سياسة

الحصاد السوري الدامي في عام 2019 -مقالات مختارة-

سنة ما قبل العاصفة؟/ عمر قدور

لم يأتِ عام 2019 الذي ينتهي اليوم براحة البال التي من المعتاد أن يتمناها كثر على عتبة عام جديد، ولا أيضاً بالمتغيرات الدراماتيكية الكبرى التي يحلم بها آخرون. لكنه في المحصلة لم يكن عاماً رتيباً، لا في منطقتنا ولا خارجها، وحمل العديد من الدلالات على عدم الاستقرار، وعلى صراعات بعضها صار مكشوفاً، بينما يتحضر بعضها للانكشاف، من دون أن نكون جازمين إزاء الموعد المحتمل لتفجره.

ندع للفلكيين مهمة التنبؤ على طريقتهم وأهوائهم، مع التذكير بأن اللحظة الفاصلة بين عامين هي لحظة رمزية ليس إلا، من دون أن يقلل هذا من وقعها على المحتفلين بها. مثلاً، أحداث عديدة بدأت مع نهاية عام 2018 لتنضج صورتها في عام 2019، لدينا منها في المنطقة الثورة السودانية التي بدأت في منتصف كانون الأول، لتسجل أول انتصار لها في الحادي عشر من نيسان، ولتصل من ثم إلى تسوية مع المجلس العسكري. في المقابل، شهد عام 2019 مع بداياته تراجع المد الذي أنذرت به حركة السترات الصفراء التي انطلقت في فرنسا، وانتشرت جزئياً في دول أوروبية أخرى، قبل انحسارها جراء سياسة استنزاف في مركزها الأساسي.

لم يكن متوقعاً قبل عام اندلاع الثورة في لبنان وفي العراق والجزائر، كذلك الأمر بالنسبة للاحتجاجات المحدودة التي توقفت في مصر، وللاحتجاجات المتجددة في إيران. غربياً، ينبغي التوقف عند الإضرابات التي شلّت فرنسا في الشهر الأخير من السنة، هذه المرة تولت النقابات بثقلها المؤثر جداً حركة الاحتجاج، ولن تكون مواجهتها يسيرة بالنسبة لماكرون على منوال تجاهله الإنذار التي قدّمته السترات الصفراء. جدير بالذكر أن الرئيس الفرنسي دعا مع بدء تظاهرات الأخيرة إلى حوار وطني للخروج من الأزمة، وهو حوار لم يكن جاداً بحيث يفضي إلى نتيجة، باستثناء بقائه متربعاً على عرش الأزمة التي أتت به رئيساً.

أمريكياً، بعد طيه صفحة التدخل الروسي لصالحه في انتخابات الرئاسة، لم يتمكن ترامب والجمهوريون من فعل المثل مع فضيحة ابتزاز الرئيس الأوكراني بالمساعدات الأمريكية تحضيراً للانتخابات الرئاسية المقبلة. إجراءات عزل ترامب التي أقرّها الكونغرس، ومن المتوقع ألا تمر عبر مجلس الشيوخ، تختلف عما تعرض له كلينتون ونيكسون من قبل لأن فضائح الأول تمس الأمن القومي من ناحية انخراط جهات أجنبية لأول مرة على هذا النحو. اصطدام إجراءات العزل بالانقسام التقليدي بين الجمهوريين والديموقراطيين سيوجه ضربة كبرى لمفهومَي العدالة والديموقراطية معاً، واستطلاعات الرأي التي تظهر الانقسام نفسه إزاءها تكشف في ما تكشف عن عجز الديموقراطيين عن تقديم بدائل مقنعة شعبياً على صعيد البرامج أو على صعيد المرشحين المحتملين للرئاسة.

الأزمة الأمريكية في مواجهة اليمين الشعبوي سنراها في إنكلترا التي شهدت سقوط الوجه المتزن للمحافظين تيريزا ماي لصالح منافسها بوريس جونسون الذي يعتبر النسخة المحلية من ترامب، والكارثة ليست في الخروج من الاتحاد الأوروبي بقدر ما هي في انتزاع جونسون الفوز في الانتخابات التشريعية، بل في سيطرته على دوائر سيطر عليها حزب العمال لمدة عقود. هنا أيضاً وجه آخر لأزمة النخب السياسية الغربية، فصعود اليمين الشعبوي هو تعبير عن أزمتها، وعن أزمة أعمق تتطلب حلولاً “ثورية” لا يوجد مَن يطرحها. الأزمة لها جانبها الاقتصادي الحاد، وهو يتشابك مع تبعات العولمة والانفتاح، ومع الانفجار التقني والمعلوماتي بآثاره الباهظة على مختلف النواحي بما فيها سوق العمل وتقسيماته التي تتجاوز القسمة التقليدية محلياً ودولياً.

بالعودة إلى منطقتنا، تصارع قوى السلطة للبقاء بعد امتصاص صدمة الربيع العربي قبل سنوات. الأساليب التي تستخدمها تتراوح بين استنزاف قدرة الشارع على الصمود، رأينا ذلك في الجزائر ونراه في لبنان، وبين استخدام منسوب مرتفع من القمع كما هو الحال في العراق وإيران. في المقابل، أثبت ما يُسمى مجازاً بمحور الثورات المضادة عجزه وابتذاله في مصر، ولا يعِد بديله المقترح في ليبيا بوضع أفضل، مثلما لا يوحي الانقسام الإقليمي الجديد، الذي تجاوز الانقسام الشيعي-السني السابق، سوى بصراع نفوذ يتعارض جوهرياً مع سعي شعوب المنطقة إلى التغيير.

في سوريا، حيث مضى مسار تقاسم النفوذ بسلاسة خلال العام الأخير، لا تقف الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في الصراع على أرض ثابتة من التفاهمات. التفاهم الروسي-التركي مرشح للانهيار في أية لحظة، ولن يكون سهلاً على طهران الاحتفاظ بمواقعها الحالية فيما إذا اختارت مواصلة التصعيد مع واشنطن في العراق، حتى إذا ارتاحت في سوريا نسبياً ومؤقتاً من ضغط تل أبيب بفضل الأزمة السياسية الإسرائيلية وانتظار نتائج الانتخابات المبكرة. تتجمع في سوريا كافة مؤشرات الانهيار الذاتي لدولة الأسد، خاصة على الصعيد الاقتصادي وآثاره الاجتماعية المحتملة، في حين لا تبشّر عوامل الحرب المحتملة بين الأطراف الفاعلة بإنقاذ دولة الأسد اقتصادياً بعد إنقاذها عسكرياً.

لقد سجّلت سوريا التقدم الثاني لبوتين بعد القرم، مع التأكيد على الاختلاف بينهما إذ طالما كانت القرم ضمن النطاق القريب جداً للمطامع الروسية. الأهم من ذلك هو التساهل الغربي العام مع صعود البوتينية كنظام ديكتاتوري يتنافى مع قيم الليبرالية، وإن كانت المافيا الروسية تتمتع بأكثر منافع الليبرالية الاقتصادية توحشاً. لا ننسى أن البوتينية تجد سنداً صامتاً في الصين، إلا أن الغرب لأسباب اقتصادية مباشرة مهموم بالأخيرة فقط، بل يحظى بوتين بترحيب من العديد من القادة الغربيين، وبالنظر إليه كنموذج يُحتذى من قبل ممثلي اليمين واليسار الشعبويين. الأخطر أن بوتين لا يخفي عداءه للديموقراطية، ولا توقه إلى الانتقام منها، معوّلا على أزمة الغرب، وعلى قدرته على تجنب الانهيار الاقتصادي الذي أودى بديكتاتورية السوفييت.

نغادر العام المنتهي مع غرب عاجز عن تجاوز أزماته، وعن اقتراح أفق عالمي جديد. وفي منطقتنا يتفاقم انسداد أفق الأنظمة العربية بمختلف أشكالها من دون أن تفقد قدرتها على البقاء، وليست القوى الإقليمية المتوسعة على حساب المنطقة في وضع مريح كما كانت عليه قبل سنوات، سواء في طهران أو أنقرة أو تل أبيب. ربما يندر في التاريخ أن تتراكم كل هذه الاستحقاقات دفعة واحدة، ولا يندر فيه أن يكون العنف والحروب تعبيراً عن الأزمة أو محاولة للتهرب منها. قد لا نكون على موعد قريب مع حروب كبرى، لكننا ربما نكون مع موعد لحروب صغيرة واضطرابات مترافقة بالعنف هنا وهناك، والسبب المشترك أننا نفتقر إلى مشاريع وقيادات من الطينة التي تخوض الحروب الكبرى أو تلك التي تصنع التاريخ.

—————–

2019: نزوح واستباحة وتمييع سياسي/ عروة خليفة

بدأ العام 2019  مع استمرار التأثير الذي أحدثه إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في العشرين من كانون الأول (ديسمبر) 2018، عن سحب قوات بلاده من سوريا. لم يتم تنفيذ هذا القرار وقتها، لكنه قاد إلى أوضاع بات فيها سحب القوات الأميركية لا يختلف كثيراً عن بقائها على الصعيد الفعالية السياسية. وبالفعل، لم ينته العام حتى كانت الولايات المتحدة قد سحبت قواتها من شمال وغرب الجزيرة السورية، مفسحةً المجال أمام عملية عسكرية تركية امتدت لأسابيع، سيطرت خلالها القوات التركية وقوات سورية تابعة لها على مساحات من المنطقة، الأمر الذي تسبب بنزوح عشرات الآلاف ومقتل وإصابة مئات المدنيين.

الانسحاب الأميركي لم يكن من الأرض فقط، بل من المسار السياسي الذي تم تركه تحت إدارة موسكو، التي أسفرت جهودها المطولة عن بناء دهاليز معقدة لا نهاية لها للمسار السياسي، منها ولادة اللجنة الدستورية باعتبارها الابنة غير الشرعية لمؤتمر سوتشي ومسار جنيف، والتي قُسّمت مُثالثة بين النظام السوري (الذي لم يعترف رسمياً بتمثيل وفده لحكومته) والمعارضة (ممثلةّ بالهيئة العليا للمفاوضات) وشخصيات من المجتمع المدني سمّتهم الأمم المتحدة (مناصفةً أيضاً بين المقربين من النظام والمعارضين له).

ومع اقتراب العام 2019 من نهايته، تطفو على السطح مجدداً الانقسامات داخل المعارضة السياسية السورية، بعد دعوة السعودية ثمانين مستقلاً لانتخاب ممثلي المستقلين ضمن الهيئة العليا للمفاوضات، واعتراض نصر الحريري وعدد من الشخصيات في الهيئة العليا للمفاوضات على هذه الدعوة، في تعبير متجدد عن الخلافات بين السعودية وتركيا. أما في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في إدلب والأرياف المحيطة بها، فقد بدا المشهد أقلّ انقساماً بين الفصائل المسلحة المعارضة المسيطرة على المنطقة خلال العام 2019، ولكن ليس نتيجة غياب الخلافات، بل نتيجة اتساع هيمنة هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) على المنطقة بعد معارك مع الفصائل المناوئة لها، لتفرض لاحقاً، وبقوة السلاح، نفوذ حكومة الإنقاذ التابعة لها على معظم المجالس المحلية والهيئات الإدارية المستقلة العاملة في المنطقة، وتبدأ تلك الحكومة بفرض الضرائب على السكان وأخذ الأتاوات بقوة سلاح الهيئة.

وبالتوازي مع هذا، تعرضت مناطق في ريف إدلب وريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي والغربي لعمليات عسكرية وموجات قصف وحشية، لم تهدأ إلّا لأسابيع متقطعة طوال العام تقريباً. قرابة المليون مدني سوري اضطروا للنزوح في العام 2019، وكثيرون منهم لا يتوقعون العودة إلى منازلهم المحتلة أو المدمرة في أي وقتٍ قريب.

إدلب والجزيرة السورية تحت النار

بدأ عام 2019 مع بسط «هيئة تحرير الشام»  نفوذها شبه المطلق على محافظة إدلب والأرياف المحيطة بها، بعد تصفية عدد من الفصائل المناوئة لها مثل «حركة نور الدين الزنكي»، وإضعاف أخرى حتى اقتربت من التفكك النهائي كما حدث مع «حركة أحرار الشام»، وترك فصائل غيرها في أوضاع لا تملك فيها أي نفوذ يذكر مثل «فيلق الشام» و«جيش إدلب الحر». ولم يكن لتوحد ما بقي من فصائل تحت اسم «الجبهة الوطنية للتحرير» أي أثر يذكر على ترتيب القوى في المنطقة، رغم الدعم التركي لتلك الفصائل، وعلى الأرجح بسببه.

كان تغوّلُ الهيئة على إدلب ذريعة جاهزة للاستخدام من موسكو ونظام بشار الأسد، لبدء عمليات قصف وحشية على جنوب وشرق إدلب في شهر شباط (فبراير)، تبعته عمليات عسكرية برية نهاية شهر نيسان (أبريل)، أدت إلى سقوط قرى وبلدات في ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي مثل كفرنبودة بيد قوات النظام، التي استطاعت قبيل توقف الأعمال القتالية نهاية شهر آب (أغسطس) احتلال مدينة خان شيخون جنوبي محافظة إدلب التي كانت قد تعرضت للاستهداف بالسلاح الكيميائي في شهر نيسان (أبريل) من عام 2017، ثم بعدها سائر بلدات وقرى ريف حماة الشمالي وأبرزها مورك واللطامنة وكفرزيتا.

على مدى ثلاثة أشهر، بين نيسان وآب، تعثّرت حملة النظام على ريفي إدلب وحماة جرّاء مقاومة شديدة خاضتها بشكل أساسي فصائل محلية مثل «جيش العزّة»، الذي ينتمي معظم مقاتليه إلى قرى ريف حماة الشمالي، وكان هو الفصيل الذي قاتل معه الساروت قبيل استشهاده على جبهات حماة. إلا أن عمليات القصف المركّزة التي نفذها الطيران الروسي وقوات النظام، قادت إلى انهيار الخطوط الدفاعية في محيط خان شيخون ثم في ريف حماة.

وعلى الرغم من أنّ النظام لم يستطع التقدم كثيراً في عمق مناطق سيطرة فصائل المعارضة، إلا أنّ تأثير حملة المئة يوم تلك على الفصائل المحلية كان كبيراً جداً، إذ خسر فصيل «جيش العزّة» الأرض التي ينتمي إليها معظم مقاتليه، وهو كان الفصيل الأخير في سوريا الذي لا ينتمي إلى الفصائل الجهادية، وليس منضوياً في تحالفات الفصائل التي تتلقى دعماً وتوجيهاً تركيا مباشراً.

قبيل بدء المعارك في إدلب، كانت «قوات سوريا الديموقراطية» قد بدأت المعركة ضد آخر معاقل تنظيم داعش في قرية الباغوز أقصى شرقي محافظة دير الزور، التي انتهت بالقضاء على التنظيم بشكله القديم الذي تمثَّلَ بالسيطرة المباشرة على أراضٍ واسعة في سوريا والعراق، لتكون العملية العسكرية الأميركية التي انتهت بمقتل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) إعلاناً عن هزيمة التنظيم، وانتقاله إلى طور الكمون الطويل، الذي يشبه إلى حد بعيد ما انتهى إليه وضعه بعد مقتل زعيمه السابق الزرقاوي في العراق.

أدت سيطرة قسد على الباغوز قبل نهاية شهر آذار (مارس) إلى بسط سيطرتها على كامل الجزيرة السورية، التي عرفت إعلامياً باسم منطقة شرق الفرات، وهو ما أدى إلى ارتفاع صوت احتجاج أنقرة التي رأت في وجود قسد على حدودها تهديداً لما تعتبره «أمنها القومي». وقد أدت هذه الأوضاع المتفجرة في النهاية إلى بدء تركيا عمليات عسكرية ضد منطقة الجزيرة السورية، بعد انسحاب أميركي مفاجئ وسحب ترامب للغطاء السياسي والعسكري الذي قدمته واشنطن طوال السنوات الماضية للمنطقة الشرقية في سوريا، أمام تقدم الجيش التركي وقوات الفصائل السورية التابعة لأنقرة، وهو ما أسفر عن سيطرة أنقرة على المنطقة الممتدة بين مدينة رأس العين في محافظة الحسكة ومدينة تل أبيض شمالي محافظة الرقة، وعلى القرى والبلدات المحيطة بهما بعمق يصل إلى 25 كم، ثم توقّف الأعمال العسكرية الرئيسية بعد اتفاقين منفصلين أبرمتهما الحكومة التركية مع كل من واشنطن وموسكو، ضمنت من خلالهما اعتراف الجهتين بنفوذها شمالي الجزيرة السورية.

لم تؤدِ العملية العسكرية التركية إلى إنهاء وجود قسد، ولم تستطع أنقرة السيطرة على مساحة أوسع لتُنشئ ما أسمتها «المنطقة الآمنة» بهدف ترحيل اللاجئين السوريين إليها كما وعد الرئيس التركي. بالمقابل، فإن التراجع الأميركي أمام العمليات العسكرية التركية، وسحب الغطاء العسكري الذي وفرته شمال شرق سوريا، ترك تأثيرات واسعة على الاستراتيجية التي وضعتها واشنطن لوجودها في سوريا.

لم ينته العام 2019 قبل أن يعود كل من نظام بشار الأسد وروسيا إلى قصف إدلب، وبدء موجة ثانية من الأعمال العسكرية التي تسببت بكارثة إنسانية مستمرة حتى اللحظة في محافظة إدلب، فيما انهارت دفاعات الفصائل بشكل متسارع جنوب شرق إدلب ليسيطر النظام على عدد كبير من القرى والبلدات، منها بلدتا التحّ وجرجناز، ويصل إلى بعد أربعة كيلومترات من مدينة معرة النعمان التي نزح معظم سكانها.

مليون نازح في 2019

قبل أيام، قامت كل من موسكو والصين باستخدام حق النقض «الفيتو» ضد تجديد قرار «عبر الحدود» الذي أقره مجلس الأمن خلال الأعوام السابقة، بهدف السماح بتمرير المساعدات الإنسانية من خلال منظمات الأمم المتحدة عبر حدود سوريا من دون موافقة النظام، وكان هذا القرار حيوياً في تمرير المساعدات الإنسانية وتوفير الدعم لعمل المنظمات الإنسانية في عدد من المناطق هي إدلب ومحيطها ودرعا قبل احتلالها من النظام السوري عام 2018، ومنطقة الجزيرة السورية.

وفي حال عدم إيجاد صيغة جديدة للقرار بحيث يمكن تمريره عبر مجلس الأمن، فإن العمليات الإنسانية والبرامج المدعومة من قبل الأمم المتحدة ستتوقف مع بداية العام الجديد، ما يعني توقف جزء كبير من الدعم الذي يتم توفيره للمنظمات الإنسانية العاملة في سوريا من خلال منظمات الأمم المتحدة، هذا من دون الحديث عن احتمال توقف الهيئات الدولية الكبرى مثل GIZ التابعة للحكومة الألمانية عن دعم مشاريع في إدلب نتيجة تعثر قرار «عبر الحدود». وفي الوقت الذي كانت فيه استجابة الأمم المتحدة ضعيفة للغاية أمام كارثة النزوح السوري، فإن توقف الدعم عن العمل الإنساني يعني ترك مئات الآلاف من النازحين في العراء من دون أي مساعدة.

طوال العام الماضي، أدت العمليات العسكرية في كل من إدلب والجزيرة السورية إلى نزوح مئات الآلاف، فقد نزح أكثر من 600 ألف نسمة من المدنيين في إدلب بين شهري أيار وآب حسب تقديرات الأمم المتحدة، فيما نزح خلال أقل من أسبوعين أكثر من مئتي ألف مدني في الجزيرة السورية نتيجة العملية العسكرية التركية التي بدأت في شهر تشرين الأول (أكتوبر)، ووثَّقَ مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة نزوح 180 ألف نسمة من جنوب إدلب نتيجة عودة العمليات العسكرية منذ شهر تشرين الثاني (نوفمبر). نحو مليون سوري اضطروا للنزوح من بيوتهم، في أوضاع مأساوية، ولا يبدو أن هناك أي تحرك دولي أو استراتيجية لاستيعاب هذه الكارثة الإنسانية حتى على مستوى تقديم المساعدة.

ربما تؤدي هذه الأوضاع في مرحلة ما خلال العام المقبل إلى عجز تام للمنظمات الإنسانية عن التعامل مع المأساة، وهو ما سيعني أنّ النازحين الموجودين في العراء أو في مخيمات عشوائية في ظروف غير إنسانية، سيواجهون أوضاعاً لا تُحتمل، ربما تدفعهم إلى مواجهة نيران حرس الحدود التركي للعبور نحو تركيا في طريقهم إلى أوروبا، وهو ما قد يكون له أثرٌ كبيرٌ على السياسات الدولية في المنطقة، التي يبدو أنها يمكن أن تتسامح مع أي شيء باستثناء موجة لجوء واسعة جديدة نحو البر الأوروبي.

لم تتوقف الانتهاكات ضد المدنيين السوريين طوال العام، سواء في مناطق سيطرة النظام أو في مناطق سيطرة سائر الجهات الأخرى. وقد استطاعت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقارير مفصلة ستقوم بنشرها لاحقاً، توثيق مقتل 3364 مدنياً في سوريا خلال العام 2019، بينهم 842 طفلاً، كانت قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية والقوات الروسية مسؤولة عن مقتل 1949 منهم. كما وثّقت الشبكة مقتل 26 من الكوادر الطبية و17 متطوعاً في الدفاع المدني و13 إعلامياً في سوريا، ووثّقت أيضاً 4671 اعتقالاً تعسفياً، كانت قوات النظام وأجهزته الأمنية مسؤولة عن قرابة 60% منها.

مسار موسكو السياسي

بدأ العام المنقضي بتعيين الأمين العام للأمم المتحدة مبعوثاً أممياً جديداً إلى سوريا، بعد استقالة ستيفان ديمستورا المبعوث الأممي الذي سجّل الفترة الأطول في المنصب بين سابقيه. وبينما كان الدبلوماسي النرويجي غير بيدرسون يتحضر لمباشرة مهامه، كانت طرق المسار السياسي في سوريا قد وصلت إلى نقطة مسدودة تماماً، فالنظام وموسكو غير مستعدين لتقديم أي تنازل مهما صغر ضمن جولات مفاوضات جنيف المدعومة من الأمم المتحدة والدول الغربية ودول المجموعة المصغرة (تضم الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والسعودية بالإضافة إلى دول أخرى).

بالمقابل، لم تستطع روسيا إقناع الولايات المتحدة أو أي طرف غربي بالموافقة على المسار الذي اخترعته في سوتشي. وفي تلك الأوضاع، كان بيدرسون كمن يجلس في غرفة الانتظار، إلا أن الموافقة الأممية والأميركية على بدء عملية تفاوض على كتابة دستور جديد لسوريا، كانت المخرج الجديد للمسار السياسي، إلا أنها في الواقع كانت انتصاراً لموسكو التي حصلت على جائزتها من خلال خلق مسار سياسي غير واضح المعالم ومن دون أي آثار قانونية فعلية (النظام السوري لم يعترف بالتمثيل القانوني للوفد الذي دعمه)، للدخول في دهاليز لا نهائية من التفاوض على تفاصيل هامشية، بينما يستمر النظام في قتل السوريين.

كان مشهد إعلان اللجنة الدستورية تعبيراً شديد الوضوح عن ولادة إطار جديد للمسار السياسي في سوريا، ليس روسياً خالصاً كما كان الأمر في سوتشي، إلا أنه في النهاية يحقق ما أرادته روسيا من قتل العملية التفاوضية، ووضع النظام على الطاولة إلى الأبد.

بالمقابل، فإن الرفض الواضح لإعادة تعويم النظام أو الاعتراف به من قبل الولايات المتحدة، كان أداة الضغط الوحيدة على النظام طوال العام الماضي، ومع ذلك لم تستطع المعارضة السورية، التي دخلت ضمن النفوذ التركي، أن ترفض الانخراط في المسار الجديد للجنة الدستورية، التي طال الحديث عن تركيبتها وأسماء أعضائها لأكثر من عام، مع غياب شبه تام للقوى السياسية الكردية عنها.

أما دعوة الخارجية السعودية مؤخراً لثمانين مستقلاً لانتخاب ممثليهم مجدداً في الهيئة العليا للمفاوضات، فقد كانت التعبير الأوضح عن انعكاس الخلافات بين أنقرة والرياض على المعارضة السورية الرسمية، الأمر الذي قد يؤدي إلى انقسام تلك المعارضة بشكل كامل ومُعلن بين طرفي النزاع الإقليمي.

جاء إقرار مجلس الشيوخ الأميركي لقانون حماية المدنيين في سوريا (قانون قيصر)، ثم توقيعه من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليكون الجدار الأخير أمام إعادة تعويم النظام وتمويل عملية إعادة الإعمار ضمن مناطق سيطرته، إلا أن كل ذلك لا يزال مرتبطاً بمواقف ترامب وصراعه الأكبر مع إيران التي تتعرض لعقوبات مشددة منذ بداية 2019، أدت إلى توتر كبير في منطقة الخليج العربي. وليس واضحاً بعد ما إذا كان هذا القانون سيحمل لعنة جديدة على المدنيين السوريين فقط، أم أنه يمكن أن يلحق ضرراً جدياً بالنظام السوري، لكنه كان كان علامة على صعوبة إعادة إدماج النظام السوري في منظومة العلاقات الدولية.

ليس هناك ما هو أوضح من صورة خيام النازحين ومراكز إيوائهم لتحكي قصة العام 2019 في سوريا، وليس هناك ما هو أوضح من أصوات قصف المدافع والطائرات في رأس العين ومعرة النعمان لشرح ما الذي عاشه السوريين طوال العام الماضي، عام استطاع النظام فيه تحقيق اختراق كبير على المستوى السياسي، فيما تسببت طائراته بأكبر موجة نزوح في تاريخ البلاد، وأكبر موجة نزوح في العالم خلال هذا القرن.

موقع الجمهورية


الاقتصاد السوري في 2019: القادم أسوأ/ قاسم البصري

منذ تفجّر الثورة السورية في آذار (مارس) 2011 وحتى اليوم، لا يني الاقتصاد السوري يتعثّر وتتعاظم مشاكله عاماً بعد عام، غير أنّ العام 2019 كان الأسوأ على الإطلاق، وشهدت فيه البلاد سلسلةً من الأزمات الاقتصادية والمعيشية هي الأشدّ وطأةً على الصعيدين الكلي والجزئي. وقد انعكس ذلك السوء بشكلٍ كارثيٍّ على معيشة الناس وقدرتهم على تأمين أبسط مقوّمات استمرارهم في الحياة، في ظلّ معدلات تضخّمٍ مرتفعة وتراجعٍ في القوة الشرائية وصلت حدودها الأعلى. وفضلاً عن ذلك باتت الأسواق اليوم خاليةً من كثيرٍ من السلع الحياتية الرئيسية، وقد صار متعذّراً على نظام الأسد تأمينها أو تمويل استيرادها نتيجة التأثّر بالعقوبات الدولية وأزمة تأمين النقد الأجنبي المتعاظمة، وذلك بالتوازي مع تراجعٍ كبيرٍ في القوة الإنتاجية بفعل صعوبة تأمين المواد الأولية أو استحالة ذلك.

في ما يلي تلخيصٌ لأبرز التغيرات والأحداث التي طرأت على الاقتصاد السوري خلال العام 2019.

تهاوي الليرة

بلغ سعر صرف الدولار في بداية هذا العام 500 ليرة سورية، واقترب في نهايته من حدود 1000 ليرة، وهذه أقل قيمةٍ تنحدر إليها الليرة في السوق السوداء عبر التاريخ، بينما ظل سعر صرف البنك المركزي للدولار ثابتاً عند 438 ليرة طوال العام، رغم أنّ خساراتها تجاوزت 40% من قيمتها. وكان النظام قد شرع بتنفيذ إجراءاتٍ نقدية وغير نقدية متنوعة وكثيرة لتدارك أزمة الليرة دون جدوى؛ مثل تأسيس صندوق دعم الليرة السورية عبر مجموعةٍ من التجار والصناعيين ورجال الأعمال في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، والذي فشل لاحقاً في تحقيق الهدف المرجو منه، فضلاً عن ابتزاز قسمٍ من كبار التجار ورجال الأعمال ومصادرة جزءٍ من ثرواتهم أو الحجز عليها وإغلاق محلات الصرافة. وقد كان آخر ما تفتّق عنه وعي النظام الاقتصادي لتدارك أزمة الليرة، التوجّه لإصدار عملة رقمية للتداول في الخارج، تحمل اسم «ليرا» وتُصدرها شركة أوفشور1 تُدعى «سوريتي» ومقرّها اللاذقية.

1. شركات الـ«أوفشور» هي شركات تُسجَّلُ في دولة ذات نظام ضريبي «متسامح»، يُتيح هوامش ربح أوسع للمستثمرين ويسمح لهم بإخفاء هويتهم الحقيقية. وتعتبر بعض البلدان المستضيفة لشركات الأوفشور «ملاذات» أو «جناناً ضريبية»، وتُستخدم هذه الشركات في بعض الأحيان لتبييض الأموال. تُلزم التشريعات هذه الشركات بعدم ممارسة أي نشاط تجاري في البلد المضيف لها في الغالب، كما يجب أن لا يكون المساهمون مقيمين فيه.

وفي إطار أزمة الليرة السورية، بدأت وزارة الاقتصاد والمالية في الحكومة السورية المؤقتة التابعة للائتلاف السوري المعارض منذ مطلع شهر كانون الأول (ديسمبر)، وبالاشتراك مع عددٍ من المجالس المحلية في الشمال السوري، الدفع باتجاه التخلي عن استخدام الليرة السورية في التعاملات اليومية بين السكان، والاستعاضة عنها بالليرة التركية أو الدولار، كما لم تَعُد مكاتب الصرافة في هذه المناطق تعترف أو تقبل بالورقة النقدية من فئة ألفي ليرة سورية.  

عام التدقيق والحجز الاحتياطي

تميّز العام 2019 بحملة «محاربةٍ للفساد»، يبدو أنّ من يقف خلفها بشار الأسد وزوجته بدفعٍ روسي، والهدف منها التخفيف من حدّة احتقان الشارع الموالي على سوء الأوضاع الاقتصادية، وتحصيل أموالٍ من شأنها المساعدة على تدارك تهاوي اقتصاد النظام. وكان أول ضحايا هذه الحملة في أيلول (سبتمبر) الماضي وزير التربية في حكومة النظام هزوان الوز وزوجته؛ بدعوى اختلاس أموالٍ عامة، ثمّ توسّعت الحملة لاحقاً لتشمل التدقيق في حسابات عددٍ من الشركات المملوكة لرامي مخلوف، أبرزها شركة اتصالات سيريتيل. ووصل الأمر في كانون الأول (ديسمبر) الحالي إلى حدّ الحجز على أموال رامي مخلوف وأيمن جابر وعددٍ من المرتبطين بهما، بعد أيامٍ من إجراءٍ مماثل استهدف طريف الأخرس، قريب أسماء الأسد. وفي هذا السياق، يشير موقع الاقتصادي إلى أنّ وزارة المالية أصدرت منذ بداية العام 2019، وحتى شهر أيلول (سبتمبر) الفائت، 538 قراراً بالحجز الاحتياطي على أموال 10315 شخصاً.

الفقر والتضخم والعقوبات

شهد العام 2019 أعلى معدلات التضخم وضعف القوة الشرائية في تاريخ سوريا، وذلك نتيجة انهيار العملة المحلية وقلة المعروض من البضائع من بين جملة عوامل أخرى. وبلغت نسبة الفقراء السوريين، بحسب الأمم المتحدة، 83% من إجمالي السكان الذين ما يزالون في البلاد، ومما زاد في معاناة هؤلاء الفقراء تَواصلُ العمليات العسكرية في أكثر من منطقة، وما ترتب على ذلك من عمليات نزوحٍ لم تتوقف طوال العام، لا سيما في مناطق في شمالي سوريا وشماليّها الشرقي، بالإضافة إلى تراجع حجم المساعدات الإغاثية المُقدمة للسوريين إلى حدودها الدنيا. وفي هذا السياق، من شأن الفيتو الروسي الصيني في مجلس الأمن، في كانون الأول (ديسمبر) الجاري، على مشروع قرار تمديد إدخال المساعدات إلى سوريا عبر الحدود أن يجعل الأوضاع الإنسانية أكثر سوءاً خلال الأيام والشهور القادمة.

كما بلغ معدل البطالة في سوريا رقماً خيالياً هو الأعلى على مستوى العالم، يتراوح بين 50% و78%، وفق تقديرات أممية. ومما أسهم في تعاظم هذا الرقم، إغلاق الحدود أمام السوريين وعدم تمكنهم من الوصول إلى أسواق العمل خارج حدود البلاد، وتراجع القدرة الإنتاجية وعدم تأهيل المنشآت التي تضرّرت جرّاء عمليات القصف والأعمال القتالية. ويضاف إلى ذلك أنّ استشراء الفساد في مؤسسات النظام والعقوبات الدولية المفروضة عليه وأزمات المحروقات المتوالية واستيلاء روسيا وإيران والولايات المُتحدة مؤخراً على موارد البلاد، جميعها عوامل ساهمت في تقليل فرص العمل وتعثّر العملية الإنتاجية خلال العام الفائت.

العقوبات الدولية والتفريط بمُقدّرات البلاد

كان للعقوبات الدولية في العام 2019 بالغ الأثر، ليس فقط في حرمان النظام من تصدير البضائع وتأمين القطع الأجنبي والمحروقات ومُستلزمات الإنتاج، بل امتدّ أثرها ليمسّ عموم السوريين. ولم تكن العقوبات الدولية المفروضة على النظام وحدها ما أضرّ باقتصاد البلاد، بل أيضاً تلك العقوبات التي فُرضت على إيران وبدرجةٍ أقل على روسيا. وكان من نتائج العقوبات الأميركية المباشرة على إيران في عام 2019 حرمان النظام من الخطوط الائتمانية الإيرانية، التي كان يؤمّن بفضلها المحروقات وبعض السلع الداخلة في عمليات الإنتاج.

غير أنّ ما لحق بالاقتصاد السوري جرّاء العقوبات الدولية خلال عام 2019، الذي شارف على نهايته، ليس إلا جزءاً ضئيلاً من الآثار الكبيرة التي قد يتسبّب بها قانون قيصر الذي تمّت المصادقة عليه خلال شهر كانون الأول (ديسمبر) الحالي، وسيدخل حيّز التنفيذ مطلع العام المقبل. وبغضّ النظر عن مدى قدرة هذا القانون على معاقبة نظام الأسد والأطراف الراعية لإجرامه، فإنّ تبعاتٍ مؤلمة ستمسّ كلّ بيتٍ سوري من جرّاءه في حال قرّرت الإدارة الأميركية تنفيذ بنوده بشكلٍ حاسمٍ وحازم. ولا شكّ أنّ هذا القانون سيتسبب بمزيد من الخسائر في سعر صرف الليرة، سيّما أنّ البند الأول منه يفرض عقوباتٍ على المصرف المركزي، وسترتفع بموجب ذلك الأسعار وتنخفض القدرة الشرائية للسوريين إلى حدودٍ لا يمكن التنبّؤ بها حالياً.

وكان من الممكن أن تكون العقوبات الدولية الحالية والقادمة أقلّ إضراراً باقتصاد سوريا، لولا أنّ النظام فرّط بمُقدّرات البلاد لصالح روسيا وإيران، والتي كان من الممكن أن تعطيه قدراً معقولاً من المراوغة لتجنّب الآثار القاسية للعقوبات. وقد شهد شهر نيسان (أبريل) من عام 2019 تنازلاً من نظام الأسد عن مرفأ طرطوس لصالح روسيا بموجب عقد تأجيرٍ لمدة 49 عاماً، بعد أن كان قد عهد قبل ذلك للإيرانيين بإدارة مرفأ اللاذقية، في مسلسلٍ متواصلٍ من رهن البلاد للقوى التي أسهمت في منع نظامه من الانهيار، شمل عقوداً لاستثمار الفوسفات والغاز والنفط، وكانت آخر حلقات هذا المسلسل، في كانون الثاني (ديسمبر) الجاري، منح نظام الأسد لإيران «التسهيلات اللازمة» للشروع في بناء 30 ألف وحدةٍ سكنيّةٍ على الأراضي السورية.

وفي إطار اقتسام ثروات البلاد بين الدول الحاضرة عسكرياً في الجغرافية السورية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مطلع كانون الأول (ديسمبر) الجاري أنّ الولايات المُتّحدة ستأخذ «حصتها» من نفط سوريا، مشيراً إلى أنّه لم يبق في سوريا من جنود واشنطن سوى من يحمون النفط، قائلاً: «النفط في أيدينا ويمكننا أن نفعل به ما نشاء». في حين شهد الشهر نفسه، وبعد أيامٍ من تصريحات ترامب، دعوةً وجّهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتمويل عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم من عوائد النفط السوري. لقد تميّز العام 2019 بأنّه عام الحديث العلني عن المحاصصة الدولية في سوريا، ليس على صعيد جغرافيا السيطرة والنفوذ، وإنما أيضاً على الصعيد الاقتصادي ونهب الثروات.

وفي الوقت الذي يفرّط فيه النظام السوري بثروات البلاد، فإنّه يشدّد الخناق على الناس، حيث أقرّ مجلس الشعب في كانون الثاني (ديسمبر) تعديلاً على قانون خدمة العلم، يقضي بالحجز التنفيذي على أملاك المتخلّفين عن الخدمة ممن تجاوزوا سنّ التكليف، فضلاً عن حجز أملاك زوجاتهم وأولادهم. كما وافق المجلس في الشهر عينه على مشروع قانونٍ يقضي بزيادة الرسوم المالية على الطلاب المتقدمين لامتحانات الشهادات العامة، وهو ما يتعارض مع الدستور المُطبّق في البلاد، والذي ينصّ على مجانية التعليم في جميع مراحله.

لقد كان من بين العوامل التي أسهمت في دفع السوريين إلى الثورة على نظام الأسد، فضلاً عن مطالب الحرية والكرامة، الغياب المديد للعدالة في توزيع الثروة، واستيلاء زمرة زبائنية على موارد البلاد حدّ مشاركة الناس قوت يومهم. اليوم، وبعد قرابة تسع سنواتٍ من انطلاق الثورة لم يتغيّر شيءٌ في سلوك هذه الزمرة وسطوتها ومكانتها، سوى ازدياد عدد أفرادها وإعادة ترتيب الأماكن بينهم، والقليل من عمليات التصفية التي لا بدّ منها. أما السوري، فقد تغيرت حياته برمتها، صار أكثر عوزاً وجوعاً. الفاقة تحكم السوري والمجرمون يُحكِمون يدهم على موارده. هذه الصورة القاتمة هي مشهدٌ مكثّف لحالة تردٍّ اقتصادي ومعيشي تشهدها سوريا اليوم، وتشير جميع المعطيات إلى أنّ هذا المشهد لن يتحسّن في المدى القريب، بل سيزداد قتامةً بكلّ أسف.

موقع الجمهورية

————————-

2019: أفول الغول السوري المُخيف/ صادق عبد الرحمن

في أواخر العام 2018، وتحديداً في السادس عشر من كانون الأول (ديسمبر)، زار الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير سوريا، وقال أثناء لقائه مع بشار الأسد إن الدول العربية تحتاج إلى «مقاربات جديدة تستند إلى احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية». في ذلك اليوم نفسه، كانت احتجاجات طلابية قد بدأت في قرى وبلدات سودانية نتيجة ارتفاع أسعار الخبز، ما لبثت أن تحولت سريعاً إلى انتفاضة شعبية، ثم ثورة عارمة قادت إلى خلع البشير من الحكم، وسوقه إلى السجن وإخضاعه للمحاكمة بتهم تتعلق بفساد مالي.

كان ذلك مشهداً شديد البلاغة؛ بينما يتحدث الطاغية عن مبدأ سيادة الدول، ينتفض سكان دولته من أجل حقوقهم وكرامتهم التي يتم دوسها بذريعة الحفاظ على السيادة والتصدي للمؤامرات والأعداء الخارجيين؛ وبينما يساهم مجرم حرب في تعويم مجرم حرب آخر سياسياً، تنطلق ثورة في بلاده وتنجح في الإطاحة به.

والحقّ أن البشير كان مصيباً في قوله إن الدول العربية تحتاج إلى مقاربات جديدة، لكنه لم يكن مصيباً في المقاربة التي اقترحها، ذلك أن «احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية» ليس مقاربة جديدة بحال من الأحوال، بل لعلّها تكون المقاربة الأساسية التي قدمتها وتقدمها الأنظمة العربية منذ عقود؛ استغلالُ مبدأ سيادة الدول لسحق الشعوب وتحطيم تطلعاتها إلى حياة أفضل. غير أن العام 2019 حمل معه مقاربات جديدة فعلاً، جاءت بها مظاهرات اجتاحت شوارع السودان والجزائر والعراق ولبنان، معلنةً عدم الرضوخ للابتزاز بشعارات السيادة، وعدم الاستسلام للتخويف المستمر بالنموذج السوري، الذي حوّلته هذه المظاهرات إلى بضاعة كاسدة لا يكاد يشتريها أحد، بعد أن كانت تلقى رواجاً كبيراً، حتى أن زيارة البشير إلى سوريا لم تكن إلّا واحدة من علامات هذا الرواج الذي لم يكن أبطاله يعلمون أنه في طريقه إلى التراجع.

كان التخويف بالمصير السوري قد بات جزءاً أساسياً من خطاب أغلب الأنظمة العربية والمتحدثين باسمها في الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، حتى أن رؤساء وقادة عرباً لم يتورعوا عن تهديد معارضيهم بالمصير السوري بشكل مباشر أو غير مباشر، على ما فعل السيسي في مصر أكثر من مرة، وعلى ما فعل الوزير الجزائري الأول السابق أحمد أويحيى في الأول من آذار 2019 بعد اندلاع الاحتجاجات في بلاده، عندما قال إن «الناس سعداء لأن المتظاهرين قابلوا الشرطة بالورود، ولكن فلنذكّر بعضنا أن الأمور بدأت في سوريا بالورود…». بعدها بعشرة أيام فقط، وعلى وقع استمرار المظاهرات في الجزائر، أُجبر أويحيى على الاستقالة، وحوكم بعدها بتهم فساد وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 15 عاماً في العاشر من شهر كانون الأول الجاري.

تراجعت فعالية هذا التهديد سريعاً في النصف الأول من العام 2019، غير أن التراجع الحاسم كان مع انطلاق الثورات في العراق ولبنان، البَلَدان اللذان تجمعهما بسوريا قواسم مشتركة، من بينها التصدعات الطائفية والإثنية، والنفوذ الإيراني الواسع فيهما، ما يجعل استحضار النموذج السوري إلى الأذهان أكثر يُسراً. لكن الجموع الهادرة في الساحات والشوارع راحت تخوض معركتها من أجل الحرية والعدالة، رغم التهديدات والحديث المتكرر عن الفتن والمؤامرات والحروب الأهلية على ألسنة رموز النظامين الحاكمَين في البلدين، ورغم أن التهديد الصريح بالنموذج السوري لا يزال يحضر بين حين وآخر، حتى أن السيسي لم يكتفِ بتهديد المصريين به، بل تطوّعَ لتهديد اللبنانيين به أيضاً مؤخراً، عندما حذّرَ من أن يلاقي لبنان «مصير سورية التي نزح الملايين من أراضيها».

لا تزال الدروب بالغة الوعورة في البلدان العربية الأربعة التي شهدت ثورات شعبية خلال العام 2019؛ النظام الجزائري يناور بعد أن خلع بعضاً من رؤوسه ووجوهه لامتصاص الثورة، التي أنجزت غسل بلادها من عار ولاية رئاسية خامسة لبوتفليقة وأنتجت واقعاً جديداً لن يكون سهلاً على أركان النظام تجاوزه؛ والمجلس العسكري السوداني يناور أيضاً بعد أن أجبرته الثورة على تقاسم السلطة مع قوى المعارضة الديمقراطية والسير في مرحلة انتقال ديمقراطي بالغة التعقيد، وبعد أن انتزعت الثورة اعترافاً بها وبشهدائها ودورها التأسيسي في مستقبل البلاد؛ والنظام العراقي يعاني في وجه مظاهرات بالغة البسالة أجبرت رئيس وزرائه على الاستقالة؛ والنظام اللبناني يحاول بكل ما أوتي من قوة استعادة تماسكه بعد أن أنتجت الثورة واقعاً جديداً يقول إن حكم أمراء الحرب الأهلية ليس قَدَراً لبنانياً لا فكاك منه.

لقد هُزمت الثورة السورية في مواجهتها مع نظام الأسد وحلفائه، في طورها السلمي ثم في طورها المسلّح، ويؤول الجهد الروسي التركي الإيراني المشترك اليوم إلى تصفيتها سياسياً عبر مسارات أستانا وسوتشي. وهي آلت إلى تدمير البلاد وتشريد الملايين من أهلها، وانتهى قسم واسع من مقاتليها، ومقاتلي الفصائل الجهادية التي نشأت في سياقها، إلى أن يكونوا مقاتلين مأجورين لصالح تركيا في حروبها، أو مجرمين يرتبكون كل أشكال الانتهاكات، وبعضهم هدفٌ لحرب دولية على الإرهاب دمرت كثيراً من عمران المدن السورية وقتلت وشردت كثيرين من أهلها. وبعد هذا لا يزال النظام السوري مطبقاً على خناق البلاد بدعم من روسيا وإيران، بعد أن فقد السيادة على الأراضي التي يسيطر عليها وفقد الولاية على نفسه، وبعد أن تسبب سلوكه ثم سلوك جهات أخرى، بعضها مناوئ له، في إحداث ندوب غائرة يبدو تجاوزها صعباً في نفوس وذاكرة أبناء البلاد.

هذا مصيرٌ مخيفٌ فعلاً، وإليه يستند جميع أولئك الذين يخوّفون شعوبهم من مصير مشابه. لقد نجح النظام في تحويل سوريا إلى فزّاعة مخيفة، وبدل أن تكون علامة على ثورة شجاعة ضد نظام فاسد وهمجي، جعل منها علامة على الموت والدمار والوحشية والتهجير واللجوء. لكن الحكاية السورية لا تكتمل على هذا النحو فقط، بل إن فيها فصولاً أخرى، من أبرزها أن الحال الذي آل إليه نظام الأسد ليس انتصاراً مهما ادّعى أنصاره ذلك، وأنه بقدر ما تسعى الشعوب ويسعى خصوم الأنظمة الحاكمة من أبنائها إلى تجنّب المصير السوري، فإن الأنظمة تسعى هي الأخرى إلى تجنّب مصير النظام السوري، الذي بات رهيناً في يد غيره. ومن فصول الحكاية أيضاً، أن شجاعة السوريين الهائلة في مواجهة نظام الأسد، كان ينقصها توافقٌ صلبٌ على أساليب المواجهة، وعلى مبادئ تأسيسية لا ينبغي إفساح المجال أمام المَحيد عنها.

للوهلة الأولى، تبدو سوريا مصنعاً للخوف والإحباط وانقطاع الرجاء فقط، لكن التدقيق في تفاصيل المشهد كله يقود إلى القول إنها أيضاً مصنعٌ للكفاح الشجاع والتضحيات العظيمة والدروس التي لا تنضب. وبينما كان يشيع القول إن انقطاع الرجاء قَدَرٌ في البلاد العربية، جاء العام 2019 ليقول لنا إن الأمر ليس كذلك؛ رأينا هذا بوضوح في كل شارع يشهد مظاهرات مناوئة للأنظمة الفاسدة التسلطية، ولا شك أننا سنراه في شوارع المدن السورية وساحاتها في سنوات قادمة لن يستطيع حرّاس الأبد أن يمنعوا مجيئها.

موقع الجمهورية

——————

حصيلة عام 2019 في سوريا وجوارها/ بكر صدقي

لم ينته العام الدموي هذا في سوريا إلا مع حملة عسكرية جديدة على محافظة إدلب، من قبل الطيران الأسدي – الروسي، أوقعت مئات الضحايا المدنيين، وخلفت المزيد من دمار العمران والمرافق الحيوية، وأدت إلى موجة نزوح جديدة لمئات آلاف الفارين من جحيم الحرب، في برد الشتاء.

وكأن هذا لا يكفي، استدعت السعودية بضع عشرات من السوريين إلى اجتماع في الرياض لاستبدال 8 مستقلين في هيئة التفاوض، لكسر هيمنة المحور التركي – القطري عليها، فيما يستعد مقاتلو لواء السلطان مراد وفيلق الشام للسفر إلى ليبيا، بقرار تركي، للمشاركة في القتال هناك لمصلحة حكومة السراج ضد قوات الجنرال حفتر.

يبدو هذا المشهد سوريالياً حقاً، إذا نظرنا إليه من منظور بواكير الثورة السورية التي كانت واعدة بإسقاط نظام الأسد ليقرر السوريون مصيرهم بحرية، بعد نصف قرن من العبودية. فهل من عبودية أشد من هذا الاستتباع المخزي، سياسياً وعسكرياً، لدول إقليمية بأجندات متضاربة لكنها متفقة على شيء واحد هو القبول ببقاء النظام الكيماوي؟

لا يعني استهجاننا لاجتماع “الرياض 3” دفاعاً عن هيئة التفاوض التي أعلن بعض أركانها رفضهم للاجتماع المذكور. فالهيئة المستتبعة، كما الاختراق السعودي لها، يمثلان وجهين للتفسخ نفسه الذي ضرب عرض الحائط بثورة السوريين ودماء شهدائها، واندرج تحت الظل الثقيل للاحتلال الروسي باسم سراب تسوية سياسية لن تأتي.

أما المرتزقة فيما يسمى بـ”الجيش الوطني” الذين تستعد أنقرة لإرسالهم للقتال في ليبيا، فقد سبق وباعوا أنفسهم للشيطان حين تخلوا عن قتال قوات الأسد وارتضوا بتلقي أوامرهم من الضباط الأتراك فشاركوا في معارك لا علاقة لها بالثورة على نظام الأسد، بل في خدمة المصلحة الوطنية التركية. تتألم عظام أبي فرات وعبد القادر الصالح وأمثالهم من الثوار في قبورهم أمام هذا الانحطاط الذي بلغه ما كان يسمى يوماً “الجيش السوري الحر”.

هذه التطورات المشؤومة ليست، لحسن الحظ، قدراً لا مفر منه لشعب أراد الحياة فتكالبت عليه كل قوى الشر بهدف تدمير بذرة التمرد وروح الحرية ودفنهما إلى الأبد. فمقابل هذا المسار المنحدر، شهد العام 2019 بداية موجة ثانية لثورات الشعوب، استوعبت هزيمة الموجة الأولى وتعلمت من دروسها، وشكلت رداً قوياً على الثورة المضادة. فقد حققت ثورتا الجزائر والسودان، إلى الآن، إنجازات مهمة، كإسقاط البشير ومحاكمته وإلغاء ترشيح جثة بوتفليقة لمنصب الرئاسة للمرة الخامسة، وإن كان أمام الثورتين الكثير من التحديات بعد. ثم جاءت ثورتا لبنان والعراق المجاورين لسوريا الجريحة من شرق ومن غرب، لتعيدا الاعتبار إلى الثورة السورية المهزومة وتمنحاها الأمل من جديد، على رغم كل الانحطاط السياسي والعسكري المذكور فوق. ولم يقتصر الأمر على البلدان العربية الأربعة، بل شملت الموجة الجديدة الجارة إيران أيضاً التي أوغل نظامها الثيوقراطي في دماء السوريين والعراقيين وهيمن تابعه اللبناني، حزب الله، على سلطة طبقة اللصوص في لبنان. ثورتا لبنان والعراق، بهذا المعنى، لا تقتصران على أفق تغيير سياسي عميق يطال نظام المحاصصة الطائفية وطبقة اللصوص الحاكمة في البلدين، بل تستهدفان أيضاً تقويض النزوع الامبراطوري لنظام الملالي في إيران الذي بلغ ذروة صعوده ودخل طور الانحدار، بدلالة ثورة الشعب الإيراني نفسه. هذه الثورة التي يضربها نظام الخامنئي بيد من حديد، لكنها تعود إلى الاندلاع من جديد بعد كل حملة قمع دموية، بإصرار لا بد أن يؤتي ثماره ولو بكثير من التضحيات.

هذا الوصف الموجز لأهم أحداث العام المنتهي، يعطينا أيضاً إشارات إلى منحى التطورات المتوقعة في العام القادم. سيكون اللبنانيون والعراقيون والإيرانيون في واجهة التحولات الكبرى في الإقليم، تحولات عنوانها العريض هو تقويض الحلم الإمبراطوري للنظام الإيراني، وربما سقوطه هو نفسه بنتيجة انتفاضات الشعوب الثلاثة. من شأن ذلك إخراج الإيرانيين من معادلات الصراع في سوريا أيضاً، بما يجعل روسيا بوتين تنفرد في الهيمنة على “سورية النظام”، من غير أن يمنحها ذلك القدرة المطلقة على تقرير مصير سوريا.

لا أحد يمكنه التكهن بشأن مآلات الثورات المذكورة، لكن ما رأيناه منها، إلى اليوم، يدعو للتفاؤل.

لا تكتمل اللوحة بدون الحديث عن الكرد الذين شهدت مناطقهم تطورات كبيرة في العام 2019. فقد تمكنت أنقرة من إقناع الأميركيين والروس بهواجسها الأمنية، فغزت قواتها مع الفصائل السورية التابعة لها منطقة ثالثة، بعد “درع الفرات” وعفرين، هي المنطقة الفاصلة بين تل أبيض ورأس العين بعمق 30 كلم، فيما أطلقت عليه اسم “عملية نبع السلام”. وهو ما أدى إلى تقويض “الإدارة الذاتية” للفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، بعدما انسحبت القوات الأميركية من المناطق المحاذية للحدود التركية.

وقد أعلن الرئيس التركي أن الهدف من العملية العسكرية الجديدة هو توطين نحو مليون من اللاجئين السوريين الموجودين على الأراضي التركية، إضافة إلى الهدف الرئيسي المتمثل بطرد “وحدات حماية الشعب” من المنطقة الحدودية.

وقد شهد صيف العام 2019 تضييقاً على اللاجئين السوريين في تركيا، وخصوصاً في مدينة إسطنبول، بعد سنوات من سياسة إيجابية من الحكومة تجاههم، تمهيداً لتبرير التوغل التركي الجديد.

تلفزيون سوريا

———————————-

مراجعات الثورة السورية/ حسام جزماتي

بالتوازي مع الخسارات المتتالية التي عرفتها القوى المعارضة المسلحة خلال السنوات الثلاث الماضية في مساحات واسعة من الأرض السورية، وبعد استعصاء الانتقال السياسي وضبابية أفقه؛ أخذ مزاج المراجعات وعقليتها بالتصاعد في أوساط الفاعلين الثوريين الذين قذفت بهم العاصفة الحربية النابذة إلى الشمال، مقتلَعين من مناطقهم، أو إلى قوس إقليمي أوسع وخاصة في تركيا، وأخيراً إلى المَهاجر الأوروبية حيث يعانون درجات أعلى من الهامشية وضعف التأثير.

ينضوي تحت هذا الوصف قادة عسكريون مهزومون، وناشطون مدنيون قدموا لهم الغطاء عبر مكاتب سياسية للفصيل أو العمل في كنفه وبالتنسيق العضوي معه، كما يشمل كفاءات عملت في المجالس المحلية الناشئة أو في منظمات إغاثية وصحية وتربوية وإخبارية، وإعلاميين مستقلين ومنظّمي مظاهرات وأعضاء مجالس أحياء وتجمعات مختلفة المهام يصعب حصرها. وعلى اختلاف كل هؤلاء إلا أن ما كان يجمع بينهم هو الانخراط الشديد في دوامة الثورة إلى الحد الذي لم يترك لهم، في السابق، وقتاً كافياً للتفكير والتأمل، لا سيما مع ظروف القصف والحصار والاستجابة الطارئة التي عاشوا في ظلها.

يعاني معظم هؤلاء، الآن، من وطأة الانتقال من الانشغال المفرط إلى شبه فراغ، فضلاً عما يغالبونه من آثار الانكسار والتهجير. فيقع العديدون فريسة الاكتئاب، ويتساءل البعض بعمق عن عدالة العالم، ويفرّغ الكثيرون غضبهم بتشغيل مقصلة ميدانية في وسائل التواصل الاجتماعي، فيما يعمد آخرون إلى مراجعة التجربة بهدف الإجابة عن أسئلة من نوع: أين أخطأنا؟ ولماذا وصلت الأمور إلى هذه النتائج؟

من جهة المبدأ لا يمكن لأحد أن ينتقد المراجعات أو أن يقلل من أهميتها وجدواها، ولا سيما في حالة بعض القادة العسكريين الذين أسكرتهم السلطة الطارئة التي حازوها، كما في حالة بعض أذرعهم المدنية التي بررت لهم الطغيان على الأهالي. غير أن ما تمكن ملاحظته هو انزياح المراجعات عن مهمتها الحميدة، وهي وظيفة عقلية باردة بالأصل، إلى أن تصبح باباً لأنواع من جلد الذات الفردية أو الجماعية وتسويغ الإحباط.

من المؤشرات على هذا التحول المخادع هو أن المراجعات المزعومة لم تصل إلى نتائج رغم استغراقها وقتاً طويلاً معظم الأحيان، وأنها تعبّر عن نفسها بلغة ساخرة سوداء قانطة، فضلاً عن أن أخطاء الثوار ليست بذلك الخفاء، وهي معروفة منذ كان المراجعون «على سروج خيلهم»، ويمكن تحديد أبرزها بسهولة خلال دقائق، وهي إعجاب كل ذي رأي برأيه، وكل أهل فصيل بتوجههم، والعجز عن العمل الجبهوي إن لم نقل عن الاندماج، بل الانزلاق إلى الصدام المسلّح الذي هو خط أحمر صارخ. فإن أضفنا إلى ذلك إمساك المسلحين بالسلطات وتهميش الناشطين المحليين، وإرهاق السكان بمفاعيل الفوضى والارتجال والتنمّر، وضعف الاستجابة والانسجام مع الكيانات المعارضة الكبرى بل السعي إلى إفشالها؛ أمكننا أن نرسم أبرز معالم الأخطاء. دون حاجة إلى إدمان الغوص في الذات وتقليب الذكريات وإطلاق صفة التأمل على أعراض التسمم الذاتي هذه.

أمر آخر يدل على خطل «المراجعات» هو إغفالها التام لأثر موازين القوى التي شهدت اختلالاً واضحاً لمصلحة النظام مع زيادة انخراط إيران وأذرعها الشرسة ثم التدخل الروسي. لا شك أن طرف الثورة كان سيصبح أمتن وأقوى وأشد تمثيلاً إن خلا من الأخطاء الأساسية المشار إليها، وسواها بالطبع، لكن، على كل حال، من الصعب تصور انتصار أو صمود مقاتلين أهليين طوعيين غير محترفين في وجه ترسانة متكاملة من الأسلحة الثقيلة، بما فيها الطائرات.

يُغفل المراجعون هذا ويتركونه ليكون متن خطاب نوع آخر من القادة الذين ما زالوا يتصدرون المشهد بشكل أو بآخر. ففي مقابل المونولوج الحزين الطويل للمراجعات لا يشعر الفاعلون الحاليون بالحاجة إلى نقد الذات بأي طريقة. ربما انتقدوا أطرافاً أخرى منافِسة في صف الثورة، أو ركّزوا على خلل ميزان القوى من الناحيتين العسكرية والسياسية. أما هم فقد فعلوا الصحيح، ولا يساورهم الشعور بالذنب عن أدوارهم… حتى الآن.

تحت هذا التصنيف يمكن إدراج أبو عمشة، قائد لواء السلطان سليمان شاه، وأبو محمد الجولاني، أمير هيئة تحرير الشام، ونصر الحريري، رئيس الهيئة العليا للمفاوضات، على ما بينهم من اختلافات كبيرة وتباين.

المراجعة فعل صحي محدود. فإن خرج عن وظيفته صار غولاً ينهش صاحبه من الداخل أو يمد رأسه خارجاً لافتراس الشركاء. وكثيراً ما كانت المراجعات مدخلاً زلقاً للتراجعات، كما قال الكثير من الذين حذروا منها في تجارب تاريخية عديدة ومجالات مختلفة. ولذلك يجب تعاطيها بانتباه، وتفتيش عباءتها الواسعة بحثاً عن مشاعر متسللة من قبيل الندم المُشل والانكفاء والبحث عن الخلاص الفردي.

تلفزيون سوريا

——————————

سورية 2019.. مأزق الفاعلين الإقليميين والدوليين/ حسين عبد العزيز

بلغة الحسابات، كانت سنة 2019 كغيرها من سنوات الأزمة السورية، مليئة بالتطورات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وحصد فيها الفاعلون الإقليميون والدوليون أرباحاً بقدر ما تعرضوا لخسائر. وحدثت تطورات ما تزال مفاعيلها مستمرة، ولا يبدو أن آثارها ستنتهي في المدى القريب. وتبدو تركيا الدولة الأكثر استفادة خلال العام الماضي، إذ نجحت، بعد مخاض عسير، من إطلاق عملية عسكرية سيطرت من خلالها على أراضٍ ليست أهميتها في مساحتها فحسب، بل في أنها تشكل إسفيناً يقطع التواصل الجغرافي بين المناطق التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية (قسد) في الشرق والغرب، فقد نجحت العملية التركية في توجيه ضربة قاصمة إلى مشروع “الإدارة الذاتية” الكردية، وفتحت الباب واسعاً لتحويل الكيان العسكري الكردي القوي إلى فريسةٍ تنتشه الأطراف الأخرى، وبهذا انتقلت “الوحدات الكردية” من مرحلةٍ تميزت بفائض من القوة إلى مرحلة أخرى تتصف بفائضٍ من الضعف، غير أن هذا الانتصار العسكري رفع من سقف التحدّيات التي تواجهها تركيا في سورية، فالمسألة ليست مجرّد السيطرة على أراضٍ محدّدة، وإنما البقاء فيها إلى أجل ما، بما يسمح لأنقرة من استثمار النجاح العسكري على المستوى السياسي.

وبعبارة أخرى، كي تستمر تركيا في المحافظة على الإسفين الجغرافي، عليها أن تشرعن وجودهها في سورية، بما يتجاوز المسألة العسكرية، ويتطلب هذا الأمر تحويل منطقة “نبع السلام” إلى موطن للاجئين، وهي عملية لا تبدو سهلة. ولا تقف التحديات عند هذا الحد، حيث ترغب روسيا في حصر الهيمنة التركية على الحدود مع سورية فقط، وهذا ما فسّر سرعة التحرك الروسي في الحسكة والرقة وريف حلب الشمالي الشرقي، وفسّر العملية العسكرية في إدلب. ومع أن اجتماع “أستانة 6” أقر بسيطرة النظام على الطريقين الدوليين في محافظة إدلب، إلا أن تسريع العملية العسكرية لا يمكن فصله عن التطوّرات التي حصلت في شرق الفرات. وفقاً لذلك، ستكون الحصة التركية في سورية محصورةً في المنطقة الحدودية فقط، وقد لا يبدو مستبعداً أن تصل المعارك في المحافظة، في مرحلة ما، إلى مدينتي سراقب وإدلب، وحصر الحضور التركي في الريف الشمالي للمحافظة، وهذا مأزقٌ جديدٌ لتركيا في هذه المنطقة. ولا تعني الخسارة التركية في إدلب استجابة لعملية التطويع الروسية، بقدر ما تعني قدرة اللاعب التركي على ترتيب أولوياته، وتحقيق أهدافه في بيئةٍ استراتيجيةٍ ليست آمنة ومتغيرة.

وتبدو روسيا المايسترو الأكثر فعاليةً في الساحة السورية، بما حققته من إنجازاتٍ على الأرض عام 2019، قال عنها قائد مجموعة القوات الروسية في سورية، الفريق ألكسندر تشايكو، “إن الإنجاز الأهم لقواتها العاملة خلال العام 2019 يتمثل في مساعدة الجيش السوري على بسط سيطرته على مناطق في شرق الفرات شمال البلاد”. ولكن صناع القرار في الكرملين يدركون جيداً أن إنجازاتهم العسكرية قد تتآكل في أية لحظة، طالما أنهم غير قادرين على فرض رؤيتهم الاستراتيجية في سورية. ويكمن مأزق موسكو في أنها لا تستطيع تجاوز الأسد، فلا بديل لديها يمكن، من خلاله، تهديد الأخير ومنظومة حكمه، وهي تعي أن بنية النظام السوري لا تسمح باستبدال الأسد، وأي محاولة لذلك ستفشل، وقد تؤدي إلى انهيار النظام الحاكم بالكامل، ومن هنا فإن لضغوطها حدوداً معينة. وفي المقابل، لا تستطيع روسيا تجاوز الوجود الأميركي الذي يعرقل كل الاستراتيجية الروسية، بأبعادها العسكرية والسياسية والاقتصادية.

أمام هذا المأزق، تجد روسيا نفسها مضطرّة إلى فتح معارك عسكرية جانبية من جهة، وممارسة ضغوط بسيطة على النظام للمضي في العملية السياسية من جهة ثانية. ويسمح هذا السلوك بتمرير الوقت، لكنه لا يسمح باجتراح حلول للواقع القائم، ولا يمنحها الفعالية المطلوبة للالتقاء مع الأميركيين على حل في سورية. وعليه، فإن الليونة السياسية التي تحاول روسيا إظهارها لا تفي بالغرض، ولا تسمح للمجتمع الدولي الانخراط في عملية إعادة الإعمار، وتخفيف العقوبات الاقتصادية وإعادة اللاجئين.

وباختصار، فيما يبدو أن روسيا تتحكّم بالمجال الاستراتيجي التداولي في سورية، فإن الحقيقة أنها تنجرّ إلى استراتيجية النظام التي تركز على العمليات العسكرية، وتستبعد العمليات السياسية. وعمليات روسيا العسكرية وتثبيت حضورها الاقتصادي ليسا سوى محاولة للتعويض عن فشلها الاستراتيجي.

إيرانياً، كان 2019 العام الأكثر صعوبة لإيران في سورية، وقد انعكس ذلك بشكل مباشر في

“لا تعني الخسارة التركية في إدلب استجابة لعملية التطويع الروسية، بقدر ما تعني قدرة اللاعب التركي على ترتيب أولوياته”

سلوكها وخطابها السياسي المنكفئ إلى حد كبير. ومع أنها تدرك أن دمشق ما تزال بحاجة إليها، ولا تستطيع الاستغناء عنها، ليس عسكرياً فحسب، بل اقتصادياً أيضاً، إلا أن أصحاب العمائم في طهران يعلمون جيداً أن نفوذهم الاستراتيجي تراجع في الساحة السورية. إذ تسعى إيران إلى الحفاظ على نفوذها في سورية، بعدما تمكّنت روسيا من السيطرة على الاقتصاد السوري وموارده الأساسية (النفط، الغاز) التي بيعت حقوق تطويرها لشركات روسية، فضلاً عن ميناء طرطوس الذي أصبح تحت العباءة الروسية. وقد تحوّلت إيران إلى عبء على روسيا والنظام، لا بسبب وجودها في سورية، وإنما بسبب استراتيجيتها فيها، وهذا ما يفسّر حالة الانكفاء على الصعيد الاستراتيجي. وبسبب الضغوط الروسية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية، قرّرت إيران في عام 2019 تغيير سلوكها، فابتعدت، قدر الإمكان، عن العملية السياسية، بقدر ما ابتعدت العمليات العسكرية في الشمال السوري، بيد أن هذا الابتعاد صاحبته خطواتٌ مهمة على الأرض، من أجل تعزيز نفوذها على المدى البعيد: اختراقات عشائرية في دير الزور وحلب، مصحوبة بدعم عملية التشييع وتوسيعها، الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسط غير الملفتة للانتباه، ناهيك عن تمتين أواصر علاقتها في المؤسستين العسكرية والأمنية، وهكذا أصبح التغلغل الاجتماعي ـ الاقتصادي سلوكاً مركزياً في سياسة إيران السورية.

ويمكن الاستنتاج من التطورات السابقة أن الحضور العسكري الإيراني على مستوى العديد البشري سيتضاءل في المرحلة المقبلة، فإيران مضطرّة للاستمرار، على الرغم من ضائقتها الاقتصادية، في تقديم الدعم المالي لدمشق للإبقاء على حضورها الفاعل، ولما كانت بنيتها الاقتصادية لا تسمح بذلك، فإنها مضطرّة إلى تقليص العديد البشري الشيعي من العراق وباكستان وربما من لبنان. ومع مرور الوقت، سيتراجع الدور الإيراني على المستويين، العسكري والسياسي، ليبقى محصوراً في البعد الاقتصادي، وهو بعدٌ ذو أهمية كبيرة، لأنه يسمح للنظام بالبقاء، ويسمح لإيران بإبقاء حضورها الفاعل.

لم تعد الساحة السورية ساحة قتال إيرانية بالمعنى الاستراتيجي، إلا فيما يخص بعض التفاصيل السورية، وليس انتقال التوتر الإيراني ـ الأميركي إلى الساحة العراقية إلا دليلاً على ضعفها في الساحة السورية. ومع ذلك، تبقى الورقة الإيرانية بالنسبة للنظام ورقة ما فوق استراتيجية، وهي، وإن تراجعت الآن، قد تبدو أكثر أهميةً في اللحظة التي تصل فيها الضغوط الدولية على النظام السوري إلى مستوى عال، بمعنى أن إيران هي الطرف الأكثر قدرةً على التخريب، وعلى مساعدة النظام في عدم تقديم أية تنازلات سياسية. وبالتالي سيكون عام 2020 بالنسبة لإيران في سورية عام الهدوء النسبي، بانتظار حدوث تغيراتٍ مفاجئةٍ تعيد خلط الأوراق.

وبشأن الولايات المتحدة، بلغة الحسابات أيضاً، تبدو الأكثر استفادة ونجاحاً، فمقارنةً بوجودها العسكري القليل، لديها القدرة الأكثر تأثيراً في الساحة السورية على المستويات كافة (العسكرية، السياسية، الاقتصادية). إنها سمة الدولة العظمى القادرة على إحداث التغيير بإمكانات قليلة، وفرض أجندتها وتغيير مخطّطاتها. لقد قامت الإدارة الأميركية بانسحابها من محافظة الرّقة وريف حلب الشمالي الشرقي، وتمرير قانون قيصر، بتوجيه ضربة قوية لموسكو وطهران ودمشق، وإن بدا الأمر غير ذلك في الظاهر.

العربي الجديد

——————————–

مجرد أمنية على بوابة السنة الجديدة/ بسام يوسف

لم يكن الأسبوع الأخير من السنة المنصرمة أسبوعاً عادي النكبات في حياة السوريين، هذه الحياة التي تتواصل نكباتها منذ زمن طويل. لقد أبت السنة الماضية أن تغادرنا بعادية السنوات الأخرى؛ فأضفت على مشهد رحيلها تفاصيل نوعية في دلالتها ومغزاها.

بالتأكيد، لقد كان للهمجية المنفلتة التي مارسها الطيران الروسي وطيران النظام فوق قرى وبلدات مدن إدلب وريفها حضوراً طاغياً في المشهد الأخير للسنة الراحلة؛ فإدلب التي باتت تختصر سفر التهجير السوري، قد أيقظت لدى السوريين كل قهر قصص التهجير السابقة، إضافة إلى انكشاف الخدع والأكاذيب التي ظن السوريون أنها قد تشكل بعض الضمانة لهم، وهم في مفازة تهجيرهم الأخيرة.

لكنّ حدثين قد ترافقا مع كل هذا الدمار، ومع كل هذا اليأس، حدثان لا يقلان دماراً، ولا يأساً، ولا إحباطاً: تمثل أولهما في الدعوة التي وجهتها السعودية لما سمي اجتماع ممثلي المستقلين، الذي جرى في الرياض يومي 27و28 ديسمبر/كانون الأول…، أما الثاني فقد تمثل

في الأنباء التي تتواتر عن وصول مقاتلين سوريين مرتزقة إلى ليبيا للمشاركة في المعارك الدائرة هناك.

هكذا، فجأة ومن دون مقدمات معلنة قررت الخارجية السعودية عقد اجتماع موسع لمستقلين سوريين، فقامت بعد اتصالات سريعة، تولتها عدة شخصيات من المعارضة السورية المعروفة لجهات سعودية، بتوجيه دعوات إلى سبعين شخصية من المعارضة السورية للاجتماع في يومي 27 و28 من الشهر الماضي، وقد حضر منهم 68 شخصاً، وقد تم خلال الاجتماع انتخاب ثمانية أعضاء نصفهم من النساء، كانت حصة المرأة قد حددت ب 50%  مسبقاً، ولقد تقرر أن أولاء سيمثلون المستقلين في هيئة التفاوض، كما تم انتخاب ما اتفق على تسميته بالأمانة العامة للمستقلين التي تتألف من 13 عضواً، واعتُبر جميع المشاركين هم قوام الهيئة العامة.

ولقد تسبب هذا الاجتماع باستنفار الائتلاف الوطني، والتيار التركي داخل هيئات المعارضة السورية، فقام السيد نصر الحريري -الذي هو رئيس هيئة التفاوض كما هو معلوم- بعقد مؤتمر صحفي وصف فيه الاجتماع المذكور بأنه: “اجتماع فاقد للشرعية”، واتهم الاجتماع بأنه يفتقد إلى “وجود سند قانوني لهذا الاجتماع”، وتوسل من خلاله السعودية؛ لكي تلغي خطوتها الخطيرة هذه – حسب رأيه بها- التي قد تشق المعارضة السورية، والتي قد تضع اللجنة الدستورية وهيئة التفاوض في وضع بالغ السوء… ولم ينس السيد الحريري، أن يلطم إلى حد الابتذال على مقام إدلب التي تباد، وأن ينوح على هذا الاجتماع الذي سينتج عنه ما سيعيق تفرغ السيد الحريري ومن معه عن حشودهم وعن مهامهم في الدفاع عن إدلب!!!.

هذا المؤتمر الصحفي الحريري الرافض لاجتماع الرياض، الذي كان دافعه الرئيس، هو: الخوف على تابعية مؤسسات المعارضة المهزلة لتركيا، وخوف الإخوان المسلمين من إضعاف سيطرتهم على مؤسسات المعارضة، قد قابله في المقلب الآخر خطاب متملق ومستجدٍ، ويعلن خضوعه لتابعية جديدة تتولد في الرياض، عبرت عنها “يسرى الشيخ” التي انتخبت في اجتماع المستقلين في حديث وجهته لقيادة المملكة العربية السعودية، وكأن الشكر لا يكون، ولا يستقيم، ولا يصل إلا عبر التذلل للآخر والانبطاح أمامه!

الحدث الآخر الذي لا يقل أهمية، هو: خبر التدخل العسكري التركي في ليبيا وإرسالها لجنود سوريين تابعين لها إلى ليبيا. هذا الخبر الذي كان صادماً للسوريين؛ إذ عدا عن رفض فكرة إقحام السوريين في لعبة الارتزاق عبر حروب الآخرين، وعدا عن استحالة تبرير هذا الإقحام مهما يكن الظرف الذي يحكمه، فإن ما يزيد من صدمة هذا الخبر، هو أنه ترافق مع الوقت الذي يتعرض فيه ملايين السوريين لحرب إبادة من قبل قوات النظام السوري المدعومة من روسيا، الأمر الذي يفترض أن هؤلاء الذين تقوم تركيا بإرسالهم إلى ليبيا، كان يجب أن يكونوا في مواقع الدفاع عن أهلهم السوريين.

هذا على الرغم من أن مصادر عدة قد نفت هذا الخبر، الحال الذي نفته أخبار أخرى قد وردت عن موافقة البرلمان التركي على المشاركة في الحرب الليبية، وعن وصول دفعات من هذه القوات إلى ليبيا بالفعل، وعلى الرغم من أن بعضهم قد ذهب إلى أن من ذهب من السوريين إلى ليبيا هم عناصر من “التركمان” السوريين فقط، فإن هذا لن يغير من حقيقة الأمر شيئاً، إلا عند من يتمطقون بالمنطق الأعوج، وكأن التركمان السوريين أتراكٌ أولاً ثم سوريون ثانياً!!

باختصار شديد، وبعيداً عن هذه التفاصيل كلها، وبعيداً عن القراءات السياسية المتعددة لهذه الأحداث الثلاثة (إبادة إدلب، واجتماع الرياض، وذهاب سوريين إلى ليبيا للقتال تحت العلم التركي)، فإن الرسالة الواضحة جداً التي أرادت السنة المنصرمة قولها لنا نحن السوريين بمنتهى الوضوح:

لا أحد يهتم بكم وبموتكم، يا أيها السوريون، وليس لكم ولا لموتكم أي أهمية، وما تبقى منكم خارج دائرة الموت ما هم غير أدوات لآخرين.

إنها الرسالة التي تضع السوريين أمام الاستحقاق الأهم، في سنتهم الجديدة، على ضوء

كل هذه المتغيرات التي تتوالى بتواتر تصعب متابعته، هذا الاستحقاق الذي من دونه لن يكون هناك أي معنى لأي فعل سوري… هذا الاستحقاق الذي لا يمكن تصنيفه من منظور موالاة أو معارضة، بل لا يمكن تصنيفه إلا من منظور الوطن ومعناه ومصيره.

إن الاستحقاق الأهم، استحقاق السوريين الوحيد في القادم من أيام عامهم الجديد، هو في أن يبحثوا عما يمكنهم من استرجاع إرادتهم وقرارهم فيما يخص مصيرهم، عما يمكنهم من استرجاع ما يعيد الاعتبار لهم كشعب وكوطن وكمصير…

وهو الاستحقاق الذي يعني أن يكونوا سوريين أولاً، ليسوا موالاة ولا معارضة، وليسوا طوائف ولا عشائر ولا عوائل ولا قوميات… هو الاستحقاق الذي يعني: أن يكونوا سوريين قبل فوات الأوان… وقبل فوات الوطن.

 هل يمكن لهذه السنة الجديدة أن تكون صرخة السوريين المدوية في وجه أنفسهم أولاً، وفي وجه كل الذين يستبيحون دمهم ووطنهم ومستقبلهم ثانياً:

يكفي! إننا نريد أن نركل الموت، وأن نوقفه، وأن نبني وطناً يتسع لنا جميعاً.

إنها مجرد أمنية على بوابة السنة الجديدة.

تلفزيون سوريا

————————————-

سورية 2019.. تصعيد عسكري وأفق غائب ولجنة دستورية مشلولة/ عمر كوش

مضى العام 2019 ثقيلاً على صدور السوريين، مع غياب أي أفق لحل سياسي، وتصعيد الهجمات العسكرية على ما تبقى من مناطق سيطرة المعارصة في محافظة إدلب وجوارها، واستمرار الكارثة الإنسانية التي سبّبتها حرب النظام الأسدي الشاملة والمستمرة على الثورة السورية، منذ انطلاقتها في منتصف مارس/ آذار 2011، واستقدم النظام، خلالها، مليشيات النظام الإيراني الطائفية، المتعدّدة القوميات، للدفاع عنه، ثم جاء تدخل النظام الروسي المباشر إلى جانبه، ليحدث تحولاً كبيراً في ميزان القوى، وكي يعلن اكتمال الصراع في سورية وعليها، بوصفه صراع نفوذ إقليمي ودولي، حيث باتت خمس دول تخوض في القضية السورية: روسيا وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وتركيا.

وكان مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، غير بيدرسون، قد بدأ مهمته في السابع من يناير/ كانون الثاني 2019، بعد استقالة المبعوث السابق، ستيفان دي ميستورا، وفشله في مهمته، وهو الذي أمضى أكثر من أربع سنوات، من دون أن يحرز أي تقدم باتجاه الحل السياسي. ونشر بيدرسون رسالة على “تويتر”، أكد فيها عزمه على القيام “بمساع حميدة من أجل تحقيق الحل السلمي وتطبيق قرارمجلس الأمن 2254″، وأنه سوف يعمل “من أجل” خدمة الشعب السوري وتطلعاته من أجل السلام”. وكان متوقعاً أن مهمة بيدرسون ستصطدم بالعراقيل التي سيضعها النظام الأسدي وحلفاؤه في موسكو وطهران، وبما يقتضي منه الصمت على ألاعيب نظام الأسد وجرائمه، ومسايرة التدخل المليشياوي للنظام الإيراني، وغض الطرف عما يقوم به نظام بوتين من تدخل عسكري مباشر إلى جانب نظام الأسد. ولذلك كانت مقدمات فشل مهمة المبعوث الأممي تبدو جلية في الأفق، خصوصا بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أواخر 2018، سحب قوات بلاده من سورية، وهو الذي عبّر عن رغبته في الانسحاب من الملف السوري برمته.

وبعد مخاض طويل، دام حوالي عشرين شهراً، وشهد مماحكات وتجاذبات، وخلافات على أسماء قائمة المجتمع المدني، وعقد قمم ثلاثية وثنائية بين رعاة محور أستانة، ولدت اللجنة الدستورية نتيجة توافقات دولية وإقليمية على تسمية أعضائها، مع أنها كانت أحد أهم مخرجات “مؤتمر سوتشي للحوار السوري”، الذي عقد في 30 يناير/ كانون الثاني 2018 في منتجع سوتشي الروسي، ودعا إليه ورعاه ساسة الكرملين.

وفي أول اجتماع عقدته اللجنة الدستورية في جنيف في 30 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وصف بيدرسون مجرد انعقادها باللحظة التاريخية، واعتبرها “أهم قضايا المجتمع السوري، بشكل فعلي”، على الرغم من أن الأمر لم يكن يتعدّى سوى اجتماع بروتوكولي، حضره مع أعضاء اللجنة المائة وخمسين في قاعة واحدة.

ولم يحقق بيدرسون أي اختراق مع انعقاد اللجنة، حيث استمرت هجمات قوات النظام والروس على مناطق المعارضة في إدلب، كما لم يتمكّن من إطلاق سراح أي معتقل من سجون نظام الأسد، بوصفها خطوة تدخل ضمن “إجراءات بناء الثقة” التي طالب بها بيدرسون نفسه قبيل انعقاد اللجنة، ولم يتحقّق أي منها.

والمفارق أن اللجنة الدستورية التي حظيت بموافقة المجتمع الدولي، وكانت بمثابة تغطية لعجزه حيال القضية السورية، لم تستطع إكمال الجولة الثانية من اجتماعاتها، بسبب محاولة النظام حرفها عن مهمتها، وبالتالي، لم يجد بيدرسون أمام مجلس الأمن سوى الإعلان عن خيبة أمله من تعثّر عمل اللجنة، لكنه لم يُحمّل النظام مسؤولية إفشال أعمالها، وترك الباب مفتوحاً من دون أي مقترح لتفعيل عملها، مع أن الأمم المتحدة، ومعها هيئة الرياض 2 التفاوضية، كانتا تأملان في أن تفتح تلك اللجنة العتيدة المجال أمام حلّ سياسي في سورية.

وفي المسار الذي اجترحه ساسة النظام الروسي، مسار أستانة، انتهت الجولة الرابعة عشرة من اجتماعاته في 10 ديسمبر/ كانون الأول الجاري في العاصمة الكازاخية نور سلطان، من دون أي نتائج، وفي ظل لامبالاة دولية. وغابت أدارج الرياح المطالب بوقف إطلاق النار وإطلاق سراح المعتقلين، بل وأوقف الفيتو الروسي الصيني المزدوج في مجلس الأمن، في 20 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، مشروع قرار لتمديد عمليات إيصال المساعدات الإنسانية إلى المنكوبين السوريين في الشمال السوري.

وفيما تستمر هيئة الرياض 2 التفاوضية التي تمثل المعارضة السورية المعترف بها دولياً، في تلبية ما تمليه أجهزة الدول الخائضة في الدم السوري، يحاول أعضاؤها تسويق ذلك في عدم توفر بديل آخر للحل السياسي في سورية، من دون أن يدركوا أن كل ما قاموا به لم يوفر لهم أي بديل فعلي، وكانوا يساقون إليه من دون يحققوا شيئاً. وعلى الرغم من فقدان تشكيلات المعارضة دورها المؤثر في الأحداث، وارتهانها للقوى الإقليمية والدولية، من المستغرب أن تلك القوى لا تعمل إلا على تغيير هيكليات تشكيلات المعارضة السياسية وتركيباتها، من دون العمل على تقويتها وتفعيل أدوارها الغائبة عما يعتري القضية السورية، فضلاً عن التمزّق الذي يعتري تلك التشكيلات، بسبب الانقسامات الأيديولوجية والجهوية وسواها.

العملية العسكرية التركية

وفي التاسع من أكتوبر/ تشرين الثاني الماضي، شنّت قوات تركية، ووحدات من الفصائل السورية المدعومة تركياً، عملية “نبع السلام” العسكرية في شرقي الفرات، وتمكّنت من السيطرة على المنطقة الممتدة من تل أبيض إلى رأس العين، بطول 109 كيلومترات وبعمق يتراوح بين 30 و35 كيلومتراً. وانطلقت العملية بضوء أخضر أميركي، وتفهّم روسي، بناء على تفاهم بين الرئيس التركي أردوغان ونظيريه، الأميركي ترامب، والروسي بوتين، بشأن مدى العملية وحدودها وتفاصيلها. وجرى الإعلان عن أهدافها المتمثلة بإقامة منطقة أمنة لإعادة لاجئين سوريين إليها، لكن الهدف المضمر هو منع أي إمكانية لقيام كيان كردي في المنطقة.

وتزامنت العملية مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب ما تبقى من قوات بلاده الموجودة في سورية، إلى جانب تفهّم ساسة الكرملين الدواعي الأمنية التركية. وأحدث القرار الأميركي صدمة لدى قادة مليشيات الوحدات الكردية ومناصريها، وراحوا يتحدّثون عن طعنة أميركية في ظهرهم، مع أن ترامب سبق أن أعلن سحب القوات الأميركية في سورية، ولكنه تراجع عن قراره في أكثر من مناسبة، تحت ضغط بعض أركان الإدارة الأميركية ومؤسساتها. وقد تعالت الأصوات المنددة بقراره سحب الجنود الأميركيين من منطقة العملية العسكرية التركية، بوصفه الضوء الأخضر الأميركي لها، الأمر الذي جعله يتراجع عن قرار الانسحاب الكامل، والإبقاء على أكثر من مائتي عسكري قرب حقول النفط في مناطق دير الزور ورميلان والشدادي وسواها، لحمايتها وتحويل عائداتها لصالح الوحدات الكردية الحليفة.

وسارع الرئيسان، بوتين وأردوغان، إلى عقد لقاء، في 22 أكتوبر/ تشرين الثاني الماضي، انتهى إلى حصول الرئيس التركي على ضمانة من نظيره الروسي، تقضي بانسحاب مليشيات “قوات سوريا الديمقراطية” من الشريط الحدودي، الممتد من الضفة الشرقية لنهر الفرات وصولاً إلى الحدود العراقية، وبعمق 30 كيلومتراً، مقابل تعزيز النظام الروسي وجوده العسكري في هذه المنطقة، مع تضمين الاتفاق بنداً، يقضي بنشر دوريات مشتركة روسية تركية، وإشراك قوات من النظام الأسدي، فضلاً عن نشر قوات أخرى للروس والنظام في كل من منبج وعين العرب والطبقة والرّقة وسواها، الأمر الذي عنى أن الوجود العسكري الروسي أصبح هو الأهم والأقوى والأوسع انتشارا على كامل الأرض السورية.

هزيمة داعش ومقتل البغدادي

وتعرض تنظيم الدولة الأسلامية (داعش)، خلال العام 2019، إلى ضرباتٍ عسكريةٍ مؤثرة، حيث خسر في معركة الباغوز، في مارس/ آذار، ما تبقى من دولته، مع مقتل عدد من قياداته، واستسلام عدد كبير من مقاتليه الأجانب في صفقة مع مليشيات وحدات حماية الشعب (الكردية) التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) في سورية. أما الضربة الأقوى، فجاءت مع مقتل زعيمه، أبي بكر البغدادي، ومعه آخرون من قادة التنظيم، في ليلة 27 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي في إحدى قرى إدلب، غير أن الضربات المتعدّدة التي تلقاها “داعش”، خلال العام 2019، لا تشي بأنها وضعت نهاية للتنظيم وعناصره، إذ إن مثل هذه التنظيمات المتشدّدة لا يُقضى عليها عسكرياً فقط، بل يجب القضاء على مسبّباتها كاملة، وإن انتهت كمشروع دولة، فإنها لم تنته كأيديولوجيا وأفكار، وهذا ما يفسر استمرار وجود خلايا نائمة للتنظيم في مناطق من البادية وسواها، وفي العراق كذلك، إضافة إلى أن مثل هذه التنظيمات يمكنه تغيير خططه واستراتيجياته بسهولة، وحسب المعطيات على الأرض.

حرب الإبادة الروسية

ويكشف التصعيد العسكري ضد مناطق عديدة في محافظة إدلب أن النظام الروسي يريد السيطرة على ما تبقى من مناطق المعارضة السورية والتنظيمات المتشدّدة في شمالي سورية، واستكمال عودة سيطرة نظام الأسد على جميع الأراضي السورية، من خلال حرب الإبادة التي يقوم فيها. ولكن ذلك يواجه معيقاتٍ عديدة، فليست معركة السيطرة على إدلب سهلة، ولا تريد تركيا أن تتحمّل موجات أخرى من تهجير السوريين ولجوئهم إليها، فضلاً عن أن سيطرة القوات الأميركية على حقول النفط في الجزيرة السورية يُفشل خطط ساسة الكرملين في الاستحواذ على النفط السوري، ولذلك يعمل الروس على إبرام صفقة مصالحة بين نظام الأسد وحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) والمليشيات التابعه له، ويحاولون عقد تفاهمات ولقاءات ما بين الساسة الأتراك ونظام الأسد.

ولعل ازدياد الضغط الدولي على ساسة الكرملين، من أجل حمْلهم على وقف تصعيدهم العسكري على معرّة النعمان وسراقب وأريحا وسواها، يشكل عامل إعاقة قويا في وجه ما يطمحون إليه، ولذلك فإن استعجال ساسة الكرملين في استثمار ما حقّقوه عسكرياً على الصعيد السياسي يواجه الفشل، حيث لم يتمكّنوا من تسويق ملف إعادة الإعمار وإعادة اللاجئين، إلى جانب فشلهم في التوصل إلى تسوية سياسية، تمكنها المحافظة على مصالحهم.

في المقابل، تواجه قيادات الفصائل الإسلامية المتشدّدة، وخصوصا هيئة تحرير الشام، مشكلاتٍ تتصل بتوحيد الفصائل التي تدور في فلكها، للتصدّي لهجمات النظامين، الروسي والأسدي، في ظل الانقسام القائم بين غرف عمليات الفصائل في إدلب. ويبقى أن أهل إدلب ونازحيها ومهجّريها باتوا رهينة بين قبضة التظيمات المتشدّدة ونيران هجمات الروس والنظام الأسدي.

تآكل نظام الأسد

أما نظام الأسد فواجه في عام 2019 معضلات عديدة، حيث تشهد المناطق التي يسيطر عليها حالات تذمر كبيرة، نظراً للتردي الاقتصادي والأمني المستمر، والذي أدّى إلى ضائقة معيشية خانقة، تظهر في الطوابير الطويلة على المواد الأساسية والغاز والمازوت، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتدهور سعر صرف الليرة، وتفشّي البطالة، وانتشارالجريمة، فضلاً عن انعدام الأمن والاحتكار والمحسوبية، وسطوة مليشيات حزب الله ومليشيات إيرانية، وما تسمى القوات الرديفة الخارجة عن سيطرة النظام. وأفضى ذلك إلى ارتفاع أصوات تطالب بإنقاذ الأوضاع ووقف الانهيار، إلى جانب تجرؤ أصوات موالية على انتقاد بشار الأسد، واتهامه بالوقوف وراء شبكات الفساد والنهب، وأدّى ذلك إلى نشوء حملات ضد رأس النظام والحاشية المقرّبة منه، خصوصا في مدن ومناطق اللاذقية وجبلة وسواهما.

ويبدو أن نظام الأسد وصل إلى حافّة الإفلاس، وهذا ما تؤكده عمليات الحجز على أموال أشخاص من الدائرة الضيفة والمرتبطة ببشار الأسد مالياً وعائلياً، حيث طاولت، أخيرا، رامي مخلوف، جابي أموال عائلة الأسد، وشمل الحجز أموال زوجة مخلوف، وبعض الشركاء الفرعيين له، بعد حجز مشابه، طاول طريف الأخرس، عم أسماء، زوجة بشار. وسبق أن قام نظام الأسد بعمليات تدقيقٍ في حسابات شركة “سيريتل” للاتصالات، والتي يملكها مخلوف، وتمّ وضع اليد على إدارتها، وحلّ إدارة “جمعية البستان”، وحلّ مليشياتها المسلحة كذلك، وأغلق فرع الحزب القومي السوري التابع لمخلوف. كما طاول الحجز أيضاً أموال صهر العائلة الحاكمة، أيمن جابر، صاحب معمل البراميل المتفجرّة، والمقرّب من ساسة الكرملين، ومؤسس مليشيات “مغاوير البحر” و”صقور الصحراء” التي حُلّت أيضاً. وتشير هذه الأجراءات المتخذة بحق هؤلاء، وهم يمثلون كبار تجار الحرب في سورية، إلى إفلاس النظام.

من جهة أخرى، تشهد مناطق وبلدات درعا وحمص والرستن والغوطة الشرقية، منذ مدة، نشوء حركة احتجاج، وردود فعل شعبية، على ممارسات النظام وشبّيحته وأجهزته، حيث شهدت مدينة درعا وبعض البلدات التابعة لها خروج أعداد كبيرة من أهلها في مظاهرات مندّدة بالنظام، وطالبت بإسقاطه، أهمها مظاهرة خرجت في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. كما نفذت مجموعاتٌ مسلحةٌ عملياتٍ ضد قادةٍ في أجهزة الأمن وجيش النظام في أكثر من منطقة، وكذلك نفّذت مجموعة تدعى “سرايا المقاومة في حمص” هجوما على كل من مبنى الشرطة العسكرية وفرع أمن الدولة في مدينة الرستن، وتكرّر الأمر نفسه في الغوطة الشرقية، حيث هاجمت مجموعة حواجز للنظام، وفجّرت فيها عبوات ناسفة.

والحاصل أن عام 2019 شهد أحداثاً مأساوية عدة في سورية ضد غالبية السوريين، وليس هناك ما يشير إلى أن يكون العام المقبل 2020 أفضل، بل ستستمر معاناة السوريين في الداخل وفي بلاد المهجر، في ظل عدم اكثرات المجتمع الدولي ولامبالاته بدماء السوريين، وغياب أي أفق للحل السياسي، وإصرار النظام وحلفائه في النظامين، الروسي والإيراني، على المضي في الخيار العسكري، ولكن ما يطمح إليه النظام الروسي في إعادة سيطرة النظام على كل الأراضي السورية لن يتحقق، كما لن يستطيع ساسة الكرملين استثمار ما حققوه عسكرياً على المستوى السياسي، وليس أمامهم سوى البحث عن طريقٍ للخلاص من نظام الأسد.

العربي الجديد

——————————–

سوريا 2019: استعصاء الحلّ وهزيمة داعش وإحباط من تركيا/ ماجد كيالي

بدأ العام الماضي (2019) بتعيين مبعوث دولي جديد، رابع، للأمم المتحدة إلى سوريا، وهو غير بيدرسون، بعد استقالة المبعوث السابق ستيفان دي ميستورا (2014 – 2018)، الذي كان سبقه في تلك المهمة، مبعوثان آخران هما: كوفي عنان (فبراير ـ أغسطس 2012) والأخضر الإبراهيمي (سبتمبر 2012 ـ مايو 2014)

وبديهي أن تعدد المبعوثين الدوليين دلالة على طول أمد الصراع، لكنه دلالة على تعقيداته الجمّة واستعصائه على الحلّ، فضلاً عن أنه دلالة على لامبالاة المجتمع الدولي بشأن إيجاد حل له، ولا حتى على مستوى معالجة المسائل الإنسانية، التي يفترض أنها شؤون فوق تفاوضية، كرفع الحصار، وإدخال المساعدات الغذائية والطبية، وإطلاق المعتقلين. بل إن التأثير الدولي في هذا الاتجاه بدا غير ملموس على الإطلاق، لاسيما مع غياب مفاوضات جنيف لصالح مفاوضات أستانة، التي يرعاها “الضامنون” الثلاثة روسيا وتركيا وإيران.

وفي شأن التأثير الدولي في الصراع السوري فقد بدأ العام الماضي، أيضا، بالحديث عن أهمية تشكيل اللجنة الدستورية من قبل المبعوث الدولي الجديد، والتي كان بشّر بها المبعوث الدولي السابق دي ميستورا، ولكن ذلك انتهى إلى ما يشبه نعي ذلك المسعى، من قبل المبعوث ذاته، إذ أن بيدرسون لم يتمكن سوى من عقد اجتماع افتتاحي للجنة في جنيف في أواخر شهر أكتوبر الماضي، لكنه عجز في فبراير عن عقد جولة ثانية للجنة، بسبب تملص وفد النظام من مناقشة القضايا الدستورية، الأمر الذي جعله ينعي تلك اللجنة، في إحاطته لمجلس الأمن الدولي في ديسمبر 2019، التي تحدث فيها عن ضرورة القيام بخطوات متوازية في عدة مجالات لفرض حل ما للصراع السوري.

من جهة التأثيرات الخارجية يمكن ملاحظة تقاسم القوى الدولية للنفوذ في سوريا، حيث تتواجد الولايات المتحدة في شرقي الفرات، في المنطقة التي تحتوي الثروة النفطية، وتركيا في الشمال السوري، والتي تشمل منطقة إدلب، وأرياف حلب الشمالية والشمالية الغربية إلى رأس العين، بعد أن استطاعت فرض منطقة آمنة تركية على خلاف مفهوم المناطق الأمنية السابقة التي كانت تفترض حظرا جويا، أو إيجاد منطقة آمنة للمدنيين، في منطقة ما، وذلك بالتفاهم مع روسيا والولايات المتحدة في أكتوبر الماضي، الأمر الذي فرضته بالقوة في ما يسمى عملية “نبع السلام”، التي مكنتها من السيطرة على منطقة طولها 120 كلم وعمقها 30 كلم.

في المقابل فإن إيران وروسيا باتت لهما سيطرة شبه مطلقة في المناطق التي يسيطر عليها النظام، وإن كانت الكلمة العليا لروسيا، التي باتت شريكة فعلية للنظام في الصراع السوري، لاسيما منذ سبتمبر 2015، إذ هي، وليست إيران، التي مكنت النظام من استعادة معظم المناطق، واللافت أن ذلك حصل تحت يافطة خطة “المناطق منخفضة التصعيد”، التي كانت تركيا فيها طرفا أصيلا وضامنا للمعارضة.

وطبعا فإن حصة إسرائيل في الصراع السوري مكفولة سواء في الجنوب، أو عبر سياسة الذراع الطويلة التي استخدمتها، والتي استطاعت عبرها توجيه ضربات قوية للحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له على امتداد الأراضي السورية، وشملت العراق أيضا.

في المحصلة فإن العام 2019، تضمن تقاسم النفوذ في سوريا، لصالح القوى الخمس الموجودة (الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل)، مع ملاحظة تضاؤل دور القوى المحلية، لاسيما النظام وفصائل المعارضة. كما يمكن ملاحظة أن هذا الأمر يعني أفول الصراع بواسطة السلاح، بالقياس للسابق، لاسيما بعد هزيمة تنظيم داعش على يد قوات التحالف الدولية وقوات “قسد”، التي تحققت في مارس الماضي، وبعد مصرع زعيمه أبوبكر البغدادي، على يد قوات أميركية في باروشا قرب إدلب. لكن التحفظ المذكور يتأتى من حقيقة أن انتهاء داعش وهيمنة الاطراف الدولية الخمسة لا يعنيان أن الصراع المسلح سيتراجع، إذ سيبقى التوتر على حاله خاصة في منطقة إدلب، بحكم هيمنة جبهة النصرة في تلك المنطقة، بعد أن كانت فرضت سيطرتها فيها منذ أوائل العام الماضي، وأيضا في منطقة شرقي الفرات بحكم وجود جيوب لداعش في تلك المنطقة، وبحكم محاولات الميليشيات الإيرانية إيجاد نفوذ لها فيها، باعتبارها بوابة للعراق وإيران، وهو الأمر الذي تعارضه الولايات المتحدة.

انتهى العام الماضي مع ولادة آلام جديدة للسوريين ناجمة عن تعرض منطقة إدلب وما حولها للقصف الجوي الوحشي من قبل طيران النظام والقوات الروسية، كما شهدت تلك المنطقة موجة نزوح عارمة، أي نكبة جديدة، تمثلت في تشريد حوالي ثلاثمئة ألف من السوريين من بيوتهم وقراهم وبلداتهم وحرمانهم من أملاكهم ومن أعمالهم. أيضا فإن الداخل السوري، أي المناطق الخاضعة للنظام، لم تسلم من نكبة أخرى تمثلت في انهيار قيمة العملة، التي باتت تقترب من خط ألف ليرة للدولار، الأمر الذي يعني تدهور مستوى معيشتهم إلى مستويات كبيرة جدا.

بيد أن العام الماضي حمل بشارتين، ربما تعضدان حال السوريين وتفتحان المجال أمام واقع جديد قد يخفف معاناتهم. الأولى، تمثلت في اندلاع حراكات شعبية في السودان والجزائر ولبنان والعراق، والأهم في البلدين المجاورين، العراق ولبنان، اللذين مازالا يشهدان ثورة شعبية تتوخى الانتهاء من نظامين طائفيين وفاسدين، مع ملاحظة أن القوى التي تدافع عن الفساد والطائفية هي ذاتها الجماعات الميليشياوية الطائفية التي تشتغل كأذرع إقليمية لإيران في المشرق العربي (زينبيون وفاطميون وعصائب الحق وكتائب أبوالفضل العباس وفيلق بدر وحزب الله)، وهي ذاتها التي تدافع عن نظام الاستبداد في سوريا. والثانية إقرار الولايات المتحدة قانون قيصر الذي يفرض عقوبات على النظام السوري وعلى كل شريك له في قتل السوريين وتشريدهم.

كاتب سياسي فلسطيني

العرب

————————–

هل أصبح شرق البحر المتوسط ساحة حروب عام 2020 على النفط وعائداته؟/ عصام نعمان

حروب القرن العشرين كانت تبدأ في أوروبا وتنتهي فيها، منها اندلعت الحرب العالمية الأولى، من البلقان تحديداً، ثم عمّت سائر دول أوروبا وفاضت منها إلى بلدان غرب آسيا. الحرب العالمية الثانية اندلعت من اوروبا أيضاً، من بولونيا وتشيكوسلوفاكيا ثم عمّت دول القارة العجوز وفاضت منها لتغمر اليابان والصين في أقاصي شرق آسيا. حتى حروب كوريا وفيتنام وأفغانستان، يمكن اعتبارها ملاحق للحرب العالمية الثانية، ومثلها الحرب في يوغوسلافيا بعد انفصام وحدتها، ومسارعة دول غرب أوروبا (ومن ورائها الولايات المتحدة) إلى التدخل فيها لتقاسم أراضيها.

حروب القرن الحادي والعشرين لن تبدأ، على ما يبدو، في أوروبا، بل في حوض شرق البحر الأبيض المتوسط. ثمة أربع ساحات مرشحة في هذا المجال:

*أولاها بين لبنان و»إسرائيل»، ذلك أن الكيان الصهيوني أقدم على إقامة منشآت للحفر، ومنصّات لاستخراج النفط والغاز في المنطقة البحرية الاقتصادية الخالصة شمال فلسطين المحتلة، على مقربة من المنطقة الاقتصادية الخالصة في جنوب لبنان، ما يهدد القطاع 9 (Block9) منها المحاذي لمنصتيّ لفيثان وكاريش الإسرائيليتين. وكان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله قد أعلن مراراً إنه لن يتردد في تدمير منشآت «إسرائيل» النفطية في البحر، إذا أقدمت على منع لبنان من استخراج النفط من مياهه الإقليمية، أو حاولت سرقته من باطن القطاع 9.

*ثانيتها بين سوريا والولايات المتحدة، ذلك أن حقول النفط شمال شرق البلاد، على امتداد وادي نهر الفرات والبادية المحيطة به، ولاسيما في شمال شرق دير الزور، كانت قد وقعت تحت سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي، وبعد تحريرها منه، انتقلت السيطرة عليها إلى أيدي تنظيمات كردية سورية تموّلها وتسلّحها الولايات المتحدة، وتمنعها من إعادتها إلى الحكومة السورية. أكثر من ذلك، قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنشر قوات أمريكية وسط المنطقة النفطية المشار إليها، وأعلن اعتزام بلاده استثمار الحقول النفطية فيها لمصلحة التنظيمات الكردية التي يدعمها. فوق ذلك، أعلنت تركيا أيضاً اعتزامها المشاركة في عملية استثمار الحقول النفطية السورية، بغية استخدام عائداتها في توطين اللاجئين السوريين لديها في «المنطقة الآمنة»، التي أقامتها في شمال سوريا. وليس من شك في أن مبادرة الحكومة السورية، عاجلاً أو آجلاً، لإعادة سيطرتها على مناطق شمال شرق البلاد، ستؤدي إلى اندلاع الحرب ليس مع الولايات المتحدة وزبانيتها من الكرد السوريين فحسب، بل مع تركيا أيضاً، إذا حاولت منعها من بسط سيادتها على كامل ترابها الوطني.

*ثالثتها بين تركيا من جهة، ومن جهة اخرى مصر وإسرائيل وقبرص اليونانية، التي وقّعت في ما بينها اتفاقاً على تقاسم خيرات المياه الإقليمية الاقتصادية، التي تحتوي حقولاً من الغاز الطبيعي، كما على مدّ أنبوب غاز تحت الماء يصل إلى اليونان، ويربط هذه الحقول ومنتوجها الغازي بأوروبا. مكمن النزاع هو في ادعاء تركيا أن لها الحق بالسيطرة على المياه الإقليمية الاقتصادية لقبرص التركية، كما في المياه الاقتصادية الممتدة بين شواطئها وشواطئ ليبيا. وعليه، تهدد تركيا بمنع وصول الغاز من منصات ليفثان وكاريش وتمار الإسرائيلية، وحقول الغاز القبرصية والمصرية، إلى أوروبا ما يزجّها في صراعٍ مع كل الدول التي تمتلك حقول الغاز هذه، كما مع اليونان التي يصل اليها أنبوب الغاز المزمع مدّه تحت الماء.

*رابعتها بين مصر وتركيا، ذلك أن تركيا، بادعائها حقوقاً وسيطرة على المنطقة الممتدة من شواطئها الجنوبية إلى شواطئ ليبيا الشمالية، تكون في وارد تهديد حقل ظُهر المصري، الغني بالنفط والغاز، الواقع في منتصف المسافة البحرية بين تركيا وليبيا، الأمر الذي يؤدي إلى اندلاع صراع بينها وبين مصر، خصوصاً بعدما هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بنشر قوات في طرابلس غرب ليبيا، لدعم حكومة فايز سراج المتعاونة معه في وجه حكومة بنغازي في شرق ليبيا، الموالية للجنرال خليفة حفتر الذي تدعمه مصر وروسيا والإمارات العربية المتحدة.

إن احتمال انفجار حروب بين الدول الإقليمية الاربع أو الخمس المشار إليها، كما بين اسرائيل وحزب الله، الذي بات قوة اقليمية، لن تقتصر مفاعيلها وتداعياتها على أطرافها فحسب، بل ستشمل بالضرورة دولتين كُبريين تتداخل مصالحهما وسياساتهما بحقوق ومصالح مختلف اللاعبين الإقليميين. فالولايات المتحدة التي تتمركز عسكرياً في سوريا والعراق، وتؤكد جهاراً أنها تسيطر على حقول النفط فيهما، لن تتردد في المشاركة مباشرةً، أو مداورةً في الصراعات، وربما الحروب، بين الأطراف الإقليمية المتنازعة. دوافعها للتدخل متعددة أبرزها اثنان: دعم «إسرائيل» إذا اقتضت أغراضها الأمنية ذلك، وتمكين الشركات الأمريكية من المشاركة في استثمار حقوق النفط، لا للحصول على النفط نفسه كون امريكا مكتفية ذاتياً منه، بل للحصول على حصة وازنة من عائداته الوفيرة.

روسيا تتمركز عسكرياً في سوريا وتساندها في حربها على التنظيمات الإرهابية، ولاسيما في محافظة إدلب القريبة جغرافياً من قاعدتها الجوية في مطار حميميم قرب اللاذقية، وقاعدتها البحرية في طرطوس. إلى ذلك تساند موسكو دمشق في بسط سيادتها على كامل ترابها الوطني، ولاسيما على مناطق حقول النفط شرق الفرات، بغية تمكينها من استثمارها، والحصول تالياً على عائدات وفيرة وأساسية لمباشرة عملية إعادة الإعمار.

إلى ذلك كله، فإن ايران لن تتوانى عن مدّ يد العون لكل من سوريا والعراق، إذا ما وجدت أن تدخل الولايات المتحدة عسكرياً فيهما، اياً كانت دوافعها، بات يشكّل تهديداً لأمنها القومي. فهي مهتمة بإضعاف الولايات المتحدة إقليمياً للحدّ من نفوذها، وصولاً إلى تمكين حليفتيها سوريا والعراق من استثمار طاقتيهما النفطية والغازية وصولاً إلى المشاركة في تمويل تنفيذ مشروع مدّ أنبوب نقل الغاز من إيران، كما من سوريا والعراق لاحقاً، إلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط وبالتالي إلى أوروبا.

باختصار، الصراع الإقليمي، وحتى الدولي، على الغاز، خصوصاً بعد تعاظم الحاجة إليه كبديل من النفط كونه صديقاً للبيئة، مرشحٌ لتوليد صدامات واشتباكات لا يُستبعد تطورها إلى صراعات مسلحة، بل إلى حروب طاحنة.

بدلاً من اوروبا، مهد حروب القرن العشرين، هل يصبح شرق البحر المتوسط مهداً لحروب القرن الحادي والعشرين؟

كاتب لبناني

القدس العربي

——————————

2019 عام النهايات.. هل من جديدٍ في سورية؟/ عمار ديوب

أفشلت إيران وروسيا، أكثر من مرّة، إمكانية إسقاط النظام السوري. 2019 يكاد تنهي روسيا فيه كل مناطق خفض التصعيد الأربع، درعا وشمال حمص والغوطة، وإدلب تترنح. على الرغم من ذلك، ما زالت تركيا تحتل مناطق واسعة في سورية، وجدّدت أميركا بقاءها بالسيطرة على آبار النفط وحماية الأكراد، وإيران ما زالت تسيطر على مناطق واسعة، وعلى كتلة كبيرة في النظام ذاته. وروسيا هي الدولة الأكثر سيطرة على النظام وعلى المعارضة، وتضغط على كل من تركيا والخليج، ليخضعوا لرؤيتها للحل في سورية، أي إعادة إنتاج النظام القديم مع تغييراتٍ شكليّة فيه.

إذاً، روسيا سيطرت على المساحة الأكبر من سورية، وحدّدت مناطق نفوذ الدول المتدخلة، ولكن تلك السيطرة وذلك التحديد ما يزالان عصيّين على التطويع والخضوع لمشيئة الروس، فلا مناطق النظام تمدُّ الروس بالأموال، ولا الدول المتدخلة تُسلّم لها بتلك السيطرة بشكل كامل. روسيا بمعاندتها السياسة الأميركية بالتحديد تخسر كثيراً، وتضطر إلى مساوماتٍ كبيرة مع حلفائها، وهذا لن يتغير قبل أن تضطر مجدّداً إلى عقد صفقةٍ مع أميركا.

هل يكون عام 2020 عام الصفقة تلك؟ حدثان جديدان ضاغطان على روسيا: “قانون سيزر” في الولايات المتحدة، وستطاول عقوباته روسيا وإيران وغيرهما، وبالتأكيد سيُحاصر النظام ويوقف كل ألاعيبه في تفادي العقوبات، ويشطب تعويمه إقليمياً ودولياً. والحدث الثاني بروز خلافات مع تركيا تتعلق بمصالح روسيا في ليبيا وفي شرقي الفرات، ورفض تركيا تعويم النظام كذلك. ربما لن تهتم روسيا كثيراً بتعويم النظام، حيث هناك فيتو أميركي ضد ذلك، وهناك رفض أوروبي وخليجي للأمر ذاته. صحيح أن الإمارات هي والبحرين، وربما تنضم لهما السعودية نحو إعادة التطبيع مع النظام السوري، ولكن ذلك دونه “قانون سيزر” والسياسة الأميركية الرافضة؛ تضارب المصالح بين هذه الدول وتركيا لا يسمح لها بمعارضة أميركا.

وبالتالي، لم يكن عام 2019 جيداً للنظام إقليمياً وكذلك دولياً، ومحلياً، يطلق هو النار على قدميه حينما يرفض أية إصلاحات في المناطق المدمرة أو التصالح مع أهلها.

الأسوأ للنظام، أن روسيا وإيران تطالبانه بالأموال، والدولتان تضغطان بشدة عليه لجبي الأموال لهما من الفاسدين والناهبين، وهذا قد يفكّك النظام من داخله، حيث يشكل احتجاز أموال شخصيات كرامي مخلوف وأيمن الجابر والضغط على مئات التجار لدفع الإتاوات للبنك المركزي، أقول كلها عوامل قد تدفع نحو جديدٍ ما في بنية السلطة. صحيحٌ أنه لم يتبلور بعد، ولكنه سيظهر لاحقاً بالتأكيد. من هذه الناحية، سيكون 2020 عام النهايات للنظام ذاته.

لماذا عام النهايات؟ مناطق النفوذ أصبحت مرسومة، وحرب النظام وروسيا ضد إدلب متفق عليها مع تركيا، وهي لفتح الطرق الدولية، وإبعاد المسلحين والسلاح عنها وتهميش الجهاديين، وربما لاستعادة إدلب نفسها، وضمن صفقةٍ مع تركيا، حيث يتم بموجبها مبادلة المناطق، كما حدث أكثر من مرة. تفرض أميركا شروطها، وإيران تنافس روسيا، وجرت بينهما معارك عديدة، وهي محاصرةٌ دولياً، ويواجه “أعوانها” ثورات كبيرة في العراق ولبنان، ولم يستقرّ ولن يستقر لها الأمر في سورية أو اليمن كذلك، وبالتالي ستستفيد روسيا من هذه الأوضاع، ولكن ذلك مؤجّل إلى حين حدوث صفقة مع الولايات المتحدة أو ضغوط كبيرة، تجبرها على إنهاء أكذوبة الدول الضامنة، ومساراتها الفاشلة.

ماذا بقي من النظام في دمشق حالياً، حتى يتوهم أنه انتصر، وهل يمكن لروسيا بالأصل تعويمه، بعد أن انتشلته من سقوطٍ أكيد في 2015؟ ذكرت أنه يحفر قبره بحربه المحدودة ضد الفاسدين، وهناك أزمته الاقتصادية والاجتماعية، والتي ما تنفكّ تتعاظم، والناس تزداد كراهيةً له، وفقراً وتعاسة. ولهذا هناك من يكتب عن ثورة جياع ممكنة في المناطق الخاضعة له؛ يتحرّك النظام بإرادة الروس، وألاعيبه مع إيران في مواجهة الروس لم تعد ممكنة، وهي، في كل الأحوال، كانت تحت العين الروسية التي كانت تسمح بها، لأسباب تتعلق بصراعات الأخيرة مع أميركا وأوروبا والضغط على الأتراك. أقصد أن الروس أمام خياراتٍ ليست بسيطة؛ فالنظام لا يمكن السماح بإعادة إنتاجه إقليمياً ودولياً، وليس من أموالٍ تتدفق إلى سورية، وارتهان كل مؤسسات الدولة السورية لهم غير كافٍ، حيث لا أموال يمكن أن تشغل المشاريع الروسية، وتعود عليها بالفائدة. أيضاً، سورية ليست أوكرانيا ولا أبخازيا لتكون في المجال الحيوي لروسيا، وتعقيد الوضع يمنع ذلك من أصله، وهناك تدخلاتٌ إقليميةٌ ودولية كبيرة، وأسوأ الجميع “قانون سيزر” الجديد، وبالتالي لا يمكن لروسيا التي ترى النظام مفلساً ومطلوباً للمحاكم الدولية أن تستمر في مغامرة التعويم إلى أجل غير مسمى.

الدروس الجزائرية والسودانية والعراقية واللبنانية كلها تقول بضرورة الوصول إلى تسوياتٍ مع الشعوب أو تغيير الأنظمة ذاتها. أن تبتغي روسيا والصين تعميم السلطوية عالمياً، وتهميش الليبرالية والديموقراطية لا يعني أنهما قادرتان على مواجهة أعدائهما (أميركا وأوروبا)، وعدا ذلك، الصين لن تتدخل في دولةٍ غير مستقرّة، وهناك صراع دولي كبير حولها. روسيا في عزلةٍ حقيقية بما يخص سورية، فهي لم تستطع فرض شروطها على حلفائها إلا بحروبٍ أو بمقايضاتٍ بين منطقةٍ وأخرى، وكذلك لم تستطع إيقاف تعديات إسرائيل. عوامل كثيرة توضح للدب الروسي أن الحرب التي انتصر فيها هنا وهناك انتصر بفضل الصفقات، وتتطلب تشغيل العقل، ليبادر إلى عقد التسويات، وأميركا وأوروبا هما مفتاح الحل السياسي.

تفاهة قصة اللجنة الدستورية لفظت أنفاسها، وانتخاب مستقلين جدد في هيئة التفاوض لن تكون مفيدا بأي حالٍ، وسيكون مصيره كما مصير اللجنة الدستورية، وهذا سيدفع مجدّداً الروس إلى أن يبحثوا عن طرفٍ قادر على فرض الحل، وبالتالي مسارات أستانة وسوتشي لا توصل إلى حلٍّ روسيٍّ للوضع السوري؛ أميركا وأوروبا تنتظران الصفقة.

تتجدّد الثورات في لبنان والعراق وإيران، ولن تكون هذه الدول داعمةً للنظام من جديد كما يبدو، وأميركا لن تغادر سورية قريباً، وتنقل وسائل إعلام أن تركيا بدأت ترسل مقاتلين سوريين إلى ليبيا، وهذا إذا صحّ أسوأ ما يحصل للسوريين في نهاية 2019، وإسرائيل ستظل تضرب في سورية.. ضمن كل هذه المعطيات، هل يمكن لروسيا الاستمرار في السياسات ذاتها تجاه سورية؟

روسيا التي تغرق في سورية معنيةُ بشطب المسارات التي اختطتها من قبل، والعودة إلى القرارات الدولية التي تؤكد ضرورة تغيير النظام السوري؛ إمّا أن تفعل ذلك في 2020 أو أن ذلك الغرق سيتعمق، ولن تخرج منه لاحقاً بسهولة.

العربي الجديد

——————-

سوريا تزداد انقساماً في 2019… والمعاناة «توحد» أهلها/ ابراهيم حميدي

«زحمة» شرق الفرات بالجيوش الأجنبية… والمجهول ينتظر أهالي إدلب… والوجود الإيراني على المحك

إذا كان مستقبل الوجود الأميركي في شمال شرقي سوريا مطروحاً في نهاية 2018، فإن نهاية العام الجاري حسمت الجدل حوله. لكن الأنظار اتجهت إلى إدلب، حيث يعيش ثلاثة ملايين مدني حالة القلق، اقتلعت حملة القصف والمعارك أكثر من 300 ألف منهم، وأخذتهم إلى المجهول… بانتظار جولة جديدة، أو صفقة أخرى.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرر ثلاث مرات الانسحاب من سوريا خلال 12 شهراً. وغيَّر رأيه ثلاث مرات. المرة الأخيرة كانت في بداية أكتوبر (تشرين الأول)، بعد اتصال هاتفي مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان الذي دشن العمليات العسكرية شرق الفرات في 7 أكتوبر ضد «وحدات حماية الشعب» الكردية، المكون الرئيسي في «قوات سوريا الديمقراطية»، حلفاء واشنطن في الحرب ضد «داعش».

غير أن ضغوطاً من «الكونغرس» ودول أوروبية دفعت ترمب إلى التراجع، ووافق على الاحتفاظ بنحو 600 جندي في القسم الشرق من شرق الفرات. ولأول مرة بات ترمب مقتنعاً بالوجود العسكري شرق الفرات في سوريا: حماية النفط وامتلاك النفط والدفاع عن النفط. لأول مرة منذ 2016، دخل الموضوع إلى عقل الرئيس ترمب الباحث عن الانكفاء من الشرق الأوسط والتدخل العسكري خارجياً. صحيح أنه عقّد مهمة أعضاء التحالف الدولي خلال اجتماعهم في واشنطن منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، لأن «الدفاع عن النفط» ليس سبباً شرعياً للبقاء العسكري في سوريا، لكنهم باتوا أقل قلقاً من تغريدات ترمب المفاجئة حول ديمومة هذا الوجود.

عام 2019، بدأ بضغط أيضاً من حلفاء واشنطن المحليين والإقليميين والدوليين لإقناع ترمب بأن ما قاله بعد الاتصال بنظيره التركي في ديسمبر (كانون الأول) 2018، ليس صحيحاً: «داعش» لم يُهزَم 100 في المائة، لا جغرافياً ولا عقائدياً.

عليه، صعَّد التحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة واشنطن بالتعاون مع «قوات سوريا الديمقراطية» عملياته ضد التنظيم في ريف دير الزور، إلى أن تمت السيطرة الكاملة على الباغوز، آخر جيوب «داعش»، في 23 مارس (آذار) 2019. وقتذاك، صار بإمكان التحالف الإعلان عن القضاء الكامل على «داعش»…جغرافياً.

المفارقة أنه بعد أيام على إعلان ترمب، وهو الثالث، الانسحاب من سوريا في أكتوبر، شن الجيش الأميركي عملية معقدة، وأعلن ترمب نفسه في 27 أكتوبر القضاء على زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي… أين؟ ليس غرب العراق ولا شرق الفرات أو البادية السورية، بل في باريشا في ريف إدلب. صار بإمكان ترمب أن يعلن ما فعل غريمه وسلفه باراك أوباما؛ بقتل أسامة بن لادن، بتبني القضاء على البغدادي ثم أحد المرشحين لخلافته.

القضاء على «داعش» جغرافياً وزعيمه، لم ينهِ التهديدات التي يشكلها التنظيم أو «القاعدة» خصوصاً مع تولي شخص «شرس» قاتل الأميركيين في العراق، خلافة البغدادي. وسنرى لاحقاً تكرار غارات أميركا ضد متطرفين في مناطق نفوذ روسية غرب نهر الفرات، خصوصاً شمال غربي سوريا. قد يكون هذا معلماً من معالم 2020.

تقسيم المقسم

المناطق التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية»، بدعم التحالف، تشكل ثلث مساحة سوريا البالغة 185 ألف كلم مربع، وتضم معظم ثروات البلاد النفطية والغازية والمائية والزراعية. هذا الصورة تغيرت في أكتوبر، حيث قُسّم المقسم. إذ إن قرار ترمب سحب قواته من حدود تركيا فتح الطريق للجيش التركي وفصائل سورية موالية للتوغل في شرق الفرات ضمن عملية «نبع السلام». خلال أيام، سيطروا على منطقة بين تل أبيض ورأس العين بعمق 30 كلم. وفي 17 أكتوبر، تم التوصل إلى اتفاق أميركي – تركي تضمن وقفاً للنار وانسحاب «وحدات حماية الشعب» الكردية مع سلاحها الثقيل بعمق 30 كلم.

وفي 23 أكتوبر، تم التوصل إلى اتفاق بين إردوغان، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، في سوتشي. تضمن الإقرار بوجود تركيا وفصائل موالية بين تل أبيض ورأس العين، مقابل عودة حرس الحدود السوري إلى حدود تركيا في باقي المناطق شرق الفرات، وتسيير دوريات روسية – تركية بعمق 10 كيلومترات أو 30 كيلومتراً.

قرار ترمب وشعور «قوات سوريا الديمقراطية» بـ«خيانة» أميركية دفعا قيادة هذه القوات للذهاب إلى دمشق، والتوصل إلى اتفاق معها لنشر قوات الحكومة في مناطق محددة شرق الفرات، وعلى الحدود مع تركيا.

وإذ أحكمت أميركا، بعد التراجع، سيطرتها على الشريط النفطي قرب حدود العراق بنشر معدات متطورة رغم تراجع عدد عناصرها، فإن الدوريات الروسية – التركية، ذات دلالة رمزية أكثر منها تعبيراً عن قوة السيطرة، ذلك أن أدوات الأمن والحكم المحلي بقيت في أيدي «قوات سوريا الديمقراطية»، ما يشكل قلقاً لتركيا، وقد يحرضها على التدخل مرة أخرى، إثر تعزيز الهياكل الأمنية والإدارية في مناطق «نبع السلام» بين تل أبيض ورأس العين.

ربما تحتاج تركيا لإنجاز ذلك من 4 إلى 6 شهور، إضافة إلى ارتباط التوسع بمصير إدلب والعلاقة التركية – الأميركية.

«فيتنام إيرانية»

المنطقة التي كانت حكراً على حلفاء واشنطن، وتريدها إدارة ترمب أداة للضغط على روسيا لإضعاف إيران، باتت مسرحاً للقوات الروسية والتركية والسورية، إضافة إلى محاولات توغل إيراني وتجنيد سوريين في ريف دير الزور.

النقطة الجديدة في 2019، هي تركيز إيران جهودها على البوكمال وشرق الفرات بعدما انسحبت في بداية 2018 من جنوب سوريا بموجب تفاهمات روسية – أميركية – أردنية وبعلم إسرائيلي.

تكثيف الحضور الإيراني في البوكمال وشرق الفرات قوبل بغارات إسرائيلية عدة تزامنت مع قصف إسرائيلي على «مواقع إيرانية» في العراق، إذ شنت تل أبيب عشرات الغارات على ريف دمشق، قيل إنها استهدف الوجود الإيراني، ولعل شهر نوفمبر (تشرين الثاني) شهد جولة من أشد وأوسع الغارات. وفي ديسمبر (كانون الأول)، شنّت طائرات «إف 35» إسرائيلية غارات مكثفة على «مصنع إيراني» في البوكمال، على بعد بضع مئات من الكيلومترات من نقاط انتشار القوات الروسية في القامشلي.

وفي 25 ديسمبر (كانون الأول)، قُتِل خمسة مقاتلين من الفصائل الموالية لإيران في غارات على البوكمال. قبل ذلك، في 8 ديسمبر (كانون الأول)، شنّت إسرائيل غارات مشابهة. سبق ذلك مقتل 28 مقاتلاً «إيرانياً» في سبتمبر (أيلول). وكان مسؤول أميركي في واشنطن أعلن أن المسؤولية عن القصف في أقصى الشرق السوري تقع على إسرائيل.

ولعل كلام وزير الدفاع الإسرائيلي الجديد نفتالي بينيت يفسر هذه الغارات التي بقيت غامضة تجنّبت أطراف إعلان المسؤولية عنها. إذ أعلن بينيت أن تل أبيب ستحول سوريا إلى «فيتنام إيرانية»، وأن قواته ستتحول من «العمل الوقائي إلى الهجومي».

اللافت أن الجولة الأخيرة من الغارات جاءت بعد اجتماعات بين رئيسي الأركان الروسي فاليري غيراسيموف، والأميركي الجنرال مارك ميلي، في جنيف، من جهة، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شبات ونظيره الأميركي روبرت أوبراين في البيت الأبيض، من جهة ثانية، لتنسيق العمليات العسكرية و«منع الاحتكاك» في سوريا. يعني هذا أن 2020 سيكون امتداداً لطرح سؤال حول الوجود الإيراني، لعلاقة ذلك بملفات إقليمية والوضع داخل إيران.

مصير مجهول

إذا كان مصير إدلب وأهلها غامضاً في بداية العام، فإن نهايته جلبت مزيداً من عدم اليقين لنحو ثلاثة ملايين شخص يعيشون في ظلها وسط اضطرار نحو 320 ألفاً، للنزوح من القصف والمعارك إلى المجهول.

حاولت قوات الحكومة التوغل، الصيف الماضي، في شمال حماة وجنوب إدلب الخاضعة لتفاهم روسيا وتركيا منذ سبتمبر 2018، وتم قضم بعض المناطق، إلى أن توصل إردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في نهاية أغسطس (آب) الماضي إلى هدنة واتفاق يفسر الاتفاق السابق، مع مهلة لأنقرة لتنفيذ بندين: الأول، فتح الطريقين الرئيسيين بين اللاذقية وحلب، وبين حماة وحلب. الثاني، إخلاء المنطقة الآمنة من الإرهابيين وسلاحهم الثقيل.

في 12 ديسمبر (كانون الأول) شنّت قوات الحكومة هجوماً جديداً، بانخراط روسي جوي، ذلك أن دمشق تريد السيطرة الكاملة على إدلب، وتساند موسكو دمشق في المنطقة، لكنها تدرك كذلك التداعيات الإنسانية الهائلة على تركيا المجاورة. كما أن التعامل مع تهديدات «هيئة تحرير الشام» يستلزم صياغة المقاربة العسكرية التي ترمي إلى تشجيع أو إجبار مكونات «الهيئة» على الانقسام والتفكك، بدلاً من المواجهة في منطقة قريبة من قاعدتي حميميم وطرطوس الروسيتين.

تحت غبار القصف، وبين رماد الخراب والرياح التي تلفّ النازحين، تدل المؤشرات على إعطاء دمشق بدعم موسكو الأولوية للسيطرة على الطريقين السريعين بين حلب واللاذقية، وبين حلب ودمشق، تفسير موسكو امتداد لتفاهم روسي وتركيّ على فتح طريق حلب – القامشلي شرق الفرات.

إنسانياً، أدّت الحملة إلى نزوح أكثر من 235 ألف شخص بين 12 و25 الشهر الحالي من جنوب إدلب، تزامناً مع تكثيف قوات النظام وحليفتها روسيا وتيرة غاراتها على المنطقة. كثير منهم فروا من منطقة معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي، التي باتت «شبه خالية» من السكان.

«خطوة متأخرة»

في بداية نوفمبر (تشرين الثاني)، انعقدت اللجنة الدستورية السورية. كان ذلك أول اتفاق سياسي بين الحكومة والمعارضة، تضمن تشكيل اللجنة والاتفاق على القواعد الإجرائية. وعُقِدت جولة أولى بداية نوفمبر تواصل فيها الطرفان لتشكيل لجنة مصغرة و«مدونة السلوك». لكن الجولة الثانية، اصطدمت بالجدار. إصرار وفد الحكومة على موافقة وفد المعارضة على «مرتكزات وطنية» تضمن رفض العقوبات الغربية والإرهاب والتدخل التركي قبل بحث الإصلاح الدستوري.

صحيح أنه لم تسفر التطورات عن تغييرات كبيرة في الحسابات السياسية للأطراف المعنية، لكن الصحيح أيضا أن دمشق لا ترى إلى الآن مصلحة أو قيمة واضحة في الاستثمار باللجنة، نظراً للمخاطر السياسية العالية على ضعف سقف عمل اللجنة. كما أنها تريد تأجيل أي مسار سياسي على تواضعه إلى ما بعد الحسم العسكري واستعادة كامل البلاد.

في المقابل، تريد موسكو إحداث تقدم في صياغة الدستور والعملية السياسية لإقناع الاتحاد الأوروبي بزيادة المساعدات وتخفيض العقوبات على نحو تدريجي، كوسيلة من وسائل تحفيز المزيد من التقدم في تسوية الأزمة. لكن إقرار الرئيس ترمب «قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين» في 11 ديسمبر (كانون الأول)، أي بعد أيام من زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إلى واشنطن، شكّل صدمة في موسكو، إذ إنه بات من أدوات الضغط الأميركية على موسكو، ورسالة إلى حلفاء دمشق بأن الوضع الراهن قد يزداد سوءاً مع مرور الوقت.

ويتيح القانون، رغم قسوته، تخفيف العقوبات أو إلغاءها، إذا وجد الرئيس الأميركي مصلحة. هذا يسمح بالتفاوض إذا اختارت دمشق وحلفاؤها المقايضة مع واشنطن. وبالنسبة إلى الجانبين الأميركي والأوروبي، هناك اعتقاد بوجود أدوات للضغط على روسيا: الأولى، المساهمة في إعادة إعمار سوريا. الثانية، التطبيع مع دمشق. الثالثة، العقوبات الاقتصادية. الرابعة، الوجود العسكري شرق الفرات. الخامسة، السيطرة على الموارد الاستراتيجية من نفط وغاز وثروات. لكن إلى الآن، ليست هناك محفزات واضحة لاتخاذ الإجراءات التي يمكن أن تستفيد منها دمشق، ما لم تعبر عن استعدادها للمشاركة والتفاعل والانخراط.

قبل أن تطوي سنة 2019، شهرها الأخير، حصلت أربعة تطورات: الأول، إعلان المبعوث الأممي غير بيدرسن أنه لن يدعو أعضاء اللجنة الدستورية لاجتماع قريب. الثاني، توقيع الرئيس ترمب «قانون قيصر» لفرض عقوبات على المساهمين في إعمار سوريا، ومحاسبة المسؤولين عن «جرائم حرب». الثالث، «فيتو» روسي – صيني ضد تمديد مشروع قرار دولي لتمديد إيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود لأول مرة منذ إقرار القرار في 2014. الرابع، بدء قوات دمشق معركة جنوب شرقي إدلب باتجاه معرة النعمان بغطاء جوي روسي، ودفع آلاف للنزوح إلى شمال إدلب وحدود تركيا. تبدأ 2020 بقمة بوتين – إردوغان في إسطنبول في 8 يناير (كانون الثاني) لبحث مصير إدلب وشرق الفرات والتسوية، واستقبال إردوغان للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، القلقة من موجة جديدة من اللاجئين السوريين للبناء على القمة الرباعية التي ضمتها وإردوغان مع الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، في لندن، في 3 ديسمبر (كانون الأول) على هامش قمة «حلف شمال الأطلسي» (ناتو).

تنتهي السنة، وسوريا تضيق بأهلها وتقلق جيرانها. تزدحم باللاعبين الخارجيين. تزداد انقساماً. المعاناة بدرجات مختلفة: «توحد» السوريين في مناطق الحكومة والمعارضة. والترقب ينتظر مناطق الإدارة الذاتية شرق الفرات حول مستقبلها وسط زحمة اللاعبين الخارجيين براً وجواً.

يستقبل السوريون سنة 2020 بتغريبة جديدة من النزوح واللجوء، وتدني الوضع الاقتصادي والمعيشي والتشقق الاجتماعي… من دون نافذة أمل أو ضوء في نهاية النفق.

التعليقات

الشرق الوسط

—————-

البحر المتوسط.. على العالم ألا ينام مطمئناً/ غازي دحمان

تتسارع وتيرة تطورات الأحداث في منطقة البحر المتوسط، ويُنذر ذلك بمخاطر أكبر من التي يتم تقديرها أو احتسابها، انطلاقاً من الاعتقاد بأن الأمور تحت الضبط، ولا يمكن أن تتطوّر إلى صراعات فعلية، ولن تتجاوز حدود التصريحات اللفظية بين أطرافٍ هي في الأصل تمرّ بحالة خصام. وبالتالي، فإن مناوشات البحر المتوسط هي جزء من حالة الخصام، وليست مشكلة منفصلة بذاتها.

هذا التقدير، السائد، إما أنه تعبير عن ضعف حساسية تجاه المخاطر التي ترتسم فوق أمواج المتوسط، وهي وضعيةٌ لا تخرج عن حالة سوء التقدير وعدم القدرة على التنبؤ بالأحداث الخطرة التي شهدها العقد الذي نعيش آخر أيامه، حيث عجزت دوائر صنع القرار ومراكز التفكير عن التنبؤ بمعظم أحداثه، إن لم يكن جميعها، وبعد اندلاعها لم تستطع التعامل معها بما يتناسب وحجم تأثيراتها وتداعياتها، الأمر الذي أنتج تشوّهاتٍ جيواستراتيجية خطيرة على مستوى العالم، وظهور لاعبين من الدرجتين الثانية والثالثة، تحكّموا في مسارات التطورات واتجاهاتها.

أو أنه سياسة مقصودة، الهدف منها تغيير أوضاع معينة، عبر ترك الأزمات تطوّر مساراتها، وتنضج مخاطرها، ومن ثم اتخاذ موقف تجاهها. وفي هذه الحالة، فإن مخرجات هذا الموقف تهدف إلى إجراء تغييرات في الترتيبات التي جرى التعامل بها في الفترة السابقة، وإعادة صياغتها، بحيث تنطوي على مصالح للأطراف الجديدة في اللعبة، أو توريط اللاعبين المباشرين في صراعاتٍ بينيةٍ، بهدف استنزافهم وإلهائهم في قضايا معينة، وإبعادهم تالياً عن الاهتمام بمسائل أخرى مهمّة للاعبين الكبار.

ثمّة متغيّران جديدان يجب أخذهما في الاعتبار لدى مناقشة تطورات الأزمة في البحر المتوسط، الأول صعود أدوار تركيا وروسيا، البلدين اللذين يملكان مصالح حيوية في البحر المتوسط، والمؤثرين راهناً في السياسات الإقليمية والدولية. وهذان متغيّران مستجدّان تماماً عن بيئة البحر المتوسط والترتيبات التي أجرتها الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية في القرن الأخير بشأن هذا الحيز المائي. ومع أن تركيا لم تكن بعيدةً عن تلك الترتيبات، لكنها كانت جزءا من ترتيباتٍ غربية، وبالأصح، جزءا من سياسة حلف شمال الأطلسي (الناتو) للبحر الأبيض المتوسط، والذي اقتصرت ترتيباته على الجانب الأمني بدرجة كبيرة، بالإضافة إلى حماية حرية التجارة. أما تركيا الراهنة فهي تخوض غمار المنافسات والمنازعات في المتوسط، انطلاقا من اهتمامات مختلفة إلى حد كبير.

المتغير الثاني مرتبط بالثروات التي ظهرت في البحر المتوسط في العقد الأخير، وبالتحديد الغاز، حيث تفيد تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية بأن حوض شرق المتوسط يحتوي على غاز طبيعي بقيمة 700 مليار دولار، على الرغم من أن دراسات اقتصادية بدأت تشير إلى انخفاض الجدوى الاقتصادية لغاز المتوسط، بالنظر إلى تكاليف استخراجه المرتفعة، كونه يقع على أعماق، بين 3 و5 آلاف متر تحت سطح البحر، ما يجعل قدرته على منافسة الغاز الروسي أو القطري، ذي التكاليف المنخفضة، صعبة، إن لم تكن مستحيلة، وبالتالي فإن أغلب مشاريع التنقيب عن الغاز في المتوسط ستتوقف قبل وصولها إلى مرحلة الإنتاج، بسبب هذه الإشكالية، والدليل أن إسرائيل لم تجد سوقاً لمنتجها من الغاز سوى مصر، المكتفية أصلاً من هذه المادة، وتبحث بدورها عن أسواق لتصريف منتجها!

لا يمكن فهم الاشتباك الحاصل في المتوسط من دون ربطه بالمشاريع الجيوسياسية. ويبدو أن ليبيا ستكون العقدة الجيوسياسية التي تتصادم عندها المشاريع وتتراكب على أزمتها الصراعات القادمة والتي بدأت نذرها في الظهور. فالتحرّك التركي، باتجاه عقد اتفاقية مع حكومة الوفاق الليبية، كان الهدف منه مواجهة مشاريع الحصار التي تحاول تطبيقها ضدها كل من اليونان وقبرص “اليونانية” ومصر وإسرائيل، حيث تعتقد تركيا أن لهذا المشروع أبعاداً غير اقتصادية، بل محاولة لتطويقها وزعزعة أمنها، خصوصا أن هذه التحرّكات جاءت على خلفيةٍ سياسيةٍ لم تخفِ نفسَها، نتيجة بروز نزاعات سياسية حادّة بين تركيا وأطراف الحلف المقابل.

على الجانب الروسي، تحاول موسكو تقوية أوراقها في المتوسط، من خلال تأمين وجود فاعل ومؤثر في ليبيا، أولاً لرفع رصيد قوتها الدولية، بعد سيطرتها على سورية، وثانياً لوضع أوروبا داخل كمّاشتها عبر حصارها من الشرق والجنوب، وثالثاً لإضعاف النفوذ الأميركي في المتوسط عموماً، بعد تقاربها مع نظام عبد الفتاح السيسي في مصر. وليس مستغربا أن يتحوّل الأخير إلى لعب الدور الذي قامت به إيران في سورية، من خلال تزويد روسيا بالقوات البرّية، بما يقلل أكلاف تدخّلها ويغريها بالانخراط في الصراع الليبي.

وفي الحالتين، التركية والروسية، تبدو التداعيات المحتملة بمثابة انفجاراتٍ خطرة على طريق ثوران صراع دولي، سيكون من الصعب مداراته، ذلك أن اللعبة تدور على خطوط صراع ملتهبة بالأصل، كما أن المتوسط يشكل عقدة مصالح متشابكة لأوروبا وأميركا. وثمّة فرق بين أن تترك أوروبا وأميركا الصراع يتعفّن في ليبيا والسماح لروسيا بالتموضع في هذه البقعة، لأن وجودها سيتحوّل إلى مفتاح للعبث بمصالح تلك الأطراف. بالإضافة إلى ذلك، تقلّل الإجراءات التركية اليونانية المتضادة خيارات الطرفين في البحث عن مخارج آمنة للأزمة بينهما، فاتفاق تركيا – ليبيا يضع اليونان في مأزقٍ جغرافي معقد، ويحاصرها في جزرها، كما أن تحرّكات اليونان باتجاه مصر وإسرائيل تُطبق على صدر تركيا، وتحوّلها إلى دولة هامشية بمياه إقليمية ضيقة.

ما يقلق في تطوّرات النزاع في البحر المتوسط وعليه عدم وجود بوادر لتراجع الأطراف عن مواقفها وترتيباتها، والأكثر عدم وجود مبادرةٍ من اللاعبين الآخرين لاحتواء النزاع الوشيك، بل هناك سياسة مقصودة لتسريع دحرجة الأمور على كل جبهات المتوسط، وهو وضعٌ يجب أن يقلق المهتمين بأمن المنطقة والسلام العالمي برمّته.

العربي الجديد

———————–

حال السوريين على أبواب سنة 2020/ طلال المصطفى

في 15 آذار/ مارس 2011، خرج السوريون في ثورتهم للتعبير عن تطلعات وأحلام وطنية جامعة، رافعين شعارات وطنية (حرية، كرامة، عدالة،) وكانت رغبتهم الرئيسة بناء سورية، الدولة التي تتوفر فيها قيم الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، تداول السلطات الحكومية والرئاسية، الحريات السياسية كافة، احترام حقوق الإنسان والمساواة.

وبدلًا من أن يستجيب النظام السوري لهذه التطلعات الوطنية الجامعة للسوريين كافة، شنّ حرب الأرض المحروقة عليهم، واصمًا إياهم بـ “الإرهابيين والعملاء”، وبعد تسع سنوات من هذه الحرب، تحوّلت سورية إلى أكبر كارثة إنسانية، بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، في العصر الحديث، حيث اعتُقل عشرات الآلاف تعسفيًا، ومورس عليهم الإخفاء القسري والتعذيب، وصار عدد الوفيات بالآلاف في المعتقلات، وكثيرٌ منهم أصحاب خبرات وكفاءات، وقُتل مئات الآلاف من المدنيين في بيوتهم الآمنة، ودُمّرت المدن والبلدات السورية، بمعالمها الحضارية والثقافية، وتم افتعال المجازر ذات الصبغة الدينية والطائفية، بهدف خلق حالة من عدم الثقة بين المكونات الاجتماعية السورية كافة، حيث أدت سنوات الحرب التسعة إلى جعل أكثر من نصف الشعب السوري مهجرًا ولاجئًا في دول العالم كافة.

أما حال السوريين على أبواب سنة 2020، في أماكن وجودهم المتعددة، بداية في المدن والبلدات السورية التي تسيطر عليها القوات المشتركة (الروسية، الإيرانية، الأسدية) فإننا نجد معظمهم مهددين بمجاعة حقيقية، حيث تدهورت الأوضاع المعيشية بالمطلق، وتفاقم معدل الفقر ليصل إلى أكثر من 85 بالمئة من السوريين نتيجة فقدان مصادر رزقهم الرئيسة، وارتفع معدل البطالة إلى أكثر من 75 بالمئة، وانخفض معدل الإنفاق على الغذاء نتيجة تآكل القيمة الشرائية لليرة السورية، حيث وصل معدل التضخم إلى أعلى من 1000 بالمئة، وتقرّ التقارير الاقتصادية الرسمية التابعة للنظام بأن أكثر من 85 بالمئة من السوريين لا يتمتعون بالأمن الغذائي، أي أنهم عاجزون عن تأمين الحدود الدنيا من مستلزمات المعيشة، حيث بيّنت الدراسات الرسمية للنظام السوري أن 85 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، ومعظمهم يعيش على “المساعدات الخارجية” من المنظمات الدولية الإغاثية ومن أقارب وأبناء في دول الخليج، تركيا وأوروبا، إضافة إلى عدم توفر الخدمات الأساسية للمواطن، من كهرباء ومحروقات وغاز، وأصبح حلم المواطن السوري الحصول على أسطوانة غاز، حيث يتنقل من مركز إلى آخر لمدة شهرين أو أكثر للحصول على أسطوانة واحدة، خصصتها الحكومة السورية لكل عائلة سورية لمدة ثلاث أشهر، ومئة لتر مازوت للشتاء بالكامل، بل أصبح المواطن السوري بحاجة إلى “واسطة قوية” للحصول على هذه الخدمات، حتى في وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك) وجدنا من يسجد على الأرض شاكرًا الله على حصوله على أسطوانة غاز، أو يتلقى التهاني والمباركات بهذه المناسبة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الخدمات الصحية والطبية، حيث انعدام القدرة المالية لمراجعة الطبيب في حال المرض أو شراء الدواء إذا ما توفر، وكذلك الخدمات التعليمية، ويكفي أن نتصور أن عدد الطلاب في القاعة الواحدة في بعض مدارس دمشق يصل إلى ستين طالبًا، أما التقديرات الرسمية لمؤسسات النظام لما تحتاج إليه الأسرة السورية المؤلفة من خمسة أشخاص، فقد وصلت إلى مبلغ 250 ألف ليرة سورية شهريًا، للحصول على حياة معيشية بالحدود الدنيا فوق خط الفقر، بينما الدخل الشهري الحقيقي يراوح ما بين 45 – 75 ألف ليرة سورية.

في الشمال السوري، الخارج عن سيطرة القوات المشتركة الحليفة للنظام السوري، وتحديدًا مدينة إدلب وريفها، يشهد السوريون موجات من النزوح اليومية إلى المجهول، نتيجة حرب الأرض المحروقة التي تشنها القوات المشتركة (الروسية، الإيرانية، الأسدية) حيث لا تميز بين المدنيين والتنظيمات المسلحة. فالموت والتهجير والدمار على مدار الساعة، وجلّ ما يتمناه الناس ملاذًا آمنًا لأطفالهم، حيث أصبح النزوح الآمن حلمًا محفوفًا بالمخاطر للكثيرين. ومن حالفهم الحظ ونزحوا في البراري أقاموا تحت الأشجار، يحلمون بخيمة تقي أطفالهم برد الشتاء، وربطة خبز تسد رمق جوعهم.

كذلك الأمر في تركيا، حيث تتحدث الإحصاءات الرسمية عن حوالي أربعة مليون سوري يقيمون فيها، قد يكون وضعهم أفضل من السوريين المقيمين في المخيمات الحدودية والشمال السوري، ولكن الهواجس الحياتية والمعيشية تلاحقهم، وخاصة قي هذا العام 2019، حيث عاشوا هواجس الترحيل القسري من قبل السلطات التركية إلى الشمال السوري، كما حصل مع الآلاف منهم، إضافة إلى هواجس إيجاد فرصة العمل، والحاجة إلى الإقامة الرسمية التي يفتقدها العديد منهم، تأمين إيجار السكن، الذي يبلغ أكثر من نصف دخل من يعمل، ويزداد سنويًا، تعليم الأبناء في المدارس والجامعات التركية، تأمين بطاقة الإقامة المؤقتة (الكمليك) التي لم يعد الحصول عليها بالأمر السهل، وهناك البعض ممن يحلم بإمكانية تأمين المبالغ المالية المطلوبة للمهريين، لركوب قوارب الموت باتجاه أوروبا والمخاطرة بحياتهم.

كذلك الأمر بالنسبة إلى السوريين في لبنان، حيث يتعرضون لعنصرية رسمية منهجية من قبل الحكومة اللبنانية، وقد حمّلهم آخر تصريح لوزير الدفاع اللبناني مسؤولية كل الخراب اللبناني الناتج عن الفساد الحكومي تاريخيًا، قائلًا: إن نسبة 5 بالمئة من اللاجئين السوريون في لبنان إرهابيون. إضافة إلى السكن في الخيم والوضع المعيشي المتدني، وعدم إمكانية تأمين فرص التعليم والطبابة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السوريين في الأردن ومصر والسودان.

أيضًا السوريون في دول أوروبا الذين يُنظر إليهم على أنهم محظوظون وأفضل حالًا، مقارنة بالسوريين الآخرين، وقد يكون هذا الرأي على حق، ولكن بعضهم يعيش هواجس عدم إمكانية الحصول على الحماية أو اللجوء، وإذا حصل عليها حضرت معاناة لمّ شمل العائلة، وهواجس البعض من عدم إمكانية تعلم اللغة والاندماج الاجتماعي، في ظل ثقافة ومعايير قانونية لم يعتدها السوريون، وقد حصلت لدى العديد من الأسر السورية تصدعات أسرية بين الزوجين، وبين الأهل والأبناء، إضافة إلى هواجس تأمين فرصة العمل للعيش بكرامة من دون انتظار المساعدات المقدمة من الحكومة، وإضافة إلى البحث في إمكانية توفير مبلغ مالي لإرساله إلى الأهل والأقارب في سورية علّه يساعدهم في تأمين الحدود الدنيا للمعيشة والبقاء على قيد الحياة… إلخ.

هذه حال السوريين بعد تسع سنوات من الحرب المجنونة التي شنّها النظام الأسدي على السوريين، التي أوصلتهم -بنسب متفاوتة- إلى العيش تلازمًا مع كل أشكال القلق الاجتماعي النفسي المتصاعد لديهم، الذي أفقدهم إمكانية الوصول إلى الاستقرار الاجتماعي النفسي المتوفر لدى معظم مواطني دول العالم.

هذا القلق الاجتماعي النفسي المتصاعد لدى السوريين كافة، كان من الطبيعي أن تظهر آثاره الاجتماعية والنفسية على العلاقات الاجتماعية بين السوريين، حيث يسودها التوتر والعصبية التي تصل إلى القطيعة في أي لحظة، حيث أصبح جلّ اهتمامهم تأمين الحدود الدنيا للمتطلبات الحياتية الشخصية والأسرية اليومية، لمواجهة الشرخ الاجتماعي والهشاشة في العلاقات الاجتماعية، مقابل التلاحم والتضامن الاجتماعي العالي المستوى الذي برز في الأشهر الأولى من الثورة السورية السلمية، في ظل أحلامهم الوطنية الجامعة بالحرية والكرامة والعدالة، لتصل إلى أسطوانة الغاز وربطة الخبز وخيمة بمثابة منزل لهم نتيجة حرب هذا النظام عليهم.

أخيرًا، أعتقد أن المسألة الأكثر إلحاحًا اليوم، بالنسبة إلى السوريين كافة أينما وجدوا، هي قضية الحفاظ على توازنهم الاجتماعي والنفسي، والعمل للوصول إلى التوافق الاجتماعي النفسي مع البيئة الاجتماعية المحيطة بهم، الذي يجعلهم يشعرون بالأمن الاجتماعي النفسي، فيمكنهم من الحصول على ثقافة وطنية قيمية جامعة تكون بمثابة بوصلة توجههم باتجاه العمل من أجل بناء دولة سورية الديمقراطية الجديدة.

جيرون


العقد العربي الأهم/ مهند الحاج علي

العقد الماضي كان الأهم عربياً، إذ أسس لحقبات جديدة بعد جمود طويل من الديكتاتوريات العسكرية والوراثية.

في نهاية هذا العقد، وهو الثاني في الألفية الثانية، وقعت الثورات العربية في موجتين (تونس-مصر-سوريا-ليبيا-البحرين، ثم الجزائر-السودان-لبنان) وكان آخرها اللبنانية ضد الطبقة الطائفية الحاكمة. طبعت هذه الثورات العقد بأكمله، وصنعت الاصطفافات الاقليمية فيه، وانعكست في الحراك السكاني والنتاج الثقافي.

كالزلزال، سيترك هذا العقد وثوراته أثراً على العقود التالية، وعلى كل المستويات. هل بإمكاننا توقع مستقبل الحركات الإسلامية من دون العودة الى هذا العقد، وقد رأى تجربة “الإخوان” بفرعيهما المصري والتونسي في الحكم، وارتكابات “الدولة الإسلامية” (داعش) ونكبتها؟

وهذه حلقة مفصلية في حكاية الإسلام السياسي منذ تأسيس حركة “الإخوان” عام 1928 وحتى يومنا هذا. ذلك أن 84 عاماً مضت بين لحظة التأسيس الأولى، وبين انتخاب أول رئيس ينتمي الى جماعة “الإخوان”، والخيبات المتلاحقة بعدها حتى انقلاب حزيران (يونيو) عام 2013. تجربة حركة “النهضة” التونسية كانت الأكثر نجاحاً على المستويين السياسي والشعبي، إذ ما زالت تحتفظ بحصتها الثابتة في البرلمان، وتجنبت أفخاخ شبكات (وشلل) “الدولة العميقة” و”الثورة المضادة” بتمويل اقليمي. يُحسب هذا النجاح لـ”النهضة”، وحتى فشل “الإخوان” في مصر يدخل ضمن التجارب الضرورية في عالم السياسة ومراكمة الخبرات الجمعية. ذاك أن المراجعات اللاحقة للتجربتين المصرية والتونسية، أنتجت برامج جديدة لفروع هذه الجماعة، من ضمنها تبني مشروع “الدولة المدنية” الذي كان ضرباً من الهرطقة والكُفر قبل سنوات فحسب. كانت السنوات العشر الماضية أعمق أثراً وأكثر كثافة من تسعة عقود سبقته.

هذا العقد بلور أيضاً تجربة الحكم الأولى للسلفية الجهادية. في مستقبل هذا التيار ومحاولاته اللاحقة للاستقطاب، ستحضر تجربة “داعش” وارتكاباتها وفشلها خلال هذا العقد. أزالت “داعش” حدوداً بين العراق وسورية، على أساس أنها “مصطنعة”، لكن تبين أن عامل الزمن حولها الى واقع من الصعب تجاوزه بغزو جماعة جهادية. واكتشف العالم أيضاً أن حكم السلفية الجهادية يعني إبادة، وستبقى محنة الإيزيديين شاهداً على هذه التجربة، وتحذيراً منها.

الإسلام الشيعي أيضاً سجل صعوداً الى الذروة، تلتها مؤشرات أفول. ذاك أن هذا العقد شهد انتفاضات شعبية ضد الحركات الإسلامية الشيعية العراقية المدعومة من طهران. ليس تفصيلاً أن القوى الشبابية العراقية المنتفضة ضد التيارات الشيعية، كسرت حاجز الخوف، وواصلت الإحتجاج رغم عمليات القتل الواسعة بحق المتظاهرين.

بدأ يظهر شرخ بين المرجعية الشيعية في النجف من جهة، وبين هذه القوى الموالية لإيران، من جهة ثانية. ولهذا الشرخ انعكاسات طويلة الأمد، أولها أنها ستتحدى الهيمنة الإيرانية على العالم الشيعي.

ليس هذا العقد بالهين للبنان أيضاً، إذ سطر نهاية النموذج الاقتصادي اللبناني الذي أرساه رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري ما بعد اتفاق الطائف ونهاية الحرب الأهلية اللبنانية. انتهى النظام القائم على تمويل المغتربين اللبنانيين الخزينة العامة وجشع أباطرة الطوائف، بوساطة المصارف، ومقابل فوائد خيالية (تجاوزت الـ15 بالمئة)، وبمساعدة عربية كلما اقتضت الحاجة. اليوم، انهارت الواجهة الحريرية والمصرفية لمنظومة الفساد، وهي غير قابلة لإعادة الانتاج نظراً لغياب عامل الثقة. سيزرع عام 2020 أسس سياسة مالية واقتصادية جديدة عليها أن تُوفق بين الواقع المأزوم، وبين جشع زعماء الطوائف وعبيدهم.

بالنسبة للعالم العربي، هذا العقد من الزمن تأسيسي، وقد أنتج تجارب في تونس والسودان وربما الجزائر، قابلة لأن تُشكل نموذجاً لتغيير المنطقة ايجاباً، باتجاه التعددية السياسية والانفتاح الثقافي

———————–

سوريا 2019.. عام المعارك و الكارثة الاقتصادية/ وجيه حداد

كسابقاتها من سنوات الحرب، مرت هذه السنة بطيئة وقاسية على السوريين. حملت بداياتها نذر الأزمات المتصاعدة والحرب المديدة، وأسفرت نهاياتها عن المزيد من المعارك الدموية والتشابكات الدولية والإقليمية المتناقضة ضمن الساحة السورية المفتوحة على تعزيز نفوذ الأفرقاء المتصارعين وتصفية الحسابات بينهم.

ومع انعدام أي أفق سياسي خلافا لما كان مأمولا من هذا العام، تصاعدت العمليات العسكرية في العديد من المناطق السورية، وتركزت بمعظمها في شمال وشرق سوريا بعد أن تم إخضاع جنوب ووسط سوريا عسكريا لصالح النظام بشكل نهائي عام 2018.

خرائط المعارك والصراعات الدموية التي شهدها العام 2019 لم تقتصر على معارك النظام ضد مناطق المعارضة بمساندة حلفائه، وإنما تنوعت تبعا لتعقيد الساحة السورية وتشابكاتها المتعددة لتشمل معارك بين معظم المكونات العسكرية الفاعلة في شمال وشمال شرق سوريا، بالإضافة إلى الضربات الجوية الإسرائيلية المستمرة والمتلاحقة.

معارك النظام

في ضوء شعوره بالتفوق العسكري وهروبه للأمام من أزماته الاقتصادية واستحقاقاته السياسية، بدأ النظام أولى معاركه في مطلع العام الحالي في شباط على شكل خروقات لمناطق خفض التصعيد في ريفي حماه الشمالي وإدلب، واشتدت في أيار لتأخذ شكل حملة برية بمساندة حلفائه الروس والإيرانيين ونجم عنها قضم كامل ريف حماه الشمالي، ومنطقة خان شيخون.

أما المعركة الثانية، فقد جرت شرق الفرات بعد استغلال النظام للانسحاب الأميركي من المنطقة بالتزامن مع بدء عملية “نبع السلام” التي أطلقها اردوغان في الشهر العاشر، وجرت المعركة بين النظام و”قوات سوريا الديموقراطية” بالإضافة إلى مناوشات جزئية مع المعارضة والأتراك لينجم عنها في النهاية  استيلاء النظام على العديد من المناطق في شرق الفرات.

ورغم كون تلك المعارك أكثر تشتتاً ضمن المجال الجغرافي واقل عنفاً بسبب الفراغ الحاصل والإرباك الذي شهدته “قسد”، إلا أن نتائجها من وجهة نظر النظام والروس شكلت الانجاز الأهم وفق ما قاله قائد مجموعة القوات الروسية في سوريا الفريق ألكسندر تشايكو “تمثل الحدث المحوري عام 2019 بمساعدة الحكومة السورية على بسط السيطرة على أراض واقعة في شرق الفرات”.

وتأتي المعركة الحالية في ادلب استكمالا للمعركة الأولى في ريف حماه والتي هدفت مرحليا إلى تأمين الطرق الدولية بين كل من  دمشق وحلب، واللاذقية وحلب، وقد استطاع النظام حتى حينه السيطرة على مناطق واسعة في ريف ادلب الجنوبي والوصول إلى تخوم معرة النعمان وما تزال المعارك مستمرة.

معارك أخرى لم يشارك فيها النظام

منذ مطلع العام شنت “هيئة تحرير الشام” معارك طاحنة ضد فصائل المعارضة الأخرى، نتج عنها تعقيم المنطقة لصالحها عسكرياً وإلغاء أي وجود للفصائل الأخرى لتحكم قبضتها على كامل ادلب بغطاء سياسي من حكومة الإنقاذ المنبثقة عنها.

من جهتها تابعت “قسد” معاركها مع تنظيم “الدولة الإسلامية” لتنتزع منه آخر معاقله في الباغوز في الشهر الثالث من هذا العام، تبعه إعلان أميركي بالانتصار على “داعش” جغرافياً، من دون أن يعني ذلك نهاية التنظيم بشكل كامل، لتعلن الولايات المتحدة لاحقاً في 27 تشرين الاول اوكتوبر القضاء على أبو بكر البغدادي ضمن عملية منفردة.

لكن المعركة الأكثر أهمية على الإطلاق، والتي خلطت الأوراق، وغيرت المعادلات القائمة وخرائط الصراع المحلية وانعكاساتها الدولية منذ سنوات  كانت  عبر التدخل التركي المباشر والتوغل في الأراضي السورية إلى ما يزيد عن 30 كلم في المعركة التي أسمتها “نبع السلام”.

الضربات الجوية الإسرائيلية

لم تتوقف إسرائيل عن الضربات الجوية التي شملت معظم الأراضي السورية وامتدت في بعضها إلى أقصى الشمال الشرقي في البوكمال تحت عنوان تقليم النفوذ الإيراني في سوريا، غير أن التركيز الأكبر لهذه الضربات توجه نحو المنطقة الجنوبية بما فيها العاصمة دمشق، بالإضافة إلى المنطقة الوسطى والساحلية التي شهدت عشرات الغارات الإسرائيلية في استهداف مباشر لإيران وأذرعها وتحصيناتها ومستودعات ذخائرها على الأراضي السورية.

موت الحلم السوري

لم يشهد العام 2019 أي تقدم على الصعيد السياسي، على العكس تلقى المسار السياسي المتعثر أصلا طعنة قاتلة أعادت الوضع السياسي إلى نقطة الصفر بانتظار نضوج الظروف أو حدوث تفاهمات دولية وإقليمية لاحقة.

وفي ما يصعب على السوريين المفاضلة بين سنة وأخرى من سنوات الحرب التي شنها النظام عليهم منذ عام 2011، يمكن اعتبار العام الحالي بعام الصدمة، وموت الحلم السوري في انتهاء الحرب والدخول في مسار السلام، وحتى في النظر إلى سوريا باعتبارها كيانا موحدا.

فبعد إعلان غير بيدرس

ن فشل اللجنة الدستورية قبل شهر، وإعلان وليد المعلم قبل أيام وفاة سوتشي مشددا على الحل العسكري، تبخرت الآمال المعقودة على أي حل سياسي ضمن المدى المنظور.

وكانت اللجنة الدستورية التي اعتبر مجرد تشكيلها بعد مخاض طويل وشاق نوعا من الاختراق السياسي، قد عقدت أولى جلساتها في 30/10/2019، غير أن استنكاف النظام ورفضه لعقد الاجتماعات في الجولة الثانية فيها أكدا عدم استعداد النظام وداعميه لأي مسار سياسي في الوقت الراهن.

كما شهد العام 2019 خيبة أمل النظام وداعميه في إحداث اختراق سياسي لجهة الانفتاح عليه و عودة العلاقات البينية دبلوماسيا واقتصاديا كما كان يطمح في مسعى تعويمه وإعادة تأهيله دولياً من البوابة العربية، حيث أن إشارات أمريكية كبحت ذلك التوجه، لتؤكد الجامعة العربية أن الوقت لم يحن بعد، وأن عودة سوريا إلى الجامعة العربية مشروط بانخراطها في مسار التسوية السياسية بشكل جاد وهو ما عززه صدور قانون سيزر(قيصر) باشتمال عقوباته على داعمي وأصدقاء النظام.

2019 الكارثة الاقتصادية

إذا كانت الصدمة الاقتصادية عنوان بداية العام 2019 لما ظهر فيها من أزمات الوقود الخانقة، فان الكارثة الكبرى هي عنوان نهاية العام الذي شهد أسوأ انهيار لليرة السورية، لامس فيها عتبة الألف قادما من سعر يقارب 580 ليرة سورية للدولار الواحد، في ظل وضع مرشح لمزيد من الانهيار بسبب العجز المالي للنظام وإقرار قانون سيزر قبل أيام.

وما بين الصدمة والكارثة تعرض الاقتصاد السوري عام 2019 للانكشاف الفعلي في ظل غياب معلومات مؤكدة عن مصير خط الائتمان النفطي القادم من إيران، وفي أجواء مطالبة داعمي النظام لأموالهم المدفوعة له، واستعادتها على شكل معاهدات إذعان سياسية واقتصادية يحوزون بموجبها على مرافق سيادية وثروات باطنية، كالنفط والفوسفات والغاز،والموانئ والمطارات وشبكات الطرق والنقل البري والبحري.

وفي السياق الاقتصادي شهد العام 2019 تبدلا في مواقع النخب الاقتصادية واستبدال مراكز الصدارة التقليدية بأسماء جديدة، وترافقت تلك التبدلات  والتموضعات الجديدة بسياق قانوني من الحجز الاحتياطي والتنفيذي على بعض الأسماء المعروفة والمشمولة جميعها بعقوبات أمريكية وأوروبية في مسعى من النظام لتلافي آثار العقوبات عبر تغيير الواجهات الاقتصادية المعروفة بأخرى جديدة.

وفي ظل العجز والانكشاف  والتقنين الحاد تخبطت التشريعات السورية في الجانب الاقتصادي، ونحت بمعظمها صوب استحداث آليات جباية  مالية انعكست بمردود شديد القسوة على الأسواق السورية التي اتسمت بالانكماش نتيجة انخفاض القوة الشرائية لعموم السوريين ودخول شرائح كبيرة منها في مستويات الفقر المدقع.

وما بين الاقتصادي والاجتماعي لم يترك عام 2019 للسوريين أن ينتزعوا شظايا الحرب من أجسادهم وأحلامهم، بل زاد عليها بتهجير مليون نازح إضافي يفترشون العراء في ظروف جوية وإنسانية شديدة القسوة.

وبالتوازي مع ذلك سعى النظام الذي يخسر رصيده الاجتماعي مع كل تقدم عسكري إلى المزيد من التضييق على الحريات والتشديد على الإعلام والى المزيد من الاعتقالات  لضبط الحاضنة الشعبية التي بدأت تشعر بعمق الهوة بينها وبينه على قاعدة انهيار ظروف الحياة وتدني الواقع المعيشي.

بكل قسوته ووحشيته يغادر العام 2019 عالم السوريين فاتحا لهم باب عام جديد خرج من صلبه ليكون وريثا له، ولن يختلف عن سابقه إلا بعمق وهول الكارثة والإحباط وشدة الفقر والحرمان.

—————–

2019 : ثورات تزدهر، وأخرى تتعثّر!/ موفق نيربية

عشية العام 2011 وفي أشهره الثلاثة الأولى، فاجأت شعوب خمس دول عربية نفسها والعالم بالانتفاض على حالتها، وقد دخلت أغلبها في حالة عنف رهيبة بعد ذلك؛ في ليبيا وسوريا واليمن على شكل حرب أهلية وتورط خارجي مفتوح، وفي مصر على شكل عودة لنظام عسكري فقد كل مقومات جاذبيته القديمة، وجاء بدلاً منها على صورة كاريكاتورية بمقدار ما هي ديكتاتورية. وخرجت تونس ناجيةً بنفسها من هذا المصير، مستندةً إلى تاريخ أكثر إتساقاً في السلطة والمعارضة.

في حين ابتدأ ربيع جديد أكثر هدوءاً وأفضل تخطيطاً ومثابرة، انفجر في السودان في 19 كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي ولحق به الانفجار الجزائري في شباط، ونزل شباب العراق إلى الشوارع ابتداءً من مطلع تشرين الأول/ أكتوبر ولحق به الشبان اللبنانيون بعد ستة عشر يوماَ.

وما بين الجولتين فروق مهمة في المسار، وغالباً في النتائج أيضاً. إلا أنها جميعاً، وقد شملت تسع دول ومجتمعات عربية، توحي أن عصر الركود قد انتهى بكل وجوهه القديمة، وهو عرضة لتفاعلات عميقة سوف تجعل العالم العربي أكثر اتساقاً وتفاعلاً مع العالم والعصر.  بذلك انتهى مفعول الخوف من قمع السلطة، والخوف من التغيير الذي ارتبط في الذهن العربي بالدمار.

في ما يخص تونس، يلفت الانتباه أنها البادئة بالربيع، والناجحة فيه، والتي استطاعت تجنب مصير غيرها في الموجة الأولى. ويغلب الظن أن بنية النظام البورقيبي، رغم التغييرات الطارئة عليه مع زين العابدين بن علي، قد كان تأسيساً لوضع اجتماعي- ثقافي قادرٍ أكثر من غيره على تجنب مآل غيره، إضافة إلى تركيبة إسلاميي تونس الأكثر معاصرة نسبياً من أشقائهم وإخوانهم في بلدان أخرى. ولعله كان في نظام بورقيبة شيء من نظام أتاتورك، وفي إسلاميي تونس شيء من إسلاميي تركيا، وفي النقطتين انحراف أيضاً.

أما مصر، التي نزلت فيها الجموع الشابة بموجات عارمة إلى ميدان التحرير في 25 يناير/كانون الثاني، وأجبرت حسني مبارك بمشورة القيادة العسكرية وتوجهاتها على الاستقالة، فقد دخلت في ثنائية مرعبة بعد ذلك، جعلت الجيش في جهة مع الدولة العميقة- العريقة، والإخوان في رأس المعارضة وبنيانها المرتجل، في توازٍ مع ثوار الميدان وطموحاتهم، من دون التقاء. وحين أدت الانتخابات إلى فوز محمد مرسي بالرئاسة، وغلب الغلوّ في الطموح والطمع في السلطة على الإخوان، كان سهلاً على الجيش الانقلاب، واستعادة زمام الأمر، أمام دهشة وارتباك شباب الثورة الضعيف التنظيم. وقد تمادت السلطة العسكرية القائمة في اللجوء إلى القمع، حتى وصل بها الأمر إلى أن تُتهم بسلوك طريق أدى إلى وفاة الرئيس المنتخب السابق أثناء محاكمته، في ظروف مشبوهة، كما قالت منظمات حقوق الإنسان ومفوضيتها في الأمم المتحدة. لن يعود الوضع في كلّ البلدان إلى ما كان عليه،  بمقدار ما عاد إلى ذلك في مصر، وتلك مصيبة مختلفة في الأثر والتأثير اللاحقين.

في سوريا وليبيا واليمن تدور حرب طاحنة لا تبقي ولا تذر، وتتعرض البلاد لتدخلات خارجية متنوعة، وتتدهور الحالة الإنسانية والوحدة الوطنية بشكل يكاد يكون جذرياً. لا يتفوق وضع في حجم الكارثة بمقدار ما تفعل ذلك سوريا، التي ضيعت نصف مليون ضحية على الأقل من أبنائها، وحيدت ضعفهم على الأقل، وشردت نصف سكانها في بلاد العالم، أو ضمن الحدود. كما أن روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة تتواجد عسكرياً على أرضها، وتتنازع على الأمر قليلاً أو كثيراً. مع هؤلاء وبينهم ميليشيات متطرفة سنية وشيعية، أو مرتبطة مباشرة بهذا الطرف أو ذاك، وشعب تركه معظم أبنائه المؤهلين وهجروه أو نزحوا منه، وتدهور مستوى تعليمه بشكل جذري، وفقد الكثير من مقومات المجتمع والدولة القائمة بذاتها، وتحولت حكومته إلى ما يشبه العصابة العسكرية- الاقتصادية، العديمة الاستقلال، التائهة في زحام جماعاتها وجماعات الآخرين. وفي الأيام الأخيرة، يتجول شبح الموت والخراب فوق منطقة إدلب، مرافقاً للطيران الروسي وميليشيات شيعية وأسدية وروسية أيضاً على الأرض.

وأوضاع اليمن أيضاً قد ساءت بالقياس مع أي وضعٍ سابق. وهي تتزلزل بعنف تحت ضغط التدخل الخارجي: السعودي- الإماراتي من جهة، والإيراني من جهة أخرى، في انعكاسٍ لتوتر زيدي- سني أو لعله حوثي- سني وحسب. وقد رجع الانقسام الشمالي الجنوبي للظهور بتجليات جديدة، ربما ستكون أكثر عمقاً ونخراً في الكيان اليمني الآن وفي المستقبل. ذلك كله في إطار من الخراب الاجتماعي السياسي الاقتصادي، الذي يؤسس لحالة سوف يتعذر النهوض منها إلا بصعوبة فائقة وزمن طويل.

أما في ليبيا، فقد اشتدت وتائر التدخلات أيضاً مؤخراً، وبعد أن كان الحال قائماً على تعارض الشرق والغرب في البلاد، أصبح أيضاً مرآةً لنزاعات أكبر، لينسق الأعمال من الغرب- مع جيش حفتر- كلٌ من الإماراتيين والسعوديين والمصريين.. والروس، ولتدخل تركيا على الخط بشكل معلن وقوي ومحتمٍ باتفاقيات ومعاهدات، في ظلّ خراب وخسائر إنسانية واجتماعية وبنيوية لن يكون  ترميمها سهلاً فيما بعد.

لم يكن ليعتقد إلا القلة أن ما أصاب موجة الربيع الأولى من عطب وارتكاس؛ في سوريا خصوصاً، من انفجارٍ للطائفية المقاتلة في أبشع صورها؛ سيؤدي في النتيجة إلى ثوراتٍ أخرى “حكيمة”، تعتبر الطائفية، إضافة إلى الفساد، عدواً وهدفاً للمتظاهرين في كلٍ من لبنان والعراق. وبذلك، استطاع شبان البلدين إحياء ما كاد يتلاشى من آمالٍ وآفاق مفتوحة، وربما لدى السوريين على وجه الخصوص. وهذا ما حدث في لبنان والعراق.

ما زالت حركة الشعبين هناك حية، رغم مراهنة أعدائها على تعب وإجهاد المتظاهرين أو تشتيت قواهم. ولقد حققت تلك الثورتان في الحقيقة جزءاً رئيساً مما أرادتاه، إذ لم يعد ممكناً لأي حكومة هناك أو فئة أو ائتلاف أن يستمر على ما كان عليه، أو ألا يأخذ بالاعتبار ما حدث، وما يمكن أن يحدث بعد الآن، استمراراً أو انتفاضاً جديداً. وما زال واضحاً أيضاً أن الخصم الرئيس هنا وهناك هو في النظام الإيراني وجماعته، أو جماعاته.

في الجزائر ملامح وطنية خاصة، مثل الموقف المشترك من الجميع في السلطة والمعارضة من التدخلات الخارجية، وطول نفس الحراك وقواه المنظمة؛ الذي يأخذ بالاعتبار طول المسار، فيركز على أيام الجُمع  مثلا؛ وكذلك في الانتقال الأنيق ما بين المرونة والراديكالية لتحصيل المكاسب خطوةً خطوة. ولم يتضح بعد مدى انعكاس انتخاب رئيس جديد، ووفاة رئيس الأركان شخصية النظام الأقوى، على سياق التطورات اللاحقة. ولكن المؤشرات كلها تدلّ على تصميم عميق، لن يكتفي بما تحقق حتى الآن، وسيتابع حتى التوصل إلى دستور جديد، ونظام جديد أيضاً، رغم الفشل في الاعتراض على انتخاب رئيس جديد.

وقد سبقت السودان كلّ أطراف الموجة الثانية إلى تحقيق مراحل حاسمة في التحوّل السلمي إلى نظام جديد، مع أن تركيبة نظام البشير لم تكن أقل عناداً على التغيير، وخصوصاً باحتمائها بالإيديولوجيا الإسلامية المتزاوجة مع القوة العسكرية الضاربة.

فهنالك إذن علامات على صحة الطريق، من أهمها الابتعاد في الجوهر عن العسكرة والأسلمة والتطييف والارتهان للتدخل من الخارج، والالتزام أكثر بالكفاح السلمي والتنظيم والحكمة الوطنية، إضافة إلى العناد والتصميم على سلوك الطريق ولو كان وعراً، وتحقيق الهدف… وربما لم تضع الفرصة كلها، وربما ليس من بنيان معاصر إلا فوق الخراب، وبالتمسك بهدف الحياة الحرة الكريمة  فوق أيّ إيديولوجيا.

هنالك أيضاً دروس ضرورية وجديدة، منها أن التغيير لا بدّ له ألا يتوقف عند تحقيق سيادة الشعب من طريق الانتخابات الحرة، بل يذهب عميقاً إلى الإصلاح الاقتصادي- الاجتماعي، وحتى مكسب الانتخابات الحرة، ينبغي ألا يكون مستعجلاً قبل فترة انتقالية لازمة لتخمير وتأسيس الديموقراطية؛ وأن رأس النظام ليس هو النظام وحده، وأن الصلح في النهاية هو سيد الأحكام أيضاً.. والمسألة مفتوحة.

——————

غيّرت وجه سوريا.. أبرز الأحداث خلال العام 2019/ أحمد عليان

تحت قبب المؤتمرات والمباحثات، وبأقلام الساسة في الدهاليز التي تنتهي عند مرابض الدبابات والطائرات، تغيّر وجه سوريا على صعد عدّة، أبرزها خريطة السيطرة على جغرافية البلاد، وما رافقه من كوارث على أبناء المناطق ذاتها، وما سبقه من مفاوضاتٍ أفضت إلى ما آلت إليه الأوضاع.

وما بين طاولة المؤتمرين على سوريا، والمنفّذين، ما يزال الموت السوري بأحدث الطائرات الروسية هو الحدث الأكثر تكراراً على مدار اليوم، كما أنّ المخيّمات تكتظّ بالنازحين الجدد الهاربين من جنازير دبابات النظام السوري، في حين لم تفتح ملفّات المعتقلين في سجون الأخير.

دماء، خيام، انهيار اقتصادي، فشل أول خطوة في الحل السياسي، وغير ذلك من الأمور التي يرجّح خبراء أن يكون “قانون قيصر (سيزر) لحماية المدنيين” المقر أواخر العام، كرتا يخلط الأوراق ويقود إلى حل في البلد الذي يشهد حرباً منذ 9 سنوات بعد احتكام النظام للحل العسكري لقمع مطالب السوريين بالحرية، وتتصارع على حصصه قوى عالمية وإقليمية.

تحرير الشام تتمدّد وتهيّئ إدلب

مظلّلاً بتفاهم سوتشي والهدنة بين المعارضة والنظام، بدأ العام 2019، بحربٍ شنّتها “هيئة تحرير الشام” ضدّ فصائل المعارضة، في ريف حلب الغربي، وفي ريف حماة الشمالي الغربي، وإدلب، بحيث فرضت سيطرتها ونفوذها على منطقة إدلب عسكرياً وسياسياً عبر “حكومة الإنقاذ” المنبثقة عنها.

وأنهت “تحرير الشام” وجود فصائل كان لها ثقلها في حرب النظام السوري.

إعلان النصر على “داعش”

في آذار/ مارس أعلنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من التحالف الدولي بقيادة امريكا، أنّها سيطرت على قرية الباغوز في دير الزور شمال شرق سوريا، وهي آخر جيب تحوّل إلى معقل كان يسيطر عليه تنظيم “داعش”.

وأسفرت عملية السيطرة على الباغوز عن مقتل وأسر مئات الدواعش وعائلاتهم من نساء وأطفال عرب وأجانب.

وإذ أعلنت “قسد” النصر على التنظيم، سجّل “داعش” تحرّكات وعمليات له في البادية السورية لاحقاً.

سوريا من دون جولانها رسمياً

في الخامس والعشرين من آذار/ مارس 2019، بثّت الكاميرات مشهداً للرئيس الأمريكي وهو يوقّع على وثيقة تعترف من خلالها واشنطن بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، مع تعهّدٍ آخر بالاعتراف بحقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها.

وكانت ردود فعل النظام السوري وحلفائه في ما يسمّى “حلف الممانعة” بيانات تندّد وترفض تثبيت انتزاع المنطقة السورية التي ضمّتها إسرائيل بقرار منفصل في عهد رأس النظام السوري حافظ الأسد، في حين كانت المدافع تتّجه نحو إدلب وحماة.

النظام يتوغّل في المنطقة الآمنة

بعد افتتاح “تحرير الشام” 2019 بحرب إلغاء الفصائل، كثّف النظام السوري خروقاته لتفاهم سوتشي بين روسيا وتركيا (2018)، حيث بدأ النظام يصعّد في شباط/ فبراير، قبل أن يكثّف القصف في ربيع العام تمهيداً لعمل عسكري ينتهي في  آب/ أغسطس، سيطر بموجبه على مناطق في ريف حماة الشمالي (مدينتي كفرزيتا واللطامنة)، والغربي (قلعة المضيق وما حولها من أرياف في سهل الغاب).

كما وصل النظام لأطراف إدلب، بسيطرته على كفرنبودة والهبيط، وخان شيخون، ومورك الواقعة على الأوتستراد الدولي بما فيها نقطة المراقبة التركية التاسعة التي ما تزال موجودة وتدخل إليها المواد اللوجستية عبر حواجز النظام.

ومن اللافت أن المناطق التي تقدّم فيها النظام كانت تحت نفوذ “تحرير الشام”.

تركيا تتحرّك في شرق الفرات

توقّفت قوات النظام عند المناطق التي سيطرت عليها، في حين أعلنت تركيا في التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر عن إطلاق عملية عسكرية ضدّ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شرق الفرات.

وعلّقت العملية بعد سيطرة القوات التركية وقوات من “الجيش الوطني” السوري على مناطق واسعة شرق الفرات، حيث بدأت تفاهمات أمريكية ـ تركية، وروسية ـ تركية، بخصوص المنطقة التي تقول أنقرة إنّها تريدها آمنة.

وبعد توقيع مذكرة سوتشي بين روسيا المتحالفة مع النظام وتركيا، دخلت قوات للنظام السوري إلى مناطق في شرق الفرات كانت قد طردت منها منذ السنوات الأولى للثورة.

اللجنة الدستورية

شهد يوم الثلاثين من تشرين الأول/ أكتوبر إطلاق اللجنة الدستورية، التي من المفترض أن تعمل على إعادة صياغة دستور سوريا، كخطوة أولى للحل السياسي المتعثّر، لكنّ النظام نسف عمل اللجنة وعطّلها بعد أن طرح عبر وفده أجندات سياسية لا علاقة لها بالدستور وتخالف ولاية اللجنة، تحت مسمّى “المرتكزات الوطنية”.

النظام يستأنف معركة إدلب

استأنفت قوات النظام مدعومة بالروس والميليشيات العملية العسكرية في إدلب حيث سيطرت على مناطق واسعة في ريف المحافظة الجنوبي الشرقي، وباتت على مشارف مدينة معرّة النعمان على الطريق الدولي دمشق ـ حلب.

واللافت في التحركات العسكرية أنّها تتزامن مع تحركات سياسية، إذ ربط مراقبون تحركات النظام في إدلب بتحركات تركيا في شرق الفرات، في إشارة إلى اتفاق الروس والأتراك على تغير خريطة السيطرة في سوريا.

وأدّت عمليات النظام وروسيا إلى مقتل وجرح آلاف السوريين، وتشريد أكثر من مليون شخص منذ مطلع العام في مخيّمات النزوح والقرى الحدودية الآمنة، بحسب إحصاءات محلّية.

مقتل البغدادي ومصير النفط السوري

خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 27 تشرين الاول/ أكتوبر بكلمة أمام البيت الأبيض، أعلن خلالها عن مقتل زعيم تنظيم “داعش” بعملية أمريكية خاصّة أدت إلى مقتله في باريشا بريف إدلب الشمالي.

وبعد وصفه للحظات الأخيرة للبغدادي الذي هرب إلى نفق مسدود وبدأ يصرخ ويستغيث قبل أن يفجّر نفسه مع أطفاله، شرع ترامب في الحديث عن النفط السوري مؤكّداً أنّه للأمريكان والأكراد.

روسيا إلى شرق الفرات

كرّست روسيا وجودها العسكري في شرق الفرات بموجب تفاهم سوتشي مع تركيا، إذ ينص التفاهم على دوريات مشتركة روسية ـ تركية على حدود المنطقة الآمنة.

وكانت قناة “زفيزدا” الروسية ذكرت في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر أن القوات الروسية نقلت ثلاث مروحيات واحدة منهن من طراز مي ـ 8 واثنتين من طراز مي ـ 35، من حميميم إلى مطار القامشلي بالإضافة إلى منظومة دفاع جوي نوع “بانتسير” موضّحةً أنّ الهدف هو تأمين عمل الشرطة العسكرية التي تقوم بدوريات في شمال سوريا تنفيذا لبنود الاتفاق الروسي – التركي (سوشي).

درعا إلى حضن الثورة

لم تتوقّف المظاهر الاحتجاجية الرافضة للنظام وقبضته الأمنية في درعا التي أجرت تسويةً معه ضمنتها روسيا العام الماضي، حيث ساد الفلتان الأمني في المحافظة، وسط أصابع اتهام موجهة للنظام بالضلوع فيه.

وبالإضافة إلى عودة الكتابة على الجدران، وقطع طرق، وإضرابات، ورفع علم الثورة السورية، برزت التظاهرات الليلية في درعا تضامناً مع إدلب.

قانون قيصر

ينتهي عام 2019، بأبرز حدثٍ بحسب خبراء يرون أن “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا” قد يغيّر مسار كل ما جرى عسكرياً وسياسياً.

ووقّع الرئيس ترامب على القانون يوم 20 كانون الأول/ ديسمبر على القانون الذي أصبح نافذاً، بعد سنوات من طرحه وعرقلته لأسباب عدّة.

ويتزامن توقيع القرار مع أحداث بارزة طفت على الساحة السورية، هي مساعٍ للتطبيع مع النظام السوري، وانهيار اقتصادي كبير ومتسارع في الداخل، ورفض النظام للحل السياسي بتعطيل اللجنة الدستورية، ومحاولات لإعادة إعمار المناطق التي سيطر عليها.

ومن المتوقّع وفق القانون أن تفرمل عجلات التطبيع نهائياً، وتنسف إعادة الإعمار، ويزيد الوضع الاقتصادي سوءاً، ويسحب النظام إلى الحل السياسي.

بروكار برس

———————————-

سوريا 2019: احتلالات تكشف سوأة النظام قبل الغزاة/ صبحي حديدي

بعد أن شهد العام السوري 2019 حملة عسكرية ثالثة على إدلب، أوائل أيار (مايو)؛ وحملة رابعة، أواسط تشرين الثاني (نوفمبر)؛ كان منطقياً أن يعمد النظام، مدعوماً بالطيران الحربي الروسي والميليشيات الموالية المحلية والدخيلة، إلى اختتام العام بحملة خامسة، أشدّ وحشية وشراسة، وأوسع استخداماً لأسلحة الإبادة والتدمير الأقذر، وأوضح هدفاً من حيث اقتلاع المدنيين من قراهم وبلداتهم واشجار الزيتون التي حوَلوها إلى بيوت، وتهجيرهم إلى العراء والمجهول. أهداف هذه الحملة الأخيرة لم تتغير كثيراً عن أغراض الحملات الأربع السابقة، ويمتزج فيها 1) هدف قضم المزيد من الأراضي، خاصة في مناطق جنوب غرب المحافظة؛ و2) مبدأ تفكيك الاجتماع السوري المدني (الذي تجمّع، أو أُجبر على التجمّع، في قرى وبلدات ومدن المحافظة، وافداً من حماة (22%)، وحلب (21%)، وحمص (5%)، ودير الزور (4%)، وريف دمشق (4%)، ومناطق أخرى (28%)؛ إلى جانب الـ14% من سكان المحافظة الأصليين)؛ و3) تفريغ اتفاقيات أستانة وسوشي، بصدد ما تبقى من خرافة «خفض التصعيد» والتفاهمات أوّلاً، ثمّ التذكير بأنّ التفاهمات الروسية ــ التركية حول إدلب يمكن أن تتبدل وتتحوّل أو حتى تنقلب إلى حبر على ورق.

كان منتظَراً، كذلك، ان يسكت الجيش التركي عن هذه الجولة الخامسة، كما سكت على الجولات السابقة، رغم أنّ أنقرة تتشبث بموقع الراعي الإقليمي للأمر الواقع في محافظة إدلب؛ إنْ لم يكن اتكاءً على إدارة جيشها لـ12 مركز مراقبة في الشمال السوري، فعلى الأقلّ بسبب عمليتَين عسكريتين في حالة تفعيل («درع الفرات» و»نبع السلام»)، وبسبب «الجيش الوطني»، الذي أنشأته تركيا وينتشر في شمال حلب. لا أحد، بالطبع، ينتظر من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يأمر المقاتلات التركية بالتصدي لبراميل بشار الأسد أو قاذفات فلاديمير بوتين؛ إذْ في وسع الناطقين باسمه إعلامياً (وبينهم بعض «المعارضين» السوريين، للتذكير!) أن يحيلوا الصمت التركي إلى تعاقدات ثنائية مع موسكو حول تقليم أظافر «هيئة تحرير الشام»، وهو إجراء يمكن أن يشمل توجيه ضربات عسكرية مصغرّة، كما حدث مراراً في الماضي. وفي نهاية المطاف، ماذا يمكن لرجل اجتاح مئات الكيلومترات في العمق السوري أن يقول على سبيل معارضة الأسد وبوتين في إدلب؟

وأما تهجير عشرات الآلاف من أبناء معرّة النعمان أو جرجناز أو القرى والبلدات التي دكها النظام السوري والغزاة الروس، فإنّ لدى أردوغان ذلك الخطاب الجاهز، الصالح للاستخدام في المدى المنظور والبعيد، حول عجز تركيا عن استقبال المزيد من اللاجئين السوريين، وإنذار أوروبا/ ابتزازها بأنّ العبء الثقيل لا يمكن أن يظل تركياً فقط. ثمة، هنا تحديداً، هامش مشروع للتفكير في نظرية مؤامرة من الطراز الذي يتيحه منطق المعطيات الميدانية الأبسط: إذا كانت تركيا عاجزة عن، وغير راغبة في، استقبال المزيد من موجات اللجوء، وهي بالتالي لن تمكّنهم من العبور إلى أوروبا عبر بوّابات تركية مفتوحة على مصاريعها؛ فهل التوطين الوحيد المتاح أمام هؤلاء اللاجئين هو الأرض السورية ذاتها، ولكن تلك التي احتلها الجيش التركي في سياق «نبع السلام» وينوي طرد الأكراد منها على سبيل التطهير العرقي، الذي لا تسمية أخرى تنطبق عليه في نهاية المطاف؟ في عبارة أخرى، ما الذي يضير موسكو، راعي النظام السوري، أنّ الاجتماع السوري الذي تجمّع في إدلب، يمكن أن يتبعثر تدريجياً ومنهجياً في عشرات القرى والبلدات التي احتلتها القوات أنقرة الغازية، على طول الحدود السورية ــ التركية؟

ما كان منتظَراً، ثالثاً ومنطقياً، هو ثبات «هيئة تحرير الشام»، التي تُحكم على إدلب قبضة جهادية وعسكرية وأمنية ومافيوزية منذ أكذوبة «تحرير» المحافظة في ربيع 2015، على سلوك مماثل مطابق لأدائها خلال الحملات الأربع السابقة. ولعلّ الجديد الوحيد انكشاف طبائع العلاقة بين «الهيئة» وأجهزة الاستخبارات والقيادات العسكرية التركية، ليس لجهة تنزيه هؤلاء عن إي إثمّ بحقّ «الجهاد الشامي»، أسوة بـ» الإمبراطوريتين الروسية والصفوية الإيرانية»، فحسب؛ بل كذلك التزام صمت القبور (كما فعل أبو محمد الجولاني في كلمته المصوّرة مؤخراً) عن كلّ فعل أو خيار أو موقف أو صفة… على صلة برعاة «الهيئة» الأتراك. وفي ذروة القصف الوحشي وتساقط الشهداء، من الأطفال والشيوخ والنساء أوّلاً، بقيت «الهيئة» وفية للسلوك المماثل المطابق إياه؛ تختار من «ساح الجهاد» ما تحلّ فيه يوماً، كي تغادره بعد يوم؛ ولا «شعب» تكترث له خارج تعريف زائف لـ»أمّة الإسلام»، يرتبط بالغيب أكثر من اتصاله بالبشر؛ ولا «اجتماع» عندها يتجاوز ما يُجمع عليه «أمير الجماعة»، أو ولاته؛ ولا قتال إلا ما تأذن به، حتى لجهاديين أشقاء أمثال «حرّاس الدين» و»أنصار التوحيد»!

العام السوري 2019 شهد، أيضاً، وخلال الأسبوع ذاته أواخر شباط (فبراير)، زيارة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو، وزيارة رأس النظام السوري بشار الأسد إلى طهران؛ حيث العلاقة بين الزيارتين لا تقتصر على التزامن بالمصادفة، بل التقاطع في كشف حال العلاقات الروسية ــ الإسرائيلية مقابل تلك السورية ــ الإيرانية. ففي الملفّ الأوّل ثمة إحصائية دالّة في ذاتها تقول إنّ اللقاءات بين بوتين ونتنياهو بلغت 15 اجتماعاَ منذ أن اتخذ الرئيس السوري قرار التدخل العسكري المباشر في سوريا؛ وأنّ نتنياهو حظي من بوتين بهدية ثمينة هي دبابة إسرائيلية كان الجيش السوري قد غنمها في سهل البقاع اللبناني، سنة 1982، وأهداها النظام إلى متحف سوفييتي، ليعيد بوتين تسليمها إلى دولة الاحتلال. في المقابل، بصدد الملفّ الثاني، تقول المعطيات إنّ معظم القتلى في صفوف جيش النظام لم يسقطوا، خلال الأشهر الأخيرة، في القتال مع المعارضة المسلحة على اختلاف فصائلها؛ بل جراء المواجهات المسلحة الضروس بين ميليشيات إيران والنظام وكتائب الفرقة الرابعة، من جهة؛ وميليشيات سهيل الحسن وكتائبه التي تدعمها القوات الروسية، في ريف محافظة حماة ومنطقة الغاب، من جهة ثانية.

وقد لا يصحّ، سياسياً وأخلاقياً، إيجاز حصيلة العام السوري 2019 دون تكريم شهداء سوريا الذين سقطوا تحت القصف أو في ميادين الدفاع عن الأرض؛ واستذكار أحد هؤلاء على وجه الخصوص، عبد الباسط ممدوح الساروت (1992 ــ 2019)، ليس لأنه يمكن أن ينوب عن شهداء كثر سواه؛ بل لأنه، ، للمفارقة الرفيعة والنادرة، امتلك من أسباب الواقع والرمز ما يكفي كي يكون نسيج ذاته وصنيعة انفراده، حتى وهو يستكمل الكثير من اصفى عناصر النماذج الاستشهادية الكبرى في سوريا ما بعد انتفاضة 2011. والساروت، مجدداً، لم يكن نسخة أخرى مكمّلة أو متطابقة مع أمثال غياث مطر أو باسل شحادة في صفّ النشطاء المدنيين؛ ولم يكرّر نماذج شهداء عسكريين، أمثال «أبو فرات» وعبد القادر الصالح؛ بل كان تكثيفاً مأساوياً بليغاً لمآلات انتفاضة بدأت سلمية، وسيقت إلى السلاح بحكم وحشية النظام وصعود الجهاديين، وكذلك بسبب الحاجة في حدودها الدنيا، القصوى والأقرب إلى الضرورة وخيار الدرجة صفر.

عام عاث فيه الغزاة فساداً في سوريا، إذن، وتضافرت فيه احتلالات روسية وأمريكية وإيرانية جديدة مع احتلال إسرائيلي قديم، وميليشيات جهادية ومذهبية تقاطرت من أربع رياح الأرض، و»معارضة» زائفة كاذبة تابعة وأجيرة؛ تكشف سوأة نظام استبداد وفساد بات مجرّد خادم/ دمية، لا تكاد وظائفه تتجاوز التأتأة الإعلامية، وإدارة النهب عن طريق الإمعان أكثر في إفقار المجتمع، ومواصلة ارتكاب جرائم الحرب حيثما أتاح له الرعاة أن يثبت علامة وجود من أيّ طراز.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

—————————

سوريّو 2019… أعباء لعام مقبل/ فايز سارة

يغلق العام 2019 أيام شهره الأخير وسط مشهد مأساوي، يحيط بالمنطقة الأخيرة من مناطق خفض التصعيد في إدلب ومحيطها؛ حيث تتواصل عمليات قوات الحلف الثلاثي للنظام مع روسيا وإيران والميليشيات التابعة لها، وتتابع الطائرات الروسية تدمير المدن والقرى والطرق العامة عبر صواريخها، بالتوازي مع عمليات طيران الأسد، وخاصة طائرات الهليكوبتر، التي أغرقت المنطقة بالبراميل المتفجرة، ما تسبب في تدميرها كلياً أو جزئياً، وعلى سبيل المثال، فإن قصف الطيران الروسي وطيران الأسد سببا تدميراً لأكثر من نصف مباني معرة النعمان، وأصيب ما تبقى منها بأضرار متنوعة، وتم تهجير أغلب سكانها، البالغ نحو 200 ألف نسمة، كما قال أحد السكان الباقين في المدينة.

وإذا كان الفصل الحالي من الحرب في إدلب، يرسم هذا الجانب من معاناة السوريين في العام 2019، فإن معاناتهم في المناطق الأخرى لها وقائع لا تقل بشاعة. ففي شمال وشمال شرقي البلاد، يرضخ السوريون تحت أعباء ما تركته عملية نبع السلام التركية في مواجهة «قوات سوريا الديمقراطية»، التي يقودها أكراد BYD، وقبلها في عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون من قتل وجرح واختفاء وتهجير وتدمير ممتلكات، وما تركته جميعها من تداعيات في علاقة العرب والأكراد السوريين، وما فعله دخول متطرفي الجانبين في فضاء تلك المعارك، فجعلوها كذباً وبهتاناً حرباً بين العرب والأكراد، أشعلوا فيها الاتهامات المتبادلة، وساهموا في تصعيد خطاب الكراهية والعنصرية بين الجانبين.

ولا يبدو الوضع في مناطق سيطرة النظام أفضل من الناحية الأمنية، ومنها مناطق المصالحات، التي استعاد النظام سيطرته عليها بمساعدة روسية. ففي تلك المناطق يتواصل التصعيد الأمني من جانب أجهزة النظام وقواته، التي تشن حملات متابعة ضد الناشطين والأعضاء السابقين في تنظيمات المعارضة المسلحة، ولا تستثني الذين التحقوا منهم بقوات النظام وأجهزته، فيتم اعتقالهم والتحقيق معهم، وغالباً مصيرهم القتل تحت التعذيب، وثمة موت يصيب أقرانهم عبر عمليات اغتيال، أغلبها تبدو عليه بصمات الأجهزة الأمنية للنظام، وبفعل مسارَي القتل السابقين، سقط مئات الأشخاص في مناطق المصالحات وخاصة في محافظة درعا.

وواقع الأمر أن ترديات حالة السوريين لا تقتصر على ما تتركه التطورات الميدانية، أو الأوضاع الأمنية، بل أضيفت إليهما مع اقتراب نهاية العام، نتائج انهيار سعر صرف الليرة السورية مقارنة بأسعار العملات الدولية، ما دفع الحالة الاقتصادية والمعيشية لأغلبية السوريين المتفاقمة أصلاً إلى مزيد من الانهيار، في وقت تتزايد تخبطات السياسة الاقتصادية الاجتماعية للنظام، بما فيها الدخول على خط تحويلات السوريين في الخارج، التي تساعد أهلهم في الداخل، وتم إضعافها، وكله ساهم في ارتفاع أسعار السلع والخدمات بصورة كبيرة، وفاقم معدلات البطالة، وزاد مستويات الفقر، ووسّع إطار المشكلات، التي تواجه سكان مناطق سيطرة النظام.

إن تدهور الوضع السوري في المجالات المختلفة، إنما يعكس حالة الانهيار السياسي، التي صارت إليه الدولة السورية في ظل نظام الأسد، والتي صار البعض يتساءل ما إذا كانت قائمة بالفعل، خاصة أن النظام فقد خواص السلطة ودورها، وأصبح أقرب إلى العصابات المسلحة، أو الميليشيات في أحسن الأحوال، والدلائل في الحالتين أكثر من أن تعد وتحصى.

ولا تسجل المعارضة حالة أفضل في الأوضاع السياسية، ولا التنظيمية، ولا في علاقاتها البينية والخارجية، ولا في إدارة الصراع مع النظام وتحالفه الإيراني الروسي، بل إن كياناتها السياسية تراجعت، وتدهور وضع تشكيلاتها العسكرية، وما عاد موجوداً من الكيانات السياسية هو أقرب إلى تشكيلات تسبح في فضاءات القوى الإقليمية والدولية المتحكمة في القضية السورية والفاعلة فيها، ومثلها غالبية الجماعات المسلحة، ومنها المشاركة في آستانة، ومعظمها لا يتعدى أنه حامل مشروعات إسلاموية سلطوية، تنافس نظام الأسد، أكثر من أن تشكل بديلاً عنه.

يخرج السوريون من بوابة العام 2019 في أسوأ أحوالهم شعباً ونظاماً وجماعات سياسية وعسكرية، ويكثرون من الحديث عن تغيير مطلوب القيام به، لكن الأمر لا يتعدى الحديث، ما يضيف سيئة أخرى، وإن لم تكن من مستجدات 2019 فإنها قد تفاقمت فيه، فحوّلت السوريين إلى ظاهرة صوتية، تُلقي بظلالها على الجميع.

وللحق، فإن حال سوريّي العام 2019 يطرح عبء علاج الواقع، والمضي بهم نحو المستقبل، وهو خط تبناه المجتمع الدولي، ورسم أساسياته في بيان جنيف لعام 2012 ثم أجرى عليه تعديلات وصولاً إلى القرار الدولي 2254 لعام 2015 الذي يمثل إطاراً متوافقاً عليه للحل السوري، وخاصة لجهة «إنهاء النزاع»، عبر «الانتقال السياسي تحت قيادة سورية، وفي ظل عملية يمتلك السوريون زمامها، على أساس مجمل ما جاء في بيان جنيف»، و«الالتزام بوحدة سوريا واستقلالها وسلامتها الإقليمية وطابعها غير الطائفي، وكفالة استمرارية المؤسسات الحكومية، وحماية حقوق جميع السوريين، بغض النظر عن العرق أو المذهب الديني، وضمان وصول المساعدات الإنسانية».

وإذ عطل نظام الأسد وحلفاؤه، إلى جانب التراخي الدولي، تطبيق هذا العلاج، بما يمثله من جهد لإخراج السوريين من ترديات واقعهم، فإن على السوريين ألا يستكينوا، وأن يتقدموا نحو معالجة أوضاعهم قريباً من اتجاهات الحل الدولي، الأمر الذي يمكن أن يجعلهم قريبين من محتوياته عندما يبدأ تطبيقه، ويعطيهم فرصة الاستفادة من تأييد أطراف دولية وإقليمية، تعتقد أو تقول إنها مع الحل وتدعم تطبيقاته.

إن ما يمكن أن يكون جهداً فاعلاً في علاج ترديات 2019 يتمثل في خطة، تضع قدراتهم على السكة الصحيحة نحو معالجة الأوضاع المحيطة بقضيتهم، ولعل أول مهمات الخطة وقف الجنون العربي الكردي، وما فيه من اتهامات، تقوم على معطيات غير حقيقية، أو أنها محوره، هدفها تصعيد الكره المتبادل والاتهامات بالعنصرية والانفصالية، ودفع الطرفين إلى الأعمق في إشاعة الكراهية، التي تجاوزت علاقتهما الثنائية إلى تسميم العلاقات بين مكونات الجماعة الوطنية، وداخل كل مكون منها، وكلها أمور تدعو إلى التهدئة بين العرب والأكراد، وضمن في كل منهما، ما يؤدي إلى تهدئة أوسع داخل المكونات، وتهدئة على المستوى الوطني.

والمهمة الثانية العاجلة، تسخير كل الجهود من أجل وقف الحرب على السوريين بكل أشكالها ومستوياتها دون اشتراطات من أي نوع، بحيث تتوقف عمليات القتل والجرح والاعتقال والتهجير وتدمير القدرات والموارد الاجتماعية والفردية، تمهيداً لخطوات تالية، أبرزها بذل كل الجهود لإطلاق المخطوفين والمحتجزين والمعتقلين أينما كانوا.

والمهمة الثالثة إطلاق صندوق وطني سوري بإدارة تقنية مستقلة، يتم انتخابها، تقوم بإدارة الصندوق تحت إشراف الأمم المتحدة، توضع فيه المساعدات الأممية والدولية المقدمة للسوريين، ويشارك فيه السوريون، بما فيهم رجال الأعمال، كل وفق قدراته، وله فروع في سوريا وأماكن وجود اللاجئين السوريين، تكون مهمته مساعدتهم في معاشهم وفي العودة إلى بلدهم، وتطبيع حياتهم فيه.

المهمة الرابعة، تأسيس مجلس سياسي من إدارات «المكاتب السياسية أو ما يماثلها» من الكيانات السياسية القائمة والمعترف بها في المؤسسات الأممية والدولية، ودفعه لانتخاب هيئة إدارية، عددها ثلث المجلس، ثم هيئة سياسية مصغرة، عددها ثلث الهيئة الإدارية، تدير العمل اليومي.

إن المضي في هكذا خطة بمساعدة أو إشراف الأمم المتحدة، سيُحدث تحولاً في الواقع السوري، ليس من باب معالجة بعض ترديات الواقع، وهذا أمر ملح، وإنما من خلال قدرة السوريين على إعادة صياغة علاقاتهم البينية وعلاقاتهم بالآخرين، وتنمية قدراتهم على التوافق والعمل المشترك، والأهم مغادرة أهم ما تراكم من سلبيات المرحلة الماضية.

الشرق الأوسط

———————-

دمٌ مستمر وغياب للحلول.. هذا ما عاشته سوريا في 2019

لم يكن عام 2019 مختلفاً عن السنوات التي سبقته؛ فقد استمر شلال الدم الجاري في البلاد منذ عام 2011، إبان إشعال نظام بشار الأسد للحرب ضد الثورة السورية المطالبة بإسقاط النظام أسوة بثورات الربيع العربي في دورتها الأولى.

وخلال 12 شهراً كانت الأحداث متسارعة بشكل كبير مرت فصولها على السوريين بشكل متقلب؛ ما بين استمرار المجازر على يد قوات نظام الأسد ومروحياته، بالإضافة لمقاتلات روسيا، والمليشيات الإيرانية المنتشرة على الأرض، ومواصلة نزوح وتهجير المدنيين من بيوتهم، وحل سياسي متعثر، وانتهاك للهدن، وصمت دولي.

ورغم كل تلك الدماء التي سالت في سوريا، بينها مئات آلاف القتلى، وملايين الجرحى والمهجرين والنازحين، وما تعلنه الأمم المتحدة في تقاريرها الدورية عن حاجة ملايين السكان للمساعدة العاجلة، ما زال رأس النظام بشار الأسد متمسكاً بمنصبه، رغم مطالبات دولية برحيله، لكن المعارضة تعتبرها غير جادة.

خرق الهدن

ومنذ أبريل 2019، تنتهك قوات الأسد مدعومة من روسيا وإيران مناطق خفض التصعيد في محافظتي إدلب وحماة، بالإضافة إلى أجزاء من ريف اللاذقية وريف حلب، متسببة بمقتل وإصابة العشرات بشكل شبه يومي.

وفي ظل ذلك أعلنت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، (يونيو 2019)، أنّ النظام السوري وروسيا يستخدمان أسلحة محظورة دولياً (ذخائر عنقودية وأسلحة حارقة) في هجمات غير مشروعة على المدنيين شمال غربي سوريا.

وتلك المناطق مشمولة باتفاق توصلت إليه روسيا وتركيا في سوتشي الروسية، في سبتمبر 2018، نصّ على إقامة منطقة منزوعة السلاح تفصل بين مناطق سيطرة قوات النظام والفصائل.

وسبق ذلك الاتفاق محادثات أستانا، التي بدأت في كازخستان عام 2016، بين روسيا وتركيا وإيران ونظام الأسد والمعارضة العسكرية السورية، والتي تسببت بعقد اتفاقات تخفيض تصعيد في عدة مناطق من عموم سوريا، أدت إلى خسارة المعارضة العسكرية لأغلب مكاسبها على الأرض، حيث إن النظام لم يلتزم ولو مرة واحدة في الهدن، واستمر في قصف المدنيين، الأمر الذي كان يدفع إلى توقيع اتفاقيات تهجير.

القصف الإسرائيلي

وفي ظل الوجود الإيراني العسكري في سوريا استمر على مدار سنة 2019 استهداف دولة الاحتلال الإسرائيلي للمواقع الإيرانية والتابعة لمليشيا حزب الله اللبناني، وبالطبع لمواقع نظام الأسد أيضاً.

ورغم كل التصعيد الدعائي الكبير والمستمر لما كان يطلق على نفسه محور المقاومة والممانعة (إيران، ونظام الأسد، وحزب الله اللبناني) لم يرد الحلف على دولة الاحتلال في ظل استمرار قصف المواقع تلك بسوريا.

وكانت آخر هجمات جيش الاحتلال في 20 نوفمبر 2019، على أهداف إيرانية ولنظام الأسد داخل سوريا، بسبب صواريخ قال إنها أُطلقت على “إسرائيل” قبلها بيوم.

كما انتهك قصف إسرائيلي، في الـ12 من الشهر نفسه، الأجواء السورية مستهدفاً منزل القيادي في حركة الجهاد الإسلامي أكرم العجوري في دمشق، وهو ما أسفر عن استشهاد ابنه معاذ وشخص آخر، دون أن يحرك النظام ساكناً.

وكانت أقسى الهجمات قد وقعت أواخر يناير الماضي، حين أعلن جيش الاحتلال قصف مواقع تابعة لـ”فيلق القدس” الإيراني بسوريا، وهو ما تسبّب في سقوط أعداد من القتلى والجرحى.

نبع السلام

من جانب آخر سعت تركيا في الأعوام الماضية لدخول مناطق شرق الفرات بالتعاون مع فصائل المعارضة السورية؛ لإيقاف تهديد الوحدات الكردية الانفصالية التي تهدد وحدة سوريا، وتشكل خطراً على الأمن القومي التركي، إلا أن الممانعة الأمريكية أجّلت الموضوع.

لكن في 9 أكتوبر 2019، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان انطلاق عملية “نبع السلام” على يد الجيش التركي والجيش الوطني السوري؛ لأجل القضاء على ما اعتبره “الممر الإرهابي المُراد إنشاؤه قرب حدودنا الجنوبية، وإحلال السلام في تلك المناطق عبر إنشاء منطقة آمنة لعودة السوريين إلى بلدهم”.

وفي 17 من الشهر نفسه، علق الجيش التركي العملية بعد توصل أنقرة وواشنطن إلى اتفاق يقضي بانسحاب الوحدات الكردية من المنطقة، وأعقبه باتفاق مع روسيا بسوتشي، في الـ22 من الشهر ذاته.

مقتل البغدادي

وفي 27 أكتوبر 2019، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسمياً مقتل أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم “داعش”، في عملية خاصة للقوات الأمريكية في قرية باريشا بمحافظة إدلب شمال غربي سوريا.

وأكد أنه شاهد عملية قتل البغدادي بصحبة نائبه مايك بنس، ووزير الدفاع مارك إسبر، ورئيس الأركان، وآخرين، مضيفاً: “زعيم التنظيم قتل في نفق مسدود وكان يصيح ويصرخ خلال محاولات هربه”، مشيراً إلى أن البغدادي فجر نفسه بحزامه مع أطفاله.

وأوضح أن 8 طائرات أمريكية نفذت إنزالاً على منزل البغدادي، مشيراً إلى أنه أثناء تحليق الطائرات على مستوى منخفض وبسرعة عالية جداً “قوبلنا بإطلاق نار من المنطقة”.

وكشف عن فتح روسيا المجال الجوي الذي تحت سيطرتها في سوريا أمام قوات بلاده، وقال: “روسيا كانت عظيمة، وحلّقنا فوق مناطق خاضعة لروسيا في سوريا، لكنهم لم يعرفوا ماذا كنا نفعل بالضبط”.

اللجنة الدستورية

لم يكن الحل السياسي بوضع أفضل من الوضع الميداني المتعثر، فقد فشلت جولتان من مباحثات جنيف لتشكيل دستور جديد لسوريا برعاية الأمم المتحدة.

وانطلقت أولى المباحثات في 30 أكتوبر 2019، بعد أن أعلن تشكيلها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ونجاح جهود أممية بتأسيس لجنة دستورية مكونة من 150 عضواً من النظام والمعارضة والمجتمع المدني بالتساوي، وأن قراراتها ستتطلب أكثرية ثلثي الأعضاء، ولا تحتاج موافقة البرلمان أو الرئاسة السورية.

وستعمل اللجنة على إعادة صياغة الدستور السوري ضمن عملية انتقال سياسي، مع التوقف الفوري عن شن هجمات ضد أهداف مدنية برعاية دولية، لتنتهي بجمع الأطراف في مفاوضات نهائية تخلص إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة بإشراف أممي.

لكن نظام الأسد أفشل آخر الجولات بسبب طرحه لأجندات سياسية لا تتصل بالدستور لا من قريب ولا من بعيد، بحسب تعبير وفد المعارضة، حيث لم تخرج الجولة الأولى إلا باقتراحات من الوفد المعارض تتضمن جدول أعمال، ولم يقدم أي أوراق سوى رفع الشعارات وإلقاء التحيات على جيش الأسد، في حين اكتفى وفد المجتمع المدني بمناقشة الورقة المقدمة من هيئة التفاوض.

انهيار الليرة

من جانب الاقتصاد كانت الحياة اليومية للمواطنين السوريين في أسوأ أحوالها في مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة المعارضة على السواء، حيث انهارت الليرة السورية لأدنى مستوياتها أمام الدولار الأمريكي.

وسجلت الليرة، في ديسمبر ونوفمبر الماضيين، انخفاضاً وصل إلى سعر صرف 900 ليرة مقابل كل دولار واحد، في حين ما زال المصرف المركزي السوري (تابع لنظام الأسد) يسعّر صرف الليرة مقابل الدولار عند 435 للشراء و438 للمبيع، في تجاهُل كامل لما يجري في سوق العملة.

وذكرت مصادر محلية لموقع “الخليج أونلاين” أن أسواق العاصمة دمشق تشهد ارتفاعاً غير محدود في أسعار السلع الغذائية الرئيسة وصلت إلى 40%؛ بسبب انخفاض سعر صرف الليرة.

إقرار قانون قيصر

وفي ظل استمرار نظام الأسد في ارتكاب جرائم تعدّها جهات دولية جرائم ضد الإنسانية، وقع الرئيس دونالد ترامب، قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019، واعتبرت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان أنها “خطوة مهمة من أجل تعزيز المحاسبة عن الفظائع التي ارتكبها بشار الأسد ونظامه في سوريا”.

وأضاف البيان: إن “القانون يوفر للولايات المتحدة وسائل تساعد في وضع حد للصراع الرهيب والمستمر في سوريا من خلال تعزيز قضية مساءلة نظام الأسد”، معتبرة أنه “يحاسب أولئك المسؤولين عن موت المدنيين على نطاق واسع وعن الفظائع العديدة في سوريا، ومن ضمن ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية وغيرها من الأسلحة الهمجية”.

وسيشمل القانون توسيع نطاق العقوبات لتشمل قطاعات رئيسية من اقتصاد نظام الأسد أو الكيانات السورية الداعمة له، للوصول إلى مرحلة إعادة إعمار سوريا انطلاقاً من المحاسبة والعدالة لضحايا النظام، وسيطول قوات أجنبية؛ من أهمها الجيش الروسي، والمرتزقة المتعاقدون مع نظام الأسد، وشركات الطاقة التابعة له، وكل العقود التي أبرمت مع النظام.

وقانون قيصر قدم لأول مرة عام 2016 حاملاً اسم ضابط منشق عن مخابرات النظام عام 2014، سرب 55 ألف صورة لمعتقلين قتلوا تحت التعذيب في سجون الأسد بشكل وحشي.

التهام إدلب

وحتى نهاية عام 2019، واستمراراً لانتهاكات روسيا ونظام الأسد وإيران لاتفاق خفض التصعيد في إدلب، سيطر نظام الأسد على مناطق استراتيجية من إدلب وريف حماة خلال عدة شهور عبر معارك متفرقة وقصف هستيري مركز على مناطق المدنيين؛ بينها خان شيخون، والهبيط، وأجزاء من ريف حماة.

وفي ديسمبر سيطرت قواته على مدينة جرجناز بريف إدلب، سعياً للوصول إلى مدينة معرة النعمان الاستراتيجية في ريف إدلب الجنوبي الواقعة على الطريق الدولي “دمشق – حلب”.

وتسببت الحملة خلال ثمانية أشهر بتهجير أكثر من نصف مليون مدني أكثرهم من الأطفال والنساء في العراء باتجاه الحدود المغلقة مع تركيا.

—————————–

معالم ومفارقات الموجة الثانية للربيع العربي!/ أكرم البني

من المفيد، ونحن على مشارف عام جديد، التوقف عند الانتفاضات أو الثورات التي شهدتها المنطقة العربية خلال العام المنصرم، في السودان والجزائر والعراق ولبنان، ودرجت تسميتها «الموجة الثانية من الربيع العربي»، بما هو توقف عند المعالم الخاصة لتلك الثورات، وخطوط تفارقها عما عرفت بثورات الموجة الأولى.

أولاً، الموقف المشترك أو شبه الموحد للثورات الجديدة في رفضها للإسلام السياسي، وتعرية دوره في الدولة والمجتمع. فإذا كانت موجة الربيع الأولى قد منحت الإسلام السياسي، وخصوصاً جماعات «الإخوان المسلمين» وأشباههم، فرصة كبيرة لركوب الانتفاضات الشعبية والثورات في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، ومكنتهم في بعض الساحات من الوصول إلى السلطة، أو فرض سيطرتهم على مجرى الصراع، فإن الموجة الثانية تبدو عموماً، كأنها في مواجهة مع الإسلام السياسي والنتائج السلبية التي خلفتها برامجه وممارساته.

ألم تنهض ثورة السودان، بشكل صريح وحاسم، ضد الحكم الإسلاموي وما مارسه من قهر وفساد في الأرض، لتدشن بشعاراتها المدنية رحلة إسقاطه سياسياً وشعبياً؟! وألم تتجلَّ انتفاضة الجزائريين في إحدى صورها كانتفاضة ضد الدور الخفي والمتواطئ الذي لعبه الإسلاميون في السلطة، ولفضح تواطئهم كأفراد أو كجماعات في تغطية وجوه القمع والفساد؟ وأيضاً ألا يصح اعتبار انتفاضتي لبنان والعراق، ثورتين ضد الإسلام السياسي بوجهه الشيعي، المتمثل بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، ووصايتها على البلاد والعباد، وتالياً ضد استطالاتها السرطانية التي تصول وتجول، قهراً فساداً، في هذين البلدين، مسعرة الصراع المذهبي وما يخلفه من انقسامات متخلفة، هتكت البنية والهوية الوطنيتين، وذهبت بالبشر وشروط حياتهم إلى ما يشبه الكارثة الإنسانية؟

ثانياً، الإصرار الواضح على النضال السلمي واللاعنفي، والذي بدا هنا أشبه بنهج استراتيجي مستقر وراسخ في الوجدان والوعي الشعبيين، وليس، كما عرفته بعض الثورات السابقة، خياراً مؤقتاً أو تكتيكاً طارئاً. ولعل ما عزز إحجام ثورات الموجة الثانية عن الانزلاق إلى فخ العسكرة وحمل السلاح، ليس فقط إدراكها لتعارض العنف مع جوهر مطالبها من الحرية والعدالة والكرامة، وإنما أيضاً إفادتها من أخطاء ودروس الثورات التي سبقتها في ليبيا واليمن وسوريا، بعد أن فرض عليها خيار العنف ومنطق الحسم بالقوة والسلاح، الأمر الذي يفسر قوة اللحمة والتعاضد بين المتظاهرين، في مقاومة وإفشال محاولات الأجهزة السلطوية والأمنية وبعض الجماعات الطائفية، لاستفزازهم وجرهم للرد على العنف بعنف مضاد. ولنتذكر كيف اختار السودانيون الاعتصامات المدنية والسلمية، للرد على المجازر البشعة التي حاول من خلالها أنصار النظام البائد استثارتهم وجرهم إلى لغة الثأر والانتقام. وأيضاً كيف صدح ولا يزال شعار السلمية، في مواجهة ما جرى ويجري من قمع وقتل واغتيالات للناشطين العراقيين، كما إصرار الحشود بعد مجازر النجف وكربلاء على الاستقواء بالآية الكريمة: «لئن بسطت إليَّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين». ومن القناة ذاتها يمكن النظر إلى حشود اللبنانيين التي ترفض العنف وتسعير الصراع الأهلي، وتجاهد بكل السبل لإفشال محاولات بعض المغرضين جرهم إلى دائرة الاقتتال الطائفي والمذهبي.

ثالثاً، يصح القول إن أحد معالم ثورات الموجة الثانية، أنها تأتي بالضد من أي تدخل خارجي في شؤون البلاد، يحدوها تمسك لافت بحصر الصراع في بعده الوطني والداخلي، ربما لأنها عاينت جيداً النتائج المأساوية التي خلفها اندفاع بعض ثورات الموجة الأولى صوب المطالبة بتدخل عسكري خارجي، يكسر عنجهية الأنظمة، ويردع قدرتها على ممارسة الفتك والتنكيل، وتألمت كثيراً لما صارت إليه أحوال ليبيا بعد التدخل العسكري الغربي، وللمصير المؤلم الذي ينتظر سوريا وقد صارت مسرحاً للصراعات الخارجية، ونجح التدخلان العسكريان، الإيراني والروسي، في تمكين النظام، وتشويه الثورة، والفتك بخيرة أبنائها، وتدمير حلم السوريين بغدٍ أفضل.

رابعاً، لعل أهم ميزة لثورات العام المنصرم، ليس فقط أنها جاءت عابرة للإثنيات والأديان والطوائف، وتشدد على الهوية الوطنية الجامعة، وعلى وحدة الشعب ومعاناته المشتركة من القهر والفقر والحرمان، وإنما أيضاً بصفتها عابرة للأحزاب والقوى السياسية، فليست طفرة أن تغيب خلال التظاهرات الفوارق والحساسيات التي افتعلها المستبدون، بين الأمازيغ والعرب في الجزائر، وبين مختلف مكونات المجتمع القومية أو الدينية أو الطائفية في السودان ولبنان والعراق، كما ليس أمراً بسيطاً أن تتصدر تلك الثورات قيادات جديدة ومتنوعة من المجتمع المدني، بعيداً عن أي هوية حزبية، وأن تتوافق الحشود على رفض أي مشاركة للأطراف السياسية في مسار التغيير، وتالياً على مرحلة انتقالية تقودها حكومة مستقلة تماماً، تقطع مع الماضي والتركيبة السياسية القائمة. والأهم تميز هذه الثورات بدور كبير للمرأة فيها؛ حيث تصدرت النساء من ربات البيوت والمهنيات وشابات المدارس الحشود، وتقدمن الصفوف لابتكار وقيادة بعض الأنشطة والفعاليات المدنية المعارضة، والأدلة كثيرة، ظاهرة «الكنداكة» في السودان، وتواتر خطف الناشطات الجامعيات في العراق، وتصدر النساء اللبنانيات المظاهرات، لتخفيف الاحتكاك والتوتر مع حواجز الشرطة، كما تسييرهن غير مظاهرة وهن يحملن الشموع رفضاً لمحاولات إعادة المجتمع لأجواء الحرب الأهلية.

وفي المقابل، ثمة جديد يحسب على السلطات السائدة، وهو تصنع البلادة في تفهم معاناة المحتجين وما يكابدونه، وتقصد الاستهتار والبطء في التعاطي مع مطالبهم المشروعة، ربما لأن تجارب ثورات الموجة الأولى قد علمتهم أيضاً ألا يكرروا سلوك زين العابدين بن علي أو حسني مبارك، وألا يتعجلوا الاستجابة لما تريده غالبية الناس؛ بل أن يضعوا نصب عيونهم تجربة النظام السوري ويتمثلوها جيداً، ما دام قد خرج منتصراً كما يدعي، حتى وإنْ على بقايا وطن تتنافس عدة أطراف خارجية على تقاسمه، وإنْ على أنقاض مجتمع تمزقه التعبئة الطائفية والمذهبية البغيضة، وإنْ على جثامين مئات ألوف القتلى، وأنات أضعافهم من المعتقلين والمشوهين، وضياع ملايين المشردين. ولعل ما يعزز هذا الأمر في الحالتين اللبنانية والعراقية، قوة التدخل الإيراني، والذي يرجح ألا يتردد، كما فعل ضد شعبه، في تشجيع اللجوء إلى وسائل الفتك والتنكيل للحفاظ على نفوذه أو بقايا نفوذه في المشرق العربي.

الشرق الأوسط

—————————–

في هجاء موتنا/ علي سفر

بعد قليل سيحملنا مؤشر الأعوام إلى عتبة جديدة، تزيد من حدة أيام قهرنا، وترفع مستوى الإبر الوخاذة في نبضنا وهو يقترب من نهايته في الشرايين والأوردة المفتوحة إلى أوسع فتحة للقهر عرفها التاريخ!

لم يعد هناك من فرق بين سنة وأخرى، وبين مصير كهذا أو مثل ذاك! لقد تساوينا كلنا في الهبوط أدنى فأدنى صوب الحافة، كأوراق شجرة كانت في الأعلى تعانق السماء، ثم حملها الهجير إلى مجرى السيل..!

نشعر الآن كسوريين أننا أقرب ما نكون إلى حتفنا!

نمضي الوقت كله ونحن نفكر في موتنا، ونمحّص في الاتجاهات والحقول والسهوب والقرى البعيدة عن مكان نبتاع فيه قبورنا، لنهيل التراب فيها علينا! ونُغمضُ بانتظار رحلة العدم السحيق، دون أن نخشى نباشي القبور وضباع الأرض الذين سيرشقوننا ببولهم مرات

ثم مرات، قبل أن يجروننا إلى أوكارهم، نمضي دون أن نلتفت إلى المتلصصين على لقطات نزفنا وهم يستثمرون فيها، وكأننا انتحار المهرج على الخشبة! بينما يضحكُ الجمهور على آخر طرفة قالها قبل أن يسقط في بحيرة دمه! وأيضاً دون أن يثيرنا صلف أصحاب الدماء الزرقاء حين يقررون أن جثثنا ستسمم ماءهم وخضرواتهم وفاكهتهم!

نعم نبحث عن موت هادئ، يستطيع أولادنا من بعده أن يضعوا على حجارة القبر ورودهم في صباحات العيد، أو حين يتذكروننا!

وعلى هامش هذا الاحتضار الطويل، نتواصل مع بعضنا لنرى في وجوهنا، كم حفرت دموعنا ونحن نشبه في البكاء قتلانا، وكم صنع الوقت في مسامات جلدنا، فنرى أننا أرضٌ محروثة بأقدام الزمن ووحوشه وأشباحه وطعنات خناجره وسيوفه ورماحه!

الزمن بالنسبة للسوري أفعى أخرجته من سوريته فكفر بالجنان والجحيم! 

قاتل فريدٌ، أسلحته مضّاءة في اختراق لحمنا، نستطيع أن نضيفه إلى القائمة الطويلة من القَتلةِ الذين احتلوا حياتنا وأحالوها إلى جحيمٍ يحاصرنا ويخنقنا كل ثانية ودقيقة، وفي ولادة كل طفل ميتٍ تنشقت أمه هواء الغوطة الأصفر، أو ريح خان شيخون المميتة!

وفي كل قبوٍ تكدست فيه أجساد شباب ذهبوا إلى حريتهم، وافترستهم غيلان نظام الأسد ووحوشه التي علفَها عشرات السنين للحظة مثل هذه، وبات كل معتقل من هؤلاء في غيب سحيق لا يدري به أحد..!

أيُ حظٍ هذا الذي اختطته آلهة الخراب للسوريين لكي يعيشوا دمار الأزمنة كلها؟ ولتجتمع على أحلامهم فئات المجرمين من شرق الأرض ومغربها، ومن جنوبها إلى شمالها!

الميليشيات التي سرقت بيوتنا والجيوش التي قصفتنا ونحن نهرب بعيداً عن حمايتها لموتنا المؤكد بيدها.

والعصابات التي تاجرت بهروبنا وبأوراقنا ونهبت ما نملكه..

والمنظمات التي اعتاشت على آلامنا ثم كومت ثرواتٍ لأصحابها.

والحكومات والدول التي مابرحت تحكي عن مصائرنا وتبكي علينا ثم تصافح قاتلنا!

والقوانين التي تركت كل خراب المعمورة ومضت تنقب في وقائعنا عن ملامح إرهابيين تعرفهم ويعرفونها!

وفوهات البنادق المشرّعة في وجوهنا في قاعات الانتظار والمغادرة وقاعات الوصول في المطارات والمنافذ الحدودية بين البلدان والقارات حيث أضعنا أعمارنا!

والطرقات الفرعية والغابات ووحوشها، وأسماك البحار التي غرقنا فيها

قد التهمت مابقي من مشاهد في عيوننا التي تشوكت بملحها وأدمتها، فلا نستطيع أن نروي لأبنائنا وأحفادنا سوى حكايات الموت الذي يرافقه هذا الزمن الخبيث مثل هواء!

حراس الأوهام والقابضون على أعنة العقل وهم يعيدون أيامنا إلى الوراء، ليبنوا زمنهم المشتهى من حطام حيواتنا؛ يحللون ويحرمون، ويمنحون صكوك الإيمان والترحم على الموتى!

ويقفون بجانب من سبقهم في اختراع فنون الحتف السوري، حتى صار شعارنا: يا وحدنا!

هل كنا حقاً أقواماً ملعونةً دون أن ندري، أم أننا صنعنا مصيرنا بما فعله آباؤنا وأجدادنا، حينما صمتوا وقبلوا بأن يكونوا بيادق في ألعوبة الأمم؟

حتى صاروا ضحايا زمنهم المهدور بصناعة أوهام بددتها حروبهم!

أريدُ لهذا السيل الجارف من خيالات الموت وصوره أن ينتهي..

أريد للزمن أن يقف للحظة كي أسترد أنفاسي وأنا أهرب من سياطه!

لأرى كيف تهاوت حياتنا ونحن نبحث عن النجاة من كل هذا العسف الذي أصابنا لمجرد أننا حلمنا بحريتنا، وخطونا خطوة باتجاهها!

أريد أن أموت مثل نبت الأرض، تسحقه الأيام وهي تمضي!

لكنه لا يلبث أن يولد من جديد!

تلفزيون سوريا

————————–

اغتيالات وفلتان بـ«مناطق التسويات» في 2019

أفاد تقرير حقوقي ومصادر محلية باستمرار «الفلتان الأمني» من اغتيالات واستهدافات لمدنيين في مناطق استعادت قوات النظام السيطرة عليها بـ«تسويات» في درعا وغوطة دمشق وريف حمص، إضافة إلى استمرار الانتهاكات في سجون السلطات السورية، بين ذلك مقتل 87 شخصاً «تحت التعذيب» خلال العام المنصرم.

دمشق وريفها

وأفادت وسائل إعلام محلية بمقتل شخص بانفجار عبوة ناسفة مزروعة بسيارة خاصة في بلدة كناكر بريف دمشق، في حين قال نشطاء، إن الحادث استهدف رئيس «لجنة المصالحة» في بلدة كناكر.

من جهته، قال «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، إن عملية اغتيال طالت رئيس لجنة المصالحة في بلدة كناكر بغوطة دمشق الغربية، وذلك من خلال استهدافه بعبوة ناسفة زرعها مجهولون في سيارته؛ «ما أدى إلى مقتله على الفور». وأشار مصدر إلى «عملية اغتيال شهدتها مدينة معضمية الشام بريف دمشق الغربي، حيث أقدم مسلحون مجهولون على اغتيال أحد عناصر (الفرقة الرابعة) في المدينة، وذلك عبر إطلاق النار عليه أثناء سلوكه أحد الطرق الفرعية في المدينة ليلاً في الـ26 من الشهر الماضي؛ ما أدى إلى مقتله على الفور».

ورغم تراجع وتيرة الحرب في بعض المناطق السورية، أشار «المرصد» إلى «تصاعد التوترات في مختلف أنحاء دمشق وريفها، بسبب عمليات الاعتقال والمداهمات المتواصلة التي يتعرض لها السوريون».

واستعرض «المرصد» بعض الأحداث، بينها حملة مداهمات واعتقالات نفذتها مخابرات النظام والأجهزة الأمنية في بداية العام، أسفرت عن اعتقال ما يزيد على 150 شخصاً من قيادات ومقاتلين سابقين لدى الفصائل ممن أجروا «تسويات ومصالحات». ولفت إلى استمرار قوات النظام «في التنصل من تعهداتها أمام المواطنين القاطنين في مناطق سيطرتها، حيث أصدرت قوائم بأسماء آلاف المطلوبين للخدمة الاحتياطية، رغم التعهدات التي أبرمتها قوات النظام بعدم استدعاء المطلوبين وفقاً لاتفاقات المصالحة والتسوية في عدد كبير من المدن السورية.

وفي الوقت نفسه، «لا تزال الفوضى الأمنية منتشرة إلى حد كبير في مناطق سيطرة النظام في دمشق وريفها، حيث وقعت انفجارات عدة»، حسب «المرصد». وزاد: «أصدرت سلطات النظام السوري قراراً بإعدام عدد من أبناء الغوطة الشرقية والمعتقلين لديها منذ سنوات، والذين كان لهم مشاركة كبيرة في الحراك المعارض لها في المنطقة». وفي 29 يوليو (تموز) صادرت أجهزة النظام الأمنية منازل عشرات المهجرين من أهالي جنوب دمشق خلال الأسبوع الحالي، وأبلغت ساكنيها بضرورة إخلائها بسبب تحولها لأملاك تابعة للنظام. كما أصدرت سلطات النظام قوائم تضم آلاف المطلوبين للخدمة الاحتياطية على الرغم من التعهدات التي سبق وأن قدمتها لأهالي المناطق التي أجرت تسويات ومصالحات.

حمص

لا تختلف منطقة ريف حمص الشمالي في حالها عن حال باقي المناطق الخاضعة لسيطرة قوات النظام، حيث بسطت قوات النظام سيطرتها على تلك المنطقة عبر عمليات عسكرية بمؤازرة حلفائها أو عبر «مصالحات وتسويات»، وتعيش مدن وبلدات وقرى الريف الحمصي الشمالي «حملات أمنية لمخابرات النظام والأجهزة الأمنية». وقال «المرصد»، إن البعض يعتقد أن الهرب من ويلات الحرب إلى مخيمات اللاجئين قد يقيه من جحيم الموت، «لكن الحقيقة مغايرة تماماً لهذا، حيث إن الموت يلاحق السوريين في أنحاء المخيمات المتناثرة في مختلف مناطق الأراضي السورية، ومن بين تلك المخيمات التي تحصد أرواح السوريين، مخيم الركبان الواقع في أقصى جنوب شرقي سوريا بالقرب من الحدود السورية – الأردنية، حيث تنتشر الأمراض والأوضاع الإنسانية السيئة».

محافظة درعا

رصد «المرصد» ما يشبه «انتفاضة شعبية» في درعا؛ احتجاجاً على ما تشهده إدلب وما يتعرض له المدنيون من قصف وتهجير، في حين طالب المتظاهرون بالإفراج عن المعتقلين في سجون النظام. وأشار إلى «تصاعد حدة المظاهرات. ولم يسلم الروس من انتفاضة درعا، حيث كان (المرصد السوري) رصد في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) طرد أهالي من محافظة درعا للوفد الروسي الذي حضر للمشاركة في تشييع القيادي السابق بفصائل المعارضة، والذي اغتيل قبلها بيوم برصاص مجهولين غرب درعا».

وتأتي تلك المظاهرات تزامناً مع استمرار تردي الوضع المعيشي والأمني في محافظة درعا، حيث لا يزال الفلتان الأمني متواصلاً بشكل كبير. وقال «المرصد» إن محافظة درعا تشهد «انفلاتاً أمنياً كبيراً، حيث سجلت من يونيو (حزيران) الماضي وحتى يومنا هذا، أكثر من 232 محاولة اغتيال، في حين وصل عدد الذين قتلوا إثر تلك المحاولات خلال الفترة ذاتها إلى 163، وهم: 25 مدنياً، بينهم 3 مواطنات وطفلان، إضافة إلى 86 من قوات النظام والمسلحين الموالين لها والمتعاونين مع قوات الأمن، و29 من مقاتلي الفصائل ممن أجروا «تسويات ومصالحات» وباتوا في صفوف أجهزة النظام الأمنية من بينهم قادة سابقون، و16 من الميليشيات السورية التابعة لـ(حزب الله) اللبناني والقوات الإيرانية، بالإضافة إلى 6 مما يُعرف بـ(الفيلق الخامس) الذي أنشأته روسيا».

قتلى تحت التعذيب

على مدار عام 2019، واصل «المرصد» توثيق مقتل مواطنين «بأيدي النظام السوري في معتقلاته التي باتت أشبه بأقبية الموت، بعد سنوات من الاعتقال المتواصل» بينهم 87 معتقلاً من الرجال والشباب في الفترة ما بين 21 ديسمبر (كانون الأول) 2018 إلى يوم أمس. وبحسب ما وثقه «المرصد»، فإن إجمالي عدد الذين قتلوا «في سجون النظام ارتفع إلى 16152 مدنياً: هم: 15964 رجلاً وشاباً، و125 طفلاً، و64 مواطنة منذ انطلاقة الثورة السورية، من أصل 104 آلاف علم «المرصد» أنهم فارقوا الحياة في المعتقلات، حيث كان «المرصد» حصل على معلومات من عدد من المصادر الموثوقة، عن أنه جرى إعدامهم وقتلهم داخل معتقلات وسجون قوات النظام ومخابراتها، من ضمنهم أكثر من 83 في المائة جرى تصفيتهم وقتلهم ومفارقتهم الحياة داخل هذه المعتقلات في الفترة الواقعة ما بين شهر مايو (أيار) 2013 وأكتوبر (تشرين الأول) من عام 2015، في حين أكدت المصادر كذلك أن ما يزيد على 30 ألف معتقل منهم «قتلوا في سجن صيدنايا سيئ الصيت، في حين كانت النسبة الثانية الغالبة هي في إدارة المخابرات الجوية».

التعليقات

الشرق الأوسط»

————————-

2019.. عام ثورات واحتجاجات في العالم وإبادة جماعية في سوريا/ أحمد عيشة

ثمة قواسم عديدة في معظم الاحتجاجات التي اندلعت في هذا العام، منها ارتفاع الأسعار والمظالم الاقتصادية وقضايا الفساد الكثيرة التي تحوّلت لاحقاً إلى مطالب سياسية تخص نظام الحكم القائم، والدفاع عن الحريات، فشعور الناس، أو جماعة منهم، في كثير من البلدان، بأن أصواتهم غير مسموعة، وأن أنظمتهم السياسية غريبة عنهم، ومزروعة قسراً في بلادهم، لم يترك أمامهم سوى طريق وحيد لإيصال صوتهم ومطالبهم هو الاحتجاجات في الشارع، بقصد إجراء التغيير أو استعادة الحقوق المسلوبة. وما ميز تلك الاحتجاجات هيمنة عنصر الشباب، أما مصيرها فكان مختلفاً تبعاً لطبيعة النظام السياسي في كل بلد، وتحديداً تبعاً لدور الجيش وبنيته.

في فرنسا وهونغ كونغ، حيث الأنظمة الديمقراطية، حيث تجاوبت الحكومتان مع مطالب المتظاهرين، فالحكومة الفرنسية استجابت لمطالب المتظاهرين “السترات الصفراء” في نيسان 2019، وهم الفئات المهمشة وسكان الضواحي الذين تضامن معهم شباب المدن الكبرى، الذين كانوا أكثر المتضررين من رفع الحكومة لضرائب الوقود، ناهيك عن تدني أجورهم. أما في هونغ كونغ، فكانت شرارة التظاهرات مشروع القرار المقترح في آذار 2019 لتسليم البلاد إلى الصين، مما يشكل حالة تراجع من نظام ديمقراطي إلى نظام فاسد استبدادي، على الرغم من النمو الاقتصادي الهائل، بمعنى أن هذه التظاهرات هي للدفاع عن الحريات وضد الاستبداد المتمثل بالصين، وبالرغم من سحب الحكومة لمشروع القرار، ظلت الاحتجاجات مستمرة خوفاً من غزو صيني لبلادهم.

وفي فنزويلا، كانت الاحتجاجات رداً على الأزمة الإنسانية التي شملت ارتفاعًا شديدًا في التضخم ونقصاً حاداً في الغذاء والدواء، وارتفاع معدلات الجريمة والبطالة الناتجين عن سوء حكم مادورو الشعبوي، لكن تلك المطالب لم تبلغ غايتها، إذ ظلّ الرئيس مادورو في السلطة، بسبب انقسامات المعارضة، ومساندة قوات الأمن له، فضلاً عن الدعم الروسي والكوبي. وفي إيران، كانت شرارة الاحتجاجات رفع الدعم عن الوقود (وهو البلد النفطي) حيث عمّت أكثر من مئة مدينة وبلدة تظاهرات تطالب بتغييرات سياسية أهمها الحرية، لكن حكومة الملالي تمكنت من إخماد التظاهرات آنياً، نتيجة القمع المفرط بحق المتظاهرين، كما فعلت سابقاً، غير أن التظاهرات الأخيرة كشفت عن حقيقة واضحة ومقلقة للنظام، وهي أن حكومة الجمهورية الإسلامية من دون قاعدة شعبية، إنها حكومة الملالي والحرس الثوري، بمعنى آخر إنها حكومة طرف فئوي أقلوي، ضد غالبية الشعب.

للتظاهرات والثورات في البلدان العربية طعمٌ آخر، طعم العلقم، فلم تنجُ ثورة -غير التونسية- من الاعتقالات والقتل، وذلك لكون السلطات في بلادنا هي سلطات عسكرية استولت على مقاليد الأمور عبر الانقلابات، ودعمتها بنشر المخابرات بين البشر لإحكام السيطرة أكثر، وبطريقة ما حوّلت البلاد إلى مزارع نهب لها وللمحسوبين عليها، وللبقية التهميش والإفقار والسعي الدائم نحو الحصول على لقمة العيش، وكان الاعتقال والموت نصيب كل من يعترض.

ففي الجزائر، حيث نظام الحزب الواحد منذ أكثر من ستين عاماً، وتحت شعارات شعبوية، حولت النخبة الحاكمة البلاد إلى وكر فساد ونهب، والشعبَ إلى رعايا، إلى أن انتفض الشباب احتجاجاً على ترشح الرئيس (الصورة) للمرة الخامسة للرئاسة، في استهتار فاضح بالبلاد والعباد، داعين إلى إجراء إصلاحات سياسية واسعة النطاق أولها تنحي بوتفليقة، ومحاسبة الفاسدين من أركان حكمه، والانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي. أما في السودان، فكانت شرارة الثورة تخفيض الدعم للوقود والخبز في كانون الأول 2018، ثم سرعان ما تحولت إلى احتجاجات عامة في مختلف المدن، بمطالب اقتصادية وسياسية أوسع.

لكن الجيش، وهو الحاكم الفعلي في كلا البلدين، التف على مطالب المتظاهرين، وأجبر الرؤساء على الاستقالة بعد فترة قصيرة من التظاهرات (بوتفليقة بعد ستة أسابيع من الاحتجاجات، والبشير بعد أربعة أشهر)، ففي السودان، تولى مجلس عسكري انتقالي الحكم مدعوماً من دول خليجية، وتمكن بعد مفاوضات طويلة مع قوى الثورة والتغيير من تشكيل حكومة واتفاق على إدارة البلاد. أما في الجزائر فقام الجيش مؤخراً بإجراء انتخابات وسط رفض شعبي ومقاطعة لتلك الانتخابات، ونصّب رئيساً رغم إرادة الناس، دافعاً البلاد نحو الهاوية.

مؤخراً حوكم البشير، الدكتاتور السابق، وحُكم عليه بالسجن عشر سنوات، أما بوتفليقة فلا يزال رهن الإقامة الجبرية. أما مشاكل البلاد التي كانت سبباً في اندلاع التظاهرات في كلا البلدين، وهي هيمنة العسكر والقمع وتفشي الفساد وغياب المشاركة السياسية،  فلا تزال قائمة، مما يفتح المجال لاستمرار الاحتجاجات لتحقيق مطالب الشعبين في الحرية والاستقرار والتنمية.

ما يجمع بين لبنان والعراق، حيث اندلعت الاحتجاجات على نطاق واسع، هو الهيمنة الإيرانية على كلا النظامين والبلدين، من خلال حزب الله في لبنان وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، ناهيك عن فساد النخبة السياسية القائمة على أساس المحاصصة الطائفية والمظالم الاقتصادية الكثيرة، مثل ارتفاع البطالة وتدني الأجور لدرجة تجويع البشر، التي كانت الشرارة في اندلاع الثورتين، في نفس الشهر (تشرين الأول) استجابت الحكومتان لبعض المطالب الشكلية من تخفيض الضرائب ورواتب المسؤولين، واستقالة رئيسي الحكومة، علّها تخفف من شدة الاحتجاجات التي ما تزال تعمّ غالبية المدن وتنشد التغيير العام، الذي تعارضه الميليشيات في كلا البلدين، ومن ورائهما إيران، غير أن الاحتجاجات ما تزال مستمرة، وعنف الحكومة يزداد، مما ينذر بجر البلاد نحو كارثة كبرى.

أما سوريا، وفي عامها التاسع من ثورتها ضد نظام العائلة الاستبدادية، فقد تحوّلت إلى ساحة تستعرض فيها روسيا أسلحتها الجديدة في أجساد المدنيين السوريين، وسط تصارع دولي أوسع على النفوذ لا دور للسوريين فيه، فالنظام الذي استجلب كل قوى وميليشيات القتل، لمواجهة المطالب المحقة بالكرامة والحرية للمتظاهرين السلميين، أصبح ألعوبة لا بد منها للقوى الخارجية، وبخاصة روسيا وإيران، بغية التوقيع على عقود بيع ورهن البلاد، إضافة إلى دوره في عمليات القتل والتنكيل والتهجير، وفي المقابل تنازلت المعارضة تدريجياً عن استقلاليتها النسبية، وتحولت إلى أداة لتبرير واقع تفرضه القوى المتصارعة لدرجة الشرخ عن جمهور الثورة.

ما جرى ويجري في سوريا، لا يمكن تسميته إلا بأنه حرب إبادة وتهجير، فبعد عام من التدخل الروسي البشع، جرى تهجير عشرات الآلاف من حلب في نهاية العام 2016، وفي العام 2018 تهجير مثلهم في الغوطة الشرقية، إلى الريف الشمالي لحلب وإدلب، الذي يشهد اليوم أوسع عمليات قتل وتهجير، لكن هذه المرة إلى المجهول، أمام أعين ومسامع المجتمع الدولي، من دون أن تكون هناك أي ردة فعل، وكأن كل هذا القتل والتهجير مجرد تفاصيل لاتفاقات ونزوعات امبراطورية للدول المتصارعة على سوريا.

يمكن لكل الطغاة أن يفرضوا، بقوة الحديد والنار، شكلاً ما من الحكم، ويمكنهم أن يقتلوا ويشردوا، لكن بالتأكيد لا يمكنهم الاستمرار، ببساطة لأنهم ضد الحياة، لأنهم قوى موت، والنصر للحياة في النهاية، رغم أن الأثمان باهظة جداً.

تلفزيون سوريا

———————–

قراءة في الفنجان السوري 2020/ سامر إلياس

بعكس “رؤيا” المنجمين الواضحة لمستقبل الأوضاع في سوريا، يبدو المشهد ضبابيا مع وجود عدة جيوش وميليشيات تقف في خنادق متقابلة على الأرض، واستمرار الحرب بالوكالة بين إسرائيل وإيران في سوريا، واحتمال تصاعدها في ظل دخول القوات الأمريكية على الأرض.

وفي حين تستعجل روسيا الوصول إلى حل سياسي لاستثمار “انتصاراتها” العسكرية على الأرض بالعمل مع الاطراف الإقليمية والدولية “المستثمرة” في مأساة السوريين، يشي التضارب الكبير بين هذه الأطراف باستعار موجة جديدة من الحروب بالوكالة، وتحول إدلب وشرق الفرات والبادية السورية إلى “صندوق رسائل” دموي، ما يصعب الوصول إلى التسوية السياسية المنشودة لإنهاء معاناة السوريين مع تحقيق أهداف ثورتهم التي تدخل في آذار/ مارس عامها العاشر، رغم وجود بارقة أمل بأن يثمر الضغط الدولي على روسيا وحاجتها للمساعدة في مواضيع إعادة الأعمار، وتحسين الاقتصاد السوري لضمان الاستقرار اللازم لاستتباب الأمن وعودة اللاجئين، يبدو أن معاناة السوريين مستمرة في العام الذي يسبق الانتخابات الرئاسية المنتظرة في 2021.

“حلفاء الضرورة” أمام اختبار صعب

مع ارتباط التغيرات الميدانية على الأرض في السنتين الأخيرتين مع التفاهمات بين ضامني مسار أستانة (روسيا وتركيا وإيران)، فإن اي قراءة للمشهد السوري يجب أن تنطلق من مستقبل علاقات “حلفاء الضرورة” الذي صمد العام الماضي رغم تعرضه لاختبارات قاسية، قد تعرضه للانهيار في العام الحالي، بسبب التصدعات التي أحدثتها أحداث العام الماضي.

ومن المنتظر أن تشكل قمة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان بعد أيام حدثا مفصليا في علاقات البلدين وتنسيقهما المشترك في سوريا مع دخول ليبيا على خط المقايضات بين البلدين. ولا تخفي أنقرة وموسكو وقوفهما في معسكرين متحاربين في ليبيا فالأولى تدعم حكومة التوافق بقيادة فائز السراج، ويبدو أنها حسمت أمرها لإرسال قوات لدعمها في مواجهة الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر المدعوم من أطراف إقليمية وعربية تحتفظ بعلاقات متينة مع روسيا، كما تواردت أنباء عن وجود مرتزقة روس من مجموعة “فاغنر” يدعمون جيش حفتر كما ذكرت بعض وسائل الإعلام أن موسكو تنوي إرسال “مرتزقة” سوريين لنفس الغاية، وفي المقابل تتواصل الأنباء عن إرسال “مرتزقة” سوريين مقربين من تركيا إلى ليبيا لدعم حكومة السراج، لينتقل “سوريو تركيا” و”سوريو روسيا” إن صحت الأنباء للقتال على أرض غريبة خدمة لمصالح مشغليهم، في ظاهرة لم يشهد العالم لها مثيلا حتى الآن.

وعلى الأرض السورية، لم تقف تركيا في شكل واضح لمساندة الفصائل المسلحة في إدلب للدفاع عنها في وجهة حملة النظام والروس والميليشيات الطائفية الإيرانية المستمرة منذ نيسان/ أبريل، ما يشي بأن تركيا لا تعارض سياسة “القضم التدريجي” للأراضي الواقعة تحت سيطرة المعارضة، لكنها في الوقت ذاته تخشى من موجة لجوء كبيرة قد تتسبب في زيادة حدة مشكلاتها مع أوروبا المتخوفة من موجة لجوء جديدة بعد موجة 2015 و2016 التي هددت بتفكك الاتحاد الأوروبي والغاء اتفاقية “شنغن” لحرية تنقل الافراد والبضائع كأبرز إنجاز للاتحاد. ومع أنه ليس من المستبعد أن يتوصل الطرفان إلى حلول وسط كما في المرات السابقة، فإن السوريين سيواصلون دفع ثمن الرسائل الدموية للطرفين على أرضها وبدماء أبنائها، وربما تتسبب في تعكير صفو العلاقات بين البلدين.

ومؤكد أن الجانبين استطاعا تجنب صراع بينهما في محاولة الاستفادة من الانسحاب الأمريكي شمال وشرق سوريا لملء أكبر قدر من الفراغ، كما أفلحت روسيا في فرض مقاربة جديدة لتنفيذ اتفاق أضنة الحدودي، وتواصل العمل لتحسين العلاقات بين أنقرة ودمشق من جهة، والنظام والكرد من جهة أخرى، لكن الأوضاع الميدانية في منطقة شمال وشمال سوريا ما زالت غير مستقرة، وتعيش المنطقة على وقع المعارك اليومية والانفجارات منذ بداية عملية “نبع السلام” التي أطلقتها تركيا بدعم من “الجيش الوطني” المقرب منها في 9 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. ولم تساهم الاتفاقات الموقعة بين تركيا والولايات المتحدة في الـ 17 من الشهر ذاته ، والاتفاق مع روسيا بعده بخمسة أيام من وضع حدّ نهائي للأزمة ورسم خطوط تماس هادئة أو إنهاء الفوضى الأمنية. ويشكل احتفاظ الولايات المتحدة بوجود عسكري لحماية حقول النفط تحديا مشتركا للروس والأتراك والنظام وإيران معا، لكنه لن يشكل دافعا لتحالف الأطراف معا، خاصة في ظل توجس تركيا من تعزيز روسيا وجودها العسكري ببناء قواعد ونشر قوات كبيرة في المنطقة.

روسيا بين إيران وإسرائيل

ولا يبدو أن تنسيق روسيا مع الحليف الإيراني أفضل حالا، فالتنافس الاقتصادي والسياسي بينهما متواصل للامساك بمقاليد السلطة العسكرية والأمنية في ظل نظام مستكين غير قادر على إيجاد توازن بين دولتين مكنتا له البقاء سياسيا واقتصاديا.

ويمكن أن يزداد الشرخ بين الطرفين، بسبب موقف موسكو من الغارات الإسرائيلية المتكررة على الميليشيات الإيرانية على كامل الجغرافية السورية. ولا يبدو أن موسكو راغبة في منع الغارات الإسرائيلية على ميليشيات إيران في أفضل الأحوال، مع عدم إهمال أن موسكو قد تكون تدعم “تقليم أظافر” طهران في سوريا بدعم الحليف الإسرائيلي، في وقت تزداد المؤشرات إلى وجود صراع قوي بين البلدين في الجنوب بدأ في درعا وينتشر إلى السويداء ومحيط دمشق، مع بروز رفض شعبي لوجود إيران وحزب الله في هذه المناطق.

ورقة قيصر على الطاولة

ومع دخول قانون قيصر لمحاسبة النظام وداعمية في عمليات قتل السوريين، وتعطيل عمليات إعادة الإعمار من المؤكد أن سوف تسعى روسيا إلى تكثيف جهودها من أجل التوصل إلى صفقة مع واشنطن من أجل المضي بمشروع الحل السياسي في سوريا، ومن المرجح أن تقدم تنازلات في الملف السوري على حساب ملفات أخرى ضمن صفقة تستعجلها موسكو مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتتضمن إضافة إلى سوريا قضايا حساسة تبدأ بأوكرانيا وفنزويلا وتصل إلى قضايا التوازن الاستراتيجي العالمي والتسليح.

وحتى الوصول إلى توافقات دولية واقليمية تضع حدا للماساة السورية، في الفنجان السوري بخطوطه المتشابكة صعبة التفسير مؤكد أن دموعا كثيرة ستسيل من عيون السوريين الثكلى على مآلات الأوضاع. وفي المقابل، ومع صعوبة مهمة روسيا في تبييض صفحة النظام ورأسه من الجرائم بحق السوريين، وعدم تشجع العالم للإسراع في إعادة الاعمار وتحسين الاقتصاد السوري، تبرز بارقة أمل في ولادة حل سياسي أو توافق على مبادئ حل وصعود “الدخان الأبيض” حتى موعد أقصاه ربيع 2021 ، حسب “بشارات” من هنا وهناك .

بروكار برس

—————————-

عام آخر في علم الغيب/ فوّاز حداد

انتهى عام 2019 وسلاحا الطيران الروسي والسوري يدكّان قرى إدلب، والأهالي ينزحون إلى العراء، يبحثون لهم عن مأوى تحت أشجار الزيتون، وبدأ عام 2020 وسلاحا الطيران الروسي والسوري يدكّان قرى أدلب، بينما تابع النازحون نزوحهم، ولو أنه لم يعد لهم مكان في العراء تحت أشجار الزيتون. بالنسبة إلى السوريين لن يكون 2020 عاماً جديداً، الآمال منه معدومة، لا ينتظرون مفاجأة، صمودهم هو الأمل، بينما النظام يتآكل من الداخل، لا من الخارج.

بعد ثماني سنوات ويزيد، تجاوزت المأساة السورية كل ما هو ممنوع ومدان دولياً، هذه سابقة ستحتذى، بعدما أثبتت أنها تجربة ناجحة، لم تأبه بردود الفعل الدولية الحانقة. في الواقع، لم يُؤخذ بالاعتبار ما يتعرّض له السوريّون من جميع أنواع الجرائم، من الاعتقال إلى الموت تحت التعذيب، ويشمل القتل الجماعي، ما يفسح مجالاً للإبادة، وبلا أضرار جدية أصابت النظام، حتى الحصار الأميركي مؤخّراً يدفع ثمنه الشعب في الداخل.

الحاصل، يمكن وصفها بالمأساة النموذجية في القرن الواحد والعشرين، مأساة لا حدود لها، ولا خطوط حمراء، أو رمادية، ما دام السلاح الكيميائي أدى إلى اتفاق براغماتي، ذرّاً للرماد في العيون، ما أرضى أميركا أوباما وروسيا بوتين. لا شيء كان يدور في الخفاء، فتحت عنوان “الحرب ضد الإرهاب”، مارس الدعم الروسي الإيراني همجيته الوحشية في حرق الأخضر واليابس، مُبَاركاً بوقاحة النظام، ولامبالاة المجتمع الدولي الفعلية، بينما اللفظية من بيانات واستنكارات، فكانت مهزلة.

يمثّل المشهد بكل جلاء حرباً إرهابية ضد السوريّين، وهي درس للحكام والشعوب الأخرى في العالم، فالنظام الدولي يحظر التلاعب بأنظمة الدول، وحده هو الذي يُغيّر على خطى ألّا يتغيّر. هذه المنظومة تحذّر الشعوب؛ لن ينقذكم أحد، ولن يساعدكم أحد، ليس أمامكم سوى الاعتراف بالحاكم، حاكماً أوحد، سواء كان دكتاتوراً أو سفاحاً أو لصاً، هذا يؤدّي إلى هذا، لا فارق بينهم، وإن كانت اللغة مختلفة، لكن الفعل واحد.

فحوى هذه الفانتازيا تتبدّى في العودة إلى ما كانت الأمور عليه، تظهر في مبادرة النظام السوري إلى تلميع صورته البشعة بسلسلة من الأكاذيب، ما دام هناك من يأخذ التهريج على أنه سياسة حاذقة، فتأهيله جار على قدم وساق، ما يعد بمسرحيات متشائمة، يقوم بها جهاز للحكم كان سافلاً على الدوام، يزعم عودة السلام لشعب، الملايين منه لاجئون في بلدان العالم، ونازحون داخل البلاد. وأربع دول تتقاسم ثرواته، وموقعه الاستراتيجي.

قد ينزاح البصر عن مأساة تكرّر نفسها من سيئ إلى أسوأ، وتنشد الأبصار إلى سوريّين أصبحوا بندقية للإيجار، أي مرتزقة، لا يجوز تشبيههم بفاغنر الروسية، لئلا يُرفع من شأنهم، إنهم يفتقدون الاعتراف الدولي، عدا أنهم سيقاتلون في ليبيا ربما ضد فاغنر الروسية أيضاً، قد يخطر للبعض أنهم ينشدون الثراء السريع، لقاء حفنة من الدولارات، ولا يخطر لهم أن هذا الثراء العريض قد يُرسل الجزء الأكبر منه لعائلته، لدفع إيجار منزل في الوطن نفسه أو في بلد اللجوء.

وبما أن سوء الظن من حسن الفطن، لا ريب، سيصرف المرتزق السوري هذه الدولارات على ملذاته الشخصية، لكنها لا تكفي لافتتاح مطعم راق في إسطنبول، فالفصيل المقاتل الأكبر قدّم أنموذجاً مروّعاً على حسن استخدام الأموال المنهوبة… تُرى هل هناك من جهة قادرة على محاسبته؛ من أين لك هذا؟ غالباً لا، فالنظام ابتدع النهب الحلال، وابتدع مؤخّراً النهب الحلال المعاكس، تبرئة للناهبين، وسماحاً لهم بمواصلة النهب. أمّا المنهوبون فيا لبؤسهم، الدور نفسه، منهوبون مع التضييق على لقمة العيش والدفء والكهرباء.

المأساة السورية لم تعد تثير غضب العالم، باتت تثير إعجابه، فالحاكم الحازم لم يوفّر جريمة لم يرتكبها، ودمّر بلداً ورثه عن أبيه، حفاظاً على النظام. أمّا الشعب، فيستحق مصيره، فالمظاهرات خرجت من المساجد، وهي وصمة ما بعدها وصمة، ولا عذر لهم، وإن كانت الخمارات والكراخانات والكازينوهات ودور اللهو لا تتسع لهذا الكم الهائل من المحتجين، ثم إن ما حصل لم يكن ثورة، لخلوها من السان كيلوت والبلاشفة والمناشفة، ولا يتوفّر فيها بروبسبير ولا لينين. إنها مجرّد زلزال قد يحدث في إندونيسيا أو أميركا.

ليس عاماً جديداً ولا سعيداً… لكن ولكي نتفاءل نقول: عام آخر في علم الغيب.

العربي الجديد