سياسة

عن الأسد الرئيس الإرهابي .. والتصريحات المنفلتة -مقالات مختارة-

سيدي الرئيس “الإرهابي”/ سميرة المسالمة

يستسهل الرؤساء الحاليون وأنظمتهم في استخدام تهمة الإرهاب على كل من يقف في ضفة مواجهة لهم، فبينما تستخدم اليوم ذات مفردات النظام السوري مع تطوراتها الوظيفية في الرد على ثورتي لبنان والعراق، بوصف المتظاهرين بالمحتجين المحقين بداية ثم بالمندسين والإرهابيين والممولين خارجياً، يأتي الرد الدولي أيضاً بذات ردات الفعل من التجاهل والدعوات لضبط النفس، ومن ثم امهال الأنظمة في استخدام كل أساليبها القمعية للتهرب من استحقاقات شعوبهم أو “قتلهم”، حدث ذلك في سوريا خلال تسعة أعوام من عمر ثورة السوريين، وفي العراق خلال الفترة الحالية بمئات الضحايا العزل، وبدأت ملامحه في لبنان بمقتل اللبناني علاء أبو فخر، وبذلك تتحول المواجهات من سياسية تستهدف الأنظمة في آلية حكمها واستبدادها، إلى عنفية مسلحة تستهدف أمن الشعوب مقابل سلامة كراسي الرؤساء وأنظمتهم.

هذا لا يعني أن التطور المنتظر للثورات يسير في اتجاهه الشعبي إلى المكان الذي يريده مفجرو الثورات السلمية في بلدانهم، لأن ذلك يعني في حقيقته انتصار الثورة على الأنظمة، ما يؤكد أن انحراف خط الثورات ومدها بالتيارات الايدلوجية المتطرفة، ووضع مشاريع موازية لمشروع الثورة والانقلاب عليه من قبل خصوم حقيقيين أو مفتعلين للأنظمة، هو خطة دفاعية ناجعة من الأنظمة الحاكمة، والمسارات الدولية التي توظفها وتساندها للحفاظ على أدوارها، أو تغيير تلك الأدوار وانهائها، وهذا ما يمثله واقع نتائج اليوم في الثورة السورية، أو ما يمكن تسميته من بعضنا غير المتفائل “التسليم ببقاء النظام، والتحايل على مسميات إعلان مناصرته دولياً بما سمي المفاوضات معه ومن خلاله”، أو التعاطي مع المتفائلين منا بأنه “تقليم أظافر للنظام السوري ووضع شريك مقابل له يسمى المعارضة”، وهو ما يستدعي أن تحضر في تلك المفاوضات أدوات محلية لكلا الطرفين تعمق كل منها فكرة انتصارها على الطاولة بعد هزيمتها على الأرض.

وضمن هذا يمكن فهم خطاب قيادات “المعارضة” في وداعته واحتوائه للخطاب الحربي المقابل له، على أنه وعي لثنائية هزيمته وانتصاره المتلازمتين، في واقع ميداني “شبه معدوم”، وواقع سياسي تطل فرصته من خلال قرارات دولية لم تستهدف النظام في وجوده، بدليل بقائها مجرد أوراق في أدراج المنظمة الأممية، ولكنها قرارات تمكن “المعارضة” من الجلوس إلى طاولة مفاوضات لا يمكن التخلي عنها، والاستسلام للهزيمة الكاملة من خلال التنازل عن انتصار جزئي تمثله القرارات الدولية التي تعترف فيها، وتناصر وجودهم في مستقبل سوريا الغائم.

على الضفة المقابلة، وفي اتجاه معاكس إعلامياً، يذكرنا خطاب النظام بموقع المعارضة في قاموسه، وهو بذلك يقدم صورة عن مستقبل العقد الاجتماعي الذي يريده من لجنة دستورية، تجمع “حفنة” من وطنيي النظام الذين تحسبهم الحكومة على نفسها، ولا يمثلونها، ومجموعة إرهابية -حسب تصنيف بشار الأسد رئيس النظام السوري لهم- تمثل معارضة على اختلاف منصاتها من موسكو مروراً بالقاهرة إلى ائتلاف استنبول ويضيف إليهم من يمثل المجتمع “غير المنسجم” من المحسوبين على معارضته.

ولعله من المفيد ان تعتبر هذه المصارحة العلنية الهجومية للأسد على المعارضة هي جزء من العملية السياسية التي يستشعر فيها النظام بهزيمته في الجزء السياسي من خلالها، بينما يستقوي بموقع حليفه الروسي ميدانياً، ولعل ما تعنيه الرئاسة المشتركة داخل اللجنة الدستورية بين المعارضة (هادي البحرة) والنظام (أحمد الكزبري) هي عملية حسابية تصفر بين ثنائية الانتصار والهزيمة لكلا الطرفين وتساوي بينهما، وهي ما تجبر وفد النظام أن يتعامل مع ممثل الإرهابيين كما يحب النظام أن يصف كل معارضته ويقول له داخل الاجتماع : سيدي الرئيس ” الإرهابي”.

مما يفقد النظام قدرته على تسويق هذه الخطوات الإصلاحية في دستور سوريا على أنها واحدة من مكرمات “السيد الرئيس” أو كما يريد أن يصوره حسب حديثه الأخير لوكالة سبوتنيك وروسيا 24 أنها عملية تحدث من وقت لآخر على اعتبار “ان الدستور ليس نصاً مقدساً وأنه من وقت لآخر لابد من دراسته وتعديله” في الوقت الذي تعنيه هذه العملية برمتها أو يمكن تسميتها على قدر المساواة مع المعارضة “وإن بواقع متعاكس ” بانها تمثل جزئية هزيمة النظام السوري سياسياً، المتلازمة مع جزئية انتصاره الميداني الذي يمثله الوجود الروسي في سوريا كما تمثل انتصار السوريين بسبب تضحياتهم في انتزاع قرارات دولية توجب تغيرات أو حتى تعديلات دستورية، “ربما” لن يخطها في مرحلة أولى السوريون، كما هو حال التسويق لها، ولكنها لاحقاً ستعود صلاحيات التعديل فيها للسوريين طال الزمن أو قصر.

بروكار برس

سأفشي لكم سراً روسياً في قاعدة حميميم السورية/ عدنان عبد الرزاق

لن يغريني حوار رئيس النظام السوري مع تلفزيون “روسيا اليوم” الإنكليزي رغم كل ما فيه من تضليل وكذب وإحراجات، وضع المحقق الروسي بشار الأسد فيها، فغدا مختلاً كذوباً حتى من نظر حواضنه ومؤيديه.

وسبب عدم وقوعي في ذاك الإغراء، رغم شهيته ليكون مادة ساخرة، تصلح ربما لمسرحية “ميلودراما” تتفوّق على “زبال” ممدوح عدوان، بتصويرها أوجاع السوريين، بعد بلواهم بوريث غلب عليه “الفصام واضطراب الوجدان ثنائي القطب” حتى بات، فضلاً عن كونه مريضاً نفسياً ناكراً، خطيراً على كل من حوله.

إذ هناك ما هو أشهى، وربما أكثر دلالة وإيلاماً في آن، إنها قاعدة حميميم الروسية في جنوب مدينة اللاذقية السورية، والتي أجّرها الرئيس المناضل بشار الأسد لداعمه المناضل فلاديمير بوتين، مع ميناء طرطوس، لمدة 49 عاماً فقط! طبعاً قابلة للتمديد، بهدف حماية الأسد واسترداد بعض أموال روسيا وخسائرها، تحت عنوان فضفاض وعريض، وهو إعادة التوازن الإقليمي والدولي.

ولأن “باطل الأباطيل باطل” لن أدخل بقانونية ذاك “الاحتلال” وتوسع سيطرة روسيا الاتحادية إلى خارج قواعدها، بل سنحاول الدخول إلى قاعدة حميميم، علنا نُخرج للقارئ بعض ما يحاول الروس إخفاءه، وراء جدران يُمنع، حتى على بشار الأسد الوصول إلى ما وراءها.

ولعل من مشهدين، سربتهما روسيا متعمدة، وضوح لا يحتمل التأويل، لمكانة وسطوة وصلاحية بشار الأسد، في تلك القاعدة.

المشهد الأول في ديسمبر/ كانون الأول 2017، وقتما توقف بوتين بقاعدة حميميم، خلال زيارته إلى مصر وتركيا وقتذاك، وكان الأسد ضمن مستقبليه ومودعيه، وتم منعه بلقطة شهيرة من اللحاق بالرئيس الروسي المتجه لطائرته.

والمشهد الثاني في أغسطس/ آب 2019، حينما ظهر بشار الأسد مقابلاً لوزير الدفاع الروسي بحميميم، في مشهد ذي دلالات كثيرة، أولاها انتفاء صفة الرئيس عن الأسد وربما آخرها أنه ضيف وغير مرحب به في بلده.

ولأن القاعدة جوية ومن فيها جنود، فحبذا ألا نغرق في ما هو خارج حياة العساكر الروس اليومية، من دون أن ندخل في خصوصيات الجنود طبعاً واحتياجاتهم الجسدية وكيف تتم تلبيتها ومع من، فهذا من الإسفاف، ما قد يخرجنا عن لب الموضوع ويوقعنا بالتدخل بشؤون البشر وحقوقهم الشخصية، وذاك ليس من الديمقراطية والتحضّر في شيء.

كذلك سأعتبر زيارة عشرات الفتيات المقربات من “عائلة الأسد” منذ مارس/ آذار 2016 إلى قاعدة حيميم، وإقامتهن “تكريمية واحتفالية” للطيارين الروس المتمركزين في القاعدة، وكل ما قيل ويقال عن مجموعة “صبايا عطاء”، التي تقودها “عليا خير بك” الحاملة للجنسية الروسية، محض افتراء وكلام عزال.

رقم واحد وأول القول سؤال، كم يتقاضى الجندي الروسي بقاعدة حميميم، وكم يتقاضى الجندي الروسي ببلده، والأهم كم يتقاضى الجندي الذي يقاتل إلى جانب بشار الأسد، فيما يسمى زوراً وبهتاناً “الجيش العربي السوري”؟

بحسب صحيفة “أرفومنتي إي فاكتي” وليس من اختراعي، يتقاضى الجندي الروسي بقاعدة حميميم راتباً شهرياً قدره 1800 دولار أميركي مقابل 26 ألف روبل (400 دولار) يتقاضاه الجندي في روسيا.

وأما الجندي الأسدي، فيتقاضى، وبعد الزيادة التي منّ بها القائد الأسد على العسكريين العام الماضي، 41715 ليرة سورية (أي نحو 60 دولاراً) في حين يتقاضى ما يعرف بالضباط الأمراء، يعني أعلى الرتب العسكرية، وبعد عطاء الزيادة، 81605 ليرات (نحو 115 دولاراً).

وإغراء أجر الروس بحميميم جعل من الخدمة في القاعدة محط تسابق بين الجنود البوتينيين، بل ومساعٍ ورشى لتمديد الخدمة إلى أطول مدة ممكنة، فهنا بسورية الأسد، يوجد، بحسب عضو المجلس الاجتماعي لوزارة الدفاع الروسية العقيد فاليري فوستروتين، خلال حديث لكالة “تاس” الروسية ” حياة مثالية، الطعام متنوع، وكامل السعرات الحرارية، وصحي.

ولدى الجنود كابينات استحمام، وغسالات، وصالات رياضية مزودة بأجهزة رياضية، وغرف التفريغ النفسي. وفي حميميم السورية سابقاً ساحة يزرع فيها الضيوف البارزون الأشجار. وأيضاً توجد نافورة جميلة، إنه الفردوس، وبالإضافة إلى الكنيسة هناك فرن للخبز والمعجنات الروسية، وملاعب رياضية ومكتبات.

ولئلا يشعر بواسل الجيش الروسي بالغربة، تحولت قاعدة حميميم إلى مدينة عسكرية روسية متكاملة، بشوارعها وساحاتها التي تحمل أسماء الجنود والضباط الروس الأبطال. يوجد شارع باسم بطل روسيا أوليغ بيشكوف، وآخر باسم بطل روسيا الطيار رومان فيليبوف، وثالث باسم بطل الاتحاد السوفييتي الجنرال فاسيلي مارغيلوف ورابع باسم الطيار رومان فيليبوف، وساحة بطل روسيا الجنرال فاليري أسابوف.

ولأن الأسد حول سورية، بمن فيها، إلى ساحة تدريب وحقل تجارب للسلاح الروسي، قالت وزارة الدفاع الروسية خلال بيان في أغسطس العام الماضي إن أكثر من 63 ألف جندي روسي اكتسبوا خبرة قتالية في سورية، بينهم 26 ألف ضابط و434 جنرالاً. وجرّب الجيش الروسي وطور أكثر من 300 نوع من الأسلحة بالاستفادة من الميدان السوري.

وبيان وزارة الدفاع الروسية كان قبل التوسعة لتستطيع “حميميم” استقبال الطائرات العسكرية الضخمة وتركيب أجهزة تستطيع مسح كامل الأراضي السورية، بالإضافة إلى لبنان وإسرائيل والعراق وإيران.

ووصل الأمر، وبحسب مسؤولين في غرفة المراقبة، إلى “هذا خيالي بشكل عام، كما في أفلام الخيال العلمي. كل أراضي سورية على شاشات ضخمة، إذا لزم الأمر، يتم تكبير المكان لرؤية أي مكان حتى لو كان محلاً صغيراً، والكهف حيث يوجد المسلحون”.

نهاية القول: ربما ما غاب عن الرئيس الروسي أن بناء الثقة وتأسيس العدالة عبر قواعد اجتماعية أهم من القواعد العسكرية وأبقى، فالشعب الذي خرج على الأسد الابن بعد توريثه سلطة ممتدة لنصف قرن، فيها من طرائق وأدوات القمع والتنكيل، ما لم يدخل قاعدة حميميم بعد، لن يخنع للمحتلين الجدد.

بل وعلى الأرجح، أن حلم “القيصر” التوسعي سيسقط بسورية، والذي لم يخفه وإن ساقه مزاحاً خلال إجابته عن سؤال الطفل ميروسلاف أوسكيركو “9 سنوات”: أين تنتهي الحدود الروسية، أثناء حفل توزيع الجوائز للفائزين بجائزة الجمعية الجغرافية الروسية، نهاية 2016: لا تنتهي حدود روسيا عند مضيق بيرينغ، حيث تقع الولايات المتحدة، حدود روسيا لا تنتهي في أي مكان.

العربي الجديد

————————————

بشار الأسد: “لا تعذيب في سوريا“!

في واحدة من أكثر مقابلاته غرابة على الإطلاق، أجاد بشار الأسد في لي الحقائق، وتغيير الوقائع، ومواجهة الحجج المنطقية بالأغاليط والأضاليل؛ من إنكار استخدام أجهزته الأمنية للعنف والتعذيب، مروراً بانكار أسباب الثورة السورية وردها إلى مؤامرة كونية خبيثة، إلى القول بأن نظامه “اشتراكي” يقف في وجه “الإمبريالية” والسياسات النيوليبرالية.

 أسهب الاسد في تعميم صفة الإرهاب على السوريين، ليبيعها في سوق الخوف من اللاجئين وصعود اليمين المتطرف في العالم، واتهم الأكراد بالعمالة للأميركيين، وأن الأموال القطرية هي من تسبب بانفجار الثورة السورية. ويبدو غريباً، أن بشار الأسد، تجنب مهاجمة السعودية، مركزاً على دور تركيا، وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا. هجومه على الخوذ البيضاء أخذ منعطفاً جديداً، مع تصعيد غير مسبوق، واتهامهم بفبركة الهجمات الكيماوية التي نفذها نظامه.

روسيا: القانون الدولي!

وقال بشار في مقابلة مع قناة RT الناطقة بالإنكليزية، بُثّت ليل الأحد/الإثنين، إن “100 ألف جندي سوري استشهدوا أو جرحوا. خسرنا العديد من الأرواح، ناهيك عن الآلاف وربما عشرات آلاف من المدنيين أو الأبرياء الذين قتلوا بسبب قذائف الهاون، أو عبر الإعدامات، أو خطفوا وقتلوا لاحقاً أو اختفوا، وأُسرهم مازالت تنتظرهم حتى الآن”. وأضاف: “في سوريا لا يمكن لأحد أن يموت من أجل شخص، الناس يمكن أن تموت من أجل قضية الدفاع عن بلادهم. الدفاع عن وجودهم وعن مستقبلهم، فما بالك بشخص يأتي من بلد آخر ليموت من أجل شخص آخر، سواء كان دكتاتوراً أو مهما أردت تسميته! وبالتالي، ومما ينافي المنطق أن يأتي أحد ما، فقط لأن الرئيس بوتين أرسله، كي يموت من أجل شخص آخر، أو أن يضع الرئيس بوتين كل مصالح بلاده على المحك من أجل شخص واحد. هذا غير منطقي. في الواقع، فإن روسيا، وطبقاً لما يقوله مسؤولوها، أعني الرئيس بوتين ولافروف وآخرون، تدافع عن مصالحها بطرق مختلفة. وأحد وجوه هذا الدفاع يتمثل في أن محاربتهم الإرهاب في بلدٍ ما، سواء كان سوريا أو أي بلد آخر في المنطقة، تعتبر دفاعاً عن الشعب الروسي لأن الإرهاب وأيديولوجيته لا حدود لهما، ولا يعترفان بالحدود السياسية. لنقل إنها ساحة واحدة، فالعالم اليوم بات ساحة واحدة للإرهاب”.

الكيماوي

بشار واصل نفي استخدامه للسلاح الكيماوي، مستخدماً مجموعة من المقدمات المنطقية المتهالكة مثل: “تحدثوا عن مقتل مئتي مدني؛ في حين أنك لو استعملت الأسلحة الكيماوية فإنك قد تقتل عشرات الآلاف في تلك المنطقة المكتظة بالسكان. وهذه الحادثة ليست موجودة إلا في أذهان المسؤولين الغربيين. إنها رواية استعملوها كذريعة لمهاجمة سوريا. لم يقدموا أي دليل ملموس لإثبات حدوث مثل ذلك الهجوم، وظهرت تقارير كثيرة تدحض ذلك التقرير أو تلك المزاعم. وبالتالي، فقد كانت مجرد مزاعم؛ فالجيش السوري لم يستعمل الأسلحة الكيماوية إطلاقاً قبل أن يُسلّم كل ترسانته إلى اللجنة الدولية”.

وتابع: “هل يمكننا، في ظل هذا الإشراف أو لنقل هذه المراقبة الدقيقة من قبل العالم الغربي بأسره، أن نستخدم هذه الأسلحة مرةً بعد مرة! هذه القصة برمتها غير منطقية. نحن لا نحتاج الأسلحة الكيماوية، إننا نحقق تقدماً. في كل مرة يتحدثون عن استخدام الأسلحة الكيماوية نكون في حالة تقدم، وليس عندما نخسر”.

“لقد فبركوا مسرحيةً كاملة حيث يلعب شخصٌ ما دور الضحية في العديد من الحوادث، ليس فقط في مجال الأسلحة الكيماوية، بل حتى في حالات القصف، يفبركون مسرحية تُظهر بأن أحدهم كان ضحيةً، وعند نهاية التصوير يظهر على أنه شخصٌ عادي، يقف ويتحرك بشكلٍ طبيعي. تستطيع مشاهدة ذلك على يوتيوب. إنها واضحة جداً. نستطيع أن نريك هذه الأدلة”.

الخوذ البيضاء

وعن الخوذ البيضاء قال: “من السهل جداً رؤية وجوه نفس هؤلاء الملائكة، الخوذ البيضاء.. نفس الوجوه، ونفس الشخص الذي كان يعمل في الخوذ البيضاء كان في الواقع مقاتلاً مع القاعدة. تستطيع أن تراه، فالصور واضحة جداً. نفس الشخص الذي كان يقطع الرؤوس، أو يأكل قلب جندي. هذه المقاطع منتشرة جداً وبوسعك مشاهدتها على الإنترنت. لا أعتقد أن أحداً في هذه المنطقة يُصدق هذه المسرحية، مسرحية العلاقات العامة للخوذ البيضاء. إنهم أحد فروع جبهة النصرة”.

البراميل المتفجرة

وعن استخدامه البراميل المتفجرة قال: “هناك دائماً ضحايا في أية حرب، لكن أن تتحدث عن جيش أو دولة تقتل المدنيين وتقتل شعبها فهذا ليس واقعياً لسبب بسيط، وهو أن الحرب في سوريا كانت على كسب قلوب الناس؛ ولا تستطيع كسب قلوب الناس بقصفهم. فالجيش السوري كان يحارب الإرهابيين، وإن كان هناك بعض النيران الجانبية التي أثَّرت على بعض المدنيين لكن كيف يمكن للشعب السوري أن يدعم دولته ورئيسه وجيشه إن كانوا يقتلونه؟!”.

حمزة الخطيب

وعن مقتل الطفل حمزة الخطيب، تحت التعذيب في العام 2011، قال: “لا، لا، هذا غير صحيح لم نفعل ذلك”، وحين سأله الصحفي: “كان هناك حروق سجائر على جسده؟”، أجاب: “لا، لقد قُتل، وكانت هناك مزاعم بأنه تعرض للتعذيب. لم يعذب. لقد قتل ونقل إلى المستشفى؛ وقد التقيت أهله، وهم يعرفون القصة الحقيقية. هذا ما يُقال في وسائل الإعلام الغربية وحسب. هذه ليست الرواية المعروفة في سوريا. ولهذا أستغرب تلك الروايات المنفصلة تماماً عن واقعنا. إنه شخص مات، أما كيف مات، ومن أطلق النار عليه، لا أحد يعرف. كانت هناك فوضى. وعندما يكون هناك مظاهرات فوضوية، يمكن لأي شخص أن يتسلل إلى المظاهرة ويبدأ بإطلاق النار في مختلف الاتجاهات ويقتل رجال الشرطة كي يدفعهم إلى الرد، أو العكس بالعكس”.

أنور رسلان وإياد الغريب

وعن أنور رسلان وإياد الغريب اللذين اعتقلا في ألمانيا، بعد اثبات عملهما في “الفرع 251” وقتل المدنيين تحت التعذيب، قال: “ليس لدينا وحدات تعذيب. وليس لدينا سياسة تعذيب في سوريا. لماذا نستخدم التعذيب؟ هذا هو السؤال، لماذا؟ هل هو وضع نفسي؛ لمجرد أنك تريد أن تعذب الناس بهذه الطريقة السادية؟ لماذا نمارس التعذيب؟ هل لأننا بحاجة إلى المعلومات؟! لدينا كل المعلومات. غالبية الشعب السوري دعمت حكومتها. ولهذا السبب مازلنا موجودين هنا منذ 9 سنوات رغم كل هذا العدوان من قبل الغرب ومن قبل البترودولارات في المنطقة العربية. هذا هو السبب الوحيد. وبالتالي، لماذا تعذب الناس، هذا هو السؤال. إنها ليست سياسة. إذا تحدثت عن حوادث فردية، فإنها مجرد حوادث فردية يمكن أن يقوم بها أي شخص بدافع الانتقام، أو لأي سبب آخر، ويمكن لذلك أن يحدث في أي مكان في العالم. لكن ليس لدينا مثل هذه السياسة، إننا لا نعتقد بأن التعذيب يمكن أن يجعل وضعنا أفضل كدولة، بمنتهى البساطة. ولذلك فإننا لا نستخدمه”.

غرايس 1

وعن ايقاف بريطانيا لناقلة النفط الإيرانية قال: “هذه قرصنة. هذه قرصنة من قبل نظام المملكة المتحدة، وهذا هو المعنى الجوهري لكلمة نظام، لأن النظام والقرصنة والعصابات هي أمور متشابهة. ثانياً، نعم، لقد أرادوا إلحاق الضرر بالناس في سوريا. لماذا؟ لأنه كان يُتوقع من أولئك الناس أن ينتفضوا ضد الحكومة خلال المراحل المختلفة من الحرب، لكنهم لم يفعلوا. كان يفترض بأن يقدموا الدعم للإرهابيين: المعارضة المسلحة المعتدلة، ملائكة الخوذ البيضاء، لكن الناس لم يفعلوا، بل وقفوا مع حكومتهم. ولذلك كان يجب أن يعانوا.. كان يجب أن يدفعوا الثمن. أرادوا تلقين الناس درسا بأنه كان عليهم تأييد أجنداتهم.. هذا أولا.. ثانياً، ربما كانت تلك القرصنة هي المحاولة الأخيرة لدفعهم للتحرك ضد حكومتهم. لكنهم حاولوا ذلك في الشتاء الماضي، حاولوا ذلك من قبل، ولكن ذلك لم ينجح، لأن الشعب كان يعرف القصة برمتها، ويعرف أين تكمن مصلحته”.

دي ميستورا

وصف بشار المبعوث الدولي السابق إلى سوريا بالدمية، قائلاً: “لا يمكن أن يكون في ذلك الموقع إذا كان حيادياً لأن الولايات المتحدة لا تقبل إلاَّ بالدمى فقط. هذا هو سلوكهم”. وتابع: “نعم (لقد صافحته). وطلب لاحقاً أن يجتمع بي، فرفضت. وبالتالي، نعم أراد أن يصافحني. هو كان ينفذ الأجندة الأميركية ربما بطريقة أذكى قليلاً، لكن ذلك لم ينجح، فقد كان منحازاً. ولذلك فشل”.

مسار جنيف

“إنها خدعة أميركية تقوم على أن يكسبوا بالسياسة ما لم يستطيعوا كسبه من خلال المظاهرات أولاً، ومن خلال الإرهابيين لاحقاً، وبالتالي تحقيق ذلك عبر العملية السياسية. ولهذا السبب مرة أخرى لم ينجح ذلك. لهذا فشلت جنيف لأنها كانت تهدف إلى إسقاط الحكومة عبر هيئة مؤقتة، ليس من المهم ما تسميتها.. ثم يأتي تغيير الحكومة سلمياً ويسيطرون على سوريا كما فعلوا في العديد من البلدان الأخرى. لذلك فشلت جنيف، ولذلك ذهبنا إلى سوتشي مع الروس. هذا هو السبب. سوتشي يحقق نجاحاً. أرسلنا الوفد الشهر الماضي وبدأوا الأسبوع الماضي بالتفاوض حول الدستور”.

وتابع: “الآن إذا تحدثنا عن جنيف هذه، فإنها فقط المكان، الجغرافيا، أعني أن العملية السياسية ما تزال عملية سوتشي. إنها سوتشي. لا يهم أين تُعقد هذه الاجتماعات، أو أين تبدأ المفاوضات، فهي في كل الأحوال سوتشي”.

النفط السوري

“منذ بدأ داعش بتهريب النفط السوري وسرقته في العام 2014، كان لديه شريكان: أردوغان وزمرته، والأميركيون، سواء كان ذلك من خلال السي آي ايه أو أطراف أخرى. وبالتالي، فإن ما فعله ترامب هو أنه أعلن الحقيقة فقط. إنه لا يتحدث عن أمر جديد. فحتى عندما بدأ بعض الأكراد يسرقون بعض النفط السوري، كان الأميركيون شركاءهم، فالقضية قضية مال ونفط، وهذا ما قاله ترامب مؤخراً. هذا ليس جديداً على الإطلاق ولا علاقة له بهذه المحادثات أبدا”.

“نحن بالطبع غاضبون، وكل سوري غاضب. بالتأكيد. هذا نهب، لكن لا يوجد نظام دولي، ولا قانون دولي، بصراحة هذا ليس جديداً، ليس خلال الحرب وحسب، فالأميركيون يحاولون دائماً نهب البلدان الأخرى بطرق مختلفة، ليس فيما يتعلق بنفطها أو أموالها أو مواردها المالية فقط، بل إنهم يسرقون حقوقها، حقوقها السياسية، وكل حقوقها الأخرى. فهذا دورهم التاريخي، على الأقل بعد الحرب العالمية الثانية. وبالتالي فإن هذا الأمر ليس جديداً، وليس غريباً ولا منفصلاً عن سياساتهم السابقة لكنه يتخذ أشكالاً مختلفة بين وقت وآخر. وهذا الشكل المتمثل في نهب النفط، هو الشكل الصارخ للسياسة الأميركية، أي نهب حقوق الشعوب الأخرى”.

تركيا

“في الواقع، العلاقة بين أردوغان والاتحاد الأوروبي علاقة باتجاهين؛ فهم يكرهونه لكنهم يريدونه. يكرهونه لأنهم يعرفون أنه إسلامي متعصب. إنهم يعرفون هذا، ويعرفون أنه سيرسل إليهم أولئك المتطرفين أو ربما الإرهابيين”.

وعن اللاجئين السوريين في تركيا “العديد منهم من سوريا، وهناك آخرون لا، بل أتوا من مناطق مختلفة في العالم وليس من سوريا فقط، لكن للحقيقة فإن الأكثرية سوريون. وهؤلاء ليس جميعهم متطرفين، وليست غالبيتهم إرهابيين. لأن معظم السوريين الذين غادروا إلى تركيا غادروا في الواقع بسبب الإرهاب في سوريا.. بسبب عمليات القصف التي كان الإرهابيون يقومون بها وما إلى ذلك. إذاً، لا يريدون أردوغان، وفي الوقت نفسه يخشونه. لكن من ناحية أخرى، إذا قلنا إن إرسال أولئك السوريين واللاجئين الآخرين خطر على أوروبا، فالأخطر من ذلك عليها هو دعم الإرهابيين في سوريا. هذا هو الجزء الأكثر خطورة. وبالتالي، فإن هذا نفاق، فكيف يمكن أن تخشى بضعة ملايين من الناس، أغلبيتهم معتدلون وبينهم بضعة إرهابيين، في حين تقدم الدعم لأولئك الإرهابيين بشكل مباشر، وهم بعشرات الآلاف، على الأقل، وربما مئات الآلاف في سوريا، ولا تخاف من عودتهم إلى بلادك”.

إدلب

“عسكرياً لن يستغرق الأمر طويلاً إذا بدأنا بتحرير إدلب، لكن ما نفعله، أو مخططنا، هو أن نعطي الفرصة للمدنيين للمغادرة، وهذا ما يحدث. لكنهم، في الواقع، لا يغادرون بحرية نحو مناطق الحكومة، بل يجري تهريبهم، أو لنقل أنهم يتسربون على شكل بضع عائلات كل أسبوع، لأنهم يمكن أن يُقتلوا إذا أرادوا المغادرة”.

“في الرواية الغربية، وفي وسائل الإعلام الغربية، وعلى مدى سنوات الحرب التسع كانت كل ضربة جوية سورية أو روسية لابد أن تكون موجهة ضد المدنيين والمرافق الإنسانية. للأسف، وطبقاً لروايتهم فإن رصاصنا وصواريخنا وقنابلنا تستطيع قتل المدنيين فقط، ولا تقتل المسلحين. هذا ما يحدث دائماً كما نرى. بالطبع لا، هذا مرة ثانية جزء من الرواية الغربية، وأعتقد أن مجرد مناقشة هذه الرواية ما هو إلا مضيعة للوقت. ومرة أخرى أقول إن هذا يتعارض مع مصالحنا. فمصلحتنا تكمن في قتل الإرهابيين من أجل حماية المدنيين، وليس ترك أولئك المدنيين والأبرياء تحت سيطرة الإرهابيين كي يُقتلوا من قبلهم”.

قوات سوريا الديموقراطية

“الأمر يتعلق باستعادة السيطرة الكاملة على الأراضي التي ينتقل إليها الجيش السوري ويُدخل معه الخدمات الحكومية. وبالتالي، يتم بسط السيادة الكاملة على هذه المناطق، لكن هذا الاتفاق فهو بخصوص انسحاب قوات سوريا الديموقراطية جنوباً لمسافة 30 كيلومتراً، من أجل نزع الذريعة من يد الأتراك لغزو سوريا”.

“لنقل إننا في مرحلة انتقالية، لأنهم سيحتفظون بأسلحتهم الآن، لكننا دعوناهم للانضمام إلى الجيش السوري. بعضهم رفض. لكن في الأيام القليلة الماضية قال بعضهم إنهم مستعدون للانضمام إلى الجيش السوري. وبالتالي، لا نعرف حتى الآن ماذا سيحدث، إلا أننا دعوناهم للانضمام إلى الجيش كي نعود إلى الوضع الطبيعي الذي كان سائداً قبل الحرب، عندما كانت هناك حالة من سيادة القانون وسيادة الدولة، ولا أحد غيرها”.

“قوات سوريا الديموقراطية لا تتكون من أكراد وحسب؛ بل إنها مزيج من الأكراد والعرب وآخرين. ثانياً، عندما نتحدث قوات سوريا الديموقراطية، فإن الأكراد فيها يمثلون جزءاً من الأكراد ككل. في حين أن أغلبية الأكراد كان لديهم علاقة جيدة مع الحكومة، وهذه الأغلبية من الأكراد تدعم الحكومة، إلا أن هذا الجزء المُسمى حزب الاتحاد الديموقراطي هو الذي دعمه الأميركيون علناً، بالسلاح والمال، وهرّبوا النفط معاً. معظم هؤلاء هم بصراحة عملاء للأميركيين، لا أقول كلهم كوني لا أعرفهم جميعاً. لكن سياستهم خلال السنوات القليلة الماضية تمثلت في دعوة الأميركيين للبقاء، والغضب عندما يريد الأميركيون الرحيل، والقول مؤخراً إنهم لا يريدون الانضمام إلى الجيش السوري”.

المدن

————————————-

بشار الأسد: أنا الرئيس/ غازي دحمان

على مدار سنوات الحرب الثماني، كثيراً ما كان بشار الأسد يختفي عن رادارات الإعلام، كان يغيب فترات طويلة، في وقتٍ كانت فيه سورية تكاد تكون حديث العالم بأجمعه، وشكّل هذا الغياب بيئة خصبة لظهور شائعات كثيرة عن إختبائه وهروبه وحتى موته، وكانت تنتهي هذه الشائعات بظهور خبر استقباله مسؤولا إيرانيا من الدرجتين الثانية والثالثة، أو حضور موفد للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، برتبة نائب لوزير الخارجية، أو زيارة أحد نواب البرلمانات الأوروبية من أصحاب التوجهات اليمينية المتطرّفة.

وأعطى التدخل العسكري الروسي، منذ نهاية عام 2015، زخماً إعلامياً للأسد، نتيجة كثافة ظهوره في مقابلات على الفضائيات الروسية، أو منابر الإعلام، من صحافة وتلفزيونات أوروبية، أو ما تسمى الشبكة الإعلامية التي اخترقها الروس في أوروبا، وقد اتضح، من تحليل هذه اللقاءات، أن الهدف منها كان، بدرجة كبيرة، رفد حملة بوتين الدعائية في روسيا وأوروبا، وإظهار مدى نفوذه في السياسة الدولية وقضاياها الساخنة.

غير أن بوتين نفسه سيشير للأسد، بعد فترة، بتخفيف ظهوره على وسائل الإعلام لضرورات

“كان أمر العمليات الروسي للأسد واضحاً: لا تظهر على وسائل الإعلام، كلما ظهرت تسببت بكارثة لنا”

سياسية، ففي تلك المرحلة، اعتقد بوتين أن السيطرة على سورية باتت خلف ظهره، وأنه لا بد من الانتقال إلى بناء هيكل للعملية السياسية التي ستثبت نفوذه في سورية والشرق الأوسط، وأنه على أعتاب مرحلة قطف ثمار تدخله العسكري، والذي ستتم ترجمته عبر تدفق تمويلات عملية الإعمار الذي ستغرف منه شركات ما يسمى رجال أعمال الكرملين، حتى التخمة، وراحت ماكينته الدبلوماسية تعمل ليل نهار من أجل إقناع الممولين بالنزول إلى سورية، وإقناع الحكام، وتحديداً العرب منهم، بإعادة احتضان الأسد، طالما أصبح أمراً واقعاً لا يمكن لأحد تجاوزه.

بالتزامن مع ذلك، كان أمر العمليات الروسي للأسد واضحاً وشفافاً، لا تظهر على وسائل الإعلام، فكلما ظهرت تسببت بكارثة لنا، وما تنجزه دبلوماسيتنا بمشقة وصعوبة لجعل العالم يستسيغك تدمره بكلمات فارغة، ولم تكتف روسيا بذلك، بل ذهبت إلى حد إعادة هيكلة الطاقم العامل في القصر الرئاسي، على مستوى المستشارين الإعلاميين، وارتأى الروس أن تكون أسماء الأخرس الواجهة الإعلامية لسورية، والاستفادة من حكاية مرضها بالسرطان والشفاء منه، لإظهار وجه آخر لبيت الحكم السوري غير بشار الذي لا يجيد إلقاء جملة كاملة من دون تعمده الاستفزاز والمناكفة.

لكن هذا ليس كل شيء، فالإدارة الروسية لعلاقات شرق أوسطية صعبة، وأوضاع سورية معقدّة، يلزمها بين حين وآخر إنطاق الأسد، وتلقينه قول أشياء لا يستطيع بوتين قولها مباشرة لخصومه وحلفائه في سورية، ولا بأس من ظهوره في مكان ما على جبهات سورية المشتعلة، لذا يصبح أمراً عادياً أن الأسد الممنوع من زيارة حلب فترة طويلة بأمر من بوتين، يزور جبهة إدلب، في وقت كان يخوض فيه بوتين مفاوضات صعبة مع نظيره التركي أردوغان، حول ترتيبات جديدة بعد العملية التركية، ثم يصف الأسد تركيا بالمحتل. ولكن يبدو أن روسيا شعرت بأنها رفعت السقف في وجه حليفها التركي، فطلبت من الأسد أن يرتب لقاءً مستعجلاً مع الفضائية السورية ليقول ما مفاده إنه يحرص على ألا تتحوّل تركيا إلى دولة عدو لسورية!

ولكن من الذي ما زال يتعاطى بجدية مع حقيقة أن بشار الأسد رئيس لسورية؟ حتى الأسد نفسه لا يصدق هذه الدعابة، وهو يدرك أن مرتبته انخفضت إلى أدنى من ذلك، مرتبة ليس لها توصيف لا في العرف الدبلوماسي ولا بالمنطق السياسي، فهو يعرف أنه لا يوجد رئيس دولة ذات سيادة يجري تسفيره على طائرة شحن، بالسر والتخفي، إلى روسيا وإيران، لمقابلة زعمائهما بدون حتى أن يصحبه موظف يكتب محضر اللقاءات، وهو يعرف أيضاً أن لا يوجد رئيس دولة تأمره مرافقة رئيس ضيف بالوقوف خلف الخط الأصفر على أرضٍ يفترض أنها تتبع لسيادته وتحت حكمه.

أما شؤون سورية الأخرى، الحرب والاقتصاد والسياسة، فباتت خيوطُها تجتمع في موسكو، هناك يجري الكرملين تفاهمات مع إسرائيل بشأن الأماكن والمواقع التي يحق للطائرات الإسرائيلية

“من الذي ما زال يتعاطى بجدية مع حقيقة أن بشار الأسد رئيس لسورية؟ حتى الأسد نفسه لا يصدق هذه الدعابة”

استهدافها، ويوقع الاتفاقيات مع تركيا بشأن المساحات التي يمكن للجيش التركي دخولها لمطاردة حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، ويتفاهم مع ايران وتركيا عن الترتيبات السياسية القادمة في سورية من دستور وانتخابات وسواها، بل يذهب الكرملين إلى أبعد من ذلك بإجراء الإتصالات مع الدول العربية، من أجل فتح سفاراتها وإعادة علاقاتها مع نظام الأسد. وفي الغالب، يجري إبلاغ الأسد ونظامه بعد انتهاء الإجراءات والترتيبات، وغالباً عبر موظفين في وزارة الخارجية الروسية.

أنا الرئيس، يحاول بشار الأسد، بين فترة وأخرى، تذكير المقرّبين منه، والمحكومين باسمه، حتى لا ينسى هؤلاء هذه الحقيقة، وهم يرون تأكل صورته وسطوته، لا يتمالك نفسه، يظهر متوتراً نزقاً، يتكلم خارج النص، فلم يعد يملك ما يثبت أنه الرئيس إلا إذا شتم واستفز، يفعل ذلك وهو يدرك أن ثمّة رياحا ستهب عليه قريباً وتطيحه، فقد تراكمت معطيات ومؤشرات عديدة على أن بوتين، وحينما ينتهي من إجراء الترتيبات اللازمة لتثبيت وجوده في سورية، سيختتم هذا الفصل بتغيير بشار الأسد، ما دام ذلك سيشكل عتبة للانتقال إلى مرحلة قطف ثمار تدخله، فقد انتهى بوتين من هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية، وها هو يفرض على الأسد الالتزام باللجنة الدستورية ومخرجاتها، وكل ذلك يرفع من درجة توتر الأسد الذي بات يصرخ أنه الرئيس، بعد أن نزل في واد سحيق.

العربي الجديد

—————————————–

كيف يغدو بشار الأسد رمز المرحلة ومُلهمها؟/ حازم صاغية

الرئيس السوري بشار الأسد هو اليوم منتصر – مهزوم. انهزم بقواه لكنه انتصر بقوى غيره. معنى ذلك أن سلطته، فضلاً عن فقدانها الشرعية، فقدت بذاتها القدرة على البقاء، لكنها وجدت في إيران وروسيا الطرف الذي يجعل الصناعي طبيعياً، ويفرض الخارجي داخلياً.

الحالة التي يمثلها الأسد لا تغدو حالة معممة، وربما مُثلى، إلا إذا هُزمت الثورات والانتفاضات في لبنان والعراق وإيران. الأسد نفسه يصبح، والحال هذه، رمز المرحلة ومُلهمها.

في لبنان، بات واضحاً أن النظام الطائفي والزبوني آيل للسقوط، أو على الأقل، غير قادر على الاستمرار من دون تقديم بعض التنازلات الجدية في الاقتصاد والقوانين والقيم. الحكومة استقالت. جلستا البرلمان لم تُعقدا. عروض رئيسي الجمهورية والحكومة سبق أن رُفضت وتكرر فضها. محاولة تسليم رئاسة الحكومة لمحمد الصفدي أُجهضت قبل أن تولد. النقابات بدأت تنتصر للثورة. المصارف باتت، في التداول الشعبي، اسماً يرادف اللصوصية. الجيش لم يعد على وفاق تام مع السلطة السياسية. مقاومة «حزب الله» كفت عن أن تكون مفتاح المصير الوطني وبوابة المستقبل… وقبل كل ذلك، وبعده، لم تعد الطائفية الفلسفة التي تحكم البلد وتصاغ على ضوئها معايير الحكم والنفوذ. لقد ظهر منافس قوي لها لم يعد من السهل تجاهله. أما النظام الاقتصادي الحالي فبات واضحاً أنه لا بقاء للبنان من دون تعديله الجذري.

بلغة أخرى، أضحت كل محاولة لاستعادة لبنان القديم قسرية ومفتعلة، وبمعنى ما مضادة للطبيعة.

في العراق، وبفعل ثروة البلد، تحضر الظاهرات اللبنانية الرديئة مضروبة بألف. الفساد والسرقة وبطالة الشبيبة جعلت خسائر الاقتصاد العراقي بين 2003 واليوم تُقدر بـ450 مليار دولار. صلة التبعية لإيران تلعب دوراً مفتاحياً. يكفي هذا المثَل الذي يضربه الزميل قاسم البصري في موقع «الجمهورية»: «يعتبر العراق اليوم السوق الأول لتصريف المنتوجات والسلع الإيرانية، وتحديداً الرديء منها ومنخفض السعر، وذلك على حساب الصناعة العراقية المحلية التي لم تتمكن من منافسة المنتَج الإيراني، الأمر الذي دفع مُلاك أربعة آلاف معمل لإغلاق أبواب معاملهم، وتالياً خسارة 50 ألف عراقي لعملهم». بدورها، سبق للوثائق المسربة لـ«نيويورك تايمز» أن كشفت مدى التحكم الإيراني بساسة العراق، ومدى تسلط قاسم سليماني تحديداً عليهم.

هذه التركيبة تترنح ويواجهها انسداد مُحكَم. ممثلوها، خصوصاً رئيس الحكومة، ما زالوا يتشبثون بمواقعهم في السلطة، ويمنحون أنفسهم مهلة الـ45 يوماً للإتيان بمعجزات! شبان العراق يعلنون، ببطولة استثنائية، عدم قابلية أوضاع كهذه للحياة، ويبذلون الدم لقاء ذلك. النظام يمضي في قتلهم بأدوات لا تقتصر على قنابل الغاز المسيل للدموع. موتهم شرط لحياته.

في إيران، السلطة ليست متصدعة. الاقتصاد متصدع. إيران انتفضت في 2009 و2017 ثم انتفضت قبل أيام. المرشد علي خامنئي لام «أعداء الثورة» وقطع الإنترنت عن البلد. إنه الخنق بعتم وبصمت.

علي فاتح الله نجاد، الباحث في معهد بروكنغز، يقر للنظام بأنه، خلال أعوامه الأربعين، وسع البنية التحتية والخدمات الأساسية في الريف، ضداً على التمركز المديني لسياسات الشاه. الكهرباء ومياه الشرب والتقديمات الصحية والتعليمية خارج المدن الكبرى أدت إلى انخفاض في الفقر. هذا لا يلغي، وفقاً للأرقام الرسمية، أن 12 مليوناً يعيشون اليوم تحت خط الفقر المطلق، وما بين 25 و30 مليوناً تحت خط الفقر. ثلث الإيرانيين وما بين 50 إلى 70 في المائة من العمال مهددون بالهبوط إلى سوية طبقية أدنى. 14 في المائة من جميع الإيرانيين يعيشون في خِيَم. ثلث سكان المدن يقيمون في مدن الصفيح.

العقوبات الأميركية تلعب دوراً مؤكداً في التضييق على النظام، مع هذا فالاقتصادي الإيراني حسين راغفار قدر، العام الماضي، أن تأثيرها لا يتعدى نسبة 15 في المائة. الباقي نتاج سياسات نيوليبرالية متراكمة ومشوبة بفساد ومحسوبية فلكيين. ففي إيران يتسع العجز عن خلق فرص عمل جديدة، وتتنامى نسب البطالة، لا سيما بين الشبيبة وخريجي الجامعات حيث يتراوح العاطلون عن العمل بين 25 و40 في المائة. البلد، بالتالي، أحد أكثر بلدان العالم في بطالة الشبيبة، وفي الفساد، هذا فضلاً عن أزمة الشرعية السياسية التي ظهرتها «الثورة الخضراء» في 2009 رداً على انتخابات مزورة.

المنظومة، إذن، ليست بخير. بقاؤها على قيد الحياة بات يستدعي تعفناً يستلهم كوريا الشمالية، مصحوباً بتصعيد في شعارات النضال والمقاومة والصمود. بقاؤها على قيد الحياة يستدعي رفع بشار الأسد إلى سوية القائد التاريخي الملهم!

الشرق الأوسط

—————————–

عندما ينسى الرئيس أنه رئيس/ رشيد الحاج صالح

يعوّل المعالجون النفسيون كثيرًا على حديث مُراجعيهم عن أنفسهم؛ لما لهذا الحديث من دلالات تكشف دواخلهم وما يدور في أذهانهم من أفكار ومتاعب. الإيجابية الثانية لحديث المراجعين عن أنفسهم أنهم يشعرون براحة كبيرة بعد تعبيرهم عن مخاوفهم ومشاعرهم، وكأن هناك أحمالًا ثقيلة أزيحت عن أكتافهم.

باختيار بشار الأسد لقناتَين محليتَين للحديث إليهما؛ يكون قد قرر التحدث مع نفسه. قناتا (السورية) و(الإخبارية السورية) مجرد أذرع إعلامية لبشار الأسد وفروعه الأمنية، وهذا يعني أن اللقاء سيكون أشبه بحديث بين آمر ومأمور، وفي أحسن الاحوال، بين مدير مدعوم وموظفة بعقد مؤقت. هكذا أطلق الرئيس السوري العنان للتعبير عن نفسه بأريحيه واضحة، حتى إنه استهل لقاءه بمحاوريه بأمرهم أن يكونوا صريحين في أسئلتهم، في إيحاء بأنه حتى لو كانت هناك أسئلة جريئة فإنه هو الذي أمر بتلك الأسئلة، على الرغم من أنه في مأمن من أي إحراج كالذي تعرّض له ترامب، الرئيس الأميركي المفضل عند بشار الأسد.

أهم نقطة يكشف عنها الحوار هي أن بشار الأسد لم يرغب في أن يتحدث بوصفه رئيسًا، لتجنب إحراجات غياب دوره في أهم حدثين شهدتهما سورية في الآونة الأخيرة: دخول القوات التركية إلى شمال شرق سورية، ومقتل أبو بكر البغدادي في إدلب.

بالنسبة إلى الحدث الأول، قال الأسد إنه بيد الروس وهو ينفذ ما يطلبونه منه، كما أنه يثق بهم ثقة عمياء، حتى إن المرء يخال نفسه أنه أمام متحدث رسمي باسم الكرملين، يشرح سياستهم ويؤكد صواب رؤيتهم. نسيان الرئيس لنفسه بلغ حدًا بعيدًا إذ إنه لا يرى أي حرج عندما يتحدث بأن التنسيق الروسي مع تركيا يتم دون أن يعود الروس له في أي تفاصيل ودون أن يطلبوا موافقته، هم يقررون ولكنهم -والحق يقال- يخبرونه بما يقررونه. وهذا يكفيه على أي حال. لم يبدُ على الرئيس السوري أي قلق من أن علاقات روسيا مع كل من تركيا و”إسرائيل” هي أهم بكثير من علاقتها معه.

أما بالنسبة إلى عملية قتل البغدادي، فقد فضّل بشار الأسد أن يتعامل معها بالطريقة الشعبية المعروفة التي تحاكي وضع النعامة لرأسها في التراب عند حدوث الأخطار. حيث شكك في العملية، وسخر منها، ثم  أنكر -بكل بساطة- أي علم له بها. اللافت للانتباه أنه أنكر أي علم له بالعملية، وهو يحاول إخفاء ابتسامته، دون أي حرج من أنه يتحدث عن جهله بعملية عسكرية كبيرة تحدث على أرض يعد نفسه المسؤول عنها أمام شعبه وأمام الأمم المتحدة. السؤال المحرج هنا: لماذا لم يخبره الروس بوجهة الطائرات الأميركية التي ذهبت إلى إدلب، على الرغم من أن الأميركان أخبروهم، وطلبوا منهم عدم التعرض لتلك الطائرات؟!

تتوالى التصريحات التي ينسى فيه بشار الأسد أنه رئيس، ومنها إعجابه بصراحة ترامب، ووصفه للرئيس الأميركي بأنه “أفضل رئيس أميركي”، الرئيس الذي يحتل جزءًا من الأراضي السورية، في الجنوب والشمال، والذي بارك للإسرائيليين بالجولان، في آذار/ مارس الماضي. والذي وصف بشار نفسه في أحد تصريحاته بـ “الحيوان”. دون أن يعلم بشار الأسد بأن صراحة ترامب الفجة، التي تعجب بشار الأسد، تعود إلى أن ترامب ينتهج هذه الطريقة، لاعتقاده أن دول الأنظمة العربية -ومنها نظام بشار- أضعف مما كان يعتقد الرؤساء الأميركيون السابقون، وبالتالي من الطبيعي أن يدفعوا ثمن ضعفهم.

بشار الأسد معجب بـ “شفافية” ترامب؛ لأن الأخير قال إنه أكثر ما يهمه في المرحلة اللاحقة هو السيطرة على النفط السوري، من دون أي حديث عمّا يمكنه أن يقوم به لمحاولة استعادة هذا النفط، ولو على مستوى التصريحات الإعلامية. طبعًا نسيان بشار الأسد لهذا النفط يعود إلى أنه كان قد تركه لـ (داعش) و(جبهة النصرة) في عام 2013، ثم سيطر عليه حزب الاتحاد الكردستاني، بعد طرده (داعش). وهذا يعني أنه يتحدث عما ليس له، وما ليس له ليس سوريًا، وبالتالي نسي بشار الأسد أن هذا النفط سوري، لأن ريعه لا يدخل في جيبه. أما في جوابه عن كيفية “الرد” على هذا الاستلاء الأميركي على النفط السوري، والأعمال العدائية لأميركا على سورية عمومًا، فكان الجواب واضحًا: يجب معالجة الأسباب “السوريين العملاء”، وترك الأعراض “أميركا” لوقت لاحق. وهذا يعني بلغة حسن نصر الله أن الطريق إلى إخراج الأميركيين من سورية يتم بمحاربة السوريين العملاء. وهم بالملايين من منظور الرئيس الذي نسي أنه رئيس.

الرئيس الذي نسي أنه رئيس لم ينسَ دوره في الملفات السياسة بل أيضًا على مستوى الوضع الاقتصادي وملفات الفساد. هنا يستمر بشار الأسد أيضًا في لعب دور المعلّق الرياضي الذي يتحدث عن المباراة ويحللها، ويشير إلى أخطاء اللاعبين والمدرب، ولكنه ليس له علاقة بالأمر، ولا يتّحمل أي مسؤولية عن نتيجة المباراة. فالفساد يعود بالدرجة الأولى إلى “القوانين” من دون أن يذكر أن غالبية القوانين وضعت في عهده، ويشير إلى فساد كبار الموظفين من دون أن يذكر أنه ليس لمسؤول كبير أن يعيّن دون أن يدفع أو ينال رضا قصره الجمهوري.

على الرغم من إلحاح المحاورين على الوضع المعيشي الصعب للسوريين، فإن الرئيس السوري نسي تقديم رشًا للسوريين “زيادة رواتب” كما يحدث من حين لآخر، وهذا النسيان الأخير يبدو أنه أكثر ما يزعج السوريين، لأنهم نسوا أدواره السابقة قبل أن ينساها هو.

جيرون

————————————-

ماذا أنقذت روسيا في سورية؟/ ميشيل كيلو

ـ بدأ الأسد حربه على سورية، وفيها ثلاثة وعشرون مليون مواطنة ومواطنا يطالبون بحقهم في الحرية. واليوم، لم يبق فيها مواطن واحد لا يخشى على حقه في الحياة. خلال هذه الحرب، طرد “جيش الأسد العقائدي” نصف السوريين من وطنهم، ورحّل ربعهم داخله، واحتجز الربع الباقي كرهائن لدى مخابراته، ليكونوا طعاما للمدافع وضحايا للاعتقال والقتل تعذيبا وجوعا.

ـ وكان السوري العادي يعيش على حد أدنى من الدخل والخدمات قبل الثورة، فصار، بحرب الأسد الإرهابية عليه، يعيش من دون دخل أو خدمات، وأي دخلٍ أو خدماتٍ يمكن للسوري الحصول عليهما، إن كان بلا عمل، وكانت الحرب الأسدية قد دمرت اقتصاد سورية، وأخرجت مؤسسات الماء والكهرباء والمشافي من الخدمة، وأنزلت 90% من أسرى السجن الأسدي إلى ما دون خط الفقر، حسب الأمم المتحدة، بينما استولى الأسد وعصابات لصوصه وقتلته على القروش القليلة التي يسمونها راتبه أو أجره، وبالكاد تكفي لدفع إيجار غرفة صغيرة في قرية. بينما الطبقات الوسطى، بما يعرف عنها من ميل إلى الادّخار، فأنهت بيع ما فوقها وما تحتها من دون أن توقف انحدارها إلى مهاوي البؤس والحرمان، فما عساه يمكن القول عما جرى للفئات العاملة، والفقيرة، والعاطلة من الشباب في المدن والأرياف، حيث لم يعد هناك سعر لقوة العمل، لأنه لم يعد هناك عمل؟

ـ مقابل إفقار الشعب وبؤسه، نمت وازدهرت صناعة التشبيح، وغدت منجما أسديا ذهبه لقمة شعب تقتحم منازله، ويتعرّض للتنكيل على حواجز “الجيش العقائدي” التي حولت شبيحته، الذين لا يستهان بعددهم، من متسولين إلى أصحاب ملايين، خلال أيام أو أسابيع من “خدمة الوطن”، بما انتزعوه يوميا من “إخوتهم” الإرهابيين، واستولوا عليه من ممتلكاتهم، خصوصا إن كانوا “دسمين”، واعتقلوا للحصول على “فدية” بعشرات آلاف الدولارات في مقابل عدم إرسالهم إلى الموت في سجون الأفرع، أو امتدت مكرماتهم إلى نساء ضحاياهم، أو بيوت هؤلاء الضحايا أو سياراتهم، وباعوهم إياها بالمبلغ الذي يحدّدونه، تبرعا منهم للحرب الأسدية على الإرهاب!

– بحلول اقتصاد التشبيح محل الاقتصاد الوطني، ورعايته من شبكات مترابطة تغطي سورية، بعناية روسية / إيرانية، تخلقت دولة إجرام منظم، جعل ازدهارها انهيار المجتمع حتميا، وكشف نقل ما يمتلكه السوريون إلى لصوص “مملكة الحواجز والسجون العميقة”، هوية دولة الأسدية الحقيقية التي كانت مخبأة وراء أكاذيب “الوحدة والحرية والاشتراكية”. لذا لمّا علم معظم السوريين أنها لم تكن يوما غير أخوية إجرام، نسق حافظ الأسد بالأمس، وينسق ابنه اليوم، خروجها على القانون وعداءها دولته، وتدمير دولة سورية ومجتمعها، فماذا سيفعل الروس، عندما ستحين ساعة الحل، وسيكتشف الأسد أن بقاء نظامه في صوره الراهنة محال، وعليه الاستقواء بإيران لمواجهتهم؟ كيف سيتخلصون من “عصابات” تمسّكوا بشبيحتها بحجة “الحرب على الإرهاب”، لن تقبل نظاما ليست إرادتها قانونه، ولا يكمن اقتصاده في مد أيديها إلي جيوب السوريين وأرزاقهم، بعد أن جعلتهم حرب الأسدية على الإرهاب سارقي لقمة أطفال، صوبت مسدساتها إلى رؤوس أمهاتهم وآبائهم، فهل يدرك الروس أن هؤلاء هم اليوم “مؤسسات الدولة”، التي غزوا سورية لإنقاذها، وأنه سيكون عليهم قبول بقائها وحمايتها مقابل بقائهم في مزرعة مشتركة اسمها سورية. أنقذوا زعيم قتلتها من ثورة حرية، مكافأة له على استجارته بجيشهم ودعوته هذا الجيش إلى احتلال سورية، وللفتك بشعبها وإجباره على الدخول من جديد في طاعته، بالمصالحات والهدن، وإلا فبالقنابل الفراغية والارتجاجية والفوسفورية!

… مع ذلك، يجد الأسد في نفسه من الوقاحة ما يدفعه إلى الحديث عن انتصاره ، بينما يزعم بوتين أنه غزا سورية لإنقاذ “دولتها”!.

العربي الجديد

————————

بشار مسترجعاً أباه/ عمر قدور

منذ خمسة أيام، وبما يتجاوز ردّ ذلك إلى المصادفة، تواردت أخبار من قبيل تعليق صورة بشار الأسد على واجهة القصر العدلي في حماة مرفقة بلقب “القاضي الأول”. التلفزيون الرسمي استضاف “شاعراً”، يكتب النظم التقليدي المقفى، وبيده ديوانه الذي يحمل غلافه صورة بشار الأسد. بينما انتشرت صورة منحوتة ضخمة بالطول الكامل لبشار، وهو يرفع يده اليمنى أعلى بقليل من التحية النازية المعروفة، من دون أن ندري أين ستوضع المنحوتة التي أُنجزت للتو.

سيُتوّج ما سبق بقرار زيادة الرواتب الذي أصدره بشار قبل يومين، لتبدأ الماكينة الإعلامية بعملها المعتاد وتصوّر القرار كأنه مَكْرمة شخصية منه، بصرف النظر عن قيمة الزيادة التي لا تصل إلى ما يعادل ثلاثين دولاراً وفق أسعار الصرف الحالية، وأيضاً بصرف النظر عن أن الزيادة “ككل الزيادات الشبيهة” تعكس تضخماً سابقاً ولاحقاً وتدهوراً في القيمة الحقيقية للدخل. بالتزامن، لا يأتي بلا قرار مركزي التركيزُ على وسم بشار بـ”أبو حافظ”، فالنَظْم الذي ألقاه الشاعر المذكور على شاشة التلفزيون يبدأ بمديح حافظ الأسد كصاحب رسالة يستكملها بشار، ومن المرجح أن التركيز على الاستمرارية لا يستهدف الآن تعويم حافظ الحفيد كوريث للسلطة.

في السنوات الأولى لعهده، وبسبب مطالبات الناس برفع الأجور، خرج بشار ليتحدث عن ربط الأجور بالإنتاج والتنمية، وقال حينها أن أي رفع للأجور لا يستند على وفر وتمويل حقيقي سيكون بلا فائدة. رغم تلك التوضيحات، لم يمضِ وقت طويل حتى فهِمَ هو الأرباح التي يمكن أن تُجنى من التضخم، وعاد إلى سياسة أبيه الاقتصادية في ما يخص تمويل العجز بالتضخم. مقارنة اليوم بالأمس أكثر كارثية مع اقتصاد مدمر، وبنية خدمية وإنتاجية متهالكة، فضلاً عن الديون المستحقة التي تطالب بها طهران وموسكو، إلا أن إعادة إنتاج الأسدية الأولى تظهر الملجأ الوحيد أمام جمهور المؤيدين المتضررين.

كانت الألقاب قد أُسبغت بسخاء على حافظ الأسد، فهو المحامي الأول والمعلم الأول والفلاح الأول… هو الأول على الإطلاق وفي جميع الميادين. تلك الكاريزما التي صُنعت له لم تفقد مفعولها حتى الآن، أو هذا ما يطفو على السطح، فالعقد الضمني والعلني بين بشار ومؤيديه يستند إلى الأسدية التي أرساها الأب ما لم يثبت هو تفوقاً يتقدّم بتلك الأسدية. مع انطلاق الثورة، كانت اللافتات الأكثر شيوعاً في الساحل السوري هي تلك التي تعلن التأييد، أو تحض عليه، لمن يوصف بالغالي ابن الغالي، وبعضها صريح في إظهار التأييد وفاءً للأب. في أمكنة سورية أخرى، يمكن القول أيضاً أن الجمهور المعادي للتغيير يستند وجدانه إلى أسدية الأب التي ربما لم يدرك غيرها، ورغم شظف العيش في ظلها بقيت تمثّل صورة الاستقرار والأمان، مع كل ما لصورة الأب البطريركية من أثر نفسي جمعي.

كان المطلوب من بشار، بخلاف الصورة التي حاول ترويجها عن نفسه من قبل، أن يبطش بمعارضيه على منوال الأب. الحق أنه فعل ذلك وأكثر، وأثبت في العديد من المناسبات “وقد تعمد ذلك” وحشية منقطعة النظير، ومارس الإبادة أحياناً من أجل الإبادة، وخرج مرات ليعلن مسؤوليته الكاملة، وكان مفهوماً أنه يريد إثبات كفاءته لجمهور مؤيديه، بل يريد القول أنه يبزّ أباه على هذا الصعيد.

لكن شخصية حافظ الأسد، وآثارها الرمزية الباقية، تبقى هي الملجأ والحصن الذي يعود إليه كلما بان المآل المتهافت. تحقيق النصر، بواسطة الحليفين الإيراني والروسي، ليس وحده الذي كشف تهافت النصر، وإنما فوقه الكلفة الباهظة التي تجعل من أيام الأسد الأب فردوساً مفقوداً على صعيد العيش للطبقات الفقيرة من المؤيدين. لا عزاء يقدّمه بشار لهؤلاء سوى أنه ينتمي إلى فردوسهم، وأنه ابن أبيه، يفعل ما كان يفعل الأب، ويتقمص شخصيته من جديد. إنه أبو حافظ الذي يتغنون به، وهو على مسيرته ذاتها؛ القاضي الأول والفلاح الأول… إلخ. إنه يكرر لهم الماضي الذي يحبون، بتفاصيله التي اعتادوا عليها أو أدمنوها، وعليهم هم الذين تعلقوا بالماضي دفع ثمن العيش مرة أخرى فيه.

في الأصل كانت الثورة تعبيراً عن وصول الأسدية إلى مأزقها ونهايتها، وهي الدلالة ذاتها التي وجدت في كافة الثورات العربية من انطلاقها. عدم اعتراف مؤيدي بشار بهذا الواقع، وتلك الأصولية الأسدية المعممة لدى شريحة لا يُستهان بها، يعكسان في جزء صغير منها المصالح المباشرة الفاحشة، في حين تتراكب الاعتبارات لدى الفئة الأوسع التي لم تستفد منها سابقاً وتدفع ثمن بقائها وتكرار زمنها القديم.

لقد كان الأبد الأسدي، متعيناً بالاستبداد ثم توريثه، بمثابة خروج عن الزمن العالمي العام. ذلك الأبد طبخه حافظ الأسد على مدار ثلاثة عقود، وعلى نار هادئة لم تنغصها ثورة على النحو الذي شهده الوريث. لا بسبب حنكته، وإنما لأن المرحلة كانت مواتية في العديد من دول المنطقة، نجح الأب في مشروعه. استرجاع الأب، عبر تقمصه، لن يعيد زمناً نرى يومياً كيف انقضى في عموم المنطقة، ولو كانت الإمكانيات العسكرية والمخابراتية متوفرة أو فائضة عن اللزوم.

ما يجمع صورة بشار وتمثاله والنظم المكتوب في مديحه تلك الرداءة الفنية الفاقعة، ليبدو كأنه كاريكاتير عن أبيه ليس إلا. هذا الفقر غير ناجم فحسب عن فقر أساسي في المخيلة الأسدية، وإنما أيضاً ناجم عن إفقار البلد إلى حد تظهر فيه الأسدية عارية إلا من ذاتها. في زمنها الأول، كانت تتعايش مع الأسدية مختلف الكفاءات، وكان ثمة هامش ليطور أفرادٌ كفاءاتهم بمعزل عنها، ومن دون أن يكونوا معها أو ضدها. حتى إذا استثنينا ذلك النوع من الكفاءات الذي يتطلب هامشاً بسيطاً من الحرية، شهدت البلاد نزيفاً عاماً من الكفاءات ولو هروباً من العنف وعدم الاستقرار، أي بلا قناعات سياسية واضحة، وهذا الإفقار يصيب الأسدية وأدواتها بخلاف تبجح رئيسها عن المجتمع المتجانس، وبلا شك فإن مقتل مئات آلاف الشباب ممن هم في ذروة طاقاتهم يحتاج تعويضه إلى مرور أكثر من جيل.

لأصحاب الغرائز الدموية يستطيع بشار ارتكاب مجازر لا هدف لها سوى تفريغ شحنات الحقد الأعمى، على مثال قصف مخيم قاح للاجئين على الحدود التركية. وللشريحة الأعم يلبس عباءة أبيه ليوهمها بأن الأسدية تسترجع عافيتها، بتماثيلها وصورها ونظّاميها الجدد. مشكلته لن تكون فقط في استحالة إعادة الزمن إلى الوراء، بل أيضاً في استعادته بأدوات ومقدرات ركيكة تجعله مبتذلاً وهزلياً، ليظهر أصغر بكثير من عباءة يتوهم عدم انتهاء صلاحيتها.

المدن

——————–

ليس في السيرك السوري حيوانات/ أحمد عمر

سيكون وقوف السوري يوماً أمام صندوق الانتخاب، وهو الصندوق السيادي الأكبر، وليس أمام صندوق الاستفتاء السحري، حدثاً سورياً كبيراً وفاتحة تاريخ جديد.

مكرمة الأسد الأب، وكل سيرته مكارم الأخلاق، أنّه جعل السياسة ديناً، ومن نفسه وثناً، ومن ذلك قول الأسد الابن – وفرخ الوثن صنم – إنه لن يقبل دستوراً مصنوعاً في جنيف، وإن الدول الغربية التي حاربته، تحاول التغييّر بلسان السياسة عما عجزت عنه بأنياب الحرب. ولو حاربته حقاً، لدعمت المعارضة بصواريخ مضادة للطيران، أو لأسقطت طائرات الأمم الكثيرة ذات الحصانة بعض الخبز والملح على المدن المحاصرة، وهو أدنى من دعم المعارضة بالسلاح، وقال إنه لن يقبل إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة، مع أن سوريا عضو في الأمم المتحدة. 

“الحرب هي ممارسة السياسة بوسائل أخرى” أشهر أقوال المُنظّر العسكري الألماني كارل فون كلاوزفيتز، وكان يقصد الحروب بين جيوش الدول، ولم يكن يخطر له أن الحرب قد تجري بين الدولة وشعبها، كما نرى في سوريا ومصر، أما ليبيا فقد تحولت إلى دولتين، ويمكن قلب القول في البلاد العربية الجمهورية، إلى أن السياسة كانت وسيلة حرب على المجتمع، السياسة كحرب باردة لم تتوقف يوماً على الشعب السوري، وقد نضجت إلى حرب ساخنة استمرت تسع سنوات.

موعد الانتخابات السورية يقترب، فالسنون تتلاحق، وكل غرض الدستور المزمع صناعته في جنيف بقيادة المايسترو بيدرسن هو الوصول إلى السياسة بعد الحرب، وإغراء الأسد بالخروج من الكرم الذي امتلأ بالضواري، وبلوغ ذلك الصندوق الذي جعلته الأنظمة الحاكمة سحرياً، يحلم المواطن بليلى، فلا يخرج منه سوى الذئب وعلى أنيابه آثار الدم.

وكان الانتخاب، أو الاستفتاء، وهو ليس نصف انتخاب، إنما هو قربان المواطن للوثن، موصوفاً دوماً في إعلام الدول العربية الجمهورية بالعرس. مصر ترتد إلى الحالة السورية، فسيناء تعادل جسر الشغور، ورابعة تعادل حماة في الثمانينيات، وسوريا لم تبلغ بعد سنّ مصر السياسي الذي انتكس، وإذا عدنا إلى لغة العرس والزواج والطلاق فإن إرسال الأمم المتحدة مراقبين يشبه إرسال حكم من أهل الزوجة وحكم من أهل الزوج، وقد أهرقت الدماء من أجل نزاهة الانتخاب، ولن يحتل بضع مئات من المراقبين الأمميين سورية في أسبوع، ويمكن للرئيس السوري أن يتحدى العالم  بأنه سيجريها تحت إشرافها، وسيفوز أيضاً بالعروس التي قاتل في سبيلها الدنيا، ما دام الناس يشكّون في نزاهة الرقابة السورية.

قدّمت الأمم المتحدة المساعدات الانتخابية لأكثر من 100 دولة بعد انتخابات ناميبيا، التي أشرفت عليها قبل ثلاثين سنة، من غير أن تشعر هذه الدول بالذل أو نقصان السيادة، ومنها المستشارون إلى اللجنة المحلية للانتخابات العراقية سنة 2005، ولم تمارس الدور الإشرافي التنظيمي في هذه الانتخابات، سوى في حالتين، هما في انتخابات كمبوديا سنة 1992 – 1993، وتيمور الشرقية لسنة 1999 – 2002، وعملت الأمم المتحدة على تنظيم الانتخابات الوطنية وإجرائها بعض الأحيان كما في نيكاراغوا عام 1990، وأنغولا في عام 1992، وجنوب أفريقيا في عام 1994، التي تحققت فيها من نتائج الانتخابات.

السؤال: لماذا يمتنع الأسد عن قبول إشراف الأمم المتحدة وهو يستطيع أن يفوز فيها؟ وبيت الأسد مليء بالعظام ورأس الثعلب مليء بالحيل؟ مثل حيلة استعمال الفلاتر، بمنع مرشحين مستقلين قادرين على الفوز، أو منع مرشحين قادرين على الوعد بزعامة سياسية، أو برشوة من استطاع النظام إليهم سبيلاً من المراقبين، فسيكون بينهم مراقبون من الدول الموالية مثل الصين، إيران، روسيا المحترفة بالغش الانتخابي، لا سيما أن السيادة السورية في طور الاسترقاق.

لم تبلغ سوريا مرحلة القبول بمرشح أكبر من وزن النملة السورية، مثل حمدين صباحي، أو مرحلة عدلي منصور، وحجمهما أكبر من نملة، والإعلام قادر على النفخ بالسليكون أو تخفيف الأوزان إلى درجة جعل الزعماء جلداً على عظم، والفيل السوري قبِلَ بمنازلة مرشحين من وزن النملة في سنة 2014، كما أن الفيل السوري يحظى بحظوة أخرى، وهي أن نصف الشعب السوري المعارض قد نزح، ولن يشارك في الانتخابات، وأن شعبه الذي صمد في البلد متجانس، والخوف يصنع التجانس أكثر من النزوح. بالأمس قصفت إسرائيل دمشق، وزعمت دمشق أنها ردت عليها، ورأينا بعض الألعاب النارية في السماء، وكانت قناة العربية تسعى إلى إقناعنا بأنها ردتْ، وإنّها دولة مقاومة، والحرب كانت في سبيل الحصول على أصوات المنتخبين الإسرائيليين، فالحرب، غالبا، أحد أكبر المصوّتين في الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، وسبب رفض الرئيس السوري الإشراف الأممي، هو رفض القبول بفكرة تعدد الآلهة السياسية.

عودٌ إلى الصناديق الانتخابية التي قد يقف السوري أمامها يوماً فيهمس في أذنه بصوته وكأنه يأمر بقصف القصر الجمهوري، قد نرى يوماً عدلي منصور سورياً، أو نعود إلى مرحلة أحمد الخطيب، أو حتى مرحلة محمد مرسي المصرية، وهو ما تستطيعه الأجهزة السورية العتيدة، لكن الأسد وثن، وسوريا أمست دولة وثنية، دليل ذلك حبّ النظام للأصنام، أول ما فعله الأسد في الرقة هو إعادة صنم والده إليها، ولن يقبل حتى بالآلهة المساعدة التي تقربه إليه زلفى، وهو سبب كثرة ضحايا الثورة السورية مقارنة بضحايا المظاهرات العراقية أو اللبنانية أو الجزائرية، فالعراق بلغ تلك المرحلة، ولبنان هو كذلك من يوم أن عرفناه، والجزائر وثنها شبه ميت، والمؤسسة العسكرية هي التي تحكم.

العقيدة السورية في الحكم عقيدة دينية خالصة. وعلمانيتها مقلوبة فهي تفصل بين السياسة وبين الدين، حيث السياسة دين والدين سياسة!

القتل في مظاهرات الجزائر معدوم وفي مظاهرات لبنان شبه معدوم، وفي مظاهرات العراق لا يزال ضئيلاً مقارنة بسوريا بسبب توحيد الآلهة السياسية في سوريا، وتعدد الآلهة السياسية في الدول الشقيقة، ولذلك قتل النظام كل ذلك العدد الكبير، خوفاً من الشرك بالرئيس والشراكة معه.

ذكرنا بتأليه الرئيس الذي لا يحتاج إلى دليل، السبب أنّ الإيمان يلزمه دائماً تجديد، فهل من مدّكر.

المدن

—————–

الأسد.. التصريحات المنفلتة

يبدو أن تصريحات رئيس النظام السوري بشار الأسد باتت محرجة، ليس فقط لحلفائه الذين انتقدوا ما قاله في مقابلاته الأخيرة، بل أيضاً للنظام نفسه، مع اتجاه رئاسة الجمهورية لعدم بث كافة اللقاءات الإعلامية والحوارية التي يقوم بها الأسد في الفترة المقبلة.

وقال المكتب السياسي والإعلامي في رئاسة النظام في بيان نشرت صفحة “رئاسة الجمهورية” في “فايسبوك”، أن الرئاسة لم تنشر حواراً أجراه الأسد مؤخراً مع مجموعة من الشباب وقيادات طلابية، والتي تراجع فيها عن تصريحات سابقة ودعا إلى الحوار مع جميع الأطراف. وبررت ذلك القرار بـ”عدم رغبة الرئاسة في أن يصل ما يتداوله الأسد مع أبناء وطنه للأعداء والخصوم”، حسب تعبيرها. وذلك رداً على الانتقادات والتساؤلات التي وجهها موالون للنظام للرئاسة، بكثافة استدعت الرد.

ولم يكن واضحاً من هم الخصوم الذين تحدث عنهم البيان، لأن النظام عموماً لا يهتم بالمعارضين له ولا بالإعلام الحر الذي يفند مقابلاته، بل يستغل ما يكتب عنه في وسائل الإعلام المستقلة، العربية والعالمية، من أجل تلميع صورته في دعايته التي يقدمها للموالين له بالقول أنه مستهدف من قبل “الإعلام المغرض”.

ولعل المقصود هنا، هو الإعلام الروسي الذي انتقد بشكل غير مسبوق في الفترة الأخيرة تصريحات الأسد تجاه عدد من الملفات، منها تصريحاته بخصوص اللجنة الدستورية التي شهدت جولتها الأولى للمرة الأولى حواراً مباشراً بين ثلاثة وفود سورية للمعارضة والنظام والمجتمع المدني، وتنصل فيها من وفده المفاوض بالقول أنه وفد لا يمثل الدولة السورية. بالإضافة لتصريحاته التي هاجم فيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووصفه باللص، ما استفز شبكات إعلامية مقربة من الكرملين للرد، ومن ضمنها شبكة “روسيا اليوم” التي نشرت بالعربية مقالاً اعتبرت فيه تصريحات الأسد صاخبة وغير مسؤولة.

وإن كانت حوارات الأسد الأخيرة أثارت تحليلات كثيرة في وسائل الإعلام المعارضة، والتي رأت أن الأسد خضع لضغوط روسية للمشاركة في أعمال اللجنة الدستورية، ثم حاول بكل السبل التهرب منها وتعطيل أعمالها. فإن المقابلات الأخيرة التي أجراها، وتحديداً حواره مع شبكة “روسيا 24″، بدت محاولة لإصلاح الضرر الذي تسببت به تصريحات سابقة.

وعليه، ربما يشير البيان الأخير، إلى محاولة إضافية لإصلاح ذلك الضرر، بالحد من تصريحات الأسد غير المنضبطة، من قبل المحيطين به، أو أنها استجابة لأوامر روسية بهذا الخصوص، وهو ما كررته وسائل إعلام سورية معارضة، ومعارضون للنظام عبر مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً.

—————

الواقع السوري في عالم أوهام بشار الأسد/ عبد الباسط سيدا

تناول بشار الأسد في مقابلته الأخيرة مع قناة “روسيا 24” ووكالة “سبوتينك” جملة من الموضوعات بأسلوبه الإنشائي الديماغوجي المعهود. وهي مقابلة أخرى تأتي في سياق إثبات الوجود والقدرة على الفعل، وذلك في وقت بات فيه القريب والبعيد على قناعة بأن القرار السوري أصبح خارج أيدي السوريين سواء في النظام أم في المعارضة الرسمية. فالدول هي التي تقرر، وهي التي تتوافق، وتعلن الاتفاقيات بعيداً عن معرفة وإرادة السوريين، كل السوريين من دون أي استثناء.

ولكن الأسد يبدو أنه لا يعيش الواقع كما هو، بل يصوره كما يحلو له أن يكون؛ أو ربما بتعبير أدق، كما ينسجم مع تمنياته ورغباته. فهو ما زال يجتهد في إعطاء انطباع خادع مضلل، مفاده أن نظامه هو الذي يقرر في نهاية المطاف؛ وبأنه يمتلك استراتيجية متكاملة لمعالجة مختلف الملفات، من إعادة الإعمار إلى مكافحة الفساد، وموضوع تراجع قيمة الليرة السورية، إلى الوحدة الوطنية، وصولاً إلى التلويح بخيار المقاومة لإخراج الأمريكان من البلد، وكذلك الأتراك، وذلك اعتماداً على الدعمين الروسي والإيراني، وربما الصيني؛ واقتداء بما فعله مع النظام الإيراني في العراق.

وكان اللافت في هذه المقابلة هو حصول الموضوع الكردي على حيز كبير من النقاش قياساً إلى الموضوعات الأخرى، وبدا واضحاً أنه كان يمارس التضليل المقصود، والهدف هو مغازلة مختلف الأطراف، ليسوّق نفسه بوصفه الحريص على وحدة سوريا وسيادتها، وهو الذي تسبب في مقتل نحو مليون سوري، كما تسبب في تدمير سوريا وتهجير أكثر من نصف شعبها، وفتح البلاد أمام الميليشيات، وجيوش الدول، وكل شذاذ الآفاق.

ومن المغالطات التي جاء بها من أجل تأليب السوريين بعضهم على بعضهم الآخر، قوله إن نسبة الكرد في شمال شرق سوريا، أي شرق الفرات، هي في حدود 30 في المئة، وذلك في توجه قصدي، الغاية منها إثارة العرب والكرد معاً، وإشغالهم بنسب لا تستند إلى معايير واضحة علمية، ولا إلى إحصائيات دقيقة يمكن القيام بها في بيئة محايدة آمنة، وبإشراف دولي.

فهو يبني نسبته استناداً إلى عدد السكان في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، ولكن من دون أن يفصح عن ذلك، أما الغاية فهي التضليل ليس إلا. فلم يقل أحد بأن الكرد هم الأغلبية في هذه المحافظات الثلاث، وإنما الحديث يتمركز عادة حول محافظة الحسكة، والمناطق الشمالية منها تحديداً، هذا مع الإشارة إلى وجود كردي في محافظة الرقة نفسها سواء في الريف أم في المدينة، وكذلك في دير الزور المدينة. فالمدن والبلدات الكردية تقع في المناطق الحدودية مع تركيا، وهي تتسم بغالبية كردية لا يستطيع أحد أن يشكك فيها، إلا إذا لجأ إلى تخريجات منذر الموصلي في وقت ما، حينما كان مع غيره من كتبة النظام يزعم بان الوجود الكردي في سوريا لا يتجاوز الـ 300 ألف، معظمهم ممن نزحوا، وفق مزاعم السياسة الرسمية، بعد ثورة الشيخ سعيد عام 1925.

من جهة أخرى، يتفضل الأسد في مقابلته المعنية هنا على الكرد بقوله إنهم قد عاشوا معه على مدى عقود، متجاهلاً، أو جاهلاً حقيقة أنهم قد عاشوا في مناطق سكناهم الحالية منذ العصور التاريخية المعروفة، وأن ما فرض عليهم، وعلى المنطقة من تقسيم بعد الحرب العالمية الأولى، لم يكن بيدهم أو بإرادتهم. كما أنه لم يكن بإرادة شعوب المنطقة، ولكن الأنظمة التي تسلمت الحكم بعد رحيل الاستعمار تصرفت كقوة استعمارية أبشع، وتعاملت مع الوطن كله وكأنه مزرعتها، كما تعاملت مع الناس بكل مكوناتهم وانتماءاتهم وكأنهم أقنانها، خاصة في ظل الأنظمة العسكرية الثوروية التي انكشفت عوراتها تباعاً.

أما موضوع النزعة الانفصالية التي يتهم بها الأسد الكرد، فهو يعلم قبل غيره أنه لا توجد أية قوة سياسية كردية من كرد سوريا تطالب، أو طالبت بالانفصال. فالكل كان يطالب برفع الظلم، والاعتراف بالحقوق ضمن الوطن السوري. ولكن الدعوات الغريبة جاءت مع دخول حلفائه من حزب العمال الكردستاني الذي استثمر فيه النظام في عهد الأسد الأب كثيراً، ولم تنقطع الصلات معهم في عهد الأسد الابن الذي يشير إلى ذلك في سياق مقابلته التي نتناولها هنا. فهؤلاء أدخلهم بموجب عقد تسليم واستلام بهدف واضح لا يستطيع أحد أن يشكك فيه، يتمثل في حرص النظام على إبعاد الكرد عن أي تفاعل مع الثورة السورية، وذلك بعد سلسلة المظاهرات المكثفة التي شهدتها مختلف المدن والبلدات في المناطق ذات الغالبية الكردية، وعبّر الكرد من خلالها عن دعمهم للثورة، وتأكيدهم أن المجتمع الكردي هو جزء من المجتمع الوطني السوري، وان قضيتهم هي قضية وطنية على مستوى البلاد.

ولكن النظام قد جلب كوادر الحزب المعني، وكان شرطه أن تكون القيادات صاحبة القرار من أعضاء حزب العمال الكردستاني، ومن الكرد غير السوريين، وذلك منعاً لاحتمال حدوث أي تفاعل بينهم وبين الحالة السورية العامة. وحينها بدأ الحزب المذكور بتسويق مصطلحاته الاستفزازية، وإعلاناته حول الدستور والكانتونات، ومن ثم الفيدرالية، وكلها كانت مجرد هياكل تضليلية تغطي على الوجود الفعلي للنظام في المناطق المعنية، وتموّه وضعية التنسيق المستمر بين الجانبين.

وما يُستنتج من المقابلة المشار إليها، هو أن الأسد متيقن من تطبيق بنود الاتفاق الروسي-التركي بخصوص المنطقة المعنية، ويبين بوضوح أبعاد الدور الروسي في ترتيب الأوضاع بينهم وبين حزب الاتحاد الديمقراطي.

وفي اجابته عن سؤال خاص بالحقوق الثقافية للكرد، حاول الأسد أن يظهر نفسه في مظهر الحريص على وحدة سوريا ومنعتها، فقارن بين الوجودين الأرمني والكردي، ليقول بأننا قد اعترفنا للأرمن بحقوقهم الثقافية، ولكننا لم نقر بذلك للكرد نتيجة الخشية من الانفصال، علماً بأن الكرد، ومنذ البداية وحتى الآن، لم يطالبوا بالانفصال، وإنما طالبوا بحقوقهم القومية المشروعة التي حرمهم منها نظام الأسد الأب، وقبله نظام البعث والأنظمة العسكرية القوموية الثوروية. بل فُرضت عليهم جملة من المشاريع التمييزية، منها الإحصاء والحزام والإجراءات الاستثنائية، وإبعاد الشباب الكرد عن كليات الجيش والشرطة، وإقصاء الطلبة الكرد عن البعثات الدراسية سواء الداخلية منها أم الخارجية، وحرمان المناطق الكردية من أية مشاريع تنموية بل جعلها مرتعاً للنهب والسلب من قبل الأجهزة الأمنية والإدارية. أما المقارنة بين الوجودين الأرمني والكردي في سوريا فهي مقارنة لا تراعي مطلقاً حقوق التاريخ والجغرافيا والحجم السكاني، وهي مقارنة هدفها التضليل والإيقاع بين المكونات السورية.

أما الأمر الآخر اللافت في المقابلة، فهو انطلاقه من مقدمات فاسدة تعامل معها وكأنها وقائع وحقائق لا تقبل الشك، فقد اعتبر النظام الفيدرالي والحكم الذاتي من المشاريع الانفصالية، وبناء على ذلك استخلص نتائجه الفاسدة التي لا تستقيم مع المعطيات الموضوعية، ولا تدعمها أية وقائع من تجارب كل المجتمعات التي تبنت النظام الفيدرالي، أو تلك التي منحت مناطق معينة حكما ذاتيا مراعاة لظروف وشروط خاصة بها. فالفيدرالية والحكم الذاتي لا يتعارضان مع السيادة الوطنية، ولا يفتحان الطريق أمام أي انفصال بصورة حتمية كما استخلص ذلك الأسد بناء على مسلماته هو وليس الوقائع الملموسة، بل على العكس يعززان الثقة، ويساعدان على تجاوز الكثير من المشكلات الناجمة عن السياسات الخاطئة والنزعات القوموية المتشنجة. أما النظام المركزي الصارم فقد أثبت فشله الذريع، ولن يقبل به معظم السوريين، وليس الكرد وحدهم، بعد كل الكوارث التي يتحمّل نظام الأسد مسؤوليتها الأساسية.

ورأس النظام يعتبر نفسه الدولة، ويبين صراحة أن كل ما يجري حول الدستور أمر لن يغير من واقع الحال شيئاً، فالدساتير، وفق منظوره المنفصم عن الواقع، يتم تعديلها من فترة إلى أخرى وفق المعطيات والمتغيرات. أما الانتخابات فهي مسألة سورية داخلية سيادية لا علاقة للمبعوث الدولي أو غيره بها، هذا في حين أن الهيئة الانتقالية قد أصحبت بالنسبة إليه في خبر كان، بعد النجاح الروسي في إلغاء مفعول بيان جنيف 1 عبر بيان سوتشي.

والأنكى من هذا وذاك، هو التفهم الذي أبداه الأسد للحركة الشعبية في كل من لبنان والعراق، ولكن الوضع في سوريا دائماً مختلف بالنسبة إليه. ولا نعلم ماذا سيقول بعد اندلاع المظاهرات الشاملة في إيران ذاتها، وهي المظاهرات التي لم تكن قد بدأت وقت المقابلة التي ذكر فيها ان عملية إعادة الأعمار ستبدأ بدعم روسي وإيراني وصيني، ولكن الثورة المتجددة للشعوب الإيرانية أكدت مجددا أن إيران نفسها تعاني من ضائقة اقتصادية، وتحتاج إلى من يساعدها.

مقابلة بائسة، تثبت أن صاحبها، بعد أن تسبب في كل هذا القتل والتهجير والتدمير، قد وصل إلى حالة انفصامية كاملة عن الواقع، وكل ما يهمه هو أن يستمر في الحكم وبأي ثمن.

ولكن الحركة المستمرة لشعوب المنطقة، خاصة في العراق ولبنان وإيران، وقبل ذلك في السودان والجزائر، تبين أن هذه الأنظمة قد باتت وبالاً على شعوبها وبلدانها، وأن المحنة مهما طالت، فإن كابوس الاستبداد والفساد سيزول عاجلاً أم آجلاً بفضل إرادة الشعوب المتجددة.

كاتب وأكاديمي سوري

القدس العربي

————————————–

بشار الأسد.. استحالة السياسة/ مصلح مصلح

يحرص بشار الأسد في جميع لقاءاته الإعلامية على أن يظهر بمظهر السياسي الحصيف، الذي يقوم بأعباء سلطاته الرئاسية استنادًا لصلاحياته التي منحها له الدستور، دون أن يشرح لنا كيفية قدرته على ممارسة السياسة في نظام لا يعترف بها ولا يقر بوجودها. فالأصل في حضور السياسة في أي دولة هو اعترافها بتنوع مصالح الفئات الاجتماعية في المجتمع الذي تديره، مثل اعترافها بأحقية تلك الفئات بتشكيل أحزابها السياسية الممثلة لمصالحها، لتقوم تلك الأحزاب بإدارة تلك الخلافات والمنازعات عبر الحوار، وأدواته المدنية من إعلام وصحافة واعتصامات وعصيان مدني وغيرها من أساليب الاحتجاجات السلمية.

في رده الخميس الفائت على سؤال إعلامييه المحليين حول أفضل الطرق للتخلص من معارضيه في إدلب، بدا رئيس النظام السوري أقرب ما يكون  لرجل العصابة منه لرجل السياسة “لديهم خياران؛ إما العودة لحضن الوطن أو مواجهة الموت”، الأمر الذي يعني وضعهم أمام خيار وحيد هو الموت. فالعودة إلى وطن تنعدم فيه السياسة، أي الاعتراف بحقوق الناس بالحرية والمساواة وسيادة القانون هي وصفة أخرى لموت بطيء مغمس بطعم الذل.

إذا كان للمرء أن يتفهم غضب الأسد على الناس الذين رفضوا أن يديروا له خدهم الأيسر عندما صفعهم بالحديد والبراميل المتفجرة على خدهم الأيمن، فمن أين يستمد شرارة هذا الغضب الذي يعتمل في صدره ضد أعضاء اللجنة الدستورية المحسوبين على المعارضة، الذي وصل به الأمر لرميهم بتهم الخيانة والخروح على الوطن، وبالعمالة والارتهان لأجندات الدول الأجنبية.

لا يحتاج المرء ليتعرف على الغضب الماحق الذي يجيش في صدر الأسد ضد من يطالبونه الاعتراف بهم كشركاء في إدارة الوطن سوى إلى الإنصات لشحنة الاحتقار العميقة التي يكنها الرجل لفكرة اللجنة الدستورية من حيث الأساس، كونها تسمح من حيث المبدأ للخونة والعملاء بالتجاسرعلى مناقشة سلطاته الدستورية المطلقة، التي حاول طيلة الثماني سنوات الماضية حمايتها عبر الدم والبارود والحرب السوداء.

تقدم اللجنة الدستورية اليوم للأسد فرص حقيقية للظهور بمظهر السياسي الحصيف القادر على ممارسة السياسة عبر الاعتراف، فبدون اعتراف لا وجود لأية ممارسة سياسية، اعتراف بوجود الناس ككائنات سياسية، بحقوقهم في الحرية والمساواة الأساس الموضوعي لأية حياة كريمة. إلا أنه على ما يبدو يصر على إهدارها من خلال إصراه على التمسك بسياسته العدوانية القائمة على الاستئثار والمصادرة والإلغاء والعنف مقدمًا كل الظروف المناسبة لاندلاع حرب أهلية أخرى لتطيح بالسلم الأهلي الهش.

واقع الحال يفيد أن الأسد ما زال في شرنقته الأولى من عمل الداعية السياسي، الذي يقوم عمله الدعائي على إنكار الوقائع حتى ولو كان لها ثقل الكرة الأرضية ذاتها، فتارة نراه ينكر علاقته بالوفد الحكومي إلى اللجنة الدستورية “أعضاء الوفد الحكومي إلى اللجنة الدستورية لا يمثلون الحكومة بل يمثلون وجهة نظهرها”، وما كل ذلك إلا ليحمي نفسه من تطفل طرف آخر على التدخل بشؤون حكمه المطلق، وتارة أخرى يصر على إنكار وجود وفد المعارضة نفسه عبر التجاهل، من خلال إيعازه لوفده الحكومي بالتفاوض معه عبر جولات الوسيط الأممي بيدرسون.

يبدو الأسد في خطابه الإعلامي بعيدًا كل البعد عن أخلاقية السياسي المهموم بالبحث عن حلول وسط مع خصومه السياسين، ذلك أنه يفضل عليه دور الداعي السياسي الذي يتنكر لوجود كل آخر مختلف عبر نفيه بواسطة العنف الماحق، وعبر التجاهل الفاضح له حد الفضيحة، الأمر الذي يضرب الأساس الموضوعي لكل ممارسة سياسية مع استمرار الأسد في السلطة أو الحكم.

الترا صوت

————————–

الأسد الوردي: حساب وجغرافيا/ أحمد عمر

أهم العبر والفوائد التي يعود بها المشاهد من مقابلة الرئيس السوري مع روسيا اليوم الإنكليزية، غير قوة منطقه الذي في الرأس، أو الذي يشدُّ حول الخصر، وغير حديثه عن فضائل حربه على الإرهاب الذي أعاد روسيا إلى الحلبة الدولية، وجعلها قطباً مقطوباً مستقطباً، وغير حديثه عن آكل الكبد الشهير، فلا بد من ذكره في كل حديث كما يفعل سميّه ومندوبه في الأمم المتحدة بشار الجعفري لعوائده ومردوده في الغرب، والحوار موجّه لجمهوره في الغرب، وغير ذكر النصرة والقاعدة في كل حديث وحلقة ذكر سياسي، كما يستعيذ المؤمن بالله من الشيطان الرجيم، وغير إنكاره تضحية السوريين بأنفسهم من أجل شخص، فالناس تضحي من أجل القضايا، وهذا لأمر عجاب، ويصدق على الطرف الآخر، طرف الشعب الثائر، الذي كان واحدهم عندما يسقط شهيداً، يهتف صاحبه بجانب أذنه من أجل الإخلاص وضمان دخول الجنة: هي لله هي لله، لا الطرف الذي رفع شعار الله وسوريا وبشار وبس. لا تضحي الناس بحياتها من أجل شخص، بل تضحي من أجل ثروة قدرها خمسون دولاراً.

 وغير براعته في بيان الحجة وإقامة الدليل، مثل إنكاره التعذيب في المعتقلات السورية، أكبر مشغل للفن التشكيلي على جسم الإنسان وفي روحه، وإنكار التعذيب في سوريا مثل إنكار كروية الأرض، ومشاهدة حوار الأسد الفصيح تعذيب، ففي سوريا رعية خضعت للتعذيب الفعلي أو الرمزي، وحجته في ذلك هي أنَّ التعذيب غرضه الحصول على ثمار الاعترافات، لا حاجة إلى التعذيب طالما أن المخابرات يعرفون كل شيء عن المواطن السوري الشفاف، الأسد الوردي يقصر غاية التعذيب على الاعتراف، وكان التعذيب عبر العصور للعقاب والمتعة، وليس لكشف مكان الكنز أو تغيير العقيدة.  ولم يذكر الأسد شيئاً عن الدستور الذي يمنع التعذيب، أو عن الأعراف والتقاليد أو الإنسانية!

 وغير إنكاره استعمال السلاح الكيماوي ضد الناس في الغوطة أو خان شيخون، فقد سلّمه الأسد للغرب العدو، وأُتلف تحت بصره، وكان سلاحاً استراتيجياً لموازنة القنبلة النووية وتعديل اختلال ميزان السلاح بين سوريا المقاومة وبين إسرائيل المهاجمة، وحجته الدامغة في عدم استعماله هي قوله: لمَ القصف بالكيماوي ونحن لدينا أسلحة عتيدة تقليدية! ولم يذكر أنها بدائية مثل البراميل، وكان السلاح الكيماوي مدَّخراً للعدو وقد ضحى به بنزول عداوة  إسرائيل إلى المرتبة الثانية أو الثالثة بعد الشعب وتركيا، ثم إن الكيماوي يقتل أكثر من 200 شخص، وهذه حجة جديدة لم يذكرها محللوه ومستشارته الحسناء ذات الغنة بثينة شعبان، التي زعمت أنّ الضحايا في الغوطة أطفال من الساحل جرى تهريبهم، وغير إشادته ببراعة السوريين الإرهابيين في تمثيل دور الموت الكيماوي، وإنشاء الحارات والأحياء للتمثيل في زمن الحرب، وغير إنكاره قتل الطفل حمزة الخطيب، فقد قُتل الطفل وضاع دمه بين نيران الطرفين،  وزعم أن أهل الطفل يوافقونه على هذه الرواية، وغير غياب العَرَق، فهو لم يعرق من أسئلة المذيع اللطيفة كما عرق السيسي في حواره الشهير الساونا، فجلدُ الأسد خال من المسام. وغير إيمانه وثقته بنفسه، وتواضعه بقبوله الحوار مع محاور واحد، فالأسد يفضّل محاورة فريق يحاصره بالأسئلة عادة لقوة عقله، وكان الأسد في خطاب بعد الثورة قد حضَّ على فضيلة التواضع، وكأنه واعظ في تكيّة أو قسّ في كنيسة معترفاً أن أحد أسباب الثورة هو الاستعلاء على الشعب، وقد أُهمل هذا الخطاب تحليلاً وسخرية، وكان اعترف فيه بأن الدولة التي كانت تشرف على الطلائع والشبيبة قد فشلت في الوطنية والأخلاق وفي كل شيء، وغير حديثه عن الإعمار الذي سيتأخر، فقصره الجمهوري سليم لم يقصف وعرضه صيّن، وسيكون الإعمار من حصة الصين وروسيا وإيران وسيكون تدريجياً، لأن الغرب يمانع في الإعمار، ولا ينتظر منه أن يقول إذا كنتُ عقبة في طريق الإعمار فسأرحل وأعود إلى عيادتي في طبِّ العيون وتحسين بصر الشعب لتفريق الحقيقي من المفبرك في فيديوهات المندسين والإرهابيين، أو أرحل إلى روسيا وطني الثاني.

أهم العبر والعظات أيها السادة هي ضعفه بالحساب والإحصاء؛ فهو يزعم أن عدد الضحايا مائة ألف، وربما يقصد الجند والعسكر، وهو عُشر عدد الضحايا، وكان منتظراً أن يذكر رقماً محدداً غير الرقم الصحيح التام مائة ألف، حتى يقنعنا باهتمامه بدماء جنده، ويذكر الأسد الوردي رقماً آخر عن المبلغ المدفوع للمتظاهرين وهو خمسون دولاراً، فهو ثمن بخس ينقض فهمه للاقتصاد في موضع آخر من الحوار، فالاقتصاد ليس حصة تموينية. لمَ يهتم الأسد الوردي بالأرقام، ومخابراته تحارب كل شأن أو إبداع أو عمل أو تحويلة من الخارج، وتلاحق أصحابها، فاقتصاد سوريا كان توزيعياً وريعياً وسياسياً مثل اقتصاد السجون، وقوله للمحاور اللطيف الذي كان يقفز من زهرة سؤال إلى سؤال آخر مثل النحلة، وما زلنا في العدِّ والإحصاء، أنه يستعد لجولة الانتخابات في سنة 2021، وكانوا ثلاثة مرشحين في الدورة السابقة، وقد اختفى المرشحان الكومبارس فلم نعرف عنهما خبراً، لأنهما أديّا دوراً في تلك المسرحية الظريفة، وبشّرنا وهو البشار بأنهم سيكونون أكثر من ثلاثة في المرة القادمة، وسينتخبه المرشحون طبعاً، ويكونون جنوداً  أوفياء في حملته الانتخابية، لم يقل الأسد الوردي، ولو مزاحاً أو تلويناً للحديث، إنه لا يعرف الغيب، فقد يحكم رئيس آخر.

الأسد الذي يدخل سنته العشرين في الحكم، وسنته التاسعة في الحرب، أي أنه قضى نصف سنوات حكمه في الحرب ناراً لاهبة، ونصفها الآخر في الحرب ناراً باردة، لا يعرف من الجغرافيا سوى سوتشي ويبغض اسم جنيف، ومن العد والإحصاء لا يعرف سوى الرقم واحد أو اثنين، أليس هو القائل: الله وسوريا وشعبي وبس.

 وفي إعراب هذا الشعار: الله مبتدأ في بلد علماني طائفي على الطريقة السورية، وسوريا محتلة ومؤجرة ومدمرة، وشعبي، أي شعب الرئيس نازح أو مكلوم أو مقهور، فلا يبقى من الشعار سوى “بس” وبس يعني في العدِّ صفراً.

———————————

البطولات الهزلية للأسد

كلما امتد أمد الأزمة السورية كلما تكشفت حقيقة نظام بشار الأسد، القائد الذي “هزم” المؤامرة الكونية على بلاده، وهو مجرد ممثل من الدرجة العاشرة على مسرح السياسة العالمية. آخر من يعلم، ماذا يحدث في البلاد منذ سنوات، لكنه ينضح بالفلسفة، التي تفسر كل ما يدور حوله بكل حكمة.

في مقابلة الأسد الأخيرة مع الإعلام المحلي، نفى علمه بعملية قتل زعيم داعش أبوبكر البغدادي. أراد أن يحرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي شكر سوريا على مساعدتها في نجاح العملية، رغم أنه امتدح ترامب في وضوحه ومباشرته في ما يفعله، مقارنة بالرؤساء السابقين للولايات المتحدة.

لن يخطر ببال الأسد أن المساعدة السورية، التي تحدث عنها ترامب، قد تأتي من غيره في نظامه المنيع. فالأسد يمسك بكل خيوط اللعبة ويعلم الجهر وما يخفى في بلاده، باستثناء ما يدور في القواعد العسكرية الروسية والإيرانية على الأراضي السورية، وبعض الزيارات المفاجئة له من مسؤولي البلدين.

يحتاج الأسد بين الحين والآخر إلى تذكيره بحقيقة صلابة سلطته، فيخرج مسؤول إيراني أو روسي ليقول إنه لولا بلاده لرحل الأسد منذ العام الأول للثورة السورية. لا يكترث بشار لذلك، ويواصل حياته كرئيس لبلاد ثلثها مدمر وثلثها مهجور وثلثها مضطهد، وكلها محتلة من قبل خمس دول أجنبية.

كم يثير الشفقة عندما يتملكه وهم النصر؟ يخرج رأس السلطة في دمشق إلى الإعلام ليتفاخر بإنجازاته ويتوعد بطرد دول ومحاربة جيوش واسترداد آبار نفط وأراض تمردت على سلطته. يتجنب الروس والإيرانيين إحراجه في الرد رسميا على ترهاته، فيدفعون بإعلامهم ليتكفل بالمهمة.

لا يهم ذلك أيضا. فلكل الإهانات السياسية والإعلامية وحتى الشخصية، تحليلها الرياضي وتفسيرها المنطقي في خطب ومقابلات السيد الرئيس. فما يأتي من الحلفاء هو نقد بناء، وما يقوله الخصوم يكون بدافع الغيرة من صمود الأسد وصمود بلاده، التي تنتمي إلى محور المقاومة المهترئة.

الحملة التي شنها الإعلام الروسي ضد الأسد مؤخرا، توضح صورة الرئيس في أعين موسكو. وحتى لو لم يؤنب الروس الأسد على إهانته للرئيس رجب طيب أردوغان، كان يكفي مراقبة مجريات الأحداث منذ بدء العدوان التركي على مناطق الشمال، لتدرك وهم النصر الذي يعيشه النظام.

الأسد انتظر طويلا وقوع العدوان التركي كي يهرول إليه أكراد الشمال صاغرين يطلبون الحماية، ولكن ما حدث هو أن الأكراد ذهبوا للروس في قاعدة حميميم وأبرموا معهم اتفاقا نفذه الأسد بحذافيره، ثم نفذ اتفاقا أبرمه الرئيس فلاديمير بوتين مع أردوغان في منتجع سوتشي دون زيادة أو نقصان أيضا.

لم ينخرط الأسد في مواجهة العدوان التركي كما كان يزبد ويرعد، وإنما نشر قواته حول المناطق التي احتلها الأتراك. لم تكن المسألة تتعلق بتحرير الأراضي المغتصبة، وإنما هرول الأسد إلى شرق الفرات ليستعيد حقول النفط ويجد لنفسه موطئ قدم، إلى جانب القوات الروسية والتركية والأميركية والكردية. ومن هناك يعلن للعالم انتصارا جديدا في حربه الدونكيشوتية.

لا يستعجل “الأسود” تحرير الأراضي السورية التي تحتلها دول، يركزون فقط على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. مات الأسد الأب دون أن يحرر لواء الإسكندرون والجولان، وجاء الابن لينسى المنطقتين، ويتنازل عن أماكن أخرى للروس والإيرانيين والأميركيين والأتراك، مقابل أن يبقى رئيسا ولو على بضعة أمتار حول القصر الجمهوري في دمشق.

لا نبالغ في القول إن أخر شخص يريد انتهاء الأزمة السورية هو بشار الأسد، لأن انتهاءها يعني انتهاء سلطته الوهمية. ولأجل هذا يبذل الرئيس كل ما هو غالٍ ونفيس، لتأخير أي حل للأزمة يقوم على القرارات الدولية بإجراء انتقال سياسي بعد إعداد دستور جديد وإجراء انتخابات رئاسية.

بقي الأسد يماطل في إعداد فريقه للجنة الدستورية في جنيف، وعندما أجبره الروس على ذلك، أرسل وفدا قال إنه يحظى بدعم الحكومة ولكنه ليس رسميا. طبعا لا يكترث الروس لهذا الهراء لأنهم الآن هم من يمثل دمشق رسميا في جنيف وأستانة وسوتشي وفي كل مكان حول العالم.

البطولات الهزلية للأسد تحولت إلى وباء طال كل من حوله. جميع شخوص النظام باتوا يتقمصون دور البطولة هذا، ويمارسون الانتصار في خطبهم وتصريحاتهم وكتاباتهم وحتى تغريداتهم وتعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

الأمثلة كثيرة من بينها، البطل الخارق وليد المعلم الذي شطب القارة الأوروبية عن خارطة العالم، وبشار الجعفري عنترة مجلس الأمن والأمم المتحدة، مرورا بنابغة مجلس الشعب خالد عبود، الذي اعتبر اعتراف دونالد ترامب بسلطة إسرائيل على الجولان انتصارا لسوريا، وليس آخرهم أحمد الكزبري فارس الوفد “المدعوم” من الحكومة إلى اللجنة الدستورية في جنيف.

ليس ساسة النظام وحدهم من أصابهم جنون الانتصار. فرسان إعلامه طالهم الداء أيضا. ذلك المراسل المسكين الذي كان يتباهى بالباصات الخضر، التي تقل المعارضين الرافضين للتسوية مع الروس، وقد تم الاستغناء عن خدماته لاحقا. وتلك المذيعة الغاضبة التي طردت من مقر الأمم المتحدة في جنيف، بعدما انتصرت بالصراخ على وفد المعارضة المشارك في إحدى جولات المفاوضات مع النظام بالمدينة السويسرية.

رغم وجود قوات عسكرية لخمس دول تحتل سوريا، ورغم كثرة الدلائل على تحول نظام دمشق إلى شبه سلطة يتجاوزها سياسيا أصغر مسؤول روسي أو إيراني. لا يزال الأسد يعتبر نفسه منتصرا في الحرب. لا يهم انتصاره على من؟ ولا يهم ماذا كلف البلاد انتصاره هذا؟ المهم كما في رواية “خريف البطريرك” أن يجد الطاغية عندما يسأل عن الوقت، من يجيبه “كما تريد يا سيدي”.

———————————

دي ميستورا يكشف لأول مرة سبب استقالته.. لا أستطيع أن أصافح الأسد وأقول: معلش

قال ستيفان دي ميستورا، مبعوث الأمم المتحدة الخاص السابق إلى سوريا، إنه ترك وظيفته العام الماضي لأنه لم يتمكّن من إرغام نفسه على مصافحة يدّ بشار الأسد، وفقاً لما نشرته صحيفة The Guardian البريطانية.

وقال أيضاً إنه كان غاضباً عندما توصلت روسيا والولايات المتحدة إلى اتفاق في خريف عام 2016، قبل الانتخابات الأمريكية، للحد من تصعيد الحرب عن طريق منع القوات الجوية السورية من أي طلعات جويّة، وفصل قوات جبهة النصرة عن المعارضة السورية، وهي صفقة انهارت لاحقاً بعد هجوم جيش النظام على قافلة مساعدات تابعة للأمم المتحدة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 20 شخصاً.

وقال إن التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان إحدى نتائج فشل الاتحاد الأوروبي في معالجة الأزمة السورية وموجة تدفّق اللاجئين السوريين إلى أوروبا في عام 2015.

وكان دي ميستورا يتحدث لأول مرة في المملكة المتحدة عن الوقت الذي قضاه مبعوثاً خاصاً بين عامي 2014 و2018، وهو وقت شهد مقتل عشرات الآلاف، وتدخلاً عسكرياً روسياً، واسترداداً تدريجياً للأراضي من جانب الرئيس السوري.

لهذه الأسباب غادر دي ميستورا سوريا

وفي حديثه داخل مركز الآغا خان بلندن، قال: «لماذا غادرت العام الماضي؟ حسناً، رسمياً، كان ذلك لأسبابٍ شخصية.

 ولكن بشكلٍ غير رسمي، فالسبب هو أنَّني شعرت بأن الحرب على الأرض تقترب من نهايتها، ولن أستطيع  أن أكون الشخص الذي يصافح يد الأسد ويقول: معلِش، بعد أن ناضلت بشدةٍ ضد ما حدث في حلب وإدلب وداريا».

وأضاف: «لم يكن بمقدوري أن أحلق ذقني في الصباح وأنا أقول:  معلِش. لكن الحروب ربح وخسارة، وهذه الحرب كانت قد آلت إلى الخسارة على الأرض».

واعترف بأنه لم يتّبع ما وصفه بـ «دليل الوسيط المثالي»، إذ إنه أدان جرائم الحرب والحصار الذي فرضه النظام.

وقال إن تدخل الأمم المتحدة، بما في ذلك قوافل المساعدة وإدانته الشخصية للدمار الذي حلّ بحَلب، ربما أنقذ حياة نحو 700 ألف شخص، وإنه لم يندم على تدخّله، بل قال: «لقد قلّصت مساحتي بوصفي مُتفاوضاً».

هذا ما يتوقعه دي ميستورا

ويزعم دي ميستورا أن روسيا نفسها تريد الآن اتفاق سلام، بحسب ما يتضح من استئناف المحادثات التي تزعّمتها الأمم المتحدة في جنيف الأسبوع الماضي بمشاركة خليفته، جير بيدرسن، إذ قال: «ليس لدى الروس مصلحة، أو سُبُل، أو قدرة على إعادة بناء سوريا، وإذا كانوا أذكياء، فلن تكون لهم نيّة بترك الشموع في أيديهم لتحرقهم فيما بعد. إنهم يفضلون إلقاء الأمر على عاتق أوروبا التي يمكنها بعد ذلك الإسهام في إعادة الإعمار.  إذ يمكن أن يكون أي بلد محطّم إرثاً ضخماً».

وتوقع ألّا تمد أوروبا يد العون إلا في حالة وجود استقرار سياسي في سوريا، وقال إن هذا لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان هناك سلام شامل.

وتوقع أيضاً أن تمارس روسيا ضغوطاً على الأسد لضمان منح الأكراد قدراً من الحكم الذاتي في شمال شرق سوريا، ووصف الموقف الحالي بأنه غير مستدام.

واعترف بأن المجتمع الدولي قلل من شأن هواجس تركيا المتعلقة بالأكراد.

وزعم أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ووزير الخارجية الأمريكي آنذاك جون كيري، قد توصّلا إلى اتفاق في لحظة انسجام خلال أغسطس/آب 2016، «يمنع بموجبه الروس والنظام السوري وطائرات الهليكوبتر من التحليق جوّاً، فضلاً عن فصل المعارضة عن جماعة النصرة».

وأراد الروس التوصل إلى اتفاق لأنهم يخشون تقلّد هيلاري كلينتون منصب الرئاسة الأمريكية وطرحها سياسة أكثر صرامة.

 وقال إن الصفقة قد تعثرت بسبب «الأحداث المحتدمة»، في إشارة إلى الهجوم الذي شُن على قافلة المساعدات.

«السجادة سحبت من تحتنا»

وبصدد مناقشة أزمة اللاجئين السوريين لعام 2015، قال دي ميستورا إن «خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان تأثيراً جانبياً مباشراً لخيبة أمل بعض البريطانيين إزاء عدم تمكّن أوروبا من التعامل باسم الجميع في خضمّ الأزمة الكبرى».

وقالت مندوبة الولايات المتحدة السابقة لدى الأمم المتحدة، سامانثا باور، في حديث منفصل، إن إصرار ديفيد كاميرون على السعي للحصول على موافقة برلمانية بريطانية على الغارات الجوية بعد شنّ هجوم الأسلحة الكيماوية على أطراف دمشق في 21 أغسطس/آب 2013 أدّى إلى تخلّي إدارة أوباما عن الخطّة.

وهو أمر وصفته بأنه «بصيرة فريدة تُعرف عنه الآن، وتعني التنبؤ ببريكست».

وقالت: «كنا أقرب كثيراً من إصدار أوباما أمراً تُشنّ بموجبه الهجمات. كنا على بعد ساعات منه».

ثم اتُّخذ قرار بإعطاء رئيس الوزراء وقته حتى يكون لدينا أكبر تحالف شرعي يمكن تكوينه. عندما لم يحدث ذلك، فإن الوهن المصاحب لوجود تحالف أصغر، والوهن المصاحب لما حدث لكاميرون قد جعلا أوباما يشعر بأنه بحاجة إلى ثِقل أكبر لضبط الميزان. «وقالت إن القرار اتُّخذ بعد ذلك بطلب موافقة الكونغرس على الغارات الجوية الأمريكية».

وقالت: «لقد انتهى الأمر بسحب السجادة من تحتنا جميعاً. إذ إن السعي للحصول على تفويض الكونغرس دون معرفة ما إذا كان لديك أصوات أم لا، مسألةٌ لا أعتقد أن أي شخص يمكنه إلقاء نظرة عليها سيظن بأنها كانت اللحظة المُثالية».

—————

الأسد: اللجنة الدستورية لن تنهي الحرب

اتهم المخابرات التركية بقتل البريطاني الداعم لـ«الخوذ البيضاء»

دمشق – لندن: «الشرق الأوسط»

استقبل الرئيس بشار الأسد أمس مجتبى ذو النوري رئيس لجنة الأمن الوطني والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي الإيراني.

وأفادت «وكالة الأنباء السورية الرسمية» (سانا) بأن اللقاء «تناول آخر التطورات التي شهدتها المنطقة، حيث أكد الجانبان استمرار التعاون والتنسيق في مكافحة الإرهاب حتى القضاء عليه بما ينعكس إيجابا على أمن واستقرار دول المنطقة بأكملها. كما بحث اللقاء سبل تطوير العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات وعلى رأسها المجال الاقتصادي».

ونقلت «سانا» عن الأسد قوله: «أهم عناصر قوة محور مكافحة الإرهاب تمسكه بالثوابت والمبادئ التي لا يمكن أن تتغير، وصراعنا نحن وأصدقائنا مستمر في مواجهة أطماع الغرب ودوله الاستعمارية عبر ضرب عملائه ومرتزقته الذين بدأوا بالاندحار في أكثر من مكان».

وتابع أن دمشق «تدعم أي مساع تهدف لإيجاد حل للوضع في سوريا إلا أن هناك محاولات تجري حاليا للإيحاء بأن الحل للحرب يمكن أن يحصل من خلال اللجنة الدستورية وهذا غير صحيح؛ لأن الحرب في سوريا لم تنشأ بسبب خلاف أو انقسام على الدستور، بل بدأت لأن هناك إرهابا بدأ بالقتل والترهيب والتخريب فالحرب تنتهي فقط عندما ينتهي الإرهاب».

ونقلت «سانا» عن المسؤول الإيراني قوله: «ما يجمع بين إيران وسوريا هو أبعد من قضايا تكتيكية على الأرض بل هو مصير واحد وتاريخ مشترك مشرف».

ورجح الأسد في مقتطف صوتي بث الخميس، أن تكون المخابرات التركية قتلت البريطاني الداعم لمنظمة «الخوذ البيضاء» في إسطنبول، والذي تتعامل أنقرة مع حادثة وفاته على أنها انتحار.

وكان جيمس لوميزوريه، الضابط السابق في الجيش البريطاني، يدير منظمة «مايداي رسكيو»، التي تنسق التبرعات الممنوحة إلى «الخوذ البيضاء»، الدفاع المدني في المناطق الخارجة عن سيطرة القوات الحكومية في سوريا، والتي تقول دمشق إن عناصرها «جهاديون».

وعُثر عل لوميزوريه ميتاً، الاثنين، عند أسفل المبنى الذي يقطنه في إسطنبول، وتبيّن وجود كسور في رجليه ورأسه.

وقال الأسد في مقتطف صوتي على حسابات الرئاسة على مواقع التواصل الاجتماعي: «ربما واحتمال كبير أن تكون المخابرات التركية هي التي قامت بهذا العمل، بأوامر من مخابرات أجنبية».

والمقتطف الصوتي هو جزء من مقابلة مع وسيلتين إعلاميتين روسيتين، ستبث كاملة الجمعة.

وأوضح الأسد: «دائماً حين نتحدث عن المخابرات الغربية بشكل عام، بما فيها التركية وبعض المخابرات في منطقتنا، هي ليست مخابرات لدولة مستقلة، هي عبارة عن أفرع لجهاز المخابرات الرئيسي (السي آي إيه)»، مضيفاً: «كلها تعمل بأمر من سيد واحد».

واعتبر الأسد أن مقتل لوميزوريه قد يكون بسبب «أسرار مهمة» يحملها، وقال إنه «ربما (…) كان يعكف على تأليف كتاب عن مذكراته وعن حياته، وهذا غير مسموح». وأضاف: «أعتقد أن هؤلاء الأشخاص يقتلون لأنهم يحملون أسراراً مهمة أولاً، وأصبحوا عبئاً وانتهى دورهم»، مضيفاً: «لا نصدق أنهم انتحروا أو ماتوا ميتة طبيعية».

وتتهم دمشق «الخوذ البيضاء»، التي جرى ترشيحها في عام 2016 لـ«جائزة نوبل للسلام»، بأنها جزء من تنظيم «القاعدة»، كما أنها «أداة» في أيدي المانحين الدوليين الذين يقدمون الدعم لها. وقالت مصادر أمنية تركية، نقلاً عن زوجة لوميزوريه، إنه كان قد بدأ مؤخراً في تناول الأدوية المضادة للاكتئاب، وانتابته أفكار انتحارية قبل أسبوعين من وفاته.

وذكر الإعلام التركي المحلي، الخميس، أن الشرطة تتعامل مع حادثة لوميزوريه على أنها انتحار.

وتتلقى «الخوذ البيضاء» تمويلاً من حكومات عدة، بينها بريطانيا وهولندا والدنمارك وألمانيا واليابان والولايات المتحدة. وفي 22 أكتوبر (تشرين الأول)، وافق الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مساعدة بقيمة 4.5 مليون دولار لها.

وأصدرت السلطات التركية أمراً بمنع زوجة مؤسس «الخوذ البيضاء» السورية من السفر، وذلك بعد العثور عليه ميتاً في إسطنبول هذا الأسبوع.

وذكرت وكالة «الأناضول» التركية أنه تم منع زوجة جيمس لوميزوريه من السفر للخارج. وقد قام المحققون باستجوابها مرتين.

———————————-

الأسد يهاجم تركيا بشأن اللاجئين ويصف المظاهرات بالعراق ولبنان بأنها “صادقة

قال الرئيس السوري بشار الأسد إن التصريحات التركية بشأن إعادة اللاجئين السوريين إلى منطقة شمال شرق سوريا هي خداع تحت عنوان إنساني، واعتبر أن المظاهرات في البلاد العربية “عفوية صادقة” وتعبر عن رغبة وطنية في تحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية.

وأضاف الأسد -في مقابلة مع وكالة سبوتنيك وقناة “روسيا 24”- أن تركيا تهدف من إعادة اللاجئين إلى منطقة سيطرة الجيش التركي شمال شرق سوريا، إلى جمع “الإرهابيين” في تلك المناطق تحت رعاية تركية.

وقال “لا أحد يصدق أن تركيا تريد إعادة ثلاثة ملايين لاجئ سوري إلى هذه المنطقة.. هذا عنوان إنساني الهدف منه الخداع، طبعا حتى لو أرادوا، هذا الكلام غير ممكن لأن هذا يعني خلق صراع بين أصحاب الأرض، أصحاب المدن، أصحاب القرى، أصحاب البيوت والمزارع والحقول وغيرها، مع القادمين الجدد، لأن أصحاب الحق لن يتنازلوا عن حقهم في تلك المناطق”.

 الوجود الأميركي

كما تحدث الرئيس السوري عن الوجود الأميركي في بلاده، محذرا من أنه سيخلق مقاومة عسكرية تؤدي إلى وقوع خسائر بين الأميركيين، وبالتالي الخروج الأميركي من البلاد.

وأضاف “لا نفكر طبعا بصدام روسي أميركي، هذا الشيء بديهي وهو لا يخدمنا ولا يخدم روسيا ولا الاستقرار في العالم.. ولكن لا يمكن لأميركا أن تعتقد أنها ستعيش وهي مرتاحة في أي منطقة تحتلها، نذكرهم بالعراق ونذكرهم بأفغانستان، وسوريا ليست استثناء بالنسبة لهذا الموضوع”.

وعند سؤاله عن رفع دعوة بشأن سرقة النفط السوري، قال الأسد “طبعا هذا شيء طبيعي، ولكن أنا وأنت والكثيرون في هذا العالم يعرفون أنه لا يوجد أمم متحدة لأنه لا يوجد قانون دولي”.

وتابع “كل الشكاوى التي تُرفع للأمم المتحدة تبقى بالأدراج، لأن هناك شبه دولة تحكمها العصابات وتنطلق من مبدأ القوة، وكما كنا نقول قبل قليل هم مجموعة لصوص والصراع بينهم هو صراع على الأرباح والمكاسب والخسائر”.

