مراجعات كتب

هل تمكن كتابة المأساة السورية بأسلوب كوميدي ساخر؟/ علاء رشيدي

يمكن اعتبار رواية “سرير على الجبهة” معجماً كوميدياً ساخراً من الوضع السوري، السياسي، الاجتماعي، الثقافي، الديني منذ سبعينات القرن العشرين، مروراً بكل ما حصل عام 2011، وحتى اليوم.

لا تستوي معالجة الفن أو الأدب موضوعة معينة، من دون استخدام أدوات متنوعة. وفي معالجة الحدث السوري، ساد الشكل الفني التراجيدي على حساب إهمال التعامل مع الحكاية السورية بأسلوب كوميدي ساخر. لقد تشكل ما يشبه المنع، التحريم، حول تداول الفن حول الوضع السوري بطريقة كوميدية، وإلا انبرت أقلام الإيديولوجيين، السياسيين، والمنظرين الثوريين للتصدي لأي قراءة كوميدية للحدث السوري، متغافلين عن خصوصية الفن في معالجته الأسلوبية للموضوعات التي يتناولها. من هنا، تحسب للمؤلف مازن عرفة هذه المغامرة الشاقة والمراهنة الحساسة في روايته “سرير على الجبهة”، التي يمكن اعتبارها معجماً كوميدياً ساخراً من الوضع السوري، السياسي، الاجتماعي، الثقافي، الديني منذ سبعينات القرن العشرين، مروراً بكل ما حصل عام 2011، وحتى اليوم.

شقة مدنية تتحول أرض معركة

الراوي الأب يعيش مع زوجته وأولاده الخمسة في شقة ستتحول إلى مسرح للأحدث العسكرية والحربية التي شهدتها سوريا منذ حرب السبعينات إلى الصراعات والحروب العسكرية القائمة اليوم على الجغرافيا السورية. هذه الشقة تقع في بناية على الجبهة، كما يشير عنوان الرواية “سرير على الجبهة”. بدايةً هي الجبهة الحربية مع إسرائيل، فتتحول إلى ثكنة عسكرية، ومع بداية التظاهرات عام 2011، تتحول الشقة مركزاً للأحداث الكبرى “في المؤامرة الكونية على سوريا”، من الحرب على “الإرهاب” إلى الحرب بين القوى الدولية على الجغرافيا السورية. شقة واحدة مدنية في بناية سكنية تشهد بداخلها، وبين غرفها وصالونها ومطبخها كل هذه الأحداث المروية بأسلوب المبالغة الغروتسكية الهزلية.

من طائرات سوفياتية قديمة تهبط قوات الجيش الوطني “الصاعقة”، “الرعد”، “العاصفة” “الإعصار” على سطح البناية لتحويل شققها إلى مراكز عسكرية. بطريقة كوميدية تصور الرواية عملية نزوح الأهالي، الرجال من دون أن يحلقوا ذقونهم العجراء وهم يحملون أكياس نايلون للزبالة وضعت فيها حاجياتهم، تلحق بهم زوجاتهم بـ”الشحاطات” البلاستيكية قبل أن يجدن الوقت الكافي لتسريح شعورهن أمام المرايا. يهرع النازحون إلى أول حافلة ركاب يلتقون بها، لتزدحم بالعائلات والأطفال: “استري فخذيك يا حرمة فضحيتنا”، “لماذا تجلس في حضن امرأتي يا حقير يا قليل الشرف؟”، كل ذلك يحصل بينما يبول طفل من الرعب على وجه سائق حافلة النزوح.

يصعب أو يندر العثور على توصيف على هذا الدرجة من الكوميدية لمشهد النزوح السوري سواء في الأدب أو في الفنون السورية الأخرى التي أنتجت بعد عام 2011: “كلما كانت عائلة تغادر شقتها بحزن بالغ على إيقاع بكاء الأطفال، اجتاحها جنودنا البواسل بملابسهم المموهة، وخوذهم، وكامل أسلحتهم الميدانية بعد صعودهم الدرج بقفزات سريعة، على إيقاع الأناشيد الوطنية الحماسية وأزيز الرصاص”. ثم يسخر الكاتب من احتلال العسكر الشقق ونشر كلاسينهم، وتلصصهم على بنات المباني المجاورة، والانتصابات القضيبية تحت بيجاماتهم.

بين حاجات الفرد البسيطة والصراعات الدولية

تبنى الكوميديا في هذه الرواية على مفارقات مختارة بعناية، مفارقات بين الحدث الأمني الحاصل ومن خلفه الوضع السياسي والحربي الذي تعيشه البلاد من جهة، وبين أحوال سكان الشقة، الزوجة والأولاد والأب الرواي من جهة أخرى. فكل ما يهم الزوجة من دخول هذه الجحافل العسكرية إلى منزلها هو السجادة الحمراء التي يطأونها بأقدامهم ويوسخونها، بينما يتابع الأولاد مشاهدة المسلسلات التركية على التلفزيون. مثال نموذجي على هذه المفارقات الكوميدية في الرواية هي رغبة الراوي في ممارسة الجنس مع زوجته: “وكنت منذ ذلك الصباح، وضعت خططاً جهنمية هجومية، من دون أن أستعين بخبراء حلف الناتو العسكريين الإستراتيجيين لاعتبارات وطنية، وإن استلهمت تكتيكات من مشاة البحرية الأميركية، من أجل الإيقاع بزوجتي في شباك إغوائي مساء الخميس”.

ومع مرور الوقت، تزداد أهمية البناية في الصراعات الدولية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً حين يعتقد أن البناية تعوم على حقل من الغاز يقوم عليه صراع بين الروس والأميركيين، وتشتد على سكان البناء القذائف وقصف البارجات. فيصور الراوي الهروب من سلاسل الرصاص كالرقصة المولوية، المترافقة مع التبول من حجم الرعب: “بلنا على أنفسنا، ونحن منكمشون على بعضنا بعضاً، مرة، ومرتين، وثلاثاً، ثم نسيت العد، إذ بقينا نبول حتى جفت السوائل من أجسادنا”.

عسكرة المجتمع

فكرة أن يجعل من شقة أو بناية سكنية مدنية منطقة عسكرية في رواية، اختارها عرفة للتعبير عن تمدد الحياة العسكرية ومحوها جوانب الحياة المدنية في سوريا. عرفة يعتبر أنه، ومنذ ستينات القرن العشرين، زحفت العسكرة شيئاً فشيئاً إلى حياة السوريين اليومية، فحدث تداخل غريب بين المواقع العسكرية والأمنية من جهة، والمناطق المدنية من جهة أخرى. ومن هنا أتت الرغبة في الكتابة عن بناية تتحول محوراً لأرض عسكرية تدور عليها الصراعات الدولية الموجودة في سوريا، وأشكال الحروب الداخلية الأهلية، فيقول العسكر لسكان الشقة: “ومن بعد إذنكم وفضلكم علينا، سنترك الطريق من الباب، مروراً بغرفة الجلوس، وصولاً إلى الشرفة، سالكاً أمام حركة الإمداد والتموين لعناصرنا، مع نقاط حراسة دائمة في الجنبات. وأعتذر منكم سلفاً، فقد تعبر أحياناً مدرعات باتجاه الشرفة إذا ما اشتد القتال، فلا تنزعجوا من هديرها ودخانها، بل استمتعوا بموسيقاها الوطنية الحماسية، عبر زمجرة جنازيرها المعدنية”.

من الظواهر المؤلمة التي عرفها المجتمع السوري أيضاً ظاهرة التعفيش، وهو الاستيلاء على أثاث المنازل السكنية من قبل القوات المسلحة المختلفة وبيعها بالأسواق، ما عرف بسوق السنة أو سوق المهجرين والنازحين، فيصف الراوي أيضاً بطريقة كوميدية كيفية استيلاء العسكر على الخزفيات، البورسلينات، الكريستالات، الفخاريات، الموجودة في بيته.

الإعلام الرسمي في تغطية الحدث

تُنتج أحداث الرواية كإرهاصات على الحبكة الأساسية، أي تحول بناء سكني إلى منطقة عسكرية، فكما يجتاحها العسكر، تأتي وسائل الإعلام الرسمية الحكومية لتنقل الأحداث، هذا ما يفتح الفرصة للروائي لمناقشة دور الإعلام الوطني في التعامل مع الأحداث التي يعايشها المجتمع، ويبين أن الإعلام الرسمي لا يستند إلى منظومة أو رؤية إيديولوجية، بل إلى حدس القائد العظيم في رؤيته الأحداث. هذا النوع من السخرية ظهر في الكثير من الكتابات التي تسخر من رؤية الحزب الشمولي الواحد ومن الرؤى الوطنية المتمركزة على أفكار الزعيم الملهم والقائد الأوحد. وتسخر أيضاً الرواية من طريقة عمل مراسلي الإعلام الرسمي في أحداث مثل تعرض سكان البناية للسلاح الكيماوي، وكيفية تغطية الإعلام لحالات الاختناق، وتفسير الحدث من وجهة نظرها.

السخرية من السياسي والديني

على المستوى السياسي تسخر الرواية من الأيديولوجيات المتجابهة على الأرض السورية، فكما تسخر من أيديولوجيا الحزب الحاكم والقائد، تسخر أيضاً من قوى التشدد الديني الشيعي والسني، ومن الجهاديين الظلاميين المريضين نفسياً بجنون الشبق الحيواني، فهم ينسفون أنفسهم بالأحزمة بكل غباء، ليطير معهم العباد أشلاء، وتتحول البلاد ركاماً ودخاناً، وكل هذا من أجل حوريات أبكار، يعشن في خيالاتهم المريضة. ويسخر أيضاً من ظاهرة جهاد النكاح فيصور الإرهابيين وهم يقاتلون على الجبهة خلف المتاريس وتحتهم زوجاتهم مشمرات الأثواب على إيقاع إطلاق الرصاص. بالمقابل، تسخر الرواية من زواج المتعة ويدمج الروائي بنصه الأدبي لائحة بتكاليف زواج المتعة بحسب الساعات.

في الانتقال إلى الفكر الديني، يجعل المؤلف من الزواج المختلط موضوعة فاتحة للسخرية من كل الصور النمطية التي تصبغها الطوائف والأديان في سوريا على بعضها بعضاً، فيقاربها من تيمة علاقات الحب والزواج، فكلما تقرب عاشق وعاشقة بقصة حب، اكتشفا أنهما من دينين أو طائفتين مختلفتين، ليتدخل بينهما رجال الدين. ويروي كل رجل دين عند استشارته رأيه بالزواج من دين أو طائفة أخرى، مستذكراً الصور النمطية المتعلقة بالآخر السني، الشيعي، العلوي، الدرزي، المسيحي، والأيزيدي، وكذلك من القوميات الأخرى كالكردية، الشركسية، حتى يمكن اعتبار الفقرات الخاصة بالصور النمطية للأديان، الطوائف، والقوميات، في هذه الرواية كمرجع عن الصور النمطية التي تطلقها هذه الفئات الدينية والقومية على بعضها بعضاً، مكتوبة بسخرية كوميدية.

نصب الحذاء العسكري في غرفة المواطن

بمناسبة النصر على الإرهابيين، يدشن في شقة المواطن نصباً ضخماً عبارة عن حذاء عسكري: “يتمجد اسمك في السماء أيها البوط العظيم، وعلى الأرض الحرب، وفي القلوب الخراب، ولترتفع كعبة بكسوة مموهة حولك”، يشارك في احتفالات تدشين نصب البوط العسكري في الشقة رجال الدين المتملقون للسلطة، من خوري الكنيسة (عبدو الفهمان)، إلى الشيخ الإسلامي (حمدان الطرشان)، وهما يهللان لنصب البوط العسكري ويوظفان الدين وأناشيده في خدمة هذه الاحتفالية.

بعد أن يعاني المواطن على طول الرواية من وجود العسكر، الإعلام الوطني، رجال الدين، وتدشين النصب “البوط” العسكري في منزله، وبعد أن تهجره زوجته وأولاده وحيداً في الشقة، يقرر المواطن أن يجابه القائد العام ويطلب منه أن يغادر العسكر بيته. بالمقابل، يطلب منه القائد العام الخضوع إلى اختبار في الوطنية، عبر تقليد رقصة العروس قبل الدخلة وبعدها، تقليد زحف الفقمة، تقليد تشقلب السعدان، وتقليد نهيق الحمار: “الآن، كيف يغني الحمار فرحاً في مزرعة الزعيم الجنرال؟”. كلها أسئلة ساخرة على كيفية تدجين السلطة المواطن، وإجباره على التماهي مع الحيوانات. ولا تنتهي الرواية حتى يوقع المواطن على وثيقة يتعهد بها بعدم الإساءة لصور الجنرال وتماثيله، وانتخاب الزعيم الجنرال وابنه الصغير الجنرال من بعده، كما يتعهد أن ينتخب أبناءه وأحفاده سلالات الجنرال المتتالية إلى الأبد.

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق