مراجعات كتب

أمة الطربوش: هل يُعد ماكس فون أوبنهايم صانع فكرة الجهاد اليوم؟/ محمد تركي الربيعو

■ في عائلة مصرفيّة ألمانيّة كبيرة وعريقة، وُلِد ماكس أوبنهايم؛ وبحكمِ مكانة العائلة ودورها، كان كثيرون قد توقعّوا له مستقبلاً اقتصادياً مهمّاً. لم يكن يخطر على بال أسرته وأصدقائه أن كتاب «ألف ليلة وليلة»، الذي حصل عليه مصادفة وهو في سن السادسة عشرة، سيكون سبباً رئيسياً في رحيله وعمله في عالم الشرق قرابة خمسة عقود.

في عام 1892، اختار أوبنهايم القاهرة مكاناً للتعرف عن قرب على هذا العالم، وخلافاً للعديد من الأوروبيين الذين كان يقطنون في المدينة خلال تلك الفترة، قرّر الشابُ الألمانيُ تعلّم اللغة العربية، وما أن أتقنها حتّى بدأ برحلاتٍ ميدانيةٍ عديدةٍ في سوريا ومقدونيا. فكتب لنا، في رحلاته هذه، عن الدروز في السويداء، وعن تل حلف الذي اكتشفه في مدينة رأس العين السورية، وأيضاً عن مدينة دمشق وأهلها وعن الشاي الذي لم يكن يتوفر آنذاك سوى للعائلات الغنية. وإلى جانب هذه الاهتمامات الإثنوغرافية التي بدأها في زياراته لهذه البلدان، أخذ الرجل يطمحُ إلى لعب دورٍ أوسعٍ في نظرة بلاده للمنطقة، عبر محاولة العمل في وزارة الخارجية، بيد أنّ اسمه الذي بدا سامياً جداً حالَ دون ذلك؛ عاد مرةً ثانيةً لتكرار المحاولة لتُثمِر هذه المرة من خلال تعيينه في عام 1896 ملحقا ثقافيا في القنصليّةِ العامةِ في القاهرة.

ومع اندلاع الحرب، أخذ أوبنهايم ينخرطُ بشكلٍ أكبر في سياسات بلاده الساعية لتثوير المسلمين ضدّ القوات الإنكليزية والفرنسية، إذ قدّم في نهاية أكتوبر/تشرين الأول من العام الأول للحرب بحثاً شاملاً من 136 صفحة تحت عنوان «مُذكّرة لتثوير المناطق الإسلامية الخاضعة لأعدائنا». كان التقرير بمثابة استجابةً لدعوة القيصر الألماني فيلهم الثاني إلى ضرورة إشعال المقاومة في العالم الإسلامي ضد شعب البقّالين/في إشارة للبريطانيين، وهي تسمية كان الاقتصادي الأسكتلندي آدم سميث أول من أطلقها عليهم، كونهم كانوا أصحابَ مشروعاتٍ صغيرة. كان إعلانُ الحرب على دول الأعداء من قبل المسلمين يتطلّبُ شرعيةً ما، ولذلك وجد أوبنهايم أن الحلّ الأمثل لذلك، يتمثّلُ في إحياء مؤسّسة الخلافة، ما يمنحُ العثمانيين فرصةً رمزيةً لإعلان الجهاد وحشد تأييد ملايين المسلمين الواقعين تحت حكم البريطانيين.

ستُسهِم هذه المذكرةُ في خلق تصوراتٍ عديدة حول هذا الرجل، إضافة إلى تضخيم دوره في سياسات الجهاد العثمانية أو السائدة في عالمنا اليوم؛ بدءاً من تقييم البريطانيين له آنذاك، الذين وصفوه بـ«جاسوس القيصر» الذي يهدفُ «لإفناء الامبراطورية البريطانية، وإقامة مملكة عالمية ألمانية مكانها». كما سيعيدُ لاحقاً بعضُ المؤرّخين الألمان إطلاق ذات التهم، فقد وجدَ مثلاً المُؤرِّخ الألماني فرتس فيشر في مذكّرة أوبنهايم دليلاً إضافياً على «النزوعِ إلى السلطة العالمية». وقد تأثّر الخبيرُ بشؤون الشرق الأوسط فولفغاغ ك. شفانيتز بهذا التفسير، إذ أطلق حكمَه الصريح السلبي بشأن أوبنهايم الذي لم يقتصر دوره، وفق رأيه، على المشاركة في «الإبادة الجماعية للأرمن» أو «إعلان الجهاد»، بل بقيت تبعَات أفكاره سائدة إلى يومنا هذا، من خلال ظهور ظاهرة التعصّب الإسلامي، ولذلك فأوبنهايم، على حد تعبيره، يُعدُّ «أبو الجهاد الألماني» أو مؤسّسه. في مقابل هذا الهجوم، هناك من رفض هذه الرؤية التي تُحمِّل أوبنهايم مسؤولية إعادة اختراع فكرة الخليفة لمصالح ألمانية. فقد وضّحَ مثلاً المؤرِّخ الألماني رولف شتاينغر، في كتابه «ألمانيا والشرق الأوسط» المُترجَم عن سلسلة «عالم المعرفة»، أن فون أوبنهايم لم يكن جاسوساً في خدمة القيصر، بل كان على النقيض من ذلك تماماً «شخصاً مهتمَّاً بالسياسة، ومُحبّاً شغوفاً بالشرق، وإنّ دعوته للخلافة جاءت لا لخدمة الإمبراطورية الألمانية وحسب، بل أيضاً لرغبته في أن «يساعد عدداً من الدول الإسلاميّة، ولكونه كان يحلم بأن تمارس ألمانيا دور المُحرِّر للشعوب الإسلاميّة المُضّطهدة»، ولعلّ في هذه القراءة المتحرِّرة من سرديّة الجاسوسيّة ما يُذكِّرُنا بمقاربات أخرى لشخصيات مثيلة، كانت تتواجد في تلك الفترة بالذات، وأذكر بالأخص رؤية المؤرِّخ البريطاني جيمس بار لشخصية لورنس العرب، فقد رسمه في قراءاته وكتبه، التي تُرجِمت أغلبها للعربية مؤخراً، بوصفه شخصاً صادقاً ومؤمناً بضرورة استقلال العرب، ووقوف بريطانيا إلى جانبهم، خلافاً للصورة التي رسمته شخصية مُخادعة وماكرة، باعت العرب الأوهامَ لصالح بلاده الكولونيالية، بينما يبدو مع المؤرخ بار مؤمناً بضرورة استقلال العرب وليس فقط خادماً للمصالح الضيِّقة لامبراطوريته العثمانية.

وبالعودة لصورة ماكس أوبنهايم، نجد أن هناك من رفض أيضا فكرة تضخيم دور ماكس في إحياء الخلافة والدعوة إلى الجهاد، انطلاقاً من أن هذا الرأي يُهمِل الإحاطة بالتحوّلات التي عاشها المسلمون في القرن التاسع عشر الطويل، إذ لم تكن سياسات إعلان الخلافة، في ثمانينيات القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين، مجرّد انعكاسٍ لمعتقداتٍ دينيةٍ أو لخطةٍ ألمانيةٍ، بل جاءت كردّةِ فعلٍ للفكر الإسلامي العصري على التحديات الجغرافية السياسية والعولمة الإمبريالية.

ولعلّ أهم من مثّل وجهة النظر هذه، المؤرخُ التركيُ جميل أيدين في دراسته «ظهور الفكر الإسلامي العالمي 1774/1914»، التي طورها لاحقا في كتابه «فكرة العالم الإسلامي» الصادر عن جامعة هارفارد عام 2017. إذ يرى أيدين أن مكانة السلاطين العثمانيين بوصفهم خلفاء، لم يأخذها المفكِّرون المسلمون المقيمون خارج الإمبراطورية العثمانية بجديّة، إلّا في العقد الأول من القرن العشرين، أكثر مما كانت عليه في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، ولذلك يرى أن أي قراءة لظهور فكرة الخلافة تتطلّب الخوض في تأريخ القرن التاسع عشر العالمي، خصوصاً في ما يتعلّقُ بأصول المعايير العالمية مثل تقرير المصير والسيادة والقومية.

قبل سبعينيات القرن التاسع عشر، كان الأمر أقلُّ أهمّية إذا حكم المرءَ ملكٌ مسلمٌ أو مسيحيٌ، لأنّه يمكن القول إنّ شرعيّة كل امبراطورية كانت تعتمد على تسامحها مع الأقلّيات الدينية؛ وهو ما نراه مثلاً مع خسارة الأقاليم اليونانية والأراضي الجزائرية، فرغم الاستياء من هذه الخسارة، إلا أنّ النخب العثمانية بقيت مقتنعة بأن اكتساب الأراضي أو التخلِّي عنها حدثٌ طبيعيٌ في امبراطوريةٍ معينةٍ، كما أدركوا جيداً تغيير الحدود بين الامبراطوريات الأخرى في أوروبا، وهو موقفٌ يعزوه بايدين إلى تأثّرها بفكرة أن أوروبا والعلاقة معها على أسس الحضارة العالمية تبقى هي الأساس، حتّى أنّ الأمير عبد القادر الجزائري بقي مؤمناً بإصلاحات التنظيمات ومبادئ الحضارة. كما كانت حرب القرم 1853/1856 مثالاً وثيقَ الصلة بأولوية البعدِ الحضاري، إذ تحالفت يومها الإمبراطورية العثمانية مع الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية، ووفق جميع الروايات، قاوم الجيشُ العثمانيُ أيّ إغراءات تطالب بالجهاد، مع أنّ الإمبراطورية الروسيّة حاولت استعمال الرموز واللغة المسيحية في الصراع. كما يُلاحظ أنّ النخب المسلمة الأخرى (في الهند مثلاً)، بقيت تنظر للعلاقة مع أوروبا من الزواية ذاتها تقريباً، ففي عام 1867 زار لندن السير سيد أحمد خان، أحد أهم المفكِّرين المسلمين الإصلاحيين، تأثيراً في شبه القارة الهندية، وهي زيارة عزّزت التزامه بهويّة إسلاميّة بريطانية هندية مشتركة. وبالنسبة له، كان يمكن لملكٍ عثمانيٍ مسلمٍ أن يكون حليفاً طبيعياً للملك البريطاني الذي حكم سُكّاناً متنوعين. كما لم تجذب الحرب الهندية عام 1857 دعم الامبراطورية العثمانية، حتّى أنّ الحكومة العثمانيّة أرسلت المساعدة إلى ضحايا الثورة مع البريطانيين.

سياساتٌ عرقيّة أوروبية وإحياءٌ للخلافة

بيد أن سياسات وتفاهمات التضامن الإمبريالي، ستشهد تبدُّلاً مع ثمانينيات القرن التاسع عشر، ما خلق رؤية جديدة للمفكّرين الإسلاميين العثمانيين، تُبشِّرُ بالجغرافية السياسية للتضامن الإسلامي، عوضاً عن التضامن الإمبريالي. فخلال الحرب الروسية 1877-1878 وبعدها تغيّرت السياسة البريطانية نحو الإمبراطورية العثمانية من التحالف إلى الحياد العدائي جزئياً، تحت تأثير الدعاية المسيحية الإنجيلية، التي طرحت خطاباً هرمياً عرقياً يزعم تفوّق المسيحية الهيلينة على الإسلام السامي.

وكانت محاضرة أرنست رينان العنصريّة، حول التدنّي الحضاري للمسلمين وتفوّق الأوروبيين الآريين في السوربون عام 1883، تعبيراً عن هذا البناء الجديد للمسلمين كونهم عرقاً، وبسبب هذه الأيديولوجيا العرقية كانت ردات فعل المسلمين على احتلال تونس ومصر في أوائل ثمانينيات القرن التاسع عشر، مختلفة عن ردّة فعلهم على احتلال الجزائر قبل نحو خمسين سنة. وفي ظلِّ هذا التطور، ستكتسب صورة السلطان العثماني بوصفه خليفة جميع المسلمين شعبية بسرعة، لاسيّما في آسيا الوسطى وجنوب آسيا، رغم أنها لم تكن أبداً تحت الحكم العثماني، كما لم تأتِ نتيجة مؤامرات أو دعاية سياسية عثمانية. وضمن إحساس واضح بتراجعٍ حضاريٍ، كرّرت المدارك السياسة للفئات المتعلمة الإسلامية دعمها للإمبراطورية العثمانية لتأكيد التوافق بين الهوية العرقية الإسلاميّة والفعالية السياسية والتقدّم الحضاري

وعلى نحو تدريجي، زادت فكرة جغرافية سياسية وحضارية جديدة للعالم الإسلامي من الأهمية الدينية للخلافة. وثمّة نقاش عرضي ضدّ الصلاحيّة الدينيّة لمطالبة السلطان العثماني بخلافة سنية، جرى أفضل تعبير عنها في كتاب وليم بلنت «مستقبلُ الإسلام»، مع ذلك ربح المعسكر الموالي للعثمانيين هذا النقاش، إلى حدّ أنه بحلول عام 1914 كان موضع الشك في شرعية الخلافة العثمانية نادراً، فالخليفة العثماني كان زعيماً إصلاحياً ومتحضّراً، ومعاملته الإمبراطورية للرعاية المسحيين أفضل دائماً من معاملة الامبراطوريات البريطانية والروسية والفرنسية لرعاياها المسلمين. وأصبحت الخلافة نقطة مرجعية لتخيّل ارتباط المسلمين وتضامنهم في النظام الإمبريالي العالمي الحالي المنحاز إلى أوروبا، كما أصبح الطربوشُ قبعةً عصريةً للمسلمين المتعلِّمين، ورمز الهويّة الإسلاميّة العصرية من جنوب افريقيا والهند إلى شمال افريقيا.

من خلال هذه المقارنة، استطاع أيدين أن يوضح لنا من أنّ الهدف الأساسي من إحياء فكرة الخلافة لم يكن ناجماً عن تمسك بتقاليد دينية تقليدية، بل جاء كتعبير عن شعورُ المفكّرين المسلمين بضرورة البحث عن «استراتيجية خطابية» إن صح التعبير أو رمزية، تضمن لهم المساواة في امبراطوريات الحكم المسيحي، التي ينتمون إليها، ولذلك وجدوا حاجة لتأكيد روابطهم بسلطان امبراطورية أخرى، مثل خليفتهم، لتعزيز مواقعهم ومطالبهم. وبالتالي لم يكن مفهومُ الخلافة وما تبعه من إعلان للجهاد، نتيجة خطةٍ ألمانيةٍ، بل نتيجة تحوّلات في الجغرافيا السياسية والعولمة الإمبريالية. وهذا ما يساعدنا في فهم لماذا أصبحت قضايا الخلافة والوحدة الإسلاميّة، لا القوميّة، موضوعاتً رئيسيةً للنهضة خلال الحرب العالميّة الأولى، وربما لفترة من الزمن بعدها، قبل قدوم الأفكار القومية.

٭ كاتب من سوريا القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق