سياسة

عن الثورة في لبنان والعراق -مقالات مختارة-

في تهمة “خدمة” أمريكا وإسرائيل/ نهلة الشهال

ما هي شروط هزيمة الاستعمار وإسرائيل؟ هل يمكن لشعوب مسحوقة ولمجتمعات مُهانة مُذلة، ومُعطلّة، أن تقاوم جبروت الاستعمار وتنتصر عليه، وهي مهمة شاقة تفترض استنفار كل طاقاتها لموازنة انعدام تكافؤ القوة؟ مستحيلٌ أثبتته التجارب في العالم كله. كما لا يمكن لقوى عليا، سلطوية كانت أو حزبية، أن تنوب عن الشعوب والمجتمعات في هذه المهمة.

.. من حيث ندري أو لا ندري. والأخيرة تترك فسحة لمن يصعب اتهامهم بالعمالة لأمريكا وإسرائيل، فينبَّهوا إلى سوء خياراتهم، وأنهم وضعوا أنفسهم – لبلاهتهم – في خانة لا تطابِق مواقفهم أو تاريخهم أو قناعاتهم أو إراداتهم.. ولكنهم لا يدرون!

-4-

ما أقدم هذه الحجة! استخدمتها أحزاب يسارية في العالم كله وفي بلادنا، علاوة على الأحزاب “العروبية” (من تلك الناصرية إلى البعث). استخدمتها في صراعاتها الداخلية، حتى طالت أحياناً قياديين في صفوفها، أو فعّلتها ضد مزعِجين كان ينبغي التخلص منهم. تُطلَق الشائعات حين لا تكون تهماً صريحة، وتُسوِّء سمعة من ينبغي أن يطاله النبذ والتحريم. وحين تَحكم هذه الأحزاب، فذلك يعني الإعدام، إعدام الجواسيس الفعليين، وإعدام الرفاق.

ولكن الأهم من هذا الصعيد وأذيّته للمعنيين به، هو المنطق الذي يقف خلفه. وهو متشعب، يخص في أحد مستوياته اشتراطات كتطلّب الانضباط والطاعة، وافتراضات بأن المنتمين هم كتلة صماء، أو ينبغي لهم أن يكونوا كذلك. وأما تعريف الانتماء فمشكلة. في الأوساط اليسارية، كان ذلك يخص المنتسبين أولاً، ثم يطال “الوسط” اليساري، بمنشقيه عن الحزب وبمن يبتدع أفكاراً أو أطراً جديدة.. إلا أن ذلك يبقى في نهاية المطاف محدوداً، حميماً، حتى عندما يتوسع الحزب ومعه “الوسط” اليساري، فيصبح جماهيرياً كما كان الحال في العراق أو في السودان في وقت من الأوقات.

أما لدى حزب الله، فيتعدى الأمر المنتسبين إلى أبناء الطائفة كلهم. فهو لا يطيق أن تخرج مجموعة داخل “أحيائه” و”مناطقه” (؟؟) فتعلن عدم الطاعة، تنتقد علناً أو تناهِض. هؤلاء يجب إسكاتهم بقوة وحجبهم تماماً عن المشهد. ولا يهم إقناعهم. ولعدة أسباب، أمكن لهذا الضبط القسري أن يمارَس في لبنان خلال الاحتجاجات الأخيرة. ولكن ما يفسر عدد القتلى الكبير في العراق هو أن “أبناء الطائفة” هناك هم تحديداً من أفلت من قبضة من نصّبوا أنفسهم ممثلين عنهم ورعاة لهم. أفلتوا حتى وصل الأمر إلى السيد مقتدى الصدر نفسه الذي تَطلّب “ضبه” أن يأتي إليه في منزله بالنجف، الجنرال الإيراني قاسم سليماني شخصياً، فيصطحبه في طائرته عائداً به إلى طهران.

والمعضلة أن مئات ألوف الشباب، ممن هم “شيعة” – بالولادة أو بالقناعة – ما زالوا يتظاهرون في الشوارع (ويؤيدهم ويعْضدهم الأقل شباباً). وهذا الأسبوع، انتشرت صورة لشعار يحمله متظاهرون يقول “إيران، لو تقعدون راحة – فإما أن تكفّوا – لو نخليكم تزورون الحسين (ع) على يوتيوب”. تُسابِق خطورة الشعار طرافته. فهو تهديد بمنع الإيرانيين من الوفود إلى الأماكن المقدسة. ولعل تركّز التظاهرات الصاخبة في مدينة كربلاء، ومعها العنف المريع الذي يطال المتظاهرين هناك هو ما يستكمل الصورة.

إلا أن الغريب في الأمر هو الإنكار. هؤلاء السادة لا يرغبون في الإقرار بفشلهم بضبط “أبنائهم”. في العراق، سبق أن أتُهم الدوعش (هكذا، بإطلاق ينضح بالتعصب المذهبي) بأنهم خلف الاحتجاجات، مع أنها كانت تجري في السنوات الماضية في البصرة والناصرية بالدرجة الأولى، حيث يَصعُب تصديق وجود “دواعش”، على فرض أن بغداد “مختلطة” (يا لهذا الهوس بالتجانس).. حسناً إذاً، قيل “صدّاميون” أو “بعثيون”. ولكنها أماكن شهدت “الانتفاضة الشعبانية” في 1991، عقب كارثة غزو الكويت، وانسحاب الجيش العراقي مهزوماً على يد الأمريكان.. الذين أجازوا وقتها لصدام حسين، فيما هم يشنون عليه حرباً عسكرية مدمرة، أن يقمع تلك الانتفاضة التي بدأت في الجنوب: 300 ألف قتيل! فمن ينسى؟

-5-

ليسوا دواعشَ ولا بعثيين، بل هم عراقيون متعددو الهويات والانتماءات، الدينية والمذهبية والسياسية والفكرية والمناطقية والعشائرية… كما في كل مكان، وكما هي الحياة. وهم تعرضوا لتنكيل مريع. آباؤهم – بل أجدادهم، فهم يافعون – عاشوا في ظل استبداد صدام حسين وقضى منهم من قضى في الحروب (عّدوا معي: 1980-1988 الحرب مع إيران. 1990-1991 غزو الكويت ثم الحرب العالمية الأولى على العراق. 1991- 2003 الحصار الدولي الذي دمر العراق كما وعد بذلك الأمريكانُ ومعهم البريطانيون. 2003 الحرب العالمية الثانية على العراق وغزوه واحتلاله حتى 2011 ). وقد يَسّر الأمريكان لشذاذ آفاق أن يصلوا إلى السلطة، ومَكّنوهم منها، ولم يحسبوا أبداً، وبكل عنجهية استعمارية متعالية، حساب أنَّ من يستزلم عندهم يمكن أن يستزلم عند سواهم. وما أكثر من نقل منهم بندقيته من كتف إلى آخر.

.. وأما الاحتجاجات الحالية فهي مدهشة لجهة أنها استعادة، من قلب التيئيس والسحق، لـ”عراقوية” جامحة هي من خاصيات هذا المكان على مر التاريخ. البلد العريق، المتماسك على الرغم من تنوعه، مهدُ الزراعة، حيث وُضعت في زمن سحيق أعقد المخططات لتنظيم الري بقنواته ومساربه وسدوده، بغاية اقتسام الماء وكذلك للسيطرة على الطبيعة الهائجة. وهي مخططات تتطلب، بالضرورة وتعريفاً، مشاركة جماعية وعملاً صعباً دؤوباً وعنيداً. وهي ما زالت تُدرّس إلى الآن في أعرق جامعات العالم، باعتبارها تجسيداً لعبقرية الإنسان ولشكل فريد من التنظيم الاجتماعي الصارم الذي تميز بمساواتيّةٍ كبيرة… وهذه أرض إبراهيم يا قوم، والحكيم حمورابي في بابل، وقبله أرض ملحمة جلجامش في سومر التي سبقت بقرون الإلياذة، وتركت آثارها في الأديان السماوية الثلاث… المتنبي والجواهري وما بينهما، والجاحظ وكل ما تعرفون. العراقوية هي مزيج من كل هذا، ومعه أن البلد يمتلك ثاني احتياطي نفطي عالمي بينما هو محروم من الكهرباء – مثلاً – لأن الأمريكان قرروا إرجاعه إلى العصر الحجري فدمّروا مؤسساته، ثم أفلتوا فيه وعليه السفلة الذين التقطتهم إيران، وتبنّتهم، وصاروا أبطالاً ميامين. كربلاءُ معاصرة، بحق وحقيق.

لبنان صاحب تاريخ أقل مأساوية من أرض الرافدين (على الرغم من الحرب الأهلية التي دارت فيه) وأكثر اختلاطاً وتداخلاً. وهو في نهاية المطاف، أبسط، وأكثر استعداداً لتقبل التسويات، بل هي مزاجه العام، لولا أن القيّمين عليه ذهبوا بعيداً جداً في الاستباحة.

هنا قيل “شيعة السفارات”. ولكن ما قد يُطلَق كتهمة على أفراد لا يصح على الجموع. حسناً إذاً: مغرر بهم من شيعة السفارات، ومن العملاء من سائر الفئات. ولكن، هل هناك عملاء لإسرائيل وأمريكا (وغيرهما) في لبنان (وسواه)؟ بالتأكيد نعم. وفي كل الأوساط والفئات، بما فيها عملاء داخل حزب الله نفسه، جرى اكتشافهم وقصاصهم في حوادث متكررة تُعامَل بالطبع بكتمان شديد. هذه ظاهرة عادية، ولا تخص حزباً بعينه، بل هي تتكثف بمقدار أهمية الحزب أو الحركة السياسية. وقد كانت موجودة ومعروفة في صفوف المقاومة الفلسطينية، التي – بعكس حزب الله – كانت مطبوعة بالتسيب الكبير. علماً أنها أنجزت، في ظروف أصعب بما لا يقارن بظروف حزب الله (فبالله عليكم، كفوا عن التباهي بأنفسكم وعن مقارنة ما لا يُقارَن!) ، معجزة تحويل اللاجئين المضطهدين في المخيمات البائسة إلى شعب له “دولة” بلا أرض. وهذا فعلٌ تاريخي أعاد وضع فلسطين على خريطة العالم، بغض النظر عن كل السقطات.

-6-

ولكن ليس هذا كله – على أهمية توضيحه – هو النقاش! الأمر يتعلق بالمقلب الثاني من الحجة القديمة تلك. أي أن السؤال يخص شروط هزيمة الاستعمار عموماً وإسرائيل خصوصاً، باعتبارها قاعدته الأمامية الرابضة في حضننا. هل يمكن لشعوب مسحوقة ولمجتمعات مُهانة مُذلة ومُعطلّة أن تقاوم على مدى طويل جبروت الاستعمار، وأن تنتصر عليه، وهي مهمة شاقة تفترض استنفار كل طاقاتها لموازنة انعدام تكافؤ القوة؟ مستحيلٌ أثبتته التجارب في العالم كله. ولا يمكن لقوى عليا، سواء كانت سلطوية أو حزبية، أن تنوب عن الشعوب والمجتمعات في هذه المهمة. فهي، حتى لو كانت صادقة في نيتها، تفشل حين لا يسندها دعم الناس لها واستعدادهم للتضحية في المعركة الطويلة والشرسة. وفي 2006، وهي مجرد جولة مهما كانت أهمية شأنها، فصمود الناس وقبولهم بالثمن المهول هو من انتصر في المواجهة مع إسرائيل، والتي كان يقف بجانبها الإسناد الأمريكي المباشر، الميداني والسياسي، وذاك الخليجي، وعملاء السفارات فعلاً من بين اللبنانيين.. حيث أمضت كونداليسا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، أياماً طوالاً في سفارة بلادها في بيروت، تقود المعارك، وتُرتِّب مباشرة، وعلى كل المستويات، تفاصيلَ الموقف بما يخدم الهجوم الإسرائيلي ويجبر المقاوِمين على الاستسلام أو على تسوية مذلّة. لم تكن معركة عسكرية والسلام. ولا صواريخاً مهما كانت جبارة، إذ تبقى صواريخهم وطائراتهم أقوى وأشد بطشاً. صمود الناس هو من عظّم من شأن التدريب العالي لمقاتلي حزب الله ومن شأن شجاعتهم الهائلة، وهو من عظّم من شأن المخططات الدقيقة والاستعدادات المسبقة الموضوعة. ومن يتوهم غير ذلك فهو إما جاهل عموماً، وغائب عن وقائع تلك المواجهة كما جرت، أو هو مجرد ثرثار غير آبه بالاستعداد المطلوب للمعركة.

ولكن هل نريد هزيمة الاستعمار وإسرائيل؟ نعم. فهذا شرط لتحرر مجتمعاتنا من بؤسها متعدد المجالات، بدءاً من ذاك المعيشي ووصولاً إلى تحقيق ذاتها بالمعنى الحضاري والتاريخي. وهذا شرط نتشارك فيه مع سائر المجتمعات والشعوب في العالم. وليس التضامن العالمي مع نضال الشعب الفلسطيني هو نوع من الإشفاق على بؤساء. وليس المئات الذين جاؤوا إلى لبنان من أركان الأرض الأربعة، خلال شهر القصف المجنون ذات صيف من 2006، ليسوا بمجانين. هم في ذلك ينحازون إلى مصلحةٍ تخصهم. حلم طوباوي ببشرية يمكن أن تعيش بلا استغلال ولا اضطهاد ولا ابتذال، فتُنتج وتُبدع وتتآلف.. هنا وعلى الأرض.

-7-

كلمة أخيرة: عرفنا مراراً وتكراراً هذا التحدي الذي يضع المتمردين، وأصحاب النقد الجذري، أمام خيار ثنائي القطبية: أنتم اشتراكيون أو شيوعيون؟ فلا تنتقدوا الاتحاد السوفييتي (أو الصين) لأن ذلك يعزز الاستعمار الأمريكي (أو قبله، البريطاني والفرنسي)، وتجاهلوا العيوب والنواقص والانحرافات، وركزوا على خياركم الأساسي.

أنتم تعترفون بأهمية جمال عبد الناصر؟ فلا تنتقدوا بطل التأميم والسد العالي والتعليم المجاني، الذي أخرج ملايين المصريين من البؤس والجهل، بطل التصدي للعدوان الثلاثي، و”باندونغ” الذي اخترع مع رفاقه من أنحاء مختلفة من العالم فكرة المحور الثالث أو “عدم الانحياز” لموازنة صراعات هذا العالم.

أنتم ضد العدوان الأمريكي على العراق؟ فلا تناهضوا صدام حسين. وهو في نهاية المطاف أنجز الكثير في بلده (والسفَلة الذين يحكمون العراق اليوم، يحْملون الناس على الترحّم عليه، فيقولون “ألف صدام” ولا هؤلاء). وكيف تكونون ضد الأمريكان وفي الوقت نفسه ضد صدام حسين؟

نعرف كيف انتهى كل ذلك! انهار الاتحاد السوفييتي ومعه المعسكر الاشتراكي بسبب النخران الداخلي أولاً وقبل كل شيء. حدثت هزيمة 1967 وهي النكبة الثانية، وجاء السادات بعد عبد الناصر وعقد اتفاق صلح مع إسرائيل. لم يستقبل العراقيون الجحافل الأمريكية بالورود ولم يعتبروهم محررين (كما تمنّوا، أو توقّعوا!)، ولكنهم غزوا العراق مع ذلك ولم يتمكن الجيش العراقي “لوحده” من صدّهم.

هناك معركة جيو استراتيجية مهمة تدور بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران.. ولا نريد لواشنطن أن تنتصر فيها. ولكنها لا تُلِّخص الموقف كله في منطقتنا. ولا يمكن أن يُستباح العراق – خصوصاً – باسمها، علاوة على أن ذلك لا يُفسِّر تلك الاستباحة ولا يبررها.

هناك عبث إيراني بكل المنطقة (سوريا، لبنان، اليمن وصولاً الى أماكن قصية من هذه المنطقة)، وهو، كما يجري اليوم، يؤجج صراعات مذهبية مدمّرة، ويضر بغاية ربح المعركة ضد الأمريكان في هذه المجابهة الجيوستراتيجية. هكذا باختصار!

السفير العربي

————————————–

 “اللحظة” مجدداً: ماذا الآن؟/ نهلة الشهال

من أكثر الأشياء خطورة اليوم، هو واقع الافتقاد لمقترحات ملموسة، مجسدة، محددة، وقابلة للتنفيذ، تجمع حولها “الزخم” الذي تمثله هذه الانتفاضة، وتحوّله – وتحولها أيضاً – لقوة مادية دافعة. قوة تفرض نفسها على المشهد السياسي والاقتصادي وعلى مشاريع “الحلول” التي تفبرَك بالخفاء.

في واحدة من تعريفات “اللحظة” (بوصفها Momentum) أنها القوة الدافعة التي تُبقي شيئاً أو حدثاً متحركاً ومتطوراً بعد انطلاقه، أي أنها الزخم. يفرض المصطلح نفسه لوصف الحدث الجاري في لبنان منذ 17 تشرين الاول/ اكتوبر. هو “لحظة” بجدارة، تاريخية وسوسيولوجية وسياسية، ظهر خلالها وجه مضيئ للبنان، ولشبيبته بالأخص. تخلى من كان يبحث عن فرصة للهجرة عن فكرته تلك، وعاد العشرات ولو لأيام ليروا ويسمعوا ويعيشوا ما حلموا به. وهذا ليس بالقليل. يسموا الناس في مثل هذه الأوقات، يصبحون أكثر “تهذيباً” بما هي الالفة والتضامن والمحبة والتسامح والتعاطف مع الاخرين. بما هي الصفات الانسانية. وهذا فرح عظيم. مكسبٌ ثمينٌ ونادر.

ولكننا، وبعد شهر ونيف من انفجار غضب الناس واستنكارهم لما أوصلتهم إليه الزمرة الحاكمة، بكل رموزها، المتحكمة بالسلطة وبالثروة معاً، المستهترة بالمصلحة العامة، الفاقدة للشعور الوطني، الفاشلة والنهّابة (وهذه ليست شتائم بل صفات لكل منها دلالتها القوية كما الأدلة على وجودها).. بعد هذا الوقت في الشوارع والساحات في طول لبنان وعرضه، الذي فرض على الحكومة الاستقالة، وفرض على النواب التواري، وجعل “المسئولين” في حالة من الصمت والانكفاء، حان وقت سؤال: ماذا الآن؟

الشائعات تملأ الآذان. يتحدث الناس عن الإفلاس القائم فعلاً والذي يمس حياتهم اليومية المباشرة، طعامهم ودواءهم ومدخراتهم القليلة التي افترضوا أنها محفوظة لليوم الأسود، وعن تخلخل الترتيبات التي أنجزوها لتوفير بعض الضمان الصحي، بعض المعاش التقاعدي (للمحظوظين منهم بالأصل)، عن مدارس الاولاد غداً، وسوى ذلك من موجبات الحياة. يتحدثون عن تهريب الكبار لأموالهم خلال فترة اغلاق البنوك أبوابها بوجوههم هم. عن تحركات مريبة لقوى الظل، عن مؤامرات تحاك في الكواليس لفرض أمر واقع ما.. يتساءلون عن موقف الجيش. يتحدث الشباب بفرح وثقة أكبر، بحماس، بأفكار أجمل، بطموحات أعلى عما تحقق وعما يريدون.. فهم لم يُنهكوا بعد. لم يواجهوا بعد كل هموم ومصاعب الحياة، وإن كانوا قد قاسوا الأمرّين حتى الآن، في القليل الذي خبروه.

فما العمل حتى لا تخيب آمال الشباب، وما العمل حتى لا يجزع الآخرون، وحتى لا يُحبَطون، بعدما تمكنوا من الإعلان عن إراداتهم الحرة طوال هذا الشهر والنيف؟

كل الخصائص الجميلة التي طبعت هذا الانتفاض المهول، صارت تدفع الى مسألة ملحة اليوم: بلورة البدائل، وهذا على كل المستويات. ليس تلك النظرية العامة أو الايديولوجية، وهي مشروعة بالتأكيد، ولكنها لا تجيب على “ماذا الآن؟”. بل سياسات بديلة تتناول الممكن من خلال حلول مقترحة، مدروسة، قابلة للمحاجة والتنفيذ. وهي من الضروري ألا تكون وليدة فكر فردي نيّر (فحسب)، بل نتاج تفاوض إجتماعي واسع، يشارك فيه المنتفضون كأفراد، وكذلك التجمعات النقابية والمهنية والسياسية المنخرطة في هذه الحركة.

فمن أكثر الأشياء خطورة اليوم، هو واقع الافتقاد لمثل هذه المقترحات الملموسة، المجسدة، التي يمكنها أن تجمع حولها “الزخم” الذي تمثله هذه الانتفاضة، وتحوّله لقوة مادية دافعة. قوة تفرض نفسها على المشهد السياسي والاقتصادي وعلى مشاريع “الحلول” التي تفبرَك بالخفاء – وهي ليست بحلول، بل قد تكون ترقيعات وتأجيلات في أحسن الاحوال – وهي فاشلة بالتأكيد باعتبار عِظم الكارثة.

وبهذا المعنى، فليس المقصود هو تقديم تصور متكامل يخص كيفية تغيير النظام المفلس والعاجز (وإن كان ذلك سيكون شيئاً رائعاً لو توفر)، بل، وبالتحديد، صياغة بضعة نقاط أساسية، وجعلها مطالب ترفض الانتفاضة التخلي عنها، بل هي من النوع الذي يوحّدها، ويجعلها بديلاً عن الاجراءات التي لا بد أنها آتية. فتصبح نوعاً من “التسوية” الممكن فرضها على تلك الوحوش المتحكمة بنا. ولكنها تسوية من النوع النبيل، أي الذي لا يقفل الباب أمام الصراع المستمر.

ولا بد هنا من استعادة خصائص التجربة السودانية لهذه الجهة، ومن استلهامها كمثال، مع العلم أن كل وضع يختلف عن الاخر وله ظروفه واشتراطاته.. لقد بُني “تجمع المهنيين” بدأب وعبر سنين، وهو صار “قائد” الانتفاضة التي استمرت لثمانية أشهر. ولا تعني القيادة هنا الاستبداد بالناس، أو تجاهلهم والحلول مكانهم. فهذا سلوك الوصوليين والمتسلقين وليس المناضلين. وتجمع المهنيين يمثل شبكة اجتماعية شاملة لكل مدينة ومحافظة على الرغم من ترامي أطراف البلاد، ومن تنوعها الشديد، الديني والاثني معاً، ومن تاريخ من النزاعات الدموية.. وهو بلور “إعلان الحرية والتغيير” الذي فاوض الاحزاب السياسية بشأنه وتمكن من ضمهم اليه كبرنامج حد ادنى، رفعه المنتفضون بوجه العسكر وفاوضوهم بشأنه وانتزعوا منهم “الفترة الانتقالية” وتقاسم السلطة.. التي يصارعون اليوم في ظلها، وكل دقيقة، من أجل إحداث تغييرات عميقة في البلاد وعلى كل المستويات.. هذه هي الممارسة السياسية الحقة.

وأما التهرب من موجبات هذه الممارسة السياسية بادعاء رفض “السياسة” (ما معنى هذا الرفض حين يكون الشعار هو “اسقاط النظام”؟)، ورفض بلورة برنامج محدد، ورفض بلورة هيئات تمثيلية الخ.. فليس ثورياً بشيء، بعكس ما يظن حاملوه ودعاته. بل هو وعلى الارجح أحد مظاهر أعطابنا والنواقص التي تعتري حركتنا و.. وتهددها.

السفير العربي

————————————

سوريا بين ثورتين/ عمر قدور

كان المشهد أبلغ لو امتلأت الساحات والشوارع العراقية واللبنانية عندما كان المتظاهرون السوريون يستهلون ثورتهم، ذلك يصح بأثر رجعي فيما لو انتفض السوريون من قبل؛ يومَ انتفض اللبنانيون ضد نظام الوصاية الأسدي. اليوم تبدو اللوحة الناقصة بين انتفاضتين، في حين يمثل بينهما الخراب السوري كأنه قدر لا فكاك منه، وتنبعث آمال السوريين بانتصار اللبنانيين والعراقيين كتعويض عن الخيبة السورية الكبرى.

قد لا نخطئ أيضاً إذا تحدثنا عن مكر التاريخ، فقبيل اندلاع انتفاضتي لبنان والعراق كان السطح يشي باستتباب الوضع للقوى المسيطرة في المنطقة، ولم يكن أشد المتفائلين يتوقع ما حدث، خاصة في لبنان الذي يحكمه انقسام مجتمعي راسخ ميثاقياً. مكر التاريخ لا يعمل وفق الأحلام أو الرومانسية الثورية، وفي الأصل من التبسيط أن نأمل بانتفاضة شاملة لشعوب المنطقة، وأن ننظر إليها ككتلة واعية لمصالح مشتركة. قد يكون الآن هناك متظاهر في كربلاء أو بغداد وقف على الضد من الثورة السورية، وكذلك هو الحال في بيروت أو صور أو طرابلس، وقد رأينا سابقاً سوريين اصطفوا مع ثورتهم بعد سنوات من عدائهم لانتفاضة الاستقلال اللبنانية.

لكننا عندما ننظر إلى اللوحة الكلية سنعثر مثلاً على ما يجعل ارتدادات الثورة السورية في قلب ما يحدث في لبنان والعراق، مثلما نستطيع العثور على آثار لانتهاء عهد الوصاية الأسدية في لبنان ساهمت في انسداد الأفق الأسدي ككل ومن ثم الثورة عليه داخلياً. تتوسط سوريا ثورتين لا بالمعنى الجغرافي فحسب، وإنما أيضاً بالمعنى الجيوسياسي، وارتدادات الثورة السورية على نظام الوصاية الإيراني من العوامل التي يجدر الانتباه إليها. هذا النظام، كرد فعل لجميع الأنظمة المشابهة، دفعته الثورة السورية إلى التشدد في أماكن نفوذه، متجاوزاً بذلك الحد الذي يمكن احتماله بالنسبة للمتضررين منه، وبعبارة أخرى: كان درس قمع السوريين الذي أراد تقديمه أقسى من أن يُحتمل.

لبنانياً، كان من السذاجة أن يُنتظر من الحزب الذي خرج لقمع السوريين أن ينصاع للتركيبة اللبنانية التقليدية. في الواقع راهن لبنانيون كثر على أن حزب الله يستطيع أن يفعل في سوريا ما لا يستطيع فعله في لبنان، بل راهنت نخب سياسية على ورطة الحزب في سوريا التي ستجعله أضعف في لبنان. رغم إصرار الأمين العام لحزب الله على اعتبار معركته واحدة في سوريا ولبنان، كنا نرى من النخب خطاباً مطْمئناً إلى أن أدواته في لبنان ستبقى محكومة بالتقاليد اللبنانية، وعندما كانت تتزايد استعراضات القوة الداخلية للحزب كنا نقرأ تحليلات من قبيل أن فائض القوة هذا مؤقت بسبب حرب الحزب في سوريا، ومن قبيل التحذير من استفزاز الحزب وهو ينجز مهمته السورية.

لا يكفي القول أن الوقائع أثبتت خطأ التعويل على خصوصية لبنانية، والأقرب إلى الصواب أن تلك الفرضيات لا تحتمل الصحة أصلاً. السلوك المعتاد لأنظمة من نوع حكم الملالي أو حكم الأسد هو تجريب مزيد من القمع عندما لا ينفع المنسوب السابق، واستخدام القمع الاستباقي وسيلة لترهيب كل من يفكر في الاعتراض لاحقاً. لم يقتصر حزب الله على مخاطبة خصومه بـ”إياكم والتفكير بالاستفادة من فرصة الثورة السورية”، لقد تولى منع التفكير بتقسيمٍ للسلطة يهمش خصومه أكثر من قبل. واهم من ظن أن ذلك عابر، وواهم أيضاً من سمع خطابات الكراهية ضد السوريين، وشاهد التنكيل بهم في أرضهم ثم التنكيل باللاجئين ظاناً أنه بمنأى عما يتعرضون له. لسنا نحن من يقول هذا، إنه ما واظبت سلطة الأمر الواقع على إفهامه للجميع.

في أحسن حالاته، تأخر نظام الوصاية الإيراني طويلاً حتى قرر تنحية نوري المالكي في العراق، بعد انتفاضات شعبية ومطالب دولية عديدة. إلا أن تنحية الوجه القبيح للسيطرة الإيرانية لم تؤشر إلى تغيير يذكر فيها، حيث يشغل الواجهة فاسدون صغار، بينما تتولى طهران مباشرة القرار السيادي والأمني. مع تنحية المالكي أتى تعويم الحشد الشعبي كقوة إضافية تابعة لطهران، ارتباط إنشائه بالحرب على داعش ينبغي ألا يحجب النهج المفضّل لحكم الملالي بإنشاء ميليشيات تأكل من الدولة ووظائفها، وتضمن تنفيذ المهام القذرة من دون الالتزامات التي تترتب على السلطة الرسمية عادة.

هتافات المتظاهرين العراقيين المناوئة بشدة لطهران، وعدم صدورها عن لون طائفي واحد، أفضل دليل على تغوّل نظام الوصاية واستحكامه منذ انسحاب القوات الأمريكية. القضاء على “انتفاضة السنة” عام 2013، وإغراقها بالداعشيين الذين هربوا من السجن بسهولة، مسلسلٌ أدى أغراضه القمعية العامة مؤقتاً. الانتفاضة الحالية تُظهر أن قمع طائفة لا يعود بالنفع على طائفة أخرى، والشعارات التي تحمل جرح الكرامة العراقي هي رد على إمعان حكام طهران في إرهاب ما يرونه حديقة خلفية لهم. ثمة مؤشر إضافي جدير بالانتباه؛ نحن لا نعرف الكثير عن الصندوق الأسود العراقي، وهذا دليل على نوعية وفظاعة نظام السيطرة عليه.

بسبب نظام الوصاية الإيراني المشترك، يرى سوريون في نجاح العراقيين واللبنانيين مكسباً لهم. هذا اعتبار وجيه بالتأكيد، إنما لا بأس أيضاً في الانتباه إلى تقدم انتفاضتي لبنان والعراق على الوضع السوري لظروف لم يمتلك السوري زمامها. في العراق، نحن نتحدث عن انتفاضة بعد عقد ونصف من إسقاط نظام صدام حسين، ورغم كل ما يمكن قوله عن التطورات العراقية اللاحقة فإن اسقاط الأسدية عتبة لم يُتح لثورة السوريين تجاوزها ليفكروا في تجاوز ما بعدها. اللبنانيون كانوا سبّاقين في اختبار نظام المحاصصة، النظام الذي يندر أن تراه عادلاً كل الفئات المشمولة به، وعلى ذلك اختبروا الحرب الأهلية، وفي أحسن الأوقات اختبروا هامشاً واسعاً جداً من الحريات مع ديموقراطية أقل. في المحصلة، يتنامى اليوم في ساحات وشوارع لبنان عدد الذين يرون العلة على مستويين، نظام الوصاية بفرعه الداخلي، والنظام اللبناني نفسه العاجز سوى عن إنتاج الأزمات والكوارث.

الدرسان اللبناني والعراقي ينبغي أن يمثلا أمام القوى التي تريد الاستقرار للمنطقة، وتحديداً بعض القوى الفاعلة بالشأن السوري، لأن استلهام واحد من النموذجين “أو خليط منهما” للحل في سوريا سيؤدي إلى انسداد الأفق نفسه. في الواقع كنا قد سمعنا تصريحات روسية تنظر إلى السوريين بوصفهم جماعات لا شعباً، والتجربة العراقية الحالية هي ابنة تصور أمريكي مماثل. على الدرجة نفسها من الأهمية أو تزيد، من المفيد أن يفكر السوريون أنفسهم في مسار التجربتين ومآلهما.

المدن

—————————-

“كتيبة غيفارا” وجدالات أخرى/ عمر قدور

قبل ثلاثة أيام انتشرت صورة لمتظاهرين عراقيين يرفعون لافتة كُتب عليها: لئن بسطت يدك إلي لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف رب العالمين. لافتة تذكّر ببدايات الثورة السورية، وما يجمع بين البدايتين أن متظاهري العراق يرفعونها اليوم في وجه القناصة الذين يقتلونهم، تماماً كما رفعها السوريون عندما كان شبيحة الأسد يطلقون الرصاص على المتظاهرين العزّل.

نرجو أن تحقق اللافتة العراقية الغاية التي لم تحققها نظيرتها السورية لجهة ثني القتلة عن المضي في إجرامهم، فكما نعلم جرّب السوريون تقديم الورود للشبيحة، وتقديم الماء المثلج لهم في أيام الحر، وأتى الرد باستهداف وحشي لأصحاب تلك المبادرات. قرار قمع الثورة السورية بالعنف المفرط لم يكن في أي وقت يتعلق بمجرياتها، كان قراراً سابقاً عليها منذ انطلقت موجة الربيع العربي في تونس، وحتى قبل انطلاقها كانت البنية العسكرية الأساسية والمخابراتية لتنظيم الأسد معدّة طوال عقود لمواجهة السوريين في مثل هذه اللحظة.

نخطئ عادة بالإشارة إلى العنف الوحشي الذي تمت مواجهة المتظاهرين به، مع إحالة باقي الاتهامات التي وُجّهت لهم إلى الدعاية الإعلامية للأسد. ذلك قد يقلل من شأن العنف اللفظي والرمزي الذي واظبت ماكينة الأسد على ضخه، فاتهام المتظاهرين منذ اليوم الأول بالطائفية أو الأسلمة، وتلفيق شتى الاتهامات الأخرى المرتبطة بالتخوين أو العمالة، هذه كلها مستويات من العنف تساند العنف العسكري المباشر، وليست محض دعاية موجهة للخارج كما دأب كثر على تأويلها.

يتفق علماء الاجتماع السياسي المعاصرون على أن العنف هو سلاح قوى الماضي كلما تعرضت مصالحها للخطر بفعل قوى ثورية ناهضة، وعلى أن من طبيعة القوى الثورية الصاعدة أن تجنح إلى السلم إلى أن تضطر إلى استخدام “العنف الثوري” كوسيلة أخيرة. ذلك في حالات أقل تعقيداً من الوضع السوري، حيث البيئة مهيأة ومعدة سلفاً لانقسامات أهلية “دون وطنية”، وحيث تلعب الانقسامات بقوة ضد استمالة شرائح عديدة إلى الأدوات السلمية للثورة، مثل الإضرابات العامة أو العصيان المدني الشامل. بمعنى أن احتمالات اللجوء إلى العنف من قبل الثورة تصبح أقوى بقدر ما تُسد أمامها إمكانيات النشاط السلمي، وبقدر ما تكون قوى الماضي أكثر استحكاماً.

كما نذكر شهدنا خلال سنوات جدلاً سورياً عقيماً حول عسكرة الثورة، ومع الأسف كان يقوم بمجمله على مسبقات فكرية في أحسن الأحوال، وعلى مواربات تخفي مآرب غير نزيهة في أغلب الأحوال. ذلك الجدل في جانب كبير منه لم يلامس بنية الأسدية القائمة على ممارسة العنف طوال الوقت، قبل الثورة وبعدها وبمختلف أشكاله الجسدية والرمزية، ولم يلامس تالياً الأسدية كبنية مولّدة للعنف، سواء لمناسبة الثورة أو في أي وقت لاحق. الامتناع عن الخوض في هذا الجانب عنى دائماً الإعراض عن النقاش فيما هو متاح حقاً من أساليب مقاومة، وعن النقاش في “العنف الاضطراري” وإمكانيات السيطرة عليه كي لا ينفلت على النحو الذي شهدناه في عسكرة الثورة.

لنتذكر؛ عندما بدأت عسكرة الثورة تصبح واقعاً كانت هيئات المعارضة جميعاً تتنكر لهذا الواقع، وعندما بدأ الاعتراف به من قبل بعضها كان قد أصبح خارج السيطرة السياسية، وأصبح له مساره وارتباطاته الخارجية الخاصة. لندع جانباً مظاهر التسلح العفوية التي قُضي عليها لاحقاً لصالح فصائل مدعومة خارجياً بقوة أكبر، ما يمكن ملاحظته أن أشد المتحمسين للعسكرة من خارج التوجه الإسلامي لم ينخرطوا فيها على الإطلاق، وتبرير ذلك بأن الخارج لا يدعم سوى الإسلاميين هو تبرير ضعيف، لأنه يربط تلقائياً بين العسكرة والدعم والتمويل الخارجيين. أفضل تمثيل لهذا الجدل لوم الإسلاميين من قبل خصومهم، ورد الإسلاميين بأن أحداً لم يمنع أولئك العلمانيين من تشكيل “كتيبة غيفارا” والقتال بأنفسهم.

الجدل حول ارتباط العسكرة بالأسلمة استهلك أيضاً حيزاً واسعاً، وأضمر تسليماً بأن الخيار العسكري اختصاصٌ إسلامي، على حساب وضع العسكرة القائمة تحت المساءلة، والانتباه إلى أطوارها وتدرجاتها وصولاً إلى الخاتمة التي نشهدها. يمكن لنا مثلاً القول إن هدف العسكرة “رغم فوضاها واعتباطيتها” كان حتى نهاية عام 2012 هو إسقاط الأسد، وفي خريف ذلك العام اتُخذ القرار الدولي بمنع إسقاطه بالقوة، وظهر القرار واضحاً لمن لم يفهمه “ولم يفهم تقدم قوات الأسد بعد تقهقر واسع” بصفقة الكيماوي. خلال ثلاث سنوات، بدءاً من خريف 2012، أصبح الهدف الدولي المعلن من العسكرة هو الضغط على الأسد من أجل القبول بتسوية، ولم يعد مسؤولون دوليون يخفون رفضهم إسقاط النظام. المرحلة الأخيرة دشنها التدخل العسكري الروسي المباشر، وكان بمثابة إعلان نهاية لحرب الاستنزاف السابقة، وطي صفحة “فوضى السلاح” وفوضى التدخلات الخارجية، لتصبح كافة القوى العسكرية في سوريا خاضعة بشكل مباشر لواشنطن وثلاثي أستانة.

من المنطقي أن أية جهة سورية لم تكن قادرة على ممانعة التوجهات الدولية والإقليمية بتحولاتها، لأن العسكرة الحاصلة قائمة أصلاً على الدعم الخارجي، ولا تستطيع أن تحيد عن توجهاته. والدرس المركّب الذي تلقاه السوريون هو أن العسكرة المضادة للأسد لا يمكن إلا أن تكون إسلامية، ولا يمكن إلا أن تكون مرتهنة للخارج الذي لا يكترث بمصالحهم. وباختصار يظهر الخيار العسكري فاشلاً ومدمراً، بعد اختبار الخيار السلمي الذي فشل أيضاً.

لكن يبقى السؤال مطروحاً: إذا لم يبادر الخارج إلى تغيير الأسد، وإذا كان الخيار السلمي محكوماً بالفشل بسبب الانقسام المجتمعي الذي كان موجوداً وتعزز للتو، وإذا كان الخيار العسكري محكوماً بالفشل أيضاً، فما السبيل إلى التغيير؟ لا ننسى أثناء طرح هذا السؤال أن مسؤولي الأسد الأب والأسد الابن عبروا في أكثر من مناسبة عن أنهم لن يتركوا السلطة إلا بالقوة، وهذا أصدق تعبير وسيبقى صالحاً حتى سقوط الأسدية. وإذا افترضنا عن خبرة أن ثورة مقبلة للسوريين ستتعرض فوراً، وربما أكثر من قبل، لكافة مستويات العنف المباشر والرمزي، فهل هناك من درس يقدّمه ما سُمّي عسكرة الثورة؟

الإجابة على هذا السؤال قد تقتضي نسف الجدالات السابقة التي رافقت العسكرة، وعدم اعتبار ما حدث الخيار الوحيد الممكن. لم يكن واقعياً، ولن يكون، إنكار حق أي شعب في الدفاع عن نفسه عندما يُضطر إلى ذلك، وهو ما سيبقى قائماً مع وجود سلطة ترتكز أساساً على العنف وتوليده. المحك هو في أسلوب الدفاع عن النفس ووعي المصالح بشكل جيد، والقدرة على إيقاع الأذى بالخصم بأقل الخسائر، وأيضاً بأقل التكاليف وبما لا يتطلب دعماً يفوق القدرات الذاتية مع ما يعنيه هذا من ارتهان للخارج. حماية الخيار الوطني تأتي من الحساب الدقيق للإمكانيات الذاتية، ومن التصويب فقط، وفقط على بنية العنف لدى السلطة واستنزافها بوضعها تحت حالة تأهب دائمة، مع حساسية عالية تجاه حيوات المدنيين. غني عن الذكر القول بضرورة انضباط العنف الاضطراري تحت مشروع سياسي وطني، أي بخلاف ما شهدناه خلال السنوات الأخيرة على المستويين السياسي والعسكري. منذ ظهرت النوايا الدولية على حقيقتها، ومع احترام أرواح الذين ضحوا إيماناً بالقضية الوطنية، يجدر الاعتراف بأن الدرس الذي قدّمته العسكرة هو كل ما لا ينبغي الاقتداء به.

بروكار برس

————————————

سفارات عاطلة عن المؤامرة/ عمر قدور

كما نعلم هو تعبير لبناني ممانع يوصم عبره الخصم بالتبعية لسفارة أجنبية ما، يُفترض أنه يتلقى توجيهاتها، ويتماشى مع الخصوصية اللبنانية التي تتيح للنخب السياسية “ترف” التواصل مع الخارج. فيما تبقى من محور الممانعة، في الأصل لا يتجرأ أي مواطن أو مسؤول خارج مهمة رسمية على التواصل مع أي موظف في سفارة أجنبية، لذا تأخذ تهمة العمالة للغرب صياغات أخرى، مع اتفاقها جميعاً في تخوين الخصم واتهامه بالعمالة.

الغرب هو المقصود دائماً بالتآمر عبر خونة محليين، وهو ما نشهده من اتهامات اليوم يوصم بها متظاهرو إيران ولبنان والعراق. ليس في عقل المتحكمين في السلطة سوى هذا النوع من التخوين، لأن الخروج عنه يعني الإقرار بأحقية ما للشارع لا يريدون الإقرار بها على الإطلاق. هذا كله بات مكشوفاً ومفضوحاً، ومحل سخرية لا تحرج مستخدمي الأداة ذاتها طوال الوقت. ما تغير إلى حد كبير غياب المساعدة الغربية عن تقديم العون لتلك الأكذوبة، ولعل ذلك أكبر مصدر للعتب على الغرب من قبل أصحابها.

وفق التعبير ذاته، لدينا الآن سفارات عاطلة عن المؤامرة، سفارات لا يوجد فيها موظفون يتلقون تعليمات من حكومات بلدهم لدعم أي مطلب شعبي، وأقصى ما يفعله المختصون منهم هو تدبيج تقارير تقليدية عن الأوضاع “المضطربة”. في المركز الغربي، الذي ينبغي أن يحتوي كبار المتآمرين، لدينا “نخب” تتحسس بشدة من “الاضطرابات”، وأكثر ما تخشاه هي الفوضى العارمة الخارجة عن السيطرة، أية سيطرة كانت. لا نغالي بالقول أن النخب الحاكمة في الغرب حالياً تكاد تقدّس مفهوم الاستقرار، في مجتمعاتها وخارجها، وأعلى ما يريده بعضها القليل من الإصلاحات التي تضمن الاستقرار الدولي.

انتهى غربياً زمن التبشير بالديموقراطية، وهو إلى حد كبير ارتبط بالحرب الباردة، وبمحاولات نشر الديموقراطية ضمن الجزء الأوروبي الذي كان خاضعاً للمنظمة السوفيتية، بينما دعَم الغرب ضمن انقسامات الحرب نفسها نظماً ديكتاتورية في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وسواهما. انتهى أيضاً زمن الدعوات إلى الفوضى الخلاقة، المرتبط بمحاولة التغيير في الأطراف ومنها الشرق الأوسط. هذا المشروع، الذي انتعش أثناء سيطرة المحافظين الجدد على إدارة بوش الابن، بدأ نهايته الفعلية قبل انتهاء ولاية بوش، وخلّف رأياً عاماً أمريكياً مناهضاً للتدخل الأمريكي لأي سبب كان، باستثناء ما يمس الأمن القومي مباشرة.

لا يخشى الغرب من إعلان نواياه على النحو الذي يصوّره أصحاب نظرية المؤامرة، على الأقل لا توجد استراتيجيات ونوايا خبيثة غير معلنة، وما يبقى سرياً له علاقة على الأرجح بشبكة علاقات “أو بأدوات قذرة أحياناً” داعمة للاستراتيجيات المعروفة والمعلنة. من ذلك أن عزوف الغرب عن الاهتمام بالمنطقة العربية على النحو القديم ليس سياسة يُراد بها توريط قوى دولية وإقليمية، ومن ثم الانقضاض عليها بعد الإيقاع بها. ولنتذكر أن انخفاض الاهتمام بالمنطقة، مع الانعطاف إلى الشرق الأقصى، أتى صريحاً جداً مع عهد أوباما، ولم تتغير الخطوط الاستراتيجية الكبرى مع مجيء ترامب، فيما عدا ميل الأخير أكثر من سابقه إلى سياسات الانعزال والوقاية، والتشديد مرة تلو الأخرى على تجنب التدخل العسكري، والتقليل الحاد من التدخلات الأخرى التي لا تحمل منفعة مباشرة.

حصيلة السياسات الغربية الراهنة تعكس الرأي العام الغربي، وهي بمجملها وقائية وغير هجومية، بل تفتقر إلى عنصر المبادرة السياسية. ينقسم الرأي العام الغربي بين يمين متطرف وشعبوي صاعد، لا يخفي انحيازه إلى أنظمة الاستبداد في المنطقة العربية بعدّها ضامناً لضبط بلدانها بقبضة من حديد، وعدم تسرب موجات لجوء جديدة ولو تحت طائلة الإبادة. اليسار المتطرف أو الشعبوي الصاعد لا يختلف في تعاطفه مع الأنظمة، وإن كانت مواقفه مختلفة إزاء اللاجئين في الغرب، وفي جزء معتبر من أرضيته الفكرية يقوم على أصولية معادية للرأسمالية و”الرجعية” بمفاهيم الحرب الباردة. بين الجهتين، لا تملك أحزاب الوسط ويمين الوسط ويساره، وهي التي تناوبت على السلطة خلال عقود، لا تملك برامج جديدة وجريئة وطموحة داخلياً، وهي بموقع دفاعي متهافت بسبب الأزمات الاقتصادية والهيكلية التي يصعب حلها في غياب تلك البرامج. تلك اللوحة تجعل الغرب أقرب إلى دعم سلطات الاستبداد في المنطقة من التفكير بتغييرها، ولا بأس أن نتذكر وجود وعي يتسلل من هنا وهناك مفاده استحالة حصول تغيير ديموقراطي في المنطقة لأسباب ثقافية.

قد يُقال أن الغرب موجود ويتدخل حقاً بأساليب جديدة أو متجددة، ومن ذلك سلاح العقوبات الاقتصادية. هذا صحيح لمن لا يفهم محاولة الغرب إدارة انسحابه، وترتيباته لما بعد الانسحاب، ومن ضمنها توزيع الفراغ الاستراتيجي الحاصل في المنطقة. فالغرب الذي لم يعد له مطامع مباشرة في هذه الدول حريص على ألا تصبح مصدراً لتهديد أمنه، وألا تدخل في حلقة غير مضبوطة من صراعات النفوذ العنيفة، خاصة مع تداعيات الأخيرة من موجات اللجوء ومن التأثير على سوق الطاقة.

في كل الأحوال، الغاية من سلاح العقوبات لم تكن في أي وقت إسقاط الأنظمة، والغرب جرّب السلاح ذاته مع صدام حسين بلا جدوى، وربما بقي صدام حاكماً حتى الآن لولا إسقاطه بالغزو الأمريكي. المعلن، والحقيقي، فيما يخص العقوبات هو جر الأنظمة المستهدفة بها إلى عملية سياسية تتعلق بترسيم النفوذ في المنطقة. الأثر الشعبي للعقوبات، متضمناً تعزيز مشاعر النقمة وصولاً إلى الثورة بسببها، هذا الأثر لا يريده الغرب إلا كأداة أخرى من أدوات الضغط على الأنظمة، بهدف تعديل سلوكها لا بهدف إسقاطها.

ربما يلزمنا قليل من التواضع كي لا نعتقد أن المنطقة محط أطماع الغرب دائماً، وكي لا نثمّن قيمتها الاستراتيجية “ومنها قيمتها في ميزان الاقتصاد العالمي” بأكثر مما هي عليه حقاً. نظرية المؤامرة تعتاش أيضاً على هذا الإحساس، ومن يعتنقها خارج الأنظمة يعزّ عليه الاعتراف بالواقع المزري، مثلما يعزّ عليه “بلا وعي” رؤية المنطقة غائبة عن صدارة الاهتمام الغربي. ولو كان الغرب يسعى إلى التغيير الجذري لما أهدر سنوات من الثورات العربية، ولو كان يريد الفوضى لما توانى عن إذكائها بدل محاصرتها في ساحات محدودة. ما لدينا من سفارات غربية هي سفارات عاطلة عن أي فعل، باستثناء تقاطعها مع الأنظمة في محاولة تجنب التغيير وتمجيد الاستقرار، وهذه ليست مؤامرة على شعوب المنطقة؛ هي سياسات قصيرة النظر من المرجح ألا تنفع الغرب مستقبلاً.  

المدن

——————————————–

ثورات الكرامة ضد المحرومين منها/ بكر صدقي

قال رأس النظام الكيماوي في دمشق، في مقابلته التلفزيونية الأخيرة، إنه لن يشعر بالفخر من مصافحة أحد من جماعة أردوغان أو الإيديولوجيا السياسية التي يمثلها. ولكن حين يتعلق الأمر بالمصالح الوطنية «علينا أن نترك مشاعرنا الشخصية جانباً» في إشارة إلى مواربة الباب أمام احتمال تطبيع العلاقات مع الحكومة التركية.

أما جبران باسيل، الذي تعرض لأكبر موجة شتائم علنية يمكن أن توجَّه لسياسي على الإطلاق، فهو ما زال يحجز لنفسه مقعداً وزارياً في الحكومة المقبلة المفترضة، بعدما قدم رئيس الحالية سعد الحريري استقالته، معتبراً تلك الشتائم، وفقاً لأحد التسريبات، مجرد كلام فارغ لعدد محدود من اللبنانيين.

وتمكن الممثل ـ المقاول المصري محمد علي، في ظهوراته اليوتيوبية من تحقيق شعبية كبيرة بهجومه الشخصي على عبد الفتاح السيسي الذي سبق لهاشتاغ «انتخبوا العرص!» الذي تشاركه ملايين المصريين أن رافق حملته الانتخابية الأولى لمنصب الرئاسة قبل سنوات، من غير أن تهتز له شعرة واحدة في رأسه.

وطرد المتظاهرون رئيس الهيئة العليا للمفاوضات (وهو جسم سوري معارض لنظام الأسد) نصر الحريري من إحدى تظاهرات المعارضين السوريين في اسطنبول قبل أشهر، في حين ملأت أقذع الشتائم والأوصاف المهينة، ضد مختلف السياسيين، صفحات التواصل الاجتماعي للسوريين واللبنانيين والمصريين والعراقيين والفلسطينيين. والقائمة تطول.

يميز كبير المشتومين ابن حافظ أسد، في المقابلة المشار إليها أعلاه، بين «المشاعر الشخصية» وما يسميها بـ«المصالح الوطنية» ليبدو كمن يقدم تضحية شخصية كبيرة على مذبح تلك المصالح التي لا اتفاق عاماً على كونها وطنية. ففي الواقع هي مصلحة شخصية أيضاً تتمثل في تمسكه المرضي بالسلطة. فشعار «الأسد أو لا أحد!» الذي رفعه أنصار النظام علناً منذ بداية الثورة السورية، يعني المطابقة بين إرادة فئة ضيقة من السوريين متمسكة ببقاء ابن حافظ على رأس النظام من جهة أولى، وتمسك الشخص المذكور بامتيازات موقعه السلطوي من جهة ثانية، مهما اتسعت رقعة رفضه في المجتمع. قد يكون سبب موقف الفئة المذكورة هو انعدام البدائل لديها في لحظة الخطر على النظام ككل، لكن من أسباب انعدام البدائل هذا تمسك بشار بالسلطة، إن لم يكن السبب الأهم. فقد كان من شأن تخليه عن السلطة أن يجعل النظام وأنصاره يبحثون عن بدائل أخرى، وأن يكافئه بحفظ كرامته الشخصية، على فرض وجود مشاعر مماثلة لديه.

لكن الشعار الآخر ذا الشعبية الكبيرة بين أنصار النظام «الأسد أو نحرق البلد!» أو صنوه «الأسد أو بلاها البلد!» يفضحان زيف المصالح الوطنية المزعومة التي تحدث عنها ابن حافظ. فبقاؤه في السلطة هو البوصلة الوحيدة التي يعمل بمقتضاها، ولا قيمة للبلد، عنده وعند أنصاره، بالقياس إلى مصلحته الشخصية (والعائلية) في البقاء على رأس السلطة.

على أي حال لم يأت تفلسف ابن حافظ بشأن العلاقة بين المشاعر الشخصية والمصالح الوطنية في سياق رد مفترض على معارضيه السوريين الذين لم يوفروا وصفاً جارحاً بحقه، طوال السنوات التسعة الماضية، إلا وقالوه علناً، بل كان ذلك في سياق العلاقة مع القيادة التركية! بحدود ما نعلم تكون العلاقات بين الدول سياسية، لا شخصية، قائمة على المصالح الوطنية المتبادلة أو المتعارضة، حيث لا مكان، أصلاً، لمشاعر شخصية. في حين أن العلاقة بين الحكام والمحكومين تحتمل مقداراً كبيراً من المشاعر الشخصية، وإن كان أساسها قائماً أيضاً على مصالح الطرفين. وفي الدول التي تستحق هذا الاسم يقدم السياسي استقالته من منصبه حين يواجه اتهامات لا يمكن فصلها عما يمس المشاعر الشخصية، كالفساد أو إساءة استخدام السلطة أو الإثراء غير المشروع أو التغطية على أعمال غير مشروعة أو الهزيمة في حرب وطنية أو الفشل في تحقيق المهمات المطلوبة منه. وبعض هذه الاتهامات يحاسب عليها القانون، في حين يخضع بعضها الآخر لمحاكمة الرأي العام وحده.

هناك كثير من الدول فيها قوانين تجرّم الإساءة إلى شخص رئيس الدولة، باعتباره يمثل الأمة، وبعض الدول متسامحة أكثر مع حرية التعبير تسمح بالسخرية منه. أما في الأنظمة الدكتاتورية فأي نقد، مهما كان طفيفاً ورصيناً، يعامل معاملة الجريمة الكبيرة التي يستحق مرتكبها أشد العقاب بما في ذلك الموت. لذلك فقد كانت الشتائم المقذعة والسخرية المهينة والإساءات لشخص الدكتاتور وحاشيته ظواهر لافتة في ثورات الشعوب العربية في العشرية الثانية للقرن الحالي. وقد تفوق اللبنانيون على نظرائهم في الدول العربية الأخرى بكم الشتائم التي وجهوها لشخصيات السلطة والإبداع في صياغتها.

وصفت هذه الثورات بأنها ثورات حرية وكرامة. وإذا كان مطلب الحرية بديهياً في دول تحكمها أنظمة دكتاتورية أو شمولية، فمطلب الكرامة يبدو، للوهلة الأولى، غريباً بعض الشيء. نتذكر مقطع الفيديو الشهير الذي يظهر فيه رجل سوري (محمد عبد الوهاب) يخاطب عناصر أمنية للنظام على أحد حواجز التفتيش قائلاً: «أنا إنسان، ماني حيوان، وكل هالناس متلي»! لقد عبر هذا الكلام عن مكنونات جميع السوريين الذين عاملهم النظام دائماً معاملة العبيد أو الحيوانات. وتكمن المفارقة في أن النظام المؤلف من أشخاص لا يعرفون معنى الكرامة البشرية ويفتقدون إليها، قد داسوا على كرامات المحكومين طوال عقود غلبتهم. وهي مفارقة مفهومة، فالحاكم المحروم من الكرامة يعمل على حرمان محكوميه منها لأنه لا يطيق رؤية من يتمتعون بهذه الخصلة البشرية.

لقد كسرت الثورات حاجز المحرمات، وعلى رأسها الإساءة للحاكم الذي كان مجرد وجوده في السلطة إهانة للأمة جميعاً.

كاتب سوري

القدس العربي

——————————–

لا مكان لليسار في هذه الانتفاضة المباركة/ دلال البزري

بالأمس: تظاهرة يُفترض بها أن تنطلق من المصرف المركزي، في حيّ الحمراء، وحتى رياض الصلح، في وسط البلد، حيث مركز الانتفاضة البيروتي. نحتشد مع الأصدقاء القدماء، القلائل، ونندهش من صغر عمر الغالبية العظمى من المشاركين: “هم ليسوا من عمر أولادنا، إنهم أصغر منهم. يكادون يقتربون من عمر أحفادنا”، أقول ليوسف. أجول بالنظر ثانية، باحثة عن مجايلين، أقترب من مقدمة التظاهرة، وفي سرّي ربما، تلك العادة القديمة، بأن أرى فيها “القياديين” و”الأمناء العامّين” و”الشخصيات الوطنية”. ولكن، نصف مفاجأتي، أن الذي يقود هذه التظاهرة هم أولاً شابات يافعات، غير “تاريخيات”، يطلقن شعارات اللحظة والمكان. وهذا الأخير، “المكان”، يحتاج إلى بعض السرد، لنفهمه، نحن جيل المعتادين على الشعارات المدروسة، والتي وافقت عليها القيادة مسبقاً: فأمام المصرف كان الشعار “كلن يعني كلن، والمصرف واحد منن! وسلامة (مدير المصرف) واحد منن (منهم)!”؛ ولكن عندما تصل التظاهرة إلى حيّ الخندق الغميق، وهو المكان الذي انطلق منه شبيحة حركة أمل وحزب الله، منذ أيام، لينقضّوا على مركز الاعتصام، في وسط البلد، ضرباً وحرقاً وتدميراً وسرقة. صرخت الشابة، قائدة التظاهرة، من الميكروفون بشعار آخر مبدع: “يللي ساكن بالخندق نحنا بنفس الخندق!” (إلى الساكن في الخندق، نحن في نفس الخندق).

المهم، بعد هذا الاستطراد، أننا ما زلنا ننتظر الانطلاق. أعود إلى الصفوف الخلفية، وأحاول التعرّف على مزيد من الوجوه. بل أخرج قليلا من وسطها، وأنتقل إلى الرصيف، لعل وعسى.. فماذا أجد أمامي؟ أمينا عاما سابقا لحزب يساري، هو الأقدم في لبنان، والمعروف بمجاراته لأقوى حزب حاكم، أي حزب الله، واقفاً تحت الشجرة، يجول بنظره على المتظاهرين، وفي عيونه عَتمة مجبولة بالأسى والذهول. أحدس قليلاً سببها. وأسال صديقي اليساري السابق، الواقف هو أيضا في الخلف، لأمتحن ما فهمته من سبب انطفاء بريق عينَيه. أقول له إن الأمين العام هذا، الواقف وحده تحت ظل الشجرة، ربما يتحسّر على كونه ليس في مقدمة التظاهرة، هو وأقرانه من “القادة”، كما اعتاد أن يكون في زمن آخر.

فكان جواب صديقي سخرية بالغة، قاسية، ومتطرفة بحق أبناء جيلي الذين تجاوزوا الستين من العمر. لن أنقلها هنا، منعاً لتثبيط العزائم. لكن هذا الجواب استحضر من غير قصد قصة هذا الجيل من اليسار، عشية الانتفاضة المباركة. ماذا كانت تفعل الأحزاب و”الشخصيات القيادية” والمجموعات اليسارية، في هذه العشية؟ مشاريع لا تُحصى لـ”تجديد اليسار”. مشاريع فردية، جماعية، ليساريين سابقين أو متأخرين، تتراوح مواقفهم من الأحزاب الحاكمة بين مؤيد بخجل لأقواها ومغمْغم ومتمْتم، وبين رافض لها رفضا جذرياً. الانتفاضة باغتتهم جميعاً، وذكّرتهم بكمّ الاجتماعات والنقاشات والندوات والمجلات والنظريات والتحليلات التي بذلوها ليجمعوا حولهم اللفيف المناسِب من المواطنين، لينطلقوا “جماهيرياً” كما كانوا يفعلون أيام الازدهار اليساري، أي منذ نصف قرن تقريباً. ولكنهم كانوا يُخذلون كل مرة، بالكاد يلتقطون واحداً من هنا وآخر من هناك، لا يلبثا أن يفْلتا من بين أياديهم بعد حين.

وإذا بجلّها الآن، تلك الأحزاب والشخصيات والمجموعات، تصيبها الدهشة، ومن بينها “خبراء” متفوّهون ووزراء سابقون في العهود الممقوتة؛ تماماً كما حاولت أحزاب السلطة أن تفعل، وإن بأسلوب آخر: نصبوا لأنفسهم الخيم، ويوزّعون المناشير، أو يبيعون المنشورات، وكأنهم بذلك يودّون القول إنهم كم كانوا على حق عندما تلفّظوا بكذا أو كيت من المواقف. “كم كنا على حق”، وهم متوترون، وبعبارات منمّقة مجرّبة، ضليعة في تمويه المعاني. والغاية كلها أن يبقوا لأنفسهم دوراً في هذه المعْمعة، والمفضَّل أن يكون هذا الدور في القمة، كما اعتادوا.

والحال، أن حالة اليسار هي حالة تُناقِض تماماً الانتفاضة الراهنة. في عزّها، ستينيات القرن وسبعينياته، كانت حالة انقسامية، بين يمين/ يسار. وخاضت الحرب الأهلية بين المسلمين والمسيحيين، تحت برنامج “الحركة الوطنية اللبنانية”. وفي هذه الأثناء، شهدت موجات قياسية من الانشقاقات في صفوفها اليسارية، ذات الأيديولوجيا الواحدة. خمدت قليلاً في بداية “السلام الأهلي”، وراحت تنقسم حول أكبر الأحزاب الحاكمة، مع أو ضد حزب الله؛ وما بينهما من مواقف لم تخلُ يوماً من المطّ الإنشائي والكلام المعْلوك. وكانت حالة اليسار أيضاً، حالة جاهزة من التمرْكس السريع، (ماركس)، والتأدلج على الطريقة السوفييتية، أو الطريقة “الجديدة”، التي كانت تعتبر نفسها أكثر “ثورية” من الأولى. ثم كان اليسار حالة برّانية، تتوسل، ليس فقط جديد الماركسية وقديمها، إنما أيضاً القوة العسكرية والهيمنة العاطفية، من خلال شعبية القضية الفلسطينية، وسلاحها، بعد استظلاله بقبّة الاتحاد السوفييتي العظيم. كانت حالة نظرية، تستدعي ثلاثية القائد والتنظيم والأيديولوجيا، على الطريقة البلشفية، وإن كانت تزوّغ في أحكام هذه النظرية (انظر إلى آخر اختراعات هذا “الثلاثي” في النصائح التي يوجّهها يساري عتيق إلى الانتفاضة، بما توفّر لديه من أفعال “يجب” و”ينبغي”: أسعد أبو خليل “نحو مشروع لتغيير ثوري في لبنان”). وأخيراً، كانت حالة فاشلة بكل المعايير، يكذب حاملو مشروعها “المتجدّد” على الأصغر سناً، عندما يقولون إن زمن هذا المشروع كان “عصراً ذهبياً”. وهذه مفارقة: كيف يستطيع الفاشل أن يزيّن تاريخه بهذا الكمّ من الأباطيل؟

تعود فتواسي نفسك وتطلب منها الرحمة على رجالٍ يشبهون ملكات جمال الكون: لا يستطيعون أن يتصوروا بأن عروشهم سقطت، لطول سنوات إدمانهم عليها، وبأن تاج الطليعية – الجمال انتقل من زمااااااان إلى الأكثر نداوة وحيوية؛ وقد تكون هذه واحدةً من عيوب العمر، مثل عيوب المواظبة على أنها “الأجمل من بين النساء”، لا يحسن الضحك عليها، بل الإشفاق بالأحرى.

على هؤلاء المحاوِلين ركوب الموجة، أقول إن الانتفاضة الراهنة لا هي تقسيمية، ولا تنظيرية، ولا جاهزة، ولا برّانية (على الرغم من اتهامات التمويل الباطلة، الآتية من قيادة الأحزاب الحاكمة)، ولا فاشلة، ولا منظمة، ولا باحثة عن قائد “ملهم”، أو عن دعم إحدى القوى الإقليمية. هؤلاء الشبان يقودون أنفسهم بأنفسهم، تُصاغ “النظرية” عندهم بالتجربة الملموسة. لذلك أيها اليساري القديم، الذي تجاوز الستين من العمر، وأنا واحدةٌ منك، لا تضيّع وقتك ووقتنا ووقتهم في التنظير عليهم بكلام خنْفشاري. لا تحاول أن تصادر أدوارهم، ولو بطريقة “ناعمة”. وإذا ناقشتهم، هؤلاء الشباب، فحاول أن تتعلّم منهم، أن تتغذّى بحيويتهم ومواهبهم ومهاراتهم الجديدة عليكَ، ولا تحاول إسقاط تجربتكَ الخائبة على تجربتهم. فلا حاجة لدى هؤلاء الشباب لليساري السابق، أو الباقي، إلا بهذا القدر. وإذا أردتَ أن تكون مفيداً، ميدانياً، فتواضَع، واحسب أن مجرّد احتلالك مترا مربعا من تظاهرات أولئك الشباب هو إنجاز لهم ولكَ. إذ تكون قد دعمتهم بالروح وبالعدد، وخدمتَ نفسكَ بأن أرحتَ ضميركَ، وحرّكتً عظامكَ الآخذة في التكلّس.

فهذه الانتفاضة هي أول فعل ثوري لبناني، خالص. حتى لو أخفقتْ الآن في تحقيق أهدافها، فإنها سطّرت في ذاكرتنا أقوالاً وأنغاما وألوانا وأشكالا وشرائط فيديو وطرائف وشعارات ومواقع وصورا، ونساء وشابات… هي زادنا في سفرنا القادم نحو الزمن. هذه الانتفاضة هي ربما، التجربة التأسيسية الحقّة، الملهمة لثورات مقبلة، على غرار عامية انطلياس وثورة الفلاحين.. وليس على هيئة شخصيات وأحزاب، كشف الزمن عن عوراتها، ولكنها لم تثنِ أصحابها عن المحاولات دائمة الفشل.. أما إذا اختار بعضٌ من أجنحتها أن يكون يسارياً، فليتولّ أمر هذه الإرادة شبابٌ، مثل تلك المجموعة من الشباب، “الحركة الشبابية للتغيير”، التي حاولت اقتحام جمعية المصارف، والمعلِنة عن “ماركستها – لينينتها”، بنسختها الفوضوية الماوية. أو شباب الحزب الشيوعي اللبناني، الذين سبقوا قيادة حزبهم إلى الساحة، بشرط تجاوزها؛ أو أي شباب آخر يرى في الماركسية – اللينينية درباً مضموناً لنجاح انتفاضتهم. ولكن شباب، شباب فقط، فلا مكان لليسار في انتفاضتهم، إلا بقراءتهم الخاصة له، من دون وسطاء، ولا موالي ولا مفسّرين، هربوا يوماً كاللصوص من الهزيمة، وعادوا إلينا كأن شيئاً لم يكن.

العربي الجديد

———————————–

جذرية الثورات ومسألة البرنامج والقيادة/ عمار ديوب

ترفع الثورات، وبدءاً من السودان إلى الجزائر وانتهاءً بالعراق ولبنان، شعارات واضحة، وتطالب برحيل الأنظمة بكل رموزها. تتمثل شعاراتها في رفض الفساد والنهب ومحاسبة المسؤولين ورفض الطائفية والسيادة الوطنية. وإذا كانت موازين القوى والجيش السوداني فرضت على الثورة السودانية الوصول إلى تسوية سياسية، تحقق بعض مطالب الثورة، وتجنب البلد أنهاراً جديدة من الدماء كما حصل في مجزرة القيادة العامة هناك، فإن النظام الجزائري يحاول جاهداً الالتفاف على قضايا الثورة، ويضحّي بشخصياتٍ من صلبه تباعاً، ولكن ذلك لم يُنجه بعد، وما زال الشعب مصرّاً على ثورته، وإحداث تغيير كبير في بنية النظام وتوجهاته والطبقات المستفيدة منه. ما زالت الثورات في كل من لبنان والعراق تتجذر، وتؤكد يومياً أنها ماضية في طريق إسقاط الأنظمة؛ ليس الطريق سهلاً أمام ثورات العراق ولبنان، وهي تتحدّى أنظمةً تدّعي أنها ليست مستبدة، وأنها نقيض الاستبداد، وتمثل طبيعة المجتمعات، وفيها قدرٌ من الحريات، ولكن حقيقتها أنها أنظمة ناهبة وفاسدة ومبدّدة للثروات. وبالتالي تحاول تلك الأنظمة إيجاد التباساتٍ أمام الثورات، وحدوداً لها، وأن القضية يجب ألا تتجاوز طيران بعض الرؤوس، وينتهي الأمر وتخمد الثورات.

تفيد تطورات الوضع اللبناني والعراق بأن الأمر أكبر من حكومةٍ تطير أو تتشكل بديلاً عنها ومن الطاقم نفسه، وإذا يحاول حزب الله وحركة أمل تحييد كتلة كبيرة من الشيعة، وكذلك تتحيد بلدات عراقية، خشية ًمن تهمة الدعشنة، فإن الثورات لم تتراجع، بل وتتوسع أيضا، ونجد يومياً أشكالا من الاحتجاج الرمزي في تلك المناطق، وتقدم نفسها امتدادا للثورات، وليس بقطيعة معها. وصلت رسالة الثورات إلى كل العراقيين أو اللبنانيين، أن الثورة تمثل كلية الشعب، وتأخر بلدات ومناطق عن الالتحاق بها لا يغير من موقفها، ولا من طبيعتها الوطنية العامة. قوة الثورات في كل من لبنان والعراق في أنها شعبية وسلمية، وتحصل في بلاد مراقبة جيداً من العالم، وهي نتاج أزمات معيشية واجتماعية حادّة، وتمس أغلبية المجتمع، ولا إمكانية لحلها من خلال الأنظمة الحالية؛ إن وعود سعد الحريري في لبنان قبل أن يستقيل، وكذلك وعود عادل عبد المهدي في العراق، وهو الذي سيستقيل بالضرورة، لم ترضِ الثورات ولا استطاعت أن تشق الصفوف وتربك المحتجين. تتعلم الثورات أن الأكاذيب الطائفية والوعود السخيّة هي لتمرير الوقت، وهدفها إخماد الثورات وإخراج الناس من الشوارع.

حدث ويحدث ارتباك في طبيعة الثورات العربية، حيث لم تتقدّم ببرامج واضحة لما بعد إسقاط الأنظمة، ولم تنتخب قياداتٍ معبرة عنها، وهذا أفسح المجال للمعارضات التاريخية للثورات، لمصادرتها أو تمكّنت الثورات المضادة منها، واستطاعت الأنظمة القديمة الاجهاز عليها، وكذلك افتعلت بعض الأنظمة حروباً أهلية وطائفية دامية، كما حدث في كل من اليمن وسورية وليبيا، وهذا حدث في 2011؛ وتطوّر الأمر إلى تدخلٍ إقليمي ودولي كبير، وأدّى إلى ما تسمى تغيرات كبيرة في المنطقة بأكملها. ما يحصل في كل من العراق ولبنان يعاني من تدخلات إقليمية كبيرة، وإنْ لم ينزلق نحو حربٍ أهلية جديدة. ويوضح هذا الوضع طبيعة الأنظمة كأنظمة مافيوية، وتفتقد أي مرجعية وطنية أو أخلاقية، وأنها قابلة لرهن نفسها بغية البقاء أو الهروب، وهناك القتل كما بحالتي معمر القذافي وعلي عبدالله صالح.

تتطور الأمور، في الجزائر ولبنان والعراق، يومياً، وهناك إصرار كبير على ضرورة التغيير، وإذا كان هذا في غاية الأهمية، وهناك تضحياتٌ كبرى يقدّمها الثوار والشعوب في هذه البلدان، فإن أوضاعها تفترض ضرورة صياغة برامج وطنيةٍ عامة وفزر قيادات لتمثيل الثورة، ومنع مصادرتها أو الالتفاف عليها. في هذه النقطة، المسألة معقدة، ولا يكفي القول إن الثورة تسقط الأنظمة، وليس من مهامها تحديد ملامح السلطة البديلة؛ هذا منطق عبثي، وإنْ كان يحمل طوباوية عظيمة. لنلاحظ كيف أن النظام التونسي ما بعد 2011، وعلى الرغم من مرور ثماني سنوات لم يستطع تجاوز الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، وهناك أزمة سياسية أدّت، في انتخابات 2019 أخيرا إلى حدوث فضيحة، وهي ترشّح شخصية تطاولها شبهات فساد! في مصر، يتعاظم الافقار يتعاظم والاستبداد يتجذّر، وهذا من مؤديات فشل الثورات.

المقصد من الإتيان على ذلك كله أنه لم يعد يكفي التغني بالثورة وبأشكالها العظيمة، وهي كذلك من غناء ودبكات وتجمعات وموسيقى ومشاركة كبيرة للنساء وتضامن المدن والدول كما يجري بين لبنان والعراق حاليا؛ ذلك كله لا يكفي، فهناك ثورات عظيمة وملايين الناس في الشوارع، وإذا كانت يجمعهم الشعور بمعاداة الأنظمة وحماسة الشارع، فإنها تنتظر رؤية واضحة للمستقبل، رؤية توضح ما هو الاقتصاد القادر على إنهاء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وأي شكل من أشكال الحكم سيتم تبنيه، وما علاقة الأديان والطوائف بالدستور والقوانين والأحزاب السياسية وسواه؛ في لبنان والعراق ترفع شعارات واضحة، وأن “أجمل الفصول، فصل الدين عن الدولة”، فكيف سيتم التعبير الحقوقي والسياسي عنه!.

ما جاء أعلاه، وفي حال تأخر حدوثه، سيسبب مشكلة كبيرة في صفوف الثوار، والسؤال، وفي حال استطالة زمن الثورات، سيكون: ما هو الشكل التنظيمي والسياسي الذي يجمع بينهم، ومن يمثلهم، وما هي مطالبهم الحقيقية. يطرح بعضهم ضرورة تنظيم أشكال أوليّة “تنسيقيات” للقرى والأحياء والبلدات والمدن. وأخيراً تتشكل منها قيادة وطنية، وهذا صحيح، ولكن ما هو البرنامج السياسي والرؤية النظرية الذي ستستقي منها تلك الأشكال نشاطاتها وتنظيم نفسها وشؤون الناس وسواه؟ أسئلتنا هذه، بقصد الحفاظ على أصل الثورات كما هو، أي كثورات شعبية، وسلمية، والحفاظ على نزاهتها، ورفض عسكرتها، أو تمويلها، وكذلك رفض كل شكل للتطييف فيها.

يكرّر محلّلون كثيرون أن الموجة الثانية من الثورات (الجزائر، السودان، لبنان، العراق) عَزلت، بشكل نهائي، الإسلام السياسي وأشكال التطييف، ولم تطرح من أصله قضية علاقة الدين بالسياسة، ويبدو أن غياب الطائفية السياسية عن الثورات، ووجودها في الحكم “العراق لبنان” قد سهَلَ مهمة الناس في التحشيد للثورات وعدم ركوب الطائفية السياسية عليها، حيث الثورات ضدها وهي السلطة؛ الثورات سببها الإفقار والفساد والنهب، وتلك الطائفية اغتنت بسبب ذلك. وبالتالي، صار للثورات هدفين كبيرين: رفض كل شكل للحكم غير العلماني الديموقراطي، ورفض كل شكل للاقتصاد يسمح بالفساد والنهب والتوزيع غير العادل للثروة وضرورة إنصاف الكتلة الكبرى من المفقرين. وبالتالي ومجدّداً أي شكل للحكم سيحقّق هذين الهدفين؛ إن رؤية تعثر تونس اقتصادياً واجتماعياً بالتحديد، وهي البلد الذي يقال إن الثورة نجحت فيها، يساهم في ضرورة إيلاء أسئلتنا أعلاه الضرورة القصوى من المحللين والباحثين والثوار.

العربي الجديد

—————————–

لُغم في المشروع الوطنيّ اللبنانيّ…/ حازم صاغية

في الأسابيع الثلاثة الماضية هزّ لبنان حدث تاريخيّ، ولا يزال: قطاعات عريضة من السكّان، لا سيّما منهم الشبيبة والنساء، تعلن العزم على بناء مشروع تأسيسيّ للوطن وتباشر ذاك البناء. المشروع هذا ينقل موضع التركيز من الطائفيّة والطوائف إلى عناوين أخرى قد يكون أهمّها:

أوّلاً، إعادة النظر في النظام الاقتصاديّ وطرق توزيع الثروة على نحو يعزّز الإنتاج والقطاعات المنتجة ويكافح الهدر والنهب والفساد، عاملاً بالنتيجة على كسر محوريّة المصرف وخلق فرص العمل لطالبيها الكثيرين والمتكاثرين، وعلى وقف هجرة الشبيبة…

ثانياً، تحديث النظام السياسيّ ودمقرطته بما يفتح الباب أمام تجديد النُّخب وتوسيع رقعة المستفيدين من العمليّة الديمقراطيّة. هذا ما يمرّ حكماً بقانون انتخابيّ لا يكرّس تمثيل الطوائف، لكنّه أيضاً لا ينحصر فيه (مثلاً: التصويت حيث الإقامة والعمل ودفع الضرائب، لا في مسقط الرأس). وقد يكون الأهمّ الآن، وراهناً، استقلال القضاء الذي يتيح إحقاق الحقّ بعيداً عن ثأريّة العنف، وعن التراكيب السياسيّة الاستبداديّة التي تنجم عن انفلات تلك الثأريّة.

مسألة القضاء لم تحتلّ في التاريخ اللبنانيّ الحديث كلّه الموقع الذي باتت تحتلّه اليوم.

ثالثاً، إدخال تعديلات أساسيّة على نظام القيم اعترافاً بتطلّعات الفئات الشابّة وبتصوّراتها الثقافيّة، خصوصاً لجهة المساواة على سائر مستوياتها، الجندريّة والجيليّة والمناطقيّة، فضلاً عن إشاعة وعي مغاير فيما خصّ العنصريّة حيال اللاجئ والنازح والعمّال الأجانب.

الدور المركزيّ للشبيبة التي لم تعش أزمنة الحروب، لكنّها ورثت نتائجها، هو ما لا يُمارى فيه اليوم. معرفتها بالعالم الخارجيّ من خلال الوسائط المتاحة جعلتها أشدّ احتقاراً للتراكيب الطائفيّة والزبونيّة السائدة في لبنان. بدورها، عملت تفاهة الرموز السياسيّين على تعزيز الفارق النوعي بين المتسبّبين بالكوارث والواعدين بحلّها. هذا ما كمّل التطابق بين انسداد الأفق أمام الشبيبة وانسداد الأفق أمام الوطن.

أمّا إصرار الثوّار على السلميّة، وكونهم أقلّ أدلجةً بالقياس إلى جميع الأجيال المهزومة التي سبقتهم، واختيارهم لغةً خالية من المحسّنات والفصاحات، تذهب مباشرة إلى جوهر الموضوع، فكلّها سماتٌ تُحسب لهم. بهذه المواصفات، وبهمّة لا تتعب، سيّس الشبّان مجتمعهم وشرّعوه على نقاش دائم يراجع كلّ شيء، كما وضعوا السياسيّين التقليديّين في قفص الاتّهام والدفاع عن النفس.

الثورة تجاوزت عوائق كثيرة (عدّدها الزميل حسام عيتاني في مقال نشرته هذه الجريدة يوم الخميس الماضي). لكنّ العائق الأكبر يشبه لغماً تزرعه القوى الطائفيّة في الثورة. ذاك أنّ المشروع الكبير هذا لا يستطيع النموّ، ناهيك بالنجاح، ما لم يتوزّع الخارجون عن طوائفهم على الطوائف جميعاً. فالخروج الانتقائيّ، طوعيّاً كان أم مفروضاً، هو اللغم الخطير. إنّه يمنع العبور إلى مواضع التركيز الجديدة.

بلغة أخرى: إنّ مقتل هذا المشروع العظيم هو النكوص إلى اصطفاف 8 و14 آذار أو ما يشبهه لجهة الانقسام إلى شارعين، أي إلى طائفتين أو تحالفين طائفيّين. هذا ما تجنّبته الثورة، ليس فقط بفعل أولويّة الهمّ الاقتصاديّ – الاجتماعيّ لديها، بل أيضاً لأنّ قادة 8 و14 آذار هم أوّل المشمولين بغضبها. ساعد على التجنّب أنّ كتلاً شعبيّة من سائر الطوائف والمناطق حضرت بقوّة في الساحة.

مَن زرع اللغم في المشروع الوطنيّ هذا، بالنيابة عن جميع القوى الطائفيّة، هو «حزب الله». لقد حال دون مشاركة طائفة كبرى عبر تأثيرات امتدّت من الآيديولوجيا إلى العنف. المقدّس استُحضر بقوّة فيما وقف المسلّح وراءه. ثورة العراق «الشيعيّة» وحصار إيران كانا سبباً آخر يلحّ على اعتماد هذا العلاج المركّب.

لقد تبدّى، بعد ما حصل في النبطيّة وكفر رمّان وصور وبنت جبيل وعلى جسر الرينغ، أنّ في وسع الثورة أن تحيّد سلاح «حزب الله»، وهو ما تستدعيه أيّ واقعيّة سياسيّة في بلد كلبنان، لكنْ تبدّى، في المقابل، أنّ سلاح «حزب الله» لا يستطيع أن يحيّد الثورة. ذاك أنّ الأخيرة أخذت، وفق الحزب، شكل كرة الثلج التي ينبغي ألاّ تتدحرج وتكبر. والحزب أخصّائيّ في الالتفاف على تحوّلات تغيّر موضع التركيز: في 2005 ارتفعت أجندة الاستقلال الوطنيّ ورفع يد الأجهزة الأمنيّة. في 2006 خُطف الجنديّان الإسرائيليّان وكانت حرب تمّوز.

التيّار العونيّ لم يستطع فعل الشيء نفسه مع طائفته المسيحيّة. بدا رثّاً، لا يملك ما يقايض به جماهيره. مظاهرة بعبدا دعماً للرئيس عون كانت حدّه الأقصى، وهي أقلّ من الحدّ الأدنى المطلوب لتفكيك الثورة وفصمها إلى شارعين.

«حزب الله» إذن هو الذي تولّى المهمّة: أخرج الكتلة الشيعيّة، وأعطى لفئات متردّدة في الكتل الطائفيّة الأخرى ذريعتها كي تعزّز تردّدها: لماذا نتبعثر بينما هم يتجمّعون؟!

هذا اللغم قد ينفجر بعنف أو من دون عنف، وبانهيار اقتصاديّ أو من دونه. عندها يغدو قتل المشروع الوطنيّ معادلاً لمشروع قتل الوطن نفسه عبر تعفينه لعشرات السنين في ظلّ هذا النظام.

الشرق الاوسط

——————–

في معنى الربيع العربي/ ميشيل كيلو

تؤكد حركات التمرّد الشعبي الراهنة في العالم العربي سمة الواقع السياسي العربي التي كشفها المد الثوري، وتلخصها حقيقة لا مجال لإنكارها بعد، أن التنافي المتبادل بين السلطة الحاكمة ومجتمعاتها بلغ حد القطيعة النهائية التي تجعل تعايش الشعوب ونظم الحكم ضربا من الاستحالة، في ظل معادلةٍ فرضتها النظم طوال نصف قرن، جعلت حضورها ممكنا ما دامت قادرةً على تغييب مجتمعاتها وإلغائها. وبالعكس، ستزول هي بمجرد عودة مجتمعاتها إلى دورها السياسي. وواضح أن ثورات الربيع العربي، وهي التعبير اليومي عن عودة السياسة إلى المجتمعات، قد أسقطت ما سوّغ معادلة النظم من أدلجة وأكاذيب وشعارات قومية وعنتريات صمودية، ووعود تحريرية، وأوهام تنموية، واستبدلتها بمعادلةٍ حاملها المواطن العادي، غير المنظم أو المسيس، والعابر جميع فئات مجتمعه، جوهرها استعادة وطنه، كاملا غير منقوص، من النظام القائم.

مع الربيع العربي، تبنّت الشعوب نهج أهل النظام الذي قال: لا مكان لنا ولهم معا، إما نحن أو هم. لذلك صدحت حناجر صبايا الثورة وشبانها بالقول “كلن يعني كلن”، ويعني “نحن لا هم”، ولن نقبل بوجود أي واحد منهم بيننا، لأن هذا الواحد سيكون نقيضنا وسيلغي وجودُه وجودنا. وبما أننا لن نسلمهم إرادتنا وكرامتنا بعد الآن، ولن نبقى خدما لا حقوق ولا وطن لهم، فإن زمن رحيلهم قد حان: في الجزائر، حيث هم “عصابة”، وفي العراق “عملاء فاسدون”، وفي لبنان، الفساد بذاته ولا يُستثنى أحد منهم.

هذا التنافي المتبادل الذي مارسته السلطة إلى البارحة ضد مجتمعها، ويتبنّاه المجتمع من الثورة فصاعدا في مواجهتها، يفضح حجم تطابق نظم عربية في الفساد والإجرام، وحجم انكشافها الذي يثير أقصى الغضب والرفض لدى المجتمعات العربية في كل أرض ومصر. ولذلك ينضم إليه مواطنون من مختلف الأعمار والفئات. وحّدهم الغضب، فنزلوا إلى الشوارع كتلة صلدة مصممة على تقديم أعز التضحيات لاقتلاع نظم العنف والفساد، ما دام فشلهم لا يعني مجرد إخفاقٍ أصاب حركة سياسية، بل يتخطّى ذلك إلى نفي وجودهم ذاته، كما تخبرهم التجربة السورية، حيث انتقلت الأسدية من إلغاء الشعب سياسيا إلى إبادته جسديا. ولكن صمود المواطنين الأحرار وتضحياتهم يُفشلان سعيه، ويضعانه أمام تحدٍّ لا يمكنه تجاوزه، هو رد السوريين إلى ما قبل ثورتهم في 15 مارس/ آذار عام 2011، على الرغم مما تلقاه من دعم دولة عظمى وأخرى إقليمية وعشرات تنظيمات الإرهاب من لبنان والعراق وأفغانستان.. إلخ، وموقف واشنطن الممتنع عن دعمه، والمراهن على الفوضى.

بالثورة، أعلنت شعوب الربيع العربي القطع مع زمن الذل والموت السياسي، وبدء زمن الحرية والكرامة، وأسقطت أكذوبة السلطة القوية والمجتمع الضعيف، وأثبتت بتضحياتها وبطولاتها كم راكمت من قوة، وتحرّرت من هشاشةٍ بدت إلى حين من الزمن أنها لن تبارحها، لكنها ثارت وأعادت لإرادتها مكانها في تاريخٍ كاد ينساها، ولن يتمكّن أي نظام من القفز عنها بعد اليوم.

تواصل الشعوب العربية ثورتها بشعارات ومطالب وهتافات تشبه ما كانت الثورة السورية قد أبدعته، وتهتف الملايين لها وتحمل علمها، اعترافا بدور صمودها الأسطوري في بعث الأمل بانتصارها، والثقة في قدرتها على مواجهة طغاتها، وانتزاع أوطانها منهم، لإعادة تأثيثها أوطانا نظيفة تليق بشعوب حرّة، وحّدتها الآلام خلال نصف قرن، ويحرّرها في أيامنا من قرّروا العيش في نعيم العدالة والمساواة، وما تتوق نفوسهم إليه من كرامة، أدركوا أن نيلها محال من دون كنس نظم الفساد والاستبداد، والقضاء الناجز عليها، تطبيقا لمعادلة الثورة التي تجعل عودة الشعب إلى الحياة تعني هلاك المستبدّين والتخلص من نظمهم.

العربي الجديد

—————————

لبنان: ولادة الوعي/ بيار عقيقي

يتحدّث كثر عن الوعي في لبنان بكونه عنصراً أساسياً في انتفاضة 17 تشرين، ومع أن مفهوم الوعي، بحدّ ذاته، غير محصور باتجاه محدّد، إلا أنه في الحالة اللبنانية، هو تعبير عن “خروج من ذهنية متأصلة بفعل تراكمات مائة عامٍ من سلبيات لبنان الكبير”. هذا الخروج لم يكن سهلاً، وإن كان صغيراً في الوقت الحالي، فالحاجة إلى تزخيم عنصر الوعي مشابهة للاستثمار في الإنسان تعليمياً ومهنياً واجتماعياً. لا يمكن التفكير في أن كل شيء سيتغير بين لحظة وضحاها، فالانسان قد يستصعب تغيير مكان عمله أو نومه أو مسكنه، ويحتاج وقتا من أجل التأقلم مع المستجدّات. كذلك الأمر في الحالة اللبنانية، فحجم الوعي بات أكبر مما كان عليه في السابق، والأهم أنه يكشف من هم المتسلقون والانتهازيون والوصوليون. الوعي مرافق لمبدأ “الثورة تطهّر نفسها”، فمن حسناته أن من يسعى إلى التغيير يكون مدركاً أنه لا يرغب في إحلال بديلٍ لما سيغيّره، مشابه له. لذلك، تجمع الساحات الجميع، لكنها في لحظة الاستحقاق ستفرزهم يمنة ويسرة. ليس الأمر مشابها لـ”الثورة تأكل أولادها”، إنما يترجم قدرة الوعي على السيطرة على المحطات المستقبلية.

مشكلة الوعي أساساً في لبنان أنه طُمس بفعل سلسلة تراكمات ترهيبية طوال السنوات المائة الماضية، منها ما هو مباشر، كالقتل والاعتقال والضرب والتعذيب، ومنها هو غير مباشر عبر تسويق مبدأ الزبائنية، وربط مصالح الأفراد بمصالح الحزب أو الزعيم، المحميين من طائفة ما ودولة إقليمية أو عظمى. هذا الربط جعل الشخص المعني غائباً عن الوعي، بالمعنى المجازي، وسامحاً له بإطلاق العنان لغريزةٍ بدائية، يُفترض أنها انتهت مع اكتشاف الإنسان النار. تجلّى هذا الربط في بعض المحطات في الشهر الأول من الانتفاضة اللبنانية، كبناء الجدران، وإن كانت النية سليمة، وفي سياق التشبيه مع الفيلم الوثائقي “winter on fire” الذي يروي قصة الثورة الأوكرانية 2013 ـ 2014 ضد الرئيس المخلوع، فيكتور يانوكوفيتش. ولكن بناء الجدران الرمزية في بعض المناطق أوحى بفترة الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990)، التي كانت فيها المناطق اللبنانية أشبه بإدارات ذاتية طائفية. كما برز الربط في مسألة الاعتداءات على المتظاهرين، واعتقال عشرات منهم، سواء لسبب إحراقهم أو تمزيقهم صورة، أو لممارسة حقهم في التظاهر والتعبير. ولكن التعذيب الذي مارسته الأجهزة الأمنية والأجهزة الحزبية ضد هؤلاء هو بداية نهاية لها.

تجلّى الوعي أيضاً في التمييز بين من يسعى إلى الانتفاضة حالةً إنسانية عابرة للتصنيف الطائفي المناطقي للفرد ومن يريد تصفية حسابات سياسية، واعتباره الانتفاضة كأنها فرصة انتقامية له. أصلاً الأحزاب التي تناور عبر الإيحاء بأنها “مؤيدة للثورة” إنما تثأر لما تعتبره إجحافاً بحقها في تقاسم السلطة. بمعنى آخر، لو أن هذه الأحزاب نالت ما تعدّه حقاً لها في السلطة، وتنعّمت بمغانمها، لكانت في طليعة المتعدّين على الناس وصوتهم. من الضروري أن يميّز الوعي هذا النوع من الأحزاب وقادتها.

الوعي نفسه يشخّص من يقدّمون أنفسهم وكأنهم بدائل عن السلطة، تحديداً الذين يحصلون على التسويق الإعلامي المكثف، والذي يمكن اعتباره أقرب إلى حملةٍ دعائيةٍ منه إلى ترويج انتفاضة أو ثورة. هذا الوعي سيطاولهم أيضاً. في هونغ كونغ، هناك جوشوا وونغ، يلتف حوله المعارضون للصين والمطالبون باستقلال الإقليم. في لبنان، ليس هناك من جوشوا وونغ، بل مجموعة مدّعين، برزت نماذج مثلهم في عام 2015، في أثناء الحراك ضد النفايات، واليوم كذلك. مشكلة لبنان أنه صغير للغاية، إلى درجة أنه يمكن فضح ارتباطات بعضهم بسياسيين أو أحزاب، لكن الرهان على الوعي هو الحلّ الأمثل، وهو من سينتصر، في نهاية المطاف، خصوصاً إذا ما تحوّل إلى حالةٍ تطبيقية، ويبدو أنه بات أقرب من أي وقتٍ مضى.

العربي الجديد

————————-

انتفاضة التّطهّر من وباء السياسة والسياسيين/ محمد أبي سمرا

من السمات الأساسية الجديدة لانتفاضة 17 تشرين الأول 2019 في لبنان، أنها أنشأت هايد بارك تلفزيوني يومي وغير مسبوق في الساحات والشوارع العامة. فالتلفزيون شارك بقوة وفاعلية في صناعة الانتفاضة وشعبها وكلامها وصورها، وفي صناعة ساحاتها العامة، وبثِّ ما يقال فيها على مدار اليوم إلى البيوت. ومنذ بداية الانتفاضة انخرطت المحطات التلفزيونية اللبنانية الثلاث الأساسية فيها، وهي الأوسع جمهوراً بين المشاهدين: NTV، MTV، LBC. فأطلقت المحطات هذه جيشاً من مراسلاتها ومراسليها الميدانيين المحترفين، لنقل ما يدور ويحدث في الشوارع والساحات التي اتخذها المنتفضون والمتتفضات ميادين لتجمعهم وتظاهراتهم واعتصاماتهم.

والهايد بارك الذي ابتكرته الانتفاضة في يومياتها، ما كان يمكن أن ينشأ ويستمر لولا النقل والبث التلفزيونيين على مدار الساعة. فبرهن التلفزيون بديموقراطيته على الطريقة اللبنانية، أنه في قلب الحوادث، ومساهم أساسي في نشر صورها وأخبارها، بل في صناعتها، وبرهن اللبنانيون أنهم شعب تلفزيوني بامتياز، ويشكل التلفزيون مرآةً لحرياتهم وتفاعلهم وأنماط عيشهم وكلامهم.

عالم السياسة الملوث

وفي مرآة الهايد بارك التلفزيوني الذي أنشأته الانتفاضة، بدت انتفاضةً بريئة، أو انتفاضةَ البراءة السياسية، أو التبرؤ من السياسة وفضحها، باعتبارها في لبنان عالماً صفيقاً ملوثاً، مداره صفقات تناهب المال العام، وتكديسه في أرصدة الحسابات الخاصة لأركان السلطان السياسي والمالي الفاسدين والمفسِدين، وتوزيعه ريوعاً سوداء في ما بينهم، وعلى حاشياتهم وبطاناتهم ومواليهم.

وشبكات النهب وصفقاتها – وهي لبُّ السياسة اللبنانية وركنها وموضوعها وعالمها كله – سطت على مالية الدولة العامة فأنضبتها، وتركت الشعب اللبناني بلا خدمات ولا مرافق حياتية عامة أساسية، أو تركت المرافق العامة نهباً للإهمال والانهيار والخراب، أو مجالاً للتسلط عليها وتوظيف المحاسيب والأتباع فيها ليعتاشوا منها، ولاستجداء المساعدات الخارجية لإصلاحها وتحسين أدائها وخدماتها. فيجري تقاسُم نهب هذه المساعدات التي عزفت الدول المانحة أخيراً عن تقديمها، كما عزف المستثمرون عن توظيف أموالهم في مشاريع منتجة في لبنان.

وعالم السياسة والمال الملوث هذا مزمن في لبنان. وهو انطلق  انطلاقة جديدة غير مسبوقة في مطالع تسعينات القرن العشرين، بعد توقف الحرب الأهلية الإقليمية الملبننة. لكن هذا العالم بلغ ذروة فساده في السنوات الأخيرة، مع تزايد مناكفات أهل السلطان السياسي – المالي وشراهتهم، وتراشقهم التُهم والمهاترات، وتقاذفهم المسؤولية عن الإهمال والفساد المستشري في المرافق العمومية، وعن جمود الحياة الاقتصادية وتراجعها. وهذا كله بالتزامن مع تناقل الكلام المتواتر عن بداية انهيار مالي وشيك في البلاد.

رهط الهوس السلطوي

الذروة التي بلغها هذا العالم السياسي – المالي الملوث، فاقمها دخولُ عالم السياسة والسلطة والتمثيل رهط جديد من المتسلقين والوصوليين الجوعى إلى المناصب والسلطان وجني الثروات المالية منها. وتصدّر هذا الرهط الجديد نجمٌ سياسي صاعد، مستنفِرٌ ومستفِز، باستقوائه بحزب السلاح والحروب المهدوية الداخلية والدولية الدائمة. وبلغت استفزازاته الخرقاء أشدّها في خطبه الجوفاء السكرى بتسلقه السلطوي الأهوج.

وراح ذاك المتسلق والمهووس السلطوي يجول أسبوعياً على مناطق لبنانية كثيرة، مسوِّقاً نجوميته الاستفزازية. أدت إحدى جولاته إلى سقوط قتيل جعل النجمُ الصاعد دمَ قتيله متراساً لأزمة سياسية – أهلية بين أقطاب الحكم، فعطل جلسات مجلس الوزراء طوال شهر كامل. ثم أخذ يردّد أنه لم يعد يطيق لزعامته أن تبقى أسيرةَ القطيعة مع عرين ديكتاتورية الأسد الدموية المدمَّرَة والخَرِبة، وأنه يريد مشاركة الأسد في إعمارها على دماء شعبها المتخثر في ركامها، لإعادته إليها وتخليص لبنان من ضيقه العنصري بشعب سوريا اللاجئ، لأنه يشكل ثقلاً ديموغرافياً يهدد نقاء شعب لبنان وتقدمه الحضاري وكيانه الفريد في ديار الشرق، ويعوّق وصول النجم الصاعد إلى سدة الرئاسة اللبنانية، وريثاً لمن وصل إليها بصلافته الخرقاء المدمِرة.

وفي سياق صعود هذا المتسلق السلطوي المهووس، ارتفعت نسبة شيوع أخبار الفضائح المالية والأخلاقية في دائرة الوسط السياسي اللبناني. وشبت حرائق واسعة في مناطق ريفية من شمال لبنان إلى جنوبه. فهب أحد اقطاب رهط المتسلق السلطوي واتهم الطبيعة بالعنصرية، لأن حرائقها لم تلتهم مناطق الطوائف الأخرى في البلاد. وانطلق على الغارب تقاذف التُّهم والمسؤوليات بين أركان السلطة عن التقصير في اقتناء وسائل وتجهيزات إطفاء الحرائق. هذا وبلغت الفضائحُ ذروتها غير المسبوقة في: تلوث البيئة والأنهار والمياه الجوفية، وسلب الأملاك العامة واستثمارها استثماراً خاصاً، واستحالة معالجة النفايات ومكباتها المتخمة والعشوائية في الديار اللبنانية، إلى جانب فضائح صفقات بواخر توليد الطاقة الكهربائية، وسائر المشاريع العامة في البلاد.

ولم يبق قطاع وشأن من شؤون الخدمات الأساسية في لبنان خارج دائرة الفضائح والفساد. ولم يبق لأهل السلطان السياسي والمالي النهابين، كي يستمروا في مناصبهم وصفقاتهم، سوى فرض ضرائب عشوائية جائرة على قوت عموم الشعب وحاجاته وخدماته الأساسية، وعلى مداخيله القليلة المتضائلة والمتآكلة…

وانفجرت انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، وانفجر غضبها في الشوارع والساحات، وتمددت من العاصمة بيروت إلى مناطق ومدن وبلدات لبنانية كثيرة، فهبت المحطات التلفزيونية الثلاث إلى متابعة يوميات الانتفاضة المتفرقة ونقل صورها وكلامها نقلاً متصلاً ومباشراً. وحصد متصدر رهط التسلق السلطوي المسعور، معظم غضب المنتفضين الذي أنصبَّ عليه في ساحات الهايد بارك التلفزيوني.

براءة كلام الانتفاضة

وسرى في المنتفضين نموذج عفوي وتلقائي للغضب وكلامه البريء في هايد بارك الساحات العامة التلفزيونية. فصدحت حناجر المنتفضين بالقول لمتصدري عالم السياسة والمال الملوث: هيا ارحلوا، تنازلوا عن مناصبكم ومكاناتكم التي انتدبناكم وانتخبناكم لتوليها وإدارة شؤوننا وأموالنا العامة، فحولتمونها نادياً مافيوياً مغلقاً لكم ولأرهاطكم وخواص محاسيبكم وأتباعكم، وجعلتم تتناهبون ريوعها وعوائدها في ما بينكم، وتركتموننا للفقر والبطالة والعوز والمرض والوجع والموت على أبواب المستشفيات، وللجوع والمهانات والتعاسة، ورحتم تكدّسون أموالنا المنهوبة في حساباتكم الخاصة في المصارف المحلية والخارجية.

وحتى حملة الشهادات الجامعية العليا منا، كسُدتْ شهاداتنا في سوق العمل الضيق المقفر من فرص العمل، إلا لخواص مواليكم وحاشياتكم. وصار على أبنائنا وبناتنا الشبان والشابات الرحيل والهجرة إلى ديار الله البعيدة، لتحصيل العمل والحياة والكريمة اللذين سُدّت أبوابهما في بلادنا…

هيا ارحلوا عنا، انزلوا عن كراسيّكم وتخلوا عن مناصبكم وسلطانكم. لقد جربناكم سنوات وسنوات، فتماديتم في غيِّكم وفسادكم ومناكفاتكم وتقاسم التسلط علينا ونهب أموالنا العامة. لم نعد نتحملكم ولا نتحمل بؤسنا وفقرنا وطّرْق أبوابكم الموصدة في وجوهنا للتصدق علينا بفرصة عمل صغيرة نشحدها منكم، كما نشحد فُتات موائدكم العامرة.

هيا حلوا عنا، نريد الخلاص منكم، لنُولّي سواكم علينا من أهل الاختصاص والكفاءة والأكف النظيفة، لإدارة شؤوننا بعيداً من زعامتكم وأحزابكم. كفاكم نهباً وتسلطاً. لا نريد أحداً منكم ومن أحزابكم في المؤسسات العامة والوزارات والمناصب. نريد أن نجرّب سواكم، علّهم ينقذوننا مما نحن عليه وفيه من انسداد آفاق حياتنا الآنية الراهنة والمستقبلية. لم نعد نطيق السياسة وأهلها، أنتم الذين حولتموها وسيلة للنهب والاثراء والفساد…

صلف السلطوي العجوز

هذا الكلام كله وأمثاله الذي تردّد يومياً ومديداً في الهايد بارك المتلفز والناشئ في الساحات العامة، فيما اختفت واحتجبت رهوط أهل السياسة والمناصب والمكانات وانكفأوا، وغابت مناكفاتهم ومهاتراتهم، وصمتوا صمتاً مريباً كأنما على رؤوسم الطير.

وفي الأثناء  أخذ يطل تِباعاً على المنتفضين دهاقنة الصف الأول من أهل السلطان السياسي، فراحوا يرددون كلامهم المعسول للمنتفضين في الساحات والشوارع: نحن نتفهكم وأنتم أهلنا، وكلامكم كلامنا، ولم نفوّت فرصة لقوله قبلكم. لكن إياكم والسفارات والمندسين وأصحاب المآرب، فلا تدعونهم يستغلون انتفاضتكم الشريفة والبريئة، لغاياتهم ومآربهم… هيا غادروا الساحات، ولا تقطعوا الطرق، وسوف نحاول إنصافكم وخلاصكم من عثراتكم.

لكن المنتفضين لم يستجيبوا هذه النداءات، بل قالوا لمخاطبيهم من دهاقنة السياسة: عهودهم انتهت، هيا غادروا أنتم مناصبكم، لم نعد نصدّق أياً منكم. فما كان من زعيم رهط المتسلقين الجدد، العجوز، والذي يتدافع كلام غضبه السلطوي المسموم والمتعالي، فيعطل جهاز نطقه، إلا أن أطل من قصر الرئاسة الرسمية في مقابلة تلفزيونية طويلة، خاطب فيها المنتفضين قائلاً: راجعوا تاريخي، ومن منكم لا يعجبه هذا التاريخ التليد المشّرف، فليهاجر…

وانفجر غضب المنتفضين متجدداً وأقوى من ذي قبل، فراحوا يقولون لرئيس التاريخ المشرف: هيا ارحل أنت الذي قالوا إنك “بي الكل”. فأي أبٍ أنت لا يعلم معنى الأبوة؟! وكان يجب على بناتك ومَن ولّيته سلطاناً على رهطك الحزبي، أن يرأفوا بك، فلا يعرضونك لمثل هذه المحنة من انكشاف عيائك وعجزك في إطلالتك التلفزيونية.

السياسة وباء كلها

هذا السرد للسيناريو الذي دار في هايد بارك الساحات العامة التلفزيونية، وفي رد أهل السلطان السياسي – المالي الملوثين، يتوخى القول إن كلام المنتفضين ينطوي على براءةٍ وتطهّر حميمين وعاطفيين من أهل السياسة وعالمها وعالمهم الموبوء والملوث والخبيث، الذي عرفوه وخبروه منذ عقود في لبنان. ذلك أن كلام المنتفضين ينطوي في معظمه على ما يشبه انتفاضة الأبناء على أهلهم وإخوتهم الكبار. وعلى اعتبار عمل الدولة والعلاقات السياسية وإدارة الشؤون العمومية شبيهاً بنسيج العلاقات الأهلية والقرابية والعائلية الحميمة والمجسَّدة والملموسة، الخالية من التجريد والتركيب.

ولذا هم يريدون لشؤونهم العامة إدارةً بريئة من السياسيين الخبثاء والسياسة الخبيثة. إدارة تقنية جديدة يتولاها اخصائيون بريئون أطهارٌ من الانتماءات السياسية والحزبية وأرهاطها التي خرجوا منها وعليها في انتفاضتهم، ينشدون الخلاص من عثراتهم وعثرات بلدهم المديدة. وهم في هذا يقولون إن السياسة والسياسيين وباء خالص. ولا نريد سياسة ولا سياسيين. بل نريد من سياسييّنا هؤلاء إخلاء مناصبهم، ليتركوننا وشأننا، بلا سياسة ولا سياسيين. ولدينا في بلدنا كثرة من الأخصائيين والتقنيين غير المسيسين والبريئين من الوباء السياسي، ونريد أن نولّيهم وننتدبهم لإدارة شؤوننا العامة.

أما كيف يمكن التنفيذ الإجرائي لنزع السياسة وولاية السياسيين وحجبها عنهم، ولتكليف الأخصائيين والتقنيين إدارة الشؤون العامة في الدولة والبلاد؟ فهذا ليس شأننا ولا هو من مهامنا، يقول المنتفضون.

وقد يكون العزوف عن الجواب عن هذا السؤال الإجرائي والتنفيذي (وهو مسألة سياسية بامتياز)، من علامات حكمة الانتفاضة التي اقتصر مطلبها على الخروج من السياسة وعليها، بصفتها وباء مجرَباً، ولا يمتلك المنتفضون أية وصفة سياسية ليقترحوها خلاصاً من السياسة كما عرفوها وتجرعوا سمومها وويلاتها طوال عقود في لبنان.

لكن هذا العزوف الحكيم قد لا يؤدي، في أحسن الأحوال، إلا لبقاء السياسيين في مناصبهم وبقاء وبائهم السياسي على حاله، وبقاء المنتفضين في الساحات والشوارع وإحيائهم الهايد بارك التلفزيوني. غير أن هذا يصعب أن يستمر. وقد يكون محطة أولى في عملية اجتراح قول سياسي جديد، لا يخلو من الصعوبة والاختبار والتجريب.

—————————————

لماذا تقلق إيران من ثورتي العراق ولبنان؟/ منير شحود

يا للمفارقة، فقد دخل العراق العهد الإيراني منذ احتلاله من قبل القوات الأميركية عام 2003، ولم يكن الأميركان يومًا خبراء في إدارة فوضى الحروب التي يحدثونها كمحتلين، فلا خبرة استعمارية تاريخية لديهم. لنقارن ذلك بما فعلته فرنسا في سورية إبّان سنوات الانتداب، فبالرغم من كل ما يمكن أن يقال سلبًا عن هذا الاستعمار، أنشأت فرنسا هيكل دولة حديثة، ومرافق مدنية ما زالت بقاياها شاهدة حتى الآن. في المقابل، ركزت الولايات المتحدة على بناء جيش وقوى أمنية مدججة في العراق، لكن كل هذه الإجراءات، التي كلّفت المليارات، لم تصمد حتى أمام عصابة (داعش) الإرهابية عام 2014، وكان عراق المالكي آنذاك مستريحًا في حضن الإيرانيين.

وبحكم تركّز معظم قوى المعارضة العراقية في إيران قبل الغزو الأميركي للعراق، وهي معارضة ذات طابع مذهبي ومدعومة من إيران على هذا الأساس، وبعضها ميليشيات مسلحة كانت قد التجأت إلى إيران بعد فشل الانتفاضة التي أعقبت هزيمة العراق في حرب الخليج (1990 – 1991)؛ فقد دخلت إيران لملء الفراغ الذي أحدثه انهيار الجيش العراقي، في غفلة عن الأميركان، وعلى الأغلب تحت أنظارهم، ولم يكن لديهم خطة ما بعد الحرب على ما يبدو. ثم جاءت قوانين الحاكم بريمر، ومنها حلّ الجيش، لتكرّس سيطرة الميليشيات الشيعية، ومن ثَم سيطرة إيران الولي الفقيه، على مقدرات العراق. كانت إيران قد عجزت عن تحقيق أي اختراق حقيقي في العراق، طوال ثماني سنوات من الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988)، فجاء الاحتلال الأميركي ليقدم لها العراق على طبقٍ من ذهب.

العراق الآن مستعمرة إيرانية، إلى هذه الدرجة أو تلك، من خلال سيطرة ونفوذ ميليشيات “الحشد الشعبي” المدعومة والمسلحة من قبل “الحرس الثوري”، ولكنه –أيضًا- البلد الذي سيتقرر فيه مصير النفوذ الإيراني في المنطقة، فعلى الرغم من أهمية لبنان الذي يسيطر عليه “حزب الله” بالوكالة، فإن أهميته بالنسبة إلى إيران لا يمكن مقارنتها بأهمية العراق؛ الجار الأكبر والغني بالموارد الطبيعية.

كانت الترتيبات السياسية التي أعقبت الانتخابات الأخيرة في العراق (2018) قد كرست نفوذ إيران من جديد، من خلال الإتيان برئيس الوزراء عادل عبد المهدي، ولو أن تبعيته لإيران لا تقارن بتبعية نوري المالكي، في حين كان سلفه، حيدر العبادي، قد حقق درجة أكبر من الاستقلالية.

بدايةً، بدا أن الانتخابات الأخيرة، التي كان الاصطفاف الطائفي فيها أقلّ من سابقاتها، ستحدث بعض التغيير السياسي؛ لأن تحالف “سائرون” المدعوم من رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر جاء في الصدارة، لكن نتائج هذه الانتخابات أُفرغت من عراقيتها المحدودة، وربما لعبت المواقف المتذبذبة لمقتدى الصدر ذاته، التي تراوح بين رفع الصوت في وجه إيران أو التبعية لها، دورًا في تكريس النفوذ الإيراني من جديد.

وفي كلٍّ من العراق ولبنان، تحرص إيران على أن يبقى الجيش الوطني ضعيفًا، أو تعارض تسليحه للتحكم فيه، وليبقى تحت رحمة الميليشيات التابعة لها، وذلك لضمان سيطرتها الشاملة على هذين البلدين حين يقتضي الأمر. وفي مسعى لتعويم دور الميليشيات، فإنها تضطلع بمهام وطنية أحيانًا، مثل قتال “الحشد الشعبي” لتنظيم (داعش) في العراق، والدور الذي لعبه “حزب الله” اللبناني في انسحاب “إسرائيل” من جنوب لبنان، واستمراره في الحديث عن الدور “المقاوم”، المجمّد منذ الاتفاقية التي أنهت حرب عام 2006.

لكن العامل الجديد الذي زعزع أركان النفوذ الإيراني هو الحراك الثوري المندلع في كل من العراق ولبنان، وهو حراك شبابي و”غير انتخابي”؛ أي لم يكن له ثقل يذكر في نتائج الانتخابات. وسيترك هذا الحراك أثرًا مهمًا في حاضر ومستقبل النفوذ الإيراني في هذين البلدين، من خلال تغييرات ستطال البناء السياسي الذي لا مكان فيه لهيمنة إيران، إنما للشراكة معها، مثل أي دولة جارة أو صديقة، من دون المرور عبر حرسها الثوري.

كما أن مواجهة الفساد والفاسدين، في العراق ولبنان، جزءٌ لا يتجزأ من مواجهة النفوذ الإيراني، النفوذ الذي يجلب معه الفساد ويكرسه، كونه يعمل بالأساس خارج مؤسسات الدولة أو يحاول اختراقها، ويحتاج الأمر في الحالتين إلى علاقات الفساد وقنواته. لقد وصل الفساد في العراق في ظل النفوذ الإيراني إلى حالة غير مسبوقة، مثلما أشارت أرقام الثروات المنهوبة من قبل المسؤولين العراقيين، بخاصة في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. وإذا كان الحراك اللبناني، النظيف نسبيًا حتى الآن، قد أسقط حكومة الحريري، كأول أهدافه، وأثمر الضغط الشعبي عن البدء بفتح ملفات الفساد، فإن الحراك العراقي، المدمّى، يزداد إصرارًا على الثبات والتشبث بالساحات لتحقيق أهدافه.

تتمثل خصوصية الحراك العراقي بأنه يتركّز في مناطق الأغلبية الشيعية، وفي العاصمة بغداد، وهو موجه ضد النفوذ الإيراني ومرتكزاته الحزبية والميليشياوية في جنوب العراق، الذي تعتبره إيران حديقتها الخلفية. إنه تحول وطني عراقي غير مسبوق، وقلب للطاولة في وجه إيران. وإذا أضيف إلى ذلك تزامن الحراكين العراقي واللبناني، وتقاطع أهدافهما في الحد من النفوذ الإيراني؛ أصبح التخوف الذي عبّر عنه المسؤولون الإيرانيون أخيرًا، في محله، وربما يفوق المخاوف المتعلقة بالعقوبات الاقتصادية.

عامل آخر قد ينهي المسألة، وهو اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات في الداخل الإيراني، وإذا أضيف هذا العامل إلى مفاعيل العقوبات الاقتصادية والتطورات التي قد تحدثها انتفاضتا العراق ولبنان، فإن عودة إيران إلى ما وراء حدودها الدولية تصبح احتمالًا واردًا بقوة، ما يمهد السبيل لنهاية حقبة بائسة من حياة الإيرانيين، كما بالنسبة إلى حياة شعوب البلدان التي تغلغلوا فيها.

من المستحيل فصل التطورات الثورية المتنقّلة في المنطقة بعضها عن بعض، وقد صارت حقيقة، وعبرت ذروة تكاليفها الدموية الباهظة، بحكم تراجع قدرة الأنظمة على القمع وزيادة خبرة المنتفضين، ولتصبح الثورات أكثر سلمية وتحقيقًا للأهداف بعد الآن. لا يعني ذلك أن الأمور ستمضي في خطٍّ مستقيم، فهذا ليس مما تعِدُ به مسارات التاريخ، ولكنه الاتجاه الصحيح نحو عالمٍ أفضل.

تضيف مشاركة المرأة في هذه الثورات الكثير من الميزات، منها الحدّ من العنف. وإذا كانت المرأة قد شاركت في أصعب الظروف التي عاشتها الثورات السابقة، فإن مشاركة المرأة اللبنانية بفاعلية شديدة الوضوح تعود إلى تراكم الحريات، ولو أنه لم يصل إلى درجة إحداث تغيير عميق في قوانين الأحوال الشخصية والمدنية، فضلًا عن محدودية المخاوف المتعلقة بالقمع، في حين تعدّ مشاركة المرأة العراقية التجربة الأولى والملفتة على هذا المستوى.

—————————————–

ثورات شعبية من أجل التعدّدية الدينية/ عمار ديوب

“عودوا أيها المسيحيون إلى الموصل، وفي الأسبوع القادم سننظف كنيسة الساعة”. هكذا تكلم شباب عراقيون مسلمون في تسجيل في موقع يوتيوب حصل على مشاهدات مليونية، وكان الفيديو يظهر إعادة وضع الصليب على الكنيسة، وفيما يبدو آخرون ينظفونها من بقايا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومن بقايا النظام الطائفي الحالي. لافتة أخرى تقول: سنسقط النظام الطائفي، وعودوا يا يهود العراق إلى بلدكم. وفي لبنان، رُفعت شعارات ضد المحاكم الدينية، ومن أجل علمانية الدولة والعدالة الاجتماعية. الأمر ذاته تكرّر في السودان، حيث أظهر الإعلام مشاركة المسيحيين هناك في الثورة، وذلك رفضاً لسياسات التطييف، وأن السودانيين متعددو الأديان، ويجب الانتهاء من أي شكل للغلبة بين الأديان والقوميات، وأن يمثل نظام الحكم الجديد كل خصوصيات المجتمع ومطالبه؛ هذه رسالة الثورات بأكملها، ولهذا وجدناها ترفع في سورية في 2011 “الشعب السوري واحد”.

موجات ثورية

موجة الثورات العربية الأولى أو الثانية، أو المرحلة الثورية الانتقالية الطويلة في العالم العربي، تبدو واضحة التوجهات، فهي ثورات من أجل واقع أفضل، وبما لا يناقض تعدديّة المجتمع القديم، ويضع حداً نهائياً لغلبة دينٍ على آخر، ومن أجل مستقبلٍ اقتصادي أفضل للمفقرين والمهمشين، وأن يكون النظام ديمقراطياً؛ هنا لا يفوتني أن أذكر، أن الثورات حدثت بفعل السياسات الليبرالية الجديدة التي تبنتها كافة الأنظمة العربية ومهما كان شكلها السياسي ومنذ التسعينيات، وهي هي التي فجرت الثورات، ولكنها فجرت كذلك كل القضايا العالقة والتي لم تجد حلّاً لها من قبل، وأقصد قضية الاعتراف بالتعدّدية الدينية في المجتمعات العربية، وضرورة انتهاج نظام ديمقراطي يستند إلى المواطنة وحقوق الإنسان، وحماية حرية الأديان. القضايا الأخيرة تناقش دولياً، بحيث تشتمل دساتير الدول على العلمانية والمواطنة وحقوق الإنسان، وكذلك على حق الأفراد والجماعات في الإيمان والإلحاد أيضاً، وضمن منظومة القيم السامية والكبرى، وبما يدفع كل أشكال الفكر والثقافة والسياسة إلى تبني رؤية جديدة للمجتمع تتضمن بالضرورة المواطنة

“أظهرت ثورتا العراق ولبنان، ورغم أن الجانب المعيشي هو المصدر الأساسي لانطلاقتهما، أنهما ثورتان ضد النظام الطائفي”

والمساواة بين الأفراد، وتضمن حق الأديان والمؤمنين بالمشاركة السياسية ووفقاً لمرجعيتهم تلك، ولكن بإطار أهداف تتعلق بالتعايش المجتمعي والسلم والحوار ومفهوم العدالة، وأن تكون الحرية عامة ومتاحة للجميع، مؤمنين وغير مؤمنين، وملحدين وسواهم، وهذا لا يتحقق دون الاعتراف بالآخر، ومهما كان الآخر. الأديان مطلوب منها أن تتغيّر وتتعلمن، وكذلك العلمانيون وكل أشكال الثقافة مطلوب منها أن تتديّن، وبالتالي يجب الوصول إلى مبادئ دستورية تنظم هذه القضايا، وتكون مصدراً للقوانين الناظمة لشؤون الدولة والأفراد.

أظهرت ثورتا العراق ولبنان، ورغم أن الجانب المعيشي هو المصدر الأساسي لانطلاقتهما، أنهما ثورتان ضد النظام الطائفي الذي كان الغطاء للنهب والفساد والهيمنة الأميركية أولاً والإيرانية ثانياً. أظهرت الثورتان أنهما تجاوزتا القيد الطائفي بشكل كبير، وهدمتا كل أعمدة الهيكل الطائفي؛ فكل الأحزاب الطائفية هناك حمت الفساد والنهب وكذلك في لبنان، وقسَّمت الشعب سياسياً كطوائف وأديان، وما زالت تحاول ذلك. رسالة الثورات هنا أن الطائفية لم تعد حاميةً لأية حقوق اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، وأن الأديان والطوائف يجب أن تبتعد عن السياسة أو تطوّر نفسها، وتَعتمد في حقل السياسة مبدأ المواطنة وحقوق الإنسان، وضمن ذلك فقط عليها إصلاح الفقه أو اللاهوت أو أية مرجعيات دينية أخرى، وهذا يتضمن حماية للدين من ناحية وحماية حقوق الشخص الإنساني، ومهما كان الدين ومهما كانت معتقدات ورؤى ذلك الشخص. ليس سهلاً تلمس ذلك في شعارات الثورات، ولكن كافة تلك الشعارات، تفيد برفض أية عدائية للعلمانية أو للدين، وبمعاداة كبيرة للاستبداد والطائفية والإفقار؛ درس الثورات هذا، إمّا أن تفهمه قوى الاستبداد والطائفية، وإمّا أنها ستسقط بالضرورة.

المسكوت عنه يتكلم

أما لماذا تطرح الثورات ما هو غير مباشر، ويتعلق بالقضايا المُعلقة تاريخياً، أو المظالم التاريخية، أو ترفض إرث الطائفية والاستبداد، فلأنها ثورات حقوقٍ عامة؛ فهي ثورات لا تقطع مع ماضي الشعب وحاضره، بل وتؤسس لمستقبله. هي أيضاً، ترفض الإفقار والنهب والفساد، وتريد دولة تنصف كافة الأفراد، وتتخلص من إرث تاريخي كان يُغلِب الدين الإسلامي على بقية الأديان، ومن إرثٍ استبدادي حديث يوظف الدين من أجل مصلحة الحاكم وتخريب العلاقة بين الطوائف، ويجعل الدين مؤسسة تشوه الدين نفسه وتُغيّب الجوهري فيه، والمتعلق بعلاقة مميزة للأفراد مع الله، وصيانة حقوق الأفراد، ورفض كل تأويل للدين لا يتوافق مع علو مكانة الشخص الإنساني وحماية حقوقه؛ هذه مهمة الأديان، وهي مهمة الطيف الثقافي والسياسي الحداثي كذلك.

الثورات ترفض الكلام الخافت سابقاً، والذي كان يتناول مأساة تهجير اليهود من البلاد العربية، وبدءاً بسورية والعراق وليس انتهاء باليمن، وكذلك تتناول مأساة تهجير المسيحيين من العراق، والكلام لا يخص سنوات “داعش” القليلة فقط، والأمر نفسه في كل العالم العربي، وهي بالتأكيد ترفض تهجير المسلمين من بلادهم كما حصل في سورية والعراق. التخريب طاول طل الطوائف في منطقتنا العربية، وأسّس لعداوات بينها، وأما الثورات فتعلن نهاية الأنظمة الطائفية، وسواء في السودان أو لبنان أو العراق، وكذلك في سورية؛ الشعوب لم تعد تقبل بأنظمة غير ديمقراطية، وعادلة وتستند إلى المواطنة.

عانت المنطقة العربية بشكل مخيف من قضية اللعب بالطوائف، وتسييسها، وتشويه العلاقات المجتمعية؛ ومن بين أهداف الثورات إنهاء كافة أشكال الطائفية. هذا ليس بسيطاً التعبير عنه، وليس سهلاً التخلص منه، وكثرة المشكلات المُعلقة ربما هي السبب في غياب رؤية واضحة لمستقبل الثورات، ولهذا تتعدّد شعاراتها وتتوضح تباعاً في هذا البلد أو ذاك.

تاريخ وأنظمة طائفية

كانت الدولة العثمانية كما سابقاتها من الدول العربية الإسلامية محكومة بنظامٍ سياسي يستند إلى الدين، وكان تعبيراً متوافقاً مع التاريخ الديني، حيث الغلبة لدينٍ معين، ووفقه تنظم الحدود والحريات والتسامح مع بقية الطوائف والأديان والمذاهب. انتهى هذا مع مجيء الاستعمار الغربي، والذي لعب بدوره بقضية الطوائف، وأعطى الأقليات حقوقاً أكبر في مناطق كثيرة على حساب الأغلبية. لم يتقدم الأمر وفقاً للرؤية العروبية السابقة لتلك الاحتلالات والمرافقة لوجودها، أي أن العرب صاروا يُعرَفون أنفسهم بالقومية، ولديهم تعددية دينية واسعة، وبضرورة إبعاد الدين عن السياسة، واعتبار الدين ذاته معبراً عن مرحلة قديمة في التاريخ، وعن ثقافة جماعات بشرية في الحاضر؛ كل ذلك لم يُطرح من قبل الاستعمار، ولكنه كان في صلب رؤية الأحزاب العربية في ظل الاحتلالات، وكذلك هو تعبير عن توجه المجتمع حينذاك، وباستثناء ذلك، فإن الإسلام السياسي أو المسيحية السياسية هي من طرحت رؤية الاستعمار ذاتها، وهذا أسس لمشكلةٍ مجتمعية، تفجرت تباعاً؛ ففي لبنان شُكِلَ نظامه وفق التطييف والطائفية، وجاءت عملية زرع إسرائيل ككيان صهيوني ويستند إلى الدين اليهودي لإعطاء الأحزاب والدول القومية حجة كبيرة لمعاداة اليهود العرب في البلدان العربية، وتوجيه الأنظار نحوهم، وبهدف إبعاد الشعوب عن التصويب ضد أزمات تلك الأنظمة ولا سيما في العراق وسورية ومصر.

الأنظمة الديكتاتورية هذه، وبدلاً من أن تُحيّد الأديان والطوائف، عادت إلى المنظور نفسه، أي الإسلامي القديم، وبما يمجّد الرؤساء والأنظمة، ولكنها تشدّدت ضد اليهود وهجرتهم، وكذلك عزّزت التطييف المجتمعي والسياسي، وتمّ ذلك من أجل نهبها الثروات، وتخريب الهوية الوطنية التي كانت تتجه إليها الشعوب العربية منذ أكثر من قرن. هذا ليس بسيطاً، ولهذا كان واضحاً للأنظمة الشمولية أن تفكيك الشعوب عبر التطييف، هو طريق ديمومتها، وهو ما يُظهر الاستبداد ذاته كممثلٍ عن الطوائف: “صدام حسين ممثل للسنة، حافظ الأسد ممثل للعلويين” وهكذا؛ بينما الصحيح أن هؤلاء الزعماء يمثلون كل المستفيدين من أنظمتهم ويمثلون أنفسهم. هذه الفكرة لا تتناقض مع تفكيك المجتمع طائفياً، وهذا ليس من أجل ضمان حقوق الطوائف وأفرادها بل من أجل ضبط المجتمع في إطار أفكار وهواجس دينية أو طائفية من ناحية، ومن ناحية أخرى، يتكفل الاستبداد بالإجهاز على العلمانيين والماركسيين والحداثيين والمتنورين دينياً، وكل الرافضين لتلك الأيديولوجيات وذلك الواقع.

في ذاكرة الشعوب العربية، ونستثني الطائفيين، وهم ليسوا مؤمنين بالضرورة، هناك كلام عن تعدديّة المجتمع دينياً، وعن علاقاتٍ جيدة بين الجماعات الدينية، وهناك أمثلة كثيرة تفيد بتآزرٍ كبير بينها في الأحزان والأفراح والمشكلات. هذا حديث فيه صواب كثير، وربما فيه مبالغات كذلك، وهنا يقع التحليل الفكري والسياسي في الخطأ، حينما يرى كل خلاف بين اليهود والمسيحيين والإسلام وسواه خلافاً سياسياً. القضية تكون كذلك، فقط حينما ترتبط بالدولة أو بالتسييس، وسوى ذلك، فهناك قراءة أخرى للدين وهي تتفق مع الرؤية الشعبية للدين، والتي تنطلق من ضرورة المساواة بين كل أفراد المجتمع، وتذليل المشكلات بين تلك الجماعات، وبما يعيد للمجتمع استقراره ويمنع الفوضى ويشدُّ من أواصر التراحم والانصهار المجتمعي. قراءة أية حوادث اتجهت نحو النزاع الديني، توضح أن الخلافات الدينية خلافات سياسية بامتياز، وهذا ما حصل في سورية 1860 أو في لبنان في ذلك الوقت، والأمر عينه أثناء الحرب الأهلية في ثمانينات القرن العشرين. الثورات تريد الانتهاء من مشكلات التاريخ ومشكلات الأنظمة كذلك، وهي تبتغي قراءة جديدة للدين ذاته وبما يجعله ديناً “علمانياً” والأخير “دينياً”. لنراقب ثورة الشعب اللبناني وهي تحاول تجاوز كل أشكال الطائفية والتأسيس لتآزر كبير بين أهل طرابلس والنبطية مثلاً، والعكس صحيح، والأمر ذاته تكرّر في سورية 2011 وفي العراق والسودان كذلك.

طريق الثورات العربية ليس معبّداً بمشكلات اقتصادية، أو سياسية، أو اجتماعية، أي بقضايا

محدّدة وجليّة في وضوحها؛ فهناك مشكلاتٌ كبرى، عمرها يمتد إلى لحظة انفكاك الشعب العربي عن الدولة العثمانية، ولهذا هي تحاول أن تتجاوز كل الإخفاقات التي منيت بها الأنظمة العربية. ومنذ ذلك الحين. إذاً لا خيار أمام الثورات، ولا سيما في موضوع التعددية الدينية إلّا اعتباره واحداً من قضايا النظام السياسي، والتعبير عن كافة أشكال التعددية، وفي إطار تشكيل هوية وطنية منفتحة على هذه التعددية، ومعبرة عنها عبر الدساتير والنظام السياسي، ولكن ضمن منظور المواطنة وحقوق الإنسان. الثورات تعي ذلك، أو تحاول أن تعبر عن ذلك. هذه ليست معركة سهلة، وقوى الأمر الواقع، وبدءاً من الدول العظمى وحتى الإقليمية والقوى الأصولية والجهادية وقطاعات من المجتمع المحافظ، ستقف ضدها، ولو أضفنا غياب وعي ورؤية واضحة للثورات بخصوص هذه القضايا، فإن المسألة ليست بسيطة أبداً، ولكنها مطروحة بقوةٍ في بلدان الموجتين الأولى والثانية للثورات العربية.

نظام الأزمات

النظام العربي هو نظام الأزمات، وقد شوّه الدولة الحديثة، وحاول تطييف المجتمع، وهو ينزع أثناء الثورات إلى إشعال الحرب الأهلية والطائفية، ولا تعنيه قضية السيادة الوطنية أو الهوية الوطنية وبالتأكيد هو نظام ضد مختلف أشكال الحقوق والحريات المتساوية. ولهذا خرب ثورات سورية وليبيا واليمن، وانقلب على الثورة المصرية، وحاول تخريب الثورة التونسية، والتي ما زالت أهدافها بعيدة عن التحقق، رغم التطور الديمقراطي الأولي التي يتحقق منذ 2011. قصدت أن النظام السابق يحوز على ثروات الدولة، وله دعم عالمي كبير، ولهذا حذّر كثيرون من “الدولة العميقة فيه”، وتخوف آخرون من الفوضى التي سيخلقها هو ذاته، وهناك من شكّك ويشكك بجدوى الثورات، وهناك من يعتبرها “غضبة، أو جائحة، أو صدى وهكذا”. فعلاً الأنظمة قوية وشرسة، وقد أعاقت بكل السبل أي انفتاح مجتمعي أو سياسي سابق للثورات في سورية والعراق، وليبيا، وراكبت أزمات متعددة في سيرورتها وصيرورتها، وانفجرت بأكملها مع انفجار الثورات، ولهذا رفعت الثورة بشكل سريع شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” أي يريد الخلاص الكلي من نظام الامتيازات والمافيات والتخريب المجتمعي، وبلدان الموجة الثانية تجتهد لرفض كل تعبير ثوري غير وطني وسلمي وشعبي، وترفض أي شكل للالتحاق بالخارج، ولهذا نجد الثورات اللبنانية والعراقية والجزائرية بلا قادة محدّدين أو سياسات وبرامج محددة رغم ضرورتها وأهميتها، وبالتالي الثورة الشعبية العارمة، وهي تبتغي الوصول إلى أهدافها العامة: الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، تبتغي كذلك الوصول إلى تمثيل كافة أشكال التعددية القومية والدينية وإقرار حق المساواة للجميع، والتصالح مع الماضي، والتأسيس من أجل مستقبل أفضل للجميع.

التعدّدية الدينية أو القومية أو المساواة بين الرجل والمرأة قضايا تخيف كل الدول المؤثرة عالمياً وإقليمياً، ولهذا أعداؤها ليسوا قلة، وهم يفعلون كل ما من شأنه إخماد الثورات، وسحقها؛ أميركا لا تفعل شيئاً، وروسيا تجتهد لإعادة إنتاج الأنظمة السلطوية والمظلوميات الدينية، وأوروبا تبدو عاجزة ومربكة؛ إيران والخليج وتركيا يحاولون الاستثمار في هذه الثورات، وتخريبها كما تفعل الأنظمة والطائفيون.

——————————–

في غرام السلطة: ما الذي نريده من الدولة؟/ محمد سامي الكيال

كتب المفكر الفرنسي ميشيل فوكو عبارته الشهيرة «لا تقع في غرام السلطة» في تقديمه لكتاب «ضد أوديب» لجيل دولوز وفيلكس غوتاري. ما كان يعنيه آنذاك هو التأسيس لنمط من الحياة والتفكير والممارسة السياسية، «متجاوز للفاشية» في فترة الثورات الاجتماعية والثقافية الكبرى، التي عرفها العالم في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. مقاومة السلطة بأسلوب قائم على التراتبية والهرمية، وإرهاب النظريات الأحادية الشاملة (في إشارة للماركسية الكلاسيكية وبنيوية لويس ألتوسير والتحليل النفسي) لن ينتج، حسب فوكو، إلا فاشية مضادة، تجعلنا نعشق كل ما يهيمن علينا ويستغلنا، تماماً كما استغلت الأنظمة الفاشية، رغبة الجمهور لحشده في حروب وممارسات هي الأسوأ في التاريخ.

لا بد من التصدي لآثار الفاشية في أذهاننا وسلوكنا اليومي وأجسادنا. عن طريق جعل الرغبة تتحرر وتنشر مفاعيلها في الحقل السياسي، لتدمر استقرار كل ما هو ثابت في المنظومة. الأهم أنه يجب أن لا يطلب المرء من السياسة والسلطة أن تؤمن حقوق الفرد، فالفردانية ومنظورها الحقوقي منتج سلطوي بدورها. والأجدى «تحطيم كل ما يتفردن»، ليس لمصلحة منظور جماعي ما، بل لأجل إنتاج سلسلة من التركيبات الإيجابية والمتنوعة، تنقض كل المفاهيم الأحادية والسلبية، التي قدستها الفلسفة الغربية عبر تاريخها: القانون والحد والجوهر والذات.

في أيامنا يبدو موقف الاحتجاجات الاجتماعية من السلطة ملتبساً إلى حد كبير، فمن جهة يطالب المحتجون الدولة بتأمين ما يعتبرونه حقوقاً أساسية لهم: خدمات صحية وتعليمية، فرص عمل، دخلا لائقا، إلخ، أي أنهم يقرّون بدور رعائي وفوقي للدولة، ومن جهة أخرى لا يبدون استعداداً لتسلّم مقاليد السلطة لإعادة بناء جهاز الدولة بالطريقة التي تناسبهم، ويتحدثون عن «طبقة سياسية» فاسدة، معتاشة على فوقية الدولة وتسلطها، يحمّلونها مسؤولية معاناتهم ومشاكلهم الحياتية، أي أنهم يريدون من السياسة تحقيق تطلعاتهم، بدون أن يلوثوا أنفسهم بـ«ألاعيبها»، يرفضون السلطة جذرياً ويطلبون منها الكثير في الآن ذاته. فهل تخلصت ثورات القرن الحادي والعشرين (وهو القرن الذي تنبّأ فوكو بأنه سيكون «دولوزياً») من غرام السلطة؟ وما هو الدور الذي تلعبه الدولة في خيال المحتجين؟ وكيف يمكنها أن تحقق، بدون تغيير بنيتها الطبقية والأيديولوجية، تطلعاتهم شديدة التنوع؟

ثورة الجوكر

في تعليقه على فيلم «جوكر»، الذي حقق نجاحاً كبيراً، وأثار كثيراً من الجدل، يرى سلافوي جيجيك، أن شخصية الجوكر لا تعبّر فقط عن الظلم الاجتماعي الذي يعانيه عشرات الآلاف، أو مجرد شرح للظروف التي تؤدي لظهور شخصيات سيكوباثية عنيفة في المجتمع الأمريكي، بل هي أيضاً تعبيرٌ عن الطريق المسدود الذي وصل إليه النظام الحالي، وهو نظام لا يمكن تغييره ببعض الإصلاحات المدفوعة بالإرادة الخيّرة. لا بد من التخلص من «الحماقات الليبرالية» التي تطالب المنظومة بمزيد من الاستيعاب والتسامح، لدرجة أصبح فيها أثرياء مثل، بيل غيتس ومارك زوركربيرغ يعلنون أنهم مؤيدون لـ«الاشتراكية». يصل الجوكر إلى قمة تحرره عندما يوغل في العدمية وتدمير الذات والسخرية من آلام الآخرين، لا يحمل مشروعاً تحررياً، ولكنه يعبّر عن رفض أي سلطة. هذه الخطوة ضرورية للقطع مع النظام الحالي، وسيكون مملاً، حسب جيجيك، أن يصوّر لنا الفيلم الطريقة التي يجب فيها على البشر تنظيم أنفسهم لتحقيق تطلعاتهم، كما طالب بعض النقّاد اليساريين، فهو يقدم لنا فقط «القفزة» التي قام بها الجوكر، والباقي متروكٌ لنا. وهذا هو فعلياً دور الفن.

يظهر الجوكر بالفعل في كثير من الاحتجاجات الحالية. نرى المتظاهرين، من العراق ولبنان وحتى تشيلي، يلطخون وجوههم بالأصباغ كي يشبهوه. اليأس من المنظومة هو السائد، ولكن «ما هو متروكٌ لنا»، حسب قول جيجيك، لا يزال غامضاً. الجوكر قد يكون ابناً غير شرعي للنظام، غاضبا على والده الذي لم يعترف به (كما يلمّح الفيلم نفسه، من خلال طرح احتمال أن يكون الجوكر ابن المليونير توماس واين، والد عدوه اللدود باتمان)، ما يجعل من الصعب اعتبار عدميته تجاوزاً للمنظومة القائمة، بل ربما تكون تعلقاً نرجسياً بها لأقصى درجة، وسعياً لتحصيل الاعتراف منها، عن طريق إثارة كثير من الضجيج والفوضى. وفق هذا المنظور قد يكون الجوكر واقعاً في غرام غير ناضج مع السلطة. سبق لفوكو القول في مقدمته ضد الفاشية: «لكي تكون مقاتلاً، يجب عليك أن لا تكون بائساً، حتى لو كان ما تقاتله شديد البشاعة»، فالرغبة في التغيير، حسبه، يجب أن تكون مرتبطة بالحقائق الاجتماعية، وليس ارتكاساً إلى أشكال من إعادة تمثيل الكبت السلطوي، أي أن يصبح المتمرد مسخاً ناتجاً عن تقنيات السلطة نفسها.

التلوث بالسياسة

وجهت كل الثورات في العصر الحديث نفسها ضد جهاز الدولة، إما للاستيلاء عليه وفرض هيمنة ثورية جديدة، أو للتخلص منه نهائياً على الطريقة الأناركية. لينين طرح من جهته في «الدولة والثورة» صيغة أكثر جدلية: تأسيس جهاز دولة أكثر بساطة، يؤمن مؤقتاً الديكتاتورية/ الديمقراطية للطبقة العاملة، تمهيداً لاضمحلال الدولة نفسها، بعد حلّ الصراع الطبقي نهائياً، وقيام المجتمع الشيوعي. هذه الصيغة الخلاصية انُتقدت بشدة من المفكرين الذين يصنفون «بعد ماركسيين»، مثل شانتال موف، التي طرحت مفهوم «السياسات التصارعية»، فالصراع الطبقي والأيديولوجي لن ينتهي يوماً، والأجدى تجذير الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة الديمقراطية- الليبرالية نفسها، كي تصبح ميداناً لصراع اجتماعي سلمي بين خصوم يقدمون بدائل سياسية، ويحاولون فرض هيمنتهم الأيديولوجية. بكل الأحوال فإن ما يطلبه المحتجون في عصرنا من الدولة غير مألوف تاريخياً: أن تلعب دوراً أبوياً، وتبتكر حلولاً ترضي المحتجين، بدون أن يتخلوا عن عدائهم لها. وهو منظور قد لا يؤدي على المدى الطويل إلى نتائج إيجابية. لا يمكن أن تطلب تغييراً عن طريق الدولة، بدون أن تكون مستعداً للاستيلاء عليها أو تفكيكها أو إعادة بنائها على أسس جديدة.

ربما يكون تحميل «الطبقة السياسية الفاسدة» مسؤولية كل المشاكل تصرفاً يدلّ على نرجسية أخلاقية، فهو يقسّم المجتمع إلى «مدنسين» هم السياسيون، و«أطهار» هم بقية الناس، لا يتحملون أي مسؤولية سياسية. و«ليست لديهم مطالب، بل حقوق»، بدون إعطاء تبريرات اجتماعية تفسّر ما سيدفع السلطة، بتركيبتها الطبقية الحالية، للالتزام بتأمين تلك الحقوق. التجربة التاريخية أثبتت أن ما نعتبره حقوقاً «طبيعية»، بما في ذلك حق الحياة والتعبير والعمل، هي مكتسبات اجتماعية، لم تتحقق إلا بكثير من «التلوث» بالسياسة والرغبة في السلطة، أي بعبارة أخرى من خلال سياسات ثورية لطبقات صاعدة، تريد أن تصبح هي السلطة لتحقيق مصالحها وفرض نمطها الحقوقي، ومستعدة لفعل كل ما هو لازم لتحقيق ذلك. إلا أن الصيغة السياسية التقليدية للدولة الوطنية تبدو متجاوزة في عصرنا برأي كثيرين، وغير قادرة على تقديم حلول للمشاكل الأكثر صعوبة، ما قد يدفع للبحث عن صيغ جديدة للعلاقة مع السلطة وجهاز الدولة.

ازدواجية السلطة

تقوم معظم الفلسفات اللاسلطوية على فكرة الخلاص من الدولة، بوصفها جهازاً قمعياً متعالياً على المجتمع، نشأ بشكله الحالي مع بدايات الحداثة. والحلول المقترحة ركزت غالباً على فكرة الديمقراطية القاعدية، والتسيير الذاتي، من خلال «كومونات» متحررة، تديرها مجالس منبثقة من المجتمعات المحلية، أو الوحدات الإنتاجية. ورغم أن فكرة الإدارة الاجتماعية الذاتية لها نماذج تاريخية شهيرة، مثل «الرابطة الهانزية»، التي أقامتها عدة مدن على بحر البلطيق، ابتداءً من القرن الثاني عشر، إلا أن استبدال الدولة بالتسيير الذاتي، بشكل فوري، بدا غالباً مجرد فكرة طوباية. هنالك حالة انتقالية، نظّر لها لينين في بداية القرن الماضي، واستعادها أنطونيو نيغري في أيامنا، ونجد لها أصداءً حتى في مشروع «الإدارة الذاتية» الكردية في سوريا، هذه الحالة هي إزدواجية السلطة. أي تجاور السلطة التقليدية للدولة مع سلطة مجالس التسيير الذاتي، تمهيداً لحل الصراع لمصلحة الطرف الأخير على المدى الطويل.

مبدأ «سلطة ضد سلطة» هذا لا يعني تجاور طرفين بممارسات متشابهة، فالديمقراطية القاعدية تؤمن نظرياً إدارة جماعية لشؤون الحياة والعمل، تخلق مساحة متحررة، بعيداً عن الضغط السلطوي، يمكن للبشر فيها السيطرة على إنتاجهم لشروطهم الحياتية بمعناها الأشمل، إنها «سلطة» فقط في سياق المواجهة مع سلطة الدولة، يبدو هذا صيغة معقولة لـ«عدم الوقوع في غرام السلطة». يمكن توجيه كثير من الانتقادات الوجيهة لهذه الصيغة، ولكنها التصور الوحيد الذي نملكه في مقابل المفهوم التقليدي للدولة، بكل الأحوال لا يبدو ممكناً تجاوز السلطة وجهاز الدولة حالياً، وربما ستواجه الموجة الاحتجاجية المعاصرة طريقاً مسدوداً، إذا لم تنتج حلولاً عملية، تمكّنها من التحول، ولو بشكل مؤقت، إلى سلطة.

٭ كاتب من سوريا

القدس العربي

———————-

مواسم الربيع العربي من منظور تاريخي/ ألان غريش وجان بيار سيريني

من الجزائر إلى العراق، تنتفض الشعوب العربية مجدداً. ما هي العقبات التي تعترض سبيل تطلعاتها؟ وهل يلقي التاريخ ضوءًا على مآلها؟ نشهد حالياً الموجة الثانية من الاحتجاجات والانتفاضات في العالم العربي، تلك الانتفاضات التي بدأت في تونس في ديسمبر/ كانون الأول 2010. وكانت الموجة الأولى قد أطاحت النظم الدكتاتورية في تونس ومصر وليبيا واليمن وقوضت نظامي البحرين وسورية، ناهيك عن احتجاجات عديدة عمّت المغرب والجزائر والعراق والسودان.

بعد ذلك، راحت الثورة المضادة تنشر قواتها، بدءاً بالانقلاب العسكري في مصر في الثالث من يوليو/ تموز 2013، والذي مولته السعودية والإمارات العربية المتحدة، وتأكدت قدرة المنظومة القديمة على التأقلم والمقاومة، عبر جمعها بين القمع وإغداق السيولة المالية (الآتية من بلدان الخليج أو عائدات النفط) والتنازلات الشكلية إلى هذا الحد أو ذاك، في الوقت الذي كان شبح الحروب الأهلية يفعل فعله في نفوس المحتجين فيردعها عن القيام بما لا تحمد عقباه.

ومع ذلك، فالأوهام التي كانت تساور البعض، ولا سيما في الغرب، بعودة “الاستقرار” تبددت بعد حين. فلقد اشتعلت نيران الثورة مجدداً عام 2019: الانتفاضة الشعبية في السودان، قلبت نظامًا دام ثلاثين سنة، تحت رئاسة الجنرال عمر البشير. وهبت موجة عارمة من الاحتجاجات في الجزائر فاعترضت سبيل الولاية الخامسة المبرمجة للرئيس المتهالك، وما زالت حتى الآن تطالب بوضع حد نهائي للنظام الذي استغل البلاد شر استغلال. وانتفض الشعب العراقي ضد نظام من صنع الولايات المتحدة عام 2003، يرتكز إلى الطائفية والفساد. وأخيراً خرج اللبنانيون إلى الشارع بالدوافع نفسها مطالبين بأن يرحل كل أقطاب الطبقة السياسية “كلن يعني كلن”. حتى المصريون، وعلى الرغم من آلية القمع التي تحاصرهم وتضيّق على أنفاسهم، والتي لم تشهدها البلاد من قبل، تظاهروا في سبتمبر/ أيلول، ولو بأعداد محدودة، من القاهرة إلى السويس، ومن الإسكندرية إلى المحلة الكبرى.

كانت دوافع هذه الموجة الثانية هي نفسها: حكومات متسلطة، متربعة على رؤوس مواطنيها، يمكن لأي مواطنٍ فيها أن يخضع في أي لحظة للتوقيف، وليس بالضرورة لأسباب سياسية، وأن يُرمى به في السجن، وتُساء معاملته، ويخضع للتعذيب. أوضاع اجتماعية لا تُطاق، تتمثل ببطالة جماهيرية تطاول أول ما تطاول الشباب، وفوارق اجتماعية تتفاقم يوماً بعد يوم، جاعلةً من الشرق الأوسط المنطقة الأكثر تفاوتاً في العالم بأسره. وبات الظلم الاجتماعي في قلب الانتفاضات هذه أكثر مما كان عام 2011. ولئن كان هذا “الحراك”، كما بات يسمّى في كل مكان، قد استخلص بعض العبر من الماضي، فرفض العَسْكرة، بالرغم من القمع العنيف الذي مورس بحقه في العراق أو في السودان، ونأى بنفسه عن محاولات شق صفوفه على أساس طائفي وأدرك تماماً أن المواجهة ليست بين “العلمانيين” المزعومين و”الملتحين” المزعومين، إلا أنه يصطدم اليوم بعقبة كبرى، بحاجز جسيم كان قد حاول الالتفاف عليه في 2011-2012، ألا وهو ابتكار نظام اقتصادي اجتماعي جديد.

وكي نفهم صعوبة المهام المطروحة اليوم، لا بد لنا من العودة إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. كانت تلك مرحلة إزالة الاستعمار، والنضالات الهادفة لتحقيق السيادة السياسية الفعلية (المصحوبة بإخلاء القواعد العسكرية، وجلاء النفوذ الغربي) والطموح باستعادة الثروات الوطنية وتشييد اقتصاد وطني مرتكز إلى قطاع عام قوي وإلى الإصلاح الزراعي. وبالفعل تحقق هذا المشروع، من مصر إلى العراق، ومن الجزائر إلى سورية. وتجسّد بتحسين ظروف العيش لأكثر الفئات فقراً وبتعميم التعليم والطبابة. وقد واكبت هذه الخيارات سياسة خارجية تتسم بالاستقلالية وتطمح لعدم الانحياز. وبالرغم من الثمن الباهظ لهذه الإنجازات والمتمثل بجهاز أمني متربص في كل مكان، وتضييق كبير على الحريات، إلا أن هذا البرنامج قد طبع قوى سياسية عديدة في الستينات والسبعينات، سواءً أكانت في السلطة أم في المعارضة، إلا أن الهزيمة العربية عام 1967 في المواجهة مع إسرائيل ووفاة جمال عبد الناصر عام 1970، وهواري بومدين عام 1978، وكذلك الأزمة المتفاقمة للمنظومة الاشتراكية المتمثلة بالاتحاد السوفياتي، شكلذ ذلك كله منعطفاً تاريخياً غيّر أمورا كثيرة.

كما منحت الأزمة النفطية عام 1973 النظم الملكية في الخليج وزناً متزايداً. على الصعيد الدولي، كان تأثير العولمة وانتصار الليبرالية الاقتصادية الجديدة (النيوليبرالية) قد فرضا “إجماع واشنطن” وخطط صندوق النقد الدولي كطريق وحيد للتنمية.

“ما من بديل آخر!” هذا ما كانت تعلنه مارغريت تاتشر على الملأ. وباتت الخطط المعدّة في مطبخ صندوق النقد الدولي، والتي يصدق عليها كل من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، تفرض فرضاً من دون أي شفقة. كان وقتها الرئيس أنور السادات قد انتهج سياسة الانفتاح واضعاً بلاده على الطريق الذي أصبح بعد ذلك مثالاً يحتذى. فدخل عندها القطاع العام في سبات عميق وفي بعض الأحيان تم بيعه بأبخس الأثمان. وباتت النخب توجّه أنظارها باتجاه واشنطن، فتخلّت عن المطالب القومية “البالية”، كدعمها للقضية الفلسطينية. ولم تصبح الحريات العامة أفضل حالاً من قبل، لأن الشرطة السياسية ظلت تتحكم بكل الأنشطة السياسية.

وقد كان لهذا النموذج النيوليبرالي المرتكز إلى التجارة الحرة أثر فادح على الشعوب. فلم يضطلع القطاع الخاص بمهام القطاع العام، بل استثمر كل ما نهبه في الملاذات الضريبية. لم يجد ملايين من الشباب ذوي المؤهلات المهنية فرص عمل لائقة في بلادهم، فهاجر كثيرون منهم، مجازفين بحياتهم أحياناً. وأكدت صدمة أسهم البورصة عام 2008 وجود أزمة، لا تقتصر على العالم العربي، كما تبيّن من الأوضاع في اليونان أو تشيلي. وبات التغير المناخي يهدّد بعض المناطق في العالم العربي التي قد تتحول إلى بقع غير قابلة للعيش إطلاقاً. وعندما هبّت الموجة الثانية من الثورات العربية، كانت أنظمة الحكم قد ازدادت وهناً. وكان انهيار أسعار النفط عام 2014 قد سحب منها شبكة الأمان. وبات التشكيك يطاول الطبقة السياسية بأسرها، حيث كل قطب فيها متواطئ مع الآخرين (من هنا جاء شعار “كلن يعني كلن”) وهو تواطؤ كان واضحاً في لبنان والعراق بين كل الأحزاب التي اغتنت بغض النظر عن الاختلافات السطحية فيما بينها.

وثمّة طبائع سياسية ديمقراطية جديدة في طور الولادة اليوم إلا أنها تفترض برامج اقتصادية لا يمكن أن تُختَزل “بتسديد الديون” و”فتح الأسواق”. ولكن لم يعد هناك أي نموذج اقتصادي يمكن اتباعه بديلا، إلا رأسمالية الدولة على الطريقة الصينية التي تتضمن الانحرافات اللاإنسانية، كتأجير القوى العاملة واستغلال اليد العاملة المحلية استغلالاً بشعاً، ومن الصعب تطبيق مثل هذا النظام اليوم، لأنه لم يعد يناسب العصر، فالأسواق تغلق شيئاً فشيئاً، والهجرة تزداد خطراً. ما العمل في هذه الحال؟ خلافاً لما يعتقد مسؤولون غربيون عديدون، ما من عودة ممكنة للاستقرار من دون تغييرات سياسية عميقة، فالإبقاء على النخب الحالية في الحكم يعني انتشار الفوضى العارمة، تلك الفوضى التي تستفيد منها أكثر التنظيمات تطرّفاً، سواءً أكانت القاعدة أم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أم أي حركة أخرى لم تظهر بعد إلى الوجود. أما الطريق الآخر، وهو أكثر وعورة وازدحاماً بالعقبات، فهو طريق يستند إلى ثقافة تعددية جديدة تبصر النور حالياً وإلى تنمية اقتصادية وطنية، تلبي احتياجات الشعب، مما يفترض إجراء قطيعة مع المنطق النيوليبرالي والتجارة الحرة التي لا تعرف أي قيد أو شرط.

والسؤال المطروح علينا اليوم، على فرنسا والاتحاد الأوروبي على حد سواء، هو ما إذا كانا سيواكبان هذه الخيارات البديلة، أم أنهما سيتشبثان بنظريات بالية، لا بد أن تزيد من انتشار الفوضى، واللذان سيدفعان بدورهما ثمنها في نهاية المطاف.

(ينشر هذا المقال بالتزامن مع أوريان 21)

العربي الجديد

————————

عن العراق كجغرافيا عاطفية/ محمود حسن

تفحّصتُ بعناية ملامح الثائر العراقي «صفاء السراي»، وتمعّنتُ في تلك السكينة والثقة اللتين تغمران وجهه باعتدال، ولم أمنع نفسي من رسم سيناريو مختزلٍ أضبط به زمن انغراز القنبلة الغازية في رأسه وتحطيمها لجمجمته. ربما كان يصرخ قبل أن يتفشّى غاز الدموع في رأسه: عاش العراق، وربما ترك جسده لإيقاع «الهوسة العراقية»، ورفعته حماستها أعلى بقليل من رفاقه، فاختارته القنبلة في سقوطها الموجه. ربما كان شارداً يغمره لحن أغنيةٍ قديمة لـ«ياس خضر» يصف فيها زهر البنفسج، ويحاول في شروده ذاك أن يستبدل الحبيبة بالعراق، ويقول: «ترخص وأغلّيك وأحبك»، وقبل أن يكتشف سهولة استبدال العراق المُذكّر بالحبيبة الأنثى، ويلاحظ غياب التأنيث في الأغنية العراقية، عاجلته القنبلة الغازية وقطعت شروده واللحن.

لكن، وبينما كنت أرتب هذه المشهديات العزائية لهذا الشاب، خجلت من فيض الحزن الذي انتابني، وكأنني أدّخره عمداً لأبناء شعبي وأصدقائي المطاردين حول العالم، وأسأل: كيف يطفح مني هذا الكم من الحزن كما لو كان حزناً مهدوراً، إلى أين وصلت بنا هذه الجريمة المعلنة! حتى بتنا نفاضل على مشاعرنا ونشعر بالذنب إن نحن اقتسمنا حزننا مع شأنٍ آخر غير الشأن السوري؛ هل أصبحنا رهبان كارثتنا؟ هل استحالت المقتلة السورية إلى ديانةٍ تُملي علينا شكل الحزن ووجهته، وكأنه عبادة! على هذه الحال قد نحتاج في المستقبل الى توزيع مشاعرنا في مخصصاتٍ وتبويبها: باب للحبيبة، باب العائلة، باب للشأن العام، وباب لطوارئ علم النفس!

بالعودة الى الشاب الثائر صفاء، وقبل الدخول في متاهات توصيف ما يحدث في العراق؛ أهو حراك أم انتفاضة أم ثورة، وهل من فرق جوهري حقاً في إطلاق وصف «الثائر» عليه إن كان ما يحدث في العراق، على سبيل المثال، «حراكاً» لا يختلف بطابعه ونتائجه عن «الحراك» في لبنان، وجدت أن الثائر استعمالٌ للعاطفي، يمثّل في معناه أقسى درجات المواجهة مع الظلم والطغيان، وهو ما يختلف كلياً عن استخدام عبارة الناشط، رغم أنّ هذا الثائر هو ناشط بالفعل، ولكنّ هذا الاستخدام يظهر التمايز بين الحراكين أو الثورتين؛ بين لبنان والعراق، وهو الطبيعة العراقية البارعة في تحفيز مكامن الحزن، وفي دفعنا للغوص في حالة من التطهير الذاتي؛ على شكل استعادة خيباتنا وشهدائنا وتخضيبهم بمفردات حزن عراقية، وكأن أحزاننا تظل دوماً ناقصة، ولا يمكن أن تكتمل إلا بالشجن العراقي.

أنا كسوري من شرق سوريا يمكنني أن أتفهّم تلك الاستعادة جيداً، وآلف هذا الاتكال على تراجيديا أكثر خبرة بالحزن لأتمثل بها ما يعنيني، فاتصالنا الجغرافي بالعراق بمعناه الحدودي قد لا يمثل إلا جزءاً بسيطاً من الحكاية، وقد لا يشكل أهميةً قصوى إذا ما قورن بالامتداد الجغرافي العاطفي للعراق فينا. ثمة توأمة سيكولوجية لطقوس الحزن الجماعي، وإذا كان العراق بأكمله يمثل صورة تراجيدية تستعيد بها المنطقة العربية انكساراتها وآلامها في موجة الربيع العربي الأولى، فنحن في دير الزور كنا نعيش ذلك التمثل في يومياتنا: أذكر أن أمي لم تكن تفوت مجلس عزاءٍ حتى وإن لم تكن تعرف الميت أو ذويه، كانت تذهب لتبكي موتاها هي، ومثلها كثيرات كنّ يقتطعن من مصاب الثكالى حزنهنّ الخاص بهنّ. لم نكن ندرك تلك الدلالات الحسينية في قدرة أم الميت أو أخته أو زوجته على جعل الساعات والدقائق التي تسبق الموت مؤلمة الى هذه الدرجة، وزاخرة بأدق التفاصيل، ولكن بعد احتلال العراق عام 2003 وانتشار برامج التشييع في المنطقة الشرقية، بدأنا نلحظ تلك المشتركات التوأمية، والنبرة الكربلائية في أحزاننا.

لم تذهب بي صور وأخبار الاحتجاجات العراقية فقط نحو خلق تقاطعات دموية مع بدايات الثورة السورية، بل أخذتني إلى ما هو سابق للثورة السورية بسنوات، ومنحتني الفرصة لأعيد ترتيب ذاكرتي كسوري تجاه العراق، فكأيّ بلدٍ جار ثمة تداخلات اجتماعية محكومة بالاتصال بالجغرافي، وأيضاً نتيجة الطبيعة القبائلية والعشائرية التي فرضها نمط العيش في هذا الامتداد المناخي شبه الصحراوي، غير أنّ العراق بالنسبة لمدينتي لم يكن يمثل هذا الاتصال القدري فقط، فقد كنا كمدينةٍ مهملة وهامشية بالنسبة لحكام سوريا نتصل بجغرافيا عاطفية مع العراق. في النبذ تكون المدن كالناس، تحاول تركيب معادلات عاطفية تجعلها مقبولة، وتمنحها توازناً داخلياً، وفي عصر الشموليات العسكرية كنا نقع في الوسط وكان علينا انتقاء الشمولية الأقرب إلى تكويننا الوجداني، فكنا بالوجدان أقرب الى شمولية «صدام حسين»، رغم أنّ المفاضلة كانت بين ديكتاتورين، فإنّ الغلبة كانت للديكتاتور الأكثر سُمرة؛ صاحب الشارب العريض، والسلوك الذكوري المفرط الشبيه بآبائنا وأعمامنا، وليس من المستغرب وقتذاك ملاحظة أنّ المدينة وريفها يعجان بصبيةٍ يحملون اسم صدام، بينما لم تفلح ديكتاتورية حافظ الأسد وتأثيراتها الموازية بالنفاد إلى وجداننا مثلما فعلت ديكتاتورية صدام حسين.

وأقصد هنا بالتأثير الموازي ما تنطوي عليه المرحلة السياسية من تأثير ثقافي وفني؛ إذ لم تفلح سلطة الأسد في جرنا عبر الثقافي والفني إلى مساحته الإيديولوجية. أما عن صرح صدام الشمولي، فقد كانت ديكتاتورية نحب أغانيها ونعلق صور مطربيها في غرف نومنا، ويعرف حتى غير المختص فينا الفرق بين الأغنية الريفية وبين الأغنية المدينية.

كانت دير الزور أشبه باشتقاق عاطفي عن العراق، يعيش سكانها داخل مناخ وجداني لكنته عراقية، بل يمكنني القول إنه اتكال شبه كامل على اللغة التعبيرية والفنية، يبدأ من ملصقات الخواطر الشعرية على زجاج حافلاتها ودراجاتها النارية ولا ينتهي عند «چراديق» النهر وبكائيات مخموريها (الچرداق لفظة محلية في دير الزور تُطلق على المطاعم التي تحاذي النهر وتقدم الكحول لزبائنها). هذه المدينة المنسية في سوريا كانت تعج صباحاتها بـ«نخل السماوة» وتقاس المسافات بين عشاقها بصيحات «الريل وحمد». وعلى الرغم من إصرار حافظ الأسد على الحضور الديكتاتوري في أصغر صفٍّ دراسيٍّ في أبعد مدرسة في أقصى ناحية من المنطقة الشرقية، إلا أننا كنا نبدو لسلطة المركز ومدنه الرئيسية كبعث عراقي في سوريا.

اليوم أعادتني الأغنيات والأهازيج العراقية في ساحة التحرير وعلى جسر الجمهورية لأطلع على تكويني الوجداني والعاطفي. أعادتني المظاهرات الى أول شريط «كاسيت» أهديته لأول محبوبة، ولا أدري إن كنت أعي حقاً ما ضمّنته من أغانٍ لتلك المراهقة المسكينة ذات الستة عشر عاماً، وكيف لها أن تحتمل كل تلك الصور العزائية وذلك الحب الاضطهادي ليقول لها مراهقٌ مثلها: «بحشاشتي سهمك مضى، وعُگبك علي ضاگ الفضا»، أو أن يقول لها: «مثل فزّة طفل روحي تفز لو سمعت بطرواك» أو: «يا مدلولة شبقى بعمري، غير الألم والحسرة، جسمي عايش ببغداد، وروحي ساكنة البصرة».

ومع أن هذه الذكريات هي انتقاءٌ عشوائي، إلا أنه يدلّل بقوة على تركيبة العالم الوجداني للسوريين في المنطقة الشرقية، والذين هم على اتصال عاطفي مع لغة العراق وأهله؛ عالمٌ يُمجّد الألم ويحتفي بالجرح ويقيس الحب على مقياس شدة المعاناة، وبه يُدلل على مدى ولهه بأي شي، ولذلك أتفهّم جيداً لماذا نشر أصدقاء صفاء السراي بعد قتله صوره مع والدته حياً ومفعماً بالنضال وبالحياة. هذه الصور هي الخلفية التحفيزية لينال حقه من خلاصة الألم، ولنجد عبر صوره الحية الطرق الأمثل لاستعادة آلامنا الخاصة، ليس كعراقيين فقط، وإنما كأشخاص شكّلَ فنُّ العراق وإرثه وجدانياتهم وسماتهم العاطفية.

لكن، وعلى صعيدٍ شخصي، ليس كل شيءٍ شكلته امتدادات الجغرافيا العاطفية للعراق في عوالمي العاطفية هو إيجابي بالمطلق، فقد حجبتْ عني طقوس الحزن الجماعي وسيكولوجيا العاشق المضطهد واللغة الكربلائية التعبيرية، مساحاتِ التجريب في عوالم عاطفية مختلفة، فجيلنا لم يكن يجرؤ على إشهار إعجابه بمحمد منير على سبيل المثال، ولا بعمرو دياب، ولا حتى بكاظم الساهر؛ فلكي تدخل نادي «السمّيعة» عليك أن تُبعد عنك شبهة الاستماع لأيٍّ من هؤلاء، وأن تبقى مخلصاً للعمق المتجسد في لغة المعاناة وتمجيد الألم المتمثلة بالأغنية العراقية الكلاسيكية بمعناها الحضري والريفي، أو أن تنضم لطائفة «السذّج» السطحيّين سمّعية «الطقطوقات»، ولقد كان الحِمل مضاعفاً عليّ بما أنني اغني؛ إذ كان عليَّ أن أثبت ولائي لتلك «المازوشية» العاطفية في كل سهرة، وأن أغنّي على مسامع «السمعية» مقام «المحِمِّداوي»، وشيئاً من مقام «الدشت العراقي». لا أنكر مدى الروحانية وحجم التجلي الذي ينتابني خلال غناء هذين المقامين، لكن كان عليّ يوماً مغادرة هذه الجغرافيا، ومع مغادرتها دخلتُ مساحاتٍ تعبيرية مختلفة، محتفظاً باتصال عاطفي تكويني معها.

وهناك، في العاصمة دمشق التي انتقلتُ إليها، لازمني ذلك الإحساس بتقييم المزاج الفني والعاطفي لدمشق، ربما أصبحت بعد سنة أو سنتين أكثر انفتاحاً على مساحات تعبيرية عاطفية، وأقلّ تشدداً لناحية العمق وتمجيد الألم في الأغاني، غير أنه مع تزايد أعداد اللاجئين العراقيين في دمشق عقب الاحتلال الأميركي والحرب الأهلية الطاحنة التي عصفت بالبلاد وقتذاك، عادت خبرتي الوجدانية التي اكتسبتُها على مدى سنوات في مدينتي لتفرض نفسها بشكلٍ مختلفٍ كلياً هذه المرة، وأصبحت هذه الخبرة العاطفية التي مدّني العراق بها على مدى سنوات، شكلاً من أشكال التواصل مع جموع اللاجئين العراقيين في سوريا، وخاصةً في دمشق.

كان جيراني اللاجئون تلتمع عيونهم فرحاً عندما أخبرهم بأنني أعرف مجمل مواويل «حضيري أبو عزيز» و «محمد الگبنچي»، وكنت أشعر بقلوبهم تنتفخ عندما أخبرهم أنني لست الوحيد الذي يعرف ذلك، إنّما هناك مدينة على ضفاف الفرات معظم سكانها يحفظون مواويل «الگبنچي» و«يوسف عمر»، ويعرفون كم تتقن «زهور حسين» مقام «الدشت» العراقي.

لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى بدأ «صعاليك دمشق» بدعوة وجوهٍ من النخب العراقية المثقفة إلى سهراتهم، وهنا أخذت هذه الجغرافيا العاطفية بالتمدّد في دمشق، لتتجاوز تلك المعرفة المحدودة باتساع وجدانية العراق، وأن العراق العاطفي هو أكثر بكثير من «الطيور الطايرة» لسعدون جابر، ومن «عار الشيب» الذي يلازم ناظم الغزالي، وتمنيات و«سلامات» حميد منصور. أصبحوا يعرفون أن هناك في العراق رياض أحمد وفاضل عواد وحسين نعمة وقحطان العطار والگبنچي وحضيري أبو عزيز وزهور حسين ووحيدة خليل ويوسف عمر، بينما كنت أنا بينهم بكامل الاسترخاء، وكأنني عراقي الأصل سوري الجنسية، ولم أعد مضطراً لتبرير قوة الفرات ومدى الامتداد العاطفي للعراق فينا.

أذكر أن أحد أصدقائي من مخيم اليرموك عندما سمعني أغني «يا نجوى» لسعدون جاير، قال لي: «المشاعر بهي الغنية هي مشاعر آلهة مو مشاعر بشر». أحالتني كلمات صديقي الفلسطيني اليوم إلى القدرية الميثولوجية العراقية، والتي تعيد بعث الحسين منذ الأزل؛ في كل مرةٍ تغيب فيها العدالة وتنعدم الحلول السياسية. وحتى لو اختلفنا حول ما يحدث الآن في العراق، أهو انتفاضة أم احتجاج أم ثورة، إلا أنّ الوجدانية العالية التي تلفّ الحراك تشي باستعادة جديدة لمظلومية الحسين. وحسين هذه الانتفاضة يبدو كصورة عزائية عن العروبة المغدورة، وحتى لو اكتفى الحراك بإشاراته البكائية على العروبة فهو يدلل على وضع أسس وطنية جديدة للمواطنة العراقية، غير أن تاريخ العراق قد لا يسمح لنا بإجراء اختزال للوجدانية السياسية العراقية بشخص الإمام الحسين لأن مَواكب النواح على الحرية والعدالة سبقت قتل الحسين بأزمان طويلة تعود إلى مواكب النواح التي كانت تخترق بوابة عشتار حزناً على الإله تموز المسحوب قسراً الى العالم السفلي؛ عالم قوى الشر والظلام ولا معين له فيه إلا نواح وندب عشتار وشعبها لكي تمده بالقوى اللازمة للانتصار على الظلام والشر. ولا يهم هنا إن أسمينا الحسين تموزاً آخراً أو أسمينا تموز حسيناً أولاً: المهم أن العراق يُجري استعاداتٍ عديدة.

وإن كان غياب العدل ومغادرة البركة والوفرة سبباً بتسيير مواكب النواح لتحرير تموز، فالبراعة التراجيدية العراقية أحالت تموز إلى مظلومية الحسين، وسيرت مواكبها الحزينة نحو ذكراه كرمز للعدالة الغائبة، وحتى لو كانت العروبة تمثل استعادة لرمزية الحسين في هذه الانتفاضة فلا فرق؛ فكلهم في المقام العراقي حسين وكلهم تموز، لكن العروبة كرمزية حسينية تأخذ هنا موضعاً حساساً، خلال تماسها مع التغول الإيراني ورموز سطوته على العراق. وهنا تبدو العروبة كحسين شهيد؛ تشيّعه مواكب الحرية والعدالة في ساحة التحرير؛ الحسين العروبة الذي يصدره العراق كامتداد جغرافي عاطفي يتجاوز حدود الجوار، ليمتد كجغرافيا عاطفية داخل مساحات الربيع العربي بوصفه تجاوزاً وتفوقاً على الخطاب الطائفي الذي غذى صراعات المنطقة الإقليمية لسنوات طوال؛ عروبة الشيعة العراقيين التي تدوس صور خامنئي وقاسم سليماني، وكأن العروبة هي مظلومية العراق الجديدة. وساحتها ليست محدودة بميادين كربلاء، بل إنّ ساحتها كل الميادين العربية، وعلى هذا فإن الحب أن أقول للعراق «أحبك»، أما العاطفة فأن أقول له «أحبّنّك».

موقع الجمهورية

———————————

ظلال إيران الثقيلة على العراقيين/ قاسم البصري

في شهر أيلول (سبتمبر) من العام 2004، عاودت حكومتا العراق وإيران فتح القنوات الدبلوماسية المتبادلة، بعد قرابة عقدين من الاقتتال والتوتر بين البلدين، وربما لم يكن ذلك ممكناً لولا سقوط نظام صدام حسين، ودخول العراق مرحلةً سياسيةً جديدة دشّنها الاحتلال الأميركي. وقد تطورت العلاقات سريعاً بين البلدين الجارين إثر ذلك، لا سيما مع صعود أعضاء في حزب الدعوة الإسلامي إلى صدارة المشهد العراقي، من أولئك المؤمنين بولاية الفقيه. وكانت البداية عندما أعلن رئيس الحكومة العراقية الأسبق إبراهيم الجعفري عن إطلاق سراح المعتقلين الإيرانيين من السجون العراقية ترحيباً بزيارة وزير الخارجية الإيراني الأسبق كمال خرازي الأولى إلى بغداد، وذلك إيذاناً بفتح صفحةٍ جديدة في العلاقات بين البلدين. ثم تلا ذلك ذهاب وفدٍ عراقيٍّ لزيارة العاصمة الإيرانية طهران، برئاسة وزير الدفاع العراقي الأسبق سعدون الدليمي، ليُقدّم الاعتذار من إيران حكومةً وشعباً عن «جرائم صدام حسين بحق إيران».

الاعتذارات العراقية لم تُقابل بتصريحاتٍ دبلوماسية مشابهة من الجانب الإيراني؛ تكون بمثابة بوابة لتجاوز جرائم الماضي المتبادلة بحق شعبي البلدين، ومدخلاً لعلاقاتٍ جديدةٍ سليمةٍ بينهما، بل ذهب الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد للقول: «إنّ العراق الذي كان يمثل تهديداً مباشراً لإيران، قد جعله الله في سلّتها». ويمكن من خلال قراءة هذا التصريح، الذي مرّ عليه أكثر من عشرة أعوام، أن نفهم طبيعة الاستراتيجية الإيرانية القائمة على الاستباحة في التعامل مع عراق ما بعد الغزو الأميركي.

وما من شكٍّ أنّ هذه الاستباحة لم تكن ممكنةً لولا الاحتلال الأمريكي الذي أفرز دولةً هشّةً ينخرها الفساد والزبائنية، لتكون لقمةً سائغةً لجارٍ لطالما كان يرى في العراق حاجزاً يفصله عن التمدد الإقليمي ولعب أدوارٍ استراتيجية أكبر في الشرق الأوسط. وبالفعل، مع مرور السنين صار العراق في السلة الإيرانية بشكلٍ فاضح، وامتدّ نفوذ طهران إلى مجمل أركان الدولة المُتشكّلة من شخصيات مرتهنة، وأضحى القرار الإيراني نافداً في البلاد، ويشمل التدخل المباشر في تسمية رئيس الحكومة وإغراق العراق بميليشيات عقائدية خارج إطار المؤسسة العسكرية الرسمية، وصولاً إلى الوصاية على القرار السياسي والاقتصادي والأمني.

وقد صار هذا التغوّل الإيراني شديد الوضوح محلّ سخط العراقيين المتضررين منه، سيّما أنه لا يراعي سوى المصالح الإيرانية، ولو كان ذلك على حساب الخبز اليومي للمواطنين العراقيين. وجاءت المظاهرات العراقية، سواء تلك التي انطلقت في البصرة في شهر أيلول (سبتمبر) من العام الفائت 2018، أو الجارية حالياً في مدن وسط وجنوب العراق، احتجاجاً على البطالة والفقر وغياب الخدمات والفساد وسوء الإدارة وهدر أموال العراقيين على يد المحسوبين على إيران، أو خدمةً لمصالح إيران، وقد استُخدم في المرتين شعار «إيران برا برا»، وعمد المتظاهرون إلى إحراق القنصلية الإيرانية في البصرة العام الماضي، وفي كربلاء قبل أيام، كما نشطت على وسائل التواصل الاجتماعي حملاتٌ لمقاطعة البضائع الإيرانية تحت شعار «خلها تخيس».

نحاول في هذا النص إلقاء الضوء على حجم الحضور الإيراني في حياة واقتصاد العراقيين، بالاعتماد على أرقامٍ وتصريحات إيرانية رسمية، وعلى أرقام صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء في العراق. ونلاحظ عدم التطابق بين أرقام الجهاز المركزي والأرقام الواردة في تصريحات مسؤولين إيرانيين، وهو أمر ناتج عن غياب الشفافية والفساد الشديد لدى حكومتي البلدين، ذلك بالإضافة إلى وجود فوارق تتعلق بآلية حساب السنة المالية في كلّ من الدولتين، وهي فوارق لا تكفي بذاتها لتفسير هذا التفاوت. وتعطينا هذه الأرقام في مجملها صورةً عن معاناةٍ مباشرةٍ لملايين العراقيين نتيجة السياسات الإيرانية تجاه بلادهم، ونتيجة سياسات عراقيي ولاية الفقيه المُتحكمين بالبلاد منذ أكثر من خمسة عشر عاماً.

عودة التبادل التجاري

بلغ حجم الصادرات الإيرانية إلى العراق في عام 2005 قرابة 790 مليون دولار، وارتفعت في العام 2006 وصولاً إلى عتبة مليار دولار. ويمكن القول إنه حتى العام 2006 لم تتمكن السلع الإيرانية من بسط نفوذها على السوق العراقية، التي كانت مفتوحةً على تركيا والأردن ودول الخليج وفي مقدمتها السعودية، غير أنّ زيارة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى طهران في العام 2006 غيّرت هذه المعادلة، حيث أُقرّ تشكيل لجنةٍ لتنمية العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ليرتفع حجم المبادلات غير النفطية إلى 4 مليارات و439 مليون دولار بحلول العام 2010، وبإجماليٍّ قدره سبعة مليارات دولار بعد إضافة المُبادلات في مجال الطاقة، كما تزامن ذلك العام مع تسهيلاتٍ حدودية أثمرت عن دخول 300 ألف سائحٍ عراقيٍّ إلى إيران في العام 2010، وهو الرقم الذي صار ثابتاً تقريباً منذ ذلك العام.

ومع احتلال تنظيم الدولة لمساحاتٍ شاسعةٍ من البلاد عام 2014، وسقوط الموصل ثاني أكبر المدن العراقية بيده، قررت الحكومة العراقية سياساتٍ تقشفيّة تجلّت في جانبٍ منها بخفض مستوردات البلاد بنسبة 30 بالمئة، وذلك بالتزامن مع هبوط أسعار النفط الذي يشكّل القطاع الرئيسي في اقتصاد البلاد، غير أنّ التبادل التجاري مع إيران، وبخلاف باقي الدول، لم يتأثر بل راح يشهد ارتفاعاً متزايداً منذ ذلك العام وحتى اليوم.

فائض الميزان التجاري البيني لصالح إيران

يُعتبر العراق اليوم السوق الأول لتصريف المنتوجات والسلع الإيرانية، وتحديداً الرديء منها ومنخفض السعر، وذلك على حساب الصناعة العراقية المحلية التي لم تتمكن من منافسة المُنتَج الإيراني، الأمر الذي دفع مُلّاك أربعة آلاف معملٍ لإغلاق أبواب معاملهم وتالياً خسارة 50 ألف عراقيٍّ لعملهم. وهو ما أثّر على حياة الأسر الفقيرة سلباً، والبالغة نسبتهم في العام 2018 قرابة 22.5% من مُجمل الشعب العراقي، على الرغم من أنّ الناتج المحلي الإجمالي للبلاد تجاوز في العام نفسه مبلغ مئتي مليار دولار، ما يعني أنّ نصيب الفرد الواحد منه 5030 دولار، وهو ما يضع العراق نظرياً في الشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل، غير أنّ الحال ليس كذلك على أرض الواقع، فالحكومات المُتعاقبة لم تقدّم أيّة خططٍ لدعم الصناعة والتجارة وتمكين اليد العاملة المحلية عوضاً عن الاستيراد من إيران وتركيا والصين، واقتصرت حلولها على تكديس الموظفين ومنحهم الرواتب، بدلاً من تمكينهم كمنتجين، ولكنّ ذلك لم يُقدّم حلاً للبطالة، فقدرة الحكومة التوظيفية ضعيفة ومحكومة بالمحسوبية، وهو ما أوصل معدل البطالة العام إلى نسبة 23%، حسب الجهاز المركزي للإحصاء في العراق، في حين يُقدِّر البنك الدولي معدلات البطالة في صفوف الشباب بأكثر من 40 بالمئة.

ويميل الميزان التجاري البيني بين العراق وإيران لصالح إيران بشكلٍ شبه كلي، ففي العام 2017 بلغ حجم الصادرات الإيرانية غير النفطية إلى العراق أكثر من ستة مليارات دولار بحسب تصريحات لمسؤولين إيرانيين، في حين اقتصرت المستوردات الإيرانية من العراق على بعض المنتجات النفطية بمبلغٍ لا يتجاوز 60 مليون دولار. أما في العام الفائت فلم تتجاوز الصادرات العراقية إلى إيران مبلغ 50 مليون دولار، واقتصرت أيضاً على بعض المنتجات النفطية، وذلك في مقابل 8.5 مليار دولار من السلع الإيرانية المُصدَّرة الى العراق.

ومع مرور الوقت راحت إيران تسيطر بشكلٍ مطّردٍ على حصص أكبر من السوق العراقية، حيث صرّح غلام رضا بلوطي ميرزا، المسؤول المشرف على دائرة الجمارك في محافظة خوزستان الإيرانية الحدودية، بأنّ إجمالي صادرات إيران من السلع غير النفطية عبر جمارك هذه المحافظة بلغ 5 مليارات و313 مليون دولار خلال الأشهر الستة الأخيرة من العام الجاري؛ أي بدءاً من 21 أذار (مارس) 2019، وبزيادةٍ بلغت 79% عن الفترة نفسها من العام المنصرم.

وبذلك باتت طهران تستحوذ على 17.5% من السوق العراقي، بعد أن كانت تستحوذ على 13% منه قبل إعلان الحرب على تنظيم الدولة. ويتوقع الأمين العام للغرفة التجارية الإيرانية العراقية سنجابي شيرازي أن تستحوذ طهران على 25% من السوق العراقي في السنوات المقبلة، وجديرٌ بالذكر هنا أنّ العراق يستورد 72% من مجموع السلع الإيرانية غير النفطية القابلة للتصدير.

هذا الاستحواذ المتزايد للسلع الإيرانية على السوق العراقية عزّزه أيضاً اتفاقٌ بين البلدين، خفّضت بموجبه بغداد الرسوم الجمركية المفروضة على السلع الإيرانية لتتراوح بين صفر وخمسة بالمئة، فضلاً عن إلغاء عمليات الرقابة على الصادرات الإيرانية إلى العراق لـ«تيسير حركة التجارة». ويتردد على لسان المسؤولين الإيرانيين، وكان آخرهم الرئيس حسن روحاني خلال زيارته الأخيرة إلى العراق في آذار (مارس) الماضي، أنّ لدى طهران خططاً لرفع حجم التبادل التجاري مع العراق خلال السنوات المُقبلة من 12 مليار دولار إلى رقمٍ يتراوح بين 20 إلى 25 مليار دولار. كما كشف روحاني عن الوصول إلى تفاهماتٍ مع الحكومة العراقية لتتولى الشركات الإيرانية ربط سكك الحديد في البلدين، مُشيراً إلى أنّ وزارة المالية العراقية قد شرعت بتنفيذ الإجراءات الكفيلة ببدء هذا المشروع، ومن الواضح تبعاً لإشارة روحاني إلى وزارة المالية العراقية أنّ المشروع سيكون بتمويلٍ عراقي.

وتنقسم الصادرات الإيرانية إلى العراق في المجمل إلى ثلاثة أنواع، هي: السلع الطاقية التي تشمل الغاز الطبيعي والكهرباء، والسلع غير النفطية التي تشمل السيارات والمواد الغذائية والخضروات والمستلزمات المنزلية والأعمال اليدوية، وكذلك الخدمات الفنية والهندسية، بما فيها تلك المُشتملة على قطاعات الطاقة والإسكان والصحة والنقل.

المستوردات الوهمية

يقع العراق في المرتبة 169 من أصل 180 دولةٍ مُدرجةٍ على قوائم مُدركات الفساد، وتُقدِّر تقارير عديدة خسائر العراق نتيجة الفساد والسرقة منذ العام 2003 بـ450 مليار دولار، وهذا الفساد لا يقتصر على التوظيف الوهمي والرشاوى، بل يشمل مختلف أشكال نهب المال العام، وأحد هذه الأشكال مرتبطٌ بإيران والعلاقات التجارية معها، حيث تظهر الأرقام الرسمية أنّ قيمة مستوردات العراق غير النفطية من إيران قد ارتفعت من 1.8 مليار دولار في العام 2016 إلى أكثر من ثمانية مليارات دولار في العام 2017 بحسب الجهاز المركزي للإحصاء في العراق.

وعند التدقيق في الزيادة نلاحظ أنّ أكثر من أربعة مليارات منها كان سببها استيراد البندورة والبطيخ الأخضر، إذ أنّه في العام 2016 استورد العراق خمسة ملايين كيلوغرام من البندورة بقيمةٍ وصلت إلى حوالي مليون دولار فقط، غير أنّ الرقم ارتفع في العام 2017 إلى 6.5 مليار كيلوغرام من البندورة، وبكلفةٍ وصلت إلى مليار و600 مليون دولار، وهو رقمٌ يعادل ما استوردته كندا وبريطانيا وإسبانيا من هذه المادة في العام ذاته. في الحقيقة، لا يستهلك العراق في أيّ حالٍ من الأحوال هذه الكميات الخيالية، وفي الغالب استُعملت هذه الأرقام للتغطية على عمليات سرقة وتبييض أموال ومنح إيران للقطع الأجنبي ضمن عملية فسادٍ كبيرة.

الأمر نفسه ينطبق على البطيخ الأخضر، ففي العام 2016 بلغت قيمة مستورداته من إيران حوالي 16 مليون دولار فقط، ولكن في العام 2017، بلغت قيمة استيرادات العراق منه 2 مليار و800 مليون دولار، وهو مبلغٌ يساوي خمسة أضعاف مخصصات وزارة الزراعة في الموازنة العراقية من العام ذاته. ويحسب بعض العراقيين الحصة الاستهلاكية لكل مواطن من هذا المحصول الزراعي الموسمي في تلك السنة بواقع 10 بطيخات لكل مواطن عراقي يومياً.

شركات ومدن إيرانية في العراق

من المفهوم أن تفتتح شركاتٌ نفطيةٌ فروعاً لها في دولٍ تربطها بها مصالح استثمارية، لكنّه كان لافتاً أن تقرّر طهران فتح مكتبٍ لشركة النفط الوطنية الإيرانية في العراق تزامناً مع تشديد العقوبات الأميركية على صادرات إيران النفطية. ورغم أنّ التبرير المُعلن لافتتاح المكتب هو «تسهيل التعاون في مجال صناعة النفط»، غير أنّ ذلك قد يعود على العراق بالمشاكل، وقد تكون بغداد أيضاً عُرضةً للعقوبات في حال اعتبرت الإدارة الأميركية أنّ هذا المكتب يُسهم في التحايل على العقوبات المفروضة على طهران.

كما سمح العراق لإيران فقط من بين دول العالم بفتح بنكٍ ملكيته إيرانية بنسبة 100%، في حين أنّ القانون العراقي يفرض على جميع البنوك الأجنبية أن تكون برأسمالٍ عراقي، أو أن تكون الحصة الأكبر لشريكٍ عراقي، وقد يكون الهدف من فتح هذا البنك هو أن يُستعمل كمنفذ لتزويد إيران بالقطع الأجنبي في ظلّ العقوبات.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ مدينة جرف الصخر، التي هُجِّرَ أهلها ولم يعودوا إليها منذ استعادتها في تشرين الأول من العام 2014 من قبضة تنظيم الدولة، صارت بمثابة دويلةٍ إيرانيةٍ في العراق، ومركزٍ تجاريٍّ وقاعدةٍ عسكريةٍ لقوات الباسيج الإيرانية. وقد فشلت جميع المحاولات لإعادة سكانها إليها، وهو ما دفع رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي للقول: «إنّ ملف مدينة جرف الصخر بيد أطراف في إيران ولبنان»، في إشارةٍ للحرس الثوري الإيراني وميليشيا حزب الله. وتأتي أهمية الاحتلال الإيراني المُباشر لجرف الصخر من كونها تقع في مثلثٍ يربط جنوب العراق بوسطه وغربه، ولكونها تُطلّ أيضاً على المنفذ الحدودي مع السعودية قرب عرعر.

الغاز والكهرباء

أنفق العراق على قطاع الكهرباء منذ العام 2003 قرابة 40 مليار دولار، دون أن يؤدي ذلك إلى تحسين الجودة أو معالجة القطع المستمر لأيام في عددٍ من المحافظات، وهو إنقاقٌ تعتريه مجموعة من التساؤلات، مما دفع بالبنك الدولي للطلب من العراق بتخفيض هذه النفقات، خصوصاً بعد توقيع حكومة عادل عبد المهدي أواخر نيسان (أبريل) الماضي عقداً بقيمة أكثر من 14 مليار يورو مع شركة سيمنز الألمانية لتطوير قطاع الطاقة الكهربائية في البلاد.

وإزاء ذلك، يبقى العراق تحت الجناح الإيراني في ما يتعلق بالطاقة الكهربائية، كونه يستورد الغاز من إيران لتشغيل محطات توليد الكهرباء، فضلاً عن استيراده الكهرباء مباشرةً لتغذية عددٍ من مدن جنوب البلاد. وفي المجمل، فإنّ العراق يعتمد على الجانب الإيرانيّ في 5 آلاف ميغاواط، وقد تأثّرت الخدمة بعد انتهاء مهلة التمديد التي منحتها الحكومة الأميركية لعددٍ من الدول المستوردة لمنتجات النفط الإيرانية، ومن بينها العراق، إذ أنّه فضلاً عن توريدات الكهرباء المُباشرة التي بلغت قيمتها قرابة مليار دولار، فإنّ صادرات إيران من الغاز المُسال إلى العراق بلغت في العام الأخير 2.5 مليار دولار.

تتعدى العلاقات الإيرانية العراقية، على الصعيد الاقتصادي والسياسي، علاقات الشراكة والتحالف بين الدول، لتكون بمثابة هيمنةٍ ونهبٍ منظمٍ لأموال العراقيين وخيرات بلادهم وقرارهم السياسي. ومن الطبيعي أن يُقدِمَ المتظاهرون العراقيون على حرق قنصليات إيران محتجين على عبثها ببلدهم وأرزاقهم، وهؤلاء المتظاهرون الغاضبون هم محرومو العراق ومنكوبوه، الذين وصفهم المرشد الإيراني علي خامنئي بأنهم متآمرون ومخربون، داعياً إلى سحقهم.

موقع الجمهورية

———————————————

ربيع عراقي مزلزل للطائفية والنفوذ الإيراني الأمريكي؟/ ستاسا سالاكانين

موجة احتجاجات عراقية منطلقة في أكتوبر / تشرين الأول 2019 هزت النخبة السياسية الحاكمة، رغم سقوط أكثر من 223 قتيلاً وآلاف الجرحى خلال أسابيع قليلة. انتفاضة واجهتها أعمال عنف دموية هي الأشد منذ انتهاء حربٍ في أيلول / سبتمبر 2017 أسقطت خلافة “داعش” المزعومة. تحليل ستاسا سالاكانين.

منذ بداية تشرين الأول / أكتوبر 2019، أعرب آلاف المحتجين، ومعظمهم من الشباب العراقيين، من المدن الرئيسية من وسط وجنوب العراق، عن معارضتهم للأوضاع الاقتصادية المتدهورة، والسياسة الطائفية والفساد المتفشي الذي ابتُلِي به البلد.

في الحقيقة، العراق أحد أكثر الدول فساداً في العالم منذ عقود – فوفقاً لمؤشر الفساد لعام 2018 الذي صدر عن منظمة الشفافية الدولية، يحتل العراق المرتبة 168 من أصل  175 بلداً.

كما يعبّر المحتجون عن غضبهم إزاء ارتفاع معدلات البطالة والممارسة الحكومية الشائعة المتمثّلة في التوظيف السياسي، حيث تُطبَّق المحاصصة الإثنية أو الطائفية بدلاً من المؤهلات.

كما يتهم الغالبيةُ النخبةَ الحاكمة بإساءة استخدام الأموال العامة وسوء إدارة الموارد الوطنية للبلاد في الوقت الذي تفشل فيه تماماً في تلبية احتياجات الشعب العراقي.

ولكن ربما كانت إحدى الخصائص الرئيسية -والأكثر إثارة للدهشة-لاحتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019 هي أن معظم المحتجين هم من المواطنين الشيعة الأصغر سناً الذين انقلبوا ضد المؤسسة السياسية التي يقودها الشيعة.

بينما يوجد عدد قليل جداً من العرب السنة أو الأكراد العراقيين بين المحتجين، وتجري المظاهرات في وسط وجنوب العراق، حيث السكان هم في الغالبية من الشيعة، كان هناك زيادة في استخدام الرموز الوطنية.

تجاوز الانقسامات الطائفية والإثنية

الاحتجاج على النفوذ الإيراني والأمريكي في العراق: يتوجّه غضب المتظاهرين بشكل متزايد ضد إيران المجاورة والتي لها نفوذ كبير في العراق. كما يطالبون باستبدال كبار السياسيين الذين سيطروا على المشهد السياسي منذ عام 2003 لكنهم، من وجهة نظر العديد من العراقيين، مجرد دمى سواء لأمريكا أو إيران. منذ بداية الاحتجاجات ضد الحكومة العراقية في 1 تشرين الأول / أكتوبر، قُتل ما يقارب من 270 شخصاً في أنحاء البلاد.

يعتبر الجميع نفسه عراقياً؛ لا يحتج هؤلاء الشباب بوصفهم عرب شيعة، بل بوصفهم مواطنين غاضبين من النظام الذي فُرِض عليهم بعد الغزو الذي قادته أمريكا في عام 2003.

لم يتضح بعد كيف ستؤثر الاضطرابات في العراق على المنطقة، بيد أنه من الواضح أنها تشكّل تهديداً كبيراً لطهران.

فقد اتّهمت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية (IRNA) الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وإسرائيل بإثارة الاحتجاجات العراقية من أجل تخريب روابط إيران مع العراق وسوريا.

مع ذلك، يبدو العديد من العراقيين بما في ذلك الشيعة، غير متحمسين لوحدات الحشد الشعبية (PMU)، وهي جهات فاعلة قوية غير حكومية ولبغداد سيطرة محدودة عليها، بما أن العديد منهم يخضع لتأثير طهران بشكل كبير.

كما يسود، بين العراقيين، تصورٌ بأن بلادهم أصبحت بمثابة الإقطاعية لفصائل شبه عسكرية وسياسية أجنبية وهذا ما يراه الكثيرون انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية العراقية.

الربيع العربي في العراق

وفي حين أن الاحتجاجات في جنوب العراق في صيف عام 2018 تناولت قضايا مشابهة، إلا أنها هذه المرة تنزع إلى النضال بصورة متزايدة ولا تنادي باستقالة الحكومة الحالية فحسب، بل تهدف إلى الإطاحة بالنظام السياسي برمته وتغييره.

وبينما تبدو المظاهرات من دون قيادة أو أجندة محددة، باستثناء التعبير عن الاستياء العام ونفاذ الصبر إزاء أوضاع البلد، يبقى من غير الواضح إن كانت المظاهرات ستُسفر عن أي من التغييرات المرجوة.

كتب عماد حرب، مدير الأبحاث في المركز العربي في واشنطن، أن الاحتجاجات “تقدم مثالاً آخرَ عن انهيار وشيك ومؤلم ونهائي للنظام السياسي العربي التقليدي الذي أظهر عجزه في معالجة المشاكل التي لا تعد ولا تحصى المحيطة بالمجتمعات العربية اليوم”.

وفي رأي جورجيو كافيرو، خبير الشرق الأوسط ومدير معهد دراسات دول الخليج، الذي نشره في موقع LobeLog، فإن الاضطرابات الأخيرة في العراق ينبغي أن تُفسّر في السياق الأوسع للاضطرابات التي انتشرت في جميع أنحاء المنطقة العربية، إذ يعبّر مواطنو الجزائر ومصر ولبنان والمغرب والسودان عن استيائهم العميق من حكوماتهم الفاسدة، ووفقاً له فإنه “من الإنصاف أن نستنتج أن الربيع العربي قد وصل إلى العراق”.

هل يمكن للحكومة تهدئة الغضب الشعبي؟

وضع ردُ فعل الحكومة الوحشي على الاضطرابات والعدد الكبير من المصابين المدنيين، رئيسَ الوزراء العراقي عبد المهدي تحت ضغط هائل. على الرغم من الإصلاحات الواعدة والأمر بإجراء تعديل وزاري واسع، فقد وجد صعوبة حتى الآن في معالجة شكاوى المحتجين ويواصل بدل ذلك ارتكاب خطأ بعد الخطأ.

فعلى سبيل المثال، في بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر 2019، خفّض رتبة الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه بطلاً وطنياً لدوره في قتال “الدولة الإسلامية”.

كما أن هناك استخدام الذخيرة الحية والقنابل المسيلة للدموع لتفريق المحتجين، والذي من الممكن أن يثبّت المسمار الأخير في نعش عبد المهدي. وفي ظل ظروف كهذه، من المستبعد جداً أن تكون مجرد الوعود قادرة على تهدئة التوترات في البلاد.

والأنكى من ذلك، أن الائتلاف الهش الذي يرأسه عبد المهدي بدأ في التصدع، مما جعل موقفه أشد التباساً.

وفي حين أنه من الصعب التخيل أن الحكومة العراقية الحالية ستكون قادرة على تقديم أي إصلاحات رئيسية، بما أن رئيس الوزراء هو في الواقع رهينة لفصائل شبه عسكرية وسياسية قوية، فإن عبد المهدي محقٌّ في أمر واحد – ففي خطابه بعد الموجة الأولى من الاحتجاجات قال إن الحكومة لا تملك حلولاً “سحرية” لمعالجة المشاكل.

والمشاكل التي يواجهها العراقيون كثيرة ومعقدة بحيث يخشى العديد من المراقبين من عدم قدرة أحد على القيام بمهمة تنفيذ الإصلاحات التي تمسّ الحاجة إليها.

إذ قد يتطلّب حلُ المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تناولها المحتجون تخفيضات مؤلمة في القطاع العام، الذي يوظِّف مُسبقاً أكثر من 3 ملايين عراقي، إضافة إلى إزالة الدعم عن الغاز والغذاء والكهرباء. لا تحظى مثل هذه التدابير بشعبية في أفضل الأوقات، ومن المرجح أن تؤدي إلى مزيد من الاضطرابات في المناخ الحالي.

أخيراً وليس آخراً، رغم أن الاحتجاجات ليست طائفية في دوافعها، تبقى الطائفية راسخة الجذور في المجتمع العراقي.

أما الفصائل السياسية القوية مثل تحالف الفتح المؤيد لإيران بزعامة هادي العامري، وتحالف المحور بزعامة خميس الخنجر المفضَّل لدى العراقيين السنّة والحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة عشيرة البرزاني، فتهدف جميعها إلى الحد من سلطة حكومة بغداد المركزية وبالتالي فهي تسهم بشكل كبير في عجز الدولة العراقية. ينبغي أن نأمل أن لا تتجه الأمور في العراق إلى كارثة على غرار سوريا.

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

ar.Qantara.de

——————————–

السوريون على وقع ثورتي لبنان والعراق/ أكرم البني

أطلقت مشاهد المظاهرات والاعتصامات المتواترة في ساحات العراق ولبنان، حزمة من التداعيات والمواقف بين السوريين، بعضها بدا واضحاً وجلياً وبعضها الآخر لا يزال موضع تحسب وترقب.

بدايةً، ثمة ما يشبه الإجماع لدى السوريين، في ظل تفاقم أحوالهم ومرارة ما يكابدونه، على أن ما يحصل في لبنان والعراق يعنيهم بقدر ما يعني اللبنانيين والعراقيين، بعضهم بدافع التقارب والعلاقات التاريخية والإحساس بأن نتائج ما يحدث هناك سوف تنعكس بشدة على أوضاعهم وخيارات مستقبلهم، وبعضهم الآخر لأنهم مؤمنون بوحدة المصير وبتشابه دوافع التغيير وأسباب المعاناة والمشكلات ربطاً بالانعكاسات المشتركة للوصاية الإيرانية على مقدراتهم ومصيرهم.

ومع التعمق في اختبار الأفكار والمواقف، تزداد الاختلافات والتباينات وضوحاً، فثمة سوريون لا يعوّلون كثيراً على ما يجري، مرجحين قدرة أعوان إيران على سحق حراك الناس السلمي وإجهاض آمال ملايين العراقيين واللبنانيين في التغيير والعيش الكريم، ويستند هؤلاء، ليس فقط إلى توازن قوى عسكري يميل لمصلحة طهران وميليشياتها، أو إلى نهجهم القمعي الأصيل في التعامل مع مطالب الناس وحقوقهم، بدليل سحقهم الوحشي للثورة الخضراء، ثم ما صارت إليه أحوال سوريا بعد استباحتها من «الحرس الثوري» و«حزب الله»، وإنما أيضاً إلى صمت وسلبية لا يزالان يسمان مواقف المجتمع الدولي تجاه ما يجري في لبنان والعراق، مذكّرين بما حلّ بثورة السوريين بعد أن خذلها العالم، والأهم برأيهم، هي صعوبة أن تقرّ إيران وأعوانها بالهزيمة ويستسلمون لخسارة ما حققوه من نفوذ داخلي وإقليمي، حتى لو لجأوا إلى أشنع وسائل الفتك والتنكيل لقمع الاحتجاجات ووأد أهدافها. والحال، مع بداية انتفاضتَي العراق ولبنان، كان غالبية السوريين يتوقعون نهاية سريعة لهما، لكن ما فاجأهم هو دأب ومثابرة اللبنانيين والعراقيين وديناميتهم في ابتكار ما لا يخطر على البال من الطرق والوسائل لإبقاء ثورتيهما حيتين، ليغدو شائعاً اليوم مشهد السوريين وعيونهم مشدودة إلى شاشات التلفزة وهم يراقبون بذهول وتعاطف لافتين ما يجري هناك، وصار بالإمكان سماع عبارات تشجع الأساليب المدنية في إدارة المظاهرات والاعتصامات، وتدعو لحماية السلم الأهلي، وتمكين الجيش من لعب دوره الحيادي والعمومي كضامن لوحدة البلاد وأمنها، وأيضاً عبارات الإعجاب بما كشفه المتظاهرون من نضج ووعي، خصوصاً بين الطلاب والتلامذة الصغار، إنْ في عرض مطالبهم المحقة، وإنْ في إصرارهم على الاستمرار وتمسكهم الواعي بسلمية الاحتجاجات واحترام ظواهر التعددية وحق الاختلاف، ولا يحتاج المرء إلى كثير جهد كي يلحظ بين ثنايا العبارات التي يطلقها سوريون، أمارات التحسر على ما لاقاه حراكهم المدني والسلمي من فتك سلطوي وتدمير لم يعرفا حدوداً، وعلى ما آلت إليه ثورتهم بعد تقدم خيار العسكرة وغلبة السلاح عليها.

يعرف السوريون جيداً معاني دعاية السلطة المغرضة ضد من يعارضها بأنه إرهابي أو عميل للأجنبي، فهم قد خبروا جيداً استخدامها التخوين والإرهاب، كسلاحين ناجعين لتأليب الرأي العام ضد خصومها المحتملين، وإذا فشل ثنائي طهران ودمشق في الترويج للصراع السوري على أنه «مؤامرة كونية» ضد محور المقاومة والممانعة، لكنهما نجحا في جره إلى بعده الطائفي والمذهبي وفي وسم كتلته الكبيرة المنتمية إلى الطائفة السنية بالإرهاب وبموالاة تنظيم «القاعدة»، لكن المشاركة الواسعة لأبناء الطائفة الشيعية في الحراك الثوري العراقي وكتلة كبيرة من المسيحيين في لبنان، أضعف هذا الاتهام، ليعوّض عنه بفجور بغيض في تخوين المتظاهرين واتهامهم بتنفيذ أجندة خارجية، مرة على أنهم شيعة الإنجليز، ومرة ثانية على أنهم يموَّلون من سفارات دول أجنبية وإقليمية، ومرة ثالثة على أنهم يتلقون أوامرهم مباشرةً من أجهزة المخابرات الأميركية والإسرائيلية، كل ذلك من أجل تسويغ العنف العاري ضدهم وفرض الخيار الأمني لقهر إرادتهم وإعادتهم إلى بيت الطاعة.

يَخلص سوريون إلى أنه من سوء حظ مجتمعات سوريا والعراق ولبنان، أن تصطدم معركة تحررها السياسي، وإسقاط مثلث الاستبداد والفساد والطائفية، بمخطط الهيمنة الإيرانية، وأن يغدو مستقبل التغيير وبناء دولة المواطنة فيها رهينة توازنات النفوذ الإقليمية والدولية التي تريد طهران الحفاظ عليها، ما يجعل معركة خلاصها مركبة وصعبة ومكلفة، ويجعل تلقائياً، الاحتجاج على الطبقة السياسية الحاكمة والفاسدة، احتجاجاً، في الوقت ذاته، على هيمنة طهران ومسؤوليتها عن تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية، وعلى أساليبها في القهر والتمييز والنهب المنظم لمقدرات هذه البلدان وثرواتها.

وإذ تسمع بين السوريين ممن لا تزال تفتنهم الشعارات الوطنية، عبارات تدين هذه الثورات وتعدها إضعافاً لمحور المقاومة والممانعة في مواجهة المخططات الصهيونية، فيمكنك أن تلمس، على العكس، ارتياحاً لدى اللاجئين السوريين تجاه الثورة اللبنانية، لأنها أنصفتهم، وردت عنهم الحيف والظلم وسيل الاتهامات التي أطلقها الزعماء الشعوبيون ضدهم بصفتهم أساس الداء والبلاء الذي يعيشه لبنان، وبين هذا وذاك، يرى كثير من السوريين أن حشود اللبنانيين والعراقيين في الميادين وظمأهم لنيل حقوقهم، أعادا بعض الأمل والثقة بقدرة الشعوب على تقرير مصيرها، والأهم أنهما لم يتركا فرصة للعمى الآيديولوجي ولمدّعي الوصاية كي يفركوا أياديهم فرحاً وهم يقطفون ثمار نفوذهم الإقليمي بعد أن استتبت لهم الأمور في سوريا، وبدأوا يتباهون بالسيطرة على أربع عواصم عربية والتحكم في قراراتها!

قلق السوريين من تطور غير محمود للأحداث في لبنان والعراق كبير، ليس فقط لأنهم يناصرون الأساليب السلمية والمدنية، ويرفضون العنف الأعمى والذي ما من أحد مثلهم اكتوى بناره، بل أساساً بدافع من رغبة صادقة بألا تذهب الأمور نحو الصراع الأهلي ويغرق البلدان في دوامة التفرقة والقتل وحمامات الدم.

«لا تزال أيادينا على قلوبنا ونأمل ألا تحدث اندفاعات قمعية مغرضة في العراق ولبنان تجهض إرادة التغيير»، يستهلّ بعض السوريين أحاديثهم غامزين من هذه القناة إلى التجرؤ في العراق على استخدام الرصاص الحي وأساليب القنص لقتل المتظاهرين واعتقال الناشطين وتغيبهم، والأهم إلى ضرورة وحدة المحرومين وابتعادهم عن الاستقطابات الحادة وظواهر الثأر والانتقام ونوازع التطرف والإقصاء، تحدوهم رغبة صادقة بأن تكون فرصة الشعبين اللبناني والعراقي أوفر حظاً من فرصتهم، لعل في ذلك ما يخفف آلامهم ويعوّض عليهم بعض خساراتهم.

الشرق الأوسط

——————————-

التخمة الإيرانية وانفجارها/ عمر قدور

التخمة الإيرانية وانفجارها متظاهرون عراقيون على جسر الجمهورية في بغداد خلال تظاهرة مناهضة للحكومة (ا ف ب)

صحيح أننا نردّ انتفاضات شعوب المنطقة إلى تدهور متشابه في أوضاعها، وإلى انسداد أفق الأنظمة الحاكمة بمختلف تنويعاتها الظاهرية، وقد يستحق توقفاً منفصلاً ذلك النقاش حول ما إذا كانت الانتفاضات الأخيرة بدءاً من السودان والجزائر موجةً ثانية من موجات “الربيع العربي”؟ أم هي نقلة جديدة وعلى مستوى مختلف؟ إلا أن تراكب انتفاضات في المشرق العربي مع واقع الوجود الإيراني يمنحها خصوصية عابرة للموجتين، وينذر بتشابه في المسارات وبالافتراق عما آلت إليه الانتفاضة السودانية، وعن حرب الاستنزاف الهادئة حتى الآن بين الجزائريين والعسكر.

منذ عام 2014 بدأت تظهر إلى العلن التصريحات الإيرانية المتباهية بالسيطرة على أربع عواصم عربية، هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، مع التنويه بالجهاد الإيراني الذي يجد له موطئاً في أفغانستان وفلسطين. وقتها كانت نشوة انقلاب الحوثيين على التسوية اليمنية وتقدمهم السريع في السيطرة قد أخذت الإيرانيين، أما وجودهم في بقية العواصم فلم يكن نتاج ثورات الربيع العربي. كما نعلم، تولت واشنطن إسقاط نظامي طالبان وصدام من الغرب والشرق، ما أتاح لطهران نفوذاً في أفغانستان، وأتاح لها الانسحاب الأمريكي من العراق تسلمه وجعله بمثابة حديقة خلفية لحكم الملالي.

منذ أربعة عقود كانت قوة من الحرس الثوري الإيراني قد دخلت لبنان، بتسهيل وإشراف من حافظ الأسد، لتنشئ حزب الله الذي لم يخفِ يوماً تبعيته لطهران. في طورها المتأخر، مع غياب حافظ الأسد بسبب المرض ثم الموت، كانت الوصاية الأسدية على لبنان غطاء لوصاية أهم هي الوصاية الإيرانية. الأخيرة سرعان ما ستكشف عن وجهها إثر إجبار قوات الأسد على الانسحاب، ليتقدم الحزب نيابة عن الوكيل الأسدي، ويتولى بنفسه الاضطلاع بالدور الذي كان يظهر من قبل تعففاً عنه.

ثمة حادثة تعبّر عن التحول الذي كان يحدث، هي ذهاب الأمين العام للحزب للتعزية بحافظ الأسد مع ثلة من مقاتليه قدّموا عرضاً عسكرياً في القرداحة. ذلك لا يخرج عن مألوف مناسبات العزاء فحسب، تلك كانت الرسالة التي سنرى ترجمتها الدموية بعد الثورة السورية بتدخل ميليشيات الحزب لقمعها. كان ذلك تدشيناً مبكراً لإشهار الوصاية الإيرانية على الوريث المتهافت، ولدحض ما كان دارجاً من قبل عن إمساك حافظ الأسد العصا الإيرانية-السعودية من منتصفها لمصلحته. رسائل الحزب داخلياً تنوعت منذ انجلاء الوصاية الأسدية، لتصل إلى أوجها في السابع من أيار 2008، وليفهم من لم يفهم بعد مركز الوصاية الفعلية. في العام نفسه كان جورج بوش يودع رئاسته باتفاق مع طهران لتنظيم الانسحاب الأمريكي، وهو بمثابة تسليم بدور الشرطي الإيراني الذي كان يتعاظم تحت الاحتلال الأمريكي المعلن.

الحق أن لعب دور شرطي المنطقة كان طموحاً إيرانياً منذ عهد الشاه، شأن المشروع النووي الذي بدأ أيامه، وحينئذ كان المشروع يلبي طموحات القوميين الإيرانيين. عاد الطموح التوسعي بأقوى من السابق مع حكم الملالي، وهذه المرة مدفوعاً بتركيبة من الأيديولوجيا الشيعية الإيرانية وتحالفها اللاحق مع بقايا القوميين. ما يجمع التيارين تلك النزعة العرقية المتعالية إزاء الجوار ومن ضمنه التشيع العربي، وذلك الثأر التاريخي لانهيار الإمبراطورية الفارسية بأيدي من يُنظر إليهم كعربان متخلفين، والنظرة العنصرية بمفردات متباينة نجدها في أدبيات القوميين والإسلاميين.

لقد ابتلعت الشهية الإيرانية، بمساعدة كبرى من حافظ الأسد ووريثه وبمساعدة أمريكية أيضاً، ثلاث عواصم عربية بمثابة شريان استراتيجي في المشرق قبل اندلاع ثورات الربيع العربي. وكان لا بد لهذه الثورات من الاصطدام بالنظام الإيراني عاجلاً أم آجلاً، لأن البدء بأدواته المحلية لا بد أن يوصل لهذه النتيجة. المسألة تتجاوز ما يطفو على السطح لجهة الصراع الشيعي-السني، هذا على الأقل ما تثبته انتفاضة العراق والانتفاضة اللبنانية، حيث يشارك الشيعة فيهما مع وعي لكون النظام القائم محروساً بالترهيب الإيراني.

لقد رأينا كيف واجهت الماكينة الإيرانية ثورة السوريين بالشحن الطائفي، قبل دخول دول خليجية على الخط نفسه، ورأينا أيضاً مقاتلي الميليشيات الشيعية يقتلون السوريين تحت تلك الشعارات الطائفية وثاراتها. بالطبع يصعب الآن تكرار السيناريو الطائفي نفسه، أما جوهر الاستقواء والقمع فلا يبدو أنه استخلص الدرس مما حدث في سوريا. العنف الممارس ضد انتفاضة العراق، والتهديد القائم بممارسته في لبنان، يشيران إلى أن النظام الإيراني لا يملك وسيلة أخرى ناجعة للاستمرار بسيطرته.

جوهر السيطرة هو القوة المباشرة والعسكرة، ثبت ذلك حتى ضمن بيئات نُظر إليها كحاضنة له بسبب القرابة المذهبية. الأموال الطائلة التي صرفتها الطغمة الإيرانية الحاكمة كانت على مشاريع إنشاء ميليشيات تتولى نشر النفوذ الإيراني. الحديث عن الأموال يتعلق مثلاً بما يقدّر بـ15 مليار دولار أُنفقت من أجل الإبقاء على نظام بشار وحده، ومن قبل كان بعض التقديرات يشير إلى مليار ونصف المليار كتكلفة سنوية لحزب الله، فضلاً عن كلفة إنشاء وتشغيل ميليشيات شيعية أخرى مثل الميليشيات الأفغانية. الإسراف في الإنفاق على العسكرة يعكس الإدراك بأنها السبيل الوحيد للهيمنة والتوسع، ويعكس تقديم هذا الهدف على المتطلبات الحيوية للمواطن الإيراني الذي كانت معيشته تنهار طرداً مع توسع نفوذ حكامه. حتى الأموال التي رُفع عنها التجميد الأمريكي لمناسبة الاتفاق النووي، وكان أوباما قد حذّر من صرفها على مشاريع التوسع، تبخرت في المسار نفسه ولم يُلحظ لها أدنى أثر على الاقتصاد الإيراني المتداعي.

رغم كل جهود ومساعي التركيبة الدينية-العسكرية الحاكمة، كنا على موعد مع هزيمتها في سوريا لولا النجدة الروسية، النجدة التي نالت وستنال حصتها من النفوذ الإيراني. وما تنذر به انتفاضة العراق، وهي ليست الأولى في السنوات الأخيرة، أن النفوذ الإيراني هناك لا يرتكز على أرض صلبة، ولا يمكن الحفاظ على وضعه الراهن سلماً. أيضاً في لبنان، عاجلاً أم آجلاً ستنفجر صيغة الدولة داخل الدويلة، إذا لم يكن هذا يحدث الآن، ومن العسير جداً الحفاظ عليها إلا بالحرب أو التهديد المستمر بها.

لا بد من التنويه بأن التركيبة الإيرانية عاجزة عن استبدال أدواتها الخارجية، لأنها مطابقة لطبيعة هيمنتها، سواء على صعيد الأشخاص أو الأساليب، ثم إنها مطابقة لأسلوب الهيمنة في الداخل. إننا أمام نموذج من التخمة يحمل بذور انفجاره، كونه لا يُقدّم للمناطق المستهدفة به خيارات مقبولة لتبادل المصالح، ولا يقدّم لشعبه نفسه فائضاً اقتصادياً ناجماً عن التوسع الخارجي. النظام الإيراني اليوم أعزل أكثر من أي وقت مضى من أدواته الأيديولوجية الطائفية، واقع في ورطة تخمته وترهله، وربما لن يخفف ضريبة انفجاره على المنطقة سوى الإيرانيين أنفسهم.   

——————————-

الثورة الأخلاقية في الموجة الثانية للربيع العربي/ يوسف بزي

التسجيلات الصوتية والنصية المسربة إلى وسائل الإعلام اللبنانية، لكبار موظفي الدولة، ساسة ومديرين عامين وقضاة ومحامين وعسكريين ومستشارين، عدا عن كونها تفضح أعمالاً وصفقات غير مشروعة واستغلال نفوذ ومخالفات صارخة للقوانين، تجعلنا نشعر بالمهانة والقهر والغضب، فهي تكشف أمراً أسوأ من الارتكابات وشبهات الفساد: تكشف الوضاعة. فعند الاستماع إلى محادثاتهم وكيفية تخاطبهم فيما بينهم نلحظ أسلوب الكلام الدنيء والصفاقة والأريحية الكاملة في استباحة كل شيء، استباحة القوانين واستباحة مصالح الدولة والمواطنين. غياب أي غيرة أو تخوف أو لباقة. كل هذا يسمى الانحلال.

لا شيء يشبه هؤلاء سوى الأفلام الرديئة عن العصابات، إذ تتم فيها المبالغة غير المقنعة في تسفيل الشخصيات الإجرامية، إلى حد غير واقعي. لكنهم هنا في لبنان شخصيات حقيقية. الواقع يصير أسوأ من فيلم رديء و”الأبطال” أسوأ من ممثلين رديئين.

غالباً، ما كنا نعرف أن أخلاق الميليشيات متغلغلة في المجتمع اللبناني، وليست حكراً على من هم في السلطة. كما أننا اعتدنا تاريخياً على تلازم الرشوة مع الإدارة العامة. وكنا قد أسلمنا أن منسوباً محدوداً من الفساد هو طريقة ملتوية في توزيع الثروة، خصوصاً في زمن “البحبوحة” والاطمئنان إلى مبدأ: دعه يعمل.. دعه يمر.

هذه الصفقة في تبادل المنفعة، كانت مشروطة أولاً بالوفرة والازدهار، وبحد أدنى من الضوابط القانونية وبشيء من الوازع الأخلاقي، على نحو يؤمن مصلحة الجميع ويوازنها. وهذا أوجد ثقافة

التعايش مع الفساد، خصوصاً أنه قائم على نوع من التقاسم الحساس بين الجماعات الطائفية، أو ما يعرف بـ”المحاصصة”.

ما حدث في تساوق واحد خلال 15 سنة على الأقل، تراجع مضطرد للموارد الاقتصادية والمالية، وانخفاض الاستثمارات، وتفشي الفساد بمعدلات قياسية كسرت الضوابط والحدود على نحو فاحش وبالغ الوقاحة، وتحول التنافس السياسي – الطائفي إلى سباق محموم على النهب.

كان واضحاً منذ سنوات عدة أن الوجهة العامة للبلاد هي الكارثة، وأن الدولة ذاهبة إلى الإفلاس المالي. لكن الطبقة الحاكمة ولأنها أوليغارشية لا يمكنها سوى الإمعان في السرقة وتحويل المال العام إلى مال خاص اختلاساً. أي تحويل “الكارثة” إلى فرصة للإثراء.

الأهم من ذلك، أن الفساد بات فجوراً. وفي علم الاقتصاد، هناك عامل حاسم في النجاح أو الفشل لأي بلد، هو عامل الثقة، أو منظومة القيم التي تحكم أداء المجتمع. فالمعجزة الاقتصادية اليابانية مثلاً ليست سحراً أو صدفة تاريخية. بلد يفتقر إلى كل شيء: كثافة سكانية مع ضيق الأراضي الزراعية، عدم وجود المواد الأولية والمناجم وموارد الطاقة. لكن ما جعل اليابان ناجحة وقادرة على صنع المعجزة هي المنظومة الأخلاقية -الدينية لليابانيين، التي تقوم على التشدد بالاستقامة وعلى فكرة “عار” الفشل أو الكذب أو الغش، إلى حد أن موظفاً ما قد يقدم على الانتحار إن لحقته تهمة فساد.

“المعجزة الاقتصادية” هذه نلحظها في دول مثل كوريا الجنوبية أو هولندا، وهي قائمة على عوامل غير مادية ولا تلحظها العلوم الحسابية والاقتصادية البحتة، لكن بات معترف بها أنها حاسمة في تغيير وجهة الاقتصاد لأي دولة. إنها “الثقة” والقيّم الثقافية والأخلاقية التي يتبناها المجتمع.

وبالعودة إلى التسجيلات الصوتية المسربة للمسؤولين والموظفين الكبار في الدولة اللبنانية، نكتشف فقط الفجور والانحلال والوقاحة. الانهيار الأخلاقي إذاً، هو أقرب الطرق إلى الانهيار السياسي والاقتصادي.

ما نشهده في لبنان راهناً، شهدنا نماذجه الفاقعة والمثيرة للاشمئزاز والغضب مع عصابة أقرباء ليلى طرابلسي زوجة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، أو مع الفحش والاستباحة التي ميزت معمر القذافي وأبنائه وجلاوزته، ثم تكشف السلوك نفسه مع عائلة حسني مبارك وبعض رجال الأعمال المقربين منه. وقبل ذلك، رأيناه خلال حصار العراق لمدة 12 عاماً ببناء القصور والإسراف الأسطوري لصدام حسين وابنه عدي وحاشيتهما، فيما كان العراقيون في أبأس أحوالهم.. وتكرر الأمر بالعراق مع أضخم عملية فساد وسرقة في التاريخ المعاصر، حين تم نهب ما يفوق 400 مليار دولار في سنوات قليلة، ذهبت على الأرجح لتمويل “المشروع الإيراني” في المنطقة. أما أرصدة الرئيس اليمني علي عبدالله صالح وأبنائه فلا تقل قيمة عن أرصدة باقي تلك العصابات في الدول العربية الأخرى.

ويتوضح هذا البلاء، الذي حطم مستقبل الشعوب ودمر فرصها الاقتصادية وبدد ثرواتها، في سوريا. فإلى جانب النهب المزمن والفساد الممنهج تم الفتك بحياة السوريين وعمرانهم على نحو أعاد البلاد إلى ما قبل الاقتصاد، إلى حال

من الاستباحة بعدما انقلبت “الدولة” ذاتها إلى ما يشبه سلطة النهب الاستعماري. كما لو أنها “احتلال” قائم على السلب والسطو. فثقافة “التعفيش” تمثل مجمل السياسة الأسدية الاقتصادية. الفساد هنا رديف الإبادة. رديف الاستعمار المتوحش.

بهذا المعنى، الانتفاضتان اللبنانية والعراقية تقومان على طلب “محاربة الفساد”.. أي استعادة المنظومة الأخلاقية وإعادة الاعتبار للقيّم، كشرط أول للإنقاذ الاقتصادي. وفي هذا المسعى ما هو أبعد من إسقاط نظام أو محاسبة فاسدين. إنه كتابة عقد اجتماعي سياسي جديد، وصوغ رابطة وطنية جديدة. وهذا ما توضح في الساحتين اللبنانية والعراقية: تجاوز الطائفية.

ربما، وبشيء من الأمل، يمكن القول إن الموجة الثانية من الربيع العربي ليست فقط “إسقاط النظام” كسلطة أو كطاغية أو حكومات، بل هي ثورة أخلاقية قبل أن تكون سياسية.

تلفزيون سوريا

———————–

الثورة تصنع إنسانها في لبنان والعراق/ برهان غليون

من الواضح لكل ذي نظر أن الشعوب العربية، أي الأجيال الشابة التي تتقدّم ثوراتها، قد دخلت في حقبة جديدة، وهي تكتشف كل يوم في ساحات المدن العربية وشوارعها مصطلحات العالم الجديد الذي تسعى إلى بنائه. وتظهر الاعتصامات السلمية هذا التغير العميق الطارئ على سلوك الأفراد وعلاقاتهم، ونوعية اللغة الحرّة الجديدة التي يعبرون بها عن أنفسهم بها، والعواطف الإيجابية البالغة التي يتبادلونها فيما بينهم، شبانا وشابات، والتفاؤل الذي أصبح يوجّه نظرهم وفعلهم نحو المستقبل، ونظرتهم المنفتحة إلى الذات والآخر، ورؤيتهم التي لا علاقة لها بأي شكل برؤية آبائهم، وحاكميهم منهم، للدين والدولة والهوية والوطنية والسلطة الأبوية والسياسية، وعلاقة الرجل بالمرأة والعكس، ودور المرأة ومكانتها الاجتماعية، للمدينة والفضاء العام، لمحيطهم المباشر وللعالم، حتى ليكاد المراقب يعتقد أن نمط الاجتماعات المعاصرة وعلاقات الأفراد الشفافة والحرّة التي تميزها قد ولدت، او أنها تولد مباشرة أمام أعيننا على شاشات القنوات الفضائية، في مواجهة ثقافة الازدواجية والمظهرية والغش والنفاق القديمة.

تظهر تجمعات الاعتصام والمسيرات اليومية انقلابا كاملا في المفاهيم وقواعد السلوك في جميع ميادين العلاقات الاجتماعية والعلاقة بين الجمهور والدولة والشعب والنخبة، والذات والآخر/ العالم. هناك احتفاء متجدّد وملتهب بالوطن، واستعادة أو انبثاق روح المواطنة المحرّمة، وانحسار واضح لمشاعر اليأس والإحباط والتشاؤم الذي جعل من مشروع الهجرة لبناء حياة فردية إيجابية ومثرية في البلدان الأجنبية الحلم الرئيس، إن لم يكن الوحيد لدى شبابٍ أقنعه انعدام الآفاق واستنقاع النظام والفساد الشامل للنخبة السياسية أنه البديل الوحيد للموت يأسا وكربا في بلدانه الأصلية. وهناك تحوّل عميق في اتجاه المجتمع ككل، واحتفاء بالآخر والاقتراب منه والتفاعل معه قلّ مثيله، بعد سواد مشاعر الخوف والتوجس والشك والكراهية في عهد الفساد والاستبداد والأنانية. وهناك عودة قوية إلى التمسك بالهوية الوطنية، بعد التعلق الشامل بثقافة العولمة الرثة والاستسلام لراحة الوصاية والتبعية. هناك إعادة اكتشاف للثقافة، للفن والأدب والفكر، وانخراط حماسي في السياسة وتصالح معها.

لم تعد الثورة منهجا للتغيير وقلب الطاولة على الطبقات الحاكمة، أو الطبقات السياسية بأكملها، وإنما أصبحت في العالم العربي، وفي لبنان والعراق اليوم، كما هي في الجزائر والسودان ومن قبل في سورية واليمن وتونس، مصهرا يمتزج فيه ويتخلق، تحت درجة حرارة عالية، شعب جديد، أي شعب موحد وقوة مستقلة وفاعلة على الأرض وصانعة للحدث، وليس زبائن لقوى ونخب سياسية اعتادت تحييده وإنكار وجوده واستخدامه لتحقيق مآربها الخاصة، وأن لديه إرادة لا تقهر لتحقيق أهدافه، وأنه السيد الحقيقي في الدولة، وصانع النظم والحكومات. هكذا سقط النظام السياسي العربي القديم بالفعل، بصرف النظر عن المآلات التي سيشهدها المشهد في الأسابيع والأشهر المقبلة، ليس على مستوى لبنان والعراق، وإنما على مستوى الشعوب العربية برمتها، وسقط معه، ودخل في مسار التفكّك والانحلال، نظام المجتمع القديم ونمط العلاقات الذي كان يميّزه على جميع المستويات المدنية والسياسية والطبقية والطائفية، ولن يكون من الممكن إعادة بعثه وإحيائه.

في المقابل، لا تزال الطبقة السياسية والنخب الاجتماعية السائدة تعيش في تاريخ آخر، وتبدو عروضها وتنازلاتها الهزيلة المقدمة لتخفيف غضب الجمهور، من تغيير بعض رجال الحكومة أو الوعد بالإصلاح القريب أو الإسراع في تقديم مكتسبات لهذه الفئة أو تلك، حركات واهية في الفراغ، لا طعم لها ولا رائحة ولا أثر. تحاول أن تكسب بعض الساعات الإضافية لاستعادة الاتصال بجمهورٍ يبتعد عنها كل يوم سنوات كاملة، وأصبح يعيش في عالم آخر لا قدرة لها على فهمه وبالأحرى دخوله. وهي عاجزة بالفعل عن فهم ما يجري لها ومعها، ببساطةٍ لأنها لا تستطيع أن تقبله، ولا تريد أن تعترف بأن دورها انتهى، ولم يبق لها إلا الرحيل، كما لا يكفّ الجمهور عن ترداده.

والدليل الأكبر على أنها انتهت وخسرت معركتها إلى الأبد شعورها العميق، بالمقارنة مع من سبقها من النظم الدموية، كنظام الإبادة الجماعية السوري، بضيق هامش مناورتها السياسي،

وتردّدها في الدخول في حربٍ علنيةٍ ضد الشعب، خوفا من أن ينقلب استخدام العنف المفرط إزاء المتظاهرين عليها، بدل أن يعيد الشعب إلى مواقعه القديمة. ولم يعد يراود أحدا من رجالاتها، حتى الأكثر حمقا وعنصرية ضد الجمهور الذي وصف بالجاهل والأمي والمتعصب الديني في معظم البلدان، استدعاء جيوش ومليشيات وخبراء حماتها من الدول الأجنبية، في وقتٍ تكاد شعارات المطالبة بإخراج هؤلاء الحماة تساوي، إن لم تتفوق على، شعارات التغيير السياسي الداخلي. وكما سقطت ورقة الرهان على التدخل الإيراني، وسقطت ورقة اتهام هذه الثورات بالمؤامرة الأجنبية، أو التعبير عن تيارات محافظة رجعية ومماهاتها مع حركات التطرّف الديني أو القومي أو الطائفي، أو حتى ربطها بالإرهاب لتشويه سمعتها وتجريدها من شرعيتها وتبرير رفض التعامل معها بجدية، فقد أصبح ذلك كله من الترّهات التي تسيء إلى صاحبها أكثر مما تعينه على التغطية عن مواقفه العدوانية.

العجز عن استخدام العنف على الرغم من إرادة العنف وتوفر الوسائل لممارسته ضد المنتفضين والعجز عن استخدام ورقة التدخل الأجنبي والمؤامرات الخارجية والتلويح بخطر التطرّف الإسلامي والإرهاب، يعكس ذلك كله الانهيار الأخلاقي والسياسي الكامل لقضية النظم القائمة، ويشير إلى إدانتها التاريخية. وهكذا ستموت هذه النظم والطبقات اليوم مقهورة من دون حتى القدرة على الانتقام وتفريغ حقدها أو سمّها في الضحية. وهذا العجز هو أحد المكاسب الكبرى لتضحيات الشعوب العربية في انتفاضاتها السابقة التي بيّنت، خصوصا الانتفاضة السورية، أن الإصرار على سحق إرادة الشعب بالحديد والنار، والإمعان في احتقاره وإنكار حقوقه، لن يقود أي نظام سوى إلى خيانة شعبه مع الدول الأجنبية، والتفريط باستقلال وطنه، وتدمير عمرانه وجعله غير صالح للمعيشة والحياة. لا يمكن لحاكم أن ينتصر على شعبه، وانتصاره لن يكون سوى إنهاء للوطن والشعب وفتح الطريق واسعا إلى الاحتلال.

انسداد طريق الحل العسكري لا يبقي مجالا آخر أمام النخب التي لا تريد أن تخسر بلدانها، وتأمل أن تنقذ ما يمكن إنقاذه من مصالحها سوى التسليم بالأمر الواقع وقبول الانتقال إلى نظام جديد يرد على تطلعات الشعب الوليد وأجياله المتوثبة والمتطلعة نحو المستقبل، ويتيح لنخب جديدة أن تحتل مواقع القيادة وتتحمّل قسطها من المسؤولية في بناء المستقبل الذي تريد. برفضها التداول والتجدّد حكمت النخب القديمة على نفسها بالانحطاط، وأصبحت جثثا محنطة وحنطت معها السياسة ذاتها، فكرا وممارسة، وربطتها بهياكل حزبية وشخصيات من الماضي لا علاقة لها بالحاضر، ولا بتطلعات شبابه وحاجاته ومشاعره وأحلامه. لقد تحوّلت إلى الميت الذي يحكم الحي ويمنعه من التنفس والحياة.

لقد كذّبت ثورات الربيع العربي القول المأثور، بعد الثورة الفرنسية، إن الثورات تأكل أبناءها. ما تفعله الانتفاضات العربية، كما تبين وقائع الساحات المفتوحة في جميع العواصم العربية هو العكس تماما، أي إعادة خلق الانسان وبث الحياة والحيوية في المجتمعات الطريحة التي فتتتها وفككت عراها وشوّهت أخلاقياتها أنماط من السيطرة والحكم لا تعرف فيها النخب الحاكمة علاقة بالشعب سوى التي تربط الذئاب بالحملان، ولا تفيد فيها الدولة وسلطتها العمومية سوى في تمكين هذه الذئاب من السيطرة على الطريدة والتفاهم على تقاسم أطرافها حسب ما وهبته الطبيعة لأفرادها من شراشة وضراوة ووحشية. هكذا ينقلب السحر اليوم على الساحر، ومن رهاب الخوف تولد قوة لا تقاوم، وإرادة تفل الحديد، وتبدلت الأدوار والمواقع.

لذلك، لن يربح سياسيو العصر البائد معركتهم بالمراهنة على تمرير الوقت وتعب الجمهور وخوفه من عمليات القتل الممنهج والاختطاف والإخفاء، فحين يرمي الإنسان بنفسه في الصراع من أجل قضية سامية ترقى إلى مستوى أحلامه وتطلعاته، تصبح بالنسبة إليه بمثابة عقيدة ودين، ولا يعود للحياة عنده من دونها معنى، ولا يبقى عنده للوقت أي حساب. هذه هي الثورة، وقد جاءت اليوم أعمق بكثير مما انتظره أكبر المتفائلين. ولن يفيد تأجيل الاستحقاق الاجتماعي والتاريخي إلا في تعزيز القطيعة بين الماضي الغارب والمستقبل المنشود، وتحويل زمن الانتظار إلى فرصة استثنائية ونادرة لتعميم الوعي الجديد، وتداول الخبرة ونشر الثقافة، وإلى تمرين جماعي وشامل على ممارسة القيم الجديدة، وتمثل قواعد العمل والسلوك الإنساني، وإحياء معاني السياسة واستبطان روح المسؤولية الجماعية التي لا تقوم من دونها حياة مدنية.

خلصت يعني خلصت.

العربي الجديد

—————-

قولٌ للتاريخ/ ميشيل كيلو

قال الفريق أول رئيس المجلس السيادي السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن إقامة نظام ديمقراطي في بلاده بالاتفاق مع قوى الحرية والتغيير، كان يجب أن تتم مباشرة بعد الاستقلال، في إعلان محقٍّ يعبر عن الأسف لضياع عقود عديدة على دولة السودان ومجتمعها، تراكمت خلال هذه العقود مشكلات هذا المجتمع، فلا حكوماته كانت شرعية ولا شعبه نال حقوقه، أو نعم بالحرية والعدالة والمساواة، بل أدى غياب الديمقراطية إلى تمزيق البلاد في حروبٍ أهلية لا تنتهي، وانقلابات عسكرية ضيّعت حقوق السودانيين ووحدتهم ومصالح دولتهم.

هذا الأسف الذي يمكن للمرء إبداؤه بالنسبة لبلدان عربية كثيرة، يشهد على وعي الرجل الذي قاد الانقلاب على الرئيس عمر البشير، وتوافق باسم الجيش على عقد سياسي/ اجتماعي/ تاريخي مع المعارضة السياسية والمدنية، ورفض استخدام العنف ضد الشعب في مناسبتين: حين طالب البشير الجيش بإخماد المظاهرات بالقوة، وأخبر جنرالاته أن الفقه المالكي يجيز قتل من ثلاثين بالمائة إلى أربعين بالمائة من أهل “الفتن”. وعندما كبح جماح قوات التدخل السريع، وحمى المتظاهرين منها، عبر تشكيل لجنةٍ قضائيةٍ عهد إليها بأن تجري تحقيقا عن الجهة التي أطلقت النار على المواطنين السودانيين في مناسبتين.

هل السودان الدولة الوحيدة التي كان يجب أن تذهب إلى الديمقراطية بعد استقلالها، كما قال بحسرة قائد جيشٍ أسسه نظام إسلامي، قمع عمر البشير شعبه بواسطته ثلاثين عاما، ثم رفض قادته إغراقه من جديد في دماء شعبهم المطالب بحقوقه، وبدل أن ينقضّوا عليه، أرسلوا الطاغية إلى السجن؟

أنشأ النضال من أجل الاستقلال نظام حرياتٍ نسبي، ترجم إلى ضربٍ من مشروعٍ ديمقراطي في بلدان عديدة، منها سورية، غير أن قلة من ضباط حزب البعث المعادين للوحدة، استولوا على السلطة، وبدل بناء نظام يحقق “الوحدة والحرية والاشتراكية”، حققوا عكسها، وعادوا بسورية إلى نظامٍ حاضنته كيانٌ ناف للمجتمعية، كشرط لأي سياسة مدنية وحديثة. استبدل النظام الدولة بسلطةٍ معادية لها، فثار الشعب عليه ليجسر الهوّة بين واقعه المرفوض والديمقراطية المشتهاة التي قوّض تغييبها الحياة العامة، وأخرج المجتمع من السياسة والسياسة من المجتمع، وفرض حربا أهلية كامنة على سورية، حوّلها الأسد إلى حرب شاملة ضد المطالبين بحريتهم، منفذا توصية البشير بقتل واعتقال وتعذيب وتهجير من ثلاثين إلى أربعين بالمائة، بواسطة جيشه “العقائدي”، بينما رفض جيش السودان، ذو النشأة الإسلامية، قتل الناس، لإدراكه أنه مطلبهم محقّ، ويعيد إلى السودان معنى استقلاله الذي ضيعه من تلاعبوا به.

وكانت ثورة السوريين قد ربطت بين الديمقراطية والاستقلال الوطني، واعتبرتهما قضية واحدة، فالديمقراطية والوطنية صنوان متكاملان في أي مجتمعٍ حر ودولة وطنية، مستقلة حقا. هذا الربط بينهما، عاد إلى أن الأسدية تبنّت نهجا قوّض الوطنية بالطائفية، والحرّية بالعبودية. ولذلك فضل السوريون الموت على استمرار عيشهم في ظله.

ليس أمرا عابرا أن شعوب النظم التي أكدت فشل الربيع العربي هي التي تتصدّى لاستعادة استقلالها الوطني بالديمقراطية، وأن شعب سورية نزل إلى الشوارع، ليطرد المستعمر المحلي الذي حل محل المستعمر الأجنبي، وقتل جيشه العقائدي منه أضعاف ما قتله الجيش الأجنبي، وخيّره بين الركوع والخضوع أو القتل جوعا وقصفا، وحوله إلى شعب إرهابي، على الرغم من أنه طالب بالحرية والعدالة والمساواة لجميع السوريين، من دون أن يثنيه عن هدفيه: الحرية وحق الشعب السوري المتساوي فيها. إنهما الهدفان اللذان انطلق حراك السودان والجزائر منهما، وسينطلق منهما أيضا أي حراكٍ شعبيٍّ في أي دولة عربية، كما نرى في لبنان والعراق.

يخرج العرب من تيه ماض ضيّع استقلالهم بعدائه الديمقراطية، ويغادر السوريون النظام الذي أغرق استقلالهم بدمائهم، وقرّروا استعادته منه بالديمقراطية: علامة الزمن العربي الآتي، في كل مكان.

العربي الجديد

—————-

شعوبنا والمقاومة السلمية/ رشا عمران

كانت المقاومة السلمية في كل الدول التي قامت فيها ثورات شعبية، في العصر الحديث، إحدى الوسائل الناجحة ضد الأنظمة التي تثور الشعوب ضدها. وسواء كانت الثورات مطلبية سياسية أو مطلبية اجتماعية واقتصادية، عرفت الشعوب كيف تخترع وسائل جديدة للمقاومة، شعبية لا عنفية، تكون بمثابة الرد الحضاري على همجية الأنظمة وتعسّفها، وليس غاندي أو مانديلا (قبل تحوله إلى الكفاح المسلح) سوى سيرتين من سير كثيرة للشعوب التي اعتمدت المقاومة السلمية في نضالاتها من أجل تحرّرها أو استقلالها أو حقوقها. الأمثلة على ذلك كثيرة جدا، وتتفوق في تحضرها وابتكارها لما فعله غاندي ومانديلا، إذ كان الكفاح السلمي مرتبطا بشعوب أكثر من ارتباطه بأفراد، هو التاريخ فقط الذي يعرف كيف يمجّد الأفراد، ويكتب سيرهم ويقدّمهم أبطالا، والتاريخ يحب الأفراد الأبطال، ويحب نمذجتهم، بينما تصنع الشعوب حياتها من دون أن تلقي بالا للنماذج إلا في القصص والحكايا الشعبية وكتب التاريخ.

وقارئ سير المقاومة السلمية سوف يدهشه أنها ظهرت في بلدان العالم الثالث، البلدان التي ينظر إليها تلك النظرة النمطية: أن شعوبها متخلفة وغرائزية، ولا تصلح لأن تحكم بغير الاستبداد، ولا تليق بها الديمقراطية والنظم الحديثة العلمانية، وأي حركة تغييرية في مجتمعاتها سوف تكون كارثية، لأن شعوب هذه البلدان سوف تتحول إلى وحوش، ما أن تتراجع قبضة الدولة الأمنية عنها، غير أن الثورات في هذه الدول أثبتت بطلان هذه النظرة، إذ قدمت شعوبها أمثلة رائعة عن آليات التغيير والاحتجاج والكفاح السلمي اللاعنفي، في وقتٍ تظهر صورة الاحتجاجات الشعبية المطلبية في دول العالم الأول مفاجئة، إذ لا يتورّع المحتجون عن الحرق والتكسير والنهب وممارسة أعمال الشغب المتاحة. رأينا هذا في معظم دول أوروبا التي تظاهرت شعوبها في احتجاجات مطلبية، أو سياسية في سعي بعض الشعوب إلى الانفصال. وتقابل الحكومات الغربية هذه الاحتجاجات بأقل العنف المتاح لها، كانتشار شرطة مكافحة الشغب، واستخدام خراطيم المياه، ووضع الحواجز الأمنية لمنع المحتجّين من التعرّض للأماكن العامة. ومع ذلك، يستمر المحتجون في سلوكهم، وقد يتعرّض بعضهم لاعتقال قصير.

تقدّم شعوبنا العربية اليوم (لبنان والعراق والجزائر وتونس) ومثلها (تشيلي وتاهيتي وإثيوبيا)، في موجة الربيع العربي الجديدة، نماذج مذهلة عن حراك الشعوب السلمي وكفاحها في سبيل إعادة صياغة مجتمعاتها وبناء دول حديثة على أسس العدالة الاجتماعية والديمقراطية والحقوق السياسية والاجتماعية للمواطنين جميعا، بعيدا عن أي انتماء خارج عن الانتماء الوطني والإنساني، نابذةً كل ما كرّسته الأنظمة الحاكمة من انتماءات مذهبية وقبلية وعرقية، مطالبة الأنظمة بالرحيل (كلّن يعني كلّن)، ذاكرة كل ما تسببت به هذه الأنظمة من إفقار للبلاد والشعوب، ومن إقصاء وتهميش وخراب عام طاول كل شيء. وعلى الرغم من أنها لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه المظاهرات والاعتصامات العارمة، لجأت الأنظمة إلى استخدام العنف والتهديد والوعيد، ومحالة جر أنصارها للوقوف في وجه الثورات، ضمن أساليب هذه الأنظمة في اختراع الحروب الأهلية لتحافظ على بقائها، إلا أن الموجة الجديدة من الثورات تشهد أيضا عنفا أمنيا سلطويا أقل بكثير من عنف أنظمة الثورات الأولى للربيع العربي. وهنا أستعيد سؤال مثقف مصري صديق: ماذا لو أتيح للسوريين أن يقيموا اعتصامات مشابهة لما يحدث في لبنان مثلا، هل كان مسار الثورة السورية سيختلف عما هو عليه الآن؟

ما شهده السوريون من عنف وإجرام لم تشهده أيٌّ من دول الربيع العربي، مع أن الأشهر الأولى من الثورة كانت حافلة بالتضال السلمي. وابتكر الشباب السوري وسائل للنضال غير مسبوقة، واطلعوا على نضالات الشعوب وحاولوا تطبيقها، غير أن العنف كان أشد هولا وفظاعة مما تخيّل أحد، ليس عنف النظام فقط، بل حتى تنمّر كثيرين ممن ما زالوا يشتمون عسكرة الثورة لاحقا، هؤلاء الذين أعلنوا احتجاجهم على طلب العصيان المدني، معتبرينه إسقاطا للدولة لا للنظام، على الرغم من أنه لا توجد دولة في سورية بل نظام، ونسبوا أية ظاهرة نضال سلمي إلى الشيخ العرعور أو الإخوان المسلمين، في محاولات إبعاد الشارع السوري الذي يخشى الإسلاميين عن الثورة، وليتمكّن النظام من جرّها إلى ملعبه: التسليح والأسلمة والتطييف، وهو ما حدث بعد أن فتك النظام بالرعيلين الأول والثاني من الثوار، اعتقالا وتهجيرا وقتلا.

العربي الجديد

————–

حرب أهلية لن تقع في لبنان/ بيار عقيقي

إنه اليوم الـ24 على انتفاضة لبنان. لم يعد ممكناً، بل مستحيل، تجاوز ما رسمه المنتفضون بعد 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. حقق الشعب اللبناني انتصاراً حقيقياً، وما يحصل الآن هو تكثيف هذا الانتصار، بما يسمح بحمايته في أيٍّ من حالات الثورة المضادة. في لبنان، الجميع تقريباً على ثقة بأن شيئاً ما تغيّر، وأن المستقبل سيُبنى على هذا الأساس. هناك من يريد التلاعب بهذا التغيير، عامداً إلى تشويه الانتفاضة، سواء بالتخوين أو بوصف المنتفضين بأنهم “عملاء وتابعون لسفارات”، كما تمّ ترويج أخبار كاذبة إلى درجة تثير السخرية، مثل اتهام الطلاب بأنهم يتلقّون اتصالاتٍ من إسرائيليين وأتراك وما شابه، تحرّضهم على الثورة وإقفال مدارسهم. لقد بلغ غباء معارضي الانتفاضة الشعبية حداً لا يُضاهى، يعرّي مصداقيتهم أكثر أمام الناس أولاً والتاريخ ثانياً. وجديد ما تفتّق عنه هؤلاء قولهم إن “الحرب الأهلية تلي تلك الاحتجاجات”، حتى أن بعضهم أجرى مقارنة بالتظاهرات المطلبية عشية حرب لبنان (1975 ـ 1990) لإثبات وجهة نظرهم.

حسناً، لنكن أذكياء قليلاً، ومتحرّرين من التبعية السياسية والمالية والإعلامية. كيف يمكن لبلد مثل لبنان أن ينخرط في حربٍ أهلية اليوم؟ هل يُمكن لأي عاقلٍ تجاهل حقيقة أنه في السنوات الـ29 الماضية، “تقاعدت” كل المليشيات التي شاركت في الحرب اللبنانية، ولم تقم بتدريبات عسكرية لعناصر جدد، في مقابل مشاركة حزب الله وحده في الحروب والمعارك في لبنان وسورية والعراق واليمن وتجنيده عناصر جديدة وتدريبها؟ بوضوحٍ أكثر، هل يعتقد بعضهم بأنه في حال اتّحدت كل الطوائف في لبنان عسكرياً ستكون قادرة على ضرب حزب الله؟ أو أنه سيأتي من يقول إن “الجيش اللبناني سيحارب حزب الله”؟ وفق أي قاعدةٍ يمكن حصول هذا الأمر؟ ألا يدرك القائل إن الجيش متعدّد الطوائف، وأن العناصر الآتية من بيئة حزب الله، قادرة على الانشقاق عن الجيش، وفقاً للذهنية السائدة في البلاد حالياً أي “كل طائفة تحمي نفسها”؟ على أمل تغيير الذهنية من الطائفية إلى المواطنة، كإنجازات محتملة لانتفاضة “17 تشرين” مستقبلاً، ولكن هذا حديث آخر.

يبقى احتمال واحد: أن تفتعل أحزاب السلطة، بما فيها التي تعارض هذه السلطة حالياً، باشتباكات أمنية محدّدة، لإعادة الناس إلى طوائفهم ومناطقهم، ومنعهم من كسر الحدود الطائفية. ومثل هذه الاشتباكات تُحفّز الغرائز والحقد المناطقي والمذهبي، وتُبعد الناس عن التفكير بتطوير المواطنة وصناعة شعب لبناني يدفن الشعوب اللبنانية المتفرقة، باسم الحقوق والعدالة الاجتماعية. يهمّ أحزاب السلطة إبقاء الحقد متأصلاً في نفوس الناس، ونقله إلى الأجيال الجديدة، أي ذوي الفئة العمرية ما بين سن الـ15 والـ25 الذين خرجوا من موروثات الماضي الدموي والعنيف والمنقسم على ذاته.

من يسوّق حربا أهلية، معيداً إلى الذاكرة محطات سابقة، في انتقائية مقصودة، لمحاولة التأثير على الناس، ومنعهم من مواصلة انتفاضتهم، هو جزء من منظومةٍ تدرك تماماً أنها في بدايات سقوطها بالتوازي مع بدايات سقوط النظام. منظومة الإعلام اللبناني الخادم للنظام السياسي والمبني بغالبيته على العلاقات العامة، لا على رفع راية حقوق الناس والمواطنية، هو أحد العناصر التي لا بدّ من سقوطها. الحرية لا تقف عند أبواب بيوت زعيم سياسي أو حزب ما أو تيار ما. إعادة مأسسة الحرية الاجتماعية تبدأ من هناك، من تلك البيوت ووسائل الإعلام الحليفة لها.

لا لن تقع حرب أهلية أبداً، على الرغم من محاولات الأحزاب تحشيد عناصرها في سياق تأجيج الحقد بين اللبنانيين، ذلك لأن الانصياع إلى تلك الأحزاب ورغباتها يعني، حكماً، الخضوع لمنطق أشدّ عنفاً وأكثر إيلاماً مما كان عليه الأمر قبل 17 أكتوبر. اللبنانيون قالوا “لا للخضوع”، ولن يتحمّلوا مسؤولية أي انهيار مالي، بل معاقل الأحزاب وبيوت زعمائها ستدفع الأثمان. هكذا يقول التاريخ.

العربي الجديد

——–

لا مذهب للسلطوية/ محمد أبو الغيط

قديما قال سقراط: تكلّم حتى أراك. واليوم تعلمنا السياسة: ثوروا حتى تروا زعماءكم. مثلت مواقف المرشد الإيراني خامنئي، والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، من الحراك في لبنان والعراق، صدمة لقطاع واسع من جمهورهما في العالم العربي، الجمهور الذي طالما تغنّى بالممانعة معياراً واحداً لخط الصواب وخط الخطأ.

في حديثه قبل أسبوع، وصف المرشد ما يحدث في العراق ولبنان بـ”أعمال شغب وانعدام أمن”، وحمّل المسؤولية لأطراف خارجية، مؤكّداً أن ما يحدث يموّل “بأموال بعض الدول الرجعية”. وحذر خامنئي: “أكبر ضربة يمكن أن يوجهها الأعداء إلى بلد هي أن يسلبوه الأمن”. ومع تأكيده على تفهم المطالب المشروعة، قال إن على المتظاهرين الالتزام “بالأطر والهياكل القانونية”، محذراً من حدوث “فراغ” في البلاد.

تحدث نصر الله في السياق نفسه ثلاث مرات، متدرّجاً من التلطف نحو مطالب المظاهرات، إلى القول إنها فقدت عفويتها وانحرفت عن مسارها، وكرّر التحذير من خطر “وقوع البلاد في الفوضى”. وللمفارقة في خطابات عبد الفتاح السيسي، أخيرا، استخدم عبارات شبيهة بما استخدمه نصر الله وخامنئي، بل إن بيان النيابة المصرية عن المعتقلين في تظاهرات سبتمبر اشتمل أيضاً الحديث عن حسني النيّة من المغرّر بهم.

وكان لافتا تمسك نصر الله بعدم التراجع، ولو لنصف خطوة شكلية. صرّح الرجل برفضه استقالة الحكومة، أو حتى إجراء تعديل وزاري، وضمنيا هو هنا يتعمّد الاستماتة في التمسّك بأكثر حلفائه إثارة لغضب المتظاهرين، جبران باسيل، وهو للمفارقة صاحب التصريحات الأكثر حدّة ضد الفلسطينيين. وحسب تقرير نشرته “رويترز”، ألحّ حسين الخليل، معاون حسن نصر الله، على الحريري بالثبات مكانه، قال له: “نحن حدّك (بجانبك). خليك قوي!”. بل قال نصر الله إن الحراك في الشارع يتلقى تمويلاتٍ، مطالباً المظاهرين بالتأكد لو كان المال يأتي من فاسدين أو من “سفارات”. من يقول هذا هو من قال نصاً في خطاب متلفز عام 2016: ” نحن يا خيي على راس السطح موازنة حزب الله ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه من الجمهورية الإسلامية في إيران”. وكان من اللافت مخاطبة نصر الله قواعده بصراحة تامة أن الموظفين مهدّدون بفقد رواتبهم، أما رجاله فلهم ضمان مختلف: “حتى لو ذهبت البلد نحو الفوضى؛ فالمقاومة ستبقى قادرةً على دفع المعاشات”.

ليس بالضرورة أن تسفر الحراكات في لبنان والعراق عن هزيمة السلطتين، فكلاهما أعمق من حاكم فرد مستبدٍّ معزول، بل من المنصف القول إن كلا منهما يقدّم تمثيلاً متجذّرا لفئات شعبية واسعة بدورها، وقد شهدنا كيف استدعى جبران باسيل جمهور التيار الوطني الحر إلى التظاهر، لكم شعبكم ولي شعبي، شارع أمام شارع. إلغاء النظام الطائفي سياسيا يتطلب أن يكون قد تم بالفعل إلغاؤه اجتماعياً إلى حد كبير، وهو ما لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها.

ولكن في المقابل فإن ما يحدث أبعد بكثير من خيال أي مراقب، ومؤشّر على ميلاد جيل جديد. جيل تحدّى، بشكل متعمد ومباشر، الأزمة الطائفية المزمنة في منطقتنا، فتخرج مظاهرات السنة ضد سعد الحريري، ويهتف المسيحيون ضد ضد ميشال عون. جيل تجاوز خطاب تنزيه محور “الممانعة” لمن لم يكن قد تجاوزه بفعل بشار الأسد. جيل أكثر خبرة، وتحديدا لمطالبه من جيل 2011، كما اتضح في القصف الخطابي اللبناني ضد “حكم المصارف” أو في العراق ضد الفاسدين وداعميهم.

أتت الأحداث ليظهر التشابه بين السلطويات من كل الأطراف، وليظهر أن المعيار الحقيقي للمفاصلة هو المطالبة بالديمقراطية الآن وهنا. وبوضع الأحداث في سياقها الأوسع، يتأكد أنه لم يعد ممكنا استمرار النظام العربي، بسلطويته السياسية، أو بطائفيته المجتمعية، بما عهده بالعقود الماضية. لا استقرار من دون معالجة جذور المطالب الشعبية، والتي ما إن تُسحق في دولةٍ حتى تظهر في أخرى، وما أن ينكسر جيل، حتى يخرج من بعده جيل تالٍ. حركة التاريخ لا تتوقف، وإن أبطأت.

العربي الجديد

———————————–

حقائق على طاولة الشعوب/ سوسن جميل حسن

هناك حقائق من الضروري تسليط الضوء عليها، لأهميتها في الواقع الراهن لمنطقتنا، وما آلت إليه الأمور في بلدان الانتفاضات الشعبية، والتي كان جديدها انتفاضة الشعب اللبناني، بعدما أوشك بلده على الانهيار الكامل، بوصوله إلى حافة الهاوية. حقائق ربما تجعل من قسمٍ لا بأس به من شعوب المنطقة يعيد حساباته بناء على فهمها، فيساهم ذلك في وحدتها على أهداف كبيرة ومجدية، بدلاً من تشتيتها وتشتيت حراكها.

الحقيقة الأولى أن انتفاضات الشعوب أمر بديهي وحتمي، خصوصاً بعد تراكم الظروف الموجبة على مدى عقود، كان الشعب يحتمل، بمبرّرات عديدة، بينما حاله تتردّى وتزداد سوءًا إلى أن وصل إلى حد الانفجار، ومن يستنكر هذه الانتفاضات فهو جاهل بأبسط قوانين الفيزياء التي لا تحتاج إلى علوم ومعرفة، بل التجربة أكبر معلم وصانع للخبرات، والتجربة لا تحتاج أكثر من ملاحظتها بالتكرار والإقرار بها والتعلم منها، مهما كانت درجة التعليم أو عدم التعليم، وهو أن الضغط يولد الانفجار، هذا إذا اعتبرنا، بنيّة حسنة، أن كل ناكري الثورات على الشعوب يشملهم هذا التصنيف، طبعًا غير العلمي أو الدقيق، فهناك شرائح تستنكر على الشعوب ثوراتها، مهما كانت المبرّرات واضحة وقوية.

الحقيقة الثانية أن كل القوالب تضيق على الشعوب مع تطور الحياة البشرية وتعقدها ونمو الاقتصاد وتغير قوانينه بحسب المرحلة. والتاريخ يقدم أدلة دامغة على الثورات التي حصلت في العالم بعد كل التحولات الكبرى، فكيف بشعوبٍ تعيش في عصر الثورة الرقمية وانفتاح العالم على بعضه بعضا وعصر حقوق الإنسان؟

والحقيقة الثالثة المرتبطة مع التي قبلها وما تمليه تلك التحولات والتغيرات في نظم الاقتصاد والإنتاج والإدارة، فإن طبيعة العقد الاجتماعي تغيرت، ولم يعد الولاء لزعيم القبيلة أو الجماعة أو الطائفة أو الحاكم المفرد أو النظام الشمولي المتسلط يليق بحياة الشعوب في هذه المرحلة من التطور التي حققتها البشرية، فصار العقد الاجتماعي مع الدولة القائمة على القانون والمؤسسات الضامنة للحقوق بدون تمييز، المتّسمة بالتجديد والتطور الموجهة بسلطة الشعب هو المطلب الأساسي الضامن لحقوق الأفراد واستقرار الدول ونموها وتطورها. لذلك من الطبيعي أن تحاول الشعوب المنتفضة، قبل كل شيء، تحطيم رموزها السابقة والأسس التي قامت عليها دولها، فكرّست الاستبداد والفساد والتفرقة والأصولية المرتبطة بأنساق الماضي الضيقة وأوصلتها إلى حياة من الركود والترهل وانعدام الحافز والطموح والأمل، كما انعدام الثقة بالنفس.

والحقيقة الرابعة التي يحتفظ التاريخ ببراهين تؤكدها لمن يريد أن يفتح سجلات التاريخ أنه لا يمكن عزل الجغرافيا عن التاريخ، ولا يمكن عزل دولةٍ عن محيطها في مرحلة تاريخية ما، وليست الثورة الفرنسية غائبة عن بال أحد، لو أردنا اتخاذها مثالاً، فلم تكن ثورةً تخص الأمة الفرنسية أو الشعب الفرنسي بمفرده، بل كانت جزءًا من حراك موّار طاول أوروبا بأكملها، وكانت ملهمًا لباقي الثورات، بل إن منتصف القرن التاسع عشر سمي الربيع الأوروبي، وقد امتد من فبراير/ شباط 1848 حتى أوائل العام 1849، شاركت فيه شعوب فرنسا والولايات الألمانية والإمبراطورية النمساوية ومملكة المجر والممالك الإيطالية والدنمارك وبولندا وغيرها من دول غرب أوروبا ووسطها، وكانت من أكثر الموجات الثورية انتشارًا في تاريخ أوروبا. ولقد بدأت بالثورة الفرنسية في فبراير 1848 ثم عمّت باقي المناطق بدون تنسيق أو تعاون، إنما بسبب استياء الشعوب من حكوماتها وعدم قدرتها على تحمّل ظروفها، اتسمت، في بعض مراحلها، بالعنف والفوضى، وذهب نتيجتها أعداد كبيرة كضحايا، لكنها في النتيجة رسمت خريطة جديدة للدول وحياة جديدة للشعوب، وكرست إصلاحات ومبادئ هامة وأسست لأنظمةٍ فيما بعد ضامنة للحقوق والديمقراطيات والحريات.

والحقيقة الخامسة أن القوالب التي تضيق بالشعوب تنسّقها المعطيات الجديدة، فإذا كانت الثورة الصناعية في تلك المرحلة أدّت إلى ثورات القوى العاملة والبورجوازية في وجه الإقطاع، فإن النظام العالمي الحالي وهيمنة القوى الكبرى والاحتكارات العابرة للقوميات والعولمة وانفتاح الشعوب على مفاهيم الديمقراطية والانتخاب وسلطة الشعب وتداول السلطات كلها سوف تؤدي إلى وعي الشعوب ذاتها وانتفاضها من أجل تحطيم قوالبها العتيقة المقيدة، والتطلع إلى مستقبلٍ يلبي طموحاتها.

الحقيقة السادسة أن المؤامرة ابتكار بشري، نما وتطور عبر التاريخ، وهي موجودة في قلب كل تجمع بشري، وبالقرب منه، ولا يمكن إرجاع ثورات الشعوب إليها، إنما من المجدي عدم إهمالها ويقظة الثورات تجاهها، ولقد كانت حاضرة أيضًا في عصر الثورة الفرنسية والثورات الأوروبية التي عاصرتها وواكبتها، فلقد تحالفت بعض الأنظمة في أوروبا من أجل حماية ملكياتهم وصد خطر الثورة ومنع تصدير أفكارها.

الحقيقة السابعة أن الانتفاضات المتزامنة، أو التي تتتابع في المنطقة نفسها، خصوصاً منطقتنا العربية، تحاول أن تستفيد من تجارب سابقاتها، وهذا ما لمسناه في التجربتين، السودانية والجزائرية، واليوم في الحراك اللبناني الذي فاجأ شعوب المنطقة. والواضح أنه يحاول أن يأخذ دروسًا من التجربة السورية، وما آلت إليه بعد سنوات تسع من العنف والحرب والتدخل الخارجي والارتهان إلى أجنداتٍ مخربةٍ وتكريس للتجييش الطائفي والعنصرية والتضليل الفكري الذي لعب الإعلام فيه دورًا كبيرًا ومؤثرًا، فأدى ذلك كله إلى انحراف الانتفاضة عن أهدافها ودخول البلاد في أزمةٍ كبيرةٍ ومعقدة وسلب الشعب السوري قراره. وواضح أن الشعب اللبناني اليوم يحاول تفادي المطبات القاتلة، فالمنصات التي تنصبها بعض القوى المدنية تلعب دورًا في حماية الوعي الجمعي عن طريق المواضيع التي تطرح للنقاش، وتوضيح بعض المفاهيم التي تخصّ مدنية الدولة والمجتمع المدني، وتمس القضايا الحياتية مباشرة، بالإضافة إلى تسليط الضوء على المشكلات الكبرى التي تورّطت فيها الطبقة السياسية من فساد وارتكابات ونهب المال العام وتكريس الطائفية والولاءات، حتى يعرف الشعب حقوقه، وينظم مطالبه، ويحدّد أهدافه بناء على قاعدة بياناتٍ واضحة ومحقّة.

هناك حقائق عديدة ومتنوعة، في الوسع إضاءتها، تدعم حتمية الحركات الاحتجاجية والانتفاضات لدى الشعوب، فهذا منطق الأشياء، وهي قوة القوانين الطبيعية التي تعيد ترتيب نفسها، وتمارس ماهيتها بحسب الظرف الذي توجد فيه. لدى شعوب منطقتنا أسبابٌ لا تحصى من مبرّرات الانتفاضات، ومحكومة بشروط وظروف إقليمية ودولية معقدة، وبأنظمة سياسية واجتماعية ودينية طاغية، تكرّس الخنوع والتبعية. وفي النتيجة، الشعب الذي يعرف طرقه يمشي فيها، وإذا كنا، نحن شعوب هذه المنطقة، بحكم تاريخنا وجغرافيتنا، مطمع القوى الكبرى وميدان إدارة حروبها ومصالحها، وأن مقولة إننا أداة ليس أكثر في ماكينة تلك المصالح والحروب والنزاعات تمكّنت من قسم كبير من شعوبنا، فأضعفت همّته وأفترت عزيمته وخلخلت ثقته بنفسه، فبإمكاننا أن نكون أداة بشرية، أي أداة مدركة ذاتها، ويمكنها تعطيل تلك الآلة الجبارة، وردعها عن رسم مصيرنا، فقط أن ندرك ذاتنا، ونلتقط اللحظة التاريخية، لحظة نزول الشعوب إلى الميادين واستلامها قيادة نفسها وتمكّنها من أن تكون سلطةً موازيةً تواجه سلطة الأنظمة المتهالكة.. إنها لحظة عظيمة يجب التقاطها.

العربي الجديد

—————————————————

العراق .. أين الخلل؟/ علي العبدالله

كشفت التظاهرات الشعبية التي عمت معظم المدن العراقية، ورد فعل النخبة السياسية الحاكمة العنيف على مطالب الإصلاح، التناقض البنيوي بين طبيعة النظام القائم ومصالح الشعب العامة؛ فبنية النظام القائمة على المحاصصة الحزبية والطائفية والقومية أفرزت ظاهرتي الزبائنية والفساد الشامل؛ ما انعكس سلبا على مصالح المواطنين بانعدام تكافؤ الفرص والمساواة في الحقوق والواجبات وتفشّي الفساد ونهب المال العام وانهيار الخدمات: الصحة، التعليم، النظافة، مياه الشفة النظيفة، والكهرباء، وارتفاع نسبة البطالة، خصوصا بين حملة الشهادات المتوسطة والعليا، ما حوّل حياة المواطنين إلى معاناة يومية قاسية ومرّة، وجعل الحل المنطقي للتناقض الصارخ بين النخبة السياسية والمواطنين تغيير النظام السياسي برمته، حيث لا يمثل إصلاح النظام حلا للمصاعب والكوارث التي ترتبت على بنيته السياسية والإدارية من قيم ومصالح وعلاقات، وما أتاحته من فرص للإثراء غير المشروع، عبر نهب المال العام، وتفشّي الفساد وهيمنة المفسدين والفاسدين.

لم يولد نظام المحاصة في العراق ولادة طبيعية، كما هو الحال في لبنان الذي ولد كيانه السياسي عام 1943 على قاعدة محاصة بين المسيحيين/ الموارنة والسُنّة؛ مالت لصالح الموارنة، وتحوّله في “وثيقة الوفاق الوطني اللبناني”، المعروفة باتفاق الطائف، والتي اتفق عليها يوم 30 سبتمبر/ أيلول 1989، بعد مفاوضات شاقّة شارك فيها 63 نائبا لبنانيا، إلى محاصصة بالتساوي: 50% للمسيحيين و50% للمسلمين، بل (ولد نظام المحاصصة في العراق) بقرار سياسي

أميركي تحقيقا لرغبة إسرائيلية قديمة، فقد تبنت إسرائيل، منذ أقامتها الحركة الصهيونية على أرض فلسطين، استراتيجية إضعاف المحيط العربي، عدوها القومي، عبر العمل على تفتيت دوله على أسس دينية ومذهبية وعرقية والتحالف مع دول الجوار غير العربية: تركيا وإيران وإثيوبيا، فقد بدأت العمل على الفكرة مبكرا في اجتماع عقد يوم 27/2/1954 ضم بن غوريون وموشيه شاريت وإسحق لافون وموشيه دايان، لمناقشة خطة وضعها بن غوريون وأتباعه لإقامة دولة مارونية في لبنان، تبدأ الخطة بتفجير حربٍ أهليةٍ ممولةٍ إسرائيلياً لإحداث شرخ في الاندماج الوطني، وإيجاد قطيعة نفسية بين أبناء الشعب الواحد تقود إلى المفاصلة، وتشكيل كيان ماروني، وفق ما ذكره موشيه شاريت في مذكراته. وقد عادت إسرائيل إلى فكرة الدويلات الدينية أو المذهبية لإضفاء الشرعية على نفسها، دولة قائمة على أساس ديني، ولإضعاف دول الجوار عبر تفتيتها إلى دويلاتٍ دينية ومذهبية متصارعة، ففي دراسة إسرائيليةٍ كتبها يديد ينون تحت عنوان: “إستراتيجية لإسرائيل في الثمانينات”، اعتبر سلطات الأمر الواقع التي أفرزتها الحرب الأهلية في لبنان (بدءا من 1975) خريطة للبنان الجديد المكون من خمسة كانتونات، ورأى فيها نموذجاً لتفتيت دول المشرق العربي إلى أقاليم ذات طابع ديني أو مذهبي. وعليه سوف تظهر في سورية دويلة علوية على الساحل، ودويلة سُنّية في دمشق، ودويلة سُنّية ثانية في حلب، معادية لدويلة دمشق، ودويلة للدروز في الجولان وحوران. وكذلك تفتيت العراق إلى دويلات شيعية وسُنّية وكردية، وهكذا في مصر ودول الخليج. تنطلق الفكرة من استثمار حالة التعدّد الديني والمذهبي والإثني، فبحسب الكاتب: “جميع الدول العربية الموجودة إلى الشرق من إسرائيل مقسّمة ومفكّكة من الداخل”، و”سورية لا تختلف اختلافاً جوهرياً عن دولة لبنان الطائفية، باستثناء النظام العسكري القوي الذي يحكمها، ولكن الحرب الداخلية اليوم (يشير إلى الصراع الذي انفجر في الثمانينيات بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين) بين الغالبية السُنيّة والأقلية الحاكمة من الشيعة العلويين، الذين يشكلون 12% من عدد السكان، تدل على مدى خطورة المشكلة الداخلية”.(ترجمة لنص الدراسة؛ ملحق في كتاب دفاع عصمت سيف الدولة، ثورة مصر العربية. دار المستقبل العربي المصرية. 1990).

قاد فشل مساعي إسرائيل في تحويل لبنان إلى خمسة كانتونات إلى تعديلٍ في مقاربتها للوضع السياسي في دول الطوق العربي بتبني خيار تعميم نظام المحاصصة اللبناني فيها، بعد أن تأكد لديها هشاشته ونقاط ضعفه الكبيرة: انقسامات اجتماعية؛ ضعف الاندماج الوطني؛ حروب أهلية متكرّرة تجعله ضعيفا وقابلة للاستثمار عند الحاجة، فدفعت بتنفيذ التوجه في العراق الذي فقد بالغزو الأميركي أراضيه عام 2003 السيطرة على تحولاته الداخلية ومستقبله العام، بدءا من الرئاسات الثلاث، الجمهورية والوزارة والبرلمان، قبل التوسّع في التطبيق ليشمل الوزارات.

وقد أكملت الجمهورية الإسلامية الإيرانية الخطوة بتبنّيها إستراتيجية بديلة لإستراتيجية “تصدير الثورة” التي فشلت في تحقيقها، أساسها إقامة حزام حماية خارجي لأمنها القومي، عبر تسوير حدودها بأنظمة حليفة، ما استدعى اختراق الدولة والمجتمع العراقيين مدخلا إلى إضعاف الدولة العراقية؛ تحقيقا لهدفين استراتيجيين: ضمان عدم تحول العراق إلى تهديد مجدّدا، في ضوء حرب الثماني سنوات بينهما، وكسب موطئ قدم فيها بالعمل على تشكيل توازن قوى داخلي مواتٍ لتكريس نفوذها وتنفيذ تصوراتها وخياراتها وخدمة مصالحها السياسية والاقتصادية.

نجحت إيران بتوفر عاملين. الأول: نسبة الشيعة الكبيرة في العراق، حوالى 55% من السكان، وما كان لحق بهم من تمييز وقمع واضطهاد وإذلال في ظل النظام السابق، تبنّت قضيتهم واستثمرت مظلوميتهم، فأسّست لحالة تعاون وتشارك وتماهٍ انتقلت منها إلى تشكيل تنظيمات حزبية ومليشيات مسلحة (منظمة بدر وجناحها العسكري فيلق بدر، كتائب عصائب أهل الحق، كتيبة أبي الفضل العباس، كتيبة كربلاء، كتيبة زيد بن علي، اجتمعت تحت اسم موحد كتائب حزب الله العراقي، وجيش المختار) ولاؤها لإيران قبل العراق. والثاني: انفجار الصراع الطائفي بين السُنّة والشيعة بين عامي 2006 و2008، وقيام الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وسيطرتها على مساحة واسعة من أرض العراق. استثمرت الصراع الطائفي في تعميق القطيعة بين السُنّة والشيعة العراقيين، لتعميق تبعية الشيعة لها، على خلفية تخويفهم من عودة السُنّة إلى سدة الحكم بدعم الدول العربية السُنيّة، وأتاح لها إعلان “داعش” إقامة خلافة إسلامية عام 2014 العمل العسكري العلني في العراق، في ظل توجه دولي لمحاربة “داعش” وخلافته المزعومة، فتوسّعت في تشكيل التنظيمات المسلحة تحت مسمّى فضفاض: الحشد الشعبي، تجاوز عددها 70 تنظيما، ضخّت لها الأسلحة والأموال، وأرسلت الخبراء العسكريين لتدريبها وتوجيهها تحت نظر المجتمع الدولي ورضا القوى الكبرى، واستغلت انتصار العراق على “داعش” في شرعنة الحشد الشعبي، على خلفية دوره في محاربة “داعش”، وتحويله إلى جزءٍ من المؤسسة العسكرية العراقية الرسمية، فغدا عينها وذراعها داخل النظام العراقي، من دون أن يكلفها كثيرا حيث بات تسليحه ورواتب جنوده من الدولة العراقية.

لقد حل نظام المحاصصة في العراق بديلا لخطط إسرائيل، فتفتيت دول الطوق، حقق لها النتيجة نفسها، ولتصدير الثورة الإسلامية، حقق لإيران هدفيها بتسوير حدودها بخطوطٍ دفاعيةٍ خارجيةٍ وإضعاف دولة العراق. ولمّا كانت إسرائيل غير مرئية في لعبة زرع المحاصصة في العراق، فقد انصب غضب المتظاهرين على إيران لوجودها المكشوف، ولدورها في صياغة نظام المحاصصة القائم ونفوذها على مؤسساته وقدرتها على تحديد خياراته، وهذا جعل المواطنين يحمّلونها مسؤولية تعثر بلدهم وخراب حياتهم، وكل ما لحق بالدولة والمجتمع العراقيين من كوارث سياسية واقتصادية واجتماعية.

كان على القوى السياسية والاجتماعية العراقية رفض هذا التوجه منذ البداية، لأن ثمّة تجربة بجوارهم: لبنان، أعطت صورة واضحة عن عيوب نظام المحاصصة: الانقسام الطائفي، الزبائنية والفساد وهدر المال العام ونهبه والحروب الأهلية المتكررة.. إلخ.

ما يحصل في العراق، وفي لبنان، رسالة تنبيه وتحذير إلى كل القوى السياسية والاجتماعية في الدول العربية، خصوصا سورية؛ حيث يجري التفاوض على صياغة دستور جديد، من مخاطر نظام المحاصصة، ودعوة إلى رفضه ومقاومة أي توجه نحو إقراره أو تبنّيه.

العربي الجديد

————————

استثنائية من؟/ مروان قبلان

لا يضيف المرء جديدا، إذا تناول موضوع النفاق الغربي، الأميركي تحديدا، المتصل بدعم الديمقراطية في المنطقة العربية، فجزء من النخب الغربية، في السياسة والأكاديميا والإعلام، ما زالت ترى أن الشعوب العربية والمسلمة غير مهيأة بعد للديمقراطية، لأن الإسلام، دين الغالبية، لا يساعد، بقيمه المحافظة ونصوصه “المُطلقة”، كثيرا في نشوء ثقافةٍ ديمقراطيةٍ، فهو، باعتباره دينا توحيديا، يناهض التعدّدية، ويعارض الخروج على الحاكم، وهو بهذا يبرّر الاستبداد. ولديه، فوق ذلك، مواقف ملتبسة من المرأة، ومفهوم المواطنة، إلى غير ذلك من التبريرات المأخوذة من تفسيرات عن الإسلام، بما يفضي، في النتيجة، إلى أن المنطقة العربية عصية، بصورة استثنائية، على الديمقراطية. ولم تتغير هذه النظرة إلى المنطقة كثيرا بعد الانتفاضات التي شهدها العالم العربي منذ نهاية عام 2010، وتجدّدت هذا العام في غير مكان. على العكس، تكرّست هذه النظرة أكثر نتيجة تحول هذه الانتفاضات إلى صراعاتٍ أهلية، كما في سورية واليمن وليبيا، وإنْ جرى تبريرها، هذه المرة، من بوابة الانقسامات العميقة التي تعيشها المجتمعات العربية، واستثنائية نظمها الاستبدادية، في قابليتها لاستخدام العنف للحفاظ على السلطة (Oriental Despotism).

مناسبة عودة الحديث الآن عن الموقف الغربي من الديمقراطية حالة الصمت الأميركي المريب تجاه القمع الدموي الذي تتعرض له الحركة الاحتجاجية في العراق، منذ مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. على الرغم من سقوط مئات من القتلى (تتحدّث مصادر عن أكثر من ألف قتيل) وآلاف الجرحى، تطلب الأمر ستة أسابيع ليصدر عن البيت الأبيض بيان خجول يدعو إلى وقف القمع ضد المحتجين، وتنفيذ الوعود التي أطلقها الرئيس العراقي، برهم صالح، بشأن إصلاح قانون الانتخاب، والذهاب نحو انتخابات مبكرة، علما أن واشنطن غزت العراق وتكبّدت فيه خسائر بشرية ومالية فادحة، بزعم العمل على دمقرطته. ولا يمكن تبرير الموقف الأميركي من احتجاجات العراق فقط بوجود دونالد ترامب في البيت الأبيض، باعتبار أنه رجل أعمال لا يقيم وزنا لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، ذلك أنه ينتقد بشدة قمع المتظاهرين في هونغ كونغ، على الرغم من أنه لم يقع فيها قتيل واحد خلال نحو خمسة أشهر من الاحتجاجات المستمرة. هذا لا يعني طبعا القول إن ترامب مهتم بمستقبل الديمقراطية في هونغ كونغ، أو حريصٌ على سلمية الحراك الطلابي فيها. إنما هو يقدم دليلا إضافيا على الاستخدامات الانتقائية لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في خدمة السياسة الأميركية ومصالحها.

لا يختلف موقف الرئيس ترامب (اليميني، الانعزالي، الشعبوي) من احتجاجات العراق في جوهره، حتى الآن على الأقل، عن موقف سلفه الرئيس أوباما (الليبرالي، التقدمي، النخبوي!) في تعامله مع الحركة الاحتجاجية في إيران، أو ما اصطلح على تسميتها إعلاميا “الثورة الخضراء” أو “ربيع طهران” التي فجرها الخلاف على نتائج الانتخابات التي فاز بها أحمدي نجاد عام 2009. انتظر دعاة الحرية في إيران كثيرا موقفا أخلاقيا من أوباما بشأن القمع الدموي الذي تعرّضت له حركتهم، لكنه لم يأت أبدا، فالرجل كان مهتما أكثر بعقد مجموعة من الصفقات مع نظام الملالي، بدءًا بطلب مساعدتهم في تأمين سحب القوات الأميركية من العراق، ثم التوصل إلى اتفاقٍ نووي، يعيد تأهيل إيران، ويزيد من فرص استعادتها إلى الحظيرة الأميركية، قبل أن يعقد أخيرا تحالفا صامتا معها لمحاربة “داعش”. ترامب هو الآخر قد يكون يسعى، في سنة انتخابية حاسمة، إلى صفقات مشابهة، وهو رجل الصفقات! ما قد يفسّر موقفه من احتجاجات العراق.

واقع الأمر أن لا شيء استثنائيا حولنا، أو في ما يجري عندنا، فكما أنه لا يوجد استثناء في قابلية المنطقة العربية للدمقرطة، لا يوجد استثناء في الاستبداد العربي الدموي والعنيف، إذا أخذنا في الاعتبار ما فعله ستالين في روسيا، وماو في الصين، ونظام بول بوت في كمبوديا، من بين أمثلةٍ عديدة. كما أنه لا توجد، في المقابل، استثنائية في تعامل الغرب مع المنطقة العربية، إذا أخذنا في الاعتبار الممارسات الاستعمارية الغربية في الهند، والشروط المذلّة التي فرضها البريطانيون على الصين في حرب الأفيون (1856-1860). الاستثناء الوحيد الذي يثير الصدمة هو هذا الكم من النفاق والانتهازية في السياسات الغربية في التعامل مع “الأغيار”، بغض النظر عن انتماءاتهم.

العربي الجديد

————————————-

الغاضبون حول العالم/ فايز سارة

ليس من باب المبالغة القول، انه لم يسبق على مدار العقود الأخيرة، أن عاش العالم موجة عارمة من الغضب، تماثل الموجة الراهنة، والتي تمتد جغرافياً عبر قارات العالم، وتأخذ أشكالا مختلفة في التعبير عن غضب المنخرطين فيها شعوباً وجماعات، وتجعلهم يذهبون في أشكال متعددة فيها الاحتجاج الصامت والاعتراضات الناعمة وصولاً إلى التظاهر والاعتصام، فيما ينخرط بعضهم في أعمال عنف متعددة المستويات، كما تتعدد الأسباب وتتنوع، لكن مع قاسم مشترك وجوهري، أساسه اختلال العلاقات السائدة في عالم اليوم ومنها العلاقات بين الدول ومثيلاتها مع المؤسسات الدولية من جهة وعلاقات الشعوب مع أنظمتها من جهة أخرى.

آخر موجات الغضب الواسعة في العالم، حدثت قبل ستين عاماَ، واستمرت نحو عشر سنوات ما بين ستينات وسبعينات القرن الماضي، وعبرت الموجة عن نفسها وجمهورها بأشكال مختلفة، شملت فورة ثقافية ومظاهرات واحتجاجات، واعتصامات وأعمال عنف، وتداخلت في مسبباتها عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وجدت لها عناوين محلية للتعبير عن نفسها بينها الاحتجاج على الهياكل الاجتماعية السائدة والأنظمة التعليمية المتبعة والظلم الاجتماعي والسياسي ولا سيما الناتج عن الحروب والدكتاتوريات العسكرية، وتصاعد سياسات اليمين والنزعات النازية والفاشية والعنصرية، وشملت موجة الغضب عشرات من الدول منها رأسمالية وأخرى شيوعية، وأخذت في طريقها بعض “دول العالم الثالث”. فهزت كيانات دول مثل فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وإيطاليا، وكسرت تشدد النظام الأمني الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا لمواجهة ربيع براغ، ما دفع السوفيات للتدخل هناك بأقصى قدر من القوة، وهزت بعنف شديد دولاَ ذات أنظمة شمولية عالمثالثية منها مصر والجزائر والمكسيك، وتسببت الموجة في إحدى جولاتها في آخر هذه البلدان بمقتل خمسمئة من الغاضبين.

بين موجة غضب ستينات القرن الماضي وموجة الغضب الحالية عامل مشترك كبير هم الغاضبون من صناعها الذين وإن اختلفوا في بعض أو كثير من تفاصيلهم، فهم الذين أطلقوا في الماضي، ويطلقون اليوم إشارات الإنذار للعالم كله بما فيه من هيئات ومؤسسات وحكومات وشعوب ونخب وجماعات سياسية ومدنية، بأن العالم أصبح في خطر كبير، بين مؤشراته انقسام حاد، وصعود قوى اليمين والتطرف والعنصرية واضطهاد اللاجئين، وتكريس سياسة خروق حقوق الإنسان، وإطلاق الحروب الأهلية وعمليات التهجير، وتصعيد عمليات النهب والتجويع، وتعميم الفساد بجعله سياسة رسمية في عشرات الدول، وتنامي الصراعات الإقليمية والمحلية، وبعضها وضع العالم على حافة حرب مدمرة، وسط سياسات شعبوية، تكاد تكون خارج العقل والمنطق، يرتكبها زعماء يتولون قيادة دول عظمى مثل الرئيس الأميركي ترامب والروسي بوتين، وزعماء لدول مارقة وعنصرية وأخرى محكومة بطغم تمارس الإرهاب وتدعمه منهم رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ -أون، ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، والمرشد الإيراني علي خامنئي وحلفائه في سوريا بشار الأسد، وفي لبنان زعيم حزب الله حسن نصر الله، وقادة الميليشيات في العراق واليمن.

تجسد ملامح الصورة، بعض أسباب الغضب العالمي الراهن. ولئن كان الغضب نادراَ لأسباب عامة منها التهاون الدولي إزاء الجرائم التي يرتكبها الطغاة على نحو ما يفعل تحالف الأسد بوتين وخامنئي في سوريا، وما تفعله إيران وميلشياتها الحاكمة في العراق، أو إزاء ما يصيب اللاجئين في لبنان وتركيا واليونان، فان الغضب أكثر ما يظهر على سياسات، تتابعها حكومات ضد شعوبها ومنها ما تفعله الصين بمواطنيها من الإيجور الراغبين بتقرير مصيرهم، وسعي بكين لإخضاعهم مما ولد غضباَ إزاء سياسة حكومتهم، وثمة غضب أوسع وأشد عنفاَ يتصل بسياسة حكومة هونغ كونغ مع مواطنيها، ومحاولة إخضاعهم للقانون الصيني في وقت يصرون فيه على حقوقهم وحرياتهم، مما دفع إلى صدامات وأعمال عنف، حولت الجزيرة مؤخراً إلى ساحة قتال بين قوات الحكومة والمتظاهرين.

وسجل العراق ولبنان في الآونة الأخيرة، أوسع موجة غضب، تحولت من احتجاج على فرض ضريبة في لبنان، واحتجاج على الفساد ونهب موارد الدولة في العراق إلى مطالبة بإسقاط النظام، وإقصاء النخبة الحاكمة والسائدة في البلدين، فيما أدى فرض زيادة في أسعار الوقود في إيران إلى اندلاع موجة غضب عمت أكثر من خمسين مدينة في أسبوع واحد، رفعت فيها شعارات إطاحة سلطة رجال الدين ومرشدهم الخامنئي.

وبخلاف موجات الغضب العنيف المكرس في هونغ كونغ وايران والعراق ولبنان وفي سوريا التي يلفها الغضب من الجميع، فان غضباَ كامناً يعشعش في غالبية بلدان أوروبا نتيجة الانقسامات الحادة، التي تعيشها في الخلافات بين اليمين واليسار وصعود الحركات النازية وارتفاع حدة التطرف إضافة إلى الخلافات حول قضايا الهجرة واللاجئين والشراكة الأوربية، وهو حال الأغلبية الأوربية بما فيها ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، وقد خالفتهم فرنسا في السنوات الأخيرة بتعدد حركات الاحتجاج المطلبية، وصولاً إلى الاندفاعة الغاضبة ل”ذوي الستر الصفراء”، والتي بدأت في العام 2018 احتجاجاً على زيادة أسعار الوقود، وتراجع القدرة الشرائية، ثم تحولت نحو مطلب استقالة الرئيس إيمانويل ماكرون وسط أعمال عنف، تركز اغلبها في باريس.

ووسط الموجة العامة، كان من الطبيعي، أن يظهر غضب في الأميركيتين. ففي الولايات المتحدة، يتواصل غضب يحيط بالرئيس ترامب وسياسته مراوحاَ بين الغضب المبطن والمعلن، وقد عبر عن نفسه مرات، آخرها في التوجه نحو إقالة الرئيس، وبجانب هذا النمط، فان غضباً مفضوحاَ وواسعاَ، توالى مؤخراَ في اثنين من بلدان أميركا اللاتينية، أولهما تشيلي الذي شهدت عاصمته ومدن أخرى مؤخراَ تعبئة غير مسبوقة احتجاجاً على التفاوت الاجتماعي، شارك في تظاهراتها السلمية أكثر من مليون شخص بعد مظاهرات عنيفة وعمليات نهب إثر إعلان زيادة رسوم مترو سانتياغو، والبلد الثاني فنزويلا الذي يشهد صراعاً على السلطة وسط أزمة اقتصادية وعقوبات أمريكية قاسية، ما خلق بيئة لغضب شعبي واسع تجسده حركة احتجاج وتظاهر لإطاحة الرئيس نيكولاس مادورو المتهم بتزوير الانتخابات الرئاسية.

موجة الغضب، التي ينخرط بها غاضبون غالبيتهم من الشباب، بدأت أولى مؤشراتها في موجة الربيع العربي قبل تسع سنوات، لتمثل إنذارات معلنة لكوارث يغرق فيها العالم، لا تناقض طموحاته إلى الأفضل فحسب، وإنما تهدد استمراره ووجوده، ما يتطلب تحركاَ جدياَ فاعلاً ومسؤولاَ في المستوى الأممي وفي مستوى دول العالم لسماع صوت الغاضبين وإيجاد حلول ومخارج للأزمات القائمة قبل فوات الأوان.

———————–

“كرنفال” لبنان أو الثورة نمط عيش وفرجة/ يوسف بزي

ما أعرفه أن مهندسة بيروتية نشطة، عملت مع شلة صغيرة من أصدقائها، الذين ينتمون إلى مجتمع المهن الحرّة، وتترواح همومهم بين أندية بيئية ومؤسسات ثقافية وجمعيات حقوقية وحركات نسوية وروابط أهلية.. اقترحت فكرة تنظيم سلسلة بشرية يوم 27 من تشرين الأول، تمتد من أقصى شمال لبنان إلى جنوبه. وعلى الفور، تلقف الناشطون في الثورة اللبنانية هذه الفكرة، وعملوا على الترويج لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام.

كانت الاستجابة لهذا النشاط موضع امتحان جدّي لمقدرة الثورة على التعبئة والحشد وجذب مئات الآلاف إليها والالتزام بالوقوف لساعات عدة في ذاك النهار، على طول الخط الساحلي. وهو امتحان “سياسي” بامتياز، طالما أن السلسلة البشرية هذه ستجمع و”توحد” رمزياً المناطق والطوائف والطبقات الاجتماعية تحت راية الانتفاضة الشعبية ومطالبها. كما أنها كانت امتحاناً “أمنياً” إذ سيكون نشاطاً واسع المساحة وخارج حيز الساحات وأماكن الاحتشاد. وأعداء الثورة من الشبيحة و”الزعران” وأتباع بعض السلطة، أظهروا مراراً ميلاً للاعتداء والعنف، وأحياناً تحت أنظار القوى الأمنية.

عندما تحققت السلسلة البشرية كصورة مذهلة، فاقت توقعات منظيمها، وصدمت خصومها، بدا أن هذه الثورة تفوقت على نفسها في التعبير عن اجتماع اللبنانيين كما لم يجتمعوا من قبل. إذ أنشأت حسياً، يداً بيد وكتفاً بكتف، رابطة وطنية

يتم تأليفها للتو، وبإرادة حرة، وفرداً فرداً. وكانت هذه الرابطة الوطنية، المتكونة من أجساد اللبنانيين وحضورهم التعبيري، تحرر أيضاً الجغرافيا اللبنانية من انقساماتها وعزلاتها، أي تصوغ وطناً (أرضاً وشعباً). وعلى هذا، اكتسبت الثورة جذرية سياسية ما عاد بالإمكان بعدها أن يحشرها النظام في خانة “الحراك المطلبي”. وعلى مستوى آخر، ما عاد ممكناً للنظام أن يجرّ الثورة إلى لعبة الانقسامات على منوال ما حدث عام 2005، حين نجحت الممانعة في تحويل “انتفاضة الاستقلال” إلى صراع محاور إقليمية ودولية، عُرف بانقسام 8 و14 آذار.

وبالعودة إلى المجموعة التي نظّمت السلسلة البشرية، فإن سمتها المهنية والمدنية والثقافية واهتماماتها المتراوحة بين العناوين الإصلاحية الحقوقية والبيئية والجندرية والتنموية، تضعها خارج المعتاد السياسي – الحزبي، أي يستحيل وصمها بأي نوع من الفئوية، وتكون عموميتها حائلاً دون تصنيفها خصماً، ودون القدرة على تعبئة جمهور مناوئ لها على نحو فعال. فالسلطة بكل أحزابها وتياراتها، والحال هذه، لم تستطع سوى مدح تظاهرات اللبنانيين، رياء وخبثاً. بل إن حزب الله المتوجس والمستنفر، فشلت (حتى الآن) كل محاولاته لشيطنة الثورة حتى في عيون شطر واسع من جمهوره.

وعلى مثال ما فعلته المهندسة وأصحابها، تقوم الثورة اللبنانية على عناقيد كثيرة من المجموعات والمبادرات والروابط التي نشأت في معظمها في السنوات الأخيرة لتتولى قضايا محددة، كأن نرى حركة ضد المقالع والكسارات، أو حركة ضد مشروع سد مائي مخرب للبيئة، أو حتى مجموعة نسوية ضد أحكام المحاكم الدينية، أو حركات طلابية حصّلت وعياً سياسياً يتخفف من حزبيات الجيل السابق ويتجاوزها.. إلخ. ففي السنوات العشر الماضية، ظهرت حيوية اجتماعية ومطلبية، على الضد من ترهل الدولة وفسادها وانحطاط إداراتها وفشلها.

وفي أثناء الثورة نفسها أيضاً، انبثقت مجموعات وروابط جديدة من قلب النقاشات ومن تدفق الاقتراحات والمبادرات، وعبر تلاقي الأفراد وتعارفهم العفوي. وحدث هذا في المدن والبلدات المختلفة، وتلونت كل ساحة بتلك المجموعات البالغة التنوع والتعدد، إلى حد بات صعباً أي ادعاء تمثيلي للثورة، وبات شبه مستحيل حصرها بمطالب سياسية يمكن المناورة بها أو عليها. فشمولية وتشعب وكثرة “الطموحات” والتطلعات التي تقولها الثورة تنبئ أنها على مثال صورة السلسلة البشرية، أي إعادة تأسيس الرابطة الوطنية والهوية السياسية للجمهورية، وصوغ نظام وسلطة جديدين.

المجموعة ذاتها، صاحبة فكرة السلسلة البشرية، كانت لها أيضاً الدعوة لتنظيم “عرض مدني” في يوم عيد الاستقلال 22 من تشرين الثاني. وتبلورت المبادرة هذه بالتلاقح مع مشاريع كانت تخطط لها مجموعات أخرى، ومنها فكرة تنظيم كرنفال فني طرحها “تجمع مهنيات ومهنيين” إضافة إلى مشاريع كانت تعدها مجموعة من الممثلين والفنانين. وحدث هذا بالتشاور مع مجموعات متوزعة ما بين عكار وطرابلس والبترون وجبيل وجونية وجل الديب وعاليه وبيروت وصيدا وصور والنبطية وراشيا وبعلبك وزحلة.. إلخ.

وتقليدياً، كان يتم إحياء ذكرى الاستقلال في ساحة الشهداء بعرض عسكري وبحضور

أركان الدولة والرؤساء والسلك الديبلوماسي والشخصيات الرسمية. وكان التخوف أن تستغل السلطة المناسبة كي تخلي وسط بيروت من المعتصمين والمتظاهرين وتعيد السيطرة عليه بوصفه المركز الرئيسي للثورة وقبلتها الأساسية.

لكن، على ما يبدو أن أقطاب السلطة يقرّون ضمناً أنهم باتوا عاجزين عن أي تحدٍ للشارع. ويشعرون بعزلة مضنية، وبنبذ تام. ومن إقرارهم هذا بالضعف والغربة عن المواطنين، التجؤوا إلى ضاحية اليرزة، قرب وزارة الدفاع والقصر الجمهوري، لينظموا احتفالية رسمية بائسة وكئيبة ومحرجة. بدا الوجوم والأسى والتعب على وجوههم فاضحاً إلى حد المهانة.

وتماماً مثل كل حدث مر منذ 17 من تشرين الأول، تأتي الدهشة المدوّخة مما يقترفه اللبنانيون ويبدعون في اجتراحه. هكذا كان يوم 22 من تشرين الثاني، ذروة ثورية جعلت اللبنانيين أنفسهم غير مصدقين لما يستطيعون إنجازه وصنعه في عامّيتهم السلمية. فانتظامهم ككرنفال منظّم، وتدفقهم ألواناً وأطيافاً بشرية، كان عرضاً للزهو بالذات الوطنية (الاحتفال باستقلال لبنان) بتنوعها وفردياتها وهوياتها المؤتلفة والمتباينة على انسجام احتفالي، يختلط فيه السخط والأسى والشكوى بالبهجة والفرح والرقص والهتاف والاستعراض واللهو والترفيه في “مسرح” تمثيلي مترامي الأطراف، كما لو أنهم يبتكرون فرجة على المعنى الفني (ونراه في جاذبية مشاهدته التلفزيونية مثلاً) ومشهدية سياسية تتكون من تعدد الصور والكتل التي ينضوي فيها المواطنون عيشاً ومعتقداً وانتساباً، على مثال “الأفواج” التي قدمها العرض: هواة الدراجات النارية، أو الأمهات، أو قارعي الطناجر، أو الأطباء، أو الممثلين.. إلخ، وهذا كله يعلو السياسة ويعيد تعريفها، أو يستردها إلى ملموس ومحسوس اجتماعي وثقافي وعمراني. كما يحيل السياسة إلى دورها كتواصل وتعارف وتعاون وتدبير لمصالح الجماعة التي ارتضت أن تكون “جماعة”، أي دولة ووطناً وأمة.

وإذ يحرر اللبنانيون السياسةَ من خرافات قاتلة، إنما أيضاً يوقعون خصومهم في عجز مميت. فإذا كان خصم الثورة الأول هو حلف “الممانعة” فهو لا يملك رداً على مبادرة من نوع ما سيحدث اليوم الأحد 24 من تشرين الثاني، تحت عنوان “خبز وملح” وقوامها تنظيم موائد فطور للعامة (كل يأتي بما تيسر له من الطعام) تمتد من أقصى الشمال إلى الجنوب. فهكذا نشاط من الصعب وصفه أنه “أميركي صهيوني” أو “داعشي” أو “تكفيري” أو “مؤامرة على سلاح المقاومة”.

هذا مكمن دهشات الثورة اللبنانية وسرها المبهج. 

تلفزيون سوريا

—————————-

الولي الفقيه وأطفاله القصّر/ صبحي حديدي

أياً كانت الصلة بين محمد خاتمي (الرئيس الإيراني الأسبق، 1997 وحتى 2005)، وأحمد خاتمي (خطيب صلاة الجمعة هذه الأيام)؛ فإنهما، كما تقول مؤشرات كثيرة، ليسا على صلة متماثلة مع إيران الشعبية، رغم انتمائهما إلى إيران الوطن ذاته. الأوّل سعى مراراً، وفشل تكراراً، في تمرير إصلاحات سياسية وإدارية وحقوقية وثقافية، واكتفى بإصدار بيانات التأييد للإصلاحيين بين فينة وأخرى؛ والثاني، في مناسبة التعليق على الاحتجاجات العارمة التي عمّت مؤخراً قرابة 100 مدينة وبلدة في إيران، طالب بفرض العقوبة القصوى (الإعدام، في تعبير أوضح) بحقّ قادة “أعمال الشغب والفوضى”، ولم يكتفِ باتهام أمريكا بالوقوف خلف التظاهرات، بل أكد ضلوع فرنسا وألمانيا أيضاً، معتبراً أنّ “إحباط مؤامرات العدو من مظاهر النصرة الإلهية”.

ثمة حقيقة أولى تستوجب التأكيد هنا، تخصّ العقوبات المختلفة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الاقتصاد الإيراني، في أعقاب انسحاب إدارته من الاتفاق النووي المعروف. وهذه عقوبات تشمل صادرات إيران من النفط والمنتجات البتروكيميائية، وصناعة الطيران، والملاحة البحرية، وقطاعات المصارف والتأمين، وشراء العملة الأمريكية، والمتاجرة بالذهب والعملات الثمينة؛ كما تشمل، إلى ذلك، الجهات العالمية التي تتعامل مع الاقتصاد الإيراني في هذه الميادين. وهي عقوبات، مثل سائر ما فرضته وتفرضه الولايات المتحدة على الأنظمة، تمسّ المواطن الإيراني في مأكله وملبسه وصحته وتعليمه وسائر مظاهر العيش اليومي؛ قبل أن تعضّ رجال السلطة وآيات الله وجنرالات الجيش والحرس الثوري والأجهزة الأمنية. صحيح أنّ الاحتجاجات لم ترفع شعار “الموت لأمريكا”، لأنه ببساطة علامة مسجّلة باسم السلطة، ولكن جوهر الحراك انبثق من إقدام النظام على رفع سعر المحروقات على نحو زاد طين العقوبات بلّة وضاعف عذابات المواطنين.

ليس مستغرباً، أيضاً، أن تحاول الأجهزة الأمريكية استغلال الحراك، أو بالأحرى كامل تطلعات الإيرانيين إلى نظام ديمقراطي أكثر تمدّناً وعصرنة يتجاوز استبداد آيات الله؛ وتجارب الاحتجاج السابقة علّمتنا أن لا ننزّه البيت الأبيض عن محاولات اختراق صفوف المتظاهرين، وتجنيد عملاء من أنصار الشاه (وهم ليسوا قلّة أبداً)، والتدخّل في تنظيم وتسيير التظاهرات بالمعنى اللوجستي والمادّي. غير أنّ للحقيقة وجهها الآخر الأكثر أهمية، وأمثال خطيب الجمعة خير مَن يعرف أنّ هذه المطالب الإصلاحية ليست بنت اليوم، ولا هي من صنع الولايات المتحدة (مهندسة الإطاحة برئيس الوزراء الإيرانيّ الوطني الديمقراطي محمد مصدّق)؛ بل هي تعود بجذورها إلى مطالع القرن الماضي من جهة أولى، وكان أبرز روّادها رجال الدين الإيرانيون أنفسهم من جهة ثانية.

وذات يوم غير بعيد كانت مجموعة مؤلفة من 842 شخصية إصلاحية قد أعلنت في بيان صريح بأنّ “وضع أشخاص في موضع السلطة المطلقة والألوهية هو هرطقة واضحة تجاه الله وتحدّ واضح لكرامة الإنسان”، في إشارة عدائية ضدّ مبدأ ولاية الفقيه. ولقد بات جلياً، عبر تجارب متعاقبة، أنّ أيّ فريق إصلاحي سوف يظلّ مشلولاً قاصر الفعل والنفوذ، ما دام يواصل عجزه التامّ إزاء المساس بالمبدأ ذاك. والمرء يستعيد، هنا، ذلك الردّ التوبيخي الشهير الذي أرسله الإمام الخميني إلى علي خامنئي، مطلع عام 1988؛ وجاء فيه: “الوليّ الفقيه مخوّل، وحده، بإبطال مفعول أيّ التزامات دينية أبرمها مع الشعب في حال اقتناعه أنها مناهضة لمصالح أمّة الإسلام. وفي وسعه أن يحظر أية مسألة دينية أو غير دينية إذا ارتأى أنها مناهضة لمصالح أمّة الإسلام”. وآنذاك أيضاً، شبّه الإمام الخميني سلطة الوليّ الفقيه على الشعب بسلطة المرشد المكلف برعاية طفل قاصر: “إنّ ولاية الفقيه أشبه بتعيين مرشد لرعاية طفل قاصر. وبمعنى مسؤوليته وموقعه، لا يختلف مرشد الأمّة عن مرشد الطفل القاصر”.

.. الأمر الذي يبرر إطلاق الرصاص الحيّ على هذا “الطفل القاصر”، بل الحكم عليه بالإعدام؛ إذا جاع وخرج على الناس شاهراً… معدة خاوية!

القدس العربي

—————————————

«الممانعة» والطغيان الأجنبي/ جلبير الأشقر

ما دامت طهران قلب «الممانعة» النابض وركنٌ أساسي في مواجهة الولايات المتحدة وربيبتها الصهيونية، فلا يمكن أن تقوم انتفاضة جماهيرية ضد الطغيان الإيراني أو ضد نظام تسوده قوى مرتهنة بذاك الطغيان، أو ضد الأمرين معاً، سوى بنتيجة «مؤامرة» تحوكها واشنطن وإسرائيل ومن لفّ لفّهما. هذا ما يذهب إليه النظام الإيراني وأنصاره والمرتهنون به في منطقتنا العربية، وهو ادّعاء يتغافل عن جملة حقائق.

الحقيقة الأولى هي أن «الممانعة»، حتى لو كانت حقيقية لا غبار عليها ولا شكوك في فحواها، لا تكفي لإضفاء الشرعية على حكم فاسد وظالم. فقد صفّق النظام الإيراني لانهيار الاتحاد السوفييتي، وكيف به لا يصفّق له وقد ساهم هو نفسه في تسريعه من خلال دعمه للمقاومة الإسلامية الأفغانية للاحتلال السوفييتي لأفغانستان. هذا ولا يستطيع أي عاقل أن ينفي أن الاتحاد السوفييتي كان القوة الأساسية في مواجهة الولايات المتحدة على الصعيد العالمي. ومع ذلك فقد رأت طهران أن انتفاضة شعوب الاتحاد السوفييتي على النظام السائد في بلدانها انتفاضة مشروعة تماماً، وكيف لا وقد سبق لمؤسس «الجمهورية الإسلامية»، روح الله الخميني، أن أفتى في تعارض الشيوعية مع الإسلام، مما دفع موسكو إلى دعم صدّام حسين في حربه على إيران بحيث رأت طهران نفسها محاصرة من طرف الاتحاد السوفييتي وخاضعة لهجوم عسكري منه عبر أفغانستان والعراق.

ويقودنا هذا التذكير إلى حقيقة تاريخية ثانية، هي أن طهران لم «تمانع» قط في التعاون مع الولايات المتحدة وحتى مع ربيبتها الصهيونية عندما قضت مصلحتها بذلك. فكل من يعرف تاريخ الحرب بين العراق وإيران يدرك أمر الصفقات التي من خلالها، وبتوسّط من المخابرات الإسرائيلية، زوّدت الولايات المتحدة إيران في عامي 1985 و1986 بمجموعة واسعة من الأسلحة شملت صواريخ مضادة للدروع وأخرى مضادة للطائرات (ما سمي «قضية إيران ـ كونترا»). ولم تكتف طهران بالترحيب بالحربين اللتين شنّتهما واشنطن على العراق في عامي 1991 و2003، بل شارك أعوانها العراقيون بصورة مباشرة بتسيير شؤون الاحتلال الأمريكي للعراق إثر عودتهم إلى البلاد في ركاب مصفّحات الاحتلال وبدعوة منه.

وتحيلنا هذه الحقيقة بدورها إلى حقيقة ثالثة هي أن السياسة الإيرانية لا تسيّرها مبادئ «الممانعة» بالرغم مما تدّعي طهران ويدّعي أنصارها، بل تسيّرها مصلحة استمرار النظام الإيراني وتدعيمه، وهما الاعتباران الساميان اللذان تخضع لهما كافة الاعتبارات الأخرى في سلوك إيران الإقليمي والدولي. فالطائفية ذاتها لا تعدو كونها وسيلة تستخدمها طهران في توسيع رقعة نفوذها الإقليمي، وليست غاية بحدّ ذاتها. وقد استخدمت إيران النزعة الطائفية الشيعية لتحقيق سطوتها على العراق ولبنان، كما تستخدمها في بناء أداة سطوتها المباشرة في سوريا من خلال قواتٍ بعضها دخيل على البلاد، بينما استخدمت في وقت سابق الورقة الإسلامية الشاملة لتقيم علاقات تعاون مع فرعي جماعة الإخوان المسلمين في مصر وفلسطين (حماس) ضد نظام مبارك حليف واشنطن وضد الدولة الصهيونية التي غدت تعتبر إيران ألدّ أعدائها بعد تدمير العراق. لكنّ إيران لم تقم بالمثل مع الإخوان المسلمين السوريين، بالرغم من أنّهم مقرّبون إليها أيديولوجياً بقدر ما هم إخوان مصر وفلسطين من خلال التزمّت الإسلامي المشترك بين كافة الأطراف المذكورة، بل دعم حكّام إيران وحلفاؤهم ضد إخوان سوريا نظاماً يدّعي الاستناد إلى أيديولوجيا قومية عربية علمانية تتناقض بصورة صارخة مع الأيديولوجيا الخمينية القومية الإيرانية والإسلامية الأصولية.

أما الحقيقة الرابعة، فهي أن سيادة طهران السياسية والعسكرية إنما تنسجم انسجاماً تاماً مع سيادة الفساد وتعميق اللامساواة الاجتماعية من خلال السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي تتّبعها طهران في عقر دارها وينتهجها أعوانها الإقليميون أو يشاركون في انتهاجها وتطبيقها حيث يسودون. فمثلما هبّ شعب إيران ذاته في أواخر عام 2017 وطوال عام 2018 ضد حكّام «الجمهورية الإسلامية» والفساد الذي رعوه وتدهور الأوضاع المعيشية الذي تسبّبوا به، يهبّ اليوم شعب العراق ضد المسبّبات ذاتها، ينضاف إليها التمرّد على الطغيان الإيراني الذي يبقى طغياناً أجنبياً حتى ولو انتمى المشرفون عليه إلى الطائفة ذاتها التي ينتمي إليها المتمرّدون. ومثل هؤلاء يهبّ اليوم شعب لبنان بكل طوائفه غير آبه بالنعرات الطائفية التي طالما استخدمها المشرفون على استغلاله لتفريقه، وهو يرفض شتى أصناف التحكّم الأجنبي بمصير وطنه، سواء أكانت إيرانية أم سورية أم سعودية أم أمريكية أم إسرائيلية أم غيرها، وهو الرفض الذي يعبّر عنه المتظاهرون والمتظاهرات بشعار «كلنّ يعني كلّن» وبرفعهم العلم اللبناني دون سواه.

كاتب وأكاديمي من لبنان

القدس العربي

——————————-

المحنة العراقية وأسئلة المثقف التظاهري/ علي حسن الفواز

وسط ما يجري من أحداث في الواقع العراقي، يأخذ الحديث عن المجال الثقافي مسارا من الصعب السيطرة عليه، والتعرّف على حمولاته وتحولاته، وحتى على أسئلته، ليس لأنّ «الثقافي» بطيء جدا في اللحاق بالسياسي والاجتماعي وحسب، بل لأن الواقع العراقي يعيش مخاضات «جيل» جديد، لم تصنعه الأيديولوجيات، ولا العصبويات، ولا حتى الانقلابات العسكرية التي استغرقت منذ عقود ذلك الواقع.

هذا الجيل الاغترابي عن الماضي، وعن عصبوية الظاهرة الدينية والحزبية، يكشف عن أفق أنثروبولوجي مغاير للهوية والفكر والعادات، وحتى للأزياء وللغة، ولكلّ ما يجعله خارج القياس النمطي، وغير ملتاث بقدسية الأفكار القومية أو اليسارية، أو الطائفية، إنه جيلٌ متدفقٌ بروح الجرأة والمغامرة، لا يمالي السلطة، ولا يخاف من عنفها اللوثياني، ولا من ذاكرة الرعب التي تركتها في اللاوعي الجمعي.

علاقة هذا الجيل بالثقافة وأنماطها الأدبية والسحرية باتت غير آمنة، وبعيدة عن التبعية وأوهام التصديق بالشعارات والسرديات الكبرى، فهو جيل بلا بيانات خادعة، وبلا كارزمات تصطنع لها نوعا من المقدس الشعري، وهذا ما يجعله أكثر تمردا واستعدادا للمواجهة، ولنزع المعاطف الكثيفة التي تورطت بها الأجيال السابقة، بما فيها معطف ماركس، أو غوغول، أو ميشيل عفلق، أو سيد قطب، إذ وجد نفسه أمام رعب الاحتلال وصعود «السلفية الإسلاموية» و»الجماعات الإسلامية» وعدوى «الربيع العربي» وغيرها من الظواهر التي قصمت ظهر الأنظمة التقليدية بخفة طبقاتها الماكرة، وبمعسكراتها وأوهامها الأيديولوجية.

مثقف هذا الجيل هو رجل الشارع، أو هو المُدوّن والبطل الرقمي، أو الكائن الذي يهجس بعلامات مغايرة تماما، حتى في لغته، وربما هو البطل العاطل عن العمل، والمُهمّش من قبل حكومات الإسلام السياسي، أو حكومات ما بعد الربيع العربي، لا شأن له بالعضوية الغرامشوية، ولا بالهوية الجماعوية، وقد يكون هو أقرب إلى «دنيوية» أدوارد سعيد، حيث الرغبة العميقة للعيش في التفاصيل، وفي صناعة الأسئلة التي تلامس الوجود، وتهجس بالأخطار التي يصنعها «العدو» الكولونيالي، أو العدو «الوطني» بوصفه عدوا عصابيا أو سلفيا أو طفيليا. حضور هذا المثقف المدهش والمُفارِق يعني طردا فاضحا للمثقف التقليدي، في عضويته الموهومة، أو في غروره، وتعاليه، مثلما يعني حضورا استثنائيا للمثقف المتسائل، النقدي، أو المثقف التظاهري الذي يمكنه أن يحتج ويرفض ويصنع الشعارات الضد.

فهل ثمة غياب واقعي للمثقف النمطي بمعناه التقليدي الثوري والأيديولوجي والعضوي؟ وهل هناك صورة واضحة للمثقف الجديد، مثقف المحنة، والهامش والقلق والبحث عن الاسئلة الفاعلة؟ وهل طرحت تظاهرات الشارع العراقي أنموذجا لسيروة مثقف الحراك الثقافي، الحراك الذي يقوده جيلٌ يبحث عن المعنى والحرية والحق، مثلما يبحث عن العمل والحب والسلام الأهلي؟

هذه الاسئلة ليست دافعا لتفكيك مفهوم المثقف على مستوى «التاريخ» والمؤسسة أو الوظيفة، بقدر ما تعني ضرورة توصيف هذا المثقف التظاهري، بوصفه أنموذجا للقوة الجديدة، القوة الخلاقة، العابرة للخصوصيات القاتلة، والمشارك بحيوية في صناعة أسئلة التغيير التي نسعى إلى إثارتها وتكريسها في واقعنا العراقي، وأحسب أن الغياب الحقيقي للثقافي، ولوظيفة المواجهة، هو الذي أعطى مبررا للحديث عن موت «المثقف المسلكي»، المسؤول عن فضائح وأوهام (الثقافات) التعويضية/ والإشباعية، التي ظلّ يمارسها البعض كجزء من الأيديولوجيا، أو العصاب، أو باتجاه فرض السيطرة على البعض الآخر، وضبط حركة الجماعات، وإعادة إنتاج السلطة العصابية والنص بوصفهما محركات لنظرية السيطرة تلك.

حضور هذا النمط الثقافي بصورته الفقهية او الإعلامية أو الأصولية العنفية يمثل، أيضا من أكثر العناصر تهديدا لمشروع الدولة المدنية، ولقيم الحداثة والتنوير والإصلاح، إذ يكون هذا (النمط) صانعا للإشاعة، وللعصاب، وللخطاب، ولجزء سري من صناعة وهم الهوية القاتلة، هوية الجماعة والفرقة والطائفة، وهو ما يعني الشك بكل قيم الحمولات المدنية والهوياتية للجماعات والمكونات الأخرى..

النقد هو المسؤولية الضد للمثقف الجديد، مثقف التظاهرات والتفاصيل، لأن هذه المسؤولية تعني الوعي والحرية والإرادة، مثلما تعني وضع المثقف في المجال الحيوي لمفهوم الثقافة ولوظائفها الاجتماعية والإنسانية والتعليمية، أي أن يكون المثقف في سياق فعل المواجهة، وفي ممارسة حريته، على أساس أنها قوة داعمة للاحتجاج والرفض، مثلما هي واسطة فائقة الخطورة للكشف والتغيير والبناء والتواصل، وعلى أساس أنها باعث لفعالية التفكير الحر، إزاء ما يمكن أن تحدده السلطة، أو الأيديولوجيا، أو الجماعة القرابية والعصابية.

فهل مارس هذا المثقف مسؤوليته في المواجهة؟ وهل أن تاريخ الأنتلجنسيا العراقية سيعترف بوجوده، ويمنحه نوعا من «الأرخنة» في التداول السياسي والاجتماعي؟ وهل اصطنع هذا المثقف لنفسه مجالا حيويا مؤثرا للخروج من معطفه العائلي والأيديولوجي والسلطوي والطائفي باتجاه التموضع في فضاء المواجهة والتفكير العلمي والفردية الوجودية الفاعلة؟

أحسب أن مراجعة تاريخ الأنتلجنسيا العراقية سيضعنا فعلا أزاء الكثير من الشكوك، وأمام الكثير من الأوهام، لأن هذه الأنتلجنسيا لم تصنع صورة واضحة للمثقف الفرد، وللمثقف النقدي، بل طالما ربطت هذا المثقف بالجماعة، أو المثقف بالأيديولوجيا، ولعل التفكيك المرعب الذي تعرضت له هذه الجماعات الثقافية والحزبية منذ عام 1963 انعكس بشكل سلبي على صورة هذا المثقف، وعلى وظيفته وعلاقته بالمجتمع والأيديولوجيا والدولة. إذ بات شائها، أو معزولا، أو مسجونا أو منفيا، أو متعاليا، أو باحثا عن أمجاد.

أوهام المثقف العراقي لا تشبه أوهام مثقفي البير كامو، ولا وجوديات جان بول سارتر، ولا انتمائيات كولن ولسن، ولا عبثية بيكيت، لأن نموذجها الثقافي كان يعيش الاغتراب الواعي، والتمرد على الانسحاق البورجوازي، والإرادة الباعثة على الانسحاب من الأيديولوجيا إلى فعل الأنوية الساحر، والعميق، بينما المثقف العراقي الذي سحقته الانقلابات المرعبة والأيديولوجيات الضاغطة والحروب والاستبداد تحوّل إلى مثقف انهزامي، أو سلطوي، أو مثقف حزبي، أو ديني بمزاج طائفي، وصورة غائمة للمثقف العضوي، تلك التي ظلت معلّقة على الحائط الأيديولوجي المتعالي، الذي تركته الماركسية اللينينية في فتوتها اليسارية، وبأبهتها الغرامشوية، والقومانية في أوهامها المعطوبة..

اليوم باتت صورة المثقف أكثر انشغالا بإعادة توصيف وظيفة الثقافي وسط مهيمنات أكثر رعبا، مهينمات السلطة الوحشية ومهيمنات الحركات الجهادية ونزعات التكفير والغلو والعنف، وبملامح المثقف المضطرب والعالق بيوتوبيا الخلاص، فضلا عن الانشغال بمتاهة المهجر، إذ ترك لنا هذا المهجر مثقفا عائما، ضالا، مسكونا بالحنين السلبي، والكراهية السلبية، وحتى بالوطن الضد، والتعالي السلبي.

السؤال الأكثر مرارة هنا: كيف يمكن الحديث عن استعادة الثقافي إلى السياق الفاعل، وإلى مواجهة تاريخ الأوهام؟ وكيف يمكن لهذا المثقف – غير المسلكي- أن يرى الأشياء والظواهر بعيون أكثر اتساعا، وبوعي أكثر ثراء، لكي لا نعيد إنتاج مثقف الطوارئ، ومثقف الحرب ومثقف الحزب؟ هذه الأسئلة قد تكون مدعاة لرؤية صورة أخرى للتحول الكبير، على مستوى النظر إلى السلطة، والنظر إلى المؤسسة التي تشبه السلطة كثيرا، وإلى الخطاب، لكنها أيضا مدعاة لأن يكون المثقف فاعلا في تأصيل قيم أخرى للحداثة، بكل حمولاتها، وبكل رمزيتها وإجراءاتها، وحتى بقوتها على مستوى تأهيل المدينة السياسية/ الثقافية، وعلى مستوى البناء المدني للمجتمع، وتنشيط حركة البحث العلمي، وتعميق المعنى الحقوقي للحريات العامة والخاصة، بما فيها حرية المثقف الفرد المنتمي بوعي وإرادة إلى الحياة والمستقبل..

٭ كاتب عراقي

القدس العربي»

———————————————-

الاقتصاد السياسي للحراك الشعبي في إيران/ ماجد كيالي

كانت صيحة: “إنه الاقتصاد يا غبي”، التي أطلقها جيمس كارفيل (1992)، مدير حملة المرشح للرئاسة في الولايات المتحدة (وقتها) بيل كلينتون، بمثابة المفتاح الذي سمح بهزيمة واحد من أهم الرؤساء الأمريكيين (جورج بوش ـ الأب) الذي تحققت في زمنه نجاحات خارجية فائقة الأهمية لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية، ضمنها انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، ما جعلها بمثابة القطب الأوحد على الصعيد العالمي.

لكن مع وجاهة تلك الجملة المعبّرة والقاسية إلا أنها ليست العامل الرئيس في تغيير أمزجة البشر في كل الأمكنة، وكل الأحوال، سيما مع الفارق بين البلدان المتقدمة والغنية والديمقراطية، من جهة، والبلدان المتأخرة والفقيرة والتي تفتقد لحقوق المواطنة وللديمقراطية في الجهة الأخرى. فالمجتمعات في البلدان الأولى تبدو وقد حققت ذاتها الوطنية، ولا تعاني من قيود على الحريات الفردية، وهي تحصلت على حقوق ومكتسبات وضمانات اجتماعية مهمة، لذا فإن أي مساس بتلك الحقوق والمكتسبات تعتبره انتهاكا لحقها، ولمكتسباتها، يجب الدفاع عنه، وهنا يلعب البعد الاقتصادي دوره. أما مجتمعات البلدان الأخرى فهي ما زالت تكابد للحصول على أدنى حقوق، وهي تنظر إلى الفجوة بينها وبين بلدان المجموعة الأولى بنوع من التحسر والإحباط وفقدان الأمل. والقصد أنه إذا كان العامل الاقتصادي هو المحرك لأي تمرد في المجموعة الأولى (كما حصل في فرنسا مؤخرا) فإن المحرك في بلدان المجموعة الثانية هو خليط من مجموعة عوامل، فإلى جانب العامل الاقتصادي، تدخل عوامل عدة أخرى، ضمنها الحاجة إلى الحرية، وضرورة استعادة الكرامة، وهذا أكثر ما يمكن ملاحظته في تداخل العوامل التي أدت إلى اندلاع الثورة السورية، التي كان الفقر، أو تدنّي مستوى المعيشة، واحدا من أسبابها.

الإحالة على سوريا، يمكن أن تحيل على الاتحاد السوفييتي السابق، ومجمل ما كان يسمى بلدان المنظومة الاشتراكية، التي كانت تضمن الحد الأدنى لمواطنيها، من الحق في التعليم والضمان الصحي والعمل، إلا أن مواطني تلك البلدان كانوا يفتقدون لأشياء أخرى كثيرة، منها الإحساس بالذات الحرة، والإحساس بالفجوة الهائلة بينهم وبين المجتمعات في الدول الغربية، في أنماط العيش والتعبير والاستهلاك والرفاهية.

في النقاش المتعلق بانهيار هذه الدولة أو تلك، يمكن الإحالة إلى التفسير الذي كان تحدث عنه المؤرخ الأمريكي بول كندي في كتابه الموسوعي: “صعود وهبوط القوى العظمى” (صدر عام 1987)، والذي تحدث به عن أفول عديد من الإمبراطوريات والدول في الفترة بين أعوام 1500 ـ 2000، إذ أحال ذلك إلى عدم التوازن بين موارد الدولة الاقتصادية والتزاماتها العسكرية الاستراتيجية، وعدم التوازن بين إمكانياتها البشرية والاقتصادية وتبعيات أدوارها الخارجية، خارج حدودها.

أيضا، يمكن الإحالة على التفسير الذي تحدث عنه زبينغيو بريجنسكي (مستشار الأمن القومي في عهد كارتر)، في كتابه السياسي المتميز: “بين عصرين.. الولايات المتحدة في العصر التكنوتروني” (إصدار دار الطليعة، بيروت، 1980). ففي ذلك الكتاب تحدث بريجنسكي عن إمكانية انهيار الاتحاد السوفييتي (الكتاب كان صدر عام 1970 أي قبل عقدين من الحدث)، وذلك برأيه بحكم الفجوة التكنولوجية الهائلة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وبواقع افتقاد مواطني الاتحاد السوفييتي للحريات الفردية، وبسبب الفجوة في مستوى أو نمط المعيشة والاستهلاك بين البلدين.. “، وكان أن انهار البلد، وكل المنظومة الاشتراكية، من تلقاء نفسه من الداخل، مطلع التسعينيات، على طريقة “الدومينو”.

طبعا، تلك ليست مفاضلة بين النظامين المذكورين، ولا تتضمن مدحا لنظام معين، وإنما هي مجرد تحليل لواقع، فثمة مشكلات كثيرا، أيضا، في الأنظمة الرأسمالية، لا سيما النيوليبرالية، لكن تلك الأنظمة تمتلك من المرونة والمسؤولية والإمكانيات، ما يمكنها من الاستمرار والتطور، وإيجاد بعض حلول لمشكلاتها، على نحو ما تحدث المفكر الاقتصادي المصري فؤاد مرسي في كتابه: “الرأسمالية تجدد نفسها” (سلسلة عالم المعرفة رقم 147، الكويت)، والذي رأى فيه أن إنتاج المعرفة والتكنولوجيا وتطور العلوم في تلك الدول يوفر لها الإمكانيات والموارد لمعالجة أزماتها، وأيضا لتجديد ذاتها.

في المثال الحالي، وهو حالة إيران، فهذا البلد الذي شهد هزات أو هبات شعبية عديدة في السنوات السابقة، تجمعت فيه جملة ظروف أدت إلى اندلاع الانتفاضة التي نشهدها منذ أيام في عشرات من المدن الإيرانية، والتي تبدو أشمل، وربما أعمق وأكثر استمرارية، من سابقاتها بكثير.

وطبقا للتحليلات السابقة، فإن النظام الإيراني يتحمل المسؤولية المباشرة عما وصلت إليه البلد، إن في محاولاته تعظيم قوته العسكرية، وتخصص موارد كبيرة لها، وضمن ذلك ما يخص سعيه امتلاك السلاح النووي، أو في دأبه على القيام بأدوار خارجية، من طبيعة عسكرية، في اليمن ولبنان والعراق وسوريا. ومن الواضح أن كل ذلك وضع النظام الإيراني في مشكلتين كبيرتين، أولاهما، إزاء القوى الدولية النافذة، ولا سيما الولايات المتحدة، التي بدأت تأخذ بعزله والضغط عليه وعصره، من الناحية الاقتصادية، إلى درجة تجفيف موارده؛ وذلك بعد ان استثمرت في دوره، طوال السنوات الماضية، في تقويض البني الدولتية والمجتمعية في المشرق العربي. وثانيتهما، إزاء شعبه، مع شعور أغلبية الإيرانيين بأن نظام “الولي الفقيه”، يتحكم بمقدراتهم ويبددها في مشاريع خارجية، وأنه يلعب بمصائرهم وبمواردهم. أيضا، ثمة حيثيات أخرى تتعلق بتبرم قطاعات واسعة من الإيرانيين والتي أضحت تشعر أن ذلك النظام يثقل عليها، ويعوق تطورها، في بلد باتت ديمقراطيته رهن لعبة سمجة، مزيفة، يرسم خطوطها ونتائجها “المرشد الأعلى”، ومن معه.

وربما يجدر بنا التنبيه هنا إلى أن إيران، وبعد أربعة عقود، من تحكم النظام الحالي، لم تستطع أن تطور أحوالها الاقتصادية والاجتماعية، رغم استحواذها على ثروة نفطية هائلة (قبل العقوبات)، فهي من حيث الدخل القومي (تحتل الرقم 24 بين دول العالم)، مثلا، أي إنها بمستوى دول مثل تايلاند وفنزويلا ونيجيريا وبلجيكا وبولندا (مع الفارق بالمساحة وعدد السكان لصالح إيران). والاقتصاد الإيراني (حوالي 447 مليار دولار) هو بنسبة ثلثي الاقتصاد التركي (766 مليار دولار)، علما أن 70 بالمئة من الموارد الإيرانية تتأتى من تصدير النفط والغاز، ومع نسبة بطالة تقدر بـ 18 بالمئة، أي إننا إزاء دولة من العالم الثالث، رغم ادعاءات أرباب النظام الكثيرة، والصاخبة، وضمنها أن إيران تهيمن على أربعة عواصم عربية (هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء) + قطاع غزة! إنه الاقتصاد إذن ومسائل أخرى لا تقل أهمية.

بروكار برس

———————————————–

الربيع العربي بين موجتين: دروس الماضي ومستقبل التحوّل الديمقراطي/ حسام أبو حامد

(1)

في منتصف سبعينيات القرن العشرين، انطلقت من جنوب أوروبا الموجة الثالثة من موجات الانتقال الديمقراطي في العالم، لتتمدد خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، في بلدان أميركا اللاتينية، وآسيا، وأفريقيا، وشرق أوروبا ووسطها، بينما بقيت آفاق التحولات الديمقراطية غير مؤكّدة إلى حد كبير في العالم العربي، الذي نُظر إليه بأنه يمثل استثناءً على هذا الصعيد. لكن انطلاق الموجة الأولى من الربيع العربي، في أواخر العام 2010، أطاح هذه الاستثنائية المزعومة، وبدا أن العالم العربي على موعد مع التغيير الذي طال انتظاره، وأن عقودا من استبداد عربي معاصر قد ولت وإلى الأبد، لتتحرر الشعوب العربية من تلك “الصفقة الفاوستية” التي كُرّست، في غياب العقد الاجتماعي أساساً للدولة الحديثة، صيغةً أساسيةً للعلاقة بين الشعوب العربية وحكامها، يحصل بموجبها المواطن على الأمن والخدمات لقاء ولائه للنظام السياسي. لم تعد الشعوب تقبل أن تحتكر تلك الأنظمة إدارة شؤونها، والفشل فيها في الوقت نفسه.

موجة أولى

منذ تسعينيات القرن العشرين، انتقلت دول عربية كانت محسوبة على المعسكر الاشتراكي، من اقتصادٍ موجّه نحو القطاع العام، إلى اقتصاد السوق. ومع ترسيخ عمليات الخصخصة، لم يستطع القطاع الخاص توفير ما يكفي من فرص عملٍ وفّرها سابقا القطاع العام، على الرغم من عثراته اقتصاديا تنمويا، لترتفع البطالة بين صفوف الشباب إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، نمت معها عدم المساواة الاقتصادية.

وتطلعت الفئات الاجتماعية، المهمّشة والمقموعة المستبعدة من فوائد التنمية الاقتصادية، إلى الحصول على مزيد من الحرية والمشاركة السياسية، في ظل انفتاح على العالم الخارجي بفضل التطور الهائل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وقد تراكمت عوامل اقتصادية وسياسية، وغيرها من عوامل أساسية تفاعلت سنوات لتدفع في اتجاه حيّز ديمقراطي في المنطقة، وأدت الدوافع المباشرة في بعض الدول العربية إلى خروج المعارضة من قيودها الحزبية، الضيقة والمعطّلة غالبا، ممتدةً إلى فئاتٍ كانت قد أقصيت من المجال العام، على شكل انتفاضات جماهيرية.

اكتسحت موجة أولى من الانتفاضات المنطقة العربية، وتساقط المستبدون كأحجار الدومينو، وانتعشت آمال الملايين ظنّا بأن حريات سياسية وحياة كريمة باتت قاب قوسين أو أدنى، وأن العالم العربي يسير في ذات الطريق التي سارت فيه دول أوروبا الشرقية، بعد سقوط جدار برلين، وأنه ستكون له حظوظ مشابهة لحظوظ دول أميركا اللاتينية التي تخلصت، بعد عقودٍ، من حكم الديكتاتوريات العسكرية.

كانت الظروف مختلفة؛ حصلت تلك الدول على مستوى مناسب من دعم الأسرة الدولية، لتصبح دول في أوروبا الشرقية أعضاء في النادي الديمقراطي الغربي ومؤسساته، العسكرية والمدنية (الناتو، الاتحاد الأوروبي)، وتوفرت لدول أميركا اللاتينية حُزم مساعدات سخية من واشنطن، ومن جهات دولية مانحة، واستوعبها نموذج إقليمي إيجابي، هو منظمة الدول الأميركية. هذا الاحتواء وفر دفعا إلى الأمام لتحولاتها الديمقراطية، وهو ما لم يتوفر لدول العالم العربي.

باستثناء تونس، التي استكملت مسيرتها الديمقراطية، كانت نتائج تلك الانتفاضات في عمومها كارثية؛ قمعت الأجهزة الأمنية والعسكرية المظاهرات السلمية، وأطلقت نيرانها على المتظاهرين، تسلحت انتفاضات، واخترقتها السلفيات الجهادية، ودخلت البلاد في حروب أهلية تدار بالوكالة الإقليمية والدولية (سورية، ليبيا، اليمن). وتلاشى النجاح الجزئي (مصر)، بعد الانقلابات العسكرية، والثورات المضادة الممولة من بعض دول خليجية. وطوّرت الأنظمة الاستبدادية في المنطقة آليات معزّزة للقمع، وأحلّت الإكراه الوحشي محل الحوار، وبدا أنها نجحت في ترويع شعوبها.

أصبح قمع الناشطين أكثر قسوة، وفضلت دول كالأردن والمغرب إجراء إصلاحات سياسية لتحقيق الاستقرار وامتصاص المد الجماهيري الغاضب، وحالت القبضة الأمنية والريعية النفطية والنسب العالية من السكان غير المواطنين دون انتفاضات مشابهة في دول خليجية. واستجرّت الانتفاضات تدخلا إقليميا ودوليا في الشؤون الداخلية، استُثمر لتحقيق أجنداتٍ خارجية، أو لتثبيت الأنظمة التي زعزعتها الانتفاضات. والدول التي خضعت للاستقطاب الناجم عن الصراع كانت أكثر تعثّرا، وتم استبدال الصراع على السلطة بمطلب التغيير الديمقراطي.

بعد عقود من غياب سيادة القانون، والافتقار إلى المعارضة السياسية الديمقراطية المنظمة، لم تتوفر المؤسسات الديمقراطية العاملة الفاعلة. أسقطت الانتفاضات العربية أربعة أنظمة ديكتاتورية في سنة واحدة، ولم يكن كافيا التخلص من رأس النظام فقط، بدون إرساء تلك المؤسسات. تبين أنه لا يمكن التركيز على مهمة التخلص من المستبد بإصرار كبير، مع تفكير محدود، وتخطيطٍ ضعيف، بشأن سؤال: ماذا بعد؟ وحول امتلاك قوى التغيير، المسيطرة حديثا على السلطة السياسية، استراتيجية اجتماعية اقتصادية شاملة وقدرتها على وضع حدّ لاستحواذ النخبة على القطاع العام، وتفكيك تحكّم الدولة العميقة في مفاصل الاقتصاد الوطني. ومع الفشل هنا وهناك. انسحبت الجموع الغفيرة من الشوارع والساحات ولكن أوجاعها بسبب غياب الفرص الاجتماعية والسياسية ظلت تقض مضاجعها.

النهر ضد المستنقع

في محاولة استشرافية تعتبر مبكرة، يذهب الأكاديمي الفلسطيني خالد الحروب (“في مديح الثورة: النهر ضد المستنقع”، بيروت: دار الساقي 2012) إلى أن “الحرية هي الآلية الوحيدة التي تمنع تحول المجتمعات المستقرة إلى مستنقعات”، فالمجتمعات العربية، بسبب وطأة الاستبداد، تحولت إلى مستنقعات، حين شلّ هذا الاستبداد تلك المجتمعات وامتص ثرواتها، واستنزف كل طاقتها، فمنعت “سيطرة حكم الفرد الواحد، والحزب الواحد، والعائلة الواحدة، بروز أية منافذ حقيقية للإصلاح التدريجي أو البطيء إلا في حالات قليلة… كان يتم تنفيس الاحتقانات… في المقابل، دافع الاستبداد عن وضع المستنقع كما هو، مبقيا على آليات تراكم التعفن وتأكل ما تبقى من الجسم الحي في المجتمع، وتؤبد الاحباط وتبذر بذور الغضب القادم والثورة الشاملة، وتستدعي تدفق النهر وفيضانه الكبير حلا أخيرا ولا بديل عنه”.

هكذا نقف مع الحروب على مفترق طرق عسير: إما التمسك بالمستنقع، وإما الانحياز للنهر المتدفق الذي سيجرف المستنقع ويقضي على العفن. إنه خيار صعب تنبع صعوبته من أن النهر/ الثورة ستنطلق بعد عقود بكل طاقتها المكبوتة وقد لا نعرف بأي اتجاه سوف نسير معها بعد جرفه المستنقع. برأي الحروب: هنا تكمن “المقامرة الكبرى”.

لكن بقدر ما تكون الثورة “مقامرة” فإنها أيضا قدر محتوم، فاندفاع النهر ما هو إلا مسألة وقت “تحوم حول سؤال متى سيندفع النهر؟ وليس في ما إن كان سيندفع أم لا؟”. لا مناص من المقامرة. وإلا “سنظل نغوص في مستنقعاتنا للأبد”. والانحياز للنهر/ الثورة إذاً هو أيضا “وبوعي كامل، انحياز مُقامر”، فلن تظهر الواحات الخضراء مكان المستنقع مباشرة، فقد دام تفوق شريحة معينة واستبدادها بغيرها من الشرائح عقودا، وتحتاج شعوبنا إلى زمن يمضي “كي تتقن ممارسة الحرية من دون اعتداء على الآخرين ومن دون الانزلاق إلى مهاوي استبداد جديد”.

يتعامل الحروب مع لحظة سقوط الأنظمة بعد ضغط الحشود في الشوارع بأنها لحظة غير مستدامة، لكونها مغرقة في المثالية، استطاعت توحيد الشعب على هدف اسقاط النظام الفاسد، لكن هذا الإسقاط هدف مرحلي سيتلاشى بعده التلاحم و”تعود التنافسات الطبيعية بين المجموعات المختلفة للظهور وطبع المشهد بصراعاتها. بل أكثر من ذلك، تأخذ هذه التنافسات والصراع بين المجموعات والأحزاب المختلفة أشكالا أكثر حدة لأنها تتم الآن في مناخ الحرية وليس القمع، وهذا كله شيء طبيعي. لكنه بالنسبة للغالبية الكاسحة من الرأي العام تحول مُحبط، مُربك، ومثير للخوف على الحاضر والمستقبل، ويدفع جزءاً من ذلك الرأي العام إلى الترحم على أيام المُستبد حيث كانت الحياة “مستقرة”! “مستقرة” نعم، لكنه كان استقرار الاستبداد وليس استقرار الحرية. إنه “استقرار القبور” باستعارة توصيف صادق جلال العظم لحال الأمن والاستقرار التي تفاخرت بها أنظمة الاستبداد العربي طويلا”.

موجة ثانية

لم تحقق الموجة الأولى من الربيع العربي الإصلاحات العاجلة المطلوبة، وربما أصبحت حياة الكثيرين بعدها أكثر صعوبة، مع استمرار البطالة، وتدني الأجور، وأنظمة التعليم التقليدي، وعدم تكافؤ الفرص، وفقدان الحريات.. لكن تلك الموجة، حسب ظني، أحيت على المدى الطويل الطاقات السياسية في العالم العربي، وأبقت على الحراك الاجتماعي، لتبرهن الموجة الثانية أن الطلب على الحرية والعدالة ما زال مرتفعا بين شعوب المنطقة.

إن إخفاقات الموجة الأولى منحت المستبدين وهما بأن الشعوب ستفضّل الاستقرار على الحرّية، ولم تستوعب أنظمة الاستبداد الدرس جيدا، واستمرت بالاحتماء بسلطويتها، ولم تُحسن استغلال فُرص التهدئة التي منحها إياها الشارع لإجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة، فكان عليها مجدّدا مواجهة شارع منتفض، لم تعد تُجدي معه نفعا محاولات تشويهه سياسيا وأخلاقيا، ولا تخويفه بنظريات المؤامرة، أو ترهيبه بالفوضى والفراغ، ويقاوم الشارع العربي اليوم محاولات إعادة تدوير السلطة لإعادة إنتاج النظام القديم.

على العكس، استوعبت الشعوب دروس الموجة الأولى، وتجاوزت بعض أخطائها، فبدا الشارع العربي اليوم أكثر خبرة، وأكثر تمسّكا بسلمية الحراك الجماهيري، برغم القمع العنيف، وبدا المتظاهرون أكثر ثقة بالنفس، وتأكّد انعدام ثقتهم ليس بالنظام السياسي ورموزه وحسب، بل أيضا بالأحزاب السياسية حتى المُعارِضة منها. وإلى جانب الحكومات، يضع المحتجون قوى المعارضة في سلة العجز عن الوفاء بوعود الإصلاح، ويفضّلون المغامرة انطلاقا من “صفر سياسي”.

ورغم تنوع انتماءات المشاركين في انتفاضات الموجة الثانية ساد شعور عام بالوحدة، وغابت الأيديولوجيا التي سبب حضورها توترا حاسما أسهم في إفشال الموجة الأولى. لم تسقط الأنظمة بالسرعة المطلوبة، لعدم توافر دعم خارجي مباشر، لكن ذلك انعكس إيجابا، موفرا على المتظاهرين مكابدة عناء الولاءات المتضاربة، والارتهان إلى الخارج، مانحا إياهم فرصة الاعتماد على الذات، واكتساب الخبرة عبر المراحل الانتقالية.

استطاع التونسيون سد الفراغ المؤسساتي، بعد إطاحة زين العابدين بن علي، بأن سارعوا إلى المأسسة وتدعيم روافعها الديمقراطية، فأثبتت مؤسساتهم الفتية جدارتها في العملية الانتقالية، وكذلك في تأمين تداول سلمي للسلطة بعد رحيل الرئيس الباجي السبسي. لكن في غيرها، أدّت حالة الفراغ، وعجز المعارضة عن تطوير مؤسسات تشريعية وحزبية ديمقراطية، إلى جانب عوامل أخرى، إلى انهيار الدولة وتغوّل السلطة، والدخول في دوامة الحروب الأهلية، أو إلى نجاح الدولة العميقة في ثورتها المضادة.

تواجه الموجة الثانية لا سيما في الجزائر والسودان مخاطر جدّية على طريق ضمان بناء دولة بمؤسساتٍ فاعلة، ذات كفاءة في إدارة الشؤون الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية، في ظل تصدّع الأحزاب السياسية، وحالة عدم الاستقرار السياسي. ولا تبدو مخاطر انعدام الفراغ المؤسساتي أقل حدة في حالتي لبنان والعراق، المتمتعين بنظامين ديمقراطيين، لكنهما قائمان على المحاصصة الطائفية التي كانت سببا رئيسيا لفساد المؤسسات وفشلها، وعجز الحكومات، وعرقلة تشكيلها. مع ذلك، حطمت الاحتجاجات، ورد الفعل العنيف من السلطة لا سيما في العراق، أسطورة الطائفية التي ترعاها الدولة، بوصفها مبدأ تنظيميا للسلطة السياسية. لكن مهمة المتظاهرين هنا أصعب مع طائفيةٍ تشكل جزءاً من الهياكل السياسية الأساسية. ومع عفوية المظاهرات وزخمها، حجب تركيز المتظاهرين على المطالب الاجتماعية والاقتصادية بلورة بديل سياسي واضح المعالم، ما يهدّد مستقبل هذه التظاهرات وإنجازاتها، سيما وأن وكلاء الطوائف في كلا البلدين ما زالوا يدافعون بقوة عن سياسات الهوية الطائفية التي تؤمّن مصالحهم، مراهنين على بقاء التنافر المجتمعي لعرقلة مظاهرات الوحدة الوطنية، ما يثير القلق حيال قدرة المشاعر العلمانية التي تسود الشارعين، العراقي واللبناني، على الصمود طويلا في وجه الهياكل السلطوية الطائفية الراسخة. في حال نجاح هؤلاء الزعماء، ومع الإنهاك في معركة الشارع طويلة الأمد، قد يكتفي المتظاهرون بوعودٍ للإصلاح، أو بإصلاحات جزئية تتم تحت عملية الفساد ذاتها التي تقودها النخب الحاكمة.

القضاء على الطائفية السياسية، ومستلزماتها من المحاصصة على الدولة، قد يحتاج إلى أكثر من تمرّد شعبي، عفوي، بل على المتظاهرين إعادة تنظيم صفوفهم لإنتاج حراك ثوري منظم، مدعوم بحركة سياسية ذات قاعدة جماهيرية عريضة، وقيادة سياسية مسؤولة، تحوز شرعية تمثيل قاعدتها الشعبية التي تمكنها من النجاح في أي عملية انتخابية قادمة، والمشاركة في صياغة دستورٍ جديد، وضمان بناء مؤسساتٍ ديمقراطيةٍ فاعلةٍ، تسمح بتوسيع قاعدة صنع القرار، في ظل دولةٍ مدنية.

أصبح الربيع العربي يوتوبيا تعارض الواقع بالمثال، وتلهم ملايين من الجماهير العربية هنا وهناك، وسيبقى هذا الإلهام مستمرا في ظل استمرار الواقع الذي يعارضه مثال اليوتوبيا، والذي يبدو أسوأ مما كان عليه قبل عام 2010.

بشارة: ثورة ثقافية ورقي مهم لمستقبل الشعوب العربية

مؤخراً أكدّ الباحث والمفكر الدكتور عزمي بشارة، مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عبر لقاء مطوّل مع التلفزيون العربي حول الموجة الثانية من الربيع العربي في كل من العراق والسودان والجزائر ولبنان، أن الحراك الشعبيّ في العراق يعد اكتشافاً للهوية الوطنية وعابراً للطائفية، وأشار إلى أن الحدس والوعي الجماعيين كان لهما الفضل في الربط بين الطائفية وفساد الطبقة السياسية. ورأى أن النخبة السياسية من زعماء الطوائف نهبت البلاد باسم طوائفها وتشكلت حولهم شبكات زبائنية تتقاسم موارد الدولة بل ووظائفها ما أصبح يعلي من قيمة الولاء الطائفي على حساب الكفاءة وهو ما يضر بالتنمية. وقال إن الحراك الحالي في لبنان والعراق هو ثورة ثقافية ضد الطائفية قد تخرج عنها حركات مواطنيّة ديمقراطية تجمع كل الطوائف ولكن بشرط تغيير نظام الانتخابات لأن الشكل الحالي لا يسمح لقوى ديمقراطية بالنفاذ إلى البرلمان. وحول مشهد الاحتجاج العراقي، قال إن الشعب العراقي رفض إفقاره باسم الطائفية لا سيما في بلد هو خامس منتج للنفط على مستوى العالم. وتابع أن الاحتجاج على النفوذ الإيراني أثبت أن الشباب العراقي يرفض الولاء لدولة أخرى باسم الطائفية مشيراً إلى أن هذا تجلى أيضاً في أحد شعارات الحراك وهو “نريد وطن” والذي رأى البعض أنه يعني “نريد دولة”.

وتطرّق بشارة إلى الانتفاضة الثورية في لبنان فقال إنها جاءت في وقت زادت فيه الطائفية السياسية بشكل كبير إلى حد تحديد كل طائفة أسماء الوزراء المنتمين لها، وأشار إلى أن لبنان الدولة العريقة التي شهدت في السابق تطوراً اقتصادياً وصل إلى مجالي الزراعة والصناعة عانى من الطائفية السياسية والفساد إلى حد عجزه الآن عن توفير الكهرباء لمواطنيه. وقال إنه لا يعتقد أنّ الانتفاضة الثورية في لبنان قامت ضد حزب الله بل إن لها طابعاً أشمل ولكن الاحتقان الذي تحدث به الحزب صورها وكأنها ثورة ضده، ولفت إلى أن حزب الله استثمر للأسف إنجازات المقاومة ضد إسرائيل لتوسعة نفوذه في لبنان، وإلى أن الحزب قلق من التحركات لأنه تحوّل من حزب مذهبي متشدد مقاوم إلى حزب طائفي بات مهتماً بالوظائف والوزارات إلى حد التحالف طائفياً مع فريق يحرض ضد الفلسطينيين ويغازل إسرائيل.

كما رأى بشارة أن حراك الشباب منذ عام 2011 أظهر أن هناك جيلاً غير منقسم أيديولوجياً وتحركه القيم والأخلاق واصفاً ذلك بأنه ثورة ثقافية ورقيّ مهم لمستقبل الشعوب العربية رغم ما يحيط بذلك من عفوية زائدة قد تقود إلى الشعبوية، وقال إن الحراك الشعبي الذي ليس له قيادة في كل من لبنان والعراق والجزائر لا يجب أن ينزلق إلى الشعبوية بحيث يكون رافضاً لكل القيادات وكل النخب لأن الحراك إن لم يتبلور في حركات سياسية سيذهب إلى البيت وتتولى الأحزاب القائمة القيادة وإدارة البلاد.

وبرأي بشارة فإن شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” نفسه هو شعار إصلاحي لأن الثورات تسقط النظام ولا تطلب منه إسقاط نفسه. وأشار إلى أن أبحاثه خلال الفترة الماضية، والتي اهتم خلالها بموضوع الانتقال الديمقراطي، وسينشر آخرها قريباً، كشفت أن الحراك الشعبي في عدد من الدول العربية يمثل ما أطلق عليه “ثورات إصلاحية”. وفي هذا السياق أشار إلى أن الانتفاضات الثورية في كل من العراق ولبنان والجزائر لا قيادة لها لذا تحتاج إلى حوار مع القوى القائمة الراغبة في الإصلاح في حال كان الهدف الانتقال إلى الديمقراطية لأن الثورات التي تسقط الأنظمة بالكامل لم تسفر عن ديمقراطيات بما في ذلك الثورة الفرنسية التي لم تتحول إلى ديمقراطية إلا بعد مرورها بمراحل من اللبرلة.

وعند تناول الشأن الجزائري قال بشارة إن الجزائر يعيد كتابة التاريخ لأن الحراك أفرز معارضة ديمقراطية ليس لها طابع إسلامي أو شمولي كما كان في السابق. وقال بشارة إنه لا يستطيع الجزم بنوايا الجيش لكن ما يراه هو أن الجيش تحرك وتخلص من بوتفليقة والمجموعة المحيطة به ولم يطلق الرصاص على المتظاهرين. وأضاف أنه في حال لم يكن للجيش طموح سياسي فالجزائر متجه نحو ديمقراطية. وقال إن حواراً كان من الواجب أن ينشأ بين الحراك الشعبي والجيش كقوة مسيطرة لأن هذا أفضل السبل للانتقال الديمقراطي.

وفي حالة السودان رأى بشارة أن الاتفاق الحالي كان الخيار الوحيد المتاح لتجنب تصعيد قد يصل إلى حرب أهلية، ولكن رأى في الوقت نفسه أن أمر طموح الجيش في الحكم لم يحسم بعد لأن هناك من بين العسكريين من يريد أن يحكم، وأشار إلى أن هناك مشكلات تواجه التسوية السياسية الحالية من بينها وجود قوى خارج هذا الاتفاق مثل الشيوعيين والإسلاميين إلى جانب مشكلة الفصائل المسلحة.

في ختام الحوار قال بشارة إن حدثين كبيرين أدخلا الحركات الإسلامية السياسية في أزمة وهما فشل أو إفشال حكم الإخوان المسلمين في مصر ما أوصل البلاد إلى حكم عسكري دموي، إضافة إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وما تبعه من أحداث. وأكد أن عدم تصدر الحركات الإسلامية للحراك الشعبي في الجزائر والعراق ولبنان والسودان حمى هذا الحراك وأن هذا سيستمر لفترة إلى حين خروج تلك الحركات من أزمتها والتصالح مع نفسها ومع الديمقراطية.

*****

نفتح هنا ملفاً خاصاً نتناول فيه المقارنة بين موجتي الربيع العربي (أو نسختي الربيع العربي)، ومدى استفادة كل من الشارع والنظام من دروس الموجة الأولى، وانعكاسات ذلك على فرص الموجة الثانية. ألسنا مجددا أمام السؤال: ماذا بعد سقوط الأنظمة والنخب التي سيطرت على السلطة حتى الآن؟ هل بلورت تلك الموجة التي لا تزال بدون رأس سياسي ملامح العقد الاجتماعي الذي ستقوم عليه دولة المواطنة؟

توجهنا بهذه التساؤلات إلى عدد من المثقفين العرب؛ باحثين وكتاباً، شاركوا معنا مشكورين في طرح آرائهم تعميقاً لفهم الموضوع، وتعزيزاً للنقاش المستمر حوله.

[غداً الجمعة نبدأ بنشر الجزء الأول من هذه المشاركات]

ضفة ثالثة

(2)

أعلنا أمس فتح ملف خاص نتناول فيه المقارنة بين موجتي الربيع العربي (أو نسختي الربيع العربي)، ومدى استفادة كل من الشارع والنظام من دروس الموجة الأولى، وانعكاسات ذلك على فرص الموجة الثانية. وتساءلنا حول ما إذا كنا لا نزال أمام السؤال: ماذا بعد سقوط الأنظمة والنخب التي سيطرت على السلطة حتى الآن؟ وهل بلورت تلك الموجة التي لا تزال من دون رأس سياسية ملامح العقد الاجتماعي الذي ستقوم عليه دولة المواطنة؟

توجهنا بهذه التساؤلات إلى عدد من المثقفين العرب، باحثين وكتاباً، شاركوا معنا مشكورين في طرح آرائهم تعميقاً لفهم الموضوع، وتعزيزاً للنقاش المستمر حوله.

نبدأ في هذا الجزء الثاني بعرض تلك الآراء:

أنور جمعاوي (أكاديمي وباحث جامعي تونسي): الفعل الاحتجاجي العربي يستعيد عنفوانه

استعاد الفعل الاحتجاجي العربي عنفوانه عام 2019. واندفع الغاضبون من سياسات الأنظمة الحاكمة بكثافة نحو ميادين الاحتجاج، ونحو منابر الإعلام الحر وشبكات التواصل الاجتماعي، تعبيراً عن ضيقهم بالمشهد الحزبي السائد، وعن سخطهم على المنوال الحُكمي والتنموي القائم في بلدانهم. وبدا واضحاً وجود شوق شعبي عارم إلى التغيير، والتطوير، وتحقيق العدالة والدمقرطة. ومع أنّ هذه المطالب كانت حاضرة في الحراك الاحتجاجي العربي عام 2011، فإنّها بدت في الموجة الثورية العربية الثانية أكثر إلحاحاً، وأبعد مدى. وثار الناس لأسباب واقعية، ومارسوا الاحتجاج بذكاء، ونجاعة على نحو ساهم في التفاف الناس حولهم، وزاد من عزلة النظام الحاكم.

ثار النّاس في القاهرة، كما في الخرطوم، وفي بيروت، كما في بغداد ووهران، لأنّهم سئموا طبقة سياسية تقليدية، وملّوا أحزاباً كرتونية قديمة تكرّر شعاراتها وبرامجها، ولا تجدّد قادتها وهياكلها. بل تهادن النظام القائم، وتعد ولا تفي، وتتعامل مع الحكم باعتباره غنيمة. وكره المحتجّون أيضاً سطوة العسكر، وهيمنة الطائفة، واحتكار الفرد، أو الأسرة، أو الحزب، دواليب الحكم. فالموجة الثورية الجديدة صرخة احتجاج في وجه طبقة سياسية متهرّمة بالية، تفتقر إلى الابتكار والتطوير، وترفض التشبيب والقيام بإصلاحات جذرية. وهي طبقة لا تمارس النقد الذّاتي الموضوعي، بل تدّعي امتلاك الحقيقة. وتستأثر في الوقت نفسه بأسباب السلطة، والثروة، والحصانة، والفخامة. وليس عليها رقيب ولا حسيب. بل تجد سنداً من عصبية حزبيّة، أو طائفية، أو قبلية، أو عسكرية. ومن ثمّة فقد فقدت هذه الطبقة السياسية، الحاكمة، أو المعارضة، على التدريج، ثقة الناس بها، واستنفدت، أو تكاد، وعودها البرّاقة. وخبر المواطنون تقصيرها في تأمين الكرامة والرّفاه، وضمان الحرّيات العامّة والخاصّة، وتحقيق العدالة والحوكمة الرّشيدة والتنمية المستدامة.  لذلك تداعى المتظاهرون إلى الشوارع، وامتلكوا

الميادين ليشكّلوا قوّة ضغط على الطبقة السياسية الحاكمة، وخيّروها بين القبول بمشروع التغيير والتداول السلمي على السلطة، أو الرحيل. واللافت للنظر هنا أن الحراك الاحتجاجي العربي الجديد عام 2019 لم يُطالب بإصلاحات جزئية، أو حلول مرحلية، كما فعلت الانتفاضة السورية، أو الليبية، أو اليمنية، في بداياتها عام 2011، بل طالب منذ البداية بتغيير شامل وتبديل كلّي للمنظومة السياسية السائدة. جلّت ذلك شعارات من قبيل “الشعب يريد إسقاط النظام”، “فِلّوا عنّا… كِلّن يعني كلّن”، “يتنحّاو قاع”، أي “يرحلون الآن جميعاً”، وفي ذلك دليل على وجود رغبة شعبية جامحة، توّاقة إلى التغيير، وميّالة إلى التأسيس لمعالم دولة جديدة. دولة طالب المحتجّون بأن تكون “مدنية لا عسكريّة” وفي ذلك إخبار بأنّ المواطن العربي الجديد لا يثور لأجل أسباب معيشية فحسب، تتعلّق بتدهور مقدرته الشرائية ومعاناته الفقر والبطالة، بل يثور أيضاً لرغبة منه في تغيير هوية النظام السياسي للدولة، وبغاية الانتقال بها من دولة عسكرية إلى دولة مدنية. والتوق إلى تمدين الدولة يحمل طيّه توقاً إلى تحرير الفضاء العام من سطوة البوليس والعسكر، وشوقاً إلى تكريس الحرّيات والتمكين للدمقرطة في سياق عربي. والثابت أنّ المحتجّين عام 2019 استفادوا من مآلات الدرس الاحتجاجي في مصر عام 2011، فاطمئنان النخب المصرية إلى بقاء العسكر مديراً للمشهد السياسي أدّى تالياً إلى تقويض التجربة الديمقراطية جملة وتفصيلاً. لذلك يحرص المحتجّون الجدد على تمدين الدولة وتحييد العسكرـ والتخفّف من وطأة الحزب، أو الطائفة، قدر الإمكان، حماية لمشروعهم الاحتجاجي من مطبّات الاحتواء، أو المصادرة، أو الهيمنة، من هذا الطرف، أو ذاك.

ختاماً، يبدو أنّ مشروع الدولة الشمولية العربية بدأ ينحسر، وأحرى بالفاعلين السياسيين بدل الحنين إلى الحكم الأحادي، تعديل ساعاتهم على مستجدّات الزمن الاحتجاجي العربي الجديد.

خيري حمدان (شاعر وروائي ومترجم فلسطيني): موجة الربيع الثانية مقدّمة للخلاص

يحتاج التغيير الاجتماعي، وإنجاز عمليات الإصلاح الحقيقية، إلى عقود طويلة، فهذه العملية مرتبطة عضوياً بأنماط التفكير التقليدي الرافض للتغيير الجذري القادر على قلب الموازين السياسية والاقتصادية، بما في ذلك هدم أساليب توزيع المنتوج القومي الظالمة بصورة عامّة.

موجة الربيع الأولى، التي وسمها كثيرون بالخريف القاتم، لم تتمكّن من تحقيق كثيراً من الأهداف المتأمّلة، لكنّها تركت مذاقاً مرّاً لدى معظم المواطنين الذين يتوقون للتحرّر من نير الاستبداد، كما أبقت أسساً هامّة لرفع هرم الديمقراطية، وتوخّي الشفافية. الموجة الأولى حصدت مئات الآلاف من الأرواح، وتسبّبت في تشريد الملايين، وأدّت كذلك إلى العبث بالتوزيع الديمغرافي في بعض دول المشرق، لكنّها في الوقت ذاته خلّصت المواطن من الخوف الكامن في أعماقه، وحثّته على رفض الرقيب الذاتي ليطرق أبواب الحرية والديمقراطية، كما هي حال العوالم المتقدّمة.

ربّما يتوجّب على الرؤساء وأصحاب القرار إعادة قراءة “مقدّمة ابن خلدون”، الذي وضع أسس علم الاجتماع لفهم أصول وأهمية بناء وتطوّر المجتمعات، وقراءة “طبائع الاستبداد” لعبدالرحمن الكواكبي، لإدراك تبعات التسلّط والتحكّم بمقادير السلطة، وتجميعها بين أيدٍ محدّدة لفترات زمنية طويلة، دون التقيّد بمتن كتاب “الأمير” لنيكولا مكيافيلي، الذي وضع أسس المكيافيلية والفقه السياسي، ومبادئ البقاء للنخب الحاكمة.

شهدت المنطقة عاصفة تمرّد جديدة أطلق عليها موجة الربيع الثانية، وأسوة بالموجة الأولى، نرى المجتمع العراقي الذي خرج إلى الشوارع والميادين قد قدّم كثيراً من الضحايا، لكنّ هذا لم يمنعه من التعبير عن رفضه وسخطه لتفشّي الفساد، وتغليب الطائفية في التقسيم الإداري، وتوزيع مقدّرات الدولة العراقية التي تعدّ ضمن كبرى الدول المنتجة والمصدّرة للنفط، لكنّ كثيراً من طبقات المجتمع العراقي بقيت دون خطّ الفقر تعاني الفاقة وتخلّف البنى التحتية.

الأمر لا يختلف كثيراً في لبنان. قد يبدو الفارق بطرق تعبير رفض الفساد، وثراء رجال الدولة والمتنفّذين، الطرق التي أخذت طابعاً أوروبياً، خاصّة ما شهده إقليم أوروبا الشرقية مع بداية المرحلة الانتقالية، وما بعد ذلك.

تبدو الموجة الجديدة ذات طابع شعبي، وموجّهة بصورة مؤطّرة للمناداة بمحاكمة الفاسدين، وبإقصائهم عن المناصب الرفيعة، محاولة في الوقت ذاته تهميش البعد السياسي والحزبي عن الطابع العام للإضرابات المعلنة. الأهداف التي وضعتها حركات الاضراب، والتمرّد الشعبي، تنحصر كما هو واضح في تحسين المعيشة، والتوزيع العادل لمقدّرات الدولة، والخزينة العامة. الحراك المدني هو الغالب على طبيعة الموجة الجديدة، بعد أن سئمت فئات المجتمع المختلفة سبل التفرقة الطائفية، ونهج التخوين والتكفير والعنف المصطنع، والأفكار الوطنية التي تدعم سياسة الأمر الواقع للإبقاء على سيادة وأمن الدولة، لكن يصعب الحفاظ على أمن الدول وسيادتها دون تحقيق ما يصبو إليه المجتمع من حياة كريمة وفرض العدالة، في القضاء، وكافّة المجالات والمرافق الحيوية.

أعتقد أنّ المجتمعات العربية تعيش حالة مخاض قد تمتدّ لفترات زمنية طويلة نسبياً، ما يعني كذلك إمكانية اندلاع موجة ربيع ثالثة، ورابعة، يصعب قمعها ومواجهتها، لأنّ الموجات المستقبلية ستكون أكثر نضوجاً وقادرة على طرح مطالب واضحة وعادلة. الحراك المدني المسؤول قادر على فرض أجندة قوية للضغط على الحكومات للحدّ من الفساد، ونهب مقدّرات البلدان الخاضعة للأنظمة الاستبدادية، وهذا ما لاحظناه خلال الثورات التي أطلقتها شعوب إقليم البلقان التي خضعت هي كذلك لأنظمة شرسة ومستبّدة على مدى عقودٍ طويلة، لكن الجدير ذكره أنّها كجزء من القارة الأوروبية تمتّعت بتاريخ برلماني إبّان الحقب التي سبقت الاشتراكية، لذا تمكّنت من تجاوز هذه المرحلة دون سفك دماء، باستثناء بعض الدول، كرومانيا مثلاً.

إذا سألت المواطن العربي عن ممارسته لحقّه الانتخابي، فقد تفيد إجابته بأنه شارك في استفتاء لانتخاب الرئيس ثانية، أمّا الأنظمة الملكية فحق الانتخاب غير وارد فيها على الإطلاق، بل وحتى انتخابات السلطة المحليةـ كالبلديات، والمحافظات، تبقى خاضعة لاعتبارات عشائرية وطائفية، يتمّ خلالها شراء الذمم بصورة مكشوفة ومفضوحة.

لعلّ الموجة الثانية، خلافاً للأولى، تتمكّن من فراز أوضاع مواتية لرفع مستوى عمل وأداء المؤسسات المدنية، باعتبارها المقياس الحقيقيّ لنضوج المجتمع، والتعبير عن طموحاته.

بيار عقيقي (كاتب وصحافي لبناني): انتفاضات ضد الطائفية

بين 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010 ونوفمبر/ تشرين الثاني 2019، تسع سنوات تقريباً من “الربيع العربي”. في 17 ديسمبر 2010، لم يكن يدرك التونسي محمد البوعزيزي لدى إحراق نفسه، أنه سيتحول إلى أيقونة ومفتاح لكل الموجات الأولى للتظاهرات والاحتجاجات التي أسقطت أنظمة، بينما في نوفمبر الحالي، يدرك العراقيون واللبنانيون أنهم في سياق تفعيلهم زخم الموجة الثانية من هذا الربيع، إنما يمسّون أحد أخطر تركيبات الأنظمة في تاريخ الدول العربية.

المقارنة بين الموجتين وبلدانها تظهر أن الحراك في الموجة الأولى كان في البلاد ذات الطبيعة المائلة للأنظمة العسكرية، مثل تونس وليبيا ومصر، بينما استوعب المغرب والأردن التحولات، فيما غرقت سورية واليمن في حربيهما. أما الموجة الثانية، فعدا عن شمولها السودان، كبلدٍ ذي نظام عسكري ـ إسلامي يشبه الرئيس المتنحي عمر البشير، فإنها وصلت إلى الجزائر والعراق ولبنان. وإذا كان النظام العراقي الطوائفي المولود بعد الغزو الأميركي ـ البريطاني عام

2003، منسوخاً عن النظام اللبناني، واحتمالات سقوطه أكبر من احتمالات سقوطه في لبنان، خصوصاً أن عمره لم يبلغ عشرين عاماً في السياق الزمني، إلا أن سيل الاحتجاجات والتظاهرات التي عصفت به وبالنظام اللبناني، تشي بأمر كبير حصل.

في بغداد وبيروت، تبدو ما يُمكن تسميته بـ”الموجة الثانية” من الاحتجاجات العربية، أكثر وضوحاً عن الموجة الأولى. في البلدين رغبة عارمة بكسر القيود الطوائفية التي تحكم الحركة السياسية والبيروقراطية في البلاد، تحت اسم “حقوق الطوائف”، وهو ما يعوّق عملياً أي تقدمٍ اجتماعي أو تنموي، على اعتبار أن معظم المنخرطين في العمل تحت شعار “حماية الطوائف” هم من الفاسدين، كما تكشف الملفات العراقية واللبنانية. لكن الاختلافات بين الدولتين حاضرة أيضاً، فالعراق أسير الصراع الإيراني ـ الأميركي، وذو مخزون نفطي هائل. في المقابل، فإن الوجود الأميركي في لبنان رمزي، في مقابل وجود تيار مؤيد لإيران في النظام اللبناني، أكثر قوة من التيارات الأخرى.

هنا يكمن التحدّي، في الحالة العراقية سقط أكثر من 300 شخص ضحية التظاهرات والاحتجاجات، أما في لبنان فسقط 3 أشخاص (حتى لحظة كتابة هذه السطور). في العراق تبدو السلطة وكأنها تتجاهل إرادة الشعب، خصوصاً مع تمسكها بالحكومة، أما في لبنان، فصحيح أن الحكومة استقالت، لكن المطروح حالياً، أخرى مشابهة. يعني ذلك أن السلطات في البلدين، مدعومتين من جهات إقليمية أو دولية، ترفض تلبية مطالب المحتجين، بما ينبئ بتطورات أكثر حدّة مما يحصل حالياً. وهو ما لا “يراه” النظامان العراقي واللبناني. لكن هل يعني هذا نجاح، أو فشل هذه الموجة؟

بالطبع، إن مجرد حصول الانتفاضة على النظام هو مكسب للبنان والعراق، وإن تأخرت نتائجه، ذلك لأن الحقوق البديهية التي يطالب بها الناس ليست موضع مساومة، وإن كانت موضع نقاش حول كيفية تأمينها، لأن المساومة بما يمسّ البديهيات، هو نوع من أنواع إنكار وجود حالة إفساد واسعة النطاق. الأرقام لا تكذب. السرقات بلغت مليارات الدولارات في العراق ولبنان، في ظلّ غياب أي حالة محاسبة، أو سجن. جميع من في السلطة في بغداد وبيروت محمي من رجال دين في طائفته. العراقيون واللبنانيون يدركون ذلك، ويعلمون أن المسار طويل، ولا يمكن حصول كل شيء سريعاً. ستنجح هذه الموجة من الاحتجاجات، لكنها ستحتاج لوقتٍ، وهو ما يصبّ في خانة المنتفضين، لا في خانة السلطات، التي لم تقدّم حلولاً، ولم تبادر للحوار الحقيقي، ولم تسجن فاسداً واحداً، ولم تستعد أموالاً، بل قامت بما تجيده حقاً أي سلطة فاسدة: القمع.

محمد أحمد بنيس (شاعر وكاتب مغربي): الموجة الثانية وإعادة تعريف النظام السياسي

لا شك أن الحراك الشعبي في السودان والجزائر ولبنان والعراق يعيد إلى الواجهة قضايا كثيرة واكبت الموجة الأولى من الربيع العربي. فمرة أخرى تعود سردية المؤامرة إلى الخطاب الرسمي العربي الذي يربط هذا الحراك بجهات أو دوائر خارجية تستهدف هذه البلدان. ورغم اجتهاد الدولة العميقة والثورة المضادة في الترويج لهذه السردية، من خلال إعلام تابع وفاسد، إلا أنه يمكن القول إن الحراك الحالي وجه ضربة موجعة لهذه السردية، وكشف القوى التي تقف خلفها في الداخل والخارج.

في الموجة الأولى (2011)، طالب المحتجون بالحرية والديمقراطية والكرامة، وهي المطالب التي اختزلها الشعار الشهير ”الشعب يريد إسقاط النظام”، لكن هذا النظام اختزلته ثورات هذه الموجة في رأس النظام، وهو ما سمح للدولة العميقة بترتيب أوراقها جيداً من خلال التضحية برأس النظام، والانحناء للعاصفة، في انتظار استعادة المبادرة، وهو ما حصل فعلاً، سيما في الحالة المصرية، حين اعتقدت القوى الثورية والمدنية في ميدان التحرير أن نظام مبارك قد سقط بتنحيه. وقد أثبتت الوقائع اللاحقة خطأ هذا التقدير. أما في الموجة الحالية، فالمطالبة بإسقاط النظام تأخذ دلالات جديدة، من خلال إعادة تعريف هذا النظام الذي يشمل، إضافة إلى رئيس الدولة وعائلته وحاشيته، منظومة تصطف بداخلها نخب متعددة المشارب (قادة أحزاب، وزراء، برلمانيون، زعماء طوائف وميليشيات، رجال أعمال مقربون من السلطة…) استفادت من زواجِ سفاحِ بين السلطة والمال.

إعادة تعريف النظام السياسي الحاكم يعود إلى تَشكّل شعور عام في المنطقة مفاده أن النخب بمختلف مكوناتها الحزبية والحكومية والطائفية ليست إلا واجهة لإعادة إنتاج الريع السياسي. فهذه النخب تقف في صف الأنظمة حفاظاً على مصالحها، خاصة أنها تعاني نقصاً مهولاً في شرعيتها، بسبب غياب الديمقراطية في تدبير شؤونها. ولا مبالغة في القول، إن التحالف بين الأنظمة والنخب، والذي يتخذ أوجها متعددة حسب ظروف كل بلد، يمثل أحد العناوين البارزة لمعضلة الفساد في العالم العربي. ففي الجزائر مثلاً، تمثل الانتخابات الرئاسية بالنسبة للدولة العميقة (الجيش)، والأحزاب والشخصيات التي ستشارك فيها تجديداً، أو تعديلاً، لتحالف الطرفين في أفق الالتفاف على الحراك الجزائري.

كشفت الموجة الأولى انتهازية هذه النخب التي استغلت الاحتجاجات واستخلصت، بحكم خبرتها التنظيمية، جزءاً من العائد السياسي لهذه الاحتجاجات التي لم تكن شريكة في إطلاق شرارتها، وقفزت على تضحيات القوى الثورية والمدنية التي لم تكن تتوفر على قيادات قادرة على تحويل مطالبها إلى برنامج متكامل يمكن اعتماده في سياق قواعد جديدة للتدافع السياسي. وفي هذا الشق، لم تستفد الموجة الثانية (2019) من سابقتها، فعدا السودان الذي استطاع الحراكُ الشعبي فيه أن يفرز مخاطَباً في مواجهة تسلط المجلس العسكري، تبدو الاحتجاجات في الجزائر، ولبنان، والعراق، إلى غاية الآن، غير قادرة على إفراز قيادة سياسية تخترق جدار التعنت الذي تتحصن به الدولة العميقة.

من ناحية أخرى، تشكل مكافحة الفساد أبرز ما يميز الموجة الثانية من الربيع العربي. ففي الوقت الذي يتفشى فيه الفساد في مختلف مؤسسات الدولة العربية، تعاني فئات اجتماعية واسعة من انسداد الآفاق أمامها في ظل ارتفاع نسب البطالة والفقر وتردي الخدمات العامة.

كذلك ينبغي ألا نغفل أمراً في غاية الدلالة؛ فأن يتجاوز المحتجون، في لبنان والعراق تحديداً، سلطة الطائفية، والانخراط في حراك شعبي يسعى إلى الإطاحة بالفساد وتفكيكه، فذلك يدل على أن الفساد بات يشكل معضلة بنيوية لا يمكن السكوت عنها. صحيح أن مطلب مكافحة الفساد كان حاضراً في احتجاجات الموجة الأولى، لكنه لم يكن بالحدة نفسها التي نشهدها الآن.

شورش درويش (كاتب سوري): “الربيع العربي” بين موجتين

سعت دار ترجمة عربيّة إلى الحصول على الحق الأدبي لترجمة كتاب “قوّة المستضعفين” للرئيس التشيكي الراحل فاتسلاف هافل، ولمّا كان الوسيط في هذا الشأن صديق الرئيس والمترجم الخاص، بول ويلسون، فإن موافقة هافل جاءت بعد حوار مقتضب، إذ سأل الأخير، وهو على سرير المرض: هل العرب مستعدّون للديمقراطية؟ ليجيبه ويلسون: وهل كنتم أنتم مستعدّون لها عندما قمتم بثورتكم عام 1989؟.. “فهمت ما تعنيه” أجاب هافل.

على منوال سؤال الرئيس التشكي، وأحد أبرز قادة “الثورة المخملية”، طُرحت أسئلة مشابهة تحمل ذات المعنى منسوجة من ركود الواقع العربي المستنقِع نتيجة سنوات الاستبداد والشراكة المتينة بين كارتيلات الفساد والدولة الأمنية التي صاغت شكلاً للدولة العربية وُصفت بدقة بالغة بأنها دول “الأنظمة السلطانية المحدّثة”، أنظمة سلالية تُحكم القبضة على المجتمع، وتحول دون أي تقدّم ديمقراطي، ومن قلب الانقسام حول جدوى الثورات المفتوحة على  كل الاحتمالات، كان من حسن طالع الموجة الثورية الأولى انطلاقها من تونس التي وصفت بأنها الحلقة الأضعف في سلسلة الدول المستبدّة. هشاشة النظام التونسي تبدّت في الأدوار الحاسمة للجيش والأجهزة الأمنية، وفقدان نظام بن علي للمدد الشعبي الذي يمكّنه من إحالة الثورة العارمة إلى ثورة منقسمة ومشكوك في نسبها الشعبيّ، ذلك أن بنية المجتمع التونسي متجانسة بدرجة أكبر من مثيلاتها العربية، لجهة الدين والقومية والمذهب، الأمر الذي فوّت على النظام التونسي

فرصة استعارة الحكمة الكولونيالية “فرق تسد”. إلى ذلك، جسّدت تونس المعنى الفعلي لنظرية “أثر الفراشة” التي عرّفت بتطرّف وفق مقولة أن من شأن الهواء المنبعث من جناح فراشة في الصين إحداث إعصار في الولايات المتحدة، وإن كنّا في إزاء مبالغة دلالية هنا، فإننا شهدنا أثر جناح الفراشة التونسية في ليبيا، واليمن، وسورية، ومصر، وفي البحرين، الاستثناء الملكي الوحيد في سلسلة الثورات التي عصفت بأنظمة “جمهورية”.

تعثّر الربيع العربي في ليبيا ابتداءً، وفي بقية دول الموجة الأولى برمتها، حروب واحتكام للعنف والقمع العاري، فضلاً عن ظهور مريع للمؤسسات العسكرية والأمنية، وما استتبعه من بروز انقسامات طائفية وتدخّلٍ للجوار، كما في حالتي اليمن، وسورية، ومع تعمّل الوضع ازدادت حظوظ الحركات الإسلامية في بلدان الموجة الأولى التي تحيّنت الفرصة وفقاً لمنطق “إدارة التوحّش” القائم على إدارة الفوضى المتأتية من الفراغ، وانكفاء الدولة، وغياب البديل الوطني.

باستثناء تونس، أخرجت الموجة الأولى من تاريخ الثورات، ودخلت وفق ما لم ترغب إلى عالم العنف والحرب الأهلية، وانسداد أفق الانتقال الديمقراطي. في الأثناء، ركنت الأنظمة العربية التي لم تطلها الاحتجاجات الشعبية إلى راحة نسبية، حيث أنّ دوّامة العنف في بلدان الربيع العربي كانت كفيلة بوقف العدوى، بيد أن بدء الموجة الثانية قوّضت آمال الأنظمة الجمهورية المتبقّية، ففي الجزائر لم يكن في الحسبان أن يشهد بلد “العشرية السوداء” حركة احتجاجية سلميّة تحقّق هدفها المرحليّ في إطاحة الرئيس السقيم بوتفليقة، متحفّزة لاستكمال المسيرة، إلى ذلك نجح السودان في استيفاء شروط دخول نادي الثورات الناجحة بأكلاف أقل نسبياً مما طاولته يد العنف في بلدان الموجة الأولى. ولا يغيب عن مسرى موجة الربيع العربي الثانية إمكانية دخول لبنان والعراق إلى نفق الانسداد جرّاء الانقسامات الطائفية التي تطبع المجتمعَين، فضلاً عن حضور إيران في قلب المشهد في البلدين. وبقليل من استذكار المثال السوري، يمكن استشراف ما يمكن لإيران أن تحدثه في مناطق نفوذها العربية هذه. لكن أيّاً يكن من أمر، فقد طوّر المحتجّون في هذين البلدين ترسانة أسلحتهم السلمية عبر القفز على الطائفية والخروج من حفلة التكاذب المديدة التي تغنّت بالعيش المشترك، أو التجاور الأهلي، إلى فضاء المواطنة، وإن كان تجاوز الطائفية هو الشرط اللازم وغير الكافي، فإن مسألة إفراز قيادات تمثّل الحركة الاحتجاجية بات لزوم ما يلزم، كي لا تترك الثورات نُهباً للسياسات السلطوية، وروّاد الحروب الأهلية.

من المتعذّر التنبؤ بمآلات الموجة الثانية التي تبدّت أنضج من سالفتها، وفقاً لقراءات شعبية لكرّاسة الأخطاء التي انتابت الموجة الأولى، كالانزياح نحو العسكرة، ونموّ العصبيات الطائفية والإثنية والجهويّة، والاستقواء بالخارج، لكن المحتّم أن الموجة الثانية تبشّر بموجات ثالثة ورابعة، وفي هذا سلوى للقوى الديمقراطية، وللثورات الموءودة.