سياسة

عن مهزلة الرد الإيراني على مقتل سليماني -مقالات مختارة-

ضحايا عدم الرد الإيراني/ عمر قدور

لم يكن الرد الإيراني، بقصف ناعم لقاعدتين أمريكيتين، غير متناسب فحسب مع القصف الأمريكي الدقيق والفعال الذي سبقه. الرد الإيراني كان أشبه بالمهزلة قياساً إلى الدعاية الإيرانية ذاتها، وقياساً إلى الوعيد الذي أُطلق من قبل طهران وتابعيها هنا وهناك. أول ما يجوز قوله أن طهران كانت بغنى عن التركيز على دور ومكانة سليماني، ليظهر الانتقام له بخساً جداً، وربما يرسل إشارات ليست في صالحها، لا لخصومها فقط وإنما أيضاً لرجالاتها الذين يشغلون مواقع حساسة في الداخل والخارج.

قد يبدو سهلاً “نظرياً” أن يبتلع جمهور الممانعة هذا الاكتفاء بالرد، لأنه جمهور مطواع، وقد يمنح عدم الرد الأمريكي على القصف الإيراني الرمزي نوعاً من السلوى لمن يريد تأويل الاكتفاء الأمريكي بتخوف واشنطن من مواجهة غير محدودة. لكن تصريح ترامب الذي تلى القصف الإيراني حمل رسالة مزدوجة يجدر قراءتها جيداً، فهو من جهة أنهى مناخ التصعيد العسكري، ومن جهة أخرى أعلن عن رزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية التي ستُفرض على طهران. وإذا أخذنا حصيلة الجولة الأخيرة فهي اغتيال سليماني “بكل ما نُسب له من تأثير واعتبار”، مع فرض رزمة جديدة من العقوبات، مقابل صفر من الخسائر الأمريكية.

لعل فرض عقوبات جديدة هو أكثر إيلاماً من أي ضربة عسكرية أمريكية جديدة، فالتصعيد المتدرج الذي بدأته طهران أتى في الأصل رداً على العقوبات الأمريكية التي أعقبت انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي. كما نذكر، استهلت طهران التصعيد بالعديد من الهجمات على منشآت سعودية، منها آرامكو، وتوالت تهديداتها لحرية الملاحة في الخليج مع ما يعنيه ذلك من آثار على تدفق النفط، لتأتي أخيراً مهاجمة السفارة الأمريكية من قبل وكلائها في العراق. الأنشطة الإيرانية كانت نوعاً من اختبار لعزم ترامب، وكسبت فيه طهران عندما لم يتحرك للدفاع عن الحلفاء في المنطقة، الأمر الذي شجعها على محاولة فرض قواعد اشتباك جديدة تتضمن التحرش المباشر بالوجود الأمريكي.

ما بات واضحاً أن ترامب أعاد طهران إلى القواعد السابقة، أي أنها لن تكون قادرة على التعرض المباشر للوجود الأمريكي تحت طائلة التهديد بضربات أمريكية أقسى. نتنياهو كان واضحاً بدوره، فهو قد أنذر حكام طهران بردّ قاس، في حال فكروا بتوجيه ضربة عبر حزب الله ليتم الترويج لها كاستكمال لثأر سليماني. باختصار، على طهران تحمّل العقوبات القديمة والجديدة من دون تصعيد جديد تستخدمه في التفاوض، لأن المطلوب في عهد ترامب مختلف عمّا كان مسموحاً به في عهد أوباما.

ما سبق لا يعني أن حكام طهران سيتخذون وضعية السكون، وأن اغتيال سليماني كفيل بتغيير السلوك الإيراني في المنطقة. أول ما سيلعب عليه هؤلاء هو عامل الوقت، إذ من المتوقع أن يحاولوا قدر الإمكان تحمّل ما تبقى من ولاية ترامب بأقل الخسائر الممكنة. ما يدعم تصورهم هذا رد فعل قيادات الحزب الديموقراطي، ومنها المنافس المحتمل جون بايدن، حيث أجمعت تصريحات الديموقراطيين على لوم ترامب، بل لم يتطرق أحد منهم لا إلى مهاجمة السفارة الأمريكية، ولا إلى الفظائع التي ترتكبها الميليشيات الإيرانية في عموم المنطقة والتي كانت تعمل بإشراف القتيل. إذاً، هناك أمل بأن تأتي الانتخابات الأمريكية بعد عشرة أشهر برئيس ديموقراطي يعيد نهج أوباما، وربما يعود إلى الاتفاق النووي الذي أبرمه الأخير من دون قيود إضافية تُذكر.

الرد الإيراني المستعجل والمتهافت كشف فيما كشف عن عدم استعداد طهران لوجستياً لمواجهة مباشرة مع واشنطن، أو استبعادها هذه الفرضية من أساسها. الترسانة العسكرية التي يُلوَّح بضخامتها وفعاليتها، بصرف النظر عن تواضعها بالمقارنة مع القوة العسكرية الأعظم، هي معدَّة وموجّهة لأهداف أخرى في المنطقة تتناسب مع المشروع التوسعي الإيراني، وقد يكون بعضها الآخر معدّاً للاستخدام كخيار مدمّر في المنطقة، فقط إذا تعرّض النظام الإيراني لتهديد وجودي.

الرد المدروس المتمهل سيأتي، وسيكون ضمن قواعد الاشتباك التي لم تفلح طهران في تغييرها، أي في الساحات التي لا تعطي ترامب أية ذريعة مباشرة. لقد رأينا مثالاً على ذلك من قبل بعدم رد طهران على الغارات الإسرائيلية التي استهدفت ميليشياتها في سوريا، وكيف تولت أذرعها الإعلامية تسويق الرد عليها بأنه يأتي بضرب “عملاء إسرائيل” السوريين. هذا النوع من التحايل على المواجهة المباشرة سيكون حاضراً بقوة، لضرورته لإقناع جمهور الممانعة بعد العرض الهزلي الأول، ولضرورته التي تمس ما أصبح جوهر النظام الإيراني، أي تباهيه أمام الشعب الإيراني بمشروعه الإمبراطوري تبريراً للتدهور الاقتصادي المريع.

ساحات التحرك الإيراني جاهزة، ولن تكون هناك حاجة لفتح جبهات إضافية، والعراق بدأ بالتحول إلى ساحة مواجهة ستكون صعبة على العراقيين. الضحية الأولى للمواجهة هي الثورة العراقية التي اندلعت على الضد من الهيمنة الإيرانية، وكانت قوات الحشد الشعبي قد بدأت مواجهتها بدموية وبإشراف شخصي من قاسم سليماني. الآن، ثمة دافع أكبر للاستمرار بما كان يفعله سليماني، والعراقيون الذين انتفضوا سيكونون إما أمام خيار الصمت والعودة إلى بيوتهم أو التعرض إلى منسوب أعلى من البطش، والهدف هو استعادة الهيمنة أقوى مما كانت عليه، وعلى نحو خاص إعادة شيعة العراق إلى بيت الطاعة بالترهيب وباللعب على وتر العداء لأمريكا.

لبنان أيضاً قد يكون ساحة للتصلب الإيراني، فحاجة حزب الله لتأكيد سطوته باتت أشد مما كانت عليه قبل اغتيال سليماني. وإذا كانت حساسية الوضع اللبناني تمنع مواجهة دموية على النمط الذي يدفع العراقيون ثمنه فهي لا تمنع المضي أقوى بتجاهل مطالب المنتفضين اللبنانيين، أو بالأحرى معاقبتهم بحكومة معزولة خارجياً في وضع تشتد فيه الحاجة إلى مساعدة الخارج للخروج من الانهيار الاقتصادي. تهديد زعيم حزب الله بأن الدولة قابلة للإفلاس من دون أن يتأثر حزبه قد يوضع في التنفيذ لحاجة طهران إلى هذه الورقة، فمن البوابة اللبنانية تأمل بوساطة أوروبية “فرنسية تحديداً” بينها وبين واشنطن. من المستبعد أن يسعى حزب الله إلى فتح مواجهة مع إسرائيل، لتحريك مياه التفاوض، الجبهة المرشّحة لهذا الاحتمال بقوة هي جبهة غزة، ولن تُفتح بهدف التفاوض وإنما بهدف تسجيل نقاط معنوية “فولكلورية” لمحور الممانعة، والفلسطينيون سيدفعون ثمناً باهظاً لأي استعراض مقبل.

بالطبع لا ننسى الساحتين السورية واليمنية، حيث تنشط ميليشيات إيران منذ سنوات، ومن المتوقع أن تصعّد نشاطها العسكري في اليمن على نحو خاص، وأن تتصلب طهران سياسياً في سوريا لأن تحركها العسكري محكوم بالتفاهم مع موسكو. في الأشهر العشرة التي تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ستستخدم طهران كافة أوراقها في المنطقة، مع الحرص على أن يكون الضحايا فقط من أبنائها، والتسويق لأي فعل على أنه ضمن ثأرها لسليماني، وقد يصحّ هذا حقاً ما دام ضحايا القتيل هم أنفسهم سواء كان حياً أو ميتاً.

المدن

———————-

رد إيران الحقيقي/ ميشيل كيلو

على امتداد عقود، دأب قادة الحرس الثوري والجيش الإيراني على التهديد بـ”الردود المزلزلة” التي سيتلقاها كل من يستخفون بأرواحهم من الحمقى، الذين قد يفكّرون ولو مجرّد تفكير بالانخراط في نزاع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أو قد يغامرون بتحدّيها. وكان ساسة إيران يعزّزون هذا الخط بما يدلون به من تصريحات، ويعتمدونه من مواقف متشدّدة في أي قضيةٍ تتصل بشأن من الشؤون التي يمنحون بلادهم الحق في التعامل معها، انطلاقا من مصلحة قومية من غير الجائز التهاون فيها، بما أنها تستمد قيمتها من قدسيةٍ مذهبيةٍ تلزم من يتولون تحقيقها باجتهادات مرشدٍ دينيٍّ معمم، تقول أيديولوجية الجمهورية الرسمية إنه معصوم، لأنه ينوب في ما يصدر عنه من أقوال وأفعال عن إمامٍ معصوم، هو على الرغم من غيابه منذ قرون “صاحب الزمان وإمامه”.

بمقتل الإمام العسكري للجمهورية الإسلامية، قاسم سليماني، انطلقت كالعادة موجات ردودٍ توعّدت واشنطن بضرباتٍ مزلزلة، فخشي العالم نشوب حربٍ قد تتطاير شرارتها لتشعل نارا عالمية. لكنه ما أن وقع الرد، حتى تبيّن أن طهران أبلغت من ستزلزلهم بموعده، عبر وزير خارجيتها، محمد جواد ظريف، ورئيس وزراء العراق، عادل عبد المهدي، وأن قادة الحرس الثوري حرّكوا صواريخهم بطرقٍ سمحت لواشنطن بمتابعتها، ومعرفة وقت إطلاقها وهدفها، واختاروا من ترسانتهم الصواريخ الغبيه والأكثر غباءً التي لم يصل بعضها إلى هدفه، بل سقط على بعد كيلومترات منه، ولذلك لم يقتل أي أميركي، التزاما بتصريحٍ لترامب، جعل قتل أميركي واحد خطّا أحمر إن اجتازته إيران دمر مرافقها الحيوية.

هذا الرد الذي خيّب آمالنا لأنه ليس ردا، وصفه قائد الحرس الثوري بالمزلزل، بينما أعلن وزير خارجيتها ظريف أنه متكافئ مع قتل سليماني وكاف، واعتبره المرشد صفعة لواشنطن التي أعلنت أنها لم تشعر به ولم يؤلم خدّها. عندئذ تساءلنا مع العالم: أهذا هو الانتقام لمن قال حسن نصر الله إن قتل ترامب لا يكفي للانتقام له، لأن حذاءه يساوي خمسين ترامب؟ ألم يدرك قادة إيران أن هدف ترامب من قتل سليماني كان تحدّيهم إلى أقصى حدود التحدّي، وكشف حقيقة قوتهم، التي لطالما استهان جنرالاته بها، وهم يؤكّدون أن إيران هي أضعف قوة إقليمية في عالم اليوم، فانتظرنا أن يكذّبهم الرد الذي لا بد أن يكون مزلزلا بالفعل، بالنظر إلى هوية القتيل ومكانته، ولأن الرد سيكون الأول في أخطر اشتباكٍ استفزازي، بادرت واشنطن إليه، بضربتها العسكرية التي دفعت الأمور إلى حافّة الحرب، واعتبرت أقسى ما يمكن أن يوجّه من ضرباتٍ إلى الجمهورية الإسلامية التي لا مفر من أن تردّ عليها بأقصى قدر من قوتها التي أعلن عنها المتخصّصون بالضربات المزلزلة من قادتها.

لم تقع الضربة. يقال إن طهران تفادت، بذكائها المعهود، نتائجها الكارثية، بتركها أذرع قاسم سليماني المنتشرة في العالم تتولى تسديد ضرباتٍ متلاحقةٍ للوجود الأميركي، تستهدف اقتلاعه من المنطقة بكاملها.

هل سيحدث هذا؟ لا أعتقد، لأن ما منع إيران من الرد كان خط ترامب الأحمر الذي جعل قتل أميركي واحد بيد إيران أو أتباعها سببا لقتل الجمهورية الإسلامية التي تبيّن أنها عاجزة حقا عن الرد بسبب ضعفها الذي أكده عدم ردها. ما هو البديل المتاح لطهران، وقد “ذاب الثلج وبان المرج”. إنه باختصار: إما ذهابها إلى مفاوضاتٍ موضوعها إعادة إنتاج سياساتها وأوضاعها، لتتفق مع ما تريده واشنطن منها، أو مواجهة انفجار شعبها الذي لم تحشده ليودّع سليماني فقط، بل ليكون ردها على عجزها العسكري، وإظهار قدرتها على الصمود، ريثما يأتيها عرض أميركي مقبول: هنا كمن الرد الإيراني، وهو مزلزل كغيره من الردود، لذلك رحبت واشنطن به، ولو إلى حين.

العربي الجديد

————————–

مِلْح الولي الفقيه: مَنْ يغشّ مَن؟/ صبحي حديدي

كان قاسم سليماني، قائد “فيلق القدس” ورجل الولي الفقيه الأبرز في المنطقة، أشهر خسائر التناطح الأخير بين واشنطن وطهران؛ يليه أبو مهدي المهندس، الشخصية الأبرز في “الحشد الشعبي” العراقي، المحتسب على إيران أكثر من العراق، موطنه الرسمي. ولقد اتضح، بعد ساعات قليلة من إسدال الستار على فصلَيْ التناطح، بين مطار بغداد الدولي وقاعدة عين الأسد العراقية، أنّ 176 آدمياً، ركاب الطائرة الأوكرانية التي أسقطها صاروخ “الحرس الثوري” الإيراني في سماء طهران، كانوا أقلّ الضحايا شهرة؛ بل يصحّ التذكير بأنهم من طراز الضحية مجهولة الهوية، إلا عند ذويهم بالطبع.

خطأ بشري، في وسع المرء أن يصدّق الرواية الإيرانية هنا تحديداً، ولكنه إقرار جاء بعد ساعات طويلة من نفي السلطات الإيرانية العلني لرواية إسقاط الطائرة، وهذا كذب وخداع وغشّ يستكمل نظائره في رواية طهران عن مقتل 80 جندياً أمريكياً في القصف الصاروخي الإيراني على قاعدة عين الأسد؛ وهو، استطراداً، لا يليق بجمهورية إسلامية يُفترض أنها مؤمنة بالحديث النبوي: مّنْ غشّنا ليس منّا. وإلى جانب هذا وذاك، ثمة مستوى من استغفال العقول يتوجب ان يندى له جبين أعتى وجوه “الممانعة”، خاصة وأنّ الكذب بات بالفعل ملح الممانعين الكبار القادة؛ ابتداءً من المرشد الأعلى خامنئي شخصياً، وليس انتهاءً بأمناء أحزاب الله الشيعية هنا وهناك!

هذا، من جانب آخر جوهري بدوره، ليس سمة أخلاقية تضع الصدق في مواجهة الكذب، فلا مناص للساسة وللسياسة من إدراج صنوف الغشّ في كلّ حين، وحيثما اقتضت الغاية اعتماد وسيلة كهذه؛ كما أنّ الممارسة هذه ليست حكراً على زعماء إيران، بل هي سارية وشائعة في أعرق الديمقراطيات (الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، في الطليعة)، قبل الدكتاتوريات وجمهوريات الموز. ثمة، مع ذلك، حدود قصوى في معدّل إطلاق الأكاذيب أو نفي الحقائق؛ كأن يقرر مكتب الوليّ الفقيه (الآمر الناهي، أوّلاً وآخراً) استمهال السلطات الأوكرانية وقتاً للتحقيق في سقوط الطائرة، بدل المسارعة إلى النفي؛ أو الإعلان عن مقتل 20 أمريكياً في قاعدة عين الأسد، مثلاً، وليس 80 دفعة واحدة. والبلد الذي يخصّب اليورانيوم ويوشك على صنع قنبلة نووية، أو يتفاخر ببسط نفوذه الصريح في أربع عواصم عربية وينتظر المزيد؛ يتوجب ألا يعجز عن إيجاد مخارج مقبولة، نسبياً، للتكاذب والمخادعة.

وليت الحال تقتصر على علاقة النظام الإيراني بالعالم الخارجي، إذْ أنّ “عادة” التلفيق تأصلت سنة بعد أخرى، ومناسبة تلو أختها، حتى باتت ديدن السلطة، من دون أية حاجة إلى تبرير أو اعتذار أو تصحيح. على سبيل المثال، في الانتخابات الرئاسية لعام 2009، التي تواجه فيها محمود أحمدي نجاد ومير حسين موسوي، أُعلن الأوّل فائزاً بنسبة 62 في المئة مقابل 34 في المئة لمنافسه. لكنّ الاعتراضات على التزوير لم تأت من الشخصيات “الإصلاحية” المتضررة من النتيجة، فحسب؛ بل صدرت كذلك عن رموز كبرى، ليست البتة في صفّ الإصلاح. أحد هؤلاء كان علي أكبر محتشمي، مؤسس “الحرس الثوري” والمشرف على إنشاء “حزب الله” في لبنان والسفير الإيراني الأسبق ـ والأهمّ، حتى إشعار آخر ـ لدى النظام السوري؛ الذي طالب بتشكيل لجنة عليا للتحقيق تزوير الانتخابات. الرمز الثاني كان زهراء إشراقي حفيدة آية الله الخميني، التي اعتُقلت بسبب احتجاجها على تزوير الانتخابات؛ والثالث كان… موسوي نفسه، ليس بصفته المرشح عاثر الحظّ فقط، بل الفتى المدلل عند الخميني، ورئيس الوزراء طوال الحرب العراقية!

طريف، أخيراً، أنّ أحداً من مفوّهيْ “الممانعة”، ذوي الألسنة الطوال في ذمّ المعترضين على أكاذيب الوليّ الفقيه وأمراء ميليشياته، لم يجد أيّ حرج في إعادة إنتاج التلفيق، ثمّ ابتلاعه بعدئذ حين انكشفت سوأته، في انتظار إعادة تدويره مجدداً على هيئة غشّ مستحدث؛ فذاك الذي يغشنا منّا وفينا أوّلاً، وأصلاً، فما بالك أنه وليّنا وسيّدنا!

القدس العربي

——————————–

أبعد من ردّ عسكريّ!/ حازم صاغية

تعاقبت الردود الإيرانيّة غير الموفّقة على مقتل قاسم سليماني ورفاقه. جنازته التي أريد لها أن تكون ردّاً جماهيريّاً مُدوّياً على الأميركيين انتهت إلى مأساة إنسانيّة. الصواريخ التي أُطلقت على موقعين عسكريين أميركيين لم تقتل أحداً. رواية الثمانين قتيلاً أميركيّاً التي عُممت وتلاها اتّهام واشنطن بإخفاء قتلاها، ما لبثت أن سُحبت من التداول. الحجج التي ذُكرت في التمييز بين قتل الجنود وإصابة المواقع أقنعت سامعيها بقدر اقتناع أصحابها بها. كارثة الطائرة المدنيّة الأوكرانيّة صار من شبه المؤكّد أنّها أهمّ ما أنجزته الصواريخ.

الردود الكلاميّة على الأميركيين كانت أقوى. اللسان بدا أنشط من الذراع. العبارات التي نُقلت عن المرشد علي خامنئي وعن بعض القادة العسكريين في إيران، والتصريحات الملتهبة التي أدلى بها صحافيّون وسياسيون و«استراتيجيّون» عرب تابعون لطهران، فاقت الصواريخ التعيسة صاروخيّة. لقد وعدتنا بردّ يُنهي الوجود الأميركي في المنطقة ويمهّد لما لا يقلّ عن تحرير فلسطين وإزالة الدولة العبريّة. بالمناسبة، كان هذا خطأ «تكتيكيّاً» فادحاً، إذ رَفَع سقف التوقّعات إلى حدّ يعجز أي ردّ جدّي عن اللحاق به. كيف، إذاً، والردّ لم يكن جدّيّاً؟

لقائل أن يقول: لكنّ إيران ستردّ بعد حين، وسوف يكون ردّها مؤلماً للأميركيين. ربّما. لكنّ ما حصل حتّى الآن، وقبله تراث الردود المشابهة التي عرفناها في تاريخ المنطقة الحديث، يقطعان بضرورة المراجعة لفكرة «الردّ». إنّها أبعد من عمل عسكري، فاشلاً كان أو ناجحاً. هي أبعد في الخلفيّات التي تتحكّم بها، وأبعد في النتائج التي تفضي إليها.

بلغة أخرى، ومنذ عشرات السنين، نحن موعودون بـ«ردّ» على الغرب وأميركا: «ردّ حضاريّ». «ردّ ثقافيّ». «ردّ اقتصاديّ». «ردّ سياسي وعسكريّ». البعض يريد أن يردّ على السنوات الإمبرياليّة في الـ150 سنة الأخيرة، وفي القلب منها نشأة إسرائيل عام 1948. بعض آخر تذهب به الرغبة إلى الحروب الصليبيّة والصراع على إسبانيا – الأندلس. التواريخ المختَلف عليها ليست مهمّة. الحماسة الجامعة هي المهمّة.

طلب «الردّ»، الذي تطمح الأعمال العسكريّة لأن تكون ترجمته التنفيذيّة، هو من أكثر الأفكار التي تناولها ودار عليها الفكر العربي والإسلامي منذ «عصر النهضة». مع هذا، لم يتحقّق أي نجاح حقيقي على أيٍّ من جبهات الردّ العتيد. ما حصل كان بالعكس تماماً: لقد بتنا أسوأ «حضاريّاً» وثقافيّاً وسياسياً واقتصادياً وعسكريّاً دفعة واحدة. التقهقر هو وحده ما يتقدّم.

هذا التثبّت عند الردّ مَرض مؤلم بما فيه الكفاية، إلاّ أنّه ناجم عن مرض آخر لا يقلّ إيلاماً وسطوة علينا: إنّه العجز عن استيعاب أسباب «تفوّق الغرب»، وبالتالي عن التعامل العقلاني مع هذا الواقع. إرجاع تلك الأسباب إلى «القوّة العسكريّة» أو إلى «النهب» أو إلى «المؤامرات» لا يمهّد لمثل ذاك الاستيعاب. إنّه يجعله أبعد وأصعب منالاً. ذاك أنّ ما لجأنا إليه هو تغييب شريط تاريخي مديد ومزدوج، يمتدّ، من جهة، من الثورة الزراعيّة فالثورة الصناعيّة وربط أجزاء العالم اقتصادياً، وصولاً إلى الثورة ما بعد الصناعيّة، كما يمتدّ، من جهة أخرى، من الإصلاحات الدينيّة والتنوير إلى الديمقراطيّة البرلمانيّة. هذا التغييب غيّبنا نحن، إذ لم يعمل لصالح إدراك أعلى لدينا، ولم يخدم عيشنا على نحو متصالح مع هذا العالم. لكنْ فيما اعتصمت شعوبنا بحبل الغضب الذي لا يسكّنه إلاّ «الردّ»، راح الحكّام يجنون ثمار الغضب و«الردّ» في آن معاً. أنظمة استبداد تعاقبت مسلّحة بشرعيّة هزيلة هي أنّها سوف «تردّ». في هذه الغضون، كانت المسافة تتّسع يوماً بيوم «بيننا» –نحن الذين سنردّ– و«بينهم» –هم الذين سنردّ عليهم. نظرة سريعة إلى التواريخ الكبرى في منطقتنا تُظهر أي شكل تتّخذه خريطة ردودنا على تنوّعها والاختلاف بينها: مع جمال عبد الناصر وصدّام حسين وحافظ الأسد والخميني وخامنئي، فضلاً عن «القاعدة» و«داعش». وجهة الانحطاط، انحطاطنا، التي سلكتها تلك الخريطة لا يرقى إليها الشكّ.

ولأنّ الردّ عزيز علينا إلى هذا الحدّ، فيما افتقارنا لأدواته فادح إلى هذا الحدّ، باتت التضحية بالبشر، انتحاراً أو نحراً، إحدى أهمّ صناعاتنا القليلة. بموجبها يموت الناس الموعودون بالردّ، ويغدو الزعماء الواعدون به أبطالاً تاريخيين.

إنّ ما حصل قبل أيّام قليلة بين الولايات المتّحدة وإيران يستحقّ أن يشكّل مناسبة أخرى تحضّ على مراجعة هذا الحصاد الرديء. فأنْ نتصالح مع هذا العالم، أنْ نعيش بشيء من السعادة فيه، أنْ نقلّل عدد من يموتون إرضاءً لتوقنا إلى الردّ، وإشباعاً لاستبداد من يقولون به، أمور تستحقّ وقفة تفكير.

الشرق الأوسط

——————————

فضائح إعلامية حول مقتل سليماني/ هنادي الخطيب

أمريكا قتلت قاسم سليماني، وإيران انتقمت شكليا بعد نحو أسبوع، فأطلقت بعض الصواريخ على أطراف قاعدة أمريكية في العراق، دون تحقيق أي إصابات أو حتى أضرار مادية.

انتهى الخبران الأول والثاني، وانتهى الأمر الذي شغل العالم كله بمنتهى الفرح كما قال وزير خارجية إيران: “هذا هو الرد.. انتهى كل شيء”.

الدولتان الأعداء انتهيتا من الفعل ورد الفعل؛ فترامب أراد إنهاء سليماني؛ وإيران أرادت بث مقاطع سينمائية لصواريخها وهي تنطلق نحو أهدافها، وحصلت عليها. لكن ما بين قتل سليماني وصواريخ إيران الخلّبية، ثمة أشياء إعلامية كثيرة حصلت لها دلالاتها المخجلة على أكثر من صعيد.

في ستينات القرن الماضي خرج عالم الاتصال ولتر ليبمان في كتابه “الرأي العام” بنظرة مختلفة عن وسائل الإعلام حين تحدث عن الصورة الذهنية التي تبنيها وسائل الإعلام في عقل الجمهور المستهدف والتي غالبا ما تكون صورا زائفة.

وفي ذات السياق رأى نعوم تشومسكي في كتابه “السيطرة على الإعلام – الإنجازات الهائلة للبروباغندا” أن لوسائل الإعلام دور كبير في تضليل الجماهير وتغييب عقولهم لتحقيق أغراض إيديولوجية وسياسية. فماذا ارتكب الإعلام الغربي أولاً مما يمكن تسميته “تضليل”، والإعلام السوري مما يمكن تسميته “تسخيف”.

اعتبر كثيرون من الإعلاميين الغربيين مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني حدثاً شديد الخطورة، بحيث توقعوا أن يؤدي إلى زلزلة المنطقة، بل ذهب بعضهم للحديث عن شبه حرب عالمية جديدة. غالبية هؤلاء انطلقوا إما من موقف أيدلوجي معادٍ لأمريكا بناء على توجه يساري قديم، أو من موقف سياسي معادٍ لترامب والجمهوريين، أو من موقف منتشر غربيا يرفض أي شكل من أشكال الحروب والعنف؛ وكل هؤلاء لم يهتموا بتاريخ سليماني الإجرامي كقائد سياسي وكممثل لنظام سياسي يمارس إرهاب الدولة في المنطقة؛ فصاغوا مواقفهم بناء على أكثر المنهجيات انتهازية “عدو عدوي صديقي”، التي يمكن تبريرها أحيانا في عالم السياسة اللاأخلاقي، لكن لا يمكن قبولها في الإعلام الذي تتمركز مهمته على حماية الرأي العام من ألعاب السياسة.

عمل هذا التيار وهو الأكبر غربيا على تسويق فكرة أن أنظمة مثل إيران أو روسيا أو كوريا الشمالية عصية على العقاب بسبب الخوف من ردود فعلهم، وبالتالي لها الحق في فعل ما تريد دون أن تخشى العقاب، وهو ما تنبه له العديد من الصحفيين والباحثين الغربيين، فأطلقوا صيحات احتجاج على أسلوب تغطية مقتل سليماني في وسائل الإعلام، وكان تويتر هو ملاذهم لمواجهة ما يشبه حملة دعاية غير مفهومة وغير مبررة من كبرى وسائل الإعلام، التي تطوعت فجأة لتقديم حملة رأي عام ضخمة لمصلحة النظام الإيراني، وحولته إلى مقدس جديد لا يجوز الاقتراب منه أو مسّه؛ وفي سبيل ذلك كان العويل والتهويل من تبعات الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها أمريكا، وكل ذلك تم بشكل صبياني ومخادع للرأي العام.

في نفس الوقت كان البعض الآخر يصرّ على التقليل من قيمة هذه الآراء والتوقعات، حول احتمالات قيام حرب عالمية ثالثة بسبب الضربة الأمريكية؛ لكنهم يبالغون في أهمية الضربة الأمريكية وقوتها وجبروتها، وشرانية الرد الإيراني. وهو اتجاه مناصر لترامب وسياسته الفوضوية المراهقة، معاد لإيران ولكل الدول خارج بيت الطاعة الأمريكي، فيركز هذا الطرف على جرائم سليماني والنظام الذي يمثله، لكنه لا يرى الجريمة جريمةً سوى يوم تقع على الأمريكيين.

أما سورياً، فقد ذهب الإعلام المعارض إلى ملجأ التسخيف والسخرية، وفي أحسن أحواله إلى الشماتة بمقتل أكثر من ارتكب انتهاكات بحق السوريين. فرغم أن السوريين والعراقيين هم أكثر من عانى من جرائم قاسم سليماني والنظام الإيراني، فإن الإعلام السوري المعارض تحول فجأة إلى “أزعر”، فلم يبذل جهداً يذكر في توثيق جرائم سليماني وتصنيفها ونشرها، وإنما وقف بجانب الحائط وبدأ بالصراخ والضحك، والتغني بالانتصار الهائل بقتل سليماني، وكأنه هو من قتله، أو كأن من قتله، قتله انتقاما للدم السوري ولم يقتله للتخلص من مشاكل داخلية تهدد رئاسته للبيت الأبيض.

لا يمكننا أن نقول إن الإعلام السوري المعارض أصبح، بل هو للأسف بدأ واستمر بغالبيته كإعلام يمارس الشماتة والصراخ والبكاء والعويل أو الحماسيات الفارغة. فلم نلحظ أي تقرير أو مقال يتحدث عن دور سليماني في القضية السورية، رغم أن كبريات الصحف الغربية اعتمدت في كثير من الأوقات على صحافيين وناشطين سوريين في العديد من الأحداث التي جرت في سوريا، ولكنهم “أي السوريين” تخلوا عن هذا الدور، وتحولوا إلى ما يشبه “التهريج” لمشاهدين جالسين في صالة سيرك عبثي دموي.

بالعودة إلى الحملة الغربية الإعلامية التي اعتمدت على خلق صورة مخادعة لإيران والتهويل في مقدراتها العسكرية، وبدأ الجميع في لوم الإدارة الأمريكية واتهامها بسوء التقدير وعجزها عن مواجهة عواقب فعلتها، فتحولت إيران، بفعل هذه الدعاية، إلى قوة لا تقهر بحيث أنها ظهرت كقدر محتوم علينا قبولها كما هي، بما في ذلك حلم خامنئها بالسيطرة على المنطقة، وسعي ضباطها لزرع مرتزقتهم في كل مكان، والقبول بسفك المزيد من الدماء وتدمير المزيد من الدول، بما فيها دماء الإيرانيين ومدنهم، فكيف يمكن فهم كل تلك المقالات والتحليلات التي تحدثت عن اختراق ترامب للخط الأحمر الإيراني، وبنفس الوقت تجنبت الحديث عن توغل النظام الإيراني وسليماني في مئات الآلاف من الخطوط الحمر في سوريا والعراق واليمن ولبنان وافغانستان وغيرها، فكل من قتلتهم إيران في هذه الدول هو الأجدر بأن يكون الخط الأحمر وليس قاتلهم.

قاتلهم الذي حولته هذه البروباغندا، من منسق أعمال مليشيات المرتزقة التابعة لإيران، إلى “مسؤول إيراني رفيع” وإلى “الرجل الثاني في إيران”، والمثير للسخرية في كل تلك الدعاية التي تورطت فيها الكثير من وسائل الإعلام الكبرى والصغرى “على الأقل السورية”، والتي أنذرتنا وحذرتنا من مغبة الاقتراب من إيران، أن تكذيب كل السيناريوهات التي تحدثت عنها جاء من طهران نفسها، التي ربما راعها كل ذلك التهويل، فإيران لم تجرؤ حتى على إصابة دراجة هوائية أمريكية في قاعدة “عين الأسد”. إيران أرادت حفظ ماء وجهها، لكن صواريخها الهزيلة كشفت أن لا ماء أساساً لحفظه والأهم أنها كشفت الكثير والكثير من الأقنعة.

بروكار برس

——————————-

عالم مشوشٌ وغريب!/ نهلة الشهال

منذ ايام، وإثر اغتيال الأمريكان للجنرال قاسم سليماني، بدا أن حرباً عاتية توشك على الاندلاع، حرباً سنكون نحن، أبناء هذه المنطقة، وقودها وضحاياها.. بل وخشي الكثيرون من أن تكون – أو تصبح -تلك هي الحرب العالمية الثالثة التي تهجس بها الضمائر، باعتبار الحربين العالميتين الفظيعتين اللتين شهدهما القرن العشرين.. وأنها “هذه المرة” لن تُبقي ولن تُذر.

بالمقابل، جرت مقاربة خارج الصدد لحدث الاغتيال هذا. انصرفت التقارير، كما التعليقات الفردية، الى تناول خصائص وميزات سليماني، مديحاً وتعظيماً أو شتماً وشيطنة. وكلاهما كان يقوم بأسطرة الرجل. مؤيدو إيران رووا كيف أنه استراتيجي لم يوجد له مثيل، وأضاف بعضهم أنه على ذلك، خلوق وذو تواضع جم. واعداؤها حمّلوه كل آثام العالم حتى وصل الأمر الى تأكيد دوره في تقوية طالبان، بل وأنه وراء جريمة “11 سبتمبر”.. ما يذكِّر بالرواية عن أسلحة الدمار الشامل التي كانت بحوزة صدام حسين، وب”كولن باول، الجنرال الامريكي “المحترم”،وهو يهز بيده كيساً أبيضاً خلال مداخلة له في جلسة للأمم المتحدة، مدّعياً أنه يحوي أسلحة بيولوجية كفيلة بقتل البشرية.. كيساً صغيراً من الطحين.

وأما اليوم، فبفضل شخصية دونالد ترامب،صار الابتذال أكبر.

وكِلا الروايتان جعلتا من سليماني سر قوة بلاده وتوسع نفوذها الاقليمي!

وقد عادت الخنادق الى استقبال روادها، وهم كثر، ونُسيت المواضيع الفعلية: مِن أن الفعلة الامريكية ليست فحسب خطيرة بسبب تداعياتها البشعة المحتملة، بل لأنها أيضاً تعزز انهيار القواعد التي توصلت البشرية الى تحديدها بعد مأسٍ جمة، ومنها تلك الحربان العالميتان في القرن الماضي. وهي قواعد متوافق عليها، تسعى الى قدر، ولو منخفض، من الضوابط على مستوى تعريف الحقوق والأصول والعلاقات. وللمفارقة، فقد ساعدت الحرب الباردة بين القطبين العالميين في صون تلك الضوابط، أو على الأقل في فرض الحاجة لتطبيقها. وبما أن العالم اليوم يعيش في ظل تعددية قطبية رجراجة، باعتبار تفاوت قوة مكوناتها على كل المستويات، وأيضاً بفعل تشابك تحالفاتها، حيث أن هذه التحالفات لا تعرف الاستقرار ويمكن أن تضم متناقضات كما يمكن أن تتغير في كل حين، لأن معيارها الأوحد صار المصلحة الذاتية لكل مكوّن فيها، بشكل عارٍ وفج، ومتخلص من أي أبعاد قيمية أو ايديولوجية، حتى ولو شكلية أو مدّعاة. وصار يمكن الكذب بشكل صريح وكذلك محاكمة النوايا واستباقها بافعال. وهو كله ما تضمنه بشكل مكثف الاغتيال الأمريكي لسليماني.

مقالات ذات صلة

الحال المرعب للعالم!

وهكذا، فيمكن لروسيا مثلاً أن تكون سنَد نظام بشار الأسد الأساسي – بشكل يتجاوز إيران، أو فلنقل أن موسكو هي الأكثر نفوذاً وهيمنة على مفاصل السلطة في دمشق، وعلى البلاد نفسها – وأن تكون في الوقت نفسه حليفاً لتركيا أردوغان، العضو في حلف شمال الاطلسي (والتي تستلم على الرغم من ذلك صواريخ متطورة من روسيا!)، والداعمة لتنظيم الاخوان المسلمين في العالم، وللعديد من المنظمات الإسلامية المسلحة في سوريا والمصطدمة بقوة مع سلطة دمشق.. وأن تكون لروسيا أيضاً أفضل العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية مع إسرائيل. وهذا تناول لأحد مستويات التعقيد القائم، الذي يحوي في داخله تشابكات أخرى لا تقل غرابة..

وعلاوة على التشوش الذي تتسبب به، تُولِّد هذه الحالة “السائلة” للعالم المغريات الخاصة بها، وأولها تعزيز الافكار التآمرية حول الأحداث، لأن كل شيء أصبح ممكناً ومعقولاً، طالما لا ضوابط من أي نوع. يمكن مثلاً أن تكون الولايات المتحدة قد بلّغت روسيا بنيّتها اغتيال سليماني، ويمكن ألاّ تكون قد فعلت. ليس الأمر مستنكراً أو مستغرباً في الخيار الاول، وهو -في الخيار الثاني – لا يهدد استقرار التوازن، كما كان الأمر عليه خلال الحرب الباردة…

وهكذا في كل شيء، وهلم جرا.

ولا يستولد هذا الوضع ازدهار نظريات المؤامرة والحبكات الأكثر جنوناً فحسب، بل هو يقوم بتفويت وقائع هامة للعجز عن تأويلها. فقبل يوم من اغتيال سليماني، أجرت روسيا والصين وإيران مناورات عسكرية في بحر العرب والمحيط الهادئ.. لم تستدع اهتمام أحد. ثم نُسيت تماماً بعد الاغتيال. فهل كان لتلك المناورات معنى؟ الله أعلم.

وهكذا في كل شيء، وهلم جرا.

ثم يبدو أن الإدارة الامريكية اتصلت قبل يوم بعادل عبد المهدي، رئيس الوزراء العراقي المستقيل، وأبلغته بنيتها توجيه صواريخها الى القواعد العائدة لكتائب حزب الله العراقي تحديداً، وأنه اتصل بالمعنيين وأبلغهم.. فلم يتخذوا أية احتياطات، مما أوقع ذلك العدد من الضحايا جراء القصف، الأمر الذي تسبب بالغضب العارم وبحصار السفارة الامريكية في بغداد وحرق بعص أقسامها الخارجية، وتلاه القصاص الذي أُنزل بسليماني والمهندس إلخ الخ..

وهذا هو السياق رقم 1، الذي يوضح تتابع الانحدار الى الحرب، والذي حمل العالم على حبس انفاسه. ليبدأ بعدها السياق رقم 2، حيث أبلغت إيران السفارة السويسرية في طهران – التي تقوم بمهام السفارة الامريكية – بنيتها الرد على اغتيال سليماني بضرب قواعد بعينها توجد فيها قوات أمريكية، ومنها “عين أسد”.. التي يبدو انها أخليت من الأمريكان والعراقيين معاً، فلم تقع اي أصابات، وصار ترامب في حِلٍّ من الرد باعتبار أنه هدد بعظائم الامور إذا ما سال دم أمريكي.

العالم يتنفس الصعداء.

كانت واشنطن تتكلم باستعراضية عن ضرب 52 موقعاً داخل إيران (ومنها مراكز ثقافية “اضطر” ترامب لشملها في تهديداته، لأنه كا يريد التوصل الى عدد من الأهداف مطابق لعدد الرهائن الامريكيين الذين احتجزوا في سفارة بلدهم بطهران مع بدء الثورة الاسلامية في 1979 (!). وكانت طهران تتكلم عن محو إسرائيل من الوجود، وعن ضرب حيفا (بالله عليكم، فليخبرهم أحد أن حيفا مدينة عربية بالأساس، وحتى اليوم. ثم لماذا حيفا وليس تل أبيب؟). فإذا بالجهتين تكتفيان بهذا القدر. الايرانيين يقولون للامريكان إن لم تردوا على هذا الغارة نعتبر الامر ينتهي عند هذا الحد، وترامب يعلن أنه “لا بأس”!وقد لا يكون هذا الوضع الأخير حقيقياً، أو يكون مجرد مناورة وخبث متشارك. وقد يقع ما يعيد الامور الى المربع السابق، وقد لا.

وقد بدا اغتيال سليماني نفسه والصخب الذي أحاط بالحدث لأيام، والتشييع المليوني الذي تسبب بموت أكثر من خمسين شخصاً بسبب التدافع، بد كل ذلك بعيداً وكأنه جرى من زمن أو على المريخ! وحتى الأسطرة التي أحاطت بالجنرال بهتت بسرعة أكبر بكثير مما استغرقه وقت صناعة الرواية حوله، بما فيها اللقطات الفوتوغرافية له أسفل قلعة حلب أو في شوارع بغداد والنجف. هو ليس الموضوع إذاً، بل إعقال المصالح والصراعات والتسويات التي تخصها، والعقليات التي تسيّرها والروايات التي تغلفها، والتي تبدو كلها بالغة الضبابية والتشوش بمقدار ما هي بدائية فجة… ومنها ما يخص كل منطقتنا، وبالأخص البقاع الملتهبة فيها (في الوقت الحالي، والله أعلم بالغد!)، ليبيا واليمن وسوريا ولبنان.. وخصوصاً خصوصاً العراق، البلد المفتاح الذي يبدو بشكل جلي أن هناك توافق أمريكي- إيراني على التعامل معه كأرض خلاء، حلبة للمصارعة، بلا اعتبار لمصائره..

يتبع!

السفير العربي

—————————-

إنتصارات إيران المقدسة/ وجيه قانصو

من المؤكد أن الجولة الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة غيرت قواعد الاشتباك بينهما لصالح الطرف الأمريكي، الذي لم يضطر إلى خوض معارك أو جولات كثيرة ليخرج منتصراً، أو استعمال تقنية فائقة، أو استعراض كامل قوته لتحقيق ذلك،  بل لم يكن بحاجة إلى تهويل كلامي مبالغ به وتهديد ووعيد مثلما فعل ويفعل الطرف الإيراني باستمرار، بل اكتفى بضربة سريعة وخاطفة (قتل سليماني) ذات دلالة مكثفة، أظهرت حقيقة موازين القوى، وبينت الفرق الهائل في كفاءة وذكاء الآلة العسكرية التكنولجي بين الطرفين، ورسمت خطوطاً حمراً جديدة على الطرف الإيراني ضيقت عليه هامش مناورته وأفقدته الكثير من الرهانات وأوراق المواجهة التي بذل لأجلها الكثير من المال والجهد التعبوي والأيديولوجي.

جاء مقتل سليماني ليقول أن الولايات المتحدة لن تُفرِّق بعد الآن بين الأصيل والوكيل، وكل ما يصدر عن فصائل الوكيل (الحشد، حزب الله، الحوثيون…) ضدها يتحمل مسؤوليته الأصيل (إيران).  هذه الفصائل، رغم تشبثها بعناوين وطنية وصفة تمثيلية لاكتساب مشروعية سياسية داخل بلادها، فإنها لم تتوقف عن إثبات تبعيتها الكاملة للحرس الثوري وائتمارها بأوامره، ما ينفي عنها صفة المستقل أو الوكيل، ويؤكد اللحمة العضوية بينها وبين النظام الإيراني، ليس فقط في تكوينها الأيديولوجي وتطلعها السياسي، وإنما في بنيتها التنظيمية ومرجعية قرارها وحصرية ولائها.

التزم الطرف الإيراني حرفياً بمفاد الرسالة الأمريكية بطريقتين: أنه منع من جهة وكلاءه العراقيين واللبنانيين من الرد خوفاً من خطوات متهورة وغير محسوبة، ومنعاً من خروج الأمور عن السيطرة، تضع إيران أمام مغبة الرد الأمريكي المدمر ضدها، والذي يعرضها لشلل داخلي كامل. وأنه نفَّذ من جهة أخرى، بعد إعلام الطرف الأمريكي مسبقاً باتخاذ كامل احتياطاته، ضربة شكلية ضده تحفظ ماء وجهه، وسارع أثناء أو بعد إطلاق صواريخه، إلى الإعلان عبر وزيره الخارجية جواد ظريف، أن إيران نفذت رداً متناسباً مع حجم مقتل سليماني، وأن مشهد المواجهة العسكرية قد انتهى وملف الانتقام لسليماني قد أقفل.

أما الداخل العراقي، وبعد توصيات مجلس النواب العراقي بخروج القوات الأمريكية التي كان واضحاً فيها قوة الإملاء والضغط الإيرانيين، فإن الليونة الأمريكية السابقة بالإنسحاب من العراق، تحولت إلى تشدد وإصرار أمريكي على البقاء العسكري وحتى السياسي فيه، بخاصة وأن هذا الخروج يفرض على العراق دفع فاتورة كلفة مساعدة الأمريكيين للجيش العراقي في القضاء على داعش، إضافة إلى دفع الديون المتوجبة عليه لدولة الكويت جراء احتلال صدام لها. وهي ديون تضع الدولة العراقية في حالة إفلاس شبه كامل لسنوات طويلة.  هذا إضافة إلى ظهور الأمريكيين بمظهر المدافع عن الأقلية السنية والكردية، التي لم تعد تكتم قلقها وخوفها من فساد وتمذهب المكون السياسي الشيعي ومن تضخم النفوذ الإيراني داخل العراق، ما يشي بوفرة أوراق المساومة والضغط وعناصر القوة التي يملكها الأمريكيون فيه، وأنه (العراق) بات ساحة مواجهة معنوية لهم ويحظى بأهمية استراتيجية لوجودهم في المنطقة.

صار مشهد المواجهة ماضياً، لكن تبعات المشهد وتداعياته باقية ومكلفة معنوياً ومادياً للطرف الإيراني.  فإيران التي تجهزت للتعويض عن هزيمة حرب الخليج الأولى، وغسل عار العجز عن الإنتقام للطائرة الإيرانية التي أسقطها الأمريكيون حينها، إذا بها بعد ثلاثين عاماً، ورغم جسامة إنفاقها العسكري وضخامة ترسانتها الصاروخية وكثافة حملاتها الدينية والإنفاق السخي على أذرعها العسكرية في الخارج، والإستعراض الإعلامي الصاخب لقدراتها المدمرة،  إذا بها، رغم كل ذلك تخرج منهزمة بسرعة قياسية عند أول مواجهة فعلية ضد عدوها الأمريكي، وتكشف عن هشاشة أمام قدراته، وأبانت عن خلل وعطب في إيقاع ودقة آلتها العسكرية، كان إسقاط الطائرة الأوكرانية أحد مؤشراتهما.

حين يُزج بالمقدس في كل حدث سياسي أو عسكري، ويتم تصوير إرادة القادة السياسيين والعسكريين على أنها تجليات لإرادة الله، فإن في ذلك مسعى لتعميم وعي مهلوس منفصم عن إدراك ودراية وإدارة الواقع الفعلي، وجهد منسق الإيقاع لترسيخ سلطة تُمجَّد وتُعَظَّم في حالات تخبطها وأسوأ لحظات أدائها بدلا من أن تُحاسَب وتُسائَل.    

المدن

——————————–

واشنطن وطهران.. قواعد الحرب والسياسة/ حسين عبد العزيز

بضعة صواريخ أميركية من طراز HELLFIRE R9X أنهت أسطورة قاسم سليماني في العالم العربي. وفي المقابل، بضعة صواريخ إيرانية أنهت أسطورة الولايات المتحدة التي لا يستطيع أحد ضربها.

قد تبدو هذه السطور القليلة تعبيراً عن واقع الحال، أو تعبيراً عن قواعد الحرب والسياسة بين الولايات المتحدة وإيران. الرد الإيراني ليس عابرا بلغة الحرب والسياسة، فقاعدة عين الأسد تحتوي على مدرج للطائرات ورادار عملاق يغطي الأراضي العراقية والسورية حتى فلسطين، إضافة إلى أجهزة اتصالات وتجسّس كبيرة، وهذه جميعها دمرت. ولكن التدقيق في التطورات الأخيرة كفيلٌ برفض هذه المعادلة، فالضربة الإيرانية ليست تعبيرا عن تغييرٍ في قواعد اللعبة، كما ذهب بعضهم، حين اعتقدوا أن الصواريخ الإيرانية على قاعدتين أميركيتين (عين الأسد/ كامب كابكيك في الأنبار وقاعدة إربيل) هي الأولى من نوعها ضد الولايات المتحدة منذ هجمات بيرل هاربر عام 1945، وبالتالي نجحت إيران في فرض سيمفونيتها وحضورها في وجه الولايات المتحدة.

هناك فرق كبير بين هجمات بيرل هاربر وهذه الهجمات الإيرانية، ليس على صعيد حجم القوة العسكرية المستخدمة فيهما، وإنما في أن اليابان تعاملت مع الولايات المتحدة ندّا عسكريا في الحرب العالمية الثانية، وكان هدف هجمات بيرل هاربر تدمير القوة العسكرية البحرية الأميركية وشلّها، وإخراجها من معادلة الصراع الدولي. وفي الحالة الإيرانية أخيرا، كانت الهجمات على القاعدة الأميركية في العراق بحكم الاضطرار الاستراتيجي، وليس بحكم الاختيار الاستراتيجي، بمعنى أن قتل قاسم سليماني أجبر أصحاب العمائم في طهران على الرد، وإن لم يفعلوا ذلك سيكونون كمن يُفرد السجاد الأحمر أمام الأميركيين للمضي في تنفيذ هجمات أوسع وأخطر.

ومن هنا، الرد الإيراني هو المغزى والهدف الاستراتيجي، بغض النظر عن طبيعة الرد وحجمه، فليس المطلوب توجيه ضرباتٍ تؤذي الأميركيين وتهدّدهم، فهذا مستحيل، وغير قابل للتحقيق. كانت الرسالة الإيرانية محصورة فقط في إبلاغ واشنطن بقدرة طهران على الرد، وأن كل فعل سيُقابل برد فعل، وإن لم يكن بالقوة نفسها وبالاتجاه نفسها.

كتب وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، في تغريدة “لقد اتخذت إيران واستكملت إجراءات متكافئة في إطار الدفاع عن النفس، بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، من خلال استهداف القاعدة التي شنّت منها هجمات ضدّ مواطنينا وضباطنا رفيعي المستوى، ونحن لا نسعى إلى التصعيد أو الحرب، لكننا سندافع عن أنفسنا ضد أي عدوان”.

هل انتهى الأمر عند هذا الحد؟ نعم، انتهى عند حدود المناوشات العسكرية المباشرة المحصورة ضمن معادلة الردع والردع المضاد.. تؤكد كلمات ظريف ذلك، كما كلمات ترامب الذي ترك الخيار السياسي والاقتصادي مستمرّا في الصراع. ولكن هذا الصراع لم ينته على مستوى الكباش العسكري غير المباشر بين الجانبين، فالطيران الأميركي ـ الإسرائيلي استأنف ضرباته ضد فصائل الحشد الشعبي، ويؤكد ذلك استهداف كتائب الإمام علي على الحدود العراقية ـ السورية.

واضحٌ أن الإدارة الأميركية ستواصل عملية تحجيم القوة العسكرية الإيرانية، بضرب أدواتها العربية، سيما في العراق، حيث الحضور الإيراني الأقوى في العالم العربي، وحيث الحضور الأميركي الأقوى أيضا في العالم العربي. وعلى الأغلب، ستشهد المرحلة المقبلة عملية تصعيد من الجانبين، تأخذ بالاعتبار عدم الإنجرار إلى المغامرات الكبرى التي قد تؤدي إلى خطر الانزلاق نحو حربٍ مفتوحة.

تؤكد التصريحات القادمة من المحور الإيراني أن محاربة الوجود الأميركي في المنطقة قد بدأت، أي أن محاربة الوجود الأميركي لن تكون بأدوات إيرانية مباشرة، وإنما عبر “المقاومة” المحلية في العراق، وإن لم يذكر اسم العراق مباشرة. والمرجح أن سورية ستكون خارج إطار الصراع هذا، أو على الأقل الساحة الفرعية لهذا الصراع، لأسبابٍ كثيرة، وربما ليس مصادفةً أن يأتي الرئيس الروسي، بوتين، إلى دمشق بعد مقتل سليماني، لبعث رسائل إلى إيران والولايات المتحدة، بأن سورية محمية روسية لن يسمح بتحويلها باحة للمعارك.

لم يكن اغتيال قاسم سليماني من أجل درء خطر محتمل، فهو على رأس عمله منذ سنوات طويلة، وكان في وسع الولايات المتحدة قتله قبل زمن طويل، أي قبل أن ينجح في التمدد داخل العراق وسورية واليمن، ويشكل قوىً محليةً أصبحت رقما صعبا في إطارها الجغرافي.

تتجاوز عملية القتل المستهدف، في حالات معينة، الأفراد المستهدفين بالقتل، حيث يتحولون إلى هدف سياسي، لا إلى هدف عسكري، وهذا ينطبق على سليماني تماما، فعلى الرغم من أهميته العسكرية، إلا أن قتله كان لأهداف سياسية.. إنها رسالة أميركية مفادها بأن واشنطن لن تسمح لإيران بتجاوز الخطوط الحمر في المنطقة.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق