سياسة

عن اللجنة الدستورية السورية -مقالات مختارة-

صورة المعارض النذل/ عمر قدور

تتزاحم على وسائل التواصل الاجتماعي الصور المشرقة الآتية من انتفاضتي لبنان والعراق، لا تجد بينها مكاناً لصور ذات دلالة مختلفة لمتظاهري بلدة سورية تابعة لإدلب هي كفرتخاريم، حيث خرج الأهالي ضد سطوة وسيطرة هيئة تحرير الشام بزعامة الجولاني. لا أحد يرد الأذى عن أولئك الأهالي أمام وعيد الجولاني بمعاقبتهم، فالفصائل التي أنشئت يوماً بزعم حماية السوريين تحولت إلى مرتزقة، بعضها متفرغ لممارسة ما يمارسه الجولاني أو أشد، إما في عفرين أو في مناطق السيطرة الجديدة بين رأس العين وتل أبيض.

في هذه الأثناء تنعقد اجتماعات اللجنة الدستورية من دون منغصات حقيقية، فوفد الأسد مرتاح لهذه الفرصة في جنيف ليمارس بلطجته خارج الحدود، ووفد المعارضة يدأب على لعب دور التلميذ المهذب الذي لا يخرجه عن أطواره تنمّر بلطجي الصف. على متابعي الاجتماعات الاقتناع بأن الناظر الدولي يرى كل ذلك، وهو الذي سيقرر في اللحظة الحاسمة إنصاف ذاك المهذب ووضع حد نهائي للمتنمر، وليس بقليل في هذا السياق الإتيان باثنين من ضباط المخابرات في عداد وفد الأسد، وبدل من ممارستهما التعذيب في المعتقلات ها هما يكتفيان بقليل من العنف اللفظي!

لا نعرف ما إذا كان أحد من المعارضين في اللجنة الدستورية، أو سواها من مدّعي تمثيل المعارضة السورية، قد تابع مظاهرات الأهالي في كفرتخاريم، أو يتابع انتفاضتي لبنان والعراق. نفترض وجود هذا المعارض، ولا مؤشر لدينا على إحساسه بقليل من الحرج وهو يرى انتفاضة الناس هنا وهناك من أجل كرامتهم وكرامة أوطانهم، بينما يعمل هو كمعارض بالمعنى التقني للكلمة؛ يذهب إلى الاجتماعات، ويستمع إلى توجيهات من هم أعلى شأناً منه ويدفعون له رواتبه، ثم ينصرف إلى أداء وظيفته الروتينية.

خارج عمله الروتيني، لا يُستبعد أن يكون المعارض قد تابع “مشكلة” كفرتخاريم، ونظر إليها كشأن تركي، وأنقرة هي التي تقرر خاتمتها ما دامت هذه منطقة نفوذها، وهي الأدرى بتفاهماتها مع موسكو. ربما يكون مسروراً بانتفاضتي العراق ولبنان، ويبرهن لنفسه عن حس سياسي واسع إذ ينتظر من الانتفاضتين انتصاراً على النفوذ الإيراني، ثم يعود إلى واقعيته السياسية، فيقرر أن ضعف النظام الإيراني بسببهما سيجعل منه أقل تشدداً في مفاوضات الملف السوري، وهكذا تصب الانتفاضتان في خدمة وفده في اللجنة الدستورية.

لا يرى موظف المعارضة في الانتفاضتين تلك الإرادة الشعبية التي ينبغي أن تذكّره بإرادة السوريين وثورتهم، الثورة التي يدّعي تمثيلها لأن جهة ما، إقليمية أو دولية، وضعته في مكانه. هو منذ سنوات اعتاد على أولئك السوريين الذين يتنكرون له ولوظيفته، ولا يراهم إلا كرهط من الثرثارين على وسائل التواصل الاجتماعي. أما تذمّرهم منه فيمكن ردّه إلى دوافع عديدة، فمنهم من ينافسه على وظيفته، ومنه من لا يفهم تلك الوظيفة أصلاً لعدم فهمه مقتضيات السياسة. ثم، لا ضير في أن يكون قد تعرض لسنوات إلى الشتائم، لأن من طبيعة عمل السياسي أن يُشتم، ومن طبيعته الشخصية ألا تؤثر به الشتائم ولا تثنيه عن مسيرته.

إنه في أحسن أحواله، ومن باب المسايرة ليس إلا، سيبادرنا بسؤاله الإعجازي: ما البديل؟ وفق السؤال، يجب علينا تقدير الظروف الصعبة الاستثنائية المحيطة بعمله، فهو طوال الوقت يتعرض لضغوط دولية وإقليمية لا يمكن له أو لأحد غيره مقاومتها، بل ستؤدي أية مقاومة إلى التفريط بحقوق السوريين. السياسة هي فن الممكن، وهو يفعل ذلك الممكن بجدارة، ومهما تدنى المتاح منه. ينبغي علينا تذكّر أن الثورة تعرضت لأكبر تخاذل دولي في التاريخ، ولا يجوز رغم ذلك أن تخرج خالية الوفاض من دون تحقيق إنجاز ما، ومن خذلوها هم أنفسهم لا يستطيعون الخروج بلا إنجاز يستر مواقفهم، لذا لا بد من مجاراتهم وعدم التفريط بأي مكسب.

خلاصة ما يقوله المعارض، من دون إعلانه صراحة، أن البديل عنه هو نفسه، بكل ما فعله خلال سنوات، لأن بديلاً عنه لن يتاح له فعل شيء آخر. لا يُستغرب أن يكون هو نفسه قد استنكر من قبل سؤال الغربيين المفضّل عن البديل في سوريا، وأجاب عنه مثل كثر بأن البديل يقرره السوريون في جو من الحرية والديموقراطية. ربما كان أيضاً قد تحدث عن الأسدية التي منعت السياسة، ومنعت تالياً تبلور بديل ناضج، ذلك من دون أن يراوده أي شك حول أن وجوده، هو وهياكل معارضته، قد أعاقا في ما بعد ظهور البديل الذي يتساءل عنه.

ما يتجاهله موظف المعارضة أن البديل ليس أشخاصاً يأتون ليؤدوا وظيفته نفسها، البديل هو نهج وسياسات وهياكل مختلفة. ثم، إذا كان أفق السياسة مسدوداً حقاً أو محدداً بسقف دولي، ليست السياسة مقدسة أو إلزامية، والسياسي المخلص للواقع هو من يعلن ذلك بصراحة وينسحب تاركاً لأصحاب القضية تقرير الخطوة التالية، بخلاف ما يفعله السياسي المخلص لوظيفته أو لمشغّليه. ثم، أليست الثورة هي التعبير المعتاد عن انسداد الأفق السياسي؟

الواقع أن وجود هؤلاء المعارضين، وقد ارتضوا لنفسهم ذلك، هو تجريد الثورة من شرف الهزيمة بعد منعها من شرف الانتصار. ولو كان هناك إحساس حقيقي بالكرامة فإن إعلان الهزيمة أشرف ما يمكن فعله، ولم يكن معيباً في أي وقت، ولأي شعب، أن تفشل ثورته في مواجهة قوى وظروف تتفوق على مقدراته. لا توجد ثورة على مبدأ المرة الواحدة، وكأن التاريخ ينتهي بعدها. انتفاضتا العراق ولبنان فيهما الدرس الذي ينبغي التقاطه، ولو كان لدى المعارضين السوريين كرامة لكانتا حافزاً لهم للاستقالة بأشخاصهم وهياكلهم. إن أقل انتباه للمزاج السوري الحالي سيلتقط منه أيضاً صرخة “كلن يعني كلن”، وهي لا تستثني المعارضة بل تضعها في موقع متقدم جداً من القائمة، ومن المرجح أن تلك الصرخة عندما ستنطلق لن تستثني حتى بعض قائليها اليوم.

المدن

——————————–

اللجنة الدستورية..”الطبل في دوما والعرس في حرستا/ راتب شعبو

سيكون من باب تعليل النفس بالوهم الاعتقاد بأن نظام الأسد الذي بات يتقدم عسكرياً، وتفتح له، على يد حليفه الروسي، أبواب تطبيع مع تركيا “حليفة الثورة”، سوف يتنازل عن شيء من “طبيعته” كي ينسجم مع دستور جديد أو معدل تنتجه اللجنة الدستورية. ولا يقل وهماً الافتراض أن المجتمع الدولي سوف يفرض على نظام الأسد الالتزام بدستور يهدد احتكاره التام للسلطة، في الوقت الذي لم يتدخل هذا المجتمع لإجبار النظام على شيء، سواء في مستوى منع الجرائم المتواصلة التي يرتكبها، أم في مستوى الإفراج عن عشرات آلاف المعتقلين لديه، أو حتى في مستوى صيانة حياة هؤلاء المعتقلين.

يمكن أن يكون الدستور تأسيسياً فقط حين يكون المجتمع في حالة من توازن القوى تؤمن بيئة سليمة وتسمح للجنة تأسيسية بأن تصوغ دستوراً يحدد العلاقات داخل الدولة وبين الدولة والمجتمع من منظور وطني عام. والحال ليس كذلك في سوريا.

سوى النظام السوري، هناك قوتان فعليتان على الأرض، هما قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والفصائل الإسلامية، وقد استبعدت هاتان القوتان من اللجنة الدستورية، ما يعني أنهما غير معنيتان بالدستور المنتظر. وعليه فإن أمر هذه القوى متروك لمصالحات ممكنة، أو لحسم عسكري، كلما تحقق أكثر لصالح النظام -وهو الميل الواضح- خسرت اللجنة أكثر من الأرضية التي تقف عليها، لأن الحسم العسكري أو التوافقي سيعزز من مكانة النظام ويجعل من اللجنة ومن عملها شيئاً نافلاً. على هذا تبقى اللجنة الدستورية بعيدة عن كونها حلاً ممكناً للمعضلة السورية.

إلى ذلك، نحن اليوم أمام قوة سياسية وعسكرية نسميها “نظام الأسد”، لا ترى، داخلياً، إلا ذاتها وتسخر كل الطاقات الممكنة كي تستمر على عهدها، وكي تسحق أي آخر داخلي، بوصمه أولاً بالخيانة والعمالة والإرهاب، تمهيداً لقتله ثانياً. وفي مقابل هذا، نحن أمام مسعى أممي هش ومختزل يتمثل في “اللجنة الدستورية” التي تناط بها مهمة وضع دستور على أمل أن يكون دستوراً ديمقراطياً وأن يقبل النظام به.

لن نكرر القول بأن المشكلة ليست في الدستور المكتوب على ورق، بل في قوة فرض الدستور وتطبيقه. ولكن لو افترضنا جدلاً (وهذا لا يمكن تحقيقه إلا في الخيال) أن ممثلي المعارضة والمجتمع المدني كانوا على قلب رجل واحد، وكانوا في أفضل حال ممكن من النزاهة الثورية والمهارة التفاوضية والمعرفة الدستورية والقانونية، وأنهم استطاعوا أن يكسبوا ممثلي النظام إلى صفهم وأن يحصلوا على نسبة 75 في المئة من أعضاء اللجنة، واستطاعوا بالتالي أن ينتجوا دستوراً حديثاً وعادلاً وعقلانياً وديمقراطياً ومناسباً و..الخ، فمن سيلزم النظام بقبوله؟ ولا سيما أن النظام لا يعتبر أصلاً أن “وفد النظام” يمثله، بل هو محض وفد “يتبنى وجهة نظر الدولة”، أي إن النظام لا يلزم نفسه أصلاً (بعد كل العقبات الموجودة سلفاً في سبيل التوصل إلى توافق) بقبول ما يمكن أن ينتج من اللجنة الدستورية.

في مقابلة بشار الأسد مع إعلام نظامه، المقابلة التي تزامنت مع بدء أعمال اللجنة الدستورية في جنيف، قال إن الدولة لن تقبل أي بند في الدستور لا يتوافق مع “مصلحة الوطن”، ومعروف ماذا تعني مصلحة الوطن في لغة الأسد وقاموسه. بعد كل التراجعات، وبعد شطب كل البنود التي يمكن أن تفك قبضة الأسد عن البلاد، وبعد الوصول إلى تصوير الحل على أنه يكمن في الدستور، لا يريد رأس النظام أن يترك لمعارضيه مجالاً للتعلل ولو بأمل زائف. لا الوفد يمثل النظام، ولا النظام سيقبل بما لا يرضيه، ولتمض اللجنة الدستورية بعملها بعد ذلك كما تشا.!

هناك من يقول إن مشاركة النظام في اللجنة الدستورية هي اعتراف منه  بالمعارضة، وأن في هذا مكسب لهذه الأخيرة. يغفل هذا القول عن أن المعارضة هي الأخرى تعترف هكذا بالنظام الذي كانت ترفضه طوال السنوات الماضية وتريد إسقاطه “بكل أركانه ورموزه”. لا يعني هذا أن الأفضل هو ألّا يعترف أحدهما بالآخر، المهم من وجهة نظرنا هو الجدوى والمحصلة. الحقيقة أن النظام لم يعترف بالمعارضة مع ذلك، لا في جنيف ولا خارج جنيف، أي جهة سورية مقابلة للنظام هي في نظره محض “طرف آخر”، وهذا الطرف ليس في نظر النظام سوى مجموعة من الخونة والعملاء، كما يقول رأس النظام من دون حرج.

قد يكون تفكيك النظام عن طريق الاعتراف المتبادل الذي يمكن من فتح ثغرات تدخل منها قوى ضغط مجتمعية وتمارس فعلاً مؤثراً في إدارة شؤون البلاد، أفضل من إسقاط نظام بالضربة القاضية. فالحالة الأخيرة تفتح مجالاً لبروز نظام جديد متحرر من الفاعلية المقيدة والتوازنية التي كان يمكن أن تمارسها القوى المهزومة. لكننا في جنيف لسنا أمام اعتراف متبادل، كما يمكن أن يخال المرء. الاعتراف السياسي المتبادل يتأتى من الفرض المتبادل. وإذا كان النظام قد تمكن من فرض نفسه في جنيف اليوم، بما يملك من قوة على الأرض ومن حلفاء يساندونه، فبأي قوة تفرض المعارضة نفسها على النظام؟

القوة العسكرية التي تمثلها الفصائل الإسلامية الموجودة في مناطق سيطرتها في سوريا، ليست سنداً للمعارضة السورية الموجودة في جنيف. وأغلب الشارع السوري لا يرى في هذه المعارضة تمثيلاً له. الميل الواضح حتى لدى الشارع المعارض يرفض اللجنة الدستورية. من أين تأتي قوة وفد المعارضة إذن؟ ومن أين يأتي الوزن الذي يجعل للمعارضة وفداً “دستورياً” يعادل وفد النظام من حيث العدد، ويعطي المعارضة رئاسة دورية لاجتماعات اللجنة؟

الحقيقة أن الوزن يأتي من المجتمع الدولي الذي بات يبحث عن مخرج من المسألة السورية بعد أن اختار لها المنحدر نفسه الذي اختاره للمسألة الفلسطينية. وإذا كانت هذه الأخيرة صعبة الحل لأنها قضية احتلال وقضية شعبين مختلفين وحقوق صريحة يصعب على خزائن الأمم المتحدة إخفاؤها، فإن المجتمع الدولي يرى أن المسألة السورية يمكن توضيبها في سياقات “دستورية” شكلية، بعد أن جرى ويجري توضيبها في سياقات دموية فعلية.

القوة المؤثرة الوحيدة التي يمتلكها وفد المعارضة في جنيف، هي قوة خارجية مستمدة من ثقل المجتمع الدولي الذي يريد حفظ ماء وجهه بفتح مسار “دستوري” طويل أو لا نهائي، يوازي المسار العسكري الذي ينجز خطوات على الأرض، وسوف يصل إلى نقطة تجعل المسار الدستوري نافلاً، فيقدم عندها وفد النظام على فرض ما يريد بالكامل، أو على الانسحاب، لذريعة أو أخرى، من كامل العملية.

مع ذلك، كان يمكن لثقل المجتمع الدولي أن يكون فاعلاً في خلخلة احتكارية السلطة في نظام الأسد، لو أن المجتمع الدولي أراد ذلك حقاً. ولكن المجتمع الدولي يصدر مقررات ويضمنها ثم يتراجع أو يصمت عنها، ويدفع السوريين إلى قبول ما لا يلبي تطلعهم ولا يستطيعون رفضه، في تكرار مشابه للمسار الفلسطيني.

هذا كله لا يعني في نظرنا أن نظام الأسد يمتلك أسباب النصر، بل يعني أن بداية تفكك نظام الأسد أو انهياره لن يكون على يد هذا المسار أو هذه اللجنة الدستورية التي تشكل، على العكس، نافذة أمان للنظام من حيث أنها تنقله في نظر العالم من موقع المجرم الذي تجب محاسبته، إلى موقع الشريك في الحل، وهذا يعني الضرب صفحاً عما ارتكبه من قبل.

بروكار برس

—————————-

ملائكة وشياطين سوريا الخاوية../ علي سفر

تحكي رواية (المعلم ومرغريتا) للروائي الروسي ميخائيل بولغاكوف عن زيارة الشيطان لمدينة موسكو في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث يقودنا الكاتب في سياق مرور الزائر الغريب على مضيفيه، إلى تخيل واقع قاتم يعيشه الروس الذين تحكمهم بيروقراطية الحزب الشيوعي السوفييتي، فعندما يصبح الولاء للحزب ولشعاراته الدوغمائية وقادته الجلفاء، تنتعش بيئة الشيطان وتزدهر أعماله، وتصبح أهدافه سهلة ومتاحة.

فهنا سترى الجماهير التي حرمت من حريتها، كيف أن الشيطان المتمكن والقادر على إغواء المسؤولين ضعاف النفوس، يزيد عليها المشاق حين يُفسد الجميع، ولكنه يسهل بعض التفاصيل من جهة أخرى في حياتها المُدَمرة، حيث تصبح الطبقة الحاكمة مفضوحة أمام العيون، بدلاً من أن يبقى أركانها مستترين بالشعارات يزاودون بها على عامة الناس!

ولنا أن نتخيل في أمكنة أخرى من العالم، حيث تجري وقائع مشابهة في مجتمعات محكومة بالقمع، أن الجمهور المرغم على تنفيذ إرادات من يحكمه يتوقع أن يكون الزائر من طبيعة مقابلة للشيطان، أو مواجهة له في حال أردنا أن نرى الأمور من جهة الأفعال وليس البنى والتكوين، ومن لدينا في مخزوننا الديني والفكري يمكن له أن يواجه إبليس سوى الملائكة؟!

المؤسف في أمنيات السوريين وكذلك المشرقيين عموماً من المؤمنين بالديانات السماوية الثلاث أن كل الملائكة الذين ورد ذكرهم في الكتب المقدسة كانت لديهم وظيفة محددة لا يستطيعون أن يعملوا في غيرها! بينما يمكن للشيطان أن يكون متعدد الوظائف والأفعال، ولهذا تراه يدخل ويخرج ويفعل ما يريد، فلا يجد الإنسان من يعينه في مواجهته سوى أن يتحلى بالإيمان وأن يخوض التجربة!

هكذا عاش السوريون وكذلك شعوب الشرق الثائرة في مواجهة الشيطان الذي يمكن لنا وبكثير من الدراية بأساليب الأنظمة في إفساد البشر، أن نرى تجليه -أدبياً على الأقل- في صورة القادة الديكتاتوريين الذين حكموا المنطقة طيلة عشرات السنين، فصارت الناس تتمنى لو تحكمها “القرود السود” بدلاً من هؤلاء الذين زادوا في تخلف البلاد وأمعنوا في سرقة مواردها والارتهان إلى أعدائها. وحين قامت الثورات الأولى

في الربيع العربي، وإزاء الماضي المعتم، صارت أمنيات الجماهير الثائرة عالية السقف، وهذا حقها طبعاً، ولكنها صعّبت على نفسها الطريق حين أرادت أن يكون حكامها الجدد، من نسل الملائكة، لعلهم يواجهون الشيطان المتغلغل في حياتها!

ولكن أين سنعثر على قادة من صلب الملائكة؟ وكيف يمكننا أن نبحث عنهم ونحن نعرف أن الملائكة لا يتزاوجون؟!

ألا نقدم حين نمضي في هذا الطريق مساعدة مجانية ملهمة لشيطان الثورات المضادة المتربص بنا وبحيواتنا، ليقول أنه لابديل عنه!؟

يمكن لنا فعلياً إسقاط ثنائية الملائكة والشياطين على حياتنا اليومية ونحن نواجه إرث الديكتاتوريات الهمجية التي حكمت بلادنا، ولكننا نرتفع عن الأرض، ونعلو كثيراً في أمنياتنا، ولا بد أن يكون اصطدامنا بأرض الواقع قاسياً ومدمراً، حين نكتشف حاجة تجربتنا للكثير من الوعي والنقد لكي تنضج وتصبح لائقة بالتضحيات التي قدمها الثائرون على الأنظمة في سبيل الحرية والعدالة والكرامة! رغم أن المعادلة المنطقية تقول بأن الحياة المدنية المعاصرة لا تحتاج ملائكة ولا يجب أن تحتاج شياطيناً، بل تحتاج قانوناً مدنياً حضارياً تستوي تحته كل قوى المجتمع، وأن الأهم هو قدرتنا على محاسبة الحاكم أياً كانت طبيعته.

تكررت مواجهاتنا مع الواقع بين شياطينه وملائكته في التجارب التي عاشتها الثورة السورية، فكل هيئة أو تنظيم أو تجمع نشأ في إطار الحراك السوري اليومي، كان ينقسم وفقاً لحاجات السوريين “الرعناء” إلى هذه الثنائية، ولعل مراجعة النهج الأخلاقي الذي فرز الأسماء التي ظهرت طيلة الفترة السابقة توضح كيف أن الافتراض القائم يبدأ أولاً بكون الجميع عرضة للإفساد، فهم كلهم متخلخلون أخلاقياً! وهم في النتيجة عملاء لرغباتهم الرخيصة! وتكسبهم على حساب دماء الشهداء! إنهم سياسيون سفلة لا يمتلكون أي ملاءة تجعلهم على مستوى الثورة الطاهرة! إنهم ببساطة شياطين!

المنطق يقول إننا نحتاج لمحاكمة وتقييم عدة تجارب: مثل المجلس الوطني، والائتلاف، مروراً بلجان التنسيق المحلية، واتحاد التنسيقيات، وغيرها، ولكن الواقع الذي تم فرضه على السوريين ولاسيما على مواقع التواصل الاجتماعي هو أننا غرقنا في محاكمة الأفراد، وأنشأنا محاكمنا الثورية دون إفساح المجال لأي متهم أن يعرف تهمته فعلياً وأن يقوم بالدفاع عن نفسه، فبتنا عرضة للاستنزاف ليس على المستوى الفردي الذي يفقدنا الثقة بالأشخاص، بل على المستوى العام الذي جعل الثورة التي يمثلها الثوريون ثورة مفسدة! لا تملك معيارية أخلاقية! وبدلاً من أن يتم تكريس وجوهها المميزة التي طالما كانت تحتوي طاقات كبيرة على المستوى العلمي والثقافي والحقوقي والفكري، صارت ثورة أبو صقار وأبو عمشة وغيرهما من الأسماء!

تدمير النموذج الإنساني، القابل للمساءلة وللمحاكمة وإصلاح المسار وطرده من الفعالية الثورية المستمرة طيلة ما يقارب عقداً من السنين، وإحلال الأنموذج الشيطاني بدلاً عنه، والسعي الدائم إلى إحلال نموذج آخر إفتراضي لسياسيين وقادة طاهرين معقمين من الأخطاء ينتمون لنسل الملائكة!

كل هذا كان يكرس ومن حيث يدري أصحاب هذا النهج أو لا يدرون خطة النظام الجهنمية التي تقوم على تدمير الحراك المضاد له من مقوماته من داخله، وبدلاً من أن يجهد نفسه في مواجهة القوام الأخلاقي الأصيل للثورة عبر تصفية وجوهها المعروفة والبارزة، ترك الأمر لجمهور الثورة ذاته، بعد أن زرع بينهم عشرات آلاف الحسابات المزيفة على شبكات التواصل الاجتماعي، كانت تختلق بدورها تاريخاً مشيناً لكل شخص مستهدف، يجعله عرضة للنهش ولوك الألسنة، وصولاً إلى إعدامه معنوياً..!

تتكرر ذات الآلية هذه الأيام مع انعقاد جلسات اللجنة الدستورية، التي قيل في تكوينها وسيرورة بنائها، والدور الدولي والإقليمي في مرجعياتها، الكثير من النقد، بعضه كان محقاً في رؤيته، وبعضه الآخر كان متهافتاً يعيد سيرة البحث عن الملائكة في أسماء ثلث المعارضة أو ثلث المجتمع المدني، فلا يجد بينهم من يستحق أن يمنحه وسام الأهلية الثورية، فهؤلاء الذين ارتضوا أن يشاركوا في مسار اللجنة الدستورية وبحسب جمهور كبير على السوشال ميديا، ووفقاً لوجهات نظر عدد كبير من النخب ليسوا سوى أقزام، وهم بالمعنى الأخلاقي شياطين ملوثون بالخيانة!

يلتقي هؤلاء مع رؤية النظام التي تشكك بكل المسار الدولي للحل في سوريا، والتي ترفض

فكرة اللجنة الدستورية وتصر على أن المشكلة هي مؤامرة لإرهابيين مدعومين من الخارج، وليست مشكلة دستور، فالنظام لديه دستور 2012، وقد عبر بشار الأسد عن هذه الرؤية قبل أيام في لقائه مع الفضائية والقناة الإخبارية، حيث قام بتقزيم الثلث المحسوب عليه بحسب الآلية المقررة من الأمم المتحدة ليصبح مجرد وفد مدعوم من النظام ولا يمثله!

ربما يحتاج كثير من السوريين لأن يراجعوا سياق بحثهم عن الملائكة، ففي معركتهم مع شيطان النظام، حولوا كل من حولهم إلى شياطين، وصار مشهد جبهتهم خاوياً يشبه مشهد جبهة النظام وداعميه، الذين يتبجحون في المحافل الدولية قائلين: الجميع هنا مجرمون، وشياطين، ولا ضرورة لأن تستنفروا لإيقاف المذبحة!

تلفزيون سوريا

——————-

——————————————-

اللجنة الدستورية.. مأزق النظام في مواجهة راعيه/ مصلح مصلح

إذا كان لاجتماعات اللجنة الدستورية، بشقيها الموسعة أو المصغرة، أن تشكف لنا طبيعة الموقف النفسي المحرج الذي وجد النظام السوري نفسه فيه، جراء إجباره من قبل رعاته الروس على الجلوس وجهًا لوجه مع خصوم سياسين لا يزال حتى اللحظة يرفض الاعتراف بوجودهم الإنساني، ولا يراهم إلا خونةً آبقين، كما يرفض الاعتراف بوجودهم السياسي إلا كوكلاء لعميل أجنبي (تركيا)، فإن نتائج الجولة الأولى من اجتماعات اللجنة المصغرة تكشف لنا الاستراتيجة التي سيلجأ إليها لإبطال أي مفاعيل عملية قد تصيب نظامه السياسي في مقتل.

الإنكار والمماطلة هما استراتجيَّتا النظام للخروج من مأزق اللجنة الدستورية التي وجد نفسه فيها، فمن خلال الإنكار، إنكاره لوجود خصوم سياسين ذوي أجندات وطنية، يطمح لإقناع الجميع بعدم وجود طرف سياسي يصلح لمحاورته، ومن ثم يوفر الذريعة المناسبة لانسحابه من عضوية اللجنة الدستورية في أول فرصة سانحة، كما يطمح لأن يقوم خصومه السياسين ذاتهم بإنكار أنفسهم من خلال إقرارهم الطوعي بأنهم جزء من حملة الإرهاب الكونية، التي تعرضت له دولته الوطنية على مدار الثماني سنوات الماضية، الأمر الذي يسحب منهم كل شرعية سياسية كأطراف في خصومة سياسية مع نظام مستبد يسيء إدارة الشؤون العامة لشعبه لصالحه الشخصي.

المماطلة في عرف النظام واحدة من الاستراتيجيات الفعالة لتحصين نفسه ضد جميع الضغوط السياسية، التي يمكن أن تفرض عليه سواء من قبل الحلفاء أو الخصوم، ذلك أنها تراهن على إرهاق الخصم أو سحق عزيمته عبر الزمن، أو تراهن على تبني الحليف وجهة نظره الخاصة أو ميله لها. في طريقته لتحقيق المماطلة يعمل النظام على استغلال الشروط الإجرائية الوردة في مدونة السلوك التفاوضي، والقاضية بمنع أي طرف من أطراف اللجنة الدستورية (المعارضة، النظام،المجتمع المدني) من مناقشة أي بند خارج جدول الأعمال ما لم يحصل على موافقة جميع الأطراف على إقراره، الأمر الذي يجعل من مطلب المعارضة بمناقشة القضايا الخاصة بإعداد دستور جديد أمرًا مستحيلًا، كونه يتعارض مع رغبة النظام بمناقشة أي شيء يتعلق بعمل اللجنة الدستورية، لشعوره العميق بأن أي نقاش جدي حول الدستور سيجره إلى الاشتباك حول مواد دستور ديمقراطي لا يتوافق مع رغبة بشار الأسد بالسيطرة المطلقة على كل شيء.

كان يمكن لجملة الأساليب المتحذلقة التي يتبعها النظام لنسف عمل اللجنة الدستورية من الداخل، سواء عبر الصيغة التمثيلية الملتبسة لوفده المفاوض، أو تعطيل انطلاق عمل اللجنة عبر التحكم بجدول أعمالها، أن تؤتي ثمارها لو كان وحده من يتمتع بلعب دور اللاعب الأقوى والمهيمن في معادلة إخراج اللجنة الدستورية للنور وتقرير مآلاتها. إلا أن واقع الحال لوضعيته الدونية كتابع لراعيه الروسي يجعله لا يدرك أنه لا يتذاكى على المعارضة السورية المهيضة الجناح، بقدر ما يذهب للتذاكي على راعيه الروسي نفسه الذي لولاه لما كانت هناك لجنة دستورية ولا انطلاق لإعمالها تحت مظلة الأمم المتحدة، الذي اضطره لأن يرد له الصاع صاعين على نحو علني وفاضح. تارة عبر وكالة تاس الحكومية التي اتهمت نظام الأسد بعرقلته المتعمدة لأعمال اللجنة الدستورية، كي يمنع إجراء انتخابات حرة بإشراف أممي، وتارة أخرى عبر قناة “روسيا اليوم” التي ذهبت في التعريض به وبشرعيته المفتعلة حدًّا جعلها تمضي في إيراد مقال لأحد محرري جريدة “زافترا” الروسية جاء فيه: “أن النظام لا يحظى على تأييد  سوى 20 % من مجمل السكان، وفيما يبدو الـ 30 % غير مبالين سوى بتحصيل قوتهم اليومي، فإن نسبة الـ50 % يطالبون بتغيير جذري في منظومة الحكم الحالية”.

لقد أثبت الأسد في استراتيجيته التفاوضية القائمة على الإنكار والمماطلة أنه لا يتحدى رغبة المعارضة بالتوصل لدستور ديمقراطي يطيح بأركان حكمه الاستبداي، بل رغبة راعيه الروسي في الظهور بمظهر رجل السلام الذي ما أن يضع يديه في قضية حتى يجد لها حلًّا مرضيًا لجميع الأطراف المتصارعة. فهل يستطيع الأسد الخروج من مأزق اللجنة الدستورية التي وضعه فيه الروس، أم يثبت للجميع أنه فوق قوانين السياسة القائمة على التسوية والحلول الوسط والإقصاء والتهميش؟

——————————

كلمةُ في ردود الأفعال على اللجنة الدستورية/ حسان الأسود

أثار بدءُ أعمال اللجنة الدستورية السورية في جنيف قبل أيامٍ وخاصّة الكلمات التي أُلقيت في الجلسة الافتتاحية، لدّي الرغبةَ بالكتابة عن بعض التفاعلات الخاصّة بهذا الموضوع. يبدو للوهلة الأولى ألّا جديد في مسألة انقسام السوريين حول أيّة قضيّة أو أيّ حدث، سواءٌ أكان كبيراً أم صغيراً وسواءٌ أكان مهمّاً ومصيرياً أم هامشياً غير ذي قيمة. لكنني أعتقد أكثر من أي وقت مضى بتجذّر بعض السلوكيّات التي ابتدعناها وعملنا عليها ردحاً طويلاً من الزمن. كذلك أظنّ أنّ بعض السلوكيّات بدأت تشقّ طريقها بيننا للتعبير عن حالة جديدة آخذة في الاتساع التدريجي، وثمّة من يلاحظُ أنّ الأجواء المصاحبة لأي حدث في سوريا تترافق مع اتجاهات نمطيّة باتت شبه معروفة تقريباً وأخرى مختلفة ما تزال قيد التطوّر.

اتجاه يذهب دوماً إلى التشكيك بالدوافع والمرجعيات والأهداف، وهذا غالباً ما ينطلق من نفس المقدّمات التي تتلخّص بالمصطلح المحبّب “المؤامرة”. كل شيء محكوم بالمؤامرة من قبل أصحاب وجهة النظر هذه. لا يهمّ من هم المتآمرون ولا صفاتهم ولا دوافعهم، فقد يكون هؤلاء دولاً كأميركا أو بريطانيا العظمى أو جزر القمر لا يهم، وقد يكونون مجموعات أو حركات مثل الصهيونية والماسونيّة أو حتى النازيّة الجديدة، كما يمكن أن يكونوا أفراداً مثل ترمب أو بوتين أو هيلاسيلاسي أو مانجستو هيلا مريام لا يهمّ كذلك. المهمّ أنّ المؤامرة قائمة وهدفها منعنا من تحقيق الانتصار، وهذا الاتجاه عميمٌ وغير محصور بطرف من الأطراف المتناحرة في سوريا، فلا هو حكر على معسكر النظام ولا على معسكر الثورة، فهو موجود لدى الجميع بما فيهم أصحاب المشاريع العابرة للوطنيّة السورية.

اتجاه آخر يذهب إلى تبرير كلّ شيء يحصل من طرف معسكرهم، سواء أكان قصفاً بالكيماوي أو بالنابالم الحارق أو بالبراميل المتفجرة، أم حرق البشر أحياءً أو احتجازهم في الأقفاص أو قتلهم جوعاً أو تحت التعذيب أو رجمهم لتطبيق حدود الشرع كما يراها “أولي الأمر منهم”. كذلك يُشرعن هؤلاء التدخّل الأجنبي والتبعيّة للرايات والمصالح الخارجيّة، ويبررون عمليات التهجير القسري واحتلال المدن وإفراغها من سكانها، ويبررون السرقة والنهب سواء أكانت تحت مسمّى الغنيمة أم التعفيش أم المصادرة بموجب أحكام القضاء أو غيرها من الجهات المتحكّمة. يزيد هؤلاء في الطنبور نغماً عندما يفرّقون بين المجرمين والضحايا على أساس انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الطائفية أو المذهبية أو المناطقية، أو حتى على أساس الجندر بين الرجال والنساء.

اتجاه ثالث لا يمكن إرضاؤه مهما حصل أو جرى، وأصحاب هذا الاتجاه يمتلكون سقفاً مرتفعاً من المطالب أو الشعارات الشعبوية لا يمكن الوصول إليه أبداً. أياً كان الموضوع أو الطرح وأياً كانت الفكرة أو المسألة ثمّة ما هو أكثر أو أكبر بنظرهم، أو ثمّة ما هو أفضل وكان يجب أن يتمّ تبنّيه أو الإتيان به. فلو أخذنا مثالاً من ساحة السوريين المناهضين للنظام كحالة تعيين أو انتخاب أو تزكية شخص ما لشغل مركز

أو وظيفة أو مهمة ما، ستجد دوماً من يعترض، إما على المهمّة أو الوظيفة أو المركز أو على آلية الاختيار أو على الشخص ذاته أو على التوقيت أو على أي شيء آخر. قد نجد شيئاً مماثلاً في صفوف الرماديين والموالين أيضاً، مع اختلاف كبير بالنوع والكمّ بسبب اختلاف هامش الحريّة بين الساحتين بالطبع.

اتجاه رابع ينتقد من باب الحرص على تصويب الأمور، لكنّه يبقى عند هذا الحد النظري ولا يتجاوزه إلى محاولة الفعل الواقعي. أكثر أصحاب هذا الاتجاه محسوبين على صفوف الثوّار والمعارضين للنظام، وهؤلاء لديهم إحساس عميق بالمسؤولية، لكنّهم غير قادرين على التأثير الفعلي بالمحيط الخاصّ بهم. يفتقد هؤلاء لأدوات الفعل في كثير من الأحيان بسبب طبيعة البيئة الاجتماعيّة الحاضنة أو بسبب قلّة الموارد البشرية والمادية أو بسبب ظروف العسكرة التي مرّت بها الثورة بعد عامها الأول وحتى الآن أو بسبب طبيعتهم وتكوينهم الذاتي نفسه.

اتجاه خامسٌ يُعلي صوت العقل والمنطق والخبرة ويحمل أجندة وطنيّة واضحة دون مزاودات شعبويّة ودون تسخيف بالتضحيات أو تهويل بالعقبات. بدأ هذا الاتجاه منذ الأيام الأولى للثورة وبقي ضعيفاً بسبب كثير من الظروف والعوامل، لعلّ أهمّها ارتفاع صوت العنف بسبب الحلّ الأمني ولاحقاً العسكري الذي اعتمده النظام، وردّة الفعل بتحوّل الثورة من السلمية إلى العنف الثوري المسلّح كطريق جديد لإحداث الانتقال المنشود. لكنّ هذا الاتجاه بدأ يتعافى ويشتدّ عوده، وبات الآن يفرض نفسه بعد أن جرّب الناسُ طيلة أعوامٍ كثيرة صوت الجنون والعنف والدمار والإقصاء. يفكّر أصحابُ هذا الاتّجاه غالباً بعقل بارد وبواقعيّة كبيرة رغم أنّهم في الغالب الأعم ممّن انحازوا لصفوف الثائرين والمعارضين للنظام، وقسم لا بأس به منهم يمكن تصنيفه – بالمصطلحات الثوريّة الدارجة – مع الرماديين.

الحقيقة أنّ وجود هذا الاتجاه بات ضرورياً في المرحلة الراهنة أكثر من أي مرحلة مضت، فعلى مدار السنوات الثماني المنصرمة لم نبرع ولم نتفوق بشيء – نحن المحسوبين على الثورة والمعارضة – كما فعلنا بتحطيم الرموز والقادة والشخصيات والكوادر. قد نكون برَعنا

أيضاً في تحطيم المقدّس وفي هدم جدار الخوف، لكننا لم نستطع التمييز بين الواجب هدمه والواجب الإبقاء عليه، كما أننا لم نسعَ لبناء رموزنا من الأحياء، ولا اختيار قادة لنا من بيننا ودعمهم وتعهّدهم للوصول إلى الفاعليّة المطلوبة والتطوّر المستمر.

بنظرة سريعة إلى وسائل التواصل الاجتماعي وبتمعّن بسيط بالفضاء العام الذي يلفّنا، يمكننا أن ندرك ببساطة حالات التخبّط والضياع والفراغ التي نعيشها، فلا استطعنا بناء مؤسسة إدارية منضبطة، ولا استطعنا إنتاج فكر تنظيمي متطوّر، ولا تمكّنا من إنجاز خطوات سياسية مهمة قادرة على ترجمة التضحيات والفواتير الباهظة التي دفعها السوريون، ولا حتى استطعنا بناء جوّ من الألفة والثقة فيما بيننا. ليس هذا من باب جلد الذات ولا من باب التخذيل، لكنّه واقع لا بدّ من الحديث عنه والإشارة إليه بكلّ وضوح كي نتمكّن من تجاوزه في أقرب وقت ممكن.

كلمة أخيرة في بعض ردود الأفعال حول اللجنة الدستوريّة عنوان هذا المقال. قد نكون من المعارضين لهذه اللجنة أو من المؤيدين لها، وهذا غير مهم إطلاقاً بقدر أهمّية الأسلوب الذي نعبّر به عن موقفنا من اللجنة أو من غيرها من القضايا والأحداث. سيكون علينا التريّث كثيراً عند التفكير ببناء سوريا الجديدة بنفس منطق تفكيرنا الراهن وبنفس آليات عملنا الحاليّة. النقد مطلوب، والتولّي عنه موقف سلبيّ لا إيجابي، لكن أي نقد هذا اللي نحتاجه لبناء ذواتنا وجموعنا ومؤسساتنا وسوريتنا الجديدة، وهل يكفي النقد النظري أم نحتاج لتقديم البدائل القابلة للتنفيذ، وهل يكفي الكلام أم علينا أن نبذل جهوداً حقيقية للفعل والعمل؟

هذه وغيرها الكثير من الأسئلة المشابهة، مما يتوجّب علينا جميعاً الوصول إلى إجابات حقيقية صادقة عليها، أو المحاولة على الأقل.

تلفزيون سوريا

———————-

المبادئ فوق الدستورية ترف أم حاجة؟ / منى أسعد

بات من المعروف ما خلفته الحرب في سوريا من دمار وخراب وقتل وانقسامات بين مكونات المجتمع السوري، إلا أن بعض الأطراف الدولية الفاعلة في الملف السوري نجحت بالقفز فوق موضوعة الحل السياسي إلى سلة اللجنة الدستورية، التي بدأت في نهاية تشرين أول/ أكتوبر الماضي اجتماعاتها في جنيف، لصياغة دستور جديد للبلاد، كأحد السبل للخروج من الأزمة السورية.

لكن كيف يمكن للّجنة الدستورية صياغة دستور ديمقراطي، يحظى بإجماع مختلف قوى وفئات المجتمع السوري المتنافرة، ويصون حقوقها ويحمي حرياتها، دون أن تتمكن أي سلطة قادمة، حتى لو تمتعت بأغلبية انتخابية، ومهما كانت مرجعيتها الأيديولوجية، من تغيير هذا الدستور أو تعطيله أو تعديله وفق مصالحها الضيقة الحزبية أو المادية أو الأيديولوجية؟

باعتقادي هذا الأمر يقودنا إلى ضرورة تحصين الدستور وفق “المبادئ فوق الدستورية”، والنص عليها قبل صياغة الدستور، بحيث تشكّل القواعد والأسس، التي تُبنى عليها نصوص الدستور السوري القادم.

بداية لا بد لنا من تعريف الدستور”Constitution”، بأنه القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة، بسيطة أم مركبة، رئاسية أم برلمانية، ونظام الحكم ملكي أم جمهوري، كما ينظّم الدستور السلطات الثلاث العامة في الدولة، من حيث التكوين والاختصاص والعلاقات فيما بينها، ويرسم حدود كل سلطة، وينظّم كذلك الواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، ويضع الضمانات لهذه الحقوق والواجبات تجاه السلطة.

لذلك تُعتبر النصوص الدستورية أسمى وأعلى مرتبة من القوانين، مما يوجب على المشرِّع ضرورة التقيد بها أثناء صياغته النصوص القانونية، لأن أية مخالفة للنص الدستوري تفقد القانون الوليد شرعيته وتصمه بالبطلان.

ولعلّ أبرز مقتضيات الوضع السوري والتي تستوجب مبادئ فوق دستورية تتعلق ب:

1- شكل الدولة ونظام الحكم فيها.

2- مبدأ فصل السلطات.

3- مبدأ فصل الدين عن الدولة.

4- حماية حقوق وحريات مكونات المجتمع في الدولة.

أولاً في شكل الدولة ونظام الحكم فيها:

تتمايز أشكال الدولة بين الدولة البسيطة/ المركزية والدولة المركبة/ الاتحادية، بحيث تتكون الأخيرة من اتحاد أكثر من دولة أو إقليم أو ولاية معاً، سواء كان اتحادا فيدراليا أم كونفدراليا أم غير ذلك من الأشكال، على أن تتمتع كل من تلك المكونات باستقلال نسبي وتخضع معاً لسلطة سياسية مشتركة، كما هو الحال في جمهورية ألمانيا الاتحادية أو الولايات المتحدة الأمريكية وغيرهما كثر.

أعتقد أننا في الحالة السورية، سواء ذهبنا بأي من خيارات الفيدرالية أو المركزية، لن تستطيع تشكّيل الضمانة المطلوبة لاستمرارية النظام الديمقراطي، ولن تكون المظلة الحامية لحريات وحقوق كافة المكونات المجتمعية، بدون مبادئ فوق دستورية، تحمي النصوص الدستورية من طغيان السلطة السياسية.

وفيما يخص نظام الحكم:

من المعروف أن ثمة أنماط مختلفة لنظام الحكم السياسي، وجميعها تقوم على مبدأ فصل السلطات، لكن بدرجات متفاوتة.

فبالرغم من أن النظام الرئاسي يتميز بفضاء خاص لكل من سلطات الدولة الثلاث، لكن يؤخذ عليه أنه يفتقد إلى آليات حماية جدّية تمنع تغوّل السلطة التنفيذية على السلطات الأخرى، لإنشاء دورة من الاستبداد. ليس أدل على ذلك مما خبرته سوريا خلال نصف قرن وأكثر، من انعدام الحياة الدستورية وسيطرة القمع والاستبداد والانتهاكات المستمرة لحقوق وحريات الشعب، ليس فقط بسبب فرض قانون الطوارئ، الذي أبطل مفاعيل مبدأ فصل السلطات وسيادة القانون، وإنما أيضاً، بسبب ضعف آليات الحماية بحيث استطاع رئيس السلطة التنفيذية/ رئيس الجمهورية، الهيمنة على السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبالتالي إحكام قبضته على كل أوجه الحياة في الدولة والمجتمع دون أي رادع.

في حين يُعد النظام الجمهوري البرلماني أو ما يُعرف ب”النصف رئاسي”، الأقرب إلى الديمقراطية، لما يتضمنه من آليات حماية، إذ يتقاسم السلطة التنفيذية في هذا النظام، كل من رئيس الدولة بصلاحيات متفاوتة من دولة إلى أخرى، ورئيس الحكومة بصفته رئيس السلطة التنفيذية، ما يحوّل دون احتكار السلطة، وممارسة الاستبداد في الدولة من قبل أي منهما، ويكون رئيس الحكومة مسؤولا مسؤولية مباشرة هو وحكومته أمام  البرلمان، الذي يحق له مراقبة أدائهم والاستفسار يوميا عن حسن سير أعمال الحكومة، وله الحق بسحب الثقة سواء من رئيس الحكومة أم من أحد وزرائها، وبالتالي دفع الحكومة إلى الاستقالة، أو استبدال الوزير.

بالمقابل يحق للحكومة تقديم مقترحات قوانين والمشاركة في مناقشتها، ولها أيضاً دعوة البرلمان للانعقاد لمناقشة واتخاذ القرار بأي طارئ، كذلك يحق لها الطلب إلى رئيس الدولة حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة، في حال قرر البرلمان سحب الثقة من الحكومة لأسباب تراها الأخيرة واهية.

وعليه يكون هذا النظام بما يشتمل عليه من ديمقراطية، وبما ينص عليه من آليات حماية هو الأجدر بالتطبيق على الواقع السوري الحالي، مع تحصينه ب “المبادئ فوق الدستورية”.

ثانياً- مبدأ فصل السلطات:

يُعتبر مبدأ فصل السلطات ركيزة أساسية في النظم الديمقراطية، لما فيه من تكرّيس لسيادة القانون، والحيلولة دون استحواذ شخص واحد على سلطات الدولة الثلاث، إذ تتضمن السلطة التنفيذية “رئاسة الدولة والحكومة والجهاز الإداري للدولة”، وتتولى مهمة إدارة شؤون البلاد الداخلية والخارجية وتنفيذ التشريعات والقوانين، وعليها الحفاظ على أمن البلد الداخلي والخارجي إضافة إلى الصحة والتعليم وباقي الخدمات العامة.

فيما تختص السلطة التشريعية “البرلمان” بمهمات وضع التشريعات وسن القوانين وتتولى التصديق على المعاهدات الدولية، والموافقة على قرار الحرب، كما تتولى مراقبة أداء المسؤولين في الحكومة وتشرف على موارد الدولة ونفقاتها، والموافقة على ميزانية الدولة وتحدد النظام الضريبي فيها.

أما السلطة القضائية فتتولى مهمة تفسير القوانين وتطبيقها، والفصل في النزاعات بين الأفراد وإحقاق العدالة، وتشرف على عمل المحاكم عبر مجلس القضاء الأعلى، كما تشرف على الانتخابات وفرز الأصوات، بالإضافة إلى مهمة الرقابة على دستورية القوانين عبر المحكمة الدستورية العليا.

ويبرز أخيرا الدور المهم للسلطة الرابعة في الدولة “سلطة الإعلام”، لما لها من تأثير على الرأي العام للأفراد والمجتمع، فنرى قمع الصحافة باستثناء الموجهة منها، وملاحقة الصحافيين واعتقالهم والتنكيل بهم وإغلاق دور النشر ومصادرة محتوياتها… الخ، في النظم الاستبدادية التي ترى في حرية الإعلام رهاباً ينال من هيبتها ويفضح مصالحها واستبدادها، الأمر الذي يقضي بضرورة تحصين سلطة الإعلام بالتأكيد على حرية الرأي والتعبير، ضمن “المبادئ فوق الدستورية”، لمنع طغيان الفئة الحاكمة.

 ثالثاً- إقرار مبدأ العلمانية وفصل الدين عن الدولة:

يعتقد البعض جازماً أن العلمانية تدعو إلى الإلحاد وتحارب الدين والعبادات، لكن هذا غير صحيح، فالعلمانية نظام فلسفي واجتماعي وسياسي، يقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة، دون أن يحارب الدين أو الإيمان، انطلاقاً من أن الدين يرتبط بالأشخاص الطبيعيين، ويكون مجاله الضمير الشخصي للأفراد، في حين إن الدولة في الفكر السياسي المعاصر، هي شخص اعتباري لا دين له، بل أكثر من ذلك، إذ يجب على الدولة الحديثة احترام معتقدات السكان أياً كانت ومهما تنوعت، وصون حقهم في الاعتقاد وفي ممارسة الطقوس والعبادات، بما في ذلك حقوق رافضي التديّن أيضاً، فلا يحق لها مساءلتهم عن معتقداتهم ودياناتهم، وإنما مساءلتهم عن أفعالهم وتصرفاتهم في حال شكّلت خرقاً للقانون.

في ضوء الراهن السوري الذي يهدد هويتنا الوطنية الممزقة بين استبدادين عسكري وديني، وبين انتماءات ماقبل الدولة الحديثة، أصبحنا بحاجة ماسة إلى قوة كبيرة لاستعادة لحمة السوريين وهويتهم الوطنية، عبر نظام ديمقراطي يؤصل لمبدأ علمانية الدولة، باعتباره ضرورة تاريخية لأي مشروع وطني وديمقراطي في سوريا المستقبل، مشروع دولة لا دينية، يرتقي إلى أن يكون عقداً اجتماعياً بين السلطة السياسية ومجموع مكونات المجتمع بغض النظر عن معتقداتهم ومذاهبهم.

وهذا يعني بالتحديد إعمال مبدأ فصل مؤسسة الدين عن مؤسسة الدولة، وليس إلغاء أو محاربة الدين، وهو الأمر ذاته الذي سمح لاحقا لأوروبا وعموم الغرب، بتطور أنظمة الحكم والإدارة والاقتصاد بعيدا عن هيمنة النص الديني ومصالح الكنيسة.

رابعاً: في حقوق وحريات مكونات المجتمع السوري:

لا شك أن تبني الأسرة الدولية للمواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان، جاء تتويجاً لنضال البشرية خلال مئات السنين، وتكريماً لملايين الضحايا الذين قدموا أرواحهم ثمناً لهذه المبادئ، منذ أعلنت الثورة الفرنسية ذلك صراحة في إعلان حقوق الإنسان الصادر في 26 آب/ أغسطس 1789، إذ نصت المادة 16 منه على أن “أي مجتمع لا تكون فيه الحقوق مكفولة، أو فصل السلطات محدداً، هو مجتمع ليس له دستور على الإطلاق.

وتتالت المواثيق والعهود الدولية وصولاً إلى ” الإعلان العلمي لحقوق الإنسان” الصادر في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1948، وأعقبه العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والملاحق والبروتوكولات المرفقة بهما، اللذين دخل حيز التنفيذ عام 1976، تلاهم العشرات من المواثيق والاتفاقيات والإعلانات الدولية.

الأمر الذي دفع بغالبية الدول الكبرى في العالم، لتبني هذه المواثيق باعتبارها “مبادئ فوق دستورية”، لتكون أساساً لدساتيرها، تُحصّنها من التغيير أو التعديل، وتضفي عليها صفة الثبات وتشكّل ضمانة للحريات الشخصية والعامة، وللحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية للمواطنين جميعاُ، على قدم المساواة التامة في القانون وأمام القانون، دون أي تمييز على أساس اللون أو الجنس أو العرق أو الدين أو المعتقد.

وفي خطوة لاحقة عمدت حكومات تلك الدول إلى تفعيل مضامين هذه الحقوق، فسعت مثلاً إلى رفع كل العوائق التي تحول دون جعل مبدأ المساواة التامة بين الجنسين أمراً واقعاً، الأمر الذي مكّنها من خلق واقع مستقر ومتميز لجميع مكونات مجتمعاتها، ومكّن في الوقت ذاته، شعوب تلك الدول من التمتع برفاهية الكرامة الإنسانية والحرية والمساواة الدستورية.

في حين وفّرت نصوص دساتيرنا السورية السابقة، أساساً متيناً للتميز بين مكونات المجتمع السوري عموماً، عندما قضت المادة الثالثة الدستور بأن “دين رئيس الجمهورية الإسلام”، أربع كلمات كانت كفيلة لحرمان طيف واسع من الشعب السوري من ممارسة حقه الدستوري هذا. كما أكدت الفقرة الثانية من النص ذاته “أن الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع”، فكرّست بذلك دونية المرأة وتبعيتها للرجل، والذي نجد ترجمته في الكثير من قوانين الأحوال الشخصية وقانون الجزاء وصولاً لقانون الجنسية، حيث عانت المرأة وما تزال، جراء ذلك كثيرا من التهميش والاضطهاد والقمع والتمييز، الأمر الذي حال ولعقود عدة، دون تمكين المرأة السورية، ومشاركتها الحقيقية في تطوير أوضاعها، وتوظيف طاقاتها المقموعة لتنمية المجتمع، وفي ذلك هدر وامتهان لطاقات أكثر من نصف المجتمع السوري.

من هنا تنبثق الحاجة، ليس إلى نصوص دستورية تلغي التمييز فحسب، بل لا بد من حماية هذه النصوص من التعديل أو الإلغاء، عبر تحصينها ب “مبادئ فوق دستورية”.

يبقى أن نشير إلى سؤال يتبادر إلى ذهن كثيرين، ألا وهو: طالما أن الدستور الوطني هو الناظم لسلطات الدولة الثلاث، والضامن لحقوق وحريات الأفراد، فمن الطبيعي أن يتحلى بالمرونة لمواجهة متطلبات الواقع، بحيث يمكن للمشرّع الدستوري إدراج نصوص جديدة، أو تعديل ما تجاوزه الزمن من نصوص لصالح نصوص أكثر ملاءمة لاحتياجات وظروف المجتمع، لكن “المبادئ فوق الدستورية”، المحصنة من التعديل أو الإلغاء، قد تحوّل دون إجراء هكذا تعديلات دستورية بالرغم من ضرورتها

ما من شك أن “المبادئ فوق الدستورية”، لن تحوّل دون تعديل بعض النصوص الدستورية عند الضرورة، لكنها تحوّل دون المساس بالمبادئ التي قام عليها الدستور، حتى ولو تمت إجازة التعديلات بشكل صحيح من الناحية الشكلية.

ويبقى للسلطة القضائية ممثلة بالمحكمة الدستورية العليا، الكلمة الفصل فيما إذا كانت هذه التعديلات تمس أساس الدستور وجوهره أم لا.

هذا يعيدنا إلى دور وأهمية المحكمة الدستورية السورية، لنكتشف أنها لم تكن أكثر من ديكور تجميلي لدستور نظام استبدادي، ووسيلة لحماية السلطة التنفيذية من أية مساءلة جزائية أو مدنية، والتي تعتبر وفق الدستور من صلب مهمات المحكمة الدستورية.

فبموجب أحكام الدستور 1973، الذي صيغ وفق أهواء رئيس الجمهورية، بات للأخير الحق في الهيمنة على السلطات الثلاث، وبالتالي الحق في تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا وتمديد مدة ولايتهم، والبت بطلبات استقالتهم، رغم ما يشكله ذلك من مخالفة صريحة لما نص عليه ذات الدستور بان المحكمة الدستورية هي “هيئة قضائية مستقلة”، ورغم ما يشكله ذلك أيضاً، من مخالفة صارخة لمبدأ فصل السلطات.

هذا التغوّل من السلطة التنفيذية على المحكمة الدستورية العليا، أدى إلى شللها التام، بعدما تحول أعضاؤها من قضاة مستقلين بقراراتهم، إلى مجرد موظفين حريصين على امتيازاتهم عبر كسب رضا الجهة التي سمتهم.

وبالعودة إلى بدء نقول، إن وضع دستور جديد أمر مهم جداً، بالنسبة إلى الشعب السوري، دستور يُعتمد فيه النظام الديمقراطي “النصف رئاسي” نمطاً لممارسة الحكم، والعلمانية مبدءاً، وشرعة حقوق الإنسان مرجعية، لكن الأمر الأكثر أهمية هو حماية هذه النصوص ب “مبادئ فوق دستورية”، تعتبر خيارا ضروريا، أكثر منها ترفا دستوريا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا بد من إعادة التأكيد على استقلالية المحكمة الدستورية العليا استقلالية تامة، والنص على إلغاء كل المحاكم الاستثنائية وكل ما نتج عنها من أحكام جائرة.

بروكار برس

——————————

هل دقت ساعة الصفر لصوغ الدستور السوري؟/ ماجد كيالي

من يتابع حماس البعض للجنة الدستورية، سيما من الذين ظنّوا أن التاريخ اصطفاهم دوناً عن غيرهم، للدخول فيه من بوابة تلك اللجنة، من مختلف الفرقاء (نظاما ومعارضة وما يسمى “مجتمعا مدنيا”)، يظنّ أن مشكلة سوريا كانت تتمثّل في عدم وجود دستور، أو في تغييبه، أو في خلل ما فيه.

طبعاً ثمة حاجة لأي شعب إلى دستور، أي إلى عقد اجتماعي، يحدّد ماهية نظام الحكم، ويحقق التوازن والاستقلالية بين السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية) في أي دولة، وينظم العلاقة في ما بينها وبين الشعب، والعلاقة بين أفراد الشعب بوصفهم مواطنين، أحرارا متساوين ومستقلين، إلا أن ذلك المدخل لا يكفي لوحده، أو ليس هو المناسب، في الظروف السورية، إضافة إلى أن هذا المدخل ينمّ عن تخبّط واضطراب في إدارة الصراع السياسي ضد النظام، في تحديد ما هو المطلوب أساسا، وفي سلسلة التراجعات الحاصلة في مواقف “المعارضة”.

وكما شهدنا فإن حماس ذلك البعض وصل حد التصرّف كأن “ساعة الصفر”، أو ساعة التاريخ، تتكتك له، وأن الأخرين لا يستوعبون ذلك، ما يذكّر بالكلام الرث والساذج والكارثي عن “ساعة الصفر” (2012) الخاصة بسقوط قصر المهاجرين في دمشق، و”ساعة الصفر” للتدخل الدولي، و”ساعة الصفر” المتعلقة بمفاوضات جنيف، و”ساعة الصفر” المتمثلة في انبثاق مسار آستانة، وهكذا بات لدينا الآن ساعة صفر أخرى!

المشكلة، أيضا، أن بين هؤلاء من كان يقول بـ “ساعة الصفر” بواسطة السلاح لكنه بات يتحدث بعدها عن ساعة الصفر بواسطة مسار آستانة، وأن بين هؤلاء من كان يخوّن المفاوضات في مسار جنيف، فبات شديد الحماس لمسار التفاوض في آستانة وسوتشي، وهو أمر نادر الحدوث في ثورات التاريخ، والحركات السياسية التي خبرتها الشعوب.

ثمة مآخذ أيضا على من يسِمون أنفسهم كمحسوبين على حصة المجتمع المدني في اللجنة، إذ لا يوجد في سوريا شيء اسمه مجتمع مدني، لافتقادها إلى مفهوم المواطن، وحقوق المواطنة، ولأن النظام لم يسمح بتبلور مجتمع كهذا، في ظل شعاره: “سوريا الأسد إلى الأبد”، أي إنه منذ البداية ظهر تهافت هذا البعض ليس في الانضواء في تلك اللجنة، فهذا أمر ربما تحصيل حاصل للمداخلات الخارجية، وإنما المشكلة الكبرى في ادعاء تمثل تلك الصفة وانتحال ذلك الاسم، من دون أية حيثية معقولة او مشروعة.

وللتوضيح، فإن المشكلة لا تكمن في الدخول إلى هذا المسار أو ذاك، لكنها تكمن في الآتي: أولاً، توهم القدرة على فعل شيء، من دون امتلاك أي رصيد، في الصدقية أو في الوحدة أو في القوة أو في الصلة بالشعب؛ وهذا هو واقع المعارضة المتصدرة اليوم. ثانياً، الدخول إلى مسار معين استجابة لتوظيفات خارجية، علما أن المعارضة مهمتها الاستجابة لمصالح شعبها، ولسلامة مسار كفاحها، ويأتي ضمن ذلك صمتها عن تحالف آستانة، على الرغم من كل التراجعات التي لحقت بالثورة السورية منذ قيامه (2017)، بل انخراطها فيه قولا وفعلا. ثالثا، دخلت المعارضة المتصدرة مسار التفاوض على الدستور بالطريقة نفسها والتركيبة التي دخلت فيهما المفاوضات على مساري جنيف وآستانة، إذ إنها لم تقم بما يجب القيام به، لا بإعادة بناء الكيان السياسي للمعارضة، ولا بفتح عضوية اللجنة لخبراء ومؤهلين ومختصّين.

أيضا، وإضافة إلى كل ما تقدم، ثمة مسألتان أساسيتان يفترض إدراكهما: الأولى، أن هذا التوجه الدولي بخصوص اللجنة الدستورية، وتلك الحماسة لها من قبل البعض (لأغراض ذاتية أو ضيقة في الأغلب)، سبق أن تم تجريبها كما قدمنا، سواء في الحماسة للتدخل الدولي، أم لمساري المفاوضات، في جنيف بين الأعوام 2012ـ 2018، وآستانة، مع 13 جولة، على امتداد الأعوام الثلاثة المنصرمة، علما أنه ولا مرة جرت مفاوضات حقيقية بين الأطراف المعنية، وإنما كلها كانت تجري بالواسطة، والمعنى أن الأمر لن يكون أحسن حالا في اللجنة الدستورية، فكم عشرة جولات مثلا، أو كم من السنوات يفترض أن تمر لاكتشاف ذلك، وركوب موجة أخرى، أو مسار أخر، ربما؟ الثانية، أن لحظة صوغ الدستور لم تحن بعد، لعدم توفر إرادة دولية (لا سيما أمريكية) لفرض وقف القصف والقتال، واستعادة الاستقرار، وتحقيق التغيير السياسي في سوريا. والفكرة أنه إلى حين توفر هذه الإرادة، وحسم الأطراف الدولية الفاعلة لموقفها، فإن اجتماعات اللجنة ستعقد بين فترة وأخرى، وبين جولة وأخرى، إلى حين.

قصارى القول، وبدلا من بيع الوهم، وتغطية العجز والقصور، يفترض بالمعارضة تعزيز ادراكاتها، وإدراكات شعبها، إلى أن المسألة في سوريا تتعلق أساسا بإحداث التغيير السياسي، أي بالتخلص من نظام الاستبداد والفساد، وإقامة دولة مؤسسات وقانون ومواطنين، لأنه من دون ذلك لا يمكن الحديث عن دستور ولا عن فصل سلطات ولا عن نظام ديمقراطي.

لذا، وفي غضون ذلك الأجدى للمشاركين في هذه اللجنة تقديم أنفسهم لشعبهم بوصفهم ممثلين له وليس لأي أحد أخر، وضمن ذلك إقلاع البعض عن تقديم نفسه كحمامة سلام، أو كحيادي، لأن ذلك لن يفيده في شيء لا عند النظام، ولا عند الأطراف الدوليين، فضلا عن أنه سيخسر نفسه عند شعبه. وفي الحقيقة فإن ما ينبغي إدراكه أنه عندما تحين “ساعة الصفر” الدولية حقا، لصوغ الدستور السوري سيكون قرار الحسم بوقف القتال، وبالتغيير السياسي، قد اتخذ، وحينها ستكون كل المعادلات قد تغيرت، على الأرجح، وضمن ذلك الشخصيات ذاتها التي ظنت او توهمت أن التاريخ، في غفلة عن شعبها، بات ملكها أو ملك توهماتها.

بروكار برس

————————-

اللجنة الدستورية: الخيار الوحيد؟/ فراس الخالدي

أمعن السوريون موالاة ومعارضة في انتقاد الخطوة الدولية الأخيرة المتمثلة بإطلاق عمل أول جلسة من جلسات اللجنة المكلفة بإعداد دستور سوري جديد، أو تعديل أحد الدساتير القديمة المقترحة. وأثخنوا الجراح في من تصدى لتحمل مسؤولية المشاركة بأعمال الجلسة من الفئات الثلاث التي تشكلت على أساسها اللجنة الدستورية؛ نظام ومعارضة ومجتمع مدني مختلط. ومع انتهاء أولى الجلسات كان لزاماً على نخب كل فئة وضع جمهورها في صورة ما حدث، وما ستؤول إليه الأحوال، فيما إذا تم الإلتزام بالمضي جدّياً نحو إنجاح أعمال هذه اللجنة لإنجاز دستور سوري تلتف حوله جماهير هذه الفئات الثلاث التي تشكل مجتمعةً الشعب السوري بكافة أطيافه الدينية والمذهبية، العرقية والإثنية، الفكرية والآيديولوجية.

أمام هذا المشهد وضعت جماهير الشعب السوري المتطلعة للخلاص النهائي من لعبة الدم والدمار المستمرين، اللجنة الدستورية في الميزان، كلٌّ حسب مرجعيته وأهوائه. فالمأزق الذي تعاني منه اللجنة نفسها بمعزل عن أعضائها هو أنها تحمل على عاتقها ثقل إيجاد حل للمعضلة السورية برمّتها عبر هذه البوابة.

منظور النظام

تمكن النظام من إبطاء مسار جنيف وحرفه بشكل كبير لصالح محور جديد يترؤسه حلفاؤه؛ سوتشي وآستانة. كان النظام ولا زال يسعى للخلاص نهائياً من مرجعية جنيف التي تطوّق عنقه بالقرار الدولي 2254 الذي سيفضي بالنهاية إلى نظام جديد في سوريا، وهذا عكس ما يريده رأس النظام الحالي.

من مصلحة النظام اختيار سلة الدستور دوناً عن بقية السلال التي وردت في القرارات الدولية وفق مرجعية جنيف. مثلاً، لو تم تناول سلة “مكافحة الإرهاب” بشكل تفصيلي، وصياغة تعريف واضح ودقيق للإرهاب في سوريا، لوقع النظام ممثلاً برأسه في هذا الفخ، فلا يمكن لأي تعريف للإرهاب في سوريا أن يستثني إرهاب الدولة الذي يمارسه النظام، وكذلك مسؤولية النظام عن كل المفرزات المتمثلة بمختلف الفصائل الإرهابية التي ظهرت بعد اندلاع الثورة السورية. وفي حال تم الاتفاق حول سلة الإرهاب وأساليب مكافحته فمن الممكن أن تنشأ تحالفات كبيرة هدفها إعادة الأمن والأمان لسوريا والقضاء على كل المجاميع الإرهابية والمظاهر المسلحة غير المنضبطة من كل الأطراف. وهذا سيصيب النظام في مقتل كونه سيُجَرّد من سلاحه حاله كحال فصائل المعارضة الإسلامية وغير الإسلامية. وبالتالي سيخسر النظام ميزة السلاح الذي يهدد بها السوريين ويستعبدهم لصالح البقاء على كرسي أركانه قد أوغلت في دماء السوريين بمختلف انتماءاتهم.

أيضاً لو تماهى النظام مع المبعوث الدولي واتفق مع قوى الثورة والمعارضة على الشروع بتوفير الظروف المناسبة لتفعيل سلة الإنتخابات، لوقع في مطب المطالبات الدولية والعربية والشعبية بتجهيز البيئة الآمنة ليتمكن المواطن السوري أيّاً كانت إقامته من ممارسة حقه الطبيعي بانتخاب من يريد بكامل إرادته وحريته، وهذا يعني بالضرورة سقوط رأس النظام.

ولو تماشى النظام مع الروس في مساعيهم الحثيثة لإعادة اللاجئين، طمعاً بإعادة الإعمار، التي اشترطت أميركا وأوروبا عدم تمويلها إذا لم يتم انتقال سياسي سلمي حقيقي في سوريا، لوقع أيضاً تحت ضغوط المجتمع الدولي والعربي لتوفير شروط العودة الآمنة وبالتالي كف أيدي الأجهزة الأمنية عن العبث بمصائر المواطنين، وقد يتعدى الأمر مرحلة كف اليد إلى مرحلة حل هذه الأجهزة برمّتها.

بعد هذا الاستعراض البسيط واستجابةً لبعض الضغوط الروسية والدولية وجد النظام نفسه مجبراً على اختيار إحدى هذه السلال، والسعي لتمرير الوقت كعادته، ريثما يتمكن من كسب معارك جديدة على الأرض تُحسّن من شروط تفاوضه مع الدول الفاعلة في الملف السوري، لا من باب تحسين صورته أمام الشعب السوري الذي لا يقيم له رأس النظام أي اعتبار.

قوى الثورة والمعارضة

بُعيد سقوط القصير أواخر العام 2013 واتساع سيطرة “داعش” و”النصرة” على المناطق المحررة، تتالت هزائم المعارضة عسكرياً وسياسياً على نحو متسارع حتى العام 2015، الذي ظهرت فيه أهم عوامل حسم المعارك اللاحقة لصالح النظام؛ التدخل الروسي، الذي قلب كل الموازين سواء من ناحية فارق القوة أو من ناحية انكفاء “أصدقاء الشعب السوري” وتوقفهم عن الدعم أمام الهجمة الروسية الشرسة جداً والتي اتّضح لاحقاً أنها تحظى برضى إقليمي ودولي.

هنا بدأ الشرخ داخل جسد المعارضة السورية بالاتساع بين متمسك بالثورة وثوابتها، ممن يصفهم أنصار الواقعية بالرومانسيين، وبين من يصفون أنفسهم بالواقعيين، أو “المنبطحين” بعُرف “الثوار”. صقور الثورة وجدوا الانبطاح إقراراً لأعداء الثورة بهزيمتها، والتنازل عن حقوق الشعب السوري المشرد في كل بقاع الأرض، وخدمة لرأس النظام تكفيه تبعات التهم المنسوبة إليه كمجرم حرب، وتبرئ صفحته أمام المحاكم الدولية. وستترسخ بذلك فكرة بقاء رأس النظام خلال الفترة الإنتقالية، التي لا يمكن لأحد التكهن بمدّتها، ولن يضمن أحد خروج رأس النظام في نهايتها.

أمام ما سبق وجدت قوى الثورة والمعارضة في الدستور، فرصة لالتقاط الأنفاس، ومحاولة لإحراج النظام في هذه السلة، دوناً عن بقية السلال.

في ما يخص “سلة مكافحة الإرهاب” فشلت قوى الثورة والمعارضة في ردع الإرهاب الذي تفشى، ومن قادة الإرهاب المزروعين في صفوف الثورة عنوةً من خريجي سجن صيدنايا في سوريا وأبو غريب في العراق.، في المقابل ساعدت روسيا في إظهار رأس النظام كشريك دولي رئيسي في “مكافحة الإرهاب”.

وفي ما يخص سلة الإنتخابات، تمكن النظام من خلال وكلائه وطابوره الخامس داخل قوى الثورة والمعارضة من إحداث خلل حقيقي في المنظومة التي تدير مؤسسات الثورة وإظهارها كدمية يتم تحريكها من قبل دول وجهات بطريقة مهينة لا تليق بعظمة سوريا وشعبها. وهنا أراد النظام إظهار فشل قوى الثورة والمعارضة بإدارة أجزاء صغيرة من سوريا فكيف لو أتيح لهم إدارة سوريا بأكملها!.

وفي ما يخص عودة النازحين، كان تحويل النظام لسوريا إلى دولة فاشلة مخيفاً لشرائح كثيرة موالية ومعارضة، وهنا برزت أزمة ثقة المواطن السوري بوطنه وبإمكانية العودة الطوعية. النظام أفشل الدولة لكنه بقي واستمرّ ولو بالحديد والنار، أما قوى الثورة والمعارضة فلم تنجح حتى اليوم بنسج علاقات دولية مهمة تتشابك فيها مصالح هذه الدول مع طموحات الشعب السوري بالخلاص من نظام مجرم أفسد الدولة والمجتمع ونهب ثروات البلاد وسخّر مقدراتها لحلفائه مقابل دفاعهم عن استمراره في السلطة. ولم تنجح حتى اليوم بوضع أي برنامج حقيقي يعيد إيمان السوريين ببلدهم وبأنهم قادرون على العودة للعيش معاً متناسين كل ما مضى وكل ما بينهم من فرقة ونزاعات وثارات.

وأمام الهزائم العسكرية المتلاحقة في ظل استمرار الدعم الروسي للنظام لم تجد قوى الثورة والمعارضة مدخلاً آخر لإحراج النظام غير الدستور. من خلال العملية الدستورية سيكون بمقدور قوى الثورة والمعارضة؛ تثبيت العمل وفق مقتضيات اللجنة بمعزل عن نتائج المعارك والأعمال العسكرية على الأراضي السورية. والحصول على إقرار من النظام نفسه بوجود شركاء له في الوطن على أقل تقدير، كما أصبح مثبتاً في داوئر الأمم المتحدة. فهذا النظام لم يعترف منذ اليوم الأول للثورة وحتى لحظة انطلاق أعمال اللجنة بوجود أي منافس أو شريك له في الوطن.

كما تجد قوى الثورة في اللجنة الدستورية فرصة لتحسين صورتها أمام الشعب الثائر، في ظل حالة العطالة التي مرت بها خلال السنوات السابقة بسبب تعنت النظام.

والدستور شأن قانوني بحت وكل بند يتم إقراره لا يمكن فيما بعد العبث به، لذلك فإن كل بند يتم انتزاعه من فم هذا النظام سيكون بمثابة انتصار حقيقي للشعب لا لقوى الثورة والمعارضة فحسب. الأمر يتعدى الألعاب السياسية والاستخباراتية التي يجيد النظام وحلفائه إدارتها وإغراق الخصوم بتفاصيلها.

الحل من وجهة نظر سورية

في ظل التهميش المقصود للملف السوري وإبعاده عن أولويات الدول الفاعلة في المنطقة، صار لزاماً على السوريين جميعاً أن يتمسكوا بهذه القشّة المسمّاة اللجنة الدستورية. قد لا تكون هذه اللجنة إنجازاً عظيماً يلبي طموحات الشعب الثائر، ولو بالحد الأدنى، ولا يعوض الشعب السوري عن الضحايا الذين سقطوا وعن خسائر الدولة السورية الناجمة عن هذه المأساة، لكن الحقيقة أننا في أهم مراحل القوة التي مرت بها ثورتنا لم نتمكن من جلب النظام لطاولة المفاوضات، رغم سيطرتنا وقتها على أكثر من 70٪ من مساحة الأراضي السورية، ولم نتمكن من حمله على الإذعان بخروج هذه المناطق نهائياً عن سيطرته وسقوطه فعلياً فيها.

المجتمع الدولي كان قد لعب دوراً سلبياً من ناحية عدم اعترافه بشرعية المؤسسات المنبثقة عن الثورة والمعارضة في إدارة شؤون المناطق المحررة؛ من إصدار جوازات السفر، وتصديق الشهادات العلمية لطلاب المناطق المحررة، حتى عقود الزواج والأوراق المتعلقة بالأحوال الشخصية، هذا بالإضافة إلى عدم منح قوى الثورة والمعارضة حق شغل كرسي سوريا في الجامعة العربية أو الأمم المتحدة.

إنها المرة الأولى التي يتم إجبار النظام فيها على الجلوس والتفكير بحذر وخوف من التوقيع على أي بند سيصبح نافذاً ومقدساً في دستور سوريا المقبل. وعلى السوريين جميعاً أن يعلموا أن لا وصاية لأحد على الدستور السوري المقبل، لا من النظام ولا من المعارضة.

*فراس الخالدي، عضو لائحة المعارضة في اللجنة الدستورية، عن منصة القاهرة. وهذا المقال مكتوب خصيصاً لـ”المدن”.

———————————-

اللجنة الدستورية السورية ومجرمي الحرب/ بهية مارديني

لم يكن لي رأي في اللجنة الدستورية السورية الا انني أعتبرتها خطوة ُفرضت على المعارضة السورية وعلى النظام السوري وعلى بعض منظمات المجتمع المدني السوري التي رأت فيها فرصة لبعض الأسماء الغير مؤهلة بأن تتواجد داخل الأمم المتحدة و مساحة لابقاء تمويل مشاريعها وتمريرها.

ولكني كنت أعتقد ان الإشاعات طالت هذه اللجنة وان كل مايقال عنها هو كلام غير صحيح و مجرد كرة ثلج من سوريين يعتقدون ان مشكلة الملف السوري ليس في الدستور فقط بل في النظام نفسه.

لم أكن أتوقع لا قانونيا ولا اخلاقيا ولا انسانيا ، ان تقبل الأمم المتحدة أو أن توافق المعارضة السورية أو ممثلي المجتمع الذي يقول عن نفسه انه مجتمع ” مدني” الجلوس مع مجرمي حرب أو مع متعاملين مع الإرهابيين ولم اتخيل أن تسمح الأمم المتحدة بدخول ضباط متهمين بالتعذيب والقتل إلى لجنة تحت رعاية الأمم المتحدة ، والمضحك المبكي أنها ستكتب للسوريين دستورهم.

ومن هنا هالني كم الوثائق والصور التي أثبتت تواجد محمد قاطرجي، على المنصة الأممية، في الاجتماعات الأخيرة في جنيف كأحد أعضاء اللجنة الدستورية من مجموعة النظام والمدرج على لائحة العقوبات الأميركية في 6 سبتمبرأ 2017 لاتهامه بإدارة شراكة مع تنظيم داعش الإرهابي هذه الشراكة التي دامت لسنوات وضخت في خزينة داعش ملايين الدولارات.

وحسب وزارة العدل الأميركية، فقد أشرف قاطرجي منذ عام 2014 على تأسيس شبكة وساطة بين النظام السوري وداعش لشراء النفط من مناطق سيطرة التنظيم، وعقد تبادلا تجاريا للطرفين.

كما جلس عضو آخر في اللجنة الدستورية في الاجتماعات كممثل للنظام أيضا في ذات القاعة وهو موعد الناصر، عميد في جيش النظام تقاعد العام 2015 ودخل مجلس الشعب ، وكان الناصر ضابطاً في فرع “الخطيب” بدمشق في جهاز “أمن الدولة” المعروف بـ”الفرع 251″. وهناك أدلة دامغة على مشاركته باعتقال عشرات المعتقلين وتعذيبهم وتم الحصول على شهادات منهم حول ما يجري في أقبية هذا الفرع من انتهاكات وكيف أن الناصر هو من ارتكبها وأشرف عليها ثم ليعود إلى الملف السوري عبر “دورة غسيل ” أتاحها له النظام من بوابة الأمم المتحدة.

يؤلمنا كثيرا تجاهل الأمم المتحدة و إشاحة الدول أعينها عن السوريين وتجاهل قتلهم عبر سنوات وانكار حقوقهم في تأسيس نظام ديمقراطي ورفض مطالبهم المحقة.

ولكن إلى هذه الدرجة بلغ استخفاف الأمم المتحدة بحقوق الانسان والشرعة الدولية التي قامت على أساسها ومن أجلها، والى هذه الدرجة تتراكض المعارضة السورية بكل أطيافها للجلوس بمقاعد أمام المجرمين وجها لوجه ويتهافت المجتمع المدني للمشاركة مع قتلة في “بناء ” دستور لسوريا”.

* كاتبة وحقوقية سورية

ايلاف

———————-

اللجنة الدستورية السورية تنهي جولتها الأولى.. إنكار للفشل/ سامر القطريب

أنهت اللجنة الدستورية بهيئتها المصغرة في جنيف أعمال جولتها الأولى لعرض ومناقشة أفكارها بهدف صياغة دستور سوري جديد، وركزت الجولة الأولى على إجراءات بروتوكولية للعمل دون تحقيق إجراءات بناء الثقة ومنها وقف القصف على إدلب، وسط عدم وضوح في موقف النظام السوري الذي لم يطرح أفكاره ورؤيته لصياغة الدستور عن طريق وفده، الذي تطلق عليه وسائل إعلامه “الوفد المدعوم من الحكومة السورية”، وليس “وفد الحكومة السورية”.

في حين أظهرت المعارضة “مرونة” في خطاب وفدها والذي لاقى انتقادات من معارضين سوريين وناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، تزامنًا مع تواصل القصف والغارات الجوية الروسية على محافظة إدلب.

سلة الإرهاب خارج المباحثات

طالبت المعارضة السورية، الجمعة، بمناقشة “سلة الإرهاب”، خارج إطار أعمال اللجنة الدستورية. جاء ذلك في مؤتمر صحفي ختامي بمقر الأمم المتحدة بجنيف، عقده الرئيس المشترك للجنة الدستورية عن المعارضة هادي البحرة، ورئيس هيئة التفاوض نصر الحريري. وقال الحريري في كلمته “نحن هنا وإذ نعلن نهاية الجولة الأولى، نثمن الجهود الخاصة التي بذلتها الأمم المتحدة (..) والجهود التي بذلتها أطراف دولية متعددة للدفع وتيسير عقد الاجتماع… نطالب بفتح سلة الإرهاب، ومناقشة هذا الموضوع خارج إطار أعمال اللجنة الدستورية”.

وختم بالقو: “نعلن أن وفدنا جاهز في 25 من الشهر الجاري (موعد الجولة الجديدة)، وسيذهب لتحضير أكثر بعد نقاش قضايا مهمة، والجولة الأولى انتهت بشكل معقول وتوصلنا لمدونة السلوك ومجوعة 45 وبدأت عملها وهو أمر جيد”.

من ناحيته، قال البحرة إن “افتتاح أعمال اللجنة الدستورية، وفتح النقاشات، لم يكن سهلًا، وكان على الجميع أن يرجح العقلانية، والجلسات كانت إيجابية، والمبعوث الأممي غير بيدرسون، قام بعمله بتيسير الجلسات دون تدخل، ويجلس مستمعًا مع فريقه، وتم إدارة الجلسات من قبل الرئيسين المشتركين”.

ورغم التصريحات الإيجابية القادمة من جنيف، يرى مراقبون أن بيدرسون لم يتمكّن من تحقيق أي اختراق، مثل وقف هجمات قوات النظام وروسيا على إدلب، أو إطلاق سراح المعتقلين لدى نظام الأسد. وهي خطواتٌ تدخل ضمن “إجراءات بناء الثقة” التي طالب بها قبيل انعقاد اللجنة، ولم يتحقق أي منها.

وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير، إن قوات الحلف الروسي – السوري قتلت 24 مدنيًا، منذ بدء اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف.

وفد النظام يمتنع عن طرح مقترحاته

أنهت الهيئة المصغرة أعمالها في المقر الأممي بجنيف، في خامس أيام اجتماعات لجنة صياغة الدستور المكونة من 45 عضوًا، بمناقشة الموضوعات المتعلقة بترابط السياسة والدستور، حيث قدمت المعارضة رؤيتها وأفكارها، في حين امتنع النظام عن ذلك. وخلال الجلسة الأولى قدم وفد المعارضة ورقة عمل تتضمن الأفكار والمقترحات التي وردت في كلمات أعضاء اللجنة الدستورية خلال اجتماعات الهيئة الموسعة الـ (150 عضوًا) الأسبوع الفائت، وذلك من أجل مناقشتها تمهيدًا لتضمينها في مشروع الدستور الجديد.

من جانبها قدمت مجموعة (المجتمع المدني) مجموعة أفكار شفهية من وحي مداخلات أعضائها خلال اجتماعات الهيئة الموسعة للجنة الدستورية، بينما لم يقدم وفد النظام أية أفكار لا شفيهة ولا مكتوبة، بحسب وكالة الأناضول.

ونقلت وكالة أنباء النظام (سانا) عن جمال القادري عضو وفد النظام أن الوفود المشاركة بدأت يومها الثاني من أعمال اللجنة المصغرة بالنقاش حول جدول الأعمال الذي تم اقتراحه من قبل الوفد “المدعوم من الحكومة السورية”، والذي يتمثل في تفريغ المداخلات التي وردت في اجتماعات اللجنة الموسعة وفرز ما هو دستوري فيها عما هو سياسي. وتابع أن “الكثير من المداخلات كانت مداخلات سياسية بعيدة إلى حد ما عن جوهر الموضوع”.

وستكمل الجلسات اللاحقة هذه النقاشات ومواضيع أخرى تم طرحها من قبل المجموعة الموسعة للجنة الدستورية خلال اجتماعاتها الأسبوع الفائت.

 وانطلقت أعمال اللجنة الدستورية في 30 من الشهر الماضي، في مقر الأمم المتحدة بمدينة جنيف السويسرية، من خلال جلسة افتتاحية تضم أعضاء اللجنة الموسعة الـ 150، موزّعين على ثلاثة قوائم تمثل نظام الأسد، والمعارضة، ومنظمات المجتمع المدني.

وتعد اللجنة الدستورية أحد أبرز مخرجات مؤتمر “سوتشي” الذي استضافته روسيا، نهاية شهر كانون الثاني/يناير 2018، ومن المقرر أن تعمل هذه اللجنة على صياغة دستور جديد لسوريا.

هل تغير خطاب المعارضة؟

قال رئيس وفد المعارضة السورية في اللجنة الدستورية هادي البحرة الأربعاء، “إن النصر في سوريا يأتي عبر تحقيق العدالة وكسب السلام وليس الفوز بالحرب”. وجاء ذلك في كلمة له خلال الجلسة الافتتاحية لأعمال اللجنة الدستورية السورية في مقر الأمم المتحدة بمدينة جنيف، برعاية من المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون.

وقال البحرة “آنَ الأوانُ كي نؤمنَ بأن النصرَ في سوريا، هو كلُّ شيءٍ عن تحقيقِ العدالةِ وكسبِ السلامِ، وليسَ الفوزَ في الحربِ، هذا النصرُ الوحيدُ الذي يمكن لجميعِ السوريينَ مشاركتَه، ويكونوا جزءًا منه”. وأضاف أنه “لا يمكن علاج خطابِ الكراهية وجرائمِها بكراهية مقابلة، ولا يمكن للجريمةِ أن تبرر جريمة أكبرَ، ولا يوقفُ الخطابَ الطائفيَ المقيتَ خطابٌ طائفيٌ معاكسٌ، ولا الإرهابَ بإرهابٍ مقابلٍ، فكلُّ ذلكَ أدَّى إلى مزيدٍ من التطرفِ”.

وتابع أن “دائرةٌ من العنفِ والقتلِ والتدميرِ، دائرة مفرغة لا نهاية لها ويجب أن تتوقف، من أجلِ أن نحافظَ على ما تبقَّى من وطنِنا”. وحول عمل اللجنة الدستورية، قال البحرة “بعدَ السنواتِ الثماني المؤلمةِ التي ابتلتْ شعبَنا في سوريا جئنا هنا من جانِبِنا عازمينَ على البحثِ عن أوجهِ التشابهِ بدلا من الاختلافاتِ”. ودعا إلى تغيير الواقع الراهن وطريقة تفكير السوريين والتوقف عن العمل على أساس الدوافع العاطفية.

وفيما يخص الوضع الراهن ومتطلبات الحل السياسي، قال البحرة “ما زالتْ حتى يومِنا هذا قضيةُ المعتقلينَ والمغيبينَ قسريًا دونَ حلٍّ جذريٍّ”. واعتبر أن ملف المعتقلين والمغيبين قسرًا أهم ملف يجبُ العملَ على حلِّه بأسرع وقت وبأنجعِ الطرقِ.

وشدد البحرة على ضرورة إطلاق سراح المعتقلين لدى جميع الأطراف السورية والسعيُ لمعرفةِ مصيرِ المفقودينَ والمغيبينَ قسريًا، واحترامُ حقَّ العائلاتِ بمعرفةِ مصيرِ أفرادِها.

من جهته قال رئيس هيئة التفاوض العليا نصر الحريري في تغريدة على تويتر: “تسع سنوات تقريبًا من القتل والتدمير والتهجير في بلدنا الحبيب.. حرقت الأخضر واليابس.. لم تبق حجرًا على حجر.. آن للجميع أن يدرك أنه لا يوجد حل عسكري للوضع في سوريا.. انتقال سياسي حقيقي هو الطريق الأسلم والأسرع لصون دماء السوريين ورسم مستقبلهم وإرساء مصالحة وطنية كفيلة بدوام الاستقرار”.

ماذا يريد نظام الأسد؟

تشدد المعارضة السورية على صياغة دستور سوري جديد، في حين أكد بيدرسون أنه “من الخطوة الأولى علينا ألا نركز إذا كنا سنعدل الدستور، أو نعتمد دستورًا جديدًا، لنركز على القضايا الأساسية والدستور وبعدها نقرر”. وعن الحل السياسي تابع قائلًا إن “هناك ما يكفي من مواضيع أمام اللجنة الدستورية ونسعى لحماية اللجنة حتى تتمكن من التركيز على عملها، وبعد القرار 2254 الذي له كثير من الجوانب للحل السياسي للأزمة، وهذا ما ذكر في مدونة السلوك”.

من ناحيته قال الرئيس المشترك عن وفد النظام أحمد الكزبري: “أنهينا قبل قليل الدورة الأولى للجنة المصغرة، وحاول وفدنا تقديم أفكار لتشكيل أرضية وطنية، نحن نؤمن بالوفد أن هناك ثوابت وطنية لا يمكن لأي سوري وطني إلا وأن يتفق معها بالمطلق”. ولفت إلى أن “الدورة القادمة بعد أسبوعين، وستكون لمدة أسبوع واحد فقط، وعمل اللجنة هو جزء من مسار الحل السياسي الأساسي، جئنا هنا لإصلاح دستوري قد يكون بتعديل مواد في الدستور الحالي، وسيبقى نافذًا ليقرر السوريون ذلك، ومنفتحون لوضع دستور جديد”.

ديمستورا يعترف

تزامنًا مع انعقاد اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، والتي لم يستطع عقدها المبعوث الأممي السابق إلى سوريا استيفان ديمستورا، كشف الأخير عن أسباب استقالته من مهتمه، والتي تعود إلى رفضه مصافحة رئيس النظام السوري بشار الأسد.

ونقلت صحيفة الغارديان البريطانية عن ديمستورا قوله: “لماذا تركت المنصب في آخر سنة؟ حسنًا، لأسباب شخصية، هذا ما أدليت به بشكل رسمي، أما بشكل غير رسمي فإني شعرت بأن الحرب في البلاد قد وصلت إلى نهايتها، كما أنني حاربت ضد ما جرى في حلب وإدلب وداريا، فلم أستطع أن أكون ذلك الشخص الذي سيقوم بمصافحة الأسد وأنا أقول: “معليش” (أي لا بأس)”. وذلك في إشارة إلى المدن التي سيطر عليها الثوار والتي تعرضت لقصف مركَّز قبل أن تسيطر عليها قوات النظام.

وتابع قائلًا: “لم أستطع أن أحلق ذقني في الصباح وأنا أقول معليش، لكن الحروب تنتهي بربح أو خسارة، وهذه الحرب انتهت بخسارة للبلد”.

—————————-

سوريا… الأسد أفشل «اللجنة الدستورية» قبل انعقادها!/ صالح القلاب

حتى لو أن «اللجنة الدستورية السورية» قد انعقدت فإنه من المبكر جداً التفاؤل بتحقيق أي إنجاز لحل هذه الأزمة التي بقيت تزداد تعقيداً وتفاقماً كل هذه السنوات الطويلة وحيث تحول هذا البلد الذي ابتُلي سابقاً ولاحقاً بأبشع الأنظمة التي عرفتها هذه المنطقة دموية وأكثرها سوءاً هو هذا النظام الذي تربّع على كرسي الحكم فيه بشار الأسد بضربة حظ وفَّرها له مقتل شقيقه الأكبر باسل بطريقة لا تزال تدور حولها تساؤلات كثيرة!

إنه ليس مهماً أن تنعقد هذه اللجنة، إنْ في جنيف أو في غيرها، ما دام هذا البلد بات ممزقاً على هذا النحو وأنه غدا يخضع لاحتلالات كثيرة: الاحتلال الإيراني، والاحتلال الروسي، والاحتلال الإسرائيلي، وأيضاً الاحتلال التركي… وكل هذا بينما الملايين من شعبه باتوا مشردين كلاجئين في أربع رياح الأرض وبينما سجون هذا النظام «تتْرعُ» بمئات الألوف من الذين بقوا على قيد الحياة ولم يلتحقوا بعد بالذين كان مصيرهم المقابر الجماعية المنثورة في كل مناطق الجغرافيا السورية.

لقد أصبحت تركيا الإردوغانية آخر المحتلين لهذا البلد العربي ولعلّ ما من المفترض أن يوجع قلب كل من فيه ولو مجرد ذرة من العروبة أن إردوغان، الذي جاء متأخراً قرناً كاملاً منذ زوال «الإمبراطورية» العثمانية، قد أعلن أن من حقه كوريث للعثمانيين أن يوجد كمحتلٍّ إنْ في ليبيا وإنْ في أي مكان كان مرَّ به أجداده العثمانيون خلال القرون الأربعة وأكثر من حكمهم المتخلف للعالم العربي إنْ في أفريقيا وإنْ في آسيا وإنْ في كل مكان.

ثم وإنه من المبكر جداً الحديث عن انتخابات سورية رئاسية وبرلمانية وأي انتخابات أخرى ما دام «القُطر العربي السوري» بات ممزقاً سياسياً وجغرافياً وأنَّ الإيرانيين والروس والإسرائيليين والأتراك أيضاً والأميركيين قد أصبحوا «يتقاسمونه» وعلى هذا النحو بينما نظامه الذي كان رئيسه، الذي وصلت إليه الرئاسة بضربة حظٍّ، لا يسيطر سيطرة فعلية ولو على مجرد موطئ قدم حتى في دمشق نفسها… اللهم باستثناء قصر الرئاسة في المهاجرين الذي تتولى حراسته مجموعات من مغاوير الجنرال الإيراني قاسم سليماني.

وهذا يعني أنه ما دامت الجغرافيا السورية، وللأسف، ممزقة وعلى هذا النحو وما دام أن «القطر العربي السوري» يخضع لكل هذه الاحتلالات فإنه من المبكر جداً الحديث عن انتخابات رئاسية وبرلمانية فيه في المدى المنظور حتى وإن كان «عَلم البعث» لا يزال يرفرف على بعض أبنيته الحكومية والحزبية حتى وإنْ كان من خَط الشيب شعر رؤوسهم وشعر لحاهم أيضاً يتذكرون ذلك الشعار البعثي القائل: «أمة عربية واحدة… ذات رسالة خالدة»!

وهنا وما دام الشيء بالشيء يُذْكر فإنَّ عبقرية أحد رموز هذا الزمن الرديء قد تفتقت في لحظة انشراح عن إطلاق تصريح مدوٍّ «تناهشته» وسائل الاتصال الجماهيري قال فيه: إنه ستتم قريباً عودة سوريا إلى عروبتها… وذلك مع أن المعروف أن هذا البلد الذي كان يوصف ولا يزال بأنه «قلب العروبة النابض» لم يغادر عروبته وأنها لم تغادره على الإطلاق حتى خلال «الهيمنة» العثمانية التي طالت لأكثر من أربعة قرون قاسية، وخلال المرحلة «الصليبية» وأيضاً خلال الاحتلال الفرنسي… وإلى الآن وحتى هذه اللحظة.

إنه لا جدال إطلاقاً في أنَّ سوريا تمر الآن بلحظة تاريخية مريضة وصعبة لم تمر بها لا في عهد الفرنجة «الصليبيين» ولا في عهد المغول والتتار والعثمانيين وأيضاً الفرنسيين وفي الفترة اللاحقة، والمعروف أن البداية كانت انقلاب أديب الشيشكلي في عام 1949 الذي تلاحقت بعده سلسلة الانقلابات العسكرية وآخرها انقلاب حافظ الأسد على «رفاق دربه» في عام 1970 وحيث انتهى الأمر إلى ابنه بشار الذي رفع شعار: «سوريا المفيدة» التي غدت أوضاعها هي هذه الأوضاع المأساوية، وحيث باتت هناك كل هذه الاحتلالات، لكن ومع ذلك فإن عروبة هذا البلد لم تغادره ورغم أنه قد قدم منذ عام 2011 أكثر من مليون شهيد وأنه قد تم نثر أبنائه كلاجئين تجاوز عددهم الستة ملايين في كل أرجاء الكرة الأرضية وهذا بالإضافة إلى نزلاء السجون الذين تشير بعض التقديرات إلى أن عددهم قد تجاوز المليون سجين.

والمشكلة هنا تكمن في أن الأميركيين، حتى قبل التخلص من الإرهابي (أبو بكر البغدادي)، بات بعضهم يتحدث عن إمكانية التفاهم مع هذا النظام الذي في ضوء كل ما أصبحت عليه سوريا لا قرار ولا رأي له، وهذه مسألة باتت معروفة ومؤكدة، ثم فوق هذا فإنّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غدت مرتبكة وليس لديها موقف واضح ومؤكد تجاه هذه الأزمة التي أصبحت شديدة التداخل والتعقيد، والدليل هو أن الأميركيين مرة يعلنون عن انسحابهم من هذا البلد انسحاباً نهائياً وتركه للمتدخلين الآخرين ثم لا يلبثون أن يتراجعوا، وهذا هو ما حصل مؤخراً بتكثيف وجودهم العسكري في دير الزور بحجة حماية مناطق النفط في هذه المنطقة.

إنَّ ما يجب أن تدركه هذه الإدارة الأميركية هو أن الشرق الأوسط بمعظم دوله، وبخاصة سوريا والعراق وتركيا ولبنان وأيضاً بعض الدول التي تعاني من أزمات «نائمة» قابلة للانفجار في أي لحظة، كان ولا يزال سابقاً ولاحقاً وحتى الآن أكثر مناطق العالم حيوية وأهمها وضعية استراتيجية، ولذلك فإن تركها للمنافسين الآخرين يعد «سذاجة» سياسية ستدفع ثمنها دولة تعدّ نفسها، وهي كذلك، أهم وأقوى دولة في الكرة الأرضية.

وعليه فإن ترك سوريا للإيرانيين والروس وتركيا «التنظيم العالمي لـ(الإخوان) المسلمين» بقيادة رجب طيب إردوغان، ولإسرائيل أيضاً، يعني بالنسبة إلى الولايات المتحدة حماقة فادحة لا يجوز أن ترتكبها دولة لها كل هذه المصالح الحيوية والاستراتيجية في هذه المنطقة، وحيث إن «الإبقاء» على هذا النظام الذي على رأسه بشار الأسد يعني ترك أبواب هذا البلد مفتوحة على مصاريعها للمزيد من التشرذم والاقتتال والحروب الأهلية وإفساح المجال لأي متدخلين وجعلهم يزدادون تدخلاً ويزدادون سيطرة على البحر الأبيض المتوسط وبخاصة شواطئه الشرقية – الشمالية.

ولذلك فإنه على هذه الإدارة الأميركية، المصابة بالارتباك تجاه هذه المنطقة، أن تدرك أن أي حلٍّ للأزمة السورية يُبقي على بشار الأسد ونظامه، سيكون فاشلاً وأنه سيؤدي إلى المزيد من العنف والاقتتال والمزيد من الإرهاب، وتجارب التاريخ البعيد والقريب تعزز هذا وتؤكده، والمثل العربي، الذي ربما أن الرئيس دونالد ترمب لا يعرفه ولم يسمع به، يقول: «السعيد من اتّعظ بغيره والشقي من اتّعظ بنفسه»!

وهكذا وفي النهاية فإنه لا أمل إطلاقاً في أي انفراج سياسي في سوريا ما دامت أوضاعها هي هذه الأوضاع المأساوية وما دام بقي هذا النظام الذي أوصلها إلى كل ما وصلت إليه، ولذلك فإنه غير متوقع وعلى الإطلاق أن تحرز اللجنة الدستورية، التي عدد أعضائها 150 عضواً غالبيتهم يمثلون بشار الأسد ونظامه، أي تقدم بالإمكان المراهنة عليه، ولعل ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن رئيس النظام السوري قد بادر إلى قطع الطريق على هذه اللجنة بالقول في تصريح له: إن أي تعديل للدستور، أي الدستور السوري، يتعارض مع مصلحة الوطن سنقف ضده! ولذلك فإن الأفضل والأجدى هو العودة لإنعاش ما تبقى من المعارضة السورية التي كانت قد أُصيبت بداء «الشرذمة» مبكراً، وحيث وصل عدد تنظيماتها إلى ألف تنظيم معظمها تنظيمات وهمية لا وجود لها… وللأسف!

الشرق الأوسط

————————

على هامش اللجنة الدستورية… بهدوء نسبي/ موفق نيربية

«إلى أين يمكن أن يتطور انطلاق أعمال اللجنة الدستورية، وكم هو كبير دورها في مستقبل سوريا السياسي، سوف يتقرر حالياً. من المؤكد أن نظام الأسد يود ألا يرى لها إلا الحد الأدنى من الأثر، في حين نريد نحن رؤية الحد الأعلى لذلك الأثر، وهنا تتوضع بؤرة التوتر بيننا وبين الروس. هم في منطقة بين النقطتين المذكورتين. بدون الروس لم يكن ممكناً التوصل إلى هذه اللجنة الدستورية، ولكن إلى أي حد يحتاجون إلى قرى باتيومكين لدعم الأسد حليفهم الأساسي، وإلى أي حد يدركون أنهم يرثون ملكية هذه «الفاخورة» التي هي مجرد أنقاض في باحة مقبرة – إن استعرنا تعبير كولن باول- فهذا شيءٌ آخر. ونحن نحاول توضيح هذه المسألة لهم، وأن موقفهم سوف يكون جزءاً من أنقاض تلك المقبرة، حتى يرى المجتمع الدولي نوعاً من التحرك باتجاه قائمة المواضيع التي تخصنا، والأجوبة على مواضيعنا وسياساتنا، التي تعرفونها جميعاً».

المتحدث هنا كان دبلوماسيآً كبيراً في لقاء صحافي في الخارجية الأمريكية – هو غالباً المبعوث الخاص جيمس جيفري- يوم الأربعاء الماضي في السادس من نوفمبر.

وقرى بوتيومكين، كناية عن المظاهر البراقة التي عرضها قديماً الماريشال الروسي بوتيومكين على الإمبراطورة كاترينا، التي كانت تخفي الجوهر والمضمون السيئ.

وما يهمّ هنا هو المناخ الذي يثيره كلام ذلك الموظف الكبير، الذي يوحي من دون لبس بأن ما نراه هو غبار اللجنة الدستورية، أكثر مما نرى تربتها الزراعية.

وحدهم السوريون للأسف يتوقفون عندها، ويكادون لا يتزحزحون، فيعتبرها بعضهم خيانةً لكل من وافق عليها، أو شارك فيها، أو دعمها، أو حتى رأى فيها بارقة أمل خافتة؛ ويعتبرها بعض آخر مدخلاً لتبرير تنازلاته أمام النظام، وتسليمه بعجز السوريين عن التغيير، ولاستعجال الوصول إلى دمشق الأسد.

تلك هي الملاحظة الأولى في هذا الموضوع، أما الثانية فتتعلق بمبدأ كتابة مسودة للدستور، أو العملية الدستورية كما تُسمّى. والسؤال الأول حول إمكانية الفصل بين العملية السياسية، أو الانتقال السياسي من جهة، والشروع بصياغة الدستور أو معالمه الأساسية، حيث تُوجّه سهام النقد الأكثر عنفاً من قبل الشارع السوري المعارض، ومعه عناصر نخبوية تحمل الرأي نفسه أو يحملها. يتركّز هذا النقد على كون عمل اللجنة الدستورية تضييعاً للهدف، وتفريطاً بأولوية العملية السياسية، أو التغيير والانتقال من حال الاستبداد والفساد والتفريط إلى نظام قامت الثورة من أجله وفي سبيله.

جوهر الملاحظة الثانية هو ضرورة وقف تماهي العملية السياسية مع تلك الدستورية في مسار واحد، الذي لا يأتي بمواجهة لمتطلبات الحاضر، ولا بملامح المستقبل في الوقت ذاته. ويلاحظ هنا ما فعله وفد النظام، وأكد فيه على سياساته السابقة، إذ تابع الإصرار على مناقشة «مكافحة الإرهاب»، في دمج على طريقته للعملية السياسية كما يرغب بها مع تلك الدستورية. فمبحث الإرهاب يفتح على طرحه من قبل النظام لوظيفته المزعومة في مكافحة هذا الإرهاب، ومن ثم ضرورة استمراره وبقائه، بما يغلق على العملية السياسية، من حيث هي انتقال وتغيير. لذلك كان موقف وفد المعارضة صحيحاً في قبول بحث مسألة الإرهاب وتبنيها، على أن تستقل في مكانها ولجانها على طاولة أخرى ومع وفودٍ أخرى، وتبقى اللجنة الدستورية، وقفاً على البحث في المسائل الدستورية وحدها.

من جهة أخرى وملاحظة ثالثة، لا يمكن للمسار الدستوري أن يتقدم في العمق، من دون متابعة شعبية أو تعبير الرأي العام عن نفسه، ومشاركته في صناعة التوجهات المتعلقة به وصياغتها. فاللجنة الدستورية يمكنها أن تحسم خيارات استراتيجية في بعض المسائل، يمكن أن تسهم في تعقيد المسار السياسي وزيادة أزمته. ومن أجل ضمان مثل هذه المتابعة والمشاركة، لا بدّ من تحقيق خطوة واسعة باتجاه الأمن ووقف القتال والاعتقال والقمع وما في حكم ذلك من ضغوط. ولا يمكن الموافقة على اعتبار أننا دخلنا في مرحلة «ما بعد الصراع أو النزاع» كما يقولون، لنتمتع برفاهية صياغة مسودة للدستور، ورسم ملامح سوريا المستقبل. فلعلّ مناقشات جنيف الحالية تتوقف عند هذه المسألة، ويتمسّك ممثلو المعارضة والمجتمع المدني، بل ممثلو السوريين كلّهم، بذلك الخيار، ولو بالتداخل مع دوامات العمل التي يحاول النظام فرضها، مع تيار ينطلق من مضامين مسار أستانة.

وملاحظة ثالثة، قد تكون خداعة في ذكر ما لا تراه المعارضة، أو بعضها الأقل تمثيلاً واستقلالية، وهي في أهمية وجود المساهمين الأساسيين في هذا النزاع كلهم، من السوريين أولاً، بمعنى وطني عام، وثانياً بمن فيهم الأكراد كجماعة سورية لها ممثلوها السياسيون، ثالثاً من القوى الإقليمية والدولية. ومن جهة السوريين، مع ما نراه من التفاخر اللافت بسورية المناقشات وقيادتها، التزاماً ظاهرياً بقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، فكما أنهم لا يمكن أن يرضوا بتمثيلهم هذا، لا من طرف المعارضة، ولا المجتمع المدني على الأقل، ولكن أيضاً ينبغي ألا يرضوا عن تمثيل طرف النظام ومؤيديه، والذي يؤكد بشار الأسد أنه لا يمثل الحكومة، لكنها تدعمه. الدفع الأول ضد هذا الطرح المتهافت، ينبغي أن يقوم على التساؤل حول مدى تمثيل ممثلي النظام بالفعل من الناحية الاجتماعية والسياسية والتاريخية. يتأكّد هذا الرأي برؤية العديد من هؤلاء وقد تم اختيار العديدين منهم من المخبرين أو المرتهنين وحسب، مع ضمانات كافية لوقوفهم العصبوي مع تمرير سياسات النظام، مثل تضييع الوقت، أو تعطيل العمل، أو حرف الأنظار عن كلّ ما هو في جدول الأعمال المفترض أممياً. إن عمق تنفيذ توجه الأمم المتحدة نحو توفير الضمانات الأمنية لأعضاء الوفود وعائلاتهم هو الذي يحدد درجة حقيقة هذا التمثيل وفاعليته.

ملاحظة رابعة في مرجعية اللجنة واجتماعاتها، فضامنو أستانة الثلاثة: روسيا وتركيا وإيران، يحاولون بكلّ ما في وسعهم جعل مرجعية الاجتماعات في مؤتمر سوتشي، أو في توجهات أستانة عموماً، بما في ذلك ضمانات وإشراف القوى الثلاث. ولا يتنافى هذا التوجه مع اهتمام الروس بمسار جنيف الدولي، مع تلبيسه شكل المنفّذ لتوجهات أستانة وقراراتها، وتغييب شرعيته الدولية. تتنافس تركيا وروسيا حالياً على تأمين تأييد الأطراف الأخرى، كدول الخليج مثلاً، وكذلك أوروبا والولايات المتحدة، وهنا يوجد تداخل مع الملاحظة السابقة بالطبع. وفي جميع الأحوال، لا بدّ من التعامل مع هذه المسألة بالدقة الكافية، ولأسباب متنوعة لا تتركز في شرعية المرجعية وأمانها، بل أيضاً في إعادة القوى المتدخلة إلى أحجامها الأصلية، وإعادة تمثيل السوريين الفعلي أيضاً إلى حجمه.

ليس سهلاً أبداً تسويق المشاركة في عمل اللجنة الدستورية أو دعمها، لا بين غلاة مؤيدي النظام، وغلاة المعارضة وحدهم، بل أيضاً بين جمهور عريض يتوزع بين مواقع اللجوء والنزوح والحصار والأزمة المعيشية الخانقة، لا في مناطق يمكن أن تغلب عليها صفة المعارضة داخل وخارج سوريا، ولا في مناطق تخضع لنظام فاقد للمصداقية، ولأسباب البقاء في أدناها بعد تدهور حالته إلى الدرك الذي ينعكس في كلام الأسد وأدواته ومؤسساته، إن كان ما زال ممكناً الحديث عنها كمؤسسات.

ورغم الملاحظات جميعها، ينبغي ألا تتوقف النخب السورية المعارضة عند اللجنة الدستورية وتتجمّد عندها، هروباً من مهمات أكثر راهنية وضرورة، مثل إعادة ترابط مجموعات الشعب السوري في توضعاته الحالية المتباعدة أكثر فأكثر، وتنظيم هذا الشعب سياسياً بشكل جديد ينفي القوى القديمة ويتجاوزها من دون جمود، مع بناء التحالفات واللقاءات وعمليات التأسيس الجديد. فلا شيء ليربحه أي شعب، يخسر نفسه شيئاً فشيئاً.

وفي ما يخص اللجنة الدستورية، ربما يكون صحيحاً أن نؤكد على استقلاليتها عن عملية الانتقال السياسي، ولا نسمح بتهميش الأخيرة، مع التمسك بأسبقية تنفيذ البنود الإنسانية «ما فوق التفاوضية» التي ذكرها القرار 2254.. وحين تكون الشرعية الدولية هي المرجع، سيكون مفيداً لنا مبادئ دستورية أو فوق دستورية نتوصل إليها.

ولا بأس باستكشاف إلى أين وصل الآخر، على ألّا نقع في غرامه، أو في فراشه.

كاتب سوري

القدس العربي

—————————-

“الدستورية”:”المجتمع المدني”يطالب بيدرسن بوقف الهجوم على إدلب

بحث أعضاء من لائحة المجتمع المدني في “اللجنة الدستورية”، مع المبعوث الدولي إلى سوريا غير بيدرسن، صباح الخميس، تصعيد العمليات العسكرية للنظام في إدلب، قبل انعقاد جلسات عمل “الدستورية”. وأكدوا خلال اللقاء، على أهمية وقف التصعيد على إدلب. في غضون ذلك تحضر “هيئة التفاوض السورية” رسالة موسعة ستُقدم إلى الأمم المتحدة حول تصعيد النظام على إدلب، تطالب فيها بوقف الحملة العسكرية وحماية المدنيين، بحسب مراسل “المدن” صبحي فرنجية.

وعلمت “المدن” من مصادر خاصة في جنيف، أن المعارضين من أعضاء لائحة المجتمع المدني في “اللجنة المصغرة”، طلبوا فور وصولهم مبنى الأمم المتحدة، الخميس، لقاء بيدرسن، للتأكيد على أن الهجمات التي يشنها النظام والروس على المدنيين في إدلب ستؤثر سلباً على عمل “اللجنة الدستورية”.

وقالت المصادر إن الأعضاء أكدوا لبيدرسن، ضرورة الضغط على النظام لوقف التصعيد في إدلب، ما يُهددُ بأثار سلبية جداً على مسار “الدستورية”، كما طالبوه بعقد جلسة طارئة في مجلس الأمن لإدانة العدوان والمطالبة بحماية المدنيين.

وشدد الوفد على أهمية أن يُصدر المبعوث الدولي بياناً رسمياً يطلب فيه من النظام وقف عملياته العسكرية على إدلب، ويؤكد فيه على أن هذه العمليات العسكرية لا تتفق مع إجراءات “بناء الثقة” التي يجب أن تترافق مع إنطلاق أعمال “الدستورية”.

من جهته، قال عضو “اللجنة المصغرة” عن لائحة “المجتمع المدني” مازن غريبة، لـ”المدن”، إنه خلال اللقاء مع بيدرسن، فقد أكد الأعضاء أنه في حال كانت الأمم المتحدة تريد حقاً إنجاح العملية الدستورية، فإنه ينبغي الضغط على جميع الأطراف من أجل وقف الأعمال العدائية على إدلب فورا، وأضاف أن بيدرسن تعامل مع الطلب بإيجابية، وأكد للوفد أن إنجاح العملية الدستورية يجب أن يتزامن مع وقف جميع الأعمال العدائية، وأكد أنه سيحدث مع ممثلي الدول فوراً، وسيتواصل مع الجانب الروسي لبحث الموضوع وضرورة وقف العمليات العسكرية.

إلى ذلك، تقوم “هيئة التفاوض السورية” بتحضير مذكرة لتسليمها إلى الأمم المتحدة، تؤكد على ضرورة وقف القصف على إدلب، وحماية المدنيين، وعدم استخدام حجة وجود المنظمات “الإرهابية” لشن عمليات عسكرية في إدلب تودي بحياة المدنيين، وتُسفر عن موجة نزوح جديدة.

وكان وفد النظام خلال مداخلاته في اجتماعات “اللجنة الدستورية الموسعة”، الأسبوع الماضي، قد حاول تبرير الحملة العسكرية على إدلب، بالادعاء أهنا “حاضنة للإرهاب”، وأن القوى فيها “إرهابية”، الأمر الذي أزعج وفد المعارضة الذي أكد على أن قتل المدنيين بحجة “الإرهاب” هو جريمة لا يمكن تبريرها.

———————–

أوهام اللجنة الدستورية ونتائجها المرتقبة/ فايز سارة

يستند تشكيل اللجنة الدستورية السورية إلى فكرة روسية أساسها أن الحل في سوريا، يتطلب إصدار دستور جديد. وقد ذهب الروس إلى أبعد من الاقتراح، حيث قدموا مشروع دستور مكتوب في كانون الثاني(ديسمبر)2017 إلى وفد المعارضة المسلحة المشارك في محادثات وقف إطلاق النار في آستانة على أمل أن يساهم في “تسريع المفاوضات السياسية لإنهاء الصراع” وفق ما قاله مبعوث الكرملين إلى آستانة حينها.

وأخذ المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان ديمستورا -بضغط من موسكو- الفكرة، فجعلها في واحدة من أربع سلال، هدفها تنفيذ القرار الدولي 2254 القائل بانتقال سياسي عبر “إنشاء حكم غير طائفي يضم الجميع” و”وضع مسودة دستور جديد”، و”إجراء انتخابات حرة ونزيهة بإشراف الأمم المتحدة” و”مكافحة الإرهاب”، وفي العامين الماضيين اختفت ثلاثة، وبقيت سلة وضع الدستور وحيدة، وتم تشكيل اللجنة وسط ربط هش بالقرار الدولي 2254 ومحادثات جنيف. وهو ما يؤكد أن اللجنة الدستورية الحالية، لا تتصل بسياق قوي بمباحثات جنيف وسلالها الأربعة المتصلة بتطبيق القرار الدولي 2254.

غير أن واقع اللجنة الدستورية الحالية يتعدى ما سبق إلى مشكلات أخرى، تمثل مجموعة معطيات وأوهام تحيط باللجنة الدستورية، وتجعل منها كارثة تضاف إلى كوارث، انصبت على السوريين، وعملت على تدميرهم وقضيتهم في الأعوام التسعة الماضية.

لقد أظهر المجتمع الدولي سواء من خلال مؤسساته -ولاسيما الأمم المتحدة- أم من خلال دبلوماسيات الدول المتابعة للقضية السورية اهتماماً ملحوظاً بتشكيل اللجنة الدستورية باعتبارها مدخلاً لفتح بوابات نحو حل القضية السورية. والحقيقة غير ذلك تماما، وهذا ما تعرفه الأوساط الدبلوماسية سواء في الأمم المتحدة أم في خارجيات الدول المهتمة والمتابعة للقضية السورية. فكلها تعرف أن طبيعة نظام الأسد بما هو نظام دكتاتوري مستبد وإجرامي، يرفض الحلول السياسية، ويصر على الحل العسكري- الأمني، هو المشكلة، وليس وضع دستور، بل إنهم يعرفون أن سوريا يمكن أن تحكم بـ “الدستور الحالي” الذي جرى إقراره على 2012 مع تعديلات بسيطة على نحو ما حدث في عام 2000 عندما جرى تعديل الدستور في دقائق، ليناسب عمر بشار الأسد، لإتمام ترشيحه لرئاسة الجمهورية.

ولأن الأوساط الدبلوماسية عاجزة -كما حال الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في مثال أول- أو أنها لا ترغب -لسبب ما- في الذهاب إلى حل حقيقي للقضية السورية -كما هو حال روسيا والولايات المتحدة في المثال الثاني- فإنها تتوافق على تسويق وهم أن اللجنة الدستورية يمكن أن تشكل بوابة حل أو مدخلاً في هذا الاتجاه، ويسوق هؤلاء الوهم مقروناً برسالة يبعثونها إلى العالم ومنه السوريين، خلاصتها أن المجتمع الدولي مهتم ويشتغل على القضية ولا يهملها.

إن المجتمع الدولي، يعرف أن التحالف الروسي- الإيراني مع نظام الأسد، رفض على مدار الأعوام الماضية الحل الدولي للقضية السورية ولا سيما بيان جنيف 2012 ومفاوضات جنيف عام 2014 وجولاتها اللاحقة، وأصر على الحسم العسكري، وغطى إصراره بطروحات “سياسية” من طراز آستانة وسوتشي وإصدار دستور جديد للقضية السورية، فيما كان يراهن على كسب الوقت لتحطيم المعارضة، ودفع السوريين إلى الاستسلام، والمجتمع الدولي إلى الرضوخ.

وتتشارك المعارضة السورية المعارف السابقة، ولا سيما الائتلاف الوطني والهيئة العليا للمفاوضات، يعرفون أكثر عن تفاصيل طبيعة النظام وسلوكاته، كما عبر عنها في مفاوضات تواصلت في محطات متعددة منذ جنيف 2014، ولم تصل إلى إنجاز واحد على طريق وقف قتل السوريين، وليس حل القضية السورية.

غير أن ما تملكه المعارضة من معلومات وخبرات عن سياسة النظام وحلفائه ولا سيما الروس، لم يدفعها نحو موقف جدي في موضوع اللجنة الدستورية أو مسار عملها، فلم ترفض تشكيل اللجنة، ولا وضعت اشتراطات وقيود من شأنها تحسين الصيغة ومسار العمل على أمل الوصول إلى نتائج أفضل، بل سرعان ما رحبت بتشكيل اللجنة، وأظهرت حماساً لها في موقف بدا شديد التهافت، ولا يتناسب مع مكانة أصحابه في ادعاءاتهم تمثيل القضية السورية.

إن الأساس في الموقف المتهافت للمعارضة في موضوع اللجنة الدستورية ومسار عملها في خطواته الأولى، لا يكمن فقط، في ما هو متفق عليه في ضعف المعارضة السياسي والتنظيمي ومن حيث الأداء، بل هو نتيجة لعاملين اثنين إضافيين، تكثفا في الأعوام الأخيرة، أولهما تزايد حضور الشخصيات الهامشية في قيادة المعارضة، وهذا أمر واضح في الائتلاف الوطني وفي الهيئة العليا للمفاوضات، إضافة إلى تزايد عدد المرتبطين بأجندات وأجهزة أمنيه لدول مهتمة وذات صلة وتأثير في القضية السورية، وقد جرى دفع عدد من هؤلاء ليكونوا ضمن الوفد الذي يمثل المعارضة في اللجنة الدستورية.

ويتجاوز السوء والتردي واقع المعارضة في العلاقة مع اللجنة الدستورية إلى سوء وترد آخر، يتصل بتشكيل الوفد الممثل للمجتمع المدني الذي يبطن تفاهماً ضمنياً في اقتسامه أو تقسيمه بالمناصفة أو قريباً منها بين السلطة والمعارضة، والنصف القريب من الأخيرة، فيه ارتباكات لا تماثل ارتباكات وفد المعارضة من حيث هامشيتها وارتباطاتها فقط، بل تضيف إليه، وجود شخصيات لا ضوابط لها بعضها استعراضية وأخرى تناقض مواقف المعارضة، وثالثة جرى ضمها للوفد وفق مقاييس المبعوث الدولي وفريقه.

وعلى الرغم من كل مساوئ وفد المعارضة والمجتمع المدني، فإنها يمكن أن تكون أفضل مقارنة بما عليه حال وفد لنظام، وقد ترافق انعقاد الجلسة الأولى للدستورية بفضيحة وجود اثنين من ضباط مخابرات النظام بين أعضائه، ولكل منهما تاريخ أسود في اعتقال المعارضين السلميين وتعذيبهم، وهو أمر يتجاوز فكرة أن أعضاء وفد النظام هم من مؤيدي النظام.

وسط معطيات الصراع في سوريا وحولها، وما يحيط بتشكيل اللجنة الدستورية من ظروف ومعلومات وحقائق، وفي ظل طبيعة أعضاء اللجنة بوفودها الثلاثة، يطرح سؤال عما يمكن أن ننتظره من اللجنة. والجواب الأولي والبسيط هو اللاشيء. لكن مع بعض التدقيق سوف يأخذ الجواب اتجاهاً آخر جوهره أننا سوف ننتظر كارثة أخرى تحل بالسوريين بفعل هذه اللجنة. ليس بسبب إعطاء النظام وحلفائه مزيداً من الوقت لربح الصراع ضد السوريين. بل أيضا بإعطائهم فرصة تحقيق خروقات سياسية وتنظيمية في وفدي المعارضة والمجتمع المدني، ما سينعكس ضعفاً متزايداً على الأخيرين، وزيادة في قوة النظام في ميدان الصراع.

إن حسابات صغيرة وبعض الأوهام، تحيط بموضوع اللجنة الدستورية، توضح جوانب منها رسالة كتبتها عضو في اللجنة قالت “شاركتُ اليوم بالجلسة الافتتاحية لأعمال اللجنة الدستورية، ضمن مجموعة المجتمع المدني، واتسمت الجلسة بجو إيجابي عموماً وتركيز على مفاهيم المواطنة المتساوية والعدالة. مع إدراكي لكافة التحفظات التي تم تداولها والمتعلقة بالعملية الدستورية، فإن مشاركتي تنطلق من كونها خطوة في مسار الانتقال السياسي والتغيير الجذري في سوريا، والذي نعمل لأجله جميعنا بمقاربات قد تختلف مداخلها لكنها تفضي لهدف واحد بإنهاء حقبة الحكم الشمولي والقمعي والعبور لدولة القانون والمواطنة يستعيد فيها الإنسان السوري حقوقه على كافة الصعد، ويبني مستقبلا مستقرا ومزدهرا على قدر مسؤوليتنا تجاه الأجيال السورية القادمة”.

بروكار برس

 —————————

الأسد ومدونة السلوك.. منهج قاتل ونتائج مضللة/ نزار السهلي

عندما أنهت اجتماعات جنيف السورية قبل أيام جلساتها الموسّعة لمناقشة الدستور؛ تم إقرار فقرة سميت “مدونة سلوك”، تضبط عمل أعضائها والرؤساء المشاركين فيها، بعد أن تم التداول بشأنها، وفيما كان المجتمعون بين هرج ومرج، وتبادل للغمز والنظرات، استأنف النظام وحليفه الروسي الداعم لكتابة دستور جديد، القصف المُركز على بلدات وقرى محافظة إدلب. المقصود أن مدوّنة السلوك، بل كل الدستور، لا تعني لا النظام، ولا حلفاءه المقتنعين بأن المناقشات التي رتبتها موسكو مع حلفائها، بدعم من المنظمة الدولية، هي ملهاة جديدة تساعد النظام في إتمام سلوكه المسكوت عنه.

وبما أن الأسد يتمدد بسيطرته، وثابت على منهجه الذي خبره السوريون، فلن يحدث شيء يجعلهم يفرقون بين البدء بكتابة دستور وقبله، وحدها الحماقة التي مارسها المجتمعون على نية تغيير نية الأسد “بالحسنى الدستورية”، هي التي يستفيد منها الأسد. هنا نستذكر ما قاله الراحل إدوارد سعيد، عن مفاوضات طابا عام 2001، وعن المفاوض الفلسطيني الذي يدخل قاعة المفاوضات متسلحًا بفهلويته الخطابية وتصريحاته الإعلامية، دون أن يحمل خرائط ووثائق تسانده في موقفه، حينها قال “المفاوض يتسم بالغباء”.

كثيرة هي الوثائق والدلائل التي تسلح بها السوريون، والتي تنسف مصداقية قبول أو رغبة النظام في النزول عند رغباتهم وتطلعاتهم، والمقارنة بين ما أورده المفكر إدوارد سعيد عن المفاوض الفلسطيني، هي تمامًا ما تستخدمه عقلية النظام السوري وحليفيه الإيراني والروسي. كل الملفات المتعلقة بالتدمير الشامل والتهجير والقتل تحت التعذيب واستخدام الأسلحة المحرمة، تُلزم السوري بالمطالبة بمناقشة بند واحد، يتعلق بإحالة النظام وأركانه إلى محاكم دولية، أما الاستخفاف والغوص في مناقشة الدستور، والبحث عن وثائق منذ نصف قرن أو أكثر، لمقارنتها والاستفادة منها، فهذا ضرب من الحماقة المستمرة.

مجرد استمرار الجرائم يسقط بلاهة الحلول التي يحاول نفاق المجتمع الدولي تغطية جرائم النظام بها، انتهى الاختبار منذ تسعة أعوام للتحري عن أسلوب وعقلية النظام. في اجتماعات جنيف الدستورية، كاد بعض السوريين الموالين لسياسته، أو بعض الواهمين، أن ينسى طبيعته؛ فجاءهم ليذكرهم بطبيعته، ليعيد أجواء الرعب فوق المدنيين وتحتهم. هذا المنهج القاتل والدموي للنظام لا تحجبه نتائج مضللة في ترتيب “نقاشات جنيف” فيما كل الملفات مؤجلة، هذه ليست ألاعيب النظام، هي حقيقته التي أفصح عنها وزير خارجيته منذ عام الثورة الأول، حين استعار كلمات شامير عن جرجرة السوريين عشرات السنوات للمفاوضات، وقال هذه لعبتنا.

حصة الأسد من نقاش السوريين هي حصته من دمهم، هذا المغزى والمعنى ليس مجازيًا، حين يشارك قتلة السوريين في مفاوضتهم على ما تبقى من دمهم، وحين يقبل من يمثلهم أو يمثل دمهم القفز على الأساس الذي ثار عليه شعبهم للتخلص من قاتلهم، فذلك من شأنه ضمان القدر الأقصى لاستمرار نظام الإجرام. في هذا المضمار، إن ميزة التضليل والفهلوة التي يحاول الظهور بها وفدا النظام والمعارضة، هي مقيدة بشكل أو بآخر لأبسط مطالب السوريين بمحاكمة النظام عن جرائم ضخمة، وبالانهماك في التدقيق عن مواد دستورية، خرقها الأسدان الأب والابن منذ خمسة عقود، وأفقدت “الدستور” مضمونه الحقيقي، بعيدًا من بنوده التي يجهلها معظم السوريين، والتي استبدلت بشعارات الأسدية.

التحول الجذري الذي طرأ على المجتمع السوري يتطلب بندًا وحيدًا نكرره دومًا، ويجب أن يكون مشمولًا في أي دستور: اجتثاث الأسدية والأبدية، يمكن أن يكتب تحت هذا البند أي دستور، وهو الثمن الذي يقبله كل السوريين مقابل تأسيس سورية المواطنة والكرامة، ألا يكفي أن يكون في سورية دستور يجرم الأسد وحقبته، ليتعالى السوريون على الجراح. ودون ذلك؛ يبقى القاتل ومنهجه لا يضبطه أي سلوك، وتكون كل النتائج مضللة.

جيرون

———————–

جرائم حرب النظام لم تتوقف.. رغم انطلاق “الدستورية

أصدرت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” تقريراً وثقت فيه أبرز انتهاكات الأطراف المشاركة في “اللجنة الدستورية”، في غضون الأسبوع الأول لجلساتها، مُشيرة إلى أن استمرار ارتكاب جرائم الحرب من قبل النظام السوري وحلفائه دليل إضافي على إهانة الدستور والمجتمع الدولي.

ويهدف التقرير الذي جاء في 15 صفحة، إلى استعراض أبرز الانتهاكات التي تمكَّن فريق الشبكة من توثيقها في غضون أسبوع منذ بدء جلسات “الدستورية” بين 30 تشرين الأول و6 تشرين الثاني. ولا يتضمن التقرير انتهاكات “قوات سوريا الديموقراطية” ولا قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ولا قوات عملية “نبع السلام” التركية و”الجيش الوطني السوري”.

وجاء في التقرير أن المجتمع السوري توقع أن تنخفض وتيرة الانتهاكات الممارسة بحقه وقسوتها بعد أن ينطلق المسار الدستوري، وغالباً ما يكون البدء بالمسار الدستوري بعد توقف النزاع والبدء بالمفاوضات وصولاً إلى تسوية معينة ثم يقوم الأطراف بصياغة ما تمَّ الاتفاق عليه ضمن وثيقة إعلان دستوري. لكن النزاع في سوريا لا يزال مستمراً ولا يزال النظام السوري وحلفاؤه يمارسون مختلف أنواع الانتهاكات، التي يشكل بعضها جرائم ضد الإنسانية ويشكل بعضها الآخر جرائم حرب. فلا تزال عمليات التعذيب داخل مراكز الاحتجاز مستمرة، ولا تزال عمليات قصف المراكز الحيوية وأبرزها المراكز الطبية مستمرة، ولم يتم الكشف عن مصير المختفين قسرياً لدى الأطراف المتفاوضة.

رصد التقرير في غضون الأسبوع الأول لبدء جلسات اللجنة الدستورية عمليات قصف عنيفة وعشوائية في كثير منها، نفذتها قوات النظام السوري على ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الغربي، مع ارتفاع وتيرة القصف على مدينتي كفر نبل وجسر الشغور ومحيطهما في ريف إدلب، كما شهدت مدينة عندان في شمال محافظة حلب ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة الهجمات الأرضية في الأيام الثلاثة الأخيرة. وقد بلغ عدد الهجمات الأرضية التي وثقها التقرير في غضون هذا الأسبوع قرابة 162 هجوماً.

كما سجل التقرير أول غارة للطيران ثابت الجناح التابع لقوات النظام السوري، في 4 تشرين الثاني، بعد انقطاع استمر قرابة شهر ونصف. وبحسب التقرير فإن ما لا يقل عن 11 غارة تم تنفيذها على منطقة خفض التصعيد الرابعة، جلها في ريف محافظة إدلب الغربي، منذ ذلك التاريخ.

وأشار التقرير إلى أن القوات الروسية تقوم بالتوازي مع جلسات جنيف بقصف عنيف ومركز على بلدات في ريفي إدلب الجنوبي والغربي، على الرغم من أن “اللجنة الدستورية” فكرة روسية، وقد بلغ مجموع تلك الهجمات قرابة 46 غارة.

وطبقاً للتقرير فقد استمرت قوات النظام السوري في سياسة الاعتقالات خلال هذا الأسبوع وتركَّزت هذه الاعتقالات في محافظة ريف دمشق مستهدفة بشكل أساسي الأشخاص الذين أجروا “تسويات” لأوضاعهم الأمنية سابقاً.

ووفقاً للتقرير فقد قتلت قوات الحلف السوري-الروسي 24 مدنياً، بينهم 6 أطفال، وامرأة واحدة. كما سجل التقرير 19 حالة اعتقال على يد قوات النظام السوري في المدة التي يغطيها، إضافة إلى ما لا يقل عن 15 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية على يد قوات الحلف السوري الروسي، بينها 2 على مدارس و2 على منشآت طبية، و1 على مكان عبادة، و6 على مراكز للدفاع المدني (منشآت وآليات). قوات النظام السوري كانت مسؤولة عن 12 حادثة اعتداء في حين أن القوات الروسية نفذت 3 حوادث اعتداء.

وأشار التقرير إلى أنه لم يتم تسجيل عمليات قصف تسبَّبت في وقوع خسائر مادية أو بشرية من قبل فصائل في المعارضة المسلحة على مناطق سيطرة النظام السوري في المدة التي يغطيها.

أكد التقرير أن قوات الحلف السوري الإيراني الروسي خرقت بشكل لا يقبل التَّشكيك قراري مجلس الأمن 2139 و2254 القاضيَين بوقف الهجمات العشوائية، وخرقت عدداً واسعاً من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، وأيضاً انتهكت عبر جريمة القتل العمد المادتين السابعة والثامنة من قانون روما الأساسي؛ ما يُشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

مشيراً إلى أن عمليات القصف، قد تسبَّبت بصورة عرضية في حدوث خسائر طالت أرواح المدنيين أو إلحاق إصابات بهم أو في إلحاق الضرَّر الكبير بالأعيان المدنيَّة. وهناك مؤشرات قوية جداً تحمل على الاعتقاد بأنَّ الضَّرر كان مفرطاً جداً إذا ما قورن بالفائدة العسكرية المرجوة، كما أن الهجمات لم تميز بين المدنيين والعسكريين في أغلب الحالات، ويبدو أن بعض الهجمات تعمدت استهداف مراكز حيوية ومناطق مدنية.

وأشار التقرير إلى موافقة الدول بالإجماع في قمة عام 2005 على مسؤولية كل دولة عن حماية سكانها من الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، مؤكداً أن هذه المسؤولية تستلزم منع هذه الجرائم، ومنع التحريض على ارتكابها بكافة الوسائل الممكنة، وعندما تخفق الدولة بشكل واضح في حماية سكانها من الجرائم الفظيعة، أو تقوم هي بارتكاب هذه الجرائم كما في حالة النظام السوري، فإن من مسؤولية المجتمع الدولي التدخل باتخاذ إجراءات حماية بطريقة جماعية وحاسمة وفي الوقت المناسب.

———————————

خطوة نحو زمن آخر!/ ميشيل كيلو

في لقاء انقرة الذي جمعه يوم ١٦ ايلول مع روحاني وبوتين، أعلن أردوغان الانتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية، وقال إنه صار باستطاعتها مباشرة عملها.

بعد قرابة عامين من مماطلة روسية / اسدية، تم أخيرا تشكيل اللجنة، التي يشك معظم السوريين في أهليتها لبدء ما انتدبت نفسها، أو انتدبها غيرها إليه: التوافق على دستور لمرحلة ما بعد الثورة. أما اسباب  مثل هذا الموقف، فيتصل كثير منها بالاوضاع الموضوعية، التي رافقت ولادتها، وكثير آخر بمستقبل الصراع الدولي على منطقة شرق الفرات، وموقع الثورة الأخير في ادلب ومحيطها، وما يتعلق بالموقف الدولي الموحد من جبهة النصرة بمختلف مسمياتها، وبالدواعش القدماء والجدد، وما يتبنونه من سياسات أسدية يعبر عنها شعار:” النصرة أو الثورة “، وبتمسكهم بزج ادلب في حرب يعلم جميع خلق الله إنها ستكون خاسرة، بسبب عجزها واحتمال تخليها دون قتال عنها، مثلما تخلت عن غيرها، ووجود قرار دولي بالتخلص منها كتنظيم ارهابي، أصر بوتين في آخر زيارة له الى أنقرة يوم ٢٨ ايلول الماضي على الدعوة إلى تصفيته، لان وجوده يقلق روسيا، بينما أفضح أردوغان عن الاتفاق على تشكيل “اللجنة”، التي ستبدأ عملها ، أو ستعمل، في حمأة ميل روسي إلى شن حرب تعيد ادلب ومناطقها للاسد، لذلك، ستذهب هيئة التفاوض إلى جنيف وسط تلازم معركتين عسكرية ودستورية، وافتقارها إلى قوة تساندها، في بينما تلقي روسيا بوزنها العسكري والسياسي وراء الاسدية ، وتستطيع  تعطيل أية جهود لتطبيق القرارات الدولية، وخاصة الداعمة منها لمطالب السوريين في التغيير الديمقراطي، أو توظيف انتصاراتها الحربية المؤكدة وغلبتها الميدانية لدعم حل دستوري يثبت ربيبها في السلطة، ويحافظ على نظامه في اقرب صوره من وضعه الحالي .

ـ هذا الوضع ، يصعّب مهمة الهيئة، إذ بينما تقول القرارات الدولية بالانتقال الديمقراطي كمرجعية لأي حل سياسي، نجح الروس والايرانيون في منع التفاوض على مثل هذا الحل، بينما يراهن الاتراك على اهداف قومية أمنية الطابع، لا علاقة لها بحل ديمقراطي سوري، أو بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، لاتصالها باوضاع كرد سورية وجوارها، وحاجة انقرة إلى دعم دولتي روسيا وايران، اللتان ترفضان المس بسلطة الاسد، أو التخلي عن نظامه، رغم ما يرتكبه يوميا من انتهاكات دستورية وقانونية، في كل كبيرة وصغيرة، وستتمسكان بدستوره، الذي اصدره عام ٢٠١٢، أو بدستور يعيد إنتاج وضعه الحالي، أو وضع قريب منه، وستقومان بكل ما هو ضروري لمنع التوصل الى الدستور ،الذي اقره بيان جنيف، وربط اصداره بجمعية تأسيسية تشكلها” هيئة حاكمة انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية”، تحل محل الاسد ، لكن اللعب الدولي عطلها، وها هي”اللجنة الدستورية”، الغائمة الاهداف، تقفز عنها، بينما حسم البيان المسألة الدستورية بجعله “الانتقال الديمقراطي” مرجعية الحل السياسي، وبالتالي الدستور الذي سيشرعنه. ستحول روسيا وإيران أيضا دون تطبيق الفقرة الرابعة من نص القرار ٢٢٥٤، الذي يقول بـ “تحديد جدول زمني لصياغة دستور جديد مرجعيته بيان جنيف”، باعتباره مرجعية القرار ٢٢٥٤، الذي تعهدت نصوصه بتنفيذه! اليوم، ليس هناك جدول زمني لصياغة دستور جديد، وليس هناك قرار ملزم بصياغة دستور جديد أصلا؟

ـ إلى جانب موقف الدولتين التعطيلي، برزت في الشهر الأخير مشكلة يرجح أن تحول دون تجاوز الخلاف على نوع الدستور، هي السيد بيدرسون، الذي أدلى يوم ٢٤/١٠/٢٠١٩ بتصريحات تشي بتخليه عن تطبيق الفقرة الرابعة من القرار ٢٢٥٤، وبموافقته الضمنية على تعديل الدستور الأسدي، وذريعته: أن” السوريين هم الذين سيحددون نوع الدستور او الاصلاح الدستوري الضروري لسوريا”، متجاهلا أن هذا النوع محدد بدقة في الفقرة المذكورة، وأن أحدا لا يعتقد ان اللجنة ستحل بحد ذاتها الصراع “.

ـ اذا اضفنا إلى ذلك افتقار “هيئة التفاوض” إلى قوة الضغط الضرورية لاقرار دستور جديد ينص على الانتقال الديمقراطي كهدف للحل السياسي، وما تشهده المنطقة من انتقال تدريجي ، قد يتصاعد فجأة، في مركز ثقل الصراع إلى الخليج، حيث تضع واشنطن وزنها وراء مصالحها فيه، بينما تمر علاقات تركيا وأميركا بأزمة جدية، وتتقدم العلاقات التركية / الروسية، ويتراجع دور المعارضة السورية في كل مجال، ويتحول إلى دور بالواسطة عسكريا وسياسيا، لكونه يخوض معاركه كجزء من دور قومي تركي، إن تعارضت مصالح الثورة معه، وجدت ” الهيئة نفسها في فراغ سياسي /عسكري لن تنقع معه المهارات الكلامية، خاصة في حال شن الروس هجومهم المنتظر على ادلب، أو لم يبق للثورة قوة عسكرية ” خاصة” غير جبهة النصرة، واستمر الموقف الشعبي السلبي اللجنة الدستورية، وحملها الرأي العام السوري المآلات التي وصلت قضيته إليها، والتراجعات الخطيرة ، التي تتعرض لها .

ـ ليست مهمة ” الهيئة” سهلة، فهي تحاول ان تحصل اليوم، وقد بلغ التردي في موازين القوى مع الروس والايرانيين أخطر مستوياته، ما عجزت الثورة حتى عن مجرد فتح حوار تفاوضي حوله، عندما كانت تسيطر على ثلثي مساحة سورية. فهل ستكفي المهارات التفاوضية لتعديل الموازين وتحقيق أهداف الشعب؟ وفي حال كانتا كافيتين، هل يتوفر منهما قدر يتكفل بلي ذراع علاقات القوى، الضاغطة منذ اعوام على معارضة لا تعرف كيف تكبح تراجعها وركود اوضاعها، فماذا بوسعها أن تعمل في حال ادخلت روسيا التفاوض في موت شتوي، أو بالعكس، سعت لحسمه خلال فترة قصيرة، للإفادة من الضعف التركي والتخبط الأميركي، وانعدام أي مستوى استراتيجي في سياسات البيت الابيض، ولوضع الجميع أمام أمر واقع يحول الحل إلى اداة لمرحلة سورية جديدة، بحسابات محلية وعربية وإقليمية ودولية جديدة؟

بتلازم هذه التطورات مع الاعلان عن اقرار وبدء عمل اللجنة الدستورية، سيكون الانتقال الديمقراطي كمرجعية للحل السياسي ضربا من الخيال، وستواجه “هيئة التفاوض “ضغوطا بدائلها اشد سوءا منها، وستفرض نتائج الحرب نتائج التفاوض، ما لم يقدم السوريون حيثما وجدوا دعما وطنيا ملموسا، منظما ومستمرا في الداخل والخارج، يعبرون من خلاله عن تمسكهم بالقرارات الدولية، ورفضهم المسبق لما يرجح أن يعمل الطرف الآخر لفرضه عليهم، من خارجها.

سيحدد الدستور نمط الحل السياسي في سوريا، وهوية الدولة القادمة ونظامها، والطرف المنتصر والمهزوم. لذلك، لا بد أن يتحول السوريون إلى طرف فاعل في المفاوضات، وأن يتابعوها بأعلى قدر من الاهتمام، ويطالبوا الأمم المتحدة بتطبيق قراراتها، وباقرار دستور ديمقراطي لشعب يستحقه، قدم مليون شهيد من أجل حريته، التي اعترفت جميع دول العالم بها، ومن غير المقبول أن تتخلي هي عن تطبيقها لمجرد أن روسيا وإيران تتنكران لها وترفضان تطبيقها. هذا الدور الوطني، إما أن يسهم في الحد من مخاطر وضع المعارضة الذاتي، أو إن يكون غيابه تتويجا نهائيا لهزيمة الثورة؟!

بروكار برس

————————————–

دستور الأسد من دمشق/ سميرة المسالمة

فرض وفد النظام في اللجنة الدستورية إيقاع عمل بطيء يتيح له تعطيل حماسة وفد المعارضة المقابل له، وتقليم طموحاته، إن وجدت، ويقنن من تفاؤله في إمكان إنجاز عمل يعكس واقع “الجغرافيا” السياسية، التي تلم شمل اجتماعات اللجنة، المكلفة دولياً بصياغة دستور لسوريا “الدولة ذات السيادة”، ما يبرر اليوم حالة التخوف من أن انعقاد الجلسات الدستورية هي بوابة للمماطلة تحت عنوان: “النقاش من أجل النقاش”، بدل أن تكون بوابة تفتح على حل سياسي حتى من أصغر ممراته “الدستور”.

تمثل الخلافات الصغيرة، التي تحصل داخل قاعة الاجتماعات، وطرق معالجتها أممياً -بالانصياع إلى رغبة وفد النظام مرة تلو أخرى- صورة واقعية عن أن العقد الاجتماعي الذي نبحث عنه في دستورنا الجديد، من خلال تلك البوابة، إما أنه أكثر علوا منها، ما يمنع مروره، وعليه يجري التعطيل مرة بعد أخرى، أو مماثلا لمقاييس الأسدـ التي تحدث عنها في حوار “موقت” مع اجتماعات اللجنة في جنيف، بحيث يجعله ممكن العبور، من دمشق إلى جنيف والعكس.

وبعيدا عن مسارات التشكيك بقدرة الأعضاء من كل الوفود فإنه علينا الإقرار بحقيقة  أن اتخاذ أي قرار في أي بند، قيد المناقشة، يتطلب الانتظار طويلا لنقله وبحثه في دمشق، ومن ثم الرد عليه، وفق آلية تؤكد أن التعديل أو التحديث أو التغيير هي عملية التباحث   بين وفد المعارضة ورئيس النظام السوري بشار الأسد، عبر جسر ناقل هو وفده إلى اللجنة، ما يجعلنا نفهم أن الدعوات التي وجهها بعض أعضاء اللجنة من النظام السوري لعقد الاجتماعات في دمشق يمكن وضعها في اطار اختصار الزمن، وتقليل البيروقراطية التي تلزم وفد النظام بتعطيل القرارات -تحت ذرائع شتى- بينما يقرر “الأسد” ما هو في مصلحته وما هو في خانة إضعاف دولته (“سوريا الأسد”) في أي تعديلات أو حتى تغيير في مواضع علامات الترقيم داخل مواد دستور 2012 أو خارجه.

تعامل النظام مع فكرة اللجنة الدستورية سواء فيما يخص مكان انعقادها أو مرجعيتها من مبدأ أن التفسيرات المختلفة لكل القرارات الدولية التي يتعاطى معها المجتمع الدولي تصب في مصلحته، فهو إن ذهب إلى جنيف ممثلاً بوفد يأخذ جزئية الإشادة الأممية بما كان أقره مؤتمر “الحوار السوري” في سوتشي (يناير 2018)، ليعد اللجنة كمنجز روسي، بما يعني أن انعقادها في جنيف كمكان جغرافي مجرد رست المناقصة الدولية عليه، بموافقة روسية ومصلحة إيرانية.

وفي ذات الوقت فإن قبل أن تنتزع صلاحية “مجلس شعبه” عبر لجنة دستورية مشكلة بقرار دولي تصوغ دستور دولته ذات السيادة، ويشرف عليها المبعوث الدولي غير بيدرسون، فهو عالج ذلك بمنحها صفة “اللا رسمية” ونزع تسمية وفد الحكومة السورية، ليصبح الوفد المحسوب على الحكومة السورية، أي غير الخائن والعميل على عكس نظيره من المعارضة، ولكنه لا يمثله، ويستطيع التنصل من أعماله وفي الآن ذاته الاستثمار فيها، لاستجرار المجتمع الدولي إلى صرف ما تبقى من طاقته، بعد عويله وصريخه الذي استمر لتسع سنوات، صدّر خلالها ما يزيد عن 17 قرار أممي بينما استمر الأسد بسياسة الاستيعاب والاحتماء خلف داعميه الإيراني داخلياً وإقليمياً والروسي دولياً.

ربما أراد بشار الأسد ألا يترك الساحة الإعلامية لتنفرد بها أخبار اللجنة الدستورية، أو لتذكير الأطراف أنه لايزال شريكاً في اللعبة الدولية، فحيث لا جديد في حديثه إلى الداخل السوري، فأيضاً يمكن القول أن ظهوره وضع بعض التعريفات اللازمة ليحفظها الجالسون في جنيف، عندما يفكرون في وضع أقدامهم على خطه الأحمر، وهم يدخلون بوابة الحل الوهمي لصراع دموي طال أمده.

بروكار برس

——————————

خارطتا طريق.. فهل من ثالثة؟/ حسن النيفي

ليس من المفاجئ والغريب، أن يصف المبعوث الدولي ( غير بيدرسن) اجتماعات اللجنة الدستورية بـ ( الخطوة المفصلية والمهمة) في مسار العملية السياسية في سوريا، ذلك أن الإشادة بدور الأمم المتحدة قد تبدو واجباً مهنياً لموظفيها أو مبعوثيها، فضلاً عن كونها نوعاً من التحفيز للأطراف المتفاوضة، على الاستمرار في التفاوض من جهة، وكذلك لإشعارهم بأهمية منجزهم من جهة أخرى. ولم يكن السلف السابق للسيد بيدرسن، وأعني ( ستيفان ديمستورا) بأقل منه نشاطاً دعائياً للمسعى الاممي حيال ما يجري في سوريا، إذ سبق له أن أعلن يوم ( 23 – شباط – فبراير عام 2017 ) أن ثمة مفصلاً جديداً ومهماً قد بدأ في مسار جنيف، وهو يعني بذلك قبول وفد المعارضة في جنيف بفكرة ( السلال الأربع ) التي اقترحها ديمستورا نفسه، ( هيئة الحكم الانتقالي – الدستور – الانتخابات – ثم – الإرهاب – بناء على رغبة الوفد الذي يمثل نظام الأسد). وقد كان لكلٍّ من ديمستورا، ووفد المعارضة، مبرراته لعملية تجزيء قرار جنيف 1 لعام 2012 ، وكذلك للقرار 2118 ، إلّا أن كليهما كان يؤكّد على أن فكرة ( السلال الأربع) هي بمثابة خارطة طريق لتنفيذ القرارات الأممية، وليس التفافاً عليها، أو تجاوزاً لها، إلّا أن حماس السيد ديمستورا وإشادته بخارطة الطريق تلك، قد آلتْ إلى نقيضها حين انتهت مهمة ديمستورا كمبعوث دولي، وأراد أن يشفع تلك النهاية ببعْدٍ أخلاقي حين عزا استقالته بعدم رغبته بمصافحة رأس النظام بشار الأسد، وما من شك، في أن رغائبية ديمستورا هذه، هي شرف يدّعيه، ولكن لا يحوزه.

بعد انطلاق مسار أستانا في مطلع العام 2017 ، بات القرار 2254 لعام 2015 هو المرجعية لعملية التفاوض بعد انشطارها إلى مسارين ،مسار أستانا الذي تشارك فيه شخصيات من الفصائل العسكرية، إلى جانب شخصيات مدنية من الائتلاف وسواه، ومسار جنيف الذي تتولى زمامه هيئة التفاوض بكافة منصاتها، خلال ما يقارب العام من الزمن، شهد المساران ( أستانا وجنيف) حالة من الحساسية غير المباشرة بينهما ، تمثّلت بادعاء كلّ منهما شرعيةَ التفاوض، وبالتالي التمثيل الحقيقي للسوريين، وكذلك تجسّدت بحرص عدد من أعضاء الائتلاف على المشاركة في لقاءات أستانا، على الرغم من تأكيد الائتلاف الدائم على أولوية وأحقية مرجعية جنيف، وربما تعود أسباب الحضور المزدوج في جنيف وأستانا إلى بواعث لها علاقة بولاءات إقليمية أحياناً، وكذلك إلى دواعٍ شخصية تنمّ عن رغبة في إيجاد موطئ قدم في أي مكان يلبي حاجة نفعية.

يمكن القول: إن تاريخ ( 30 كانون الثاني – 2018 ) شهد انعطافة مهمة من حيث الإخراج الجديد لمسعى المسارين معاً، وأعني بذلك لقاء سوتشي الأول الذي دعا فيه الروس أعداداً كبيرة ممن يمثلون النظام والمعارضة معاً، وطرحت حكومة بوتين – حينها – فكرة صياغة دستور جديد لـ سوريا، بالتوافق بين جميع الأطراف، ولعلّ هذا الطرح الروسي قد عزّز رغبة ديمستورا – آنذاك – بالدفع نحو العمل على سلّة الدستور، من بين السلال الأربع، وفي الوقت الذي كانت تشير جميع المعطيات الميدانية والسياسية، وكذلك المواقف الدولية والإقليمية، إلى اختزال القضية السورية بمسألة كتابة دستور جديد فقط، وتجاوز جوهر العملية السياسية ( إنشاء هيئة حكم انتقالي) وفقاً لمرجعية جنيف، و ( حكم غير طائفي ذي مصداقية) وفقاً للقرار 2254 ، إلّا أن حديث وفود المعارضة السورية كان نافياً ذلك على الدوام، مؤكداً في الوقت ذاته، على أن الموافقة على الشروع في سلّة الدستور، ما هي سوى خطوة إجرائية ضمن خارطة طريق تنفيذ القرارات الدولية.

ولئن انتهت خارطة الطريق الأولى بتكريس مخرجات سوتشي كأساس للتفاوض، وهو الأمر الذي يحاول فرضه الروس، ولا يقبل بسواه نظام الأسد، فهل ستكون المرحلة التالية  بحاجة إلى خارطة طريق ثانية، تتضمن خطوات إجرائية موازية للمرحلة المقبلة؟

لقد أنهت اللجنة الدستورية لقاءها الأول الذي انعقد في الثلاثين من شهر تشرين أول – أكتوبر – الماضي، وفيما تستعد اللجنة المصغرة ( 45 شخصاً يمثلون التيارات الثلاثة في اللجنة) المنبثقة من الهيئة العامة للاجتماع في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، فإن جملةً من التساؤلات المشوبة بالقلق بدأت تظهر لدى السوريين من أنصار الثورة، عمّا ستسفر عنه أعمال تلك اللجنة، وما هي المآلات المرتقبة لعملها؟ لعلّ الإرهاصات الدالّة على العديد من تلك التساؤلات بدأت تتوضّح، ليس من خلال تصريح رسمي للرئيس المشترك للجنة المصغرة  السيد هادي البحرة، وليس – كذلك – من خلال الإنشائيات الخطابية لأعضاء اللجنة، بل من خلال حديث إعلامي صريح لرئيس هيئة التفاوض السيد نصر الحريري، ليلة العاشر من الشهر الجاري، على قناة تلفزيون سوريا، إذ يمكن الوقوف عند ثلاث نقاط مما أكد عليه السيد الحريري:

أولاً – لا يوجد ضامن حقيقي وفعلي لأي نتائج أو مخرجات للجنة الدستورية، وكذلك لا ضامن حقيقياً للعودة إلى العمل على تنفيذ البند الذي يتضمن إنشاء هيئة حكم انتقالي موازاةً مع العمل على البنود الأخرى، وكل ما ورد من مواقف إيجابية بهذا الصدد، لا يتجاوز مستوى الوعود الشفهية، سواء من المسؤولين الأمميين أو من سواهم.

ثانياً – ليس ثمة إرادة دولية للضغط على نظام الأسد من أجل الإفراج عن المعتقلين السوريين في السجون، وعلى الرغم من جميع الجهود المبذولة من جانب هيئة التفاوض – وفقاً للحريري – واصطدامها بعدم الاستجابة، فإننا نعتقد أن قضية المعتقلين مرهونة بإيجاد حل سياسي شامل. ما هو واضح من الكلام السابق، هو أنه لن تكون قضية المعتقلين عائقاً أمام استمرارية عمل لجنة الدستور، بل يمكن تجاوز هذه القضية في سبيل ما هو أهم منها.

ثالثاً – لا قدرة لأحد – دولياً أو إقليمياً – على ردع العدوان اليومي الروسي الأسدي، على المدنيين السوريين، وما يجري من قصف مستمر على أرياف أدلب وبقية البلدات والمدن السورية، موازاة مع عمل اللجنة الدستورية بات أمراً واقعاً، ما يؤكّد أنّ استمرار العدوان لن يكون عائقاً أمام عملية التفاوض ( الدستوري).

لعلّ الصراحة الواضحة في كلام السيد الحريري، أو (واقعيته السياسية) تبدو شديدة التلازم مع العبارات التي تؤكد على الالتزام بثوابت الثورة، وعدم التفريط بأيٍّ من حقوق السوريين.

لا شكّ أن معالم مأساة السوريين، لا تحمل درجة موحدة للوجع، ولا شكّ أيضاً أن ما يوجع عموم السوريين، لا يوجع بالدرجة ذاتها من يدّعي تمثيلهم، فإذا كانت فجائع السوريين بمئات الآلاف من المعتقلين الذين يموتون مئات المرات كل يوم داخل مسالخ الأسد ما تزال مستمرة، وإذا كان الموت الذي تحمله الطائرات الروسية مازال ينهمر فوق رؤوس المدنيين يومياً، وإذا كانت العملية التفاوضية برمتها تمضي في مسار مجهول، ولا ضامن فعلياً لمخرجاتها، فما الذي يأمله السوريون بعدُ؟ وما الذي ينتظرونه في موازاة الموت اليومي والتشرّد والنزوح؟ وما الذي يخشى عليه السوريون – حيال ما يجري – إن ذهبت العملية التفاوضية إلى الجحيم؟ ثم ما الذي لم يفرّط به – بعدُ – مفاوضو المعارضة؟ وما هو الخير المُضمر الذي يعدون به الشعب السوري؟ هل دستور يحقن دماء السوريين، أم صياغة دستور يُستثمر كغطاء لاستمرار القتل والإجرام؟ وبالتالي هل نحن أمام نوع آخر لخطاب ممانع، أم أمام (خارطة طريق خاصة بتنفيذ القرار 2254 ) بحسب تعبير السيد نصر الحريري؟.

تلفزيون سوريا

————————–

دستور تحت الوصايات المتعددة.. لا يعول عليه!/ هشام منوّر

مع انطلاق اجتماعات اللجنة الدستورية المصغرة مطلع شهر نوفمبر تشرين الثاني، تسود الضبابية والغموض مستقبل هذه اللجنة المصغرة وكذلك مهمتها، في ظل تجارب سابقة خبر فيها السوريون “مهارات” ممثلي النظام في التسويف والتأجيل، وتعليق أعمال أي لجنة سياسية سواء كانت منبثقة عن مسار جنيف أو مسار أستانة.

اللجنة المؤلفة من 45 عضواً، في قوائم متساوية من النظام والمعارضة والمجتمع المدني، تتمحور مهمتها من حيث المبدأ، في مناقشة دستور عام 2012، واقتراح تعديلات له، أو صياغة دستور جديد وفق مقترحات تطرح للتصويت من قبل اللجنة الموسعة، ليتم تمريرها بعد موافقة 113 من أعضائها على كل مادة، بحسب الإجراءات البروتوكولية التي تم التوافق عليها مع المبعوث الأممي إلى سوريا “غير بيدرسون”.

بوادر التسويف الذي يحرص النظام وممثلوه على صبغ عمل أي لجنة تتعلق بمستقبل سوريا، بدت مع وجود اختلاف في الأجندات المقترحة؛ إذ يطلب النظام بتخصيص أسبوع للعمل وثلاثة أسابيع للمشاورة، في حين تطلب المعارضة ثلاثة أسابيع عمل وأسبوعاً للمشاورة.

يشهد التاريخ أنه تجارب الشعوب، ولا سيما تلك الواقعة تحت الوصاية الخارجية (سواء كانت معلنة ومباشرة أو غير مباشرة) لا يكتب لها النجاح من دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح دولة الوصاية، فعندما كتب دستور عام 1928 تم تعطيله من قبل الاستعمار الفرنسي لأنه يتعارض مع وجوده، وتم تعديله بما يشرعن الاحتلال ويضمن استدامته ويحفظ مصالحه ويحمي ممارسته.

ومنذ ولادة الدولة السورية في عشرينيات القرن الماضي وحتى عام 2012، تمت كتابة نحو 16 دستوراً، خلال حقب سياسية مختلفة، وتبدلات دولية كثيرة، أكثر الدساتير السورية التي لا تزال محافظة على “رمزية” وحضور في ذاكرة القانونيين والسوريين عموماً هو دستور عام 1950 الذي حمل اسم “دستور الاستقلال”، ويعد أول دستور مدني من نوعه تحظى به سوريا، وجاء في مادته الثالثة: “دين رئيس الجمهورية الإسلام، والفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع”.

قلص دستور 1950 من صلاحيات رئيس الجمهورية، وزاد من صلاحيات البرلمان بمنعه التنازل عن صلاحياته التشريعية للحكومة ولو مؤقتاً، وعزز من سلطة القضاء باستحداث المحكمة الدستورية العليا. وكفل حرية الرأي والصحافة، ومنع الاعتقال التعسفي والتوقيف دون محاكمة. تم تعطيل “دستور 1950” أكثر من مرة بسبب تجدد الانقلابات العسكرية، ثم عطل مع قيام الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958 حتى عام 1961 مع سنة الانفصال؛ ليعاد إحياؤه، وبقي معمولاً به حتى عام 1963، العام الذي سيطر فيه حزب البعث على السلطة، أصدر حزب البعث على مدار 7 سنوات 3 دساتير مؤقتة؛ إلى أن وصل حافظ الأسد إلى السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1970. وبعد ترتيب أوراقه، عين الأسد “الأب” لجنة لصياغة دستور دائم للبلاد عام 1973، وكانت المادة الثالثة (دين الدولة) إضافة إلى آلية انتقال السلطة، ودور حزب البعث، من أبرز النقاط التي أثارت موجة احتجاجات حينها، رغم إقراره بـ “استفتاء شعبي” في العام ذاته.

مشكلة السوريين المجتمعين في جنيف لبحث ملامح الحل الدستوري في سوريا، أن النظام استبق كل المحاولات لكتابة دستور شامل وحديث يتوافق السوريون على قبوله، مع إقراره دستور عام 2012 في وقت مبكر من عمر الثورة السورية، عندما كانت انتفاضة الشعب السوري لا تنظر بعد إلى مآلات الحراك في مواجهة آلة القمع التي بدأت تتغول حينها، لذلك نجد الأمم المتحدة ومبعوثيها الدوليين مقرين بشكل مسبق و”شبه إذعاني” لمطلب النظام مناقشة تفاصيل ومواد دستور عام 2012، ومطالبة بقية الأطراف (المعارضة والمجتمع المدني) بالاطلاع عليه ومحاولة إقناعهم أن دستور عام 2012 يمكن البناء عليه أو اعتباره مسودة دستور جديد، مع تعديل عدد من المواد تتعلق بدين رئيس الجمهورية وصلاحياته وصلاحيات السلطة التشريعية، مع فصل السلطات الثلاث عن بعضها.

المشكلة القانونية الأهم في اللجنة التي تم “التطبيل” والترويج لنجاح الأمم المتحدة في تكوينها بشق الأنفس أنها غير مؤهلة (في معظم أعضائها) وليست مخولة من قبل الشعب صاحب السيادة، ولا تضم نخباً قانونية أو سياسية، لتبقى المشكلة الأساسية ليست في الدستور وإنما بتطبيقه وتنفيذ ما جاء فيه، على أن تعدد الجهات الوصائية في الملف السوري حالياً قد تكون العقبة الأكبر في مواجهة صياغة دستور جديد تراعي مصالح الجهات التي فرضت عليهم الاجتماع في جنيف، ويعقد في الوقت نفسه مهمة رسم ملامح مستقبل سوريا قريباً، ما لم تكن اجتماعات اللجنة الدستورية الحالية مجرد واجهة لتمرير ما قد تم التوافق عليه وكتابته بعيداً عن عدسات الكاميرات ومتابعة وسائل الإعلام!

تلفزيون سوريا

————————————

الباحث نادر جبلي وحوار حول اللجنة الدستورية

مع انتهاء الجولة الأولى من اجتماعات اللجنة الدستورية السورية في جنيف، وقبيل بدء الجولة الثانية، وبعد انقسام السوريين حول عملية كتابة الدستور، وشرعية اللجنة الدستورية وفعاليتها ونجاعة أو فشل الفكرة عمومًا، التقت (جيرون) المحامي والباحث نادر جبلي، المشرف على قسم الدراسات القانونية في مركز (حرمون) للدراسات المعاصرة، واستوضحت منه -عبر حوار مطوّل- العديد من القضايا ذات الصلة باللجنة الدستورية والحلول الأنجع لسورية، وكان الحوار التالي:

– نُشر لكم حديثًا بحث علمي حول اللجنة الدستورية، وبُعَيد الإعلان عن تشكيل اللجنة كان لكم مقال في شبكة (جيرون) الإعلامية، كما شاركتم في عدد من الندوات والحوارات حولها، وفي جميع هذه النشاطات تُظهرون رفضكم لهذه اللجنة، وخوفكم من نتائجها ومآلاتها… لماذا كل هذا الخوف، واللجنة بالكاد تشكلت وبدأت عملها، وما زال مبكرًا الحكم على نتائجها؟

= القصة أن التداعيات الكارثية لهذه اللجنة، لا تترتب عن نتائج عملها فحسب، بل ترتبت عن مجرد قبول المعارضة بالمشاركة في تشكيلها وأعمالها.. هذه التداعيات المبكرة، والبالغة الخطورة، هي مناط خوفنا وجهدنا الآن، وهي ما نسعى إلى تطويقه وتجنب، أو تخفيف، آثاره قدر المستطاع.

– هلّا توضح لنا هذه الفكرة: كيف يكون لمجرد المشاركة في هذه اللجنة مثل هذه التداعيات التي تسميها “كارثية”؟

= القرار الأممي 2254 لعام 2015 رسَم مسارًا للحل السياسي في سورية، يقوم على ثلاث خطوات متكاملة ومتتابعة: الأولى هي إقامة “حكم ذي مصداقية، يشمل الجميع، ولا يقوم على الطائفية” والثانية هي إعداد مسودة دستور، والثالثة إجراء الانتخابات.. هذه الخطوات لا تُنتج حلًا سياسيًا إلا إذا تمت وفق التسلسل الوارد بالقرار المذكور؛ لأن الهيئة الحاكمة هي التي ستهيّئ الشروط المناسبة لكتابة الدستور، أي البيئة الآمنة والمحايدة، التي تسمح للجميع بالمشاركة دون خوف أو صعوبات، وهي التي ستهيّئ الأجواء السليمة لتنظيم انتخابات حرة شفافة ونزيهة، ومن دون إقامة هذه الهيئة، لا يمكن الحديث عن بيئة مناسبة لإعداد دستور أو إقامة انتخابات نزيهة، لأن كل ذلك سيجري عندها تحت سلطة نظام الأسد ومخابراته.

المشكلة الآن أن موافقة فريق المعارضة على المشاركة في هذه اللجنة التي ستعمل على الدستور، دون المرور بمرحلة الحكم الانتقالي، تعني التخلي الضمني عن شرط الهيئة الحاكمة المحايدة، وتعني خوض هذه المعركة الدستورية، ثم الانتخابات التي تترتب عنها، بوجود نظام الأسد وتحت سيطرته، ولا يخفى على أحد أن نتيجة ذلك لن تكون إلا إصلاحًا دستوريًا، أو إعداد دستور جديد يناسب الأسد ويثبت ويشرعن نظامه، ويسمح له بالفوز بفترات رئاسية جديدة. وهذا يعني بالنتيجة أن كل تضحيات السوريين، وكل آمالهم، ذهبت هباءً.

– معظم أعضاء فريق المعارضة في اللجنة يقولون إن اللجنة الدستورية هي المدخل لتطبيق القرار 2254 وتحقيق الانتقال السياسي، ويؤكدون أن مشاركتهم لا تعني أبدًا التنازل عن أي من أحكام القرار المذكور؛ ما رأيك في ذلك؟

= من يقول ذلك لا يدرك ما يقول، أو هو يبيع الوهم للناس لتبرير تورطه، أو هو مصدق لوعود سمعها من ممثلي هذه الدولة أو تلك. اللجنة الدستورية أولًا هي المدخل لتصفية القرار 2254 وليس لتطبيقه، وهي المدخل لتمرير الخطة الروسية السامة، وإعادة تأهيل وشرعنة نظام الأسد. واللجنة الدستورية ثانيًا لا تملك أي صلاحية في طرح ومناقشة أي موضوع، خارج مهمتها المحددة في المادة الأولى من اللائحة الداخلية لعمل اللجنة، والتي أصدرها الأمين العام للأمم المتحدة. وهذه المهمة تنحصر في إجراء إصلاح دستوري على الدستور القائم، أو إعداد مسودة دستور جديد. لذلك لن يكون بإمكانهم الحديث عن هيئة حاكمة ولا عن غيرها.

– لكن إعداد دستور للبلاد هو جزء من القرار 2254، لماذا ترى أن العمل على هذا الجزء ينسف هذا القرار؟

= التسلسل الوارد في القرار 2254، الذي أشرت إليه أعلاه، بالغ الأهمية، وهو بأهمية الخطوات الثلاث التي نص عليها القرار، أي الهيئة الحاكمة، فالدستور، فالانتخابات. وعدم مراعاة هذا التسلسل يطيح بالقرار. ويمسخ العملية السياسية، ويأخذها باتجاه آخر. فلا يمكن مباشرة العملية الدستورية قبل حكم حيادي يوفر البيئة المناسبة لها، كما لا يمكن خوض انتخابات قبل وجود دستور ينظمها.. وهكذا. لذلك أقول إن الدخول في العملية الدستورية قبل الحكم الحيادي، يضيع الحق بالحكم الحيادي أولًا، ويجعل العملية الدستورية تحت رحمة مخابرات الأسد ثانيًا. فماذا يبقى من القرار الدولي في هذه الحال؟

– طالما أن المعارضة بجناحيها العسكري والسياسي في حالة هزيمة، ولم يعد لها أي وزن أو تأثير في الشأن السوري، والروس يتحكمون في المسار السياسي، برضى وتفويض دوليين على ما يبدو، ولا يبدو أن هناك ما يمنعهم من السير بإجراءات تثبيت نظام الأسد، بغض النظر عن مشاركة المعارضة؛ فلماذا لا يشاركون إذن؟ أوليس من الأفضل أن تتم الأمور بوجودهم ومشاركتهم من أن تتم بغيابهم؟

= صحيح أن المعارضة بجناحيها لا تتمتع الآن بأي وزن مؤثر، لكن يبقى صناع القرار في سورية الآن بحاجت إليها لتمرير إجراءاتهم، وإضفاء الشرعية عليها، وإخراجها للعالم كما لو أنها من صنع كل السوريين. ما يعني أن لمشاركتها وتوقيعها وزنًا وقيمة. وبدونه ستبقى الإجراءات ناقصة وغير شرعية تجاه العالم. وهذا للأسف ما لا يدركه أغلب أعضاء الفريق المعارض على ما يبدو.

العملية تشبه إلى حد كبير جريمة غسيل الأموال، حيث يكون لدينا أموال ناجمة عن مصدر جرمي غير قانوني، فنقوم عبر آليات معينة بإدخالها في الدورة الاقتصادية وإضفاء الشرعية عليها، فتغدو كما لو كانت من مصدر طبيعي. وفي حالتنا، لدينا حلف إجرامي منتصر، دمّر سورية وقتل أهلها وشردهم، ويريد الآن ترجمة انتصاراته العسكرية إلى نصر سياسي، وإعادة تأهيل نظام الأسد وشرعنته، والآلية التي ستتم عبرها هذه العملية الوسخة هي اللجنة الدستورية التي ستبدو، بمشاركة المعارضة، وكأنها تمثل كل السوريين.

من دون مشاركة المعارضة؛ ستبقى إجراءاتهم مجروحة، وسيجدون صعوبة في شرعنتها ونزع الاعتراف الدولي بها، وهذا سيعطل على الروس خطتهم في جلب أموال إعادة الإعمار، ما سيحوِّل كل هذه الانتصارات إلى وهم وخسارة وورطة كبيرة سياسية وعسكرية واقتصادية.. ومن هنا بالذات يأتي وزن المعارضة وقوتها، ومن الضروري جدًا أن تعي هذه النقطة.

ثم من لديه الوهم بأن النظام والروس سيسمحان لفريق المعارضة بتمرير ما يزعجهم؟ هم إذا وصلوا عبر اللجنة إلى ما يريدون فهذا ممتاز، وإلا فلديهم كل الوسائل لتعطيل عملها، واتهام المعارضة بهذا التعطيل.. تكفي نظرة سريعة إلى اللائحة الداخلية التي تحكم عمل اللجنة حتى ندرك استحالة أن تنجح المعارضة في تمرير أي حرف لا يلائم تحالف الأعداء هذا.

– لكن أيّ أمل يُرتجى من قرارات لا تطبّق؟ لقد مضى على صدور القرار 2254 أربع سنوات، وهو حبيس الأدراج، وليس ثمة بين الدول الفاعلة من يرغب في تطبيقه، وإلا كنا ننعم بنظام جديد منذ سنتين.. ألا ترى أن من حق القائمين على الأمر البحث عن مخارج أخرى، والتقاط أي فرصة متاحة قد تحقق اختراقًا ينفع السوريين في هذا الوضع المأسوي؟

= أشكرك على هذا السؤال المهم.. نعم، مع الأسف، صدور القرار شيء وتطبيقه شيء آخر، التطبيق يحتاج إلى توافقات دولية جديدة تختلف عن التوافقات التي حكمت الإصدار، وهذه التوافقات غير متاحة الآن، وربما لن تتاح لوقت طويل، ومع ذلك، علينا أن نعي عدة نقاط مهمة وحساسة:

* الأولى أن القرار الدولي موجود وملزم دائمًا، مهما تراخى العالم في تطبيقه، ويبقى دائمًا واجب التطبيق، وحجة لنا تجاه العالم.

* الثانية هي أن هذا القرار هو الوثيقة الدولية الوحيدة التي مَنحت السوريين بعض الحقوق، وقدمت لهم فرصة معقولة للانتقال السياسي، وعلى الجميع العض عليها بالنواجذ، وليس التفريط بها بأي حال.

* الثالثة هي أن حق من تسميهم بأولي الأمر في البحث عن فرص أخرى، وتحقيق اختراقات لصالح السوريين، لا يعني أبدًا التضحية بمكاسب وفرص أخرى ثابتة وبالغة الأهمية… نعم لأي فرصة أو منفَذ يدعم قضية الشعب السوري، لكن ليكن ذلك بالإضافة إلى القرارات الدولية، أو لتحسين فرص تنفيذها، وليس عبر التخلي عنها.

– هل لديك ملاحظات على الفريق المعارض المشارك في اللجنة؟ هل تراه غير مؤهل للخوض في هذا الاستحقاق المصيري، خاصة من حيث افتقاره إلى المختصين بالشأن الدستوري؟

= المشكلة الرئيسة -برأيي- تكمن في مجرد المشاركة بهذه اللجنة، أي في قبول هذه الخطة الروسية التي ستودي بالقرار الدولي، وستدفن حقوق السوريين وتضحياتهم، وستضفي الشرعية على نظام الأسد. وهذا ما يجب التركيز عليه.

أما الفريق فلديه مشكلات عديدة بالطبع، ومشكلة مستوى قدرته وتأهيله هي الأقل شأنًا بينها، لأن تعويض النقص ممكن عبر فرق دعم اختصاصية تضم الخبرات اللازمة.. هناك مشكلات أكثر جدية وخطورة بكثير من هذه.. هناك مثلًا مشكلة تبعية معظم أعضاء الفريق المعارض للخارج، وعدم قدرة هؤلاء التابعين على مخالفة توجيهات متبوعيهن. وهناك مشكلة عدم الانسجام بين أعضاء الفريق بحكم انتمائهم إلى مرجعيات مختلفة، ذات رؤى مختلفة ومتعارضة في أحيان كثيرة. وهناك مشكلة خطيرة أيضًا داخل الفريق، وهي أنه مفخخ بمجموعة ما يسمى بمنصة موسكو، وهؤلاء يعملون بتوجيهات موسكو، ويجدر أن يكونوا ضمن فريق النظام. وهناك مشكلة تفرضها إقامة بعض أعضاء الفريق في الداخل، أو بعضٌ من أهلهم. وهؤلاء الأعضاء سيعملون في اللجنة تحت رحمة نظام لا يعرف الرحمة، ما يعني أن سقفهم في المعارضة سيكون منخفضًا جدًا، وحساباتهم معقدة. وهناك مشكلة أيضًا على درجة كبيرة من الأهمية، هي سوء علاقة الفريق مع السوريين عمومًا، وهذه الغربة القاسية بين الاثنين، تجعل الفريق المشارك وكأنه معلق في الهواء، دون أرضية أو سند… وثمة مشكلات أخرى عديدة نتجاوزها الآن.

– ألا ترى معي أن هذا الموقف المعادي للّجنة ولمشاركة الفريق المعارض فيها، سيضعف موقف هذا الفريق تجاه خصومه، ويجعله معزولًا، وعرضة للهجوم عليه والطعن بشرعيته؟ ألا تقتضي مصلحة السوريين دعم هذا الفريق، وتعزيز موقعه تجاه خصومه، طالما أن اللجنة أصبحت أمرًا واقعًا، وبدأت أعمالها؟

= لا يمكن للسوريين دعم مسار يعرفون تمامًا أنه سيودي بتضحياتهم وأحلامهم ومستقبلهم.. هذا يمكن أن يحصل، بل يجب أن يحصل، عندما يطمئن السوريون إلى أن مشاركة هذا الفريق، وأداءه لن تضر بهم وتفرط بحقوقهم، وهذا يستدعي من الفريق المشارك القيام بما يلزم من خطوات، لبث هذه الطمأنينة في قلوب السوريين، وبالتالي جذب ما أمكن منهم للوقوف إلى جانبه في هذا الاستحقاق.. دون ذلك سيكون من الأفضل العمل على عزل الفريق ونزع الشرعية عنه، لأن من شأن ذلك النيل من شرعية هذه اللجنة وما سـيتأتى عنها من نتائج. بالنتيجة؛ لا شيء أسوأ على السوريين من تثبيت هذا النظام القاتل، ومنحه فرصة الحكم عقودًا أخرى. وهم لم يقدموا ما قدموه لرؤية هذا الكابوس أمامهم.

– أما زال هناك ما يمكن عمله بعد أن حصل ما حصل؟ هل تنصح بشيء ما؟

= ألخص هنا بعض ما جاء حول هذه النقطة، في بحثي الأخير المنشور على موقع مركز حرمون للدراسات، وقلت فيه إنه دائمًا هناك ما يمكن عمله، بل ما يجب عمله، سواء من قبل المشاركين في اللجنة، أو من قبل معارضيها. فبالنسبة إلى الفريق المشارك هناك ثلاثة مستويات من العمل، أولها وأفضلها هو الانسحاب الجماعي من اللجنة، ونزع هذا الغطاء الشرعي عنها. وثانيها هو تعليق المشاركة في أعمال اللجنة حتى تتم إقامة الحكم الانتقالي، موضوع الخطوة الأولى من القرار 2254، وحتى تتم إجراءات بناء الثقة وعلى رأسها إطلاق المعتقلين والكشف عن المفقودين.. أما ثالثها، وهو أضعف الإيمان، فهو إصدار إعلان من قبل عدد وازن من أعضاء الفريق المعارض، سميته “وثيقة إعلان مبادئ” يتعهدون فيه للسوريين والسوريات بأنهم لن يفرطوا أو يتساهلوا إطلاقًا، مهما كانت الظروف، بالمسائل المهمة والمصيرية التي يكون من شأن التفريط بها ضياع حقوق السوريين وآمالهم بالتغيير، على أن يتم في الإعلان تحديد وتعريف هذه المسائل، بما يكفي لإعطاء الثقة للناس بجدية التزامهم. وقلت أيضًا إن صدور مثل هذا الإعلان عن الفريق المعارض في اللجنة قد يُطمئِن السوريين، ويكون بمثابة معيار بين يديهم لمراقبة أداء الفريق والتأكد من التزامه، وهذا من شأنه أن يحسّن مستوى ثقتهم به، ثم الانتقال إلى مرحلة دعمه.

أما معارضو اللجنة، فدورهم مهمّ جدًا في دفع الفريق المفاوض لاتخاذ مثل هذه المواقف الصحيحة والمطلوبة. وعليهم بدايةً سلوك الطريق الإيجابي، طريق التوضيح والإقناع أولًا، ثم الدعم في حال وجود المؤشرات الإيجابية. ومن منطلق الحرص والشراكة في الهم الوطني، المنطلق الأفضل لفتح أبواب القلوب والعقول. وبالتأكيد ليس من باب التهديد والتخوين والإهانة. وأؤكد على هذه النقطة الأخيرة، وأضع تحتها عشرين خطًا، لأن التخوين والإهانة لا يجلب سوى توسيع المسافات وتعميق الشروخ ونصب المتاريس بين السوريين… وهذا آخر ما ينقصنا.

جيرون

———————————

اللجنة الدستورية.. مأزق النظام في مواجهة راعيه/ مصلح مصلح

إذا كان لاجتماعات اللجنة الدستورية، بشقيها الموسعة أو المصغرة، أن تشكف لنا طبيعة الموقف النفسي المحرج الذي وجد النظام السوري نفسه فيه، جراء إجباره من قبل رعاته الروس على الجلوس وجهًا لوجه مع خصوم سياسين لا يزال حتى اللحظة يرفض الاعتراف بوجودهم الإنساني، ولا يراهم إلا خونةً آبقين، كما يرفض الاعتراف بوجودهم السياسي إلا كوكلاء لعميل أجنبي (تركيا)، فإن نتائج الجولة الأولى من اجتماعات اللجنة المصغرة تكشف لنا الاستراتيجة التي سيلجأ إليها لإبطال أي مفاعيل عملية قد تصيب نظامه السياسي في مقتل.

الإنكار والمماطلة هما استراتجيَّتا النظام للخروج من مأزق اللجنة الدستورية التي وجد نفسه فيها، فمن خلال الإنكار، إنكاره لوجود خصوم سياسين ذوي أجندات وطنية، يطمح لإقناع الجميع بعدم وجود طرف سياسي يصلح لمحاورته، ومن ثم يوفر الذريعة المناسبة لانسحابه من عضوية اللجنة الدستورية في أول فرصة سانحة، كما يطمح لأن يقوم خصومه السياسين ذاتهم بإنكار أنفسهم من خلال إقرارهم الطوعي بأنهم جزء من حملة الإرهاب الكونية، التي تعرضت له دولته الوطنية على مدار الثماني سنوات الماضية، الأمر الذي يسحب منهم كل شرعية سياسية كأطراف في خصومة سياسية مع نظام مستبد يسيء إدارة الشؤون العامة لشعبه لصالحه الشخصي.

المماطلة في عرف النظام واحدة من الاستراتيجيات الفعالة لتحصين نفسه ضد جميع الضغوط السياسية، التي يمكن أن تفرض عليه سواء من قبل الحلفاء أو الخصوم، ذلك أنها تراهن على إرهاق الخصم أو سحق عزيمته عبر الزمن، أو تراهن على تبني الحليف وجهة نظره الخاصة أو ميله لها. في طريقته لتحقيق المماطلة يعمل النظام على استغلال الشروط الإجرائية الوردة في مدونة السلوك التفاوضي، والقاضية بمنع أي طرف من أطراف اللجنة الدستورية (المعارضة، النظام،المجتمع المدني) من مناقشة أي بند خارج جدول الأعمال ما لم يحصل على موافقة جميع الأطراف على إقراره، الأمر الذي يجعل من مطلب المعارضة بمناقشة القضايا الخاصة بإعداد دستور جديد أمرًا مستحيلًا، كونه يتعارض مع رغبة النظام بمناقشة أي شيء يتعلق بعمل اللجنة الدستورية، لشعوره العميق بأن أي نقاش جدي حول الدستور سيجره إلى الاشتباك حول مواد دستور ديمقراطي لا يتوافق مع رغبة بشار الأسد بالسيطرة المطلقة على كل شيء.

كان يمكن لجملة الأساليب المتحذلقة التي يتبعها النظام لنسف عمل اللجنة الدستورية من الداخل، سواء عبر الصيغة التمثيلية الملتبسة لوفده المفاوض، أو تعطيل انطلاق عمل اللجنة عبر التحكم بجدول أعمالها، أن تؤتي ثمارها لو كان وحده من يتمتع بلعب دور اللاعب الأقوى والمهيمن في معادلة إخراج اللجنة الدستورية للنور وتقرير مآلاتها. إلا أن واقع الحال لوضعيته الدونية كتابع لراعيه الروسي يجعله لا يدرك أنه لا يتذاكى على المعارضة السورية المهيضة الجناح، بقدر ما يذهب للتذاكي على راعيه الروسي نفسه الذي لولاه لما كانت هناك لجنة دستورية ولا انطلاق لإعمالها تحت مظلة الأمم المتحدة، الذي اضطره لأن يرد له الصاع صاعين على نحو علني وفاضح. تارة عبر وكالة تاس الحكومية التي اتهمت نظام الأسد بعرقلته المتعمدة لأعمال اللجنة الدستورية، كي يمنع إجراء انتخابات حرة بإشراف أممي، وتارة أخرى عبر قناة “روسيا اليوم” التي ذهبت في التعريض به وبشرعيته المفتعلة حدًّا جعلها تمضي في إيراد مقال لأحد محرري جريدة “زافترا” الروسية جاء فيه: “أن النظام لا يحظى على تأييد  سوى 20 % من مجمل السكان، وفيما يبدو الـ 30 % غير مبالين سوى بتحصيل قوتهم اليومي، فإن نسبة الـ50 % يطالبون بتغيير جذري في منظومة الحكم الحالية”.

لقد أثبت الأسد في استراتيجيته التفاوضية القائمة على الإنكار والمماطلة أنه لا يتحدى رغبة المعارضة بالتوصل لدستور ديمقراطي يطيح بأركان حكمه الاستبداي، بل رغبة راعيه الروسي في الظهور بمظهر رجل السلام الذي ما أن يضع يديه في قضية حتى يجد لها حلًّا مرضيًا لجميع الأطراف المتصارعة. فهل يستطيع الأسد الخروج من مأزق اللجنة الدستورية التي وضعه فيه الروس، أم يثبت للجميع أنه فوق قوانين السياسة القائمة على التسوية والحلول الوسط والإقصاء والتهميش؟

——————————–

اللجنة الدستورية السورية تكتفي بتلخيص أفكار الهيئة الموسعة بجنيف

في ثاني أيام اجتماعات الهيئة المصغرة للجنة الدستورية، اليوم الثلاثاء، تكتفي الأطراف السورية المجتمعة في جنيف، بتلخيص الأفكار المقدمة في الهيئة الموسعة.

واتفقت الأطراف السورية، التي تضم ممثلين للمعارضة والنظام ومنظمات المجتمع المدني، على تلخيص الكلمات المقدمة في اجتماعات الهيئة الموسعة التي تضم 150 عضواً، والتي اختتمت أعمالها، الأسبوع الماضي، كما ستقدم بعض الأفكار من أجل تحديد برنامج عمل في الجولات المقبلة.

وبذلك تكتفي اللجنة الدستورية في دورتها الأولى بتلخيص أفكار موجودة بالأساس في المبادئ الحية التي أعلنتها الأمم المتحدة، في وقت سابق، وبموافقة الأطراف السورية، فيما تسعى حالياً لإصدار مبادئ أخرى تشابه تلك المبادئ، وهي مبادئ دستورية من أفكار الأعضاء.

وستكتفي الهيئة المصغرة بعقد جلساتها بواقع أربع ساعات يومياً في المقر الأممي، وبإشراف المبعوث الأممي غير بيدرسون، وصولا إلى الجمعة المقبلة حيث يُنتظر إعلان انتهاء الجولة وتحديد موعد بدء اجتماعات الجولة المقبلة.

وبعد اجتماعات اللجنة الدستورية السورية، على مدى ثلاثة أيام في جنيف، وافق أعضاء اللجنة، البالغ عددهم 150، على مدونة سلوك أعضاء اللجنة الدستورية، والممارسات الإجرائية الأولية للرئيسين المشتركين للجنة الدستورية، كما اختارت هيئة مصغرة من 45 عضواً.

وتألفت مدونة سلوك أعضاء اللجنة الدستورية من 17 مادة، فيما تضمّنت الممارسات الإجرائية الأولية للرئيسين المشتركين في اللجنة الدستورية 10 نقاط، وهي نقاط ملزمة في عمل اللجنة.

وتشكل المدونة والممارسات الإجرائية مجموعة من الضوابط الملزمة للاحترام المتبادل، ومنع الاستفزاز، واحترام قرارات رئيس الجلسة، والتناوب بين الرئيسين في رئاسة اللجنة، وعرض جدول أعمال الجلسة، ونقاط مشابهة.

وأطلق بيدرسون أعمال اللجنة الدستورية السورية، يوم الأربعاء 30 أكتوبر/تشرين الأول خلال جلسة افتتاحية بالمقر الأممي في جنيف.

مدونة السلوك” بين الحكومة والمعارضة في جنيف: مدونة سلوك لأعضاء اللجنة الدستورية

اولممارسات الإجرائية الأولية لل رئيسين المشتركين للجنة الدستورية

تبعا للمعايير المرجعية والعناصر الأساسية للائحة الداخلية للجنة الدستورية )ورقة الاجراءات(، وعملا بما

يتمتع به الرئيسان المشتركان من الصلاحيات الضرورية لضمان السير المنتظم للجنة الدستورية، وتمشي ا مع

روح التوافق والانخراط البناء، وضمانا لعمل ذي مصداقية ومتوازن وشامل للجميع، يقترح الرئيسان

المشتركان مدونة السلوك التالية لأعضاء اللجنة الدستورية، وكذا على الممارسات الإجرائية الأولية للرئيسين

المشتركين للجنة الدستورية:

مدونة سلوك لأعضاء اللجنة الدستورية

يلتزم أعضاء اللجنة الدستورية بالآتي:

١ – اتباع المعايير المرجعية والعناصر الأساسية للائحة الداخلية المتفق عليها )ورقة الاجراءات(، وأي قواعد

أخرى يتم إقرارها، بما في ذلك بنود هذه المدوّنة والممارسات الإجرائية للرئيسين المشتركين، لضمان السير

المنتظم لعمل اللجنة الدستورية.

٢ – العمل في إطار اللجنة، وتجاه كافة المسائل المرتبطة بها، بروح التزام وحسن نية وبشكل تعاوني من أجل

إنجاز عمل اللجنة الدستورية بقيادة وملكية سورية وبتيسير من الأمم المتحدة.

٣ – الحرص على المشاركة في كافة اجتماعات اللجنة. وفي حال غياب أحد الرئيسين المشتركين، يتمّ تعيين

رئيس مشترك بالإنابة من طرف مجموعة الرئيس المتغيب.

٤ – التحاور باحترام متبادل، وفي مناخ هادئ مناسب لمناقشات بناءة.

٥ – ابداء الاحترام واللباقة إزاء الأعضاء، والامتناع عن الخطاب التحريضي أو الهجوم الشخصي،

٦ – احترام هيبة ووقار اللجنة، والامتناع عن أي عمل قد يضر بالأعضاء الآخرين، أو أي تصرف غير

أخلاقي أو إخلال بالآداب العامة.

٧ – الامتناع عن توزيع أي وثائق أو منشورات في غرفة الاجتماعات كأوراق رسمية.

٨ – الامتناع عن أي فعل يمكن اعتباره استفزازي ا.ً

٩ – طلب الكلمة من خلال آلية متفق عليها لتسجيل المتحدثين أو من خلال رفع اللوحة التي تحمل الاسم.

١٠ – تناول الكلام فقط عندما يتم منح الكلمة من قبل رئيس الجلسة وتوجيه الكلام إليه أو إلى اللجنة، وعدم

مقاطعة أي عضو أثناء حديثه.

١١ – احترام قرارات رئيس الجلسة فيما يتعلق بأي مخالفات لورقة الاجراءات ومدونة السلوك أو أية قواعد

أخرى يتم إقرارها بما في ذلك الممارسات الإجرائية للرئيسين المشتركين، أو فيما يتعلق بالتهجّم على أي

عضو آخر في اللجنة أو الإخلال بالنظام خلال الاجتماعات.

2

١٢ – الحديث في إطار الموضوع المطروح للنقاش خلال الاجتماع،

١٣ – احترام سرية مداولات اجتماعات اللجنة.

١٤ – الامتناع عن استخدام الحسابات الشخصية على وسائط التواصل الاجتماعي، كوسيلة للتواصل مع اللجنة.

١٥ – يتم تقديم الشواغل والشكاوى لرئيس الجلسة حصر اً.

١٦ – يحق للعضو التعبير عن رأيه في الإعلام.

١٧ – إظهار مستوى عالي من النزاهة وحسن التقدير أثناء التواصل في الفضاء العام.

يمكن تعديل مدونة السلوك أو إستكمالها بما في ذلك إضافة نقاط أخرى، بناء على اقتراح من الرئيسين

المشتركين، وإقرارها من قبل أعضاء اللجنة.

الممارسات الإجرائية الأولية للرئيسين المشتركين للجنة الدستورية

يقوم الرئيسان المشتركان بالآتي:

١ – رئاسة اجتماعات اللجنة بشكل مشترك مع التناوب على الإدارة الفعلية للجلسات يومي ا.ً

٢ – في أول جلسة من كل دورة، ي عرض الرئيسان المُشاركان جدول أعمال هذه الدورة المُقترح من قبلهما،

وذلك بناء على الأفكار ووجهات النظر التي يبديها الأعضاء. ويتمّ ارسال مسودة جدول الأعمال إلى أعضاء

اللجنة قبل عقد الجلسة، لإبداء مقترحاتهم، ليُصار إلى اعتماده من قبل أعضاء اللجنة.

٣ – توزع ملخصات عن المداولات السابقة لجلسات اللجنة، بعد الاتفاق عليها من الرئيسين المشتركين. ويتم

توزيع المحاضر الكاملة للجلسات والمعدة فنيا من طرف السكرتارية على الرئيسين المشاركين فقط. وللرئيسين

المشاركين حق تصويب أي خطأ في هذه المحاضر، بعد مراجعتها.

٤ – تسجيل وتدوين النقاط التي تم الاتفاق عليها بشكل نهائي أو مؤقت في إطار اللجنة وذلك بمساعدة

السكرتارية،

٥ – الحرص على تعزيز المساواة في الحقوق والمشاركة الفعالة بين النساء والرجال،

٦ – إعطاء الأولوية في الحديث للأعضاء الذين يريدون إثارة نقطة نظام إذا رأوا أن هناك مخالفة لورقة

الاجراءات أو مدونة السلوك.

٧ – وضع قائمة المتحدثين تسلسليا تبع ا لترتيب التسجيل مع مراعاة التوازن بين مكونات اللجنة،

٨ – تعليق الاجتماعات في حالة الاخلال بنظام الجلسة وفي حالة استمرار الاخلال رفع الجلسة إلى يوم العمل

التالي.

٩ – اختتام الجلسات بتحديد موعد الجلسة القادمة.

١٠ – تقدم السكرتارية الدعم اللوجستي اللازم، وفقا للحاجة ولضمان السير الجيد لعمل اللجنة.

يمكن تعديل الممارسات الإجرائية الأولية للرئيسين المشتركين أو استكمالها بنقاط إضافية، بناء على

اقتراحهما ، وإقرارها من قبل أعضاء اللجنة.

——————-

مع صياغة دستور جديد.. هذه قصة دساتير سوريا منذ عام 1920

هل يمكن اعتماد أي منها كمرجع؟

لم تنته الحرب في سوريا بعد، وما زال نظام بشار الأسد يستهدف المدنيين في مناطق الشمال السوري، ولم تخرج جنود الدول الأجنبية من أراضيها، ولم تتمكن هدنة واحدة عبر ثماني سنوات من إخماد نارها المشتعلة على أثر ثورة شعبية تطالب بالحرية والكرامة وبناء دولة مدنية عمادها دستور تحكم بموجبه.

في حين تجمعُ الدول الكبرى والإقليمية عبر الأمم المتحدة في جنيف السويسرية الفرقاء السوريين؛ من نظام ومعارضة ومجتمع مدني (محسوب على الطرفين)، لكتابة دستور جديد لبلدٍ يشارك المتهم بجرائم الحرب مع ممثلي الضحايا في نسج حروفه وأبوابه ومبادئه العامة.

منذ ولدت الدولة السورية، في عشرينيات القرن الماضي وحتى عام 2012، تشكل فيها نحو 16 دستوراً، خلال حقب سياسية مختلفة، وتبدلات دولية كثيرة، وصعود أحلاف وسقوط أخرى.

دساتير سوريا حتى انقلاب البعث

بعد أن انفصلت سوريا عن الإمبراطورية العثمانية على أثر ما سُميت بـ”الثورة العربية الكبرى”، تأسست مملكة سوريا عام 1920، وحكمها الملك فيصل بن الشريف حسين، وكتب أول دساتيرها، ولكنه لم يستمر طويلاً، حيث جاءت القوات الفرنسية لاحتلال سوريا ولبنان (التي كانت جزءاً منها).

لكن الاحتلال الفرنسي عطل “دستور 1920″ بعد فترة لم تدم طويلاً، حيث قامت بتشكيل لجنة دستورية لإعداد دستور جديد عُرف بـ”دستور 1928”.

لم يكن الدستور الجديد ملائماً تماماً لسياسة فرنسا الداخلية في سوريا، حيث رفضته؛ لوجود مواد تتعارض مع دورها الانتدابي في البلاد، ما دفعها لتعديله بواحد آخر هو “دستور 1930″، والذي أعطى صلاحيات واسعة لمجلس النواب، وضمن الحريات، وفصل بين السلطات.

وفي عام 1946، جلت فرنسا عن سوريا بعد أن رسمت معالمها الجديدة، واتخذت حكومة الجلاء من دستور عام 1928 دستوراً للبلاد وحكمت بموجبه، والذي كان ينص على أن “سوريا جمهورية نيابية، دين رئيسها الإسلام، وعاصمتها مدينة دمشق”.

وفي عام 1947 عدّل الدستور بتحويل النظام الانتخابي من درجتين إلى درجة واحدة، وعدل مرة ثانية عام 1948 للسماح بانتخاب شكري القوتلي لولاية ثانية مباشرة بعد ولايته الأولى، وفي 30 مارس 1949 انقلب حسني الزعيم عسكرياً على الحكم المدني برئاسة القوتلي، وعلّق العمل بالدستور، وسرعان ما انقلب عليه سامي الحناوي في أغسطس 1949، ونظمت انتخابات جمعية تأسيسيّة (شاركت فيها المرأة لأول مرة) لوضع دستور جديد للبلاد.

البرلمان السوري

في عام 1950 وضع دستور حمل اسم “دستور الاستقلال”، والذي يعد أول دستور مدني من نوعه تحظى به سوريا، حيث اطلعت اللجنة على 15 دستوراً أوروبياً وآسيوياً للوصول إلى “أرقى المعايير الممكنة”، وجاء في مادته الثالثة: “دين رئيس الجمهورية الإسلام، والفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع”، وهو ما سيستمر في الدساتير اللاحقة.

قلص “دستور 1950” من صلاحيات رئيس الجمهورية، وزاد من صلاحيات البرلمان بمنعه التنازل عن صلاحياته التشريعية للحكومة ولو مؤقتاً، وعزز من سلطة القضاء باستحداث المحكمة الدستورية العليا.

وكفل حرية الرأي والصحافة، والاجتماع والتظاهر، والمحاكمة العادلة، ومنع الاعتقال التعسفي والتوقيف دون محاكمة لفترة طويلة، وحفظ حق الملكية والمشاركة في الحياة الاقتصادية وتأطير الملكية العامة للدولة، وحماية حقوق الفلاحين والعمال على وجه الخصوص.

ويرى السياسي ومؤسس حزب التضامن السوري، عماد الدين الخطيب، في حديث خاص مع “الخليج أونلاين”، أنّ “دستور 1950 من أفضل الدساتير التي كتبت في سوريا لأنه ضَمِنَ الحياة السياسية الديمقراطية، ويمكن اعتباره مرجعاً يتم البناء عليه مع بعض التعديلات بحيث تضمن المساواة بين السوريين كافة بمختلف قومياتهم وطوائفهم ومذاهبهم”.

وعُطل “دستور 1950” أكثر من مرة بسبب تجدد الانقلابات العسكرية، ثم عطل مع قيام الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958 حتى عام 1961 مع سنة الانفصال؛ حيث أعيد إحياؤه، وبقي معمولاً به حتى 8 مارس 1963، إلى أن سيطر حزب البعث على السلطة، وألغى الدستور والحريات العامة وأغلق الصحف؛ وبدأت سوريا معه فصلاً جديداً لم تنته أحداثه حتى اليوم.

دستور الحزب القائد

كانت أولى قرارات عسكر حزب البعث الذي نفذ الانقلاب هو تعطيل الدستور، واعتقال رئيس الجمهورية ناظم القدسي، ورئيس الوزراء خالد العظم، ورفع حالة الطوارئ التي استمرت لمدة 48 عاماً، حتى رفعها في أبريل عام 2011، إثر الثورة ضد نظام بشار الأسد.

أصدر حزب البعث على مدار 7 سنوات 3 دساتير كلها مؤقتة؛ بسبب الأحداث الكثيرة التي جرت في تلك الأيام من صراع على السلطة بين أجنحة الحزب ذاته، إلى أن وصل حافظ الأسد إلى السلطة وأنهى كل ما سبق عبر انقلاب عسكري، في 16 نوفمبر 1970.

وبعد أن أنهى الأسد الأب ترتيب أوراقه الداخلية واعتقال وملاحقة من تبقى من خصومه، عين لجنة لصياغة دستور دائم للبلاد عام 1973، وكانت المادة الثالثة (دين الدولة) إضافة إلى آلية انتقال السلطة، ودور حزب البعث، من أبرز النقاط التي أثارت موجة احتجاجات حينها.

أقر الدستور بنفس العام باستفتاء شعبي، وكان ينص على المادة الثامنة الشهيرة (حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع)، إضافة إلى المادة الثالثة (دين رئيس الجمهورية الإسلام)، إضافة إلى النص على أن اقتصاد البلاد هو (اشتراكي مخطط).

وكذلك المواد التي تمنح الرئيس صلاحيات كبيرة جمعتْ كل السلطات بيده، ومنها أنه يمتلك سلطة التشريع، كما يستطيع حل مجلس الشعب، وإعلان حالة الطوارئ، وحالة الحرب، والتعبئة العامة، وهو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة.

حافظ الأسد دستور تجميلي

استمر دستور حافظ الأسد سارياً حتى عام 2012، عندما صدر دستور جديد بعيد انطلاق الثورة السورية، والتي كان من بين مطالبها إلغاء المادة الثامنة في دستور 1973، وإلغاء حالة الطوارئ، إضافة للفصل بين السلطات، ثم تحولت إلى إسقاط النظام؛ بسبب استخدامه للعنف المفرط ضد الشعب.

لم يكن دستور بشار الأسد عام 2012 إلا تجميلاً لدستور أبيه، حيث بقيت صلاحيات الرئيس ذاتها، إضافة إلى المادة الثالثة التي شهدت إعادة كلمة “الطوائف”، واستعاد دستور 2012 ما جاء في دستور 1950 حول ذلك، إذ تنص المادة الثالثة على:

“دين رئيس الجمهورية الإسلام، الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع، تحترم الدولة جميع الأديان، وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها على ألا يخلّ ذلك بالنظام العام، الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية”.

أما المادة الثامنة فقد تحولت من “احتكار” البعث للسلطة، إلى “التعددية السياسية”، إذ تقول: “يقوم النظام السياسي للدولة على مبدأ التعددية السياسية، وتتم ممارسة السلطة ديمقراطياً عبر الاقتراع”.

ووضع الدستور الجديد سقفاً لمرات انتخاب رئيس الجمهورية، إذ جاء في المادة 88: “ينتخب رئيس الجمهورية لمدة سبعة أعوام ميلادية تبدأ من تاريخ انتهاء ولاية الرئيس القائم، ولا يجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا لولاية واحدة تالية”.

في حين ورد في المادة 155: “تنتهي مدة ولاية رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء سبع سنوات ميلادية من تاريخ أدائه القسم الدستوري رئيساً للجمهورية، وله حق الترشح مجدداً لمنصب رئيس الجمهورية، وتسري عليه أحكام المادة /88/ من هذا الدستور اعتباراً من الانتخابات الرئاسية القادمة”.

وكل ذلك هو من المسائل التي تشهد خلافات حادة، إضافة إلى الشروط التي حددها الدستور لمن يحق له الترشح لمنصب الرئيس، إذ يشترط أن يكون مقيماً في سوريا منذ 10 سنوات متصلة، وهذا يعني أن كثيراً من المعارضين لن يستطيعوا الترشح للمنصب.

دستور قادم برعاية أممية

ورغم وضوح تمسك نظام الأسد ومن خلفه حلفاؤه بمقاليد الحكم في سوريا بعد كل تلك المجازر والحروب، فإن 30 أكتوبر 2019، شهد إطلاق المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، لعمل اللجنة الدستورية المؤلفة من 150 عضواً.

اللجنة الدستورية

وأكد بيدرسون، أن وجود أعضاء اللجنة يرتكز على عدة مبادئ أساسية؛ منها احترام قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، ووحدة سوريا، واحترام المسار السياسي.

وقال في هذا الصدد: “مهمتكم أنتم أعضاء اللجنة الدستورية إعداد وصياغة إصلاح دستوري يطرح للشعب لإقراره كإسهام في الحل السياسي وتطبيق القرار الأممي 2254”.

ويوم الاثنين 4 نوفمبر 2019، اجتمعت اللجنة الدستورية المصغرة، والتي تتألف من 45 عضواً، في قوائم متساوية من النظام والمعارضة والمجتمع المدني.

وتتمحور مهمة اللجنة المصغرة في مناقشة دستور عام 2012، واقتراح تعديلات له، أو صياغة دستور جديد وفق مقترحات تطرح للتصويت من قبل اللجنة الموسعة، ليتم تمريرها بعد موافقة 113 من أعضائها على كل مادة.

كما لم يحدد جدول جلسات اللجنة الدستورية المصغرة بعد، مع وجود اختلاف في الأجندات المقترحة؛ إذ يطلب النظام السوري تخصيص أسبوع للعمل وثلاثة أسابيع للمشاورة، في حين تطلب المعارضة ثلاثة أسابيع عمل وأسبوعاً للمشاورة.

جدير بالذكر أن القرار “2254” الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2015؛ ينص على إعادة صياغة الدستور السوري ضمن عملية انتقال سياسي، وطالب جميع الأطراف بالتوقف الفوري عن شن هجمات ضد أهداف مدنية، وحث الدول الأعضاء بمجلس الأمن الدولي على دعم جهود وقف إطلاق النار.

وطلب القرار أيضاً من الأمم المتحدة أن تجمع الطرفين للدخول في مفاوضات، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف أممي، بهدف إجراء تحول سياسي.

وقال عماد الدين الخطيب، في حديثه مع “الخليج أونلاين” أيضاً: إنه “بعد التدخل الروسي في سوريا (2015)، والتراجع الأوروبي، وتذبذب الموقف الأمريكي، أُطلقت يد روسيا في سوريا، والتي سعت إلى التهرب من القرارات الأممية من خلال اتفاقيات ومؤتمرات، بحيث أصبح الوصول لدستور جديد وكأنه هو هدف الثورة والشعب السوري بعيداً عن كل آلامه وآماله، وهو يعطي شرعية للأسد ونظامه”.

وأضاف: إن “سوريا اليوم تعتبر دولة محتلة وتحت الوصاية من أكثر من دولة (روسيا وأمريكا وتركيا وإيران)، ومن ثم فأي دستور يُكتب لن يلبي تطلعات الشعب السوري، والتاريخ يشهد أنه عندما كتب دستور عام 1928 تم تعطيله من قبل الاحتلال الفرنسي لأنه يتعارض مع وجوده، وتم تعديله بما يشرعن الاحتلال”.

ولفت الخطيب إلى أن “دستور عام 2012 يمكن البناء عليه أو اعتباره مسودة دستور جديد، مع تعديل عدد من المواد تتعلق بدين رئيس الجمهورية وصلاحياته وصلاحيات السلطة التشريعية، مع فصل السلطات الثلاث عن بعضها، مع إضافة مواد فوق دستورية لا يمكن تعديلها تحت أي ظرف من الظروف”.

في حين شدد على أنه “بالنسبة لنظام الأسد فهو غير مؤهل نهائياً، ولا يؤتمن على كتابة مادة واحدة من الدستور؛ لأنه يعتبر سوريا مزرعة خاصة له والشعب عبيداً له وليسوا مزارعين أو مواطنين”.

أما بخصوص اللجنة الدستورية الحالية فقال السياسي السوري: “هي غير مؤهلة وليست مخولة ولم تنتخب من قبل الشعب صاحب السيادة، ولا تضم نخباً قانونية أو سياسية، ومن ثم فالدستور لن يكون إلا دستوراً ناقصاً وقد يأكله الحمار مرة ثانية، والمشكلة الأساسية ليست في الدستور وإنما بتطبيقه وتنفيذ ما جاء فيه إن كان دستوراً صالحاً”.

————————-

“الدستورية”:بيدرسن يتدخل لوقف أكاذيب النظام..وعقباته/ صبحي فرنجية

بدأت مجريات أعمال اليوم الثاني لـ”المجموعة المصغرة” من “اللجنة الدستورية”، الثلاثاء، لبحث ما تم التوافق عليه، الإثنين، بما في ذلك بعض الأفكار التي تحدث عنها أعضاء اللجنة في الاجتماعات الموسعة لـ”الدستورية” الاسبوع الماضي.

وتعمل وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” على تغيير الحقائق في ما يخص اجتماعات “اللجنة الدستورية” في جنيف، بغرض التقليل من شأن وفد المعارضة، ورفع شأن وفدها الذي لم يُقدم جديداً حتى اللحظة. بل يُغرقُ وفد النظام الخوض في التفاصيل بهدف إبطاء العملية برمتها، في حين تُحاول المعارضة تأكيد دور “الدستورية” كخطوة في مسار الحل السياسي. ودفع ذلك مكتب المبعوث الدولي الخاص إلى سوريا غير بيدرسن، إلى الطلب من وفد النظام عدم تغيير الحقائق والتوقف عن نشر الأخبار الكاذبة، لأن هذا السلوك الإعلامي لا يدعم “عملية السلام” المرجوة.

وعلمت “المدن” من مصادر في أروقة الأمم المتحدة في جنيف، أنه عقب نشر وكالة “سانا” لأخبار حول اجتماعات “اللجنة المصغرة”، تحمل في طياتها اتهامات غير حقيقية للمعارضة، وتغييراً للحقائق، قام بيدرسن بالإيعاز إلى موظفي مكتبه للتواصل مع مسؤولين في النظام للتأكيد على أن نشر أخبار كهذه لا يخدم العملية السياسية.

وأشارت المصادر إلى أن مكتب بيدرسن أخبر مسؤولي النظام بضرورة إلتزام الدقة والحقائق في ما يخص الاجتماعات، وعدم التفاعل مع لقاءات “اللجنة المصغرة” بسلبية. فيما لم تعلم “المدن” ماذا كان رد مسؤولي النظام على ملاحظات مكتب بيدرسن.

وكانت وكالة “سانا” قد نشرت على لسان “مصادر مقربة من الأمم المتحدة” قولها إنه “لم يقدم وفد الطرف الآخر (في إشارة إلى وفد المعارضة) أي مقترح حول جدول الأعمال وهو يخالف مدونة السلوك والممارسات الإجرائية الأولية للرئيسين المشتركين”، وهو ما لم يكن صحيحاً، خصوصاً أن المعارضة السورية هي الطرف الأكثر عملية في هذه الاجتماعات، فهي من لديه رؤى عن الدستور ليتم بحثها والنقاش فيها، كما أنها من يُحاول تكثيف ساعات العمل خلال الأيام القليلة المقبلة، مطالبة بأن يكون العمل على مدار ثلاثة أسابيع متواصلة، مع استراحة لمدة أسبوع واحد.

كما أن “سانا” ذهبت أبعد من ذلك، إذ نقلت عن المصادر نفسها “المقربة من الأمم المتحدة” قولها إنه تم “اعتماد جدول أعمال اللجنة المصغرة لمناقشة الدستور والمقترح من قبل الوفد المدعوم من الحكومة السورية”، وهو أمر لا يلامس حقيقة ما جرى، وفق مصادر “المدن”.

وتقول مصادر “المدن” إن “جدول أعمال النظام كان كالتالي: عمل لمدة ساعتين يومياً، مع استراحة للتشاور في ما بينهم وبين مسؤولي النظام في دمشق تمتد بقية النهار. كما أن النظام طلب بأن تُخصص الجلسات لبحث كلمات الأعضاء التي تم إلقاؤها خلال جلسات أعضاء اللجنة العمومية الـ150، وإبداء الملاحظات عليها”، وهو ما يعني أن النظام يريد لـ”اللجنة المصغرة” أن تعيد الاستماع لكافة الكلمات، وبذلك تكون الاجتماعات اليومية للاستماع، أي غير عملية.

هذا الجدول لم يحظَ بالترحيب خلال جلسة النقاش التي امتدت لساعتين، الاثنين، واقترح وفد المعارضة أن يستمع كل وفد إلى الكلمات خارج ساعات الاجتماعات، ومن ثم يتم نقاش بعض الأفكار التي قد تَخدم عملية بحث الدستور، وهو ما يحفظ الوقت، ويكثف الجهود على أمل تحقيق تقدم في العملية خلال الأسبوع الجاري.

كما أن موضوع ساعات عمل اللجنة اليومية لم يحظ بموافقة المعارضة التي قالت إنها تريد أن يمتد جدول العمل اليومي على 8 ساعات، مع انفتاحها على تمديد المدة. وتدخل المبعوث الدولي بمقترح عمل لمدة أربع ساعات يومياً، لينال الموافقة بعد نقاشات بينه وبين الطرفين، وذلك ما سبب تأخيراً في انعقاد الجلسة الأولى لـ”المصغرة”.

وفي نهاية الجلسة الأولى، تم الاتفاق بين الرئيسين المشتركين، هادي البحرة وأحمد الكزبري، على أن يتم تخصيص جدول أعمال هذه الدورة لوضع برنامج عمل “المصغرة” خلال الدورات المقبلة، وذلك بالاستفادة من مناقشة الأفكار والمقترحات التي قدمت في المداخلات خلال اجتماعات “الهيئة الموسعة”، لتحديد ما يصلح منها ليكون مبادئ دستورية، بحسب ما ذكر رئيس اللجنة المشترك هادي البحرة، عقب الاجتماع.

وقال البحرة إن ممثلي “هيئة التفاوض السورية” في “اللجنة الدستورية” قدموا اقتراحاً لآلية العمل خلال هذه الدورة “للتوافق والتوصل إلى المشتركات لجدول أعمال هذه الدورة وآلية تنفيذه”.

وتأمل المعارضة السورية أن يتم تحديد جدول أعمال الدورة القادمة مع نهاية الدورة الجارية من أعمال “المصغرة”، وذلك لضمان عدم إضاعة الوقت، كما تأمل في أن ينسحب هذ الإجراء على الدورات المقبلة، بحيث يأتي الأعضاء إلى جنيف وهم على دراية بطبيعة ما سيتم بحثه، وترتيبه الزمني.

المدن

————————–

اللجنة الدستورية السورية: سيرك سياسي في جنيف/ أمين العاصي

أفضت اجتماعات اللجنة الدستورية يوم الجمعة الماضي إلى التوافق على تسمية الهيئة المصغّرة المكوّنة من 45 اسماً، يمثلون النظام والمعارضة والمجتمع المدني من كلا الطرفين، مهمتها وضع مسودة دستور تُعرض بعد ذلك على اللجنة الموسعة المؤلفة من 150 عضواً يمثلون الأطراف الثلاثة. ومن المقرر أن تبدأ اللجنة المصغرة العمل مطلع الأسبوع المقبل، بدرس الدساتير السورية التي وضعت منذ عام 1920، وصولاً إلى دستور 2012، وفق ما أفاد به الرئيس المشترك للجنة الدستورية عن المعارضة هادي البحرة، الذي أشار إلى أنه “لا يوجد توقيت زمني لعمل اللجنة المصغرة، وستعمل بشكل مستمر ومتواصل، لتضع صيغاً لمضامين دستورية، تُناقش لاحقاً في اللجنة الموسعة”. وعلى الرغم من تأكيد المبعوث الأممي إلى سورية غير بيدرسن، أن الاجتماعات كانت “إيجابية”، إلا أن من الواضح أنه ليس في نيّة النظام السوري الانخراط في حوار جاد من أجل التوصل إلى دستور جديد ربما مهّد الطريق أمام حل للازمة السورية، إذ لا تزال وسائل إعلام النظام تطلق على وفد المعارضة صفة “الطرف الآخر”، وهو ما يعني عدم اعتراف النظام بوجود معارضة له.

وتجنبت وكالة “سانا” للأنباء التابعة للنظام عرض صور أعضاء اللجنة الدستورية من وفد المعارضة السورية، بل حذفت صورة الرئيس المشترك للجنة هادي البحرة من الصورة الكاملة التي جمعته مع المبعوث الأممي إلى سورية، غير بيدرسن، ورئيس وفد النظام، أحمد الكزبري، خلال الجلسة الافتتاحية الأولى. وذهب رئيس النظام السوري بشار الأسد، أبعد من ذلك، عندما قال في مقابلة مع الفضائية السورية يوم الخميس الماضي، إن حكومته ليست موجودة في اللجنة الدستورية، معتبراً أنّ الوفد الذي من المفترض أن يمثل النظام في اللجنة مجرد “أشخاص من نفس جو الحكومة السورية السياسي”. واعتبر أعضاء وفد المعارضة السورية ممثلين لما سمّاهم “إرهابيين”، ناسفاً المرجعية الدولية لمفاوضات الدستور. وشدّد على أن اللجنة الدستورية جزء من مسار سوتشي، مضيفاً: جنيف (مسار جنيف الذي ترعاه الأمم المتحدة) ليست موجودة.

وأكدت الاجتماعات اتساع الهوّة بين النظام والمعارضة السورية بعد أكثر من 8 سنوات على انطلاق الثورة التي لم يكن الدستور أحد أهم مبادئها، بل المطالبة بتغيير سياسي عميق يفضي إلى وضع دستور جديد للبلاد من طريق جمعية تأسيسية منتخبة. ولم تخلُ اجتماعات اللجنة الدستورية من تجاذبات كادت أن تفضي إلى “حرد” سياسي من قبل وفد النظام الذي حاول استفزاز أعضاء المعارضة من خلال التركيز على بطولات جيش النظام الذي تراه المعارضة السورية مجرد مليشيا من ضمن مئات المليشيات التي شرّع النظام لها أبواب البلاد للفتك بالسوريين. وأدى التوتر والتراشق الكلامي بين وفد المعارضة والنظام إلى تعليق الاجتماع قبل تدخل المبعوث الأممي لإنهاء الخلاف.

ولم يستقبل الشارع المعارض التئام اللجنة الدستورية بترحاب، واعتبر كثير من السوريين أن ما يجري لا يعدو كونه “سيركاً سياسياً” يقدم عروضاً مرتجلة لدول باتت تمسك بخيوط اللعبة وتوجهها وفق مصالحها في سورية، التي باتت مناطق نفوذ لتركيا وروسيا وإيران والولايات المتحدة، ومن خلفها اسرائيل. كذلك فإن اللجنة الدستورية تعد تجاوزاً صريحاً للقرارات الدولية ذات الصلة، خصوصاً بيان جنيف1، الذي استند إليها القرار الدولي 2254. ودعا البيان الصادر منتصف عام 2012، إلى “إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تُهيّئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية”، وأن “تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية، ويمكن أن تضم أعضاءً من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى، ويجب أن تُشكّل على أساس الموافقة المتبادلة”.

ودعا البيان إلى إعادة النظر في “النظام الدستوري والمنظومة القانونية، وأن تُعرض نتائج الصياغة الدستورية على الاستفتاء العام”، مضيفاً أنه “بعد إقامة النظام الدستوري الجديد، من الضروري الإعداد لانتخابات حرة ونزيهة وتعددية وإجراؤها لشغل المؤسسات والهيئات الجديدة المنشأة”. ولم تكن المعارضة السورية ولا النظام في وارد الشروع في مفاوضات الدستور، لولا الضغط الإقليمي والدولي عليهما، فالمعارضة كانت تبحث عن تطبيق القرارات الدولية، ما يعني الشروع في الانتقال السياسي، وهو جوهر العملية السياسية وليس الدستور. لكن المعارضة رضخت للضغوط تحت مبدأ الواقعية السياسية، وجرّ النظام إلى التفاوض حول السلال الأممية الأربع للتفاوض، وهي الحكم والدستور والانتخابات ومحاربة الإرهاب. فتحت المعارضة بذلك باب القفز فوق الإرادة الدولية، وهو ما سيجبرها على نسيان مبدأ الانتقال السياسي والدخول في انتخابات مع النظام وفق الدستور الجديد، ما يعني بقاء الوضع في سورية على ما كان عليه في مارس/آذار 2011، على الرغم من مقتل وتشريد ملايين السوريين. كذلك فإن النظام ظلّ يحاول عرقلة التئام اللجنة عاماً ونصف عام، لأنه لا يريد الانخراط بأي عمل تفاوضي وفق قرارات الشرعية الدولية، لأنه قد يدفعه إلى تقديم تنازلات قد تفضي إلى تصدّعه، كذلك فإنه لم يكن يعترف بوجود معارضة له، ويسعى إلى حسم عسكري يتيح له وضع التسوية التي يريد. لكن النظام رضخ هو الآخر للضغوط الروسية في تسهيل تشكيل اللجنة وبدء اجتماعاتها، ولم يكن في مصلحة موسكو ظهور النظام الذي تدعمه في موقع الرافض للجهود الدولية لحل القضية السورية. بالتالي إن ما يجري في جنيف الآن مخالف للبيان ويدفع إلى تأجيل الحل السياسي في سورية، وهو ما يفتح أبواباً جديدة للأزمات التي لا تكاد تنتهي في الجغرافيا السورية.

العربي الجدديد

———————–

المبعوث الأممي لسوريا: اجتماعات اللجنة الدستورية تتقدم بإيجابية

أكد المبعوث الأممي لسوريا الثلاثاء أن اجتماعات اللجنة الدستورية المنعقدة في جنيف بسويسرا، تتقدم “بشكل إيجابي”.

جاء ذلك في تصريح أدلت به للأناضول “جنيفر فينتون”، المتحدثة باسم المبعوث الأممي إلى سوريا، “جير بيدرسون”، على هامش اجتماعات الأطراف السورية الثلاثة (النظام والمعارضة ومنظمات المجتمع المدني) المتواصلة بالمقر الأممي في جنيف.

وقالت “جنيفر” إن “اجتماعات اللجنة الدستورية تتقدم بشكل إيجابي، وهو أمر يسعد الأمم المتحدة، كما أن بيدرسون سعيد من سير الاجتماعات”.

وأضافت أن “الأطراف اتفقت في أقل من أسبوع على مدونة السلوك التي طرحها بيدرسون، كما تم التوافق على لجنة الصياغة المكونة من 45 عضوا بين النظام والمعارضة ومنظمات المجتمع المدني”.

ولفتت إلى أن “الأطراف السورية اتفقت على جدول أعمال بقية الاجتماعات، وتسير الأجواء بإيجابية وحققت الأطراف تفاهمات في مواضيع عديدة خلال فترة قصيرة”.

في الأثناء، تواصل لجنة صياغة الدستور السوري في جنيف، الثلاثاء، دراسة أفكار الهيئة الموسعة المطروحة في اجتماعات الأسبوع الماضي؛ لتحديد جدول أعمال الجولات المقبلة لأعمالها من أجل صياغة مسودة دستور سوري جديد.

وتجري لجنة الصياغة المؤلفة من 45 عضوا جلستيْ عمل في مقر الأمم المتحدة بجنيف بسويسرا، وبرعاية من المبعوث الأممي “جير بيدرسون”، وتستمر الجلستين 4 ساعات، وتواصل اجتماعاتها بهذا المعدل حتى الجمعة المقبلة.

ووصلت وفود الأطراف السورية الثلاث بالتوالي إلى مقر الأمم المتحدة، صباح الثلاثاء؛ حيث وصل بداية وفد منظمات المجتمع المدني، تلاه وفد النظام، ثم وفد المعارضة، لتنتقل الوفود إلى قاعاتها المخصصة، قبيل الانطلاق إلى الجلسات.

وفي تصريح سابق للأناضول، قال الرئيس المشترك للجنة الدستورية عن المعارضة، “هادي البحرة”: “اتفقنا الإثنين على جدول أعمال الأسبوع الحالي، على أن ينتهي بجدول أعمال للاجتماعات المقبلة، أي تكون منهجية وضع الجدول والأعمال في الاجتماعات المقبلة واضحة”.

وأردف: “سيكون هناك اجتماع يومي لمدة 4 ساعات للأطراف مجتمعة، ولكل طرف بعد ذلك أن يعمل وفق خططه وبرامجه الخاصة منفردا استعدادا لاجتماعات اليوم التالي”.

والأربعاء، أطلق المبعوث الأممي “بيدرسون” أعمال اللجنة الدستورية السورية في مدينة جنيف، وذلك خلال الجلسة الافتتاحية المنعقدة بالمقر الأممي.

وأنهت الهيئة الموسعة عملها الجمعة، بإقرار مدونة سلوك ناظمة لأعمال الهيئة الموسعة، وأخرى تنظم عمل الرئيسين المشاركين، حيث تضمنا 17 بندا للأعضاء، و10 بنود للرئيسين.

——————————————–

مسؤول سابق بالائتلاف السوري يرصد عوائق وفرص لجنة الدستور

نشرت “الأناضول”، الأحد، مقالا تحليليا للأمين العام السابق للائتلاف السوري المعارض؛ “عبدالإله فهد”، حول العوائق ومتطلبات نجاح لجنة اللجنة الدستورية بعد جولتها الأولى، استعرض فيه ما يلي:

اتسمت الدورة الأولى لاجتماعات اللجنة الدستورية السورية بالجدية، واختتمت أعمالها في مدينة جنيف السويسرية، الجمعة، تحت رعاية الأمم المتحدة.

ويأتي انعقاد اللجنة تنفيذًا لأحد بنود قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 (لعام 2015)، على اعتبار أنها بوابة للانتقال السياسي في سوريا، عبر صياغة دستور جديد، وتأمين البيئة الآمنة والمحايدة لإجراء استفتاء على مسودة دستور، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، بناءً على دستور جديد.

ومن اللافت للنظر في هذه الجولة (بدأت في 30 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي) أن جميع الأطراف قبلت بالدعوة المرسلة من المبعوث الأممي، “جير بيدرسون”، والتي تفيد في طياتها بأن سوريا بحاجة إلى إصلاح دستوري شامل وعصري يلبي طموحات وتطلعات الشعب السوري في دولة مدنية ديمقراطية تعددية من جهة، والانخراط مع “بيدرسون” بعمل اللجنة والحرص على نجاح عملها من جهة ثانية، فضلًا عن التفاعل والضغط الدوليين بعد فتور دام لسنوات من جهة ثالثة.

وجاءت الرسالة، التي أرسلها الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو جوتيريش”، إلى رئيس مجلس الأمن، بتاريخ 26 سبتمبر/ أيلول، مرفقة بالاختصاصات والعناصر الأساسية للّائحة الداخلية للجنة الدستورية.

وأفادت الرسالة بأن كلًا من “حكومة الجمهورية العربية السورية، ولجنة المفاوضات السورية” (المعارضة) وافقت على تلك اللائحة.

كما أفادت بأن المبعوث الخاص سيعمل على تسهيل عمل اللجنة، “تنفيذًا منه للولاية المسندة إليه، بموجب قرار مجلس الأمن 2254″،  وهي أساس انطلاق أعمال اللجنة الدستورية بين هيئة التفاوض السورية والحكومة السورية.

ولا يخفى على أحد أن جميع الأطراف السورية والدولية أقرت بمخرجات مؤتمر الحوار السوري، في مدينة سوتشي الروسية بداية 2018 برعاية الدول الضامنة لمسار أستانة، وهي: تركيا، روسيا وإيران.

وتضمنت المخرجات الموافقة على بنود المبادئ العامة الـ12، التي عملت هيئة التفاوض السورية مع الأمم المتحدة عليها لفترة طويلة، وأن هذه المبادئ هي بمثابة الهيكل العظمي للدستور الجديد.

كما توافقت جميع الأطراف على القواعد الإجرائية ومدونة السلوك، التي حددتها الأمم المتحدة خلال الدورة السابقة، بالتنسيق مع هيئة التفاوض السورية والحكومة وممثلي منظمات المجتمع المدني، وهي الضابط لعمل اللجنة ومخرجاتها.

أداء إيجابي للمعارضة

وفد المعارضة في الجولة الأولى كان أكثر ديناميكية وإيجابية وكان الأداء سياسيًا تكتيكيًا، مع وجود أصوات مناهضة لإطلاق عمل اللجنة الدستورية.

ويتخوف الكثير من السوريين من أن تكون اللجنة هي المسار الوحيد للحل في سوريا، وترك باقي السلال من الحكم الانتقالي والانتخابات والإرهاب، ما قد يؤدي إلى تعويم نظام “بشار الأسد” مجددًا وبقائه في السلطة، حسب وجهة نظر تلك الأطراف، والتي ربما تكون محقة إذا لم يتم تفعيل المسارات الأخرى.

انقسام المجتمع المدني

أما مجموعة المجتمع المدني، وهي الثلث الثالث في اللجنة الدستورية، فانقسمت إلى قسمين، الأول أقرب إلى مجموعة هيئة التفاوض، والثاني أقرب إلى مجموعة الحكومة السورية.

كان الاصطفاف واضحًا من خلال مداخلات القسمين، حيث تركزت مطالب القسم الأول حول ضرورة صياغة دستور جديد، وتحقيق انتقال سياسي، وإطلاق سراح المعتقلين، ووقف العمليات العسكرية ضد المدنيين في محافظات إدلب وريف حماه واللاذقية.

بينما تركزت مطالب القسم الثاني على إجراء إصلاحات لدستور 2012، وعدم الخوض في عمق الدستور، في انسجام مع مطالب النظام.

 شعارت حكومية

مقابل تلك المواقف، ركزت مداخلات أعضاء وفد الحكومة على “شعارات” عصرية دستور 2012، وتفوقه على دساتير العالم، والتحيات للجيش السوري “حامي الوطن”، والمطالبة بنقل أعمال اللجنة إلى دمشق.

وأصر وفد الحكومة على أنه مدعوم منها، ولا يمثلها، وحاول إضاعة وقت الجلسات في تعريف المواد الدستورية بين سياسية وقانونية، وأنه لا يستطيع العمل أكثر من ساعتين يوميًا، إلى أن تم الاتفاق على أربع ساعات عمل يوميًا، يتخللها استراحة غداء.

 تحديات عديدة

كل ما سبق يبين التحديات والعوائق التي تعترض عمل اللجنة، ولتسهيل فرص النجاح قدم وفد هيئة التفاوض مقترح لجدول أعمال وورقة عمل تتضمن الأفكار والمقترحات التي وردت في كلمات أعضاء اللجنة الـ150.

بينما لم يقدم وفد الحكومة أية أوراق، واكتفى وفد المجتمع المدني بنقاش الورقة المقدمة من هيئة التفاوض.

كما طالب وفد هيئة التفاوض بأن يكون عمل لجنة الصياغة لثلاثة أسابيع متواصلة، والاستراحة أسبوعًا واحدًا.

لكن هذا الطلب قوبل بالرفض أيضًا، وتم الاتفاق على أن تكون كل جولة لمدة أسبوع عمل واحد في جنيف.

جدية وضغط دولي

مما سبق، ومن خلال المداخلات، تتضح تباينات بين طرفي وفد هيئة التفاوض ووفد الحكومة.

ومن أجل نجاح عمل اللجنة الدستورية لا بد من تحقيق التالي:

1- جدية النظام والتوقف عن تسمية وفد هيئة التفاوض السورية بالطرف الآخر، واتهامهم بالإرهاب والعمالة، بينما يجلس معهم ويكتب الدستور لسوريا الجديدة.

2- ضغط دولي من جميع الأطراف، وهي الأمم المتحدة ومجموعة دول مسار أستانة ممثلة بتركيا وروسيا وإيران، والمجموعة الدولية المصغرة، وهي الدول الغربية والعربية، تتقدمها الولايات المتحدة الأمريكية.

3- البدء بتنفيذ إجراءات بناء الثقة والعمل الفوري على إطلاق سراح المعتقلين وكشف مصير المغيبين، وهي إجراءات موجودة بالأساس في القرار الأممي 2254، الذي تُعتبر اللجنة الدستورية جزءًا منه.

4- البدء بالعمل على السلال الأخرى وهي (هيئة الحكم الانتقالي، الانتخابات والإرهاب). وهو ما طالبت به هيئة التفاوض عبر مذكرة رسمية سلمتها للأمم المتحدة، في 7 نوفمبر/ تشرين ثانٍ الجاري.

وعليه تُعقد الجولة المقبلة للجنة الدستورية في 25 من الشهر الحالي، وتبدأ أعمالها بشكل حقيقي مترافقة مع النقاط الأربع السابقة، ولديها فرص كبيرة للنجاح وتحقيق تقدم في العملية السياسية، ما يشكل أملًا في رفع المعاناة عن السوريين جميعهم، وخاصة المتواجدين تحت القصف وفي بلاد اللجوء والاغتراب.

—————————-

لعبة اللجنة الدستورية/ عبسي سميسم

اختتمت اللجنة الدستورية المصغرة الخاصة بسورية، الجولة الأولى من اجتماعاتها يوم الجمعة الماضي، وسط أجواء وُصفت من قبل الأمم المتحدة بأنها إيجابية، من دون أن تخلص إلى نتائج تُذكر سوى الاتفاق على دراسة الدساتير السورية منذ عام 1920 حتى الآن. ويبدو أن مجرد جمع ممثلين عن النظام مع ممثلين عن المعارضة، والتوصل إلى قواعد إجرائية تنظّم العلاقة داخل هذه الخلطة، تعتبره الأمم المتحدة إنجازاً إيجابياً.

ولكن على الصعيد العملي فإن كل طرف من أطراف اللجنة تمسك بمواقفه المسبقة، إذ أعاد ممثلو النظام، ومؤيدوه ضمن قائمة المجتمع المدني في اللجنة، طرح موضوع الإرهاب كأولوية بالنسبة له، كما طرحوا مبادرة بتضمين موضوع الإرهاب ضمن الدستور. في حين طرح ممثلو المعارضة ومؤيدوهم من المجتمع المدني موضوع المعتقلين، وطالبوا بإطلاق سراحهم كبادرة حسن نيّة، بالإضافة إلى طرح موضوع تسريع العمل بالسلال الأخرى.

وطبعاً كما هو متوقع رفض كل طرف طروحات الآخر، لتدخل اللجنة بلعبة التوافق على المتفق عليه، وترك التفاصيل الأخرى للعبة الوقت التي يجيدها النظام، لتبدو اللجنة الدستورية كلها أشبه بلعبة “بيت بيوت”. فوفد النظام لا يمثّل النظام، بحسب بشار الأسد، واللجنة ليست ضمن مسار جنيف الذي ترعاه الأمم المتحدة، على الرغم من اجتماعها في جنيف، بل إن رعايتها من قبل الأمم المتحدة إنما هو نتاج سوتشي، بحسب بشار الأسد أيضاً.

وتكتمل لعبة “بيت بيوت” ضمن اجتماعات اللجنة نفسها، فوفد المعارضة اسمه “الطرف الآخر” بالنسبة لوفد النظام، كما أن الرئيس المشترك للجنة الدستورية عن جانب النظام، بيّن خلال الاجتماع الأخير “الإيجابي” أن وفده لم يأتِ من أجل بناء سورية جديدة، فسورية بلد لها نظامها ودستورها وبرلمانها ومؤسساتها، وأن جلّ ما قد تنتجه هذه اللجنة هو تعديلات طفيفة على الدستور الحالي (أي دستور 2012).

في لعبة اللجنة الدستورية قدّم كل من “الطرف الآخر” والطرف “الذي لا يمثّل النظام”، والطرف الذي عيّنته الأمم المتحدة بتوافق مع الدول المتدخلة بالشأن السوري، طرحاً سمي “لا ورقة” من أجل نقاشها، ليتم رفض “لا ورقة” كل طرف من الأطراف الأخرى. ومن أجل استمرار لعبة اللجنة الدستورية بالشكل الأمثل، يجب أن يُطلق على هذه اللجنة تسمية ” اللالجنة الدستورية”، لأنها التوصيف الوحيد الذي يتطابق مع عملها حتى الآن ومع ما هو متوقع من مخرجات قد تنتج عنها.

جميع حقوق النشر محفوظة 2019

العربي الجديد

—————————–

نصف الكأس الملآن والعنكبوت/ يحيى العريضي

عند التعامل مع شخص، أو مجموعة، أو منظومة عدمية هاجسها: “الكل أو لا شيء”، “أنا أو لا أحد”، أو “إن لم تكن لي، لن تكون لأحد”- والتي تجسّد الشعار الذي عمل به نظام الاستبداد خلال السنوات التسع الماضية: “أحكمها، أو أدمّرها”-يصبح تفكير المرء بنصف الكأس الملآن، أو القليل من التفاؤل، أقرب إلى الترف الفكري، أو اللاواقعية.

بلغ السوري حالة من اليأس في ظل استشراس ودموية وتَفَلُّت هذا “النظام” من كل إنسانية أو أخلاق أو مسؤولية، وفي ظل خضوع المنظومة الإنسانية والقانونية الدولية إلى حالة ارتهان لمصالحها المريضة. وصل إلى نقطة يرى فيها مجرد الجلوس مع القاتل وجهاً لوجه، والإطلال على تسع سنين عجاف بحضرة الأمم المتحدة، وبموجب قراراتها، بصيصاً من الأمل بأن عودة سوريا إلى سكة الحياة، ممكنة.

في جنيف مؤخراً، بصيص الأمل هذا عكّرته سردية، شكّلت جذر الإحباط والتيئيس؛ أتت على لسان أناس انفصموا أو فُصمو عن الواقع. تحدث هؤلاء في حضرة الأمم المتحدة موجهين كلامهم إلى (مَن يحدوهم بعض الأمل- أو مَن سمّوهم “الطرف الآخر”) بأن “الجيش الباسل” لهؤلاء المنفصمين يحارب الإرهاب؛ وهو حقيقةً يقتل مواطنيه بالبراميل والصواريخ والطائرات، ويستعين على إخماد صرختهم بالحرية بميليشيات الإجرام والاحتلال.

عندما كان “مَن يحدوهم بعض الأمل” يتحدثون عن مضامين دستورية تليق بسوريا حرة كريمة؛ خرجت سرديات هؤلاء “المدعومين من الحكومة السورية” تطالب بإدانة الاحتلال؛ الذي لم يأخذ إذناً من حكومة الجمهورية العربية السورية كي يكون شرعيا؛ وللعلم، أتى هذا التدخل المطلوب إدانته منسقاً مع المتدخل عبر الروس الذين يحمون حكومتهم “الشرعية”. ركّز “المدعومون من الحكومة” في خطاباتهم على رفع العقوبات الجائرة عن سوريا- ليس لأنها تخنق الشعب السوري، بل لأنهم يعتبرونها جزءاً من المؤامرة الدولية على نظامهم المقاوم الممانع- ومعروف أن أصحاب النظام المقاوم الممانع، لا يطالهم عَوَزٌ أو جوعٌ أو مرارٌ من تلك العقوبات؛ بل إنهم يعبثون بأي مساعدات دولية تُقَدَّم دولياً؛ وهم ذاتهم يحاصرون هذا الشعب الذي يتحدثون باسمه و”يتألمون” عليه.

تكسّر بعض الجليد وشيء من التكلُّس الذهني عند ثلثي الذين اجتمعوا في جنيف لمجرد الوجود تحت سقف واحد؛ لكن الثلث “المدعوم من الحكومة” استمر بالإشارة إليهما كـ “الطرف الآخر”. زاد “الداعم” الطين بلّة، عندما أشار الى هذين الثلثين في مقابلته التلفزيونية كأدوات وعملاء وإرهابيين. اضمحل التفاؤل عندما قال رئيس وفد “المدعومين” بأن سوريا دولة، وما هي بحاجة إلى دستور أو بناء من جديد. وحقيقة الأمر، لو كانت هكذا، لما حلَّت هذه السنوات المريرة؛ وبهكذا “داعم” و “مدعومين” ما مِن ضمانة بعدم تكرر الكارثة.

مؤلم، ويجعل أي أمل يتبخر، إذا كان بعض السوريين يُسحبون غصباً إلى مهمة قد تساعدهم كخطوة باتجاه إنقاذ بلدهم.

طالما تبرأت حكومة الجمهورية العربية السورية من هذا الوفد، واقتصرت علاقتها به على “الدعم”؛ ليت هذا الوفد الكزبري يجرؤ على التصرف كسوري أو يفكّر ولو للحظة أخلاقيا، أو بشكل مسؤول كإنسان طالما تحدّث بالوطنية، ولتغنه سوريا عن هذا “الدعم”؛ فهذا الدعم بالذات هو الذي يجعل المرافعة عن منظومة أوصلت سوريا وأهلها إلى هنا شهادة زور وانفصام وانفصال عن وقائع وحقائق سوريا. إن لم يتوقف هذا الانفصام وهذه المرافعات عما لا يمكن الدفاع عنه؛ وإذا استمر هذا التمترس الانتهازي عند: /أنا أو لا أحد/، فالمأساة ستستمر.

من هنا، وإذا كان لهذا الكأس نصف الملآن أن يمتلئ، لا بد من القطع مع العبودية، والنظر إلى مصير أجيال سوريةٍ تستحق حياة حرة كريمة وعقداً قانونياً يليق بإبداعها وقدراتها.

السوري يريد جهاز أمن يشعره بالأمان في بلد مصان من كل خطر؛ وخاصة خطر الحاكم، إذا استبد أو تغول بسلطته مخالفًا ذلك العقد الاجتماعي المقدس. يريد السوري جيشاً يعتز به؛ يصون الديار، ويزيل عنها الاحتلال. يريد رئيساً رمزاً للحرية والعدالة والعفة والحكمة والزهد، لا إلهاً بيده الرئاسة والتشريع والقضاء والجيش والأمن والاقتصاد والموت والحياة.

الجرح السوري عميق، وغائر، وفي كل الاتجاهات، وعلى كل المستويات والأطياف؛ ندعو لتحمّل المسؤولية، ولو لمرة واحدة، من أجل أجيال تستحق التضحية، وبلد ما لنا غيره، وقلَّ نظيره. ندعو لوضع سوريا وأهلها من جديد فوق كل اعتبار على سكة حياة حرة كريمة. الأمر بيدنا والعملية سورية- سورية؛ وهكذا، وبالجهود المضنية؛ وربما بغفلة من زمن مر تشارك به العدو والصديق علناً، ليتنا نلتقط هكذا لحظة.

إذا استمر هذا الحال في الصغر، والانفصام، وعدم تحمل المسؤولية، والاستهانة بهذه العظيمة سوريا وشعبها الكبير؛ فسيكون الخيار الأصعب. ومؤكد أن إرادة الشعب وحريته لن تقف في وجهها قوة مهما تغطرست أو استبدت. ليت هؤلاء “المدعومين” يعلمون أن بيت سيدهم آيل للسقوط بأسرع مما يتصورون. على كلٍ يبقى نصف الكأس الملآن قيمة إيجابية؛ والفارغ قيمة عدمية؛ ولا بد للإيجابي أن ينتصر على العدمي. إنه قانون الحياة.

تلفزيون سوريا

——————————————

الأسد: اللجنة الدستورية لن تنهي الحرب

اتهم المخابرات التركية بقتل البريطاني الداعم لـ«الخوذ البيضاء»

دمشق – لندن: «الشرق الأوسط»

استقبل الرئيس بشار الأسد أمس مجتبى ذو النوري رئيس لجنة الأمن الوطني والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي الإيراني.

وأفادت «وكالة الأنباء السورية الرسمية» (سانا) بأن اللقاء «تناول آخر التطورات التي شهدتها المنطقة، حيث أكد الجانبان استمرار التعاون والتنسيق في مكافحة الإرهاب حتى القضاء عليه بما ينعكس إيجابا على أمن واستقرار دول المنطقة بأكملها. كما بحث اللقاء سبل تطوير العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات وعلى رأسها المجال الاقتصادي».

ونقلت «سانا» عن الأسد قوله: «أهم عناصر قوة محور مكافحة الإرهاب تمسكه بالثوابت والمبادئ التي لا يمكن أن تتغير، وصراعنا نحن وأصدقائنا مستمر في مواجهة أطماع الغرب ودوله الاستعمارية عبر ضرب عملائه ومرتزقته الذين بدأوا بالاندحار في أكثر من مكان».

وتابع أن دمشق «تدعم أي مساع تهدف لإيجاد حل للوضع في سوريا إلا أن هناك محاولات تجري حاليا للإيحاء بأن الحل للحرب يمكن أن يحصل من خلال اللجنة الدستورية وهذا غير صحيح؛ لأن الحرب في سوريا لم تنشأ بسبب خلاف أو انقسام على الدستور، بل بدأت لأن هناك إرهابا بدأ بالقتل والترهيب والتخريب فالحرب تنتهي فقط عندما ينتهي الإرهاب».

ونقلت «سانا» عن المسؤول الإيراني قوله: «ما يجمع بين إيران وسوريا هو أبعد من قضايا تكتيكية على الأرض بل هو مصير واحد وتاريخ مشترك مشرف».

ورجح الأسد في مقتطف صوتي بث الخميس، أن تكون المخابرات التركية قتلت البريطاني الداعم لمنظمة «الخوذ البيضاء» في إسطنبول، والذي تتعامل أنقرة مع حادثة وفاته على أنها انتحار.

وكان جيمس لوميزوريه، الضابط السابق في الجيش البريطاني، يدير منظمة «مايداي رسكيو»، التي تنسق التبرعات الممنوحة إلى «الخوذ البيضاء»، الدفاع المدني في المناطق الخارجة عن سيطرة القوات الحكومية في سوريا، والتي تقول دمشق إن عناصرها «جهاديون».

وعُثر عل لوميزوريه ميتاً، الاثنين، عند أسفل المبنى الذي يقطنه في إسطنبول، وتبيّن وجود كسور في رجليه ورأسه.

وقال الأسد في مقتطف صوتي على حسابات الرئاسة على مواقع التواصل الاجتماعي: «ربما واحتمال كبير أن تكون المخابرات التركية هي التي قامت بهذا العمل، بأوامر من مخابرات أجنبية».

والمقتطف الصوتي هو جزء من مقابلة مع وسيلتين إعلاميتين روسيتين، ستبث كاملة الجمعة.

وأوضح الأسد: «دائماً حين نتحدث عن المخابرات الغربية بشكل عام، بما فيها التركية وبعض المخابرات في منطقتنا، هي ليست مخابرات لدولة مستقلة، هي عبارة عن أفرع لجهاز المخابرات الرئيسي (السي آي إيه)»، مضيفاً: «كلها تعمل بأمر من سيد واحد».

واعتبر الأسد أن مقتل لوميزوريه قد يكون بسبب «أسرار مهمة» يحملها، وقال إنه «ربما (…) كان يعكف على تأليف كتاب عن مذكراته وعن حياته، وهذا غير مسموح». وأضاف: «أعتقد أن هؤلاء الأشخاص يقتلون لأنهم يحملون أسراراً مهمة أولاً، وأصبحوا عبئاً وانتهى دورهم»، مضيفاً: «لا نصدق أنهم انتحروا أو ماتوا ميتة طبيعية».

وتتهم دمشق «الخوذ البيضاء»، التي جرى ترشيحها في عام 2016 لـ«جائزة نوبل للسلام»، بأنها جزء من تنظيم «القاعدة»، كما أنها «أداة» في أيدي المانحين الدوليين الذين يقدمون الدعم لها. وقالت مصادر أمنية تركية، نقلاً عن زوجة لوميزوريه، إنه كان قد بدأ مؤخراً في تناول الأدوية المضادة للاكتئاب، وانتابته أفكار انتحارية قبل أسبوعين من وفاته.

وذكر الإعلام التركي المحلي، الخميس، أن الشرطة تتعامل مع حادثة لوميزوريه على أنها انتحار.

وتتلقى «الخوذ البيضاء» تمويلاً من حكومات عدة، بينها بريطانيا وهولندا والدنمارك وألمانيا واليابان والولايات المتحدة. وفي 22 أكتوبر (تشرين الأول)، وافق الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مساعدة بقيمة 4.5 مليون دولار لها.

وأصدرت السلطات التركية أمراً بمنع زوجة مؤسس «الخوذ البيضاء» السورية من السفر، وذلك بعد العثور عليه ميتاً في إسطنبول هذا الأسبوع.

وذكرت وكالة «الأناضول» التركية أنه تم منع زوجة جيمس لوميزوريه من السفر للخارج. وقد قام المحققون باستجوابها مرتين.

————————————-

سوريا في مجلس الامن:لا إطار زمنياً للجنة الدستورية

أبلغ المبعوث الدولي الخاص إلى سوريا غير بيدرسن، مجلس الأمن الدولي، الجمعة، باتفاق أعضاء اللجنة الدستورية السورية على العودة مجدداً إلى جنيف، لاستئناف اجتماعاتها في 25 تشرين ثاني/نوفمبر.

وجاء ذلك في جلسة مجلس الأمن الدولي في المقر الدائم للمنظمة الدولية بنيويورك بشأن الأزمة السورية.

وقال بيدرسن: “اتفق الأعضاء على تقديم رؤيتهم لمستقبل الترتيبات الدستورية، كما اعتمدوا بتوافق الآراء مدونة لقواعد السلوك ومجموعة من الممارسات الإجرائية الأولية”. وطالب في إفادته المجتمع الدولي بأن “يبتعد عن أي اتجاه يمكن أن يؤدي إلى حريق دولي أوسع في سوريا، وعن مواصلة انتهاك سيادة هذا البلد واستقلاله ووحدة أراضيه”.

وأضاف “تعميق الثقة بين أبناء الشعب السوري في عمليتهم السياسية يتطلب أن تتغير الديناميات على الأرض وهذا يجب أن يبدأ بالاحترام الكامل للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان وحماية المدنيين”.

وأعرب عن “القلق البالغ إزاء تجدد العنف في إدلب حيث يعيش 3 ملايين مدني، إضافة للتصعيد والقصف الجوي الذي شهدناه خلال الأسابيع الماضية، فضلاً عن الهجمات الأرضية من قبل كافة الأطراف”.

بيدرسن قال إنه تلقى دعماً تاماً من مجلس الأمن الدولي، مؤكداً عدم وجود إطار زمني لعمل اللجنة الدستورية.

وأضاف: “من المهم أن نقبل أن الأمر سيستغرق بعض الوقت لتطوير المناقشات في اللجنة الدستورية حول القضايا الأساسية مثل كيفية مواجهة داعش والعقد الاجتماعي لمستقبل السوريين”.

وجدد مناشدته “إطلاق سراح المحتجزين، والأشخاص الذين تم اختطافهم، وتزويده بمزيد من المعلومات حول الأشخاص المفقودين”.

واضاف “أحد التحديات الرئيسية هي الانقسامات العميقة داخل المجتمع السوري التي نواجها بعد تسع سنوات من الصراع ونحن بحاجة إلى عملية سياسية يمكنها أن تشفي الجروح في هذا المجتمع واعتقد ان لدينا بعض الأفكار حول كيفية المضي قدماً في هذا الصدد”.

وأوضح أن “موقف الولايات المتحدة والدول الأوروبية حول إعادة الإعمار والعملية السياسية هو موقف معروف، لكن في الوقت نفسه، لاحظت أيضاً أنهم يؤكدون أنه إذا كان هناك تقدم على الجبهة السياسية، فإنهم على استعداد للمشاركة وهذا ما أريد التأكيد عليه”.

بيدرسن أشار إلى أن الصاروخ الذي أطلق على مخيم قاح للنازحين وأدى إلى مقتل العشرات وجرح خمسين آخرين، اطلق من مناطق تسيطر عليها قوات النظام السوري حسب تقارير اطلع عليها.

بدوره، طالب المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري، إيران بالتوقف عن نقل الأسلحة إلى سوريا ووقف عمليات “الحرب بالوكالة” التي تقوم بها.

وطالب المجتمع الدولي بضرورة “زيادة الضغط على النظام السوري لأنه من دون تلك الضغوط لن تتحقق الأهداف المنشودة التي دعا اليها قرار مجلس الأمن 2254”.

ودعا القرار 2254 الصادر في 18 كانون الأول 2015، جميع الأطراف للتوقف الفوري عن شن هجمات ضد أهداف مدنية، ويحث الدول الأعضاء بمجلس الأمن، على دعم الجهود المبذولة لتحقيق وقف إطلاق النار.

واعتبر جيفري في إفادته خلال الجلسة أن “اجتماع اللجنة الدستورية في جنيف كان خطوة إيجابية نحو إحلال السلام في سوريا”.

وأردف قائلا “كان هناك توازن في محادثات تلك اللجنة وهذا من شأنه أن يفتح الباب أمام مستقبل أفضل لسوريا إذا ما دعم مجلس الأمن العملية السياسية بشكل كامل”.

وتابع: “وفقا للقرار رقم 2254 يجب التوصل لوقف شامل لإطلاق النار لكن ما نراه الآن هو وجود 4 جيوش أو 5 جيوش إضافة الي المليشيات وذلك في مناطق محدودة من البلاد”.

وتعهد جيفري بأن واشنطن لن تشارك في أي جهود متعلقة بإعادة إعمار سوريا قبل تنفيذ العملية السياسية كاملة مضيفا أنه “من السابق لأوانه الحديث عن ملف إعادة الإعمار في الوقت الحالي”.

واستطرد قائلا “أولويتنا الأن هي التوصل لحل وسط بديل عن الحل العسكري ونعمل من أجل تركيز الجهود على العملية السياسية والضغط على النظام السوري حتى نتوصل لحل وسط لوقف القتال في كل سوريا”.

وأضاف “نعتقد أن هذا الموقف يتماشى مع آراء العديد من شركائنا الأوروبيين والشرق أوسطيين، وسنعمل بشكل وثيق معهم للحفاظ على هذا الضغط”.

المدن