطة، لتحقيق مشروعها الاجتماعي وفرض هيمنتها الثقافية والأيديولوجية. نحن أمام طبقات غير طبقية بالمعنى السياسي، أي أنها لا تملك وضعاً اجتماعياً يمكّنها من التغيير. يبقى المحتجون في الشارع، منتظرين من السلطة اتخاذ إجراءات ما ترضيهم، وهو وضع مستحيل نوعاً ما، فالسلطة لا تملك القدرة والإرادة للتفكير بدلاً من المحتجين، وتحقيق تغييرات لا يستطيعون هم أنفسهم تحديدها. وفي النهاية لا بد أن يتفكك الائتلاف الطبقي غير المتجانس للحراك الاجتماعي بسبب حالة اللاجدوى التي يعيشها، أو تنفضّ الفئات الوسطى عن الحراك لدى أول قمع عنيف يتعرض له. وتبقى تحركات الفئات الدنيا الأكثر فوضوية، التي لا بد أن تخبو سريعاً لانسداد أفقها.

رغم هذا فربما يؤدي الإفقار المتزايد للفئات الوسطى إلى حالة اجتماعية جديدة تنحلّ فيها قضايا الاعتراف في المسألة المركزية لإعادة التوزيع، فيصبح الجميع، على اختلاف أجناسهم وألوانهم وميولهم الجنسية، «عمالاً» يعانون من البطالة والوظائف غير المستقرة وغياب حقوق العمل ونزع الملكية العامة، ومن الهيمنة السلطوية بكل أشكالها «الصوابية» سياسياً أو دينياً أو أخلاقياً، فتصبح المهمة الأساسية ليست بناء الشعب، كما يطمح الشعبويون، بل بناء الطبقة التي تعي مصالحها وموقعها الاجتماعي. وعندها يمكن أن يصبح احتلال الميادين فعلاً ذا مغزىً أكبر: حيز عام جديد لسلطة طبقية مضادة للهيمنة الرأسمالية.

٭ كاتب من سوريا

القدس العربي

————————–

متظاهرو العراق «يريدون وطناً»/ نوزت شمدين

سارَعَ البرلمان العراقي يوم الإثنين الفائت، وبالتزامن مع اتساع رقعة التظاهرات الشعبية التي تشهدها بغداد ومحافظات عراقية جنوبية، إلى التصويت على مجموعة من القرارات الإصلاحية؛ أهمها تشكيل لجنةٍ لتعديل الدستور وإلغاء المجالس المحلية والامتيازات المالية الممنوحة للمسؤولين. ولكنّ هذه الإجراءات لم تغيّر شيئاً في المشهد العراقي، ويبدو أنّ أوانها قد فات بالنسبة للمتظاهرين الذين عاودوا النزول إلى الشوارع بشكلٍ كثيف منذ الجمعة الخامس والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر)، بعد تهدئةٍ مؤقتة تزامنت مع أربعينية الإمام الحسين.

وارتفع سقف التظاهرات إلى حدود المطالبة بتغييرٍ جذريٍّ يطال النظام السياسي العراقي القائم برمته، بعد أن كانت يوم انطلاقتها الأولى في مطلع شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي مجرد دعواتٍ لتنفيذ واجباتٍ تقاعست الحكومة عن أدائها، والمطالبة بحقوق بسيطة لا تتعدى توفير الوظائف والخدمات.

وبخلاف التظاهرات التي عمّت أرجاء العراق خلال السنوات المنصرمة، وتمكّنت الأجهزة الأمنية من قمعها، فإن الاحتجاجات الراهنة ظلت صامدةً رغم مجابهتها بالرصاص الحي والقنابل المُسيّلة للدموع، ورغم محاولات عزلها عن العالم عبر حجب خدمة الإنترنت. واتّسمت بترديد شعاراتٍ وطنيةٍ عامة، ليس فيها بعدٌ طائفي أو حزبي أو مناطقي، وكان عمادها من الشباب غير المنخرط في الأحزاب، وغير الآبه بالمُحدِّدات الدينية والقومية. ولم تشهد أيٌ من المظاهرات، سواءً التي تركزت في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد أو التي طافت شوارع مدنٍ أخرى كالبصرة والناصرية والديوانية وكربلاء، رفع لافتاتٍ تمثّل تياراً سياسياً أو دينياً، وهو الأمر الذي زاد من صعوبة التعامل الأمني معها.

علاوةً على ذلك، فإنّ مقاطع مصورة نشرها المتظاهرون أنفسهم في مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت طردهم لرموز وشخصيات ذات خلفيات طائفية وسياسية موالية للحكومة العراقية، كانت قد أرادت الانخراط في التظاهرات لتغيير مسارها أو إضعافها من خلال سبغها بطابعٍ فئوي، وهو ما دفع وسائل الإعلام المملوكة لأحزاب مُمثَّلة في الحكومة إلى توجيه اتهاماتٍ لجهات دولية بدعم التظاهرات بهدف زعزعة النظام، في حين عمدت وسائل إعلام عراقية أخرى؛ كشبكة الإعلام العراقي مُمثَّلة بقنوات العراقية شبه رسمية، إلى تخصيص مساحات بثٍّ واسعة لتغطية التظاهرات المُزامِنَة في لبنان، متجاهلةً ما يجري على بعد أمتارٍ من مقارّها في العاصمة بغداد.

ومع مرور الوقت، تحولت مظاهرات ساحة التحرير في بغداد إلى اعتصامٍ مفتوح، ونجح العشرات في بلوغ أعلى مبنىً يُطلّ عليها، وأطلقوا عليه اسم «جبل أُحد»، بعد أن كان معروفاً باسم «المطعم التركي»، وشكّلوا من طوابقه المهجورة منذ العام 2003 برج مراقبةٍ يشرف على ذلك جزءٍ من المدينة. كما تشكّلت فرقٌ لإبطال مفعول القنابل المسيلة للدموع، وأخرى للتخفيف من أثرها على المتظاهرين باستخدام وسائل بدائية؛ كالسوائل الغازية الممزوجة بالخميرة. وكانت لافتةً مشاركة سائقي عربات «التوكتوك» في الأعمال الاحتجاجية، من خلال تطوّع أصحابها في إخلاء الجرحى ومدّ المتظاهرين بالماء والإسعافات الأولية، فيما كان المتظاهرون أنفسهم وسيلة إعلامٍ ضخمة نقلت الأحداث عبر وسائل التواصل الاجتماعي على نحوٍ متواصل.

إلى ذلك، انتقلت عدوى التظاهرات يوم الإثنين 28 تشرين الأول(أكتوبر) إلى المدارس والجامعات، وتظاهر الطلاب على الرغم من قرار وزارتي التربية والتعليم العالي فرض عقوباتٍ بحقهم، كما انضمت للاحتجاجات فئاتٌ من المثقفين والمهنيين، ليتعزّز ذلك بإعلان نقابة المعلمين الإضرابَ العام، وارتفعت أصواتٌ تطالب باقي النقابات والاتحادات بإجراءٍ مماثل؛ بهدف الدخول في مرحلةٍ جديدة من الاحتجاج تتمثّل بالعصيان المدني الشامل.

ودفعت هذه التطورات المتلاحقة بالحكومة العراقية للإعلان عن حظرٍ تامٍّ للتجوال في بغداد ومحافظات الجنوب، من الثانية عشر ليلاً لغاية السادسة من صباح الثلاثاء الماضي. وفي غضون ذلك عقد مجلس النواب العراقي جلسةً أصدر فيها مجموعة من القرارات؛ منها حلُّ مجالس المحافظات والأقضية والنواحي، وتكليف المحافظين بتولي شؤونها المالية من موازنات وسواها، فضلاً عن تشكيل لجنة لتعديل الدستور، على أن تُقدّم توصياتها لمجلس النواب خلال أربعة أشهر. وقرر المجلس أيضاً إلغاء الجمع بين الراتبين؛ ومن ضمنهما المرتبات المأخوذة من قوانين العدالة الاجتماعية، وتشمل امتيازات «رفحاء» التي مُنحت بموجب قانونٍ صدر عام 2003، حصل بموجبه معارضو النظام العراقي السابق وعائلاتهم على رواتب شهرية كبيرة، على الرغم من أن غالبيتهم يعيشون كمواطنين في أوروبا وأميركا.

وشملت القرارات كذلك إلغاء جميع امتيازات ومخصصات الرئاسات الثلاث وأعضاء البرلمان وكبار المسؤولين والمستشارين ووكلاء الوزراء والمدراء العامين والهيئات المستقلة والسلطة القضائية وهيئة النزاهة والمحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى والمحافظين ومن هم في مثل درجتهم، وذلك ابتداءً من يوم الإثنين الفائت، مع دعوةٍ لاستضافة رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي لاستجوابه على خلفية القمع الذي مورس ضد المتظاهرين، وما تسبب به من ضحايا وجرحى في بغداد ومدنٍ أخرى، واشترط الأخير للموافقة على ذلك إعلانَ تفاصيل مناقشات الجلسة ونصب شاشات عملاقة في ساحة التحرير ليطلع المتظاهرون على مجرياتها مباشرةَ.

من جانبهم، لم يكترث المتظاهرون بقرارات مجلس النواب، وواصلوا احتجاجاتهم يومي أمس وقبل أمس محتفلين بنجاحهم، وشهدت ساحة التحرير رقصاتٍ على أنغام أغنيات لمطربين غنّوا خصيصاً لتظاهرات أكتوبر؛ مثل كاظم الساهر وحسام الرسام وآخرين.

وقلّل متخصّصون في القانون من أهمية قرارات مجلس النواب العراقي، واعتبروها إعلاميةً لا تعدو كونها «إبراً مخدرة» على حد تعبير العديد منهم، وذلك لأنها ستُرَدّ بسهولة من قبل المحكمة الإدارية، كون أثرها لا ينسحب على القوانين التي صدرت بشأنها؛ بمعنى أن القرارات تعلقت بقوانين صدرت بتشريعات من مجلس النواب ذاته، والقوانين لا تُلغى أو تُعدَّل إلا بقوانين تماثلها، وكلّ قانون يفترض أن يكون مقترحاً يعرض للمصادقة في البداية، ومن ثم يصاغ كقانون في وقتٍ لاحق، وتُحدّد له مدة نفاذ ويصدر في جريدة الوقائع العراقية الرسمية، وهو ما يستغرق زمناً قد يمتد لأشهر، ولا يمكن في حالٍ من الأحوال اختصار ذلك كله في بضع دقائق كما حدث في مجلس النواب العراقي.

كما يمكن رصد عدم الجدية في القرارات ذاتها، بغضّ النظر عن ضعفها من الناحية القانونية، وذلك بسبب نصّها على إلغاء امتيازات ومخصصات الدرجات الوظيفية التي تضمّنها القرار، دون أن تشمل الرواتب الكبيرة لهذه الدرجات، وهي التي تعتبر مثارَ جدلٍ ورفضٍ شعبيين منذ سنوات.

يمكن القول إنّ النَفَس الطويل هو الذي يغلب على المظاهرات. ومن الواضح أن الخارجين فيها لن يعودوا الى ممارسة حياتهم العادية دون تحقيق للمطلب الرئيسي: «نريد وطن»، وهو ما قالوه صباح يوم الأربعاء 30 تشرين الأول (أكتوبر) لممثلة الأمم المتحدة جينين بلاسخارت التي زارت ساحة التحرير واستمعت بنفسها إلى مطالبهم. ولعلّ ما يسهم في دعم التظاهرات هو تزامنها مع مناسبات دينية شيعية، تكون عادةً بالسير لمسافات طويلة قد تصل الى عشرات الكيلومترات نحو الأضرحة المقدسة في ظروف مناخية تكون قاسية في غالب الأحيان، ويحصل فيها السائرون على تبرعات عينية يقدمها ميسورون تشمل المواد الغذائية والماء والدواء، وقد سُخّرت جميعها هذه السنة لخدمة التظاهرات.

ورغم التأييد الشعبي الكبير لتظاهرات بغداد ومدن الجنوب، والذي ظهر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فقد فضّل أبناء المدن ذات الأغلبية العربية السنية شمال العراق وغربه، كالموصل والأنبار، عدم الخروج في تظاهراتٍ مؤيدةٍ للحراك، وذلك بسبب تخوفهم من أن يُستغلّ ذلك طائفياً من قبل جهات سياسية وحزبية أو من فصائل مسلحة كخلايا داعش ومؤيديه. وهو ما سيسوّغ للحكومة لاحقاً استخدام القوة المفرطة واعتقال المواطنين وتقييد حرياتهم وتوجيه الأنظار إلى المدن السنيّة بدلاً من بغداد، مما سيؤّثر بالنتيجة على المظاهرات ويقلّل من زخمها وأهميتها. ويأتي هذا نتاجاً لتجربة مريرة إبّان تظاهرات واعتصامات شهدتها نينوى والأنبار وصلاح الدين والحويجة أشهراً طويلة، قبل العام 2014، احتجاجاً على الإهمال الحكومي.

وبسبب الفراغ الأمني الذي نشأ عن ذلك حينها، استغلَّ تنظيم داعش تلك التظاهرات لصالحه، وانتهى المطاف بسيطرته المطلقة على تلك المحافظات لما يقرب من ثلاث سنوات بعد انسحاب قوات الأمن العراقية، ليعيش المواطنون هناك في ظلّ قوانين داعش المميتة ثم أهوال حرب التحرير منه، التي أودت بحياة الآلاف، ودمّرت البنى التحتية وأحياء سكنية بأكملها، في حين جرّب الناجون من قبضته وتبعات الحرب عليه مصاعب الحياة في مخيمات النزوح، التي أُقيمت لهم في محافظات إقليم كردستان وجنوبي العراق.

أما في شمال العراق، حيث محافظات إقليم كردستان التي تعيش وضعاً إدارياً خاصاً منذ العام 1991، فلم يتجاوز التفاعل حدّ التأييد الشعبي الخجول للتظاهرات على وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بسبب الموقف العراقي الرافض، بنحوٍ عام، للاستفتاء على إقامة دولة كردية والانفصال عن العراق، والذي أُجري في الإقليم في أيلول (سبتمبر) 2017.

وقد أدى ذلك الاستفتاء إلى سحب الامتيازات الكثيرة الممنوحة للإقليم من المركز؛ كإدارة محافظة كركوك الغنية بالنفط وإبدال محافظها الكردي بآخر عربي، ورفع يد الإقليم عن المنافذ الحدودية مع تركيا وإيران وعن إدارة المطارات، فضلاً عن التقتير على الإقليم بالعوائد المالية لتوزيع الرواتب وتنفيذ المشاريع، مما جعل العلاقة بين الإقليم وباقي أجزاء العراق متوترةً إلى حد كبير. ويضاف إلى ذلك التوجّه الرسمي للإقليم، المتمثّل بسعي نيجيرفان بارزاني لتعويض خسائر الإقليم عبر تهدئة الأمور مع الحكومة المركزية في بغداد، وتجنّب أي تصعيدٍ معها قد تتسبب به مظاهراتٌ مناوئة لها في محافظات كردستان.

وسط كل هذه التعقيدات، ورغم أعداد الضحايا والجرحى الكبيرة، يواصل المتظاهرون العراقيون نضالهم في ساحات العراق، مؤكدين أن هذا النضال لن ينتهي قبل أن يصير لجميع العراقيين وطن يعيشون فيه بكرامة.

موقع الجمهورية

————————-

ريما ماجد: الجيش ليس حلًا في أي بلد وصراعنا طبقي وليس طائفيًا

عمر سعيد

مع وصول الانتفاضة اللبنانية إلى يومها الثالث عشر، دخلت الأوضاع الميدانية والسياسية في منحنى جديد، ساهم في القضاء على إحساس الإحباط الذي كان قد بدأ يتسرب إلى ساحات التظاهر والاعتصام.

بدأ ذلك المنحنى بالاعتداء الأعنف من مناصري حركة أمل وحزب الله على المعتصمين في ساحتي رياض الصلح والشهداء وسط بيروت. لم يكن هذا هو الاعتداء الأول، لكنه كان الأكثر فجاجة وعنفًا بين الاعتداءات الماضية، ورافقه إحراق خيم المعتصمين وتدمير للمواد الإعاشية وسرقة بعضها. ثم وصل المنحنى ذلك لذروته مع إعلان رئيس الحكومة سعد الحريري استقالته، وما تلى ذلك من تظاهرات في بعض المناطق السنية في بيروت، «تضامنًا مع الحريري، ورفضًا لتحميله وحده المسؤولية».

في هذه الأجواء، تتحدث أستاذة علم الاجتماع ريما ماجد لـ«مدى مصر» عما تعنيه تلك التطورات، وما قد يشكل تحديات أمام الانتفاضة.

مدى: هل يمكن الربط بين مشهد الاعتداء على المتظاهرين واستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري؟

ريما: طبعًا. واضح جدًا الربط بين الأمرين. ومن الممكن تفسير أسباب ذلك الربط بأمرين أساسيين. الأول، أن السلطة لا تريد أن تمنح الناس انتصارًا بأنهم هم من أجبروا رئيس الحكومة على الاستقالة. الثاني، هو محاولة اللعب بالورقة الطائفية وتحريض الشارع السني، يعني رأينا جميعًا مشاهد قطع الطرق في منطقة طريق الجديدة (منطقة سنية في بيروت) احتجاجًا على الاستقالة، وللمطالبة بعودة الحريري. المقصود من ذلك هو استثناء المواطنين السنة من الحراك، والعمل على إعادة إنتاج نفس النظام.

مدى: مع وصول الحراك إلى مرحلة متقدمة، بالتوازي مع إغلاق المصارف واقتراب مواعيد استحقاق الرواتب والأجور، يبدو أن إرهاق المواطنين يزداد، وبدأ الناس يتساءلون عن الخطوات القادمة.. في هذا السياق، هل يفرض ذلك ضرورة التنسيق وتأطير المجموعات في أطر تنظيمية ما، أم أن عفوية الحراك يجب أن تستمر في قيادته؟

ريما: بالطبع لا، إن بقي الأمر يسير بنفس العفوية فإنه سينتهي. تلك العفوية في بداية الأمر كانت مفيدة، لكن الظروف بدأت تفرض ضرورة التنظيم. وبالفعل، بدأت بعض الدوائر المهنية في التنسيق وتنظيم نفسها، على أساسات نقابية متعمدة لتبرز التقسيم الطبقي وليس التقسيم الطائفي أو المناطقي.

بالتزامن مع إجراء الحوار، تم الإعلان عن تأسيس «تجمع مهنيات ومهنيين»، وهو تجمع يضم مستقلين من عدة وظائف. كما تم الإعلان عن تأسيس « تجمع الأساتذة المستقلين في الجامعات» في أكثر من عشر جامعات ويضم ما يقارب 700 جامعي.

مدى: وكيف ترين اختلاف المطالب الطبقية بين منطقة وأخرى؟ مثلًا في الجنوب نجد أن المطالب ذات طابع اقتصادي أكثر منه سياسي، ولكن في بيروت ومناطق أخرى يغلب الطابع السياسي على المطالب.

ريما: المطالب الطبقية ترددت أكثر من بيروت وطرابلس. في الجنوب لا أعتقد أن أساس الموضوع طبقي، من تحرك في الجنوب أغلبهم طبقة وسطى ومهنيين. الثورة في بيروت بدأت من الطبقات المسحوقة، ثم انضم لهم شرائح أخرى. في طرابلس وعكار، وهما المنطقتان الأكثر فقرًا في لبنان فالمطالب طبقية أكثر. كذلك، فإن هناك ظروف مختلفة عن السياق الطبقي فرضت نفسها في الوقت السابق للانتفاضة، رأينا جميعًا تصريحات طائفية ومسيئة من وزراء ونواب للتيار الوطني الحر (برئاسة وزير الخارجية جبران باسيل)، انخفض سقف الحريات بشكل غير مسبوق، وتم استدعاء الكثيرين بسبب منشورات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

مدى: على الجانب الإجرائي تفرض الكثير من الأسئلة نفسها، ماذا بعد استقالة الحكومة؟ وكيف يمكن أن تتشكل حكومة جديدة تلبي مطالب الانتفاضة؟

ريما: الوضع بعد الاستقالة سينتظر ما تفرضه معادلات الضغط في الشارع. دستوريًا هناك احتمالان، إما أن يكلف رئيس الجمهورية رئيس حكومة لتشكيل حكومة مصغرة، وفي هذا الاحتمال على الأرجح سيعاد تكليف سعد الحريري نفسه، أو ألا يتفق الشركاء السياسيون على رئيس حكومة وندخل في حالة فراغ تتحول فيها الحكومة الحالية إلى حكومة تصريف أعمال. ولأن الأوضاع في لبنان حساسة، وهناك حزب كبير لديه سلاح (حزب الله)، فهناك الكثير من الآراء تفضل أن نبقى في السياق الدستوري، وألا نتجه إلى تشكيل مؤتمر تأسيسي دستوري.

مدى: بخصوص حزب الله، البعض يراه شريكًا مع الأطراف الأخرى في إدارة البلد، البعض الآخر يراه الحاكم الفعلي والوحيد، وبالتالي فإن المواجهة تقتصر عليه، ما رأيك؟

ريما: حزب الله هو الحاكم الأقوى في البلد، لكنه بالطبع ليس الحاكم الوحيد. في هذا السياق مثلًا ومن الأمور المقلقة أن حزب الله كان له مطلب بالفعل بتعديل الدستور، بدلًا من المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، إلى المثالثة بين السنة والشيعة والمسيحيين. وهذا يشكل خطرًا على مطالب تعديل الدستور.

مدى: هناك مطالب قديمة/ جديدة لكنها ليست ظاهرة بقوة في الحراك تطلب نزع سلاح حزب الله، ما رأيك في هذه المطالبات؟

ريما: أنا لست مع رفع مثل هذه الشعارات. أنا مع استعادة الطبقات المسحوقة والتي يستغلها الحزب بعلاقات زبائنية إلى الصراع الطبقي الحقيقي. وهذه الطبقات ليست مستعدة بالطبع لسماع مثل هذه الشعارات. كان من الضروري كسر حالة الاستثناء التي كانت تحيط بالحزب، وهذا حدث بالفعل، وإلا ما كنّا رأينا محاولات أنصاره بالهجوم على المتظاهرين. على الزاوية الأخرى، نحن بلد ملاصق لدولة عدوة وهي إسرائيل، وطالما أن البديل المقاوم لهذه الدولة ليس موجودًا، فشعار نزع السلاح ليس صحيحًا. أنا أدعي لرفع شعار من قلب الثورة ضد إسرائيل، أدعى لاسترجاع المقاومة من حزب الله. نعم ليس هناك أحدًا من ضمن هذا الحراك دعا للسلام مع إسرائيل، لكننا أمام هاجس حقيقي من دولة الاحتلال يجب التفاعل معه طوال الوقت، ويجب إنهاء احتمالات تشويه هذا الحراك وتفكيك الدعايا المضادة بأنها ثورة تحركها سفارات أو أجندات خفية.

مدى: بعض المطالب في الشارع ترى أن حكم الجيش في لبنان حلًا جيدًا لإنهاء نظام المحاصصة، ما رأيك؟

ريما: مدبئيًا، الجيش ليس حلًا في أي مكان، لا لبنان ولا غيره. الثورة تريد الحفاظ على الهامش الديمقراطي، وسيطرة الجيش على الحكم هي أمر لا يتفق مع آليات الديموقراطية ولا مع الدستور اللبناني. لو بقي الجيش في مهمته الأساسية في حماية الحدود، فهذا عظيم. وإن كان المطلوب بهذه المطالبات هو استدعاء رئيس من خلفية عسكرية، فإن الرئيس الحالي والسابق والسابق له، ثلاثتهم من خلفية عسكرية.

 ————————–

عن ثورة أجبرت خامنئي أن يتحسس رقبة زمنه/ شادي علاء الدين

شاء المرشد الأعلى الإيراني التعامل مع ثورة لبنان على المنوال نفسه الذي أطلق مساره في العراق، أي الحل الأمني. أطلق رسائل تدعو إلى الحفاظ على الأمن ورفض الإخلال به داعيا إلى قمع المحتجين بالقوة. رد رئيس البلاد على رسالة الخامنئي بوسيلة بدائية حيث حرص على أن يفرض على القنوات التلفزيونية اللبنانية حالة من التعتيم الإعلامي، ومنع البث المباشر للاحتجاجات، تمهيدا لتدبير شؤون الحل الأمني التي نادى بها خامنئي، وتطبيقها على الثورة اللبنانية.

من هنا يبدو السؤال عن خوف خامنئي من ثورة لبنان شديد الوجاهة في هذه اللحظة، فبعد أن كان المشهد العام في البلاد قد أقفل تماما على لحظة الاعتراف الكامل والمطلق بسلطة الحزب الإلهي الموالي له على كل شيء، انقلبت الأمور بشكل تام خلال أيام قليلة، وظهر هذا الحزب وكأنه بلا حيل ولا أدوات، والأخطر بالنسبة له أنه ظهر في هيئة الفاقد للخطاب والكلام.

يمكن القول إن لبنان وليس العراق على الرغم من أهميته الإستراتيجية الفائقة هو من يشكل درة تاج النفوذ الإيراني في لحظة حزب الله، وذلك لأسباب عديدة أهمها أن لبنان كان يمثل في روحه وفي معناه الشكل الأكثر تناقضا مع كامل البنية الإلهية ومفرداتها ومعالمها.

 انتصار إيران عليه لم يكن بالسطوة الأمنية والعسكرية وحسب، بل لم تتأكد إيران من أنها قد أحكمت فعلا قبضتها عليه إلا حين نجحت في مصادرة الخطاب والكلام والثقافة والأمل، وجعلها تردد أصداء لغتها وكلامها وفعلها، وهكذا أمّنت انتقالا آمنا وسلسا ومريحا، اعتقدته نهائيا من السطوة الخارجية إلى السكن في بنية الأفكار والأحلام والمعتقدات، أو هكذا خيّل لها.

الأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى. تكفي متابعة كلام جُل السياسيين لا بل مفردات الفن والثقافة في الفترة الأخيرة، لنعثر على موجة عارمة من التصلب وفقدان الصلة بالزمن، اعتبرها المرشد الأعلى وجماعته اللبنانية إيذانا بنشوء زمن الأبد الإيراني في لبنان.

ما يحدث حاليا في الساحات ليس احتجاجا على هذا الزمن أو رفضا له

بل يمثل نفيا تاما ونهائيا له، وقطيعة حادة وراديكالية مع كل مظاهره وعناوينه، ولغته وصفاته، وأخلاقه وإعلامه.

فجأة تحول كل ما يتصل بهذا الزمن إلى سبة وعار، وانفجرت عناوين شرعية جديدة تم تثبيتها بقوة الساحات ولا مركزيتها وخروجها من العناوين الذي اعتقد المرشد أنه باق طالما بقيت قائمة وموجودة، ألا وهي العناوين الطائفية المناطقية.

يكتب اللبنانيون على صفحاتهم على صفحات التواصل الاجتماعي حاليا تعريفات جديدة لأنفسهم. لا أحد يقول إنه من مكان محدد أو بيئة محددة، فالكل يقول أنا من صيدا، وبيروت، وصور، وطرابلس والنبطية، والعبدة، وعكار وبعلبك وكل زاوية في لبنان.

كل هذه السياقات من شأنها أن تصيب منظومة المرشد بمقتل في لبنان، لأن حلولها التي طالما أثبتت جدواها لم تعد ممكنة. بعد أن كانت سطوة نصرالله عبارة عن ظل أسود ضخم مفلوش على امتداد مساحة البلاد، ويكفيه الإيحاء يما يريد حتى تصبح كل آلات الإعلام والسياسة والجيش وغيرها مسخّرة لتفيذ فحوى إيحاءاته، بات الآن مضطرا أن يرسل شبيحته إلى وسط البلد، دفاعا ليس عن سيطرته المزعومة على عدة عواصم عربية، ولكن للذود عن شخصه ضد شتيمة حولت ظلال قداسته إلى كاريكاتور.

يعلم الخامنئي ومعه نصرالله أن ما أُسِّسَ في ميادين الثورة لا رجوع عنه، فبعد تحويل هالتَيهما إلى كاريكاتور فإن ما يلي ذلك هو أن تسحب منهما القدرة على تأويل أي شيء أو امتلاك الحق في خلق المعاني، وهذا الأمر أصاب حاليا كل الطبقة السياسية في لبنان.

استقال الحريري ولكنه لم يكن قادرا على منح استقالته أي معنى يريده. الناس تعرف أمرا واحدا هو أنه استقال لأنها تريده أن يستقيل، وربما من هنا يمكن أن نفهم أن استعمال كلمات والده الشهيد رفيق الحريري في سياق الاستقالة لم يعد مفيدا أو ربما لم يعد في صالحه. “ما في حدا أكبر من بلدو”، وهي كلمة شهيرة للشهيد رفيق الحريري، تكتسب حاليا معنى لا يستطيع سعد الحريري التحكم به، وهو في أبسط تجلياته يعني أنه لا أحد وأولهم هو شخصيا يستطيع أن يتجاهل الناس ومطالبهم، وأن عليه الآن أن يخرس ويتعلم.

لا يجيد الخامنئي قمع ثورة لبنان بنصرالله ولا بالرئيس المترهل ميشال عون ولا بأي جهاز أمني رسمي أو غير رسمي، لأنه ببساطة يجهل ماذا عليه أن يقمع، لذا يحرص على فرض بنية محددة للثورة كي يمكنه قمعها.

بنيته المتحجرة لا تستطيع فهم ماذا يجري ولا التعامل مع بنية ثورة تتألف من حشد دائم التوسع من العناصر المتناهية في الصغر والدائمة التوالد والتوسع.

ماذا ستفعل آلة القمع الإيرانية بأيديها اللبنانية أمام ثورة تعمل من خلال حد أقصى من التجريد على مستوى تحديد المطالب والقيادة والتنظيم، وفي الوقت نفسه تحرص على خلق مشهد ميداني مباشر ومتجدد وحيّ.

يحب القمع والاختزال لذلك يُصرّ نصرالله على محاولة التحديد والتكثيف، يريد قيادة، يريد أبطالا أو مشاريع شهداء أو خونة، ولكنه لا يجد أمامه سوى الراقصين والساخرين والمدخنين وشاربي الكحول والغاضبين.

تلعب منظومة القمع على التخويف من المجهول من دون أن تدري أنها تقدم للثائرين

عليها الحجة الأكثر بلاغة ووجاهة، والتي تقول ببساطة إن الفرق بين ما هو مؤكد والممثل بحتمية استحالة العيش والوجود في ظلالها يجعل من كل مجهول أملا يجب الدفاع عنه حتى الموت، وإن هذا ال

تلفزيون سوريا