 المظاهرات عفوية

أما عن رأي الأسد في مظاهرات البلاد المجاورة كالعراق ولبنان، فاعتبر أنها مظاهرات عفوية صادقة تعبر عن رغبة وطنية في تحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية وغيرها، لكنه أكد على أهمية أن تبقى الأمور في الإطار الوطني، “إذا بقيت في الإطار الوطني فلا بد أن تكون إيجابية.. ولكن عندما يدخل العامل الأجنبي فهي بكل تأكيد ستكون ضد مصلحة الوطن”.

ورفض الأسد تشبيه هذه المظاهرات بالاحتجاجات والمظاهرات السورية عام 2011، مؤكدا أن ما حصل في سوريا في البداية “كان هناك أموال تدفع لمجموعات من الأشخاص لكي تخرج في مسيرات.. الأموال كانت موجودة والسلاح كان محضّرا”.

————————————

هل هو نصر أم هزيمة؟/ ميشيل كيلو

يتعلق المستبدون بأوهامهم عن حتمية انتصارهم في كل معركة يخوضونها. كان السوفيات يقتحمون مبنى مستشارية ألمانيا، عندما دعا هتلر أطفالا لا تتجاوز أعمارهم عشرة أعوام، ليوزع عليهم قنابل ضد الدبابات، ويربت على وجوههم ويأمرهم بتحقيق الانتصار. بعد سويعات أوصى هتلر نفسه أحد حراسه بسكب البنزين عليه وإحراق جثته، بعد انتحاره. وكان موسوليني، قبل إلقاء القبض عليه وإعدامه، يطلق صيحات الانتصار في مقر قيادته، ويرى علامات على انهيار الحلفاء، الذين كانوا يدخلون عاصمته روما.

هل الإفراط في الأدلجة، التي توهم معتنقها أنه على حق في كل ما يقول ويفعل، هو سبب الظاهرة، التي توهم صاحبها أنه منتصر لا محالة، بينما انهار سقف مخبئه على رأسه، ويفقد آخر ما لديه من قوة وأتباع؟ أم أن مزيجا من الفصام واللاعقلانية هو الذي يدفع بصاحبه إلى الهلوسة، ويغرٍّبه عن الواقع إلى الحد الذي يحول بينه وبين القدرة على التفكير، بل النظر والسمع، ويجعله واثقا من أن وهم انتصاره يبطل هزيمته؟

يقتدي بشار الأسد بهتلر، ويربت على أكتاف من يرسلهم من السوريين  إلى الموت لتحقيق انتصار لم يجلبه له مئة الف قتيل منهم، سبق له أن أرسلهم إلى الموت، بينما كان يحزم حقائبه استعدادا للهرب من المقبرة الواسعة باتساع سورية، التي دفن فيها مليون إنسان ، من أجل كرسي ما كان ليبقى فيه من دون الغزو الإيراني، الذي نفذه حزب الله عام ٢٠١٢/٢٠١٣ ، ثم الجيش الروسي عام ٢٠١٥، وما أفضيا إليه من انخراط قوة دولية وأخرى إقليمية في الحرب ضد شعب سورية، الذي تركته واشنطن يغرق بدمائه، بامتناعها المتعمد عن وقف المقتلة الرهيبة، التي تعرض لها، واعتبرها الأسد، بأسلوبه الأخرق في قلة الفهم،  دليلا يؤكد المؤامرة الدولية على نظامه، رغم انضمام دولة عظمى وأخرى إقليمية وعشرات تنظيمات الارتزاق والإرهاب إليه في الحرب ضد السوريين، ودعمه إلى حد خوضها نيابة عنه، بعد ظهور تنظيمين صنعتهما أجهزته وأفادت منهما طهران وموسكو وواشنطن وأنقرة، هما النصرة وداعش، اللتان قتلتا من الثوار والشعب عشرة أضعاف ما قتلتاه من ميليشيات السلطة ،  وبررتا قتل أعدائها باسم الحرب عليها !.

دفع الأسد بأعداد هائلة من السوريين إلى الموت، بحجة الحرب على الإرهاب، وفي ذهنه فكرة شيطانية هي إقلال السوريين إلى أدنى مستوى ممكن، ليكون باستطاعة من تبقى من طائفة سلطته حكمهم، إن سمح له الذين أنقذوه بالبقاء في موقعه، بعد أن سئموا تبجحه بانتصار لا علاقة له به، بقي طيلة أعوام متفرجا على الإيرانيين والروس وهم يقاتلون السوريين من أجله، بينما يسمع هو أخباره من بعيد، ومع ذلك، يسارع لعزوه إلى ما يسميه” الجيش العربي السوري”، ليس لأنه شارك حقا في تحقيقه، بل لأن بشار الأسد، الذي نسب انتصارات هؤلاء إليه، هو إحدى أشهر كذبات العالمين العربي والإسلامي .

هل هزم الطغيان الحرية في سورية؟ سيكون الأسد منتصرا حقا لو كان قادرا على رد الشعب إلى ما كان عليه من خنوع واستسلام قبل يوم ١٥ آذار من عام ٢٠١١، وردع أسر مليون شهيد قتلهم ونجح في جعل ذويهم ينسونهم، ويسامحونه على اغتصاب نسائهم، وسحق أطفالهم بالبراميل، ونهب ممتلكاتهم، وتدمير وجودهم المادي والمعنوي. هل سيفعل هذا من ثار طيلة قرابة تسعة أعوام وتحمل ويلات الحرب من دون أن يتراجع عن حقه في الحرية والعدالة والمساواة وكرامته الإنسانية؟ أم أنه سيواصل معركته، ليزج بالأسدية وزبانيتها في عالم من الرعب لن يطيب لهم عيش فيه، وسيلعنون يوميا ساعة أطاعوا فيها مخبولا عديم الخبرة وحاشيته وشنوا حربا عبثية لن تنتهي بالتوقف عن إطلاق النار، أو بإيجاد حل سياسي لا يرى ملايين السوريين فيه تعويضا عما ضحوا بأرواحهم لتحقيقه: حريتهم، التي سيحول تمسكهم بها دون قبولهم بقاء مجرم محترف في السلطة، التي ستتيح له مواصلة مجازره ضدهم؟

بروكار برس

———————————–

سوريا: الحليف ينسّق مع العدوّ والنظام يردّ بقصف مواطنيه!

حمل الهجوم الإسرائيلي الجديد على مواقع عسكرية قرب العاصمة السورية دمشق وكذلك درعا والسويداء طابع المفارقات المذهلة التي صارت تعجّ بها المنطقة العربية و«الشرق الأوسط»، والتي لم يعد ممكناً التعامل معها بردود الفعل المعتادة، باستثناء التأكيد طبعاً على وصول الغطرسة الإسرائيلية إلى ذرى غير مسبوقة وذلك بعد فيضان هدايا إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عليها.

أولى هذه المفارقات هي أن الغارة الجويّة استهدفت مواقع لـ«فيلق القدس»، وهو تنظيم إيراني يرأسه الجنرال قاسم سليماني، ورغم وقوع ضحايا سوريين، حسب ما ورد في الأنباء، فالواضح أن النظام السوري ليس محسوبا ضمن المعادلة وما يحصل على الأراضي السورية هو «مبارزة» إسرائيلية ـ إيرانية سببها، على الأغلب، أن طهران أرادت إبعاد الأنظار عما يجري في مدنها من مظاهرات شعبية وذلك بإرسالها رسالة رمزية عبر إطلاق ميليشيات محسوبة عليها بضعة صواريخ من سوريا باتجاه الأراضي الفلسطينية قبل أيام، وهو ما ردّت عليه تل أبيب بعنف مما أدى لمقتل 23 بينهم 16 «من جنسيات غير سورية».

المفارقة الثانية هي قول نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف تعليقا على الواقعة إنها «خطوة خاطئة»، وإن بلاده «تواصلت مع حلفائها بشأنها»، فيما قال وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز إن التنسيق والتعاون مع روسيا «جيدان للغاية»، فيما أكد موقع إسرائيلي أن الجيش الإسرائيلي «أبلغ القوات الروسية في سوريا عن الهجوم بشكل مسبق».

ربط هذه التصريحات ببعضها يؤكد مجددا أن الضربات الإسرائيلية تتم بالتنسيق مع موسكو، حليفة النظام السوري، وفي ظل الموقع التابع والذليل للنظام السوري في المعادلة فهذا يعني أن النظام «ينسّق» أيضا مع إسرائيل، بإرادته أو بغير إرادته.

التطوّر الحاصل في هذه الهجمات الإسرائيلية هي أن تل أبيب ما عادت تتكتّم على أفعالها، فما الحاجة إلى ذلك ما دامت السلطات السورية متواطئة، وحليفها الروسي يبلّغ بالغارات.

المفارقة الثالثة هي أن طهران، على الأغلب أيضا، لا يهمّها كثيرا عدد الضحايا الذين سقطوا فالمهم هو إيصال الرسالة السياسية المطلوبة، وخصوصاً بعدما فاض الحال بالإيرانيين أنفسهم ونزلوا إلى الشوارع احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية البائسة، من ناحية، وعلى التدخّلات الإيرانية المدفوعة في بلدان الجوار العربية.

المفارقة الرابعة، أن قادة الأنظمة الثلاثة، في روسيا وإيران وسوريا، إضافة إلى تجاهلهم للإهانات الإسرائيلية، واستخفافهم بالضحايا الذين يسقطون، وتدخلهم في دول أخرى، يقومون، بدرجات مختلفة، وحسب الظروف السياسية، باعتبار أي احتجاج شعبيّ «مؤامرة خارجية»، وبدلا من الردّ على إسرائيل فعلا، فإنهم يردون بالاستقواء على الشعب السوري، فيستمرون بالقصف الذي لم يتوقف منذ سنوات، وكذلك، في الحالة الإيرانية، بالاستقواء على الشعب العراقي، والتدخّل الأمني والعسكري والسياسي في شؤونه.

فلنقارن على سبيل المثال، كيف ردّت «حركة الجهاد الإسلامي»، وهي منظمة صغيرة محاصرة مع شعبها في قطاع غزة، على اغتيال إسرائيل لأحد قادتها، بإطلاق نحو 450 صاروخا باتجاه إسرائيل، وكيف كلّف ذلك الفلسطينيين 34 شهيدا بينهم 8 أطفال و3 نساء، وجرح 113 بينهم 46 طفلا و20 امرأة.

يتفهّم المراقب طبعا «المقايسة» التي قامت بها حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي» اللتان نددتا بالهجمات الإسرائيلية على سوريا، لكن من بؤس السياسة ألا تنتبه الحركتان إلى التهافت والبؤس والتواطؤ الذي يمارسه النظام السوري مع هذا العدوان، ولا إلى أن هذا النظام، الذي كان وما زال حارسا للكيان العبري، صار مجرد ناطور بين نواطير كثر بعد أن تمسّك بكرسي السلطة والفساد فحوّل البلاد إلى مزرعة بيعت بالمفرق لدول الاحتلال وليس له من السلطة غير توقيع الأختام والمقابلات الصحافية البائسة.

القدس العربي

————————————

إيران وقواعد اللااشتباك مع إسرائيل/ ماجد كيالي

لا يستقيم الحديث عن “مقاومة” لمجرد ادعاء، مع مقاومة كفت عن ذلك منذ نحو عقدين، ولا يستقيم ذلك في حين تستخدم تلك “المقاومة” سلاحها ورصيد القوة لديها ضد الشعوب

تشن إسرائيل الغارة تلو الغارة، في سوريا، مستهدفة قواعد عسكرية ومستودعات ذخيرة، وقوافل تسلح للنظام وللحرس الثوري الإيراني وللميليشيات المسلحة التي تتبع له، لا سيما “حزب الله”، وهو ما بتنا نشهده في العامين الماضيين، أكثر من أي فترة سابقة، فهي وجهت ضربات في 12 و20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 كما باتت تضرب حتى في العراق، كما شهدنا في الأسابيع الماضية.

ثمة ملاحظات عدة هنا، الأولى، أن إسرائيل تضرب في حين أن الأطراف الأخرى تكتفي بادعاء حق الرد في الزمان والمكان المناسبين. والثانية، أن إيران تحاول استدراج إسرائيل، عبر الجبهة السورية، أو عبر جبهة غزة (كما حصل أخيراً)، في حين أنها تتجنب التورط مباشرة، حتى أنها تتجنب توريط “حزب الله” في أي مواجهة مع إسرائيل. وقد يجدر التذكير هنا بأن إسرائيل ذهبت إلى إيران ذاتها (مطلع العام الماضي) في غارة استولت فيها على جزء كبير من أرشيفها النووي، من دون أن أي رد على ذلك. والملاحظة الثالثة، أن استدراج إيران، والقوى التابعة لها، لمواجهات مع إسرائيل، ليس الغرض منه، المقاومة، وإنما يأتي كوظيفة استخدامية سياسية وآنية، وحسب، وضمن ذلك ركوب قضية فلسطين والتلاعب بفكرة المقاومة.

الفكرة الأساسية التي ينبغي إدراكها هنا تتعلق بتفسير زيادة وتيرة الضربات الإسرائيلية وعددها وقوتها، في العامين الماضيين، مقارنة مع الأعوام الماضية، باعتبار أن الاستثمار الأميركي والإسرائيلي في الدور الإيراني بتخريب المشرق العربي، أدى أغراضه، وأن إيران أتمت مهمتها وآن أوان تحجيمها.

ولعل ما تفترض ملاحظته، في هذا الإطار، أن إيران، وميليشياتها المسلحة، لم تهيمن على بلدان المشرق العربي من العراق إلى سوريا ولبنان، في غفلة من الزمن، لا عن أميركا ولا عن إسرائيل، وإنما هي هيمنت بفضل تسهيلهما الأمر لها، بطريقة غير مباشرة، سواء بتسليم الولايات المتحدة العراق، بعدما غزته (2003)، إلى الميليشيات التابعة لإيران، وتفكيكها الدولة العراقية (الجيش والأمن والجهاز البيروقراطي والخدمي)، وصوغ دستور طائفي (في عهد الحاكم الأميركي بول بريمر)، اعتقاداً من الولايات المتحدة الأميركية بأنه يمكنها الاستثمار في إيران، وادعاءاتها، لخلق فوضى وتشققات في المشرق العربي، بحيث يقوم نظام “الولي الفقيه”، وحرسه “الثوري” وما يسمى “فيلق القدس”، والميليشيات التي تشتغل كأذرع إقليمية لإيران، بالعمل “الوسخ”، في تصديع البني الدولتية والمجتمعية في المشرق العربي.

ما تقدم يفسر السكوت الإسرائيلي عن تزايد النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان (لا سيما بعد انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000، واستدارة حزب الله إلى الداخل اللبناني)، وتوقيفه المقاومة، مع التذكير بأن “حزب الله” لم يطلق رصاصة على إسرائيل من جنوب لبنان، لا إبان الانتفاضة الثانية التي استمرت خمسة أعوام (2000- 2004)، ولا في الحروب الإسرائيلية الثلاث التي شنتها إسرائيل على غزة في الأعوام 2008، و2012، و2014. أما لحظة خطف الجنديين الإسرائيليين (2006)، والتي استجرت حرباً مدمرة على لبنان، والتي اضطرت أمين عام “حزب الله” حسن نصر الله ذاته للاعتذار عنها، فهي حدثت فقط للتغطية على اغتيال الحريري وخروج النظام السوري من لبنان، ولغرض استعادة الحزب هيبته، وفرض ذاته لاعباً في الساحة اللبنانية، على نحو ما بتنا نشاهد في السنوات القليلة الماضية.

هكذا، وفي المحصلة وبغض النظر عن الادعاءات فإن “حزب الله” انصرف عن المقاومة عملياً منذ عام 2000 أي منذ 19 عاماً، في حين أنه انشغل في السنوات الماضية بقتل السوريين وتشريدهم وتدمير عمرانهم، دفاعاً عن نظام بشار الأسد، وها هو يشتغل كمدافع عن النظام الطائفي الفاسد في لبنان، في حين تقوم إيران بالدور ذاته مع ميليشيات الحشد الشعبي في العراق.

وكانت إسرائيل كثفت غاراتها العسكرية وضرباتها الجوية والصاروخية بدءاً من العام الماضي (2018)، ولعل أقساها تلك التي حصلت في نيسان/ أبريل، قرب حماة، والتي أدت إلى تدمير قاعدة إيرانية كبيرة، تحتوي على مخازن أسلحة. أما أعنف الهجمات التي شنتها إسرائيل في سوريا، في العام الحالي، فكانت في شهري تموز/ يوليو، وآب/ أغسطس المنصرمين، إذ استهدفت بداية العاصمة دمشق ومدينة حمص في مطار المزة العسكري، منشآت عسكرية إيرانية وأخرى تابعة لـ”حزب الله” في الكسوة، جنوب دمشق، قاعدة الفيلق الأول، مركز البحوث في جمرايا، منشآت عسكرية في صحنايا، مجموعة من القواعد التابعة لـ”حزب الله” في جبال القلمون، إلى جانب قواعد أخرى في حمص. ثم استهدفت قواعد في دمشق، ما أدى إلى مصرع عشرات بينهم كوادر في “حزب الله”، إضافة إلى عسكريين إيرانيين. وتزامنت هذه الهجمات مع أخرى مماثلة شنتها إسرائيل ضد مقرات لـ”حزب الله” في الضاحية الجنوبية لبيروت.

في المحصلة، لا يستقيم الحديث عن “مقاومة” لمجرد ادعاء، مع مقاومة كفت عن ذلك منذ نحو عقدين، ولا يستقيم ذلك في حين تستخدم تلك “المقاومة” سلاحها ورصيد القوة لديها ضد الشعوب التي تكافح للتحرر من أنظمة الفساد والاستبداد والطائفية، ففي الحالين تغدو قواعد اللااشتباك مع إسرائيل، مجرد ذريعة أو غطاء لوأد تطلع شعب سوريا ولبنان والعراق وإيران إلى الخلاص.

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق