سياسة

مجازر إدلب مستمرة -مقالات مختارة-

«رأس السنة» في إدلب!/ حازم صاغية

منذ أربع سنوات لا يمرّ «رأس السنة الجديدة» على إدلب السورية. هناك لا تتغيّر السنوات. «الرأس» لا يتميّز عن سواه من مفاصل الزمن، وليس من «عيد» يميّز يوم إدلب عن سواه في الأيّام. الجديد هو القديم مُضاعفاً. «نعم، لقد سبق أن رأينا ذلك قبلاً، لكنّه اليوم أفظع»: هذه هي الحكمة هناك وهذا هو الاكتشاف الأوحد. إنّ تكرار المقتلة المقرونة بالخديعة والتجاهل هو سيّد الأشكال والمعاني، وهو تاج الأزمنة.

مليونان ونصف مليون إنسان في محافظة إدلب، يتعرّضون لما يقارب الإبادة. يحصل هذا بالتقسيط، ويحصل مرّة بعد مرّة، لكنّ دلالته الرمزيّة ذات طاقة باهرة: فالذين يموتون والذين أعارَهم الموت مؤقّتاً للجوع والنزوح والصقيع ينتمون إلى عموم سوريّا. إذن، في إدلب يُقتل السوريّون كلّهم، ولا فضل لضيف على مضيف. لقد دُفعوا، على مرّ السنوات القليلة الماضية، إلى تلك المحافظة الشماليّة، كي لا يموتوا ولا يجوعوا ولا يُنتهكوا. ما فاتَهم هو أنّهم سوف يُستخدمون لتسمين الطريدة، وبأجسادهم سوف تُختَصر المهمّات الكثيرة إلى مهمّة واحدة يحبّها عادة بيروقراطيّون يستعجلون التنفيذ.

وهذا الذي يحصل إنّما يحصل تحت بصر العالم وسمعه، وتحت بصرنا وسمعنا أيضاً. صحيحٌ أنّ أجزاء الكون قصّرت المسافات فيما بينها وتقاربت، إلاّ أنّ إدلب وحدها نُفيت إلى البعيد، بعيداً عن أجسامنا وعن حساسياتنا معاً. فهي وحدها تُترك للحجج السياسيّة العارية التي يردّدها تقنيّو الموت «الواقعيّون»: ألم يحن وقت التخلّص من الإرهاب و«النصرة»؟ ألم يحن الوقت كي يمدّ بشّار الأسد سلطته الوطنيّة على كامل التراب السوريّ؟ وطبعاً، أليس من العدل، بل التقدّميّة، أن يحظى الحليفان، فلاديمير بوتين وعلي خامنئي، بالمواقع المؤثّرة في مواجهة دونالد ترمب؟

المرضى في إدلب تُقصف مشافيهم. التلاميذ تُقصف مدارسهم. الأفراد والعائلات تُدمّر بيوتهم. الهاربون من الموت الذين ينزحون هائمين لا يحملون معهم إلاّ القليل من أشياء متداعية هي جنى أعمار الفقراء. وهل يجني الفقراء إلاّ الخردة التي تنكسر في الطريق فتعجز عن إكمال المسيرة؟ القصف يطارد حركتهم في البرّ، والطائرات والبراميل، الروسيّة والسورية، تمارس هوايتها في الاصطياد من الجوّ. والعالم؟ منذ اندلاع الثورة السورية حتّى الآن مارست روسيا حقّ الفيتو 14 مرّة في مجلس الأمن، بعضها وآخرها لمنع الإغاثة عن إدلب.

الفارّون بمئات آلافهم نحو شمال الشمال تواجههم بوّابة تركيّة موصدة. رجب طيّب إردوغان لا يهمّه من «الإخوة» العرب إلاّ ما يفاوض به لسحق «الإخوة» الكرد. ولاستكمال «نبع السلام»، يُترك لـ«الساحة الليبيّة» أن تقرّر مصير «الساحة السورية» خفضاً للتصعيد أو تصعيداً للتصعيد، هدناتٍ يعقبها قتال أو قتالاً تعقبه هدنات! وفي هذه الغضون، لا بأس بابتزاز الأوروبيين عبر التلويح باللاجئين: إنّ البرابرة على الأبواب.

هذه المرّة، كانت البداية في معرّة النعمان، جنوب شرقي المحافظة. أهلها كانوا البادئين بالنزوح لأنّ الهجوم بدأ بهم. حين وصلتهم دعوة «العودة إلى حضن الوطن» كانوا مائة ألف. الآن هم آلاف قليلة. الصحافي السوري أحمد الأحمد ينقل عن «سهام»، وهي صحافيّة عاشت حتّى الأمس القريب في معرّة النعمان: «إن النزوح بات يمثّل رفاهية بالنسبة إلى المدنيين هناك، فمن يستطيع النزوح ولديه مركبة لنقل عائلته يُعتبر شخصاً محظوظاً». وتمضي سهام: «هناك عائلات ما زالت تسعى بكل جهدها للخروج لكنّها لم تتمكّن من ذلك، بسبب عدم توفّر وسائل نقلٍ وخوف أصحاب السيارات الخاصة من العودة والدخول إلى المدينة التي باتت شبه مدمّرة».

وفي استعادة لتجارب سابقة في اللعب الدموي بالبشر، يلاحظ الكاتب السوري بكر صدقي «أن شرقي حلب أو الغوطة الشرقية، على سبيل المثال، لم تشهدا عودة للنازحين عنها إلا بنسب منخفضة جداً، وذلك بفعل التضييق الذي تمارسه أجهزة النظام على عمليات العودة، إضافة إلى عدم رغبة النازحين في العودة إلى جحيم (الوطن الأسدي). قد يكون البديل عن السكان الأصليين لتلك المناطق المدمرة سكاناً جدداً تنطبق عليهم مواصفات (التجانس) المطلوبة بمعانيها السياسية والأهلية والمذهبية، لكن إمكانية تطبيق ذلك تتوقف على إعادة تأهيل تلك المناطق لتكون صالحة للحياة، وهو ما يتطلب موارد كبيرة تعجز عنها إمكانات النظام المختنق في أزمته، وكذا بالنسبة لإمكانات حليفيه الروسي والإيراني». ومن يدري، فقد تسفر أطوار جيولوجيّة مقبلة يصنعها بشر أشرار عمّا قصّرت عنه أفعال الطبيعة. قد يُنقل مثلاً أطنان من العرب إلى حيث يعيش أطنان من الكرد، فنتسلّى كثيراً بمشهد أوزان تتقاتل، أوزانٍ تُحسب بالأرقام الباردة التي هجرتها الأسماء والملامح.

إنّ إدلب اليوم إعلان عن استحالة الأوطان واستحالة الشعوب، لكنّها أيضاً، قبل هذا وبعده، مرادف لعجز الأخلاق وتبلّد النفوس واليأس من كلّ شيء، كلّ شيء تقريباً. مع هذه المقتلة، يغدو كلّ واحد منّا أقصر طولاً وأضعف صوتاً وأقلّ إقبالاً على عالم يحتفل برأس السنة الجديدة.

الشرق الأوسط

300 ألف سوري سيقضون نهاية العام.. في العراء

ينتهي العام 2019 والسوريون يواصلون رحلة نزوحهم وتشردهم للعام التاسع على التوالي. وقد تضاعفت أعداد النازحين من منطقة “خفض التصعيد” في أرياف حلب وادلب وحماة واللاذقية، خلال الساعات الماضية، ما شكّل ضغطاً هائلاً على فرق الاستجابة شمالي إدلب، بحسب مراسل “المدن” خالد الخطيب.

ونزحت غالبية أهالي ريف معرة النعمان، في حين تشهد بلدات ريف أبو الظهور الغربي حركة نزوح متصاعدة امتدت إلى سراقب وريفها، ومن ريف حلب الجنوبي وصولاً إلى مشارف مدينة حلب الجنوبية الغربية. كما طال النزوح ريف جبل الزاوية وجسر الشغور، وسهل الغاب. أي أن النزوح شمل المناطق شرقي الطريق إم-5، وجنوبي الطريق إم-4.

ولا توجد إحصاءات دقيقة لأعداد النازحين، وترجّح منظمات وجمعيات محلية تجاوز الأعداد لحاجز الـ300 ألف نازح، وربما يصل الرقم إلى 500 ألف في حال استمر القصف الروسي على محيط الطريقين الدوليين أم-5 وأم-4.

ويعود التدفق الكبير للنازحين لتقدم مليشيات النظام الروسية بشكل سريع في ريف المعرة وسيطرتها على مساحات واسعة في وقت قياسي، وتصريحها بأنها ستواصل عملياتها للسيطرة على كامل منطقة “خفض التصعيد”، والأداء الهزيل للفصائل المعارضة والإسلامية في معارك التصدي والذي اعتبره الأهالي تسليماً غير مباشر للمنطقة.

كما أن الإجراءات التي اتخذتها “حكومة الإنقاذ” التابعة لـ”هيئة تحرير الشام” في منطقة “خفض التصعد”، مثل تفكيك ونقل المحولات والأبراج الكهربائية وبعض المنشآت والمرافق من المنطقة، أشارت إلى أن المنطقة ساقطة حتماً لصالح المليشيات.

مدير فريق “منسقو الاستجابة” محمد حلاج، أكد لـ”المدن”، أن حركة النزوح استمرت من مناطق جنوب وشرق ادلب أثناء المنخفض الجوي، وجرت خلال الفترة ذاتها حركة تنقل وإعادة استقرار للعائلات التي كانت منتشرة في أماكن مؤقتة، في الجوامع والساحات وعلى حواف الطرق. وقد بدأت بالفعل حركة نزوح من منطقة سراقب وبلدات جبل الزاوية لكنها كانت بشكل أقل بسبب الأمطار وتوقف القصف الجوي والهدوء النسبي في جبهات القتال في منطقة المعرة.

وبحسب حلاج، ما تزال أعداد كبيرة من العائلات النازحة موزعة على أطراف الطرقات قرب معبر باب الهوى والمدن والبلدات الحدودية شمالي ادلب، وقد بدأت العائلات النازحة تقيم مخيمات عشوائية في المناطق الشمالية بمبادرات ذاتية، لتضاف إلى أكثر من 242 مخيماً عشوائياً قبل حركة النزوح الأخيرة.

شهدت مناطق شمالي ادلب وأرياف حلب تفاعلاً شعبياً واسعاً مع حركة النزوح وشكّل عشرات المتطوعين مجموعات استقبال للنازحين على مداخل البلدات، ووزعت عليهم الخبز والماء والأغطية والمواد الإغاثية التي تم جمعها من خلال حملات التبرعات التي شارك فيها أهالي البلدات بشكل كبير. البعض تبرع بقطع أرض لإقامة مخيمات للنازحين في حربنوش. وأطلق المتطوعون على حملتهم اسم “ولو بشق تمرة”.

وفي الاتارب في ريف حلب الغربي، نظّم المتطوعون مبادرة “أكرموهم”، التي قالت عنها المتطوعة حنان عرابي، لـ”المدن”، إنها تضمنت جمع التبرعات المتنوعة، أغطية وخيام ومواد غذائية وألبسة، وأرض لإقامة مخيم على أطراف المدينة باسم “مخيم شام”.

وزارة التنمية والشؤون الإنسانية التابعة لـ”الإنقاذ”، قالت إنها تعمل على تجهيز عدد من مراكز الإيواء في مدينة ادلب وبلدات سرمدا وحارم وغيرها، وإنها وزعت كميات كبيرة من المواد الإغاثية والخيام على النازحين. وأعلنت “شركة وتد للبترول” عن توزيع أسطوانات الغاز على النازحين مجاناً.

وفي إعزاز في ريف حلب الشمالي أنشأ متطوعون فريقاً لاستقبال ومساعدة النازحين، وأنشأوا خيمة استقبال لجمع التبرعات.

مبادرات تطوعية مماثلة انطلقت في الباب ودابق وأخترين ومارع في ريف حلب. الناشط الإعلامي مصطفى بطحيش، أكد لـ”المدن”، أن أغلب النازحين تم تأمينهم في منازل الباب ولم تكن هناك حاجة لإيوائهم في المخيمات القريبة. وقد وصلت إلى الباب أكثر من 200 عائلة من نازحي المعرة وتم تأمينهم من خلال تبرعات أهالي المدينة.

عضو “منظمة بنفسج” فؤاد سيد عيسى، أكد لـ”المدن”، أن المنظمة قدمت ضمن حملة “أهل العز” مجموعة من الخدمات، من بينها افتتاح 14 مركز إيواء شمالي ادلب تتسع لآلاف النازحين وتتوفر فيها الحاجات الأساسية من إطعام وإيواء وتدفئة.

————————–

نازحو إدلب… حال أشبه بـ”أهوال القيامة”/ ريان محمد

هام نازحون من ريف إدلب على وجوههم، بحثاً عن مكان يأويهم بعيداً عن القصف والعمليات العسكرية، حتى وصل الكثيرون منهم إلى ريف حلب، ليصطدموا بمعاناة عدم توفر مراكز إيواء وغياب المساعدات الإنسانية في ظل وضع معيشي كارثي.

وقال أحمد الدهان، من مخيم أبو سفيان في ريف حلب، لـ”العربي الجديد”، إن “الوضع كارثي، النازحون يتوافدون من ريف إدلب ولا توجد خيام، والخيمة الواحدة تأوي ثلاث أو أربع عائلات، ولا توجد عوازل مطرية”.

وبيّن أن عدد العائلات التي وصلت إلى غاية أمس، الأحد، تجاوز 110 عائلات، “ولذلك نحتاج إلى خيام وسلال غذائية وأغطية وفرشات، كما نحتاج إلى مواد للتدفئة، فالبرد شديد هنا، والسماء تمطر هذه الأيام. المياه من فوقنا وتحتنا، والطين أغرقنا”.

من جهته، قال رئيس مجلس بلدة جرجناز السابق حسين الدغيم، التي نزح جميع أبنائها جراء القصف، لـ”العربي الجديد”: “نعم هناك العديد من العائلات لا تزال في مراكز الإيواء المؤقت، وكثيرون منهم بحاجة إلى خيام”.

وتابع “لم نصل بعد لدرجة وجود نازحين في العراء، إلا أن هناك عدة عائلات تتقاسم خيمة واحدة، وأمس طلب أحد المشرفين على المخيمات 30 خيمة لوجود أسر تتم استضافتها من قبل عائلات أخرى، لكن مع الوضع الجوي السيئ فالحالة مزرية”. ولفت إلى أنه “عبر مبادرات شخصية وأهلية، تم تأمين عدد من الخيام وتوزيعها على أكثر من منطقة، لكن نحن بحاجة لأعداد أكبر، خاصة في حال استمر القصف على ريف حلب الجنوبي ومنطقة سراقب”.

من جهته، قال جهاد يوسف، من قرية إرشاد بريف حلب، وهو عضو فريق عمل مدني “لأجلك بلدي”، لـ”العربي الجديد”: “نحاول اليوم دعم النازحين من إدلب عبر جمع تبرعات من أهل المنطقة، ولدينا اليوم مثلا في صوران وريفها ما يقارب 500 عائلة، وفي أخترين وريفها 520 عائلة، ومارع وريفها نحو 100 عائلة، وارشاف وصالحية ودابق ما يقارب 70 عائلة، أتوا من معرة النعمان”.

وتابع “يقيم نازحون في منازل جاهزة وبعضهم في أخرى غير جاهزة، ولا يوجد في هذه المنطقة أي مركز إيواء أو مخيمات، والمساعدات تقتصر على ما يقدمه الأهالي، إضافة إلى ألبسة وأغطية وما يمكن أن يتوفر من احتياجات الحياة اليومية، في وقت تغيب فيه المنظمات الدولية”. وبين أن “الحاجة اليوم إلى استجابة سريعة لهؤلاء، من سلال غذائية وفرشات وأغطية ومواد تدفئة”، وتابع “ما نقدّمه اليوم بالاعتماد على ما يجمع من الأهالي، لن يستمر لفترة طويلة، الأمر يتطلب وجود منظمات دولية لتأمين هذه الاحتياجات”.

من جهته، قال الناشط خالد الحمصي، النازح بريف حلب، لـ”العربي الجديد”: “لا أعتقد أن هناك حروفا أو صورا أو فيديوهات تستطيع أن تروي هذه المأساة الإنسانية، لأن ما يحصل أشبه بأهوال القيامة”.

وأضاف “هناك أناس افترشت المرافق العامة، مثل المساجد وباحات المدارس والحدائق، وآخرون تظللوا تحت السماء في الأراضي الزراعية”.

وأكمل “جميع الذين نزحوا أخيرا ليسوا بحاجة إلى سلة إغاثية بقدر حاجتهم لما يغطي رؤوسهم، بيت أو حتى خيمة باتت شبه حلم، في ظل استمرار التساقطات المطرية، فالأراضي في شمال حلب طينية، والوضع يتفاقم في غياب المنظمات. هناك حملات شعبية لكن الأمر أكبر من فريق تطوعي بسيط هنا أو هناك”.

بدوره، قال مسؤول الرعاية الصحية الأولية في مديرية صحة حلب، الدكتور عبد الكريم ياسين، لـ”العربي الجديد”: “مع بداية موجة النزوح أعدننا خطة طوارئ لمنظومة الإسعاف لإجلاء العائلات التي لا تملك وسائل نقل، والتنسيق مع المنظمات الفاعلة لاستيعاب النازحين في مخيمات المنطقة، إضافة إلى التنسيق مع المجالس المحلية لبناء مخيمات ولو كانت صغيرة في أطراف كل قرية وتجهيزها للنازحين”.

وأضاف “كما تم وضع خطوط تواصل وتوجيه فرق الدعم النفسي وعمال الصحة المجتمعية لإجراء لقاءات مع النازحين وربطهم بأماكن الحصول على الخدمات ( طبية – غذائية – دوائية ….)”.

وذكر أنه إلى اليوم “لا توجد إحصائية دقيقة للواصلين لريف حلب الغربي، إذ تتوزع الوجهات لريف إدلب الشمالي وعفرين وأعزاز”، مبينا أن “هناك أعدادا لا بأس بها في العراء بسبب عدم توفر مراكز الإيواء ومنازل للإيجار، وهناك عائلات متكدسة بمنزل واحد”.

العربي الجديد

————————-

تطبيق التفاهمات الروسية – التركية في إدلب بالنار والدم/ رانيا مصطفى

هدف العملية العسكرية الأخيرة للنظام السوري وميليشياته المدعومة بغطاء جوي روسي، هو الوصول إلى معرّة النعمان، من أجل فتحه أمام الحركة التجارية تطبيقا للاتفاقات المنجزة على مراحل بين ضامني أستانة.

الحملة الأخيرة بدأت هجومها البري في التاسع عشر من الشهر الجاري، بعد قصف جوي استمر لشهر؛ والحقيقة أن بداية الحملة كانت في نيسان(أبريل) الماضي، وتوقفت في آب ( أغسطس)، بعد سيطرة النظام على مناطق واسعة في ريف حماه الشمالي وريف إدلب الجنوبي والجنوب الشرقي، لتُستكمَل الشهر الجاري، بسيطرة النظام على البلدات القريبة من معرة النعمان، مع إخلاء الأخيرة من سكانها، إضافة إلى موجات نزوح شملت 200 ألف شخص من مدينة سراقب القريبة باتجاه أريحا والمناطق الحدودية أو باتجاه ريف حلب، حيث تسيطر فصائل تابعة لتركيا.

مصير معرة النعمان غير محسوم، فقد توقفت المعارك بطلب تركي من روسيا، إذ  زار وفد تركي رفيع المستوى روسيا، مطلع الأسبوع الماضي، للتفاوض على تفاصيل تقنية تتعلق بكيفية تطبيق اتفاق سوتشي  المبرم في أيلول ( سبتمبر) 2018، حول المنطقة المنزوعة السلاح، والخالية من المتشددين، وفتح الطرق الاستراتيجية.

لم تعترض تركيا على العملية العسكرية الأخيرة التي يبدو أنها تنفذ بالتوافق معها، لكنها تخشى  موجات نزوح جديدة باتجاه حدودها التي أغلقتها أمام السوريين الآتين من مناطق إدلب، إلا مَن قَبلَ منهم الإقامة في المنطقة “الآمنة”، بين تل أبيض ورأس العين شرق الفرات، وهم قلة قليلة، اذ لا ضمانات  للأمن والأمان في تلك المناطق، فضلا عن استهجان هؤلاء النازحين رغبة تركيا في إحداث تغيير ديموغرافي في منطقة “نبع السلام”، التي تسيطر عليها فصائل تابعة لها، وتفضيلهم البقاء في مناطق قريبة، بانتظار فرصة للعودة إلى ديارهم.

المفاوضات التي شهدتها موسكو واستمرت ثلاثة أيام  هي لإنجاز اتفاق جديد يخص إدلب، كاستكمال لسلسلة الاتفاقات بين الطرفين، التي تنجز ما لم يتم الاتفاق عليه في اجتماعات أستانة الـ14، التي عقدت على مدى سنتين ونصف سنة و يمكن وصفها بأنها اتفاقات غير مكتملة، تحتاج إلى سلسلة من مراحل التصعيد العسكري والقتل والتهجير، ثم إبرام تفاهمات جديدة.

وما أنجز ضمن مسار آستانة هو مقايضات تركية – روسية، بموافقة إيرانية. مقايضة حلب الشرقية، بعد تدميرها، بمناطق درع الفرات في جرابلس والباب، ثم اتفاق تهجير الغوطة الشرقية، في  مقابل سيطرة تركيا والفصائل الإسلامية التابعة لها على عفرين، وإسكان نازحي الغوطة فيها، بعد تهجير قسم من سكانها الأكراد، وممارسة انتهاكات بحق من بقي.

اتفاق آخر أنجز هذه السنة  بين موسكو وأنقرة، في شرق الفرات، بعد الانسحاب الأميركي، ثم إعادة تموضع القوات الأميركية حول حقول النفط والغاز؛ اذ سيطرت تركيا وفصائل سورية تابعة لها، على مناطق “نبع السلام”، بعد عملية عسكرية تركية عنيفة،  في مقابل عودة قوات حرس الحدود التابعة للنظام إلى المنطقة، وسيطرة الجيش السوري على الطرق الرئيسية وعقدة تل تمر وعين عيسى بريف الرقة، وتنظيم  دوريات روسية مكثفة في المنطقة، هذا عدا عن اتفاق يخص منبج، ومحادثات حول تل رفعت.

ملامح الاتفاق الروسي – التركي الجديد تتوضّح، بسماح أنقرة لموسكو بتطبيق اتفاق سوتشي الخاص بالمنطقة العازلة في إدلب، بالنار، وسيطرة شرطة عسكرية  تركية روسية على الطريق الدولي في معرة النعمان، فيما يسيطر النظام على  أجزاء  في ريف حماه الشمالي، وطرد الجماعات المتطرفة متمثلة بهيئة تحرير الشام من هذه المناطق، المنزوعة السلاح، وربما سيتم السماح بعودة الأهالي، مع إمكان  تجول مخابرات النظام وشرطته فيها، بالتالي اعتقال المطلوبين.

أما الجانب التركي فسيحصل في المقابل على وعود من روسيا، وربما من النظام – اذ  يتواجد وزير خارجيته وليد المعلم في موسكوبالتزامن مع المحادثات -بحل قوات سوريا الديمقراطية وإنهاء مشروع الإدارة الذاتية،  بالتالي تأمين الحدود التركية من خطر الوحدات الكردية.

 هنا تتلاقى مصالح موسكو وأنقرة ودمشق التي ترغب في عودة الفصائل الكردية إلى حضنها كليا، فيما لا يزال “التأكيد على وحدة الأراضي السورية واستقلاليتها” متداولا في كل التفاهمات بين روسيا وتركيا وإيران، وفي كل التصريحات، وهو لا يعني طرد الاحتلالات، لكنّه يصادر المشروع الكردي الانفصالي، ولإيجاد حل نهائي للحالة الفصائلية، كما أن انعقاد اللجنة الدستورية، ومشروع صياغة الدستور هو منجز لتوافقات ثلاثي أستانة.

لا جديد في هذا الاتفاق، إن صحّت التكهنات في شأنه، فهو تطبيق لاتفاقات سابقة؛ اذ سلمت مناطق شرق الحسكة للنظام منذ سنتين وفق اتفاق أستانة 4، فيما توجّب على تركيا العمل لفتح الطريق الدولي بموجب أستانة 6، وحل هيئة تحرير الشام، في كل اتفاقات أستانة وفي اتفاق سوتشي حول المنطقة العازلة، وإنهاء الحالة الفصائلية، باتجاه فصائل تتبع كلياً لتركيا على غرار الجيش الوطني وفصائل غصن الزيتون ودرع الفرات؛ الأمر الذي عجزت أنقرة عن تطبيقه منفردة،  من دون الحاجة إلى تصعيد عسكري روسي ومن جيش النظام.

سمحت تركيا للجيش الوطني بدخول إدلب، ويبدو أنها تريده للفصل بين مناطق سيطرة النظام ومناطق المعارضة، لكن هيئة تحرير الشام منعته، واشترطت مشاركته في القتال على الجبهات الأمامية، باعتبار أن بإمكانه فتح جبهات باتجاه مناطق النظام المجاورة له، من مناطق سيطرته في ريف حلب الجنوبي.

لا يزال الوضع في إدلب مربكا، وهي آخر المناطق المشتعلة، ترتيب حلّها يأتي على مراحل دموية، مع انعدام قدرة تركيا على فرض الاتفاقات على هيئة تحرير الشام، ومع وجود جهاديين أكثر تشددا في مناطق ريف اللاذقية،  قد يحتاج إنهاؤهم إلى  تدخلات من قوات التحالف الدولي، باشرتها هذا العام، باستهداف مقر لحراس الدين، وقتل زعيم تنظيم داعش أبوبكر البغدادي.

ورغم تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب حول إدلب، إلا أن واشنطن حاضرة غائبة في كل التفاهمات الروسية – التركية، كما كانت حاضرة في مؤتمر أستانة الأول في 4  أيار (مايو) 2017، بصفة مراقب.

بقي القول إن ما أنجز على الأرض السورية يبدو كأنه انتصار للنظام الذي تحاول روسيا إعادة تأهيله، فيما يبدو  القبول به دولياً غير ممكن، ولن يُسقط الأوروبيون أو الأميركيون عقوباتهم إلا بتغيير سياسي يفرضه الروس على النظام.

كاتبة سورية

العرب

————————

واشنطن بوست: إدلب قد تكون أكبر مآسي الحرب الأهلية السورية.. وهذه مآسٍ أخرى

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالا لمريام بيرغر، عن الأوضاع الإنسانية في محافظة إدلب، مشيرة إلى أنها قد تكون أسوأ كارثة إنسانية في الحرب الأهلية الطاحنة في سوريا منذ تسعة أعوام تقريبا.

وقالت إن محافظة إدلب شهدت رحيل 250 ألفاً في أسبوعين فقط، في الوقت الذي تدفع فيه قوات نظام بشار الأسد المدعومة من القوات الروسية نحو هجوم شامل على المنطقة الأخيرة التي تسيطر عليها قوات المعارضة و”هذه مأساة المآسي” لأن الكثير من السوريين قتلوا وجرحوا وشردوا واختفوا، مما يجعل من الصعوبة بمكان متابعة الوقت والجدول الزمني للأحداث. ومن هنا تحدثت الكاتبة عن خمس أزمات إنسانية أخرى مرت على سوريا منذ الحرب عام 2011.

محافظة إدلب

يعيش فيها 3 مليون نسمة، والمنطقة الوحيدة التي ظلت تحت سيطرة المعارضة، وهي هيئة تحرير الشام التي تقسم بالولاء لتنظيم القاعدة. وأدى القصف الجوي والمدفعي السوري- الروسي إلى دفع آلاف من السكان للهروب فيما يصفها عمال الإغاثة بأنها أسوأ كارثة إنسانية في الحرب الأهلية السورية.

ويبحث السكان بيأس عن الطعام والمأوى والدواء. وتقوم القوات التابعة لنظام الأسد بقصف المحافظة منذ عدة أشهر، مما أدى إلى تشريد أكثر من نصف مليون نسمة، معظمهم يعاني من تشريده الثاني بعد خروجه من بلدته أو مدينته في مناطق أخرى من سوريا، وسيطر النظام على عدة قرى محيطة بمدينة إدلب، وعينه الآن مركزة على الطريق المار قرب معرة النعمان، جنوب إدلب وهي من كبرى التجمعات السكانية في المحافظة.

ودفع القصف الجوي والبري آلافا من سكان البلدة والبلدات الأخرى على الفرار باتجاه الحدود مع تركيا والتي تدعم مجموعات مسلحة وتستقبل نفسها 4 ملايين لاجئ سوري. ونقلت عن الطبيب شاكر الحميدو من معرة النعمان: “أقسم بالله أن الناس ينامون في العراء تحت الأشجار ودرجات الحرارة في الليل تصل للصفر” و”أنا مصدوم من حجم المأساة”.

وتجري عمليات التشريد في الشتاء الذي يعتبر من المواسم الباردة ولا يتمكن السكان من الحصول على الوقود الذي زادت أسعاره بشكل كبير. وزادت أسعار المواد الغذائية الأخرى مما جعل من الصعوبة على المشردين الحصول على ما يقيت أولادهم. أما المستشفيات والعيادات العامة فهي تكافح لتشغيل ما بقي لديها من معدات وعلاج المرضى.

الغوطة الشرقية

قبل خمسة أعوام، حاصرت قوات النظام الغوطة الشرقية، القريبة من العاصمة دمشق. وقبل الحرب كانت الغوطة تعد سلة غذاء العاصمة. وفي نيسان/ أبريل 2018، سيطرت قوات الأسد عليها بعد حصار طويل مات فيه الناس من الجوع ووصفه تقرير للأمم المتحدة بأنه “شكل بربري من الحرب”.

وتشير بيرغر إلى وضعية الغوطة التي كانت من المناطق التي شاركت في الثورة السلمية ضد الأسد. ومع مرور الوقت بدأت فيه الثورة تتجه نحو العسكرة وسيطرت القوات المعارضة عليها عام 2012. وساهمت دول المنطقة في مساعدة المقاتلين المعارضين لحماية مصالحها، وسيطرت القوى المتطرفة على طرفي النزاع في الحرب، مما زاد من معاناة السكان، وكان رد الفعل الدولي هو الصمت.

وفي عام 2013 فرض الأسد حصارا على الغوطة. وفي البداية استطاع السكان من خلال شراء المواد المهربة والاعتماد على توفيرها وما لديهم من مواد مخزنة. فيما قام المقاتلون بشن هجمات صاروخية ضد العاصمة. ومع مضي الوقت بدأت الحياة تضيق على أكثر من 400 ألف مواطن.

وفي أثناء هذا، تم التوصل لعدد من الاتفاقيات التي سمحت بوصول بعض المساعدات الإنسانية. ثم قرر النظام في عام 2017 شن هجوم استطاع السيطرة على مناطق استراتيجية في الغوطة، وأغلق مناطق التهريب. وبحلول تشرين الأول/ أكتوبر من ذلك العام أغلق آخر معبر للتهريب من دوما مما خنق المنطقة.

وقال ليلى بكرى (26 عاما) من الغوطة في تصريح للصحيفة من ذلك العام: “في الأيام الأولى كنا نستطيع تناول الحلوى وأعد ابنتي بقطعة منه لو تصرفت بطريقة جيدة” و”اليوم عندما تطلب أعطيها قطعة من الذرة”.

وفي ربيع 2018 تكثف القصف وقتل أعدادا كبيرة من السكان. وقال عمال الإغاثة إن عددا منهم قُتل في هجمات كيماوية، التي ينفيها نظام الأسد. وفي الوقت نفسه أصيب المجتمع الدولي بالشلل ولم يرد. ومع سيطرة قوات الأسد على الغوطة، كانت قواته قد فرضت “أكبر حصار في التاريخ الحديث وقامت بطريقة تدريجية بتركيع المقاتلين والسكان على حد سواء”، حسب تقرير للأمم المتحدة عام 2018. وكشف التقرير أن القوات التابعة للنظام والمجموعات المسلحة ارتكبت جرائم حرب واتهم الأسد بالتجويع المقصود وحصار 265 ألفاً من المدنيين.

الرقة

كان يسكن في الرقة الواقعة على الجانب الشمالي- الشرقي لنهر الفرات 400 ألف نسمة. وتعرف اليوم بالعاصمة السابقة لتنظيم “الدولة” الذي سيطر عليها من عام 2014- 2017 وفرض عليها نظامه المتشدد. وأدت المعركة التي خاضتها الولايات المتحدة والجماعات التابعة لها إلى تشريد 270 ألف شخص، وقتل 1600 بناء على تقرير لمنظمة أمنستي إنترناشونال في لندن. وتركت سنوات الحصار والحرب الدموية التي تبعت ذلك أثرها على الأطفال الذين نجوا من الحرب، ولكنهم خسروا طفولتهم كما قال طبيب في منظمة اليونيسيف في حينه.

الزبداني ومضايا

بلدتان واقعتان قرب العاصمة وكانتا في الماضي مناطق للسياحة قريبة من لبنان. وتعرضتا في الفترة ما بين 2015- 2017 لحصار قوات الأسد ومقاتلي حزب الله اللبناني. وبحلول عام 2016 أصبح سكان البلدتين هياكل عظمية من الجوع، فيما مات بعضهم من الجوع. وانتشرت صور المدنيين الذين لم يبق عليهم سوى العظام في الإعلام الدولي. إلا أن المفاوضات بين الجماعات الإنسانية والحكومة السورية أدت لتأخير وصول المساعدات للمحتاجين. وبالنسبة للناشطين فقد أصبحت مضايا رمزا لعبث الإغاثة الإنسانية التي تخلت عن المدنيين الذين وجدوا أنفسهم عالقين في فوضى الحرب. وفي عام 2017 تم نقل المدنيين والمقاتلين في البلدتين إلى إدلب في صفقة مع حكومة دمشق.

حلب

كانت حلب أكبر مدينة في سوريا، أما اليوم فهي مدينة أشباح تلاحقها صور الحرب وظلت مقسمة لمدة أربعة أعوام، حيث وقع القسم الغربي تحت سيطرة النظام، أما الشرقي فوقع تحت سيطرة المعارضة. وترتبط المعركة على حلب بالبراميل المتفجرة التي استخدمها الأسد وحلفاؤه مع القصف الروسي المنظم الذي قتل مئات من المقاتلين والمدنيين واستهدف أيضا المستشفيات. وتقدمت قوات النظام السوري شيئا فشيئا، فيما تمت استعادة مناطق أخرى من سوريا عبر صفقات مع المقاتلين. ووصف منير الحكيمي، الطبيب في جماعة إغاثة سورية حالة من بقي في حلب الشرفية بأنهم “كانوا مصدومين. وكانوا مجهدين عندما ركبوا الحافلات ورأيت عظام بعضهم بارزة بسبب عدم توفر العلاج الطبي لهم لأسابيع، وكان الجميع يعرفون أن الوضع سيء. وفي ذلك اليوم رأينا سكان حلب الأحياء الموتى”.

حمص

حدث حصار وقصف حي بابا عمرو في حمص عام 2012 والذي أثار قلق الصحافية ماري غولفين، التي قررت أن تكون هناك رغم المخاطر. وفي ذلك الوقت أدى هجوم قوات النظام على الحي إلى مقتل  عدد من سكانه بالإضافة لماري غولفين والمصور الفرنسي رينيه أوشليك. وقبل ساعات من مقتلها عن عمر يناهز 56 عاما، تحدثت غولفين مع برامج بريطانية وأمريكية ووصفت التجربة الفظيعة وهي تراقب طفلا سوريا عمره عامان وهو يموت. وعرفت حمص بعاصمة الثورة. ولم يستطع النظام السيطرة عليها إلا عام 2015 وأخرج من بقي من المسلحين والمدنيين المذعورين.

القدس العربي

——————-

لوموند: نحن نحتفل بنهاية العام والقيامة تقوم بإدلب

بينما يحتفل العالم بأعياد نهاية العام، تقوم قيامة الناس في إدلب، وغالبيتهم من المهجرين الذين اقتيدوا من مناطقهم قسرا إلى هذا الفخ الجماعي، حيث تحصد القنابل مئات المدنيين ويفر عشرات الآلاف بعائلاتهم.

من هذه الزاوية، استعرض منبر صحيفة لوموند الفرنسية ما لاحظته مجموعة من الشخصيات، من أمثال النائب الأوروبي رافائيل غلوكسمان والاشتراكي أوليفييه فور وممثل الخضر يانيك جادو، من أن المأساة الإنسانية في شمال سوريا تتناقض مع إنجازات محاكمات نورمبرغ واتفاقيات جنيف.

وقالت المجموعة في إعلان موقع بأسمائها إن مئات الآلاف من الأطفال والنساء والرجال يفرون الآن من إدلب المهجورة، ويبنون ملاجئ مؤقتة في البرد وتحت المطر، دون طعام أو رعاية صحية، مشيرة إلى أن هؤلاء المدنيين ليسوا ضحايا عرضيين للحرب، ولكنهم مستهدفون من قبل النظام.

وفي كل مكان -تقول المجموعة- يُطرح السؤال نفسه باستمرار: لماذا لا يهتم أحد بمصيرنا؟ هل نحن أقل من البشر؟ وكأن لا أحد يرى أو يسمع بالتهجير الجماعي للمدنيين من إدلب تحت قصف الطائرات الروسية السورية الذي لا يتوقف.

وعلقت الصحيفة بأن من المستحيل التعود على مجازر المدنيين السوريين، و”كأنهم غير موجودين أو ليسوا من جنس البشر، في الوقت الذي يقوم فيه جلادو بشار وبوتين وخامنئي بتمزيق أجسادهم”.

النفاق الغربي

وقالت الصحيفة إن عملية عادة كتابة التاريخ تسير بشكل جيد، والخطب المليئة بالكذب تكتسب أرضية كل يوم، حيث يؤكد أتباع الدعاية الروسية أن لا خيار سوى الأسد أو الإرهاب، وبالتالي فإن الأسد هو الخيار، وكأنهم يستعيدون شعار النظام السوري منذ عام 2011 “الأسد أو نحرق البلد”.

وفي هذا المشهد -تقول الصحيفة- تبدو تصرفات “هيئة تحرير الشام” وكأنها مبرر للنظام السوري ليفعل ما يريد، وهي في الوقت نفسه تغذي نفاق الزعماء الغربيين.

وهكذا يجد المدنيون أنفسهم محاصرين بين “الجهاديين في هيئة تحرير الشام”، وهم أقلية مسلحة تسيطر على قطاعات مختلفة من هذه المنطقة، وتفجيرات نظام بشار الأسد المدعومة من جيش الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما تقول الصحيفة.

وأشارت الصحيفة إلى أن الذين ما زالوا يتحدثون عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولا يرون في الرئيس الروسي منقذا ولا حتى “شريكا”، يبدون غير قادرين على التعبير عن أنفسهم.

ولكن كما جاء في منبر الصحيفة “إذا أصبحت الكلمات مفرغة من معانيها ووزنها، وفقد سيل الصور المتدفق دون نهاية تأثيره، فذلك يعني أن قادتنا الأوروبيين قد تخلوا عن كل أدوات العمل المتاحة لهم لصالح روسيا والجيران الإقليميين، إيران وتركيا.

إن هذا التخلي يجعل الآن كل شيء ممكنا، وهو نقطة تحول حاسمة، ويمثل اختيار العدمية السياسية على المستوى الأوروبي والعالمي.

وتابعت الصحيفة أنه “بعد تدمير حلب وسحق الغوطة والهجمات الكيميائية المتكررة، وعلى الرغم من التعذيب والاغتصاب في السجون مثل الشهادات الفظيعة القادمة من سجن صيدنايا، فإن إستراتيجية بشار وبوتين مستمرة مع الإفلات من العقاب، وهي التجويع والحصار والقصف والتدمير، خاصة للمستشفيات والملاجئ”.

جرائم لا يمكن أن تمر دون عقاب

وتابع منبر لوموند أن عدم تطبيق القرارات الدولية قد سمح لبشار الأسد بالالتفاف على العقوبات الاقتصادية من خلال الاستحواذ على المساعدات الإنسانية التي يحتكرها بشكل متزايد من أجل غايات واضحة، هي مواصلة الحرب وإضعاف المعارضة دون هوادة، حتى القضاء عليها نهائيا، كما أن حق النقض (الفيتو) الذي رفعته روسيا والصين في الأمم المتحدة في الآونة الأخيرة يجعل الأمور أسوأ بمنع المساعدات عبر الحدود.

وعلى الرغم من أن مذبحة المدنيين تشكل جريمة حرب، فإن روسيا والنظام يستهدفان المدنيين عمدا، فقد قضى عدة أطفال مع أمهاتهم في قصف يوم 17 ديسمبر/كانون الأول الحالي، وأمس الأول قتل سلاح الجو الروسي ثمانية أشخاص، بينهم خمسة أطفال وامرأة، بعد أن لجؤوا إلى مدرسة بالقرب من سراقب.

وبحسب المنبر فإن “هذه الكارثة هي أيضا مشكلتنا، إنها مشكلة عالمنا، وفكرة العالم الإنساني، وستدفع أوروبا ثمنا مرتفعا ووقتا طويلا مقابل هذه الموافقة السياسية والإنسانية، وسيكون متناسبا مع ضخامة ما يحدث كل يوم”.

وخلص المقال إلى أن هذه الجرائم لا يمكن أن تمر دون عقاب، وأن تحقيق كبيرا على المستوى الدولي وفي العديد من البلدان في نفس الوقت قد بدأ بالفعل، وأن القادة المشاركين في سياسات الإبادة هذه ستتم مساءلتهم عن أفعالهم، وستتم مساءلة الباقين عن تقاعسهم عن التحرك.

وذهب المقال إلى أن ما يحدث اليوم في إدلب يتناقض تماما مع الالتزامات التي تعهد بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في أكتوبر/تشرين الأول 2018، عندما أعلنا ضمانهما للهدنة.

وأوضح المقال أن ما يحدث في سوريا منذ عام 2011 يتناقض مع إنجازات نورمبرغ واتفاقيات جنيف واتفاقية منع ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، أي القانون الدولي والإنساني بأكمله، وإذا أصبحت هذه الاتفاقيات حبرا للقادة الأوروبيين، فيجب توضيح ذلك ويجب على الجميع تحمل هذا القرار التاريخي.

ودعت المجموعة إلى:

– حث القادة الأوروبيين على الإعلان الفوري للإنذار الإنساني لإجبار بوتين على التهدئة وإنشاء ممرات.

– والتصويت للحصول على مساعدات إنسانية ضخمة لمخيمات اللاجئين السوريين أو للمنظمات غير الحكومية الموجودة على الأرض، مثل اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية الذي أنشأ تسعين وحدة مستشفى في شمال سوريا، وتدريب العاملين في المجال الطبي.

– والترحيب باللاجئين السوريين بكرامة على أرضنا.

– ووقف كل حملة لتطبيع علاقات أوروبا مع نظام الأسد.

– والمساهمة بنشاط في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سوريا منذ عام 2011.

 قائمة الموقعين”

– المخرجة السورية هالة العبد الله، عضو اللجنة السورية الأوروبية.

– أستاذة الآداب في جامعة باريس 7 كاثرين كوكيو، عضو اللجنة السورية الأوروبية.

– ماجد الديك، عضو اللجنة السورية الأوروبية.

– النائب أوليفييه فور، الكاتب الأول بالحزب الاشتراكي.

– العضو في البرلمان الأوروبي رافاييل غلوكسمان.

– الطبيب مارك حكيم، عضو اللجنة السورية الأوروبية.

– المحامي جويل هوبريخت بمعهد الدراسات المتقدمة حول العدالة، عضو اللجنة السورية الأوروبية.

– النائب الأوروبي يانيك جادو.

– الطبيبة سارة كيلاني، عضو اللجنة السورية الأوروبية.

– عضو البرلمان الأوروبي أورور لالوك.

– الباحثة فيرونيك ناحوم غرابي، عضو اللجنة السورية الأوروبية.

– الصحفية المستقلة كلير بونسينيون، عضو اللجنة السورية الأوروبية.

– الطبيب الإنساني رافائيل بيتي، مساعد رئيس بلدية ميتز.

– المؤرخ المتخصص في أوروبا الوسطى جان إيف بوت، عضو اللجنة السورية الأوروبية.

المصدر : لوموند

————————

265 ألفا نزحوا.. ألمانيا تطالب بهدنة في إدلب وتركيا تؤكد عملها لمنع المأساة

دعت ألمانيا إلى هدنة عاجلة في محافظة إدلب بشمال غرب سوريا، فيما أعلنت تركيا اليوم الأحد أنها تعمل ما في وسعها لمنع حصول مأساة إنسانية في المنطقة التي نزح منها أزيد من ربع مليون إنسان خلال الشهرين الماضيين.

وقد حثّ وزير الخارجية الألماني هايكو ماس على التوصل لهدنة عاجلة في محافظة إدلب.

وقال ماس في تصريحات لصحف ألمانية “الوضع الإنساني في إدلب يعد كارثيا بالفعل، ويزداد سوءا على الدوام بسبب المعارك”.

وطوال الأسابيع الأربعة الماضية، شددت سوريا وروسيا الهجمات الجوية على مناطق المعارضة المسلحة في إدلب.

ومن جانبه، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إن بلاده تعمل ليل نهار من أجل منع المأساة الإنسانية في إدلب.

وفي كلمة ألقاها أمام قادة الوحدات العسكرية في المنطقة الحدودية مع إدلب، شدد أكار على أن بلاده لن تخرج من نقاط المراقبة “التي ترعى تطبيق الهدنة في إدلب”.

وقد كثّفت قوات النظام السوري بدعم من الطيران الروسي الضربات الجوية على إدلب منذ 16 ديسمبر/كانون الأول الجاري.

وينتشر الجيش التركي في 12 نقطة مراقبة في إدلب بموجب اتفاق تم التوصل إليه بين موسكو وأنقرة في سبتمبر/أيلول 2018، ويهدف إلى تجنيب المنطقة عملية عسكرية لقوات الحكومة السورية.

وتسيطر هيئة تحرير الشام على الجزء الأكبر من محافظة إدلب التي تؤوي هي ومحيطها نحو ثلاثة ملايين إنسان، نصفهم تقريبا نازحون من مناطق أخرى، وتنشط فيها أيضا فصائل إسلامية ومعارضة أقل نفوذا.

ضغوط تركية

وقال أكار “نحترم الاتفاق الذي توصلنا إليه مع روسيا وننتظر أن تحترم روسيا هذا الاتفاق”.

وتضغط تركيا للتوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، وقد أرسلت الاثنين الماضي وفدا إلى موسكو لهذا الغرض.

وقالت منظمة “منسقو الاستجابة” العاملة في سوريا إن نحو 265 ألف إنسان مزحوا من منطقة خفض التصعيد في ريفي إدلب الجنوبي والشرقي، منذ مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.وأوضحت المنظمة أن النازحين توزعوا على المناطق الحدودية مع تركيا، وأن أغلبهم من النساء والأطفال، كما دعت لتأمين استجابة عاجلة لحاجاتهم.

وتشهد منطقة النزوح التي تنتشر فيها المخيمات منخفضا جويا جديدا، مع عجز المنظمات الإنسانية عن توفير احتياجات النازحين من خيام ووسائل تدفئة.

————————–

سوريا 2019: احتلالات تكشف سوأة النظام قبل الغزاة/ صبحي حديدي

بعد أن شهد العام السوري 2019 حملة عسكرية ثالثة على إدلب، أوائل أيار (مايو)؛ وحملة رابعة، أواسط تشرين الثاني (نوفمبر)؛ كان منطقياً أن يعمد النظام، مدعوماً بالطيران الحربي الروسي والميليشيات الموالية المحلية والدخيلة، إلى اختتام العام بحملة خامسة، أشدّ وحشية وشراسة، وأوسع استخداماً لأسلحة الإبادة والتدمير الأقذر، وأوضح هدفاً من حيث اقتلاع المدنيين من قراهم وبلداتهم واشجار الزيتون التي حوَلوها إلى بيوت، وتهجيرهم إلى العراء والمجهول. أهداف هذه الحملة الأخيرة لم تتغير كثيراً عن أغراض الحملات الأربع السابقة، ويمتزج فيها 1) هدف قضم المزيد من الأراضي، خاصة في مناطق جنوب غرب المحافظة؛ و2) مبدأ تفكيك الاجتماع السوري المدني (الذي تجمّع، أو أُجبر على التجمّع، في قرى وبلدات ومدن المحافظة، وافداً من حماة (22%)، وحلب (21%)، وحمص (5%)، ودير الزور (4%)، وريف دمشق (4%)، ومناطق أخرى (28%)؛ إلى جانب الـ14% من سكان المحافظة الأصليين)؛ و3) تفريغ اتفاقيات أستانة وسوشي، بصدد ما تبقى من خرافة «خفض التصعيد» والتفاهمات أوّلاً، ثمّ التذكير بأنّ التفاهمات الروسية ــ التركية حول إدلب يمكن أن تتبدل وتتحوّل أو حتى تنقلب إلى حبر على ورق.

كان منتظَراً، كذلك، ان يسكت الجيش التركي عن هذه الجولة الخامسة، كما سكت على الجولات السابقة، رغم أنّ أنقرة تتشبث بموقع الراعي الإقليمي للأمر الواقع في محافظة إدلب؛ إنْ لم يكن اتكاءً على إدارة جيشها لـ12 مركز مراقبة في الشمال السوري، فعلى الأقلّ بسبب عمليتَين عسكريتين في حالة تفعيل («درع الفرات» و»نبع السلام»)، وبسبب «الجيش الوطني»، الذي أنشأته تركيا وينتشر في شمال حلب. لا أحد، بالطبع، ينتظر من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يأمر المقاتلات التركية بالتصدي لبراميل بشار الأسد أو قاذفات فلاديمير بوتين؛ إذْ في وسع الناطقين باسمه إعلامياً (وبينهم بعض «المعارضين» السوريين، للتذكير!) أن يحيلوا الصمت التركي إلى تعاقدات ثنائية مع موسكو حول تقليم أظافر «هيئة تحرير الشام»، وهو إجراء يمكن أن يشمل توجيه ضربات عسكرية مصغرّة، كما حدث مراراً في الماضي. وفي نهاية المطاف، ماذا يمكن لرجل اجتاح مئات الكيلومترات في العمق السوري أن يقول على سبيل معارضة الأسد وبوتين في إدلب؟

وأما تهجير عشرات الآلاف من أبناء معرّة النعمان أو جرجناز أو القرى والبلدات التي دكها النظام السوري والغزاة الروس، فإنّ لدى أردوغان ذلك الخطاب الجاهز، الصالح للاستخدام في المدى المنظور والبعيد، حول عجز تركيا عن استقبال المزيد من اللاجئين السوريين، وإنذار أوروبا/ ابتزازها بأنّ العبء الثقيل لا يمكن أن يظل تركياً فقط. ثمة، هنا تحديداً، هامش مشروع للتفكير في نظرية مؤامرة من الطراز الذي يتيحه منطق المعطيات الميدانية الأبسط: إذا كانت تركيا عاجزة عن، وغير راغبة في، استقبال المزيد من موجات اللجوء، وهي بالتالي لن تمكّنهم من العبور إلى أوروبا عبر بوّابات تركية مفتوحة على مصاريعها؛ فهل التوطين الوحيد المتاح أمام هؤلاء اللاجئين هو الأرض السورية ذاتها، ولكن تلك التي احتلها الجيش التركي في سياق «نبع السلام» وينوي طرد الأكراد منها على سبيل التطهير العرقي، الذي لا تسمية أخرى تنطبق عليه في نهاية المطاف؟ في عبارة أخرى، ما الذي يضير موسكو، راعي النظام السوري، أنّ الاجتماع السوري الذي تجمّع في إدلب، يمكن أن يتبعثر تدريجياً ومنهجياً في عشرات القرى والبلدات التي احتلتها القوات أنقرة الغازية، على طول الحدود السورية ــ التركية؟

ما كان منتظَراً، ثالثاً ومنطقياً، هو ثبات «هيئة تحرير الشام»، التي تُحكم على إدلب قبضة جهادية وعسكرية وأمنية ومافيوزية منذ أكذوبة «تحرير» المحافظة في ربيع 2015، على سلوك مماثل مطابق لأدائها خلال الحملات الأربع السابقة. ولعلّ الجديد الوحيد انكشاف طبائع العلاقة بين «الهيئة» وأجهزة الاستخبارات والقيادات العسكرية التركية، ليس لجهة تنزيه هؤلاء عن إي إثمّ بحقّ «الجهاد الشامي»، أسوة بـ» الإمبراطوريتين الروسية والصفوية الإيرانية»، فحسب؛ بل كذلك التزام صمت القبور (كما فعل أبو محمد الجولاني في كلمته المصوّرة مؤخراً) عن كلّ فعل أو خيار أو موقف أو صفة… على صلة برعاة «الهيئة» الأتراك. وفي ذروة القصف الوحشي وتساقط الشهداء، من الأطفال والشيوخ والنساء أوّلاً، بقيت «الهيئة» وفية للسلوك المماثل المطابق إياه؛ تختار من «ساح الجهاد» ما تحلّ فيه يوماً، كي تغادره بعد يوم؛ ولا «شعب» تكترث له خارج تعريف زائف لـ»أمّة الإسلام»، يرتبط بالغيب أكثر من اتصاله بالبشر؛ ولا «اجتماع» عندها يتجاوز ما يُجمع عليه «أمير الجماعة»، أو ولاته؛ ولا قتال إلا ما تأذن به، حتى لجهاديين أشقاء أمثال «حرّاس الدين» و»أنصار التوحيد»!

العام السوري 2019 شهد، أيضاً، وخلال الأسبوع ذاته أواخر شباط (فبراير)، زيارة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو، وزيارة رأس النظام السوري بشار الأسد إلى طهران؛ حيث العلاقة بين الزيارتين لا تقتصر على التزامن بالمصادفة، بل التقاطع في كشف حال العلاقات الروسية ــ الإسرائيلية مقابل تلك السورية ــ الإيرانية. ففي الملفّ الأوّل ثمة إحصائية دالّة في ذاتها تقول إنّ اللقاءات بين بوتين ونتنياهو بلغت 15 اجتماعاَ منذ أن اتخذ الرئيس السوري قرار التدخل العسكري المباشر في سوريا؛ وأنّ نتنياهو حظي من بوتين بهدية ثمينة هي دبابة إسرائيلية كان الجيش السوري قد غنمها في سهل البقاع اللبناني، سنة 1982، وأهداها النظام إلى متحف سوفييتي، ليعيد بوتين تسليمها إلى دولة الاحتلال. في المقابل، بصدد الملفّ الثاني، تقول المعطيات إنّ معظم القتلى في صفوف جيش النظام لم يسقطوا، خلال الأشهر الأخيرة، في القتال مع المعارضة المسلحة على اختلاف فصائلها؛ بل جراء المواجهات المسلحة الضروس بين ميليشيات إيران والنظام وكتائب الفرقة الرابعة، من جهة؛ وميليشيات سهيل الحسن وكتائبه التي تدعمها القوات الروسية، في ريف محافظة حماة ومنطقة الغاب، من جهة ثانية.

وقد لا يصحّ، سياسياً وأخلاقياً، إيجاز حصيلة العام السوري 2019 دون تكريم شهداء سوريا الذين سقطوا تحت القصف أو في ميادين الدفاع عن الأرض؛ واستذكار أحد هؤلاء على وجه الخصوص، عبد الباسط ممدوح الساروت (1992 ــ 2019)، ليس لأنه يمكن أن ينوب عن شهداء كثر سواه؛ بل لأنه، ، للمفارقة الرفيعة والنادرة، امتلك من أسباب الواقع والرمز ما يكفي كي يكون نسيج ذاته وصنيعة انفراده، حتى وهو يستكمل الكثير من اصفى عناصر النماذج الاستشهادية الكبرى في سوريا ما بعد انتفاضة 2011. والساروت، مجدداً، لم يكن نسخة أخرى مكمّلة أو متطابقة مع أمثال غياث مطر أو باسل شحادة في صفّ النشطاء المدنيين؛ ولم يكرّر نماذج شهداء عسكريين، أمثال «أبو فرات» وعبد القادر الصالح؛ بل كان تكثيفاً مأساوياً بليغاً لمآلات انتفاضة بدأت سلمية، وسيقت إلى السلاح بحكم وحشية النظام وصعود الجهاديين، وكذلك بسبب الحاجة في حدودها الدنيا، القصوى والأقرب إلى الضرورة وخيار الدرجة صفر.

عام عاث فيه الغزاة فساداً في سوريا، إذن، وتضافرت فيه احتلالات روسية وأمريكية وإيرانية جديدة مع احتلال إسرائيلي قديم، وميليشيات جهادية ومذهبية تقاطرت من أربع رياح الأرض، و»معارضة» زائفة كاذبة تابعة وأجيرة؛ تكشف سوأة نظام استبداد وفساد بات مجرّد خادم/ دمية، لا تكاد وظائفه تتجاوز التأتأة الإعلامية، وإدارة النهب عن طريق الإمعان أكثر في إفقار المجتمع، ومواصلة ارتكاب جرائم الحرب حيثما أتاح له الرعاة أن يثبت علامة وجود من أيّ طراز.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

——————————–

سورية.. انتصار المذبحة الروسية/ بشير البكر

لن يطول الوقت حتى تعلن روسيا انتصار نظام بشار الأسد على ما تبقى من مقاتلين سوريين يواجهون جيش النظام والمليشيات الإيرانية والروس في محافظة إدلب. وكل المؤشرات تؤكد أن نهاية مرحلةٍ من عمر الثورة السورية باتت وشيكة، وهي التي تمثلت بحمْل السلاح للدفاع عن المتظاهرين السلميين، ثم تطوّرت في اتجاهات عدة، حتى وصلت إلى وضعها الراهن الذي يحتضر على نحوٍ لا يشكل مفاجأة لأحد، سواء جمهور الثورة أو خصومها. إلا أن نهاية هذه المرحلة ليست بالأمر العادي، ليس من منطلق أنها تطوي صفحة المعارضة المسلحة فقط، بل لأنها تمكّن النظام من مدّ نفوذه إلى مساحة شاسعة من سورية خرجت عن سيطرته منذ حوالي ست سنوات، وذلك من خلال استعادة كامل الطريق الدولي M5 الذي يربط دمشق بمدينة الحسكة، مرورا بمدن حماة وحلب والرقة، والذي يتفرّع إلى دير الزور، ويتقاطع مع طريق M4 الذي يربط حلب باللاذقية.

ووضعت روسيا كل ثقلها من أجل تحقيق هذا الإنجاز الذي يمكن النظام من التحكّم بشريان الحياة الاقتصادية في المنطقة الغنية بالثروات، خصوصاً النفطية والزراعية، إذ تعتبر شبكة الطرق هذه الوحيدة للنقل بين مناطق البلاد التي تقطّعت أوصالها بين مختلف الأطراف المتنازعة. وكون روسيا تدرك أهمية الطرق لترسيخ السيطرة، فإنها وضعت كل ثقلها، أكثر من عامين، من أجل الوصول إلى هذا الهدف الذي كلف حتى الآن تدمير الآلة العسكرية المعارضة للنظام، وألحق دمارا هائلا بالعمران في أرياف حماة وإدلب وحلب، وترتبت على ذلك حركة تهجير قسري واسعة من هذه المناطق، تجاوزت مليون مواطن سوري، باتوا مشرّدين لا يعرفون المستقبل الذي ينتظرهم أو الأرض التي سوف يستقرّون عليها. وتبين في الأيام الأخيرة أن الجانب الروسي على درجةٍ كبيرةٍ من العجالة كي يحسم هذا الملف في غياب ردٍّ تركيٍّ حازم، بوصف أنقرة داعماً أساسياً للمعارضة وضامنا لهذه المنطقة، وهي الأخيرة من بين مناطق خفض التصعيد الأربع التي استعادها الروس تباعا، ضاربين عرض الحائط بكل الاتفاقات التي وقّعوها مع تركيا.

يحقّق الروس نصرا للنظام، ولكنه نصر بطعم العار والجريمة. وأقل تسميةٍ تليق به أنه نصر المذبحة. هل هناك عارٌ أكثر قسوةً من أن ترسم روسيا طرقاتٍ للمدنيين السوريين، لكي يخلوا منازلهم في بلدات معرّة النعمان، بعد أيام من الهجوم اليومي لطائرات الروس والنظام على المهجّرين قسرا، وهم يسلكون طرقات الهرب تحت البراميل المتفجرة وصواريخ القاذفات الروسية التي تقدّمها وزارة الدفاع الروسية في معارض الأسلحة بوصفها سلاحا تم تطويره في سورية.

وجاء في صحيفة واشنطن بوست “ترى الحكومة الروسية نظام الأسد يكسب الحرب، وتعتقد أن منع وصول الغذاء إلى الناس الذين لا يزالون يقاومون حكم الأسد هو وسيلة فعالة لمساعدته”. وأتى هذا الكلام في معرض التعليق على الفيتو الذي استخدمه الروس ضد إيصال المساعدات الإنسانية إلى ملايين السوريين المدنيين الذين يعيشون خارج سيطرة النظام، وهؤلاء ليسوا من جماهير المعارضة، أو ممن يقعون تحت نفوذها فقط. والهدف من الخطوة الروسية هو توظيف سلاح الخبز من أجل تطويع السوريين، وكسب تأييدهم الأسد حاليا، وفي سبيل تعويم نظامه خطوة لاحقة.

وفي هذه الأثناء، تدرك الفصائل الصغيرة التي تقاتل على الأرض أنها تخوض معركةً خاسرة، وأن النظام سوف يبسط سيطرته على ريف إدلب في وقت ليس بعيدا، والطرف الذي يمتلك ورقة الحسم في هذه المواجهة غير المتكافئة هي روسيا. وعلى هذا، فإن الانتصار المرتقب الذي سيعلنه الروس هو انتصار المذبحة الروسية.

العربي الجديد

——————-

تدمير ما لم يدمر بعد.. قتل من لم يقتل بعد/ بكر صدقي

هذا ما يبدو أنه البرنامج الوحيد الذي يعمل نظام الكيماوي في دمشق على تنفيذه. فلا أحد يعرف ما الذي سيفعله النظام بالمدن والبلدات المدمرة والمفرغة من سكانها، في محافظة إدلب، بعد احتلالها. فإذا استأنسنا بالتجارب السابقة سنرى أن شرقي حلب أو الغوطة الشرقية، على سبيل المثال، لم تشهدا عودة للنازحين عنها إلا بنسب منخفضة جداً، وذلك بفعل التضييق الذي تمارسه أجهزة النظام على عمليات العودة، إضافة إلى عدم رغبة النازحين بالعودة إلى جحيم “الوطن الأسدي”. قد يكون البديل عن السكان الأصليين لتلك المناطق المدمرة سكاناً جدد تنطبق عليهم مواصفات “التجانس” المطلوبة بمعانيها السياسية والأهلية والمذهبية، لكن إمكانية تطبيق ذلك تتوقف على إعادة تأهيل تلك المناطق لتكون صالحة للحياة، وهو ما يتطلب موارد كبيرة تعجز عنها إمكانات النظام المختنق في أزمته، وكذا بالنسبة لإمكانات حليفيه الروسي والايراني. أما استجلاب موارد دولية لإعادة الإعمار فهو يشترط حلاً سياسياً، حتى لو كان بمفهومه الروسي، لا يبدو النظام بالذات مستعداً لتأمين موجباته، على ما رأينا تنصله من اجتماعات اللجنة الدستورية على رغم أن حليفته روسيا هي التي قلبت أولويات الحل السياسي المقترح في قرار مجلس الأمن 2254، واستبعدت كأس السم المتمثل في “الانتقال السياسي”، لتصبح اللجنة الدستورية بديلاً عنها.

حتى قرار مجلس الأمن المذكور الذي لا يحقق تطلعات السوريين في تغيير النظام، تنصل منه وزير خارجية بشار الأسد في موسكو، قبل أيام، بعدما كان النظام قد وافق عليه مرغماً حين صدوره في 2015. الحق أن ما عبر عنه وليد المعلم هو الموقف الحقيقي للنظام، أي رفض أي حل سياسي على الإطلاق، ومواصلة الحرب على سوريا إلى النهاية. ما هي النهاية؟ هي استعادة ما كان قبل 15 آذار 2011. لكنه يعرف قبل غيره أن سوريا لن تعود إلى ذلك التاريخ، بل إن سوريا انتهت منذ سنوات، وتحولت إلى أرض مقسمة إلى مناطق نفوذ، وأن “سيادته” على مناطق سيطرة بقايا قواته بالذات باتت في يد روسيا وإيران، وأن التفاوض على مصير سوريا يجري بعيداً عن مشاركته بين ثلاثي آستانة من جهة، ومجلس الأمن من جهة، والأمم المتحدة من جهة ثالثة. حتى مشاركته في اللجنة الدستورية تبرأ منها حين قال رأس النظام إن الوفد الذي أرسله إلى جنيف لا يمثل الحكومة السورية. ثم لم يطق حتى استمرار اجتماعات اللجنة المذكورة بوفده غير المفوض، فانسحب منها.

حين بدأ النظام يستعيد سيطرته على المناطق التي كانت خارج سيطرته، منذ التدخل الروسي المباشر في الحرب في عام 2015، كانت الخطة هي إفراغ تلك المناطق وترحيل سكانها تباعاً إلى محافظة إدلب. وهكذا ازدحمت تلك المحافظة بالنازحين من مختلف مناطق البلاد الذين أضيفوا إلى سكانها الأصليين. ثم جاء الدور على “منطقة خفض التصعيد” هذه المعززة بنقاط مراقبة تركية منعاً للتصعيد بين قوات النظام والفصائل المتمردة المسيطرة عليها. استطاعت تركيا فقط تأجيل الكارثة أكثر من مرة، لكنها وصلت إلى نهاية الطريق في علاقتها المربكة مع موسكو. “منطقة خفض التصعيد مقابل منطقة “نبع السلام” التركية بين تل أبيض ورأس العين” هذا ما يتداوله النشطاء السوريون المعارضون بحق. فهذه المقايضة بين أنقرة وموسكو لها سابقتان تعززان القناعة بحصولها للمرة الثالثة: “شرقي حلب مقابل درع الفرات، والغوطة الشرقية مقابل عفرين”. هكذا تجري الأمور بين الدول! لا أحد يهتم بمصير مئات الآلاف من السكان الذين شاء حظهم السيء أن يكونوا في تلك المناطق موضوع المقايضات الدولية.

في ظاهر حملة النظام وروسيا على منطقة “خفض التصعيد” الأخيرة في محافظة إدلب أن الاتفاق التركي – الروسي في أيلول 2018 الذي أدى إلى وقف هجوم النظام حينذاك، قضى بفتح الطريقين الدوليين بين حلب وحماة، وحلب واللاذقية، لكن الطرف التركي “فشل” في تنفيذ تعهداته، فلجأ الروس مجدداً إلى الحل العسكري، أي تحقيق فتح الطريقين المذكورين بالقوة. أضف إلى ذلك أنه بدلاً من تفكيك “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) الموجودة على قوائم المنظمات الإرهابية، كما تعهدت أنقرة، بسطت “الهيئة” سيطرتها على كامل المحافظة. ولكن بصرف النظر عن هذه الذرائع التي تقدمها موسكو لتبرير حملتها الجديدة، نعود لتلك الحقيقة البسيطة التي مفادها أن استعادة النظام لسيطرته على الطريقين الدوليين أو حتى كامل محافظة إدلب، بعد تدميرها وطرد سكانها “الأشرار” لن تشكل “نهاية الطريق” بالنسبة للنظام الساقط. فما زال أمامه، عسكرياً فقط، مناطق شاسعة خارج سيطرته، بدءاً من ريف حلب الشمالي وصولاً إلى أقصى نقطة عند الحدود السورية – التركية – العراقية. أي أن تسع سنوات من الحرب على سوريا لم تكن كافية لاستعادة السيطرة الميدانية فقط، من غير ذكر لاستعادة أوضاع طبيعية غير موجودة حتى في المناطق التي لم تخرج يوماً عن سيطرة النظام. أضف إلى هذه الحقيقة واقع رفضه لأي حل سياسي، بما في ذلك “الحل” الروسي الذي يهدف إلى استمرار النظام في حكم سوريا، لنصل إلى النتيجة المنطقية الواردة في عنوان هذه المقالة: ليس لدى النظام أي برنامج عمل غير تدمير ما تبقى وقتل من تبقى.

القدس العربي

——————————–

حلب دمشق: أوتوستراد الدم..لا عزاء لمن لم يقرأ اتفاق آستانة جيداً/ عمر قدور

باستثناء من باتوا معروفين باسم “الأردوغانيين”، صار مكشوفاً للجميع المآل الذي ساقت إليه أنقرة الفصائل التي تقاتل الأسد، مع تغطية من “الائتلاف” الذي أصبح تابعاً لها على نحو مطلق. أنصار أردوغان من الإسلاميين يعرفون ذلك أيضاً، إلا أن ولاءهم الأيديولوجي يمنعهم من إبداء ولو نوع من العتب الخفيف، ولو أيضاً على سبيل رفع العتب وتبرئة ذممهم.

الأخبار لا تحتاج إلى شرح، فالآلة العسكرية الروسية والأسدية تطحن البشر والحجر، خاصة في المناطق المحيطة بأوتوستراد دمشق-حلب الدولي. الصور القادمة من هناك، رغم شبهها بصور سابقة من حمص وحلب و…، قد يختلف وقعها ربطاً بأمان سابق زائف مردّه وجود نقاط مراقبة تركية، حيث يُفترض أن تمثّل الأخيرة المعنى الأوسع لدور الضامن التركي في مسار أستانة. مع التنويه بأن الحديث هنا عن الأوهام اليائسة للمدنيين المغلوبين على أمرهم إزاء ذلك المسار، وعن أوهام شريحة من المعارضة رأت فيه خياراً أقل سوءاً وفق معطيات الواقع، أما عمى الأردوغانيين فهو داءٌ لا أمل بالشفاء منه، ولا يُستبعد أن يأخذ أصحابه إلى الظن بأن معركة السوريين قد انتقلت إلى ليبيا!

لطالما قيل إننا أمة لا تقرأ، في منطقة يتباهى بعض أهلها بأنها مهد الديانات التوحيدية مع تناسي أن إنجيل يوحنا يُستهل بجملة “في البدء كان الكلمة”، وأن الوحي استُهل بكلمة “اقرأ”، وأن الحياة هي قول الله بموجب سفر التكوين. الكارثة الفادحة لمناصري مسار أستانة الذي انطلق قبل قرابة ثلاث سنوات أنهم إما لم يقرؤوا نصوص تفاهماته، أو أنهم قرؤوها وفق أهوائهم لا كما هي مكتوبة. على كل حال، لسنا في سياق الحديث عن المنافع العامة للقراءة، فالأمر يتعلق بقراءة وثائق راهنة وشديدة الأهمية، وثائق يُفع ثمنها غالياً بدماء السوريين، كي نتحاشى البلاغة التي تقول إنها كُتبت أصلاً بدمائهم.

هناك فرق شاسع بين من يرى في الهجوم الدموي الأخير، ومن قبله الانقضاض على الغوطة وغيرها من مناطق “خفض التصعيد”، بمثابة تنصّل روسي-إيراني من أستانة ومن يرى ذلك تحقيقاً للغاية من المسار ذاته. الفصل بين الرؤيتين هو بنود التفاهمات ذاتها، لا ما يتوقعه أي طرف أو يتمناه أي طرف، ومن المؤسف أن نضطر إلى استرجاع تلك البنود للتذكير بها، وتالياً للتنبيه إلى الخواتيم التي لا تضعها فقط معركة طريق دمشق-حلب أو معركة إدلب الكبرى.

في الرابع من أيار 2017 توصل ثلاثي أستانة إلى التفاهم الذي ينص على إقامة مناطق خفض التصعيد، وكانت تشمل الغوطة الشرقية وإدلب وأجزاء من اللاذقية وحماة وريف حلب وشمال حمص، وجبهة حوران. الأخيرة كما نعلم كانت تحت الرعاية الأمريكية وإدخالها في نص التفاهم يضمر موافقة الإدارة الأمريكية، وحتى كونها طرفاً رغم غيابها عن جولات التفاوض أو تمثيلها المتدني بصفة مراقب.

أهم بنود التفاهم آنذاك أن إنشاء مناطق خفض التصعيد هو إجراء مؤقّت، مدته مبدئياً ستة أشهر، ويتم تمديده تلقائياً بالاستناد إلى توافق الضامنين. لا نحتاج إلى شرح مسهب كي نفهم قدرة أي طرف من الثلاثي على نقض الهدنة عندما يقرر ذلك، لأن نص الاتفاق يمنحه هذا الحق. في الجانب التنفيذي من الاتفاق، وفي الطليعة منه، ينص على “قتال تنظيم الدولة وفتح الشام وجماعات أخرى داخل هذه المناطق وخارجها”. أي إن جبهة النصرة مستثناة بالاسم الصريح “فتح الشام” من الاتفاق، ما يعطي الحق للقوات الروسية وقوات الأسد باستهدافها حتى ضمن مناطق “خفض التصعيد”، ونحن نعلم كيف استُخدمت ذريعة وجود النصرة من قبل في مدينة حلب، رغم أن عدد أفرادها الضئيل جداً لا يُقارن بثقلها في إدلب.

الأهم هو موافقة “الضامن” التركي على ذلك، والبند الخامس من الاتفاق يعود للتأكيد “على اتخاذ كافة التدابير لمواصلة القتال ضد داعش والنصرة والمرتبطين بهما داخل وخارج مناطق الحد من التصعيد”. ثمة بند آخر يجدر التذكير به، هو قيام الضامنين بفصل “جماعات المعارضة المسلحة” عن داعش والنصرة خلال شهرين من توقيع الاتفاق، ويُفهم منه على وجه التحديد قيام أنقرة بهذه المهمة في مناطق نفوذها.

بالعودة إلى مقدمة الاتفاق، تنص المقدمة على الالتزام المتين للأطراف الثلاثة “بسيادة واستقلالية ووحدة وتكامل الأراضي السورية”. التأكيد على الالتزام القوي بالسيادة والاستقلالية.. إلخ سيكون حاضراً في كافة البيانات اللاحقة الصادرة عن الثلاثي، ولا يمكن رد هذه الديباجة فقط إلى الإنشاء، مع معرفتنا بأن الثلاثي “كلٌّ من موقعه ولأهدافه” يشارك في استباحة السيادة والاستقلالية. من المرجح أن أي محكمة ستفسّر هذه العبارة على أرضية التمثيل القانوني لمفهوم السيادة، أي عودتها إلى سلطة الأسد باعتبارها السلطة التي تحظى بشرعية تمثيل سوريا في الأمم المتحدة، ووفق هذا التفسير الذي تبرزه موسكو بين مناسبة وأخرى يكتسب الاحتلال الروسي والإيراني مشروعية قانونية بخلاف القوى الأخرى، وتحديداً بخلاف أنقرة طالما أن الوجود الأمريكي أقوى من التعرض له من قبل موسكو وطهران.

الحديث عن فتح طريق دمشق-حلب بالذات ليس جديداً، والتفاهم عليه أُبرم في أستانة 6، وهذا ما أكّدته حينذاك أوساط فصائل المعارضة. إلا أن التفاهم لم يوضع في التنفيذ، وأحد سبل التنفيذ تأمين الطريق نارياً وقيام نقاط المراقبة التركية والروسية بالإشراف عليه، فضلاً عن إشراف الأسد على الأجزاء التي يسيطر عليها. تأمين الطريق نارياً أيضاً بمثابة مهمة تركية وفق التفاهم، فوق ما التزمت به سابقاً من فصل النصرة عن باقي الفصائل ومحاربتها، أو السماح للروسي بتولي المهمة. وكما نذكر، بعد إبرام التفاهمات، تمكنت النصرة من السيطرة على مساحات أكبر في إدلب، وعلى سبيل المثال أقصت النصرة حركة الزنكي عن كامل مواقع سيطرتها، تحت أنظار أنقرة التي يُفترض بها لجم النصرة.

في كل ما سبق لم تكن هناك خدعة روسية ذهبت أنقرة ضحيتها، فالأخيرة مضت في مسار أستانة عن إدراك وتصميم، وحتى إخلالها بالتزاماتها بموجب الاتفاق “سواء في موضوع تمكين النصرة أو عدم العمل على فتح الطريق” يمكن فهمه كتيسير للهجوم الروسي المتوقع بتوفير المزيد من الذرائع له. إن ما شهدناه ونشهده هو بالأحرى التنفيذ الأمين لروحية التفاهم بين الثلاثي، وإذا كان من وجه للـ”عتب” فهو يتعلق أساساً بالمعارك المجانية وسيل الدماء على مذبح أستانة.

قبضت أنقرة الثمن في منطقة درع الفرات وفي عفرين ثم في “منطقتها الآمنة” بين رأس العين وتل أبيض، وقبضت الثمن بتحويل أولئك العاطلين عن قتال الأسد إلى “مرتزقة” لديها ينفّذون ما تخجل حتى هي من فعله. الثمن المقبوض لا يحيد عن خط تقاطع المصالح بينها وبين موسكو والأسد، فالأخير بعد تخلّصه نهائياً من خطر الفصائل التي كانت تقاتله بات يتوق إلى إنهاء الميليشيات الكردية أو استعادتها التامة من واشنطن إلى حضنه مرة أخرى. يوماً ما ستعيد أنقرة مناطق نفوذها الحالية، وقد يخرج علينا أحد مسؤوليها ليقول إنها في الأصل التزمت بوحدة وسيادة الأراضي السورية، ولا عزاء لمن لم يقرأ أستانة جيداً.

بروكار برس

——————————

من خط أحمر إلى آخر/ ميشيل كيلو

بالأمس، كان يقال عن الذي يعارك مشكلاتٍ مستعصية إنه يمشي في حقل ألغام. أما اليوم، فيتخبّط من يزجّ نفسه في صراعاتٍ تتحدّى قدراته بين خطوط حمراء لا تقل خطرا عن الألغام.

.. وقفت تركيا طوال شهر قرب مدينة الباب في شمال سورية، تنتظر الإذن بتجاوز خطٍّ أحمر روسي، وعندما أزيل، اقتحمتها خلال ساعات. وها هي تنتظر، منذ نيف وعامين، إزالة خط أحمر أميركي حال دون طرد مسلحي حزب العمال الكردستاني من منبج، وهذه ما أن ابتعدت واشنطن عنها، حتى أعلن الرئيس التركي أردوغان عزوف جيش بلاده عن دخولها، بسبب خطٍّ أحمر روسي يشمل بلدة عين العرب إلى جانبها، لأن بوتين منحهما للأسد الذي أبقى قوات ذلك الحزب فيهما، في دليلٍ على ما بلغه تحكّم روسيا بخطط أنقرة، العسكرية والسياسية، وما تمارسه من إضرارٍ بمصالحها، بمنعها من احتلال البلدتين، اللتين تفصلان منطقة غصن الزيتون ودرع الفرات عن منطقة شرق الفرات التي أسقط خروج واشنطن من بعضها خطا أحمر، فدخلها جيشها واحتل بالتفاهم مع البيت الأبيض المنطقة بين رأس العين وتل أبيض، وحين قرّر الانتقال إلى شرقها وغربها، وجد خطا أحمر روسيا/ أسديا أمامه.

.. بإعادة نشر قوات واشنطن شرق الفرات، ورثت موسكو بعض خطوطها الحمراء، أو حدّدت خطوطا جديدة، كخط منبج/ عين العرب، والخط الذي منع جيش أنقرة من التقدّم إلى أعمق من عشرة كيلومترات فيها، على ألّا يرابط مسلحو حزب العمال الكردستاني، أو يخزنوا أسلحة ثقيلة فيهما، ويحتل جيش الأسد العشرين كيلومترا التالية للكيلومترات العشرة، رفضا لمطالبة أردوغان بـ”منطقة آمنة”، عرضُها ثلاثون كيلومترا.

.. بذلك، رسمت روسيا خطوطا حمراء تحمي الأسدية شرق الفرات، وتمكّنها من إدلب، بينما أفضى التزام تركيا بالخطوط الحمراء الأميركية/ الروسية العديدة شرق الفرات، والروسية / الإيرانية في مناطق خفض التصعيد الأستانية، إلى انكشاف المعارضة والفصائل العسكرية، ونزع ما كان باقيا وقابلا للتطوير من قرارهما، وعجز تركيا عن توفير غطاءٍ يحمي دوريهما ممثلين للشعب السوري، لتنشأ بذلك، تدريجا، علاقةٌ جديدةٌ وخطيرة النتائج بين تركيا والمعارضة، وتركيا والأسدية، أعلن وزير خارجية النظام في دمشق، وليد المعلم، عن وجودها رسميا خلال زيارته قبل أيام إلى موسكو، وإنْ طالب بتغيير صيغتها غير المناسبة لنظامه.

.. وصلت العلاقة التركية مع المعارضة السورية إلى نقطةٍ صارت تتطلب مكاشفةً صريحة، بسبب تحوّل أنقرة من ضامن لدورها إلى طرفٍ يشل حركتها، ويصادر القليل الباقي من قرارها، ويسند إليها مهامّ تخالف واجباتها الوطنية، ومن غير الجائز أن تقوم بها، إن أرادت البقاء في موقعها طرفا ملتزما بمن يمثله: الشعب السوري. حدث ذلك، لأن تركيا صارت ترى المسألة السورية بدلالة أمنها القومي، وتتبعها بسياساتٍ لم تعد تأخذ بالحسبان استقلاليتها، وطابع ثورتها الوطني الذي يقوّض تلاشيه، أو القفز عنه، الثورة، وينقل السياسات التركية من التحالف معها والرهان عليها إلى استغلالها وظيفيا، والرهان على عائد التخلّي عنها، بالتفاهم مع الذين يفرضون عليها خطوطا حمراء تدفع ثمنها من رصيد “حلفائها”، كي لا تدفعه من رصيدها الخاص.

.. عند هذا الحد من علاقتها مع القضية السورية، قرّرت تركيا أن تزجّ نفسها في الصراع العسكري على ليبيا، الذي لن يلبث أن يصير بدوره مسألة أمن قومي بالنسبة لها، من المستبعد أن تديرها بطريقةٍ أفضل من إدارتها للمسألة السورية التي شهدت، خلال العامين المنصرمين، سلسلة تراجعات طاولت اللاجئين، وعلاقتها بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وهيئة التفاوض التي أخضعت لتفاهمات أستانة البديلة لمسار جنيف، وأخيرا الفصائل التي تنقطع أكثر فأكثر شعرة معاوية بينها وبين الثورة وسورية.

لندرك ثورتنا، قبل أن يُزهق ما بقي من روحها قفز تركيا من أزمة إلى أخرى، ومن خطٍّ أحمر إلى آخر، وتغرق مع الذاهبين إلى حتفهم.

العربي الجديد

———————

البكاء الكاذب.. إدلب في ذمة مَن؟/ هنادي الخطيب

“حين تكرر ارتكاب خطأ ما، فلن يكون خطأ بعد ذلك: إنه قرار واختيار”

باولو كويلو

وكأن كلام كويلو قيل خصيصاً عن خسائر السوريين المتراكمة خلال سنين وعقود، والتي تبدو إدلب وما حدث فيها خلال الأيام الماضية من مجازر وكأنها شريط فيديو يتكرر بدون أي تغيير، إذ قبل ريف إدلب كانت درعا والغوطة وبالطبع حلب وحمص.

أكثر من أسبوع مضى على مباشرة تطبيق سياسة الأرض المحروقة بأقسى وأبشع وسائلها على بعض مدن ريف إدلب، وبضعة أشهر مضت على التمهيد للمجازر التي نتفرج عليها هذه الأيام، وبضعة سنين أحرقت سوريا كلها، ولا تراجع لعدد ونوعية المجازر الجماعية؛ ولا ندري كم من الوقت ستستمر تلك الهجمة رغم كلام الضامنين التركي والروسي عن هدنة ما، ورغم ارتفاع صوت الرئيس التركي قليلاً ضد الهجوم الروسي والأسدي على تلك المدن التي غرقت بدمائها.

لا يمكن أن نعرف عدد الأشهر والسنين، ولا عدد السوريين الذين سيُشردون في العراء، ولا عدد الدروب التي ستغطيها جثث الضحايا. لكن ما نعرفه جيداً هو النتيجة الحتمية المتكررة التي سنصل إليها: استسلام غير مشروط، ضحايا مدنيين وغير مدنيين، وعشرات آلاف النازحين والمشردين؛ لتستمر المأساة السورية وكأنها فيلم رعب خيالي، لكن صيحات المصابين فيه حقيقية لا يسمعها أحد.

يقول المثل الأميركي: “إن خدعتني مرة فعار عليك، وإن خدعتني مرتين فعار عليّ”؛ فكم من المرات علينا أن نُخدع بسبب تعنّت ما يسمى الفصائل المسلحة، وشعاراتها الرنّانة، التي تخفّت دائماً خلال ساعات مع بدء روسيا الهجوم، وإحراقها للأرض ومن عليها ومن فوقها. فتنطلق التبريرات والاتهامات والتخوينات، مترافقة مع كم الأفواه والتشبيح ضد كل من يجرؤ على السؤال عن سبب تكرار السيناريو، أو كل من يحاول أن يفكر منطقياً ويطرح حلولًا أخرى تجنّب المدنيين القتل والتهجير والدفن تحت الأنقاض؛ وضد كل من يسأل السؤال البديهي: هل وقوف الفصائل عاجزة عن حماية أي مدني، وعن توفير خيمة لنازح واحد، وعن التصريح عن الوعود الحقيقية التي تلقوها، سوف يغير الخاتمة؟

حتى اليوم، ترتهن مناطق المعارضة في سوريا لمصالح أو ربما لمزاجيات وأحياناً لعنتريات وغالبا لبيع ولشراء ذمم، من دون أن يخرج واحد من تلك المعارضة ويعترف بالخطأ، أو يعتذر عن تلك الأرواح التي تسفك كل بضعة أشهر. بل الأشد مرارةَ على النفس أن نفس من انتهز واستغل وباع واشترى يوزع شهادات الوطنية والشرف والثورية على السوريين، وكأنه بدلا من بشار واحد، تم إغراقنا بألف بشار.

خلال شهر ونصف “ما بين مطلع تشرين الأول حتى 21 كانون الأول الجاري” أحصى فريق “منسقو الاستجابة السريعة”، مقتل أكثر من 225 ضحية بينهم 74 طفلاً وتهجير أكثر من 200 ألف إنسان، توزّعوا على مناطق حدودية ومخيمات عشوائية، بعد أن سيطر النظام على عشرات القرى والبلدات بالريف الجنوبي والشرقي من إدلب. ومع هذه النتيجة هل يحق لنا أن نسأل الفصائل المتباهية بشعاراتها، ماذا فعلتم ولماذا، وماذا أنتم فاعلون الآن؟

لما قبل أيام قليلة حافظ “الجيش الوطني” في مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات، على موقف  صامت إزاء المعارك الدائرة في إدلب، ورغم المطالبات الكثيرة لهذا الجيش، المحسوب على المعارضة، والمدعوم من تركيا، بالتدخّل لتخفيف الهجوم الوحشي على  قرى ومدن إدلب، ولمساندة الفصائل على تلك الجبهات، ظلّت قيادة ذلك الجيش متجاهلة لكل النداءات، ولم تتخذ أي خطوة لدعم جبهات إدلب، وبعد آلاف النازحين والمشردين ومئات الضحايا، تحرك “الجيش الوطني” نظرياً، معلنا نّيته التدخّل، إلا أنه سرعان ما خرج خبر للإعلام عن منع “هيئة تحرير الشام” مقاتليه من الدخول لجبهات إدلب، رغم أن إعلان المتحدث باسم الجيش عن النية بالتدخل، اقتصر على قرار إرسال 1000 مقاتل

الكوميديا السوداء تستمر، وتجاهل مأساة السوريين في مناطق إدلب غرق أكثر في انعدام المسؤولية، مع تصريح “وزير الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة”، اللواء سليم إدريس، عن عقد اجتماع في سورية مع قادة التشكيلات في “الجيش الوطني”، وإعداد الخطط للمشاركة في التصدي للحملة على إدلب”، وأنّ “قوات منه قد بدأت بالفعل التحرك نحو جبهات القتال في ريف إدلب الجنوبي الشرقي”.

لنتذكر، امتناع فصائل الجنوب عن التحرك أو إطلاق رصاصة واحدة، على رغم استغاثات الغوطة قبل سقوطها، والتي كانت نتيجتها سقوط الغوطة بعد أن سوّى نظام الأسد وروسيا بيوتها بالأرض، وبعد أن قصف دوما بالكلور، ومن ثم انصاعت الفصائل بعد أن ملأت الإعلام ضجيجاً عن الصمود والتصدي، وبدأت الفضائح بعد السقوط بالتوالي.

كعادتنا في كل مصيبة تحدث، وكلما اتخذ قرار روسي بتهجير منطقة والسيطرة عليها، نبدأ بالندب، ونلقي المسؤولية على التخاذل الدولي وتخلي أميركا عن المنكوبين، وكأن أحداً في هذا العالم بما في ذلك الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والحقوقية لديه أدنى اهتمام بما يقوله أولئك، أو كأن تلك الشعارات ستمنع القصف الروسي، لتصبح التساؤلات السابقة جريمة، وكل من يحاول التذكير بها أو التحذير من السيناريو المعروف الذي سيحدث، خائن تارة ومتخاذل تارة أخرى، وبالطبع سيصبح هدفاً سهلاً للشتيمة وتشويه السمعة، إذاً هل يحق لنا أن نسأل ماذا وراء كل ذلك التعنّت؟

سنخرج من معركة إدلب، بلا بيوت ولا بشر، بلا مصالحات، ولكن بمهجرين ونازحين، ولن يعتذر أحد. لا أميركا التي تصرفت بشكل روتيني ومكرر، وفق وعود خلبية وغيوم إدانات لم ولن تمطر. ولن تعتذر روسيا لأنها تقتل السوريين منذ سنوات بطريقة ممنهجة ومنظمة، ولن يعتذر “الجيش الوطني” ولا الفصائل، ولا تركيا كدولة ضامنة للاتفاقات والمحادثات مع روسيا وإيران، ولن يعتذر العالم لأنه اعتاد رؤية الموت السوري، ولن يعتذر المطبلون ومطلقو الشعارات الرنانة التي أُثبت أنها مجرد كلمات ترمى لحصد شعبية وهمية، لن تعتذر الفصائل لأنها رفضت الجلوس على طاولة التفاوض على أمل حقن بعض الدماء.

نعم أيها السوريون، لقد أصبح قتلنا عادة، وتشردنا خبرا، وألمنا شريطا إخباريا، ومآسينا سلسلة أفلام رعب لم تعد تستقطب المشاهدين والمتابعين.

بروكار برس

———————–

مرثية لمعرة النعمان/ فارس الذهبي

ربما لم تكن مشكلة مدينة أبي العلاء المعري سوى أنها تقع على الطريق بين الشمال والجنوب، فمدينة الفلاسفة والتاريخ والشعر التي نشأت بها طبقات من الشعراء والنثار والكتاب، من رواد العلوم والفلسفة التائهون بين أنطاكيا وحلب ودمشق، كانت على الدوام مأوى وملجأ وملاذا بمناخها اللطيف وموقعها العظيم الذي يتوسط كبريات المدائن والحضارات بين حلب والساحل والجنوب الدمشقي، بين أفاميا وتدمر وبعلبك، لصيقة بحضارة إيبلا، ومرتبطة بشريان حياة مع الشهباء، شريان تنافسي انتهى حينما تسيدت الشهباء حلب المشهد في الإقليم الشمالي بتجارتها واقتصادها الضخم وقوتها العسكرية، بينما بقيت المعرة كعبة للزهاد والفلاسفة وشعراء الطرق المنسية.

تشتق كلمة المعرة من اللفظة السريانية مغرة، والتي تعني في العربية المغارة، ومثلها مثل آلاف المدن والقرى السورية تنتسب لفظاً لسرير الثقافة السريانية التي كانت تسود في الديار الشامية، وسابقة المعرة منتشرة في الشمال الغربي السوري ومثلها

عشرات الأسماء مثل: معر شورين ومعرشمارين ومعرشمشة، وأيضاً معرة الإخوان ومعرة الصين ومعرة ماتر ومعرة حرمة…أما اللاحقة، النعمان، فيقول المؤرخون بأنها تعود ربما للنعمان بن المنذر أو النعمان بن البشير.

وتسميها مصادر الأعراب أحياناً بمعرة حمص، لقربها من حمص وتابعيتها لمركز الجند فيها، حيث تتجاذب المدينة كثير من الأسماء لقيمتها وأهميتها ومحاولة الترب منها.

ولأن لكل من اسمه نصيب فقد كانت المعرة على الدوام قريبة قرب الجفن من العين لكل من أنطاكيا وحلب وحماة وحمص، وكانت واسطة العقد بين تلك الحواضر، و منها انطلق أبو العلاء المعري شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء في جولاته في عموم الديار الغربية لبلاد الشام فأدرك اللاذقية و أنطاكيا وحلب وأورفة، وإليها يعود نسبه، وإليها حج شعراء ومفكري العرب تكريما له في ذكرى مولده الألف، وعلى رأسهم طه حسين عميد الأدب العربي، ومؤلف كتابيه الشهيرين عن أبي العلاء المعري..اللذان زلزلا تصور الأدب عن الشعر وامتزاجه مع الفلسفة والفكر والإلحاد أحياناً.

كل ذلك كان في وعاء تلك المدينة العظيمة التي أسسها الأجداد على تلال ثلاثة، ورفعوا صرحها المعنوي قبل المادي، فزائر المدينة قبل 2011 لا يجد فيها صروحاً عظيمة، بالمقارنة مع كبريات المدن، بل يجد قيمة كبرى تتجسد في متحفها ومسجدها ومكتبتها، وضريح شاعرها الأكبر، وأحاديث الناس المترعة بالأمل والتمرد والرغبة في القيامة من جديد، وعليه كان فالمدينة كانت من أوائل المنتسبين للثورة السلمية ومن أوائل المدن التي استقلت بحكمها عن المركز الذي اعتبروه ظالماً وغير منصف بحقهم وحق أولادهم، ودفعت لقاء موقفها هذا الثمن.

تقول كتب التاريخ التي يذكر بها الكاتب الفرنسي أمين معلوف في كتابه (الحروب الصليبية كما يراها العرب) بأن الحملة الصليبية حاصرت معرة النعمان طويلاً وحينما سقطت المدينة دخل عليها جيش الفرنجة الذي لم يكن جيشاً نظامياً بقدر ما كان جيش مرتزقة ولصوص ومجرمين، غسلت أدمغتهم بسيول من الأكاذيب الدينية والوعود والأحلام، فكان واقعهم لا يشابه ما حصلوا عليه، وكانت المجاعة قد فتكت

بكل ما يؤكل في المدينة، فجاع الجنود والمرتزقة وبدؤوا بشي أطفال مدينة المعرة وأكلهم، وأكلوا الجثث المرمية، واغتصبوا من اغتصبوا، بعد أن أعملوا القتل والنهب نهجاً لهجومهم..

وكان كل ذنب معرة الفكر، معرة النعمان أنها واقعة على طريق أنطاكيا الذي يرتجي القدس، مهوى سيوف الحملة الفرنجية، فدفعت المدينة ثمناً لا ينسى.

في أيامنا، تتعرض مدينة معرة النعمان لأبشع أنواع القصف والتهجير، تتناوب عليه الطائرات الروسية وطائرات النظام، قصف جعل البيوت والقصور والمساجد تتسوى بالأرض، غبار لا طائل منه، وهمجية لا مبرر لها إلا عشق العنف وعبثية الحرب، وكان ذنب المدينة مجدداً أنها تقع على الطريق الذي يسمونه M5

المؤدي إلى حلب والشمال، ليثبت أهلها مجدداً صحة تسميتها السريانية، فهم عادوا للسكنى في المغر والمغارات في الجبال المحيطة هرباً من القصف المحموم، وتركها أهلها، في عهدة شفيع المدينة وكبيرها، أبو العلاء الذي قال يوماً..

رب لحد قد صار لحداً مراراً        ضاحك من تزاحم الأضداد

صاح هذي قبورنا تملأ الرحب        فأين القبور من عهد عاد

خفف الوطء ما أظن أديم الأرض      إلا من هذه الأجساد..

تلفزيون سوريا

—————————

إدلب: الضحايا لا يقتَلون مرة واحدة/ إيلي عبدو

لا يموت السكان في إدلب على يد الديكتاتور مرة واحدة، بل مرات عدة، فالقاتل الذي فتك بمعارضيه عندما اعترضوا على انعدام شرعيته بالبراميل والتعذيب والتهجير والاغتصاب، بات يحتمي بأوضاع تمده بالاستمرارية.

لا يموت السكان في إدلب على يد الديكتاتور مرة واحدة، بل مرات عدة، فالقاتل الذي فتك بمعارضيه عندما اعترضوا على انعدام شرعيته بالبراميل والتعذيب والتهجير والاغتصاب، بات يحتمي بأوضاع تمده بالاستمرارية. والأوضاع تلك، المتمثلة بتدخل الروس وعقد اتفاقات مع الأتراك والإيرانيين، مولدة لإجرام مضاعف لا تعتمد الإبادة للتخلص من الخصوم فقط، بل وأيضاً بوصفها، أداة ضغط وتسيير مفاوضات واستعادة ما انتزع. الإبادة توظف السياسة كفعل مضاد لماهيتها، فما هو شأن عام وأحزاب ومجموعات ضغط وانتخابات وإعلام حر، يصبح لدى الأسدية مجرد قطف لثمار المجزرة المتواصلة. النظام الذي كان يقتل في بداية الثورة ومساراتها اللاحقة، ليُخضع الناس ويعيدهم إلى العبودية، بات يقتل اليوم ليطور أوضاعاً تضمن له وجوداً أطول، فتفاهمات أستانة ووقف التصعيد والمصالحات وقبلها المفاوضات، تحولت إلى تشريع نموذجي للقتل، خصوصاً أن القاتل تدرج من كونه رامي براميل ومعذباً ومغتصباً، إلى طرف ومفاوض والآن صاحب مبادرة لتحويل الجريمة إلى مكسب سياسي.

الغرب وروسيا وإيران وتركيا ساهمت بخلق أوضاع أخرجت القاتل من جريمته ووضعته على طريق السياسة حيث يمكن تطويع الأخيرة لتعيد تأهيل المستبدين بأدواتها التقنية، بدل من استخدامها للتخلص منهم. الغرب صعّد من أولوية الإرهاب واللاجئين، وإيران أرادت، إلى جانب عدم إسقاط حليفها، نفوذاً وموطئ قدم على حدود إسرائيل، فيما الأخيرة اتبعت استراتيجية الردع عبر الغارات المتواصلة. أما روسيا التي تثأر لغيابها عن الفاعلية الدولية عبر سوريا تريد تعويم الأسد كحاكم محلي موالٍ لها بمساعدته بالقصف والدمار. تركيا بدورها تدرجت من طموحات الإمساك بقرار الثورة وتوسيع نفوذها إلى قتال الأكراد خصومها التاريخيين.

هذه كلها أوضاع مثالية للديكتاتور تمنحه فرصاً متواصلة لممارسة القتل، مستغلاً كل ثغرة وتفصيل وجزئية مستثمراً بالحرب على الإرهاب وصراعات الأطراف المتدخلة، ما يعفيه من وصمة الإجرام ويدخله في اللعبة وتعقيداتها.

والخطير أن ثمة تكراراً في لغة التحليل السياسي يسعى إلى توصيف سلوك الدول، بوصفه مصالح لتحقيق الأمن والنفوذ والمال، والتكرار هذا، تكريس مضمر للأوضاع على مستوى الخطاب بحيث يصبح كل ما ينتجه الأخير مقبولاً ضمن تعقيدات المصالح وتضاربها، والإبادة نفسها تقزم إلى فعل ضغط بحيث تقرأ تحليلاً في صحيفة ما، أن النظام يقصف السكان ليؤلب هؤلاء على المعارضة ويجبرها على تسليم مناطقها.

القاتل ومجازره إذاً يذوبان في لعبة المصالح التي صيغت عبر الشاشات والمقالات ومراكز الأبحاث، بعدما كانا واضحين في بداية الثورة. والضحايا يقتلون بشكل مضاعف، مرة لأنهم معارضين للأسد، وثانية لأن الأخير بات جزءاً من أوضاع معقدة وليس قاتلاً مجرداً من السياسة.

خطورة ما يحصل في إدلب، من قتل ومجازر يومية، أن الجريمة ليست عارية، كما في السابق، لقد تسترت بالأوضاع وخطابها، بالتعقيدات وتبريراتها، وبالمصالح المزعومة.

إنها إبادة مزدوجة، ضحاياها يقتلون مرات ومرات، والقاتل معفى من أفعاله بفعل موقعه من الخريطة التي تم صوغها، ومن يلفظ أنفاسه يسجل في عدادات المنظمات الحقوقية فقط، القتيل خفضت قيمته، بفعل خرافة الأوضاع إلى ما دون السياسة. والتعاطف نفسه تحوّل إلى ما يشبه التعامل مع ضحايا حوادث السير، لدرجة أن إدانة بشار الأسد غابت عن المواقف حتى. ما نسمعه في الإعلام هو تفسيرات عن الدول الضامنة واتفاقات الأستانة ووقف التصعيد، وفي السياسة تهديدات بإرسال اللاجئين إلى الغرب، ووعود بعقد تفاهمات جديدة، فيما القاتل يواصل عمله، من دون أي خوف أو تردد.

درج

———————————–

إذا ما حسم معركة إدلب.. سيكون الأسد أمام خيارين: أكبر عزلة اقتصادية أو تقليص نفوذ إيران

يوشك النظام السوري على حسم الانتصار في الحرب المستمرة في سوريا منذ حوالي 9 سنوات، ويرجع الفضل الأكبر في ذلك إلى الدعم الإيراني والروسي القوي للنظام السوري. لكن مع انتهاء الحرب، سرعان ما تبرز تساؤلاتٌ حول كيفية ضمان استمرار السلام في البلاد، وتأثير ذلك في نفوذ الحلفاء الذين ساعدوا النظام في تحقيق الانتصار.

وعلى وجه الخصوص، هناك غموضٌ كبير بشأن النفوذ الإيراني العميق في سوريا، في ظل سعي دمشق إلى وضع سبل استراتيجية للخروج من عزلتها الاقتصادية، واستعادة سيادتها على شؤونها الداخلية، وتقليل تعرُّضها للهجمات الإسرائيلية المتكررة. غير أنَّ هذه الضرورات تتعارض مع بعض جوانب الاستراتيجية الإيرانية في سوريا، ما يخلق وضعاً قد لا يكون أمام دمشق فيه أيُّ خيارٍ سوى تقليص نفوذ طهران إلى الدرجة التي كان عليها قبل الحرب إذا أرادت إيجاد طريقة لإعادة إعمار نفسها، كما يقول مركز Stratfor الأمريكي للدراسات الاستراتيجية.

الصورة العامة

مع اقتراب تحقيق الاستقرار في سوريا، تتغير قيمة حلفائها. فحين كان الصراع في ذروته، تمكنت إيران من تحويل سوريا إلى جبهةٍ هجومية أمامية ضد إسرائيل، وطريق إمداد قوي إلى حزب الله، وساحة حربٍ بالوكالة ضد خصومها العرب في الخليج. ولكن الآن في ظل حاجة دمشق إلى الخروج من عزلتها الاقتصادية وتأكيد سيادتها على شؤونها الداخلية، تواجه ضغوطاً للتصدِّي لجوانب الاستراتيجية الإيرانية التي تعزلها عن أصدقاء جدد محتملين، وتُعرِّضُها لهجمات إسرائيلية متكررة.

تناقُص قيمة إيران

على مرِّ العقود الماضية، حافظت طهران ودمشق على علاقاتٍ وثيقة بينهما، ويرجع أحد أسباب ذلك إلى شعورهما المشترك بانعدام الثقة تجاه إسرائيل، وتفرُّدهما باعتبارهما نظامين غير سُنِّيين في الشرق الأوسط. وطوال الحرب نجحت إيران في كسب نفوذ أكبر في سوريا لأنَّ تدخُّلها جاء في وقتٍ كانت دمشق في أمسِّ الحاجة إليه.

إذ قدَّمت طهران أسلحة وميليشيات عزَّزت قوة جيش النظام السوري الذي كان هشَّاً وممزقاً بسبب الانشقاقات وعاجزاً بسبب انعدام الثقة. وفي الواقع، قدمت القوات الإيرانية والقوات المرتبطة بإيران الكثير من الموارد التي سمحت لدمشق باستعادة المدن الرئيسية في سوريا، ودفع قوات المعارضة نحو الحدود الشمالية مع تركيا.

لكن مع خضوع المدن الكبرى مثل دمشق واللاذقية وحلب وغيرها لسيطرة النظام السوري، يتوق سكان هذه المناطق، لا سيما الموالون للنظام، إلى استعادة الحياة الطبيعية والانتعاش الاقتصادي. غير أنَّ الأمم المتحدة قدَّرت أنَّ تكلفة إعادة الإعمار تصل إلى 400 مليار دولار، ما يعني أن جهود إعادة الإعمار ستتطلب مساعدة العديد من الدول، بما في ذلك بعض الدول المعادية للنظام السوري الحالي. ونظراً إلى ذلك، ومع مرور إيران بمعاناة اقتصادية بسبب العقوبات المفروضة عليها، فليس لديها الكثير لتُسهِم به في إعادة الإعمار.

سوريا أمام أكبر عزلة اقتصادية

تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ النظام السوري يسيطر حالياً على معظم المدن الرئيسية في البلاد، التي كانت تضم 77% من سكان سوريا قبل الحرب (جديرٌ بالذكر أنَّ موجات النزوح وضعف إدارة السجلات أثناء الحرب أسفرت عن عدم توافر رقم محدد لسكان سوريا في الوقت الراهن). وفي ظل الأمن النسبي المتوافر في المناطق التي يسيطر عليها النظام، كان سكان تلك المناطق، حتى وقتٍ قريب، يشهدون انتعاشة اقتصادية، حتى أنَّ مصرف سوريا المركزي أعلن نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.9% في عام 2017، الذي كان آخر عامٍ ينشر فيه المصرف مثل هذه البيانات (غير أنَّ البنك الدولي ما زال يعتقد أنَّ الناتج المحلي الإجمالي في سوريا قد تراجع في الفترة نفسها).

لكن هناك سلسلة من المشكلات تعيق التقدم الاقتصادي حالياً، ما يجبر البلاد على إعادة التفكير في استراتيجياتها للتغلُّب على العزلة الاقتصادية. إذ ألحقت العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، التي تعد أكبر حليف اقتصادي لسوريا، ضرراً بقدرة طهران على تمويل مشروعات البنية التحتية وتوفير خطوط ائتمان للسلع الأساسية. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ إيران كانت تمنح سوريا حوالي 8 مليارات دولار سنوياً قبل العقوبات الأمريكية، لكن يبدو أنها لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها السابقة، إذ خفَّضت طهران أجور الميليشيات المتحالفة معها وأجَّلت إتمام بعض المشروعات في سوريا، أو سلَّمتها إلى شركاتٍ روسية.

أمَّا بالنسبة للتجارة وتدفُّقات الطاقة، فلم تعُد هي الأخرى إلى مستوياتها الطبيعية. فما زالت طرق التجارة القديمة في سوريا مُعطَّلة إلى حدٍّ كبير، نظراً إلى أنَّ حدودها الرئيسية مع تركيا ما زالت مغلقة، بينما فشلت الطرق التجارية التي تمر عبر العراق والأردن في حل محل الطرق القديمة. وفي الوقت نفسه، ما زالت حقول موارد الطاقة الصغيرة في سوريا خاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية المدعومة من الولايات المتحدة. فضلاً عن أنَّ الفساد الداخلي القائم منذ فترةٍ طويلة ما زال يستنزف الموارد، فيما تتفاقم معاناة سوريا الاقتصادية بسبب الأزمات الاقتصادية والسياسية في لبنان، التي تعد آخر شريك تجاري رئيسي لسوريا، وأحد متنفَّساتها الاقتصادية الرئيسية نحو العالم.

حان الوقت لاكتساب «أصدقاء جدد»

ومع أنَّ دمشق تقترب من حسم معركتها بالكامل، فإنَّ سخط الموالين للنظام السوري من الأوضاع الحالية يثير تساؤلاتٍ حول مستقبل سوريا. إذ ظهرت حالةٌ من الاستياء في دمشق بسبب النقص المستمر في موارد الطاقة الذي أدى إلى وجود طوابير انتظار طويلة لشراء الوقود. فيما أسفر نقص الأموال الواردة من الحدود اللبنانية حالياً عن إلحاق ضررٍ بالأعمال التجارية في سوريا، ما فاقم حالة الاستياء بشأن عزلة البلاد.

وحتى النظام السوري ما زال ممزقاً بسبب التحزُّبات الداخلية والنفوذ العسكري الذي حازه بعض أطرافه بسبب الحرب والأغراض السياسية الشخصية. إذ تهيمن عائلة الرئيس بشار الأسد على الدولة، لكنَّ بعض العشائر الطائفية ورواد الأعمال وقادة الميليشيات والضباط العسكريين والبرلمانيين يتنافسون جميعاً للحصول على حصةٍ من الغنائم التي يمنحهم إيَّاها ولاؤهم للدولة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ إيجاد توازن بين هذه الفصائل الداخلية يمثل أولويةً منذ فترةٍ طويلة لعائلة الأسد، وسيظل كذلك في العام المقبل 2020.

ونظراً إلى وضع النظام السوري، يجب عليه إيجاد موارد اقتصادية جديدة لتوزيعها على تلك الفصائل. ولأنَّ الإسهامات التي يُمكن لطهران تقديمها محدودة، وفي ظل تردُّد موسكو وبكين حتى الآن في تقديم مساعدات مالية، تتطلَّع سوريا إلى أبعد من ذلك، وتحديداً إلى بعض دول الخليج، إذ حققت بعض التقدم الدبلوماسي مع الإمارات العربية المتحدة و البحرين.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ الإمارات، على وجه الخصوص، ثريةٌ بما يكفي للاستثمار في إعادة إعمار سوريا. وهي تُعد كذلك شريكاً دبلوماسياً مفيداً يمكن أن يقنع الرياض بالانضمام إلى جهود إعادة الإعمار بدرجةٍ ما. ولكن في الوقت الحالي، فالعقوبات الثانوية الوشيكة التي ستفرضها الولايات المتحدة على سوريا ستمنع جميع الشركات من مساعدة سوريا والتخفيف من قيودها باستثناء الشركات ذات القدرة العالية على تحمُّل المخاطر.

ثمن المساعدة

وبطبيعة الحال، فهذه الدول الخليجية العربية تريد ثمناً خاصاً مقابل المساعدة: وهو تقليص نفوذ إيران في سوريا. وفي ظل عودة الوضع الأمني في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام إلى طبيعته نسبياً، يُمكن أن تتقبل سوريا دفع هذا الثمن، لأنها لم تعد بحاجةٍ إلى نفس مستوى التدخل الإيراني الذي كانت تحتاج إليه في السنوات الماضية، بل إنَّ الضرر الذي تسببه القوات الإيرانية الموجودة في سوريا لدمشق حالياً ربما يكون أكبر من نفعها على بعض الأصعدة.

وهذا ينطبق بالأخص على تعامل إسرائيل مع سوريا، إذ تواصل القوات الإسرائيلية ضرب القوات الإيرانية الموجودة داخل سوريا، ما أدى إلى إتلاف بعض منشآت البنية التحتية السورية الحيوية مثل مطار العاصمة. لذا يُمكن القول إن العمل على تقليص النفوذ الإيراني إلى الدرجة التي كان عليها قبل الحرب الأهلية لن يُقرِّب سوريا إلى دول الخليج فحسب، بل سيقلل كذلك من دوافع إسرائيل لمواصلة حملتها المستمرة منذ فترة طويلة ضد القوات الإيرانية الموجودة في سوريا.

وكذلك ففي الوقت الحالي، لا يرغب النظام السوري نفسه في السماح باستمرار «النفوذ الأجنبي» في السياسة الداخلية السورية. ولكن إذ سعت سوريا إلى استعادة بعض استقلالية التصرُّف وتقليص نفوذ إيران في البلاد، فطهران ستحاول بطبيعة الحال الحفاظ على نفوذها، ولكنَّها أثناء فعل ذلك، قد ينتهي بها المطاف عدوةً للنظام السوري أو روسيا أو كلاهما، لا سيما إذا فعلت ذلك بأسلوبٍ أشد أو أسرع ممَّا تستطيع سوريا تحمُّله.

في النهاية، يخلص مركز Stratfor، إلى أنه بينما تحاول سوريا إعادة الاندماج في المجتمع الدولي والعثور على طرفٍ يُموِّل بعض عمليات إعادة إعمارها، قد يقترب عهد الهيمنة الإيرانية في دمشق من نهايته. وإذا حدث ذلك، فقد تجد إيران نفسها في الوضع الذي كانت فيه في عام 2011، حين كانت حليفةً رئيسية لسوريا، لكنَّها لم تكن راعية رئيسية قادرة على استخدام سوريا حسب رغبتها.

—————————————

إدلب رهينة حسابات تركيا وروسيا العابرة للجغرافيا السورية

تحذير ترامب لدمشق وحلفائها من التعرض للمدنيين يصب في خانة “رفع عتب” حيال ما يجري في إدلب.

التشابكات الروسية التركية لم تعد منحصرة في الجغرافيا السورية بل امتدت إلى شمال أفريقيا وتحديدا ليبيا، ويربط البعض العملية العسكرية الجارية حاليا في إدلب بشكل أو بآخر بالتصعيد في ليبيا، في المقابل يبدو المجتمع الدولي مغيبا عن مسرح الأحداث في كلتا الساحتين، مع بعض المواقف التي تصدر من هنا وهناك.

دمشق – طالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخميس، كلا من سوريا وروسيا وإيران بوقف هجماتها على المدنيين في إدلب، في أول تعليق على العملية العسكرية التي يشنها الجيش السوري وحلفاؤه منذ أيام على المحافظة الواقعة شمال غرب سوريا.

ويقول مراقبون إن التصريح بدا بمثابة “رفع عتب” حيال ما يجري في إدلب، وكأن المجتمع الدولي قرر البقاء على الربوة بانتظار ما ستؤول إليه الأمور في هذه المحافظة التي تعد المعقل الرئيسي الأخير للفصائل المعارضة والجهادية في سوريا.

والمسألة تبدو مرتبطة فقط بالحسابات الروسية التركية وقد تكون على علاقة مستجدة بمجريات الأمور في ليبيا، خاصة وأنه تجري منذ أربعة أيام محادثات تركية روسية في العاصمة موسكو تبحث التوصل إلى نقاط تفاهم ضمن حزمة واحدة في ما يتعلق بالشأنين السوري والليبي.

وتقف كل من تركيا وروسيا على طرفي نقيض في ما يتعلق بالملفين الليبي والسوري، ففي سوريا تدعم موسكو الرئيس بشار الأسد، فيما تقف تركيا خلف الفصائل المعارضة والتي في معظمها جهادية. أما في ليبيا فتؤيد موسكو الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر فيما تتمترس أنقرة خلف الميليشيات الإسلامية التي تتخذ من حكومة الوفاق واجهة.

ويقول متابعون إن هذا التناقض لا يعني أن الطرفين في حالة صدام، حيث أنهما حتى الآن أظهرا قدرة كبيرة على إدارة الخلافات بينهما، وإن تبقى نسب التصادم والتوافق بينهما متناصفة، وسط ترجيحات بأن يحسم اللقاء المرتقب بين الرئيسين الروسي والتركي الشهر المقبل الأمر.

وتذهب بعض الأوساط إلى اعتبار أن ما يجري في إدلب هو جزء أصيل من التفاهمات التي تم التوصل إليها في 22 أكتوبر بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين لإنهاء عملية “نبع السلام” التركية شرق الفرات ضد الأكراد.

ويكشف خبراء عسكريون أن المعركة في المحافظة التي تضم نحو 3 ملايين نسمة بدأت فعلا منذ تفاهمات أكتوبر وتصاعدت وصولا إلى الهجوم الأخير الذي تشنه القوات الحكومية والميليشيات الرديفة للسيطرة على طريقي “أم 5” و“أم 4” الحيويين على نحو يتيح لدمشق وموسكو انتصارا بسوريا.

ويلفت مهتمون بالشؤون التركية إلى أن أنقرة تواكب مجريات الوضع في إدلب دون أي موقف معارض. ويلاحظ هؤلاء أن أردوغان يقارب الأمر من زاوية ما تؤديه الهجمات من نزوح باتجاه تركيا، وأنه بدل أن يصب جام غضبه على دمشق وموسكو مثلما جرى في عمليات سابقة، يستغل الأمر لمهاجمة الاتحاد الأوروبي وإعادة التذكير بأن بلاده لا يمكن أن تتحمل وزر النزوح السوري وحدها. ويكتفي الرئيس التركي بموقف خجول يعتبر فيه أن “هجمات النظام في إدلب لا تجعل وقف إطلاق النار الدائم ممكنا”.

ويقدر أردوغان عدد الفارين نتيجة المعارك الأخيرة بحوالي 100 ألف، معلنا، الخميس، أن بلاده أبلغت أوروبا بعدم قدرتها على استيعاب موجة جديدة من السوريين. وأضاف في كلمة له خلال اجتماع لحزب العدالة والتنمية “أبلغنا أوروبا بأنه لم يعد بإمكاننا استيعاب موجة جديدة من اللاجئين، ويجب تحقيق التهدئة في إدلب”.

وفيما يعتقد كثيرون أن سقوط إدلب سيحرم تركيا من نفوذ استراتيجي مهم داخل سوريا، ترى مصادر دبلوماسية أن الشأن الليبي بات يحتل الأولوية بالنسبة للأجندة التركية. وتشتبه في إمكانية وجود صفقة تتبادل وفقها تركيا المنافع مع روسيا في ميداني إدلب وطرابلس، وإن كان هذا الأمر غير واضح على ضوء الرد الروسي على إعلان تركيا توجهها لإرسال الدعم العسكري لحكومة الوفاق.

تركيا أبلغت أوروبا بعدم قدرتها على استيعاب موجة جديدة من السوريينتركيا أبلغت أوروبا بعدم قدرتها على استيعاب موجة جديدة من السوريين

وتلاحظ المصادر توتر أردوغان تجاه ما يجري في ليبيا، من خلال الزيارة العاجلة وغير المعلنة مسبقا التي قام بها لتونس، وتصريحه الخميس بأن حلفا يتشكل لدعم حكومة الوفاق، وهو ما نفته الرئاسة التونسية التي أكدت أنها لن تنجر خلف أي أحلاف أو اصطفافات.

وتقول بعض المعلومات إن إدلب باتت جزءا من معركة طرابلس، وإن قوات من المعارضة السورية الموالية لتركيا قد انتقلت إلى طرابلس، فيما تتحدث معلومات أخرى عن انتقال مقاتلين تابعين للجماعات الجهادية في إدلب لدعم الميليشيات الإسلامية العاملة تحت جناح حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج. وتأتي هذه المعلومات لتؤكد ما أعرب عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يوليو من قلق من تسلل المقاتلين من منطقة إدلب إلى ليبيا.

وتلفت بعض المصادر إلى أن بوتين وأردوغان يبنيان أرضية ميدانية في إدلب وطرابلس لتكون حاضرة على طاولة محادثاتهما في يناير في أنقرة.

وتضيف المصادر أن أردوغان الذي اضطر إلى التفاهم مع بوتين في سوريا، سيكون مجبرا على عقد تفاهمات جديدة، ولو على نحو أكثر تعقيدا، مع موسكو بشأن ليبيا. مع الإشارة إلى أن أردوغان لا يمتلك أي دعم دولي، وأن تقاطعا أوروبيا مصريا إسرائيليا أميركيا روسيا يمكن تلمسه يرفض سياساته في ليبيا ويرفض مذكرة التفاهم التي أبرمها مع حكومة طرابلس حول الحدود البحرية.

—————————

أنا من إدلب/ علي حميدي

أنا من إدلب، ليست جملة من قبيل التعاطف أو مشاركة في حملة تضامنية، أنا فعلاً من إدلب، من المحافظة في أقصى الخريطة السورية شمالاً جوار الموت والقصف وصور النزوح الأخير، كم هو مأساوي أن تكون من إدلب هذه الأيام وأن تترك فيها الأهل وآخر الثورة.. آخر الحلم وبقايا الديار ومراتع الصبا وملاهي الشباب، كم هو مأساوي أن تكون من هناك.

حكاية إدلب -التي تجمع أهلها ومن استجار بهم في بعض بيوت وخيام وعراء- أنَّ ظهوراً نادراً لبشار الأسد كقائد عسكري ميداني على تخومها أسس لحرب أدركنا لاحقا أنها محسومة وأن نتائجها دبرت في ليل وما كان ظهوره إلا إشارة لبداية الحكاية في إدلب وتلك حكاية هي أم الحكايا في المدينة المآب، والملاذ الأخير، إن صح أن في سوريا مازال ثمة ملاذات.

قبل أعوام بعد أن استنزفت كل الجبهات وحسمت فيها المعارك، ماكان لرافضي نير الأسد والاحتلالات الموازية (الإيراني – الروسي) إلا قبلة واحدة، إدلب وإن كانت ظروفها صعبة حينها، إلا أنها مثلت لأولئك ملاذا، وخياراً يضمن أماناً نسبياً ونزوحاً قريباً يجنبهم قسوة الغربة والبعد عن الوطن، شيئاً فشيئًا تغيرت الظروف، فبعد أن نسفت روسيا اتفاقات خفض التصعيد وفرضت سيطرة الأسد على كل المناطق التي كانت خاضعة

لهذه الاتفاقات كان لابد من اتفاق خاص بإدلب لحفظ ماء وجه الضامنين، ولكونها كانت المخرج لعقبة “ماذا نفعل برافضي الأسد.. نقذف بهم إلى إدلب” ولأنه ليس هناك إدلب ثانية كان اتفاق سوتشي، الذي قيل وقتها إنه نهائي ويضع حدا لما قبله لكن.. ما أدركه السوريون بعدها أن سوتشي كذبة أخرى ومجالاً للتسويف وكسب الوقت للضامنين (كل الضامنين) لإرساء الأثمان -أيٌ مقابلَ ماذا- وهنا نعود إلى الاتفاقات الأصل في أستانا حيث وزعت خرائط السيطرة التي سيؤول إليها الوضع في إدلب وتم نكرانها لاحقا وعلت صيحات التطمين بأن قوات الأسد لن تطأ إدلب وهاهي اليوم تطؤها وتسيطر على أرضها بأسرع مما هو متوقع..

لاحقا ومن المنتجع الروسي الفخم (سوتشي) ظهر الدخان الأبيض.. إنه اتفاق نهائي حول المحافظة ملخصه تعزيز نقاط المراقبة وإنشاء المنطقة العازلة وشروط عدة منها سحب السلاح الثقيل ودوريات مشتركة، مع الاحتفاظ هنا بالبند الملغم والكرت المضمون وهو- مكافحة “الإرهاب” في سوريا بكل أشكاله ومظاهره- عنوان فضفاض يستطيع بوتين تسويقه قبل كل عملية عسكرية، وهل ترى روسيا فينا أهل إدلب ومَن هُجّر إلينا إلا إرهابيين..! سؤال آخر مهم هنا هل صدق الأتراك فعلًا أن روسيا لن تقصفنا ولن تشن حربا علينا.. يبدو حسم الجواب صعباً لأن اللعبة اسمها سياسة، وكل الاحتمالات ممكنة، صدقوها أو اتفقوا معها، النتيجة أن الدم والأرض والأرزاق في إدلب حلال.

سرى اتفاق “سوتشي” مدة قصيرة، وضع فيها الضامنون خططهم الاستراتيجية القائمة بالطبع على مبدأ (ماذا سيأخذ ماذا سيعطي)، الثابت أن جميع اللاعبين يدركون أن أي اتفاق لاحق أو عدم اتفاق سيُدفع ثمنه من دماء وحياة أهل إدلب ويبدو أن ذلك لم يشكل مشكلة لدى أي من الأطراف، لا أحد يبالي بأن يصبح مصير المحافظة وقرابة الـ3 ملايين آدمي سلعة في بازار السياسة المعرّفة بـ”فن الممكن” ليغدو الممكن هو الدم

في المحافظة المخذولة، ويمكن بذله مقابل بضعة كيلومترات شرقاً أو شمالاً، تماماً كما يمكن وضعه على الطاولة لتمرير الصفقات..

جرى كل ذلك بينما كنا نكذب على أهلنا في الداخل، ونقنعهم بأن الأمر حسم وأن هذا الاتفاق مضمون ولن يتم خرقه، لن ينقلب عليه الضامنون أنفسهم، كنا نكذب حتى على أنفسنا.. إلى أن أصبح الواقع فجاً وأكبر من أن يسوف أو يزيف “فهل جاءكم نبأ خان شيخون وريف حماة الشمالي وماذا فعل بهما؟” اليوم بينما شارفت اللعبة على الانتهاء، نقف على تخوم الحلم المنقضي، حلم الحرية وندرك بألم بالغ أن إدلب قلعتنا الأخيرة، وخيمتنا الكبيرة التي جمعتنا تحت سقف واحد، جمعت ابن حوران مع ابن الغوطة مع ابن حماة وحمص وابن حلب، كلهم هناك الآن أو ما تبقى منهم يواجهون الجيوش والصمت والحرب، حرب الأسد التي بدأها بنفسه يوم ظهر في الهبيط لن تنتهي عند هذا الحد، لأنها حرب روسية أيضاً ولروسيا الكثير لتأخذه من دمنا.

ووسط الفاجعة لايجب أن ننسى من أوصلنا إلى هنا، من أدى بنا للقتل سحقا بالصواريخ والاتفاقات.. من الذي خذل السوريين حتى هاموا في الأرض لايعرفون أين يتجهون وكيف يهربون من الموت، فأي طريق يسلك الخارج من المعرة اليوم أو من سراقب أي مجهول ينتظره، إنه يمضي ويخلف وراءه بيته وأرضه للنهب والتدمير ولم يخلف وراءه جبهة يأمل أن تدافع عنه، يترك المعريون قبور شهدائهم وجدران دورهم وقد التصقت عليها أحلامهم وآخر القُبل والدموع، يتركون الرغيف ساخنا ويرحلون.. إلى أين؟ إلى حيث يشاء الله، إلى خيبة أخرى ففي إدلب اليوم لا يوجد مكان حرام أمام آلة عسكرية طاحنة مدعومة بصمت رهيب، صمت الموافق وصمت الزاهد وصمت غير المكترث.. ستتواصل الهجمات حتى تصل إلى الطرق الدولية وهذه مرحلة أولى، وستستمر لأن الأسد وروسيا لن يتوقفا كرمى لطرف يعتقد أن حظه في أرض غير إدلب محفوظ.. إنها لعنة الجغرافيا، وزمن القتلة وهواة السياسة واقتناص الفرص.

تلفزيون سوريا

———————–

نزوح أكثر ومساعدات أقل.. مجزرة إدلب مستمرة

بعد نحو شهرين تقريبًا من المعارك والقصف والغارات الجويّة المكثّفة تبدّلت خريطة السيطرة في محافظة إدلب شمال غربي سورية لصالح قوّات النظام والميليشيات المساندة له، مدعومةً بغطاءٍ ناريّ جويّ كثيف أحكمت بموجبه سيطرتها على 35 بلدة وقرية كان آخرها بلدة جرجناز، لتُكمل بذلك حصارها لنقطة المراقبة التركية الثامنة في بلدة الصرمان، وتقترب من مدينة معرّة النعمان، أبرز معاقل المعارضة السورية المسلّحة في الشمال المُحرَّر.

كثّفت ميليشيات الأسد، تزامنًا مع حملتها البرّية، قصفها لمدينة معرّة النعمان وريفها الشرقيّ: تلمنّس، دير الغربي، دير الشرقي، معرشورين ومعرشمشة، وجميعها خالية من سكّانها، بالإضافة إلى مدينة سراقب ومُحطيها. وتضع الميليشيات الطائفية وداعموها الروس من الوصول إلى معرّة النعمان والسيطرة على الطريقين الدوليين هدفًا لها، أي طريق دمشق – حلب (M5) وحلب – اللاذقية (M4) الذان يربطان شمال البلد بوسطها وساحلها.

يمرّ الطريق الأوّل (M5) بمناطق سيطرة فصائل المعارضة في الشمال قادمًا من مدينة حلب، ومارًّا بريفها الغربي والجنوبي ليتفرّع عنه عند مدينة سراقب طريق يتّجه نحو مدينة اللاذقية غربًا، مارًّا بأريحا ومحمبل وجسر الشغور، وهو الطريق المعروف بـ (M4). بينما يواصل (M5) الذي يُعدّ الطريق الرئيسي سيره باتّجاه الجنوب عبر مدينة معرّة النعمان وخان شيخون وريف حماة الشمالي الذين سيطرت عليهما ميليشيات الأسد في شهر آب/أغسطس الماضي.

وفي حال تمكّنت الميلشيات وداعموها الروس من الوصول إلى معرّة النعمان وسراقب وجسر الشغور، أي فرض سيطرتهما على الطريقين الدوليين، فإن موسكو تفرض سيطرتها ميدانيًا على نحو نصف مناطق نفوذ فصائل المعارضة في محافظة إدلب وحماة وأرياف حلب من خلال إحالتها إلى مناطق منفصلة، تكون نتيجتها وقوع قرى وبلدات ريف حلب الجنوبي والغربي وسهل الغاب وجبل الزاوية وريف جسر الشغور تحت الحصار، بفعل عزلها عن الحدود السورية التركية، وقطع طرق إمداد الفصائل.

تُحاول روسيا وميليشياتها تطبيق سيناريوهاتها هذه من خلال إعادة العمل بسيناريوهات تدميرية قديمة طبقّتها في الغوطة وحلب وريف حمص الشمالي. فالمشهد في أرياف إدلب لا يبدو مختلفًا عمّا كان عليه في أحياء مدينة حلب في مثل هذه الأيام من شهر كانون الأول/ديسمبر سنة 2016، عندما فرضت قوّات النظام والميليشيات الطائفية المساندة لها سيطرتها على كامل أحياء المدينة الشرقية بناءً على اتّفاق هُجّر بموجبه سبعة وثلاثون ألف شخص بعد حصار خانق وأسابيع من التدمير والقصف. وهو ما تُحاول الميليشيات تكراره في أرياف إدلب، أي إخلاء المناطق التي تسعى إلى السيطرة عليها، وتضييق الخناق على الفصائل بهدف إجبارهم على التسليم أو الانسحاب والقبول بأي حلّ تتوقف بموجبه الهجمة الوحشية على المدنيين، وغالبًا ما يكون حلًّا من طرف الروس الساعين لفرض رؤيتهم للحلّ في سورية، وإن بالحديد والنار.

كما تُضاف سياسة “القضم” إلى السياسات السابقة التي تُحاول روسيا والميلشيات الطائفية عبرها الوصول إلى مدينة معرّة النعمان والطريقين الدوليين. فبعد عدّة أسابيع من القصف، بدأت الميليشيات تقدّمها البرّي في ريف إدلب الجنوبي والشرقي، وسيطرت على عدّة قرى في ريفها الشرقيّ، مُحاولة التقدّم من عدّة محاور باتّجاه مدينة معرّة النعمان، الأمر الذي أسفر عن موجات نزوح جديدة باتّجاه المناطق الشمالية، بمعنى أنّ الريف الشرقيّ والجنوبيّ قد بات خاليًا من السكّان الفارّين من طائرات الأسد جوًّا، وميليشياته المتقدّمة برًّا.

وفقًا لإحصائيات فريق “منسقوا الاستجابة”، بلغ عدد النازحين من ريف معرّة النعمان الشرقي والجنوبي خلال الأسابيع الماضية نحو 214 ألف نازح يبيت أغلبهم بالعراء، أو في مخيمات متواضعة بسبب ارتفاع ايجارات المنازل في المناطق القريبة من الحدود السورية – التركية، وهذا إن توافرت أساسًا. فالاستجابة الإنسانية لحركة النزوح اليومية لا تزال بالغة الضعف، واقتصرت كذلك على توزيع مساعدات إغاثية بسيطة لا ترقى لحجم المأساة التي حلّت بسكّان المنطقة. بالإضافة إلى وجود نحو 70 ألف شخصًا من سكّان معرّة النعمان داخلها بعد فشلهم في الخروج منها بسبب غياب وسائل النقل التي قلّت نظرًا لكونها باتت هدفًا لطائرات الأسد وروسيا وغاراتها التي أغرقت الطريق الوحيد الذي يصل معرّة النعمان بالشمال بدماء من ظنّوا أنّهم على بعد كيلومترات قليلة للنجاة من الموت.

وكانت الطائرات الحربية الروسية قد استهدفت صباح يوم الثلاثاء 24 كانون الأوّل/ديسمبر تجمّعًا للنازحين في بلدة جوباس بالقرب من مدينة سراقب، مُحدثةً مجزرة راح ضحيتها 10 مدنيين بينهم 5 أطفال بالإضافة إلى عدد من الجرحى. كما استهدفت أيضًا عددًا من السيارات على طريق دمشق – حلب الدولي برشاشات طائراتها الحربية.

بموازاة ذلك، أعلنت الفصائل المسلّحة في محافظة إدلب “الجبهة الوطنية للتحرير”، و”هيئة تحرير الشام”، و”غرفة عمليات وحرّض المؤمنين”، و”أنصار التوحيد”، و”جيش العزّة” يوم الثلاثاء، شنّها عملًا عسكريًا مُعاكسًا على المناطق التي تقدّمت إليها ميليشيات الأسد جنوب شرق إدلب، استعادت بموجبه السيطرة على بلدتي الغدفة والبرسة. بالإضافة إلى تدمير عدّة دبابات على محور البرسة وجرجناز التي استهدفت “هيئة تحرير الشام” تجمّعًا لقوّات الأسد فيها بسيارة مُفخّخة، دخلت على إثرها مجموعة للمعارضة إلى أطراف البلدة وتمكّنت من قتل قرابة عشرين عنصرًا منها.

ونفت فصائل المعارضة الأخبار التي تتحدّث عن سيطرة ميليشيات النظام على قرى العامودية ودار السلام وصهيان وبابولين وكفرباسين والصالحية وتقانة وربع الجور وطبيش وجسر حيش الواقعة في محيط الطريق الدولي (M5)، مؤكّدةً أنّها لا تزال تحت سيطرتها.

وإلى ذلك، كانت “الجبهة الوطنية للتحرير” برفقة “هيئة تحرير الشام” قد استعادت صباح اليوم نقطة كانت قوات الأسد قد تقدّمت إليها في بلدة “أبو جريف”. وأعلنت الجبهة عبر معرّفاتها الرسمية قتل مجموعة كاملة للميليشيات الطائفية كانت متمركزة في النقطة المحرّرة حديثًا.

بدورها، كانت الرئاسة التركية قد أعلنت عبر المتحدّث باسمها إبراهيم كالن أنّ روسيا تعهّدت بوقف إطلاق النار في إدلب خلال الساعات المُقبلة. وأضاف كالن في مؤتمره الصحفي يوم الثلاثاء أنّ تركيا أرسلت رسالة حازمة إلى روسيا بشأن هجوم النظام السوري العسكري على مناطق ريف إدلب. بينما صرّح وزير خارجية النظام وليد المعلم من موسكو بأنّ اتفاق سوتشي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين قد فشل، وأنّ الخيار العسكري هو الطريقة التي سيتعامل بها الأسد وروسيا خلال الفترة المقبلة.

نازحون أكثر ومساعدات أقل

قبل بدء هجوم النظام وروسيا على إدلب الذي تسبب في نزوح عشرات آلاف المدنيين في الأيام الماضية، عمدت روسيا والصين إلى عرقلة مقترح تمديد آلية إدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا باستخدام حق النقض “فيتو”. وانتهى اجتماع مجلس الأمن دون توافق، حيث فشلت روسيا أيضًا في تمرير مشروعها. في حين لم يبقى بيد السوريين سوى مناشدة المجتمع الدولي وزعماء الدول الكبرى، حيث أصدر “تجمع من أجل سوريا ديمقراطية” ومنظمة “سوريون مسيحيون من أجل السلام” وجمعية “revivre” لدعم اللاجئين، بيانًا موجهًا إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الخارجية والشؤون الأوروبية للمساعدة في وقف القصف على المدنيين في إدلب.

سباق للتوافق قبل 10 من كانون الثاني/يناير

“نتائج اجتماع مجلس الأمن الدولي حول آلية المساعدات عبر الحدود إلى سوريا، تهدد بخطر إبقاء السوريين دون مساعدات مستقبلًا”. هذا ما أعلنه فاسيلي نيبينزيا ممثل روسيا في الأمم المتحدة، وتابع قائلًا للصحفيين: “لم نكن مسرورين أبدًا لما يسمى بالعمليات الإنسانية العابرة للحدود، لكننا أقدمنا على ذلك، آخذين بعين الاعتبار الأوضاع على الأرض في سوريا” . وتابع قائلًا: “والآن الوضع في سوريا تغير جذريًا، وتسيطر الحكومة على الجزء الأكبر من أراضي البلاد”.

وأشار إلى أن روسيا أعدت مشروع قرار ينص على تمديد عمل الآلية الحالية لنقل المساعدات الإنسانية لمدة نصف عام، وليس لمدة عام، كما يقضي به مشروع قرار آخر، تقدمه ألمانيا وبلجيكا والكويت. كما يقضي المشروع الروسي بالإبقاء على معبرين من أصل المعابر الأربعة لنقل المساعدات.

واعتبر نيبينزيا مشروع القرار الذي تقدمه ألمانيا وبلجيكا والكويت غير مقبول، مشيرًا إلى أنه لا يجوز نقل المساعدات الإنسانية إلى سوريا بدون موافقة حكومة النظام السوري.

وتراجعت ألمانيا وبلجيكا والكويت في مسألة عدد المعابر الذي أعيد إلى ثلاثة (اثنان على الحدود التركية وواحد على الحدود العراقية)، رغم مطالبة تركيا بفتح معبر خامس هو معبر تل أبيض شمال سوريا.

وفي الصيغة الجديدة التي اطلعت عليها فرانس برس، تؤكد الدول الثلاث إلغاء معبر الرمثا على الحدود مع الأردن. ولا يتحدث النص عن تمديد لعام بل “لفترة ستة أشهر تليها فترة إضافية مدتها ستة أشهر ما لم يقرر مجلس الأمن الدولي غير ذلك”.

وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو وصف الفيتو الروسي الصيني حيال القرار الأمي لتسليم المساعدات الإنسانية عبر الحدود التركية والعراقية للمدنيين السوريين بالمخجل، متهمًا الدولتين بأن أيديهما ملطختان بالدماء. وقال بومبيو في بيان له: “فيتو روسيا الاتحادية والصين أمس، لإحباط قرار مجلس الأمن الذي يسمح بوصول المساعدات الإنسانية إلى ملايين السوريين، مخجل”. وأضاف “إلى روسيا والصين اللتين اختارتا موقفًا سياسيًا يرفض هذا القرار.. أيديكما ملطخة بالدماء”.

وتابع بومبيو قائلًا “ستبقى الولايات المتحدة ملتزمة بمساعدة من لا صوت لهم والجياع والمشردين والأيتام في الحصول على المساعدات الإنسانية التي يحتاجونها للبقاء على قيد الحياة بغض النظر عن مكان إقامتهم”.

وكانت مندوبة واشنطن الدائمة لدى الأمم المتحدة كيلي كرافت، قد عبرت عن “صدمتها” من إعاقة روسيا والصين صدور قرار مجلس الأمن. وقالت كرافت بعد جلسة مجلس الأمن “أنا في حالة عميقة من الصدمة، وهذه الحالة مستمرة معي وأنا أتحدث إليكم الآن، وكما تذكرون فقد تحدثت في بداية هذا الشهر عن مصداقية مجلس الأمن وإعمال مبدأ المحاسبة، واليوم أخذنا خطوة هائلة للوراء في المصداقية”.

يذكر أن مجلس الأمن الدولي تبنى في وقت سابق قراره رقم 2165 حول نقل المساعدات الإنسانية إلى سوريا من الدول المجاورة، ويتم تمديد سريانه كل عام. ولا تزال هذه الآلية قائمة منذ تموز/يوليو عام 2014. بدورها، قالت كيلي كرافت، مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ورئيسة مجلس الأمن لهذا الشهر، “إننا نشعر بخيبة أمل عميقة وكبيرة بسبب نتائج الاجتماعات، وبإمكاني أن أعدكم أن المجلس سيواصل العمل كل يوم وخلال أيام العطلة وصولًا إلى 10 كانون ثاني/يناير للتوصل إلى قرار يساعد الشعب السوري المحتاج.”

وأكدت مندوبة بريطانيا لدى الأمم المتحدة، كارين بيرس، أنه حتى ذلك التاريخ يمكن التوصل إلى حل إذا وجدت إرادة لدى الجميع لفعل ذلك. وأضافت أنه “لا أعتقد أننا سنقوم بذلك في اجتماعات رسمية لمجلس الأمن ولكننا سنسعى إلى ذلك بين بعضنا البعض وبشكل غير رسمي على أمل الوصول إلى تسوية منطقية وفعالة لإتاحة إيصال المساعدات إلى المناطق التي تحتاج إليها”.

مصير مجهول لـ60 ألف طفل نازح

كثفت مقاتلات النظام وروسيا من ضرباتها على قرى وبلدات في محيط معرة النعمان حيث فر عشرات آلاف المدنيين إلى مناطق على الحدود مع تركيا طلبًا لأمان نسبي.

وأعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) الثلاثاء، إن أكثر من 60 ألف طفل نزحوا من مناطق شمال غربي سوريا؛ بسبب القتال وأعمال العنف المتصاعدة خلال الأسبوعين الآخيرين، بحسب وكالة الأناضول. وبث ناشطون على الإنترنت تسجيلات مصورة لجثث متفحمة، مشيرين إلى أن طائرات روسية قصفت قافلة من السيارات المدنية أثناء فرارها من المدينة. وقال منقذون إن ثمانية أشخاص على الأقل قتلوا منهم ثلاث نساء وطفلان، بحسب رويترز.

وقال اثنان من السكان ومسعف إن مقاتلات روسية قصفت يوم السبت سوقًا مزدحمة في سراقب شرقي إدلب مما أسفر عن مقتل ثمانية على الأقل وإصابة العشرات. وشهدت مدينة سراقب وجبل الزواية أم نزوحًا كثيفًا للمدنيين بسبب اقتراب الأعمال القتالية من المنطقة وخوفًا من قصف النظام والغارات الجوية.

وقال سكان في المنطقة إن العديد من القرى أصبحت مهجورة الآن بسبب الحملة التي شردت منذ إطلاقها في نيسان/أبريل الماضي أكثر من 500 ألف شخص وفقًا لبيانات الأمم المتحدة وجماعات إغاثة دولية.

ووشدد اتحاد منظمات الرعاية الصحية والإغاثة وهو منظمة أهلية مقرها الولايات المتحدة على أن نحو 80 ألف مدني على الأقل فروا وواجهوا ظروفًا قاسية مع دخول فصل الشتاء.

وأضاف أن المؤسسات الطبية، التي شلتها بالفعل الهجمات على مدى عام، تواجه صعوبات في التعامل مع تدفقات الجرحى. ووثق الاتحاد ومنظمات أخرى تابعة للأمم المتحدة تعرض 68 منشأة طبية للهجوم منذ نيسان/أبريل الماضي.

وقالت مصادر عسكرية غربية إن أحدث قصف كان مقدمة لهجوم بري واسع النطاق للسيطرة على محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة. وتضم إدلب مئات الآلاف من المدنيين الذين فروا من مناطقهم في سوريا عندما استعادت قوات الأسد مساحات كبيرة من الأراضي بعد تدخل روسيا إلى جانب النظام في أوائل عام 2015 الأمر الذي رجح كفته في الحرب.

تركيا.. أوروبا ستشعر بموجة المهاجرين

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأحد، إن بلاده لا تستطيع استيعاب موجة مهاجرين جديدة من سوريا، مضيفا أن الدول الأوروبية ستشعر بأثر موجة المهاجرين إذا لم يتوقف العنف في محافظة إدلب. وأضاف أردوغان خلال حفل توزيع جوائز في اسطنبول أن نحو 80 ألفًا بدأوا في التحرك من إدلب باتجاه تركيا بسبب القصف الروسي والسوري على المنطقة. ولفت أنه لا مفر من أن تواجه أوروبا ظروفًا مثل أزمة المهاجرين التي شهدتها عام 2015 إذا لم تقدم يد العون لوقف العنف في هذه المنطقة.

في السياق وجّه تحالف المنظمات غير الحكومية السورية (SNA) رسالة للمجتمعين في مجلس الأمن، شدد فيها على أن أربعة ملايين مدني في المنطقة، بحاجة ماسة إلى المساعدات، نصفهم لجأ إلى مناطق لا يمكن الوصول إليها إلا عبر الحدود.

وأضاف التحالف أن 70 بالمئة من أصل ثلاثة ملايين شخص في نزوح مستمر غالبيتهم من النساء والأطفال الذين لا يمكن الوصول إليهم إلا من خلال العمليات عبر الحدود.

في السياق كشف فريق “منسقو استجابة سوريا” في بيان، عن نزوح أكثر مِن 215 ألف مدني في محافظة إدلب، خلال الفترة الممتدة مِن مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر الفائت وحتى 21 مِن شهر كانون الأول/ديسمبر الجاري، وذلك في ظل الحملة العسكرية المستمرة لروسيا ونظام الأسد على المنطقة.

وقال “منسقو الاستجابة” في البيان: إن 203 آلاف و709 مدنيين (38 ألف و615 عائلة) نزحوا – خلال شهر و21 يومًا – مِن مناطق وبلدات ريفي إدلب الجنوبي والجنوبي الشرقي، إلى مناطق آمنة نسبيّاً في إدلب، وإلى مناطق سيطرة الجيش الوطني السوري في ريف حلب.

وتوزّع النازحون على أكثر مِن 30 منطقة في ريف حلب وشمال إدلب، في ظل مواصلة فرق الاستجابة العمل على إحصاء وتوثيق النازحين، والاشتراك مع المنظمات الإنسانية في تأمين احتياجاتهم الإنسانية والإغاثية.

كيف يتم إيصال المساعدات إلى سوريا؟

تُنقل المساعدات إلى سوريا عبر أربع معابر حدودية، معبرا باب الهوى وباب السلام على الحدود التركية ومعبر الرمثا عبر الأردن ومعبر آخر عبر الحدود العراقية – السورية.

وجرى السعي في بداية الأمر إلى زيادة عدد هذه المعابر من أربعة إلى خمسة من خلال استحداث نقطة حدودية جديدة طالبت بها تركيا وهو معبر تل أبيض، الأمر الذي رفضته موسكو بشدة، مطالبة بالمقابل بخفض عدد المعابر إلى اثنين يقعان تحت سيطرة النظام وروسيا، وطالبت بخفض مدة التمديد إلى ستة أشهر بدلاً من عام

—————————

إدلب: المفاوضات فشلت مع روسيا.. وعاد الدعم التركي للمعارضة/ خالد الخطيب

استأنفت الطائرات الحربية والمروحية غاراتها على ريف معرة النعمان جنوب شرقي إدلب، بعد توقف مؤقت لأكثر من 48 ساعة. وشهدت جبهات المعرة تحركات عسكرية مكثفة ووصول تعزيزات كبيرة للطرفين، بعد فشل المفاوضات الروسية-التركية حول الهدنة.

وقصفت الطائرات الحربية، السبت، تل منس ومعر شورين شرقي المعرة، واستهدف برشاشاتها الطرق المتفرعة عن المعرة. وتشهد أطراف تل منس والغدفة وجديدة نواف شمالاً اشتباكات وقصفاً متبادلاً، في حين تواصل المليشيات المتمركزة في أبو جريف محاولاتها للتقدم شرقاً في جبهات أبو الظهور.

لا اتفاق هدنة؟

فشلت المفاوضات الروسية-التركية في التوصل لاتفاق هدنة يوقف العمليات العسكرية في معرة النعمان. ومن المرجح أن تستأنف المليشيات حملة القصف الوحشي، وأن تعود المعارك بشكل أعنف.

مصادر عسكرية أكدت لـ”المدن”، أن روسيا أصرت في المفاوضات على “عودة مؤسسات النظام الخدمية إلى كامل منطقة خفض التصعيد، لا في المعرة وحدها، إنما كامل المنطقة الواقعة شرقي الطريق إم-5، وهناك إجماع بين الفصائل على رفض تلك المطالب وهو موقف تدعمه تركيا، وربما يكون له أثر فعلي لصالح المعارضة في الميدان”.

عضو “مركز المصالحة الروسي” المقرب من النظام الشيخ عمر رحمون، قال في “تويتر”: “الخلاف الروسي التركي في ليبيا ستظهر نتائجه الطاحنة في إدلب، ونحن على عتبة معركة طاحنة، لقد بذلت الدولة السورية كل جهودها لاستعادة منطقة معرة النعمان عن طريق المصالحة رغبة منها بالحفاظ على المنطقة وسكانها، لكن الطرف الآخر هو الذي رفض المصالحة معرضاً المنطقة وسكانها للنزوح في هذه الظروف المناخية الصعبة”.

لم تتحدث الفصائل المعارضة والإسلامية عن المفاوضات مطلقاً، ولم تعلق حتى الآن بشكل رسمي على المعلومات المتداولة حول فشلها، واحتمال عودة المعارك. لكن قادة في الفصائل بدأوا يلمحون إلى اقتراب موعد مواجهات مختلفة مع المليشيات في جبهات ادلب والتي ستشهد تغييراً على أكثر من صعيد.

هل حصلت المعارضة على سلاح نوعي؟

برغم توقف القصف الجوي لأكثر من يومين، إلا أن القصف البري ظل مستمراً، وشهدت الجبهات معارك واشتباكات محدودة بدا أداء المعارضة فيها أفضل من السابق، ما مكنها من استنزاف المليشيات والتصدي لها في أكثر من محور. وبدا أن المعارضة قد حصلت بالفعل على دعم عسكري نوعي، وبشكل خاص من الصواريخ المضادة للدروع، وهو السلاح الأهم الذي يمكن للمعارضة الاعتماد عليه لتحقيق توازن نسبي في النيران مع المليشيات.

استخدمت المعارضة في 48 ساعة فقط من المعارك والاشتباكات في جبهات المعرة أكثر من 30 صاروخاً مضاداً للدروع، استهدفت مدرعات ودبابات ومجموعات وأفراد ونقاط ثابتة ومتحركة، وخسرت المليشيات فيها أكثر من 60 عنصراً من طواقم الآليات المدرعة والنقاط المتقدمة بينهم ضباط. إنجازات المعارضة على حساب المليشيات في يومين هي ضعف ما أنجزته في معارك الأيام الأربعة الأولى والتي سيطرت خلالها المليشيات على أكثر من 45 قرية وبلدة.

يبدو أن الفصائل حصلت أيضاَ على صواريخ غراد متوسطة وبعيدة المدى، وكميات لا بأس بها من الذخائر المتنوعة، استخدم جزء منها مؤخراً في قصف مواقع المليشيات في سهل الغاب وجنوبي ادلب، وامتد قصف الفصائل إلى القرداحة في ريف اللاذقية.

الدعم التركي للمعارضة لتخوض جولة مختلفة من المعارك يجب أن يكون كبيراً وغير محصور لدى فصائل قليلة من “الجبهة الوطنية للتحرير”، في حال أرادت تركيا للمعارضة قلب موازين المعركة بالفعل. وعادة ما يتم دعم الفصائل بالسلاح لتغطية معارك محددة زمانياً ومكانياً، وسرعان ما تمتص المليشيات الصدمة وتعاود الهجوم وتستعيد ما خسرته لحساب المعارضة التي استنفذت كامل ذخائرها النوعية في الهجوم، ولم يبقَ لديها ما تدافع به عن مكاسبها.

المعارضة من الدفاع إلى الهجوم؟

حشدت الفصائل المعارضة والإسلامية تعزيزات كبيرة في جبهات المعرة، ويبدو أن الدعم للمعارضة يحتم عليها العمل في منطقة عمليات المليشيات ويمنع عليها فتح محاور قتال في جبهات أخرى. بامكان المعارضة الانتقال بسهولة من الدفاع إلى الهجوم في حال حصلت على الدعم الكافي لتحقيق أهدافها وأهداف حلفائها في استنزاف المليشيات واستعادة المواقع وقلب موازين المعركة. ولا يبدو أن المعارضة تفكر بأبعد من ذلك، إذ لا تريد مواجهة طويلة مع المليشيات وتريد تفادي تكرار سيناريو الهجمات المعاكسة الناجحة ولفترة محدودة والتي تليها حتماً خسائر بالجملة وانهيارات غير متوقعة. وهي تحتاج حتماً لتكتيكات مختلفة وقرار جماعي لا يتبع توجيهات الداعم في حال كانت المصلحة تتطلب ذلك.

وفي السابق، وتحضيراً للهجمات المعاكسة والجولة الجديدة من المعارك وصل “الحزب الإسلامي التركستاني” إلى جبهات المعرة، ومعه تنظيمات وتشكيلات جهادية أخرى كانت ممتنعة عن المشاركة. ويبدو لدى “التركستاني” صواريخ مضادة للدروع أيضاً، استخدمت ضد المليشيات، الجمعة. ومن المفترض أن نشهد مشاركة كاملة لأكبر تشكيلين مسلحين في ادلب؛ “هيئة تحرير الشام” و”فيلق الشام” وكلاهما لديه غالبية الأعداد والعتاد الحربي الذي يكفل قلب موازين المعركة إلى جانب المقاتلين النوعيين من التنظيمات والفصائل الإسلامية الأخرى.

وفي المقابل، حشدت المليشيات المزيد من التعزيزات العسكرية في منطقة المعرة لمواجهة المعارضة، ومواصلة التقدم، ولم تعد تكتفي بسقف أهداف محدد للسيطرة على منطقة المعرة كمرحلة أولى، وراحت تصرح بأنها ستواصل حتى سراقب ومشارف حلب شمالاً، أي كامل منطقة “خفض التصعيد” شرقي الطريق إم-5.

————————-

معرة النعمان ومحيطها.. شبه خالية من المدنيين

نزح أكثر من 235 ألف شخص خلال نحو أسبوعين جراء التصعيد العسكري الأخير في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، وفق ما أعلنت الأمم المتحدة، الجمعة، تزامناً مع تكثيف قوات النظام وحليفتها روسيا وتيرة غاراتها على المنطقة.

ويتعرض ريف إدلب الجنوبي منذ أسبوعين لتصعيد في قصف تشنه طائرات سورية وأخرى روسية، يتزامن مع تقدم لقوات النظام على الأرض في مواجهة الفصائل المقاتلة، على رأسها هيئة تحرير الشام، وتحديداً في محيط مدينة معرة النعمان، التي تُعد ثاني اكبر مدن محافظة إدلب.

ونقلت وكالة “فرانس برس” عن مكتب تنسيق الشؤون الانسانية التابع للأمم المتحدة قوله في بيان، إن “بين 12 و25 كانون الأول/ديسمبر، نزح أكثر من 235 ألف شخص من شمال غرب سوريا”، مشيراً إلى أن كثيرين منهم فروا من مدينة معرة النعمان وقرى وبلدات في محيطها، وجميعها باتت “شبه خالية من المدنيين”.

ويتوجه الفارون بشكل أساسي إلى مدن أبعد شمالاً مثل إدلب وأريحا وسراقب أو إلى مخيمات النازحين المكتظة بمحاذاة الحدود مع تركيا، ومنهم من يذهب إلى مناطق سيطرة الفصائل الموالية لأنقرة شمال حلب.

وأشار التقرير إلى أن بعض النازحين ممن فروا إلى منطقة سراقب شمالاً اضطروا إلى النزوح مرة أخرى تفادياً للتصعيد الذي قد يطالها أيضاً.

وأفاد مراسلو وكالة “فرانس برس” في إدلب عن موجات نزوح ضخمة رصدوها خلال الأيام الماضية، إذ اكتظت الطرقات المؤدية إلى شمال المحافظة بشاحنات وسيارات محملة بالنازحين وحاجياتهم المنزلية.

وسيطرت قوات النظام خلال هجوم استمر أربعة أشهر وانتهى بهدنة في نهاية آب/أغسطس على مناطق واسعة في ريف المحافظة الجنوبي، أبرزها بلدة خان شيخون الواقعة على الطريق الدولي الذي يربط مدينة حلب بالعاصمة دمشق.

ويتركز التصعيد العسكري اليوم على مدينة معرة النعمان ومحيطها شمال خان شيخون، والواقعة أيضاً على هذا الطريق الاستراتيجي.

وحققت قوات النظام تقدماً ملحوظاً خلال الأيام الماضية بسيطرتها على عشرات القرى والبلدات في الريف الجنوبي، كما حاصرت نقطة مراقبة تركية شرق معرة النعمان.

وأفاد “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، الجمعة، عن استمرار الاشتباكات العنيفة بين قوات النظام من جهة و”هيئة تحرير الشام” والفصائل الأخرى من جهة ثانية شرق معرة النعمان، بالتزامن مع قصف مدفعي يستهدف قرى وبلدات في محيط المدينة.

المدن

————————

تظاهرات إدلب وحلب:الأمن التركي بخير..لكن إدلب بخطر

تظاهر الآلاف في مدينة ادلب ومناطق ريف حلب، الجمعة، تضامناً مع نازحي معرة النعمان في ادلب، وهتفوا ضد النظام، وطالبوا الفصائل المعارضة والإسلامية بالتصدي لهجمات مليشيات النظام، وطالبوا تركيا بتحمل مسؤولياتها لإيقاف حملة القصف الروسية على مناطق ادلب، بحسب مراسل “المدن” خالد الخطيب.

وشهدت مدينة إدلب تظاهرة مركزية شارك فيها الأهالي والنازحين والمهجرين، وهتفوا للمعرة وعبروا عن تضامنهم مع نازحي أرياف ادلب. ومن بين هتافات المتظاهرين “يا معرة حنا معاكي للموت” و”يا جرجناز حنا معاكي للموت” و”ساقط ساقط يا بشار” و”الشعب يريد إسقاط النظام”.

ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها عبارات نددت بالقصف الروسي، وكتب في بعضها “النصر أو الشهادة ليس أمام الأحرار خيار آخر” و”إلى رياض 2 عهركم أقبح من ذنبكم” و”اتركوا القادة اتركوا الداعم لأنهم يسعون للغنائم” و”روسيا دولة إجرام” و”كونوا عوناً للمهجرين فهم أعزاء كرماء”.

وتظاهر المئات في مدينة الأتارب غربي حلب، وهتفوا ضد النظام وروسيا، وطالبوا الفعاليات المدنية والمنظمات بتكثيف جهودهم لإغاثة نازحي المعرة، وطالبوا الفصائل المعارضة و”هيئة تحرير الشام” بالتصدي لهجمات المليشيات في ادلب، ورفعوا لافتات كتب عليها “المهجّرون ضحية الإرهاب الروسي والإيراني” و”أردوغان إن كان أمنكم القومي بخير فإن وجودنا في ادلب بخطر”.

وشهدت مدينة الباب في ريف حلب الشمالي الشرقي مظاهرة كبيرة شارك فيها أهالي المدينة والمهجرين من حمص والغوطة الشرقية ومنبج والرقة، ورفعوا لافتات كتب عليها “8 سنوات والثورة مستمرة، الشعب يريد اسقاط النظام” و”الموت ولا المذلة” و”يا معرة حنا معاكي للموت”.

وكان من المقرر أن تكون المظاهرة في الباب مركزية، وبمشاركة أوسع من فعاليات مدنية معارضة، وناشطين من مختلف مناطق المعارضة في “درع الفرات”، لكن اعتقال قوات الشرطة والأمن العام لأحد المنشدين قبل بداية التظاهرة آخر خروجها، وامتنع عدد كبير من المتظاهرين بعدها عن المشاركة احتجاجاً على تصرف الشرطة، والذي تم اعتباره اجراء أمنياً مقصوداً يهدف إلى منع خروج التظاهرة.

الناشط الإعلامي جلال تلاوي، أكد لـ”المدن”، أن قوات الشرطة في مدينة الباب اعتقلت أبو صبحي الغريب، منشد التظاهرة قبل بدايتها بنصف ساعة. وبررت الشرطة عملية الاعتقال بأنها بسبب دعوى قضائية سابقة على الغريب، ورفضت الشرطة اطلاق سراحه بعد أن وعدت قبل استدعائه بأنها ستخلي سبيله ولو بشكل مؤقت لكي ينشد في التظاهرة. وبحسب تلاوي، فقد جرى التحضير للتظاهرة المركزية في الباب على مدى ثلاثة أيام، وتمت دعوة أعداد كبيرة من الناشطين وأعضاء المجالس المحلية في ريف حلب، وبعد اعتقال المنشد من قبل الشرطة امتنع العدد الأكبر من الناس عن المشاركة في التظاهرة تعبيراً عن غضبهم.

———————-

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق