مقالات

يوسف عبدلكي السوري الماشي على الحافات/ فاروق يوسف

رسام يرى الوجود بحجمه الحقيقي ويعكس حالة من النضج الفني لم يصل إليها كثيرون.

كان عليه أن يدرب نفسه طويلا لكي يخلص إلى نزعة وصفية، كانت كامنة في أعماق نفسه. عليك أن ترى العالم جميلا لكي تكون منصفا في وصف جماله. كيف يمكن اقتناص تلك الرؤية في ظلمات السجن؟ تلك فكرة كابوسية غير أنها يمكن أن تكون واقعية بضراوة.

يمكن ليوسف عبدلكي أن يقول لك “المرح هو الجزء الذي يبقى من الحقيقة”. هي مقولة أقام عليها معادلة حياته التي التهمت السياسة الجزء الأكبر منها. السياسة بالنسبة له هي فن العيش على الحافات.

الرسم قبل كل شيء آخر

بغض النظر عما كان يرسمه لم يمر عليه يوم لم يكن فيه سياسيا. ذلك ما يكشف عن مهارة روحية عميقة تمكنه من التمييز بين أمور يعيشها المرء من غير أن يدرك ما تنطوي عليه من تناقض. فهو على سبيل المثال كان عبر ربع قرن من الزمن رسام كاريكاتير وحفارا ورسام لوحات جدارية في الوقت نفسه. كانت المسافة بين الممارسات الثلاث مدروسة بدقة وإن كان الرسام قد استفاد بقوة من الحفار حتى أخفاه بين لوحاته.

حين يرى المرء “عارياته” فإنه ينسى رسام السجون. تلك موهبة لا تمت إلى المهارة التقنية بصلة بقدر ما هي خلاصة حياة، نجح صاحبها في أن يرى الوجود بحجمه الحقيقي. فالسياسة ليست كل شيء بالرغم من أن مَن اتيحت له فرصة التعرف بطريقة عرضية على عبدلكي في الحياة المباشرة لابد أن يجزم أن ذلك الشخص كائن سياسي بامتياز. عبدلكي في حقيقته هو رسام قبل أن يكون أي شيء آخر.

شغفه بالتفاصيل الحية دفعه إلى اختبار قدرته على إضفاء نوع من الحياة على الأشياء الجامدة. كانت حفرياته قد مكنته من الوصول إلى صورة متخيلة للشيء هو الصورة التي تحفظ له حيويته.

في مرسمه الباريسي قال لي معلقا على مشهد سمكة في ثلاجة “إنها للرسم وليست للأكل”. لقد نجت تلك السمكة. لقد رأيتها في ما بعد على الجدار في منزل صديق بالبحرين. لو أني رويت تلك الحادثة لعبدلكي لاعتبرها مزحة يمكن البناء عليها بما يهيئنا لتأليف رواية.

السياسي الذي يقف في الطريق

ولد عبدلكي في القامشلي عام 1951. تخرج من كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1976. نال شهادة الدكتوراه من جامعة باريس الثامنة عام 1989. قبلها درس الحفر وحصل على الدبلوم من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة بباريس.

عام 1973 أقام أول معارضه الشخصية في دمشق. وعاد في العام 2005 إلى وطنه سوريا وأقام له مرسما في قلب دمشق القديمة، بعد غياب حوالي ربع قرن قضاه بباريس. ما الذي كان يفعله عبدلكي في باريس غير أن يدرس؟

تتميز سيرة عبدلكي بصفتين منحتاه الشهرة التي هو عليها اليوم، ليس الرسم الزيتي وهو ما يبقى يذكر بموهبته العالية من بينها. كان عبدلكي رسام كاركتير ومصمم أغلفة كتب وملصقات بحكم خبرته الغرافيكية. هذا من جهة ومن جهة أخرى، كان ناشطا سياسيا معارضا نجح في رسم لوحات تمثل الحياة في الأقبية السرية التي أقامتها الأجهزة القمعية لتعذيب المعتقلين السياسيين. وبسبب الطاقة الرمزية والإيحائية الشاملة التي تميزت بها تلك اللوحات فقد تحولت إلى ما يشبه الأيقونات بالنسبة للسياسيين المعارضين.

عام 2013 فيما كان عائدا من طرطوس إلى دمشق اعتقلته الأجهزة الأمنية بسبب توقيعه على بيان يطالب الرئيس السوري بالتنحي. يومها انطلقت حملة عالمية كبيرة للمطالبة بإطلاق سراحه. شارك في تلك الحملة الآلاف من المبدعين من مختلف أنحاء العالم كما نشرت الصحف الثقافية صورته الشخصية على أغلفتها. ذلك ما اضطر السلطات إلى إطلاق سراحه وخرج من المعتقل بقميصه الأحمر وهو يبتسم.

قبل أن ينال جائزة النيل 2018 أقام عبدلكي عشرات المعارض الشخصية. كان آخرها معرض عارياته الذي أثار لغطا بين مؤيديه ومعارضيه. يومها احتد النقاش وكان مناسبة، استطاع عبدلكي من خلالها أن يطرح مفاهيم جديدة لعلاقة الرسم بالواقع من خلال تلك المفاهيم، كان عبدلكي قد عبر عن حالة من النضج لم يصل إليها كثيرون ممن كانوا إلى وقت قريب يشيدون بنضاله عن طريق الفن.

رسام مصائر في حياة متخيلة

لا يحدثك عبدلكي عن الحرفة. بالرغم من أني حاولت ذات مرة أن أثير انتباهه إلى أنه صار يمتحن نفسه ويحملها أكثر مما يجب من خلال تقنية يعتمد من خلالها على خبرات سابقة. يومها لم يخبرني بأني قد أسأت الفهم. لم يشأ أن يفك الاشتباك. لكن علي أن أعترف بأن تمكنه من الحرفة لم يكن يثير لديه أي رغبة في الإشهار. كان كل شيء يجري في سياقه الطبيعي من غير تكلف. كان هناك ما يشغله دائما. سؤال من نوع “ماذا بعد الحرفة؟” خياله لا يفارق الواقع. فهو ليس من النوع الذي يبحث عن مستويات يتدرج المتلقي من خلالها لفهم لوحته. لوحته صريحة. إنه يرسم حمامة لأنه أحب أن يرسم حمامة. لا تحمل كائناته طاقة رمزية هي ليست من أصلها. هل هو رسام واقعي؟ ذلك سؤال ساذج.

في حياته المباشرة لا يمكنك أن تضع حدا فاصلا بين الواقع والخيال. لا لشيء إلا لأنه اكتشف أن الحقيقة تكون في كامل أبهتها في الوهم. أليس الرسم وهما؟ كما أن المزحة بالنسبة له تحتمل الكثير من التفسيرات الجادة. عبدلكي ليس من النوع الذي يُخدع بالمظاهر ولا تعجبه الحذلقة التي هي عبارة عن طلاء زائف. لذلك فإنه يوهمنا بأنه يرسم ما يراه. ولكنه في الحقيقة يطارد من خلال الرسم أشباح الكائنات التي يرسمها. إنه رسام مصائر. وهو ما يجعله دائما ينأى عن الواقع ليخلق صورة تشبهه، تذكر به غير أنها لا تعيدنا إليه باعتباره مرجعا.

غالبا ما تكون مرجعيات عبدلكي ذهنية. غير أنه يتحاشى الترميز. ذلك لأنه يفضل أن تعيش الأشياء والكائنات التي يرسمها حريتها في التحول والتلاشي أو حتى الفناء. عمل عبدلكي في السياسة وهو يعرف معنى سوء الفهم. غير أن ذلك لا يعني شيئا مقارنة بحماسته في الجدل السياسي. هو من القلة النادرة التي تعرف متى وكيف تكتب.

ولكن المدهش فيه أنه صار يوظف تلك الطاقة في دعم الفنانين السوريين الشباب من خلال تقديمهم بكتابات، قد لا يحصلون عليها من ناقد متمرس. بالرغم من أن عبدلكي لا يحب أن ينظر إليه باعتباره معلما.

لقد حدثني ذات مرة في بيت معلمه إلياس الزيات عن هيبة معلمه الآخر محمود حماد، وكيف كان يراقبه بحذر. لذلك فإنه يخشى أن ينظر إليه الآخرون بالطريقة نفسها.

“كائن عيش”. يمكنه أن يتجلى من خلال تلك الصفة. الكمال الذي يبدو في لوحاته قد يكون سببا في تعثر خطواته وهو يرى فيه فألا سيئا. ذلك ما يحاول عبدلكي محوه من ذاكرة المحيطين به وجلهم من الشباب. كان يود أن يقول لهم “انظروا إلى أخطائي”. ولكنه يبحث عن النقص في الكمال الذي يرفضه.

كاتب عراقي

العرب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق