الناس

أنظمتنا والتعديل الجيني/ رشا عمران

يتحدّث تقرير مترجم، نشر قبل أيام على موقع “أخبار العلوم” عن مجموعةٍ بشريةٍ يطلق عليها لقب بدو البحر، وتعيش في منطقة باجاو لاوت، جنوب شرق آسيا، وتعتمد، في معيشتها، على الصيد الحر فقط، إذ لم تدخل هذه المجموعة البشرية إليها منتجات الحضارة ولا وسائل الحياة الحديثة، ظلت حياتها عبر الزمن هي الصيد في عمق المحيط، بوسائل بدائية، كأسلحة الصيد الخشبية التي تتم صناعتها يدويا، وبعض حجارةٍ ثقيلةٍ تسهل لهم عملية الغطس إلى عمق يتجاوز الخمسين مترا بقصد الصيد. منذ نشوء هذه المجموعة البشرية وآلية حياتها لم تتغيّر، الغوص البدائي في المحيط، والصيد بقصد العيش، وبسبب أن هذه المجموعة تقضي أكثر من ستين بالمائة من وقتها في عملية الغوص والصيد البدائي، فإن أجسام أفرادها كان لا بد وأن تتأقلم مع هذا النمط من الحياة، حيث أظهرت دراساتٌ أجريت على أفراد المجموعة، “أن لديهم تعديلات جسدية ووراثية تساعدهم على جعل هذا الغطس متاحا من دون خطر”، تتمثل هذه التعديلات الوراثية بطحالٍ أكبر من الطحال البشري المعتاد، والطحال، كما هو معروف، يخزّن خلايا الدم الحمراء في أثناء حبس النفس، وهو ما يحدث في الغطس، ثم يدفع هذه الخلايا الزائدة إلى الدم المتداول، فيزيد من قدرته على حمل الأوكسجين، فيتمكّن الغطاس البدائي من الاستمرار أطول وقتٍ تحت الماء، كما تم اكتشاف زيادة في هرمون t4، وهو هرمون تفرزه الغدّة الدرقية، ويزيد في معدل الأيض الذي يساعد في محاربة المستويات المنخفضة للأوكسجين في الدم.

يتحدّث تقرير آخر عن التطور نفسه لدى سكان التيبت، ففي المرتفعات العالية جدا ينخفض مستوى الأوكسجين في الدم، وهو ما يجعل بشرا كثيرين يُصابون بأزمات نفسية حادّة في المناطق المرتفعة، بيد أن الطبيعة طوّرت الجهاز الوراثي لدى سكان التيبت الذين يمتلك الواحد منهم رئةً وقفصا صدريا أكثر اتساعا مما هما لدى باقي البشر، كما أن الخلايا الحمراء في أجسادهم أكثر عددا من غيرهم، فهي تساعد على دفع كمية أكبر من الأوكسجين إلى الدم. أما سكان الأسكيمو، والمناطق شديدة البرودة، فلديهم معدل استقلاب مرتفع خمسين بالمائة زيادة عن باقي البشر، كما أن الغدد العرقية في أجساهم قليلة، قياسا بالتي في وجوههم، وهذه طفرةٌ تساعد أجسامهم على الاحتفاظ بحرارتها لتتلاءم مع الحرارة الخارجية.

نقرأ الكثير عن غرائب الطبيعة وما تقدّمه للبشر لتحمل ظروف حياتهم وظروفهم التي يعيشون فيها، وأفكر فينا نحن سكان بلاد العرب: لدينا طبيعةٌ رائعةٌ ومناخٌ مثاليٌّ ومتنوع، وقادرون على التكيف، وعلى تحمّل شظف العيش من دون طفراتٍ جينية. لا نحتاج شيئا ربما سوى أن تخصّنا الطبيعة بما يجعلنا نتكيّف مع وسائل الموت والتعذيب والإجرام التي يخترعها حكامنا أو يستوردونها ليجرّبوها علينا! فمثلا يجب أن تحدث طفراتٌ جينيةٌ لنا تمكّننا من احتمال أثر الأسلحة الكيميائية التي تستخدمها أنظمتنا ضدنا، من دون أن نموت اختناقا، ويجب أن نتمكّن جينيا من احتمال التعذيب في المعتقلات من دون أن نموت أو نتشوّه، ويجب أن يحدُث لسلالاتنا تطوّر ما يمكّنها من الصمود أمام قذائف الموت وبراميل المتفجرات وقنابل الحرق التي تتسلى أنظمتنا بإطلاقها علينا. ويجب أن يحدث لأجسامنا ما يجعلها تتحمّل الجوع والعطش أشهرا طويلة، فإذا ما خطر لحكامنا حصارنا لن نكترث بذلك، ويجب أن تمنحنا الطبيعة قدرة القفز كالغزلان، كي نستطيع الهرب بعيدا والنجاة بحياتنا، فيما لو سقطت قذائف دمّرت بيوتنا فوق رؤوسنا. ويجب أيضاً أن تعطينا الطبيعة غلاصم السمك، كي نتمكّن من السباحة مسافاتٍ طويلة في عمق البحر نجاةً بأرواحنا، أو تعطينا ذاكرة السمك كي ننسى ما نحن فيه، أو ربما تصيبنا جميعاً، نحن سكان هذه المناطق المنكوبة بالزهايمر، كي لا نتذكّر من حياتنا سوى أيامنا القديمة. على الطبيعة أن تطوّرنا بحيث نصبح سوبرمانات، أو نملك صفات الرجل الأخضر هالك، أو هرقل أو شمشون، يجب أن تفعل الطبيعة بنا شيئاً، لنحتمل أو ننتصر على ما ابتلتنا هي به من وجودٍ في مجتمعاتٍ تحكمها أنظمةٌ على هذا القدر من الإجرام والتسلط والثبات، بحيث تكون نتيجة التفكير باستبدالها هي ما نراه منها من الإجرام والعنف، تتعامل الحياة معنا كما لو أن أنظمتنا ظواهر طبيعية قدرية. هذا يعني أن ثمّة ما يجب أن يتعدّل في جيناتنا، لنتمكّن من مقاومتها وتغييرها، لأننا، بوضعنا الحالي، عاجزون عن فعل ذلك.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق