الناس

شهادات مختارة من ادلب

قررتُ أن أكون أكّثر من ناجية/ منى بكور

خلال لقائي ببعض الناجيات من الاعتقال في سجون نظام الأسد، والقاطنات بريف إدلب الجنوبي، لأوثّق تجاربهنّ في مادة صحفية كنتُ سأعمل عليها، لفت انتباهي حديثٌ عن سيدة غير معتقلة بين عدة سيداتٍ ناجيات. وقد كان الحديث يجري عن مدى دعمها وتفاعلها مع الناجيات ومدى قوتها، وأساليبها وكلماتها المؤثرة. كان حب وإعجاب الموجودات لهذه السيدة الغائبة واضحاً جداً بالنسبة لي، إلى درجة دفعتني للبحث عنها ولقائها. أخيراً، تعرفت على السيدة غصون، التي استقبلتني في منزلها بحماس كما تستقبل أيَّ سيدة غريبة بحاجة للمساعدة، لكنني كنت بحاجة لسماع قصتها، كنت بحاجة لمعرفة السبب وراء حب السيدات لها وثقتهنّ بها. لم تكن غصون متوترة أو محرجة من رواية قصتها لسيدة غريبة، بل على العكس تماماً، كانت فخورةً بذلك. «أنا محاربة، وسوف أساعد النساء على محاربة الظلم والخوف والتردد، كما فعلت أنا، في سبيل حياةٍ حقيقية يرغبن بها حقاً». وقد دفعتني كلماتها الواثقة وقصة تحوّلها الجذري وكل ما تحدّته لأن أوثق تفاصيلها، وأضعها في متناول النساء الأخريات.

على طاولة بنيةٍ رثة، غارقة بين الأوراق، وبإمكانيات متواضعة، تقدم غصون خدماتها النفسية ودعمها لكل امرأة محتاجة. لا تقتصر خدماتها داخل جدران مكتبها فحسب، بل آمنت بالقضية انطلاقاً من نفسها لتحملها معها إلى كل مكان.

غصون سيدة أربعينية (45 عاماً)، مهجّرة من حي الوعر بمحافظة حمص، متزوجة ولديها ثلاث فتيات.

كانت غصون على مدار سنوات عاجزة عن مساندة نفسها حتى، عاجزة عن الكلام وعن إبداء رأيها في حياتها الشخصيةتعمل غصون في الدعم النفسي الاجتماعي (العنف القائم على النوع الاجتماعي) في النصف الأول من اليوم، وتعمل كأم وزوجة وصديقة في نصفه الثاني، حيث تساعد النساء الناجيات من الاعتقال. كما تدعم الناجيات من العنف واللواتي يتعرضن له. تقوم بالخطوات اللازمة مع كل حالة، فهي تنصح، تستمع، تواسي، تدعم وتُحيل. كانت غصون على مدار سنوات عاجزة عن مساندة نفسها حتى، عاجزة عن الكلام وعن إبداء رأيها في حياتها الشخصية. كانت عاجزة عن الحياة، عن الحلم، الطموح والتغيير. وكان ذلك داخل أسوار المنزل.

تزوجت غصون عندما كان عمرها ستة عشر عاماً. في ذلك الوقت تعرضت لأول صفعة من زوجها، وظنت حينها أن هذه هي الحياة الزوجية. كان سبب الصفعة الأولى، كما شرحت، عجزها عن إقامة علاقة مع زوجها ليلة الزفاف بسبب الدورة الشهرية التي زارتها في وقت غير مناسب بالنسبة لزوجها. حملت هذه الصفعة بعدها سنوات عديدة، وحملت السنوات صفعات أخرى وإهانات، وذلاً، وحرماناً، وألماً، وشوقاً لمَا كانت عليه حياتها قبل أن يقتحمها هذا الرجل!

حملت هذه السنوات التي قوبلت بالصمت والقبول القسري ليالٍ لا تُعد في أروقة المستشفيات وعلى أسرّتها، بسبب لوي ذراع أو انهيار عصبي أو إغماءٍ بفعل زوجها. وبدأ العنف والضرب يتنقّل تدريجياً في أرجاء المنزل مع أول مولودة أنثى، إلى الثانية والثالثة، وغصون أيضاً.

لطالما تساءلت عن سبب كره زوجها لها، عن سبب رفضه لوجودها، رغم أنه لم يُقحم في حياته أنثى غيرها، ولم يهددها بالطلاق أو الهجر.

لم تستطع غضون أن تتعرف على الحب أو العطف. لم تستطع أن تشعر بوجود شريك في حياتها، ولم تفهم شيئاً عن الزواج إلا الضرب. لم تكن شريكة قط، بل كانت وحيدة في تلك العلاقة. كانت بحاجة لحضن يحتويها، بحاجة لاختبار ذلك الشعور الذي تلاشى بعد خروجها من منزل والديها مجدداً.

وصفت غصون نفسها دائماً بأنها أنثى، جميلة وذكية، قادرة على العطاء. ولكنها بحاجة إلى ذلك الشعور، بحاجة إلى تلك التفاصيل التي يُفترض بها أن تكون موجودة في كل علاقة بين رجل وامرأة. كانت بحاجة إلى حبٍ لم تختبره مع زوجها أبداً. كانت بحاجة لأن ترى ابتسامة حين تنظر في المرآة، ولكنها لم تكن ترى سوى اللون الأزرق على عينها أو شفتها في معظم الأيام. كانت تظن أن زوجها ابتلاءٌ من الله لسوء طباعه وملافظه، ولكثرة ضربه لها بحجّة أسباب واهية، موجودة فقط من أجل أن يؤذيها.

«كان كل من حولي يحبونني، الجيران والأقارب والأصدقاء، السمّان في حيينا يحترمني جداً. حتى عائلته (عائلة الزوج) كانت تحبني وتشفق على حالي معه وتنصحني بالصبر، وكنت أصبر».

كانت غصون تسأل نفسها مراراً؛ ما الذي يريده؟ كيف ترضيه؟ كيف توقف العذاب وتحمي بناتها على الأقل؟ كيف تنجو؟

بعد فترة من زواجٍ تمثيلي، من زواجٍ وكأنه «مؤقت»، تعرضت عائلة غصون للتهجير القسري في الباصات الخُضر من محافظة حمص إلى الشمال السوري بفعل نظام الأسد، مثلها مثل عائلات كثيرة. اضطرت العائلة للرحيل وتحمل ساعات سفر طويلة وشاقة بلا سابق إنذار، بلا وداع وبلا استعداد، فقط كي تنجو. اضطرت للتأقلم قسراً في بيئة جديدة، وأجبرت غصون على تحمل كل مشاقِ التهجير المؤلمة وحدها، بلا حامٍ أو داعم أو سند.

وجدت غصون نفسها فجأة تعيش بأدنى مقومات الحياة، بالإضافة للذل والعنف: منزل خال من كل شيء، حالة مادية صعبة للغاية، وحالة معنوية مدمرة. كانت بلا أقرباء أو أصدقاء، بلا أحد. كانت تجد نفسها مسؤولة، مسؤولةً جداً ومجبرة على أن تكون قوية لأجل بناتها، ولأجل حياتها في حمص، التي تركتها مرغمة خلفها. كانت تبحث عن حل لتخطي هذه المرحلة «الأصعب»، خصوصاً بعد توقف زوجها عن العمل، حيث كان يعمل في مجال الألبسة المستعملة (البالة)، والتي لا تعطي مردوداً جيداً كما قالت. وفي هذه الأثناء، وجدت غصون نفسها مرغمةً على حمل أعباء الأسرة بشكلٍ كامل. تمردت وتحملت العنف وأصرت على إكمال تعليمها، والتحقت بعد ذلك بكلية الآداب (لغة إنكليزية) في جامعة حلب الحرة في محافظة إدلب، وبدأت تدرس وتبحث عن عمل.

حينها، بدأت غصون تصادف الناس، وتقيم صداقات وتجمع المعارف. وجدت نفسها محبوبة جداً ومرغوبة في المجتمع الذي تعيش فيه. لم تستلم وأخذت تعيش حياةً مزدوجة، داخل المنزل وخارجه، إلى أن وجدت عملاً يعينها في طريقها. حيث بدأت تعمل كعاملة دعم نفسي- اجتماعي للناجيات من الاعتقال والعنف في منظمة محلية في ريف إدلب بعد خضوعها لتدريباتٍ عديدة؛ «أجمل الأوقات في يومي هي عندما أكون هنا مع فريقي في العمل، خصوصاً عندما نجتمع ونشرب القهوة صباحاً ونتحدث عن أمس ونضع خطة لليوم، ذلك يُشعرني أنني حيّة وموجودة، أشعر باحترام الجميع لي وبحب النساء اللواتي أساعدهن يومياً»، تقول غصون.

مع شروعها في العمل، بدأت غصون بالتعرف على الحياة لأول مرة، بدأت تتعرف على نفسها وتُقدّرها، واكتشفت في شخصيتها جوانب عديدة كانت تجهلها وبدأت بإظهارها، رغم القصف والتهجير. كانت تتحمل إلى جانب ويلات الحرب ويلات أخرى أشد وأعنف، وكانت تخفي كل ذلك، تسمع وتتألم وتطيع.

بدأت مع عملها عصراً جديد، عصراً أصبحت فيه الداعمة والمساندة والمُعيلة، وحافظة وكاتمة لأسرارٍ من شابهنها في المصير أو «النصيب». أعادَ العملُ لها كبريائها، وعزَّزَ ثقتها بنفسها بعد أن كانت تظن أنها «مهزوزة» وضعيفة الشخصية.

بناتي أفضل من مئة صبيلم تجرب غصون الحب في حياتها أبداً، فهي لم تحب أحداً قبل زواجها، ولم تحب زوجها أيضاً طيلة السنوات التي مضت وتلك القادمة، ولكنها كانت تتمنى أن تشعر بالحب وأن تكتشف معناه. كانت مستعدة لنسيان كل الأذى والألم النفسي والجسدي الذي سببه لها زوجها مقابل لحظة حب، مقابل كلمة أو شعور. كانت تشعر بالحسرة عند حديث النساء عن أزواجهن وعلاقاتهن الجميلة والمميزة، وكانت تبكي سراً أحياناً من مشهد حب تمثيلي في فيلم، كانت تتمنى أن تُحب وأن تتكلم عن ذلك. ولكنها رغم كل شيء سعيدة بإنجازٍ واحدٍ فقط حصلت عليه من هذا الزواج، وهو بناتها؛ «ينصحني كثيرون بمراجعة الطبيب لعلّي أحمل من جديد بصبي يسعد زوجي أملاً بتغيّره معي، ولكني أخبرهم دائماً أنني أرى بناتي أفضل من مئة صبي. ليس لأنني لا أحب الصِبية، بل لأني فخورة بهنّ وبما أصبحنَ عليه اليوم، متفوقات في دراستهن وناجحات»، تخبرنا غصون.

حتى الآن، لم يتوقف العنف -بكافة أشكاله- في حياة غصون، ولكنها أصبحت قادرة على رفع صوتها في وجهه، قادرة على أن تقول لا، وأن ترفض بثقة وبلا خوف وأن تتخذ موقفاً. أصبحت، بعد استقلاليتها مادياً ومعنوياً، قادرة على أن تأخذ القرار الذي يناسبها، حتى لو كان ذلك بخصوص وجبة الغداء مثلاً. هذه القوة التي لم تعهدها غصون سابقاً بدأت تضع حدوداً أمام زوجها وتمنعه من رفع يده في وجهها. بدأت تجبره على تقبل أنَّ لها كياناً مستقلاً، أنها إنسانة وسيدة وأنثى، ومن حقها أن تعيش كما تحب، وأن تقرر ما تريد وأن تقول ما تشعر به وأن تُحَب وتُحتَرم. تروي غصون: «منذ أيام كنت أعد العشاء، وكانت ابنتي تخبرني بيومها في المدرسة وتضحك، فصاح والدها عليها لأن صوتها مرتفع وناداها لتأديبها، فخرجتُ وقلت له بثقة إنها تحادثني أنا وإن صوتها ليس عالياً، فصمت. شعرتُ في تلك اللحظة أنني أقوى إنسانة على وجه الكون، فهذا الموقف أخذ مني سنوات ليصبح كما هو عليه اليوم. شعرتُ بالانتصار».

أيقنت غصون أن سنوات عديدة كانت قد ضاعت من حياتها، بين تلبية رغبات زوجها وبين حبسه لها، وبين حرمانها من رؤية العالم ومن العيش، ولكنها قررت أن تضيع السنوات المقبلة وحدها مع فتياتها، بين العيش والحلم والعمل والطموح والنجاح. قررت أن تترك العنف خلفها، وتجرأت بعد كل ما تعرضت له على أخذ قرار الانفصال والابتعاد عن الأذى. فقد وجدت نفسها أخيراً حرة، مستقلة ومُنتجة. أصبحت أقوى، أكثر جرأة. لم تعد تهابه، أو تخشى أن تأخذ قراراً في حياتها الخاصة. كل ما مرّت به من أوجاع «جعلها أقوى»، أكثر إصراراً وحرصاً على أن تعيش أخيراً وأن تجد الهناء والطمأنينة.

أخذت غصون وقتها في البحث عن منزلٍ خاصٍ بها وببناتها في منطقة مختلفة، واختارت أثاثه وألوانه كما تمنت دوماً، وأعطت عنوانه لمن تحبهم وتثق بهم، وبقيت فقط الخطوة الأخيرة، التي تفصلها عن حياتها الحقيقية، وهي الانفصال؛ الخطوة التي تنتظر الوقت المناسب لها دون أن تتأثر الفتيات، ودون أن تخشاها بعد اليوم، ودون أن تخشى زوجها الذي بات واثقاً أنها النهاية، واستسلم للواقع كما شرحت.

«سآخذ بناتي ونعيش بعيداً عنه. أنا اليوم قادرة على تأمين حياة مميزة لهنّ، قادرة على حمايتهنّ من الضرب والعقد النفسية والكره. أريد لهنّ الشجاعة وقوة الشخصية والاستقلالية، وأن يقررن ما يجدنه مناسباً عندما يكبرن كما أصبحت أنا اليوم، قوية وناجية»، تقول غصون، وترى أن من حق كل سيدة وفتاة أن تعيش في بيئة آمنة، وأن تعبّر عن رأيها وشعورها دون أن تندم لاحقاً. من حق الانثى أن تعيش طفولتها وتتعلم وتؤسس بنيان حياتها وتضع «الديكور» الذي يناسبها هي فقط، وأن تتسلح بالعلم والاستقلالية المادية لتشق طريقها بثقة. على كل أنثى أن تحارب وتقف في وجه العنف، وتنجو.

موقع الجمهورية

——————————–

شهادات من نساء إدلب وإليها/ زينة قنواتي

تدخل إدلب عامها الجديد تحت وطأة التهجير والقصف، ورغم وقع هذين الفعلين العنيفين إلا إنهما أصبحا أمرين أشبه بالعاديين بالنسبة لمسامع السوريين، بل ومسامع العالم بأكمله.

لكن الأمر مختلف بالنسبة لقاطني إدلب من المدنيين والمدنيات، فبعضهم كان قد تهجر سابقاً من غوطة دمشق أو من ريف حلب، أو حمص أو من مناطق أخرى، ليستقر بعض الوقت في مدينة #إدلب وأريافها، ويبدو حال الاستقرار في حضرة الحرب أمراً مستحيلاً، فالبقاء بكل أشكاله يتطلب نضالاً جماً، سواء كان بقاء في الأرض أو البيت، أو بقاء على قيد الحياة.

كيف يمكننا اليوم أن نحب إدلب أكثر ؟

ترتبط المدينة بصور الدمار، رغم محاولات العديد من الجهات الصحفية بإظهار صورة مدنية مسالمة عن سبل العيش، وعن عائلات و #نساء_إدلب، وعن كل تجارب المقاومة من أجل الحياة، إلا إنها حتماً ترتبط في الذاكرة بأسماء الجبهات و الفصائل المتطرفة التي سيطرت عليها،  كما تجلب إلى الذهن صور القصف والأشلاء، الجثث والدماء، والكثير الكثير من المعاناة، التي رغم ثقلها أصبحت مكررة ضمن القصة السورية التي تواجه نوعين متطرفين، أحدهما لا يأبه بها، والآخر يتوارى عنها خوفاً من قسوتها والمأساة التي تحرضها في داخله.

ولكن هل يمكننا أن نحب إدلب أكثر، نحن الذين نعمل معها ومن أجلها كل يوم؟ بخلفياتنا الثقافية والدينية والطائفية المختلفة؟ وهل يمكننا أن نوصل صوت هؤلاء الذين يشبهوننا في إدلب إلى العالم كي يحبها أكثر ويكون لو لمرة واحدة حنوناً معها؟

٢٤ ساعة أخيرة في معرة النعمان

تتحدث  ربيعة عن آخر يوم لها في #معرة_النعمان منذ أسبوعين، وكانت قد حاولت البقاء هناك أطول مدة ممكنة في محاولات جاهدة لإنكار الموت الذي يستهدف السكان في إدلب. لكن هذه المرة كانت مختلفة عن كل ما سبق. تقول بغصة ” اليوم الأخير بالمعرة كان يوم كتير صعب، ما في كلمة بتوصف يلي صار”.

ظنت ربيعة أن الفجر لن يطلع على المدينة في ذلك اليوم فالقصف بدا أزلياً، والنهار التالي أصبح أبعد مما يمكن انتظاره. فيحمل شروق الشمس قرارها الحاسم بلزوم مغادرة معرة النعمان، والنزوح منها نحو منطقة أقل #خطراً، ترددت كثيراً، فلم تكن قد جهزت أحمالاً معينة ليوم الرحيل.

تقول ربيعة: “عندما يسألونني عنها أقول المعرة تحترق، أرى أشعة النار وأذكر الجملة الشهيرة: : الأسد أو نحرق البلد، ويحترق قلبي مع مدينتي أيضاً”. لملمت ربيعة أوراقها الثبوتية والوثائق الضرورية في حقيبة يدها، وأخذ أطفالها يضعون بعض ألعابهم في حقائبهم الصغيرة. وتحمل طفلتها الصغيرة كراس الروضة الذي عملت عليه بجد طوال العام والذي حمل كل إنجازاتها، ودليلها الوحيد على أنها قد كبرت وتعلمت الكثير، تعلمت أيضاً أن تحمل ما يلزم عند النزوح، فبعد اضطرارهم لترك المنزل عدة مرات بسبب القصف، تتأفف الصغيرة: “كل مرة نزوح..وبعدين؟”.

يعلو صوت صراخ من خارج المنزل: “اشتغلت الراجمة”. يرتعد قلب ربيعة وتهرع للهرب بعيداً جداً قبل استكمال كل الحقائب.. تترك ربيعة قلبها مع أغراضها. وتحمل الذكرى ثقيلة في قلبها اليوم. فالمنزل قد تم نهبه بعد خروجهم منه.. تلك المنازل التي لا تقصف تتم سرقتها. وبيع أغراضها بأثمان زهيدة طلباً للعيش. فلا مكان للعدالة في أرض المعركة. ” تبدو الرحلة هذه المرة رحلة نحو المجهول، تركتُ قلبي في المعرة، فرحلتي لا تبدو رحلة قصيرة.  تتضارب الأفكار في ذهني. أين سينتهي بي المطاف مع أولادي؟ هل سنجد منزلاً يأوينا؟”

تستكمل ربيعة وصفها للمدينة في لحظة الوداع. “بدت مدينة أشباح خالية من سكانها، تضج فيها أصوات الصواريخ والضربات المتوحشة، لا شيء يقطنها سوى الموت الذي يرفع صوته فوق كل صوت. ” وتسأل نفسها إن كان بإمكانها أن تبقى لو بقي الجميع؟ لكن من بقي كان ميتاً. أصبحت مدينة خاوية.

لا يمكن أن تشبه إدلب اليوم مكاناً آخر، لكل مدينة طعم ورائحة وطريقة حياة. أما إدلب فلها طعم الموت ورائحة الخواء المفزعة، لا تشبه مكاناً يمكن أن يسكنه بشر.

تقول ربيعة عن من تعرفهن من #النساء “نحن المناضلات الحقيقيات في إدلب، ليس وحدنا، عائلاتنا وأطفالنا قبل أي أحد. نعيش تهديداً لحظياً بالموت و #التهجير منذ سنوات، ونصمد طلباً للحياة التي نستحقها. نستحق اليوم أكثر من أي وقت الحياة العادلة والكريمة. لقد أنهكنا التعب نحن نريد #السلام.”

ماتزال ربيعة، بعد مرور أسبوعين على خروجها من معرة النعمان، تبحث مع عائلتها عن منزل يأويهم.

من بقي في سراقب؟

تتحدث سمر وهي المسؤولة عن عائلتين، فمن خلال عملها كمدربة للصوف والحياكة كانت معيلة أساسية في منزلها. “سراقب فتحت بيوتها للنازحات والنازحين منذ عدة سنوات، ولكنها اليوم تواجه حملة عنيفة من قصف النظامين الروسي والسوري. تهجّر معظم سكانها، لا يمكن أن يعيش الإنسان تحت القصف.. “يا ماما خبيني دخيلك تحت الحرام”، يصرخ ابن أخي ذو التسعة أعوام  ونتماسك جميعاً كي لا يزداد خوفه، ويرتجف تحت الغطاء. وأفكر بالضباع التي بدأت تقطن المنازل المهجورة اليوم. وأتذكر قصص جدتي عن الحيوانات المفترسة التي تدخل البيوت المهجورة ليلاً.

تؤكد سمر أن بقاءهم في سراقب ليس شجاعة أو عملاً بطولياً، ولكنه يستحيل على الجميع أن يغادروا ضمن غلاء إيجارات البيوت في المناطق المجاورة. وهي تعي جيداً أن البقاء يهدد حياتهم اليوم، لكن العراء ليس مأوى ولن يكون. ويبدو الحال أصعب من أن يُصدق فالخيارات تنحصر بمحاولة النجاة في مدينة تتعرض للقصف، وبين خيام تغرق تحت أمطار الشتاء، أو بين الحقول والبساتين المفتوحة للسماء.

كم تشبهنا نساء إدلب؟

لا تسألنا نساء إدلب هذا السؤال، فهن لا تملكن متسعاً من الوقت للتفكير بمن خرجن وتهجرن قبلهن، لكنهن يشعرن بالانتماء لمن يتضامن معهن ويشاركهن المأساة وكذلك الأمل.

تؤكدن يومياً على رغبتهن بالاستمرار وعلى الرغبة بالوجود، من خلال الصحافة والصورة والصوت والرسائل . ونسأل نحن أنفسنا كنساء تعشن حياة آمنة خارج سورية عن مدى تشابهنا بهن، وعن سبب إهمال العالم لأصواتهن وانتباهنا لها؟

ويبدو الأمر كأنه كرة ثلج تبدأ صغيرة من خلال رسالة أو ورقة أو صورة رقيقة. وتنتهي بارتباط عميق بين حياتنا وحياتهن، فما يحملنه من أعباء يشبه أحمالنا وما يقلقهن يثير خوفنا. ولاداتهن في هذه الظروف، انعدام الخدمات الطبية واقتصارها على إسعاف الحالات الحرجة المتأثرة بجراح المعركة. أمراضهن والتوتر الذي يرافق انعدام الاستقرار، والتغيرات الهرمونية التي تقلب أجسادهن. حكاياتهن قبل النوم، وعملهن الدؤوب لإعالة أسرهن، وآثارهن الصغيرة التي يتركونها في كل منزل وفي كل شارع. ما يشبهنا أكثر من أي شيء هو رغبتهن بالحياة.

قصة قصيرة

تصطحب ربيعة أطفالها في غفلة من القصف والمعركة، وتخاطر بلحظات الهدوء القليلة لتصحبهم  في رحلة سريعة نحو البرية القريبة. يختلس الجميع لحظات صغيرة من الحياة التي لا تخضع لقانون الحرب العاتية. ويصادفون سلحفاة كبيرة تسير على العشب. فيحملونها معهم لحمايتها.

وتستمر الحياة هكذا. من إدلب وإليها.

(جميع النساء اللاتي تمت مقابلتهن ضمن هذا المقال من فريق منظمة النساء الآن من أجل التنمية داخل سورية)

موقع الحل

—————————

نريد أن نوصل صوتنا إلى الله”… شهادات من تحت القصف في إدلب/ لؤي هشام

حين يصبح الإنسان تحت وطأة العدوان، ينتشله قدر من التضامن والتعاطف من بعض أهواله ويمنحه دعماً في قضاياه، لكن حين يُقتل بصمت، ويدير الكل ظهره بينما تنهال القذائف على رأسه، فربما حينها يكون التغاضي أشد وطأة من الطغيان.

في أقل من شهر اضطر نحو 284 ألف شخص للنزوح من جنوب إدلب، بحسب الأمم المتحدة، إثر اشتداد قصف الطيرانين الروسي والسوري على المدينة، في إطار محاولة انتزاع سيطرة المدينة من هيئة تحرير الشام، وفصائل أخرى أقل نفوذاً.

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إنه في ظل موجة النزوح الأخيرة، يجري استخدام الجوامع والمرائب وصالات الأفراح والمدارس لإيواء العائلات، محذراً من أن الأماكن المتاحة قد لا تكفي، نظراً لحجم النزوح الضخم.

تلك الأزمة الإنسانية تطرح عدة تساؤلات مثل: كيف تبدو الحياة في إدلب وكيف يعيش أهلها وسط كل تلك الأهوال؟ فيم يفكرون والأهم ما شاهدوه؟

عن الحياة أو ما يشبهها، تحدثت مع ثلاثة من أهالي إدلب، ليمنحوا صورة عن حيواتهم بعيداً عن الأرقام، والتي وإن مثلت مؤشراً واضحاً عن الأزمة إلا أن لغة اللسان تظل أكثر بلاغة.

“تغيّرت حياتنا”

في البداية حدثنا رياض فرحات، وهو شاب يبلغ 20 عاماً من قرية حاس بإدلب، نزح منها بعدما قصف الطيران الروسي منزله، ويمسك بزمام قصته قائلاً لرصيف22: “الثورة هي أمر الله ولكن عيشتنا قبلها أفضل من هلق، فقدنا الأمن والأمان. كانت بالبداية ثورة ولكن عندما دخلت الجهات الغربية خربوها وسرقوها”.

ويشير إلى المعاناة المبكرة: “أبي كان مساعد أول بالأمن وانشق في 2011 وكانت عيشتنا طبيعية. حتى قبل رمضان الماضي بشهر ما كان في طيران أو قصف كان الدولار بـ500 ليرة سورية، ولتر المازوت بـ300 ولتر البنزين بـ400، وربطة الخبز بـ150 ليرة، ولكن بعد الهجمة صار كلشي غالي وتغيرت حياتنا”.

يوضّح رياض: “القصف الأول بدأ قبل رمضان بشهر، وتحملنا حتى أتى الشهر، ووقتها صار القصف أكثر ولكن النزوح وقتها كان أمراً صعباً، وفي الثالث من رمضان تسبب القصف في استشهاد ابن عمي وإصابة أخيه. كانت أيام صعبة كتير”.

ويتابع تفاصيل قصته: “وقت القصف كنا نروح على بيت عمي إذ يتكون من طابقين. حالة من الخوف والفزع اختبرناها لأول مرة، بتذكر أصوات بكاء الأطفال. كانت أياماً عصيبة جداً، ما كنا نقدر نروح نجيب خبز ومستلزمات البيت، وطبعاً ما في مدارس ولا أشغال… ضلينا هيك كل يوم قصف ونهرب نتخبى حتى جاء يوم 18 رمضان لما ضربت إحدى الطائرات بالقرب من بيتنا واخواتي الصغار عم يلعبوا بالخارج. أختي الصغيرة عمرها 3 سنوات استشهدت، وأخي عمره 10 سنوات أُصيب ولهلق ما بيحسن يمشي على أقدامه”.

يواصل فرحات بإسهاب وكأنما أراد من يسمعه: “كلشي تغير معنا منذ تلك اللحظة، وهون نزحنا من ضيعتنا برمضان. ضل القصف مستمر لعيد الأضحى، ورجعنا للضيعة عالعيد. بقي الوضع هادئ وما في شي، ولكن من شهرين بلش القصف من جديد. قلنا ما بدنا ننزح بدنا نشتي في بيوتنا. بقيت صامد حتى انقصف منزلي، وأحمد الله إنه ما كان حدا من أهلي فيه”.

على بعد عدة كيلو مترات من بلدة حاس، لا يبدو الوضع أفضل حالاً. مع بداية السنة الجديدة استمر الطيران الروسي في قصف إدلب، وفي الأول من كانون الثاني/ يناير تم استهداف مدرسة ببلدة سرمين، وتوفي 8 أشخاص منهم 4 أطفال.

“بدنا ننام بهدوء”

يعيش عبد الرحمن محمد، وهو إعلامي ميداني، كما يعرّف نفسه، على بعد كيلو متر واحد من بلدة سرمين، وفي حديث لرصيف22، قال: “من شهر وحتى اللحظة آلاف العائلات تنزح باتجاه الحدود السورية التركية ولم يرحموها من القصف الذي طال الطرق الدولية. الوضع سيئ جداً وآلاف العائلات لا مأوى لها في برد الشتاء، أحدثك بينما الطيران الروسي في الأجواء، ولا أعلم إن كان علينا أم على غيرنا”.

ويتحدث عن أكثر الجوانب قتامة في القصة، مضيفاً: “حقيقة ما يحدث غيّرتنا كثيراً، صار موت الإنسان كأنه أمر عادي. الكل ساكت وما بيحكي، والله العظيم ملينا الموت والدم الذي بات أقل من العادي… أبي استشهد أمامي ووالله العظيم ما لقينا منه شقفة لحم بسبب قوة القصف”.

ويتساءل: “وينه الضامن التركي؟ ما حدا عم يحكي، العالم عم بتموت، اللي ما بيموت من القصف بيموت من الجوع واللي ما بيموت من الجوع بيموت من البرد واللي ما بيموت من البرد بيموت على الطرقات… ليش هذا السكوت؟!”.

ويتابع: “خلال هذا الأسبوع كدت أُقتل خمس مرات، بطلع وبروح عملي وما بعرف إذا بشوف عيالي تاني أم لا… حالة الخوف لا توصف والكل تعود على الدمار، إذا مرت نصف ساعة بدون قصف أصبحنا نستغرب، ونتساءل: ليش ما قصفوا؟! لا راح نسأل على مجتمع دولي ولا حكام العرب عملاء الغرب، بإذن لله باقين في إدلب وما راح نخرج إلا على جثثنا”.

يضعنا عبد الرحمن في الصورة أكثر شارحاً: “المناطق اللي ما نزحت حتى الآن مثل منطقتنا ما عندهم قدرة على النزوح. الحدود الشمالية السورية التركية إيجار البيت فيها 200 دولار في الشهر يعني تقريباً 150 ألف ليرة، والعامل اللي بيشتغل ما بيقضي حتى لقمة العيش لأولاده، كل شي غالي، المازوت صار اليوم بـ 800 ليرة، يعني العامل بيشتغل يوم كامل من أجل لترين مازوت لتدفئة أسرته”.

ويتابع: “حتى اللي ما نزح ما بيقدر يعيش، العالم عم تستنى المعونة بالشهر من المنظمات بس لتقدر تعيش. أعرف ناس ما عندها خبز تاكل وأولادها بدون سترة في هذا البرد القاسي. إما القتل تحت القصف وإما النزوح بإيجار 200 دولار إن وجدت المنزل أساساً، إذ أعرف من يبحثون ولا يجدون، أما مدينة مثل معرة النعمان التي كان يقطنها أكثر من 300 ألف شخص فصار ما فيها حدا”.

ويختم حديثه: “مخنا تعب من التفكير والحكي. ما يهمني أن نظهر للخارج شو الوضع في إدلب، بس بدنا نرتاح وننام مع أطفالنا نصف ساعة في هدوء”.

“عندما يريد الله سيتغيّر كل شيء”

مع إظهار رياض وعبد الرحمن رغبتهما في الحديث إما تنفيساً أو نقلاً للواقع، لا يبدو إبراهيم ناجي (اسم مستعار)، من ريف إدلب الجنوبي، متحمساً للحديث معي، ومع محاولاتي استكشاف السبب، جاءت كلماته التي حملت بين ثناياها حقيقة لا داعي لنكرانها.

وقال: “التقرير أو المقال يلي رح تبني عليه كلامي واضح للعالم ككل. أنا صحفي ولكن لا مكان للصحافة من كل ما يحدث، هذه سياسة دول كبرى بأقلام حكام ظلمة وبتوقيع مرتزقة. الوضع واضح بالشاشات وفي كل ساعة، ماذا تتوقع؟ شعب يقصف بالطائرات وكافة أنواع الأسلحة وعلى أعين الناس أجمعين؟ ولا يحدث شيء”.

ويشير إلى كلماته التي اعتقد أنها من الصعب أن تجد مساحتها: “بصراحة يا صديقي، الصورة واضحة ولا أحد يريد أن يرى. بشكرك على تعاطفك ولكن عندما يريد الله سيتغير كل شيء، إذا كان هناك من نريد أن نوصل صوتنا له فهو الله”.

ويختم إبراهيم: “عندما تُحل القضايا السياسية تُحل جميع القضايا. لا نريد إصلاحاً من قاعدة الهرم، فهناك ملايين الفيديوهات التي توضح الحال والمأساة. كتبت الكثير من المقالات ولكن استفدت فقط من ثمنها لا أكثر ولا أقل، ومنذ 3 سنوات توقفت عن الكتابة”.

رصيف 22

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق