الناس

أكروبات على حبل الذاكرة/ أمينة صوّان

كم مضى على وجودك في هذه المدينة؟

سؤالٌ يتكرر كل يوم، وأجد غصة كبيرة في حلقي عند الإجابة. لا أريد أن يكون عدد السنوات الذي أذكره صحيحاً. لا يمكن أن يكون هذا حقيقياً. وبعدها، أجيب بذكر عدد السنوات والأشهر والأيام.

العدّ مؤلمٌ، مؤلم بطريقة لا يمكن وصفها. ذلك النوع من الألم الذي يسحق أحشاءك، الألم الذي يضغط أصابعك تحت شيء ثقيل، لكنه لا يُزاح ولا يمكنك أن تعبر عن إحساسك تجاهه أو أن تصرخ بشكل هستيري. في حالة الألم الفيزيائي، تكون لك الصلاحية في الصراخ وعدم استخدام الكلمات؛ ولكن في حال ألم الاقتلاع من الجذور وألم الخسارات لا يمكننا أن نصرخ. أتمنى أحياناً أن لا أتفوه بالكلمات، ولكن في كثير من المواقف أن أكتفي بالصراخ.

معضمية الشام، مدينتي، كانت من أكبر المناطق الزراعية في الغوطة الغربية، قبل أن يستملك النظام معظم أراضيها شيئاً فشيئاً عبر السنين، عبر أدوات أبرزها مرسوم الاستملاك عام 1985، الذي تم تطبيقه في عام 2008، حيث أضحت نسبة كبيرة الأراضي الزراعية العائدة لأهالي المدينة مستملكةً للدولة، بما فيها كثيرٌ من كروم الزيتون.

في طفولتي كنت أعشق أشجار الزيتون. المعضمية، مدينتي، كان فيها الكثير من الزيتون. الأرض في المعضمية لا تقاس بالمتر، بل بعدد أشجار الزيتون فيها. أمي كانت مثلاً تقول: «ورثتُ عن أبي 17 شجرة زيتون في كرم الشيّاح». أتذكر ألم أمي وأبي عندما علما بخبر استملاك أرضهما التي ورثاها عن جَدَيَّ. في المعضمية، كانت الأرض تعني كل شيء لكثير من الأهالي، وقد حاول النظام سلبنا كل شيء حتى قبل 2011. كل ّمنطقة في بساتين المعضمية لها اسم محدد، أسماء أحاول استذكارها باستمرار وأخاف أن أنساها: الشياح، البرنيئة، السلالم، الباسية… والقائمة تطول. أستذكر أسماء المناطق وأنا أقف عند موقف الباص، وبعدها أنتقل إلى أنواع الزيتون في المعضمية: المصعبي، الدان، الجلط؛ أتوقف عن العدّ، وأغضب بشدة لأنني لم أعد أتذكر البقية.

أربع سنوات مرت في برلين، ألعب فيها مع نفسي لعبة مسلية، وهي التظاهر بالتوازن؛ وأتكلم فيها مع نفسي كثيراً: «سيكون كل شيء على ما يرام، إنه فقط يوم آخر من أيام محاولة النجاة هنا».

ولكنني أتذكر كل يوم أنني لن أرى كرم الشيّاح، وأنه لم يعد هناك أشجار مثمرة في كرومنا. معظم الأشجار إما تضررت بالقصف أو اقتلعها أهالي المدينة للتدفئة في فترات الحصار. وأنا، ككل شجرات الزيتون في مدينتي، قد اقتلعتُ من جذوري، وانمحى تاريخي وتاريخ مدينتي. دخلت المعضمية في مصالحة مع النظام السوري، مثلها كمثل كثيرٍ من المدن التي حوصرت في السنوات الماضية في سوريا. كان أحد شروط الهدنة حذف العديد من الحسابات على منصات التواصل الإجتماعي، التي عملت على توثيق ما حل في المدينة منذ عام 2011؛ يريد النظام أن يمحو حكايتنا بشتى الوسائل الممكنة.

أحاول ألا يقلقني شتاء برلين، وألا يؤلمني أنني مثل ملايين السوريين ليس لدي خيارات في أي شيء. أُذكِّرُ نفسي كم أنا بخير، وأنني «صاحبة امتيازات» بالمقارنة من كثير من السوريين، وكم أكره هذا المصطلح. منذ خرجت من سوريا وأنا أركض كل يوم وراء سراب النجاة، أخجل من ذكر ألمي في كثير من الأحيان، وأقارن دوماً آلامي بآلام الآخرين وأستسخف ما أشعر به.

الذاكرة لا تحتاج إذناً لتهاجمنا

في حفل عيد ميلاد صديقة لي، الأسبوع الماضي، كان الناس سعداء أو يتظاهرون بذلك. كانت الأغاني المشغلة معظمها من أغاني التسعينات أو بداية الألفية، ما يعني طفولتي ومراهقتي.

كان الأمر يسير على ما يرام إلى حين تم تشغيل تلك الأغنية. إنها الأغنية ذاتها! أحسست وكأنني سقطتُ في جرف عميق. حاولتُ أن أركز للحظة وأفهم إذا كنت قد سقطت فعلاً أم أنني ما زلت أقف على قدمي. استوعبت أنني لم أسقط، وجلست في زاوية بهدوء. نفس عميق. واحد، إثنان، ثلاثة. حاولي حاولي. كنت أكلم نفسي داخلياً: لا تبكي، لا تبكي!

لم أستطع أن أتحرك. تمنيت لو كانت عندي القدرة على مغادرة الغرفة، لكنني كنت غير قادرة على الحركة.

أخذتني ذاكرتي الخائنة إلى عام 2004، إلى حفل زفاف أخي عبيدة وزوجته مريم. كان عمري أربعة عشر عاماً، وكانت مريم جميلة جداً، وكانا يرقصان معاً على هذه الأغنية. لا أذكر عدد المرات التي شاهدت فيها هذا الفيديو، ومريم في ذاكرتي ما زالت تدور وتدور وتدور، بفستانها الأبيض الكبير، وتضحك لي. عبيدة يذوب من الخجل لأنه لا يستطيع أن يجاريها في الرقص، فيقف ويصفق لها ضاحكاً ووجهه محمر من الخجل.

القصة جميلة جداً، والذكرى تدفىء القلب إلى حين أن تنقلني الذاكرة إلى المشهد الآخر في 2013، حين رأيت وجه مريم المغبر وجسدها الخالي من الحياة. لم أرَ جسد أخي عبيدة، ولم يتسنَّ لي أن أضمه. كان هناك كفنٌ أبيضٌ ملطخ ٌبالدماء، وكان هذا هو جسد أخي عبيدة الذي لم يُسمح لنا برؤيته لفظاعة المشهد.

فراغ… فراغ. الأغاني ما زالت مستمرة، ولكنني لم أكن هناك، كنت في مكان آخر، بعيد بعيد.

اقتربت مني صديقة وسألتني ما بك؟ هل أنت بخير؟

لحظة من الصمت في رأسي، ومحاولة يائسة للعودة إلى الواقع، لأجيبها بإبتسامة: «كلو تمام، بس شكلي نازل ضغطي شوي».

لستُ الوحيدة التي لا تود الاعتراف بالصدمة. كلنا كذلك.

الصدمة، الاحتراق، ودرجات مختلفة من الاكتئاب، ولكننا جميعاً لن نجيد شيئاً آخر سوى أن نكمل ما بدأناه: الكثير من المهام، والعمل، والدراسة، والانشغالات. لكن ما يزال لدى تلك الذاكرة الخائنة الوقت لضربنا ضربات موجعة، خصوصاً في اللحظات التي نحاول فيها أن ندّعي بأننا بخير.

في إحدى المرات، رأيتُ أحدهم واقفاً في القطار. كان ظهره ووقفته يشبهان وقفة أخي عبيدة. اليوم، وبعد أربع سنوات، لا أذكر عدد المرات التي بكيت فيها في المواصلات العامة منذ مجيئي إلى برلين، تحت وقع الذكريات التي تدق باب قلبي وعقلي دون استئذان.

في برلين الكبيرة، أبحث دائماً عمّن ذاقوا الخسارة، أولئك الذين اعتصر قلبهم الألم، وأضناهم التعب، وذرفوا دموع العين والقلب على سلسلة متتالية من الخسارات. أولئك الذين سيفهمون ذُعري من حبات البندورة الطازجة وامتناعي عن صنع التبولة في البيت، أو شراء البقدونس وشمّ رائحته في كل البيت عندما تخرج الحزمة من الكيس.

لسنوات ما زلت أفتح الثلاجة لأجد حبات البندورة، وأغلق باب الثلاجة في معظم الأحيان بتوتر. البندورة كانت الثمرة المفضلة لدى أخي عبيدة. عبيدة اللطيف، بابتسامته الحانية ومزاحه وضحكاته. في أشد أيام الحصار في مدينتنا المعضمية كنا، كأي عائلة معضمانية، قد قمنا بزراعة الخضروات في حديقة منزلنا لتحدي الحصار الخانق في محاولة بائسة للنجاة. وفي صباح اليوم الموعود، جاءت أميرتنا التي انتظرتها كل العائلة بصبر. نعم، إنها حبة بندورة حمراء لامعة متوسطة الحجم، حملتُها وسط الضحكات كجوهرة ثمينة ووضعتها على الطاولة في المطبخ. عدت إلى الحديقة لأقطف ورق العنب الذي كان سيقوم مقام الخسّ لسَلَطتنا، المكونة من ورق العنب الأخضر مع حبة بندورة واحدة فقط لا غير. عدت إلى المطبخ ووجدت عبيدة يحمل حبة البندورة، إذ كان يريد أن يأخذ قطعة منها، فرفضتُ قائلة إن هذه الحبة لكل العائلة، وسأقطعها إلى قطع صغيرة آملةً أن يظهر طعمها في وعاء السلطة الكبير. كان على وجهه خيبة أمل، ولكن سرعان ما ابتسم وأعطاني هاتفه قائلاً: «طيب أمانة صوريني معها».

عبيدة فارقنا بعدها بعشرة أيام، في نهاية شهر آب من العام 2013. وما زلت إلى اليوم أصاب بالذعر في أغلب المرات التي أرى فيها البندورة. في منامي أرى الكثير من حبات البندورة التي تلاحقني، وسرعان ما تتحول إلى بقع كبيرة من الدماء. أتمنى لو أنني أعطيت عبيدة حبة البندورة كاملة. ليته أكلها كلّها.

توقفت منذ سنوات عن الحديث عن أخي عبيدة وزوجته مريم وابنهم أحمد، الذين قتلوا بقصف النظام السوري. قذيفة هاون كانت كفيلة بأن تغير حياتنا إلى الأبد. بدأتُ بتسخيف ألمي أمام آلام الآخرين، وبدأتُ بخفض صوتي شيئاً فشيئاً، إلى أن ظننت أنه قد تلاشى. لا أحد يريد أن يكون الفيل في الغرفة. أكره العيون المسلطة عليّ، والعناق المبالغ فيه أمام الجميع.

لسنوات فكرتُ أن سرديتي ليست مهمة البتة أمام سرديات الآخرين، ولا أدري سبب هذه المقارنات التي تدور في رأسي. أحسستُ دائماً أن قصتي ليست مهمة، وربما قد نجوت ظاهرياً في آخر الأمر وأنا أكتب هذه الكلمات من برلين. أدرك الآن أنني ربما قد أخطأت. اليوم يجب أن أرفع صوتي، فسرديتنا هي نتاج سردياتنا جميعاً، ونتاج آلامنا باختلاف أشكالها. يجب أن أضم صوتي لأصوات الآخرين بدلاً من إسكاته.

صحن التبولة المنمّق، المرعب النسبة لي الآن، هو طعام أخي محمد المفضل. محمد معتقل منذ 6 سنوات. «أمي تبولتها أطيب تبولة بالعالم!»؛ هذا ما كان محمد يقوله دائماً. تكلمني أمي لتخبرني أنها تكره صنع التبولة من دون محمد.

أذكر بعض الأشياء وأنسى الكثير بالمقابل، وقد بدأت ذاكرتي تخونني. أنا خائفة. أنا أنسى، ولا أريد أن أنسى ما حدث.

لا أريد أن أنسى أولاد أعمامي الذين خسرناهم واحداً تلو الآخر. لا أريد أن أنسى ضحى، صديقة طفولتي والمسعفة في المشفى الميداني. لا أريد أن أنسى تفاصيل صورتها في ذهني منذ الصفوف الابتدائية حيث كنا جيراناً وأصدقاء، إلى اللحظة التي أنهى النظام السوري فيها حياتها بقذيفة هاون وهي في طريقها إلى المشفى.

لا أريد أن أنسى نهاوند التي تراودني في أحلامي. نهاوند صديقة المدرسة الثانوية التي لجأت إلى ليبيا مع زوجها وطفليهما، يمان ومحمد، لتتصل بي كل يوم وأنا تحت الحصار، وتدعمني وتخبرني عن محاولاتها لجمع المال وإرساله بهدف دعم محاولات تهريب حليب الأطفال إلى المعضمية. في أشد أيام الحصار، تلقيت خبر اختفاء نهاوند في البحر. كان ذلك في شهر تشرين الأول (أكتوبر) عام 2013. حينها، فقدتُ توازني. كان من المفروض أن أموت أنا وتنجو هي. لماذا نجوت من مئات القذائف ومجزرة الكيماوي وقصف بيت أخي ووفاته، هو وعائلته؛ لأتلقى خبر غرق نهاوند واختفائها إلى الأبد مع عائلتها في البحر، بين ليبيا وإيطاليا؟

أعود أحياناً بالذاكرة إلى الوراء، وأحس أن كل ما حدث أصعب من أن يتم تصديقه. يوترني الترتيب الزمني للأحداث في ذهني. تكون الأمور واضحة، ولكن غزارة المعلومات تتدفق ما أن أبدأ الحديث، وأرتبك ويخرج السرد في جمل مفككة، غير مرتبطة وغير مرتبة زمنياً.

أصدقائي يخبرونني بأنني أملك «البوكر فيس»، فأفكر ضمنياً بأن محاولاتي أن أخفي كل ما سبق بابتسامة هادئة قد نجحت. وأتساءل أحياناً كيف لنا أن نصل إلى مرحلة أن نهرب من سرديتنا ونخفيها. يخيفني أمران بخصوص سرديتي.

الأول أن تظل قصتي هي الشيء الوحيد الذي يراه العالم فيَّ كإنسان، وخصوصاً في المجال المهني. على الصعيد المهني، توقفت عن عدّ المرات التي استُخدمت فيها قصتي ضدي؛ «لا يمكنك أن تقودي، ربما هذا كثير عليك، لأنك حساسة، ولكننا نتفهم»، أو «لا تقلقي، هذا أمر صعب عليك وأنا سأتولى ذلك»، في طريقة لإضعاف موقفي وكل جهودي بطريقة مؤلمة، لتعود تجربتي وتصفعني كفاً مريراً في وجهي.

أتمنى لو توقفت الأمور عند ذلك، ولكن على الصعيد الشخصي والمهني يمكن أن تكون تجاربنا المريرة هي نقطة ضعف مؤلمة يتم الضغط عليها عند اللزوم. في كثير من المرات، مررت بمواقف حيث تم استخدام أسلوب التلاعب بالعقول معي (gaslighting). لم أكن أعرف أصلاً وجود مصطلح يصف هذه الحالة. كنت أشكو لصديقتي بعض ما حدث معي وما قد يدفعني للجنون، فاكتشفت أن لهذه التصرفات اسم.

التلاعب بالعقول هو وسيلة لزرع بذور الشك في عقل المتلقّين، بحيث يشكون في ذاكرتهم وإدراكهم وسلامتهم العقلية، ليستخدم المتلاعبون الإنكار المستمر والتضليل والمناقضة والكذب، ويكون الوضع أقوى للمتلاعب عندما يكون المتلقي شخصاً قد مر بصدمات نفسية تجعله عرضة لتصديق أنه المخطئ في تصور الأمور. أنا واثقة أنني لست الوحيدة التي تمر بهذه المواقف؛ مثال: «أنا لم أقصد عمل هذا أو ذاك، أنا أريد مصلحتك، كيف لك أن تظني بأني أردت أن أزعجك بذلك التصرف، ربما تراودك بعض الذكريات التي تجعلك عاطفية فتُسيئين فهمي. أنا أحبك كثيراً صديقتي، وأهتم لأمرك».

في فترة معينة، أربكني جداً التلاعب بالعقول، لكني اليوم أشعر بالملل، حيث لا قدرة لي حتى على النقاش. يمر أمامي المتلاعب/ة، لأكتفي بأن ابتسم ضمنياً وأحاول أن أتجاهل الإساءة التي يملكون الوقاحة اللازمة لكي يكرروها في كل مرة.

يؤرقني أن تكون قصتي هي نقطة ضعفي، وأن تكون خساراتي، سواء تلك التي قد أكون توقعت إمكانية حدوثها وقبلت بتلك الإمكانية أم لا، هي ما يمكن أن يُستخدم ضدي. تذعرني أيضاً فكرة التنمر أو الإساءة بشكل مباشر، وتخيفني بشدة.

عبيدة هو جرحي الذي لن يشفى ولن يلتئم. في العام 2015، قام أحدهم بإنشاء عدة حسابات وهمية على فيسبوك لمراسلتي بأشياء مثل «مرحباً أمينة أنا أخوكي عبيدة أكلمك من السماء. كيف الوضع عندك؟». أحياناً كانت تلك الحسابات باسم مريم، زوجة أخي، المتوفاة أيضاً. وقد تضمنت الرسائل فيما بعد معلومات شخصية، وما ظنوه مزاحاً ثقيلاً. وددتُ لو تخيلتُ أن ذلك الشخص الذي قام بهذا الفعل المشين هو أحد «الشبيحة» الذين يحاولون ابتزازي وإيذائي، لكن، للأسف، كان من الواضح أن من فعل ذلك هو شخص يعرفني جيداً. لم يبكني شيء بالقدر الذي أبكتني فيه هذه الرسائل، إذ بكيت حينها وكأن عبيدة قد مات مرة أخرى. كان ذلك من أهم الأسباب التي منعتني أن أكتب شيئاً عن عائلتي وعن ألمي.

اليوم، في العام 2020، أقول أنني سأرفع صوتي، وأهلاً بكل شيء. لم أعد تلك الفتاة التي كانت قبل خمس سنوات. ما تزال مساحتنا كنساء ضيقة وموحشة وغير آمنة، ولكنني أعود اليوم نادمة على كل لحظة حاولت أن أُسكت فيها نفسي. لن تخلق مساحتنا الآمنة لوحدها، بل ستضيق لو تخلينا عنها. نحن اليوم أحوج ما نكون كنساء شابات لأن نروي حكايتنا، أن نتكلم عن ألمنا، وعن ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا. أدرك اليوم أنني لن أنجو وحدي، وأرى نفسي محاطة بمجموعة رائعة من الصديقات، وأدرك أننا إما أن ننجو معاً أو نختفي بصمت بعيداً في زوايا باردة وخالية من القصص. أود اليوم أن أنجو أكثر من أي يوم مضى، وأود أن أمسك يد من حولي لننجو معاً. لم أعتد أن أكون وحدي، ولا أود أن أكون وحدي. ما معنى أن تنجو وتكون وحيداً؟ وهل ستكون في تلك الحالة قد نجوت أصلاً؟

حكايتنا صعبة، وهي تسحق شيئاً داخلنا وتشفي شيئاً آخر في كل مرة نقوى فيها على المشاركة.

لا أكترث اليوم بما يظنه الناس، ويمكنكم أن تعتبروني الفيل في الغرفة. الكائن المليء بالكوارث، الذي يربككم التعامل معه، ولكن هذه هي سوريتنا. يمكننا أن نبكي في الشارع وفي القطار وأن نصرخ متى شئنا، ويمكن للعالم أن يترك أحكامه ونصحه بعيداً عنا. النظام السوري سلب منا أرضنا وأحباءنا، وربما كل شيء، ولكنه لا يجب أن يسلب منا حكايتنا.

ليس من المفروض أن تكون قصصنا مصقولة أو مجملة لمن يسمعها، وليس من المفروض أن نصمت أو نتوقف عن تكرارها، أو أن نشعر بالسوء حيالها. هذه قصتي وقصتنا ذات التسع سنوات، قصتنا بكل الإجحاف في كل لحظة من لحظاتها، قصتنا بدموعها وندوبها ولا منطقيتها.

أمينة الصوّان: ناشطة سورية ومسؤولة حملات مقيمة في برلين منذ عام 2016. تعمل في منظمة حملة من أجل سوريا، وهي أيضاً عضوة في الحركة السياسية النسوية السورية.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق