سياسة

عن عملية نبع السلام والسيطرة على النفط السوري -مقالات مختارة-

—————————————–

أكراد ومرتزقة/ عمر قدور

في الثاني من الشهر الحالي ضربت سيارة مفخخة مدينة تل أبيض التي كانت القوات التركية قد سيطرت عليها، الانفجار أودى بعشرات المدنيين بين قتلى وجرحى. ما لفت الانتباه حينها أن فضائية روناهي أوردت الخبر بصياغة تنص على أن القتلى والجرحى من المرتزقة، في تجاهل تام لواقع الضحايا المدنيين من جهة، وفي تبرير للعمل الإرهابي من جهة أخرى، أو بالأحرى ما يُستشف منه تبنياً للمسؤولية عن التفجير. جدير بالذكر أن فضائية روناهي من أهم الأذرع الإعلامية لمنظومة حزب العمال الكردستاني، وهي لم تعتذر عن طريقة إيراد الخبر لاحقاً، لكنها تحاشت تكرار تلك الصيغة في نقلها يوم العاشر من هذا الشهر خبر سيارة مفخخة ضربت بلدة “سلوك” التابعة لتل أبيض، بينما تولى أنصار المنظومة الاحتفاء به على صفحتها في فايسبوك.

يلفت الانتباه أن أحداً ممن يقدّمون أنفسهم كإعلاميين أكراد مستقلين لم يبادر إلى إدانة نشر الخبر بتلك الطريقة من قبل قناة روناهي، وهي صياغة ترتقي إلى تبني الإرهاب، وفي حدها الأدنى جريمة تحريض على الكراهية، وفي الحالتين تعتبر المدنيين هدفاً مشروعاً. لم يبادر إلى إدانة الجريمة أحد على الإطلاق أيضاً من الأكراد الذين واظبوا على مطالبة نظرائهم العرب بالتضامن مع المظالم الكردية، مع أننا في العديد من المناسبات شهدنا استنكار أولئك العرب انتهاكات الفصائل التابعة لأنقرة، ومنها التقاط صورة مع مقاتلة كردية أسيرة اعتُبر تصويرها انتهاكاً لمواثيق حقوق الإنسان والمواثيق المتعلقة بمعاملة الأسرى.

أكثر من ذلك، سنرى من بعض الأكراد مسارعة لضخ أخبار انتهاكات الفصائل التابعة لأنقرة بالتزامن مع التفجيرات التي تطال المدنيين في تل أبيض أو سلوك، وهو فعل يفضح المقايضة المضمرة حيث يبرر انتهاك هنا انتهاكاً من الجهة الأخرى هناك، فلا يحكم منطق التعاطف مع الضحايا بل منطق الثأر الذي يذهب المدنيون ضحيته على الطرفين. محاولة طمس الجريمة بأخبار جريمة مقابلة أمر بات معتاداً بدوره، وهو أبشع استغلال للضحايا المدنيين من كافة الأطراف، لأنه بدل الانتصار للضحية ينتصر على ضحية أخرى مماثلة.

بالطبع يُستخدم وصف “المرتزقة”، في هذا السياق، لتجريد الضحايا المدنيين من حقوقهم كضحايا، ولقد شهدنا خلال سنوات التراشق به بين عرب وأكراد. لكن ما يهمنا الآن ليس أصحاب الغرائز المتلهفين لهدر الدماء، وإنما الشرائح الأقل غرائزية، والتي سرعان ما تنحدر إلى الحضيض الغرائزي نفسه، وقد تسببت سهولة الانحدار في تشويه قضايا قامت أصلاً على مقاصد نبيلة. من الجيد هنا أن نسترجع نقاشاً عربياً ثار قبل عقود حول العمليات الفلسطينية التي تستهدف مدنيين إسرائيليين، فقد برز تيار “وإن كان يخالف السائد حينها” يدين حتى استهداف المستوطنين المدنيين، بعدّه غير مقبول إنسانياً، وغير ذي جدوى سياسياً. حتى التصويب على داعش، مع الاحتفاء باستهداف المدنيين من قبل جهات أخرى، يغدو نوعاً من الاستثمار الانتهازي، لأن تصنيف داعش الإرهابي أتى على خلفية استهدافه المدنيين، وهناك مئات من التنظيمات الإسلامية العالمية سواه خارج لوائح الإرهاب.

إذا أخذنا الأمر من وجهة منظومة حزب العمال الكردستاني، إن تقديم خطاب مناهض للإرهاب للغرب وكسب تعاطفه لن يخدم القضية الكردية عندما يترافق بممارسة الإرهاب أو الاحتفاء به داخلياً. حتى لو انطلت ازدواجية الخطاب على الغرب فهو في أي وقت لن يتطوع لإيجاد حل للقضية الكردية، الحل الآن وبعد مئة عام سيكون بين أبناء المنطقة أنفسهم، والغرب لا يتدخل إلا لأجل مصالحه الملحة والمؤقتة وضمن ميزان دقيق لها، ولقد رأينا موقف الغرب من استفتاء إقليم كردستان العراقي على الاستقلال ورأيناه من خلال الموافقة على الاجتياح التركي لعفرين وبعدها المنطقة الواقعة بين رأس العين وتل أبيض. كان السوريون عموماً قد اختبروا المواقف الغربية التي ظهرت داعمة لثورتهم أكثر مما هي داعمة للأكراد، وعاشوا الخذلان نفسه أو أعمق لأن الغرب لم يتدخل لحمايتهم، ولم يسمح لهم بالحصول على أسلحة فعالة، بينما كانوا يتعرضون لأسوأ أنواع الإبادة والتهجير.

خارج تلك المنظومة شديدة الانضباط، من المؤسف أننا لا نرى أصواتاً مستقلة وفاعلة، ومن المؤسف جداً أن المقارنة بين الجهتين لا تميل لصالح الأكراد. خلال سنوات كنا نشهد تزايداً في انتقادات العرب للفصائل التي تسيطر على المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد، وهذه الانتقادات لم توفر معظم الفصائل. في الوقت نفسه كنا نشهد تعاظم الانتقادات الموجهة للمعارضة السياسية، حتى وصلنا إلى ما يمكن تسميته بانفضاض عام عنها ولم تعد تمثل سوى نفسها وداعميها الخارجيين.

في الشق الكردي تحديداً، عندما بدأ الغزو التركي لعفرين هناك الكثير من الأصوات العربية التي أدانت الغزو، وأدانت لاحقاً انتهاكات الفصائل المشاركة فيه في حق المدنيين. هذا الميل رأيناه يزداد مع تزايد عدد رافضي الغزو التركي الأخير، رغم أن بينهم من ينحدر من تلك المناطق وكان قد تأذى من انتهاكات وحدات الحماية الكردية. وإذا كان رفض الغزو آتياً من آثاره الكارثية على المدنيين فذلك لا يقلل من شأنه، إذ ليس المطلوب اتفاقاً في السياسة، بل إن أي اتفاق في السياسة على حساب أرواح المدنيين هو ما يجب وضعه تحت المساءلة.

مؤسف حقاً، خلال سنوات ماضية، أننا افتقدنا أصواتاً كردية ترفض انتهاكات وحدات الحماية في حق السكان غير الأكراد، وكلما تحدث أحد عنها كان يُواجه بالإنكار أو بالصمت، وفي أحسن الأحوال إنكار الطابع العرقي لها. قلائل من الأكراد تحدثوا عن انتهاكات الوحدات في حق معارضيها الأكراد فقط، وجزء من ذلك أتى على خلفية التباينات الحزبية لا على خلفية الاحترام العام لحقوق وحريات الجميع. إنكار الضحايا الآخرين وكأن الأكراد هم الضحايا فقط، فوق ما فيه من اعتداء على مظالم أخرى، لن يفيد سوى في الاقتتال على موقع الضحية بدل تجنيب ضحايا جدد مصيرها البائس.

منطق الكيد قد يبادرنا بالسؤال عما إذا كان وضع العرب أحسن حالاً من نظرائهم الأكراد؟ من المؤسف أن تكون الإجابة بنعم، والمقارنة في الأصل لا تذهب إلى المفاضلة بين جمهور غرائزي موجود في الجانبين، هي بين شرائح يُفترض بها رؤية ما هو أبعد من غرائزها. هناك اليوم عرب سوريون مؤيدون لقسد ولو كانوا قلة، وهناك عرب سوريون مناصرون للقضية الكردية ولو كانوا قلة، وهناك عرب سوريون مختلفون على مختلف القضايا لا في الشأن الكردي وحده، وهذا مؤشر جيد. تستحق القضية الكردية في سوريا أن نرى أكراداً ينتصرون لها بالمعنى الإنساني الأخلاقي أولاً، المعنى الذي ينتصرون به لها وللضحايا بصرف النظر عن منابتهم الإثنية، حتى لو كانوا قلة في البداية، فهذا هو شأن البدايات إن أتت في وقتها أو تأخرت.

المدن

————————————–

تحولات تسع سنوات من تاريخ الجزيرة السورية

غالباً ما تُستخدم تسمية الجزيرة السورية للإشارة إلى محافظة الحسكة أقصى شمال سوريا الشرقي، غير أن هذه التسمية يمكن أن تشمل كامل الأجزاء السورية من الجزيرة الفراتية التي تمتد بين نهري دجلة والفرات. وخلال السنوات القليلة الماضية، جرى اصطلاح تسمية «شرق الفرات» للدلالة على هذه المنطقة، التي وضعها اتفاق ثنائي بين واشنطن وموسكو تحت النفوذ الأميركي منذ التدخل الروسي في سوريا، ولعلّ التسمية بدأت تشيع منذ تحرَّكَ الجيش التركي عام 2016 في المناطق الواقعة غرب نهر الفرات قرب الحدود السورية التركية، ولم يكن ممكناً له التحرك وقتها في المناطق الواقعة شرق النهر بسبب النفوذ الأميركي هناك. ويبدو مصطلح شرق الفرات مصطلحاً عسكرياً بارداً، وهو يثير الحفيظة لأنه ينطلق من تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ ومساحات لعمليات عسكرية، كما لو أنها ميدان حرب وليست أرضاً لها أهلها وذاكرتهم وتاريخهم.

الجزيرة السورية التي نتحدث عنها هنا إذن هي كامل الأراضي السورية الواقعة شرق وشمال نهر الفرات، ويشيع في الشرق السوري أن تُسمى الضفة الجنوبية والغربية لنهر الفرات بالشامية، والضفة الشمالية والشرقية بالجزيرة. وتضم منطقة الجزيرة السورية إدارياً محافظة الحسكة بكاملها، والأرياف الشمالية والشرقية لمحافظة دير الزور، ومركز محافظة الرقة وريفها الشمالي بالكامل، كما تتبع مدينة كوباني/عين العرب في شمال غربي الجزيرة إدارياً لمحافظة حلب. ولا يمكن عزل التطورات السياسية والعسكرية في أغلب هذه المناطق عن التطورات في المناطق السورية الأخرى القريبة منها، لكن ما فرض نوعاً من الاستثنائية فيها خلال السنوات القليلة الماضية هو رسم خطوط تماس على أطرافها وفقاً لتقاسم النفوذ الدولي والإقليمي.

ومنطقة الجزيرة هي إحدى أكثر المناطق السورية تنوعاً على الصعيد الإثني والديني، وقد أدت سياسات القمع المديدة للأكراد وتطلعاتهم القومية والثقافية إلى تفخيخ هذا التنوع، وهي السياسات التي تعززت لاحقاً تحت حكم البعث ثم الأسد من خلال التلاعب بديموغرافيا المنطقة وتعزيز التمييز والأحقاد بين أبنائها، بالترافق مع تهميش عموم سكانها وغياب أي خطط جدية للتنمية الاقتصادية فيها وتحسين أوضاعها، ومع شعور عام لدى أبنائها بالظلم الشديد نتيجة احتواء مناطقهم على بعض من أهم ثروات سوريا، وعلى وجه الخصوص النفط والقمح والقطن، دون أن يكون لهذا مردود مباشر على أوضاعهم وظروف حياتهم العامة.

لم تتأخر مناطق الجزيرة السورية عن الالتحاق بالحراك الثوري ربيع 2011، ولا يمكن فصل المظاهرات التي خرجت أواخر آذار في مدينة دير الزور، الواقعة على الضفة الشامية لنهر الفرات، عن حراك بقية أرياف دير الزور على ضفة الجزيرة، وإن كان صعباً أن نتثبت من توقيت خروج أول مظاهرة في ريف الدير الجزراوي. أما في مناطق الكثافة الكردية، فلعلّ أول المظاهرات كانت في مدينة عامودا بمحافظة الحسكة في الأول من نيسان عام 2011. ثم سرعان ما اتسعت المظاهرات لتشمل مدناً وقرى عديدة في سائر الجزيرة، منها القامشلي والحسكة والصور والشدادي ورأس العين وتل أبيض وكوباني والرقة والطبقة وغيرها، وشهدت بعضها حضوراً مشتركاً عربياً كردياً، ورفعاً للأعلام الكردية إلى جانب أعلام الثورة السورية، ما كان يبشر بفرصة لتجاوز كثير من الألغام التي تُفخّخ العلاقة بين أبناء الجزيرة السورية.

لكن تطورين متزامنين تقريباً غيّرا من مسار الأحداث، الأول هو بدء ظهور جماعات مسلحة محلية تحت مسمى الجيش الحر في مناطق متعددة من الجزيرة، وعلى وجه الخصوص المناطق ذات الكثافة العربية، وذلك في سياق تحوّل الثورة السورية إلى الطور المسلّح. والثاني صعود نفوذ مسلحين أكراد مرتبطين بحزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، وذلك تحت مسمى وحدات حماية الشعب في مناطق الكثافة الكردية شمال الجزيرة السورية.

منذ ربيع 2012 انحسر حضور النظام الأمني والعسكري في سائر أرياف الجزيرة السورية، وبقي محتفظاً بتواجده في مواقع عسكرية رئيسية وفي آبار النفط وفي مراكز المدن. وفي آب (أغسطس) من العام 2012، انسحب النظام من سائر مناطق الكثافة الكردية، مع احتفاظه بوجوده في أحياء من مدينتي الحسكة والقامشلي وفي مطار القامشلي، وذلك لصالح وحدات حماية الشعب، التي بدا واضحاً منذ البداية أنها تمتلك مشروعها الخاص الذي لا يشكل الخلاص من النظام السوري جزءاً منه، وهو ما أكدته لاحقاً ممارستها ضد الثائرين على النظام في الأوساط الكردية على وجه الخصوص. وهكذا باتت الوحدات هي الطرف المسيطر على معظم قرى وبلدات شمال محافظة الحسكة، بما فيها الدرباسية وعامودا والمالكية/ديريك ورأس العين/ سري كانييه، وعلى مدينة كوباني/عين العرب شمال غربي الجزيرة.

في تلك الفترة استطاعت مجموعات الجيش السوري الحر وجماعات جهادية أبرزها جبهة النصرة السيطرة على معظم ريف دير الزور الشرقي والشمالي، وعلى أجزاء من ريف الحسكة الجنوبي والشرقي. وفي أيلول (سبتمبر) 2012، سيطرت فصائل الجيش الحر على مدينة تل أبيض ومعبرها الحدودي مع تركيا في شمالي محافظة الرقة، لينتهي بذلك تواجد النظام على طول الحدود السورية التركية في شمال الجزيرة السورية.

حتى تلك الأيام لم يكن هناك مناطق سيطرة أو خطوط تماس واضحة، لكن الأمور راحت تتغير على هذا الصعيد منذ معركة رأس العين/سريه كانيه في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، عندما هاجم المدينة مسلحون عشائريون بزعامة نواف البشير ومعهم مقاتلون جهاديون، وخاضوا معارك هناك مع وحدات حماية الشعب الكردية. وقد كانت تلك المعركة إيذاناً ببدء تقاسم النفوذ في الجزيرة السورية، وتصعيداً في التوتر بين أبناء الجزيرة العرب والكرد، كما كانت من مؤشرات بدء انهيار الإطار الوطني للصراع في سوريا، إذ كان واضحاً أن تلك المعركة مرتبطة بالصراع بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني.

تزامن ذلك مع صعود نفوذ الجماعات السلفية بما فيها تلك المرتبطة بالقاعدة في مناطق سيطرة فصائل الجيش السوري الحر، وكان صعودها سبباً في تصاعد التوتر بين أبناء الجزيرة السورية، خاصة مع صعود تعبيراتها التكفيرية من قبيل تسمية مسلحي الوحدات الكردية بالملاحدة الكرد، والترويج لقتالهم باعتباره قتالاً على أساس ديني.

في آذار 2013، تمكنت فصائل الجيش الحر وحركة أحرار الشام الإسلامية وجبهة النصرة من طرد قوات النظام من مدينة الرقة، لتصبح الجزيرة السورية بذلك تحت سيطرة مزيج من فصائل الجيش الحر وجماعات جهادية في أجزائها الجنوبية وبعض أجزائها الشمالية، أي في أغلب المناطق ذات الكثافة العربية؛ وتحت سيطرة مسلحي وحدات حماية الشعب في معظم أجزائها الشمالية، أي في أغلب المناطق ذات الكثافة الكردية، مع احتفاظ النظام بوجوده في أجزاء من مدينتي الحسكة والقامشلي.

في نيسان 2013 تم الإعلان عن قيام تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وعن ضمّ جبهة النصرة إليه، غير أن قيادة جبهة النصرة رفضت الانصهار في التنظيم الجديد، لتبدأ مرحلة من الصدام بين الجماعات الجهادية فيما بينها، وبينها وبين بقية الفصائل الإسلامية وفصائل الجيش الحر المناهضة للنظام. وفي 12 كانون الثاني (يناير) 2014، سيطر تنظيم داعش على مدينة الرقة بعد معارك مع الفصائل الأخرى هناك. وقد حاولت جبهة النصرة وبقية الفصائل الإسلامية وفصائل الجيش الحر الحفاظ على وجودها في مناطق ريف دير الزور الشرقي والشمالي وفي ريف الحسكة الجنوبي وريف الرقة الشمالي، وقاومت مقاتلي داعش هناك لأشهر طويلة، غير أن داعش استطاع تباعاً فرض سيطرته على تلك المناطق. وفي حزيران (يونيو) 2014 أعلن داعش قيام ما أسماه دولة الخلافة متخذاً من الرقة عاصمة لها، وفي تموز (يوليو) 2014 تمكن من استكمال بسط سيطرته على سائر مناطق الجزيرة التي كانت تحت سيطرة الجيش الحر وجبهة النصرة، بما فيها بعضٌ من أكبر حقول النفط في البلاد، وارتكب خلال فترة سيطرته عشرات الجرائم المروعة والمذابح وأعمال القتل الهمجية بحق المتمردين على سلطته من أبناء المناطق التي سيطر عليها والمناطق التي كان يهاجمها.

في أيلول (سبتمبر) 2014 تم الإعلان عن قيام التحالف الدولي للحرب على تنظيم داعش الذي كان قد سيطر على مساحات واسعة من سوريا والعراق، وفي الشهر التالي، تشرين الأول (أكتوبر) 2014، هاجم مسلحو داعش مدينة كوباني/عين العرب وكادوا يسيطرون عليها كلّها بعد معارك بالغة العنف مع مقاتلي وحدات حماية الشعب. كانت تلك المعارك مناسبة لأول تدخل جدي من التحالف الدولي في الحرب، إذ ساهم في نجاح وحدات حماية الشعب في طرد التنظيم من كوباني ومحيطها.

لم يكن التحالف الدولي قد اختار وحدات حماية الشعب كشريك أساسي له في الحرب على داعش بعد، وقد كان هناك تفاوض مع فصائل سورية معارضة عديدة بهذا الخصوص، غير أن التحالف اشترط أن لا تقوم الفصائل الشريكة له بمهاجمة قوات النظام، وهو ما رفضته أغلب فصائل المعارضة، وانتهى الأمر باعتماد وحدات حماية الشعب، وهو الأمر الذي أثار حفيظة تركيا منذ اللحظة الأولى.

في حزيران (يونيو) 2015، وبدعم من التحالف الدولي، استطاعت غرفة عمليات بركان الفرات، التي تشكلت من وحدات حماية الشعب ولواء ثوار الرقة ولواء ثوار تل أبيض، طرد تنظيم داعش من مدينة تل أبيض ومعبرها الحدودي شمال محافظة الرقة، ولاحقاً من مدينة عين عيسى في محافظة الرقة أيضاً. وكانت غرفة عمليات بركان الفرات هي النموذج الأولي الذي بنيت عليه قوات سوريا الديمقراطية لاحقاً، إذ لم يرغب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بالعمل مع طرف يمثل مكوناً واحداً من مكونات الجزيرة، كما لم يرغب بالتعامل مباشرة وعلناً مع جهة تعتبرها الدولة التركية جماعة إرهابية، وعلى هذا الأساس تم تشكيل قوات سوريا الديمقراطية في تشرين الأول (أكتوبر) 2015، وضمّت وقتها مجموعة من الفصائل على رأسها وحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة (توأم وحدات حماية الشعب، مكونة من مقاتلات نساء)، بالإضافة إلى فصائل مسلحة من مقاتلين مسيحيين، وفصائل من مقاتلين عرب متنوعين، مثل لواء ثوار الرقة وجيش الثوار وغيرهما.

إلا أن الدور الذي لعبته كوادر وحدات حماية الشعب ضمن قسد، ولاحقاً وجود كوادر مباشرة من حزب العمال الكردستاني في مناطق سيطرة قسد، ونفوذهم الواضح على إدارة تلك المناطق، واستراتيجية العمل العسكرية والأمنية، كانت كلها مؤشرات على أن مشروع قسد برمته ليس أكثر من غطاء لهيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي على مقاليد الأمور في الجزيرة السورية.

استطاع مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية عبر ثلاث سنوات، وبدعم من التحالف الدولي، طرد تنظيم الدولة تباعاً من سائر مناطق الجزيرة السورية، وكانت سيطرة قسد على مدينة الرقة في تشرين الأول (أكتوبر) 2017 مفصلاً أساسياً في هذه المعارك الطويلة والقاسية التي راح ضحيتها الآلاف. وكان من أثمانها دمارٌ هائلٌ في مدينة الرقة وغيرها، ومقتل مئات المدنيين نتيجة غارات التحالف الدولي والقصف المدفعي والصاروخي من قبل قسد، الذي كان في مراحل عديدة شديد العشوائية والعنف. ثم تواصلت معارك قسد بدعم من التحالف الدولي على طول ضفة نهر الفرات الجزراوية، بالتوازي مع تقدم قوات النظام على طول ضفته الشامية بدعم روسي، تنفيذاً لاتفاقيات تقاسم النفوذ.

في الرابع عشر من أيار (مايو) 2019، سيطرت قسد بدعم من التحالف الدولي على قرية الباغوز على الحدود السورية العراقية في أقصى ريف دير الزور الشرقي، التي كانت آخر مناطق سيطرة داعش في الجزيرة السورية. وبذلك أصبحت الجزيرة السورية كلها تحت سيطرة قسد، مع بقاء مراكز أمنية للنظام في كل من مدينتي القامشلي والحسكة، من دون أي نفوذ حقيقي له في إدارة المنطقة، التي كانت تدار من قبل الإدارة الذاتية التي تم إنشاؤها وفقاً للمعايير التنظيمية والفكرية التي يتبناها حزب العمال الكردستاني، والتي يتحكم بسائر مفاصلها أعضاء في حزب الاتحاد الديمقراطي، مع سيطرة أمنية لجهاز الأسايش المرتبط بالحزب أيضاً.

واصلت تركيا ضغطها على الولايات المتحدة بغية دفعها إلى التخلي عن مقاتلي وحدات حماية الشعب، كما واصلت روسيا ضغطها أيضاً تحت شعار ضرورة عودة سائر الجزيرة السورية إلى سيطرة النظام السوري. وراحت تركيا تطرح مشروعها لما أسمته المنطقة الآمنة، والتي تشمل وفق الرؤية التركية سائر المناطق ذات الكثافة الكردية، والتي يفترض أن تسيطر عليها تركيا بشكل مباشر لحماية أمنها القومي وتوفير ملاذ آمن للاجئين السوريين، وهو الأمر الذي يعني تنفيذه على أرض الواقع تغييراً ديموغرافياً في المنطقة وتفكيكاً لمنظومة حزب الاتحاد الديمقراطي وتركاً لعموم السكان الأكراد تحت رحمة القوات التركية وحلفائها السوريين، الأمر الذي رفضته قوات سوريا الديمقراطية مراراً معلنةً استعدادها لقتال تركيا وحلفائها.

استجابةً للضغوط التركية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن بدء سحب القوات الأميركية من الجزيرة السورية يوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2019، وفي عصر يوم الأربعاء التاسع من تشرين الأول، بدأ الجيش التركي وفصائل سورية معارضة تابعة لأنقرة عملية عسكرية شمال الجزيرة السورية، سيطرت بموجبها حتى الآن على مدينتي تل أبيض ورأس العين والشريط الحدودي بينهما بعمق يصل إلى 20 كلم.

وقد تحوّل الانسحاب الأميركي الكلي إلى انسحاب جزئي لاحقاً، إذ أعلنت الولايات المتحدة أنها ستحتفظ بقوات لها في شرق وجنوب الجزيرة السورية لحماية آبار النفط، وفي الوقت نفسه أبرمت تركيا مع كل من الولايات المتحدة وروسيا اتفاقات وتفاهمات تقضي بوقف العملية التركية عند الحدود التي وصلت إليها، في مقابل ضمان ابتعاد مقاتلي الوحدات الكردية عن حدودها. وبالنتيجة، لم تعد الجزيرة السورية كلها تحت النفوذ الأميركي، إذا تقدمت مجموعات من النظام السوري بدعم روسي وبالاتفاق مع قسد لتنتشر على أجزاء من الشريط الحدودي مع تركيا في محيط كوباني/عين العرب وفي شمال محافظة الحسكة، وعلى بعض خطوط التماس مع القوات التركية وأتباعها السوريين، ليكون هذا إيذاناً بصعود النفوذ الروسي في أجزاء من الجزيرة السورية، وإيذاناً باحتمال عودة سيطرة النظام المباشرة على مساحات واسعة فيها وعلى حياة كثير من أهلها.

لا تزال الإدارة الذاتية المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي تسيطر أمنياً وإدارياً على حياة معظم سكان الجزيرة السورية، فيما يحتفظ النظام بسيطرته على حياة سكان بعض أحياء مدينتي القامشلي والحسكة في محيط مراكزه الأمنية، وباتت تركيا وأتباعها من مقاتلي الفصائل السورية يسيطرون على حياة سكان تل أبيض ورأس العين ومحيطهما. ومن خلف هذه السيطرة ثمة نفوذ أميركي مستمرّ على شرق وجنوب الجزيرة، ونفوذ روسي متصاعد على غربها وشمالها، ويبقى أن جميع هذه الخرائط قابلة للتغير في كل لحظة، بينما لا يبشر أي من التغيرات المحتملة بقرب انتزاع أبناء الجزيرة السورية لحقوقهم في تقرير مصيرهم وإدارة شؤونهم.

لقد أدت تلك الحروب المتلاحقة إلى مقتل عشرات الآلاف من أبناء الجزيرة السورية وبناتها، وإلى تشريد وتحطيم حياة وذاكرة مئات الآلاف منهم ومنهنّ، وإلى مزيد من تفخيخ المجتمع وتلويث ذاكرته بالعنف والمذابح والكراهية. وإذا كان صحيحاً أنه ليس هناك خلاص لأبناء الجزيرة بمعزل عن خلاص السوريين، فإن تطورات هذه السنوات في الجزيرة السورية تقول أشياء كثيرة عن المجتمع السوري، وعن سلوك القوى الإقليمية والعظمى تجاه آماله وطموحاته التي تم التعبير عنها عام 2011، ثم تم دفنها تحت ركام الصراعات على السلطة والثروة والنفوذ.

موقع الجمهورية

———————————–

قمة أردوغان – ترامب: غموض وتساؤلات/ بكر صدقي

منذ ما قبل تحققها، حظيت زيارة أردوغان لواشنطن بكثير من التساؤلات والشكوك. قبل كل شيء، طرح بعض الإعلام التركي، الموالي والمعارض على السواء، السؤال عن جدوى الزيارة، ما دام التواصل قائماً بين الرئيسين بواسطة الاتصالات التليفونية، وهي تحقق نتائج ملموسة، كاتصال السادس من الشهر الماضي الذي أعطى فيه ترامب الضوء الأخضر لأردوغان بالتدخل العسكري في شمال شرق سوريا. كما عبر بعض الإعلام الموالي عن خشيته من فخ ينصبه ترامب للرئيس التركي ليفرض عليه مواقف لا يريدها. حتى أن البعض تكهنوا بماهية الفخ فقالوا إن ترامب قد يطلب من ضيفه التركي عقد لقاء مع قائد قوات “قسد” مظلوم عبدي الذي حصل على دعوة من ترامب أيضاً لزيارته في البيت الأبيض.

لم يتحقق شيء من مخاوف الإعلام الموالي، أو تمنيات الإعلام المعارض، بل شكلت زيارة أردوغان، في الحسابات السياسية الداخلية في تركيا، محطة نجاح أخرى تضاف لصالحه، بالنظر إلى الجوانب الشكلية والرمزية. فقد أغرق ترامب، في المؤتمر الصحفي المشترك، ضيفه التركي بالمديح والتعبير عن الشكر، ولم يوجه أي انتقاد إليه أو إلى السياسات التركية، كما أبرز موضوع العلاقات التجارية بين البلدين فتحدث عن إرادة مشتركة بصدد رفع حجم هذه التجارة إلى 100 مليار دولار سنوياً.

كذلك أشارت وسائل الإعلام إلى تخصيص ترامب خمس ساعات كاملة لزيارة أردوغان، بين لقاء ثنائي وآخر للوفدين وثالث ضم أعضاء من مجلس الشيوخ ناقشوا أردوغان واستمعوا إليه، فيما يعتبر سابقة في المكتب البيضاوي.

أما في المضمون أو النتائج العملية، فقد اقتصرت مكاسب أردوغان على منع عضو الكونغرس ليندسي غراهام، المعروف بمواقفه المتشددة ضد الرئيس التركي، وصول مشروع القانون الخاص بالاعتراف بمجازر الأرمن في العام 1915 المحال من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ.

تبقى “عقدة المنشار” في الزيارة هي موضوع الصواريخ الروسية إس 400، حيث كان من الواضح أنه على رأس جدول أعمال الاجتماع، وهو السبب الرئيسي لدعوة ترامب نظيره التركي إلى واشنطن. فما زال الجانب الأميركي يطالب تركيا بتجميد تلك الصواريخ وعدم تفعيلها، بعدما صارت داخل الأراضي التركية. فالخلاف بقي على حاله، إذ عبر أردوغان مجدداً عن أن موضوع الصواريخ الروسية أمر منته ولا رجوع عنه. لكن ترامب تحدث عن “مواصلة العمل” بين الجانبين للوصول إلى حل، من خلال لجان مختصة. هذا يعني المراهنة على الزمن، وترحيل الخلاف إلى الأشهر القادمة، مع تأجيل فرض العقوبات القاسية على تركيا بسببها وبسبب نقاط الخلاف الأخرى، ومنها العملية العسكرية التركية في المنطقة الواقعة بين تل أبيض ورأس العين في شمال شرق سوريا.

أما الجانب التركي فقد كانت أولوياته مختلفة عن أولويات الأميركيين. فقبل كل شيء هناك موضوع استمرار التعاون العسكري والسياسي بين الأميركيين وقوات سوريا الديموقراطية التي تعتبرها أنقرة منظمة إرهابية، ولا تشاركها في هذا التوصيف أي دولة أخرى باستثناء نظام بشار الكيماوي. كذلك هناك موضوع الداعية التركي فتح الله غولن الذي تعتبره أنقرة المسؤول الأول عن المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز 2016، وتطالب باستعادته، في حين لا تحرك واشنطن ساكناً تجاه الرجل.

على العموم، لم تنتج عن الزيارة أي توافقات بشأن الخلافات المزمنة القائمة بين الجانبين، بل تم ترحيلها إلى الفترة القادمة من غير أن يظهر أي احتمال لإمكانية حلها، ما لم تحدث تغيرات كبيرة تفرض حلولاً لا يمكن التنبؤ بها الآن. ذلك أن واشنطن تملك أوراق ضغط كبيرة على حليفتها أنقرة التي لا تملك ما يماثلها من أوراق ضغط مقابلة. ويبدو مستقبل العلاقات بين البلدين وكأنه يعتمد بالكامل على العلاقة الشخصية الغامضة بين الرئيسين، في وقت يواجه فيه ترامب إجراءات العزل في مجلس النواب، وقد بدأت جلساته العلنية بالتزامن مع زيارة أردوغان، وذلك قبيل أسابيع قليلة من بدء حملة الانتخابات الرئاسية التي يعلق عليها ترامب آماله في التجديد لولاية ثانية.

ربما هذا الوضع غير المريح للرئيس الأميركي هو ما دفعه لدعوة أعضاء مجلس النواب إلى المكتب البيضاوي للقاء مع أردوغان وجهاً لوجه ومناقشته في موضوعات الخلاف الكبيرة.

لم يبدد المؤتمر الصحفي المشترك التساؤلات والشكوك المحيطة بالزيارة، فقد بقي السؤال معلقاً بشأن الغاية الحقيقية منها. وقد ذهب أحد المحللين في الإعلام التركي إلى حد وضع هذه الزيارة في إطار ما يدور في كواليس الدول العظمى من استعدادات لإقرار نظام دولي جديد ترسو عليه الفوضى القائمة، منذ بضع سنوات، في العلاقات الدولية. ويقوم هذا الافتراض على ما يبدو من حيرة حول موقع تركيا الاستراتيجي بين واشنطن وموسكو، أو بين حلف الناتو وثلاثي أستانة، وتشكل صفقة الصواريخ الروسية والرفض الأطلسي لها التجسيد الملموس لهذا الوضع القلق. قد يكون اجتماع حلف شمال الأطلسي، أوائل الشهر القادم في بريطانيا، هو المنبر الذي سيشهد الإعلان عن النظام الدولي الجديد، وفقاً للمحلل التركي نفسه، فقد بلغت الفوضى في العلاقات الدولية درجة شديدة الخطورة. يفترض هذا التحليل أن الجانب غير المعلن من زيارة أردوغان هو تمهيد الطريق أمام تركيا لتكون، في اجتماع قمة الناتو، شريكاً أطلسياً في إرساء أسس النظام الدولي الجديد.

تلفزيون سوريا

————————————-

بؤس الاستراتيجية الأمريكية في سوريا/ انور بدر

يبدو للوهلة الأولى أن معركة “نبع السلام” التي اجتاحت تركيا تحت يافطتها شمال شرق سوريا، قد انتهت بالمعنى العسكري والسياسي عبر الاتفاق الروسي التركي في سوتشي، وتفهم الإدارة الأمريكية لنتائج العملية العسكرية، بدليل أن الرئيس ترامب الذي أسكت معارضيه داخل الولايات المتحدة وخارجها بحزمة عقوبات أمريكية على الاقتصاد التركي سارع فورا لإلغائها، وكأن شيئا لم يكن.

لكن ارتدادات هذه العملية في بلاد “الرمال والموت” بحسب تعبير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لن تنتهي في هذه الحدود، بالمعنى الزمني والجغرافي أيضاً، لأنها تمثل جزءا من الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للتعامل مع سوريا، بل المنطقة عموما التي تشكل انقلابا حقيقيا على الاستراتيجية الأمريكية التي وُضِعَتْ خطوطها العامة بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، والقاضية بالهيمنة على مصادر النفط في المنطقة، عبر سياسة الأحلاف أولاً، ومن ثم عبر قواعد عسكرية واتفاقيات ثنائية لايزال بعضها مستمراً من حيث الشكل والوظيفة حتى الآن.

بدأ الانقلاب على هذه الاستراتيجية الأمريكية باعتقادي مع الرئيس الديمقراطي الأسبق باراك أوباما، تحت عنوان القَطعْ مع الحروب الأمريكية الخارجية والانسحاب من العراق وأفغانستان بشكل أساسي، ووفق جدول زمني لم يستطع أن يتقيد به تماما، فيما بدا خليفته ونقيضه الجمهوري دونالد ترامب أشد تمسكا بهذه الاستراتيجية، لإخراج “القوات الأمريكية من الصراعات المكلفة والمعقدة في الشرق الأوسط”، كما عَبّرَ في برنامجه الانتخابي، مع أن إدارته ما زالت تبدي كثيرا من الممانعة لهذه الاستراتيجية، على الرغم من عجزها عن ضبط رئيس يعتقد أنه قادر على اتخاذ قرارات مصيرية عبر “تويتر”، وبعيدا عن مؤسسات اتخاذ القرار في الولايات المتحدة.

شكلت استراتيجية الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط و”حروبها التافهة التي لا تنتهي”، قاسما مشتركا بين آخر إدارتين ديمقراطية وجمهورية في البيت الأبيض، لكن المفارقة أن الرئيس أوباما قد تخلى عن مصالح أمريكا وحلفائها في المنطقة لصالح تفويض إيران بها بعيد الاتفاق النووي، اعتقاداً منه بأن مصالح أمريكا باتت في الشرق الأقصى باتجاه الصين كخزان استراتيجي للتجارة والمصالح، فيما قررت إدارة ترامب الانسحاب من العالم ككل، لتعيد موضعة النظام الإيراني في بؤرة تناقضاتها ضمن المنطقة، عبر الانسحاب من الاتفاق النووي، مقابل تلزيم المنطقة ككل لروسيا، مما يلقي بظلال من الشك تعزز الاتهامات المتواترة بدور روسي في الانتخابات الأخيرة التي جاءت بالرئيس ترامب إلى سدة السلطة، دون أن تقطع بشأنها.

قد لا تكون المسألة في إطار المؤامرة، بقدر ما هي جزء من الطبيعة المتهورة للرئيس ترامب بحسب تحليل ريتشارد سبنسر، مراسل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة “التايمز” البريطانية، حين لخص المعادلة بعنوان: “تهور ترامب فرصة لم يفوتها بوتين”، كما استغلها أردوغان حين منحه ترامب تفويضا بالعمل العسكري في سوريا للتخلص “من إلحاحه المزعج” على موضوع المنطقة الآمنة.

ومن اللافت للانتباه أن سياسة الانكفاء إلى الداخل الأمريكي وفق الصيغة الترامبية، تزامنت مع سياسة حمائية وحروب ضرائبية واقتصادية شرسة مع كل الأطراف غطت أوربا والصين وروسيا أيضا، فضلا عن ابتزاز مشايخ النفط العربي وأمرائه، ما جعل الليبرالية الاقتصادية المتوحشة، تسفر عن أبشع صورها الاحتكارية التي تقطع مع أساسها الفكري والأخلاقي والسياسي، بالتوازي مع صعود تيارات اليمين المتطرف عالمياً، معززة بخطاب شعبوي كاره للآخر بمختلف مسمياته، مهاجرين، أجانب، ملونين، نساء، والفقراء بعامة، وليس سور ترامب على حدود المكسيك، إلا عنوانا فاضحا لهذه العنصرية اللامحدودة، والتي تلقى معارضة شرسة داخل الولايات المتحدة وخارجها.

غير أن هذه التفاصيل التي قد تصلح عناوين في الحملات الانتخابية الأمريكية، أو مادة للدراسة والسجالات الفكرية والأكاديمية داخل الولايات المتحدة وفي كثير من دول العالم، تحتفظ في ذاكرة السوريين بمذاق الدم وطعم الخيبة، لأنها أدت إلى استمرار الأزمة والصراع في سوريا لما يقارب ثماني سنوات ونصف تقريبا، وما تزال مستمرة، فاق عدد الضحايا خلالها المليون سوري، فيما تحولت أغلب الجغرافيا السورية إلى بلدات ومدن وبنى تحتية مدمرة، كما هُجّرَ قرابة نصف سكانها ما بين نازح ولاجئ، وتحولت سوريا إلى دولة فاشلة تقبع تحت وصايات متعددة ومتناقضة، بل وتتحارب مع بعضها على أشلاء وصدى أنين السوريين.

وإن كانت “نبع السلام” آخر هذه الحروب راهنا، فلن تكون الأخيرة، إذ لم تكتف تركيا باتفاق أضنة عام 1998، الذي منحها  حق الدخول لمسافة خمسة كليو مترات في العمق السوري وعلى طول الحدود السورية التركية، بحجة ضمان أمنها القومي، فيما الاتفاق الذي وقّعه الاتراك مع  مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي يوم 17 تشرين الأول/ أكتوبر من هذا العام، يقضي بوقف العملية العسكرية ضد الأكراد لمدة خمسة أيام، مقابل “انسحاب قوات سوريا الديمقراطية وأسلحتها الثقيلة وتدمير تحصيناتها العسكرية حتى عمق 32 كم مربّع، وبطول 440 كم”، إضافة إلى منح هذا الاتفاق الصفة الاستراتيجية، بحيث يماثل من حيث الفاعلية بروتوكول أضنة 1998، فيما ضمن اتفاق “سوتشي” الأخير لتركيا شرعية الوجود العسكري من تل أبيض إلى رأس العين، مع ضرورة إنشاء آلية مشتركة تركية روسية لإدارة المنطقة الأمنة، وضرورة إلزام “قسد” بالانسحاب من جميع المناطق الحدودية مع تركيا.

وهذا يعيدنا إلى أسئلة المنطقة الآمنة داخل سوريا: إلى متى تستمر الدوريات المشتركة الروسية التركية؟ وهل تعيد روسيا تسليمها إلى النظام كما فعلت باتفاقيات خفض التصعيد التي كانت تركيا طرفاً ضامناً فيها؟ ولماذا اعتبر وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو في لقاء نظيره الألماني هايكو ماس المقترح الألماني لإنشاء منطقة آمنة بإدارة دولية من قبل الأمم المتحدة “غير واقعي”؟ وهل تأكيد الوزير التركي أن بلاده لن تمكث كثيرا في سوريا قابل للأخذ على محمل الجد؟

يبدو أن أطماع أنقرة تسبق حساباتها السياسية، في مسعى لفرض حقائق على الأرض، عملا بالنص الديني “وما ملكت أيمانك”، فالمنطقة الآمنة وفق تصريح الرئيس رجب طيب أردوغان ستمتد “بين مدينتي تل أبيض ورأس العين، إذا لزم الأمر، مع تأسيس البنية التحتية والفوقية، والمساكن ليعيش اللاجئون فيها، وسنُظهر ذلك للعالم بالدليل”، لكنه أضاف تهديدا للمجتمع الدولي وأرووبا تحديدا عبر تأكيده “لن يبقى أمامنا خيار آخر سوى فتح حدودنا أمام اللاجئين باتجاه أوروبا، إذا لم يجرِ دعم المشاريع التي طوّرناها لتأمين عودة ما بين مليون إلى مليوني سوري من أصل 3 ملايين و650 ألفا في بلادنا”، حيث تبلغ تكاليف المرحلة الأولى من هذا المشروع 27 مليار دولار، كدفعة أولى لإنقاذ الاقتصاد التركي، أي أن الموقف التركي من قضية اللاجئين ليس قضية حقوق إنسان وأخوة دينية كما يروج “الاخوان المسلمين”، بقدر ما هي ورقة مبازرة في سوق المصالح التركية المأزومة.

بالمقابل، فإن وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” اضطرت إلى تصحيح سياسة الرئيس ترامب، معلنة ​عن “إرسال المزيد من القوات لحماية آبار النفط السورية”، باعتبارها “أحد أهم المكاسب التي حققتها الولايات المتحدة وشركاؤها من خلال التصدي لتنظيم داعش … ولن يسمح لداعش بإعادة السيطرة على آبار النفط”، فيما قرأ كثيرون البيان بأنه يقصد الحيلولة دون سيطرة روسيا ومعها النظام على هذه الآبار، وليس سيطرة داعش المشغولة الآن بخسارة خليفتها أبو بكر البغدادي.

ثم، إذا كان ترامب يرى “أهمية النفط لشركاء الولايات المتّحدة الاستراتيجيين في سوريا” قاصدا الأكراد، فإنه لم يخبرنا كيف سيسمح النظام الذي لجأ الأكراد أليه مؤخرا باستفادتهم من هذا النفط؟ خاصة وأن تركيا التي ترى فيهم تهديدا لأمنها القومي، جاهزة لتسابقهم على آبار النفط، هي وروسيا والنظام أيضا.

كل هذه التطورات تشي بأن “نبع السلام” لن يشكل نهاية الأزمة السورية الراهنة، ولن تكون مدخلاً للحل السياسي وفق القرار الدولي 2254، وقد أوجز جورج فريدمان رئيس مؤسسة “جيوبوليتيكال فيوتشرز”، الرؤية الأمريكية لمسار المنطقة وسوريا بالتحديد، بأن “ثمة شيئان أصبحا واضحين تماماً: الأول هو أن الهدف المتواضع المتمثل في كبح جماح الإرهاب قد تحقق، والثاني هو أن هدف خلق شيء يقترب من الديمقراطيات الليبرالية في الشرق الأوسط لم يكن ممكناً أبدأً”.

فماذا ينتظر السوريون بعد ذلك؟ وهل هناك من أفق لتحوّلْ ما في المعادلة السورية، على ضوء الموجة الثانية من الربيع العربي؟

بروكار برس

————————————–

قواعد عسكرية جديدة في سورية!/ عمار ديوب

تستأجر روسيا مطار القامشلي في سورية 49 عاماً. الولايات المتحدة الفاقدة سياسة محدّدة في سورية، تُنشئ قاعدتين عسكريتين مجدّداً في الحسكة. تركيا تعزّز نفوذها، وتنشئ قواعد وتتمركز في مناطق جديدة. وفد النظام السوري إلى اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف لا يمثل هذا النظام، كما يقول قادته! وفي هذه الأوقات، تستمر روسيا والنظام بقصف بلدات إدلب وقراها. تتحرك كل هذه الأطراف خارج سياق التفكير بحلٍّ نهائي للوضع السوري. وتشير تحرّكاتها الميدانية إلى تعزيز نفوذ كلٍّ منها حيال الأخرى. المعارضة خارج الفعل وكذلك النظام، ولا تثير تصريحات الأخير عن سياسات الدول المتدخلة في سورية أهمية فعلية لأيٍّ منها.

وحدهم الروس يسيطرون على مناطق جديدة، ويتمركزون فيها عبر معاهدات واتفاقيات، ودلالة لـ “49 سنة” زمنا لعقود الاتفاقيات احتلالية بامتياز. كل ما فعلته الولايات المتحدة أخيرا أنها مكّنت تركيا وروسيا من مناطق جديدة! فما حصل لم يكن حربا بين هذه الدول، وجاء في إطار الانسحاب الأميركي، وإن تصريحات واشنطن أخيرا إنها ستُبقي 600 جندي، أو أنها لن تسمح للنظام أو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بالاستفادة من النفط لا تعني سياسة جديدة. تمدُّ روسيا عبر مطار القامشلي سيطرتها على جزء كبير من النفط، عدا أنها مسيطرة على الساحل، حيث مراكز تكريره وتصديره، وهناك تسيطر أيضا على المكتشفات الجديدة من الغاز والنفط في الساحل. روسيا بذلك، وإضافة إلى كل الاتفاقيات السابقة مع النظام السوري، والشاملة مختلف مؤسسات الدولة السورية، تعلن احتلالاً مستمراً، وعبر الاتفاق مع النظام الذي استدعاها بنفسه، ولحمايته الأكيدة من السقوط في 2015.

هناك مشكلات عديدة تواجه روسيا؛ فسيطرتها على سورية لا تسمح لها بفرض سياساتها على كل من إيران وتركيا وأميركا في البلد، وهذا يوضح محدودية القوة الروسية، وقدرة تلك الأطراف على تخريب أية محاولة روسية بفرض سيطرة كاملة على هذا البلد. لن نكرّر ذكر الأحداث التي أصبحت معروفة، والتي تؤكد أن التنسيق الروسي التركي والروسي الأميركي هو ما سمح لروسيا بالسيطرة على كل المناطق التي كانت خارج سيطرة النظام، وهناك بالتأكيد التنسيق مع إسرائيل وإيران، والذي ساعدها على التمدّد إلى مختلف المدن السورية.

التحليل أعلاه، وغياب أي دور للنظام وللمعارضة باستثناء حكاية اللجنة الدستورية السمجة، وتبعية قواته وقوات المعارضة لكل من روسيا وتركيا، والحروب المستمرة في إدلب والجزيرة السورية، يسمح لنا بتهميش أيِّ دورٍ حاليٍّ للأطراف السورية، والتأكيد، مجدّداً، أن سورية مُحتلة من خمس دول (روسيا، وتركيا، وإيران، وأميركا وإسرائيل). والجدير ذكره هنا: إن كل هذه الدول تعطي روسيا دوراً أكبر في تقرير مصير سورية، ولكنها لا تعطيها الحق المطلق في سورية، ولتتصرّف فيها بمفردها.

لا يتبدّى الضعف الروسي في القوة العسكرية فقط، بل أيضا في القدرة على إعادة إعمار سورية، وهذا يتبدى في المواقف الروسية ذاتها، والتي تحاول استمالة أوروبا لسياستها في سورية، عبر إيقاف الهجرة إليها. عدا ذلك، هناك الأزمة الاقتصادية في روسيا، وهناك العقوبات المفروضة عليها، والتي تتعرض لها باستمرار. ولا يكفي القول إن روسيا بتدخلها في سورية تفرض نفسها لاعباً أساسياً في المنطقة؛ فهي تريد كذلك استثمارات وعائدات وتعويض احتلالها! والمشكلة أن ذلك يتناقض مع القدرات الضعيفة للدولة الروسية، وهذا ما يدفعها إلى عقد اتفاقيات متعدّدة مع كل الدول المتدخلة في سورية، وذلك لتسهيل احتلالها.

لا تعني القواعد الأميركية أبداً، سياسة جديدة، والولايات المتحدة تدخلت في سورية من أجل قضايا محدّدة، وستغادرها حالما تتحقق، وهذا مرتبط بصراعات داخلية في الإدارة الأميركية، فهناك انتقادات كبيرة طاولت مواقف الرئيس ترامب وفريقه بخصوص الانسحاب، وصُوِّرَ الأمر كأنه هدية لروسيا وإيران. ويبقى التمركز الجديد لأميركا سياستها ذاتها، أي إعطاء سورية لروسيا، والسماح لتركيا بالسيطرة على كامل الحدود السورية المحاذية لها. وقبالة ذلك، تهميش الدور الإيراني في سورية، وحرمان النظام من أغلبية حقول النفط، والضغط على الروس للبحث عن صيغة عادلة لصالح الأكراد، ودمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في قواتٍ تابعة لروسيا وضمن جيش النظام. ويوضح ذلك كله أنه ليس للولايات المتحدة مصالح كبرى في سورية، ومصالحها الأقوى في العراق والخليج بصورة أساسية، وأن سياستها العالمية حالياً في مواجهة الصين، وكذلك إعطاء أدوار لدول المنطقة ولروسيا في إدارة شؤون المنطقة.

هنا تساؤل: هل أميركا مع دورٍ إقليمي لإيران؟ طبعاً، وهي من “أهدت” العراق لإيران. والإشكالية تكمن في السياسة الإيرانية الطامحة إلى لعب دور مركزي لا يتناسب مع قوتها الحقيقية؛ فكل الدول العربية التي تدخلت فيها تعاني حالياً إمّا حروباً أهلية أو ثورات ضد الأنظمة التابعة لها، عدا عن تفاقم الأزمة الاقتصادية داخل إيران وبين قومياتها، وهي تعادي أميركا، على الرغم من أن الأخيرة تكرّر أنها ليست ضد النظام الإيراني، وتستهدف فقط تغيير سياساته.

القواعد التركية الجديدة لا تعطي أنقرة وزناً نوعياً، بل تظلُّ سياستها في سورية رهينة الاتفاقات مع كل من موسكو وواشنطن، وتستفيد من الخلافات بينهما لتعزيز سياساتها في المنطقة، وليس سورية فقط. لا تسمح قواعدها تلك، كما قيل، بتشكيل منطقة آمنة فعلية، ولا بإعادة إعمار المناطق التي تسيطر عليها. وبالتالي، تريد تركيا، وعبر تدخلاتها في كل المناطق في سورية، حفظ حدودها، والتخلص من أية أشكال للحكم الذاتي أو قوات كردية. وضمن ذلك، تستفيد من ثروات المناطق التي تسيطر عليها، ومن تصدير بضائعها إليها. المعارضة التابعة لتركيا هي إحدى أحصنتها في التنسيق مع الروس وأميركا، وفائدتها تكمن فقط من أجل ضمان مصالح تركيا في الحل النهائي للوضع السوري؛ حالياً ومن قبل، يتم توظيفها في خدمة أفضل العلاقات مع روسيا ولإدارة الخلافات معها كذلك، وريثما تتحقّق التوافقات مجدّداً، كما يتم الأمر في إدلب أو مناطق أخرى، وفي اللجنة الدستورية غير الموقرة!

توضح القواعد العسكرية الجديدة، والقديمة، والدول المتدخلة والمحتلة لسورية، أنّه ليس هناك نهاية قريبة للوضع السوري. وفي حال وُجدت، لن تكون لصالح الشعب. وستكون فقط من أجل ضمان مصالح الدول التي تدخلت، وتبني قواعدها ولصالح روسيا بشكل رئيسي.

العربي الجديد

—————————

الحسكة… تنافس عالمي على “سورية المصغرة”/ أمين العاصي

لم يعد خافياً تنافس معظم القوى الفاعلة على الأرض السورية بهدف إيجاد موطئ قدم لها في أقصى الشمال الشرقي حيث محافظة الحسكة، التي قفزت أخيراً لتكون في قلب هذا المشهد المعقد، إذ تدرك هذه القوى الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لهذه المحافظة مترامية الأطراف، والتي تعد بمثابة “سورية المصغرة”، فهي تضم معظم مكونات الشعب السوري الدينية والقومية، من العرب والأكراد والسريان والآشوريين. وتأتي الحسكة في المرتبة الثالثة بين المحافظات السورية لجهة المساحة، حيث تبلغ أكثر من 23 ألف كيلومتر مربع، وتتصل بحدود مع دولتين، هما العراق شرقاً وتركيا شمالاً، ما يكسب موقعها الجغرافي أهمية استراتيجية، ويفسّر سبب محاولات معظم اللاعبين في الملف السوري للوجود فيها. كما تتميز الحسكة عن باقي المحافظات السورية بالتنوع السكاني، إذ تضم عرباً وأكراداً وسرياناً وأرمن ومسلمين وأيزيديين، ما يعني أنها بمثابة “سورية المصغرة”.

كما تعد محافظة الحسكة سلة الغذاء الأهم في سورية، فأغلب المحاصيل الزراعية الاستراتيجية، مثل القطن والقمح والشعير والعدس وسواها، تزرع في المنطقة التي يمر في وسطها نهر الخابور. ولا تتوقف ثروات محافظة الحسكة عند هذا الحد، فهي تضم عدة حقول للنفط، كانت تنتج أغلب حاجات البلاد من هذه المادة، ومنها حقل الجبسة في ريف منطقة الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي، والذي يمتد حتى منطقة الهول في الريف الشرقي. كما أن هناك حقول رميلان الشهيرة في ريف مدينة القامشلي، التي تضم نحو 1322 بئراً، بالإضافة إلى معمل للغاز كان ينتج نسبة كبيرة من حاجات سورية من المادة قبل الثورة في العام 2011. ويوجد نحو 25 بئراً من الغاز في حقول السويدية بالقرب من رميلان. ويعد السويدية من أكبر الحقول في سورية.

وتقع كل هذه الحقول والآبار تحت سيطرة “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) التي تسيطر فعلياً على عموم محافظة الحسكة، بعدما انتزعت السيطرة على ريفها الجنوبي، خلال 2016 و2017، من تنظيم “داعش”، الذي ظل لأعوام يسيطر على منطقتي الشدادي ومركدة الغنيتين بالنفط، كما حاول جاهداً السيطرة على المحافظة، لكن “الوحدات” الكردية تصدت له. وفي منتصف 2015 كاد التنظيم أن يحدث خرقاً كبيراً في الصراع على الشمال الشرقي من سورية، حيث وصل إلى تخوم مدينة الحسكة قبل أن يتراجع أمام “الوحدات” الكردية وضربات طيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

ووفق دراسة ميدانية لـ”التجمع الوطني للشباب العربي في محافظة الحسكة”، نشرت في 2013، فإن المحافظة مقسمة إدارياً إلى أربع مناطق، هي المالكية، والقامشلي، ورأس العين، والحسكة. وتتبع للمحافظة نحو 14 ناحية وبلدة تشكل تجمعات سكانية هامة، وهي مركدة، والشدادي، والعريشة، والهول، والبئر الحلو، وتل حميس، وتل تمر، والدرباسية، وعامودا، والقحطانية (قبور البيض)، واليعربية (تل كوجر)، والجوادية، ورميلان، وجزعة. ويتركز الثقل السكاني لأكراد سورية في محافظة الحسكة، خصوصاً في مدينة القامشلي وريفها. ويرى كثيرون أن العرب يشكلون غالبية سكان المحافظة، حيث توضح الدراسة المشار إليها أن إجمالي عدد القرى في محافظة الحسكة يبلغ 1717، بينها 1161 عربية، و453 كردية، فيما يبلغ العدد الكلي للقرى الآشورية السريانية 50، وهناك 48 قرية مختلطة عربية وكردية و3 قرى عربية وسريانية وقريتان تضمان سرياناً وأكراداً. وبينت الدراسة أن التعداد الإجمالي، التقديري، لسكان محافظة الحسكة يبلغ نحو 1.5 مليون شخص.

من جانبه، أوضح المعارض السوري السرياني بسام إسحق، لـ”العربي الجديد”، أن السريان والمسيحيين بشكل عام كانوا قبل الثورة يشكلون 17 في المائة من أصل 1.2 مليون هم مجمل سكان المحافظة. وقال “الآن الرقم غير معروف، إذ حصلت هجرة من كافة المكونات في المحافظة”. وأوضح أن السريان في محافظة الحسكة “ينتشرون على طول الخط الحدودي للمحافظة مع تركيا والعراق، وفي مدينة الحسكة، وفي تل تمر المدينة وقراها”.

وليست هناك إحصائيات دقيقة يمكن الركون إليها في تحديد نسبة العرب والأكراد في محافظة الحسكة، إلا أن مصادر مطلعة أكدت، لـ”العربي الجديد”، أن العرب هم الغالبية فيها، إذ يشكلون نحو 80 في المائة من عدد السكان، فيما تبلغ نسبة الأكراد نحو 18 في المائة فقط، مضيفة “خلال الثورة هاجر عدد كبير من الأكراد والمسيحيين من محافظة الحسكة إلى بلدان أوروبية، حيث اختار الأكراد ألمانيا، فيما اختار المسيحيون السويد وبلداناً أخرى، ما يعني أن الإحصائيات التي أجريت قبيل الثورة تحتاج إلى تعديل”. وتضم محافظة الحسكة، التي كانت تطلق عليها قديماً تسمية “ديار ربيعة”، أبرز القبائل العربية المعروفة، خصوصاً الجبور وطي وشمّر. وعلى الرغم من تعرض عدد من العرب لعمليات تهجير، فإنهم لا يزالون يشكلون النسبة الأكبر من سكان المحافظة. وفي عام 2012، سلّم النظام السوري أغلب محافظة الحسكة إلى “الوحدات” الكردية، حيث لم يكن يملك القدرة العسكرية على السيطرة على كامل الجغرافيا السورية. واحتفظ النظام لنفسه بمربعين أمنيين في مدينتي الحسكة والقامشلي، بالإضافة إلى مطار القامشلي المدني. وقد حاصرت “الوحدات” الكردية الحراك الثوري في المحافظة من العرب والأكراد، وصولاً إلى إعلانها في 2013 ما يسمى بـ”الإدارة الذاتية”، حيث وضعت قوانين جديدة ومنهاج تعليم مختلف لكل مكون في المحافظة.

ومن خلال نظرة على خارطة السيطرة في محافظة الحسكة، والتي تبدلت كثيراً أخيراً، خصوصاً إبان العملية العسكرية التركية، وما تلاها من تطورات، يظهر أن أغلب الفاعلين في المشهد السوري باتوا يملكون وجوداً عسكرياً في محافظة الحسكة. وعادت أخيراً فصائل المعارضة السورية، المدعومة من الجيش التركي، إلى المنطقة، حيث سيطرت على مدينة رأس العين في ريف الحسكة الشمالي الغربي التي تضم عرباً وأكراداً، وعلى عدد كبير من قراها. وبذلك بات للمعارضة موطئ قدم في جغرافيا محافظة الحسكة، وهو ما بدّل كثيراً من معطيات الصراع في الشمال الشرقي من سورية. في المقابل، نشر النظام أخيراً وحدات من قواته، هي بمثابة مخافر على طول نحو 90 كيلومتراً على الحدود السورية التركية، وفق تفاهم عسكري مع “قسد”، التي تشكل “الوحدات” الكردية عمودها الفقري، في محاولة لإيقاف العملية العسكرية التي كانت بمثابة تهديد وجودي لهذه القوات. ولا يزال النظام يحاول استرداد كامل محافظة الحسكة لإنعاش اقتصاده المتهالك، ولكن ليس من المتوقع أن يأخذ أكثر مما حصل عليه أخيراً، إذ تعتبر “الوحدات” الكردية الحسكة مجالها الحيوي الذي لا تفاوض عليه مع النظام، إلا في ظل الاعتراف بها قوة مؤثرة في مجرى الأحداث في المحافظة، خصوصاً أن الأكراد السوريين يرفضون العودة إلى ما قبل العام 2011، حيث كانوا مضطهدين من قبل النظام، وباتوا اليوم في وضع أفضل في ظل وجود قوة تحميهم.

ولا تزال “الوحدات” الكردية هي القوة الضاربة في محافظة الحسكة، إذ تسيطر على جل مساحتها، مع فصائل محلية تنضوي تحت عباءة “قسد”. وعلى الرغم من أن وجود “قوات سورية الديمقراطية” بات محدوداً على طول الحدود السورية التركية، فإنها لا تزال تسيطر على كامل الحدود السورية العراقية في منطقة شرقي الفرات، وافتتحت منذ أعوام معبراً غير شرعي مع العراق هو معبر سيمالكا في شمال شرقي الحسكة. وتؤكد مصادر مطلعة أن “حزب الله” اللبناني، الذي يساند قوات النظام في الصراع، يحتفظ بقوة له داخل مطار القامشلي، إلى جانب قوات روسية تنتشر أيضاً في عدة مناطق وفق التفاهمات الأخيرة مع الجانب التركي.

في موازاة ذلك، تسعى روسيا هي الأخرى لتوسيع نطاق نفوذها في الحسكة، إذ نقلت منظومات من الدفاع الجوي وطائرات حربية من قاعدة حميميم العسكرية في ريف اللاذقية إلى مطار القامشلي في الحسكة. وأعلن الجيش الروسي، أمس الخميس، أنه نشر مروحيات وصواريخ أرض جو في القامشلي، المنطقة التي كان يتمركز فيها الأميركيون من قبل. وقال قائد القاعدة تيمور خجاييف لوكالة الأنباء الرسمية الروسية “تاس” إن هذه القاعدة التي تسمى رسمياً “مكتب القيادة الجوية” ستنظم “عمليات تحليق متواصلة… لحماية الأراضي والدفاع عنها”. وأضاف أن مروحيات قتالية وصلت إلى القاعدة، موضحاً أنها ستقدم الدعم للشرطة العسكرية الروسية التي تقوم بدوريات مشتركة مع الجيش التركي في هذا القطاع. وبثت قناة التلفزيون الروسية “زفيزدا” التابعة لوزارة الدفاع، لقطات لوصول ثلاث مروحيات إلى القامشلي، يظهر فيها أيضاً النظام الدفاعي المضاد للطائرات “بانتسير”. وفي وقت سابق، أفادت وسائل إعلام روسية باحتمال قيام روسيا باستئجار مطار القامشلي المدني الذي يقع على بعد عدة كيلومترات من الحدود مع تركيا، لمدة 49 عاماً. كما أشارت مصادر إلى أن الروس استحوذوا على النادي الزراعي بالقرب من القامشلي لإقامة قاعدة داخله.

كما تنتشر قوات أميركية في قواعد عدة ونقاط تمركز في عموم المحافظة، خصوصاً منطقة الشدادي الغنية بالنفط، وبالقرب من منطقة رميلان وفي قرية هيمو في ريف القامشلي الغربي، وفي تل بيدر. وفي هذا السياق، قالت وكالة “الأناضول” أمس الخميس إن قوات أميركية تستعد للتمركز في قاعدتين عسكريتين جديدتين في المحافظة. وفي حال تمركز القوات الأميركية في هاتين القاعدتين عقب الانتهاء من بنائهما، سيرتفع إجمالي القواعد الأميركية في الحسكة، إلى 7 قواعد ونقاط عسكرية. وبحسب “الأناضول”، عبرت خلال اليومين الماضيين قافلتان عسكريتان أميركيتان، إلى الأراضي السورية عبر معبر اليعربية، من العراق. القافلة الأولى المكوّنة من 20 مركبة ما بين مدرعات وشاحنات، تمركزت في بلدة القحطانية على بعد 6 كيلومترات من الحدود التركية، حيث شرع الجنود الأميركيون بأعمال بناء القاعدة العسكرية هناك. أما القافلة الأميركية الثانية، فوصلت إلى قرية حيمو غربي مدينة القامشلي، على بعد 4 إلى 5 كيلومترات من الحدود التركية، وشرع الجنود الأميركيون هناك أيضاً في أعمال إنشاء النقطة العسكرية. وتبعد القاعدتان المزمع إنشاؤهما، عن بعضهما، مسافة 35 كيلومتراً.

وكانت الإدارة الأميركية قد أعلنت أخيراً نيتها البقاء في المناطق التي تنتشر فيها آبار النفط في منطقة شرقي نهر الفرات، في ريفي الحسكة ودير الزور. وسيرت القوات الأميركية منذ أيام دورية في المنطقة الممتدة بين رميلان والقحطانية، شرقي القامشلي، في كل من بلدات الجوادية وباب الحديد والمعبدة وقرية شبك، في أقصى الشمال الشرقي من سورية.

————————–

كيف تلاعب أردوغان بترامب مجدداً

حصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على فرصة نادرة لمخاطبة الشعب الأميركي وملايين المشاهدين عبر العالم، عندما وقف إلى جانب رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب في الجناح الشرقي من البيت الأبيض بعد اجتماعٍ  ترقبه كثيرون في المكتب البيضاوي، ولم يحقق ترامب على ما يبدو أيّة مكاسب مطلقاً من هذه الزيارة.

فعلى الرغم من خرق أردوغان الواضح للاتفاقيات الغربية واستهزائه بها -مثل شراء المعدات العسكرية الروسية وسجن الصحفيين وشن غزو دموي على شمال شرق سوريا مع ادعاءات بالسماح لوكلائه العرب في سوريا بارتكاب جرائم حرب دون رادع- تركزت معظم تصريحات ترامب على الإشادة بنظيره التركي.

فقد قال ترامب، “إن تركيا، كما يعلم الجميع، حليف عظيم في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وشريك استراتيجي للولايات المتحدة على الصعيد العالمي”، وشكر أردوغان على مجهوداته من أجل الحفاظ على وقف إطلاق النار في شمال شرق سوريا -مع أن القتال لم يتوقف قط في الواقع- وشكره أيضاً على “إسهامات تركيا الحيوية” في العمليات في أفغانستان ومكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). (في الحقيقة، لم تؤدِ تركيا دوراً يُذكر في عملية قتل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي، خلال غارة نفذتها قوات العمليات الخاصة الأميركية على بُعد أميالٍ قليلة من الحدود التركية العراقية).  

وأضاف، “أنا من أشد المعجبين بالرئيس أردوغان”.

لكن ترامب لم يتطرق إلى جرائم الحرب المروعة وانتهاكات حقوق الإنسان المُتهم بارتكابها وكلاء تركيا من المعارضة السورية خلال الاجتياح، ومن بينها استخدام الذخيرة المحملة بالفسفور الأبيض ضد المدنيين وإعدام السجناء واستهداف النساء والأطفال.

في الوقت نفسه، هاجم أردوغان بشدة خلال معظم تصريحاته أمام الكاميرات ميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية -التي تشكل قواتها العمود الفقري لـ”قوات سوريا الديمقراطية” المسؤولة الرئيسية عن زوال تنظيم الدولة الإسلامية- وحملها مسؤولية التفجير الذي وقع في في مدينة تل أبيض السورية وأودى بحياة 13 مدنياً.

تنظر تركيا إلى “وحدات حماية الشعب” باعتبارها ذراعاً لـ”حزب العمال الكردستاني”، الذي نفذ أعمال تمرد في تركيا امتدت لعقود.

كان المؤتمر الصحفي الذي أعقب اجتماع المكتب البيضاوي هو آخِر مثالٍ فحسب على انصياع ترامب لرغبات أردوغان، وذلك بعد شهر فقط من سحبه القوات الأميركية من الحدود التركية السورية، ما أفسح المجال لشن هجوم تركي على وحدات حماية الشعب.

وكتب الصحفي التركي رجب سويلو على ترامب، “لا بد أن أردوغان سعيد بحقيقة أن ترامب يمنحه منبراً من البيت الأبيض للدفاع عن نفسه في الوقت الذي تجلد فيه وسائل الإعلام الدولية حكومته. يعد هذا انتصاراً لأردوغان في مجال العلاقات العامة. فقد بثت القنوات التلفزيونية العالمية تصريحاته طيلة 15 دقيقة دون انقطاع”.

كان من الممكن أن يكون اجتماع المكتب البيضاوي، الذي ضم أيضاً مجموعة من كبار أعضاء مجلس الشيوخ من بينهم عضو الحزب الجمهوري ليندسي غراهام، فرصة للزعيمين للتوصل إلى اتفاقيات بخصوص عدد هائل من القضايا، مثل شراء تركيا منظومة الدفاع الصاروخية الروسية (إس-400)، التي تهدد المقاتلات الأميركية، أو التباحث حول صفقة تجارية محتملة تبلغ قيمتها 100 مليار دولار. لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن أي من تلك القضايا.

وقال ترامب عن شراء تركيا منظومة الدفاع الروسية إس-400، “نتناقش باستمرار حول تلك المسألة. وتحدثنا عنها اليوم. وسنتحدث عنها في المستقبل. ونأمل أن نتمكن من تسوية هذا الوضع”،  مضيفاً أن الزعيمين طلبا من نائبيهما “العمل فوراً على إيجاد حل لقضية صواريخ إس-400”.

سبق وأن طرحت الإدارة الأميركية “حلاً بديلاً” قد يتضمن موافقة تركيا على عدم تفعيل منظومة إس-400، التي وصلت إلى تركيا صيف هذا العام، مع احتمالية أن يمهد هذا الطريق أمام واشنطن لإعادة قبول تركيا في برنامج التدريب على مقاتلات إف-35.

لكن الخبراء يقولون إن أردوغان قد نجح في خداع ترامب مرة أخرى فيما يتعلق بقضية منظومة إس-400. وقال توماس كاراكو، من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية، إن مجرد الموافقة على عدم تفعيل المنظومة الدفاعية الروسية لا تعد تنازلاً من جانب تركيا ويمكن التراجع عنها ببساطة.

أضاف كاراكو “لا شك أنه يُمكنك إيقاف تشغيل منظومة الدفاع الجوي الروسية (أس-400)، بل وإيداعها في المخازن دون استخدام، ولكن في الواقع من المستحيل أن تصل إلى مستوى من الثقة في أنهم لن يقوموا بإخراجها، ونشرها وبدأ تشغيلها بعد ستة أشهر من الآن أو بعد عام من الآن”.

ولكن ما يدعو إلى القلق هو أن تركيا سوف تستخدم منظومة (أس-400) -التي صُممت لتعقب أكثر الطائرات المقاتلة الأميركيّة تطوراً- للحصول على معلومات أساسية حول كيفية عمل الطائرات طراز (أف-35) عندما تكون في وضع التخفي. وستجد تلك المعلومات الثاقبة طريقها سريعاً إلى موسكو، التي تشارك مشاركة متكاملة وبفعالية في تدريب القوات المسلحة التركية على كيفية تشغيل منظومة الصواريخ. فضلاً عن أن تركيا أرسلت أفراداً إلى روسيا لبدء التدريب، قبل إتمام عملية الشراء.

وأشار كاراكو إلى أنه “ما لم يتم تحميلها على سفينة وشحنها إلى ولاية نيو مكسيكو”، حيث تستطيع الحكومة الأميركيّة تفكيك وتفتيش منظومة الصواريخ، فإن “مجرد الثقة في أن المصالح لن تتضارب قد يكون محض غباء إلى حد كبير”.

في أعقاب وصول أول دفعة من منظومة (أس-400) إلى تركيا هذا الصيف، استبعدت وزارة الدفاع الأميركيّة تركيا رسمياً من برنامج تطوير مقاتلات (أف-35)، مشيرةً إلى أن أنقرة ستفقد دورها في إنتاج الطائرة بحلول مارس/آذار 2020. بيد أن المسئولين الأمريكيّين تركوا المجال مفتوحاً أمام تركيا للعودة إلى البرنامج إذا ما وجدوا طريقة لمعالجة قضيّة (أس-400).

فقد صرح الجنرال تود والترز، القائد الأعلى لقوات أوروبا الموحدة وقائد القوات الأميركية في أوروبا، في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أنه “لا ينبغي أن يتواجد النظامين في موقع واحد. ولذا ثمة قرار يتعين على تركيا اتخاذه، وسنواصل الضغط لكي نمضي قدماً إلى الأمام. ولكن بينما نتحدث، تُعد تركيا حليفاً مهماً في حلف الناتو، وتظل العلاقة التي تجمعها على المستوى العسكري، مع الولايات المتحدة والناتو قوية”.

في حين أعرب وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، عن مخاوفه لنظيره التركي الشهر الماضي.

فقد صرح إسبر للصحفيين يوم الاثنين، قائلاً ” لقد كنت واضحاً للغاية خلال لقائي الأخير مع وزير الدفاع التركي خلوصي آكار، وأكدت له مجدداً أنه ‘لا يمكنك الحصول على منظومة (أس-400) واستمرار العمل في برنامج تطوير مقاتلات (أف-35)’. نظراً لما يُمثله ذلك -في اعتقادي- من تهديد على مقاتلات (أف-35)”.

فضلاً عن أن استلام تركيا لمنظومة (أس-400) الروسية هذا الصيف، يلوح بفرض عقوبات قاسية بموجب “قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات” لعام 2017، والذي يستهدف الدول التي تشتري معدات دفاعية روسية. بيد أن ترامب أرجأ فرض هذه العقوبات، برغم احتجاجات المشرعين.

ومن المحتمل أن يثير أي اتفاق حول إيجاد حل بديل لهذه الأزمة، غضب المشرعين الذين طالبوا بشدة بتطبيق جزاءات منذ أن أوضحت أنقرة أنها تعتزم شراء منظومة الصواريخ الروسية.

أوضح كاراكو أن أردوغان لديه العديد من الأسباب والدوافع لشراء منظومة (أس-400)، على الرغم من أن الولايات المتحدة عرضت عليه شراء منظومة باتريوت الأميركيّة المضادة للصواريخ التي تصنعها شركة رايثيون كبديل. السبب الأساسي، هو دافع سياسي، إذ إن شراء منظومة (أس-400) يُـنظَر إليه باعتباره “تكريم” للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وثمة دافع تقني آخر، يتمثل في أن منظومة الدفاع الجوي الروسية (أس-400) مزودة برادار يغطي 360 درجة، في حين لا يتجاوز مدى تغطية رادار منظومة باتريوت الأميركيّة سوى 180 درجة فقط. وأخيراً، يريد أردوغان، الذي تعرض لهجوم من قبل قواته الجوية عام 2016 باستخدام طائرات مقاتلة أميركيّة الصنع من طراز (أف -16)، نظاماً مُصمماً لإسقاط الطائرات الغربية.

حمَّل ترامب الرئيس السابق باراك أوباما المسؤولية عن هذه الأزمة، مُدعياً أن إدارة أوباما رفضت بيع منظومة باتريوت لأردوغان. بيد أن هذا التوصيف ليس دقيقاً تماماً. فقد رفضت تركيا بالفعل صفقة الباتريوت مرتين قبل أن تُعرض عليها مجدداً للمرة الأخيرة، والتي تضمنت شروطاً أفضل فيما يتعلق بالأسعار والإنتاج المشترك، وقد نقضت وزارة الخارجيّة الاتّفاقيّة رسمياً هذا الصّيف. وفي كلتا المرتين، باء الاتفاق بالفشل بسبب إصرار أنقرة على نقل تكنولوجيا الصّواريخ، الأمر الذي رفضه المسؤولون الأميركيّون.

ومع ذلك، يواصل أردوغان إغراء ترامب بشراء منظومة باتريوت، على الرغم من أن تلك المفاوضات على ما يبدو لن تُفضي إلى أيّة نتائج.

واختتم كاراكو حديثه قائلاً، “إنهم مستمرون في مغازلتنا بصفقة منظومة باتريوت”.

 – هذا المقال مترجم عن foreignpolicy.com  ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

درج

———————————

 عرس الدم السوري الذي لا ينتهي!/ كمال شاهين

تقود روسيا الملف السوري وتتحكم في كثير من مفاصله، بما في ذلك إنشاء المنطقة الآمنة. وقد جاء الاتفاق الروسي – التركي الجديد بعد اجتماع طويل بين الرئيس الروسي ونظيره التركي في سوتشي يوم 22 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، انتهى بإعادة ترتيب أوضاع منطقة شرق الفرات بينهما، مع وجود قوات أميركية فيها تشارك في دوريات مع القوات التركية

بالقرب من بلدة رأس العين الكردية السورية، فيما تتصاعد أعمدة الدخان لتحجب الرؤية عن الطائرات الحربية التركية، في تشرين الأول/ اكتوبر الماضي (وكالة الصحافة الفرنسية – دليل سليمان)

نقلت مصادر محلية مطلع الشهر الحالي، وعلى نطاق ضيّق، أن القيادة الروسية رفضت إصدار الجانب الحكومي السوري بياناً إعلامياً عن تحقيق الجيش السوري “انتصاراً” عسكرياً بعد انتشار القوات الحكومية شرق وشمال البلاد. وخلافاً لما كان يحدث عقب السيطرة على أي منطقة جديدة، فإن البيانات الرسمية لم تذكر أي من هذه “الانتصارات”.

تغيرات المواقف المتسارعة

تفاوتت نبرة البيانات الحكومية التي ظهرت قبل وأثناء العدوان التركي اﻷخير (الثالث) على الشمال السوري بين الشدة واللين. لكن الموقف الحكومي بقي متناسقاً مع نفسه، في حدوده الدنيا، برفض التدخل التركي والالتزام ب”الدفاع عن الأرض السورية بكل الطرق المتاحة”. وفي حدوده العليا، التقط تفاوت القوة العسكرية بين البلدين (لصالح تركيا بالطبع)، فبقي يطالب باعتماد اتفاق أضنة الموقّع عام 1998 بين البلدين كنقطة مرجعية في عدم تبرير أسباب العدوان، ثم في تحميل “الإدارة الذاتية”الكردية مسؤولية التسبب بالعدوان عدة مرات بتصرفاتها، وأن ما فعلته بالتعامل مع “الأميركي” يرقى إلى مرتبة “الخيانة”. ووفق البيان الرسمي للخارجية السورية فإن “من يرتمي بأحضان الأجنبي سيرميه الأجنبي بقرف بعيداً عنه”.

كان لافتاً في البيانات الحكومية تجاه “اﻹدارة الذاتية” أنها لم تذكرها بالاسم أبداً، وأنها استخدمت مصطلح “المجموعات المسلحة” في إشارة إلى “قوات سوريا الديمقراطية”(قسد)، أي المصطلح المستخدم مع فصائل المعارضة المسلحة مع إضافة صفة “الإرهابية” إلى اﻷخيرة. ويوضح الأمر الطريقة التي تنظر بها دمشق إلى الإدارة باعتبارها سلطة أمر واقع “مؤقتة وزائلة”.

أدّى تطور الأحداث المتلاحق وتدفق القوات التركية واجتياحها منطقة واسعة، والوساطة الروسية مع “الإدارة الذاتية” إلى تغيّر موقف اﻷخيرة باتجاه طلب التعاون مع الجيش السوري ودعوته لاستلام إدارة تلك المناطق عسكرياً. ولكن ذلك لم يترافق مع تغيير في الخطاب الرسمي تجاه تلك اﻹدارة أو تجاه الكُرد ككل، وهو اتسم بنزعة أبوية شمولية تعتبر أن غفران خطيئة الإدارة ومناصريها أمرٌ ممكنٌ ضمن شروط النظام السياسية والعسكرية.

وضمن هذه اﻷبوية دعت وزارة الدفاع السورية”عناصر قسد للانخراط في وحدات الجيش للتصدي للعدوان التركي الذي يهدد الأراضي السورية”، مع استعدادها “استقبال العناصر والوحدات الراغبين بالانضمام إليها، وتسوية أوضاع المتخلفين عن الخدمة اﻹلزامية والاحتياطية، والمطلوبين أمنياً”.

لكن “قسد” ردّت في بيان رسمي بأن أفرادها “يستحقون الثناء والتكريم وليس تسوية أوضاع ومراسيم عفو من تلك التي تصدر بحق المجرمين واﻹرهابيين”، كما رفضت “قطعاً لغة الخطاب الموجهة للأفراد بدل توجيه الخطاب لقيادة قوات سوريا الديمقراطية” مؤكدةً ضرورة “التسوية السياسية وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية السورية” لضمان “وحدة الصفوف” إلا أنها أصدرت لاحقاً بياناً تشيد فيه “بتضحيات الجيش السوري في المعركة ضد الإرهاب التركي وضد داعش”.

معارك مشتركة بين خصوم اﻷمس ضد العدوان التركي

لم يكن واضحاً في الاتفاقية الروسية – التركية (ما تسرّب منها) الموقف المحتمل من حدوث تضارب في مناطق السيطرة السورية ـ التركية، وبالتالي احتمال حدوث معارك بين الطرفين. وهو ما تجسد عملياً في الأسبوع الثاني من العدوان عبر قصف مدفعي تركي على مواقع القوات السورية أثناء محاولتها دخول بلدة رأس العين، حيث أدت المواجهات إلى مصرع خمسة أفراد من الجيش السوري، فيما ذبحت الفصائل الموالية لتركيا بالسكين عنصرين منه، كما قامت القوات التركية باحتجاز 18 عسكرياً من الجيش السوري سلّمتهم لاحقاً إلى القوات الروسية.

مازالت المعارك محتدمة في عدة نقاط على امتداد مناطق الحدود، تشارك فيها قوات الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، حيث تدير التنسيق بينهما غرفة عمليات روسية. وتبدو هذه المعارك خروجاً مهماً عن التفاهمات الإقليمية بين شركاء الحرب السورية، وتؤسس من جانب أول إلى أن النزاع السوري قد ينزلق في ظل اﻷطماع التركية إلى حرب إقليمية، على الرغم من الوجود الروسي واﻷميركي، متسبباً في زيادة إشعال المنطقة التي شهدت حركة نزوح باتجاه العراق ومناطق الحكومة. ومنذ بداية الهجوم أغلقت المدارس، ويستقبل كثيرٌ منها الآن نازحين من مناطق مختلفة، فيما يحاول من يستطيع تحمل تكلفة النقل الوصول إلى مدينة الحسكة (80 كيلومترا جنوباً). أما البقية فسيتعين عليهم التكيف مع الظروف القاسية في مدن حدودية تواجه المزيد من الهجمات من الشمال.

سلّة الروسي الواسعة

يأتي الموقف الروسي برفض “إعلان الانتصار” بعد اتفاق روسي – تركي جديد جاء بعد اجتماع دام ست ساعات بين الرئيس الروسي ونظيره التركي في سوتشي يوم 22 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، انتهى بإعادة ترتيب أوضاع منطقة شرق الفرات بينهما، مع وجود قوات أميركية في المنطقة تشارك في دوريات مع القوات التركية.

كما يبدو التدخل الروسي في مسألة لم تكن تهتم لها أو تشارك فيها كثيراً من باب التزام جديد بعدم تجاهل حضور الإدارة الذاتية المنضمّة مؤخراً للقطار الروسي. فمن الواضح لجميع اللاعبين أن الملف السوري تقوده روسيا وتتحكم في كثير من مفاصله، بما في ذلك إنشاء المنطقة الآمنة.

تريد روسيا أن تضع جميع البيض السوري في سلتها. فهي تريد إرضاء تركيا في سوريا لأسباب كثيرة بعضها اقتصادي مرتبط بمشاريع الغاز الروسي فيها، وبعضها الآخر سياسي في محاولة مستمرة لجذب تركيا إلى فضائها الجيو-استراتيجي.. وهو ما نجحت به حتى الآن، خاصةً مع تردد الحديث عن انسحاب تركي محتمل من الناتو.وفي الملف السوري ترتبط الاسباب بامتلاك تركيا أوراقاً سورية على رأسها ورقة الفصائل المسلحة في نسختها الأخيرة بعد خروج كثير من الداعمين لها من الميدان.

الانتشار العسكري للجيش السوري شرق البلاد أضاف إلى مناطق سيطرة الحكومة مساحات كبيرة تعادل ثلث البلاد تقريباً، وبذلك فإن دمشق من الرابحين في صفقة الاتفاق التركي –الروسي، على الرغم من حدية الموقف تجاه الغزو التركي وخسارة أراضٍ ومدنٍ استراتيجية، خاصةً أن هذا الانتشار يمدّ الحكومة السورية بعناصر قوة اقتصادية واجتماعية وحتى سياسية في ظل رفض العشائر العربية سياسات “اﻹدارة الذاتية”. وقد يكون صحيحاً اﻵن أن “اﻹدارة الذاتية” ستبقى تدير بعض شؤون تلك المنطقة (كما تطلب هي)، إلا أن اﻷمر في النهاية سيحتاج إلى كثير من الحوار مع دمشق الرافضة ﻷي تغيير يفضي إلى أي شكل من أشكال الحكم الذاتي لهذه اﻹدارة أو لغيرها، وهو دورٌ ستلعبه موسكو بلا شك.

اﻹدارة الذاتية وترميم الخسائر

تعزز العملية التركية مكاسب أنقرة على حساب السوريين ككل، وعلى حساب اﻹدارة الذاتية بشكل أساسي، التي خسرت منطقة واسعة قامت فيها على مدار السنوات الماضية ببناء تجربة سياسية واجتماعية واقتصادية قدمت خدمات متنوعة للسكان، ونوعاً من الأمان، وخاصة بعد هزيمة تنظيم داعش بمساعدة “الائتلاف الدولي”، كما أسست لسلطة جديدة في المنطقة.

الاتفاقية الروسية ـ التركية تعيد “تحجيم” وموضَعة تجربة “الإدارة الذاتية” التي كانت حتى أمس قريب تشمل ثلث مساحة سوريا تقريباً. فمع انتشار أخبار وصول الجيش إلى مناطق متعددة في الشرق السوري، سرعان ما أُنزل علم كُردستان التاريخي ورفع العلم السوري الرسمي بدلاً منه. وبالوقت نفسه تجري عمليات “ترانسفير” منظّمة، ممتدة من عفرين إلى رأس العين، تقوم بها تركيا بتواطؤ روسي ـ أميركي، وهي تعمل على إبعاد مناصري اﻹدارة (والكُرد عموماً) عن مناطق الشريط الحدودي، وهو ما يتقاطع تاريخياً مع مشروع “الحزام العربي” الذي طرحه البعث في سوريا منذ الستينيات الفائتة، حيث اقترح إسكان عائلات عربية على طول الحدود مع تركيا، تمّ نقل بعضها من المنطقة التي غمرها سد الفرات غداة إنشاءه أوائل السبعينيات الفائتة. ألا أن المشروع لم يكتمل لأسباب كثيرة من بينها احتجاجات كُردية.

في الوقت نفسه، لا تريد روسيا أن يضاف الكُرد إلى قائمة الخاسرين في العدوان التركي، كما لا تريد إعطاء “اﻹدارة الذاتية” حجماً أكبر من حجمها مقابل بقية القوى اﻹقليمية، من حلفاء وأعداء.فقد وجدت الادارة الذاتية نفسها -بعد انسحاب القوات الأميركية شبه الكامل، وفقدانهالداعمها العسكري واللوجستي – مضطرةً للتعاون مع الطرف الروسي ضمن توازنات القوى الجديدة في الشرق السوري، حيث تحتل “قوات سوريا الديمقراطية”(قسد) المركز اﻷخير في ترتيب القوى العسكرية هناك.هي إذاً فرصة لتلك الإدارة ﻹعادة تظهير نفسها في الخريطة السورية.وعلى الرغم من أنها تبدو الخاسر اﻷكبر فيما جرى حتى اﻵن، إلا أن ذلك لا يعني خروجها من الميدان بسهولة في ظل تصديها الشرس للقوات التركية وللفصائل المسلحة المرافقة لها.

أما واشنطن، التي وإنْ انخفضت أهمية حاجتها إلى السلاح الكُردي الذي وقف معها في قتال تنظيم داعش (وخاصة بعد الإدّعاء بقتل البغدادي في مناطق السيطرة التركية)، فهي لم تقطع إلى اﻵن حبال الود مع اﻹدارة الذاتية خاصة في موضوع تأمين موارد مالية لها من النفط السوري المسروق. ولكن وبالمقابل، فإن تفاهمات واشنطن مع أنقرة وموسكو، تمتلك أولوية أعلى من الدفاع عن اﻹدارة الذاتية، أقله في ظل وجود تناقضات في موقف إدارة ترامب من التجربة الكُردية في الشرق والشمال السوري.

وأما دمشق، فهي ترى أن تجربة اﻹدارة الذاتية “انفصالية” وتهدد الكيان السوري، الذي لا تنقصه التهديدات. وفي الوقت نفسه الذي تتجاهل فيه دورها في التسبب بحدوث هذه الكارثة عبر تغييب العمل على حل إشكالات الأقلية القومية الأكبر في البلاد (يتراوح عددها وفق الأدبيات الكًردية بين 6 و18 في المئة من السكان، ووسطي هذه النسبة يعطي رقماً قريباً من المليون).

أما أكبر خسارات اﻹدارة الذاتية، فكان استبعاد حضورها مع قواتها (قسد) في اللجنة الدستورية التي اجتمعت مؤخراً في جنيف، في وقتٍ حضرت فيه شخصيات كُردية (خمس شخصيات) في صفوف المعارضة من المجلس الوطني الكُردي والمجتمع المدني، دون أي حضور من جانب النظام، بموافقة روسية مستجيبةً لرغبة تركية، وأخرى دولية، ترافقت مع زيادة الحساسيات اﻹقليمية من التطلعات الكُردية الاستقلالية، وسط اشتعال العراق وبعده إيران، والكراهية التركية الشديدة لكل ما يمت بصلة إلى الكُرد الرافضين للإنضواء تحت أجنحتها.

منطقة آمنة بمساحة أقل

في معلومات محدّثة من شمال سوريا، فإن قوات الغزو التركي توغلت في بعض المناطق بعمق تجاوز 40 كيلومتراً داخل اﻷراضي السورية، في حين أنها في مناطق أخرى لم تتجاوز الحدود، وهو ما يجعل مشروع المنطقة الآمنة الذي ينفذ، مختلفاً عن الطرح الرسمي التركي، ويبدو أنه نتيجة معدّلة من نتائج الاتفاق الروسي التركي.

طرحت تركيا سابقاً أن امتداد المنطقة اﻵمنة سيكون متواصلاً بطول 425 كلم وبعمق 32 كلم ( 13600 كلمتر مربع، ما يتجاوز مساحة لبنان)، أي من رأس العين شرقاً إلى تل أبيض غرباً. إلا أن التنفيذ العملي، حتى اﻵن، يُظهر أن المنطقة ستكون متقطعة، ويكاد الأمر يشبه إقامة كانتونات جديدة على مساحات محددة، سيتم فيها بناء وحدات سكنية وخدمات تقدمها تركيا بتمويل دولي.

لكن اﻷبرز فيما تم تناقله على الجانب التركي، أن هذه الكانتونات ستبنى في مناطق خالية من السكان العرب أو الكُرد وفقاً ﻷنباء غير رسمية. وهو ما يعني، إن ثبتت صحة الكلام، أن مسألة التغيير الديموغرافي في المنطقة أخذت شكلاً جديداً، يسمح لتركيا بتكوين قوى موالية لها وقت الحاجة، وتكون قادرة على الوقوف بوجه تمدد حزب العمال الكردستانيPKKإن حدث.

يضاف إلى ما سبق، أن الجزء الذي ستديره تركيا عبر الميليشيات التابعة لها (ميليشيات “الجيش الوطني السوري”) يتضمن إدارة عدد من المدن الرئيسية في مناطق الحدود، هي تل أبيض، وعين العرب، ثم رأس العين التي “عاد إليها أكثر من 30 ألف سوري” وفقاً لتصريح والي منطقة “شانلي أورفة” التركي، فيما كان إجمالي اللاجئين “العائدين إلى ديارهم ومنازلهم 365 ألفاً”، وفق تصريح الرئيس التركي في السابع من تشرين الثاني. بالمقابل تحدث وسائل إعلامية أن هناك ما يقرب من هذا العدد قد تركوا مناطقهم باتجاه العراق ومناطق الحسكة السورية. ومؤخراً بدأت السلطات التركية حملات تضييق على اللاجئين السوريين فيها لدفعهم إلى الانتقال إلى تلك المناطق، فيما نفت السلطات التركية إجبارهم على توقيع أية أوراق رسمية على ذلك. إلا أن منظمات حقوقية دولية أكدت وجود هذه الضغوطات.

في السياق نفسه، وبحثاً عن تمويل لمشروع المنطقة اﻵمنة، هدد الرئيس التركي خمس عشرة مرة خلال شهر تشرين اﻷول/ أكتوبر الماضي أوروبا وقياداتها بترحيل اللاجئين إليها إذا لم تقدم له أموالاً لتنفيذ المشروع، حيث يوجد في تركيا وفق تصريحات الرئيس التركي “أكثر من 4 ملايين لاجئ من السوريين” العرب، والنسبة الكبرى منهم من حلب وريفها وحمص وإدلب.

يعني انتقال هؤلاء الى هذه المنطقة تغييراً ديمغرافياً في بنية السكان هناك، ليس بما يتعلق بالكًرد فقط، الذين سيصبح وجودهم هناك موضع شك، ولكن وكذلك بما يتعلق ببقية الأقليات القومية من سريان وأرمن وآشوريين. عدا أن وجود هذه الكتلة السكانية التي يغلب عليها الانتماء إلى المعارضة، وجزئها الأكبر إسلامي التوجه، سيشكل عامل تهديد لكل من الحكومة السورية وللكُرد، ويمكن استثماره مستقبلاً في أي تفاوض سياسي (وهو ما لا تمانعه روسيا) أو في معارك ضد الكُرد وسكان المنطقة اﻷصليين. كما يعني الانتقال من جانب مواز، أن المناطق التي قدم منها هؤلاء، قد أصبحت نسياً منسياً، خاصة مناطق العاصمة وحمص، وأصبحت هدفاً سهلاً للاستثمارات العقارية أو التغييرات الديمغرافية أيضاً، وهو ما يعني تغيراّ واضحاً في توزيع وبنية السكان في ظل تفاوت رغبة كثير من اللاجئين في تركيا أو أوروبا أو غيرها بالعودة إلى مناطق سيطرة الحكومة.

تركيا، التي أعلن رئيس إقليم كُردستان العراق “نيجرفان بارزاني” أنه “لديها مشكلة مع منظمةPKK وليس مع أكراد سوريا”، تجد أن “الممر الكردي” الذي تشكله تجربة اﻹدارة الذاتية يشكّل تهديداً وجودياً لأمنها القومي الذي ما زال، بعد مئة عام على تأسيس الجمهورية التركية، يرى الكُرد بعين “البشر الفائضين عن الحاجة”.

الانسحاب اﻷميركي حدثَ، لم يحدث!

بعد إعلانه الانسحاب من سوريا عدة مرات، عاد الرئيس اﻷميركي للقول إن عدداً من قواته (1500 عنصر مع قواعد موجودة بالفعل، وأخرى يجري إنشاؤها في الدرباسية وعامودا وتل أبيض) ستبقى في الشرق السوري لحماية (وسرقة) آبار النفط والغاز السوري، وأن ما سيباع من هذا النفط سيكون لصالح قوات (قسد) تقديراً منه لجهودها في مكافحة داعش. ولم يحدد إلى متى سيستمر ذلك ولا اﻵلية التي ستستخدم لتنفيذ ذلك…بينما يستمر نقل النفط بشاحنات محمية بعربات قتالية أميركية عبر شركة تركية يمتلكها صهر الرئيس التركي إلى تركيا وشمال العراق ومنه إلى ميناء جيهان التركي، ثم إلى إسرائيل، وفق وثائق نُشرت مؤخراً.

قول اﻹدارة اﻷميركية أن حصيلة مبيعات النفط ستوجه إلى “قسد” يعني في الظاهر عدم تخليها عن الإدارة الذاتية حتى اﻵن، وهو ما اتضح عند منع وصول القوات الحكومية إلى معبر “فيش خابور” الوحيد الذي يصل بين مناطق الشمال السوري ومناطق شمال العراق، ومنع الجيش التركي كذلك من الاقتراب منه. وليس من الواضح حتى اﻵن مستقبل التواجد اﻷميركي هناك ولا مستقبل العلاقة التي ستربط اﻹدارة الذاتية بدمشق التي كما أشرنا لا تعترف بها إلا كحليف عسكري مؤقت.

مستقبل الشمال الآن وغداً

في تصريح له مؤخراً، أعلن الرئيس التركي أن بلاده “ستوسع المنطقة الآمنة إذا استدعى الأمر ذلك”، وهو ما يبدو تفسيراً للقصف التركي على الجيش السوري، فيما لم تصدر عن موسكو أية تصريحات تعلّق على المعارك هناك:

في المشهد السوري اليوم، هناك ثلاث مناطق تسيطر على كلٍ منها قوة عسكرية على تضاد مع القوة الأخرى، ولكل منها مشروعها المدعوم من قوى إقليمية ودولية، وهي تجتمع بشكل أو بآخر في جنيف لوضع المسودات الأولى لدستور جديد أو معدّل للبلاد، بغياب اﻹدارة الذاتية وقواتها.

تؤسس اجتماعات جنيف الجديدة لتنفيذ جزء من القرار 2254 الذي يتحدث بالعموم عن مرحلة انتقالية في منظومة الحكم السورية. إلا أن هذا لا يؤسس لحل سياسي يجمع بين هذه المناطق ويوحدها من جديد تحت سلطة مركزية.ما يعني، وبالتالي، احتمال استمرار المعارك العسكرية لفترة قادمة مهما كانت نتائج جنيف.

توضح المعارك المستمرة للآن بين الجيش السوري والقوات التركية وميليشياتها إمكانية انزلاق المفاوضات إلى حيث لا يدري أحد، كما أن العودة الأميركية لحراسة مواقع النفط تقدم احتمالات جديدة غير منظورة في الوقت الراهن، ويبدو تعويل الجميع على الطرف الروسي، كضامن الكل، ولابتداع حلول ترضي الجميع، وكل حسب قوته وارتباط مصالحه به.. وهو الذي يعمل بالوقت نفسه لتنفيذ مصالحه بدأب شديد.

السفير العربي

—————————-

رسائل القاعدة الروسية في القامشلي/ خورشيد دلي

مع العملية العسكرية التركية “نبع السلام” في شرقي الفرات، تتزاحم القوى الدولية والإقليمية المعنية بالأزمة السورية لرسم خريطة جديدة لنفوذها ووجودها العسكري هناك. اختارت الولايات المتحدة النفط عنوانا لإعادة تمركز قواتها العسكرية هناك، وتركيا في إقامة منطقة آمنة لإعادة اللاجئين السوريين ومحاربة قوات سورية الديمقراطية (قسد)، والجيش السوري في رفع علمه فوق كل منطقةٍ يستطيع الوصول إليها، فيما القوات الروسية تحل في أي منطقة وقاعدة تنسحب منها القوات الأميركية، وتتحرّك، في الوقت نفسه، مع النظام، والتركي والكردي والأميركي لوضع بصمته في كل خطوةٍ حتى وصل به الأمر إلى إقامة قاعدة عسكرية في القامشلي، لتكون الثالثة له في سورية بعد قاعدتي طرطوس وحميميم.

ومع أن خريطة نفوذ هذه القوى لم تستقر بعد، من الواضح أننا بتنا أمام ثلاث مناطق نفوذ أساسية: الأولى واقعة تحت سيطرة القوات الأميركية وحليفتها “قسد”، وهي تمتد من المالكية (ديريك) على نهر دجلة وصولا إلى القامشلي لتنحرف جنوبا نحو ديرالزرو، أي بموازاة الحدود العراقية، والثانية واقعة تحت النفوذ التركي وهي تمتد بين رأس العين (سريه كانييه) وتل أبيض وبعمق نحو 32 كليومترا، والثالثة واقعة تحت النفوذ الروسي وقوات النظام وهي تمتد من نقطة عين عيسى في محافظة الرقة وتتجه نحو نقاط ثلاث، هي عين العرب (كوباني) ومنبج وتل تمر في ريف الحسكة، هذه الخرائط الجديدة ولدت حالة من التزاحم، لا سيما في ظل تسيير الدوريات المشتركة في هذه المناطق، إلى درجة أن دوريات من هذه القوات قد تلتقي مع بعضها في هذه المنطقة أو تلك، وهو ما يشير إلى تنسيق، وربما تفاهم روسي – أميركي مسبق، جرى الحديث عنه خلال اللقاء الذي جرى بين الرئيسين الروسي بوتين والأميركي ترامب في فبراير العام الماضي.

في زحمة الصراع على القواعد ومناطق النفوذ، تبرز أهمية القامشلي عاصمة للشمال السوري، فهي مدينة أخذت رمزا كرديا مع أن سكانها خليط من الكرد والعرب والآشوريين والأرمن والسريان.. وهي مدينة حدودية مع تركيا وقريبة من الحدود العراقية، وتشكل مركزا لمناطق الطاقة من نفط وغاز فضلا عن الزراعة والتجارة مع كل من العراق وتركيا، وعليه، جاءت الخطوة الروسية بإقامة قاعدة عسكرية في مطار القامشلي لتثير أسئلة كثيرة، إذ إن إقامة مثل هذا القاعدة ربما تشير إلى تفكير روسي ببقاء دائم أو طويل هناك، ومن ثم الأهم لمن ستكون موجهة نشاط هذه القاعدة التي ستنشر فيها منظومة دفاع جوي؟

بالتأكيد، ستؤمن هذه القاعدة لروسيا قدرة استخباراتية هائلة للتجسس على القواعد الأميركية في سورية والعراق وتركيا حيث قاعدة إنجرليك الاستراتيجية، كما أنها تؤكد أن الأعين الروسية ستبقى مفتوحة على مدار اللحظة على القوات الروسية والتركية المتواجدة على الأراضي السورية، وربما تأتي تحضيرا لفرض واقع جديد في هذه المنطقة، كثيرا ما تتحدث موسكو عن ضرورة خروج القوات الأميركية منها وعدم شرعية وضع يدها على النفط السوري. فضلا عن ذلك، ينظر الروس إلى التفاهمات التي جرت مع تركيا بخصوص الوضع في مناطق شمال شرق سورية أنها تفاهمات مرحلية، يجب أن تتنهي باستعادة النظام سيطرته على هذه المناطق، وبالتالي ثمّة من يرى أن الهدف الروسي الأساسي من إقامة قاعدة في مطار القامشلي هو مواجهة أنقرة وواشنطن في المرحلة المقبلة، فالثابت أن التزاحم الروسي في شرقي الفرات قطع الطريق أمام خطط أردوغان للوصول إلى الحدود العراقية، لا سيما بعد انتشار القوات الروسية والنظام في منبج وعين العرب (كوباني)، كذلك ثمة هدف روسي آخر من هذا التزاحم، وهو وضع الإدارة الذاتية الكردية هناك أمام خيار وحيد، هو الحوار مع النظام بشروط الأخير، أي التخلي عن مشروعها الخاص لصالح الاعتراف بحقوق ثقافية للكرد.

في جميع الأحوال، تفيد خطوة موسكو إقامة قاعدة لها في القامشلي، بقناعاتها بأن التطورات الميدانية في سورية وتوازن القوى والمسارات السياسية، هي تغيرات لصالح استراتيجيتها، ولعلها استفادت في ذلك كله من التخبّط الأميركي.

العربي الجديد

———————-

روسيا تفتتح قاعدة صرين.. وتُرسّمُ “الحدود” مع “نبع السلام

سيطرت القوات الروسية على قاعدة صرين الجوية في ريف حلب الشمالي الشرقي، ونشرت نقاط مراقبة لها في المنطقة، بعدما تعرضت عربات تابعة للشرطة العسكرية الروسية للرشق بالحجارة وزجاجات المولوتوف أثناء دورية مشتركة مع القوات التركية شرقي مدينة عين العرب “كوباني”، بحسب مراسل “المدن” عبدالكريم الرجا.

وبذلك تكون صرين ثاني القواعد الجوية الروسية شرقي الفرات بعد مطار القامشلي. وكانت القوات الأميركية قد انسحبت من قاعدة صرين في 20 تشرين اﻷول/أكتوبر.

وتداولت وسائل إعلامية خبر إعادة افتتاح معبر تل أبيض على الحدود السورية التركية، بعد إغلاق لمدة خمسة أعوام، لكن مصادر “المدن” أكدت أن ما جرى هو إزالة للجدار الفاصل بين جانبي الحدود، في ما يبدو تحضيراً لافتتاح المعبر، وأن حركة العبور فيه تتم حتى اﻵن باتجاه واحد من تركيا إلى سوريا، ولبضع حالات خاصة إسعافية أو إنسانية.

إلى ذلك نفى مصدر مسؤول في “الجيش الوطني” لـ”المدن” سيطرة قواته المشاركة في عملية “نبع السلام” إلى جانب القوات التركية، على مدينة تل تمر، أو وصولها إلى الطريق الدولي M4، بعد انتشار تسجيل مصور لعناصر من “فرقة السلطان مراد” المنضوية في “الفيلق اﻷول” من “الجيش الوطني”، يعلنون فيه سيطرتهم على طريق تل تمر. واتضح لاحقاً أن المقصود هو الطريق العام الذي يربط المدينة بالحدود التركية، والذي يشكل خط التماس بين الجانبين.

فيما أكدت مصادر “المدن” أن “قسد” لم تنسحب بعد إلى حدود المنطقة اﻵمنة التي اتفق عليها الرئيسان التركي والروسي في سوتشي 22 تشرين اﻷول/اكتوبر، وأنها تتشارك مع قوات النظام نقاط التمركز على طول خطوط التماس مع قوات “نبع السلام”، وأن قوات النظام اتخذت من محطة المباقر القريبة من الطريق الدولي M4، على مسافة 3 كيلومترات إلى الشمال الغربي من تل تمر، غرفة عمليات لها.

مصادر “المدن” أشارت إلى استمرار التنسيق بين قوات النظام و”قسد”، وأكدت حضور القيادي في “قسد” والمسؤول العسكري عن منطقة رأس العين حسين رشيد، اجتماعات مع مسؤولين عسكريين في قوات النظام.

وأضافت المصادر، أن قوات النظام تحاول منذ أيام تثبيت نقاط لحد فاصل بين “قسد” وقوات “الجيش الوطني”، بإشراف روسي، وأن عربات تابعة لقوات النظام رافقت دورية عسكرية روسية على طول نقاط التماس، انطلاقاً من تل تمر جنوباً وصولاً إلى قرية اﻷسدية شمالاً على الحدود السورية التركية، في ما يبدو جهودا يبذلها الجانب الروسي ﻹيقاف الخروق وتثبيت حدود المنطقة اﻵمنة شرقي رأس العين.

وفي السياق، أكدت مصادر “المدن” أن الهدوء يخيم على طول خط التماس، باستثناء بعض الخروق في تل الورد والعريشة والسيباطية والمناخ، التي تتضمن عمليات قصف متبادل واشتباكات محدودة.

وأشارت المصادر إلى أن المسؤول العسكري الروسي عن مطار القامشلي، قام بزيارة لغرفة عمليات النظام في المباقر، واجتمع بضباط في قوات النظام وحثهم على تثبيت نقاط فصل مع قوات “نبع السلام”، وعدم التراجع أو “الهروب” أمام الضغوط المحتملة والتي قد يمارسها “الجيش الوطني”، ريثما تكتمل إجراءات ترسيم المنطقة اﻵمنة. المصادر أشارت إلى أن الجانب الروسي سلّم قوات النظام خريطة تبين خط الفصل الذي عليها التزامه، والنقاط التي يتوجب عليها التمركز فيها، على حدود منطقة العمليات التركية المعروفة باسم “نبع السلام”.

المدن

————————————–

في مسار العلاقات التركية الأميركية وراهنها/ علاء بيومي

للحكم على تطورات العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة، يجب وضعها في سياقها الصحيح، فالواضح أن تلك العلاقة تواجه أخيرا تحدياتٍ ضخمة، لن يمحوها الاستقبال الحار الذي حظي به الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في البيت الأبيض في 23 من نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي. وفي مقدمة تلك القضايا استمرار تركيا في الحصول على نظام الدفاع الجوي الروسي (إس – 400)، والتدخل التركي في شمال سورية لمواجهة قوات حماية الشعب (الكردية). وكلاهما من القضايا الخلافية، والتي تثير عاصفة من النقد الأميركي، خصوصا ضمن أروقة الكونغرس الأميركي الساعي إلى فرض عقوبات على تركيا.

أضف إلى ذلك التحديات التي مرت بها العلاقة بين البلدين خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، كمطالبة تركيا الولايات المتحدة بتسليم الداعية التركي، فتح الله غولن، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/ تموز 2016، والعقوبات الاقتصادية التي فرضها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على تركيا في أغسطس/ آب 2018 لإطلاق سراح رجل دين أميركي معتقل هناك، والتي سرّعت من وتيرة أزمة الاقتصاد التركي، وتراجع العملة التركية أمام الدولار.

إلى أي مدى تمثل التحديات السابقة تقويضا للعلاقات التركية الأميركية؟ وما هي طبيعة تلك العلاقات ومدى رسوخها في مواجهة التحديات السابقة، وبعيدا عن الخلافات الحزبية والمبالغات الإعلامية؟ هنا تجب الإشارة إلى تقرير صدر عن خدمة أبحاث الكونغرس، الذراع البحثية للكونغرس الأميركي، في يناير/ كانون الثاني الماضي، يحاول الإجابة عن الأسئلة السابقة من منظور تاريخي. إذ يقول التقرير، وعنوانه “العلاقات الأميركية التركية: سياق تاريخي مختصر”، أن تلك العلاقات مرت، منذ الحرب العالمية الثانية، بتحدّيات عديدة.

تعود العلاقات الاستراتيجية بين البلدين إلى 1946، حين ضغط الاتحاد السوفييتي على تركيا، بعد الحرب العالمية الثانية، لمشاركتها إدارة مضايقها المائية لأسباب استراتيجية. وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى إرسال سفنها الحربية للمياه التركية، دعما للأخيرة في مواجهة موسكو في بدايات الحرب الباردة. وفي 1947، صنفت أميركا تركيا دولة مستقبلة للمساعدات المضادة للسوفييت. وفي 1952 أصبحت تركيا عضوا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبدأت أميركا تباعا في استخدام قواعد تركيا العسكرية، والحفاظ على أعداد كبيرة ونظم أسلحة متطورة هناك. ولكن العلاقة لم تسر على الوتيرة نفسها، ففي 1974، وبعد التدخل العسكري التركي في قبرص، فرضت أميركا حظرا على تصدير الأسلحة لتركيا استمر حتى 1978. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب البادرة، أغلقت أميركا خلال عامي 1991 و1992 ثمانية من 12 قاعدة عسكرية لها في تركيا. كما أوقفت جزءا كبيرا من مساعداتها العسكرية. وفي عام 2003، صوّت البرلمان التركي برفض استخدام الولايات المتحدة قواعدها في تركيا في غزو العراق.

وضمن التوجه نفسه، يقلل تقرير صدر عن خدمة أبحاث الكونغرس في الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول) من تبعات الخلافات الراهنة على العلاقة بين البلدين. ويؤكد أن “موقع تركيا القريب من عدة مناطق ساخنة في العالم جعل من استمرار إتاحة أراضيها محطة لنقل الأسلحة والقوات أمرا قيّما للولايات المتحدة وحلف الناتو”، وقد ترامب عبّر، في 16 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، عن ثقته في أمن “الأرصدة العسكرية” الأميركية في تركيا وسلامتها.

ويشير التقرير نفسه إلى قول خبراء إن المخاوف المتعلقة بمخاطر تشغيل تركيا لنظم الدفاع الجوي الروسية بالقرب من الطائرات الأميركية والأسلحة الغربية الموجودة على أراضيها “مبالغ فيها”، لأن قدرة نظم الدفاع الجوي الروسية على مراقبة الطائرات الأميركية لن تتغير كثيرا لو وضعت في تركيا مقارنة بوضعها في أي مكان آخر. ويضيف التقرير أن ترامب بحث مع أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي من الجمهوريين، في يوليو/ تموز الماضي، إمكانية أن تسمح أميركا لتركيا بامتلاك نظام الدفاع الروسي من دون تشغيله، على أن تتلقى، في المقابل، نظم دفاع جوي أميركية (باتريوت)، وطائرات إف – 35.

على المنوال نفسه، جاء الاستقبال الحار الذي حظي به أردوغان في البيت الأبيض، إذ وصف ترامب لقاءه أردوغان “بالرائع”، وإلى “إمكانية إيجاد حل” لقضية نظم الدفاع الروسية، وإلى رغبته في مضاعفة تجارة بلاده مع تركيا أربع مرات لتصل إلى مائة مليار دولار سنويا، كما طالب أيضا ترامب الدول الأوروبية بتحمل مزيد من تكاليف اللاجئين السوريين لتخفيف العبء عن تركيا.

ولا يعني هذا التوجه أن العلاقة بين أنقرة وواشنطن على ما يرام، فهناك تحديات حقيقية كثيرة

تواجهها، في مقدمتها استمرار تسليح أميركا ودعمها وحدات حماية الشعب (الكردية) في سورية، ورغبة تركيا المعلنة في المضي في امتلاك صواريخ إس – 400، والذي وصفه ترامب “بالتحدي الخطير” للعلاقة بين البلدين. وكذلك تطوّر علاقة تركيا بروسيا على مستويات عدة، ونبرة النقد المرتفعة ضد تركيا في الكونغرس الأميركي، وتهديدات ترامب العلنية السابقة لتركيا وطريقة إدارته العلاقة بين البلدين. كما أن من المبكر الحكم على نتائج زيارة أردوغان البيت الأبيض، على الرغم من حديثه عن الرغبة المشتركة في “فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين”.

المغزى الأعمق للحقائق المتعارضة السابقة أن للعلاقات التركية الأميركية وتيرة خاصة، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهذه العلاقات تمر بتحديات ضخمة، كالتدخل التركي في قبرص، ورفض تركيا استخدام أراضيها في حرب العراق، ولكنها لم تصل إلى حد القطيعة أو العداء. بل استمرت العلاقة بينهما في شد وجذب مستمرّين، فالولايات المتحدة تحتاج تركيا لأسباب استراتيجية، بسبب موقعها الجغرافي وثقلها الاستراتيجيين، وتقاطعها مع مناطق ساخنة عديدة، كالشرق الأوسط والبلقان والجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي، وفي مواجهة روسيا والتمدّد الاقتصادي الصيني أيضا (تركيا محطة أساسية على طريق الحرير الذي تسعى الصين إلى إحيائه مرورا بجنوب أوروبا).

وتركيا كذلك في حاجة لأميركا أيضا لموازنة علاقاتها الأمنية والاستراتيجية بروسيا والصين، وهي التي تملك علاقات اقتصادية رئيسية مع أوروبا. ولذا عارضت ألمانيا العقوبات التي فرضها ترامب على تركيا في عام 2018، فألمانيا والدول الأوروبية لا تريد أن يتأثر الاقتصاد التركي سلبا أو ينهار. كما تعتمد تركيا على إيران وروسيا مصادر للطاقة. وتمر فيها خطوط (نفط وغاز) حالية ومستقبلية تربط مصادر طاقة رئيسية بالشرق الأوسط وروسيا بأوروبا. كما تعتمد تركيا، في نهضتها الاقتصادية، على التجارة والتصنيع بالأساس. فهي لا تمتلك مصادر طاقة ضخمة، كبعض دول الخليج. كل هذه العوامل تجعل من تركيا نقطة تلاقي مصالح دولية كثيرة وضخمة. وتجعل علاقاتها الخارجية تتسم بدرجةٍ عاليةٍ من التعقيد والتشابك والاعتماد المتبادل والتنافسية كذلك.

باختصار، لكي نقيم التحديات الضخمة والعديدة التي تمر بها العلاقات التركية الأميركية حاليا، وتأثيرها بعيد المدى، يجب أن نفهم طبيعة العلاقة بين البلدين. ليست تركيا دولة حليفة لأميركا، على غرار بعض الدول العربية التي تسير في ركب أميركا سياسيا واستراتيجيا على طول الخط، وتحرص على التقرّب من إسرائيل. كما أن تركيا ليس دولة معادية لأميركا كإيران. تركيا دولية حليفة لأميركا. ولكنها حليفة من نوع مختلف.

تركيا قوة إقليمية لها ثقل تاريخي ومكانة إقليمية تجعلها من أقطاب الشرق الأوسط الرئيسية. دولة تمتلك علاقات تاريخية وثقافية عميقة ومتشعبة، تربطها بمسلمي الصين وروسيا والبلقان. كما تنتهج سياسة اقتصادية تقوم على التجارة والتصنيع والانفتاح على الاستثمارات الدولية. وعلاقاتها الاقتصادية الأكبر مع أوروبا وليس مع أميركا. وخلال العقود الأخيرة، طورت سياسة خارجية أكثر استقلالية، ما يرشحها دوما للدخول في خلافاتٍ ساخنة مع القوى الدولية المختلفة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، من دون أن يؤدي ذلك إلى القطيعة أو الصدام المدمر للعلاقات بين الطرفين.

العربي الجديد

———————-

السياسة الكردية على جانبي الحدود/ بكر صدقي

يعقد حزب الشعوب الديمقراطي في تركيا اجتماعاً مصيرياً (الأربعاء 20/11) في العاصمة أنقرة، لاتخاذ قرارات تخص مستقبل مشاركته في الحياة السياسية في تركيا. ويعتبر الحزب نوعاً من واجهة سياسية لحزب العمال الكردستاني الذي تعتبره تركيا ودول غربية عديدة منظمة إرهابية. لكن وقائع السنوات الماضية تشير إلى تناقضات مكتومة بين الجناحين العسكري والسياسي، بسبب انفتاح الأخير على بيئات اجتماعية أوسع من قاعدة نفوذ «الكردستاني» بما في ذلك وجود رمزي لشخصيات ديمقراطية تركية في قيادة الحزب كالنائب سري ثريا أوندر، وسياسة الانفتاح التي أتاحت للحزب نفوذاً خارج القاعدة الاجتماعية الكردية. بالمقابل تسعى قيادة «الكردستاني» المتمركزة في جبال قنديل إلى مواصلة هيمنتها على الجناح السياسي، بل إنها لم تتوان عن نصب أفخاخ له لإعادته إلى بيت الطاعة كلما أحست بنزوعه نحو الاستقلالية. أبرز مثال على ذلك هو حين حقق «الشعوب الديمقراطي» فوزاً انتخابياً كبيراً في انتخابات حزيران/يونيو 2015، مكّنه من دخول البرلمان بأكثر من ثمانين نائباً، وأدى إلى فقدان حزب العدالة والتنمية الغالبية المطلقة في البرلمان. فما كان من حزب العمال الكردستاني إلا أن قام بتبني عملية إرهابية قتل فيها شرطيان، في بلدة سروج، وهما نائمان في فراشهما، الأمر الذي منح الحكومة التركية ذريعة مثالية لشن حرب واسعة على المدن والبلدات الكردية في جنوب شرق الأناضول، دمرت ست مدن وأدت إلى نزوح مئات آلاف المدنيين إلى مناطق أخرى. وسياسياً أدى ذلك إلى إعادة الانتخابات في الأول من شهر تشرين الثاني من العام نفسه حيث تراجع عدد نواب حزب الشعوب في البرلمان واستعاد الحزب الحاكم الغالبية المطلقة.

وفي الانتخابات البلدية التي جرت هذا العام، في 31 آذار/مارس، و23 حزيران/يونيو في إسطنبول، ظهر الخلاف واضحاً بين «الشعوب الديمقراطي» وعبد الله أوجالان هذه المرة، إذ قرر الحزب دعم مرشحي ائتلاف المعارضة حيثما كانت حظوظ مرشحيه الخاصين في الفوز غير مضمونة، في حين دعا أوجالان الناخبين الكرد، من سجنه، إلى الامتناع عن التصويت (في إسطنبول) وهو ما يعني دعماً غير مباشر لمرشح «العدالة والتنمية» بن علي يلدرم.

اجتماع الأربعاء سيناقش تقريراً أعده الحزب حول استمرار السلطة في عمليات عزل رؤساء البلديات من حزب الشعوب الذين فازوا في الانتخابات، واعتقال بعضهم بتهم تتراوح بين «دعم منظمة إرهابية» و«الترويج» لها، فيما يعتبر استخداماً سياسياً للمؤسسة القضائية لضرب إنجازات الحزب في الانتخابات البلدية، إضافة إلى سجن بعض نوابه في البرلمان كالرئيس السابق للحزب صلاح الدين دمرتاش المسجون منذ ثلاث سنوات.

هناك اقتراح ملموس ستتم مناقشته في اجتماع أنقرة هو «العودة إلى الشعب» وهو تعبير سياسي تركي يعني الخروج من المؤسسات السياسية، وفي حالة حزب الشعوب يعني استقالة نواب البرلمان ورؤساء البلديات وأعضاء المجالس البلدية جميعاً، كموقف احتجاجي ضد عمليات العزل والاعتقال التي شملت عدداً كبيراً من كوادر الحزب السياسية (69 عزل، 18 اعتقال). هو ليس تسجيل موقف فقط، بل استراتيجية سياسية للمرحلة المقبلة يأمل الداعون لها أن تؤدي إلى أزمة سياسية وطنية ترغم الحكومة على إجراء انتخابات بلدية جزئية وربما انتخابات عامة للمجلس النيابي بعد أن ينسحب أكثر من ستين نائباً للحزب. حين تنشر هذه المقالة سيكون الحزب قد خرج بقرار سلبي أو إيجابي بهذا الخصوص. بموازاة ذلك، يتلقى الجناح العسكري (العمال الكردستاني) ضربات موجعة سواء داخل الأراضي التركية أو في جبال قنديل التي يستمر الطيران التركي في الهجوم عليها منذ أشهر، بعيداً عن اهتمام وسائل الإعلام. أما على الجانب الآخر من الحدود، أي في شمال سوريا، فقد سيطرت القوات التركية والفصائل السورية التابعة لها على الشريط الحدودي الممتد بين تل أبيض ورأس العين، بعمق 32 كلم وصولاً إلى الطريق الدولي (إم 4)، وانسحبت «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل وحدات حماية الشعب عمودها الفقري أمام الهجوم التركي، بعد اتفاق الأمريكيين والأتراك على ذلك. و«الوحدات» المذكورة هي الجناح العسكري لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» الذي ينتمي إيديولوجياً إلى منظومة الأحزاب الأوجالانية، ويعتبر الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الذي تتدخل قيادته في رسم سياسات الفرع السوري واتخاذ قراراته. ويطلق قادة «الكردستاني» تصريحات إعلامية بشأن ما يحدث في شمال سوريا كما لو كانوا فاعلين مباشرين على الأرض السورية. وفي رسائل عبد الله أوجالان من سجنه كرر أكثر من مرة رغبته في لعب دور سياسي بشأن سوريا، مطالباً الفرع السوري، صراحةً، بأخذ الهواجس الأمنية للدولة التركية بنظر الاعتبار. كان ذلك قبل حدوث الاجتياح التركي الأخير، في شهري أيار وحزيران بمناسبة الانتخابات البلدية التي أدلى بدلوه فيها لمصلحة الحكومة التركية.

بعد سنوات من دعم عسكري وسياسي حظيت به قوات «قسد» من الأمريكيين، جاء الضوء الأخضر من الرئيس ترامب للاجتياح التركي، فوجد الفرع السوري للحزب نفسه على مفترق طرق، دفعه فوراً باتجاه النظام الكيماوي وحليفه الروسي، فكانت مفاوضات قاعدة حميميم التي أدت إلى اتفاق أولي حول تسليم الشريط الحدودي، خارج المنطقة التركية، لقوات النظام، مع بقاء مصير المناطق الداخلية رهن المجهول. ثم جاء القرار الأمريكي المعاكس بالإبقاء على 500 ـ 600 جندي، حسب وزير الدفاع إسبر، لـ«حماية آبار النفط»! مع استمرار التعاون مع «قسد» في تلك المناطق.

الآن الوضع الميداني في منطقة الجزيرة ودير الزور يشهد تداخلات خطرة بين قوات متعددة: النظام وروسيا، تركيا والفصائل التابعة، قوات أمريكية محدودة، وقسد، إضافة إلى بقايا داعش التي تظهر في بعض العمليات النوعية.

يمكن الحديث عن أزمة موضوعية تمر بها «الحركة الأوجالانية» عموماً، تتمثل في خسارة قسد لمنطقة الإدارة الذاتية، واستبعاد جناحها السياسي (مجلس سوريا الديمقراطية) من العملية السياسية التي تقودها روسيا، مع غموض المصير المستقبلي «لقسد» و«مسد» وضمناً «حزب الاتحاد الديمقراطي»، مع تدهور شعبيته بين كرد سوريا بسبب سياسات الحزب التي أدت، في النتيجة، إلى وصول الحروب إلى مناطقهم ونزوح عشرات الآلاف منهم. وخسائر عسكرية للـ»كردستاني» في تركيا وجبال قنديل، وخسائر سياسية لجناحه السياسي في تركيا. لم نسمع أي مراجعة لسياسات الحزب أمام هذه الأزمة العامة. بل استمرار في المكابرة.

كاتب سوري

—————————————

نفط الشمال السوري.. حصان طروادة/ آلان حسن

تروي الأسطورة أن الإغريق، بعد حصارهم طروادة عشر سنوات، ابتدعوا حيلة جديدة، هي حصانٍ خشبيٍ ضخم أجوف مليء بالمحاربين، أما باقي الجيش فكان مختبئاً في مكان قريب، وقبل الطرواديون الحصان أنه عرض سلام. وفي ذروة احتفالهم برفع الحصار، وفي حالٍ من السكر، خرج الإغريق من الحصان داخل المدينة، ففتح المحاربون الإغريق بوابات المدينة للسماح لباقي الجيش بدخولها، فنهبت المدينة بلا رحمة، وقتل كل الرجال، وأخذ كل النساء والأطفال عبيدا.

وفي حالة شمال شرق سورية، ثمّة ما يشبه تلك الحادثة، فالمنطقة التي مرّت بمخاضاتٍ عسيرة، بدءاً من تحالف حزب الاتحاد الديمقراطي، وجناحه العسكري وحدات حماية الشعب، مع الحكومة السورية مطلع الحرب السورية عام 2011، بغية ملء الفراغ الذي خلفه انسحاب الحكومة السورية من هذه المنطقة، والتركيز على مناطق الاحتجاج الرئيسية في حمص وإدلب ودرعا وباقي المدن السورية التي شهدت اشتباكاتٍ عنيفةً مع الجيش السوري، مروراً بالتحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، حيث الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عقب سيطرة التنظيم على مساحات واسعة من سورية والعراق، وسارت معادلة العلاقة الكُردية مع دمشق وفق قاعدة التناسب العكسي مع العلاقة بواشنطن، حتى وصلت، في بعض المراحل، إلى الصدام العسكري بين الجانبين، كما في اشتباكات القامشلي أواخر العام 2018 وكذلك في الحسكة عام 2016.

راهن كُرد سورية على الولايات المتحدة إلى درجة أن واشنطن أصبحت الحليف الأوحد لحزب الاتحاد الديمقراطي، فالعلاقة مع تركيا هي في أسوأ أحوالها، وكذلك فإن العلاقة مع إقليم كُردستان العراق هي في أدنى مستوياتها، ناهيك عن التوتر في العلاقة مع دمشق، فضلاً عن العلاقة السيئة مع المعارضة السورية.

هذه الأسباب مجتمعة جعلت وضع المنطقة على صفيح ساخن، كلما هددت تركيا باجتياحها، وهي

“لم يبحث الأكراد عن حلول أكثر عملانية من الرهان على الموقف الأميركي المتذبذب”

التي ما انفكّت تطلق عمليات عسكرية بمساندة فصائل سورية موالية لها، بدأتها بـ “درع الفرات” أواخر العام 2016، وسيطرت بموجبها على مدن جرابلس والباب وإعزاز، والثانية باسم “غصن الزيتون”، وسيطرت من خلالها على منطقة عفرين، ثالث أضلاع الفيدرالية الكُردية الموءودة عند ولادتها ربيع العام 2016، وكانت آخرها عملية “نبع السلام”، وأنشأت من خلالها “منطقة آمنة” ممتدة بين مدينتي تل أبيض ورأس العين، وتسعى من خلالها إلى القضاء نهائيا على الإدارة الذاتية المعلنة منذ مطلع العام 2014.

كان موقف الولايات المتحدة مريباً على الدوام، فقد كانت ترسل باستمرار ضباطاً من أرفع المستويات للقاء السياسيين والعسكريين الكُرد، وتقدّم كل أشكال الدعم العسكري لقوات سورية الديمقراطية (قسد)، من دون أن يرافقه أي دعم سياسي للإدارة الذاتية، لكن ذلك لم يضعف من المراهنة الكُردية على تغير في الموقف الأميركي، على الرغم من وضوحه؛ فالرئيس ترامب أعلن في ربيع العام 2018 أنه ينوي سحب قواته من سورية لغياب أي أهمية استراتيجية لها في الميزان الأميركي، وهذا ما حدا بمجلس سورية الديمقراطية (مسد) إلى الإسراع بعقد جولة مفاوضات وصفت بالناجحة مع الحكومة السورية، ولكن التراجع الأميركي عن الانسحاب السريع حينها جعل الموقف الكُردي أكثر تشدّداً، بالإضافة إلى التصلب الحكومي السوري المعتاد منذ عقود تجاه الحقوق الكُردية.

كان الإعلان الأميركي الثاني عن الانسحاب في أواخر العام 2018 وتبعته سلسلة استقالات لكبار ضباط الجيش الأميركي. ولكن الرهان الكُردي بقي على حاله، فلم يبحثوا حينها عن أي طريقة للخروج من العباءة الأميركية، والبحث عن حلول أكثر عملانية مقابل الرهان على الموقف الأميركي المتذبذب، وأعطى التأجيل الأميركي للانسحاب السريع حينها دفعاً أكبر لرؤية بعض الساسة الكُرد بأن الولايات المتحدة ستبقى إلى أمد طويل في المنطقة، ودعم مشروع سياسي لا مركزي في منطقة شرق الفرات.

كان موقف واشنطن ما قبل عملية “نبع السلام” هو الأكثر ريبة، فقد رعت اتفاقاً بين تركيا وقوات سورية الديمقراطية قضى بانسحاب قوات الأخيرة مسافة بين 5 و14 كلم من

“الرهان على واشنطن ينبئ بمخاطر جمة لا يفيد فيها البكاء على مجد الأندلس الزائل”

المنطقة الممتدة بين تل أبيض ورأس العين، وتسيير دوريات أميركية تركية مشتركة مقابل نزع فتيل التوتر الكُردي التركي. ولكن وبعد تسيير دوريتين وقع المحظور، عبر سماح الولايات المتحدة لحليفتها الأطلسية بشن عملية عسكريةٍ امتدت، في مرحلتها الأولية، إلى تلك المنطقة الآمنة، وأنذرت بتوسيعها لتشمل كامل منطقة النفوذ الأميركي في شرق الفرات، ولكن الغريب أن الرهان الكُردي بقي كذلك على الموقف الأميركي، وليس أدل على ذلك من الزيارة طويلة الأمد لرئيسة الهيئة التنفيذية لمجلس سورية الديمقراطية إلى واشنطن، بغية التأثير على الموقف الأميركي، وكذلك المواقف المعلنة من “قسد” و”مسد” بطلب بقاء القوات الأميركية لتحقيق التوازن مقابل النفوذ الروسي، وكذلك عدم السعي الجدي إلى إقامة حوار مع الحكومة السورية، على الرغم من المواقف الروسية الداعية إلى رعاية مفاوضات بين الطرفين، وبضمانة من موسكو.

الموقف الأميركي الأخير بإبقاء حوالى 600 من عسكرييها في المناطق القريبة من حقول النفط السوري هو الأغرب، والأغرب منه تأييد هذه الخطوة التي تنذر بمخاطر كبيرة أبسطها أن البقاء الأميركي هذا غير المستند إلى أي أرضية قانونية دولية يعني ما يعنيه أن واشنطن تسعى إلى مقايضة وجودها مقابل ملفات قد يكون تحجيم الدور الإيراني في سورية أولها، وكذلك فرض شركات نفط أميركية لاستخراج النفط السورية، وربما، بدرجة أقل، مساهمة بعض الشركات الأميركية لإعادة إعمار سورية.

في كل الأحوال، يبدو قرار البقاء الأميركي هذا بمثابة حصان طروادة الذي من شأنه أن يقضي بشكل كامل على أي فرصةٍ للتسوية المرتقبة لقضية شرق الفرات، ذات التعقيدات العرقية، وفي مقدمها القضية الكُردية السورية. وعليه، ينبئ الرهان عليها بمخاطر جمّة، لا يفيد فيها البكاء على مجد الأندلس الزائل.

العربي الجديد

——————————

الدم الكردي والعيران التركي/ هوشنك أوسي

ما هو السبب الذي يبقي أوروبا مكبّلة الأيدي أمام الانتهاكات، التي ترتكبها أنقرة بحق الشعوب التي تعيش في الأناضول؟ وما هي مسؤولية القيادات الكردية، الموالية والمعارضة لـحزب العمال الكردستاني، عن تبدّد حلم الأكراد بالإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا؟ هذه الأسئلة يناقشها المحلل السياسي هوشنك أوسي في مقاله لموقع قنطرة.

فشلت ألمانيا ومعها الدول الأوروبيّة في إدماج ملايين الأتراك في مجتمعاتها، وفشلت في إيقاف التدخّل التركي في الشؤون الداخليّة الأوروبيّة، عبر تحريك الكتل البشريّة التركيّة في أوروبا لصالح تركيا وسياساتها، وضد قيم وقوانين الدول الأوروبيّة.

ويبدو أن سِحر “العيران التركي”، الذي يجتاح أوروبا، يفوق سحر النفط والغاز الخليجي! وأن حجم الصادرات التركيّة من الشاورما والعيران إلى أوروبا، يجعلها لا ترى حجم الأزمات السياسيّة والبشريّة التي تصدّرها تركيا إلى الاتحاد الأوروبي والعالم! وإلاّ، ما هو السبب الذي يبقي أوروبا والعالم مكبّل الأيدي أمام كل ما يفعله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من غطرسة وطغيان في تركيا والشرق الأوسط والعالم!؟

لا يعطي التاريخي التركي مثالاً واحداً يقول: إن الأتراك تدخّلوا لحلّ أزمة أو مشكلة أو صراع إقليمي أو دولي، ونجحوا في ذلك. وما يفعلونه الآن في سوريا، هو احتلال كامل الأوصاف والأركان، طبقاً لتوصيف القانون الدولي لطبيعة وماهية الاحتلال.

والهجوم التركي على المناطق الكرديّة أو ذات الغالبيّة الكرديّة في سوريا، شرق الفرات، بحجّة “مكافحة الإرهاب” و”نشر السلام” و”إعادة اللاجئين السوريين إلى ديارهم” والذي بدأ يوم 9/10/2019، لم يكن له أن يكون إلاّ بضوء أخضر من واشنطن وموسكو وطهران ودمشق.

ما هو السبب الذي يبقي أوروبا مكبّلة الأيدي أمام الغطرسة التركية؟

ورفض الكونغرس قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب القوات الأمريكيّة من تلك المناطق، كان لذرّ الرماد في الأعين وحفظ ماء الوجه الأمريكي الملطخ بالدم الكردي.

وعليه، المجتمع الدولي وقرارات الأمم المتحدة والمواقف الأوروبيّة، عجزت عن إخراج تركيا من شمال قبرص، منذ 1974 وحتّى اللحظة، فهل توجد ضمانات ألاّ تكرر تركيا سيناريو شمال قبرص في شمال سوريا؟

تبدّد حلم الأكراد بالإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا بعد توقيع أنقرة وموسكو مساء الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 اتفاقاً يتيح للطرفين فرض السيطرة على مناطق قريبة من الحدود مع تركيا، وينص على ضمان انسحاب القوات الكردية منها.

تبدّد حلم الأكراد بالإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا بعد توقيع أنقرة وموسكو مساء الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 اتفاقاً يتيح للطرفين فرض السيطرة على مناطق قريبة من الحدود مع تركيا، وينص على ضمان انسحاب القوات الكردية منها.

أبعد من ذلك، لا يوجد ضمانات ألاّ يتكرر سيناريو منطقة الاسكندرون السوريّة، التي ضمّتها تركيا إلى حدودها سنة 1939، وصادق رئيس النظام السوري السابق حافظ الأسد على ذلك الضمّ، واعتبر تلك المنطقة جزء من الأراضي التركيّة في اتفاقية أضنة التي وقّعها مع الأتراك في أكتوبر 1998.

وبالتالي، تركيا كانت دولة احتلال لجزء من الأراضي السوريّة منذ 1939، وجددت احتلالها سنة 2018، باحتلال عفرين، ثم وسّعت هذا الاحتلال بغزو شرق الفرات، شمال سوريا.

وشأن تركيا في هذا السلوك، شأن الاحتلال الروسي والإيراني والاسرائيلي للأراضي السوريّة. وبل تركيا تحتل أضعاف ما تحتله إسرائيل (الجولان) من الأراضي السوريّة.

المزيد: هل تبدّد حلم الأكراد بالحكم الذاتي بعد دعوتهم النظام السوري للتدخل؟

مشاهد قطع الرؤوس وقتل المدنيين الكرد بنيران الجيش التركي والميليشيات الإسلاميّة السوريّة المتطرّفة الموالية لتركيا، ونزوح عشرات الآلاف من قراهم ومدنهم، كل ذلك، لم يدفع الغرب نحو التحرّك العاجل لمنع تفاقم الكارثة الإنسانيّة اللاحقة بكرد سوريا! بل كافأ الغرب تركيا بمنحها مساحات كبيرة من الأراضي السوريّة، باسم المنطقة العازلة أو الآمنة!

والأكثر غرابة من ذلك، إعلان بعض الدول الغربيّة ومنها ألمانيا، وقف تزويد تركيا بالأسلحة، لكنها لا تتدخّل لمنع هذه الحرب القذرة التي تشنّها الحكومة التركيّة على الكرد، بأسلحة ألمانيّة وأمريكيّة وأوروبيّة، وكأنّ تجميد بيع السلاح لتركيا، سيجبر أردوغان على وقف الحرب فوراً!؟

مسؤولية القادة الأكراد

الجانب الكردي أيضاً، الموالي والمعارض لـحزب العمال الكردستاني يتحمّلان جانباً كبيراً من المسؤوليّة. حزب العمال الكردستاني (PKK) ورديفه السوري؛ حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) انفردا بالقرار، ومارسا خلال سيطرتهما على المنطقة، مستفيدين من الثورة على نظام الأسد، سلوكاً وسياسات استبداديّة وعسكريتاريّة ضد المختلفين معه.

والمجلس الوطني الكردي، بقي ضمن “الائتلاف السوري” الذي يدعم احتلال الجيش التركي لشمال سوريا. زد على ذلك، نقل ـحزب العمال الكردستاني ساحة صراعه مع تركيا إلى داخل الأراضي السوريّة، وهذا ما كانت تريده أنقرة. ذلك أن الأخيرة تقاتل بجماعات مرتزقة إسلاميّة سوريّة، وهؤلاء في الخطوط الأماميّة للحرب، وإذا قتل جندي تركي، يُقتل من تلك الميليشيات العشرات!

رهانات حزب لحزب العمال الكردستاني على نظام السوري تارةً، وعلى الروس تارةً أخرى، وعلى الأمريكيين تارةً ثالثة، كلها كانت خاسرة، ودفع ثمنها الكرد السوريون غاليّاً. كذلك الدوغما الحزبيّة والمصالح الضيّقة لدىـحزب العمال الكردستاني وسياساته الاستعراضيّة والاستفزازيّة في يما يتعلّق بالولاء لـه أيضاً، قدّم المزيد من المبررات للجانب التركي، وأظهر أنقرة أمام الناتو والغرب بمظهر الضحيّة المعتدى على أمنه واستقراره!

نكسات تاريخية قوضت حلم قيام دولة كردية – أكراد سوريا وتركيا والعراق وإيران

معاهدة سيفر: بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، جاءت معاهدة سيفر عام 1920 لتمنح الأكراد الأمل في إنشاء دولة مستقلة لهم. غير أن رفض حكومة أتاتورك الاعتراف بالمعاهدة جاء بمعاهدة جديدة، وهي معاهدة لوزان، التي غيرت موازين القوى لصالح تركيا وأجهضت حلم تأسيس الدولة الكردية المستقلة.

المشكلة الكرديّة مشكلة أوروبيّة غربيّة في الأساس

الحّ أن المشكلة الكرديّة، في الأساس، هي مشكلة أوروبيّة غربيّة. فأثناء التوقيع على اتفاقيّة “سايكس-بيكو” سنة 1916، والتي بناء على تقسيماتها تشكّلت أغلب بلدان الشرق الأوسط، تمّ توزيع الجغرافيا الطبيعيّة والبشريّة الكرديّة على أربع دول؛ تركيا، سوريا، العراق وإيران.

وأمام أنظار وصمت فرنسا وبريطانيا العظمى وبقية دول الغرب، أبادت تركيا العثمانيّة أكثر من 1،5 مليون أرمني، وهجّرت مئات الألوف منهم. حاول الغرب تدارك الأمر، عبر إجبار المتبقي من السلطنة على التوقيع على اتفاقية “سيفر – Sèvres” سنة 1920، وبموجبها كان يفترض ان تمنح المناطق الأرمنيّة والكرديّة في تركيا الاستقلال الذاتي.

لكن مع إطاحة مصطفى كمال أتاتورك بالسلطنة نهائيّاً، وإعلان تأسيس الجمهوريّة التركيّة وأنه سيمنح الشعوب والأقليّات القوميّة حقوقها، وسيبني جمهوريّة علمانيّة على الطراز الفرنسي، بكل تلك الوعود والأكاذيب، نجح في إبطال معاهدة “سيفر” واستبدالها باتفاقيّة “لوزان” سنة 1923.

وعليه، اختتمت السلطنة العثمانيّة حكمها بمذابح بحق الأرمن والأكراد والسريان واليونانيين، وافتتح أتاتورك عهد الجمهوريّة التركيّة بمذابح بحق الكرد، عبر سحق الانتفاضات الكرديّة الواحدة تلو الأخرى. وحاول أتاتورك ضرب الضحايا بعضهم ببعض؛ إذ قصفت ابنته بالتبنّي؛ صبيحة غوكتشان (Sabiha Gökçen) مدينة ديرسم الكرديّة العلويّة بالقنابل سنة 1938.

وللعلم؛ غوكتشان؛ أرمنيّة الأصل، أخذها أتاتورك من ملجأ الأيتام، وتبّناها، إلى أن أصبحت أول قائدة طائرة حربيّة في تركيا، بحسب الكاتب الأرمني هرانت دينك الذي قتله المتطرفون الاتراك سنة 2007! لذا، يمكنني القول: وعلى ما يبدو استمّد هتلر الجرأة في ارتكاب الهولوكست من صمت العالم على المذابح التي ارتكبتها تركيا العثمانيّة وتركيا الاتاتوركيّة بحق الأرمن والكرد والسريان.

قبل جلاء الانتداب الفرنسي (1920-1946) عن سوريا بسبع سنوات، دخلت تركيا الأتاتوركيّة على خطّ المسألة السوريّة. فبعد احتلال فرنسا سوريا، وعلى خلفيّة قرار التقسيم الفرنسي، تمّ اعتبار منطقة الأسكندرون دولة مستقلة. ثم أعيدت إلى الدولة السورية عام 1926.

وسنة 1938، منحت فرنسا حكماً ذاتياً للاسكندرون، في إطار الدولة السورية. وسنة 1939 انسحبت فرنسا نهائيّاً من الاسكندرون، ووافقت على دخول الجيش التركي إليها، وضمّها إلى الأراضي التركيّة، وتغيير اسم الاسكندرون إلى “هاتاي”. وهذه كانت المكافأة الثانيّة التي منحتها أوروبا إلى تركيا بعد ارتكابها مذابح الأرمن (1915-1917)، ومذابح بحق الكرد عقب سحق انتفاضة الشيخ سعيد بيران سنة 1925، وانتفاضة الجنرال إحسان نوري باشا سنة 1930 في جبل آغري، وانتفاضة الكرد العلويين في منطقة ديرسم سنة 1938.

مقصد القول: ما فعلته فرنسا سنة 1939، فعلته أمريكا سنة 2019 في المناطق الكرديّة السوريّة.

حتى الآن، يبدو أن الرئيس التركي أردوغان نجح في تحقيق أهدافه. وأبرزها إضافة المزيد من الأراضي السوريّة إلى المساحة التي يحتلّها في سوريا، وشراء صمت الغرب، عبر التهديد بورقة فتح الأبواب أمام اللاجئين.

وإذا استتبّت الأوضاع لأردوغان في شمال سوريا، كما استتبّت له في شمال قبرص، فإنه يستحيل إعادة الجيش التركي إلى ما وراء الحدود، من حيث أتى. ولا توجد ضمانات دوليّة على عدم محاولة إعادة تدوير وإنتاج “داعش” مجدداً، فضلاً عن مخاوف ارتكاب عمليات تطهير عرقي شرق  الفرات.

بالنتيجة؛ يبدو أن “العيران” التركي، ما زال له سحرهُ ووزنه الذي يغلب الدم الكردي، في ميزان المصالح الغربيّة والأوروبيّة مع تركيا!

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

هوشنك أوسي، شاعر وكاتب وصحافي كردي سوري.

————————–

نيوزويك: تحركات ترامب بسوريا تؤكد الهدف الحقيقي لواشنطن.. الغزو والاحتلال للسيطرة على الموارد الطبيعية

رائد صالحة

أكد الكاتبان توم اوكونر وجيمس لابورتا في تقرير نشرته مجلة “نيوزويك” أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحفاظ على الوجود العسكري في حقول النفط السورية لا تتفق مع أهداف مهمة الولايات المتحدة المعلنة في البلاد، وتشبه بدلا من ذلك، ما اتهمه النقاد منذ فترة طويلة، وهو أن واشنطن تقوم بالغزو والاحتلال من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية.

وقال الكاتبان إن ترامب، وبعد مرور عامين ونصف تقريباً على رئاسته، قد حقق أخيراً رغبته المعلنة في سحب القوات من معظم شمال سوريا، ولكنه في نفس الوقت، كان يخطط لشئ آخر، البقاء فقط من أجل النفط.

ترامب، أعلن بنفسه أن تنظيم”الدولة” تعرض لهزيمة كاملة، وأشاد بفوزه على الجهاديين إلى جانب استقلال الولايات المتحدة كدافع للانفصال عن النزاعات المكلفة ذات النهايات المفتوحة في الشرق الأوسط، ورغم ذلك، فإنه يعطي الاولوية لحقول النفط في وقت لا تعد فيه الامدادات الدولية من النفط للولايات المتحدة أقل مما كانت عليه منذ أوائل سبعينات القرن الماضي.

برهن التاريخ أن جميع التدخلات الأمريكية في الآونة الأخيرة أدت فقط إلى كارثة، ولم ينتج عن التدخل أي ديمقراطية جديدة ولا ازدهار، انما المزيد من العنف واللاجئين والضحايا، كما قال ايفغيني بوزينسكي، رئيس مركز التدخل السريع، لمجلة “نيوزوويك”، واضاف أن التدخل الأمريكي في سوريا والعراق وليبيا هو دليل على ذلك.

وسخر ايفغيني من وقوف الولايات المتحدة أمام العالم بمظهر المدافع الرئيسي عن القانون الدولي، وقال إن الوجود العسكري الأمريكي في سوريا يعارض أي قواعد وضد أي قانون دولي.

وكرر ايفغيني ما قاله ترامب بإنه يحب النفط وأنه سيحمي حقول النفط، وأضح أن الحقول تنتمي بشكل قانوني للحكومة السورية، وهذا يعني أن ما تقوم به أمريكا لا علاقة بالقانون الدولي.

القدس العربي

—————————

هل كان التدخل التركي لصالح الثورة السورية؟/ خديجة جعفر

لم يكن التدخل التركي في الحرب المشتعلة في سورية لصالح الثورة. هذه هي الإجابة المباشرة لهذا السؤال. بل كان التدخّل لأجل مصالح الدولة التركية. بدايةً، يصعب التصديق ونحن نعيش في عصر “الدولة القومية” أن تتدخّل دولةٌ ما في أراضي دولةٍ أخرى لدوافع وأسباب بخلاف مصالحها القومية، سواء البعيدة منها أو القريبة. وحتّى وإن كان هذا التدخّل يتحقّق منه مناصرة شعب يُقتّل في إبادة جماعية لم توقفها أي قوة كبرى على مرأى العالم. حدث هذا في الحالة التركية بلا شك.

بدأ التدخل التركي العسكري في المناطق السورية عقب التمدد الكردي في منطقة غرب الفرات، بعد أن شكّلت الولايات المتحدة بالتعاون مع الأكراد تنظيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المنبثق عن “قوات حماية الشعب الكردية” في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2015، وذلك لأجل محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في المناطق التي سيطر عليها بعد إعلان دولته المزعومة عام 2014.

كانت معادلة الحرب المشتركة مفيدة للطرفين، الأميركي والكردي، على السواء؛ إذ هدفت الولايات المتحدة إلى القضاء على “الدولة” التي شكلها تنظيم الدولة الإسلامية، وهَدَفت القوى الكردية إلى الاستيلاء على أراضي شرق الفرات الكاسحة لوصلها بكردستان العراق، تمهيدًا لإنشاء دولتهم القومية التي يطمحون للإعلان عنها. كانت هذه هي الفرصة التاريخية الذهبية التي جاءت للأكراد على طبقٍ من ذهب. ففي واقع الأمر، كان الوجود الكردي قبل الحرب السورية متركزًا في أربعة جيوب شمالية على الحدود التركية السورية، ولم يكن لهم وجود متركز في منطقة شرق الفرات سوى بنسبة 10% – 20 % حسب بعض التقديرات، في حين كان العرب المكون الأعم الذي يصل إلى 75%. أمّا غير العرب وغير الأكراد من القوميات الأخرى، فكانت نسبتهم أقلّ من 10%. إذن، النتيجة المباشرة لحرب التحالف الدولي على تنظيم الدولة الإسلامية كانت ترك الأكراد يستولون على أراضي شرق الفرات الشاسعة، التي كان أوّل من أخرجها من سيطرة الأسد هم الفصائل السورية الثورية عام 2012. فاستولى الأكراد إذن على الجيوب الكردية الشمالية، ثم على المناطق التي فيها وجود كردي ضعيف، ثمّ استولوا على مناطق ليس فيها أكراد مطلقًا.

التمدد الكردي بتسهيل أميركي لم يكن يتوافق مع مصالح تركيا مطلقًا. إذ تخشى تركيا من تعاون حزب العمال التركي الكردي مع حزبه المنبثق عنه: الاتحاد الديقراطي في سورية الذي انبثقت عنه قوات حماية الشعب، والذي انبثق عنه “قسد”. وتخشى تركيا أيضاً من النزعات الانفصالية لحزب العمال الكردستاني. ولذا، ما إن استولت “قسد” على مناطق شمال وشرق سورية مكافأة لها على حربه البرية ضد “داعش” حتّى قرّرت تركيا تحجيم وجود “قسد” في الشمال السوري على حدودها الجنوبية، تجنبًا لالتحام كردي بين أكراد جنوب تركيا وأكراد شمال سورية. لهذا، شنّ الجيش التركي حربًا برية بالتعاون مع فصائل ثورية سورية في عملية درع الفرات التي بدأت في أغسطس/ آب 2016 وانتهت في مارس/آذار 2017 ورأت تركيا أنّها أولى بقتال تنظيم الدولة الإسلامية، ما دام قتاله والانتصار عليه سيؤدي إلى استحقاق المناطق التي كان يسيطر عليها. انتهت عملية “درع الفرات” بالقضاء على تنظيم داعش في ريف حلب، وزعزعة حلم “روجافا”، أي الدولة الكردية السورية بوصل عين العرب بعفرين. ونتيجة ذلك، أضحى الشريط الحدودي ملاذًا آمنًا لآلاف المدنيين السوريين النّازحين.

انتهت عملية “درع الفرات” بتحقيق هذه الأهداف الثلاثة، وظلّت نقاط الحماية التركية في المناطق التي تهمّها لتمنع استيلاء الأكراد مجدّدًا على الشمال السوري غرب الفرات. ولكن في الحقيقة لم يتحقق هدف إنهاء “روجافا” تمامًا وظلّت تركيا تمارس عملها التفاوضي والدبلوماسي مع روسيا وإيران والولايات المتحدة بشأن مصالحها وأمنها المهدّدين بسبب أكراد سورية، حتّى حانت ساعة الحسم التي ارتأتها لبدء عملية جديدة تنهي حلم “روجافا” تمامًا، وهي عملية “نبع السلام” التي بدأت في التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ثمّ عُلّقت في الثاني والعشرين من نفس الشهر بعد التوصل لاتفاق مع روسيا والولايات المتحدة.

استطاعت تركيا تطويع فصائل ثورية سوريّة للحرب معها في “درع الفرات” في عامي 2016 – 2017 ثمّ الحرب معها ثانية هذا العام في عملية “نبع السلام”. تمامًا كما فعلت الولايات المتحدة، حين أنشأت تنظيم “قسد” خصيصًا لخوض الحرب البرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وفي حين كان الاستيلاء على “الأرض” مكافأة الأكراد، كان توفير منطقة آمنة للسوريين اللاجئين في تركيا أو السوريين الفارّين من القصف الروسي في إدلب مكافأة الفصائل الثورية السورية على حربها مع الأتراك. لم يكن التدخل التركي لصالح الثورة السورية إذن، ولم يستفد السوريون سوى من شريط حدودي شمالي يقيمون فيه آمنين من القصف الروسي. وهذا ليس مفاجأة، فالتدخل التركي كان فصلاً من فصول الصراع الكردي ــ التركي طويل الأمد، وهو التدخل الذي تمليه ضرورات مصالح “الدولة القومية” التي تدافع عن مصالحها وفقط.

————————-

عين عيسى: اشتباك بين “قسد” والنظام؟

أعادت قوات النظام انتشارها في بلدة عين عيسى شمالي الرقة، بعد اشتباك مسلح مع “قوات سوريا الديمقراطية”، بحسب مراسل “المدن” عبدالكريم الرجا.

وقالت مصادر “المدن”، إن قوات النظام تمركزت في “اللواء 93″، وانسحبت من بعض الحواجز في محيط عين عيسى، بعد اشتباكات مع “قسد”، يبدو أن التراجع الأميركي عن الإنسحاب قد تسبب بها. واستخدمت في الاشتباكات الرشاشات الثقيلة، واستمرت طيلة ليل الجمعة/السبت.

وكانت قوات النظام دخلت بلدة عين عيسى، منتصف تشرين الأول، عقب اتفاق مع “قسد” لمواجهة فصائل “الجيش الوطني” والقوات التركية، إثر انسحاب القوات الأميركية من البلدة. وكان يفترض أن تنشر قوات النظام حواجزها في محيط عين عيسى، وأن تسير دوريات مع “قسد” على الطريق الدولي M4، لكنها عادت وتجمعت في “اللواء 93”.

وانشأت القوات الأميركية في عين عيسى قاعدة عسكرية في العام 2016، إبان حربها على تنظيم “الدولة الإسلامية”، قبل أن تنسحب منها في 13 تشرين الأول، بعد إطلاق تركيا عملية “نبع السلام” ضد “قوات سوريا الديموقراطية”. وظلت بلدة عين عيسى تعتبر عاصمة “الإدارة الذاتية” الكردية، إلى أن اقتربت منها قوات “الجيش الوطني” وباتت على أطرافها الشمالية.

وأضافت مصادر “المدن”، أن أربع شاحنات تحمل ذخائر واسلحة دخلت إلى “اللواء 93″، قادمة من مناطق سيطرة النظام عبر مدينة الطبقة الخاضعة لسيطرة “قسد” غربي الرقة.

ويعتبر دخول قوات النظام إلى بلدة عين عيسى هو الأول منذ سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” عليها في العام 2014 التي هزمت قوات النظام في “اللواء 93”. وكان النظام قد أقام “اللواء 93″، بعيد انسحاب قواته من لبنان في عام 2005.

وفي السياق ذاته، قصفت القوات التركية بالمدفعية الثقيلة مواقع لـ”قسد” قرب قرية خربة الفرس غربي مدينة تل أبيض بأربع قذائف، بعد محاولة تسلل للأخيرة إلى مواقع “الجيش الوطني”.

——————————-

السبب الحقيقي لسيطرة أميركا على النفط السوري/ روبرت فورد

قضيت خمس سنوات بالعراق أثناءَ الحرب الأميركية هناك. ويعتقدُ كثير من المحللين اليساريين أن الأميركيين دمروا نظام صدام حسين من أجل النفط، إلَّا أنني أعلم من خلال تجربتي المباشرة أن النفط لم يكن السبب. ومع ذلك، فإنه في عام 2019 يظهر النفط باعتباره السبب وراء استمرار الأميركيين داخل سوريا. ويبدو القرار الأميركي غريباً بالنظر إلى أن الحقول النفطية الواقعة شرق سوريا تعتبر صغيرة نسبياً، بجانب أن النفط السوري عالي الكبريت لا يجذب سوى سعر زهيد في السوق العالمية. ويدور التبرير الأميركي حول فكرة أن واشنطن ترغب في حماية الحقول النفطية من السقوط في يد تنظيم «داعش».

ومع ذلك، نجد أن هناك وحدات مدرعة داخل القوات الأميركية لم نعاينْها من قبل قط داخل سوريا، وهناك أيضاً وحدات مدفعية. والطبيعي أن الوحدات المدرعة ووحدات المدفعية لا تشكلان الأسلحة المثلى في مواجهة عناصر عصابات مسلحة مثل «داعش». بدلاً عن ذلك، يجري استخدام الوحدات المدرعة والمدفعية ضد جيش آخر. وبالفعل نجد أن وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر صرح في 28 أكتوبر (تشرين الأول)، بأن المهمة الأميركية لا تسعى لحماية الحقول النفطية من السقوط في أيدي «داعش» فحسب، وإنما كذلك الحيلولة دون وقوعها في أيدي الجيش السوري وحلفائه الروس.

ولا يعتبر هذا أمراً جديداً تماماً، إذ إنه في فبراير (شباط) 2018، دمرت القوات الجوية الأميركية قافلة تابعة للحكومة السورية تضم جنوداً سوريين ومرتزقة روساً حاولوا السيطرة على مصنع «كونوكو» للغاز قرب دير الزور. وجدير بالذكر هنا أن شركة «فاغنر» الروسية التي يعد مالكها من حلفاء الكرملين، لديها تعاقد مع الحكومة السورية لإعادة بناء حقول النفط، ومن المفترض أن تحصل «فاغنر» على حصة بقيمة 25 في المائة من الإنتاج.

من جهتهم، يبدو الأميركيون عاقدي العزم على الحصول على تنازلات سياسية من الحكومة السورية، عبر إعاقة سيطرة الحكومة على عائدات النفط. ويعتقد مسؤولون أميركيون وكثير من الخبراء أن هذه الضغوط ستجبر الأسد على تقديم تنازلات سياسية كبرى، إما في إطار المفاوضات الدائرة تحت رعاية الأمم المتحدة حول الدستور السوري، وإما في صورة تنازلات للأكراد السوريين حول السماح لهم ببناء منطقة حكم ذاتي.

في الوقت ذاته، ستوفر السيطرة الأميركية على حقول النفط أموالاً لـ«قوات سوريا الديمقراطية» كي تتمكن من دفع رواتب جنودها، وإعالة مراكز الاحتجاز التي يوجد بها آلاف من سجناء «داعش» وأسرهم. من ناحيته، لا يرغب الرئيس دونالد ترمب في تحمل تكاليف الحرب في شرق سوريا، ولا يرغب العسكريون والدبلوماسيون الأميركيون في الرحيل عن سوريا. وخلصوا في النهاية إلى إبقاء واشنطن سيطرتها على الحقول النفطية، بحيث لا تضطر إلى تحمل تكاليف «قوات سوريا الديمقراطية» بنفسها. بذلك، يتضح أن العائدات النفطية لن تذهب إلى خزينة واشنطن، وإنما إلى مظلوم عبدي ومقاتلي «قوات سوريا الديمقراطية» التابعين له، والذين تقودهم «وحدات حماية الشعب» الكردية السورية.

والآن، من أعطى الأميركيين حق اتخاذ هذا القرار بخصوص النفط السوري؟ تبعاً لما ينص عليه القانون الدولي، فإن السيادة تمتد إلى الموارد الطبيعية للبلاد. وعليه، فإن دمشق، وليست واشنطن، هي صاحبة القرار القانوني في هذا الشأن.

في الوقت ذاته، تسوق إدارة ترمب مبرراً قانونياً في ظل القانون الأميركي قابلاً للمناقشة. كانت القوات الأميركية قد دخلت سوريا في ظل قرار من الكونغرس بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) يسمح باتخاذ عمل عسكري ضد تنظيم «القاعدة»، وقال الرئيس السابق باراك أوباما إن «القاعدة» تمخضت عن «داعش». وسيكون من الصعب على إدارة ترمب استغلال قرار من الكونغرس بخصوص «القاعدة» لتبرير حماية الحقول النفطية من سيطرة القوات السورية والروسية. وإذا كان المبرر القانوني قابلاً للنقاش، فإن الجانب السياسي يبدو أكثر وضوحاً.

المعروف أن «قوات سوريا الديمقراطية» والأكراد السوريين يحظون بدعم قوي داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري. وقليل من أعضاء الكونغرس قد يشكو من سيطرة إدارة ترمب على الحقول النفطية من أجل صالح الأكراد و«قوات سوريا الديمقراطية». ولن يتغير هذا الدعم من جانب الكونغرس للسياسة الأميركية الجديدة في شرق سوريا، إلا إذا سقط عدد لافت من الضحايا الأميركيين في خضم العملية العسكرية الجديدة. جدير بالذكر أنه منذ عام 2014 حتى الآن، سقط ثمانية جنود وموظفين أميركيين فقط قتلى في شرق سوريا، بالتالي فإن الشعب الأميركي لا يعير الحرب اهتماماً، ومن الممكن أن يستمر دور القوات الأميركية فيها.

وتعتمد هذه الخطة الأميركية على الحكومة السورية، وحلفائها الروس والإيرانيين، وليس مقتل كثير من الأميركيين. وبطبيعة الحال، ستحاول هذه الأطراف المعادية لواشنطن تكبيدها خسائر كبيرة، وسيعمدون في خضم ذلك إلى استغلال تكتيكات غير تقليدية مثل هجمات باستخدام «درون»، وسيارات مفخخة، وزرع عبوات ناسفة على جوانب الطرق ضد القوافل الأميركية.

فيما مضى، شهدنا اندلاع مظاهرات داخل قرى عربية في دير الزور ضد تهريب «قوات سوريا الديمقراطية» النفط. والمؤكد أن «داعش» سيسعى لاستغلال هذه التوترات وصورة أميركا كطرف مستغل للنفط العربي. ويمكن أن نتوقع أن تحاول الاستخبارات السورية خلال الأسابيع والشهور استغلال التوترات بين «قوات سوريا الديمقراطية» وقيادتها الكردية والقرى والمدن العربية. ومن المحتمل كذلك أن تشجع الاستخبارات السورية من جديد متطرفين أمثال «داعش» على مهاجمة قوات أميركية، مثلما فعلت مع «القاعدة» في العراق بين عامي 2004 و2010.

في النهاية، ربما يخدم الاحتلال الأميركي لحقول النفط «داعش»، دون أن يسهم في استخلاص تنازلات سياسية من الأسد، الذي يبدو شخصاً صبوراً، وبمقدوره الانتظار حتى رحيل الأميركيين عن سوريا عاجلاً أم آجلاً. وعلى ما يبدو، تتحرك واشنطن من سياسة فاشلة إلى أخرى داخل سوريا.

-السفير الأميركي الأسبق في دمشق

الشرق الأوسط

———————————

حزب العمال الكردستاني: في لوم المدنيين على الهروب من الموت/ بكر صدقي

تفوّق القيادي البارز في حزب العمال الكردستاني مراد قرايلان على نفسه حين حمّل أهالي كوباني ورأس العين مسؤولية سقوطهما في يد الغازي التركي والفصائل الملتحقة به. فقد لام سكان المدينتين لأنهم «حمّلوا عائلاتهم في سيارات وغادروا المدينتين، بمجرد سقوط بضع قذائف مدفعية عليهما» كما يقول في حوار تلفزيوني في محطة تابعة لحزبه!

تفوّق على نفسه، لأننا لم نر تصريحات مماثلة من أي إرهابي على الإطلاق، حتى لو اتخذ كثيرون منهم دروعاً بشرية من المدنيين كما أراد قرايلان للكرد أن يكونوا: «على الأهالي أن يبقوا مع المقاتلين»! هذا إعجاز فعلاً! عليكم أن تموتوا لتحموا «المقاتلين»! ولماذا؟ لكي يبقى الحزب الكردستاني أو فرعه السوري يحكمكم، بالحديد والنار، إلى الأبد!

في مثل هذه الأيام من عام 2012، قتل أول شهيد في مدينة كوباني بنيران «قوات حماية الشعب» التابعة لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» التابع لـ«حزب العمال الكردستاني» التابع لـ«منظومة المجتمع الديمقراطي» التي يرأسها مراد قرايلان الـتابع لجهات لا يعلمها أحد.

قتلت تلك «المنظومة» الطفل ولات حسي (17 عاماً) من إحدى قرى كوباني لأنه شارك في مظاهرة ضد نظام البراميل في دمشق قبل أن «يرتقي» المذكور إلى مرتبة نظام كيماوي. ولتبرير قتله لجأ الحزب الأوجالاني إلى طريقته البعثية – الأسدية المعروفة في تبرير أي شيء وكل شيء: فقال أولاً إن مقاتليه لم يقتلوا الطفل، ثم قال ثانياً إن الطفل هو عميل للمخابرات التركية، وقال ثالثاً إن عملاء المخابرات التركية قتلوه ليتهموا الحزب بقتله.

كانت هذه الجريمة بمثابة «البيان الحكومي» لسلطة «الاتحاد الديمقراطي» في مدينة كوباني، فقد تلتها جرائم أخرى متنوعة من اعتقال غير المؤيدين له، إلى إغلاق مكاتب الأحزاب الكردية، إلى فرض خوات على الأهالي تحت التهديد بالسلاح، إلى تجنيد الأطفال في صفوف قواته بالإرغام، إلى احتكار المواد الحيوية كالوقود والخبز وتوزيعها على السكان وفقاً لمعيار الولاء، وقبل كل شيء منع التظاهر ضد نظام البراميل وقمعها إذا حدثت رغم أنفه، وغيرها من ممارسات تليق بقوة احتلال أجنبية. أي كما تصرفت جميع قوى الأمر الواقع في مختلف الدويلات السورية.

كان على أهالي كوباني ورأس العين أن «يتوّجوا تضحياتهم» بالموت المجاني لكي يهرب إرهابيو قرايلان بأمان أمام الجيش التركي والمرتزقة السوريين الملتحقين به، حتى يرضى عنهم القائد الملهم.

إلى ما قبل تصريحات قرايلان الفضائحية هذه، كان يمكن الجدال، دائماً، برفض لصق صفة الإرهابي بحزبه وامتداداته متنوعة الأسماء، على رغم كل انتهاكاته بحق السكان حيثما سيطرت قواته. أما وقد بلغ الانفصال عن الواقع (حتى لا نقول أشياء أخرى) بالرجل أن يلوم المدنيين على الهروب من الموت، وأن يطالبهم بالبقاء دروعاً بشرية لمقاتليه، فماذا يكون الإرهاب إن لم يكن هذا؟ يطالب قرايلان الأهالي بتقديم تضحيات. حسناً، تضحيات من أجل ماذا؟ من معتاد الرطانات القومية أن تطالب المعنيين بـ«قضاياهم» بتقديم تضحيات على طريق تحقيق اليوتوبيا القومية الموعودة (كذلك هي حال جميع الحركات الأيديولوجية). فما هو الوعد القومي الذي يبشر به الحزب الأوجالاني السكان الكرد ليطالبهم بتقديم تضحيات بحجم حياتهم وحياة أطفالهم؟ «المجتمع الإيكولوجي الديمقراطي»؟ أم «الإدارة الذاتية الديموقراطية» التي يحكمها قرايلان وزملاؤه من جبال قنديل وفقاً لتقلبات أجنداتهم المتغيرة حسب الظروف؟

بدلاً من لوم المدنيين على النزوح من مناطق الخطر، أو تحميلهم مسؤولية انسحاب قواته بالاتفاق مع الأمريكيين وتركيا، كان على قرايلان وحزبه أن يقدم نقداً ذاتياً شاملاً للسياسات الفاشلة والمدمرة التي طالما اتبعها، بدءاً من التنسيق مع النظام الكيماوي في عزل المناطق الكردية عن الثورة الوطنية العامة، ليتفرغ النظام لتدمير ما تبقى من سوريا، وانتهاءً بالالتحاق بالأجندة الأمريكية في محاربة داعش بكلفة بشرية وعمرانية باهظة دفعت من دماء الكرد والعرب على السواء، التحاقاً وثمناً بلا أي مقابل.

أكثر من ذلك: لا يحق للحزب لوم حليفه الأمريكي أيضاً، فهذا الأخير دولة عظمى لديها سياستها التي لا تعبأ بمصير تابعين صغار مثل الحزب الكردستاني، هي التي تخلت عن حليف بوزن شاه إيران، مثلاً لا حصراً. يقع اللوم على الحزب نفسه الذي ارتضى لنفسه أن يكون تابعاً لبرنامج الأمريكيين من غير أي ضمانات تخص مصير الحزب بعد القضاء على داعش، إذا تركنا جانباً ضمانات بشأن وضع دستوري جديد لكرد سوريا في مستقبل البلد، لأن هذا آخر ما يهم الحزب قبل الأمريكيين. ولولا ضغط الأمريكيين لانضم مقاتلو الحزب إلى الجيش الأسدي السوري كما طالبهم النظام في اجتماع حميميم الذي عقد تحت ضغط الغزو التركي.

لقد حصر الحزب خياراته الكارثية بين الأمريكيين والنظام، قاطعاً بذلك على نفسه أي خط رجعة إلى جماعات وطنية سورية قد تحظى بظهور جديد في شروط غير موجودة اليوم. أعني أن حالة العداء المتصاعدة بين العرب والكرد المتجاورين جغرافياً في مناطق متداخلة، والحزب أحد المتسببين بها (وإن لم يكن الوحيد) هي حالة مدمرة سواء بقيت سوريا موحدة أم تفككت بتضافر أجندات دولية وقوى نبذ محلية.

لم يتعظ الحزب من كارثة عفرين، فكرر السيناريو ذاته بين تل أبيض ورأس العين، في حين تحولت «القضية» التي لم تكن يوماً قومية كردية، على يديه، من القضاء على داعش إلى حماية آبار النفط!

أتحدث عن «الحزب» بصورة عامة، وليس عن فرعه السوري فقط، ليس لأن مركز القرار واحد، بل أيضاً لأن الحزب الأم في تركيا نفسها لم يوفر جهداً في المساهمة في تدمير الإنجازات السياسية لكرد تركيا منذ العام 2015، فوفر كل الذرائع الممكنة للحكومة التركية للقضاء المنهجي على تلك الإنجازات.

حزب لا يتمتع بشجاعة النقد الذاتي لا يمكنه إلا المضي في تدمير أحلام الكرد وتخريب علاقاتهم بالمجتمعات المجاورة.

كاتب سوري

القدس العربي

——————————–

النفط.. هل يشعل صراعًا بين أمريكا وحلفاء النظام السوري؟/ سامر القطريب

حسمت الولايات المتحدة موقفها؛ البقاء أو الانسحاب من سوريا، حيث أوجدت واشنطن مهمة جديدة لقواتها التي انتقلت من شمالي سوريا إلى شرقها وتتمثل المهمة الجديدة بعد القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، حماية حقول النفط الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ما يقطع الطريق على نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين والروس في الوصول إلى أكثر المناطق السورية غنىً بالنفط. وتتمركز القوات الأمريكية في منطقة جغرافية تعج بالقوات العسكرية الإقليمية والدولية، ما قد يهدد بصراع جديد شمالي شرقي سوريا.

النفط مصدر تمويل لـ قسد

قالت وزارة الدفاع الأمريكية (بنتاغون) إن إيرادات حقول النفط في شمال شرق سوريا ستذهب إلى قسد المدعومة من واشنطن وليس للولايات المتحدة. وأكد المتحدث باسم البنتاغون جوناثان هوفمان للصحفيين “لن تذهب العائدات للولايات المتحدة بل لقوات سوريا الديمقراطية”.

وأضاف هوفمان أنّ “الولايات المتحدة لا تنتفع من كل ذلك. إنّ المنافع تعود على قوات سوريا الديموقراطية” التي شاركت إلى جانب القوى الغربية في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية. وأوضح خلال مؤتمر صحافي أنّ الهدف يتمثل في “منح أكراد المنطقة، قوات سوريا الديموقراطية، مصدر إيرادات وإمكانية تعزيز حملتهم العسكرية على الدولة الإسلامية”. وأضاف: “بالتالي (نسعى) إلى منع الدولة الإسلامية من الوصول إلى حقول النفط وأيضًا إلى إتاحة السيطرة للأكراد وقوات سوريا الديموقراطية”.

كان تنظيم الدولة الإسلامية يضخ 45 ألف برميل يوميًا خلال سيطرته على حقول النفط في 2015، ما منحه مليون ونصف مليون دولار من العائدات يوميًا وسمح له بتمويل اعتداءات في سوريا وفي الخارج، وفق ما قال عضو هيئة الأركان الأمريكية ويليام بيرن.

ونقلت وكالة فرانس برس عن مسؤول أمريكي (لم تكشف اسمه) أن عدد قوات بلاده المتواجدة في سوريا لا يزال مستقرًا تقريبًا عند أقل من ألف عنصر بقليل بعد ثلاثة أسابيع من إعلان الرئيس دونالد ترامب انسحابها.

وتقول وكالة بلومبيرغ الأمريكية، إن سوريا ضخت سوريا 24 ألف برميل فقط من النفط يوميًا في العام الماضي و تبلغ قيمتها نحو 1.5 مليون دولار بالأسعار الحالية  بعد انخفاض الإنتاج بأكثر من 90 %، معظمها ذهب لصالح قسد.

وبعد قرار”حماية النفط” الذي أصدره ترامب توجهت قافلة مدرعات أمريكية شرقًا، باتجاه  حقول نفط الرميلان في أقصى الشمال الشرقي لسوريا.

تتوزع أهم حقول النفط والغاز في سوريا في الحسكة ودير الزور، إضافة إلى شرق مدينة حمص، وبعض آبار النفط والغاز التي تم اكتشافها أخيرًا في ريف العاصمة السورية دمشق، أو ما يعرف بجبال القلون “قارة ودير عطية”.

وتحتوي محافظة دير الزور على أكبر الحقول النفطية في سوريا، وهو “حقل العمر” الذي يقع على بعد 15 كيلومترا شرقي بلدة البصيرة بريف دير الزور، وهو الحقل الذي أعلنت قوات قسد المدعومة من قبل الولايات المتحدة يوم 22 من تشرين الأول 2017 سيطرتها عليه.

كما تسيطر “قسد” على “حقل التنك”، وهو من أكبر الحقول في سوريا بعد “حقل العمر”، ويقع في بادية الشعيطات بريف دير الزور الشرقي. وتحوي محافظة دير الزور حقل الورد، والتيم، والجفرة، وكونيكو، ومحطة الـ تي تو “T2″، وهي محطة تقع على خط النفط العراقي السوري. وتأتي محافظة الحسكة بالمرتبة الثانية لجهة احتوائها على آبار النفط والغاز والتي خرجت حقولها من سيطرة “داعش” إلى سيطرة “قسد” اليوم، وأهم مواقع إنتاج النفط والغاز في حقول ومصفاة رميلان في أقصى شمال شرق سوريا.

 من يشتري النفط من قسد؟

يحافظ قرار ترامب على مصادر تمويل قسد التي تستخدمها في ترسيخ قوتها وإدارتها لمناطق سيطرتها شمالي شرقي سوريا، إلا أنه قد يعرقل حصول النظام السوري على بعض احتياجاته من النفط من خلال شرائه من الميليشيا الكردية.

وتقول صحيفة لوس أنجلوس تايمز، إن ما يتم إنتاجه يتم استخدامه للاستهلاك المحلي في مناطق قسد أو يُباع للتجار الذين يعيدون بيع جزء منه إلى حكومة الأسد المتعطشة للطاقة. وتشير الصحيفة إلى أن عائدات النفط أصبحت شريان الحياة لشبه الدولة التي أنشأتها “الإدارة الذاتية” في شمالي شرقي سوريا.

وكان النظام السوري قد عقد اتفاقًا مع قسد العام الماضي، برعاية عضو “مجلس الشعب” حسام القاطرجي، مالك “مجموعة القاطرجي” لنقل النفط. وهي المسؤولة عن نقل  النفط من مناطق سيطرة قسد إلى مناطق سيطرة النظام.

وفي السادس من الشهر الجاري، أعلن تنظيم الدولة استهداف قافلة صهاريج تنقل النفط من مناطق سيطرة “قسد” إلى مناطق سيطرة النظام، وحرق عدد منها قرب مدينة الرقة.

وأوضحت وكالة أعماق أن عناصر التنظيم أحرقوا عددًا من الصهاريج التي تعود ملكيتها لـ”القاطرجي”، المخصصة لنقل الوقود إلى مناطق سيطرة النظام.

لكن هذا الاتفاق يبدو مهددًا اليوم، حيث دخلت وحدات من القوات الأمريكية مناطق اﻵبار النفطية في محيط ديرالزور، وطردت المستثمرين المحليين المتعاقدين مع “قوات سوريا الديموقراطية”، من المُتهمين ببيع النفط للنظام عبر شركة القاطرجي، بحسب صحيفة المدن الإلكترونية.

وقالت “المدن” إن القوات الأمريكية طردت المستثمرين المحليين من آبار الحمادة والريس والعلقة، بالإضافة إلى مجموعة آبار في منطقة جديد عكيدات. وفرضت القوات الأمريكية سيطرتها الكاملة على تلك المواقع، ووضعتها تحت حراسة مشددة. كما داهمت القوات الأمريكية بيوت بعض تجار النفط في المنطقة، في محاولة لضبط تجارته وحركة نقله منعًا لتسربه إلى النظام.

كما يصل النفط إلى مناطق سيطرة الجيش الوطني السوري المعارض، عبر معبر “أم جلود”، غربي منبج، بين مناطق سيطرة قسد” وبين الجيش الوطني في مناطق “درع الفرات”.

ومؤخرًا سيطرت قوات الأسد على حقل للنفط في محافظة الحسكة، كان خاضعًا لسيطرة “قسد”، رغم تعهّد الولايات المتحدة بحماية حقول النفط من نظام الأسد وإيران وتنظيم الدولة.

وأظهرت صور نشرتها وكالة أنباء النظام “سانا” انتشار قوات الأسد في حقل “ملا عباس” التابع لحقول نفط رميلان شمالي الحسكة.

وتعلق الصحيفة على إعلان ترامب عن أن شركات أمريكية قد تشغل حقول النفط في مناطق قسد بالقول “إن المشكلة التي ستواجه ترامب هي أنه لا يوجد الكثير من النفط الذي يجب الحفاظ عليه، لأن سوريا لم تكن أبدًا منتجًا رئيسيًا للنفط على المستوى الدولي، حيث بلغت 385 ألف برميل يوميًا من النفط الخام، أو 0.5٪ من الإنتاج العالمي في عام 2010، وفقًا لتقرير صادر عن British Petroleum Review of World Energy Report.

هدف آخر لأمريكا من البقاء في سوريا

قرار “حماية النفط” يبقي القوات الأمريكية في وسط الجغرافيا السياسية المعقدة في شرق سوريا، منطقة غنية بالنفط والغاز ومليئة بالقوات التركية والكردية والروسية وقوات النظام وإيران، كما ترى صحيفة ديلي ميل البريطانية.

وتعرقل المهمة الأمريكية الجديدة خطط نظام الأسد لاستعادة شرقي البلاد وجهود إيران لإكمال ممر بري عبر العراق وسوريا ولبنان. إذ لطالما كانت قدرة إيران على نقل الأسلحة المتطورة على طول الطريق إلى عتبة إسرائيل مصدر قلق رئيسي للولايات المتحدة، بحسب الصحيفة.

كما أثارت المهمة الأمريكية الجديدة آمالًا بين العشائر العربية في المنطقة بأن تلعب دورًا أكبر في القوة العسكرية التي يقودها الأكراد.

وقال القائد العام لميليشيا قسد في مقابلة بثت يوم الأربعاء الفائت: “السبب الرئيسي وراء الوجود الأمريكي هو ليس النفط بالتأكيد. الجميع يعلم أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى النفط”.

بحسب التصريحات الأمريكية فإن القوات ستحمي النفط من (داعش) والنظام السوري وحلفائه، ولكن أحد الأسئلة الرئيسية هو ما إذا كانت القوات الأمريكية ستتمتع بالسلطة القانونية للإشتباك مع القوات الروسية أو الإيرانية أو قوات الأسد التي قد تحاول الاستيلاء على حقول النفط.

وتوضح صحيفة فورين بوليسي أن لا تفويض AUMF لعام 2001 لا يمنح القوات الأمريكية الإذن بإطلاق النار على الجهات الحكومية مثل القوات الروسية أو الإيرانية، أو التابعة للنظام، ما لم تكن تتصرف دفاعًا عن النفس.

وقال المتحدث باسم البنتاغون جوناثان هوفمان “يعرف الجميع في المنطقة أين توجد القوات الأمريكية ، ونحن واضحون للغاية مع أي شخص في المنطقة في العمل على حل النزاعات بين قواتنا”. “نحن نعمل لضمان ألا يقترب أحد أو يبدى نوايا عدائية لقواتنا، وإذا فعلوا ذلك فإن قادتنا يحتفظون بحق الدفاع عن النفس”.

وبحسب الصحيفة، يقاتل الجيش الأمريكي في سوريا تحت رعاية تفويض AUMF عام 2001 لاستخدام القوة العسكرية، الذي يسمح بمكافحة الجماعات المسلحة غير الحكومية مثل تنظيم الدولة الإسلامية أو تنظيم القاعدة. ولكن بعد تعهده مبدئيًا بسحب جميع القوات الأمريكية من سوريا على أساس أن داعش قد هُزمت، وافق ترامب في الأيام الأخيرة رسميًا على توسيع نطاق المهمة العسكرية في البلاد، وأقفل الباب على مئات القوات الإضافية في عملية ذات أهداف غامضة، مثل العديد من اللاعبين الآخرين  الذين يتنافسون على السلطة في المنطقة.

عين روسيا على النفط

قالت روسيا إنها لن تتعاون مع الولايات المتحدة في السيطرة على حقول النفط في سوريا واستغلالها ، لأنها تخص البلد وشعبها. وأضاف نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي فيرشينين لوكالة أنباء تاس الروسية “لن نتعاون مع الأمريكيين بشأن النفط السوري”. “هذا يتعلق بالنفط السوري، وهو تراث الشعب السوري. نحن مقتنعون بأن الأمر متروك للشعب السوري لإدارة موارده الطبيعية ، بما في ذلك النفط”.

ويواجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحديًا ماليًا جديدًا غير مرحب به في سوريا بعد أن مكّن الانسحاب الأمريكي حليفه بشار الأسد من استعادة أكبر مساحة في البلاد. بحسب وكالة بلومبيرغ.

قرار الولايات المتحدة بإبقاء القوات لحراسة حقول النفط يحرم نظام الأسد من الوصول إلى الأموال التي يحتاج إليها لإعادة الإعمار، وهو ما تحاول روسيا الحصول عليه لجذب الأموال الأوروبية والخليجية بعد إنجاز العملية السياسية التي تجري حاليا في جنيف.

وتقدر الأمم المتحدة تكاليف إعادة الإعمار في سوريا بنحو 250 مليار دولار، ولا يمكن للنظام الاعتماد على روسيا وإيران، للحصول على أي تمويل.

من جهتها انتقدت صحيفة “إندبندنت” القرار الأمريكي بالقول: “قضى السيد ترامب سنوات يرثي حقيقة أن الولايات المتحدة لم “تأخذ النفط” خلال سنوات احتلالها للعراق. لقد كانت الفرصة لفعل ذلك في سوريا هي التي دفعته إلى عكس قراره بسحب القوات الأمريكية”.

الترا صوت

———————————-

شرق الفرات: أمريكا تبني قواعدها في وجه إيران وتعزل النفط السوري/ منهل باريش

أعادت القوات الأمريكية انتشارها في شرق الفرات، وبدأت تتوضح خريطة المناطق التي ترغب أمريكا في الحفاظ عليها، وشيدت عدة قواعد عسكرية شرق مدينة دير الزور وشمالها وأعادت تموضعها في الحقول المهمة شرق القامشلي وتخلت عن بعض الآبار قليلة الفائدة هناك.

وتمركزت القوات الأمريكية في نقاط جديدة ابتداء من أقصى شرق سوريا، قرب الحدود العراقية، واتخذت من الباغوز قاعدة صغيرة، حيث اختارت تل البلاغوز مكانا للقاعدة وشيدت سورا اسمنتيا حاميا وعددا من البيوت الاسمنتية مسبقة الصنع وأبراج مراقبة. وتقع الباغوز على ضفة نهر الفرات اليسرى وشهدت معركة القضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية” من قبل التحالف الدولي لمحاربة “داعش” الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، منتصف شهر آذار (مارس) الماضي. وتهدف واشنطن من تلك القاعدة لمراقبة وضبط الحدود العراقية السورية على الضفة اليسرى لنهر الفرات أو كما يعرف محليا بمنطقة الجزيرة. كما تعتبر تلك القاعدة أقرب النقاط الأمريكية لمعبر القائم بين سوريا والعراق، والذي يتحكم فيه الحرس الثوري الإيراني.

ويلاحظ أن الأولوية في إعادة الانتشار الأمريكي متركزة على محور نهر الفرات حيث تسيطر الميليشيات الإيرانية على الضفة المقابلة، فأنشأ الجيش الأمريكي قاعدة في بادية السوسة، غرب الباغوز، نقل إليها دبابات وهمرات، وجهز فيها مهبطا للطائرات المروحية نوع أباتشي. إضافة إلى قاعدة إلى الغرب منها في هجين، في بناء سكة القطار.

وسلمت قوات سوريا الديمقراطية مستشفى الرويشد سابقا والذي حولته إلى مقر تدريب عسكري إلى التحالف الدولي الذي بدأ بتجهيزه كقاعدة عسكرية جديدة. ونقلت صحيفة “جسر” الالكترونية المتابعة لشؤون شرق سوريا، أن القوات الأمريكية باشرت في “أعمال التحصين للموقع وإنشاء مهبط للطيران المروحي، وشوهدت آليات ومدرعات أمريكية، بما في ذلك دبابات في الموقع، إضافة إلى رصد هبوط مروحيات داخل القاعدة بشكل متكرر مؤخراً”.

وتقع القاعدة الجديدة غرب بلدة الصور بحدود 8كم غرباً وترصد اوتوستراد دير الزور – الحسكة أو ما يعرف بطريق الخرافي (نسبة لشركة الخرافي الكويتية التي قامت بشقه).

ويترافق ذلك مع حركة بناء قواعد متسارعة لقوات سوريا الديمقراطية في المنطقة النفطية شرق دير الزور والحسكة والتي أعلنت أمريكا البقاء فيها، وبنت عدة قواعد في منطقة الروضة بين دير الزور والحسكة، وحقول الصيجان والأزرق والملح.

تطويق إيران

وحافظت واشنطن على أبرز القواعد الأمريكية في سوريا وشرق الفرات حيث تعتبر قاعدة الرميلان أكبرها، إضافة إلى قاعدة تل بيدر وقاعدة الهول وقاعدة الشدادي جنوب الحسكة وهي القاعدة التي نقلت إليها القوات الأمريكية نساء تنظيم “الدولة” من مناطق غرب الحسكة بعد إعلان تركيا عملية “نبع السلام”. ويضاف إلى قواعد شرق الفرات قاعدة التنف على الحدود العراقية السورية الأردنية، والتي تقطع الطريق الدولي السريع بين بغداد وسوريا، وتحافظ أمريكا على تلك القاعدة بهدف الحد من نشاط الميليشيات الإيرانية في سوريا وما يعرف بتطويق إيران.

وأخلت القوات الأمريكية أغلب قواعدها في منطقة منبج والطبقة وعين العرب /كوباني، حيث انسحبت من قاعدة “خراب العشق” أو معمل اسمنت شركة لافارج وقاعدة تل أبيض مع بدء الهجوم التركي عليها، وانسحبت من قاعدة عين عيسى (صرين) وقاعدة المبروكة غرب رأس العين، والواقعة في منطقة عمليات “نبع السلام” وغادرت قاعدة محمية عايد قرب الطبقة ومطار الطبقة أيضاً، إحدى أهم قواعد منطقة منبج. وقامت القوات الأمريكية بتفجير بعض المستودعات بعد نقل الآليات والعتاد العسكري والسلاح، بخلاف ما تم تداوله من قبل بعض النشطاء من أن الطيران الأمريكي فجر مستودعات للذخيرة ومستودعات آليات من دون إفراغها.

وتشير خريطة انتشار القواعد الأمريكية إلى أن الأراضي الواقعة شرق طريق دير الزور الحسكة الجديد (طريق الخرافي) وصولا إلى جنوب الحسكة وشرق القامشلي، ستكون منطقة نفوذ أمريكية خالصة، فيما ستبقى “قسد” معتمدة بشكل رئيسي مع إعطاء دور أكبر من السابق للعرب في مجلس دير الزور العسكري المنضوي تحت لواء “قسد”.

سباق على النفط

دخلت قوات النظام السوري حقل الملا عباس قرب القامشلي من جهة المالكية شرقاً، وهو أحد الحقول الصغيرة التابعة لحقل الرميلان أبرز حقول النفط السورية. ونشرت وكالة أنباء النظام السوري “سانا” صورا لجنود سوريين في الحقل المذكور. وأشارت إلى أن الجهات المختصة بدأت بصيانة آبار الحقل من أجل تشغيله، ومن غير المتوقع أن تقوم القوات الأمريكية بالانسحاب من الحقول الكبيرة في منطقة المثلث الحدودي العراقي السوري التركي، وسيحاول النظام السيطرة على الآبار المتفرقة غرب دير الزور وشمال شرق محافظة الرقة من أجل تعويض النقص الكبير في الاحتياجات النفطية. ومع دخول الحقل الصغير في الرميلان روجت وسائل إعلام مقربة للنظام السوري أن “الحكومة السورية ستعيد قيمة الليرة السورية إلى 200 مقابل الدولار الأمريكي الواحد” مع استخراج النفط السوري وإعادة تكريره.

ويبقى النفط ورقة قوة بيد “قسد” في مفاوضاتاتها مع النظام، على اعتبار أن العائدات النفطية ستذهب إلى الإدارة الذاتية بصفتها “هيئة حكم محلي” وجناحها العسكري الممثل بقوات سوريا الديمقراطية، حسب ما صرح مسؤول رفيع في الخارجية الأمريكية للصحافيين قبل أيام، في إجابة له حول مسألة استخراج النفط في منطقة النفوذ الأمريكي، مضيفاً “ليس لدينا أي توجيه هنا في وزارة الخارجية من قبل الإدارة لفعل أي شيء في حقول النفط”. وشدد على أن: “بعض هذه الحقول النفطية قريبة جداً من الحدود التركية، وأن هناك مهمة لتأمين منطقة الحقول من الآخرين كي لا يأتوا ويسيطروا عليها”. وهو ما يشير إلى أن صعوبات تطبيق اتفاق 22 تشرين الأول/أكتوبر في سوتشي بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب اردوغان ستتعقد في أقصى شمال شرق سوريا. حيث ستمنع القوات الأمريكية النظام السوري من التقدم والانتشار شرق القامشلي، في حين لن يتضح الموقف الأمريكي من الدوريات المشتركة الروسية التركية هناك.

ولخص المسؤول الأمريكي ما سيحصل “قسد تحتاج إلى أموال عن طريق بيع النفط إلى نظام الأسد، والولايات المتحدة تريد فقط إيقاف وصول داعش إلى تلك الأموال”.

في سياق متصل، قال قائد “قسد” مظلوم عبدي “الكل يعلم أن أمريكا لا تحتاج إلى النفط. هم يقولون إنهم لا يريدون أن يقع هذا النفط في يد داعش، ويد النظام السوري أو القوات الأخرى، وينبغي أن يبقى الأمريكيون هنا حتى يكونوا جزءا من هذا التوازن”.

في المقابل، نشرت وزارة الدفاع الروسية، السبت الماضي، صورا بالأقمار الصناعية، لقوافل النفط السوري تتجه إلى خارج سوريا تحت حراسة العسكريين الأمريكيين، حسب ما قالت.

وصرح المتحث الرسمي في الوزارة، اللواء إيغور كوناشينكوف “تدل الصور التي قدمتها الاستخبارات الجوية، على أن النفط السوري كان يستخرج، تحت حراسة قوية من العسكريين الأمريكيين، ويجري نقله بواسطة الصهاريج إلى خارج سوريا لتكريره، وذلك قبل وبعد دحر إرهابيي داعش شرقي الفرات”. واتهم واشنطن بـ”الاستيلاء على الحقول النفطية في شرق سوريا وبسط سيطرتها العسكرية عليها واصفا العملية بـ”سطو ونهب على مستوى الدولة”.

وصباح الجمعة انطلقت الدورية الروسية التركية المشتركة وقطعت الشرطة العسكرية الروسية ودائرة حرس الحدود التركية مسافة 105 كم واستغرقت الدورية حوالي أربع ساعات، سارت ذهابا وإياباً حسب وزارة الدفاع الروسية. وتعتبر المرة الأولى التي تقوم فيها القوتان بالتوجه شرق القامشلي منذ بدء معركة السلام وتداعيات الاتفاقات هناك.

وبالقرب من ذلك، حلقت الطائرات المروحية الروسية على ارتفاع منخفض لم يتجاوز الـ 60 م بهدف حماية الدورية المشتركة، كون الاتفاق الروسي التركي لا ينص على دخول الطيران التركي الأجواء السورية الحدودية. ويشكل تحليق الطيران الروسي تحدياً حقيقيا للقوات الأمريكية في شرق الفرات فهو يطير فوق رؤوسهم في الرميلان والمالكية.

ومن غير المتوقع أن تهدأ منطقة شرق الفرات قبل تحديد واشنطن تخوم منطقة نفوذها في سوريا، وسيبقى التواجد العلني للمقاتلين الأكراد واحدا من أبرز أسباب استمرار المعارك شرق رأس العين.

القدس العربي

————————–

الروسي والتركي في سورية/ خورشيد دلي

أنتج التقارب التركي – الروسي، خلال السنوات الماضية، سلسلة تفاهمات بين الجانبين بشأن الأزمة السورية. وعلى وقْعها، حرص كل طرفٍ على تفهّم الآخر. وهكذا انتقلت روسيا من سياسة رفض الدور التركي في سورية إلى تفهّمه، وبل تفهم المخاوف التركية بخصوص الوضع في شمال شرق سورية. في المقابل، لم تعد تركيا تتحدّث عن روسيا بوصفها دولة معادية لسياستها في سورية أو مشاركة في ضرب الجماعات السورية المسلحة، بل تتحدّث عنها بوصفها شريكة في السياسة والميدان.

ثمّة أسباب رئيسية وقفت خلف هذه التفاهمات ووصول العلاقة بينهما إلى هذا المستوى من التنسيق، فعلى وقع توتر العلاقة التركية مع الولايات المتحدة، بسبب دعم الأخيرة المجموعات السورية الكردية المسلحة، صوّب الروسي والتركي معا على الوجود الأميركي في شرقي الفرات، كل طرفٍ لأسبابه، روسيا في إطار تنافسها مع أميركا على الساحة السورية، وتركيا لمنع تحوّل الوجود العسكري الأميركي هناك إلى سندٍ دائم للكرد، وتطلعهم إلى كيانٍ خاص بهم، وقد دفع هذا التوافق بينهما روسيا إلى الاندفاع نحو تركيا، لأسبابٍ عسكريةٍ تتعلق بصفقات السلاح، وأخرى اقتصادية، تتعلق بمشاريع النفط والغاز وإقامة مفاعلاتٍ نووية تركية، وهو ما عرفت تركيا كيف تستغله في دفع روسيا إلى الاقتراب من الموقف التركي أكثر فأكثر، إلى درجة أن العمليات العسكرية التي أطلقتها تركيا (درع الفرات، غصن الزيتون، نبع السلام) حظيت بتفهّم روسي، على الرغم من أن ذلك يخالف شعاراتها المعلنة، بخصوص سيادة الأراضي السورية ووحدتها. ولعل هذا يعود إلى نظرة موسكو إلى العلاقة مع تركيا، وهي نظرةٌ تتجاوز الأزمة السورية إلى أهمية موقع تركيا في الصراع مع الغرب، حيث حلم الرئيس بوتين بإخراج تركيا من حلف شمال الأطلسي والمنظومة الغربية، وهو ما سيشكل ضربةً كبيرة للحلف بشكل عام، والولايات المتحدة خصوصا، فيما تحرص الأخيرة على إبقاء علاقتها التاريخية مع تركيا.

على وَقع هذه التفاهمات، انتقل الروسي والتركي إلى مرحلة جديدة من رسم خرائط النفوذ  والتحالفات في شرقي الفرات، فأنقرة لم تحرّك ساكنا إزاء خطوة انتشار القوات السورية النظامية، برفقة القوات العسكرية الروسية في منبج وعين العرب (كوباني)، بعد أن أعلنت رفضها ذلك، وعزمت على الدخول إلى هذه المدن. في المقابل، أبدت موسكو موافقتها على إقامة تركيا منطقةً آمنة بين رأس العين وتل أبيض، بعد أن كانت ترفض فكرة إقامة منطقة آمنة في سورية، بل وتحولت روسيا إلى قوة ضاغطة للحد من نفوذ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والإدارة الذاتية هناك. ولكن على الرغم من كل هذه التفاهمات، ثمّة أسئلة كثيرة، منها: هل هذه التفاهمات نهائية أم مرحلية؟ وكيف لموسكو أن توازن بين تفاهماتها مع أنقرة واستراتيجيتها حيال دمشق؟ وهل يمكن لتركيا أن تذهب إلى أقصى التفاهم مع روسيا على حساب علاقاتها مع الولايات المتحدة؟ أسئلة ربما تشير خلافات كامنة تتعلق بالمدد الزمنية والسقوف والتحالفات، فالتفهم الروسي للوجود العسكري التركي على الأراضي السورية، وإقامة منطقة آمنة، يبدوان أقرب إلى تكتيك مرحلي لقلب الموازين، إلى حين تتغير لصالح المطالبة بإخراج القوات التركية من سورية، فيما تربط تركيا ذلك بحل سياسي للأزمة السورية، يؤدي إلى تغيير سياسي جوهري. وقد يكون تقدم هذا الاستحقاق نقطة صدام بينهما في ظل ضغط موسكو لإعادة العلاقة بين دمشق وأنقرة، وفق اتفاق أضنة أو صيغة معدلة له، من دون استبعاد خيار لجوء موسكو إلى التصعيد العسكري، إذا فشلت جهودها في هندسة الوضع السوري وفق استراتيجيتها الخاصة.

العربي الجديد

————————-

ما الذي ينتظر أردوغان في واشنطن؟/ سمير صالحة

حسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان موقفه وقرر التوجه إلى واشنطن في منتصف الأسبوع المقبل تلبية لدعوة نظيره الأميركي دونالد ترمب. الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيسين هو الذي فتح الأبواب أمام تراجع أردوغان عن تشدده في موضوع الزيارة وتليين مواقفه ومطالبه قبل الإقدام عليها. ما الذي دفع الرئيس التركي الذي كان يتحدث عن علامة استفهام قائمة حول زيارته لتبديل رأيه؟ ما الذي قدمه ترمب ليقنع الرئيس التركي بحسم موقفه وقبول الدعوة؟ هل هي الضمانات والتطمينات الكافية أن العلاقات التركية الأميركية مصانة ومحمية رغم كل التصعيد وسيناريوهات القطيعة التي يلوح بها الكونغرس الأميركي؟

أنقرة كانت تريد أن يحسم موضوع تراجع واشنطن عن دعوة مظلوم كوباني رجل حزب العمال الكردستاني إلى واشنطن أو اعتقاله وتسليمه لها طالما هو مطلوب من قبل أجهزة الأمن التركية بتهم المشاركة في تنفيذ هجمات إرهابية. وكانت تريد أيضا تراجع مجلس المندوبين الأميركي عن قراراته في مسألة الدعوة لفرض عقوبات جديدة ضدها أو لعب الورقة الأرمنية مجددا وكذلك تبديل واشنطن لسياستها حيال مجموعات الكيان الموازي وزعيمه فتح الله غولان الذي تتهمه تركيا بالإشراف على المحاولة الانقلابية الفاشلة قبل 3 سنوات وتعتبره أميركا رجل الدين التركي اللاجىء إليها. ثم حسم مسألة السلاح الأميركي بيد مجموعات “قسد” الذي استخدمته ضد القوات التركية الحليف المفترض لأميركا تحت سقف حلف الأطلسي. فهل قدمت إدارة ترمب أية تنازلات في هذه الملفات؟ المسألة بالنسبة للداخل التركي لم تعد فقط مسألة ذهاب الرئيس أو عدم ذهابه بل مسألة لماذا ذهب وما الذي استطاع إنجازه لتخفيف هذا الاحتقان بين البلدين؟

في الوقت الذي يتحدث البعض عن حسم الرئيس التركي موقفه بالتوجه إلى واشنطن للقاء

نظيره الأميركي بدأ الإعلام الغربي يتحدث عن تجهيز رزمة عقوبات جديدة يعد لها الكونغرس ضد أنقرة بسبب عمليتها العسكرية. دون أن نغفل حقيقة وجود لوبي كبير داخل أميركا وخارجها يهمه أن لا تتم الزيارة أو أن تصل إلى الفشل.

تفاهم الجمهوريين والديمقراطيين الواسع تحت سقف مجلس المندوبين يعني أن تركيا بعثرت عش الدبابير الأميركي في سوريا والمنطقة وعليها أن تدفع الثمن. وهي اعتمدت سياسة تضر بمصالح إسرائيل. وأخطأت بزيادة حجم التنسيق مع موسكو وإيران وأفشلت مشروع الكيان الكردي المستقل في سوريا خصوصا على حدودها وتمسكت بإنجاز خطة “نبع السلام”.

ترمب يشيد بدور “قسد” في الحرب على داعش ويستعد لاستقبال إحدى قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي مظلوم كوباني كشريك محلي له في سوريا يزوده بالسلاح ومبيعات النفط السوري والغطاء السياسي الذي يحتاجه متراجعا عن رسائل ما قبل أيام حول انفراط عقد الشراكة وأن “قسد” قبضت ثمن خدماتها وأكثر. القناعة التركية الجديدة هي أن الهدف الأميركي بالتنسيق مع بعض العواصم الغربية والعربية وإسرائيل هو محاولة تدويل الملف الكردي بشقه السوري تماما كما حدث في العراق.

وزير الخارجية التركي مولود شاووش أوغلو يقول لن نقبل باستقبال أحد كبار الإرهابيين من قبل القيادة الأميركية. لكل رئيس جدول أعماله وأولوياته ومطالبه فكيف سيتم الاتفاق أمام نقاط مشتركة تخدم مصالح الطرفين وتبعد شبح القطيعة الذي يخيم مجددا؟ تعقيدات المشهد توحي أن التفاهمات ستكون صعبة كي لا نقول مستحيلة وأن الطريق المسدود هو الاحتمال الأقرب وأن ما يجري لا يتجاوز مسألة ربح المزيد من الوقت بالنسبة لكل طرف.

ترمب سيحاول أن يظهر أمام الكاميرات وهو يربت على كتف أردوغان لطمأنته وكأنه أقنعه بما عليه أن يقول ويفعل لكن المؤسسات الأميركية في غالبيتها تتحرك باتجاه آخر. هي تصر على مطاردة السياسة التركية السورية والروسية والإقليمية وتضييق الخناق عليها. موسكو تفعل ما بوسعها كالعادة لتأجيج التوتر فهي ذكرت أن عرض المقاتلات سو 35 ينتظر بدلا من صفقة إف 35.

شاووش أوغلو يعلن أن القرارين المتخذين من قبل مجلس النواب الأمريكي ضد بلاده، يشكلان محاولة للانتقام من أنقرة على خلفية إحباطها للمكائد التي استهدفتها في سوريا. من الذي كان يعد هذه المكائد وما دور الولايات المتحدة فيها؟ كيف سيرد أردوغان مثلا على رسالة ترمب التي أغضبت الداخل التركي في الحكم والمعارضة بعدما أرفقها برسالة مظلوم كوباني له متحديا المواقف التركية حيال هذه المسألة الحساسة؟

تشير التقارير الأمنية التركية إلى أن حجم الانفاق على تجهيز الأنفاق تحت مدن وأقضية مناطق شمال سوريا بلغت المليار دولار. بعض التقارير تتساءل إذا ما كان هناك أنفاق وصلت إلى داخل الأراضي التركية الحدودية. مثل هذه المبالغ لم تنفق حتما في

إطار خطط الحرب على داعش لأن وحدات الحماية استخدمتها ضد القوات التركية والجيش الوطني السوري في معركة “نبع السلام”. من الذي موَّل هذه المشاريع وساهم في حفرها وتجهيزها وأشرف على التخطيط لها؟ هل تجد أنقرة لدى واشنطن إجابات مقنعة ومطمئنة؟

عودة أردوغان خالي الوفاض من البيت الأبيض تعني استمرار التوتر التركي الأميركي وتضارب المصالح والحسابات أكثر فأكثر. لكنها تعني أيضاً فتح الطريق أمام المزيد من الاصطفافات المتباعدة في سوريا والمنطقة.

ما إن تأكد للبعض أن العملية العسكرية التركية بالتنسيق مع قوى المعارضة السورية تتقدم بنجاح على الأرض حتى تحركت واشنطن وموسكو لإقناع أنقرة باتفاقيات ميدانية تنسحب بموجبها مجموعات “قسد” من المنطقة. الذي قد ينقذ أنقرة من ورطتها هذه هو احتمال أن لا يكون هناك تفاهمات أميركية روسية على حسابها لأن العكس سيكون كارثياً على مصالحها ونفوذها وحساباتها في أكثر من مكان.

ردت إحداهن على زوجها الساخر وهو يردد أن تعديلا جديدا دخل على القانون المدني يعطي المرأة الجميلة حق عدم الإنجاب حفاظا على رشاقتها فقالت ليت والدتك استفادت من هذه التعديلات أيضاً.

————————–

هل انجلى “ضباب” العلاقات التركية الأميركية؟/ سمير صالحة

استخدم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مفردة ضباب لوصف الحالة الراهنة في مسار العلاقات التركية الأميركية، وهو في طريقه إلى واشنطن للقاء نظيره الأميركي، دونالد ترامب، في الظروف الصعبة التي تمرّ بها العلاقات بين بلديهما. وتحدّث أيضا عن حالة “الوجع” التي تمر بها هذه العلاقات أيضا. وفي طريق عودته، سيكون السؤال: هل نجحت العلاقات الشخصية “الممتازة” بين الرئيسين في تبديد الضباب، وتسكين الوجع وإزالة حالة الاحتقان القائمة بين أردوغان ومراكز القرار والمؤسسات الأميركية العديدة الفاعلة، مثل الكونغرس ووزارة الدفاع (البنتاغون) وكبريات المؤسسات الإعلامية أم لا؟

مشكلة أنقرة في الولايات المتحدة ليست مع مجلسي الشيوخ والنواب فقط، بل مع اللوبيات الفاعلة والمؤثرة، مثل الإسرائيلية والأرمنية واليونانية والكردية، وبعض الدول العربية التي توحدت ضد السياسات التركية الإقليمية في مواجهة قلة من مناصري المواقف التركية. وهدف زيارة الرئيس أردوغان واشنطن، قبل أن يكون العمل على تحسين العلاقات وفتح صفحة جديدة من الحوار، كان وقف النزيف والبحث عن طريقة تجنب الطرفين مزيدا من الخسائر والأضرار. لم تقدم أنقرة أي شيء، ولم تحصل على أي شيء كما يبدو. وكذلك واشنطن أيضا. اقتراحات ووعود وعروض متبادلة لا غير، بانتظار تطورات ميدانية وسياسية جديدة، إسقاط ترامب مثلا.

يشيد الرئيس ترامب بدور صديقه أردوغان وجهوده في الحرب على التنظيمات الإرهابية، وبالصداقة القديمة بين البلدين، وأهمية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ويلوح بورقة المئة مليار دولار التي تنتظر تركيا في علاقات تجارية أوسع، لكنه يتخذ قرارت ويعلن مواقف تتعارض مع مصالح أنقرة وما تقوله وتريده. يتحدث أردوغان، من ناحيته، عن استعداد بلاده لفتح صفحة جديدة من العلاقات، لكنه يقول إنه قدم وثائق جديدة تدين مجموعة المنشق فتح الله غولن وكوادر الكيان الموازي، وتتطلب إعادة تسليمهم لأنقرة، وأن هناك في واشنطن من يخلط بين الأكراد وعناصر إرهابية تهدد الأمن القومي التركي، وأن موضوع صفقة الصواريخ الروسية انتهى، فعلى الإدارة الأميركية أن تبحث عن عرض جديد، وأنه أعاد الرسالتين الأخيرتين اللتين وجههما إليه ترامب، بأسلوبٍ لا يتفق مع روح الصداقة والمعايير الدبلوماسية واللغة التهديدية التي تضمنتهما.

كان القاسم المشترك الوحيد في التفاهمات ربما الاتحاد ضد أوروبا التي تتحرّك باستقلالية أوسع ضد أميركا، وبعيدا عن تركيا، في هذه الآونة. ومطالبة العواصم الأوروبية أن تتعاون معهما إذا ما كانت راغبة حقا في مواجهة التنظيمات الإرهابية، ومعالجة مشكلة اللجوء. وقد تحدث أردوغان عن 40 مليار دولار أنفقتها بلاده على السوريين الوافدين، وعن مساعدات أوروبية لا قيمة لها، وهو ما أعلن ترامب عن تأييده وقبوله، فهل يكون ذلك مقدمة لتفاهم تركي أميركي لتسريع خطة المنطقة الآمنة؟

الخدمة الأهم التي قدمها ترامب للرئيس التركي كانت تسهيل لقائه بمجموعة من صقور السياسة في الكونغرس من الجمهوريين لتبادل الآراء، فهل يكفي ذلك لإقناع مجلس المندوبين بالتراجع عن قراراته وتوصياته؟ ألا يتطلب ذلك خطوة تركية أيضا باتجاه التمسّك بتضييق الخناق على مصالح أميركا وحلفائها في شرق الفرات؟ ولماذا تبدّل واشنطن من مواقفها، وهي تستفيد من توتر علاقات تركيا مع لاعبين إقليميين عديدين يتسابقون نحو البيت الأبيض لدعمه في مواجهته مع أنقرة؟

لن تتخلى أميركا عن وحدات الحماية الكردية، وهي لا تحتاج إلى مزيد من الوثائق التركية التي تكشف عن علاقتها بحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه أنقرة إرهابيا. هي تريد أكثر من ذلك، عدم المساس بالمصالح الإسرائيلية في سورية، والابتعاد التركي عن إيران، والتخلي عن العروض الروسية المغرية، والالتزام بالإيقاع الأميركي الإقليمي، كما كانت الأمور في السابق. الكونغرس الذي تذكّر الأرمن، من دون مناسبة هذه المرة، قادر على افتعال أكثر من أزمة. وتكرر أنقرة أنها قادرة على المواجهة، وليس الصمود فقط، فكيف وأين ومتى ستفعل ذلك إذا ما ذهبت الأمور نحو خط اللاعودة؟

الأنظمة الرئاسية وهيكليتها وطريقة عملها في أميركا وتركيا تختلف تماما عن بعضها بعضا. ولم يفعل ترامب شيئا لعرقلة قرارات الكونغرس أخيرا ضد تركيا، بل أطلق يدها تتحد وراء الدعوة إلى معاقبة أنقرة على سياساتها ومواقفها. في تركيا لا يوجد كونغرس ليرد. اتحد البرلمان التركي وراء عملية “نبع السلام” العسكرية في شمال سورية، لكنه لم يرد على رسالة ترامب، ولا على قرارات الدعوة إلى تصعيد مجلس النواب الأميركي ضد أنقرة، وترك أردوغان وحيدا في المواجهة، لأن حزب العدالة والتنمية (الحاكم) تجنب مخاطر طرح الموضوع هناك. المشكلة، في أحد جوانبها، ربما بنية النظام الرئاسي الجديد في تركيا وطريقة عمله وتقاسم الأدوار فيه. كان من المفترض أن يكون هناك جهاز شعبي حزبي يوازي، بدوره وثقله، الكونغرس ومؤسساته، ليقف إلى جانب أردوغان في هذه الظروف الصعبة، وهذا ما ستناقشه تركيا في المرحلة القصيرة المقبلة حتما.

قد يكون الموجع تجاهل ترامب الإجابة على السؤال ما إذا ما كان سيستقبل قائد قوات سورية الديمقراطية، الجنرال عبدي مظلوم، الذي وصفه أردوغان بالابن الروحي لزعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان. وقد جدّدت واشنطن تمسّكها بوحدات الحماية الشعبية (الكردية) شريكا لها في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فهي لن تفرّط بورقة هذا الحليف المحلي الذي يوفر لها الوجود العسكري والسياسي، ويجلسها فوق آبار النفط في شرق سورية وأمام أية طاولة حوار حول التسويات هناك.

كان السؤال، قبل أسابيع، ما إذا كان الرئيس أردوغان سيتراجع عن تلبية الزيارة إلى واشنطن بعد رسالة ترامب الموجعة في 9 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، لكنه قرّر الذهاب، ليقول ما عنده ويعيد إلى ترامب مكتوبه. صحيحٌ أنه كان يتحرّك ويناور في الجانب الأميركي من الملعب، لكن المشهد بدا وكأن أردوغان هو من كان في وضعية المدافع وليس المهاجم هناك، حيث أصر ترامب على الظهور وكأنه من يقود اللعبة، ويواصل الهجمات وتسديد الضربات، لتسجيل مزيد من الأهداف في المرمى التركي.

العربي الجديد

——————————–

“نبع السلام”: ترسيم مناطق النفوذ/ عبدالناصر العايد

على الرغم من بعض المناوشات هنا وهناك، والتفجيرات “الروتينية”، يمكن القول إن الأوضاع قد استتبت في منطقة عمليات “نبع السلام”، أي في الشريط الحدودي الممتد بين مدينتي تل أبيض ورأس العين، بشكل نهائي تحت السلطة التركية، سواء من حيث السيطرة العسكرية المباشرة، أو من حيث التوافقات الدولية، وغدا أمراً واقعاً شأنه في ذلك شأن مناطق “درع الفرات” و”غصن الزيتون”.

حدود السيطرة التركية

لم تتجاوز قوات “الجيش الوطني” المدعومة من تركيا طريق M4 الدولي القامشلي-حلب، بل لم تصل إليه في الكثير من المناطق. والأكثر دلالة، أن قوات “الجيش الوطني” قد انسحبت من 11 قرية في منطقة تل ابيض، تقع على الطريق M4 مباشرة، بعد السيطرة عليها. ويشير ذلك إلى وجود اتفاق محدد وخريطة انتشار متفاهم عليها بين أطراف النزاع.

في منطقة تل ابيض يبدو أن القوات الأميركية، التي لا تزال في قاعدة الجلبية، هي من يرسم حدود التقدم التركي، فيما بدأت الشرطة العسكرية الروسية برسم الحدود شرقاً في منطقة رأس العين. وعلى الرغم من الضجيج الاعلامي المتبادل حول “اكتساح” فصائل “الوطني” لريفي المدينة الشرقي والجنوبي، إلا أن خط الجبهة لم يشهد تبدلات جذرية، وما زالت المعارك تدور بالقرب من الطريق الدولي جنوباً، وبعض البلدات “المتنازع” عليها شرقاً، والتهاون الروسي هنا وهناك، هو للضغط على “وحدات الحماية” الكردية واجبارها على الخضوع لإملاءت موسكو، لا أكثر.

ترسيم الحدود على هذه الصورة واستقراره عليها، تدعمه عودة قوات نظام الأسد إلى الانتشار في الخط الثاني لجبهات القتال خاصة في تل تمر، بعدما انسحبت منها، واسناد “الوحدات” التي تقاتل في الخطوط الامامية. قوات النظام بدأت إنشاء مقرات لها في المنطقة تمهيداً لإعلان سيطرتها عليها بشكل كامل، وهو ما يبدو مطلباً من انقرة، التي لا تمانع في فرض نظام الأسد سلطته في المنطقة ولا تعتبره عدواً هناك، بدلالة إعادة 18 من عناصره الذين وقعوا في قبضة “الجيش الوطني”، وعدم توجيه أي ضربات لقوات النظام المنتشرة في المنطقة ما لم تبادر هي إلى الهجوم كما حدث في منطقة تل تمر.

“نبع السلام”

لم تتأخر تركيا كثيراً في فرض سلطتها الإدارية ايضاً على الجيب المسيطر عليه، وبما أن منطقة تل ابيض تبدو الأكثر استقراراً فقد عمدت مباشرة إلى تعيين مجلس بلدي من أبناء المدينة الموالين لها، لإدارة شؤونها، فيما عهدت لولاية شانلي أورفا المجاورة تأسيس إدارات تابعة لها في المدينة وقراها، على النهج الذي سارت عليه ولاية غازي عينتاب في مناطق “غص الزيتون” و”درع الفرات”. وتم اطلاق “مركز تنسيق منطقة نبع السلام” الذي يضم 26 جهة من المؤسسات العامة والإدارات المحلية والمنظمات المدنية في تركيا، بهدف تنظيم الحياة الإدارية والاقتصادية والخدمية في المنطقة. فيما أعلنت وزارة الداخلية في “الحكومة السورية المؤقتة” عن فتح باب التطوع للعمل في الشرطة المحلية.

ويبدو أن الاستعجال التركي مدفوع برغبة الانتقال إلى المرحلة التالية والأهم؛ دفع اللاجئين السوريين إلى تلك المنطقة، وتوطينهم هناك. وبدأ ذلك بالطلب إلى مقاتلي عملية “نبع السلام” السوريين، ارسال قوائم بأسماء عائلاتهم، ليتم نقلهم إلى المنطقة أولاً. ويبدو ذلك اجراءً تمييزيّاً لهم، لكون عملية التوطين ستتضمن نوعاً من “الاغداق” التركي، بغرض اجتذاب اللاجئين السوريين العرب إليها. وباستثناء مدينة رأس العين، فالشريط الحدودي رأس العين-تل أبيض، هو بالأصل منطقة ذات أغلبية عربية.

وقيل إن الحكومة التركية تخطط لإنشاء تجمعات سكنية عديدة وواسعة في السهل الممتد من تل ابيض ورأس العين، يتم بناؤها من قبل شركات تركية، وتوزع على الراغبين مجاناً، بالإضافة إلى تقديم الخدمات وتمكينهم من سبل العيش والاستقرار النهائي، خاصة للمهجرين الذين فقدوا الأمل بالعودة إلى مناطقهم، وللنازحين العرب المتواجدين في ولاية شانلي أورفا، والذين سيكون بإمكانهم الاستقرار في مناطق قريبة من بلدات الرقة والحسكة وديرالزور التي هُجّروا منها قسراً.

الطرف الكردي: تقليدي

أمام هذه الحقائق الميدانية الصلبة التي يتم ترسيخها بالقوة العسكرية والتفاهمات الدولية، لا يزال الطرف الكردي متخبطاً، وتكشف ردود فعله عن ضعف بنيوي في المؤسسات التي بناها خلال السنوات الماضية في ظل الوجود الأميركي، وأظهرت قدراً غير متوقع من الهشاشة واللاواقعية. ويبدو أن الهزائم المتوالية بدأت تنعكس على الحالة الداخلية الكردية، بانقسام وتبادل اتهامات وتحميل للمسؤولية، مع ازدياد أعداد اللاجئين والنازحين والمُهجرين الأكراد الذين أصبحوا عبئاً ثقيلاً تزداد وطأته منذ معركة عفرين.

“الوحدات” الكردية بدأت بإحراق الورقة الأخيرة المتبقية لديها، وهي التعاطف الدولي، على أثر بعض الانتهاكات التي اقترفتها القوات الموالية لتركيا أثناء عملية “نبع السلام”، وذلك من خلال موجة تفجيرات طالت المدنيين في تل أبيض وعفرين وجرابلس، واتهمت بها “الوحدات” الكردية، التي لم تنفِ التهمة. في الوقت الذي تلقفت فيه وسائل الاعلام التركية، والأخرى الداعمة لها، هذه الحوادث لشن حملة مضادة، منظمة ومؤسساتية، على “الوحدات” الكردية، يبدو أنها لن تتوقف قبل أن تجبر كافة الأطراف التي تعاطفت من “الوحدات” على سحب تعاطفها على الأقل، هذا إذا لم يتم اقناعها بأن تلك القوات “إرهابية” بالفعل.

والآن.. ما الخطوة المقبلة؟

متلطياً خلف الشرطة العسكرية الروسية، كسب نظام الأسد السيطرة بلا جهد يذكر على مناطق شاسعة ما كان يحلم بالوصول إليها لولا عملية “نبع السلام”. ومكاسبه السهلة تبشر بالمزيد فيما لو نفذ اشتراطات انقرة بتفكيك الكيان الكردي في شمال منطقة القامشلي وما حولها، بعد ان يحكم قبضته على “قواعده الاجتماعية” المتمثلة بالبلدات والمدن ذات الأغلبية الكردية المنتشرة على الحدود. ولن يبذل النظام الكثير من الجهد للاستحواذ عليها، فالأتراك سيواصلون التهديد باقتحامها، حتى تسلم “الوحدات” الكردية مفاتيح آخر قرية لبشار الأسد. وبعدها سيبدأ التفاوض على الحل النهائي في سوريا، والذي سيتضمن انسحاب تركيا من الجيوب التي تم إسكان اللاجئين فيها، ورعايتهم، وهي الورقة التالية التي ستلعبها أنقرة وتتذرع بها للإبقاء تلك المناطق تحت سيطرتها في المدى المنظور، لتضمن دوراً فاعلاً للمعارضة السورية المرتبطة بها في مستقبل سوريا.

وفيما يعرف الجميع تقريباً ما يتوجب عليهم فعله، سيبقى مظلوم عبدي ورفاقه في حيرة من أمرهم، فإما الالتحاق بالقوات الأميركية التي ترابط عند حقول النفط في المنطقة العربية جنوباً، وإما العودة إلى قنديل، وبث الأغاني الحماسية التي تبشر باستعادة عفرين وكريسبى وكوباني وعامودا وغيرها.

المدن

————————————

كرد سوريا ضحية الحسابات الدولية والإقليمية/ عبد الباسط سيدا

يُقال إن أحدهم توجه إلى رجل دين معروف بحكمته وبقدرته على إيجاد الحلول لجميع المشكلات، لينقل إليه شكواه وشكوى زوجته وأولاده من ضيق المكان، فقد كانوا يسكنون غرفة واحدة يستخدمونها لكل الحاجات. وكانت النصيحة التي تلقاها أن عليه إدخال بقرة إلى الغرفة، على أن يعود إليه (إلى رجل الدين) بعد أسبوع. استغرب صاحبنا الحل، بل واستنكره؛ ولكن أمام إلحاح رجل الدين رضخ للأمر الواقع، وأدخل البقرة إلى المكان الضيق أصلاً. وعاد في الأسبوع التالي، ليفاجأ بطلب غريب جديد، وهو أن يضيف إلى البقرة نعجة، على أن يعود بعد أسبوع. لم يناقش الأمر كثيراً هذه المرة، وفعل ما طُلب منه، وعاد بعد أسبوع ليصعق بطلب ثالث، وهو أن يضيف عنزة إلى البقرة والنعجة. اعترض المسكين على كلام رجل الدين، ولكن الأخير تمكّن بحكمته، وسلطته الأدبية من إقناعه؛ وكالعادة، كان عليه أن يعود بعد أسبوع. ونفذ الرجل الطلب الجديد، ولكنه لم يتحمّل أسبوعاً، إذ عاد بعد يومين، ليقول للحكيم بأن الحياة في المسكن قد باتت جحيماً، ولم تعد تطاق أبداً؛ فطلب منه إخراج العنزة والعودة بعد أسبوع. وعاد في الوقت المحدد، ليعلن بأن الأمور أصبحت أفضل من السابق بكثير، وهكذا أخرج النعجة، ومن ثم البقرة؛ وعاد في الوقت المحدد، ليؤكد أن المسكن قد غدا جنة، وأنه مع زوجته وأطفاله سعداء بوضعهم، ولم تعد لديهم أية شكوى بخصوص ضيق المكان.

هذه الحكاية سمعتها من صديق قديم في ديريك/ المالكية في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وما ذكّرني بها هو ما أقدم عليه حزب الاتحاد الديمقراطي (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني) مؤخراً بخصوص إعادة تسليم المناطق، التي كان قد سيطر عليها في الأساس بالاتفاق والتنسيق مع النظام، ومن ثم بدعم أمريكي، إلى النظام بالتنسيق مع الجانب الروسي، وبموافقة ضمنية من الجانبين الأمريكي والتركي. أما التبرير الذي قدمه الحزب المعني لخطوته تلك فكان بأنه أقدم عليها من أجل إنقاذ المنطقة وأهلها من التدمير والتهجير؛ فعمت الاحتفالات بين قسم كبير من سكان الحسكة وقامشلي، الذين كانوا قد ضاقوا ذرعاً بممارسات وبهلوانيات الحزب المذكور و”إدارته الذاتية” التي كانت مجرد واجهة تضليلية للتستر على التحكّم المفروض من جانب كوادر حزب العمال الكردستاني بكل المفاصل، وبالتنسيق مع النظام بطبيعة الحال.

لقد دخل هذا الحزب إلى الساحة السورية بناء على صفقة أمنية مع النظام السوري وحلفائه، وتسلّم المناطق الكردية في صيف عام 2012 في إطار عملية وُصفت في حينها بالتسليم والاستلام؛ وها هو اليوم يعود لتسليم هذه المناطق إلى النظام الذي كان منذ البداية يراهن على إمكانية استعادتها في ظرف أيام إذا تغيرت الظروف والمعطيات. فهو في ذلك الحين كان يحرص كل الحرص على منع تفاعل الكرد مع الثورة، ويحاول تركيز جهوده العسكرية والأمنية على المناطق الداخلية، فسوريا كلها كانت في حالة ثورة ضده، وكان يتعرض في الوقت ذاته لضغط دولي كبير من مختلف الاتجاهات.

وها هو النظام يعود اليوم في صيغة المنتصر إلى المناطق ذاتها بعد مرور نحو تسع سنوات من معاناة العباد والبلاد القاسية الطويلة التي تمثلت في القتل والتدمير والتهجير. والأمر الواضح هو أن إخراج المشهد بهذا الشكل كان بفعل التوافقات التي كانت بين الروس والأمريكان، وعلى الأغلب معهم إسرائيل، حول ترتيب معين للأوضاع في سوريا، يظهر وكأنه الحل الذي طالما انتظره السوريون. حل يحافظ على النظام، ويقتصر على بعض التغييرات الشكلية، التي قد تشمل بعض الأسماء، إلى جانب مواد دستورية لن تفعّل قط في ظل تحكم النظام الأمني في مفاصل الدولة والمجتمع.

ويبدو أن تركيا، من خلال كونها طرفاً من أطراف مسار أستانا إلى جانب كل من روسيا وإيران، وبحكم علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، رغم كل الشد والجذب الذي كان بينهما، قد أُعطيت دوراً لتنفيذ جزء مما كان قد تم التوافق عليه. فالنظام قد عاد بصورة علنية إلى منطقة الجزيرة التي لم يكن قد غادرها أصلاً، وإنما كان قد أجرى عملية إعادة انتشار، إذا صح التعبير.

وما يُستشف من المعطيات والوقائع هو أنه لن تكون هناك حرب سورية-تركية. لأن الهجوم العسكري التركي الأخير يقتصر على المنطقة الواقعة بين تل أبيض ورأس العين، وذلك لتعزيز الوجود التركي في الشمال السوري، ليكون ورقة تفاوضية في المرحلة القادمة التي ستشهد على الأغلب توافقاً دولياً على صيغة ما من حل لن يكون قطعاً في مستوى تضحيات وتطلعات السوريين، ولكنه سيكون القاسم المشترك بين المصالح والحسابات الدولية والإقليمية الخاصة بسوريا، ودورها المفتاحي في المنطقة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف ستتعامل تركيا مع الوضع الجديد بعد الاتفاق الذي تم بين النظام السوري وحزب الاتحاد الديمقراطي بهندسة وإشراف روسيين؟

ما يستنتج من تصريحات المسؤولين على أعلى المستويات هو أن تركيا ليست في وارد مواجهة جيش النظام السوري، فالأتراك يبدون حرصهم على وحدة الأراضي السورية، وإبعاد حزب العمال الكردستاني عن الحدود.

والقراءة الأولية لهذه التصريحات، هذا ما لم تحدث مفاجآت أو انعطافات، هو أن الجانب التركي، وبالتوافق مع الروسي والإيراني، وحتى بالتفاهم مع الأمريكي، سيقبل في المرحلة الراهنة التي ستمتد إلى حين إيجاد مخرج عام للموضوع السوري، بالتعامل مع النظام، ولكن ضمن شروط ستكون مستندة على الأغلب إلى اتفاقية أضنة الأمنية 1998. وهذه هي الاتفاقية التي أُجبر نظام الأسد الأب حينها على توقيعها بوساطة مصرية، والتزم بموجبها بإبعاد عبدالله أوجلان وكوادر حزبه، كما التزم بمنع أي نشاط لحزب العمال على الأراضي السورية.

فوفق هذه الاتفاقية، التي قد تكون أساساً لاتفاقية جديدة تتناسب بنودها مع المتغيرات المستجدة، سيتم إبعاد عناصر حزب العمال الكردستاني عن الأرض السورية، وسيتم استيعاب قسم من عناصر الـ “ب. ي. د” السوريين ضمن الجيش السوري والميليشيات التابعة للنظام. وذلك وفق النموذج الذي كان في درعا وغيرها من المناطق السورية التي شهدت عمليات خفض التصعيد، وسيعود قسم آخر إلى أعمالهم، وربما يتعرض آخرون للسجن والمحاكمات من جانب النظام، بناء على اتهامات يستطيع النظام أن يخترعها ويلصقها بهم.

الخاسر الوحيد في العملية كلها هم السوريون، والكرد السوريون منهم على وجه التحديد. فهؤلاء قد اتهموا من قبل النظام والمعارضة بشتى أنواع التهم التي لا دخل لهم فيها، وإنما كانوا ضحية مشاريع النظام وحزب العمال والقوى الدولية، فهؤلاء أرادوا ضبط المنطقة، ومنعها من التفاعل مع الثورة، ولتحقيق ذلك استخدم عشرات الآلاف من شباب كرد سوريا وقوداً في مشاريع الآخرين.

المحنة كبيرة. والحاجة ماسة إلى جهود دولية جادة لتسليط الضوء عليها، والتحرك من أجل معالجتها، وإلا فالأوضاع ستكون أكثر سوداوية، الأمر الذي سيؤكد مجدداً بأننا نعيش عالماً بلا مبادئ أخلاقية رادعة، وأن الأزمة التي يعاني منها كوننا عميقة شاملة إلى حد كبير.

كاتب وأكاديمي سوري

القدس العربي

—————————————

ماذا حصّلت تركيا من الاتفاقين مع روسيا وأمريكا؟/ وائل عصام

يقول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إن أمريكا وروسيا لم تلتزما بإبعاد القوى الكردية عن الحدود التركية، وإن «نبع السلام مستمرة»، ويؤكد ذلك وزير الدفاع التركي خلوصي أقار، الذي قال ايضا «إن تنظيم YPG/PKK الإرهابي انتهك الاتفاقات المبرمة مع الولايات المتحدة وروسيا، ولم ينسحب من المنطقة».

إذن القوى الكردية لم تنسحب من المنطقة الآمنة، حسب الاتفاقين اللذين وقعتهما تركيا، الأول مع الولايات المتحدة، ونص على وقف فوري لإطلاق النار لخمسة أيام، بشرط «وعود» بانسحاب الأكراد من كامل المنطقة الآمنة، ولم تنفذ القوى الكردية أيضا انسحابها، حسب اتفاق ثان مع موسكو، ينص على السماح بدخول قوات النظام السوري (حرس الحدود) مع القوات الروسية (الشرطة العسكرية) للمناطق الحدودية، عدا شريط تل أبيض وراس العين الخاضع للسيطرة العسكرية التركية، مقابل وقف تركيا لعمليتها العسكرية.

في الاتفاقين، حصل الأمريكيون والروس على ما يريدونه مباشرة وفورا، الأمريكيون حصلوا على وقف فوري لإطلاق النار، والروس حصلوا على انتشار فوري لقوات النظام السوري مع قواتهم، في مناطق ظلت خارج نفوذ دمشق لسنوات طويلة، في المقابل، لم تحصل تركيا سوى على «كلام على الورق»، اعترف قادتها اليوم بأن الوعود الأمريكية والروسية لم تنفذ! قد يكون هذا مفاجئا لمن أسهب بالاحتفاء بالاتفاق التركي الأمريكي والروسي لاحقا، ووصفه بعبارات مثل «تركيا حصلت من القوى العظمى على ما تريده تماما من دون رصاصة واحدة»، رغم أن الشيء الوحيد الذي لم تخسره تركيا في هذين الاتفاقين، هو ما حصلت عليه بالرصاص وبالقوة العسكرية، شريط حدودي ضيق يصل بين تل أبيض وراس العين. لم تكن هناك حاجة لقراءة بنود الاتفاقين، قبل قراءة واقع توازنات القوى في سوريا، الذي يؤشر لهامش ضئيل لأنقرة في التحرك داخل سوريا، وهو تحرك، إن تم، لا بد من أن يكون موافقا لمصالح الأطراف الأقوى، أو على الأقل لا يعاكس مصالحها، وهم أولا محور النظام وإيران وروسيا، والمحور الأمريكي ثانيا في جيوبهم الشمالية، والأكراد ثالثا، كقوى تملك هيمنة عسكرية على معظم شمال شرق سوريا، لكنهم لا يملكون وحدهم مواجهة تركيا .

وها هم الأكراد، وبعد توقيع الاتفاق مع النظام السوري بالانتشار العسكري شمالا، يحاولون المماطلة ورفع سقف مطالبهم في التفاوض مع دمشق، ويقول مظلوم عبدي، إنهم مصرون على شرطين لإنجاح التفاوض مع دمشق، أولا، تجنب دمج قواتهم كأفراد في الجيش السوري الحكومي، بل يريدون منح قوات سوريا الديمقراطية خصوصية ما، بل إنه وصفها بالاستقلالية، ضمن قوات النظام. وثانيا، بقاء الإدارة الذاتية الكردية جزءا من الدولة السورية وفق تشريع دستوري. وتواصل قسد، مع قوات النظام، عملياتهما محاولين استعادة ما يمكن استعادته من قرى سيطرت عليها الفصائل الموالية لأنقرة، فقد استعادت قسد، السيطرة على قرية «أم شعيفة» الواقعة على الطريق بين تل تمر وأبو راسين في محافظة الحسكة، وكذلك منعت قوات الجيش الوطني المعارض، من التقدم على قرية شراكوك قرب عين عيسى، وهي كلها معارك ضمن عمق الثلاثين كيلومترا المنصوص عليها في الاتفاقين.

وتبدو تلك المواجهات المستمرة رغم التنسيق المشترك الروسي التركي في سوريا، وإن كانت مواجهات محدودة، تبدو رسالة واضحة من روسيا، أن وجود تركيا العسكري شمال سوريا، سيبقى مصدرا للقلق حتى انسحابها بالكامل من هذا الشريط ومعه عفرين، لكن لن يكون هذا في المستقبل القريب، بل بعد حسم الوضع في إدلب، وانتفاء الحاجة لتلك المنطقة كملجئ للنازحين من معارك إدلب، المتوقع عودة زخمها لأقصى درجاته، تمهيدا لهجوم جديد للنظام السوري في الاسابيع القليلة المقبلة.

القدس العربي»

——————-

لا حرب ضدّ الأكراد في سورية/ مهند الكاطع

منذ الإعلان عن بدء عملية نبع السلام، العسكرية التركية في شمال سورية، ظهرت في الوسط الكردي المؤيد لسياسات العمال الكردستاني، أو المخالفة لها، أصوات تندد بالمعركة بوصفها “حربا ضدّ الأكراد” بحسب رأيهم. والواقع أنّ محاولة التوأمة بين قوات سورية الديمقراطية (قسد) وجميع الكرد ضمن هذا المعادلة مضللة للواقع، بل ومحاولة لاستثمار الأحداث في ترويج دعاية “استهداف الكرد”، كإحدى أدوات الحشد القومي التي يبدو أن تأثيراتها العكسية كانت أكبر من المكاسب التي توقعها أصحاب تلك الدعاية، فقد ساهمت هذه الدعايات بتعزيز مخاوف الأكراد أنفسهم، ودفعت مئات العائلات إلى الاتجاه نحو حدود كردستان العراق، للهروب من هذه المعركة التي “ستقضي عليهم”، وفق ما جرى تصويره.

بصراحة، وبحكم مجريات الأمر الواقع، وبعيداً عن التوظيف السياسي، لا صحة البتة لمزاعم وجود عمل مسلّح يستهدف الأكراد في سورية، وغير صحيح بالمطلق أن نطاق المعارك التي جرت ضمن إطار عملية نبع السلام (تل أبيض – رأس العين) استهدفت الأكراد، إذ إن عدد الأكراد لا يتجاوز 5% من سكان تل أبيض، في حين أنهم لا يشكلون أكثر من 15% من سكان بلدة رأس العين، مع أغلبية كردية واضحة في الريف الشرقي لرأس العين باتجاه الدرباسية، وبالتالي فعمليات النزوح التي حدثت بشكل طبيعي في أثناء المعارك كانت من العرب بغالبيتها العظمى، بحكم ديمغرافية تلك المناطق، بدليل أن معظم الشكاوي التي تم تسجيلها عن انتهاكاتٍ على الأملاك في رأس العين وريفها الغربي خصوصا، جرى توثيقها بحق العرب، لذلك فتصوير العملية أنها ضد الأكراد فقط، كما لو كان الأكراد يعيشون في جزر معزولة عن باقي مكونات الشعب السوري في الشمال الشرقي السوري غير صحيح. وللأسف، تلقفها بعض السوريين الذين يجهلون تركيبة المنطقة السكانية.

القوى والشخصيات الكردية السورية (غالبا التابعة لمسعود البارزاني)، والمُستبعَدة قسراً من

مشروع حزب العمال الكردستاني، بعد رفضه تقاسمه السلطة معها، بعد مفاوضات واتفاقيات رعاها البارزاني سنة 2013، تبرر موقفها الرافض العملية التي أجهضت عملياً مشروع هذا الحزب، بحجة الحرص على السيادة السورية، لكنها مزاعم متناقضة مع ترحيبها، في الوقت نفسه، بالوجودين، الأميركي والروسي، بل وحتى التهليل لدخول النظام!! ناهيك عن أن الخرائط “المتخيّلة” لكيان كردي في سورية أيضاً تناقض الحِرص المزعوم على السيادة المنتهكة بالأساس منذ نصف قرن.

وفي حال استثناء الموقف الذي تبنته رابطة المستقلين الكرد في سورية، والتي أيدت جهود اجتثاث “العمال الكردستاني” من سورية، فإن الأسباب الكامنة وراء موقف باقي القوى والشخصيات الكردية في سورية غير المحسوبة على هذا الحزب، وعلى الرغم من هذا، بدأت فجأة تتغنّى ببطولات عناصره، وتهرب باتجاه تبنّي دعاية استهداف الأكراد في سورية، يمكن تلخيصها بالآتي:

أولا، التحسّر على مكاسب “قسد” العسكرية التوسعية على الأرض التي لم يكن يحلم بها الأكراد يوماً، ولم تكن حتى خرائطهم المتخيلة تمتد لتقضم كل تل المساحات الشاسعة التي شملت ثلث سورية، الغني بالثروات الذي يشكل العرب فيه أكثر من 85% من السكان، حيث كان هؤلاء (أي التابعون للبرزاني) يأملون أن تؤول إليهم الأمور في لحظة معينة، ويستطيعون إدخال عناصرهم التي تدعى “بيشمركه روجافا” والتي تخضع حاليا لقيادة عناصر من بيشمركة البرزاني بشكل كامل، وتخضع لتدريبات منذ بدء الثورة في شمال العراق.

ثانيا، ما تمثله تركيا لأكراد سورية تحديدا من عدو قومي يرتبط بذاكرة جمعية تتعلق بحوادث التهجير الكمالي الأتاتوركي لهم من أرضهم، وحرمانهم من كردستان التي حدّدتها اتفاقية سيفر ضمن الخريطة التركية الحالية، كانت هذه العداوة قد انتقلت إلى الأكراد العشائريين في سورية الذين تأثروا ببواكير الحركة الكردية/ التركية اللاجئة إلى سورية، والتي احتضنها الفرنسيون منذ أواخر عشرينيات القرن الماضي في سورية.

وفي خضم كل ما يحدث من مجرياتٍ تتسارع وتيرتها في الشمال السوري، يتم تناول الموقف المؤيد لعمليات اجتثاث تنظيم “قسد” بأنه موقفٌ متخاذل اتجاه احتلال أجنبي تركي للأراضي السورية، في الوسع إيجاز النقاط التي توضح تهافت هذه المغالطات من خلال الآتي:

أولا، كانت تركيا آخر القوات التي دخلت في سورية جنباً إلى جنب مع فصائل المعارضة، بعد سنوات على التدخل الإيراني والروسي والأميركي والفرنسي، وكلها جيوش لدول غير حدودية مع سورية.

ثانيا، من الناحية المتعلقة بمجريات الثورة السورية، كانت تركيا الدولة التي تتحمّل الشطر الأكبر من الأعباء، بعد أن فتحت حدودها أمام ملايين اللاجئين، الأمر الذي سبب لها أيضاً مشكلات داخلية لا تخفى على أحد.

ثالثا، خاضت تركيا حربا مع منظومة العمال الكردستاني منذ عام 1978، ذهب ضحيتها أكثر

من 30 ألف كردي، وتم خلالها تدمير أكثر من أربعة آلاف قرية كردية، كانت تتعرض للحرق على أيدي مليشيات “العمال الكردستاني”، بتهمة الخضوع للدولة التركية.

رابعا، للشعب السوري مصلحة بالقضاء على مشروع العمال الكردستاني/ التركي الذي لا يمثل في مرجعيته وقادته وشعاراته وأهدافه وممارساته وانتهاكاته وتسلطه وعلاقته مع النظام، ثم الأميركان أدنى مصلحة الشعب السوري ومستقبله.

خامسا، الانتصار المزعوم على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بخلاف المبالغة بتصوير حجمه، إلا أنه كان يخفي وراءه تدمير 80% من محافظة الرّقة، وفق تقرير الأمم المتحدة، وارتكاب مجازر حرب بحق المدنيين، وفق تقرير منظمة العفو الدولية، وارتكاب أكثر من 22 مجزرة موثقة بحق المدنيين، وفق تقارير مختلفة للجان حقوقية محلية، وتهجير عرقي لمئات القرى، بل ونواح بأكملها، كما حدث في نواحي الشيوخ والهول على يد مليشيات “قسد” التابعة لحزب العمال الكردستاني.

سادسا، قبول حقيقة المصلحة المشتركة للسوريين مع الأتراك في إحباط مشروع العمال الكردستاني لا يعني أن المعركة ضد الأكراد، فمليشيات “قسد” متعدّدة الأعراق والجنسيات أيضا يشكل العرب أكثر من 70% من عناصرها، لكنها تخدم أجندة “العمال الكردستاني”، وتعمل تحت قيادة عسكرية من جبل قنديل.

سابعا، إدراكنا خطر مشروع “العمال الكردستاني” لا يعني في المقابل الترحيب باستبدال قوة أجنبية أخرى على الأرض السورية، بمعنى أن الكاتب ينظر إلى الأمر من زاوية التدخل المؤقت لمصلحة مشتركة، يعقبه انسحاب كل القوات الأجنبية من سورية، ولا يمكن لأي سوري القبول بأدنى من ذلك، مهما كانت الذرائع.

أخيرا يجب التأكيد على حقيقة أن خياراتنا، نحنُ أبناء الشعب السوري، اليوم في حالة ضعف لا يمكن إنكارها، وفي ظل احتلال أرضنا من مختلف الجيوش والمليشيات، محدودة، مع أملنا بدفع جدي لعمليةٍ سياسيةٍ تفضي إلى عزل الأسد وإنهاء حقبة الاستبداد واستعادة الشعب السوري قراره. والأهم أن تستوعب مكونات الشعب السوري، وخصوصا الأقليات من الثورات المشتعلة في العراق ولبنان، بأن المحاصصات لا تبني أوطاناً، ولا تحقّق مستقبلاً لأي مجموعة إثنية أو دينية أو طائفية.

العربي الجديد

—————————————

واشنطن بوست: محاولات ترامب السيطرة على نفط سوريا “فعل نهب وغير قانوني

اعتبر جيمس جي ستيوارت، المحاضر بالقانون بجامعة بريتش كولومبيا، المحقق السابق في جرائم الحرب، حديث الرئيس دونالد ترامب عن “الحفاظ على بترول الشرق الأوسط” غير قانوني، ذلك أن المعايير القانونية الدولية تحظر النهب.

وقال: “يريد الرئيس ترامب أن نعرف، رغم قراره سحب القوات الأمريكية من المناطق التي كان يسيطر عليها الأكراد في سوريا، أنه يخطط للحفاظ على نفط سوريا وسينشر القوات الأمريكية لعمل هذا، ولو فعل هذا فسيخلق سابقة خطيرة وربما ارتكب جرائم حرب”، ذلك أن السيطرة على نفط سوريا سيكون بمثابة “النهب” والسرقة أثناء الحرب، وهو ما ينص عليه البند 33 من ميثاق جنيف الرابع وقوانين وأعراف الحرب على الأرض الصادرة عام 1907 والتي تنص على أن “نهب بلدة أو مكان أثناء الهجوم العسكري ممنوع”.

كما أن المنع يحظى بأرضية صلبة في قوانين الحرب والعدالة الجنائية الدولية والقوانين الفيدرالية الأمريكية بما في ذلك حظر الاستغلال غير القانوني للمصادر الطبيعية مثل النفط في محاور الحرب.

وبرر ترامب السيطرة على النفط “لحمايته” ومنع الأعداء من الحصول عليه. وقد يكون هذا مبررا ذكيا من الناحية العسكرية، ولكن من الناحية العملية فلا نعرف إن كان أعداء أمريكا مثل تنظيم “الدولة” لديهم الإمكانيات لاستغلال النفط السوري.

وكما قالت روبن رايت في مجلة “نيويوركر” فإن الخبراء الذين تحدثت معهم قالوا إن “الحركة الجهادية ليست قوية لاستعادة وإدارة آبار النفط السورية”. إلا أن منطق ترامب الخطير يقوم على فكرة أن النفط هو بمثابة مكافأة لأمريكا مقابل استثمارها العسكري في الشرق الأوسط.

وفي خطاب ألقاه في 29 تشرين الأول/ أكتوبر قال: “نريد الحفاظ على النفط، 45 مليون دولار في الشهر؟ لنحافظ على النفط”، وهو نفس ما قاله في مقابلة مع شبكة إي بي سي نيوز عام 2011 عن نفط العراق: “إذا انتصرت بالحرب فسيكون من نصيبك، فنحن سنأخذه لاستعادة 1.5 تريليون دولار”. وهذه الفكرة تذهب أبعد من تأمين النفط، بل تقوم على التربح منه، مما يعني المسؤولية عن النهب. وخلافا لما يقوله ترامب، فالنهب هو شكل من أشكال السرقة. ويرى الكاتب أن هذا الكلام ليس غريبا على ترامب، وكمواطن عادي عام 2011، قال في مقابلة مع صحيفة “وول ستريت جورنال” معلقا على التدخل الأمريكي في ليبيا: “أنا مهتم فقط بليبيا لو حصلنا على النفط، ولو لم نحصل عليه فأنا لست مهتما”.

وبالنسبة للعراق قال: “طالما سمعت أننا ذهبنا للعراق، ذهبنا من أجل النفط. وقلت حينها هذا ذكاء”. وعبّر عن خيبة أمله أن هذا لم يحدث وهو يعلن مقتل زعيم تنظيم “الدولة” أبو بكر البغدادي، حيث قال متحسرا: “قلت دائما.. إن كانوا سيذهبون إلى العراق فخذوا النفط ولم يفعلوا أبدا ولم يفعلوا أبدا”.

ولو تصرفت أمريكا حسبما يريد ترامب، فستكون كمن يستغل الحرب في محاور نزاع أجنبية. وفي إطار آخر، فإن دعوة ترامب للسيطرة على المصادر الطبيعية هي بمثابة إطالة لأمد الحروب، وفتح الباب أمام العنف حول العالم لتأمين المصادر الطبيعية بيد دعاة الحرب ولكن بثمن إنساني باهظ. لكل هذا تم منع النهب وتقنينه كقاعدة في قوانين الحرب ومنعت الكثير من المحاكم الاستغلال غير القانوني للمصادر الطبيعية وسط الحروب. وطلب الرئيس أبراهام لينكولن من فرانسيس ليبر كتابة مسودة قوانين تطبق على الحرب الأهلية وأسماها بشكل رسمي “تعليمات لقوات حكومة الولايات المتحدة في الميدان”، وتعرف أحيانا بقانون ليبر. وحظرت من بين عدة أشياء “كل أشكال النهب”.

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية أصدرت المحكمة العسكرية الدولية في نورنبيرغ، حكما على والتر فرانك وزير الاقتصاد النازي، ومدير شركة النفط القارية، بتهم نهب النفط الذي سرق من كل المناطق التي احتلها النازيون في أوروبا. وبالمثل وجدت المحكمة العسكرية الأمريكية أن بول بليجر، مدير الشركة الذي عينه جيش الاحتلال الألماني، مسؤولا عن نهب الفحم والحديد من مناجم الدول المحتلة. ووجد قاضي محكمة استئناف في سنغافورة أن سيطرة اليابان على مخازن النفط التابعة لشركة هولندا الشرقية يعد “نهبا اقتصاديا”.

كما أن النهب له بروزه المعاصر، وأدى إلى مسؤوليات موزعة على اللاعبين السياسيين والعسكريين ومدراء الشركات. ففي عام 2015 اعتقلت السلطات البلجيكية تاجرا محليا نهب ألماساً من سيراليون. وفي عام 2013 فتحت السلطات السويسرية تحقيقا رسميا في مصفاة كبيرة للذهب بسبب اتهامات بتلقيها ذهبا نهب من الكونغو. وستقضي في الأسابيع المقبلة محكمة العدل الدولية بأضرار ضد الحكومة الأوغندية بعدما وجدت أن جيشها نهب المصادر الطبيعية للكونغو أثناء نزاع واسع، وصفته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت بأنه “الحرب العالمية الأولى”.

ورغم ما قيل في الماضي إن “الغنائم هي للمنتصر” إلا أن المجتمع الدولي تجاوز المقولة وحاول تحديد النهب من أجل ضبط الجيوش والحد من التعرض للممتلكات الخاصة أثناء الحرب، ولأن النهب هو حافز على العدوان المسلح.

وكما ورد في قرار للمحكمة العسكرية الأمريكية في نورنبيرغ عام 1948: “مثلما لا يجوز إجبار سكان المناطق المحتلة على التعاون مع العدو في شن الحرب ضد بلدهم أو حلفاء بلدهم فيجب ألا تستخدم أرصدة البلد المحتل بنفس الطريقة”.

وذهبت أمريكا عام 1990- 1991 للحرب ضد العراق لأنه احتل الكويت من أجل السيطرة على نفطها، وما تقوم به اليوم من احتلال نفط سوريا سيشكل سابقة خطيرة فيها انتهاك للقانون الدولي وتعطي الدول الأخرى الطامحة للسيطرة على مصادر الآخرين عمل نفس الشيء.

ولو صمم ترامب على حيازة النفط السوري، سيواجه معارضة من المسؤولين في إدارته ومن خرجوا منها. فقد قال بريت ماكغورك، المبعوث الأمريكي السابق للتحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة”: “النفط، أحببت أم كرهت هو ملك للدولة السورية”. وقالت منافسة الرئيس في انتخابات عام 2016 هيلاري كلينتون إن الولايات المتحدة لا تحتل الدولة للسرقة والنهب.

القدس العربي

————————–

النظام السوري يتسلّم حقلاً نفطياً من “قسد”…وروسيا تصعّد بالشمال/ عدنان أحمد

سيطرت قوات النظام السوري على حقل للنفط في محافظة الحسكة، مساء أمس الثلاثاء، كان يخضع لسيطرة “وحدات حماية الشعب” الكردية، رغم تعهّد الولايات المتحدة بحماية حقول النفط ضد كل الأطراف. يأتي ذلك في وقت يصعّد فيه الطيران الحربي الروسي من قصفه للشمال السوري بالتزامن مع قصف لقوات النظام، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين، إضافة لخروج مستشفيات ومراكز طبية عن الخدمة.

وأظهرت صور نشرتها وكالة “سانا” السورية الرسمية انتشار قوات النظام في حقل “ملا عباس” التابع لحقول نفط رميلان، شمال الحسكة.

ونشرت الوكالة صوراً لتلك القوات من داخل الحقل النفطي، مشيرة إلى أن “وحدات الجيش انتشرت على الحدود السورية التركية بين القامشلي والمالكية شرقاً، على محور 60 كم شرق القامشلي. وشملت عملية الانتشار بلدتي القحطانية والجوادية وقرى وبلدات دير غصن وعتبة وتل الحسنات وتل السيد ملا عباس وقحطانية وكرديم فوقاني وتل جهان وتل خرنوب”.

وعززت قوات النظام أخيراً وجودها في الحسكة والقامشلي وعين العرب ومنبج، إضافة لعدد من القرى المحاذية لمنطقة العملية التركية في شمالي سورية، في إطار اتفاق مع قوات “قسد” لمنع العملية العسكرية التركية من التوسع بالمنطقة أكثر.

وواصلت قوات النظام السوري انتشارها في الريف الشرقي لمدينة القامشلي وذلك للمرة الأولى منذ 7 سنوات، حيث انتشرت على طول المنطقة الممتدة من القامشلي حتى القحطانية بمسافة أكثر من 20 كلم.

وانتشرت آليات عسكرية تابعة لقوات النظام تحمل جنوداً ومعدات عسكرية ولوجستية في الضواحي الشرقية لمدينة القامشلي. وقال “المرصد السوري لحقوق الإنسان” إنه جرى إبلاغ وجهاء في المنطقة بأن هذا الانتشار يأتي في سياق اتفاق روسي – تركي – أميركي، يقضي بانتشار قوات حرس الحدود التابعة للنظام السوري عند الشريط الحدودي ضمن المنطقة الواقعة بين القامشلي والقحطانية، على أن يكون هناك انتشار للقوات الأميركية في عمق هذه المنطقة.

في غضون ذلك، تجري اشتباكات متقطعة بين قوات “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا، ومليشيا “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، في بعض مناطق شمال شرق سورية.

وقالت شبكات محلية إن اشتباكات بين “الجيش الوطني” ومليشيا “قسد” جرت في محيط قرية باب الخير، شرق رأس العين، فيما عاد الهدوء نسبيا إلى ريف بلدة عين عيسى، شمال مدينة الرقة، بعد معارك خلال الساعات الماضية على محور قرية شركراك، حيث يحاول “الجيش الوطني” السيطرة على الصوامع، بدعم جوي من قبل طائرات مسيرة تركية وسط معلومات عن خسائر بشرية في صفوف الطرفين.

تصعيد روسي في الشمال

من جانب آخر، كثفت روسيا، اليوم، من قصفها الجوي في الشمال السوري، ما أدى إلى مقتل عدد من المدنيين، إضافة إلى تدمير 3 مراكز للدفاع المدني ومستشفى، والعديد من المراكز الحيوية الأخرى.

وقالت مصادر محلية إن حصيلة القتلى جراء القصف الجوي الروسي على بلدة السحارة في ريف حلب الغربي ارتفع إلى ستة، فيما أصيب 20 آخرون، مشيرة إلى أن عدد القتلى مرشح للارتفاع بسبب وجود بعض الجرحى في حالات خطرة.

كما استهدفت الطائرات الروسية بغارات عدة تل النبي أيوب في جبل الزاوية وبلدة معرحرمة في ريف إدلب الجنوبي، فيما قتل شخص وأصيب 7 آخرون جراء غارات جوية نفذتها طائرات حربية تابعة للنظام السوري على مدينة جسر الشغور بريف إدلب الغربي، صباح اليوم الأربعاء.

وقالت شبكات محلية إن الغارات على جسر الشغور استهدفت المرافق المدنية الخدمية في المدينة، ما تسبب بتدمير جل هذه المرافق وسط استمرار الغارات.

وقالت مصادر من الدفاع المدني في مدينة جسر الشغور إن طيرانا حربيا تابعا للنظام قصف المدينة بستة صواريخ شديدة التدمير طاولت مركز قيادة الدفاع المدني في المدينة، ومركز إزالة الذخائر، إضافة للنقطة النسائية التابعة للدفاع المدني والمركز الصحي في المدينة.

كما طاول القصف مبنى المجلس المحلي ومدرسة علي بن أبي طالب، ومسجد الثريا، مشيرة إلى أنه تسبب بتدمير مراكز الدفاع المدني والمستوصف وإخراجها عن الخدمة بشكل كامل، في وقت تتعرض المدينة لقصف مكثف جواً وبراً يستهدف جل أحيائها.

واستهدف الطيران الحربي الروسي وطيران النظام أيضا بعشرات الصواريخ بلدات عدة بريفي إدلب الجنوبي والغربي، أبرزها الركايا وكفرسجنة وجسر الشغور ومعرشورين وأطراف قرية شنان وقرية الشيخ سنديان وأطراف حلوز ومرعند بريف جسر الشغور، غربي إدلب.

وفي وقت سابق، اليوم، استهدف طيران الاحتلال الروسي مشفى للأطفال والأمراض النسائية في قرية شنان بريف إدلب الجنوبي، ما تسبب بتدميره وإخراجه عن الخدمة.

وتنتهج القوات الروسية وقوات النظام سياسة التدمير الشامل للمشافي والمراكز الطبية ومراكز الدفاع المدني في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، بهدف إحباط الأهالي والفصائل المقاتلة.

من جهتها، قالت وكالة أنباء النظام “سانا” إن ستة مدنيين أصيبوا بجروح نتيجة سقوط قذائف على حي جمعية الزهراء عند الجهة الشمالية الغربية لمدينة حلب، أطلقتها فصائل المعارضة، بحسب الوكالة.

جميع حقوق النشر محفوظة 2019

العربي الجديد

—————————-

تركيا تهدّد باستئناف معاركها في سوريا

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم أمس إن بلاده ستواصل العمليات العسكرية في سوريا «حتى إقامة المنطقة الآمنة»، مضيفاً أن تركيا ستلتزم بالاتفاقات مع كل من الولايات المتحدة وروسيا إذا التزمت الأخيرتان بوعودهما بخصوص انسحاب مقاتلي وحدات حماية الشعب، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، من المناطق المحاذية للحدود السورية التركية، إلا أنه شكك في التصريحات الروسية التي قالت إن هذا الانسحاب قد تم تنفيذه بالفعل، واتّهم الولايات المتحدة أيضاً بعد تنفيذ وعودها في هذا المجال.

وجاءت تصريحات أردوغان هذه بُعيد إعلان وزارة الدفاع الروسية في بيان لها عن نجاح تسيير الدورية الثانية المشتركة بين الشرطة العسكرية الروسية وقوات حرس الحدود التركي، وقال البيان إن الدورية المشتركة قطعت مسافة 70 كلم بعد دخولها من معبر جمركي على الحدود السورية-التركية، بينما قالت مصادر عسكرية تركية لوكالة الأناضول إن عمل الدورية المشتركة شمل المنطقة الواقعة بين شرق عين العرب/كوباني وغرب تل أبيض حيث تسيطر القوات التركية بشكل مباشر. وكانت الدوريات المشتركة بين أنقرة وموسكو قد بدأت أعمالها يوم الجمعة الفائت الأول من تشرين الثاني (نوفمبر)، تنفيذاً للاتفاق المشترك بين الطرفين، والقاضي بتسيير دوريات للتأكد من انسحاب مقاتلي الوحدات الكردية من الحدود مع تركيا.

وعلى الرغم من أن اتفاقات تركيا مع الولايات المتحدة وروسيا قد ضمنت لها استقرار سيطرتها المباشرة على مدينتي تل أبيض ورأس العين والشريط الحدودي الواصل بينهما بعمق 30 كم داخل الأراضي السورية، وعلى الرغم من أن الدولتين قد ضمنتا لها انسحاب المقاتلين الأكراد في قوات سوريا الديمقراطية من بقية المناطق الحدودية التي لا تسيطر عليها، إلا أن تصريحات أردوغان تعكس عدم رضى تركيا عن ما تم تنفيذه حتى الآن، وتؤكد عدم اكتفائها بانتشار قوات النظام السوري والشرطة العسكرية الروسية على بقية الشريط الحدودي معها، ورغبتها في إنهاء كل وجود لقسد في المنطقة بما في ذلك هياكل الإدارة المدنية المرتبطة بها على طول الحدود، وهو ما يفتح الباب على توتر مستمر واحتمال اندلاع اشتباكات ومعارك جديدة في كل وقت.

وبالفعل، تستمر الاشتباكات المتقطعة على جبهات تل تمر وأبو راسين/زركان في محافظة الحسكة، وهي الجبهات الجنوبية الشرقية من مناطق السيطرة التركية قرب رأس العين، وذلك على الرغم من أن إعلان تركيا السابق عن توقف عمليتها العسكرية بعد الاتفاقات مع كل من موسكو وواشنطن. وقالت قوات سوريا الديمقراطية يوم أمس إنها أفشلت هجوماً للفصائل المدعومة من تركيا على قرية باب الخير في تلك المنطقة، وهي واحدة من المناطق التي انتشرت فيها قوات النظام السوري إلى جانب قوات قسد بعد الاتفاق الروسي التركي، وشهدت منذ ذلك الوقت اشتباكات، كان بعضها بالغ العنف، بين قسد وقوات نظام الأسد من جهة والقوات التركية ومقاتلي الفصائل التابعة لها من جهة أخرى.

وكانت وسائل إعلام تابعة للنظام السوري قد قالت يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي إن اشتباكات عنيفة حصلت بين القوات التركية وقوات النظام السوري بالقرب من رأس العين، في حين قالت معرفات تابعة لما يُعرف بـ «الجيش الوطني» المدعوم من أنقرة وقتها إن اشتباكات متقطعة حصلت في المنطقة. وفي اليوم التالي لتلك الاشتباكات، قامت القوات التركية بتسليم عدد من عناصر قوات النظام كانوا قد أسروا على يد فصائل المعارضة المدعومة من أنقرة خلال الاشتباكات التي دارت بين الجانبين، وقام الجانب التركي بتسليم العناصر الثمانية عشر للنظام بإشراف روسي في معبر الدرباسية شمال الحسكة.

وتشير مجمل هذه الوقائع، بما فيها الدوريات التركية الروسية المشتركة، إلى أن سائر مناطق الحدود التركية السورية التي لا تسيطر عليها تركيا مباشرة قد باتت تحت النفوذ الروسي، وسيكون مصير وجود قسد والإدارة الذاتية التابعة لها في هذه المناطق رهيناً بالتوافقات الروسية التركية، وبمدى قدرة قوات النظام على السيطرة الأمنية والعسكرية والإدارية فيها. أما بقية مناطق سيطرة قسد، فيبدو أنها ستبقى خاضعة بمعظمها للنفوذ الأميركي، الذي بدأ النفوذ الروسي يزاحمه مع انتشار قوات النظام في منبج بريف حلب الشرقي، وفي محيط الطبقة وسد الفرات ومدينة عين عيسى في محافظة الرقة.

وقال مسؤولون أميركيون يوم أمس لوكالة أسوشيتد برس إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعطى الموافقة على خطة لبقاء القوات الأميركية لحماية حقول النفط في شرق سوريا، وأن هذه الموافقة الرسمية جاءت بعد اجتماع عقده ترامب مع قادة وزارة الدفاع يوم الجمعة الماضي. وكانت معالم هذه الخطة قد بدأت تظهر للعلن منذ الأسبوع الماضي، عبر تصريحات لمسؤولين متعددين من بينهم ترامب نفسه، وهي تقتضي أن تنتشر قوات أميركية إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية لحماية مساحة واسعة تمتد على مسافة 150 كم بين دير الزور والحسكة حيث تقع أكبر حقول النفط السورية شرق البلاد. وتعد حقول العمر والتنك والورد في ريف دير الزور الشرقي أكبر هذه الحقول، ويبدو أن الخطة الأميركية تستهدف حرمان النظام السوري وإيران من عوائد هذه الحقول، وتهدف في الوقت نفسه إلى الاحتفاظ بوجود أميركي مهم شرق البلاد قرب الحدود العراقية، لأسباب تتعلق بالصراع مع إيران.

تميل خرائط النفوذ الجديدة في الجزيرة السورية إلى الاستقرار، وهي تشهد تزاحم مزيج من النفوذ والسيطرة المباشرة لعدة دول عظمى وإقليمية. وفي ظل هذا التزاحم والتداخل الشديد، وفي ظل استمرار التهديدات التركية باستئناف القتال، يبدو واضحاً أن هذا الاستقرار الحرج لن يكون إلا استقراراً مؤقتاً، ستعقبه تحولات أخرى يدفع ثمنها مجدداً سكان الجزيرة السورية، الذين كان ثمن التحولات الأخيرة بالنسبة لهم نزوح عشرات الآلاف من بيوتهم ومئات الضحايا والجرحى جراء العملية العسكرية التركية.

————————–

تحقيق: بقاء أميركا لـ«حماية النفط السوري» يُربك الحلفاء ويُريح الأعداء

دول التحالف الدولي ضد «داعش» تتساءل عن مبررات المساهمة العسكرية

لندن: إبراهيم حميدي

استطاع حلفاء واشنطن ومستشارو الرئيس الأميركي دونالد ترمب «تطويع» محاولته الثالثة لـ«الانسحاب العسكري الكامل» من شمال شرقي سوريا، عبر تقديم مبرر جديد، هو منع سقوط حقول النفط والغاز في أيدي «داعش»، لكن هذا المبرر أدخل المشاورات داخل المؤسسات الأميركية والاتصالات الدبلوماسية بين واشنطن والحلفاء ضمن إشكالية «عدم توفر الشرعية القانونية» للمساهمة العسكرية في التحالف الدولي، شرق سوريا، في وقت أعطى فيه ذخيرة مريحة لخصوم واشنطن. الذين سعوا للدخول الى الرقة «عاصمة» تنظيم «داعش».

كان الرئيس ترمب قرر، الشهر الماضي، سحب عشرات من القوات الأميركية من قرب الحدود السورية – التركية، ما فتح الباب لشن الجيش التركي وفصائل موالية عملية «نبع السلام» بين تل أبيض ورأس العين، شرق نهر الفرات. كما أعطى ترمب الضوء الأخضر لوزارة الدفاع (البنتاغون) لسحب باقي القوات التي تُقدَّر بـ1200 جندي، إضافة إلى ألف آخر من الدول الأوروبية الحليفة.

ومع أن المستشارين الأميركيين والمسؤولين الأوروبيين كانوا دائماً يقولون إن ترمب قد يغرد على موقع «تويتر»، في أي لحظة عن قراره بسحب القوات الأميركية، فإن اتخاذ القرار كان له وقع المفاجأة على الجيش الأميركي والدبلوماسيين في واشنطن والعواصم الأوروبية، كما أنه ترك شعوراً بـ«الخيانة» لدى «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية – العربية التي دحرت مع التحالف، تنظيم «داعش»، إضافة إلى أن أطلق سباقاً روسياً – تركياً – سورياً لملء الفراغ الأميركي.

وأبرمت «قوات سوريا الديمقراطية»، برعاية روسية، اتفاقاً مع الحكومة السورية سمح بنشر الجيش والأمن والشرطة، ورفع العلم الرسمي السوري في مناطق سيطرتها، ومنبج وعين العرب (كوباني)، وعودة الخدمات ورموز الدولة، وتأجيل التفاوض السياسي حول مستقبل الإدارة الذاتية.

كما أبرمت أنقرة اتفاقاً مع موسكو «شرعن» الوجود التركي في «نبع السلام» بين تل أبيض ورأس العين بعمق 32 كلم، وسمح بنشر حرس الحدود السوري في المناطق غير المشمولة في هذا الجيب. كما أجاز تسيير دوريات روسية – تركية بعمق 10 كلم، وإبعاد «وحدات حماية الشعب» الكردية بعمق 30 كلم بعيداً من الحدود.

في موازاة ذلك، كان النقاش مكثفاً في واشنطن سواء المؤسسات التنفيذية أو في «الكونغرس»، أو في العواصم الأوروبية الشريكة عسكرياً في التحالف الدولي. حملة الإقناع على ترمب كانت ترمي إلى «عدم التخلي عن الأكراد والبحث عن مبرر للبقاء العسكري». قيل بداية إن السبب هو مواجهة إيران وروسيا والضغط على دمشق، إلى أن استقر الرأي على «حماية النفط ومنع سقوطه بأيدي (داعش) من شرق سوريا»، وليس من غرب العراق، كما اقترح.

وقال وزير الدفاع مارك إسبر إن الهدف هو «منع (داعش) وغيره من اللاعبين في المنطقة» من الوصول إليه. ولم يحدد إسبر «اللاعبين الآخرين» الذين كان يتطرق لهم، فيما لم يوضح أي مسؤول في «البنتاغون»، إن كان يقصد النظام السوري وروسيا. وكان مقرراً أن يقدم إسبر، الجمعة الماضي، مقترحات إلى ترمب حول العدد الفعلي للقوات الأميركية التي ستبقى قرب حقول النفط والغاز. وبحسب قول مسؤول غربي لـ«الشرق الأوسط»، فإن ترمب حسم أمره وقرر الاحتفاظ بقوات لحماية النفط إذ يجري الحديث عن العناصر الآتية:

1- نشر 700 جندي أميركي وعشرات العربات والمدرعات الأميركية (التي أُرسلت لأول مرة ولم تُستعمل خلال الحرب ضد «داعش») قرب منشآت النفط والغاز في محاذاة حدود العراق من البوكمال جنوباً إلى فش خابور شمال شرقي سوريا.

2- الإبقاء على الحماية الجوية.

3- الإبقاء على التنسيق مع «قوات سوريا الديمقراطية» لمحاربة خلايا «داعش».

4- الاحتفاظ بـ150 جندياً في قاعدة التنف في الزاوية السورية – الأردنية – العراقية.

5- الطلب من الدول الحليفة التعويض عن سحب بعض الأميركيين والمساهمة في حماية حقول النفط والغاز.

6- قبول انتشار حرس الحدود السوريين على الحدود مع تركيا.

7- دعم موقف «قوات سوريا الديمقراطية» في التفاوض مع دمشق بضمانة موسكو.

لذلك، حسب المسؤول الغربي، لم تمانع واشنطن قيام قائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي، وقائد «وحدات حماية الشعب» الكردية، سبان حمو، بزيارات إلى دمشق والقاعدة الروسية في حميميم، حيث تمسَّك الجانب الحكومي السوري بـنشر الجيش والشرطة والأمن والعلم الرسمي ورموز الدولة في جميع المناطق، وترك الحوار السياسي إلى مرحلة لاحقة.

لكن قرار ترمب بحماية حقول النفط في محافظة دير الزور، حمل وزارة الدفاع الأميركية على إرسال تعزيزات إلى تلك المنطقة، في وقت ابتعد فيه الجنود الأميركيون عن المناطق القريبة من الحدود السورية – التركية. وبدأت التعزيزات بالوصول إلى دير الزور، بينما أُرسل بعض الجنود إلى الشمال للمساعدة في تأمين عملية الانسحاب من تلك المنطقة، كما نُقل البعض الآخر من سوريا إلى شمال العراق. لكن بالمجمل، لم يتغيّر بشكل كبير عدد الجنود الأميركيين عمّا كان عليه قبل إعلان الانسحاب في منتصف أكتوبر (تشرين الأول). وقال المسؤول الغربي: «لا يزال العدد عند أقل من ألف. حصل انسحاب وتعزيز إرسال المعدات والآليات».

وإذ نشر الجيش الأميركي مدرعاته وآلياته قرب منشآت النفط والغاز، عاد قبل أيام إلى تسيير دوريات شرق القامشلي، ذات البعد الرمزي للأكراد، لإعطاء الانطباع بأن «واشنطن لم تخُن الأكراد»، حسب المسؤول الغربي (تركيا وروسيا سيرتا دوريات في الدرباسية غرب القامشلي). وقال المسؤول: «أسهل طريقة لإقناع ترمب كانت القول له بضرورة تعزيز الوجود العسكري لمنع سقوط النفط بأيدي (داعش). لكن هناك إدراكاً بأن النفط السوري قليل واستثماره يتطلب كثيراً من الموارد وسط وجود عقبات قانونية: هل هذا كافٍ لمنع الحكومة من السيطرة عليها؟ كيف يمكن تصدير النفط؟ إلى مَن؟ هل يمكن استمرار القبول بالتعامل بين الإدارة الكردية والحكومة السورية لتوفير موارد مالية للإدارة؟».

لكن السؤال الأساسي في «البنتاغون»: أن الوجود الحالي كان ضمن تشريعات صدرت بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2011، بملاحقة «القاعدة» وحماية الأمن القومي الأميركي، ما سمح بقتال «داعش»، لكن كيف يمكن الحصول على التبرير القانوني بـ«حماية النفط»؟ وفي حال هاجمت قوات الحكومة السورية أو روسيا المنشآت، ما الأرضية القانونية للعمل العسكري الأميركي، عدا «الدفاع عن النفس»؟

لا تزال مسألة قانونية العملية الأميركية لحراسة حقول النفط موضع نقاش حتى داخل «البنتاغون». كما أن دولاً أوروبياً متحفظة على المشاركة في نشر قواتها الخاصة بسبب العقبات القانونية، لأن وجود القوات البريطانية والفرنسية قائم على محاربة «داعش»، وليس حماية النفط. يُضاف إلى ذلك، أن «حجة النفط عززت نظرية المؤامرة في أن التدخل الأميركي لأسباب اقتصادية وليست أخلاقية، ما أضاف ذخيرة لموسكو ودمشق وأنقرة وطهران التي تشكك بأهداف وشرعية الوجود الأميركي»، بحسب المسؤول الغربي.

وطُرِحت بعض هذه الأسئلة خلال اجتماع تلفزيوني، الأسبوع الماضي، للنواة الصلبة لكبار موظفي دول التحالف ضد «داعش»، لكن الاجتماع الوزاري للتحالف في واشنطن، 14 من الشهر الحالي، سيركز على تقديم إجابات عن أسئلة شرعية الوجود العسكري بعد هزيمة «داعش» جغرافياً، ومدى شرعية المساهمة في «حماية النفط»، إضافة إلى تناول مستقبل التنظيم بعد القضاء على زعيمه أبو بكر البغدادي الذي انتقلت «عاصمته» السابق من ايدي حلفاء واشنطن الى حلفاء موسكو.

– موسكو تستعد لـ«مواجهة طويلة» مع واشنطن شرق الفرات

– موسكو: رائد جبر

لم تخفِ أوساط روسية خلال كل المراحل التي سبقت التوصل إلى اتفاق سوتشي بين موسكو وأنقرة حول الوضع في المناطق الحدودية مع تركيا، أن قلقها الأساسي يتركز على الوجود الأميركي في مناطق غنية بالنفط.

راقبت موسكو بحذر المفاوضات التركية – الأميركية، حول «المنطقة الآمنة» في الشمال السوري، قبل أن تدخل على الخط لقلب المعادلات من خلال طرح خطتها للوضع على الشريط الحدودي. لكنها في الوقت ذاته، واصلت التشكيك بنيات واشنطن خلال وبعد إعلان الأخيرة عن سحب جزء من قواتها من المنطقة. وسرعان ما اتضح أن الموقف الروسي لم يأتِ من فراغ. وعلى الرغم من المكاسب السياسية التي حققتها موسكو عبر اتفاق سوتشي، ونجاحها في تغيير خرائط النفوذ في مناطق الشمال، وتوسيع رقعة سيطرة القوات الحكومية قرب المنطقة الحدودية، فضلاً عن حصر التوغل التركي في الأراضي السورية في منطقة محدودة، لكن في مقابل هذه الإنجازات، وُجدت موسكو عاجزة عن التحكم في رقعة شاسعة تضم الجزء الأعظم من مخزون سوريا من النفط والغاز. وجاء الإعلان عن خطط واشنطن لتعزيز الوجود العسكري في مناطق شرق الفرات عبر إقامة قاعدتين عسكريتين جديدتين وزج قوات وآليات، ليطلق رد فعل روسياً غاضباً برز من خلال استخدام لهجة لم يسبق لموسكو أن تعاملت بها في خطابها السياسي، إذ اتهمت وزارة الدفاع الروسية واشنطن بـ«سرقة» الثروات السورية، ووصفت الأميركيين بأنهم «قطّاع طرق على مستوى دولي».

ونشرت الوزارة خرائط وصوراً تُبرز مسارات «تهريب النفط السوري» برعاية عسكرية أميركية. بينما أطلقت الخارجية الروسية حملة قوية أعلنت من خلالها أن «الوجود الأميركي في هذه المنطقة أمر لا يمكن القبول به» في إشارة إلى تصعيد نشاط دبلوماسي وعسكري لعرقلة خطط واشنطن بتثبيت هذا الوجود، وهو أمر عبّر عنه بوضوح وزير الخارجية سيرغي لافروف، عندما قال إن بلاده «لن تقبل بالوجود غير الشرعي للولايات المتحدة في مناطق الشرق السوري وسوف تدافع عن موقفها».

ويرى خبراء روس أن وراء الحملة الروسية على تحركات واشنطن تكمن مخاوف جدية لدى موسكو، من أن تصرفات واشنطن ستعرقل نهج التسوية السياسية الذي سعت موسكو طويلاً لفرضه عبر مسار آستانة وعبر إطلاق عمل اللجنة الدستورية بعد مخاض عسير، والأهم من ذلك، عبر التفاهمات الروسية – التركية التي وضعت آلية مشتركة رأت فيها موسكو نقطة انطلاق لحسم الملفات العسكرية والأمنية العالقة تمهيداً لتعزيز مسار سياسي يستند عموماً إلى القرار 2254 لكنه لا يقوم على تطبيق دقيق لكل بنوده، بل يعكس موازين القوى التي عملت موسكو على تكريسها خلال سنوات.

بهذا المعنى، فإن تعزيز الوجود الأميركي في شرق الفرات، يحبط فكرة توسيع رقعة سيطرة الحكومة السورية على الجزء الأعظم من الأراضي، ويمنح الولايات المتحدة وحلفاءها ورقة ضغط قوية، ويشكل تهديداً دائماً للرؤية الروسية للتسوية النهائية.

أما في البعد الاقتصادي، فإن سيطرة واشنطن على الخزان النفطي لسوريا، يُسقط من يد موسكو أهم عناصر الدفع نحو إطلاق مشروع دولي لإعادة الإعمار في سوريا، ويقطع الطريق على الشركات الروسية الكبرى التي تطلعت طويلاً لحصة مهمة من الكعكة السورية.

في المحصلة، كما أشار خبير روسي مرموق، فإن موسكو تكون «نجحت في حماية الدولة السورية وعرقلت كل المشروعات التي سعت لإسقاطها أو تفكيكها، لكنها حصلت في النتيجة على كيان يقوم على أكثر بقليل من ثلثي الأراضي لكنه متهالك ويفتقر للاعتراف الدولي الواسع، وأكثر من ذلك أنه بحاجة إلى مساعدات متواصلة، لا تبدو روسيا والصين وإيران وبعض البلدان القريبة من نهج موسكو قادرة على تقديمها دائماً».

راهنت موسكو على أن السجالات الداخلية في واشنطن قد تعلب دوراً لصالحها خصوصاً أمام إصرار الرئيس دونالد ترمب على الدفاع عن مواقفه بالانسحاب من المنطقة، قبل حلول موعد الانتخابات المقبلة، لكن التطورات اللاحقة أثبتت عدم جدوى الرهان الروسي، وهذا يفسّر إعراب الوزير لافروف اللافت أخيراً، عن تشاؤم في إمكانية التوصل إلى اتفاقات مع الولايات المتحدة بخصوص الوضع في شمال شرقي سوريا. وقال الوزير إنه ليس لديه شعور بأن «الاتفاق مع الولايات المتحدة على أي شيء وارد في هذه المرحلة». وأعادت هذه العبارة التذكير بإعلان موسكو عزمها تصعيد تحركاتها ضد تعزيز الوجود الأميركي في شرق سوريا في إطار المؤسسات الدولية عبر الانطلاق من «عدم شرعية الوجود» وأيضاً في إطار النشاط الميداني على الأرض، وفي هذا الاتجاه تواصل موسكو مساعيها لإقناع الأكراد بتوسيع قنوات الحوار مع دمشق، بهدف التوصل إلى تفاهمات على حساب التحالف القائم مع واشنطن، والذي تعرض لهزة قوية بعد قرار الانسحاب من منطقة العمليات العسكرية التركية.

ورغم تعالي أصوات برزت من خلال تعليقات أو مقالات تدعو إلى تعزيز التوجه الروسي لمواجهة خطط واشنطن في المنطقة من خلال دعم تحركات عسكرية قد تقوم بها القوات الحكومية أو قوات داعمة لها لتوسيع رقعة سيطرتها في بعض مناطق شرق الفرات، يبدو هذا محفوفاً بالمخاطر، إذ لا ترغب موسكو في استفزاز مواجهة عسكرية مع القوات الأميركية أو المكون الكردي. وهو أمر فضلاً عن كونه لا يمكن التنبؤ بعواقبه لجهة أنه يقوّض إعلان موسكو عن انتهاء العمليات العسكرية والانتقال إلى المسار السياسي، فهو في الوقت ذاته يعيد إلى الأذهان المواجهات السابقة التي تعرضت فيها موسكو لضربة موجعة.

ويكفي إيراد أن المواجهة الوحيدة في سوريا التي سقط فيها مئات القتلى والجرحى من الروس على أيدي القوات الأميركية كانت بسبب محاولة وحدات من الجيش السوري ترافقها مجموعات «جيش فاغنر» التقدم نحو مواقع نفطية في منطقة خشام قرب دير الزور. وقع ذلك في فبراير (شباط) من العام الماضي، وأشارت مصادر روسية إلى أن «جيش فاغنر» خسر 217 من مسلحيه الذين قُتلوا تحت قصف مركّز من جانب الطائرات الأميركية. وتجنبت موسكو حينها تصعيد الموقف.

وقد يكون تذكير وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر أخيراً بأن القوات الأميركية ستقوم بـ«حماية» الحقول النفطية إشارة واضحة. لذلك ترى أوساط روسية أن موسكو ستتجنب في الغالب تصعيداً عسكرياً لكنها تستعد لـ«مواجهة طويلة وصعبة» مع واشنطن في هذه المنطقة.

كيف تبدلت القوى المسيطرة على مصادر الطاقة السورية خلال السنوات الأخيرة؟

– القامشلي: كمال شيخو

في حقل العمر النفطي الذي يقع على بعد 50 كيلومتراً شرق مدينة دير الزور، توجد خزانات ضخمة تحولت إلى قطع متفحمة وصدئة. أنابيب مهترئة تناثرت على الأرض، ومصافٍ منهارة، في حين المباني كانت شبه مدمرة جراء المعارك.

منذ خروج أكبر حقول النفط في سوريا عن سيطرة النظام في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، وسقوطه في قبضة «داعش» صيف 2014، حتى انتزاعها على يد «قوات سوريا الديمقراطية» العربية – الكردية والمدعومة من تحالف دولي تقوده واشنطن نهاية 2017، بقيت المنشأة على حالها والعمر كان ينتج أكثر من 90 ألف برميل يومياً قبل النزاع الدائر في البلاد 2011.

في حقل التنك المجاور الذي يبعد 32 كيلومتراً شرقي منشأة العمر النفطية، وكان يعد ثاني أكبر الحقول من حيث الإنتاج، لا يختلف المشهد كثيراً عن العمر. فبسبب المعارك الدائرة داخله وبجواره، تحول المكان إلى أكوام من الخردة وجبال من الركام والخراب وبقايا صهاريج وخزانات وأنابيب وآبار كانت تنتج في يومٍ ما 40 ألف برميل من النفط الخام، وتمركزت القوات الأميركية في هذه الحقول وأعادت انتشار جنودها لحمايتها.

شمالاً، وفي مدينة الحسكة، وتحديداً بمحاذاة الحدود مع تركيا، تجوب دوريات أميركية الطريق الدولية الواصلة بين مدينة رميلان النفطية، والقامشلي الواقعة أقصى شمال شرقي سوريا، تتفقد حقول النفط بعد إعلانها الإبقاء على قواتها لحماية هذه المنشآت من التهديدات التركية المتصاعدة.

وباتت «قوات سوريا الديمقراطية» تبسط سيطرتها على نحو 85 في المائة من الثروة النفطية في بلد مزقته نيران الحرب، إضافة إلى 45 في المائة من إنتاج الغاز الطبيعي؛ الأمر الذي قد يفتح فصلاً جديداً من الحروب بين أطراف النزاع في سوريا، المحلية منها والإقليمية والدولية المتصارعة على الأرض السورية.

في مارس (آذار) من عام 2013، تمكنت «وحدات حماية الشعب» الكردية من طرد «جبهة النصرة» (التي أصبحت لاحقاً باسم «هيئة تحرير الشام») وفصائل سورية مقاتلة، من حقول النفط في بلدة رميلان الواقعة على بعد 165 كيلومتراً شمال شرقي الحسكة و65 كيلو شرقي مدينة القامشلي، وبعد إعلان الإدارة الذاتية الكردية بنهاية العام نفسه، وضعت يدها على الحقول وبدأ كوادرها استثمار النفط، أما موظفو مديرية حقول الرميلان التابعة لوزارة النفط الحكومية وكان يقدر عددهم آنذاك بنحو 5500 عامل وموظف، فعاد قسم إلى مسقط رأسه وهاجر آخرون خارج البلاد، لكن القسم الأكبر بقي في عمله، بحسب مسؤول كردي بارز في الإدارة الذاتية.

وقبل 2011 كانت تنتج حقول الرميلان 90 ألف برميل يومياً، ويقدر خبراء في اقتصاديات الطاقة والنفط عدد الآبار النفطية التابعة لها بنحو 1322 بئراً، أما حقول السويدية المجاورة فتنتج 116 ألف برميل يومياً، كما توجد 25 بئراً من الغاز الطبيعي في هذه الحقول، في حين كانت تصل إنتاجية حقول الشدادي والجبسة والهول إلى 30 ألف برميل في اليوم، ونحو مليون وربع متر مكعب من الغاز.

ويقول المسؤول الكردي، إن كميات الإنتاج اختلفت عما كانت عليه سابقاً، «بداية 2014 كنا نستثمر 200 بئراً نفطية من أصل 1320، لغياب الخبراء والفنيين وقطع التبديل والغيار التي كانت تأتي من العاصمة دمشق»، وكانت بالكاد تغطي احتياجات السوق المحلية، لكن مع بداية عام 2015 وسعت الهيئة أنشطتها وضمت حقولاً جديدة، ووصل عددها لأكثر من 400 بئر وحقل نفطي، وكان يصل إنتاجها إلى ما يزيد على 30 ألف برميل نفط يومياً، وأكثر من مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، وبلغت عائداتها إلى أكثر من 10 ملايين دولار شهرياً.

وتغيرت خريطة السيطرة على النفط بسوريا مع بداية عام 2016، بعدما انتزعت «قوات سوريا الديمقراطية» مدن وبلدات الشدادي والهول والجبسة جنوب شرقي مدينة الحسكة من قبضة عناصر تنظيم «داعش»، ليتجاوز الإنتاج 50 ألف برميل نفط ونحو مليون ونصف المليون من الغاز يومياً، وبحسب خبراء تصل عائداتها المالية لأكثر من 25 مليون دولار أميركي، يذهب الجزء الأكبر لتغطية رواتب نحو نصف مليون موظف يعملون في 7 إدارات ذاتية، وهي هياكل حكم تدير مناطق شرق الفرات، وقوات عسكرية قوامها 60 ألف مقاتل.

وعُقدت اتفاقية بين ثلاث جهات سورية محلية، تمثلت الأولى بالحكومة السورية التي أوعزت إلى موظفيها والخبراء الفنيين والتقنيين بالعودة إلى عملهم، والثانية العشائر العربية، أبرزها قبيلة شمر العربية المتحالفة مع الوحدات الكردية، في حين استولت الجهة الثالثة المتمثلة بالوحدات والإدارة الذاتية السيطرة على حقول النفط، ونص الاتفاق على بقاء النفط ثروة وطنية حقاً لكل السوريين، وإفساح المجال لسلطات الإدارة الكردية بوضع يدها على أبرز الموارد الاقتصادية بالمنطقة، لقاء تقاسم توزيع عادل لثرواتها المالية.

ولفت المسؤول الكردي، إلى أن أبرز بنود وثيقة العقد الاجتماعي الخاصة بالإدارة الذاتية: «يعد النفط والغاز ثروة وطنية سورية ملكاً لكل السوريين، وتوزعيه بشكل عادل، وكان من بين أبرز المطالب التي تفاوضت عليها الإدارة ومسؤولو (قسد) مع الحكومة السورية»، في إشارة إلى التفاهم بين دمشق والقامشلي.

ولم يكشف المسؤول الكردي كميات الإنتاج في حقول الحسكة أو إيراداتها المالية، لكنه أكد بأنها تغطي احتياجات مناطق شرق الفرات والتي تشكل ثلث مساحة سوريا.

75% من الاحتياط الاستراتيجي في دير الزور

منذ نهاية 2012، وبسبب المعارك الدائرة شرقي الفرات، توقّف ضخ النفط عبر محطة تل عدس من حقول الحسكة إلى مصفاتي حمص وبانياس، وبعد ثماني سنوات من الحروب المستمرة تصدر قطاع النفط الأكثر تضرراً، وقدرت وزارة النفط بالحكومة السورية خسائرها بأكثر من 62 مليار دولار.

كما انخفض إنتاج النفط في سوريا بنسبة 96 في المائة في عام 2014 إلى 9329 برميلاً يومياً، بعد سيطرة تنظيم «داعش» على مدينتي دير الزور شرقاً، والرقة شمالاً، حيث كان يجني منها نحو 40 مليون دولار شهرياً في ذروة قوته سنة 2015 بحسب وزارة الخزانة الأميركية.

ويُقدر خبراء اقتصاديون، أن إجمالي الاحتياطي النفطي الاستراتيجي في سوريا يبلغ نحو 300 مليار برميل، يتوزع 75 في المائة من هذه الاحتياطيات في الحقول المحيطة بمحافظة دير الزور شرقي سوريا.

والى جانب حقلي العمر والتنك، توجد حقول الورد والتيم ومحطة (T2) والجفرة، وعفرا وكوري وجرنوف وأزرق وقهار وشعيطاط وغلبان، وتقع جميعها شرقي نهر الفرات ببادية الجزيرة، كانت تنتج قبل 2011 نحو 200 ألف برميل نفط يومياً، أما اليوم فلا يتجاوز إنتاجها 25 ألف برميل يومياً في أحسن الأحوال، بينما يعد حقل غاز كونوكو أكبر حقول الغاز الطبيعي في سوريا، وكان ينتج نحو 10 ملايين متر مكعب يومياً من الغاز.

الشرق الأوسط

——————–

تأمين النفط أم سرقته؟ الغارديان: استراتيجية ترامب في سوريا تثير حيرة البنتاغون وتزيد شكوك القادة العسكريين

عربي بوست

يواجه مسؤولون أمريكيون صعوبات في شرح المهمة التي يفترض أن يقوم بها نحو 1000 جندي أمريكي لا يزالون في سوريا، والذين اتخذوا في الغالب مواقع بالقرب من حقول النفط، استجابة لأوامر دونالد ترامب.

إذ بعد مرور أسبوعين على إصدار أمر بالإجلاء الكامل للقوات الأمريكية قبل التوغل التركي في شمال شرقي سوريا، والتخلي عن الشركاء الأكراد السابقين في الحرب ضد داعش، غيّر ترامب رأيه، وقال إن بعض القوات يجب أن تبقى، ولكن فقط «لتأمين النفط».

لذا، في الوقت الذي يجري نقل مئات القوات الخاصة الأمريكية من سوريا، فإن مئات الجنود الآخرين خرجوا بعرباتهم المدرعة، متوجهين إلى مواقع نفطية صغيرة الحجم في محافظتي دير الزور والحسكة، لكن دون فكرة واضحة عما يُفترض بهم فعله هناك.

اضطراب في البنتاغون

يقول جوليان بورغر، محرر الشؤون العالمية في صحيفة The Guardian البريطانية، إنه بدا اضطراب المسؤولين الأمريكيين المنوط بهم تنفيذ تلك السياسات على الأرض واضحاً يوم الخميس، عندما سُرّب تقرير داخلي صادر عن كبير الدبلوماسيين الأمريكيين في شمالي سوريا، وليام روبوك، إلى صحيفة The New York Times. يشتكي روبوك في التقرير من أن الولايات المتحدة «لم تحاول ردع التوغل التركي الذي هدد الأكراد في شمالي سوريا».

تقول كايلي توماس، الباحثة المساعدة في «برنامج الأمن في الشرق الأوسط» التابع لـ «مركز الأمن الأمريكي الجديد» (CNAS)، «تبدو السياسة الأمريكية في شرق سوريا هذه الأيام كما لو أنها محاولة بناء طائرة وهي بالفعل في الجو».

«على سبيل المثال، إذا هاجمت قوات النظام السوري، فهل سترد (القوات الأمريكية) دفاعاً عن النفس؟ يبدو أن بعض هذه الأسئلة التي تتعلق بالموقف القانوني لهذه القوات لا تزال محل نقاش».

بدت المهمة في البداية واضحة عندما عرضها ترامب

قال ترامب في 1 نوفمبر/تشرين الثاني «نريد أن نعيد جنودنا إلى الوطن، لكننا تركنا بالفعل جنوداً لأننا نريد الاحتفاظ بالنفط، أنا أحب النفط، نحن نُؤمّن النفط».

ولمّح الرئيس إلى أن الاستيلاء على موارد طبيعية سورية سيكون «تعويضاً» عادلاً مقابل تكلفة الحرب هناك.

في حين أن مشكلة المخططين العسكريين هي أن مثل هذا السلب لموارد بلد أجنبي هو انتهاك لقوانين الحرب، كما طُبّقت في محاكمات نورمبيرغ والتي جرى التوافق عليها عموماً منذ ذلك الحين.

مدرعة عسكرية أمريكية بالقرب من بئر نفط في الرميلان في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا/ EPA

مدرعة عسكرية أمريكية بالقرب من بئر نفط في الرميلان في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا/ EPA

كما أن ذلك ينتهك أيضاً ترخيص استخدام القوة العسكرية الذي منحه الكونغرس للحكومة الأمريكية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول، والمخصص للعمليات ضد تنظيم القاعدة و»القوات ذات الصلة»، والذي استخدم من حينها لتسويغ التدخلات الأمريكية المسلحة في أنحاء الشرق الأوسط.

تقول صحيفة الغارديان، إن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) سعت إلى إضفاء «بعض الوضوح» على الأمر، يوم الخميس الماضي، من خلال تأكيدها على أن المهمة لم تتغير، وأن القوات الأمريكية كانت في سوريا فقط لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بالشراكة مع «قوات سوريا الديمقراطية» (SDF)، التي يقودها الأكراد.

ألم تهزم داعش؟

في لقائه مع الصحفيين، قال الأدميرال ويليام بيرن، نائب مدير هيئة الأركان المشتركة «إن تأمين حقول النفط تكليف ثانوي في تلك المهمة. والغرض من هذا التكليف هو حرمان داعش من عائدات ذلك النفط والبنى التحتية. لسنا متأكدين إذا كان داعش قد تراجع بعيداً عن تلك المناطق بعد أم لا. ولهذا السبب نحن هناك: للمساهمة في إبعادهم».

وأضاف أن الولايات المتحدة ستواصل تسليح قوات سوريا الديمقراطية، التي دخلت في صراع حالياً مع تركيا، عضو حليف لنا في الناتو.

قال بيرن: «ما زلنا نوفر لهم الدعم والقدرة على مواصلة القتال ضد داعش»، واصفاً العلاقة مع القوات التي يقودها الأكراد بأنها قتال «كتفٍ إلى كتف»، وهي عبارة كررها أربع مرات.

«حيلة لضمان استمرار الوجود الأمريكي»

وقال المتحدث باسم البنتاغون، جوناثان هوفمان، إن الهدف من نشر قوات حول حقول النفط هو «ضمان أن تذهب عوائدها إلى قوات سوريا الديمقراطية».

تشدّد نقاط النقاش الجديدة على استمرارية التواجد، وتقدّم حجة لإعادة نشر القوات، لكنها تتناقض مباشرة مع ما أعلنه الرئيس. إذ بصرف النظر عن إلحاحه المستمر على أن الولايات المتحدة ينبغي أن تستفيد من النفط، فقد أعلن ترامب أن داعش هُزمت كلياً أو «إلى درجة هائلة»، خاصة بعد مقتل زعيمها أبوبكر البغدادي، وأن التعامل مع بقاياها يجب أن يكون وظيفة أحد آخر.

قال تشارلز ليستر، خبير سوريا في «معهد الشرق الأوسط»، إن بعض الالتباس نابعٌ من الديناميات الداخلية للإدارة، فقد استغل كبار صانعي السياسات، مثل مبعوث سوريا جيمس جيفري، هوسَ ترامب بالنفط لتحقيق أهداف أخرى.

وقال ليستر: «إن كل موضوع النفط هو، في جملته، حيلة للحصول على دعم رئاسي لضمان استمرار وجود أمريكي، وللحفاظ على تماسك العلاقات مع قوات سوريا الديمقراطية والقبائل في المناطق الشرقية، وهي أطراف ما زالت حليفة في العداء للنظام السوري ولإيران».

يذهب نيكولاس هيراس، وهو محلل أمني في برنامج «الأمن في الشرق الأوسط» التابع لـ «مركز الأمن الأمريكي الجديد»، إلى أن السبب الحقيقي لإرسال وحدات أمريكية وآليات عسكرية إلى حقول النفط الشرقية هو إبقاء النفط بعيداً عن أيدي نظام الأسد وداعميه الروس.

هل تقع صدامات مع نظام الأسد على النفط؟

يقول هيراس: «لمواجهة داعش تحتاج إلى قوات أخف وزناً وأكثر مرونة». ومع اقتراب فصل الشتاء، تزداد حاجة النظام إلى إمدادات الطاقة، ومن ثم تحافظ السيطرة على إمدادات النفط على بعض النفوذ في المنطقة. وقد سبق أن خاضت القوات الأمريكية في فبراير/شباط 2018 معركةً حامية ضد ميليشيات مدعومة من النظام ومرتزقة روس، حول منشأة للغاز على تخوم مدينة دير الزور.

كان وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، قد أشار إلى أن إحدى مهام القوات الأمريكية هي الحفاظ على منع وصول النظام وروسيا إلى النفط. غير أن البنتاغون سعى إلى التخفيف من حدة هذه النغمة يوم الخميس، مركّزاً بدلاً من ذلك على تهديدٍ محتمل لداعش، لكن هوفمان عاد وأكّد أن القوات الأمريكية ستدافع عن نفسها ضد أي مهاجمين.

وقال المتحدث: «الجميع في المنطقة يعلم مواقع وجود القوات الأمريكية. ونحن نعمل على ضمان ألا يقترب أحد لديه نوايا عداءٍ لقواتنا. أما إذا فعل أحد ذلك، فإن قادة قواتنا لديهم الحق الكامل في الدفاع عن النفس».

تناقضات وشكوك

من المرجح أن تبرز التناقضات والشكوك الكامنة وراء الوجود الأمريكي إلى الصدارة في الأيام القليلة المقبلة، عندما تنتقل القوات التركية، وقوات النظام السوري والقوات الروسية إلى المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية سابقاً، ومع زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المرتقبة إلى البيت الأبيض.

خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده البنتاغون يوم الخميس، شدَّد بيرن على أن وقف إطلاق النار الذي تم التفاوض عليه في شمال شرق سوريا جرى الحفاظ عليه بعيداً عن «المناوشات الصغيرة نسبياً».

ومع ذلك، فإن ثمة تقارير تشير إلى أن تنظيمات مسلحة مدعومة من تركيا تدفع باتجاه بلدة تل تمر، وهي تقع خارج حدود المنطقة التي وافقت القوات الكردية على الانسحاب منها.

قال ستيف غومر، رئيس منظمة Partners Relief & Development غير الربحية، المهتمة بتقديم المساعدات، والذي كان في تل تمر الأسبوع الماضي، إن الجبهة التي يجري فيها القتال حالياً تبعد 4 كيلومترات فقط شمال البلدة.

وأضاف غومر: «طوال الوقت الذي كنا فيه هناك كان القتال مستمراً لا يتوقف. الناس يُقتلون ويُصابون كل يوم».

أبدى مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية قلقه من احتمال أن تكون التنظيمات المشتركة في القتال حول تل تمر «ليست تحت السيطرة الكاملة لأنقرة». يقول المسؤول: «إن الأمر يتعلق في الأساس بهذه التنظيمات السورية المدعومة من تركيا والموجودة هناك. وقد تعاظم قلقنا إلى حد كبير لأنهم كانوا يتجهون على ما يبدو نحو بلدة تل تمر، وهي منطقة ذات أغلبية مسيحية كبيرة نسبياً، وهي في نفس الوقت منطقة يُقرّ الجميع بأنها خارج حدود (المنطقة التركية المتفق عليها)».

—————————————

عملية “نبع السلام”: تفاقم أزمة النازحين وسط غياب المنظمات الدولية/ باز علي بكاري

“لم نأكل شيئاً اليوم، ومنذ ثلاثة أيام ونحن هنا دون أن يقدم أحد لنا المساعدات” تقول مسنة كردية نازحة من مدينة سري كانيه/رأس العين لإحدى القنوات الإعلامية، فيما ينادي زوجها “نريد فقط القليل من الشاي والسكر حتى نريح رأسنا قليلاً”.

في مدينة الحسكة اضطر والد وابنته للنوم في إحدى الحدائق العامة، بعد أن فقد الأمل بالحصول على ملجأ في المدارس التي تستقبل النازحين في المدينة.

فيما رفض الشاب جوان”اسم مستعار” الإفصاح عن اسمه وأخذ صورة له ولعائلته في مركز اللجوء معللاً ذلك” نحن من سري كانييه، المدينة المعروفة بأنها تكرم ضيوفها، ولم نحتاج أحداً، لكن “المجرم” أردوغان اضطرنا للنزوح مع أطفالنا خوفاً عليهم من صواريخه التي انهالت فوق رؤسنا”.

أدت العملية التركية التي حملت اسم” نبع السلام” في شمال شرق سوريا إلى أزمة إنسانية نتيجة نزوح ما يقارب 300 ألف نازح، بينهم حوالي 80 ألف طفل من المناطق التي تدور فيها العمليات القتالية في كل من سري كانييه/رأس العين وتل أبيض وريفيهما، إضافة إلى تضرر القطاع التعليمي في المنطقة بالكامل. وبحسب برنامج الأغذية العالمي فقد قدم البرنامج المساعدات الغذائية الطارئة لنحو 300 ألف شخص من المتضررين من الأعمال القتالية في شمال شرق سوريا.

خروج المنظمات الدولية والفراغ الذي أحدثه

بعد العملية العسكرية التركية، وإعلان التفاهم بين الإدارة الذاتية والنظام السوري، القاضي بانتشار قوات النظام في المنطقة على الحدود مع تركيا، انسحبت أغلب المنظمات الدولية العاملة في المنطقة، الأمر الذي أحدث فراغاً كبيراً وزاد حمل المنظمات المحلية.

من جانبه يوضح شيراون بري مدير الصحة والإدارة المشتركة في الهلال الأحمر الكردي أنه”  بالنسبة للمنظمات، التي خرجت من المنطقة، أغلب المنظمات لم تخرج برغبة منها، فالكثير من هذه المنظمات كانت تعمل معنا وتساعدنا، وحتى الآن لديهم رغبة في العودة والعمل، وخروجها كان خوفاً من عودة الحكومة السورية والسيطرة على المنطقة، لأنها لا تملك تراخيص عمل من الحكومة السورية في دمشق، وهذا كان سبباً رئيساً لخروجهم، وهناك بعض المنظمات حسب تواصلاتنا معهم لديهم رغبة بالعودة في حال سمحت لهم الظروف، من جهة أخرى كان الاعتماد في المنطقة على هذه المنظمات شبه كلي، إضافة الى الهلال الأحمر الكردي كمنظمة محلية”.

المتحدثة باسم تحالف المنظمات الثلاث نشتمان خلف تجد أن المشكلة لم تكن  بسحب المنظمات الدولية لفرق خبرائها الدوليين والذي” لا مشكلة في سحبهم ولكنهم تركوا الفرق الميدانية المحلية والمنظمات المحلية دون وضع اي خطة بديلة”

وتتابع خلف حديثها “بالرغم من انسحابهم إلى كردستان العراق كان بإمكانهم إطلاق  برامج عبر الحدود او ما يسمى Cross boarding والتحضير له بسرعة لأنه كان يتم العمل به في مناطق أخرى في سوريا مثل ادلب وحلب أي إنه ليس نموذج عمل جديد في سوريا أو في دول أخرى تجري فيها الصراعات”

وتوضح خلف أن الإنسحاب فاقم الأزمة الإنسانية “الانسحاب كان له الدور الرئيسي في الأزمة لأن  الجهات التي هي مصدر التمويل لم تقم بتفعيل برنامج عبر الحدود ولا بدعم فريقهم المحلي ولا بدعم المنظمات المحلية ليكون لها مصادر تمويل ذاتية او تراكمية تستطيع ولو تلبية جزء من الحاجات، ولم تقدم اي بدائل بل كنا على تواصل مباشر عبر منصة شمال شرق سوريا وهي منصة للمنظمات الدولية العاملة في المنطقة، كانوا يطلبون معلومات ويقدمون وعوداً فقط”

يسرد الدكتور شيروان مثالاً على تأثير خروج المنظمات الدولية سلباً على الوضع الإنساني” أذكر أطباء بلا حدود على سبيل المثال، وتركيزي عليها كونها تملك إمكانيات كبيرة وخبرة أفضل من خبراتنا بكثير، فقد قامت قبل الآن بإنشاء نقطة طبية في الحسكة، كانت تجاري المشافي الأوربية، لكن فجأة قامت بسحب موظفيها، أي أنها لاتملك خطة استمرارية للعمل في المنطقة، لتجهيز كوادر محلية تستطيع الحفاظ على الاستمرارية بعد أن يذهب الموظفون الدوليون،  وبهذه الطريقة ينهار كل ما تم بناؤه من قبلهم”.

جدير بالذكر إن مؤسسة بارزاني الخيرية، التي تتخذ من عاصمة إقليم كردستان مركزاً لها، أرسلت حتى الآن ثلاث قوافل للمساعدات ووزعتها على النازحين بالتنسيق مع الإدارة الذاتية.

تأثير العملية العسكرية على مشاريع المنظمات المحلية

مع انطلاق العملية العسكرية التركية في مدينة سري كانييه، وبدء موجات النزوح من المدينتين وريفيهما، توجهت المنظمات المحلية العاملة في المنطقة إلى إيجاد تنسيق فيما بينها، والتركيز على عمليات الإغاثة ومساعدة النازحين، وبحسب الإحصائيات المتوفرة يوجد حالياً ما يقارب الأربعين منظمة محلية تنسق لتأمين ما تستطيع من احتياجات النازحين.

“توقفت مشاريع إعادة الاستقرار التي كانت تقوم بها المنظمات المحلية ومن بينها تحالفنا (Gav, Dan, Doz) حيث كنا نقوم بمشاريع دعم التعليم من خلال توزيع ادوات المدارس وغيرها من مشاريع سبل العيش، كالزراعة ومشاريع مجتمعية من دعم نفسي للاطفال وغيرها من الانشطة التي كان لها دور في بناء مجتمع مستقر قادر على بدء مرحلة جديدة من السلم”، بحسب نشتمان خلف، المتحدثة باسم تجمع ثلاث منظمات محلية وحدت جهودها لتقديم الدعم للنازحين نتيجة الأزمة التي خلفتها العملية العسكرية التركية في شمال شرق سوريا.

من جانبه أوضح الدكتور شيراون بري، مدير الصحة والإدارة المشتركة في الهلال الأحمر الكردي في حديثه لـ”درج” أن العملية العسكرية التركية أثرت على سلم الأولويات لديهم في المنظمة قائلاً” على سبيل المثال طاقمنا في الهول كان تقريباً 200 موظف من أطباء ومسعفين وداعمين لوجستيين، لكن مع بدء العملية اضطررنا لنقل نصف العدد إلى المناطق التي تخدم النازحين والجرحى، وذلك ليس من باب التفرقة بين من هم في الهول والمدنيين النازحين، لكن الحاجة وتغير الأولويات اضطرنا لذلك، ولم نستطع انتظار المنظمات لتقوم بدعم المناطق، لذا قمنا بإعادة توزيع طواقمنا، والكثير من المسعفين عملوا على خطوط الجبهة، بالمجمل العمل كبير ويتطلب جهداً كبيراً”.

وأشارت خلف في حديثها إلى تأثير حركة النزوح على العملية التعليمية في المنطقة وقالت” انطلقت كل فرقنا ومواردنا للاغاثة الطارئة ناهيك عن توقف التعليم حيث استخدمت المدارس كمراكز إيواء”.

مصادر دعم محدودة للمنظمات المحلية

تؤكد نشتمان خلف  المتحدثة باسم تحالف المنظمات، “المنظمات المحلية مواردها المالية تأتي من مانحين سواء منظمات دولية او جهات اخرى تمثل دولاً اوروبية وأميركا، والموارد والمنح كانت تغطي مشاريع لفترات محدودة لا تتجاوز السنة وأغلبها أقل من سنة، اذ لا يتوفر أي فائض مالي من المشاريع وان توفر فالأموال تعود الى المانح. بمعنى آخر، المنظمات المحلية ليس لديها أي موارد مالية لتقوم بالإغاثة لوحدها”

وتتابع خلف في حديثها، ” تحالفنا اعتمد على حملة تبرعات اون لاين في أوروبا، وتبرعات عينية تم اطلاقها بالتعاون مع اهالي مدن مثل عامودا والقامشلي، بالنسبة الى تحالفنا، وإذا تم الاقتصار على المصادر الحالية المتوفرة فلن نستطيع الاستمرار أكثر من شهر. توجد منح بسيطة من منظمات دولية ولكنها لا تغطي اكثر من 10 بالمئة من الاحتياجات ناهيك عن قدوم فصل الشتاء حيث سترتفع الحاجة الى مستلزمات التدفئة واللباس الشتوي التي ستزيد من حجم الكارثة”.

دور الأمم المتحدة في الأزمة الإنسانية

اقتصر تدخل الأمم المتحدة في الأزمة الحالية على تقديم مساعدات طارئة بسيطة لم تكن بالمستوى المطلوب، فبرنامج الأمم المتحدة لديه منصتين تعملان من غازي عنتاب، ولم تتدخل لحل الأزمة “بسبب تسيسها وبسبب سيطرة جهات سياسية على المنصة في تركيا من إخوان مسلمين ومخابرات تركيا” بحسب ناشط إغاثي فضل عدم ذكر اسمه.

ويتابع الناشط نفسه في حديثه لـ”درج”، “سابقاً لم يتم دعم بناء منصة في كردستان العراق، وكانت هناك محاولات تم إفشالها بسبب رغبة غازي عنتاب بالسيطرة على المنطقة من ناحية المشاريع، أما منصة دمشق التي تنفذ مشاريع مع منظمات مسجلة لدى النظام مثل الهلال الأحمر العربي والتي تعتبر أعمالهم محدودة، أو اليونيسيف التي كانت تنفذ حملات اللقاحات في المنطقة، أثناء الاجتياح منصة تركيا كانت تاخذ فقط معلومات دون ان تقدم اي شيء، ومنصة دمشق قدمت من مخزون برنامج الاغذية العالمي WFP توزيعات في القامشلي، التوزيعات كانت بسيطة لا توازي حجم الاحتياج”.

من جانبه يؤكد الدكتور شيروان بري مدير الصحة في الهلال الأحمر الكردي أنه” لم يكن هناك اعتماد على الأمم المتحدة، ولا يوجد لديها تنسيق مع المنظمات في المنطقة، ولا تستطيع التحرك دون أن تأخذ الإذن من دمشق، وشركاؤهم منظمات مرتبطة بالحكومة السورية، مثل اليمامة والبر وغيرها، وعملهم سيء جداً وتقاريرهم غير واقعية مطلقاً والجميع يعلم بطريقة عملهم، نستطيع القول أن وجودهم مثل عدمه”

ويتابع الدكتور بري حديثه” والأمم المتحدة لا تستطيع التنسيق معنا كهلال أحمر كردي، كوننا لا نملك ترخيصاً من دمشق، نحن مرخصون في شمال وشرق سوريا وفي إقليم كردستان العراق فقط، وحتى إن عملت معنا فليس بشكل مباشر، والحكومة السورية تضع لهم عراقيل كثيرة في هذا الصدد، لهذا فالمساعدة تقتصر على الدعم اللوجستي من المعدات والأدوية، للأسف الحمل ثقيل جداً علينا، سواء كهلال أحمر كردي أو المنظمات المحلية الموجودة في المنطقة، ونحن لا نملك الإمكانيات الكافية، وأكرر أن الأمم المتحدة دورها محدود بسبب ضغوطات الحكومة في دمشق”.

أدت الأزمة المفاجئة والأعداد الكبيرة للنازحين مع استمرار المعارك بين قوات سوريا الديمقراطية والجيش التركي إلى زيادة الضغط على مؤسسات الإدارة الذاتية أيضاً، وحول هذه النقطة يؤكد الدكتور شيروان بري أن “البلديات والمجالس المحلية تساندنا في عملنا خاصة في توزيع المساعدات، أما على الجبهات فكنا الوحيدين للأسف، ومستشفى الشهيد ليكرين في تل تمر هو من تحمل العبئ الأكبر، وهو تابع لنا في الهلال الأحمر الكردي، ولعب دوراً بارزاً في المجال الإسعافي الطبي”

من جابنها تقول نشتمان خلف المتحدثة باسم تحالف المنظمات الثلاث” لعبت الإدارة دور المنسق بين المنظمات المحلية التي يبلغ عددها ما يقارب الأربعين منظمة محلية، تنسق فيما بينها لتوحيد الجهود ومساعدة النازحين، إضافة إلى أنها ضغطت على المنظمات الدولية للقيام بواجباتها تجاه النازحين، لكن الأخيرة لم تستجب حتى الآن”.

وتناشد خلف المجتمع الدولي قائلةً”الأزمة أكبر من إمكانياتنا المحلية، ونطالب بدعم الحكومات والمنظمات الدولية من خلال برامج عبرالحدود من كردستان العراق، وعدم تسيس العمل الانساني، إضافة فصل المنطقة عن منصات موجودة في تركيا او دمشق معيقة للعمل بسبب خصوصية الظرف”.

درج”

———————————–

عشرات القتلى والجرحى في الرقة ورأس العين وإدلب و3 مجازر للقوات الروسية والسورية في شهر/ هبة محمد

مشق ـ «القدس العربي»  ووكالات: مع تحول شمال سوريا إلى منطقة لتبادل الرسائل العسكرية والسياسية بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، كان يوم أمس دامياً في مناطق عدة. فقد قُتل سبعة مدنيين بينهم ثلاثة أطفال أمس في قصف جوي روسي استهدف إحدى بلدات محافظة إدلب في شمال غربي سوريا، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وأوضح المرصد السوري لحقوق الإنسان أن القتلى سقطوا في «غارات شنتها طائرات حربية روسية مستهدفة بلدة كفرومة في ريف إدلب الجنوبي». وأسفر القصف عن إصابة ثمانية آخرين بجروح، بعضهم حالتهم خطرة.

وكان لافتاً أن يأتي التصعيد الروسي إثر اجتماع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين أول أمس، بحث تعقيدات الملف السوري واتفاقي «سوتشي» المبرمين بين البلدين، وآلية استكمال بنودهما، وسط تنديد كل من الولايات المتحدة ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بـ «العدوان» الذي يشنه النظام السوري ضد المدنيين في إدلب.

وجاء لقاء الزعيمين الروسي والتركي بعد تصعيد مضاعف شهدته أرياف حلب وإدلب الجنوبية والغربية، حيث ارتكب الحلف الروسي ـ السوري ثلاث مجازر خلال الثلث الأول من الشهر الجاري.

ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل أكثر من 1000 مدني، بينهم نحو 300 طفل منذ نهاية شهر نيسان/ إبريل قضوا جميعاً بقصف قوات النظامين الروسي والسوري جواً وبراً.

وقال الدفاع المدني السوري ان الطيران الروسي شن 4 غارات جوية على مخيم للبدو الرّحل بطرف بلدة النيرب شرقي مدينة إدلب. كما وثقت فرق الخوذ البيضاء أمس استهداف 11 منطقة ب19 غارة جوية 15 منها بفعل الطيران الحربي الروسي، بالإضافة إلى 53 قذيفة مدفعية. وشمل القصف قرى عدة في مناطق خفض التصعيد في إدلب وأريافها شمال غربي سوريا.

وفي منطقة تحت سيطرة أنقرة قالت وزارة الدفاع التركية ومسعفون محليون إن ثمانية أشخاص قتلوا عندما انفجرت قنبلة أمس في شمال شرقي سوريا حسب رويترز. وأنحت الوزارة باللوم في التفجير على وحدات حماية الشعب الكردية، وقالت إنه وقع جنوب شرقي بلدة تل أبيض التي سيطرت عليها تركيا في هجوم عسكري بدأ قبل شهر.

وفي الرقة أفاد مصدر طبي سوري بمقتل خمسة أشخاص وإصابة أكثر من 20 آخرين، بعضهم في حالة حرجة في انفجار سيارة مفخخة وسط بلدة سلوك في ريف الرقة الشمالي أمس الأحد. وقال مصدر طبي في بلدة سلوك، طلب عدم ذكر أسمه:» لم نتمكن من إحصاء عدد القتلى والجرحى بشكل دقيق بسبب اسعافهم بشكل مباشر إلى تركيا نظراً لعدم توفر الإمكانات الطبية لإجراء عمليات جراحية لهم وتقديم الإسعافات اللازمة لهم».

وقال قائد عسكري في الجيش الوطني المعارض، طلب عدم نشر اسمه، إن «الانفجار وقع في ساحة البلدة الرئيسية وأدى إلى سقوط قتلى وجرحى نظراً لوضع كمية كبيرة من المتفجرات في سيارة شاحنة من نوع انتر، كانت محتجزة في مدينة الرقة، ووصلت أمس إلى بلدة سلوك، وقتل صاحبها في داخلها وهو من سكان البلدة، ويبدو أن هناك من كان يرافق السيارة وتفجيرها وسط البلدة».

وقال سكان محليون في بلدة سلوك إن الانفجار كان كبيرا جداً وأدى إلى احتراق ثلاثة محال تجارية، وتضرر عدد كبير منها بسبب الانفجار، إضافة إلى أضرار كبيرة في عدد من السيارات

——————————–

إلهام أحمد: أميركا باقية وشجعتنا على التفاوض مع دمشق برعاية روسية

رئيسة الهيئة التنفيذية لـ«مجلس سوريا الديمقراطية» قالت لـ «الشرق الأوسط» إن قوات الإدارة الذاتية يجب أن تحافظ على خصوصيتها ضمن الجيش

لندن: إبراهيم حميدي

قالت رئيسة الهيئة التنفيذية لـ«مجلس سوريا الديمقراطية» إلهام أحمد في حديث إلى «الشرق الأوسط» في لندن، أمس، إن «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية – العربية تبلغت رسمياً من واشنطن بأن القوات الأميركية باقية في شمال شرقي سوريا وقرب حدود العراق لـ«حماية آبار النفط ومنع وقوعها بأيدٍ غير أمينة»، لكن أشارت إلى أنه ليس هناك جدول زمني لبقاء هذه القوات «التي تعززت» في رقعة جغرافية أقل، بعد قرار الرئيس دونالد ترمب في بداية الشهر الماضي الانسحاب من الحدود مع تركيا.

وقالت أحمد إن المطالب التي نقلتها إلى واشنطن والعواصم الأوروبية شملت «إنهاء التهديد التركي ومعاقبة تركيا ووقف توريد الأسلحة لتركيا، وفرض عقوبات اقتصادية، ومعاقبتها على استخدام أسلحة محرمة. أيضاً، نريد إرسال قوات دولية إلى الحدود لضمان عدم عودة (الدواعش) إلى البلدان الأوروبية».

وأوضحت رداً على سؤال أن «قوات سوريا الديمقراطية» توصلت برعاية روسية إلى اتفاق مع دمشق لنشر قوات الحكومة السورية على حدود تركيا، مشيرة إلى أنها تطالب بمفاوضات سياسية لـ«انتزاع اعتراف دمشق بالإدارة الذاتية ضمن الدستور السوري. بموجب الاتفاق يكون هناك توزيع للصلاحيات بين المركز والأطراف. هي (الإدارة) جزء من سوريا والدستور السوري وتتم إدارة المنطقة ضمن صلاحيات معينة». وأشارت إلى أن الجانب الأميركي «شجع» على هذه المفاوضات. وأضافت أنه يجب الحفاظ على خصوصية «قوات سوريا الديمقراطية» بموجب أي اتفاق مستقبلي، بحيث تبقى «قوات خاصة ضمن الجيش السوري. يعني يجب أن تكون الإدارة الذاتية هي الواجهة الأساسية لهذه القوات وبعلاقة قانونية مع وزارة الدفاع السورية».

وهنا نص الحديث الذي جرى في لندن أمس:

> الرئيس دونالد ترمب أعلن بداية الشهر الماضي الانسحاب من سوريا ثم عدل موقفه. هل تشعرون أن واشنطن خانتكم بعدما ساهمت «قوات سوريا الديمقراطية» بالقضاء على «داعش»؟

– طبعاً، القرار الذي اتخذته إدارة ترمب بسحب قواتها بأسلوب عشوائي ومفاجئ، أثر بشكل سلبي جداً على المنجزات في الحرب ضد «داعش» والدعم الذي قدمته لتحقيق الاستقرار وعودة النازحين إلى المناطق والقضاء على الخلايا النائمة لـ«داعش».

لم نكن نأمل قراراً مفاجئاً كالذي حصل، خصوصاً أنه كانت لدينا وعود من الدبلوماسيين والعسكريين الأميركيين أنهم باقون في المنطقة إلى حين تحقيق الحل السياسي النهائي في سوريا ومحاربة خلايا «داعش» النائمة، وأن المناطق التي وجد فيها الأميركيون سيدافعون عنها ولن يسمحوا لأي طرف بالهجوم عليها.

> لكن التوقعات بالانسحاب كانت موجودة والسفير الأميركي الأسبق روبرت فورد توقع «خيانة» أميركية للأكراد؟

– لن أتحدث بذلك بالأسلوب. من لم يفِ بوعوده، دعه يسمي الأمور بنفسه. الرأي العام الأميركي كان ضد الانسحاب. كان هذا واضحاً.

> ما هو الوضع حالياً عسكرياً على الأرض؟ هل حصل تراجع؟

– هناك تراجع عن القرار، لكن لا نعرف المدة الزمنية والمهمات التي سيقوم الأميركيون بها. قال الأميركيون إنهم باقون لمحاربة «داعش» وكي لا تقع حقول النفط في أيدٍ غير أمينة.

> هل تبلغت ذلك رسمياً؟

– نعم، تبلغنا ذلك رسمياً.

> ماذا؟

– تبلغنا رسمياً أنهم باقون للاستمرار في محاربة الإرهاب وحماية آبار النفط كي لا تقع في أيدٍ غير أمينة، ولا يستفيد منها «الدواعش» وغيرهم.

> من هذه «الأيادي غير الأمينة»؟ هل ذكروا روسيا أم دمشق؟

– لم يحددوا. هكذا قالوا.

> هل عزز الأميركيون مواقع آبار النفط والغاز؟

– نعم.

> هل أقاموا قواعد؟

– سبق وكانت لديهم قواعد عسكرية، لكن حصلت عودة للقوات وتعزيز لها. كل الذين انسحبوا عادوا.

> الوضع عاد كما كان قبل قرار الانسحاب؟

– المساحة تقلصت. تقريباً، تقلصت إلى النصف.

> كنتِ في واشنطن والتقيت مسؤولين في وزارتي الدفاع والخارجية والكونغرس. ماذا طلبت؟

– طلبنا إنهاء التهديد التركي ومعاقبة تركيا عما قامت به من تطهير عرقي واغتيالات السياسيين، إضافة إلى ضمان تشميلنا بالعملية السياسية في جنيف.

> ثلاثة طلبات؟

– نعم.

> ماذا كان الجواب؟

– الإدارة كانت في وضع عدم الاستقرار ولم تكن الآراء واضحة حول المستقبل في منطقتنا. الكونغرس كان واضحاً واتخذ قرارات لفرض عقوبات ومعاقبة تركيا. بقي أن يصادق عليها مجلس الشيوخ. هذا سيحصل في الأيام المقبلة. لكن الإدارة كانت في حالة عدم وضوح وعدم الاستقرار في الرأي والاستراتيجية.

> وزارة الدفاع؟

– في البداية كان الأمر غير واضح، لكن حالياً الصورة واضحة لديهم، وفق ما ذكرت سابقاً.

> هل هناك إطار زمني لبقاء القوات الأميركية؟

– لا. هم موجودون من دون برنامج زمني.

> إلى متى؟

– حسب استراتيجيتهم. وإلى الآن لم تتضح أسباب بقائهم في سوريا. لذلك لا نعرف هل سيبقون شهرا أو شهرين أو سنة.

> أنت في لندن، ما هي طلباتك في لندن والعواصم الأوروبية.

– لنا مطالب من الدول الأوروبية، هي إنهاء التهديد التركي ومعاقبة تركيا ووقف توريد الأسلحة لها وفرض عقوبات اقتصادية ومعاقبتها على استخدام أسلحة محرمة. أيضاً، نريد إرسال قوات دولية إلى الحدود لضمان عدم عودة «الدواعش» إلى البلدان الأوروبية.

> ماذا عن «الدواعش» الأجانب؟

– نريد تنظيم محاكم خاصة لـ«الدواعش» وتوفير حماية للسجون والمخيمات مع قواتنا للأمن الداخلي. ونناقش موضوع محاكمة «الدواعش» مع الفرنسيين.

> ماذا عن مستقبل «الدواعش» الأجانب، هل ستسلمونهم لدمشق؟

لا، إذا استمر الهجوم التركي، سيعرض «الدواعش» للخطر. ممكن أن يأخذهم النظام السوري أو روسيا أو تركيا أو يهربوا. لذلك، طلبت وقف العملية التركية والهجوم العسكري.

> واقعياً، بالنسبة إلى أميركا والدول الأوروبية، هل تتوقعون أن تنحاز لصالحكم على حساب تركيا وهي عضو في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) ومجموعة العشرين؟

– هم يعرفون أن تركيا لم تعد تغرد ضمن «ناتو» وانحازت كثيرا للطرف الآخر، أي روسيا. هم يعرفون ذلك. يبقى اتخاذ قرارهم واختيار شريكهم.

> لندن، ستستضيف قمة «ناتو» في 3 و4 الشهر المقبل، وهناك قمة بريطانية – ألمانية – فرنسية – تركية. كما أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان سيلتقي ترمب في 13 الجاري؟

– الكل يعرف أن تركيا تحولت إلى دولة راديكالية وهي كانت ولا تزال الممول الأساسي لـ«الدواعش». إذا استمرت العلاقة بينهم، رغم الحقائق، يعني أنهم يتعاملون مع دولة ممولة للإرهاب.

> البعض يعترض على العلاقة بينكم و«حزب العمال الكردستاني» الذي تصنفه دول تنظيماً إرهابياً؟

– إردوغان يخلق الحجج لاحتلال أراض من دول أخرى. الجغرافيا التي نعيش فيها كردية، لكن نتحدث عن خليط من المكونات. لا يمكن أن تتذرع تركيا بـ«وحدات حماية الشعب» الكردية. هي (الوحدات) لم تعتد على أمن تركيا. كل دول التحالف وأميركا تعرف ذلك. ما نقوم به بسوريا، والكل يعرف ذلك، أننا حاربنا الإرهاب ولا علاقة لنا بالإرهاب. لدينا أولويات داخل سوريا ولدينا أولوية سورية، أدافع عن مصالح شعبنا، وأناقش ذلك مع كل الدول المعنية. أولويات سورية ولا أنكر قضيتي القومية، خصوصاً أن القضية الكردية مشكلة في دول أخرى مثل تركيا وإيران.

> هل تريدون تأسيس «روج آفا» (غرب كردستان)؟

– ليس لدي مشروع قومي، كما يسميه البعض، دولة قومية، لكن لنا حقوق قومية كشعب كردي ولنا حقوق كشعب سوري. القضيتان تكملان بعضهما بعضاً. من دون حل القضية الكردية، لا يمكن حل الأزمة السورية.

> لا تريدون كياناً كردياً؟

– أبدا ومطلقاً، لكنْ لدينا حقوق.

> الدبلوماسي الأميركي ويليام روباك اتهم أنقرة بـ«التطهير العرقي»، وفصائل سورية معارضة تتهمكم بـ«التطهير العرقي» ضد العرب وتهجيرهم من مناطقهم شرق الفرات. ما هي الحقيقة؟

– التطهير العرقي يعني أن تهجر قوماً بالكامل من مناطقهم وترتكب المجازر. لننظر إلى تاريخ «وحدات حماية الشعب».

> هناك من يقول إنها هجرت العرب من مناطقهم شرق الفرات؟

– لا، لم تهجر أحداً. بحكم المعارك خرج الناس من مناطقهم ثم عادوا بعد انتهاء المعارك. بقي قسم في تركيا وهم ممن تعاملوا مع «داعش» ولا يستطيعون الرجوع. الآن، أطلقت الإدارة الذاتية نداء لعودة الجميع إلى مناطقهم.

> هل عاد النازحون؟

– نعم. عاد كثيرون.

> هناك من يقول إنكم تستعملون ذريعة «الدواعش» ضد العرب لمنع الناس من العودة؟ أي كل الناس «دواعش» غير الأكراد؟

– كلها ادعاءات غير صحيحة، ليس في محلها. إطلاق صفة «داعش» على الكل غير صحيحة، وإلا لما كان 70 في المائة من «قوات سوريا الديمقراطية» من العرب. حتى العشائر التفت حول هذه القوات ودعمتها بالقوة المالية والمعنوية والبشرية.

> بعد قرار ترمب، جلست جلسة مفاوضات بين «قوات سوريا الديمقراطية» ودمشق برعاية روسية؟

– اتفاق عسكري.

> ملامحه؟

– تسلمت قوات الحكومة والشرطة الروسية كامل الحدود، لكن حافظوا على منطقة الاتفاق بين تركيا وروسيا بين رأس العين وتل أبيض. تركيا تسميها «منطقة آمنة» نحن نسميها «منطقة الجحيم»، لأن تركيا تستعملها لتمرير «الدواعش».

> سياسيا، ماذا تضمن الاتفاق مع دمشق؟

– نسعى إلى انتزاع الاعتراف الرسمي بالإدارة الذاتية لتضمينها بالدستور.

> تريدون الاعتراف بالإدارة الكردية بالدستور السوري؟

– هي ليست كردية. هي إدارية ذاتية وهي جزء من سوريا، بموجب الاتفاق يكون هناك توزيع للصلاحيات بين المركز والأطراف. هي جزء من سوريا والدستور السوري وتتم إدارة المنطقة ضمن صلاحيات معينة.

> هل بدأتِ المفاوضات برعاية روسية؟

– لم تحصل بعد. أبدوا الاستعدادات، لكن لم تحصل بعد.

> هل أبلغتم الأميركيين بمضمون المفاوضات؟

– نعم، هم يعرفون كل شيء. عندما اتخذوا قرارهم وتركوا الحدود، قالوا لنا: أنتم خذوا قراركم وتصرفوا.

> هل شجعوكم على التفاوض مع دمشق برعاية روسية؟

– نعم، طبعا. باعتبار أنهم انسحبوا، ما هو قرارهم؟

> لكنهم عادوا؟

– صحيح، لكن طالما أنهم انسحبوا من الحدود، نحن تصرفنا.

> ما هي ملامح التسوية بينكم ودمشق؟

– الإطار العام، ذكرته، لكن الخطوات العملية لم تبدأ بعد.

> ما هو عدد «قوات سوريا الديمقراطية»؟

– 70 ألفا، وإذا أضفنا الشرطة سيصل العدد إلى مائة ألف عنصر.

> ما هو تصوركم لمستقبلها؟

– لهذه القوات خصوصية، ويجب الحفاظ عليها.

> ما هو المقصود؟

– يجب الحفاظ عليها بموجب اتفاق، قوات خاصة ضمن الجيش السوري. يعني يجب أن تكون الإدارة الذاتية هي الواجهة الأساسية لهذه القوات وبعلاقة قانونية مع وزارة الدفاع السورية.

> الحكومة السورية اقترحت اندماجا فرديا؟

– هذا تصور دمشق، لكنه ليس في محله.

> موسكو اقترحت نسخ تجربة الجنوب السوري، أي اعتبار هذه القوات «فيلقاً خامساً» بإشراف موسكو؟

– لا أظن أن هذا ممكن. القوات عددها كبير ولها خصوصية.

الشرق الأوسط»

—————————-

تعقيبا على عمر كوش.. الوطنية علاقة تفاعلية وأخذ وعطاء/ علي العبدالله

تبنّى الكاتب السوري، عمر كوش، في مقالته المعنونة “الوطنية السورية ومأزق التعايش العربي الكردي” (العربي الجديد: 4/11/2019)، موقفا منحازا ضد الأحزاب الكردية السورية بشكل عام، وضد حزب الاتحاد الديمقراطي خصوصا، بتحميلها مسؤولية كبيرة عن إضاعة فرصة إعادة بناء هوية وطنية، وعن ما يمكن أن تواجهه الوطنية السورية من مخاطر بسبب الإدارة الذاتية التي أقامها هذا الحزب؛ باعتبارها حالةً تقسيميةً، ما أضعف موضوعيته، وأغلق باب الحوار البناء لتوفير مناخ إيجابي، على طريق إعادة ترميم العلاقات الوطنية، والتمهيد للتأسيس لوطنية سورية حقيقية وراسخة ومزدهرة. ذلك أن نهوض الوطنية وتماسكها مرهونٌ بدور مجمل الشعب السوري، وبطبيعة تعاطيه مع الحقوق والواجبات، وسيادة نظام دستوري وقانوني، يوفر العدل والمساواة بين جميع المواطنين من دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو المذهب أو الجنس. لقد تجاهل الكاتب أساس المشكلة: دور السلطة والقوى السياسية والاجتماعية السورية الأخرى في رفع جدارٍ عازلٍ بينها وبين الأحزاب الكردية بموقفها السلبي من الحقوق الكردية وانعدام محاولات جادّة لجسر الهوة، والوصول إلى قواسم مشتركة وحلول وسط تخفف المظالم، وتنفتح على تحقيق اندماج وطني متين ومستقر، ما دفع الأحزاب الكردية إلى تبنّي القطيعة والمفاصلة، فآخر الدواء الكي، كما تقول العرب.

تستدعي القراءة الموضوعية للمقالة ونقدها الكشف بدايةً عن مدى صحة المعطيات التي بنيت عليها، ودقة المعلومات الواردة في ثناياها. وهنا سنكتشف تباينات بين بعض المعطيات التي استند إليها التحليل والواقع وافتقار أخرى إلى الدقة. أول هذه المعطيات، وفق تسلسل ورودها في النص، ما ذهب إليه الكاتب: “وظهر المناضل الراحل مشعل تمّو، زعيم تيار المستقبل، والذي يتهم باغتياله حزب الاتحاد الديمقراطي، بوصفه زعيماً سورياً بامتياز”. صحيح أن

مشعل قد تحوّل إلى أيقونة لدى حواضن الثورة، لكن ليس لكونه زعيما سوريا، بل لأنه اغتيل ولكره الحواضن للجهة المتهمة باغتياله، حزب الاتحاد الديمقراطي. كل من عرف مشعل عن قرب يعرف أن توجهه كان كرديا أكثر منه سوريا، كان قد اشترط على قيادة إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي تلبية مطالب كردية في مقابل انضمام حزب تيار المستقبل الذي أسسه وقاده إلى “الإعلان”. لم يقبل بصيغة إعلان دمشق لحل القضية الكردية على أساس المواطنة والحقوق المتساوية واللامركزية الإدارية، فبقي حزبه خارج “الإعلان”. كما أنه سبق له وطرح فكرة تبادل أراضٍ بين العرب والكرد كي يتاح للكرد منطقة ذات أغلبية كردية مطلقة، كما في العراق وإيران وتركيا، كي تكون أرضا لكيان كردي ذاتي الحكم أو فيدرالي. لعبت وجهة نظره بضرورة المشاركة في الثورة السورية، على الضد من مواقف بقية قادة أحزاب المجلس الوطني الكردي، الذين ارتبكوا أمام الحراك الثوري، فعزلوا أنفسهم وجماهير أحزابهم عنه، بعضهم تلقى تعليماتٍ من خارج سورية، بعدم مناهضة النظام، على خلفية تقدير موقف سياسي مفاده بأن الثورة محدودة وعابرة، وبالابتعاد عن الثورة كي لا تتحمّل مسؤولية سياسية، وتتحمّل تبعات الصراع، لأن التهم ضد الكرد جاهزة: الانفصال وتقسيم سورية، لعبت (نظرته إلى المشاركة في الثورة) دورا في تقديمه زعيما سوريا، لكن انخراطه جاء على خلفية العمل على تحقيق الحقوق الكردية، عبر المشاركة في تحقيق أهداف الثورة. وقد جسّد نظرته بمشاركته في مؤتمر الإنقاذ الوطني السوري الذي عقد في اسطنبول يوم 16/7/2011، وعبّر عن المطالب الكردية بدعوته، في كلمته إلى المؤتمر من دمشق، عبر “سكايب” إلى حذف صفة العربية من اسم الدولة السورية والاعتراف بالكرد قومية ثانية في الدستور الجديد. صحيح أنه دفع حياته بسبب انخراطه في الثورة، لكن ذلك لا يغير أن توجهاته وأولوياته التي كانت كردية بالمطلق. الصحيح أن تنسيقية اتحاد شباب الكرد فقط انخرطت في الثورة من موقع الإيمان بها، والاقتناع بأهدافها العامة: الحرية والكرامة.

ثاني هذه المعطيات ربط الكاتب عمر كوش خرائط كردستان الكبرى بحزب الاتحاد الديمقراطي؛ علما أن خرائط كردستان الكبرى سابقة على وجوده، من جهة، وليست جزءا من برنامجه السياسي في ضوء تبنّيه نظرية زعيم حزب العمال الكردستاني التركي، عبدالله أوجلان، في “الأمة الديمقراطية”، العابرة للقوميات، من جهة ثانية.

وثالث هذه المعطيات اعتبار كوش الإدارة الذاتية محاولة لتقسيم سورية ودويلة أقامها حزب الاتحاد الديمقراطي، في حين يمكن أن يقال عن مشروع الإدارة الذاتية كل شيء، إلا أنه مشروع دويلة، فالحزب بتبنّيه رؤية أوجلان الجديدة، القائمة على نظرية “الأمة الديمقراطية”، يسعى إلى بناء نظام سياسي، يسميه ديمقراطية الشعوب، أساسه مجالس محلية إدارية على مستوى القرية والبلدة والأحياء في المدن الكبيرة. فكرة فيها تجاوز للقوميات، ما جعلها نقطة خلافية بين هذا الحزب وأحزاب المجلس الوطني الكردي، المتمسكة بالحل القومي للقضية الكردية، باعتبارها قضية شعب وأرض، فالإدارة الذاتية ليست مشروع دولة أو حالة انفصالية، كما يرى الكاتب. وحديثه عن “خرائط متخيّلة لدولة شعب غربي كردستان” ليست واردة في أدبيات الحزب، ولكنها مطروحة، وبقوة في أوساط أحزاب المجلس الوطني الكردي، فالإدارة الذاتية، وفق أصحابها، نموذجٌ لنظام سورية البديلة، وهي جزء من سورية التي يجب أن تدار باقي مناطقها بالطريقة نفسها. وللإدارة الذاتية عيوب كثيرة يمكن انتقادها منها، ولكن ليس من بينها إقامة دويلة كردية وتقسيم سورية.

ورابع هذه المعطيات مبالغة الكاتب في شمولية الثورة: “وقد شارك في بداياتها شباب وشابات من مختلف الأطياف والانتماءات، حيث عمّت التظاهرات الاحتجاجية مختلف المدن والبلدات السورية، بدءاً من درعا جنوباً وصولاً إلى القامشلي شمالاً، ومن اللاذقية شرقا ً(هي غرباً) وصولاً إلى البوكمال شرقاً”. حيث كان ثمّة تحفظ وحذر في أوساط سورية عديدة، علوية ومسيحية ودرزية وشيعية، ومن شارك منهم، وهم قلة، إنما لاعتباراتٍ تتعلق بانتماءٍ حزبي ما، من دون أن ننسى وقوف نسبةٍ كبيرة منهم في صف النظام وقتالهم إلى جانب قواته ضمن تشكيلات مليشياوية، تحفظ وحذر متجذّرين، سببهما إرث كثيف من مرحلة التمييز وبذر الشقاق بين أبناء الوطن الواحد؛ على خلفية التباين الديني والمذهبي والخطر المحدق بالأقليات ودور النظام في حمايتهم؛ الذي مارسه النظام لتحقيق هدفه في الهيمنة والسيطرة، عبر إضعاف المجتمع بتفتيته.

وفي موضوع المقالة الرئيس: قراءة الكاتب العوامل التي أجهضت فرصة إعادة إنتاج هوية وطنية. هنا نلمس، من دون كبير بحث وتمحيص، ميله إلى تحميل الأحزاب الكردية عامة، وحزب الاتحاد الديمقراطي خصوصا، القسم الأعظم من المسؤولية. كتب “كان موقف الأحزاب والقوى السياسية الكردية سلبياً وملتبساً من الثورة السورية، باستثناء تيار المستقبل، الأمر الذي أحدث انقساماً واضحاً في الموقف من الثورة. ولعبت تلك الأحزاب دوراً كبيراً في تعميق سردية المظلومية، وفي إظهار التمايز الكردي عن العربي، حتى في التظاهرات، من خلال رفع العلم الكردي وأعلامها، وتوظيف الرموز الكردية، لتعزيز الشعور القومي، وإبعاده عن الشعور الوطني السوري”… و”لم تع الأحزاب الكردية حقيقة أن حراك الثورة الاحتجاجي السلمي الذي يندرج في حقل السياسة كان رداً على سنوات طويلة من التغييب والإقصاء والتهميش لجميع السوريين، وموجهاً ضد الشعارات الإيديولوجية المزيفة للسلطة التي كانت تقفز على الوطنية السورية إلى قومية متخيلة، حيث كانت تنادي بوحدة الأمة العربية، فيما تمارس أجهزتها وأذرعها الأخطبوطية تقسيماً مذهبياً ومناطقياً وإثنياً، وتعمل على إلحاق سورية، وطناً وشعباً، بمشروع نظام الملالي الإيراني، وما يخططون له في المنطقة”…. “وارتضت، أغلب الأحزاب الكردية، الانسياق وراء ما طمح إليه النظام السوري في إبعاد الشارع الكردي عن الثورة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل استخدم بعضها لقمع الناشطين الأكراد وملاحقتهم وتهجيرهم”.

أما موقفه من دور أحزاب المعارضة العربية ومؤسسات الثورة والمعارضة في إجهاض فرصة إعادة إنتاج هوية وطنية، فاقتصر على لومها على تعاميها عن المسألة الوطنية، وعجزها عن نسج خيوط وطنية سورية وإنتاج حالة تجانس واستقلالية. ولم يلحظ الكاتب غياب تعاطي جاد ومرن من أحزاب المعارضة العربية مع القضية الكردية وعدم انخراطها في حوار بناء مع الأحزاب الكردية وثباتها على الموقف التقليدي منها، باعتبارها قضية مفتعلة لجماعة وافدة ليس لها سوى حقوق ثقافية، أو لم يهتم بهذا الأمر.

صحيح أن دور الأحزاب الكردية كان سلبيا من الثورة، وأنها تصرّفت وفق أجندة خاصة، وسعت خلف أهداف خاصة، وحاولت توظيف الصراع بابتزاز النظام والمعارضة لتحقيق أهدافها الخاصة. ولكن يجب قراءة هذه السلبية في سياق المشهد السياسي العام، وربط الموقف بتحولات العلاقة بين المعارضة والأحزاب الكردية، وفشلهما في جسر الهوة، وصياغة توافق وطني يخفّف حدّة الاحتقان القائم، ويفتح على مخرج مرحلي على أقل تقدير. لقد بقي الطرفان أسرى سردياتٍ عن الأسبقية التاريخية، وما ترتبه من أحقية في الأرض والسيادة. نبش كلا الطرفين التاريخ، وجمعا أدلة وبراهين لتأكيد الأسبقية التاريخية والأحقية، بالتالي، بالأرض. كلا الموقفين وليد تصوّر للتاريخ قائم على نظرة غير تاريخية، لأنها تعتبر كل أرض وطأها هو في فترة زمنية معينة غدت أرضه، بغض النظر عن ظروف الوطء ومدته وارتباطاته، بتجاهل تام لما حصل في التاريخ من تحولاتٍ، حيث تغيّر أشكال الاجتماع البشري وقواعد اشتغاله من القرى الزراعية إلى دولة المدينة إلى الإمبراطورية متعدّدة الشعوب، ومتحرّكة الحدود في ضوء القاعدة الحاكمة: حق الفتح الذي كان سائدا آنذاك، بحيث تكون حدود الإمبراطورية وشعوبها مرتبطة بقدرتها على فتح الإمبراطوريات الأخرى، وبقاء أرضها ساحة مفتوحة لرعاياها، يقيمون حيث يشاؤون، من جهة، وما فرضته حركة الفتح من انتقال مجموعاتٍ بشريةٍ برفقة الجيوش، أو لحماية المناطق المفتوحة حديثا، وحصول قادة الفتح على إقطاعات واسعة، تقديرا لدورهم في الانتصارات ما يقود إلى تغيرات في البنية السكانية، من جهة ثانية.

هذه النظرة منتشرة بين أبناء الأمم التي تراجع دورها ومكانتها في عصر القوميات والدول الوطنية: العرب والترك والفرس والكرد والآشوريون السريان والكلدان والأرمن، كلهم يريدون وقف التاريخ عند لحظة سيطرتهم وهيمنتهم وانتصارهم؛ وينادون باستعادة المجد المفقود والأرض السليبة، وإنكار التحولات العميقة التي حدثت خلال آلاف السنين، دعوة يمكن أن تحوّل الاجتماع البشري إلى ساحة حربٍ أبدية.

كتب عمر كوش في مقالته عن هدر الفرصة التي أتاحتها الثورة لإعادة تشكيل الهوية الوطنية، بتغاضٍ تام عن أن الوطنية وأساسها الاجتماعي، الهوية السورية، لم يكونا جزءا من أهداف الثورة، لأسبابٍ تاريخية وسياسية، أولها أن بناء هوية سورية لم يكن مطروحا؛ ولا الوعي بضرورتها موجودا؛ نتيجة الركام السياسي الذي أنتجه النظام والضخ الإعلامي حول مفهوم الوطنية والهوية، ما جعلهما صنوا لاستقرار النظام وسيطرته، نتيجة إحاطتهما بهواجس التمزّق والانقسامات والهيمنة الدينية والمذهبية، وتثبيتهما بأسوار الخوف والرهبة، وتحوّلهما إلى سرير بروكسيت، قاطع الطريق في المثيولوجيا الإغريقية، لجز كل ناقد أو معارض أو متمرد. ثانيها التعارضات والتباينات القائمة حول طبيعة الوطنية السورية، والأسس التي يجب أن ترتكز عليها بين من ينطلق من أساس أحادي البعد للهوية السورية، وهو العروبة، دولة عربية ولا دور لوجود قوميات أخرى في الشعب العربي السوري، إنها عربية بفعل الأغلبية العربية وانتهى، (من الطرائف التي كانت تنتجها هذه الرؤية تصنيف المعتقلين الكرد لدى محاكم النظام؛ وخصوصا محكمة أمن الدولة سيئة الذكر، “كردي عربي سوري”) وبين من ينطلق من أساس تعدّدي للهوية السورية، مع ملاحظة وجود نمطين من التعدد على الساحة: تعدّد قومي وآخر ديني ومذهبي، يطالب أصحابه بالإقرار بهذا التعدّد وأخذ التمايز القومي والديني والمذهبي بالاعتبار في صياغة الدستور وتطبيقاته القانونية؛ الأول بإقامة دولة اتحادية والثاني بإقامة تحالف أقليات. فقول الكاتب “مشاركة شباب وشابات من مختلف الأطياف والانتماءات في الثورة فرصة لبناء هوية سورية”، لا يكفي لبناء هوية سورية، ما لم تكن هي هدفا للثورة، والبدء بالعمل على تحقيقه، بدءاً من العتبة الأولى: الاتفاق على أساس الهوية السورية والعقد الاجتماعي الذي سيجسدها أهو أحادي أم تعدّدي؛ تعدّدي قومي أم تعدّدي ديني ومذهبي؛ أم كلاهما، فالمشاركة في الثورة وحدها لا تقيم هوية وطنية. صحيح أن مناخ الثورة يوفر فرصة للتعاون والتنسيق ونمو المشتركات الوطنية، لكن بناء هوية وطنية رهن عوامل كثيرة خاصة، وزمن سياسي كاف، فبذرة الوطنية السورية التي عرفتها سورية إبّان مرحلة الاستقلال، نمت عبر سنين طويلة في مناخ مقارعة الاستعمار الفرنسي، بجهودٍ وطنيةٍ شاملة، ما يستدعي كسر الحواجز وإزاحة المعيقات مروراً بصياغة سردية موضوعية عن التاريخ والاحقيات، بعيدا عن المغالاة، والتخلي عن ربط الحقوق بالماضي السحيق وسردية هنا كنا، هنا أرضنا التاريخية، هنا حقنا، وتبنّي نظرة واقعية إلى الحاضر والمستقبل، أساسها الاعتراف بالتعدّد القومي والقبول بالتشارك ضمن عقد اجتماعي جديد متفق عليه، آني أو دائم.

قيام هوية وطنية بحاجة إلى توافق وطني على عقد اجتماعي، ما يستدعي حواراً وطنيا شاملا، يناقش كل التصورات، من أجل الوصول إلى قواسم مشتركة، أو حلول وسط، أو اتفاقات مرحلية تخفف التوتر والاحتقان، تحفظ الدماء والإمكانات الوطنية العامة والخاصة.

العربي الجديد

—————————-

ترمب والكرد وسوريا/ رضوان زيادة

لم تخفت بعد حدة الانتقادات التي تعرض لها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد قراره المفاجئ سحب قواته من سوريا خاصة من مدينتي تل أبيض ورأس العين تاركا الباب لسيطرة القوات التركية عليهما ضمن عملية تركية عسكرية أوسع تستهدف إنشاء “منطقة آمنة” على الحدود السورية التركية، فهذا القرار كشف الكثير عن طبيعة القرارات التي يتخذها الرئيس ترمب وتتعلق بالأمن القومي الأميركي وبطريقة تعامله مع السياسة الخارجية وخاصة في قضايا حساسة مثل الملف السوري الذي تتداخل فيه كثير من المصالح الدولية والإقليمية، حيث اتخذ ترمب قراره بعد مكالمة هاتفية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومن ثم أعلن سحب القوات الأميركية هناك، وبعدها بدأت ردود الفعل الغاضبة من قبل قادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي ضد هذا القرار.

بالرغم من أن الرئيس ترمب كان قد أعلن نهاية العام الماضي سحب قواته من سوريا وتحديدا في ديسمبر من عام 2018، فإن مجلس الأمن القومي اجتمع وقرر بقاء القوات الأميركية هناك لفترة غير محددة، وخرج وزير الدفاع الأميركي حينها ومستشار الأمن القومي ووزير الخارجية لتبرير عدم سحب القوات وربطها بثلاثة ملفات أخرى وهي القضاء كلياً على داعش حيث ما يزال يحتفظ بالكثير من الجيوب في شرق سوريا، وثانيا انسحاب الميليشيات الإيرانية من سوريا، وثالثاً ضمان الاستقرار في سوريا، فقرار ترمب الأخير الذي أعلن عنه بشكل مفاجئ هذا الشهر مرة أخرى ناقض كل ما قاله مستشاروه للأمن القومي وما ردده المبعوث الأميركي للقضاء على داعش جيمس جيفري وغيرهم من المستشارين الذين يعملون ضمن دائرة الأمن القومي التي وظيفتها تقديم المشورة للرئيس ترمب في مثل هذه القضايا.

    يكشف القرار مجدداً أن الرئيس الأميركي هو أقرب إلى الرؤساء الانعزاليين منه إلى رؤساء الولايات المتحدة التدخليين

يكشف القرار مجدداً أن الرئيس الأميركي هو أقرب إلى الرؤساء الانعزاليين منه إلى رؤساء الولايات المتحدة التدخليين فهو بالرغم من أنه ضاعف من ميزانية وزارة الدفاع الأميركية إلى مستويات قياسية لم يسبق لها مثيل إلا أنه يرغب دوماً بسحب هذه القوات حتى من القواعد العسكرية التي تمثل أهمية حيوية للولايات المتحدة في مناطق مثل الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. وقد قرر ترمب أنه بسحبه قواته من سوريا فإنه ينفذ وعوده الانتخابية بسحب كل القوات الأميركية من الخارج والتخلص مما يسميه التحرريون وعلى رأسهم السيناتور راند بول “الحروب التي لا تنتهي”.

وهو ما جعل ترمب يردد هذه العبارة باستمرار في كل مؤتمراته الصحفية الذي يعرف أنها تجد أذنا لدى كثير من الأميركيين الذي لا يجدون معنى لبقاء القوات الأميركية في أفغانستان والعراق وسوريا وغيرها، دون أن يكترث أو يبالي بالتداعيات الخطيرة للقرار، وخاصة السؤال الذي يدعو نفسه لماذا قرر ترمب سحب القوات الأميركية من سوريا التي ما يزال فيها جيوب لداعش بما يعني أن المهمة التي أرسلت من أجلها لهذه القوات لم تنجز تماماً، كما أن الصراع مع روسيا فيها على أشده، كما ولم يقم بالشيء نفسه في العراق التي فيها حكومة مستقرة نسبياً وصديقة للولايات المتحدة كما أنه لا وجود لداعش أو بقاياه هناك، كما أن الجيش العراقي يحتفظ بوجود قوي وشرعية نسبية في أعين العراقيين، حيث يوجد فيها ما يفوق عن 5200 جندي أميركي بعد خفض عديدها عما كانت عليه قبل عام 2016.

كما أنه مع انسحاب القوات الأميركية من سوريا سيصبح السؤال من سيملأ الفراغ الذي سوف تتركه هذه القوات، وهي مناطق غنية بالنفط والغاز وذات موقع استراتيجي في حدودها مع العراق.

سيكون الخاسر الأكبر بالتأكيد هي قوات سورية الديمقراطية والتي هي عبارة عن قوات حزب العمال الكردستاني التي دربتها ومولتها الولايات المتحدة في حربها ضد داعش وهي لا تحتفظ بأية شعبية أو شرعية داخلية سوى حماية القوات الأميركية لها وأعادت تسميتها بقوات سورية الديمقراطية، ومع انسحاب هذه القوات بشكل سريع من المناطق الحدودية في تل أبيض ورأس العين ظهر أنه ليس لديها أي دعم شعبي في هذه المناطق كما كان يردد كثير من المسؤولين الأميركيين، ومع تهديد الولايات المتحدة بفرض عقوبات على تركيا وهي الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في الناتو يجعل السؤال هو أن كما لو ان الولايات المتحدة تدفع تركيا دفعا للارتماء في أحضان روسيا التي ربما تملأ فراغ القوات الأميركية.

لكن هل ستستطيع تركيا أن ترث كل مساحات الأرض التي ستتركها القوات الأميركية، هذا سؤال من الصعب الإجابة عليه وما يزال الموقف التركي في هذا الإطار غامضاً، فالقيادة التركية تدرك أن هذه المساحات تعتبر مساحات ضخمة للغاية وإبقاؤها تحت السيطرة التركية يحتاج إلى العديد من القوات والأسلحة والموارد المالية من أجل إدارة المجتمعات المحلية داخلها وخاصة في الرقة التي دمرتها القوات الأميركية بالكامل بهدف القضاء على داعش ولم تساهم أبداً في تمويل إعادة إعمارها أو إعادتها إلى الحياة بما يتطلبه ذلك من بنى تحتية وعودة للمدنيين هناك.

    والآن انتهى دور هذه القوات على الأرض وقررت الولايات المتحدة رفع الدعم عنها لتلقى مصيرها وتعود إلى الجبال حيث مكانها الوحيد

لكن الطريف في الأمر حقا هو كيف تخلى ترمب عن قوات الحماية الكردية بشكل سريع ووصفهم بأنهم أشد إرهابا من داعش وأنهم ليسوا حلفاء للولايات المتحدة، لقد كان الخطأ الأكبر هو اعتماد إدارة الرئيس أوباما على هذه القوات في حربها ضد داعش خاصة في معركة عين العرب “كوباني” في أيلول 2014 ، فمدينة عين العرب أو كوباني كما يطلق عليها الكرد وهم أكثرية سكان المدينة خضعت لسيطرة وحدات حماية الشعب في يوليو 2012 وهي الميليشيا العسكرية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي أو بلغة أصح النسخة السورية من حزب العمال الكردستاني PKK  الكردي-التركي وأعلنها الحزب حينها كانتوناً تابعاً لما يسمى الإدارة الذاتية الديمقراطية كجزء مما يسميه “غرب كردستان” أو “كردستان سوريا”، تعرضت المدينة لهجوم كبير من قبل تنظيم داعش في بداية سبتمبر 2014 ثم خضعت لحصار خانق من قبل التنظيم الذي حاول الدخول إلى المدينة واستباحتها، لكنه قوبل بصمود كبير من قبل ميليشيا وحدات الحماية الكردية التي تمكنت في النهاية من فك الحصار عن المدينة وتحريرها بشكل كامل من داعش بعد مساعدة قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، هنا بدأت الثقة الأولى بين الولايات المتحدة وقوات الحماية الكردية، فقد وجدت الولايات المتحدة في هذه القوات تدريباً عسكرياً جيداً بحكم كونهم مقاتلين ذوي خبرة من حزب العمال الكردستاني في حربه ضد الحكومة التركية على مدى عقود، وبنفس الوقت تنسجم هذه الميليشا مع سياسة الولايات المتحدة سياسياً وأيديولوجياً في عدم الاصطدام عسكريا مع قوات النظام السوري والتركيز فقط على قتال داعش، وهنا وجدت قوات الحماية الكردية أيضا هدفاً استراتيجياً لها في توسيع نطاق النفوذ الكردي أبعد من الكانتونات الثلاث التي سيطرت عليها بالتعاون مع النظام في الحسكة وعفرين وعين العرب (كوباني)، وهنا ركزت الولايات المتحدة على تحالفها مع قوات الحماية الكردية التي طلبت منها تغيير اسمها إلى ما يطلق عليه اليوم “قوات سورية الديمقراطية” لإعطاء انطباع أنها تضم قوات عربية عشائرية في حربها ضد داعش.

والآن انتهى دور هذه القوات على الأرض وقررت الولايات المتحدة رفع الدعم عنها لتلقى مصيرها وتعود إلى الجبال حيث مكانها الوحيد.

—————————————–

جيفري: دعمنا لـ”قوات سوريا الديمقراطية” مرحلي ومؤقت ولا ندعم أشخاصاً الأناضول القدس العربي

واشنطن: قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، الخميس، “نحن ندعم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وليس الأشخاص (في إشارة إلى فرهاد عبدي شاهين – مظلوم كوباني) وهذا الدعم مؤقت ومرحلي”.

وفرهاد عبدي شاهين أحد قادة تنظيم كردي يشكل العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية التي أعلن جيفري تقديمهم الدعم لها.

جاء ذلك في تصريحات صحافية أدلى بها جيفري، ومنسق شؤون مكافحة الإرهاب بوزارة الخارجية الأمريكية، ناثان سيلز، عقب انتهاء اجتماعات التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” بمقر الخارجية.

وردًا على سؤال حول تسكين مليون لاجئ في المنطقة الآمنة التي تبذل جهود لإقامتها عقب عملية “نبع السلام” العسكرية التركية، قال جيفري “لقد أخذنا مجموعة من الضمانات من تركيا في هذا الصدد”.

كما ذكر أنه سيتم إرسال اللاجئين إلى شمال سوريا، وأن هذه العملية برمتها ستكون وفق قواعد المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

وأوضح المبعوث الخاص أن تركيا ستكون في حالة تواصل مع الولايات المتحدة، والمفوضية العليا في هذا الشأن، مضيفًا “وسيكون من بين هؤلاء اللاجئين 350 ألف كردي جزء منهم كان قد فر من سوريا ، ويريدون الآن العودة مجددًا إلى هناك”.

وفي رد منه على تقديم الولايات المتحدة الدعم لفرهاد عبدي شاهين، قال جيفري “الولايات المتحدة لا تدعم أشخاصاً، نحن ندعم قوات سوريا الديمقراطية، ودعمنا هذا مؤقت ومرحلي”.

وتابع في ذات السياق قائلا “كما أننا لم نعقد أي اتفاق بخصوص مستقبل أي جماعة في سوريا، المهم هنا هو إلحاق الهزيمة بتنظيم (داعش) الإرهابي”.

وأضاف جيفري قائلا “وموقفنا بخصوص سوريا هو انتخابات عادلة تشمل جميع السوريين كما نص قرار الأمم المتحدة رقم 2254. وهذا ما نوضحه باستمرار لكافة الجماعات بالمنطقة، ونحن نلتقي كافة الجماعات المعارضة بالقاهرة وأوسلو كما نلتقي قوات سوريا الديمقراطية شمالي سوريا”

—————————–

«مفاجأتان» لترمب تعقّدان مهمة التحالف الدولي في سوريا

جدد التمسك بـ«حماية النفط» و«التخلي عن الأكراد»

لندن: إبراهيم حميدي

فجر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مفاجأتين جديدتين، عشية الاجتماع الوزاري للتحالف الدولي ضد «داعش» في واشنطن أمس، لدى قوله إن القوات الأميركية ستبقى في جيب شمال شرقي سوريا قرب حدود العراق لـ«حماية النفط»، وإنه لن يتدخل في الحروب الطاحنة بين تركيا والأكراد شمال سوريا.

الإشكالية في هاتين «المفاجأتين»، أنهما جاءتا عشية اجتماع وزاري تسعى واشنطن فيه إلى «مناشدة» الدول الحليفة تعزيز مساهمتها المالية والعسكرية لمواصلة الحرب على خلايا «داعش» بالتعاون مع «الحلفاء المحليين»، أي «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية عمودها الرئيسي.

كان الرئيس ترمب أعلن في 6 الشهر الماضي سحب القوات الأميركية من شمال سوريا على حدود تركيا، ما سمح للجيش التركي وفصائل موالية بشن عملية «نبع السلام» بين مدينتي تل أبيض ورأس العين شرق الفرات.

قوبل هذا القرار بحملة في المؤسسات والكونغرس في واشنطن واتهامات لترمب بـ«التخلي عن الأكراد». كما قامت دول أوروبية بحملة مماثلة لـ«حماية الأكراد» وسط جهود لوقف للنار بعدما سيطرت تركيا على نحو 4 آلاف كلم مربع. ودعا وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان إلى اجتماع عاجل للتحالف الدولي ضد «داعش».

بحث مستشارو ترمب عن صيغة ترضي الأطراف المتناقضة في المعادلة: أولا، إرضاء ترمب الراغب بأن يعلن سياسيا «الانسحاب من الحروب غير المنتهية في الشرق الأوسط» بما يخدم حملته مع اقتراب الانتخابات نهاية العام المقبل. ثانياً، البقاء عسكريا لمواصلة الحرب ضد خلايا «داعش». ثالثا، عدم التخلي بشكل كامل عن «الحلفاء الأكراد». رابعا، الاحتفاظ بورقة تفاوضية مع دمشق وموسكو بما يخص العملية السياسية التي تعتبر اللجنة الدستورية بوابتها الحالية. خامساً، التمسك بورقة تفاوضية ضد تركيا التي «تنزلق» بعيداً من حلف شمال الأطلسي (ناتو) باتجاه «الحضن الروسي». سادساً، تلبية طلب بالإبقاء على قاعدة التنف لقطع خط الإمداد بين طهران ودمشق وبيروت وتوفير دعم استخباراتي لعمليات عسكرية غرب العراق وشرق سوريا.

لم يكن صعباً إقناع ترمب بالإبقاء على قاعدة التنف؛ ذلك أنه قبل بقاء قواته فيها حتى عندما أعلن الانسحاب في 6 الشهر الماضي، لكن العقدة كانت في تمرير بقاء القوات البرية، فجرى تقديم «مخرج» لترمب بأن البقاء يرمي إلى «حماية النفط كي لا يقع بأيدي (داعش) أو أيد غير أمينة».

هناك مشكلتان في هذا «المبرر»: الأولى، لا يوفر الغطاء القانوني في واشنطن للوجود الأميركي، ذلك أن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما استند إلى قوانين ما بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 كي يبرر تشكيل الحالف الدولي ضد «داعش» وإرسال قوات لمحاربة هذا التنظيم الذي يعتبر امتداداً لـ«القاعدة».

قبل المؤتمر الصحافي لترمب مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان، سئل مسؤول أميركي رفيع: «بعض الحلفاء الأوروبيين، ولا سيما الفرنسيين، الذين طلبوا اجتماع التحالف الدولي (في واشنطن أمس)، يتوقعون من الولايات المتحدة أن تعلن بوضوح أن قواتها في شمال شرقي سوريا ليست موجودة من أجل النفط فقط وأن هناك قوات كافية، النوع الصحيح من القوات، للقيام بمكافحة الإرهاب لتكون قادرة على مواصلة القتال ضد (داعش). هل أنتم مستعدون لمنحهم هذه الإجابات الواضحة؟».

أجاب المسؤول: «سنقوم بذلك غدا (أمس)، لكننا فعلنا ذلك بالفعل. قمت بذلك مع زملائي الأوروبيين، بمن فيهم الفرنسيون. واسمح لي في هذا الصدد أن أوضح: إن القوات الأميركية في شمال شرقي سوريا موجودة هناك بتفويض لمحاربة الإرهاب، وعلى وجه التحديد لضمان دحر دائم لـ(داعش). وهذه هي مهمتنا برمتها».

المشكلة الثانية، لا يعطي هذا «المبرر» غطاء كافياً لدول أوروبية كي ترسل قوات إضافية من دون موافقة المؤسسات التشريعية. حالياً القوات الخاصة موجودة ضمن تحالف دولي لقتال «داعش» وحماية الأمن القومي.

وقال وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر أمس أن 500 – 600 جندي سيبقون في سوريا، مضيفا: «الأمور تتغير. الأحداث على الأرض تتغير. يمكن أن نرى مثلا شركاء وحلفاء أوروبيين ينضمون إلينا. إذا انضموا إلينا على الأرض

الشرق الأوسط

———————–

 خفايا ورسائل المؤتمر الصحفي بين أردوغان وترامب في واشنطن/ فهمي كورو

تابعتُ، كسائر المواطنين الأتراك، برنامج زيارة  الرئيس رجب طيب أردوغان إلى واشنطن على شاشة التلفزيون.

لم تستطع أجهزة التلفزيون الأميركية نقل بث مباشر لوقائع المؤتمر الصحفي، الذي عقد بين دونالد ترامب وضيفه؛ حيث فضلت، بدلاً من ذلك، بث إفادات الشهود في إحدى الجلسات التي خُصصت من أجل مناقشة عزل ترامب في الكونغرس.

ومع ذلك، كان الرئيس أردوغان أكثر رئيس أجنبي تردد اسمه في الولايات المتحدة الأميركية خلال الشهرين الماضيين.

وعلى الجانب الآخر، تابعت قنواتنا الإخبارية برنامج الزيارة من خلال مراسليها في واشنطن، ونقلت بثاً مباشراً لوقائع المؤتمر الصحفي منذ بدايته وحتى النهاية.

والحقيقة أنني تابعت من واشنطن، قبل ذلك، زيارات سابقة قام بها رؤساء تركيا، بداية من كنعان إفرين، ورؤساء وزراء سابقين، بمن فيهم أردوغان نفسه، إلى العاصمة الأميركية.

أذكر أن جورج بوش الأب قام باستضافة رئيس تركيا الأسبق تورغوت أوزال في  كامب ديفيد إبان حرب الخليج،  كما حلت تانسو تشيلر ضيفةً على بيت الضيافة الرسمي الواقع على بعد خطوات من البيت الأبيض. كانت هذه لفتات رائعة من جانب الإدارة الأميركية حينها عبرت من خلالها عن اهتمامها بالضيف التركي.

ولكن ما حدث هذه المرة كان مختلفاً تماماً؛ إذ أنّ ترامب لم يوجه مجاملة لفظية صريحة إلى أردوغان كتلك التي كان يطلقها قبل يومين فقط من مجيئه إلى واشنطن، مما يدل على أن هذه الزيارة لم تلقَ ترحيباً كبيراً من جانب الإدارة الأميركية؛ الأمر الذي أشارت إليه وسائل الإعلام الأجنبية كذلك.

وعلى الجهة الأخرى، استمرت الصحافة التركية، الموالية لأردوغان، بكتَّابها ومراسليها، على نهجها القديم، وراحت تصف الزيارة، التي قام بها أردوغان، بأنها “انتصار عظيم”، في حين تحدثت جبهة المعارضة عن سلبيات الزيارة، وراحت تعدد الإخفاقات السياسية لأردوغان.

تناولتُ هذه الأمور كافة في مقال الأمس، وأعتقد أنني قمتُ بتغطيتها بشكل ملائم، ولكني أرجأت الحديث عن نقطتين إلى مقال اليوم.

النقطة الأولى:

لعلكم تذكرون أنّ الرئيس الأميركي  ترامب افتتح المؤتمر الصحفي  بتوجيه الشكر للرئيس أردوغان على تفهمه حيال قضية ما. الواقع أنني لم أفهم، للوهلة الأولى، السبب الذي دفع الرئيس ترامب إلى  توجيه الشكر إلى نظيره التركي، وهو الأمر الذي وضعني في حيرة من أمري، ولكني علمتُ بعد ذلك أن ترامب شكر أردوغان على إطلاق الأخير سراح المواطن التركي الأميركي، وعالم الفضاء في وكالة ناسا سركان غولج من السجن في أنقرة.

سركان غولج… أتذكر هذا الاسم، لكن أين؟

كان موضوع  سركان غولج، الذي يعمل في ناسا، أحد القضايا التي ظل الأميركيون يثيرونها في كل مناسبة بشكل ذكَّرنا بقضية القس أندرو برانسون، وإن تفاوتت درجة الاهتمام قليلاً في الحالتين.

عندما كانت الصحافة الأميركية تتحدث عنه خلال السنوات الثلاث التي قضاها في السجن، كانت الحكومة التركية تكرر نفس ردّها بأن العثور على فاتورة بدولار أميركي واحد في حوزته أثناء قيامه بزيارة عائلته في تركيا يعتبر دليلًا كافيًا يؤكد ارتباطه بجماعة فتح الله غولن، ومن ثم إيداعه السجن.

أتذكر أن صحيفة واشنطن بوست، على وجه الخصوص، كانت من أكثر الصحف التي طالبت بإطلاق سراحه.

حسنًا،  ما دام   سركان غولج قد أطلق سراحه من السجن قبل شهور، وبالتحديد في شهر مايو 2019، وليس بالأمس أو قبل شهر واحد، فلماذا إذن شعر ترامب بالحاجة إلى توجيه الشكر إلى الرئيس أردوغان على إطلاق الأخير سراح سركان غولج، وهو يفتتح المؤتمر الصحفي، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أنه وجه إليه الشكر بالفعل خمس أو ست مرات من قبل للسبب نفسه، سواء في مكالمات تليفونية أو في لقاءات سابقة جمعتهما معاً؟

هل أراد ترامب بذلك التأكيد على سطوته على أردوغان، وأن إرغامه على إطلاق سراح سركان غولج كان دليلاً آخر على ذلك؟

في رأيي، إن هذا الشكر لم يحمل معنى الامتنان أو النية الطيبة بأي حال من الأحوال.

النقطة الثانية:

الأمر الآخر الذي لا يمكن النظر إليه في إطار مجاملة كذلك، هو العبارات التي وجهها ترامب إلى الصحفيين الأتراك الذين تابعوا زيارة  الرئيس أردوغان، وكانوا في القاعة في ذلك الوقت.

بادئ ذي بدء، وجدت أنه من الغريب أن يبحث ترامب، عندما كان يطلب من الصحفيين الأتراك طرح أسئلة أثناء المؤتمر الصحفي، عن الصحفيين “المقربين إلى السلطة” ليلقوا عليه أسئلتهم.

بناءً على هذا،  قام هلال قابلان، وهو صحفي ينتمي لصحيفة “صباح” المعروفة بقربها من الحزب الحاكم، ووجه سؤالاً بلغة إنجليزية سليمة إلى ترامب يتعلق بالزيارة وأهميتها…

ومن ناحيته، جاء ردّ ترامب سريعًا، واستهل حديثه إلى الصحفي بسؤاله عما  إذا كان وجوده هناك من أجل التحدث باسم الدولة.

قال له شيئاً من قبيل “هل أنت بالفعل صحفي؟”

وبالتزامن مع سؤال ترامب للصحفي “هل أنت هنا لتتحدث باسم الدولة؟” تدخل السناتور ليندسي غراهام، وكان موجودًا في القاعة في ذلك الوقت، وتساءل بدوره قائلاً “وهل يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك في تركيا؟”. كنتُ أودّ أن أحضر هذا الجزء من المؤتمر الصحفي، وما تبعه من “قهقهة” أطلقها الحاضرون في المؤتمر الصحفي.

هل رأيتم إلى أي حد صرنا أضحوكة العالم؟

الشيء الوحيد الذي أكاد أجزم به هو أن سؤال كاتب صحيفة “صباح” لم يكن يحتوي على أية إشارة تستدعي رد الفعل الذي أبداه حياله  ترامب أو السيناتور غراهام.

لا أعرف، ولكن بدا لي الأمر، وكأنه مشهد تم الإعداد له مسبقًا.

لا أعرف لماذا يُذكِّرني هذا المشهد بمباراة لكرة قدم؛ أحرز خلالها أحد اللاعبين هدفاً من تمريرة رائعة من زميله في الفريق؛ فقال المعلق بحماس “إن هدفًا كهذا لا يحدث إلا إذا كان اللاعبان قد اتفقا عليه سلفًا”.

في رأيي، إن معاودة ترامب الحديث عن شخص أُطلق سراحه قبل خمسة أشهر على الأقل، وكذلك حديثه مع الصحفي التركي هي أمور قد تم الإعداد لها سلفاً كذلك.

لماذا؟

لا أعرف، ولكن لا يمكنني التكهن خارج هذه الفرضية. فكروا أنتم في هذا الأمر، فربما كنتم أكثر صواباً مني.

على أية حال، دعونا نصرف تفكيرنا للتركيز على الجوانب الإيجابية للمفاوضات…

موقع احوال تركيا

————————–

فايننشال تايمز: أردوغان يحصد مزيجا من النجاح والتحديات من حملته العسكرية في سوريا

إبراهم درويش

نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا لمراسلتها في اسطنبول لورا بيتل قالت فيه إن التوغل التركي في سوريا جلب منافع مختلطة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وقالت إن الدعم العام للحملة العسكرية قدم للرئيس ارتفاعا محدودا في الدعم الشعبي له داخل تركيا.

وقالت بيتل إن الفورة الوطنية التي رافقت الحملة العسكرية في سوريا بدأت تخف. وبالنسبة لزعيم يتعرض لضغوط ويواجه مشاكل اقتصادية ونكسات في الإنتخابات المحلية فقد جلبت الحملة العسكرية تحولا في الخطاب والحماسة الوطنية. ففي الوقت الذي شجبت فيع الدول الأجنبية فإن حملة أردوغان ضد الأكراد تحظى بدعم خاصة أن انقرة تتعامل معهم كجماعة إرهابية.

وتقول شيرين سيلفين مديرة مركز اسطنبول بول “خلال العملية، خاصة في الأسبوعين الثاني والثالث كان الجميع يتحدثون عنها” و “حصل أردوغان على مساحة ووقت للمناورة”. واليوم وبعد نهاية العمليات العسكرية، يقول المحللون السياسيون إن أردوغان لم يحصل إلا على دعم قليل. ووجد استطلاع أجرته شركة الإستشارات أبحاث اسطنبول الإقتصادية أن 79% من الناخبين اعتبروا العملية ناجحة. ولم يتغير الدعم لأردوغان وحزبه حيث حصلا على زيادة نسبة 2%. وفي استطلاع آخر قامت به شركة ميتروبول أعطت الرئيس أربع نقاط جديدة من ناحية الأداء. ويقول شان سلجوقي “في العادة يتوقع الواحد زيادة أكبر مما حدث”، مشيرا إلى أن السياسة التركية تعيش الآن مأزقا “وتبدو كهذا مهما قالت المعارضة وفعلت ولا تؤثر على التصويت لهم”. وربما انتفع اردوغان بطرق مختلفة من العملية خاصة الضغوط التي وضعها على المعارضة من العملية العسكرية. فأحد الأسباب التي أدت إلى هزيمة الحزب في اسطنبول وبقية المدن الكبرى في انتخابات آذار (مارس) هو تجمع أحزاب المعارضة في كتلة واحدة. ولعب حزب الشعب الديمقراطي الذي يعتمد في دعمه على الأقلية الكردية دورا مهما في دفع الأكراد للتصويت لمرشحي حزب الشعب الجمهوري. ولأن العملية العسكرية التي تمت داخل المناطق الكردية فقد مثلت بمثابة امتحان للتحالف. وكان حزب الشعب الجمهوري واحدا من الأحزاب التي دعمت العملية العسكرية فيما رفضها حزب الشعب الديمقراطي وبقوة. وقال نائب رئيس الحزب أزاد باريس “طبعا فقد أثرت بطريقة سلبية على العلاقة مع حزب الشعب الجمهوري”. وفي الوقت الحالي فمعظم مؤيدي الحزب هم في شرق تركيا و” لا يريدون سماع أي شيء عن حزب الشعب الجمهوري”. وتصريحات كهذه ستفرح الرئيس اردوغان والذي قال الشهر الماضي إنه يتطلع لكسر تحالف المعارضة ووصف الأمر بـ “المهم جدا جدا”. ومع أن الإنتخابات الرئاسية المقبلة ستعقد في عام 2023 إلا أن الكثيرين في الدوائر السياسية التركية يعتقدون أنها ستحدث قريبا. فأردوغان يظل سياسيا مخادعا سيطر على السياسة التركية لمدة 17 عاما ويظهر دائما وكأنه في حملات انتخابية. ويؤكد المسؤولون حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعب الديمقراطي إنهم قادرون على تجاوز خلافاتهم بشأن سوريا وسيعملان معا في الإنتخابات المقبلة. وقال بارسي “علينا عمل هذا من أجل الديمقراطية”. وقد ينضم إليهما حزبان جديدان ممثلان بحزب رئيس الوزراء السابق أحمد داوود اوغلو وعلي باباجان، نائب رئيس الوزراء السابق. وكلاهما يخطط بالإعلان عن أحزاب جديدة قبل نهاية العام. وجاءت حالة الإحياء في المعارضة مع تراجع الإقتصاد وهما يمثلان مشكلة للرئيس أردوغان في الأشهر المقبلة. ورغم نهاية الركود التي حدثت بسبب أزمة الليرة التركية وبسرعة أكبر مما توقع الكثير من الإقتصاديين إلا أن النمو الإقتصادي لهذا العام من المتوقع أن يصل إلى 0.5%. كما أن نسبة البطالة عالية حيث يعتقد المحللون الإقتصاديون أن أردوغان سيواجه صعوبات في إعادة الأوضاع الإقتصادية التي كانت وراء نجاحه السياسي. ومع دخول الشتاء فزيادة أسعار الغاز والكهرباء ستؤدي إلى نسيان الناس الحملة العسكرية. ويقول سنان بايكان الإستاذ المساعد في جامعة كيركرلي “أثر الشؤون الدولية على السياسية المحلية عادة ما يكون قصير الامد” و “قضايا تتعلق بحكم القانون والإقتصاد سيعود الناس عاجلا أم آجلا لمناقشتها”

القدس العربي

———————————–

تهديد تركي بعملية جديدة شرق الفرات غير قابل للتنفيذ/ رانيا مصطفى

صعّدت تركيا مؤخراً، على لسان وزير خارجيتها، مولود جاويش أوغلو، تهديداتها بالقيام بعملية عسكرية جديدة ضد الوحدات الكردية شرق الفرات، بحجة عدم التزام الطرفين، الروسي والأميركي، بإبعاد الوحدات مسافة 32 كيلومترا عن الحدود التركية.

التهديد جاء بعد أن كانت أنقرة قد رضيت بحصتها شرق الفرات، بين مدينتي رأس العين/ سريه كانييه وتل أبيض، بمسافة 120 كيلومترا وعمق 32 كيلومترا، والتي ارتضاها لها الجانبان الروسي والأميركي، بعملية “نبع السلام”، التي بدأت في 9 أكتوبر الماضي؛ حيث أعلنت حينها “عدم الحاجة إلى القيام بعملية عسكرية جديدة”.

هناك عاملان وراء التصعيد التركي الجديد، الأول يتعلق بالجانب الروسي، والآخر يتّصل بالجانب الأميركي:

فهناك خلاف روسي- تركي حول السيطرة على بلدة “تل تمر” الاستراتيجية، باعتبارها عقدة طرق تمر منها طريق الحسكة رأس العين، وتتفرع منها الطريق الدولية أم 4، من حلب إلى الحسكة والقامشلي، وتبعد 40 كيلومترا شمال الحسكة، و35 كيلومترا شرق رأس العين، وأقل من 30 كيلومترا عن الحدود التركية.

رفضت تركيا المقترح الروسي إخراج قوات سوريا الديمقراطية من البلدة، وبقاء سيطرة الأسايش ومؤسسات الإدارة الذاتية، مقابل تراجع الفصائل المدعومة من تركيا مسافة أربعة كيلومترات شمالاً، حيث تتولى الشرطة العسكرية الروسية وقوات حرس الحدود السورية مهمة حماية البلدة والطريق الدولية أم 4؛ فقد اعترض الجانب التركي على بقاء الأسايش ومؤسسات الإدارة الذاتية في المدينة.

وكذلك رفض الجانب الروسي المطلب التركي بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من الطريق الدولية أم 4 ومن المدينة، وطالب الأتراك مجدداً بتنفيذ اتفاق سوتشي في 20 أكتوبر، وانسحاب الوحدات الكردية بعمق 32 كيلومترا، وتدمير تحصيناتها.

وغير ذلك، ما زال الخلاف قائما حول منبج وتل رفعت، اللتين أصبحتا تحت سيطرة الروس، حيث لم تنسحب الوحدات الكردية منهما وفق ما يرغب فيه الأتراك، ووفق التنسيق مع الأميركان، وكذلك مع الروس.

أما المستجد مع الجانب الأميركي فيتعلق باتصال فرهاد عبدي شاهين، المعروف بمظلوم عبدي والقيادي البارز في قوات سوريا الديمقراطية، بالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وامتداح الأخير له، ما أثار غضب الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي طالب واشنطن بتسليمه إلى تركيا؛ كما أغضبت أنقرةَ أيضا مطالبةُ أكثر من سيناتور أميركي بضرورة منح عبدي تأشيرة دخول إلى بلادهم، لمناقشة تطورات الوضع في المنطقة.

وبالإضافة إلى ترامب، تواصل مع عبدي أيضاً وزير الدفاع الروسي وقائد الجيش الروسي، بعد نجاح قوات سوريا الديمقراطية في إنهاء سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على آخر جيب له في “الباغوز”، ما أغضب الأتراك.

هذا ينبئ بدور بارز للقيادي عبدي في العمليات العسكرية للوحدات الكردية، سواء في قتال تنظيم داعش، أو في مواجهة الفصائل السورية المدعومة من تركيا في عملية “نبع السلام”؛ ففضلاً عن علاقاته الداخلية الواسعة مع محيطه الفصائلي الكردي، ومع النظام السوري، وخارجياً مع ساسة الغرب،  كان، في تسعينات القرن الماضي، شخصية مقربة من الزعيم الكردي التركي، عبدالله أوجلان، المحتجز في تركيا.

بالنسبة إلى السياسة الأميركية التي باتت تميل إلى الانسحاب من سوريا، دون تركها كلياً للروس والأتراك، أو السماح بعودة تنظيم داعش، فإن الرئيس ترامب يحاول تغيير الصورة في الداخل الأميركي بأنه تخلى عن حليفه الكردي، الموثوق في محاربة تنظيم داعش، وأنه تركه عرضة للانتقام التركي؛ خاصة أن ترامب يواجه ضغوط بعزله من قبل الكونغرس.

في كل الأحوال، منعت واشنطن موسكو وحكومة دمشق من الاستفادة من حقول النفط والغاز، بإبقاء سيطرتها عليها، وتسيطر، مع حليفها الكردي، على شرق القامشلي وحتى الشريط الحدودي مع العراق، وما زالت تسيطر جوياً على شرق الفرات، وغير ذلك، هي تنسق مع موسكو حول إدارة السيطرة على المنطقة بما يحدّ من نفوذ واسع لتركيا، وبما يمنع الاحتكاك بين القوات التركية والفصائل السورية الموالية لها، وبين وحدات حماية الشعب الكردية؛ فقد سلمت القوات الأميركية روسيا قاعدتي “عون الدادات” و”العسلية” في منبج، وقاعدتي “مشتى النور” و”صرين” في ريف عين العرب/ كوباني، وقاعدة مطار “عين عيسى” بريف الرقة الشمالي، حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. وبنت روسيا قاعدة إضافية لها في مطار القامشلي، فيما يبدو أن أنقرة تفضل تواجد شرطة عسكرية روسية وقوات النظام على الحدود المتاخمة لمناطق سيطرتها، حيث يتجنب الطرفان الاحتكاكات، على أن تجاور القوات الكردية.

وتحاول روسيا تثبيت نقاط الفصل بين قوات “نبع السلام” والوحدات الكردية، عبر شرطتها العسكرية مع حرس الحدود السورية، أو عبر تشارك قوات النظام مع الوحدات الكردية، الأمر الذي لا يريح تركيا من ناحية تهدئة هاجسها الأمني.

وبذلك باتت في شرق الفرات ثلاث مناطق نفوذ: الأولى تحت السيطرة الأميركية وقوات سوريا الديمقراطية، وتمتد من المالكية/ ديريك على نهر دجلة أقصى الشمال الشرقي، وحتى القامشلي، وتمتد بموازاة الحدود العراقية إلى دير الزور.

والثانية منطقة “نبع السلام” تحت نفوذ تركيا والفصائل الموالية لها، بين رأس العين وتل أبيض، وتسعى تركيا إلى فتح معبر أكتشا قلعة الحدودي مقابل تل أبيض أمام الشاحنات المحملة بالمساعدات الإنسانية وأمام عودة المدنيين من تركيا، وفق التصريحات التركية، كنوع من البروباغندا الإعلامية للحصول على دعم غربي حول إعادة اللاجئين، واستكمال السيطرة على الشريط الحدودي.

أما المنطقة الثالثة، فتقع تحت سيطرة القوات الروسية وقوات النظام، وتمتد من عين عيسى شمال الرقة إلى كل من منبج وعين العرب/ كوباني وتل تمر بريف الحسكة.

من المستبعد أن يحدث انسحاب أميركي جديد لصالح سيطرة تركيا، نتيجة التأييد الأميركي الداخلي لقوات سوريا الديمقراطية، وباعتبار أن إعلانات ترامب المتكررة بالانسحاب لا تعدو أن تكون بروباغندا إعلامية لإرضاء ناخبيه.

في حين أن روسيا التي وافقت على حدود عملية نبع السلام، تنظر إلى التنسيق مع تركيا على  أنه مرحلي، وتتطلع إلى استعادة سيطرة النظام على كامل الأراضي السورية. فيما لا يمكن لأنقرة أن تقوم بعمل عسكري جديد دون ضوء أخضر مزدوج أميركي وروسي.

كاتبة سورية

العرب

———————————————-

أرقام مثيرة عن النفط السوري.. مستقبل شرق الفرات الخفي

يشكل شرق سوريا موقعاً إستراتيجياً بالمنطقة والعالم ليس لاحتوائه على الاحتياطي النفطي لهذا البلد فقط، بل لأنه بوابة وعقدة تواصل ربط كل من تركيا بالعالم العربي وإقليم كردستان العراق الغني بالنفط وإيران بالغرب. وبالتالي قد يشكل مستقبلاً عقدة التحكم بالطريق الرئيسي لمرور النفط والغاز باتجاه أوروبا.

هذه الأهمية الاقتصادية والجغرافية جعلت شرق سوريا عقدة صراعات حالية بين القوى العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وتركيا وإيران.

في أرقام

تشكل الاحتياطيات النفطية في سوريا نحو 0.14 على مستوى العالم، وكانت تنتج يومياً ما يقدر بنحو ثلاثمئة ألف برميل قبل بدء الاحتجاجات المناهضة لنظام الأسد عام 2011، إلا أن هذا الرقم انخفض لنسب متدنية وصلت لنحو أربعين ألفاً بعد خسارة هذا النظام معظم الحقول النفطية شرق البلاد لصالح تنظيم الدولة الإسلامية حتى عام 2017 لتنتقل السيطرة إلى “قوات سوريا الديمقراطية”(قسد) وفق باحثين سوريين.

ويؤكد موقع “أويل برايس” الأميركي في تقريره الصادر الشهر الماضي إن احتياطي النفط في سوريا يشكل نحو ملياري برميل، ويتركز في الجزء الأكبر منه في محافظة دير الزور (شرق) أي أنه احتياطي ضئيل بالنسبة للسعودية والتي يبلغ الاحتياطي فيها 268 مليار برميل.

مواقع الحقول النفطية

تتركز معظم الحقول النفطية المعلن عنها بالقرب من الحدود مع العراق ومع تركيا. وتضم محافظة دير الزور أضخم الحقول النفطية بالبلاد، تليها الحسكة. ويعد حقل العمر أكبر حقول البلاد وأشهرها ويقع في ريف دير الزور. إضافة للآبار والحقول المحيطة به كحقل العزبة، وتخضع كلها لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”.

ويعتبر حقل التنك ثاني أكبر الحقول النفطية في دير الزور، وتسيطر عليه كذلك “قوات سوريا الديمقراطية”.

ولا ينتج حقلا الورد والتيم الخاضعان لسيطرة النظام غربي الفرات سوى مردود ضئيل كونهما محطة ضخمة للنفط القادم من حقلي العمر والتنك، في حين توجد حقول أخرى مثل الجفرة وكونيكو الشهير لإنتاج الغاز، وحقول ديرو والجفرة والخراطة وتنتج يومياً أكثر من ألفي برميل الوقت الحالي.

وفي محافظة الحسكة يوجد حقل رميلان الذي يضم أكثر من 1322 بئراً إضافة لأكثر من 25 بئراً للغاز. وتقع تلك الحقول بمناطق الشدادي والجبسة والهول في ريف الحسكة الجنوبي، بالإضافة للحقول الواقعة بالقرب من منطقة مركدة وتشرين كبيبية في ريف الحسكة الغربي، وهي ضمن سيطرة قوات قسد.

كما تضم محافظة الرقة بعض الحقول الصغيرة المتوزعة بريفها الشرقي، وتخضع لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”.

أما محافظة حمص فتضم حقولاً عديدة أبرزها في ريفها الشرقي مثل الشاعر وهو من أبرز الحقول السورية وينتج ما يقدر بنحو ثلاثة ملايين متر مكعب يوميا بالإضافة إلى حقول الهيل وآراك وحيان وجحار والمهر وأبو رباح في منطقة تدمر. وتوجد حقول نفطية يستخرج منها نحو تسعة آلاف برميل يومياً تديرها القوات الروسية بشكل مباشر.

ويوجد الاحتياطي السوري من الغاز (حسب تقديرات) عام 2017 في منطقة تدمر وقارة وساحل طرطوس وبانياس وهو الأكبر، وهذا يجعل سوريا إن تمّ استخراج هذا الغاز ثالث بلد مصدر للغاز عالميا.

الإنتاج الحالي

يقول غسان اليوسف رئيس المجلس المدني لمحافظة دير الزور إن إنتاج الحقول النفطية حالياً يقدر بثلاثين ألف برميل يوميا تستخرج جميعها من حقول العمر والتنك إضافة لحقول وآبار كثيرة بمناطق مختلفة من المحافظة.

ولا توجد أرقام حقيقية معلنة عن إنتاج النفط في ظل حكم نظام الأسد منذ 1973 حيث يعتبر من أسرار الأمن القومي، لكن مع خلافة بشار أبيه حافظ الأسد في السلطة بدأ بالتصريح عن تلك الأرقام كجزء من سياسة الشفافية التي انتهجها حينها، ولكن كانت جزء بسيطا من حقيقة النفط الموجود وفقاً للباحث الاقتصادي يونس الكريم.

ويقول الكريم للجزيرة إن النفط السوري يتم تقسيمه لأجزاء ما قبل بداية الحراك في البلاد. في حين تباع كميات كبيرة بشكل غير معلن وبأسعار مخفضة، لذلك لا يمكن تخمين حجم الإنتاج إلا أن الارقام التابعة لوزارة النفط تتحدث عن ثلاثمئة ألف برميل يومياً.

ويشير أيضا إلى أنه -وفقاً لتصريحات لرجل أعمال أميركي يعمل في غلوبال ديفيلوبمنت كوربوريشن (GDC)- تستطيع الإدارة الذاتية التابعة لـ “قوات سوريا الديمقراطية” إنتاج أربعمئة ألف بئر في حال استثمر بشكل صحيح، وهو ما يدل على أن أرقام وزارة النفط غير صحيحة حول الإنتاج السابق قبل بداية الأحداث بل تفوقها بكثير.

حسب مراقبين كان إنتاج النفط في سوريا يفوق مليون برميل حتى الأزمة المالية 2008 (الجزيرة)

حسب مراقبين كان إنتاج النفط في سوريا يفوق مليون برميل حتى الأزمة المالية 2008 (الجزيرة)

حجم التصدير وأين يتوجه؟

يتفق باحثون ومراقبون سوريون على أن النفط لم يكن يدخل ضمن ميزانية الدولة في عهد عائلة الأسد الأب والابن، وأن دخل فهو بأرقام مزيفة.

ويقول د. سهيل الحمدان للجزيرة -وفقا لإحصائيات وورقات بحث عمل عليها- إن النفط ‏ينتج كميات كبيرة بالمنطقة الشرقية، ولكن نظام الأسد ومنذ منتصف الثمانينيات كان ‏‏يدخل جزءاً منه إلى الموازنة ويبيع الباقي لحسابه. ‏فقد كان الإنتاج الحقيقي منذ منتصف الثمانينيات وحتى 2008 (وقت الأزمة المالية العالمية) يتراوح ما بين 1.4 و1.6 ‏مليون برميل يوميا يدخل رأس النظام ثلاثمئة ألف برميل (بالمتوسط) إلى خزينة الدولة والباقي يسرقه. ويضيف الحمدان أنه عشية قيام الثورة وبعد انكسار أسعار النفط عالمياً وخروج بعض الآبار عن الإنتاج كان الإنتاج الحقيقي 850 ألف برميل يومياً، أدخل للخزينة فقط 150 ألفا والباقي يتم بيعه لحساب الأسد وعائلته.

جهة التصدير والإيرادات

يصدر النفط الذي يقع تحت سيطرة مسلحي “قوات سوريا الديمقراطية” لثلاث وجهات رئيسية أبرزها نظام الأسد، ومن ثم مناطق سيطرة المعارضة، وجزء منه باتجاه إقليم كردستان العراق وفقاً لمراقبين.

ويقول الكريم إن للنظام السوري حصة الأسد من النفط حيث يشتريها عبر وكلاء له ويمر عبر طرق برية ونهرية مختلفة ويتم تكريره، وقسم منه يتم إرساله إلى لبنان مقابل أخذ “قطع أجنبي”. في حين يتجه القسم الآخر نحو سيطرة المعارضة عبر الطرق البرية، وترسل جزء منه إلى كردستان العراق ثم تعاد عملية بيعه داخل سوريا.

ووفقاً لـ “أويل برايس”فإن “قوات سوريا الديمقراطية” -التي استولت على معظم الحقول من قبضة تنظيم الدولة- تبلغ أرباحها شهريا نحو عشرة ملايين دولار شهريا من عمليات بيع النفط حيث تبيع البرميل الواحد بثلاثين دولاراً وفقا للموقع ذاته.

تتركز معظم الحقول النفطية المعلن عنها بالقرب من الحدود مع العراق وتركيا (الجزيرة)

تتركز معظم الحقول النفطية المعلن عنها بالقرب من الحدود مع العراق وتركيا (الجزيرة)

تقاسم الكعكة

تدخلات الدول في سوريا ليس سببها النفط فقط كونه لم يعد سلعة اقتصادية مهمة “حالياً” بسبب انخفاض أسعاره واكتفاء الدول منه نسبياً، وتزايد الاعتماد على الطاقة الكهربائية والشمسية وغيرها، وإنما لمصالح أخرى إستراتيجية وجيوسياسية. والنفط مكمل ثانوي على الرغم من توافره بكميات اقتصادية في سوريا، وفقاً للحمدان.

من جهته يرى الباحث والمهندس الكيميائي مهند الكاطع أن سوريا بالنسبة لروسيا منطقة نفوذ إستراتيجية وإحدى نقاط الارتكاز المتبقية لها بالشرق الأوسط وعلى المتوسط والتي لا يمكن أن تفرط بها.

ويضيف: لتركيا كذلك مصالحها كدولة حدودية مع سوريا وتخشى من تزايد النفوذ الأجنبي على حدودها مما يدفعها باتجاه اتخاذ قواعد بالعمق السوري لحفظ مصالحها، وبالتالي نحن نتحدث عن جملة من المصالح والنفوذ لعدة قوى عالمية في دولة مهمة مثل سوريا.

ويتفق مع ذلك وائل علوان الباحث بمركز جسور للدراسات -في حديثه للجزيرة نت- حيث يقول إن القوات الأميركية تسيطر على مصادر القوة بالمناطق التي تنوي فرض رؤيتها للحل فيها، وهذا سبب تمسكها بشرق سوريا من أجل الحفاظ على مواقعها ونفوذها بالمنطقة كلاعب مؤثر و”ضمان عدم عودة خطر تنظيم الدولة” والتحكم بمصادر الطاقة ومنع نظام الأسد من الاستفادة منها وتقويض النفوذ الإيراني في هذا البلد والذي يشكل تهديداً إقليمياً للمصالح المشتركة الأميركية الإسرائيلية.