منوعات

أغنيتنا السورية المظلومة/ رشا عمران

قلّة منا، نحن السوريين، من هم على اطلاع ومعرفةٍ بالأغنية السورية الشعبية، لم تحتفظ ذاكرتنا بهذا النمط من الأغاني، لم نكن نسمعها في سورية قبل الثورة إلا ما ندر. الغناء السوري لم يكن سوى القدود الحلبية، والمشوّه من أغاني الساحل السوري كما قدمه علي الديك الذي يبدو أنه ظهر وتم ترويجه بقرار من “السلطات المختصة”. لم يعرف السوريون أغاني الفرات ودير الزور، ولا أغاني جبل العرب وسهل حوران، ولا الأغنية الشامية (نسبة إلى دمشق لا إلى بلاد الشام)، ولا الأغنية الساحلية، ولا أغنية منطقة سهل الغاب ونهر العاصي، ولا الأغنية الكردية بطبيعة الحال، إذ كانت اللغة الكردية ممنوعةً تماما. لم نعرف الأغنية الشركسية، ولا أغاني باقي مكونات الشعب السوري. والحديث هنا عن الأغاني التراثية، الأغاني التي تغنّى بلهجة سكان تلك المناطق، حيث حرف القاف يُلفظ بتنوعاته، بين القاف الثقيلة، كما في الجبال، والخفيفة إلى درجة نطقها كالهمزة في المدن، أو التي تميل إلى “الغين” مرة و”الكاف” مرة أخرى في السهول والبادية، الأغاني التي يغنّيها السوريون في مناسباتهم الاجتماعية، (في الساحل السوري هناك أغنياتٌ خاصة بتفاصيل العرس والعروس، وأظن أن شيئا كهذا موجودٌ في كل المناطق السورية).

ثمّة تشويهٌ حصل لوعي السوريين بتراثهم الغنائي، أو ربما كان ذلك تدريبا مستمرّا للذاكرة الجمعية السورية، كي تتجاهل الخصوصية المناطقية والإثنية، ليس، طبعا، لصالح سورية الموحدة التي لم تكن سوى “قُطر” من مجموعة أقطار عربية، بل لصالح إيديولوجيا قومية تتغنّى بشعار العروبة، وتفتك بالمحلي إلى حد تشويهه وتحويله إلى بوقٍ يمجّد النظام الحاكم، أو تهميشه إن لم يتناسب مع هذه السياسة. لهذا السبب ربما، كانت إذاعة دمشق مخصّصةً للأغاني العربية (لبنان ومصر)، بينما لا تقدّم من الأغاني السورية سوى ما كان يسمّى “أغنية وطنية” في مديح “السيد الرئيس”! لم تكن سورية كلها موجودة أصلا إلا بوصفها ملحقة ب “السيد الرئيس”، ولم تبرز المؤسسة الإعلامية السورية من الملحنين والأصوات السورية الجميلة سوى من كان يدخل في تلك الجوقة، وكان بعضُهم يضطر لتلحين أغنية “وطنية” أو غنائها، كي لا يقتله التجاهل والنسيان. ولكن حتى تنازلات كبيرة كهذه لم تفلح في جعل الأغنية السورية منتشرةً خارج سورية، وربما خارج مناطقها. ومع بداية القرن الجديد، تقريبا، بدأت تظهر فرق موسيقية “نخبوية”، استفادت من التراث الفني للمناطق السورية، وأعادت توزيعه وأداءه، ولكن ذلك بقي محصورا في محيط النخبة التي يُتاح لها حضور فعاليات ثقافية وفنية في الدور الثقافية الكبيرة. وساهم المعهد العالي للموسيقى بظهور موسيقيين ومغنين بديعين فعلا، كان من الممكن، في أوضاعٍ أفضل، أن يعيدوا إلى الفن السوري الغنائي والموسيقي، التراثي والحديث، مكانته الحقيقية، لما فيه من غنىً وتنوع مدهش.

بعد التغريبة والهجرة السورية، وتشتت السوريين وانتشارهم في كل العالم، ثم استقرارهم المؤقت في مجتمعاتهم الجديدة، عاود موسيقيون ومغنّون سوريون نشاطهم خارج سورية، فتشكلت فرق موسيقية جديدة، وظهرت مواهبُ لم تكن معروفة كثيرا في سورية، إضافة إلى المعروفة، وتنتقل هذه الفرق والأصوات بين عواصم العالم، تقدّم الوجه السوري الراقي المضادّ لوجه الحرب والقتل والموت والسواد، والذي كاد أن يتحوّل إلى الوجه الوحيد المعروف عن سورية والسوريين، بفعل تسليط الميديا ضوءها على هذا الجانب فقط. واللافت أن الجانب الفني والموسيقي السوري يبدو هو الأكثر انتشارا ونجاحا في العالم، وهذا يعود إلى الإحساس بالحرية الذي كان مفقودا داخل سورية، إذ لا يمكن للفن أن يتجلى من دون حريةٍ مصاحبةٍ له، ومن دون غياب الرقيب، خارجي وداخلي، الذي يتمكّن من تحويل الرطوبة في الإبداع إلى رملٍ جاف، فما أن هدأ السوريون وشعروا بالأمان، وأعطيت لهم مساحاتٍ للإبداع، من دون أي شرط مسبق أو لاحق، حتى ظهروا على كبرى المسارح، وفي مختلف العواصم والمدن في كل دول العالم المتقدّم، محققين نجاحا وانتشارا يستحقونه، ومتيحين للآخرين، بمن فيهم سوريون، فرصة اكتشاف الأغنية السورية، التراثية، بتنوّعاتها واختلافاتها وتوزّعها بين الشعبي والطربي والصوفي، وإعادة الاستماع إلى أغنيات وألحان ملحنين ومطربين سوريين، قلما يتذكّرهم أو يتذكّر إنتاجهم أحد، وكادت سنوات الظلم والخوف والقهر أن تمحيهم من الذاكرة، كما يتم محو كل ما هو جميل وفريد ومتنوّع في سورية الحزينة.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق