شعر

الشِّتاء وقت العلامة/ رائد وحش

إلى أمجد ناصر

1

“قابلتُ فيكَ أوّلَ شيخوختي”

“قابلْتُ فيكَ آخرَ شبابي”

تفعل اللقاءاتُ ذلك دومًا

وتجعل البشر مرايا

ما دامتْ تحدثُ في شتاءٍ قاسٍ

كأنّه تعريفُ الزمن.

قلتُ كلامًا قلتَهُ من قبل

وقلْتَ كلامًا سأقوله فيما بعد.

لم يعّلق أحدٌ منّا

حسبنا أنّا عرفنا العلامة.

2

بدويّانِ يتسكعانِ في برد برلين تحلو لهما استعادةُ حكمةٍ قديمة عن وطن البدو الذي تصنعه أقدامهم، فيضحكان باستهزاءٍ من أوطان البشر التي صارت محلات برغرْ.

قلتَ: “انتهى البدوُ حين هَزَمَتْ راياتُ الدُّول الحديثة خفقانَ الرّيحِ في الخيام، وانتهوا حين أذلَّتِ الحدود حريةَ التجوّال”.

قلتُ: “انتهى كذلك زمن الهائمين على وجوههم وراء خلاص، أو الحالمين بمأثرةٍ يصنعها المرء بيديه، وهم يسعون خلف علامةٍ لاحتْ نذورُهَا”.

العلامةُ ثانيةً؟! قالتْ نظرةُ استهجانكَ فأثارت جرأتي: “لماذا نصدّق العلاماتِ؟”.

“لأنّها لا تكذب”.

“أنسيتَ العلاماتِ الكاذبةَ التي نشأنا عليها:

لا تترك المقصَّ مفتوحًا لكيلا تنهال المصائبُ على العائلة.

إيّاكَ وتقليمَ أظافرك ليلًا فتُخرِجُ الجنَّ من تحتها.

لا تترك الحذاء مقلوبًا حتى لا يتوقّف اللهُ عن النظر إلى البيت.

إن خرجتَ بنيّةٍ لا تعدْ حتى لو تذكّرتَ إناءً لا يزال على النار،

لئلا يتلاشى التوفيق”.

ضحكنا

أضفتَ حكّةَ اليد الجالبةَ للزرق: “فقراءٌ يورثون وهمًا لفقراء آخرين،

يعيشون حياتهم يَحُكُّوْن الراحات دون جدوى”.

ثمّ استعدْتَ وجهكَ الحازم: “كلُّها قصاصاتٌ من سِفْرٍ ضائعٍ لو عثرنا عليه عرفنا الحكاية كاملةً. خذ صلات النّسب مثلًا، أقلَّها بين البشر والنبات، ستجد أحيانًا قرابةً تفوق القرابة بأخيك. العالم لا يمزح. القمر القادر على تحريك المياه في الكوكب ألّا يحرّك أجسادنا؟ ألا يسبّبُ حيض النساء؟ العالم لا يمزح ورسائله ينبغي فضُّها لمواجهة ما جاء فيها”.

“كيف المواجهة يا صاحبي؟”.

“بالكتابة..

ذلك تعزيمُنَا، وكلُّ نصٍّ يدعي مخاطبة قارئٍ من جنسنا ليس سوى ردّ على ما تبيّتُهُ المصائر”.

شاهدتُ في الثّلج نِدافًا تخرجُ عن مسارها المرسوم، وتمضي إلى اتجاهاتٍ أخرى كرسائل تعرف وجهتها.

جلسنا في البار.

مع استعادة الدفء رحتَ تقول:

“ثمة حياة وُضعتْ من قبل لا يسعنا اكتناهُ أسرارها قبل أن تغدو النهاية وشيكةً، فنرى أننا آباؤنا وأمهاتنا، وآباءُ آبائنا وأمهاتُ أمهاتنا معًا. ما تفعله الأرحام من تجميع لذاكرة تجاربهم أقوى من كل محاولات انشقاقنا. وحين تروّض الأيام جموحنا سنرى الوجود بمنطق المكان الذي هربنا منه، ونحبُّ من الناس من يذكروننا بالأهل الذين عصيناهم”.

“والمنفى؟”.

“رحلةٌ تكتبها أجسادنا. فينا من يرونه جائزةً فيقتلون الماضي، وفينا من يَعِدّونه عقابًا فيُعدمون الحاضر. لا هو بداية ولا نهاية، لا نسيان ولا ذاكرة، بمقدار كونه إضافةَ عيونِ إلى عيوننا، وأيدٍ إلى أيادينا، ليكون لنا أن نرى الخسارة ونلمسها، ليكون لنا حملُها بطاقةَ هوية”.

3

في صحراء بيضاء،

في مواجهة غبارٍ يتقمّص شخصيةَ السّراب،

نشعرُ من طراوة الثّلج من تحتنا

أن أقدامنا أخفافٌ..

قلتُ: “كأنّنا جَمَلانِ”

فقلتَ: “جَمَلانِ مَوردُهما الحِداء”.

4

عند ناصيّةٍ ضربتها شمسٌ مفاجئةٌ، وجدنا مالكَ بن الريب مشغولًا يَعُدّ دنانير غنائم يومه، فعبرنا ولم يقطع طريقنا بسيفه.

بعد التفافةٍ في شارعٍ فرعيّ، لم نحتج فيها سوى نصف قرنٍ لنغادر الثلج مرّةً أخرى، وجدناه يندب نازفًا وينادي علينا: “يا صاحبيَّ ادفناني هنا”.

قال مالكُ: “دعوا القبر في مستوى الأرض محاكيًا لها، لا أريده ذا سفح كالجبال، سئمتُ الشِّعابَ، كفاني من وعورتها ما شقّقته من جلدي”.

وقال: “احفروا التُّرابَ برفقٍ.. برفق، لا أريد النّزول في أرضٍ جريحةٍ”.

وقال: “تذكّرتُ من يبكي عليَّ فما وجدتُ سوى حقيبة ظهري”

عاد الثلج

فقلتَ: “جملانِ نحن..

يُنيخُهُما البكاءُ”.

5

وسرنا في طرقاتٍ

نحصي وجوهًا نازفةً.

“أهذا دمٌ أم خداعٌ بصريّ؟”

سألتكَ.

“نعم دمٌ. لن يكشف أقنعةَ النازفين

غيرُ نازفين تدفعهم فراسةٌ بدوية

ليروا في الوجوهِ وجوهًا خفيةً

وقَّعَ الموتُ اسمه فوق جباهها

قبل دهرٍ من مجيئه”

أجبتَ.

“تلك العابرة التي تتلفّتُ حيرى

ربما تبدو شهرزاد للوهلة الأولى،

ركّز فتحت القناع ملامحُ آنا كارنينا.

وذلك العدّاءُ، ذو الملامح الشرقيّة،

جلجامش نادمٌ على التهام عشبة الخلود،

وكل ما استطاعهُ تلفيقُ نهاية الملحمة

ليأخذ من الضّياع في الركض خلاصَهُ”

قلتَ كمن في لحظة كشفٍ.

6

“احكِ لي عن الحبّ”

رجوتكَ.

“رحلتنا الصغيرةُ داخلَ الرّحلة الكبرى

تعديلُنا الوحيدُ على مسارها”

ثم سكتَّ.

“والمرأة؟

ما المرأةُ؟

أهي ناقة الله في الصحراء؟”

سألتُ.

“لعلها الصحراءُ نفسها

لعلها الرحلةُ نفسها!

نحبُّ المرأة التي تأتي من مكانٍ نظنّه شِعرًا

محمولةً على هودج من الكلام

كأنها المجاز.

كلما أجدنا التأويلَ غدا الحبُّ استحقاقًا،

فاليائسون ليسوا من سقطوا من حساب الحبّ وحسب،

وإنما من أسقطوا اللغة من حساباتهم أيضًا.

الحبّ نجمُ الرحلةِ الطويلة

طريقتنا في اختراع بوصلة

أسلوبنا في تأجيل توقيع الموت على جباهنا”

رميتَ الكلمات كالحجارة

وانتقلتَ من المشي إلى العَدْو.

7

أمام واجهةٍ عكستْ صورتينا

هتفتَ: “إننا الشَّخصُ نفسه”

ثم عدّلتَ العبارة: “الشخصُ نفسُهُ في زمنين”.

ارتعدتَ أوّل الأمر

ثم استعدتَ لسانك من ضياعه:

“إننا شخصُنَا الآخرُ،

ذاتُنا الثَّانيةُ،

القرينُ”.

نظرتَ إليَّ بكلّ نظرات الحبّ التي اختزنتها:

“أتعرف معنى ظهور القرين؟”.

“لا..”

قلتُ.

“لنعدْ إلى الخان”

غيّرتَ الاسمَ المعاصرَ للفندق

دون وعيٍّ

واستدرتَ.

رأيتكَ تمشي حافيًا

تحت الشَّمس

وعلى كتفيكِ عباءةٌ مُقصبَّةٌ الأطراف

وعند الأفق تصبح جَملًا.

8

عبرتَ بالسرطانِ

بعد شتائين بالضّبط

وتركتني مهووسًا بقراءة العلاماتِ:

كلانا أخٌ أكبر، في عائلة بدوية، بين تسعة بناتٍ وأبناء..

كلانا من ريف تملؤه عشائرُ تحيا على ذكرى زمن بدويّ مفقود..

كلانا أهدى الأبوين وتسعتهما كتابًا من تأليفه..

كلانا حطّ في شمال الأرض مقذوفًا بإحدى براكين حروبنا..

الشتاء هو العلامة

الآن أفهم أننا نكْبُرُ كلما مرّ علينا الشتاء.

نشأنا في بيوتٍ تُحصي السنواتِ بالشتويات

وتُجلُّ الذين مرّت عليهم شتاءات أكثر.

حتى الجبالُ القريبة حملت أسماء أواخر العمر

لأنّ الثلوج الدائمة فوق هاماتها شيبٌ في أعين المحليّين.

تبدأ الكتب المدرسيّةُ دومًا، في كلّ صفٍّ،

بنصٍّ عن الشتاء،

أهي الحكمة كما تفهمها بلاد الشمس؟

أم أحجيةٌ يلاعب الدفء فيها بناته وأولادَه

ليشاغلهم عن تأجّج العواطف؟

الآن، نحن المليئين بالشُّموس، نحيا في أيامٍ تخرج من مطبخ الصّقيع

لا فرق بين فجر أو ظهيرة

فالصّباح يطول قرنًا

بما يكفي ليجعل الماضي كرةً زجاجيّةً

أرى فيها رجلين،

بعد شتاءاتٍ،

يسمِّيَان نفسيهما جَمَلَيْن

يقفانِ أمام انعكاس صورتيهما على واجهةٍ

في فترة الأعياد

ليدركا أنّهما الشخص الآخر،

فيقابلان وجودهما الفعليّ المزدوج

في جسدين منفصلين.

في البداية،

يخاف أحدهما رغم انتظاره هذه اللحظة

كونه يعرف أنّ ظهورَ القرينِ نذيرُ الموت.

يمضيان إلى الوداع

فيقول الأول لقرينه:

ستحيا لأجل لقاء شخصكَ الآخر،

يمكنُ أن يكون اثنين أو أكثر،

كن سعيدًا بذلك،

فشخصٌ واحدٌ في المرآة

أكذوبةٌ اختلقها فتى أرعن”.

الترا صوت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق