سياسة

الخلاف التركي ــ الروسي: أبعد من إدلب؟ -مقالات مختارة- 1 –

 بعد طور قصير من الصدام بين تركيا وروسيا حول الملف السوري، وخاصة في الشمال ومحافظة إدلب، ساد التفاهم النسبي موقف البلدين من خلال توافقات تمّ التوصّل إليها رسمياً في أستانة وسوشي، رافقتها تفاهمات أخرى ضمنية حول العمليات العسكرية التركية في داخل العمق السوري بما فيها “درع الفرات” و”نبع السلام”، وكذلك ضبط فصائل المعارضة السورية المسلحة والجهاديين الإسلاميين. ولقد بلغ التعاون ذروة غير مسبوقة من خلال تنظيم دوريات تركية ــ روسية مشتركة، وإنشاء نقاط مراقبة تركية، وتحقيق قفزة نوعية في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. فهل خلافهما اليوم بصدد توغل قوات النظام السوري في عمق محافظة إدلب، بموافقة موسكو غالباً، يشكل تحولاً  في العلاقات التركية ــ الروسية يذهب أبعد من الأعمال العسكرية الراهنة، أم هو سوء تفاهم عابر لن يطول الزمن قبل نجاح البلدين في معالجته؟

إدلب: ازدحام الاحتلالات وارتطام المصالح/ صبحي حديدي

كلا المتفاهمَين الروسي والتركي، كي لا يقول المرء: المتشاركَين، في ازدحام تعقيدات محافظة إدلب السورية على الأقلّ؛ يدرك حدود التسخين أو التبريد في شروط اللعبة التي تفاهما عليها جيداً ومراراً، بعد خصام وصدام أعقب واقعة تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، حين أسقطت الدفاعات الجوية التركية طائرة سوخوي 24 روسية، فوق جبل التركمان داخل الحدود السورية. كلاهما، إلى هذا، قوّة احتلال عسكري على الأرض، تطبّق أطوار اللعبة مباشرة، أو عبر تفويض (النظام السوري عند موسكو، والفصائل المختلفة و”هيئة تحرير الشام” ذاتها عند أنقرة). وكلاهما، ثالثاً، في حال مركبة من التكامل تارة، أو التناقض تارة أخرى، مع الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، تستدعي هذه الدرجة أو تلك من التفاهم أو التناحر؛ مرحلياً غالباً، وعلى نحو استراتيجي في الخلفيات الأبعد.

التطورات الأخيرة خير كاشف لعناصر هذا الازدحام المعقد:

ـ قوات النظام السوري تتقدم أكثر في عمق إدلب، ضمن تكتيك القضم التدريجي، تحت غطاء جوي روسي لا يترك ريبة لمستريب في أنّ موسكو ليست موافقة على هذه العمليات العسكرية، فحسب؛ بل يستحيل ألا تكون هي صاحبة الضوء الأخضر في إطلاقها. وهذا تقدّم لا يخلو من مجازفة أولى، كبرى، هي الاصطدام العسكري مع أنقرة عبر نقاط المراقبة التي يديرها الجيش التركي؛ ومجازفة ثانية، سياسية هذه المرّة، هي الإضرار بتفاهمات أستانة وسوشي بين تركيا وروسيا.

ـ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يدرك جيداً أنّ الذهاب، أبعد مما ينبغي، في تجاوز حدود اللعبة ليس البتة في صالح موسكو سياسياً، كما أنه عسكرياً نقطة ضعف فادحة في جانب النظام السوري كما أثبتت التجارب السابقة؛ ليس ضمن احتمالات أية مواجهة عسكرية بين جيش النظام والجيش التركي فقط، بل كذلك إذا شاءت أنقرة رفع سوية التسليح، كمّاً وكيفاً، لدى كتائب ما يُسمّى بـ”الجيش الوطني السوري” الملحق بوزارة الدفاع التركية، أو حتى منح الجولاني “غمزة” من نوع ما يقرأها كترخيص بالتصعيد.

ـ ويدرك أردوغان، جيداً أيضاً أغلب الظنّ، أنّ الانسحابات الأمريكية من بعض مناطق التسخين (كما في القاعدة الجوية صرين قرب عين العرب، أو في منبج والطبقة)، لم تُمنح إلى الشرطة العسكرية الروسية إلا بموجب مقايضة؛ مؤقتة، كما يقول المنطق، ويمكن أن تُلغى بموجب أيّ تبدّل يطرأ على خيارات البنتاغون في سوريا. هذا إذا لم يفترض المرء أنّ الخلافات التركية ــ الروسية الراهنة توفّر فرصة ثمينة لدقّ إسفين بينهما، يصعب ألا يكون لصالح واشنطن، على المدى القريب في أقلّ تقدير. ولم يكن مفاجئاً، استطراداً، أنّ الخارجية الأمريكية أصدرت بياناً شديد اللهجة في مساندة الجيش التركي ضدّ النظام السوري وموسكو معاً، تذكّرت إحدى فقراته بأنّ أنقرة… عضو في الحلف الأطلسي!

ـ على صعيد الكرملين، لا يلوح أنّ إعطاء الإذن لقوات النظام السوري بالتوغل أبعد نحو إدلب يشمل، في الآن ذاته، إعلان ساعة الصفر لمعركة المحافظة الكبرى؛ بالنظر إلى أنّ هذا التطور الحاسم يتجاوز التكتيك المرحلي إلى تقويض الكثير من عناصر ستراتيجية موسكو في العلاقة مع أنقرة. وثمة الكثير الذي لا يُرجّح أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستعدّ لخسرانه، اقتصادياً بادئ ذي بدء، خاصة بعد تدشين خطّ “السيل التركي” الذي ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا بمعدّل 31,5 مليار متر مكعب سنوياً، والذي حرص الرئيس الروسي على المشاركة شخصياً في تدشينه.

وفي قلب هذه الشبكة الخبيثة هناك مصائر مئات الآلاف من السوريين المدنيين، المهجرين والنازحين واللاجئين، الذين لم تعد حتى أشجار الزيتون قادرة على تأمين ملاذ لأطفالهم وشيوخهم ونسائهم، ولكنهم مع ذلك ظلوا موضوعاً لجعجعة “المجتمع الدولي” ومادّة للخطب الطنانة في مجلس الأمن الدولي. العالم بأسره يقف متفرجاً على مأساة مفتوحة تتفاقم يوماً بعد آخر، في بلد بات همّ احتلالاته، الروسية والإيرانية والأمريكية والتركية، بعد الاحتلال الإسرائيلي، أنّ تفك ما بينها من ازدحام التفاهم والاختلاف، والتكامل تارة والتناقض طوراً.

القدس العربي

———————-

ستربتيز تركي في سوريا/ عمر قدور

مهما كانت نتيجة الزيارة التي سيقوم بها وفد روسي إلى تركيا، اليوم السبت، فإنها لن تغير في ما حدث حتى الآن لجهة سيطرة موسكو وصغيرها الأسد على مساحات واسعة كانت مشمولة بما يُسمى خفض التصعيد. في أحسن أحوال التفاهم، لن تقدم هذه الزيارة حلاً لمئات الألوف من المهجّرين تحت القصف، ولن تقدّم الثقة لعدد أضخم ينتظر مصيراً مشابهاً من دون أن يحظى بضمانات دولية حقيقية. التصريحات الأمريكية المتعلقة بالهجوم الروسي على إدلب بقيت في أقل حدود الإدانة اللفظية، وانصرف جزء مهم منها لإدانة الهجوم على نقاط المراقبة التركية أكثر من الاعتناء بمأساة السورية، ما يضعها في إطار التجاذب الدولي والإقليمي لا في إطار البحث عن حل حقيقي للمأساة.

التصعيد الروسي الأخير لم يتوقف عند قضم ما تم قضمه في ريف إدلب، فعندما صعّدت أنقرة قليلاً في المقابل، رغم بقاء أرجحية ميزان القوى لصالح موسكو، أتى الرد باستهداف مناطق أخرى خاضعة للنفوذ التركي مثل منطقة أعزاز الحدودية. الأهم أن البيان الروسي الذي حمّل أنقرة مسؤولية التصعيد، وأشار بكذب صفيق إلى ألف انتهاك “إرهابي” من قبل الفصائل التي كانت راضية بتفاهمات أستانة، هذا البيان نص على ما يزعم أنه سيادة سورية، ولمّح ضمناً إلى حق موسكو بالسيطرة على كافة الأراضي التي تسيطر عليها أنقرة حالياً.

لقد شهدنا تخبطاً في التصريحات التركية يعكس المأزق التركي، فهي تراوحت بين التهديد بالرد على هجوم قوات الأسد، مع محاولة عزل الأخيرة عن الإشراف المباشر لموسكو، وهي محاولة مضحكة لمعرفة الجميع بأن الهجوم مُدار من غرفة عمليات روسية. وشهدنا تصريحات تميل إلى التهدئة، غايتها على الأغلب مخاطبة الرأي العام الداخلي بلغة المصالح الاقتصادية التي تجمع الطرفين، وينبغي تغليبها كي يبلع الرأي العام التركي مقتل جنوده والإهانة التي لحقت بالسياسة التركية عموماً جراء اعتمادها على تفاهمات أستانة. صيغة الحديث عن المصالح الاقتصادية التي تربط أنقرة بموسكو لا توحي أيضاً بالتهديد، إذ يبدو وقع تضررها على تركيا أكبر من التضرر الذي سيصيب الجانب الروسي، أو على الأقل هناك استبطان تركي لعدم خضوع بوتين للتهديدات الاقتصادية، وقد سبق للغرب امتحانه بلا جدوى حتى الآن على هذا الصعيد.

الظروف الداخلية المحيطة بكلّ من الزعيمين متباينة تماماً، فأردوغان رغم نجاحه في إقصاء خصومه والتحول إلى زعيم أوحد في نظام رئاسي فقد جزءاً لا يُستهان به من شعبيته، وعانى حزبه انشقاقات سيكون لها أثر سلبي على الانتخابات القادمة. العامل الاقتصادي سيكون مؤثراً جداً عليه، لأن القاعدة البرجوازية الداعمة لحزب العدالة قد تنقلب عليه إذا أضرت سياساته بمصالحها. كذلك هو حال تحالفه مع القوميين الذين لن يغامروا في دعمه، خاصة إذا فشلت سياساته الخارجية في القضاء على حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري. بوتين لا تؤرّقه حسابات داخلية مماثلة، فهو تمكن للتو من ترتيب سيطرته على الحكم حتى بعد انتهاء ولايته بموجب التعديلات الدستورية الأخيرة. لدى بوتين يقين واقعي مبني على عدم وجود قوة تحد من تطلعاته السورية سوى واشنطن، وهو يتهيأ للحظة المساومة معها بعد السيطرة على كل ما يقع خارج تواجد القوات الأمريكية في سوريا. ثم إنه يحكم بلداً تأقلم منذ التجربة السوفيتية مع الضغوط الاقتصادية، بل يراهن على أن نظامه الحالي أشد مرونة وقدرة على استيعاب الضغوط من التجربة السوفيتية البائدة.

لدينا في الملف السوري سياستان، روسية وتركية، الواحدة منهما مقلوبة عن الأخرى. السياسة الروسية واضحة المعالم منذ التدخل العسكري المباشر، وهي تقوم استراتيجياً على تعزيز النفوذ في المنطقة ككل، بينما تقوم ميدانياً على استعادة السيطرة على كافة المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد تحت زعم الحفاظ على السيادة السورية. لم تخفِ موسكو تطلعاتها، وعملت على تنفيذها بحذافيرها طوال الوقت بسياسية الخطوة تلو الأخرى، حيث كانت تستهدف عسكرياً إحدى مناطق خفض التصعيد، ثم تستعد للسيطرة على التالية. وإذا كانت موسكو تعاملت بالقطعة ميدانياً فإن أنقرة تعاملت بالقطعة على المستوى الاستراتيجي، إذ منذ التدخل الروسي لم تطور سياسة ذات أفق واضح لمستقبل وجودها في سوريا وتصوراً عن الحل فيها، أو سياسة مفتوحة على احتمالات تضارب المصالح والتصدي لطموحات موسكو. التعويل على وفاء الأخيرة بوعودها في مسار أستانة فيه من السذاجة ما يكفي ليحاذر أي مبتدئ في السياسة الوقوع فيه، وكذلك هو التعويل على علاقة شخصية طيبة قيل أنها تجمع بين بوتين وأردوغان. الحال ليس بأفضل لجهة التعويل على علاقة شخصية طيبة تجمع بين أردوغان وترامب، فالأمر نفسه يُحكى عن العلاقة التي تربط ترامب ببوتين، إذا كان لسياسات الدول أن تنحدر إلى هذا الدرك من الشخصنة.

إن سياسة القطعة تلو الأخرى لم يكن لها مؤدى من الجانب التركي سوى ما يشبه رقصة التعري، لا يغير من ذلك أنها ظهرت بمثابة ستربتيز إجباري، وهذه وضعية لن يكون في وسع أنقرة تغييرها من دون وجود استراتيجية متكاملة مضادة للأهداف الروسية في سوريا. اتباع سياسة دفاعية غايتها الحفاظ على ما تبقى لن تؤتي بنتيجة مع موسكو، ولن تبدل في استراتيجيتها الهادفة في النهاية إلى السيطرة على كل ما تسيطر عليه أنقرة. التلويح الروسي المستمر باتفاقية أضنة بين أنقرة والأسد يصب أيضاً في المنحى ذاته، فموسكو تريد حصر دور أنقرة في هواجسها الكردية، من دون أن يكون لها ما تتطلع إليه من تأثير على التسوية في الملف السوري ككل. يجدر التنويه بأن تحجيم القوة الكردية هو موضع اتفاق بين كافة اللاعبين في سوريا والمنطقة، واستخدام القوى الكردية من قبل أي طرف هو شأن مؤقت وعابر ينقضي بانقضاء التكتيكات الموجبة له.

لقد دفع السوريون ثمن تفاهم موسكو وأنقرة، ودفعوا وسيدفعون الثمن الباهظ للخلاف بينهما. معارك السيطرة هنا وهناك يجب ألا تحجب النهج الروسي الذي لم يتغير، وهو اتباع سياسة الأرض المحروقة لا لضرورات عسكرية، وإنما بهدف الإبادة والتهجير، وهذا ما تستكمله ميليشيات الأسد التابعة لموسكو بتنكيلها بالقلة من السكان التي لا يحالفها الحظ بالهرب. لا نحتاج إلى التشاؤم كي نرى هول المجازر المقبلة، بل نحتاج إلى جرعة مفرطة من التفاؤل كي نشيح بوجهنا عن قدرة العالم على السماح بحدوثها.

المدن

——————–

موسكو وأنقرة .. تفاهمات السياسة أم تفاهمات الميدان؟/ حسين عبد العزيز

أن تشنّ فصائل المعارضة السورية في منطقة “درع الفرات” هجوما شرق مدينة الباب، هو الأول من نوعه منذ أربع سنوات، فهذا يدعو إلى التوقف، بما يتجاوز ما يقال إنه محاولة للتخفيف عن الفصائل في إدلب. وأن تقصف قوات النظام السوري لأول مرة بشكل مباشر رتلا عسكريا تركيا، فهذا يعني أن ثمّة قرارا روسيا بلجم أية اندفاعة عسكرية تركية لمواجهة قوات النظام. وأن يهدّد الرئيس التركي، أردوغان، بعمليةٍ عسكريةٍ في إدلب، في وقت يدعو فيه روسيا إلى عدم امتحان تركيا، فهذا يعني أن تفاهمات السياسة وتفاهمات الميدان بين الجانبين أصبحت على المحك.

وأن يحدث تكذيب وتكذيب مضاد بين الجانبين، التركي والروسي، بشأن أسباب مقتل الجنود الأتراك، فهذا مؤشر على فقدان الثقة. وأن تشن اتهامات واتهامات مضادّة بشأن مسؤولية التطورات العسكرية، فهذا يعني أن تفاهمات سوتشي قد انهارت. وأن يتأخر التواصل بين الرئيسين، التركي والروسي، كما كان معتادا في السابق مع أي خلافٍ يحدث، فهذا يعني انخفاض مستوى التنسيق والتواصل بين الجانبين.

هل يفهم من هذه التطورات أنها بداية الافتراق الروسي ـ التركي في الساحة السورية؟ العلاقات الروسية ـ التركية في سورية ليست استراتيجية ما فوق تاريخية، بقدر ما هي علاقات مرحلية فرضتها ظروفٌ معينة، تزول بزوال هذه الظروف. وأحد أهم أسباب التقارب الروسي التركي هو الوجود العسكري الأميركي في سورية الذي يهدّد الطرفين معا كل لأسبابه. ولمّا كانت روسيا وتركيا غير قادرتيْن على تحصيل تنازلات أميركية في الملف السوري تبعا لمصالحهما، فقد قويت عرى التحالف بينهما، وحصلت تنازلاتٌ سياسيةٌ وعسكريةٌ متبادلة. غير أن الأمر اختلف تماما، بعد انتهاء التوتر التركي ـ الأميركي عقب انسحاب القوات الأميركية من شمالي الرّقة، والسماح لتركيا بشن هجوم عسكري سيطرت بموجبه على المنطقة الواقعة بين مدينتي تل أبيض غربا ورأس العين شرقا.

ماذا يعني ذلك للروس؟ إنه يعني، في المقام الأول، أن تركيا، بحكم موقعها ونفوذها في الصراع السوري، استطاعت الحصول على مكتسباتٍ من الجانبين الروسي والأميركي معا، في وقت كان الروس يأملون أن تبقى أنقرة أسيرة التفاهمات معهم فقط.

بلغة الجيواستراتيجيا، عنى ذلك لموسكو أن تركيا حقّقت فائضا من الحضور الجغرافي العسكري، ولم تعد في موقف المتصارع مع الولايات المتحدة، بل وصلت الأمور إلى حد حصول تفاهماتٍ تركية أميركية بشأن قضايا كثيرة. وهذا أحد السياقات التي بسبّبها شن الروس هجومهم على إدلب. لكنّ ثمّة سياقين آخرين، يجب إبرازهما:

ـ قناعة روسية بأن الأتراك ضعيفون، ولا يستطيعون مواجهة الآلة العسكرية الروسية. وبني هذا التقدير ليس فقط على أساس التفوّق العسكري الروسي فحسب، بل أيضا بسبب التراخي التركي في الرد على الخروق الروسية التي بدأت العام الماضي، وانتهت بالسيطرة على ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي. لم يفعل الأتراك شيئا حيال تجاوز الروس بنود اتفاق سوتشي الذي نص على أن تكون المنطقة الآمنة (15 ـ 20 كلم) مناصفةً بين أراضي الجانبين، ولكن ما حصل أن الروس جعلوا المنطقة الآمنة في أراضي المعارضة.

ـ السياق الثاني، وهو السياق الاستراتيجي: لقد تعب الروس من إطالة مدة النزاع العسكري مع غياب أي استثمار سياسي ـ اقتصادي لهذا النزاع، وقد توصلوا إلى قناعةٍ، منذ أكثر من عام، بأن الصراع الحقيقي ليس في غرب سورية، وإنما في شرقها، فمن يسيطر هناك يفرض أجندته. ولذلك، يعمل الروس على إنهاء المعارك الجانبية، ومنها إدلب، للتفرغ للشرق والمسألة الكردية.

والخلاف الروسي التركي ليس على جنوب إدلب، ولا على الطرق الدولية في محافظة إدلب، فهذا متفقٌ عليه ضمن مسار أستانة، وسهولة سيطرة النظام على معرّة النعمان ومحيطها الشرقي، وسرعة الوصول إلى مدينة سراقب، تؤكد أنه لا يوجد قرارٌ تركيٌّ بمواجهة هذا الهجوم. ينحصر الخلاف بين الجانبين في ما بعد سراقب: الأتراك لا يتحمّلون سقوط مدينة إدلب بيد النظام، لأن ذلك يشكل تهديدا كبيرا على تركيا من النواحي الإنسانية الاقتصادية والعسكرية. ويفيد حصر نقاط المراقبة العسكرية التركية الجديدة في الشمال والشمال الشرقي لسراقب بأن هذه المنطقة يجب أن تكون خط النهاية لقوات النظام السوري. ولا يفهم من دخول أرتال عسكرية تركية كبيرة إلى المحافظة أنه محاولة لتغيير قواعد اللعبة والانتقال من الدفاع إلى الهجوم، كما ذهب بعضهم.. لا تسمح موازين القوى بذلك، لكنها تسمح لأنقرة إذا ما أرادت بجعل المعركة أكثر صعوبة وتكلفة للنظام وروسيا.

لم تتدخل هيئة تحرير الشام في كل معارك إدلب التي بدأت العام الماضي، ولكنها فجأة تشارك، عبر “العصائب الحمراء”، بتنفيذ عملية عسكرية مهمة مع فصائل المعارضة غرب حلب، قبل أن تعود أدراجها.

وفهم الموقف التركي في إدلب على المستوى العسكري مرتبط مباشرة بتحرّكات الهيئة، لا بتحرّكات الفصائل، فالهيئة لا تتدخل إلا بأمرٍ مباشرٍ من أنقرة، وهذه رسالة تركية إلى روسيا، أن المناطق الشمالية من المحافظة خط أحمر. ووفقا لهذه القراءة، ستنتهي العمليات العسكرية، على الأغلب، بعد السيطرة على مدينة سراقب وريفي حلب الجنوبي والغربي، مع إعادة بناء اتفاقٍ جديدٍ على غرار اتفاق سوتشي، استمرارا لمسار أستانة الذي لا ترغب العاصمتان بزواله، لأسباب سياسية لا عسكرية، على أن يبقى مصير شمال المحافظة معلقا إلى مرحلة لاحقة.

العربي الجديد

—————————-

حدود التنافس التركي الروسي في سورية/ مروان قبلان

تتعرّض العلاقات التركية – الروسية لاختبار كبير هذه الأيام، قد يكون الأصعب ربما منذ أزمة الطائرة الروسية التي أسقطتها تركيا على الحدود مع سورية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، أي بعد نحو ستة أسابيع على التدخل العسكري الروسي في سورية. منذ ذلك الوقت، طرأ تحول كبير على العلاقات بين موسكو وأنقرة، وعلى موقف تركيا من الصراع في سورية، وأهدافها فيه. وقد مالت تركيا التي تعرّضت لضغوط سياسية واقتصادية روسية كبيرة، في لحظة تخلي الغرب عنها، إلى التسليم بعد ذلك لموسكو باعتبارها صاحبة اليد العليا في سورية، بعد أن كان صراعها فيها يتسم بشيءٍ من الندّية، مع خصم إقليمي من وزنها تقريبا (إيران)، وأخذت تنحو منحىً براغماتياً تخلت فيه عن طموحاتها الأولية بإنشاء نظام قريب منها في دمشق. وبعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو/ تموز 2016، ضاق اهتمام تركيا بسورية أكثر، لينحصر في تأمين مصالحها على الحدود، وفي مقدمتها منع إنشاء كيان كردي، أو إدارة ذاتية كردية، وحجز مقعد لها على طاولة الحل السوري، من خلال نفوذها على فصائل المعارضة.

بداية التحول

المحطة الأولى التي انطلق منها قطار التحول التركي نحو روسيا بدأت بعملية “درع الفرات”، في أغسطس/ آب 2016، سمحت بموجبها روسيا لتركيا بأول عملية عسكرية كبيرة داخل الأراضي السورية، سيطرت خلالها على مثلث جرابلس – الباب – أعزاز، بمساحة تقدر بـ 2000 كم، بعد أن طردت منه كلاً من تنظيم الدولة الإسلامية، ووحدات حماية الشعب الكردية. في المقابل، ساعدت تركيا في ديسمبر/ كانون الأول 2016 في “إقناع” فصائل المعارضةبإخلاء الجزء الشرقي من مدينة حلب، ليبدأ بعدها ما سُمِّي مسار أستانا، حاولت خلاله روسيا استمالة تركيا وإثبات أن التعامل معها أجدى من التعامل مع واشنطن التي حاولت تركيا عبثاً إقناعها بإنشاء منطقة “آمنة” في الشمال السوري، والتوقف عن دعم الفصائل الكردية.

خلال عام 2017، تطورت التفاهمات التركية – الروسية التي انطلقت من أستانا، لتبلغ ذروتها في اتفاق مايو/ أيار 2017 الذي تضمن إنشاء ما سُميت حينها “مناطق خفض التصعيد”، وهي فكرة استعارتها موسكو من المبعوث الأممي، ستيفان دي مستورا، الذي اقترح تجميد الصراع بين السوريين في حلب صيف عام 2016. سعت موسكو، خلال هذه المرحلة، إلى تجميد الصراع مع المعارضة، حتى تتفرغ للسباق مع الولايات المتحدة على الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، خصوصاً في مناطق البادية والشرق. أما تركيا، فقد أدركت أنها لن تتمكن من تحقيق أهدافها التي غدت أكثر تواضعاً في سورية بعد التدخل الروسي، إلا بشراكة مع موسكو. وقد تجلت أهمية هذه المقاربة لتركيا، عندما سمحت روسيا لها ثانيةً، باجتياز الحدود السورية، وتنفيذ عملية غصن الزيتون التي سيطر فيها الأتراك على منطقة عفرين، وطردوا وحدات حماية الشعب منها. في المقابل، أجهزت روسيا على مناطق التصعيد الثلاث التي جرى التوافق عليها مع أنقرة، واحدة تلو الأخرى، بدءاً من غوطة دمشق، ثم مناطق شمال حمص، وصولاً إلى درعا، وذلك بعد أن تمت هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، واتضحت مناطق النفوذ الروسية والأميركية في سورية.

اعتقدت تركيا أن علاقتها مع روسيا التي كانت قد تطوّرت كثيراً في هذه الفترة على مستويات متعددة، عسكرية وأمنية واقتصادية، ستسمح لها بإنقاذ إدلب، وهي التي كانت تعنيها أساساً من بين كل مناطق خفض التصعيد. وبالفعل، جرى التوصل إلى اتفاق سوتشي في لقاء قمة جمع الرئيسين، التركي أردوغان والروسي بوتين، في 17 سبتمبر/ أيلول 2018، بعد عشرة أيام فقط على فشل قمة طهران الثلاثية بشأن إدلب. تضمن الاتفاق إنشاء منطقة منزوعة السلاح بعمق يصل إلى 15 – 20 كم، وفتح الطرق الدولية حماة – حلب واللاذقية – حلب، وإقامة نقاط مراقبة لتطبيق الاتفاق.

الأولوية لشرق الفرات

خلال هذه المرحلة، كانت موسكو مهتمةً أساساً بإخراج واشنطن من مناطق شرق الفرات، وقد أفزعها إعلان وزير الخارجية الأميركية السابق، ريكس تيلرسون، في يناير/ كانون الثاني 2018، أن بلاده تنوي الاحتفاظ بوجودها العسكري في شرق سورية، بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. كان بوتين يحتاج إلى تعاون تركيا لإقناع الرئيس ترامب بالانسحاب من مناطق شرق الفرات. وهو ما حصل. إذ قرّر ترامب، بعد مكالمة هاتفية مع أردوغان، مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2019، إخلاء أجزاء كبيرة من مناطق شرق الفرات، على الرغم من معارضة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، ما سمح لتركيا بتنفيذ عمليتها العسكرية الثالثة داخل الأراضي السورية تحت مسمى “نبع السلام”، والسيطرة على شريط حدودي بطول 110 كم وعمق 30 كم بين رأس العين وتل أبيض. استفادت روسيا من الوضع الجديد القائم، وعرضت على تركيا اتفاقاً وُقِّع في سوتشي في 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، تعهدت موسكو بموجبه سحب وحدات حماية الشعب الكردية التي بات لها تأثير أكبر عليها الآن، بعد أن بدا وكأن الأميركيين تخلوا عنها، من كامل الشريط الحدودي السوري – التركي الواقع شرق الفرات (440 كم) وبعمق 32 كم داخل الأراضي السورية خلال 150 ساعة من توقيع الاتفاق، وسُيِّرَت دوريات مشتركة روسية – تركية لضمان التنفيذ. أرادت روسيا من الاتفاق منع تركيا من إنشاء “منطقة آمنة” في ما بقي من الشريط الحدودي، وتعزيز مواقعها شرق الفرات على حساب الأتراك والأميركيين والأكراد.

ما إن حققت روسيا أقصى فائدة ممكنة من تفاهماتها مع تركيا شرق الفرات، حتى عادت إلى التركيز على إدلب. وكانت روسيا خلال عام 2019، وخصوصاً بعد فشل الجولة الـ12 من اجتماعات أستانا أواخر إبريل/ نيسان من ذلك العام، أطلقت عملية عسكرية كبيرة ضد إدلب، بحجّة أن تركيا لم تلتزم اتفاق سوتشي، لجهة إنشاء المنطقة منزوعة السلاح وفتح الطرق الدولية. وكانت روسيا تعارض، في الأصل، إنشاء “منطقة آمنة” تركية في شرق الفرات، وتستخدم إدلب أداة ضغط على تركيا لمنعها من ذلك، فكان القصف الروسي على إدلب يتصاعد كلما اقتربت تركيا من التوصل إلى اتفاق مع واشنطن بشأن هذه المنطقة، بقصد إشغال فصائل المعارضة في إدلب، ومنع نقلها إلى شرق الفرات. لكن روسيا عادت وغيرت موقفها، إذ وجدت ضرورة في التعاون مع تركيا لإخراج الأميركيين من شرق الفرات أولاً، والتفرّغ بعدها لإنهاء الوجود التركي في إدلب، وإعادة تنظيمه في أنحاء الشمال السوري من خلال تفعيل اتفاق أضنة لعام 1998. بناءً عليه، أعربت قمة أنقرة الثلاثية (شاركت فيها روسيا وإيران) في سبتمبر/ أيلول 2019 عن تفهمها مخاوف تركيا الأمنية في شمال سورية، وأكدت احترام هدنة إدلب التي جرى التوصل إليها عشية الجولة الـ13 من اجتماعات أستانا مطلع أغسطس/ آب 2019، واتُّفق خلالها على تفاصيل إنشاء اللجنة الدستورية التي انبثقت من مؤتمر سوتشي في يناير/ كانون الثاني 2018، بعد أكثر من 18 شهراً من المفاوضات والمشاورات.

سقوط الهدنة

سقطت الهدنة بمجرد أن آتت توافقات شرق الفرات أكلها روسياً. وكانت تركيا تظن، على الأرجح، أن اهتمام روسيا بإدلب يقتصر على تنفيذ اتفاق سبتمبر 2018، القاضي بإبعاد “هيئة تحرير الشام” مسافة 15 – 20 كم في عمق إدلب، حمايةً للقواعد والمنشآت العسكرية الروسية التي كانت تُستهدَف بصواريخ وطائرات مسيّرة، والسيطرة على المناطق الواقعة على الطرق الدولية. لكن بمرور الوقت، بدأ يتضح أن الروس عازمون على سحق المعارضة بالكامل وفرض رؤيتهم للحل النهائي.

أثار الأمر غضب الأتراك، أو بدا كذلك، خصوصاً بعد أن سقط لهم قتلى في مواجهات مع قوات النظام في الأيام الأخيرة. وتخشى تركيا من أن تؤدي الحملة العسكرية الروسية على إدلب إلى حصول أزمة نزوح كبيرة باتجاه أراضيها، وفقدان قدرتها على التأثير في الشأن السوري سياسياً وميدانياً (بمعنى هزيمة مكتملة الأركان). ودفع هذا الأمر الرئيس أردوغان إلى إطلاق تهديدات غير مألوفة، ودفع تعزيزات كبيرة إلى داخل المحافظة، في ظل وجود نقاط مراقبة تركية عديدة فيها، بعضها محاصر.

تركت التهديدات التي أطلقها أردوغان لدى بعضهم انطباعاً بأن تركيا قد تكون هذه المرّة مستعدة للدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا، لحماية مصالحها والذود عن حلفائها في إدلب. ولكن هذه القراءة لا تبدو واقعية، كما كان حالها منذ البداية، ذلك أنها ظلت تحاول فهم العلاقات التركية – الروسية من زاوية سورية محضة، بمعزل عن تعقيدات جوانبها الأخرى، الاقتصادية والسياسية والعسكرية، في حين أن الروس والأتراك لا يرون في سورية إلا جزءاً من حزمة مصالح وتناقضات تحكم علاقتهم، ومفصلاً متداخلاً مع مفاصل وقضايا وصراعات إقليمية ودولية أخرى، تعنيهم بالقدر نفسه، وربما أكثر.

أبعد من سورية

في السنوات الثلاث الأخيرة، تعمقت العلاقات الروسية – التركية، من دون أن يعني ذلك تنامي الثقة بين طرفيها، وباتت مرتبطةً بشبكة متداخلة من المصالح، إلى درجةٍ يصعب معها تصور استعدادهما للتضحية بها، والدخول في مواجهةٍ بسبب إدلب. فروسيا هي اليوم شريكٌ تجاري رئيس لتركيا، وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2019 نحو 30 مليار دولار، مع وجود خطط لرفعه الى مائة مليار خلال السنوات المقبلة. وتعتمد تركيا كثيراً على إمدادات الغاز الروسية (60% من احتياجاتها) وقد زاد اعتمادها أكثر عليها بسبب العقوبات الأميركية على طهران (كانت تزود تركيا بنحو 20% من احتياجاتها من الغاز). وأصبحت تركيا بلد عبور رئيساً لإمدادات الغاز الروسية إلى أوروبا منذ مطلع العام الحالي (2020)، بعد افتتاح خط “السيل التركي” الذي يمرّ تحت البحر الأسود (بطول 910 كم). وتبني روسيا حالياً أول محطة توليد طاقة نووية في تركيا، بمعنى أنها باتت تسيطر على جزء كبير من قطاع الطاقة التركي بأنواعه. فوق ذلك، أصبحت تركيا تعتمد، في دفاعاتها الجوية، على منظومات صواريخ إس 400 التي ابتاعتها من روسيا العام الماضي، بعدما سحبت واشنطن بطاريات صواريخ باتريوت من تركيا عام 2016، ورفضت طلباً من أنقرة لشراء عدد منها. وفي ظل تنامي العلاقات العسكرية بين واشنطن وأثينا، وتوجّس تركيا من أن إدارة ترامب أخذت تنحاز إلى اليونان في الصراع على الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن النفط في شرق المتوسط، ستسعى تركيا، على الأرجح، إلى استمالة روسيا إليها في هذا النزاع، وقد بدا ذلك ممكناً في ضوء الاتفاق الذي توصل إليه البلدان بشأن ليبيا.

من المستبعد، لهذه الأسباب وغيرها، توقع حصول مواجهة بين البلدين في سورية، فلا تركيا ولا روسيا تريدان تكرار سيناريو إسقاط الطائرة الروسية عام 2015، وتركيا لن تفعل ذلك بالتأكيد، في ظل تنامي حالة عدم الثقة التي باتت تميّز علاقتها بواشنطن. وتوضح السنوات الماضية مدى براغماتية السياسة التركية، وقدرة الروس والأتراك على إدارة خلافاتهما في سورية، وحتى عزلها عن بقية الملفات التي تشهد تعاوناً تركياً روسياً.

في المحصلة، لا ينبغي التعويل على الموقف التركي بخصوص إدلب، لمجرد أن نبرة الصوت صارت أعلى، فالأرجح، في ظل المصالح الكبيرة التي تجمعهما، أن يتوصل الروس والأتراك إلى تفاهمات جديدة. وستكون هذه التفاهمات، كما درجت العادة، على حساب السوريين الذين دفعوا أثماناً كبيرة، وما زالوا، نتيجة تحوّل بلادهم إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مكشوف، إلى درجة بات معها استمرار هذا الصراع ضرباً من العبث المُطعَّم بالجنون. أما توقع حصول مواجهة بين الكبار في عصر انهيار الأخلاق، فليس إلا وهماً يغذيه الأمل، فهؤلاء يجيدون القتال حتى آخر قطرة من دماء الآخرين.

العربي الجديد

—————-

صراع السلطان والقيصر/ عمر قدور

القصف الوحشي على إدلب ليس بالجديد تماماً، لكنه هذه المرة يتزامن مع قصف مماثل على محيط حلب المتاخم والشمالي، أي أنه يشمل كافة المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد في تلك الجهة. الجديد أيضاً تلك الحشود المتزايدة التي تجهزها موسكو من أجل معركة كسر العظم، مع التنويه بزج الميليشيات الإيرانية فيها بعد تحاشي موسكو الاستعانة بها في جولات سابقة مثل الهجوم على ريف حماة الشمالي. الفصائل المدافعة استخدمت بكثافة مضادات الدروع، بينما أشارت الأخبار إلى حصولها على إمدادات تركية ضخمة، بعد إبلاغها عبر رئيس جهاز المخابرات التركي بفشل التفاهم التركي-الروسي حول الهدنة.

ميدانياً، رغم الخسائر الباهظة التي تعرضت لها الميليشيات التي تشرف عليها موسكو، سيكون للطيران الروسي دور حاسم في ترجيح الكفة على حساب المدافعين. قد تزيد مضادات الدروع في الكلفة البشرية للميليشيات المهاجمة، وقد تؤخر تقدمها، إلا أن هذا لن يؤثر في العزيمة الروسية على تحقيق النصر. لن تكون هناك مفاجآت ميدانية دراماتيكية، فالدعم التركي محكوم بسقف محدد منذ بداية تسليح المعارضة، وهو حرمان الفصائل من وسائط الدفاع الجوي، وهذا خط أحمر أمريكي لم تجرؤ جهة على اختراقه.

لقد أدى مسار أستانة أغراضه المطلوبة روسياً، وتحت ستار أكذوبة مناطق خفض التصعيد استهدفتها موسكو واحدة تلو الأخرى، وفي المدة ذاتها استطاعت تفريغ مسار مفاوضات جنيف “المتعثرة ثم المتوقفة” من المضمون السياسي لصالح مفاوضات اللجنة الدستورية التي توقفت أيضاً. لم تكن تلك العملية برمتها سهلة ومضمونة لولا التنسيق مع أنقرة، وبإكتمالها تنتفي الحاجة إلى التنسيق والمسار معاً. الآن، ثمة وقائع فُرضت بموافقة أو صمت تركيين، وعلى أنقرة التعامل بموجبها، هكذا هو عالم السياسة الذي يتغير بتبدل موازين القوى.

على افتراض سيطرة موسكو على المناطق المستهدفة بالهجوم، لن تكون أنقرة قد خرجت من المعارك بلا ثمن، فهي قبضت الثمن بسيطرتها على عفرين وعلى شريط حدودي بين رأس العين وتل أبيض، فضلاً عن المناطق التي سيطرت عليها تحت مسمى درع الفرات. في الحصيلة الإجمالية، تسيطر أنقرة على مساحات غير قليلة من سوريا في زحمة الوجود الدولي والإقليمي، والصمت الدولي تجاه القصف الروسي على إدلب فيه شيء من الموافقة على تحجيم النفوذ التركي من قبل قوى تنظر إلى سوريا كساحة للصراع وتقاسم النفوذ.

الدفء في العلاقات الروسية-التركية هو الطارئ، القاعدة منذ النصف الثاني للقرن السادس عشر هي الصراع بين البلدين، وكان لتوسع روسيا القيصرية في حصيلة تلك الحروب الأثر البارز في إضعاف الإمبراطورية العثمانية ثم انهيارها. في التاريخ أيضاً، لم يتوقف السعي الروسي للوصول إلى المياه الدافئة جنوباً، وكانت تركيا هي العائق أمام هذا الطموح، سواء أثناء صراع السلاطين والقياصرة أو أثناء الحرب الباردة. لم يكن الغرب بعيداً عن الصراع، وفي بعض جولاته رجحت مشاركة الغرب انتصار أحد الجانبين، كما هو الحال في حرب 1686-1700 التي وقف فيها إلى جانب روسيا، وفي حرب القرم 1853-1856 التي وقف فيها إلى جانب السلطنة.

بالطبع لا صداقات ولا عداوات دائمة في السياسة، لكننا نشهد في رقعة استراتيجية محدودة تنافساً يذكّر بالماضي، ولا غرابة في أن يمتد التنافس من إدلب إلى ليبيا. لدينا اليوم طموح بوتين الذي لا يخفى لاستعادة أمجاد القيصرية والاتحاد السوفيتي معاً، ولدينا الطموح الأردوغاني القائم على نهضة تركيا كقوة إقليمية كبرى في المنطقة. يغذّي الطموحين الانكفاء الأمريكي عن الدور التقليدي المباشر في المنطقة، وما تبدو رغبة أمريكية في اعتماد قوى مساعدة تضبط المنطقة وتتولى المهمات التي لا يريد الغرب القيام بها.

هناك مشتركات بين الجانبين، بوتين لعب في بداية تدخله على الوتر الديني، وشاهدنا كيف بارك رأس الكنيسة الأرثوذكسية طلائع القوات المتوجهة إلى سوريا. كذلك استثمر أردوغان في العامل الديني منذ تصريحه بأن حماة خط أحمر، وتشبيهه وجود اللاجئين السوريين ببلده بالمهاجرين والأنصار. لعدم كفاية العامل الديني، سنرى الطرفان يتوجهان إلى الاستثمار لاحقاً في العامل القومي من أجل حشد الدعم لسياساتهما الخارجية، في روسيا سيكون القوميون أفضل سند لطموحات بوتين، وفي تركيا سيكون القوميون سنداً لسياسات أردوغان على خلفية التصدي لما يُعتبر خطراً كردياً.

بمعزل عن التدخل الغربي لصالح أحد الطرفين، يميل ميزان القوى لصالح موسكو، ولا يمكن تعديله سوى بدعم غربي لأنقرة، ولو كان هذا الدعم معنوياً وإعلامياً يحذر بوتين من المبالغة في طموحاته. إلا أن الغرب عموماً يفضّل بوتين على أردوغان، ورغم العقوبات الغربية على موسكو يحظى الأول بصلات وثيقة بالقادة الغربيين، ومنهم ترامب المكبّل تجاه موسكو بالفضائح وبفرملة من صقور حزبه. لا ننسى أن التدخل العسكري الروسي في سوريا حظي بموافقة أمريكية وغربية، والصمت الغربي على التوغل التركي فيها ليس مباركة على المستوى ذاته، لأن دور الشرطي “المتضمن ضبط الساحة السورية” مناط بموسكو في المقام الأول.

حتى قبل التدخل الروسي لم يكن مسموحاً لأنقرة تجاوز حدود معينة في سوريا، فوضعية الجار الأكبر تثير مخاوف قوى عديدة من وجود وتأثير مستدام لها، عند المخاوف ذاتها تتقاطع غالبية القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في الشأن السوري. ثمة مقايضة تعين على أنقرة القبول بها، هي تخليها عن الشأن السوري ككل مقابل السماح لها بالتدخل ضد الميليشيات الكردية فقط، شاركت موسكو في هذه المقايضة بسحب الغطاء عن عفرين، بينما شاركت واشنطن فيها بسحب الغطاء عن الشريط بين رأس العين وتل أبيض.

إذا تحرينا ما هو أبعد من المعركة الحالية، ربما تخوض أنقرة معركة ما بعد إدلب. المقايضة المذكورة سابقاً معرّضة للانقضاض عليها، بدءاً من جهة عفرين حيث تتلهف الميليشيات الكردية لاستعادتها بغطاء روسي وتحالف مع قوات بشار والميليشيات الإيرانية. الإشارات التمهيدية أتت في خضم المعركة الحالية باستهداف مناطق تسيطر عليها الفصائل التابعة لأنقرة هناك، وباستهداف منطقة أعزاز بالقذائف وبشاحنة مفخخة، ما يعني أن انهيار التفاهم الروسي-التركي حول إدلب أوسع من الاختلاف عليها فقط.

يفرض التاريخ نفسه مرة أخرى في صراع السلطان والقيصر، إذ يصعب تصور آفاق لاستعادة تحالفهما المؤقت بعد استنفاد أغراضه، ولا مؤشرات عن اقتراب تسوية في الملف السوري تنهي الصراع. الطرفان استثمرا الكثير في سوريا، وستكون الهزيمة ثقيلة جداً على الخاسر، وكما كان الأمر في حروبهما السابقة لن يكون الغرب بعيداً عن تحديد الفائز.

المدن

————————————

أردوغان – بوتين واختبار إدلب الصعب/ بشير البكر

كانت نتائج المواجهة العسكرية أخيرا بين القوات التركية وقوات النظام السوري كبيرة، وغير مسبوقة، لجهة أعداد القتلى والجرحى من الطرفين. وكان من الواضح أنها رسالة دموية من الروس، ولا يشكّل النظام السوري فيها أكثر من أداة. جاءت الرسالة، بعد أن وصلت قناة الحوار الثنائي إلى طريق شبه مسدود. ومعنى ذلك أن الطرف الروسي بدأ يستنفد أوراق الضغط الدبلوماسية والسياسية على تركيا، ولهذا لجأ إلى القوة العسكرية بالوساطة. والدليل على ذلك أن الروس تبرّعوا لتغطية النظام، وتقديم روايةٍ تحمّل تركيا مسؤولية العدوان من النظام على القوات التركية، ما يعني تجاوز روحية التفاهمات الروسية التركية منذ اعتذار أنقرة في يونيو/ حزيران 2016 عن إسقاط الطائرة الحربية الروسية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، والذي تلاه تخفيفٌ كبيرٌ للتوتر، وتطبيع للعلاقات وتطويرها إلى حد بدت في العام الأخير وكأنها سارت على طريق استراتيجي.

لم تكن العلاقة التي جمعت بين الرئيسين، التركي أردوغان والروسي بوتين، بعد حادث سقوط الطائرة سهلة على الإطلاق، وهي من النوع المعقد جدا الذي يحتاج إلى دراية ورعاية ومتابعة يومية، والعنصر الأساسي الذي يشكل عامل الشد والجذب فيها هو سورية، فالرئيس بوتين يتعامل مع تدخله في سورية على أنه شأن روسي استراتيجي، ولذلك لا يقبل القسمة أو الخسارة والتراجع، بينما تحكم علاقات أردوغان بالشأن السوري جملة معادلات معقدة، منها على الخصوص وجود ما يفوق أربعة ملايين مهجر سوري، نصفهم دخل تركيا هربا من العمليات العسكرية الروسية. وهناك مرشّحون جدد يصلون إلى هذا الرقم في محافظة إدلب. والملف الثاني هو النواحي الأمنية التي يلخصها الوضع الكردي في شرق الفرات. بالإضافة إلى ملف الفصائل السورية المسلحة التي تتلقى الدعم العسكري والسياسي من تركيا.

ومن الثابت، والذي لا يقبل الشك، أن تركيا راعت الروس كثيرا خلال السنوات الأخيرة فيما يتعلق بإدارة الملف السوري، وتعتبر، بحساب الربح والخسارة، الخاسر الوحيد حتى الآن. وإذا أخذنا ملف مناطق خفض التصعيد وحده نجد أن تركيا، بوصفها ضامنا للاتفاق، تعرّضت للخيانة من روسيا التي لم تحترم الاتفاق نهائيا، وأخذت بالقوة، حتى الآن، المناطق الثلاث الأولى، في ريف حمص، وريف دمشق، ودرعا، وهي في الطريق إلى بسط نفوذها على المنطقة الأخيرة في إدلب. ولدى طرح السؤال: ماذا كسبت تركيا مقابل التنازل للروس عن دورها ضامنا؟ لا أحد يستطيع أن يقدّم إجابة شافية، وهنا مربط الفرس. وقد صار هذا السؤال يتردّد بالقوة في الأيام الأخيرة في الأوساط الدولية، حتى أن المبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري، تحدث عن الأمر صراحة قبل عدة أيام، وقال “لقد أوضحنا لأردوغان عدة مرّات أن جهوده لعقد صفقات مع الروس في شمال شرق سورية وشمال غرب سورية لن تجدي نفعا، وأنا بنفسي قلت له لا يمكنك الوثوق ببوتين… وهو بنفسه يرى نتائج ذلك الآن”.

وبالإضافة إلى هذا، بات السوريون الذين اتخذوا من تركيا حليفا أمام وضع حرج جدا، وهم لا يجدون أي تبريرٍ يقدّمونه لآلاف من المهجّرين قسريا من بيوتهم التي يدمرها الروس تحت بصر القوات التركية الموجودة في نقاط المراقبة. وتكمن العقدة هنا في أن عدة ملايين كانت تعوّل على تركيا، وتراهن عليها في وقف عمليات التهجير والتدمير المنهجي للعمران والبنى التحتية، ولكن تركيا تقف اليوم عاجزةً عن ردع روسيا أو مساعدة الفصائل من أجل وقف العدوان الروسي. وفي كل يوم يمر، يزداد هذا الملف سخونةً، ويكبر السؤال، ولا أحد يمتلك الإجابة. بل أكثر من ذلك، هناك قلق فعلي من دخول النظام مدينة إدلب، ومن بعد ذلك مناطق “درع الفرات” و”غصن الزيتون”.

العربي الجديد

———————————

العلاقة التركية ـ الروسية واختبار الدم/ بكر صدقي

شكّل مقتل ثمانية جنود أتراك، بالقرب من مدينة سراقب في محافظة إدلب السورية، بقذائف مدفعية ميليشيات النظام الكيماوي، صدمة في الرأي العام، لم تكف الهجمات الانتقامية التي قالت وزارة الدفاع التركية إنها أدت إلى «تحييد» ما بين 25 ـ 35 عنصراً من قوات النظام لتجاوزها. كذا لم تفعل زيادة هذا العدد المفترض إلى 70 ـ 75 على لسان الرئيس أردوغان، قبيل رحلته إلى أوكرانيا التي بينها وبين روسيا ما صنع الحدّاد منذ إلحاق الأخيرة لشبه جزيرة القرم، وتكرار الرئيس التركي للموقف الرافض لأنقرة لهذا الإلحاق.

وبدلاً من اتخاذ القيادة الروسية موقفاً متضامناً مع شريكتها في مسار أستانة، في أعقاب مقتل الجنود الأتراك على يد ميليشيات تابعها الكيماوي، أو موقفاً وسطياً بالحد الأدنى، انشغل المسؤولون الروس بتكذيب الرواية التركية حول الرد الانتقامي على ميليشيات الأسد، ليقولوا إن الطيران التركي لم يتجاوز الخط الحدودي وإن القصف المدفعي التركي لم يؤد إلى خسائر بشرية في صفوف ميليشيات النظام. بل إنهم برروا هجمات النظام على القافلة العسكرية التركية التي كانت متجهة إلى سراقب لوضع حد لتقدم قوات النظام، بالقول إن الجانب التركي لم يبلغهم مسبقاً بمسار القافلة، في حين كانت وزارة الدفاع التركية قد أكدت أنها أعطت الشريك الروسي إحداثيات خط سيرها بصورة مسبقة. ونشرت وسائل إعلام روسية خبراً لم تؤكده مصادر رسمية حول مقتل أربعة جنود من القوات الخاصة الروسية، في الأول من شهر شباط/فبراير، في منطقة لم تحددها شمالي مدينة حلب، وذلك حين انفجر لغم بسيارتهم وسارعت عناصر مسلحة (معارضة) إلى قتل الجنود الروس الذين جرحوا في انفجار اللغم. ونشرت مواقع روسية أسماء الجنود الأربعة وصورهم. من المحتمل، إذن، أن مقتل الجنود الأتراك، في اليوم التالي، جاء بتوجيه روسي انتقاماً لمقتل جنودها الأربعة. أضف إلى ذلك قيام طائرة حربية روسية بقصف مركز مدينة الباب، شمال شرق حلب، المحسوبة ضمن إطار منطقة النفوذ العسكري التركي في عملية «درع الفرات» في سابقة هي الأولى من نوعها هناك. هذا ما يفسر عدم إدانة الروس لاستهداف القافلة العسكرية التركية من قبل مدفعية حليفهم الكيماوي، ولمجمل تصريحاتهم في تكذيب التصريحات التركية بشأن الرد الانتقامي التركي على قوات النظام.

وعموماً ارتفعت وتيرة التصعيد في التصريحات التركية الموجهة ضد روسيا، بما في ذلك تصريحات أردوغان بالذات، مقابل برودة أعصاب القتلة التي اتسمت بها الردود الروسية عليها، بما يليق بشخصية الرئيس الروسي. لكن عاصفة التصعيد الميداني توقفت بالنسبة للاستهداف (المتبادل؟) بين الجيش التركي وميليشيات النظام على ما تظهر تطورات اليومين الماضيين، بموازاة استمرار قصف طيران النظام لمناطق متعددة في ريفي إدلب وحلب الغربي، وكأن التوتر التركي ـ الروسي وضع بين قوسين، بعد المكالمة الهاتفية بين أردوغان وبوتين الأربعاء.

وسبق للرئيس التركي أن أعطى إشارة قوية لتهدئة التوتر مع روسيا، في تصريحات أدلى بها في الطائرة التي أعادته من أوكرانيا إلى تركيا. فبناء على سؤال لإحدى الصحافيات المرافقات، قال أردوغان إن العلاقات التركية الروسية متعددة المستويات، ولن تتأثر بالتوتر الذي حدث بعد مقتل الجنود الأتراك. فتحدث، في هذا الإطار، عن المفاعل النووي الذي تبنيه روسيا في تركيا، والمهندسين الأتراك الذين يتلقون تدريباتهم في روسيا، وصواريخ إس 400، وخط نقل الغاز المسمى بـ«التيار التركي» لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا، إضافة إلى استيراد قسم كبير من حاجة السوق التركية للغاز الروسي، والعلاقات التجارية النشطة بين البلدين، واستمرار السياح الروس في احتلال المرتبة الأولى في حجم سوق السياحة التركية. وكأن أردوغان أراد، من خلال هذا الكلام، أن يرد على موجة الاستياء من روسيا التي أعقبت مقتل الجنود الأتراك في الرأي العام التركي، كما على دعوات البعض إلى مراجعة العلاقة غير المتكافئة مع روسيا على حساب العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

الواقع أن الشراكة الروسية – التركية في الصراع السوري، لم تخرج يوماً من دائرة النقاش العام، فكان هناك تيار معارض يدافع عن وجوب التمسك بموقع تركيا في التحالف الغربي، مقابل «تيار روسي» يدفع باتجاه القطيعة مع الغرب تحت شعار «العداء للامبريالية» الذي يجمع تحت مظلته يساريين وقوميين وإسلاميين، وإقامة تحالف استراتيجي مع روسيا (وإيران)، من أبرز الدعاة إلى إعادة التموضع الاستراتيجية هذه اليساري الماوي السابق دوغو بيرنجك رئيس «حزب الوطن» (حزب العمال التركي سابقاً). الغريب أن هذا الحزب الهامشي الذي طالما فشل في إدخال نائب واحد إلى البرلمان في جميع الدورات الانتخابية التي شارك فيها، يلعب دوراً سياسياً يفوق حجمه بأضعاف مضاعفة. فهو يرى في نفسه ممثل «الدولة» (أو ما يسمى في الأدبيات التركية بالدولة العميقة) أو صاحبها والمدافع عنها في مواجهة «السلطة» التي تتعاقب عليها مختلف الأحزاب والتيارات، أو بالتحالف معها حين يحدث التطابق بين سياساتها و«المبادئ القارة للدولة». لذلك نرى الآن تحالفاً غير معلن بين هذا الحزب وحكومة الرئيس أردوغان.

لم تحل المكالمة الهاتفية بين أردوغان وبوتين مشكلة الخلافات بشأن وضع إدلب، وربما بشأن منطقة «نبع السلام» أيضاً. فهنا وهناك لم تحقق تركيا الأهداف التي غزت قواتها الأراضي السورية من أجل تحقيقها. لذلك تستمر المعارك في ريفي إدلب وحلب، بانتظار لقاء جديد بين الرئيسين الروسي والتركي لوضع أساس لتفاهمات جديدة ستكون مؤقتة أيضاً إلى أن تتغير موازين القوة فترسو على وضع نهائي.

كاتب سوري

القدس العربي

——————————————

نازحو إدلب يصارعون ظروفاً لا تُحتمل/ مصطفى أبو شمس

شاهد صادمة تنقلها وسائل الإعلام عن حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها مئات الآلاف من سكان أرياف إدلب وحلب، بعد تهجيرهم القسري من مناطقهم بفعل القصف الكثيف والتقدم البري لقوات النظام وحلفائه خلال حملتهم العسكرية المستمرة. طوابير من الحافلات والشاحنات تحمل ما تبقى من أثاث المنازل وتتجه نحو المجهول، خيام عشوائية تمتد على طول الطريق باتجاه المناطق الحدودية، عائلات تسكن بيوتاً مشرعة للهواء أو في مداجن متناثرة حول المناطق السكنية، وأخرى تفترش الأرض وسط ظروف مناخية سيئة، في وقت تقوم فيه المنظمات الإنسانية والفعاليات الشعبية بما تستطيعه لتأمين جزء من الاحتياجات.

الأولويات والاحتياجات

وثَّقَ فريق منسقو الاستجابة في سوريا نزوح 348889 شخصاً منذ بداية العام الحالي حتى الرابع من شباط (فبراير) الجاري، سبقهم 382466 نازحاً في شهري تشرين الثاني وكانون الأول من العام الماضي، لينضموا إلى 966140 نازحاً منذ بداية الحملة العسكرية على أرياف إدلب وحماة وحلب في شباط في العام 2019، ويزيد بذلك العدد الإجمالي عن مليون ونصف مليون نازح خلال نحو سنة من القصف والحملات العسكرية.

ترافقت هذه الحملات العسكرية مع تدمير مئات المرافق العامة والصحية، إذ تم إخراج ما يزيد عن 75 مركزاً صحياً عن الخدمة، إضافة لاستهداف الأسواق الشعبية ومراكز الدفاع المدني والمدارس والمخابز ومحطات الكهرباء والمياه. وقد وثَّقَ فريق الاستجابة في الشهر الأول من العام الحالي فقط استهداف أحد عشر مركزاً طبياً ومشفى، وثماني وعشرين مدرسة، وتسعة أسواق شعبية وثلاث محطات تحويل مياه ومحطتي كهرباء وأربعة مخابز، بالإضافة إلى عشرات المنازل السكنية. ومع استمرار التقدم البري لقوات النظام، وما يخلفه ذلك من حركة نزوح كبيرة خلال مدة قصيرة، تزداد صعوبة مهمة الاستجابة الطارئة للنازحين، في ظل انعدام أماكن آمنة جديدة لإيواء النازحين، وضعف الإمكانيات المادية.

المهندس محمد حلّاج، مدير فريق الاستجابة، يصف في حديثه للجمهورية نسبة الاستجابة خلال حملة النزوح الأخيرة بعد خرق وقف إطلاق النار بـ «الضعيفة جداً»، ويقدرها بـ 3.4% من الاحتياجات، مؤكداً أن هناك نقصاً هائلاً في كل شيء. ويرتب حلّاج سلّم الاحتياجات بأماكن السكن في الدرجة الأولى، ثم العيادات المتنقلة وتأمين المساعدات الغذائية وسلال النظافة. كما يتحدث عن انتشار عشرات المخيمات العشوائية غير المنظمة في المناطق الممتدة من حزانو باتجاه باب الهوى، ونزوح أعداد كبيرة من السكان إلى مناطق عفرين وريفي حلب الشمالي والشرقي، قدَّرَ أعدادهم خلال الشهر الماضي بتسعة آلاف عائلة، منها نحو ألفين ومئتي عائلة في منطقة الباب، وألف وخمسمائة عائلة في إعزاز.

ويُرجع حلّاج سبب ضعف الاستجابة إلى كثافة أعداد النازحين مقارنة بالإمكانيات المتاحة، وكذلك الوقت الذي تحتاجه المشاريع المقدمة من قبل المنظمات للمانحين لتخصيص المبالغ اللازمة، ويضرب مثالاً تخصيص مبلغ اثني عشر مليون دولار للنازحين من معرة النعمان وريفها الشرقي، لم يصل منه شيء حتى اللحظة.

المنظمات تقود الاستجابة الطارئة في إدلب

قدمت المنظمات التركية؛ الهلال الأحمر وآفاد وIHH ووقف الديانة التركي، الحصة الأكبر من الاستجابة الطارئة للنازحين خلال الحملة الأخيرة، سواء عبر كوادرها أو من خلال تقديم الدعم للجمعيات والفرق التطوعية في المنطقة، وعملت على إنشاء عدد من المخيمات وتقديم الخيام والسلال الإغاثية الطارئة. يقول أحمد الأحمد، الإعلامي المرافق للوفود التركية، إن 99% من الخيام تم تأمينها من قبل المنظمات والجمعيات والحملات والفعاليات التركية.

وقام الهلال الأحمر التركي بإنشاء خمس مخيمات، توزعت في بلدات كللي وحربنوش ومعرة مصرين، فيما تعمل منظمة IHH على مشروع بناء بيوت الحياة، الذي يضمّ نحو ألفي وحدة سكنية وألف خيمة، تم تجهيز قسم منها.

كذلك قامت مؤسسة أورينت بالتعاون مع منظمة تحالف الأديان بحملة استجابة طارئة لتلبية بعض الاحتياجات الأساسية، وإنشاء مخيمات في ريف إدلب الغربي ضمت نحو 1000 خيمة. فيما قامت منظمة شفق بتقديم سلال إغاثية للتجمعات العشوائية، ونحو 700 خيمة على الطريق الرئيسي من معرة مصرين وحتى سرمدا.

وقدمت منظمات أخرى، منها الإحسان والقلوب الرحيمة والقلب الكبير ومنظومة وطن وعطاء، استجابة طارئة شملت سلالاً غذائية وسلال طوارئ تحتوي على عوازل واسفنجات وأغطية وبعض الأطعمة. كما قامت منظمة بنفسج، ومعها منظمات أخرى، بتقديم خدمة النقل المجاني عبر الخط الساخن الذي أعلنت عنه، لإيصال نازحين إلى مراكز الإيواء المؤقت، أو إلى المناطق التي يرغبون بالوصول إليها، ويقدر عدد الأشخاص الذين تم إجلاؤهم من قبل بنفسج بـ 12700 شخص.

مبادرات لفرق تطوعية وفعاليات شعبية

يُعدُّ فريق ملهم التطوعي أنشط الفرق التطوعية في الشمال السوري، ويضم نحو 80 متطوعاً يعملون على مدار الساعة للتخفيف عن النازحين وتقديم الخدمات اللازمة لهم، من خلال حملة «أهل العز» التي تضم حالياً ست منظمات؛ فريق ملهم التطوعي والدفاع المدني السوري ومنظمة الأمين وغطاء الرحمة ورابطة أهل حمص وسرد، إضافة إلى منظمتي تكافل واليوم الجديد، اللتين قدمتا كل ما لديها من إمكانيات قبل توقفهما مؤخراً.

ويشمل عمل الحملة، بحسب منسقها الإعلامي عبد الله خطيب، تأمين خدمات النقل إلى مناطق أكثر أمناً، إذ قام الدفاع المدني وحده بإخلاء نحو عشرين ألف عائلة خلال الشهرين الماضيين. كما يشمل إنشاء مخيمات ومراكز إيواء في مناطق من إدلب وعفرين وريف حلب الشمالي الشرقي، وتقديم وجبات غذائية بواقع خمسة عشر ألف وجبة يومياً، بالإضافة إلى كميات من الخبز والألبسة.

كذلك تم تجهيز شقق سكنية غير مكسوة بما يلزم من نوافذ وأبواب وتمديدات صحية في مناطق عدة، وتجهيز عدد من المداجن التي سكنها النازحون من خلال تقطيعها وتقديم بعض المستلزمات. وعلى الصعيد الصحي تم تجهيز ثلاث عيادات متنقلة لتقديم الخدمات الطبية والأدوية للنازحين في المخيمات ومراكز الإيواء، فضلاً عن الحالات المرضية المستعصية التي يعمل الفريق على تسليط الضوء عليها وجمع التبرعات لمعالجتها.

يقول عبد الله سويد، مدير مكتب فريق ملهم التطوعي في إدلب، إن الاستجابة تتم عبر المكاتب المتوزعة في ريفي إدلب وحلب وعددها سبعة، ومن خلال المتطوعين. ويؤكد أن الجميع يفعلون ما بوسعهم، إلا أن حجم الاحتياجات يفوق التصور، ويضيف أن الفريق يسعى لمتابعة عمله ضمن الإمكانيات المتاحة، من خلال إطلاق الحملات وتقديم الاحتياجات بناءً على الأولويات التي تقدمها فرق المسح الميداني، ويرى أن استمرار الحملة العسكرية والنزوح قد يوقف كل أشكال الاستجابة.

وقامت فعاليات ومنظمات محلية بمبادرات فردية للاستجابة الطارئة، منها اتحاد إعلاميي حلب الذي قام بجمع تبرعات من أعضائه لتأمين بعض المستلزمات التي وزعت على مخيمات في منطقة الجينة وجمعية المعري، بحسب إسماعيل الرج رئيس الاتحاد. كما قامت رابطة أبناء حلب، عبر تبرعات شخصية من أعضائها، بإنشاء مركز إيواء مؤقت يضم نحو مئة عائلة، ونقل عائلات من أماكن تواجدها إلى مركز الإيواء، بالتعاون مع وقف الديانة التركي، بحسب أبو أحمد مروّح العضو في الرابطة.

كذلك تم إنشاء أربعة مخيمات في مدينة الأتارب بالتعاون بين المجلس المحلي والمنظمات والفعاليات المدنية، فيما تواصل فرق تطوعية محلية عديدة تقديم وجبات غذائية للنازحين في مراكز الإيواء، ويقوم سكان المدن والبلدات بجمع مساعدات عينية ومادية للوافدين الجدد، ويستضيفون عدداً منهم في بيوتهم. كذلك يقوم نازحون سابقون باستضافة نازحين جدد في خيامهم؛ يقول فواز الأحمد، معاون مدير مخيم نور حلب، إن أكثر من خمسين عائلة تمت استضافتها في المخيم من قبل سكانه، ويروي للجمهورية أن هناك خياماً تسكن فيها نحو أربع عائلات.

تغيب حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام عن الاستجابة الطارئة بحسب معظم من التقيناهم، إلا أن بعضهم تحدث عن استجابة متواضعة قامت بها وزارة التنمية والشؤون الإنسانية، تمثلت في تأمين انتقال نحو أربعة آلاف عائلة إلى بعض المخيمات وتقديم بعض المساعدات لها، وهي استجابة لا تتناسب مع إمكانيات جهة تجبي الضرائب بالقوة منذ أشهر طويلة من السكان.

تعقيدات الاستجابة في عفرين وريفي حلب الشمالي والشرقي

تمنع منظمة آفاد التابعة للحكومة التركية إنشاء أي مخيمات جديدة في المناطق التي تسيطر على قرارها الحكومة التركية، وتسمح بإقامة مراكز إيواء فقط، إذ تضم عفرين نحو 10 مراكز إيواء مؤقت، بينما يتوزع الوافدون إليها في البيوت المستأجرة بأسعار تصل إلى نحو مئة دولار، إن وجدت، وفي خيام على شكل تجمعات صغيرة من ثلاث إلى عشرة خيام في المساحات والأراضي الزراعية، دون خدمات إغاثية من قبل المنظمات التي تسيطر على عملها منظمة آفاد.

يقول من التقيناهم إنهم محرومون من أي مساعدات، سوى تلك التي تصدر عن الأهالي الذين يسكنون في هذه المناطق، والذين يحاولون ما بوسعهم تأمين بعض الاحتياجات، ويتساءلون عن سبب منع آفاد لهم من إقامة مخيمات نظامية يمكن أن تقوم منظمات إنسانية بكفالتها، إذ يصعب مع التوزع العشوائي للنازحين إحصاؤهم أو تقديم المساعدة لهم.

يعمل الأهالي في مناطق عدة من ريف حلب على تقديم المساعدات عبر فرق تطوعية تشكلت في كل قرية، ويقول أحد النازحين إن كثيراً من أبناء إعزاز والساكنين فيها قدموا بيوتاً للنازحين، إلا أن ازدحام المدينة حال دون تحقيق الاستجابة بالشكل الأمثل، فقد امتلأت المحلات التجارية الفارغة بالعائلات، وكذلك البيوت غير المجهزة.

وفي أخترين والباب وغيرها من المناطق تم استيعاب النازحين في البيوت المتوافرة، أو قدمت لهم أراض لإنشاء خيامهم. ويقول من تحدثنا إليهم من النازحين إن الاستجابة الشعبية كانت معقولة، لكن الأمر لا يخلو من حالات استغلال ومطالبة بمبالغ مالية كبيرة كإيجار للمنازل، وبالنتيجة وجد كثيرون أنفسهم غير قادرين على استئجار بيوت، ولم يسعفهم حظهم بالحصول على مكان في مراكز الإيواء، ومنهم شخص تحدثنا إليه، يقول إنه يعيش بالقرب من عفرين منذ أسبوع على الأقل، دون أن يحظى بمأوى حتى اللحظة؛ يتنهد وهو يخبرنا أن أحدهم طالبه بـ «خلو» يصل إلى ألف دولار مقابل تسلميه منزلاً، ما دفعه لبناء خيمة والسكن فيها، ويقول إن أكثر ما يقض مضجعه وعائلته هو غياب دورات المياه؛ يخفي وجهه وينهي كلامه «نريد السترة، فقط السترة».

تقدم المنظمات العاملة في ريفي حلب الشمالي والشرقي وعفرين خدماتها عبر آفاد والمجالس المحلية حصراً، وقد كانت استجابتها ضعيفة جداً خلال النزوح الأخير، إذ يقدر من تواصلنا معهم أنها غطت نحو 25% من الاحتياجات الطارئة، ولمرة واحدة فقط، بينما حاول الأهالي تغطية النقص بما يستطيعون من إمكانيات.

يقول عبد الله خطيب، المنسق الإعلامي في فريق ملهم التطوعي، إنه يجد أن الاحتياجات تكبر في كل مرة يزور فيها أحد المخيمات، فالأولويات كثيرة ومن الصعب تحقيق استجابة حقيقية ومستدامة دون دعم دولي كبير، وهو ما يفتقر إليه العمل الإنساني في الشمال السوري حالياً، مؤكداً أن ما تنقله وسائل التواصل الاجتماعي أقلّ بكثير من حجم الكارثة التي تتفاقم كل يوم.

موقع الجمهورية

———————————–

تركيا تريد بوتين وتخشى إدلب/ مهند الحاج علي

“ليست هناك ضرورة للدخول في نزاع مع روسيا خلال هذه المرحلة، لدينا معها مبادرات استراتيجية جادة جداً”. هكذا برر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رد الفعل التركي “الخجول” على توغل قوات النظام السوري وحلفائه في محافظة إدلب حيث سيطر على مدينتي معرة النعمان وسراقب بعد عمليات قصف ونزوح.

من الصعب تخيل سيطرة كاملة للنظام على منطقة إدلب، من دون اتفاق سياسي يحول دون نزوح جماعي للسكان كما يحصل مع كل عملية عسكرية. وبالتالي، ليس أمام أردوغان خيار سوى المجازفة بقواته من أجل وقف زحف النظام والميليشيات الموالية بدعم جوي روسي.

لكن في الوقت ذاته، باتت الحسابات التركية دقيقة جداً لجهة تشعب العلاقات مع روسيا، لهذا من المفيد التأمل في توصيف أردوغان لأهمية هذه الشراكة، وتبعاتها المرتقبة على الواقع السوري.

أولاً، تحدث أردوغان عن تعاون البلدين في مجال الطاقة النووية. وهذا مجال ضخم وسّعت روسيا دورها فيه، وبات مشروعاً حيوياً لأنقرة الساعية لأن تكون قوة مدنية نووية في حلول الذكرى المئوية لولادة الجمهورية التركية عام 2023. وتركيا تأمل بأن تنتهي شركة “روزاتم” الروسية من بناء مفاعل واحد من أصل أربعة تنوي تشييدها في “أكويو” على البحر المتوسط بكلفة 20 مليار دولار أميركي. حصلت هذه الشركة على عقد لبناء مفاعلين حتى الآن.

ثانياً، وفي السياق الإدلبي ذاته، تحدث الرئيس التركي عن أهمية مشروع “السيل التركي” لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر الأراضي التركية. المشروع أساسي لروسيا إذ يُتيح تجاوز أوكرانيا وبولندا في تصدير الغاز الى أوروبا، ويُوفر عائدات وأهمية استراتيجية للجانب التركي.

ثالثاً، المساهمة الروسية في قطاع السياحة التركي هي الأولى بنسبة 7 ملايين زائر العام الماضي، تليها ألمانيا (5 ملايين) وبلغاريا والمملكة المتحدة وإيران. تُدرك موسكو أهمية السياح الروس، لذا استخدمتهم ابان أزمة اسقاط الطائرة الروسية عام 2015، حين أغلقت الباب تماماً أمامهم، ما انعكس سلباً على الجانب التركي.

يُضاف الى ذلك، أن حجم التبادل التجاري بين البلدين وصل الى 34 مليار دولار العام الماضي (ارتفع بنسبة 13٪ عن العام السابق)، وفقاً لتصريحات رسمية نشرتها صحيفة “ذي ديلي صباح” التركية.

باختصار، هناك تحول استراتيجي في العلاقات التركية-الروسية، لا بد أن ينعكس على سوريا حيث يرغب الجانب الروسي في الانتقال للمرحلة الثانية من الصراع، وتسريع العملية السياسية.

لهذه الأسباب كان أردوغان حريصاً على تأكيد مناقشة كافة المسائل الخلافية مع روسيا، لكن “دون انفعال من شأنه إلحاق الضرر بالعلاقات الثنائية”. تشعر أنقرة بالحاجة إلى “مصالحة” أمنها القومي من جهة، وهو يتمثل بمنع موجة نزوح جديدة من الحدود واحتواء المسلحين الأكراد المناوئين لها، مع علاقاتها الإستراتيجية النامية بموسكو. والسؤال هنا عما اذا كان التوفيق بين طموحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوريا، وبين الخشية التركية من موجة نزوح جديدة، سيدفع أنقرة الى التنازل سياسياً مقابل ضمانات.

ربما بات علينا رؤية العملية الأخيرة المدعومة روسياً، في هذا السياق. بُعيد انطلاق عملياتها العسكرية وحادث اسقاط مقاتلتها عام 2015، حاكت موسكو ببراعة مع أنقرة شبكة مصالح يبدو أنها ستلعب دوراً محورياً في المرحلة الأخيرة من الحرب السورية. ليست صدفة أن الاقتصاد والتكنولوجيا النووية والعسكرية جزء من حسابات الأطراف المتقاتلة في محافظة إدلب. ولهذا الواقع تبعات تتجاوز الامكانات الحربية.

بكلام آخر، قد تعود القوات السورية والميليشيات المرافقة لها أدراجها في محافظة إدلب، أو لا. هذا غير مهم. الواضح اليوم هو أن نتائج هذه العملية ستتبلور في المقاربة التركية للعملية السياسية خلال الفترة المقبلة، والأرجح باتجاه يضمن الطموحات الروسية وأمن أنقرة، على حساب حلفائها السوريين.

المدن

———————-

سوريا..لعبة روسية تركية/ ساطع نور الدين

عندما يُقال لأي مسؤول تركي أن ثمة صعوبة في فهم ذلك “الحلف” القائم مع روسيا حول إدارة الازمة السورية، يبادر على الفور الى الرد بأنه هو نفسه يجد صعوبة في إستيعاب تلك العلاقة الغريبة بين بلدين يجلسان بشكل دوري حول طاولة واحدة، ويوقعان الاتفاقات والتفاهمات الامنية والسياسية حول سوريا، ويتبادلان في الوقت نفسه إطلاق النارعلى جبهاتها.. ويحافظان على قدر كبير من التعاون والتنسيق حول بقية الشؤون الاخرى التي تهمّ شعبيهما.

لا يمكن تفسير ذلك “الحلف” فقط بإضطراب العلاقة التي تربط كلا منهما بأميركا او الغرب. فسوريا هي أقرب الى كونها مأزقاً إفتعله الاميركيون والغربيون عموما. ولا مصلحة لروسيا وتركيا سوى الشراكة في الشأن السوري وترسيم حدود المصالح المتبادلة بشكل نهائي ودقيق، بما يسمح بتحقيق مكاسب في الصراع التركي او الروسي المفترض مع الغرب، ويحول دون تورط البلدين في تنافس شديد، وإشتباك متكرر حول مستقبل نفوذ كل منهما في سوريا.

الرئيس السوري بشار الاسد لم يكن يوماً نقطة خلاف بين موسكو وأنقرة اللتين تعتقدان بدرجات متفاوتة أنه ليس له مستقبل في حكم سوريا. النظام السوري هو جوهر الخلاف كما يبدو. لكنه لم يطرح حتى الآن على جدول أعمال أي لقاء روسي تركي. كما لم يطرح شكل الجيش الذي سيحمي ذلك النظام..ولن يطرح في المستقبل القريب، طالما ان روسيا وتركيا تستنزفان معا وحداته العسكرية المقاتلة في معركة مفتوحة منذ ثلاث سنوات، لم يستفد منها سوى الاسلاميين السلفيين السوريين.

الاشتباك الحالي في شمال سوريا، وتحديدا في إدلب وريفها، هو جزء من تلك المعركة الروسية التركية غير المفهومة. تقول أنقرة أن موسكو هي التي فتحت النار عمداً على نقاط المراقبة التركية، ما أدى الى مقتل ثمانية جنود أتراك، وإنقلبت على إتفاقات أستانة، ووضعت في وجه تركيا عشرات ثم مئات الالاف من النازحين السوريين. وتقول موسكو أن أنقرة هي التي بادرت الى إطلاق النار، عندما سمحت للمسلحين السوريين بتنفيذ “أكثر من ألف عملية” إنطلاقا من مناطق سيطرتها، ضد أهداف روسية في بانياس وحميميم وحلب وإدلب، أسفرت إحداها عن سقوط أربعة قتلى من الجنود الروس.

الإشتباك الحالي ليس نهاية المطاف بالنسبة الى ذلك الحلف العجيب، بين تركيا التي تشعر بأن الجوار الجغرافي والتداخل السكاني والتورط المسبق في الازمة السورية يمنحها حقوقاً تفضيلية على روسيا التي تدخلت في وقت متأخر بهدف واحد هو إيجاد موطىء قدم على الارض السورية يفيد تصنيفها الحالي كقوة دولية كبرى، خاضعة لحصار غربي مشدد، من دون إستراتيجية واضحة حتى الآن بشأن مستقبل سوريا ونظامها والعلاقات مع شعبها الذي يقيم نحو ربعه على الاراضي التركية.

كانت أنقرة بأن نوايا روسيا الفعلية هي إخراج تركيا من المسألة السورية مع الاعتراف فقط بمصالحها الامنية الحدودية وحقها في مواجهة الخطر الكردي، لكن تطور العلاقات الثنائية الاقتصادية والتجارية وحتى العسكرية، جعلت الكرملين يدرك ان تركيا رصيد لا يقدر بثمن، وإختراق لا غنى عنه للجبهة الغربية المعادية لروسيا.. يفوق بكثير أهمية الدفاع عن النظام السوري المتهالك وغير المرغوب من قبل الروس.

المفاضلة الروسية بين سوريا وبين تركيا تصب بلا أدنى شك في مصلحة الاخيرة، لكنها لا تكفي لتفسير إسرار ذلك “الحلف”، وما إذا كان المنافسة تدور حول الحصة الاكبر من سوريا، او حول الرغبة في تقاسم النفوذ وتوزيع الادوار بين موسكو وأنقرة، كما هو شائع منذ ثلاث سنوات من دون نجاح يذكر. الاشتباك الحالي يهز الثقة، لكنه لا يعني بالضرورة أن بإمكان أي من البلدين الاستغناء عن الآخر في إدارة الازمة السورية، التي لا تنفك تنتج المزيد من الغرائب والعجائب، وتستهلك الحلفاء والاعداء، ولا تخضع لأي منطق عسكري أو سياسي.

وليس غريباً في هذا السياق ان تخرج إيران من هذا الحساب السوري المعقد، وتصبح مجرد محارب مرّ يوماً من هناك، من دون أن يترك أي أثر يذكر، سوى ذاك الذي تلاحقه الطائرات الحربية الاسرائيلية في محيط دمشق.

المدن

————————————————

في الارتزاق السوري/ عمر قدور

يتوالى سقوط مدن وبلدات في محافظة إدلب وعلى مشارف حلب، بعد توارد أخبار عن تجنيد أنقرة مرتزقة من “فصائل معارضة” للقتال هناك إلى جانب حكومة الوفاق ضد قوات حفتر. حسبما هو مشاع، لم تدخل جبهة النصرة بثقلها في المعارك التي أدت إلى خسارة تلك المساحات الشاسعة والحيوية، واقتضى الأمر مفاوضات وشروط من قبلها كي تسمح لفصيل من أبناء المنطقة بالعودة والمشاركة في الدفاع عنها. هي صورة شديدة البؤس لأولئك الذين يرون الوضع بعين واحدة، عين القتال ضد نظام متوحش، من دون رؤية السياق بأكمله، ومن دون الانتباه إلى المقدار الهائل من المرتزقة السوريين تحت مسميات مختلفة.

مع نهاية عام 2011، كنت أبحث عن عامل صيانة بسبب عطل في تمديدات الحمّام في بيتي، وكان مألوفاً في دمشق توافر العمال في المحلات التي تبيع مستلزمات الصيانة. أصحاب تلك المحلات كانوا يعتذرون عن وجود العمال باقتضاب، ولا جواب لديهم عن كيفية العثور على واحد منهم بينما كان ذلك يسيراً جداً قبل شهور قليلة. أخيراً سيتبرع أحد أصحاب المحلات بالجواب بعصبية: لم يعد لدينا عمّال، لماذا سيعملون هنا ويتعبون أنفسهم؟ كلهم تطوّعوا في الدفاع الوطني “ميليشيات الشبيحة”، حيث يقبضون رواتب أعلى ويتمخترون بالبواريد ويفرضون هيبتهم على الأهالي.

ميليشيات الشبيحة كانت تُموَّل وتُدرَّب بإشراف إيراني، والأهم أن طهران كانت تدفع لمنتسبيها رواتب تفوق ما يدفعه الأسد لقواته. في صيف 2013، صار بإمكانك أن تسمع في الشارع تسعيرة الذهاب إلى القتال مع قوات حزب الله والأسد في يبرود، كانت التسعيرة تتراوح بين سبعين وثمانين ألفاً لشباب قسم منهم يخشى السَوْق إلى الخدمة الإجبارية في قوات الأسد مع راتب هزيل جداً، وقسم آخر يراوده الجشع إلى اكتساب الهيبة مع التكسب من سلب ممتلكات الأهالي بعد السيطرة على مناطقهم. إثر التدخل الروسي، وعندما ستبدأ موسكو بإنشاء ميليشياتها الخاصة التابعة نظرياً لقوات الأسد، سيكون لمنتسبيها أيضاً ميزات مالية تفوق أقرانهم لدى قوات الأسد، مع التنويه بأن منتسبي ميليشيات الأخير منذ زمن بعيد “مثل الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري وقبلهما سرايا الدفاع” يحظون بميزات مالية لا يحظى بها نظراؤهم في باقي قطعات الجيش.

في عام 2013 أيضاً، أخبرني شاب يقيم في أحد أحياء حلب الشرقية عن نيته افتتاح محل لبيع الكاتو والمثلجات، بسبب انعدام فرص العمل في منطقة مدينية محاصرة. كانت الفكرة غريبة، فالباقون في تلك المناطق بغالبيتهم من الذين يكابدون من أجل الحصول على الخبز، ولا يحظون بترف شراء تلك الكماليات لهم أو لأولادهم. فضلاً عن ذلك، تحتاج المثلجات إلى تغذية كهربائية متواصلة، أي إلى مولّدة كهربائية خاصة في ظل الانقطاع الدائم للكهرباء ما يزيد في الكلفة، إلا أن استغرابي سيزول مع معرفة أن الزبائن المستهدفين هم مقاتلو الفصيل المسيطر على المنطقة، والذين يقبضون رواتب تمكنهم من الحصول على تلك السلع التي لا يحلم بها أطفال الآخرين. في ذلك الوقت ذاع خبر قائد فصيل كان قد طلب من فصيل آخر مبلغ 200 مليون ليرة، كي يسمح له بالعبور عبر منطقة سيطرته لمهاجمة مقر المخابرات الجوية المجاور. ذلك الفصيل بدأ سيرته بالسيطرة على المنطقة الصناعية شمال حلب، فارضاً على أصحاب المعامل أتاوات لقاء وعد بحراستها، وكان يصر في لقاءاته الإعلامية على أن تمويل فصيله ذاتيٌّ.

قبل نحو شهر من الآن شاع خبر افتتاح مطعم في إسطنبول يملكه قيادي جيش الإسلام محمد علوش، كلفة المطعم الضخم قُدّرت بأكثر من 20 مليون دولار. في حزيران 2017، تسرب تسجيل بصوت القيادي نفسه يتحدث فيه عن طلب من الائتلاف انضمام جيش الإسلام إليه، وبحسب التسجيل يخبر الوسيط بين الطرفين بأنهم “أي جيش الإسلام” قد تغيروا كثيراً كثيراً كثيراً، وأنهم مستعدون للانضواء في الائتلاف مقابل حصتهم التي يقدّرها بمليون دولار. مع نهاية شباط 2016، كان جيش الإسلام مشغولاً بالسيطرة على مواقع تابعة لفيلق الرحمن في زملكا وحدثت اشتباكات بين الجانبين، بينما كانت قوات الأسد تهاجم بضراوة منطقة المرج في الغوطة الشرقية نفسها، وكانت سيطرتها على المرج تعني حرمان الغوطة “المحاصرة تحت شعار الجوع أو الركوع” من سلتها الغذائية التي تعين نسبياً الأهالي على تحمل وطأة الحصار. وكما نعلم ازدهرت تجارة تهريب المواد الغذائية بين حواجز الأسد وقادة بعض الفصائل في الغوطة، وفيما عدا إثراء بعض القادة كان لتلك التجارة نصيب في استقطاب مقاتلين للفصائل الأكثر ثراء على حساب الفصائل الأصغر التي لم تصمد بين نار الأسد ونار أمراء الحرب.

جبهة النصرة من التنظيمات التي اكتسبت سمعة حسنة لدى بعض الأوساط، بسبب تعففها لوقت طويل عن الأملاك الخاصة وعن فرض الأتاوات، بخلاف تشددها في موضوع الحريات العامة والشخصية. ضخامة التمويل الخارجي وحدها لا تفسر التعفف، فالنصرة، أسبق من غيرها، أدركت أهمية السيطرة على ممتلكات عامة مثل مخازن القمح أو الطحين، والأهم هي السيطرة على مناطق نفطية، والجبهة أول جهة كان لها نشاط تجاري تبيع بموجبه النفط لسلطة الأسد. سلطة الأخير لم تكن غائبة عن إذكاء صراع المصالح في تلك المنطقة، فقد وقعت مع وحدات الحماية الكردية عام 2012 عقداً تقوم بموجبه بحماية قسم من آبار النفط لقاء مبلغ 20 مليون ليرة شهرياً. وحدات الحماية بعد تمكنها ستستأنف تجارة النفط مع الأسد، والعرب والأكراد الذين يردّون الافتراق بين الجانبين إلى ذلك العام يجهلون أو يتجاهلون الدوافع الاقتصادية المغرية جداً لدى الطرفين لصالح التركيز على شعارات تبدو أكثر نبلاً.

إننا نتحدث عن اقتصاد حرب، هو الوحيد الذي شهد انتعاشاً بل هيمنة خلال السنوات الماضية، وكان الأقدر على استقطاب “أيد عاملة” في ظروف البطالة والتدهور المعيشي الحاد. لقد رأينا مثلاً كيف اضطر مقاتلو بعض الفصائل إلى “مصالحة” الأسد بشروط تتضمن الانخراط في قواته، وكان سهلاً على البعض منهم نقل البندقية من كتف إلى كتف والذهاب إلى قتال من يُفترض أنهم كانوا رفاق الأمس. قبل ذلك كله، شهدنا وفق “قوانين السوق” كيف تلتهم إمارات الحرب الأثرى فصائل صغيرة لم يتمكن مقاتلوها من الاستمرار طويلاً بلا دخل يعيل أسرهم. بالتأكيد ثمة مقاتلون حملوا السلاح من أجل إسقاط الأسد، ومنهم من بقي على هدفه، ومنهم من إمتهن القتال بصرف النظر عن أهدافه. في الحصيلة العامة، وتحت مسميات عديدة، لدينا مئات ألوف المرتزقة بأسماء مختلفة، يخوضون الحرب تحت إشراف قوى الخارج المتصارعة، حتى أصبح لدينا مخزون للتصدير إلى الخارج. لدينا فوق ما سبق تفاصيل جمة، وتأثيرات اجتماعية مهولة، تستحق دراسات وأبحاث عن هذه الظاهرة الفريدة.

من المتوقع أن نواجه بالسؤال المتذاكي ذاته: لماذا إذاً تدافعون عن المناطق التي يسيطر عليها هؤلاء ضد قوات الأسد؟ الجواب يقدّمه الأهالي الذين بقوا تحت سيطرة تلك الفصائل، رغم كل خطاياها، وفضلوا ويفضّلون اليوم النزوح إلى المجهول على العودة إلى سيطرة الأسد. الجواب يقدّمه أيضاً أولئك الذين حملوا معهم حتى شواهد قبور أحبابهم كي لا تدنّسها قوات الأسد، والأخيرة تؤدي قسطها من الجواب، إذ يكفي الاستشهاد بقتلها الرجل المسن الوحيد الذي رفض مغادرة معرة النعمان مع بقية النازحين، ثم سكب البنزين على جثته وإحراقها.

المدن

—————————————

صراع الفيلة من إدلب إلى أطراف حلب/ بكر صدقي

منذ انهيار الهدنة الهشة التي أعلنها الرئيسان الروسي والتركي، في 12 كانون الثاني الفائت، في منطقة خفض التصعيد الخاضعة نظرياً لاتفاق سوتشي الروسي – التركي (أيلول 2018) ترتفع وتيرة التوتر السياسي بين موسكو وأنقرة باطراد. وبلغ الأمر بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن قال إن مسار أستانة في طريقه إلى الانتهاء. وتتهم أنقرة موسكو بالإخلال بالاتفاق، في حين تتهم موسكو أنقرة بعدم الوفاء بالتزاماتها وفقاً للاتفاق نفسه.

في هذا الإطار واصلت ميليشيات النظام الكيماوي تقدمها، خلال الأيام القليلة الأخيرة، فاستولت على معرة النعمان، وتتجه الآن نحو سراقب، وهما مدينتان رئيسيتان على الطريق الدولي حلب – دمشق، ذلك الطريق الذي كان من المفترض أن يتم تأمينه وفتحه وفقاً لاتفاق سوتشي، وفشلت تركيا في تنفيذ ذلك كما تقول موسكو التي قررت تحقيق هذا الهدف بالقوة، أي بالقصف المتواصل وتهجير السكان وصولاً إلى احتلال المناطق الواقعة على طرفي الطريق.

من المحتمل أن تركيا لم تحصل في مباحثاتها مع الروس، الشهر الماضي، على ما تريد، فكان قرارها تصعيداً عسكرياً في مواجهة زحف ميليشيات النظام وقضمها المزيد من المناطق، وما رافق ذلك من تهجير للسكان المدنيين في أكبر موجة نزوح شهدتها المنطقة منذ نيسان 2019. لا نعرف ما الذي طلبته تركيا من روسيا بالضبط، مقابل التخلي عن منطقة خفض التصعيد، وهناك تكهنات تتحدث عن مطالبة تركيا بشريط حدودي شمال محافظة إدلب، على غرار المناطق الحدودية الأخرى التي غزتها القوات التركية في السنوات السابقة.

وهكذا انتقلت الصدامات إلى مناطق جديدة فيما يمكن تسميته بصراع روسي – تركي مصغر داخل إطار التعاون بينهما في مسار أستانة، صراع يستهدف فرض الإرادة على الشريك اللدود بالقوة. فإضافة إلى ريفي حلب الغربي والجنوبي اللذين تعرضا لقصف جوي مكثف من الطيران الروسي والأسدي، انتقل الصراع الساخن إلى مدينة الباب التي قصفت فيها طائرات روسية سوق الهال القديم وجامعين قامت تركيا ببناء أحدهما. هذا تطور خارج المألوف بالنظر إلى أن المدينة المستهدفة تقع ضمن إطار منطقة “درع الفرات” التركية منذ العام 2016. هذه أول مرة تقصف فيها طائرات روسية “منطقة تركية” في شمال حلب. كما تحدثت أخبار غير مؤكدة، في وسائل إعلام تركية، عن قصف طائرة تركية لمواقع لميليشيات الأسد غربي مدينة حلب الذي يشهد اشتباكات ساخنة منذ يومين. قد يكون هذا التفصيل الأخير مفبركاً، ولكن مجرد فبركة خبر من هذا النوع هي مؤشر قوي على مدى التوتر بين الروس والأتراك.

من المحتمل أن أحد أسباب التوتر الروسي – التركي هو رغبة روسية في إرضاء أصدقاء جدد يتمثلون في دول عربية إضافة إلى إسرائيل

من السذاجة بمكان توقع إنجازات ميدانية لمصلحة الفصائل على حساب قوات النظام، في أرياف حلب وإدلب. ما يجري هو معركة وظيفية تريد تركيا بواسطتها فرض بعض الشروط على روسيا. قد يتعلق الأمر بمنطقة نفوذ جديدة على الشريط الحدودي شمال محافظة إدلب، بما يخلق اتصالاً برياً يمتد من ريف حلب الشمالي، ومنطقة عفرين، وصولاً إلى أبعد ما يمكن غرباً. وقد يتعلق الأمر بالوضع في ليبيا، حيث باتت تركيا وروسيا على طرفي خط الصراع، هناك أيضاً، أي بين حكومة طرابلس المدعومة من تركيا وقوات حفتر المدعومة من روسيا. وأخيراً قد تتضمن المطالب التركية من روسيا أيضاً ضمان عدم مشاركة “مجلس سوريا الديموقراطية” (الإطار السياسي لقوات سوريا الديموقراطية) في أي مسار سياسي. وقد كان هذا المطلب متحققاً طوال السنوات الماضية، فبقي حزب الاتحاد الديموقراطي خارج مسار جنيف، وخارج مسار اللجنة الدستورية، بضغط من أنقرة على مختلف القوى الفاعلة في الملف السوري. غير أن تعاوناً مستجداً بين قوات روسية وقوات سوريا الديموقراطية في مناطق واقعة شرق نهر الفرات، وأخباراً تتحدث عن استعدادات جارية لدى “مسد” للمشاركة في العملية السياسية بدعم من روسيا، جعلت بدن تركيا يقشعر خشية تحقق ذلك. ومن المحتمل أن تدعم روسيا، في الفترة القريبة القادمة، إدخال “مسد” في المسار السياسي لإرضاء شركاء جدد، السعودية ومصر والإمارات، وهي دول تخاصم الحكومة التركية بشدة ولا تتوقف وسائل إعلامها عن الهجوم على القيادة التركية. وقد يمكن إضافة إسرائيل أيضاً التي شارك بوتين في إحيائها ذكرى المحرقة اليهودية. ليس من قبيل “حكي الجرائد” أن تنشر إحدى الصحف الإسرائيلية، قبل أسبوعين، مقالةً تشبّه رئيس جهاز المخابرات القومية التركي هاكان فيدان بقائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني الذي اغتالته طائرة أميركية مسيرة أوائل شهر كانون الثاني الماضي، فتقول إنه بعد مقتل السليماني “ينبغي تركيز الاهتمام على هاكان فيدان”! باعتبار أن سليماني كان رأس حربة التوسع الإيراني في المنطقة، وفيدان “مهندس التوسع الامبراطوري العثماني المستجد”. من المحتمل إذن أن أحد أسباب التوتر الروسي – التركي هو رغبة روسية في إرضاء أصدقاء جدد يتمثلون في الدول العربية المذكورة إضافة إلى إسرائيل. هذا إضافة إلى أن الجهة التي تدعمها موسكو في الصراع الليبي، أي قوات حفتر، مدعومة أساساً من الإمارات ومصر.

من المبكر الحديث عن قطيعة روسية – تركية كاملة، فحجم المصالح الاقتصادية والتجارية بين البلدين لا يسمح بافتراض مماثل. والمرجح أن ينتهي “الكباش” الجاري حالياً في الشمال السوري إلى توافقات جديدة بين بوتين وأردوغان. 

تلفزيون سوريا

—————————————-

أريحا: بوابة جنوب إدلب تفرغ من أهلها/ فاطمة حاج موسى

تنتشر على طرفي شارع السوق في أريحا عشرات المحلات لباعة الحلويات، تظهر على واجهاتها أصنافٌ اشتهرت بها المدينة مثل المشبّك والعوّامة وحلاوة الجبن، لكن الأهم هو الشعيبيات، السمة الأهم للمدينة حتى غدت «ماركة مسجلة» تلتصق بأبنائها، إذ لا يكاد يُذكر اسم أريحا منفرداً دون إضافة الشعيبيات له، لتنتقل معهم في رحلاتهم ونزوحهم ولجوئهم؛ يكفي أن تكتب «شعيبيات أريحا» على واجهة محل ما لتجذب انتباه السوريين في أي مكان.

سوق الهال في المدينة هو الآخر يحظى بشعبية كبيرة في المنطقة، خاصة بين أبناء قرى وبلدات جبل الزاوية المجاور، إذ تشكل أريحا بالنسبة لهم سوقاً لتصريف منتجاتهم، ومركزاً للتسوق والدراسة والطبابة والعمل.

مثل خلية نحل، تعيش المدينة يومياتها حتى ساعات متأخرة، فهي البوابة الشمالية لقرى جبل الزاوية ورئتها، لكن ذلك كان قبل أن يدخل العام الجديد فيغيّر منحى الحياة فيها، مع اشتداد الحملة العسكرية الأخيرة لقوات النظام وحلفائها، التي ارتفعت حدّتها في أريحا بعد سيطرة النظام على معرة النعمان وتمدده في عدد من القرى والبلدات في المنطقة.

تُظهر الصور والفيديوهات القادمة من أريحا دماراً كبيراً طال المدينة، يقدّره نشطاء من أبنائها بنحو ثلاثين بالمائة من مبانيها بشكل كامل، بينما ترتفع النسبة إلى النصف إذا تحدثنا عن الأضرار الكليّة والجزئية معاً. وتشير تقديراتهم إلى أن نحو 90 % من سكانها نزحوا خلال الأسابيع الماضية إلى مناطق أكثر أمناً؛ يقولون إن السبب في نزوحهم يعود إلى زيادة حدة القصف الجوي والمدفعي، وتخوّف الأهالي من التقدم البري لقوات النظام نحو المدينة، بعد أن باتت قريباً منها.

بتتبع الضربات الجوية التي استهدفت مدينة أريحا خلال الشهر الأول من العام الجديد، نجد أن الدفاع المدني قد وثَّقَ أربع ضربات جوية مباشرة استهدفت السوق الشعبي وسوقاً رئيسياً ومشفىً ومخبزاً وفرق الدفاع المدني، إضافة إلى مسجد وروضة أطفال ومدرسة والعديد من منازل المدنيين، أسفرت عن عشرات المصابين، ومقتل ما يزيد عن خمسة وعشرين مدنياً بينهم سبعة أطفال، وعدد من أفراد الكوادر الطبية، كان آخرهم زكوان طمّاع، المدير الإداري في مشفى الشامي، الذي فارق الحياة متأثراً بجراحه.

توقفت معظم الخدمات الطبية في المدينة بفعل القصف، وهو ما يؤكده إعلان مديرية الصحة في إدلب مؤخراً عن خلو ريف إدلب الجنوبي بالكامل من المراكز الصحية بعد استهداف مشفى الشامي. يقول المهندس محمد خالد عطار، وهو أحد كوادر منظمة شباب من أجل سوريا، التي كانت تنشط في أريحا وما حولها قبل توقفها عن العمل مؤخراً، إن أريحا ضمت في الأشهر الأخيرة أعداداً كبيرة من نازحي ريف إدلب الجنوبي، في ظروف وصفها بالقاسية نتيجة توقف الدعم عن المنظمات الإنسانية. لكن «المدينة شبه خالية اليوم» يقول؛ «معظم أبراج تشغيل شبكات الإنترنت تم تفكيكها ونقلها، وكذلك معظم الأفران تم تفكيكها ونقلها إلى مناطق أخرى، فيما دُمّرت أخرى نتيجة القصف». يصف العطار ليل أريحا في الأيام الماضية بـ «الدامس»، إذ لا يجرؤ السكان على إنارة أي مصباح خوفاً من الاستهداف.

تقول سيّدة من سكان أريحا إن المدينة «معطلة بالكامل، والجهة الوحيدة التي تعمل هي فرق الدفاع المدني»، ويقول الناشط الإعلامي سليمان عبد القادر إن «قلة قليلة بقيت في المدينة فقط، توقفت مولدات الكهرباء ومياه الصهاريج، وكذلك كافة شبكات الإنترنيت، باستثناء شبكة واحدة انحصر بثها في نقطة معينة».

أيام دامية يرويها السكان

تروي ليلى السعيد، وهي ناشطة في مجال العمل الإنساني من أريحا، تفاصيل الضربة الأخيرة على مشفى الشامي بالقرب من منزلها، وتقول إن نجاتها وأطفالها كانت نتيجة معجزة، بعد أن استيقظت وعائلتها على صوت الانفجار الذي دمر الأبواب والنوافذ؛ «كان الغبار كثيفاً والأتربة والشظايا ملأت المكان، لجأنا إلى غرفة جانبية بعيدة عن الشارع الرئيسي، ليسقط صاروخ آخر أحدث فتحة في جدار الغرفة. ركضتُ بأطفالي نحو الملجأ أسفل المبنى، صوت البكاء والصراخ غطى على كل شيء، قبل أن يقطعه صوت الانفجار الثالث الذي ترافق مع صوت سيارات الإسعاف والدفاع المدني الباحثة عن ناجين تحت الأنقاض. عند خروجي، حملتُ حقيبة تضم أوراقي الثبوتية، التفتُّ إلى ركام منزلي لمرة أخيرة قبل أن أغادر المكان».

تقول ليلى إن النوم فارق معظم السكان بانتظار ساعات الفجر، وإن الأيام السابقة لهذا الهجوم، في ليل التاسع والعشرين من كانون الثاني الماضي، قد شهدت نزوح عدد من الأهالي، إلا أن هذا الهجوم دفع معظم السكان لاتخاذ قرارهم بالرحيل؛ «الشوارع امتلأت بحافلات النزوح، هذه المرة لا أريحا في استقبالهم، معظمهم اتجهوا نحو المخيمات في الشمال، بينما تاه قسم منهم لا يعرف أين تسوقه قدماه».

«هل ستسقط المدينة؟»؛ تتحدث ليلى عن السؤال الذي لم يفارقها طيلة الأيام الماضية، والذي لمست آثاره في ملامح الخوف المرتسمة على وجوه جميع السكان الذين رافقوها على طريق النزوح الجماعي.

يخبرنا أحد سكّان أريحا عن أحداث ذلك اليوم واصفاً إياها بـ «القيامة»؛ أشخاصٌ يصرخون عبر القبضات اللاسلكية على رجال الإسعاف والدفاع المدني للتوجه إلى المكان، آخرون يبحثون عن ناجين بعد الغارة الأولى، قبل أن تتبعها غارات أخرى على المكان ذاته لقتل أكبر عدد ممكن من الأشخاص والمسعفين، أبنية مهدمة ونساء وأطفال يبحثون عن مخرج في الظلام. معظم القتلى من النازحين الذين سكنوا أريحاً هرباً من المعارك الدائرة في قراهم وبلداتهم، ليجدوا الموت بانتظارهم مرة أخرى. يختم أبو أحمد: «لم يعد هناك مكان آمن.. الموت في كل مكان».

أريحا الأهمية والمكان

تقع أريحا إلى الجنوب من مدينة إدلب، وتتبع لها إدارياً خمس وخمسون بلدة وقرية، إضافة لأربع وأربعين مزرعة، وتملك المدنية موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية في محافظة إدلب، إذ تتوسط أربعة مدن رئيسية؛ جسر الشغور إلى غربها ومعرة النعمان إلى جنوبها وسراقب إلى شرقها وإدلب إلى شمالها. وتضم أريحا جبل الأربعين، وهو جزء من سلسلة جبال الزاوية، يرتفع نحو ألف متر عن سطح البحر.

يكتسب جبل الأربعين أهميته من إشرافه على الطريق الدولي M4 الواصل بين اللاذقية وسراقب، كذلك يطل على الطريق الواصل بين أريحا وإدلب ويشرف على عدد من القرى والبلدات في جبل الزاوية وحتى ريف حلب الجنوبي، ما يكسب الجهة المسيطرة عليه تفوقاً عسكرياً بقطع طرق الإمداد من جهة، ورصد أي هجوم أو تحرك عسكري من جهة ثانية.

كانت قوات النظام قد تمسكت بمدينة أريحا وخاضت معارك شرسة في سبيل ذلك خلال السنوات الأولى من الثورة، التي شهدت ثلاث محاولات من قبل الفصائل المعارضة لتحريرها كان آخرها نهاية العام 2014، ودفع سكانها ثمناً باهظاً لخروجهم على حكم الأسد، إذ تم توثيق مقتل نحو ألف وثلاثمائة شخص من أريحا حتى بداية العام 2015. في الثامن والعشرين من أيار 2015، استطاع «جيش الفتح»، المكون من تحالف الفصائل الرئيسية في إدلب، إحكام سيطرته على المدينة بعد طرد قوات النظام منها بالكامل.

تمثل أريحا ملتقى الطرق بين الساحل السوري وحلب من جهة، وكذلك بين معرة النعمان وإدلب من جهة أخرى، ويحصر الطريق الواصل إليها من جسر الشغور جميع قرى وبلدات جبل الزاوية، وهو ما يفسر نزوح سكانها تجنباً للحصار.

الواقع العسكري اليوم

يتجمع في المدينة اليوم مقاتلون من أبنائها وأبناء القرى المجاورة، ويقول من التقيناهم إنهم نقلوا عائلاتهم إلى أماكن آمنة وعادوا للذود عن أريحا، ويتحفّظون على ذكر أي معلومات عن استعداداتهم، مكتفين بالقول إنهم سيفعلون ما بوسعهم كي تكون المدينة عصية على قوات النظام.

لا يقلل المهندس العطار من أهمية المقاومة الشعبية، إلا أنه يعقد مقارنة بين حجم القصف والطيران الذي يستهدف المدينة، وبين قدرة الشبان على مقاومتها، آملاً أن تصمد المدينة. ومن جهتهم، يقول من التقيناهم من مقاتلي الفصائل العسكرية إن قوات النظام تتجه نحو مدينة سراقب شرق أريحا، وتضع ثقلها العسكري هناك الآن، مؤكدين على تغير الخارطة العسكرية في الأيام المقبلة، إذ تكبدت قوات النظام في الأيام الأخيرة خسائر كبيرة في العتاد والعناصر، كما شهدت الأيام الأخيرة فتح جبهات جديدة في أرياف حلب، وتحوّل الفصائل إلى الهجوم المعاكس على بعض الجبهات.

صبحي الخالد هو ناشط محلي من أبناء جبل الزاوية، وقد قال في حديث معنا إن تغيرات دولية وإقليمية يمكن أن تحول دون تمكّن قوات الأسد من تنفيذ مخططها في السيطرة على كامل الطريقين الدوليين M4 وM5، وهي الخطة التي يعني نجاحها سيطرة النظام على أريحا حتماً. ويستدل على ذلك بالخلاف التركي الروسي الذي تظهر ملامحه بوضوح، خاصة مع نشر القوات التركية لخمس نقاط مراقبة في محيط سراقب، وتعرّض إحدى هذه النقاط لقصف مباشر من قوات النظام ما أدى إلى مقتل جنود أتراك، ثم الردّ واسع النطاق من قبل الجيش التركي على مواقع قوات النظام، وهي كلّها مؤشرات تدّل على مسعى تركي واضح لمنع قوات النظام من استكمال خطّتها.

ارتبطت أريحا منذ نشأتها بمدينة حلب، ويصفها ياقوت الحموي في معجم البلدان بـ «بُليدة من نواحي حلب، أنزه بلاد الله وأطيبها، ذات بساتين وأشجار وأنهر». وفضلاً عن الحلويات، يرتبط اسم أريحا أيضاً بأشجار الكرز، وهي كانت متنفساً لسكان المنطقة، وخاصة أبناء حلب، بما فيها من مواقع سياحية وأوابد أثرية بالغة القدم، أما اسمها فهو يعود إلى أصول آرامية، ويعني «الأريج ورائحة الزهور».

موقع الجمهورية

—————————-

حصة روسيا وحسابات تركيا المحدودة/ عمار ديوب

أنهت روسيا بالقوة كل مناطق خفض التصعيد في سورية، حيث أصبحت خاضعةً لسيطرتها؛ النظام الآن تابع لها. اطمئنانها لهذا الأمر آتٍ من صمتٍ وموافقة أميركيين على هيمنتها على سورية، منذ سبتمبر/ أيلول 2015. وهذا سيحجّم طموحات الدول الإقليمية، أي إيران وتركيا. ساهمت الأخيرة، عبر “مسار أستانة” بصفقة مناطق التصعيد، توهمت أن روسيا ستجعل منها شريكاً في سورية، وتبقي المناطق التي بادلتها إياها تحت سيطرتها “مناطق درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام”، وكذلك إدلب المشمولة باتفاقية سوتشي بين القيصر والسلطان؛ روسيا الساعية إلى هيمنة منفردة على سورية، وهو حال الدول العظمى في السيطرة، ناورت كثيراً، وتحققت لها، وعبر تركيا وأميركا، السيطرة على مناطق خفض التصعيد، ولكن ذلك ليس نهاية المطاف، وها هي تحاول التحرّك تارةً نحو إدلب وتارة نحو شرق الفرات. معركة إدلب أسهل، حيث تخشى تركيا المواجهة، والأحداث أخيرا ومقتل جنود أتراك، من دون ردٍّ تركي حقيقي، توضح ذلك. وهناك اتفاقيات سرية وعلنية بينهما، ولا بد من فتح الطرق الدولية، واجتثاث الجهاديين. وفي إطار ذلك، ستستغل روسيا الحرب لتوسيع المناطق الواقعة تحت سيطرتها. روسيا الآن، وبعد تقدّم قوات حلفائها وتحت إشرافها، ستعقد اتفاقاً جديداً أغلب الظن، وستحشر فيه ملايين السوريين على الحدود مع تركيا، وستورّط الأخيرة بتلبية احتياجاتهم وحل مشكلاتهم؛ ربما ذلك، وربما تدفع بهم إلى تركيا أيضاً!.

ليس التصعيد التركي أخيراً ذا معنى، وتصريح أردوغان عن ضرورة تراجع النظام، حتى نهاية فبراير/ شباط عن المناطق التي احتلها، هو بحد ذاته تدوير للزوايا مع الروس، وريثما يتم الوصول إلى اتفاقٍ جديد، سترضى به تركيا، وأياً كان ذلك الاتفاق!، وبالتالي ليس التصريح السابق بمثابة موقفٍ تركيٍّ “ناري”، وتهدف عبره إظهار العين الحمراء للروس، كي يتوقفوا عن التقدّم وترك مناطق السيطرة التركية لها. روسيا التي تعلم أن مشكلتها الكبرى مع أميركا، حيث توجد قواتها شرق سورية، وفي السياسات العالمية كذلك، وسيكون الوضع أكثر تعقيداً، حينما يتفعّل قانون سيزر، وبالتالي ربما تترك بعضاً من المناطق تحت السيطرة التركية، ولكنها لن تشرعنها، وستكون مناطق ابتزاز لصالح روسيا، مع بروز أي خلاف بين الدولتين، وربما لن تترك شيئاً.

أخطأت تركيا في كل سياساتها إزاء سورية، ولكنها قبل 2011، كانت تضع كل سلة بيضها عند النظام، وبعد مرحلة بسيطة نقلتها إلى “الإخوان المسلمين”، بينما الثورة شعبية، وتتطلب رؤية مختلفة. ولاحقاً اكتفت بتصريحات نارية عديمة الجدوى، كالقول إن حماة خط أحمر. وتتالت الحكاية، حتى تدخلت روسيا وفرضت شروطها كاملة. وتوضح طريقة إدارتها للطائرة الروسية التي أسقطتها في 2015 الفرق بين قوة الدولتين، وقوتهما العالمية والإقليمية. لم تضع تركيا سياسة هيمنية على سورية، وبذلك اكتفت بوضعية الدولة العالمثالثية، وهي حالتها الفعلية، حيث حماية أمنها القومي أولويتها، ورفض أي شكل مؤسساتي للأكراد، باعتبار الأخيرين امتداداً للأكراد في تركيا ودول المنطقة، ويشكل أي استقلال لهم تحفيزاً للأكراد في تركيا والمنطقة.

في الجزيرة السورية، لم تتمكن من تشكيل منطقةً آمنة، ولم يتدفق السوريون نحو المناطق تحت سيطرتها، وحتى المهجّرون إلى عفرين وسواها، يعيشون في أسوأ الأوضاع، واللاجئون على حدودها أيضاً في حالةٍ رديئة. في الجزيرة، رسمت سياستها بالتوافق تارة مع روسيا وتارة مع أميركا، ولم تنجز تقدّماً إلى أيّة منطقةٍ من دون ذلك. وبالتالي، قوّة تركيا في الشأن السوري متعلقة في شمولية النظام ورفضه أية تسويات مع المعارضة والشعب، وفي رداءة المعارضة السورية التي استخدمتها تركيا ورقة بيدها، من دون أن تستفيد هي فعلياً من ذلك. وأيضاً، لو استطاع المهجّرون لولّوا وجوههم إلى أوروبا، ومن دون وخز ضمير أو تفكير ثانية أو ثالثة.

عكس تركيا، حينما تقدّمت قوات روسيا إلى مناطق سيطرة الأميركان تمت إبادتها في 2018، وكذلك حينما تحتك الدوريات الروسية بالأميركية في الجزيرة السورية، فتنسحب الأولى سريعاً. روسيا مستعجلة إلى مدّ نفوذها إلى قلب إدلب، وربما إلى حدود تركيا هناك، وتتهيأ لترتيب الأوضاع مع الأميركان، سيما أن الأخيرين يعيدون تمركزهم، ويعلنون مواقف جديدة، ربما تشكل سياسة ثابتة في سورية، وهي عدم دمج النظام السوري في المنظومة العالمية قبل الحل السياسي، والبقاء في مناطق الطاقة السورية، ومنع روسيا والنظام من الاستفادة منها، ورفض السماح لإيران بتشكيل طريقٍ بريٍّ بين العراق وسورية، ودعم موقف إسرائيل في قصف أية مواقع عسكرية في سورية، تراها مُهدِّدة أمنها الإقليمي، ولن نتكلم عن صفقة القرن، والحلف العربي الذي يدعمها ويشرعنها بكلٍ خسّةٍ، وتتضمن تهميشاً للتدخل الإيراني في فلسطين وكل المنطقة.. المقصد من هذ الاسترسال أن الولايات المتحدة بدأت ترسم سياسة جديدة، تمنع بموجبها أن تصبح سورية كاملة لصالح روسيا، وأن ذلك لن يكون من دون ثمنٍ حقيقيٍّ. وضمن ذلك، تحاول روسيا الحصول على أكبر حصة من سورية بما لا ينهي علاقتها المهمة مع تركيا، ويجعل منها شريكاً أساسيّاً في أيّة صفقة تتناول سورية مستقبلاً. لهذا يميل الكاتب هنا إلى أن روسيا ستعقد اتفاقاً جديداً مع تركيا، ولن تكمل تهجير السوريين مما تبقى من إدلب، أو المناطق التي تسيطر عليها تركيا.

معارك سورية، وتموضع الدول على الأرض السورية، يوضحان أن روسيا لن تنال سورية قبل تنفيذ الشروط الأميركية والأوروبية، وتتمحور حول تغييرٍ كبيرٍ في بنية النظام. وهذا سيفتح تدخلاً دولياً واسعاً في سورية، ولن يكون لتركيا وإيران حصة الأسد كما توهمتا طويلاً، وأيضاً ستتراجع حصة روسيا، وعلى نفسها جنت براقش. يمكن أن تكون روسيا شريكاً أساسياً في سورية للغرب، ولكن ذلك يتطلب ما ذكرنا، وبالتالي كل انتصارات روسيا وحروبها ومعاندتها أوروبا وأميركا لم تكن سياسةً صائبة، والنظام لن يتعوّم أبداً، وهي تُعدُّ الآن ومستقبلاً احتلالاً، ويجب طرده.

خسرت تركيا فرصاً كثيرة، ولن يعود دورها في سورية كما كان. وبالطبع، لن تستفيد من استثمارها في المعارضة التي أصبحت هامشية وعديمة القيمة. تركيا الآن تتهمش أكثر فأكثر، وستظلُّ في بعض الجيوب الحدودية، وما ستتركه لها روسيا وأميركا في آنٍ واحد. لن تتحرّك تركيا نحو أميركا، على الرغم من سياسة الأخيرة الجديدة، حيث خذلتها مراتٍ ومرات، وهي تدعم قواتٍ كردية، وربما تمكّنها من حكمٍ ذاتيٍّ بعض الوقت.

إذاً في معارك الدول العظمى، ليس للدول الصغرى، إلا شعوبها وتبنّي قضايا الشعوب المظلومة، وهو ما لم تفهمه تركيا، ولا كل دول المنطقة، ولا المعارضة السورية. وبالتالي حسابات تركيا محدودة وهامشية، وكذلك حسابات النظام والمعارضة. وفي النهاية، يظل حلّ الوضع السوري متعلقاً بصفقةٍ روسية أميركية، تجبُ كل الاتفاقات التي قاربت الوضع السوري، وتحقق مصالح الدولتين العظميين.

المأساوي في ذلك كله أن سورية تدمرت، وأن أية إعادة إعمارٍ لها، وفي حال وجدت، لن تكون قبل عقود متتالية. المأساوي هذا شاركت فيه كل الدول العظمى ودول الإقليم، وهذا ما على المعارضة والشعب السوري وعيه بعمقٍ، والمطالبة بحقوقهم من تلك الدول.

———————————

إدلب: من وقائع 48 ساعة فقط

تقع بلدة حزّانو في ريف إدلب الشمالي على تقاطع عدة طرقات، أحدها يأتي عبر مدينة الأتارب من ريف حلب الغربي، الذي يشهد موجات قصف عنيفة بالطيران والمدفعية، وطريقٌ آخر يأتي من مدينة إدلب عبر معرة مصرين، يسلكه نازحون من ريف إدلب الشرقي لتجنب القصف العنيف التي تتعرض لها مناطقهم  ومناطق ريف حلب الجنوبي والغربي. ومن حزّانو ينطلق طريقان؛ الأول يتجه شمالاً إلى سرمدا بالقرب من الحدود مع تركيا، حيث يصل النازحون دون أي فرصة للحصول على بيت؛ يقفون على جوانب الطرقات، وقد يحصل المحظوظون منهم على خيمة ينصبونها في إحدى المزارع أو الأراضي، قرب خيام أخرى أقيمت على عجل في الأرض الطينية. أما الطريق الثاني، فيتجه من حزّانو إلى الشمال الغربي نحو الحدود التركية، حيث يبدأ كثيرون محاولات العبور نحو تركيا تهريباً عبر الجبال؛ بعضهم يفلشون ويعودون أدراجهم، وبعضهم الآخر لا يعودون، ولا يصلون إلى تركيا أيضاً، إذ ستكون نيران الجندرما التركية أسرع إليهم، أو في أحسن الأحوال مراكز الاحتجاز المؤقت قبل أن تعاود السلطات التركية طردهم إلى إدلب مجدداً.

الساعة العاشرة والنصف من مساء يوم الأربعاء الماضي، نفذت طائرة روسية ثلاث غارات على مدينة أريحا إلى الجنوب من مدينة إدلب؛ الأولى استهدفت مشفى الشامي الجراحي ما أدى إلى تدميره، والثانية كانت على مخبز، والثالثة على بيوت للمدنيين. قال الدفاع المدني السوري إنّ اثني عشر شخصاً قتلوا في هذه الغارات، وأصيب ثمانية وستون.

أما يوم أمس الخميس، فقد استهدفت طائرات النظام والطائرات الروسية مدن وبلدات البارة والرويحة ومجدليا وكفرنبل وسراقب والنيرب وجسر الشغور وحاس والجانودية ومدينة إدلب. ثلاثون غارة جوية، استهدفت معظمها مواقع مدنية، في سياق حرب تهجير مروعة تجري فصولها في وضح النهار. قالت مديرية الصحة في محافظة إدلب أمس الخميس، في بيان نشرته على صفحتها على فيسبوك، إن الريف الجنوبي لإدلب قد بات خالياً من النقاط الطبية.

تستمر المعارك لليوم الثامن على جبهات ريف حلب الغربي والجنوبي، التي تشهد اشتباكات عنيفة جداً على عدة محاور من بينها منطقة الراشدين غرب حلب، حيث قال النظام عبر وكالة سانا التابعة له إنّ قواته سيطرت على منطقة «الراشدين 5» وجمعية الصحفيين، في حين تقدمت قواته على محور خان طومان لتسيطر على مستودعات خان طومان وتل الزيتون ومعراتا وخان طومان والخالدية.

يسعى النظام على تلك الجبهة إلى التقدم جنوباً، علّه يلاقي قواته الزاحفة عبر إدلب شمالاً، ما سيعني تلقائياً سقوط ريف حلب الجنوبي وما تبقى من ريف إدلب الشرقي في قبضته. هناك، في ريف إدلب، وبعد أن سيطرت قوات النظام على معرة النعمان وريفها الشرقي بالكامل يوم الثلاثاء الفائت، واصلت تقدمها في القرى والبلدات التي تقع على الطريق الدولي شمال المعرة، فسيطرت على معر شورين وبابيلا وخان السبل ومعردبسة، ووصلت إلى أطراف تل مرديخ، لتصبح على بعد كيلومترات قليلة من سراقب، التي فرغت تقريباً من أهلها.

تقاتل فصائل المعارضة بشراسة على جبهات ريف حلب التي تبدو أكثر تماسكاً من جبهات إدلب، وتتحدث المعلومات المتوافرة عن أن المقاومين على جبهات جنوب وشرق سراقب يقاتلون دون خطط عسكرية واضحة، تماماً كما حصل في معرة النعمان وكفررومة يومي الإثنين والثلاثاء الماضيين، عندما صمد مقاتلون محليون بإمكانيات متواضعة لساعات أمام جحافل النظام والغطاء الجوي الروسي الذي يُحيل المناطق التي يستهدفها إلى كتل من اللهب.

لم تسحب القوات التركية أياً من نقاط المراقبة التي أنشأتها بالاتفاق مع روسيا،  بل على العكس من ذلك، أنشأت خلال اليومين الماضيين نقطتي مراقبة جديدتين على طريق دمشق حلب الدولي، إحداهما إلى الجنوب من سراقب والأخرى إلى شمالها. وقد أصبحنا نعرف أن وجود هذه النقاط لا يحول بحدّ ذاته دون سيطرة النظام على مناطق تواجدها، وكل ما في الأمر أنها ستربك قوات النظام قليلاً إذا كانت التفاهمات الضمنية والأوضاع الميدانية تسمح بتقدمها، إذ ستجد نفسها مضطرة للالتفاف حولها عن يمينها أو يسارها، قبل متابعة طريقها لاستباحة القرى والمدن والبلدات. ليس معقولاً أن تركيا تنشئ هذه النقاط من أجل لا شيء، والأرجح أن وجودها مرتبطٌ بتفاهمات مع روسيا حول استخدام الطرق الدولية بعد أن ينقشع غبار المذبحة.

في هذا الوقت، تواصل هيئة تحرير الشام مشروعها التسلطيّ كأنَّ شيئاً لا يحدث، وتتحدث المعلومات المتوافرة عن أن قوامها الرئيسي العسكري والتنظيمي بات متركزاً في ريفي إدلب الشمالي والغربي، في المناطق القريبة من الحدود التركية، البعيدة عن الطرقات الدولية، والتي يُحتمل أن خطط النظام العسكرية لن تشملها. يوم أمس، تحدث شهود عيان تواصلنا معهم عن أن راجمتيّ صواريخ تابعتين للهيئة شوهدتا تتجهان غرباً نحو باب الهوى، أي في عكس اتجاه جبهات القتال.

بينما يعيش سكان إدلب هذه الآلام التي لا تُحتمل، تواصل تركيا وروسيا ترتيباتهما لمرحلة بعد المذبحة، ويواصل نظام الأسد عمله على بناء سلطته مجدداً فوق الجماجم، وتواصل الفصائل التابعة لتركيا مشاريعها التسلطية في عفرين وريف حلب الشمالي والشرقي وشمالي الجزيرة السورية، ويواصل أبو محمد الجولاني العمل على تحقيق حلمه في أن تترك له الدول النافذة في سوريا إمارة صغيرة يحكمها ويتسلط على حياة أهلها.

موقع الجمهورية

—————————————–

يستثمرون قضية المرتزقة لتشريع ذبح السوريين/ غازي دحمان

ليس خطأ صغيراً ارتكبته بعض المعارضة السورية بالموافقة، أو السكوت، عن إرسال مقاتلين إلى ليبيا. هو خطيئة كارثية. وثمّة نذر تفيد بأن قضية السوريين، أو كارثتهم الإنسانية، هي المرشح الأول لدفع ثمن هذه الخطيئة من رصيدها الذي بنته بعذابات الشعب السوري، وحلمه الصادق بوطن حرّ كريم.

ما الذي دفع من يسمون أنفسهم قادة المعارضة المسلحة إلى الوقوع في هذه الحفرة العفنة؟ لن تستطيع كل المبرّرات المنطقية تزيين هذا الفعل، لا حقيقة أن تركيا تستضيف ملايين السوريين، ولا وقوفها إلى جانب المعارضة في حربها ضد النظام، ولا حتى أنها أصبحت طريق الإمداد اللوجستي الوحيد لمد ما تبقّى من مشروع، لا يزال، يطمح إلى تحقيق جزءٍ من مطالب الشعب السوري.

لا تكفي هذه المبرّرات، لأن تركيا التي يتجاوز عدد سكانها الثمانين مليوناً، ولديها تاسع أقوى جيش في العالم، ليست بحاجة إلى مئات من المقاتلين السوريين للدفاع عما تعتبره مصالح قومية حيوية لها. من جهة أخرى، لم تنته بعد عذابات السوريين على يد تحالف روسيا إيران والأسد الذي يذيقهم الموت بكل أصنافه، كي تجد المعارضة لديها فائض قوّة تتبرّع به لصالح مشاريع تركيا الجيوسياسية!

ولكن أخطر من كل ما سبق، التداعيات الخطيرة التي ترتّبها هذه المسألة على قضية السوريين عموماً، وكان واضحاً كيف استغلت أطرافٌ كثيرة هذا الحدث لإعادة قراءة القضية السورية بطريقة مغرضة، كما نزعت أطراف كثيرة أردية الحرج الشفافة التي كانت تغطّي به مواقفها تجاه السوريين، وكأنها كانت تنتظر خطأ ما ينزل عليها من السماء كي تلعن السوريين وتبرّر  تقاعسها تجاه أزمتهم ومحنتهم.

في أيام قليلة، سال حبر كثير، وكتبت عشرات التقارير والمقالات التحليلية، ومثلها من التعليقات التلفزيونية التي تقول بصراحة، تتجاوز حدود الوقاحة، هؤلاء هم الذين ثاروا على الأسد، وهؤلاء هم من يدّعون أنهم ثوار من أجل الحرية. ولا يمكن لوم هؤلاء، فهم كانوا ينتظرون مثل هذه الفرصة ليبرّروا سبب رخاوتهم وانكفائهم عن دعم ثورة السوريين، أو ليبرّروا وقوفهم ضدها ومساعدتهم نظام الأسد عسكرياً واستخباراتياً ولوجستياً، وليظهروا أحقادهم الدفينة تجاهها. يقع اللوم على أولئك الذين يعرفون كم أن وضع الثورة السورية دقيق في هذه المرحلة، ولم يستطيعوا تقدير العواقب.

المثير أن الطرف الآخر في الصراع الليبي، خليفة حفتر، يكاد يختنق من كثرة المرتزقة الذين يعملون في صفوفه، علناً، من روسيا ودول أفريقيا وجهات ربما لا نعرفها، ولا أحد يأتي على ذكر ذلك. ولا يُنسى أن عماد الحرب التي شنّها بشار الأسد على السوريين أنفسهم كان مرتزقةً من دول الجوار، بحجّة حماية الأماكن المقدسة. ومن روسيا بذريعة حماية المسيحية في الشرق. ومن أرمينيا بدعوى حماية الأرمن. ومن علويي تركيا وأكرادها. وقد تم قبول هذه المبرّرات، من دون أن ينتبه أحد إلى أن السوريين الذين ذهبوا إلى ليبيا هم في الغالب من التركمان الذين يدّعون أنهم ذهبوا لمناصرة إخوانهم “الكراغلة” التركمان الليبيين في مصراتة وبعض مدن الساحل الليبي.

ليس ذلك وحسب، بل كان المرتزقة هم أساس الحروب التي قامت في العقد الأخير وعمادها. ويدلل على ذلك شيوع مصطلح الوكلاء في أدبيات الحرب والسياسة بشكل هائل في المجال الدبلوماسي والفضاء الإعلامي، وذلك لرغبة الأطراف التي تخوض هذه الحروب في تجنّب التصادم المباشر بينها. وفي مؤشّر على أن قادة هذه الدول يخوضون حروباً ليست لها شعبية في بلادهم، وبالتالي يتجنّبون استفزاز شعوبهم بصناديق القتلى التي تأتي من الجبهات. وفي الغالب، من يسمّون مرتزقة هم ضحايا مشاريع هؤلاء القادة واستراتيجياتهم وخططهم، لأنهم يستهدفون فئاتٍ ضعيفة ومعوزة (مثل اللاجئين الأفغان في إيران) وأمثالهم، بدفعهم إلى ساحات حروبهم.

والحال، أنه في ظل صراع المنافسة بين أردوغان وبعض الزعماء العرب، وفي ظل تهافت قادة المعارضة وخنوعهم لتركيا وخيانتهم أمانة الدم السوري، تجرى استباحة ثورة شعبٍ ما زال دمه يقطر من أنياب روسيا وإيران، ويجري على أصابع عصابة الأسد، شعب ما زال يستغيث العالم من خيام غطّاها الثلج في لبنان، ومئات المخيمات الغارقة في الوحل على حدود تركيا، ناهيك عن عشرات الألوف الذين ينتظرهم الموت في سجون الأسد.

ولكن، ماذا يفعل السوريون ليثبتوا أنهم ليسوا مرتزقة، فقد أصدرت كل القوى السياسية، وأغلب المقاتلين على الجبهات، بيانات تستنكر الخطوة التركية وترفضها، ولم يلتفت إليها أحد، فليس 

“الذين ذهبوا إلى ليبيا هم في الغالب من التركمان الذين يدّعون أنهم ذهبوا لمناصرة إخوانهم “الكراغلة” التركمان الليبيين في مصراتة”لشعب سورية المعارض ماكينات إعلامية تنصفه، ويبدو أن ثمّة جهات وجدت الفرصة المناسبة لإخراجه من خانة الشعب الثائر إلى خانة المرتزقة.

يريد بعضهم تدفيع السوريين ثمناً باهظاً لحلمهم الثوري، عبر تبرئة بشار الأسد وإعادة تأهيله، نسوا أن أخلاق هذا الكائن لم ترتق إلى مرتبة أخلاق أزعر الحارة، فكل واحد تم ذبحه في السجن غدراً كان بأمرٍ مباشر منه، وكل مغتصبة، من بين الثمانية آلاف، جرى تنفيذ عقوبة الاغتصاب بحقها بأمر منه، وكل منزلٍ تم تدميره كان بأمر منه، وكل منزل تمت سرقة حاجاته بأمر منه، وكل عملية تطهير ديمغرافي تمت بأمر وتشجيع منه.. أخطأ من ذهب إلى ليبيا للارتزاق، والرئيس أردوغان مدان لدفعه السوريين المحتاجين إلى هذا الطريق، وقبلها استخدامهم فزاعة لأوروبا، لكن هذا ليس سببا كافيا لمعاقبة السوريين الذين فقدوا باعترافات العالم مليون قتيل وملايين المعاقين، وليس سببا لمسح ذنوب الأسد وتأهيله.

العربي الجديد

———————————–

إدلب.. قصة موت معلن/ خضر الآغا

كان علينا كسوريين أن ندرك، أو ربما أدركنا فعلًا، أن حملة تهجير السوريين إلى إدلب التي تمت اعتبارًا من أستانا 2017 التي تم فيها الاتفاق مع المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة على ما سمي: مناطق خفض التصعيد بين موسكو وأنقرة وطهران، والتي بموجبها استفردت روسيا بتلك المناطق واحدة واحدة وهجّرت أهلها والفصائل المسيطرة عليها إلى إدلب، كان علينا أن ندرك إذًا أن العملية العسكرية الحاسمة قادمة إلى إدلب. فروسيا عندما دخلت الأراضي السورية في العام 2015 دخلت بموافقة غربية ـ أمريكية، وذلك كي تنهي الوجود المسلح للجماعات الإرهابية والمتطرفة في سوريا. فبالنسبة للغرب وللولايات المتحدة لا يوجد فصائل معتدلة وأخرى متطرفة في سوريا، فالفصائل كلها متطرفة، حتى وإن قبلت وجود بعضها في مفاوضات دولية واعتبارها معتدلة فإن ذلك كان نتيجة حسابات دولية وليس نتيجة قبول غربي ـ أمريكي باعتبار تلك الفصائل معتدلة.

حدث نوع من إيكال مهمة القضاء على الوجود المسلح في سوريا لروسيا. روسيا دخلت لإنقاذ نظام الأسد المتهاوي لتحقيق مصالح استراتيجية ما كان لها أن تحققها لولا ذلك الظرف الدولي والمحلي الملائم. فقد أدركت منذ أن استخدم نظام البراميل كافة صنوف الأسلحة واستقبل أنواع الميليشيات والمرتزقة لإخماد ثورة شعبه والبقاء في السلطة مهما كانت النتائج، أنه نظام يمكن أن يتخلى عن كل شيء مقابل أن يحتفظ بالسلطة، فأبرمت معه اتفاقيات للمستقبل تؤهلها لأن تكون صاحبة القول الفصل ليس في مرحلة الحرب فقط، بل في المستقبل أيضًا.

طريق روسيا إلى ذلك كان إنقاذ النظام، وغاية الغرب والولايات المتحدة كان إنهاء الوجود المسلح في سوريا. وهذا ما يفسر أن عمليات التهجير التي حدثت للسوريين حدثت برعاية من الأمم المتحدة التي تهيمن عليها الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، ودول الغرب عامة بالدرجة الثانية، وانصياعًا من الأمم المتحدة لهذه الهيمنة أشرفت على عمليات التهجير بغية إخلاء المناطق كافة من أي موجود مسلح. لم يكن ثمة إشارة على أن إدلب ستكون محمية من عملية عسكرية روسية إلا المصلحة التركية الناشئة، وهذه المصلحة هي التي، لم تؤجل، بل ساهمت في تأجيل تلك العملية. عندما فرغت روسيا من الوجود المسلح على امتداد الجغرافيا السورية -ماعدا القسم الأمريكي منها وهو الجزيرة السورية- كان عليها متابعة الأمر في إدلب.

كان النزاع الروسي التركي حول إدلب يضع روسيا في خيار صعب: إما تركيا، أو إدلب، وبالتأكيد حتى العام 2019 كانت ستختار تركيا، فتركيا أهم لروسيا من إدلب. لكن تطورات الوضع في الشمال السوري غيّرت المعادلة برمتها. تفهمت روسيا والولايات المتحدة المزاعم التركية في أنها تشعر بتهديد حقيقي من الميليشيا الكردية على حدودها، خاصة بعد أن أعلنت تلك الميليشيا أن المناطق التي تسيطر عليها هي مشروع (انفصالي) تم التعبير عنه بتسميته “روج آفا”، وبرفع صور أوجلان في المناطق التي تسيطر عليها، أوجلان هو الشخص المصنف إرهابيًا على مستوى أوروبا والولايات المتحدة، والتي تعتبره تركيا الإرهابي الأول. فنالت تركيا موافقة روسية وأمريكية على العملية التي سميت: نبع السلام، واستولت على الشريط الحدودي من رأس العين إلى تل أبيض، وكانت قد استولت قبل ذلك على عفرين، وبهذا ضمنت حدودها من أي تهديد من الميليشيا الكردية. 

في اتفاقيات أستانا أن تركيا تتعهد بالقضاء على جبهة النصرة الإرهابية المتواجدة في إدلب، إلا أن ذلك لم يتم، فتأتي العملية العسكرية الروسية على أنها “تحرير” إدلب من مجموعات إرهابية تسيطر عليها، جبهة النصرة وفصائل أخرى متحالفة معها، وهذا ما يريده الغرب والولايات المتحدة أصلًا. يعزز ذلك القبول أمران آخران: انحياز الغرب والولايات المتحدة إلى روسيا أكثر من تركيا، خاصة أن تركيا وعلى أكثر من ملف وصعيد تربطها علاقات متوترة مع الغرب وأمريكا، الأمر الذي جعلها غير مقبولة غربيًا وأمريكيًا.

الأمر الثاني أن الاجتماع الذي حدث في موسكو في كانون الثاني/يناير من العام الجاري 2020 بين علي مملوك رئيس الاستخبارات السورية وهاكان فيدال رئيس الاستخبارات التركية جرى خلاله، وفق ما تم تسريبه، مطالبة تركيا بتنفيذ اتفاق سوتشي أيلول/سبتمبر 2018 بشأن  طريقي: إم 4 (حلب – اللاذقية) وإم 5 (حلب – حماة). وبهذا لم يتبقّ سوى مواصلة اقتحام إدلب، وإعادتها لسيطرة النظام. وهو ما سيتم ضمن تلك الاتفاقيات التي ضمنت الحق التركي بعفرين (حتى الآن) وبشريط حدودي آمن، وضمنت الحق الروسي في احتلال سوريا وضمان مصالحها الآنية والمستقبلية.

وضمن هذه المعادلة التي تسير على دم السوريين وعلى طريق نزوحهم وهروبهم لم يتبق سوى أن يفكر المقاتلون الصغار على الأقل وأهالي بلدات ومدن إدلب أن استعادة النظام لإدلب غير متوقفة على ميزان قوى، بل على قرار تم اتخاذه بالفعل، وهو أن إدلب ستكون تحت سيطرة النظام.

وبناء على هذه التصورات يمكن توقع أن عفرين هي المعركة القادمة.

الترا صوتاً

—————————–

 إدلب.. وخلط أوراق التحالفات/ أسامة آغي

يبدو أن الضوء الأخضر الدولي بشأن فتح الطريقين الدوليين M4”” و” M5 لا يزال يعمل لمصلحة العمليات العسكرية، التي يشنها النظام السوري وحليفاه الروسي والإيراني، رغم التحذيرات المتكررة الصادرة عن الإدارة الأمريكية. هذه التحذيرات لم تأخذ بعدًا رسميًا من البيت الأبيض أو وزارة الخارجية الأمريكية، بل بقيت قيد التصريحات الإعلامية التي لا تعني التهديد الجدي لوقف هذه العمليات.

ويأتي الاتصال الهاتفي بين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والتركي، رجب طيب أردوغان، في 27 من كانون الثاني الماضي، في سياق مزيد من التحذيرات الموجهة لموسكو، إذ أوضح المتحدث باسم البيت الأبيض، جاد دير، أن ترامب وأردوغان تناولا في الاتصال ملف محافظة إدلب، التي تتعرض لحملة عسكرية كبيرة، واتفقا على أن “العنف الذي تشهده إدلب يجب أن يتوقف”.

تصريحات المتحدث الأمريكي، لا تتوازى مع تصريحات غاضبة، أدلى بها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وقال فيها إن صبر تركيا بدأ ينفد حيال الحرب على إدلب، وهذا يعني على المستوى السياسي، أن الروس الذين كانوا وراء مفاوضات “أستانة”، هم من يخرقونها، وبالتالي تعتبر نتائج “أستانة” لاغية.

أمام هذه الحالة الجديدة تنبغي معرفة اتجاهات تطور الحرب على إدلب، ونتائج هذه الحرب على المنخرطين فيها، وتحديدًا على سكانها البالغ أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، وعلى الدولة التركية بالمعنيين السياسي والأمني.

إن ما يجري من تهجير لسكان المدن والقرى في إدلب تحت القصف الروسي الوحشي والمدمر، لا يمكن قبوله على أنه عمل عسكري غايته فتح الطريقين الدوليين “M4” و”M5″، فهذان الطريقان يمكن ترتيب مرور التجارة عبرهما دون اضطرار لعمليات عسكرية كبرى.

ولكن صار من الواضح أن الحرب على إدلب غايتها السيطرة التامة على هذه المحافظة من قبل النظام، وهذا يعني تهجير سكانها وقتل من يمكن قتله، تحقيقًا لنظرية التجانس السكاني التي يتبناها النظام السوري، وأن السيطرة على إدلب من قبل روسيا وحلفائها تعني زيادة أوراق القوة والتفاوض بيد الروس، وتحديدًا بعد أن صار الوجود العسكري الإيراني هدفًا علنيًا للولايات المتحدة الأمريكية، التي تريد تصفية هذا الوجود.

ولكن هذا المخطط الروسي يصطدم بالمصالح التركية، وتحديدًا ما يتعلق بمسألة أمنها القومي، إذ إن امتلاك روسيا ورقة إدلب، يعني كنتيجة خروج هذه الورقة المهمة من اليد التركية.

الروس يعتقدون أنهم مضطرون للوحشية المبالغ فيها ولشدة الضربات العسكرية التي يقومون بها، فالوقت أمامهم محدود، وتحديدًا بعد صوغ الاستراتيجية الأمريكية حيال الصراع السوري، ولهذا هم يريدون الحصول على أكثر مكاسب ممكنة في إدلب، قبل تغيّر اتجاه السياسة الأمريكية، التي أعلنها الأمريكيون من أنقرة.

ولكن الوحشية الروسية تريد تحقيق مصالح خاصة بالروس في الملف السوري، وهذا يعني تعزيز قدرتهم في مواجهة الأمريكيين، ولكن الأمور ليست بهذه الدقة التي يعتقد الروس أنهم يمتلكونها. فإيران صارت هدفًا مستعجلًا للأمريكيين وإسرائيل وغيرهما من دول المنطقة، والمقصود بذلك خروج إيران من مناطق نفوذها في الشرق الأوسط وتحديدًا خروجها من سوريا.

السياسة الروسية في سوريا بدأت تحدث شرخًا في الموقف التركي، وتدفعه لاتخاذ مواقف تدرأ عنه خطر هذه السياسة، ولعل في هذا الشرخ ما يسمح للولايات المتحدة الأمريكية من التقارب والتقاطع بنقاط أكثر مع الأتراك، لدفعهم خارج علاقات حميمية مع موسكو، ولتحقيق هذا التقارب الأمريكي- التركي، يحتاج الأمريكيون إلى صياغة سياسة متوازنة لهم مع حليفهم التاريخي تركيا.

إن جوهر المخاوف التركية يتعلق بمسألة أمنها القومي، المتمثل بتهديدات إرهابية، يقول الأتراك إن مصدرها “حزب العمال الكردستاني” التركي الذي يتزعمه عبد الله أوجلان، المسجون في أحد سجونها، هذا الحزب ينشط بالتعاون مع حزب “PYD” الكردي- السوري. هذه المخاوف التركية يجب أن يكون لها صدى عملي في السياسة الأمريكية، وهذا يعني مزيدًا من الضغوط على “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لإجراء مفاوضات مباشرة بين “PYD” وتركيا.

إن تركيا تدرك معنى خسارة إدلب لمصلحة النظام السوري وحليفه الروسي، فهذه الخسارة تعني ببساطة إضعاف الدور التركي في الحل السياسي المقبل في هذا البلد، وإضعاف ركائز المجال الحيوي التركي في المنطقة العربية. إضعاف هذا الدور يعني تبديد كل الجهود التركية التي عملت عليها السياسة التركية طوال زمن الصراع السوري، الذي لا يزال جاريًا حتى اللحظة، وهو أمر لا يمكن أن تذهب إليه السياسة التركية المدركة بعمق لتعقيدات الصراع في سوريا وعليها.

وفق هذه التقديرات، يمكن القول إن الأتراك يستطيعون لي الذراع الروسية في إدلب، إذا ما ذهبوا مع الأمريكيين بتقاطعات أوسع من قبل، هذه التقاطعات يمكن أن تشمل تسليح فصائل المعارضة العسكرية بأسلحة نوعية تساعد في التخفيف كثيرًا من فعالية سلاح الطيران الحربي للروس وللنظام، هذا التسليح يجب أن يكون تحت سلطة الضبط التركي له، كي لا يخلق هواجس أمريكية أو هواجس لدى مجموعة التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة.

إذًا، الاتفاق الدولي على فتح الطريقين “M4″ و”M5” لا يجب أن يتحقق وفق الرؤية الروسية باستعادة إدلب لمصلحة النظام السوري ومصلحتها، وهذا يتطلب إعادة خلط أوراق التحالفات بالنسبة للأمريكيين ولتركيا، فتنفيذ موسكو لخططها في إدلب صار مكشوفًا ومفضوحًا أمام العالم، ولم يعد تسويق الحرب الروسية على أنها لمحاربة الإرهاب أمرًا مقبولًا، وهذا ما ذهب إليه بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، حين قال إن “الأفعال الوحشية لنظام الأسد وروسيا وإيران وحزب الله وهجماتهم تجاه محافظة إدلب تحول دون تثبيت التهدئة في شمالي سوريا”، وهذا يعني أن الروس والنظام وإيران يتحملون وزر وحشية هجماتهم.

وبالتالي نحن نقترب من مفترق طرق على مستوى تغير التحالفات بين القوى المنخرطة في الصراع السوري، فهل نشهد قريبًا تآكل الدور الإيراني في سوريا؟ وهل سيبدأ تحجيم الدور الروسي، إذا ما توسع التحالف التركي- الأمريكي المتوقع؟ الإجابة عن هذين التساؤلين وغيرهما، سيحددها تطور التحالفات التي بدأ تغيرها حيال الصراع السوري.

عنب بلدي

————————–

زلزال إدلب/ عائشة كربات

اعتاد المواطنون الأتراك أن يعبروا عن افتخارهم بوحدتهم عندما يواجهون كارثة جماعية أو حدث يدعو للبهجة. وبغض النظر عن العرق أو الطائفة أو الطبقة الاجتماعية، كنا نبتهج معاً عند كل نجاح وطني مثل الفوز في مسابقة الأغنية الأوروبية أو الفوز بكأس العالم. لكن ومنذ فترة طويلة، لم نحظى بأي شيء يجعلنا سعداء على المستوى الوطني، وللأسف، نحن على وشك أن ننسى كيف كنا نظهر الوحدة في السعادة.

كارثة ألازيغ

لا بد لي أن أقول، أننا كنا كمواطنين أتراك قادرين أيضاً على إظهار الوحدة والتضامن في الأوقات الصعبة، من خلال وضع خلافاتنا جانباً. كل هذا اختلف اليوم، وقد أثبت الزلزال الأخير القوي الذي هز شرق تركيا يوم الجمعة الماضي، وأسفر عن مقتل أكثر من 40 مواطناً، أننا فقدنا هذه القدرة على الاتحاد.

تصدّر شاب سوري حديث الشارع التركي بعد أن ساهم في إنقاذ سيدة تركية وزوجها بشجاعة من تحت الأنقاض إثر الزلزال العنيف في ولاية ألازيغ شرقي تركيا، وانتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي للسيدة التركية وهي تروي البطولة التي أظهرها الشاب السوري محمود العثمان من محافظة حماة، لإنقاذها هي وزوجها من تحت أنقاض منزلهما من دون أن يكترث للجروح التي أصابت يديه.   

وتعليقاً على الحادثة قالت السيدة التركية: “الشاب محمود، الذي أنقذ حياتي، هو من السوريين الذين نلومهم في كل شيء، لقد حفر بأصابعه بين الأنقاض إلى أن أخرجني”. وقد التقى الرئيس رجب طيب أردوغان أثناء زيارته للمنطقة التي ضربها الزلزال، الشاب السوري، وأعلن أن تركيا ستمنحه الجنسية وعائلته.

انقسام المجتمع

تحول هذا الخبر إلى لحظة لنهاية الوحدة الوطنية والحزن على الكارثة. وسرعان ما أعلنت أحزاب المعارضة موقفاً شاجباً برفضها توزيع الجنسية التركية كهدية من الرئيس. علاوةً على ذلك، ادعى بعض الأشخاص، بمن فيهم نائب رئيس نقابة المحامين التركية حسين أوزبك، أن محمود العثمان لم يظهر أي عمل بطولي على الإطلاق، وبأن شريط فيديو المنتشر كان جزءاً من سيناريو لتهيئة الجمهور لتقبل الهجرة الجماعية من إدلب.

تحولت إدلب التي تتعرض لقصف عنيف مع سقوط إتفاق وقف إطلاق النار، لتصبح قصة في الصحافة التركية التي تغطي باهتمام عدد الأشخاص الذين اضطروا إلى الفرار باتجاه الحدود التركية. ووفقاً للأرقام التي قدمتها الدولة ونشرتها وكالة الأناضول، ارتفع عدد النازحين من إدلب وحلب منذ تشرين الثاني 2019 إلى 541 ألفاً.

يُعد هذا الملف بشكل عام الشغل الشاغل الوحيد للمجتمع التركي. وتعبر الحكومة التركية عن المخاوف نفسها، إلى جانب تحذيراتها الخاصة بضرورة سلامة الجنود الأتراك في نقاط مراقبتها المنتشرة في منطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب. وإعلانها أنه سيتم الرد بشدة على أي هجوم من شأنه أن يعرض المواقع التركية للخطر.

الاستعداد للمفاوضات

كانت تركيا على دراية بحقيقة أن النظام السوري سوف يستولي على إدلب مستخدماً سياسة القضم، وأن المعارضة ليس لديها القدرة العسكرية لمنعه من التقدم. إلا أن لأنقرة حسابات أخرى، فخطتها هي كسب الوقت لإدارة أزمة اللاجئين، ووقف إطلاق النار كان جزءاً من الصفقة الروسية-التركية بشأن ليبيا والاتفاقيات الثنائية. وعليه، يمكن الاستنتاج أن المعركة النهائية من أجل سوريا قد بدأت، وسوف يفوز بها النظام في نهاية المطاف، وهذه حقيقة لم تعد مهمة بعد الآن بالنسبة لتركيا التي تأمل أن يؤدي اتفاقها مع الروس لمنع تفاقم أزمة اللاجئين.

نظراً لمعرفتها بأن الفوز في ساحة المعركة لن يعني بالضرورة الفوز في طاولة المفاوضات، بدأت أنقرة بالفعل في البحث عن أساليب جديدة لتستخدمها عند التفاوض. في هذا الصدد، تحاول أنقرة إقناع الولايات المتحدة بأن الوضع المؤلم في إدلب هو فرصة للولايات المتحدة لاكتساب المزيد من النفوذ مستفيدةً من علاقتها مع تركيا كقوة موازنة لروسيا. ويمكن اعتبار المحادثة الهاتفية التي جرت بين ترامب وإردوغان في 28 كانون الثاني، كعلامة على صوابية هذا الافتراض، خصوصاً أن الزعيمين اتفقا على أن العنف الذي يجري في إدلب يجب أن يتوقف. ومع ذلك فإنه من المبكر الجزم بما إذا كانت جهود أنقرة ستؤتي ثمارها.

وفي ختام تحليل مجريات الأمور، تجدر الإشارة أنه في خضم كل هذه المفاوضات، تعاني الإنسانية تحت أنقاض زلزال إدلب، وليس هناك من بطل يستطيع التدخل لإنقاذ الموقف.

المدن

——————————

هل يعاقب بوتين إردوغان في إدلب بسبب ليبيا وأوكرانيا؟/ إبراهيم حميدي

المواجهة بين دمشق وأنقرة في إدلب، كانت منتظرة منذ إقرار اتفاق سوتشي. التساؤل، كان حول موعد الصدام ودور موسكو. ومع تراكم الغيوم بين روسيا وتركيا في ملفات أخرى مثل ليبيا وأوكرانيا، هل يتبادل الطرفان «الرسائل» في شمال غربي سوريا؟

حاولت أنقرة «تحدي» دمشق في الصيف الماضي، عندما أرسل الجيش التركي قوافله إلى شمال حماة لحماية نقطته في مورك. وقتذاك، استعجل الجيش الروسي وساطته لمنع الصدام: تقدم الجيش السوري إلى خان شيخون وتقدم الجيش التركي إلى «جزيرة معزولة» شمال حماة.

الدور الروسي، هذه المرة، كان مختلفاً وبارداً. كرر الجيش التركي محاولته بإرسال قوافل مدججة باتجاه سراقب شمال معرة النعمان. روسيا لم تتدخل، بل «تركت» الجيش السوري يقصف القافلة ويقتل عدداً من الجنود. رد الجيش التركي بحملة قصف من نقاطه على مواقع عدة، بل إنه استخدم طائرات «إف 16» من الأجواء التركية كي يستهدف مواقع سورية ويقتل عدداً من الجنود.

اللافت، أن التعبير عن التصعيد العسكري، لم يأت على لسان الناطقين العسكريين، بل من أعلى الهرم: الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قال إنه «تم تحييد» نحو 25 جندياً سورياً. الكرملين رد بالتعبير عن «القلق من وجود المسلحين» في إدلب. موسكو تقول إن أنقرة لم تبلغها سلفاً بإرسال القوافل. أنقرة ترد بأنها أبلغت موسكو.

قبل نحو شهر، كان الرئيسان إردوغان وفلاديمير بوتين يدشنان خط غاز استراتيجياً ويتبادلان الكلمات الدافئة في إسطنبول ويمددان هدنة إدلب ويدعوان لهدنة في ليبيا. ما الذي حصل في الأسابيع الماضية كي «يتحارب» الطرفان بالوكالة والأصالة في إدلب؟

1 – خيبة الوساطة: استضافت موسكو برعاية روسية محادثات علنية، هي الأولى، بين رئيس مكتب الأمن الوطني السوري اللواء علي مملوك ومدير المخابرات التركي حقان فيدان. لم يحصل كل طرف في اللقاء على ما كان يريده مع أن وسائل الإعلام الرسمية احتفلت به. دمشق لا تزال تخطب ود الأطراف المتنافسة في الإقليم وتبحث عن «أفضل العروض»، في وقت تدفع واشنطن على الأطراف الإقليمية المتنافسة للاتفاق على بند واحد: ممارسة «ضغط أقصى» على دمشق. لقاء مملوك – فيدان، لم يحدث اختراقات أو تفاهمات حول إدلب وشرق الفرات حيث ينتشر الجيش الأميركي وتقيم أنقرة مع واشنطن تفاهماً عسكرياً. في هذا السياق، يمكن وضع اللقاء الذي جمع فيدان مع قادة فصائل المعارضة واجراء اتصال هاتفي من قاعدة الاجتماع مع اردوغان الاسبوع الماضي، لتأكيد «الدعم العسكري والسياسي».

2 – ليبيا: يقف الرئيسان الروسي والتركي على طرفي نقيض في الحرب الليبية المتجددة. أنقرة تدعم حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج وتمدها بـ«مرتزقة» سوريين للدفاع عن طرابلس. موسكو تدعم الجيش الوطني برئاسة المشير خليفة حفتر وتمده بـ«مرتزقة فاغنر» للسيطرة على طرابلس. كما يقف الطرفان في ضفتين متقابلتين بالنسبة إلى الطموحات بثروات الغاز والنفط في البحر المتوسط. يتواجه الطرفان في ضواحي طرابلس ويقيمان تحالفات مختلفة في ضفتي المتوسط. وتفيد تقارير أن قوافل الإمداد العسكري من ذخيرة ومدرعات ومقاتلين، زادت بعد «مؤتمر برلين» الذي شارك في بوتين وإردوغان وكان يفترض أن يكرس وقف النار.

3 – أوكرانيا: يصل إردوغان إلى كييف اليوم، كي يشارك مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في اجتماع «المجلس الاستراتيجي». حسب بيان، فإن الرئيسين سيبحثان في «وضع تتار القرم وتعميق الشراكة الاستراتيجية». لا شك أن هذه العبارات ليست أخباراً سارة لبوتين الذي حاول استقطاب زيلينسكي في باريس الشهر الماضي. كان لافتاً أنه بعدما أعلن إردوغان «تحييد» الجنود السوريين، قال في طريقه إلى كييف إن بلاده «لم ولن تعترف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم الأوكرانية بطريقة غير شرعية» قبل ست سنوات.

منذ تدخل الجيش الروسي في سوريا في نهاية 2015. حاول إردوغان «التعايش» مع جاره الجديد بعيداً من التاريخ والطموحات، وحاول بوتين استثمار ذلك في خلق تحديات جديدة لـ«حلف شمال الأطلسي» (ناتو) والأميركيين والأوروبيين.

مرة جديدة، يتعرض تفاهم بوتين – إردوغان في إدلب إلى اختبار جديد. ولا شك أن مصيره وإمكانات الوصول إلى اتفاق جديد بخطوط تماس جديدة في شمال سوريا، أمور ترتبط بملفات ثنائية واستراتيجية أخرى: ليبيا وأوكرانيا ملفان جديدان بينهما.

الشرق الأوسط

————————————

حيرة الأتراك في إدلب/ عمر كوش

أعاد التوتر التركي الروسي، بعد مقتل 7 جنود أتراك في إدلب على يد قوات النظام السوري، النقاش مجدداً في الأوساط السياسية التركية، حول علاقة تركيا مع روسيا وتواجدها في إدلب، وطاول النقاش سائر توجهات السياسية الخارجية التركية، التي اعتبرها زعيم المعارضة كمال كلجدار أوغلو، أنها باتت تُدار من طرف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وليس من طرف وزارة الخارجية، أو حتى من قبل الرئيس إردوغان نفسه.

واختلفت وجهات النظر التركية حول أسباب هذا التوتر، وما نتج عنه من قتل جنود أتراك، إلى درجة أنه أوقع الساسة الأتراك في حيرة حيال الخيارات الممكنة أمامهم، وجعل رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، كلجدار أوغلو، يتراجع عن مطالباته المتكررة حول ضرورة تطبيع علاقات الحكومة التركية من نظام بشار الأسد، حيث اعتبر أنه ليس من الحكمة مطالبة الحكومة التركية بالجلوس مع نظام، بعد استهدافه نقاط المراقبة التركية في إدلب، وقتله عدداً منهم، لكنه وضع عدداً من النقاط، التي تمثل السبيل إلى حل سياسي في سوريا، وحصرها في عدم إغفال حقيقة كون إدلب أرضاً سورية، وأنها باتت تشكل خطراً على الأمن القومي التركي، وإعادة النظر في تفاهمات سوتشي بشأن إدلب، وتوقّف تركيا عن التوجه تارة نحو الروس، وتارة أخرى نحو الأميركيين، والتوجّه نحو مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى جانب تخلي تركيا عن سياستها المطالبة بتغيير النظام السوري، وبذل جهود دبلوماسية تمهد لمرحلة انتقالية من أجل إيقاف الدم في سوريا.

أما نائب حزب الشعب الجمهوري عن محافظة إسطنبول، سازجين تانري كولو، فقد عبّر على “تويتر” عن غضبه الشديد لمقتل الجنود الأتراك، معتبراً أن لا شأن لبلاده في إدلب، وأنه عارض “منذ البداية تدخل تركيا في الحرب في سوريا، وقلت ذلك عدة مرات، لكن بالرغم من ذلك استضافت تركيا جميع عناصر الميليشيات الذين أتوا من كل أصقاع العالم”.

ولم يكن النقاش حول توتر العلاقة مع روسيا هادئاً في الأوساط الإعلامية، بل فُتح على قضايا ساخنة، تتصل بالعلاقة مع روسيا ومستقبلها، والنهج المتبع في السياسة الخارجية التركية في سوريا مع ربطها بالوضع الليبي وسوى ذلك، حيث تساءل، بارتشين ينانتش، الكاتب في جريدة “حرييت”، عن ماهية العلاقة التركية الروسية، ملاحظاً أن المسؤولين الأتراك عندما كانوا يتحدثون عن حليف إستراتيجي قبل سنوات، كانوا يعنون الولايات المتحدة، بينما، في السنوات القليلة  الماضية، فإنهم أصبحوا يعنون روسيا، لكن بعد مقتل الجنود الأتراك، بات من الصعوبة بمكان اعتبار العلاقات التركية الروسية استراتيجية، رابطاً توقيت استهدافهم مع زيارة أردوغان، لأوكرانيا، التي أثارت غضب موسكو. ولفت ينانتش إلى أنه ومنذ آب/أغسطس الماضي، تمكن النظام من تحقيق تقدم عسكري في إدلب، بدعم عسكري روسي كامل، الأمر الذي يشي بمسؤولية موسكو عن مقتل الجنود الأتراك، وبالتالي لا يمكن اعتبار الروس شركاء استراتيجيين لتركيا، رغم تنامي التبادل التجاري وشراء منظومة صواريخ “إس-400”.

ودار نقاش في الأوساط الإعلامية المقربة من حزب “العدالة والتنمية” حول خيارات تركيا في علاقتها مع روسيا والوضع في إدلب، حيث تساءل، برهان الدين دوران، مدير مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية “سيتا”، في مقاله بجريدة “صباح”، عما إذا كانت تركيا ستنتقل إلى المرحلة الثانية في إدلب؟، ويقصد بالمرحلة الثانية التوجه إلى السيطرة الميدانية، عبر تقوية نقاط المراقبة، وفرض سيطرتها على المناطق المحيطة بها. إضافة إلى إنشاء منطقة آمنة بعمق 30 إلى 40 كم داخل الحدود السورية، من أجل إيواء النازحين السوريين. ولم يستبعد أن “يمتد القتال إلى حلب وتل رفعت وعين عيسى وشرق الفرات”، متسائلاً عما سيكون عليه موقف موسكو، وإمكانية تضحيتها بالتعاون الروسي التركي من أجل أطماع الأسد؟

ولم تغامر مراكز البحوث والأوساط الأكاديمية التركية في التسرع بالحكم على العلاقة مع روسيا وتفاهماتها في سوريا، لكنها تتخوف من أن يثير مقتل الجنود الأتراك المخاطر الكثيرة على تركيا وعلاقاتها، مراهنة على العلاقة الشخصية الطيبة بين أردوغان وبوتين، وسبل حصر الأضرار الناجمة، وفرص مقايضة محتملة ما بين إدلب وشرقي الفرات وطرابلس الليبية.

والحاصل هو أن الساسة الأتراك ما تزال لديهم مراهنة كبيرة على دور بلادهم وتأثيرها في سوريا وسائر قضايا المنطقة، لكن المخاطر كبيرة، ليس فقط لأن المصالح والتفاهمات مختلفة مع الروس ومع الخائضين في الدم السوري، بل لأن دورهم وتدخلاتهم تضعهم في حالة تماس عسكري مباشر مع سائر المتدخلين، الأمر الذي ستنتج عنه أثاراً وتبعات، قد لا تنتهي أو تنحصر عند مقتل الجنود الستة في إدلب. يضاف إلى ذلك أن علاقات تركيا مع روسيا يعتريها اختلافات، بالرغم من تقاطع وتشابك المصالح، لأن ما يريده الروس هو إعادة رسم خريطة جديدة على الأرض في سوريا، بما يعني توسيع نفوذهم على حساب النفوذ التركي فيها، والقضاء على فصائل المعارضة السورية، تمهيداً لاستثمار ما يحققونه عسكرياً على الصعيد السياسي، عبر تفصيل حل سياسي ينتصر للنظام ويزيد معاناة السوريين.

—————————-

أنقرة تضغط على موسكو خلال محادثات ثانية حول إدلب/ جابر عمر

يجتمع الوفدان التركي والروسي، اليوم الاثنين، مجدداً في أنقرة، بعد اجتماع سابق لهما السبت الفائت، لبحث مستجدات الأوضاع في إدلب السورية، وذلك على وقع تصاعد التهديدات التركية الميدانية وتكثيفها الضغوط السياسية مع زيادة في الحشود العسكرية شمالي سورية.

ورافق بدء لقاء الوفدين حديث عن عمل عسكري لفصائل المعارضة السورية بدعم مدفعي تركي، وتشويش على طائرات النظام، إلى جانب تصريحات لوزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، قال فيها إن “الجانب المهم بالنسبة لتركيا، هو وقف إطلاق النار في إدلب وإتاحة الفرصة لعودة النازحين إلى ديارهم”.

وذكرت وكالة “الأناضول” أن “العاصمة التركية أنقرة، تستضيف، اليوم الاثنين، جولة جديدة من المحادثات بين الوفدين التركي والروسي، لبحث آخر المستجدات الحاصلة في محافظة إدلب السورية”.

وبحسب مصادر دبلوماسية تركية، سيترأس الوفد التركي مساعد وزير الخارجية سادات أونال، بينما يحضر الوفد الروسي الاجتماع برئاسة نائب وزير الخارجية الروسي السفير سيرغي فيرشينين، والمبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سورية، ألكسندر لافرنتييف.

وتعقيباً على هجوم المعارضة على سراقب والنيرب وفتح خطوط الجبهة مجدداً، وتطورات الاجتماع التركي الروسي، قالت مصادر في وزارة الخارجية التركية، إن “هذا الهجوم لا يعتبر هجوماً للجيش التركي بعد، بل مجرد دعم لفصائل المعارضة، وإنه يأتي ضمن إطار تشديد المفاوضات مع الجانب الروسي، وإيصال رسائل ميدانية وسياسية بالوقت ذاته خلال المفاوضات”. وأضافت المصادر لـ”العربي الجديد”، أنّ “الوفد الروسي موجود في أنقرة، وبدأ بعد الظهر مفاوضات مع الجانب التركي”، مشيرةً إلى أن “الوفد وصل إلى أنقرة على عجل، الليلة الماضية، بعد أن كان مقرراً وصوله في الأيام المقبلة”.

وقالت المصادر إن “اليوم يشهد اجتماعات في ظل تشدد تركي، بسبب الوضع المعقد والصعب ميدايناً في إدلب، وسط جدية كبيرة من الجانب التركي وحزم كبير، يلقي بالكرة في ملعب روسيا”. وأوضحت أنّ “العملية العسكرية، التي بدأت الاثنين، هي عبارة عن تقديم دعم عسكري للجبهة الوطنية، وتأتي ضمن إطار الضغوط التركية، والتشويش على المروحيات والطائرات التابعة للنظام ليس الأول من نوعه، فالتحرك العسكري هو للفصائل بدعم مدفعي فقط من تركيا”.

وشدّدت على أنّه في حال “ردت قوات النظام على القوات التركية، وتسبب ذلك بقتل وإصابة جنود أتراك فسيكون الرد على الهجوم كبيراً هذه المرة، وقد يكون الرد التركي أبعد من الرد على مصادر النيران فقط، بل يمتد لجبهات أخرى تصل إلى مدن وبلدات مهمة تؤثر على النظام”، مبينة أن “كل ما يحدث الآن ميدانياً هو رسائل ضغط في اجتماعات اليوم، وستشمل المباحثات سراقب ومعرة النعمان والمناطق الأخيرة التي تقدم فيها النظام”.

وتزامن، مع الهجوم، تصريح لوزير الخارجية التركي في أنقرة، قال فيه “لو تم التوصل إلى اتفاق في الاجتماع الماضي مع الوفد الروسي حول إدلب، لما كانت هناك حاجة لاجتماع اليوم”، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنه “جرى تبادل وجهات النظر وعرض مقترحات الجانبين خلال اجتماع السبت بين الوفدين التركي والروسي”.

وأردف قائلاً: “الرئيس رجب طيب أردوغان أكد مراراً لنظيره الروسي فلاديمير بوتين، أن تركيا ستتخذ تدابيرها في حال استمر النظام السوري بهجماته، وكذلك أبلغت نظيري سيرغي لافروف بذلك”، مشددا ًعلى “استحالة الحديث عن المسار السياسي وتفعيل عمل لجنة صياغة الدستور، في ظل استمرار هجمات النظام السوري وتهجير المدنيين وقتلهم”. كما لفت إلى احتمال عقد لقاء بين الرئيسين أردوغان وبوتين، في حال فشل اجتماع الوفدين في التوصل إلى اتفاق بشأن الأوضاع في إدلب.

يأتي ذلك في وقت أفادت فيه وسائل إعلام تركية، أن المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية جيمس جيفري، يبدأ، غداً الأربعاء، زيارة إلى أنقرة، ضمن إطار الحراك الدبلوماسي حول التطورات في إدلب، حيث تعتبر هذه الزيارة الثانية خلال فترة قريبة، بعدما زار أنقرة قبل أسابيع، وتصدرت التطورات في إدلب أجندة المباحثات مع الجانب التركي.

——————————–

تركيا والقرارات الأصعب/ يحيى العريضي

صحيح أن الدول ليست جمعيات خيرية، وصحيح أن من حقها أن تضع مصالحها فوق كل اعتبار؛ ومؤكدٌ أنها إذا عرفت طعم الديمقراطية تحترم حقوق الإنسان. وربما تكون عينها على ما يحدث خارج حدودها صاحية. تركيا، ها هنا ليست استثناءً؛ فبحكم الجغرافيا والتاريخ، اهتمت بما جرى ويجري في سوريا. ومنذ اندلاع الأحداث في سوريا، عبّر مسؤولوها عن ذلك. ولا ننسى ما قاله مؤسس حزب العدالة والتنمية فيها بأن “أي نار في سوريا، كأنها في تركيا”. تصريحات مسؤوليها الحاليين تجاه أحداث سوريا ذهبت في ذلك الاتجاه، ولكنها اصطدمت على الدوام بخذلان الناتو؛ – وهي عضو فيه – وبتوجّس من التذبذب الأمريكي، ومبدأ السياقة من الخلف تجاه القضية السورية، وخاصة عندما عبّرت عن نيّتها في إقامة منطقة آمنة لملايين السوريين الذين تدفقوا إليها هرباً من جحيم طائرات “الوطن” منذ عام 2012.

بعد التدخل العسكري الروسي المكثف في سوريا، زادت تعقيدات المشهد بالنسبة لتركيا. دخلت مضطرّة مع فصائل الجيش الحر في اتفاقيات “خفض تصعيد” مع روسيا ومن تحميه أو “تضمنه”، علّها تساهم بخفض منسوب الدم والخسائر المحتمة أمام قطب دولي كان يوماً نظيراً ونداً لأمريكا، قطباً يتحالف مع مشروع إيراني توسعي خبيث، ونظام قرّر أن يقتل شعبه، ليبقى في السلطة. دخلت تركيا ومعها الفصائل في ظل خذلان أمرو-أوربي كانت مهمته الكلام والوعيد والإدانة والسياقة من الخلف. حمَلَت اتفاقات “خفض التصعيد” تلك بذور خرقها في بنيتها الأساس: فخفض التصعيد لا يشمل من سمّاهم حلف روسيا “الإرهابيين”؛ وهذا المصطلح ينطبق على كل سوري ليس مع النظام بعرفه. تمت الخروقات لتلك الاتفاقات؛ وكان أول من يركب باصات الرحيل “هيئة تحرير الشام” أو ما كان يُعرَف بالنصرة، لاستكمال مهامها في مناطق أخرى قادمة وبانتظار خرق جديد ، ونهاية اتفاقية جديدة؛ لتكون المحطة الأخيرة إدلب التي كانت رهينة للجولاني قائد النصرة كممثل محترف للنظام.

ويالعودة إلى تركيا، وفي ظل كل ذلك، كانت أخف الأوصاف التي تُطلق عليها تجاه هذه المسألة /التردد/ و/الجُبن/؛ ولكن الأقسى عليها كان /التآمر/ مع روسيا. والحجة التي تُساق للبرهان على ذلك أن المصالح التي تربط تركيا بروسيا (اقتصاد بالمليارات وفتور مع الغرب)، تدفعها لبيع السوريين والاستهتار بمصيرهم. أصحاب تلك السرديات يريدون لتركيا -في ظل خذلان من الناتو وأمريكا تحديداً، وفي جو من النفور والعداء العربي، وفي سياق تكبيلها الاقتصادي والتهديد الدائم لعملتها- أن تُقْدِمَ على الانتحار في مواجهة روسيا وإيران، وأن تندفع -ضمن هذا اللاتوازن المرعب، والسير على حد السيف بين مطارق الإجرام وسنادين الخذلان- باتجاه حروب لا تبق ولا تذر.

لم يكن اعتذار تركيا لروسيا عن إسقاط طائرة لها، كانت تقتل السوريين، بالأمر السهل أو العابر؛ إلا أنه كان بداية الاستبداد الروسي بتركيا في سوريا. فروسيا لا تريد منافساً لها في القضية السورية؛ وأي يد تدخل لا بد أن يكون تحريكها بتخطيط وإرادة روسية وبخدمة أهدافها الاحتلالية للمكان.

سعت تركيا، عبر السير على حد السيف، أن تحافظ على بعض ماء الوجه؛ وخاصة تجاه ما يحدث مؤخراً في الشمال السوري، مذكّرةً أحياناً باتفاقات أضنة، وأحياناً باتفاقات خفض التصعيد. وكانت الصدمة الكبرى باستهداف جنودها مباشرة، وقتل عددٍ منهم على يد الميليشيات العاملة تحت إدارة الروس. ردّت تركيا، وأعلنت قتل 35 ممن استهدفها. والمفارقة أنه حتى محاولة الحفاظ على بعض ماء الوجه تلك، لم تمررها روسيا؛ التي كذّبت التصريح التركي من جانب، وألقت باللائمة على الأتراك، بأنهم مَن تسبب بكل ذلك؛ لأنهم لم يُعلِموا الروس بمسير قافلتهم. ولو أنهم أخبروا الروس -أولياء أمر المنطقة- لما حصل لجنودهم ما حصل. وإمعاناً بالإهانة، صرّح الروس بأن الأتراك يقصفون من أرضهم خارج الحدود السورية؛ وذلك مخالفة للاتفاقات؛ وكأن الروس ملتزمين بالاتفاقات. وعندما ارتفعت عقيرة الأتراك بتصريحات حادة تجاه نظام الأسد والروس، قابلهم الطرف الآخر ببرودة وإهانات هادئة.

أمام هذا الحال، ما العمل؟! لا تستطيع تركيا أن تنكفئ، رغم خذلان أمريكا والناتو؛  فلا غنى لها عنهما، ولا غنى لهما عنها، أين تذهب بقاعدة “أنجرلك” مثلا؟. من جانب آخر، لا أحد يعرف بوتين بقدر ما تعرفه تركيا؛ ولا أحد يخبر منظومة الأسد بقدر ما تخبرها. لم يبق أمام تركيا إلا مواجهات متعددة. ولا يمكنها الاستمرار بهكذا حال تجاه القضية السورية. تركيا ليست بخبث بوتين، ولا بقوته؛ وما من دولتين بينهما ثلاث جبهات (القرم وليبيا وسوريا) كما بين الدولتين؛ ولكن مواجهة البلطجة ونكث العهود والإهانات تحتاج إلى ردع. من جانب آخر، لا بد من إشعار أوروبا أيضاً بأن موجات نزوح تلوح في الأفق تجعل حكوماتها تستنفر، وتضع روسيا في حالة حرج خانقة. الأهم من كل ذلك، أمام تركيا إما أن تزيل الذريعة التي يتسلّح بها الجميع: “النصرة”، أو أن تضعها ضمن امتحان يقلب كل المعادلات. وأخيراً على من تقف تركيا معهم ومع أهدافهم، أن يقوموا بما عليهم؛ وبذا، هي تنقذ نفسها، وهم يستعيدون وطنهم.

تلفزيون سوريا

————————————-

هل توافقت روسيا وتركيا على مصير إدلب؟/ سامر إلياس ـ موسكو

غداة انتهاء اجتماع روسي تركي بشأن إدلب من دون الإعلان عن نتائج محددة، واصلت أنقرة تعزيز وجودها العسكري فيما تبقى من منطقة خفض التصعيد الأخيرة بمقتضى مسار أستانة. وفي حين يحذر خبراء من أن تقدم النظام الكبير منذ منتصف الشهر الماضي بضوء أخضر ومشاركة روسية، يعرض علاقات موسكو وأنقرة إلى أقسى اختبار منذ حادثة إسقاط المقاتلة الروسية قرب الحدود مع سوريا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، فإن السيناريو الأرجح للحل هو توافق اللاعبين الرئيسيين في سوريا، تركيا وروسيا، على تجنب التصعيد إذ أن تأخر الرد التركي كثيرا، واختيار مراكز تموضع نقاط مراقبة جديدة للجيش التركي في إدلب يشيران إلى أن ديبلوماسيي وعسكريي حليفي أستانة وسوتشي توصلوا إلى تفاهمات جديدة تتضمن عودة فتح طريق حلب دمشق، ووقف تقدم النظام والميليشات الداعمة له نحو مدينة إدلب والمناطق المحاذية للحدود مع تركيا لمنع موجة لجوء جديدة من المحافظة المنكوبة.

تحرك متأخر

وبعد صمت طويل رغم الانتقادات الواسعة للدور التركي كضامن لعملية أستانة وسوتشي، وعدم تحرك نقاط المراقبة التركية لوقف هجوم النظام والروس، بدا واضحا أن مقتل ثمانية جنود في إدلب دفع الجيش التركي إلى الرد بعنف على مواقع النظام من دون أن يمنع المحرقة بحق المدنيين العزل ونزوحهم أكثر من مرة عن ديارهم هائمين من دون معرفة وجهة محددة لهم ليلحقوا بمئات الآلاف ممن أجبروا على النزوح منذ بداية حملة النظام على أرياف حماة الشمالية الغربية.

الجيش التركي واصل إرسال تعزيزات كبيرة، وقال إن “جميع الخيارات مطروحة على الطاولة”،

وعبرت قوافل ضخمة من المركبات العسكرية التي تحمل الدبابات وناقلات الجنود المدرعة وغيرها من المعدات إلى سوريا لتعزيز نحو 12 موقعا عسكريا تركيا تسعة منها تحاصره قوات النظام المتقدمة في المنطقة. وذكر المرصد السوري أن 1240 مركبة عسكرية تركية عبرت إلى إدلب خلال الأسبوع الماضي مع خمسة آلاف جندي.

وواضح أن الانتقام التركي على مقتل جنوده في إدلب، والدفع بقوات إضافية دغدغ مشاعر كثير من السوريين، ودفع بعضهم إلى الاعتقاد بأن تركيا ستدعم المعارضة لوقف الهجوم والمساعدة على استعادة المناطق التي أعاد النظام احتلالها في حملته العسكرية الأخيرة. وفي المقابل، أعلن النظام أنه استعاد أكثر من 600 كيلومتر مربع من الأراضي وسيطر على عشرات البلدات والقرى في الأيام القليلة الماضية، وجدد بيان عن قوات النظام “استمرار الجيش في تنفيذ واجباته الوطنية والدفاع عن سيادة الوطن وكرامة المواطنين وتخليصهم من رجس التنظيمات الإرهابية المسلحة ومنعها من مصادرة إرادتهم والتحكم بحياتهم”، على حد وصف البيان، في حين جدد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار يوم الأحد مطالبة أردوغان بوجوب انسحاب قوات النظام بحلول نهاية شباط/ فبراير ملوحا باتخاذ إجراءات، وأكد أنّ بلاده تملك خططا بديلة للتعامل مع الأوضاع.

ومع تراجع وتيرة تقدم النظام باتجاه مدينة إدلب، وبعد ساعات على اللقاء الروسي ـ التركي، نشر الجيش التركي، صباح الأحد ، قواته على تلة قرب قرية قميناس، جنوب شرقي مدينة إدلب، التي باتت قوات النظام قريبة منها. وتشرف النقطة الجديدة على قرية النيرب التي سيطرت عليها قوات النظام بدعم روسي قبل أيام، وتقع شمال طريق “إم 5” ما يرجح أن تركيا تفاهمت مع الروس على سيطرة النظام على الطرق الدولية الواصلة بين حلب وكل من حماة واللاذقية وهو ما تضمنه اتفاق سوتشي الموقع بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين في 17 أيلول/ سبتمبر 2018، وكان يقضي بفتح الطريقين حتى نهاية 2018.

حدود الدور التركي

وتكشف استراتيجية النظام والروس السابقة منذ 2018، أنهما لم يتراجعا سابقا عن مناطق تم قضمها تدريجيا، ما يقلل من إمكانية تنفيذ تركيا أي إجراءات لإعادة النظام إلى الوراء، فهي لا تريد الدخول في مواجهة مباشرة مع الروس على الأرض، وفي المقابل فإن روسيا تدرك تماما أن تركيا تستطيع تعطيل مخططاتها في سوريا في حال وجود إرادة سياسية واضحة لدى صناع القرار في أنقرة.

ومما يقلل من إمكانية صدام الروس والأتراك في سوريا، هو تعاون الطرفين “المثمر” في السنوات الأخيرة، فما كان يمكن لروسيا أن تتقدم لولا التنسيق المباشر مع تركيا منذ إطلاق مسار أستانة، واستطاع الطرفان التوصل إلى “مقايضات” منذ سيطرة النظام على مدينة حلب نهاية 2016، مقابل تقدم الأتراك في مناطق درع الفرات، وعملية “غصن الزيتون” بداية 2018 في عفرين مقابل تمكين النظام من السيطرة على غوطة دمشق، وفي هذا السياق فإن سيطرة النظام على أرياف حماة الشمالية ومناطق واسعة في إدلب وريف حلب الغربي كانت مقابل تمكين تركيا في شرق الفرات بين مدينتي تل أبيض ورأس العين بعمق 30 كيلومترا، وكما شكل الطريق الدولي حدا فاصلا بين مناطق سيطرة النظام والأتراك في الجزيرة فإن الطريق الدولي بين حلب ودمشق سيكون خطا فاصلا جديدا للمنطقة الآمنة أو العازلة التي تنوي تركيا انشاءها في إدلب.

وواضح أن إدلب كانت ساحة لرسائل دموية بين الروس والأتراك في حال تأزم علاقاتهما فيما يخص شرق الفرات، أو قضايا تتعلق بليبيا، وتقارب تركيا من الولايات المتحدة، لكن المؤكد أن الطرفين بما يربطهما من علاقات متينة في مجالات عدة ليسا في وارد المغامرة بهذه العلاقات، والتوصل إلى حلول وسط تضمن عدم إحراج اي منهما، ومراعاته لمصالح الآخر.

السيناريو الأرجح

ومما سبق، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا هو أن تجبر روسيا النظام على وقف العملية العسكرية، والاكتفاء بـما حققه وخاصة فتح الطرق الدولية الواصلة إلى حلب بما له من أثر معنوي كبير على أنصاره، وفي الوقت ذاته فإن نشر النقاط التركية الجديدة، وارتفاع صوت أنقرة في الأيام الأخيرة حول حماية المدنيين في إدلب ووقف تقدم النظام يسمح لها بحفظ ماء الوجه قليلا، علما أن الروس والنظام ليسا قادرين على الاستمرار في العمل العسكري لعوامل ليس أقلها الخشية من موجة غضب عالمي يمكن ان تسببه موجة نزوح جديدة باتجاه القارة العجوز كما جرى في 2015 و2016.

سيناريو فتح الطرق الدولية، ومنع موجة نزوح جديدة، يضمن للنظام والروس الاستمرار في قضم تدريجي بطيء لمناطق المعارضة بعد إفراغها من أهلها. وفي الوقت ذاته فإن محافظة تركيا على شريط يضم إدلب من دون موجات لجوء عابرة للحدود، يضاف إلى مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات، والشريط بين رأس العين وتل أبيض يضمن مصالح تركيا وخطوطها الحمراء بمنع الأكراد من المحافظة على نواة فيدرالية او دويلة على حدودها الجنوبية وهو ما يتوافق أيضا مع أهداف ومخططات روسيا والنظام، كما يؤمن لتركيا دورا مهما في تحديد النظام السياسي المستقبلي في سوريا كقوة موجودة على الأرض لا يمكن تجاهلها. وأخيرا لابد من الإشارة إلى نقطتين مهمتين؛ الأولى هي أن عدم انهاء وجود هيئة تحرير الشام التي لم تشارك عمليا في المواجهات الأخيرة يمنح النظام والروس حجة لحملة جديدة على المدنيين في إدلب بذريعة محاربة الإرهاب، والثانية هي أن الرهانات على الأطراف الخارجية يجب ان تتوقف لأنها لم تجلب اي فائدة للسوريين الذين يستخدمون من أجل رسم خطوط حمراء بدمائهم لتنفيذ مخططات أطراف لا يهمها إلا الدفع بمصالحها.

بروكار برس

————————–

واشنطن بوست: إدلب أصبحت جحيما.. وكل الحلول سيئة

قالت الكاتبة التركية أسلي آيدينتاسباس إن الهجوم الذي يشنه النظام السوري على إدلب، المعقل الأخير للثوار، حوّل المدينة إلى جحيم وإن عدد القتلى خلال الشهر المنصرم تجاوز عدد الأرواح التي حصدها فيروس كورونا في الصين.

وأضافت أسلي في مقال بصحيفة واشنطن بوست، إن الهجوم الذي تتعرض له المدينة التي تعد آخر معقل للثوار ضد نظام الأسد، حوّل بعض أحيائها إلى أنقاض وأدى إلى تشريد ما لا يقل عن خمسين ألفا من سكانها وفقا لإحصائيات الأمم المتحدة.

وقالت الكاتبة إن ما يحدث في إدلب، التي يقدر عدد سكانها بحوالي ثلاثة ملايين نسمة والقريبة من الحدود التركية، يمثل كابوسا لتركيا التي تستضيف 3.5 ملايين لاجئ سوري وتخشى من أن يدفع القصف الروسي والسوري المستمر سكان المدينة شمالا نحو حدودها.

ووفقا لأسلي، الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فإن التوتر الذي تشهده إدلب يهدد بزعزعة وقف إطلاق النار الهش في شمال سوريا بين تركيا والقوات الكردية، كما يهدد بإشعال النزعة القومية والمشاعر المعادية للاجئين داخل تركيا والتي تزداد وتيرتها منذ بعض الوقت.

أستانا عمقت الأزمة

وقالت أسلي إن اتفاق أستانا الذي أبرمته أنقرة مع روسيا وإيران في عام 2017 بهدف تحقيق الاستقرار في البلد الجار الذي مزقته الحرب، تحول إلى أداة بيد روسيا لتعزيز قبضة نظام الرئيس السوري بشار الأسد على المدن السورية، وإن موسكو استخدمت الاتفاق للضغط على تركيا وكبح دعمها لقوى المعارضة السورية.

وأرجعت الكاتبة عجز أنقرة عن إيجاد حل للتوتر في إدلب إلى علاقتها غير المتوازنة مع موسكو، فقد أدى تعزيز العلاقات بين تركيا وروسيا بسبب الملف السوري إلى عزل تركيا عن حلفائها الأوروبيين، ولم تحقق التوازن الذي كان يرمي إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القَلِق من تنامي النفوذ الغربي.

ووفقا لأسلي فإن أول خطوة على طريق حل قضية إدلب تتمثل في استعادة التوازن في السياسة الخارجية التركية من خلال حشد الدعم الغربي لإنهاء معاناة المدينة.

وقالت إنه ليس هناك شك في أن الزعماء الأوروبيين الذين يخشون تكرار موجة اللجوء التي اجتاحت أوروبا عام 2015 عندما تدفق مئات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى أوروبا عبر تركيا هربا من ويلات الحرب، سيكونون على استعداد لوضع خلافاتهم مع أردوغان جانبا ودعم مساعي تركيا لحل أزمة إدلب.

وأوضحت أسلي أن كل الخيارات المتاحة لحل الأزمة في إدلب لا تعتبر مثالية لكنها تظل أفضل من الفوضى التي تتجه نحوها الأمور، وإن الوضع الإنساني المتفاقم سيتحول إلى كارثة إنسانية إذا سمح لقوات الأسد بمواصلة تقدمها، وإن من شأن انفجار الأوضاع في إدلب أن يؤدي إلى نزوح جماعي يهدد بزعزعة استقرار تركيا وأجزاء من أوروبا.

وختمت الكاتبة بالقول إنه لا توجد خيارات جيدة لحل الأزمة، وإن على الأطراف المعنية احتواء التوتر في إدلب مهما كلف من ثمن، لأن التقاعس عن ذلك سيكون أكبر كلفة لكل الأطراف.

المصدر : واشنطن بوست

————————–

تركيا تؤكد فشل اجتماعها مع الروس حول إدلب.. والمعارضة السورية تشن هجوماً جديداً ضد قوات الأسد

أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، الإثنين 10 فبراير/شباط 2020، أن اجتماع السبت الماضي بين الوفدين الروسي والتركي لم يتمخض عنه أي اتفاق حول الأوضاع في محافظة إدلب شمالي سوريا، في حين قتلت قوات نظام بشار الأسد 5 جنود أتراك بإدلب، في تصعيد جديد تزامن مع بدء المعارضة هجوماً جديداً ضد جيش النظام.

لماذا الحدث مهم؟ التأكيد التركي الرسمي يشير إلى خلافات بين أنقرة وموسكو حول تطور الأوضاع في إدلب، لا سيما أن البلدين قد توصّلا إلى اتفاق وتفاهمات حول وضع المدينة التي يقطنها قرابة 3.5 مليون شخص، كما أنه يمثل مؤشراً على تصعيد عسكري مُحتمل، إذ هددت أنقرة بأنه إذا لم تتراجع قوات الأسد لما وراء نقاط المراقبة التركية في إدلب، فإن تركيا ستجبرها على ذلك.

تفاصيل أكثر: تأتي تصريحات جاويش أوغلو بالتزامن مع زيارة وفد روسي إلى تركيا لبحث المستجدات في إدلب، وخلال مؤتمر صحفي في العاصمة أنقرة، قال أوغلو إنه لو تم «التوصل لاتفاق في الاجتماع الماضي مع الوفد الروسي حول إدلب، لما كانت هناك حاجة لاجتماع اليوم».

الوزير التركي ذكّر بأن الرئيس رجب طيب أردوغان أكد مراراً لنظيره الروسي فلاديمير بوتين أن تركيا ستتخذ تدابيرها في حال استمر نظام الأسد في هجماته، مضيفاً: «كذلك أبلغت نظيري سيرغي لافروف بذلك».

تريد تركيا وقف إطلاق النار في إدلب وإتاحة الفرصة لعودة النازحين إلى ديارهم، وفقاً لجاويش أوغلو، الذي دعا من جديد إلى ضرورة الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار في إدلب.

ماذا بعد؟ من المُحتمل أن يُعقد لقاء بين الرئيسين أردوغان وبوتين، في حال فشل اجتماع الوفدين في التوصل إلى اتفاق بشأن الأوضاع في إدلب، وهو ما نوّه إليه أيضاً وزير الدفاع التركي خلوصي آكار.

معركة جديدة: بالموازاة مع التطورات السياسية، بدأت قوات المعارضة السورية، الإثنين، معركة جديدة ضد قوات النظام شرق إدلب، وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن الهجوم تركّز على محور النيرب وسراقب، ويهدف الهجوم إلى قطع طريق حلب – دمشق الدولي.

ناشطون سوريون في إدلب قالوا إن المدفعية التركية ساندت قوات المعارضة، وإنها ضربت عدداً من المواقع التابعة لقوات النظام.

في سياق متصل، أعلنت وزارة الدفاع التركية، الإثنين 10 فبراير/شباط 2020، أن 5 من جنودها قتلوا في هجوم شنته قوات تابعة للنظام على موقع للمراقبة في تفتناز بإدلب، فيما أعلن رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية عن «تدمير» مواقع النظام التي كانت مصدر الهجوم على القوات التركية في إدلب.

سياق الحدث: تعيش محافظة إدلب على وقع هجوم عسكري ضخم تشنه قوات النظام وحلفاؤها، وقد حقق النظام تقدماً في المحافظة وسيطر على مدينتي معرة النعمان وسراقب، وحاصر خلال ذلك عدداً من نقاط المراقبة التركية.

وزير الدفاع التركي خلوصي آكار حذر، الأحد 9 فبراير/شباط 2020، من أن تركيا ستغير مسارها في شمال غربي سوريا إذا تواصل خرق اتفاقات وقف إطلاق النار في إدلب.

في مقابلة مع صحيفة «حرييت» قال آكار: «إذا تواصل خرق الاتفاق، لدينا خطة ثانية، وخطة ثالثة»، ولم يعط الوزير تفاصيل حول الخطتين، لكنه أشار إلى العمليات العسكرية التي نفذتها أنقرة في سوريا منذ عام 2016.

تأتي التهديدات التركية بعدما أمهل أردوغان نظام الأسد حتى آخر الشهر الحالي لسحب قواته إلى ما بعد النقاط التركية في إدلب،  وحضّ روسيا على إقناع النظام بوقف عمليته العسكرية في إدلب.

بموجب اتفاق مع روسيا تم التوصل إليه عام 2018، أقامت تركيا 12 نقطة مراقبة في إدلب. وقالت مصادر أمنية تركية لوكالة الأنباء الفرنسية إن ثلثي تلك النقاط حُوصرت هذا الأسبوع من جانب قوات النظام، وذلك بعد أيام من قتل النظام ثمانية جنود أتراك ورد الجيش التركي على استهداف قواته.

————————————-

الطموحات الإمبراطورية على تخوم إدلب/ عروة خليفة

كيف ستكون النتيجة النهائية للاتفاقات الروسية التركية بشأن إدلب؟ من الواضح أن الإجابة على هذا السؤال الرئيسي الذي يجول في بال أهالي إدلب، وكثير من السوريين، صعبةٌ للغاية، ربما حتى بالنسبة للطرفين اللذين وقّعا الاتفاق أصلاً.

لماذا أمرت أنقرة فصائل المعارضة التابعة لها بالتقدم في ريف حلب الشرقي انطلاقاً من مدينة الباب في معركة امتدت لساعتين قبل أيام؟ لماذا فتحت «هيئة تحرير الشام» معركة على جمعية الزهراء بضواحي حلب الغربية، بعد أن سقطت جبهات ريف إدلب الجنوبي من دون أيّة مقاومة تذكر من قبلها، لتقتصر المقاومة فيها على مقاتلين من أبناء معرة النعمان والقرى والبلدات المحيطة بها، تمت إبادتها تماماً نتيجة تفوق سلاح الطيران الروسي وغياب أي تسليح يتجاوز السلاح الخفيف، والمتوسط القليل أصلاً؟ ولماذا نشرت أنقرة جنودها في محيط سراقب، على الرغم من تقدم النظام قبل ذلك للسيطرة على الطريق الدولي دون مشاكل معها؟

انهيارُ الجبهات، وتراجعُ «الجبهة الوطنية للتحرير» التي أصبحت منذ فترة جزءاً من «الجيش الوطني» التابع لأنقرة، هي مؤشرات على وجود اتفاق بين روسيا وتركيا على تقاسم المناطق المتبقية تحت سيطرة المعارضة في إدلب، الاتفاق الذي قد يكون مشابهاً لخرائط أستانا المعلنة سابقاً، التي قسمت إدلب إلى ثلاث مناطق إيرانية وروسية وتركية؛ إلا أنّ الاشتباكات في محيط سراقب بين القوات التركية وقوات الأسد تفيد أيضاً بعدم وضوح الاتفاق تماماً.

على الرغم من أنّ العلاقة بين أنقرة وموسكو لا تقتصر على إدلب، إلّا أن المصالح المشتركة والنزاعات بين الطرفين في الشمال السوري كانت مفتاحاً لتحول علاقة الثنائي بعد سقوط مدينة حلب عام 2016. هذا التحول الذي يشمل اليوم تفاهمات حول ليبيا وسوريا، ويبدو أنه يتجه نحو الاستقرار على شكل ثابت، حتى بعد تثبيت التفاهمات بين تركيا والولايات المتحدة خلال معارك الجزيرة السورية، بعد أن كان تراجع العلاقات بين البلدين في عهد أوباما أحد أسباب انخراط أردوغان في علاقة استراتيجية مع بوتين.

التصريحات الغاضبة من الحكومة التركية خلال الأيام الماضية، بعد اشتباك قواتها مع قوات النظام قرب سراقب، جاءت دليلاً على رفض أنقرة استيلاء قوات النظام ومن ورائها موسكو على مدينة سراقب، التي تقع على عقدة مواصلات رئيسية تصل بين الطريقين الدوليين حلب-دمشق (M5) وحلب-اللاذقية (M4)، ما يضع القوة المسيطرة عليها في موقع يسمح لها بالتحكم بالحركة عليهما، ذلك بالإضافة إلى أن استيلاء النظام على المدينة واحتمالات تقدمه نحو مركز محافظة إدلب، سيمنع عودة آلاف المدنيين المهجرين إلى بيوتهم ويهدد بتهجير المزيد، ما يزيد الضغط على وضع النازحين المأساوي، وهو أمر سينعكس على تركيا بشكل مباشر.

كما أنّ استهداف تركيا لقوات النظام السوري بعد تعرض نقاطها للقصف المباشر، يأتي في إطار استعادة الهيبة التركية، وهو أمرٌ يفهمه بوتين بالتأكيد، ما قد يسمح بضربات تأديبية من أنقرة لقوات النظام من دون أي تدخل من موسكو، لتستعيد القوات التركية هيبتها في المنطقة بعد أن أصبحت نقاط المراقبة التابعة لها دون أي تأثير ميداني حقيقي طوال الأشهر الماضية.

مع ذلك، لا يبدو أن هذا الخلاف وتلك الاشتباكات قادرة على تغير طبيعة العلاقة مع موسكو، التي أصبحت تضمّ تفاهمات حول قضايا حيوية بالنسبة للبلدين، كما أن اتجاه طبيعة النظام في تركيا تدريجياً إلى شكل مشابه لما هو عليه الوضع في روسيا، سيجعل التحالف بين الطرفين أكثر قوّة، خاصةً وأنّ هذه العلاقة وهذا التحالف بدأ يسمح لهما بالتصرف كقوى مؤثرة في الإقليم، وصاحبة كلمة في النزاعات الدائرة فيه.

ليس في الإمكان توقع مآل الاتفاق الروسي-التركي على الوضع في إدلب، التي تشهد اليوم كارثة إنسانية هائلة نتيجة العمليات العسكرية والقصف المكثف الذي تنفذه الطائرات الروسية، لكن يبقى بالإمكان توقع شكل العلاقة بين الثنائي أردوغان وبوتين، اللذين ينظران إلى التحالف بينهما كأداة لتقوية موقف كل منهما في ملفات المنطقة، بعد ما يبدو أنه قناعة لدى الطرفين بأن الولايات المتحدة في طريقها للانسحاب منها، وأنّ وجودها مرتبط حالياً بالملف الإيراني فقط، ما يفسح هامشاً كبيراً للتدخل وتثبيت النفوذ.

إدلب بالنسبة لهما تفصيل فقط، وأداة لتثبيت النفوذ والهيبة «الإمبراطورية»، أما المصالح الحيوية التي تتمثل بالممرات المائية وخطوط الغاز وحقول النفط والغاز الطبيعي في المتوسط، فيبدو أنها لا تزال تقبع ضمن التفاهمات التقليدية بين البلدين، التي حافظت على وجودها جنباً إلى جنب مع التفاهمات التي فرضتها الأوضاع الجديدة في المنطقة.

على الرغم من تفاهة المخيال الإمبراطوري، إلا أنه مخيالٌ قاتلٌ في الحقيقة، ويشكل قتلُ الآلاف وتهجيرُ مئات الآلاف في إدلب منذ اتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا خريف 2018 دليلاً على ذلك، وهو دليلٌ أيضاً على الانحدار الذي تسمح به تلك الأوهام حول استعادة السلطة المطلقة لقياصرة وسلاطين رحلوا منذ قرون، وشاهدٌ على كيفية تحوّل أفكار قد توحي بها مسلسلات تاريخية، من قبيل تلك التي يُنفق عليها بسخاء في الشرق الأوسط اليوم، إلى أداة تهييج قومي وتبرير لموت الناس على أرض الواقع.

موقع الجمهورية

—————————

تركيا وثمن الاعتذار لروسيا/ أرنست خوري

إحدى عِبَر الحرب السورية أنه في زمن الانسحاب الأميركي من المنطقة، فإنّ من يتجرأ، ويتخذ الخطوة الأولى لملء الفراغ، يكسب المعركة، وعلى الأرجح الحرب. هكذا فعلت روسيا منذ سبتمبر/ أيلول 2015، حين كان النظام السوري يوضّب أمتعته ويبحث عن منفى لأركانه، فلم تنتظر مجلس أمن أو تنسيقاً دولياً. ضربت روسيا ضربتها القاضية، وأرسلت قواتها الحكومية المدججة بترسانتها القاتلة، ومرتزقتها الأشد إجراماً، واحتلت الأرض والقرار السوريين، وتركت الصراخ للآخرين وسخرت من ثرثرات أوروبية وأميركية عن ضرورة ضبط النفس والتراجع عن الخطوة أحادية الجانب والتوقف عن الاعتداء على القانون الدولي والإحجام عن قتل المدنيين السوريين.

حصل ذلك بينما كانت تركيا تفكر وتبحث منذ مطلع 2012، وهي لا تزال منذ حينها تفكر وتبحث إنشاء منطقة آمنة للمدنيين، نشرت عنها عشرات الخرائط، على أساس أن المنطقة تلك ستقيهم من الموت الأسدي وتحظى بحماية دولية وإلا تركية فقط. لم يحصل هذا أو ذاك كما بات معلوما، نتيجة الانسحاب الأميركي والوهن الأوروبي، بل كل ما حصل كان معاقبة لمن قرر إسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، ومن بينهم رئيس الحكومة التركي أحمد داود أوغلو الذي اشتهر في حينها بعبارة “لن نعتذر للروس”، لكي يأتي بعدها الاعتذار من الرئيس رجب طيب أردوغان شخصياً، تلته مغادرة داود أوغلو منصبه أو إقالته. الأسوأ أن الاعتذار كان مقدمة لتسليم أنقرة الملف السوري إلى موسكو في إطار لعبة ألفاظ قاتلة اسمها “مسار أستانة”، فيها تمت إعادة اختراع شكل الحرب السورية وإعادة تعريف العدو والصديق والهدف والوسيلة. بالنسبة لتركيا، لم يعد النظام السوري هو العدو بل الحلم القومي الكردي على الضفة السورية من النهر. لم يعد الهدف سورية جديدة ديمقراطية للجميع تبدأ بإنشاء منطقة آمنة تكون منطلقاً لتحرير كل سورية، مثلما كان الخطاب التركي الرسمي يكرر منذ مطلع 2012، بل منطقة حدودية تكون آمنة من “الخطر الكردي” على امتداد الفرات. هدف متواضع إلى درجة أنه نال الموافقة الروسية المسبقة في إطار عمليات درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام، وعرف إعلامياً وسياسياً بمعادلات بعدد أسماء المدن والمناطق السورية التي احتلّها الروس بمعية مرتزقة سوريين أو إيرانيين ولبنانيين عراقيين، كانت أكثرها عبثية: حلب مقابل الباب، أو إدلب مقابل شرق الفرات أو غوطة دمشق مقابل عفرين أو درعا مقابل قرية حدودية ما… إلى ما هناك من تنازلات وصلت اليوم ذروتها بالنسبة لتركيا: تقول تركيا إنها قصف 46 هدفاً للنظام السوري رداً على قتل نظام الأسد ستة من جنودها في إدلب، فتسارع وزارة الدفاع الروسية إلى تكذيب الأتراك علناً، وتقول إن الجنود الأتراك الستة سقطوا خلال استهداف إرهابيين، أي أن هؤلاء كانوا إما إلى جانب الإرهابيين أو أنهم كانوا يحمونهم، لتواصل الرواية الروسية الإهانة المقصودة للحليف التركي، فيشير بيان وزارة الدفاع الروسية إلى أن “الطائرات الحربية التركية لم تخرق الحدود السورية، كما لم يتم تسجيل ضربات ضد مواقع القوات السورية”.

الإهانة في العلاقات الدولية، مثلما هي في العلاقات الشخصية، تنتج في السياسة عن تنازل مبدئي عما لا يمكن التنازل عنه: الاعتذار عن إسقاط السوخوي الروسية عندما كانت تقتل السوريين المدنيين خريف عام 2015، كان الخطيئة التركية الأصلية، المتممة لقرار عدم اتخاذ الخطوة الأولى التي سبقتها إليها روسيا في الميدان السوري. التدخل التركي لو حصل كان يمكن أن يكون تحت عنوان “التدخل الإنساني” لحماية المدنيين السوريين، وربما كان وفّر موتاً مديداً، لكنه لم يحصل ليترك الساحة مفتوحة أمام تدخل عسكري هدفه إعادة الاعتبار للنفوذ الروسي في العالم، انطلاقاً من قتل إرهابيين أطفال في قرى وبلدات الرقة وإدلب وحماة وداريا والزبداني وحلب، على الطريقة الإيرانية التي تخبرنا عن طريق القدس التي تمرّ بأحياء دير الزور وحمص.

العربي الجديد

————————

إدلب… شعب يُباد تحت أشجار الزيتون/ فراس حاج يحي

في شهر واحد، تم تسجيل مليون نازح عن بيته وأرضه إلى المجهول، في أكبر موجة نزوح بشري في القرن الواحد والعشرين.

تخونني كلماتي وأنا أكتب عن مدينتي إدلب، وأفقد القدرة على الكتابة بموضوعية وعقلانية فهل يلام المرء في حب أهله؟ في إدلب وبعد أكثر من شهر على انطلاق الحملة العسكرية الروسية – السورية ضد آخر مدينة محررة في سوريا، قارب عدد النازحين والفارين من المحرقة المليون إنسان.

في شهر واحد، تم تسجيل مليون نازح عن بيته وأرضه إلى المجهول، في أكبر موجة نزوح بشري في القرن الواحد والعشرين، اتبع فيها الحلف الروسي- الأسدي سياسة الأرض المحروقة، مدمراً الحجر والبشر والشجر. فرق الاستجابة الإنسانية في إدلب أصدرت بياناً فارغاً من الكلمات عن عدد النازحين والمهجرين، فالأرقام فقدت قيمتها، والإحصاءات لن تغير الواقع، بعدما صم العالم أذنيه وعينيه وأشاح بوجهه عن إدلب وأهلها.

لي هناك في إدلب أهل وأقارب، جدي وجدتي وهما في التسعين الآن، أختي وأطفالها الثلاثة، أشقاء أمي وأبي وأبناؤهم وقبر أبي، جميعهم هربوا تحت جنح الليل والشتاء إلى الحدود مع تركيا، إلا أن جدي وجدتي رفضا الرحيل واختارا البقاء والموت مع شجر الزيتون والكرز الذي زرعاه بأيديهما، “أيقلع الزيتون من جذوره؟ نحن زيتون هذه الأرض”، يقول جدي.

رحلوا مع مئات الآلاف من أهل إدلب وبقية محافظات سوريا من المدنيين الذين رفضوا البقاء في مناطق سيطرة حكومة الأسد، رحلوا إلى المجهول، طوابير طويلة من السيارات تحمل الناس وأمتعة قليلة مثل أغطية للنوم تقيهم البرد. هل هذا هو يوم القيامة تسألني شقيقتي؟ وتضيف، ماذا سيحصل وماذا نفعل؟ ليس لدي جواب لها ولا لمئات الآلاف معها، هل لديكم جميعاً أي جواب تساعدونني به لأجيب أختي؟

تركهم العالم لمصيرهم ولم يتحرك، فلا نفط في إدلب يحرك الدول الكبرى لوقف هذه المحرقة البشرية وهذا الاجتياح، حتى المنظمات الإنسانية الدولية لم تتحرك لنجدتهم على الأقل بخيم للإقامة فيها. تحت شجر الزيتون يشهد العالم نهاية ثورة شعب ذنبه الوحيد أنه طالب بالحرية والكرامة، لتواجهه حكومته بالقتل والاعتقال والبراميل والدبابات والتهجير، وبنت المشاريع الجهادية المتطرفة أحلامها على جثثهم. أما المعارضة السياسية السورية، فهي بحالة سبات عميق تجاه مأساة من أجلسهم على طاولات الاجتماعات السياسية والشاشات التلفزيونية، وهم في سباق محموم لعقد مؤتمرات في عواصم عدة لحجز مقاعدهم في التسوية السياسية التي وعدوا بها حلفاءهم.

في إدلب تُرِك آلاف المدنيين لمصيرهم ليدبروا أمر إيجاد مكان ينامون فيه على الحدود، فمن سيؤمن أبسط متطلبات حياتهم الجديدة من غذاء ودواء وماء؟ حتى الآن لا أحد، والحدود التركية أمامهم مغلقة، معظمهم من البسطاء الفقراء ممن تشبث بأرضه، ولم يملك مالاً يمكنه من الوصول الى تركيا بالدفع للمهربين، أو يمكنه من الهجرة بعد تركيا راكباً البحر إلى أوروبا.

هؤلاء الآلاف لم يتمكنوا من النجاة كأقرانهم من السوريين، ذنبهم الوحيد أنهم التصقوا بأرضهم، وأنهم عامة الشعب وبسطاؤه، لم يبقَ أحد لم يتحدث باسمهم ويدعي تمثيلهم سياسياً وإعلامياً، ويدعي حمايتهم عسكرياً من دول وفصائل مسلحة ومعارضات سياسية، وعند المحرقة تركوهم وحدهم إما للموت تحت القصف أو التشرد والموت من البرد.

لا كلمات تعبر عن هذه المأساة ولا أفق لمعرفة كيفية حلها أو توقيفها على الأقل، في السماء وعلى الأرض قصف بكل صنوف الأسلحة لم يتوقف منذ أكثر من شهر و لو ليوم واحد. دمرت المستشفيات والمراكز الصحية والبيوت فوق ساكنيها، وقصف الطيران الحربي هؤلاء النازحين على الطرق أثناء انتقالهم وقصفت المخيمات التي نزحوا إليها، إنها محرقة بشرية، فيما العالم يدير ظهره تماماً.

ألسنا بشراً؟ ألسنا عرباً؟ يسأل أحد النازحين وهو يحمل جثمان طفله الذي قضى بصواريخ من طائرة حربية استهدفت سيارة تنقل العائلة على طريق النزوح.

في إدلب لا ميثاق للأمم المتحدة يطبق لحماية مدنيين، ولا جامعة دول عربية تعتبرهم عرباً أو بشراً فتتحرك لأجلهم، والدولة الجارة والضامنة لاتفاق خفض التصعيد تغلق في وجههم حدودها وتتخلى عن دور ضامن اختارت هي مساره منذ 5 سنوات.

والمعارضة السورية في تركيا منشغلة بالتكريم والتقاط الصور مع محمود، الشاب السوري الذي أنقذ سيدة تركية في انهيار منزلها جراء الزلزال الذي ضرب تركيا منذ أسابيع ولا ترى ولا تسمع أنين الناس في إدلب. أما منصات المعارضة في الرياض والقاهرة وموسكو، فالأمر لا يعنيها ولا يدخل في جدول أعمالها ولم تستحق هذه المأساة منها بيان استنكار حتى، وما تبقى من قوى معارضة سورية في أوروبا، معظمها مشغول بالتحضير لمؤتمرات جديدة في باريس وبرلين وغيرهما من العواصم.

والفصائل العسكرية للمعارضة السورية وبخاصة ما يسمى الجيش الوطني الذي يقارب عدد مقاتليه 60 ألفاً، مشغول عن إدلب بالقتال في ليبيا، وحماية الحدود مع تركية من شبح التمدد العسكري الكردي.

أما الفصائل الجهادية وهيئة تحرير الشام المصنفة إرهابية وحكومتها والتي كان لها الفضل الأكبر بوسم إدلب كمعقل للإرهاب، فهي منشغلة بمعركة في ريف حلب لا نعلم سببها وأهدافها؟

“هيئة تحرير الشام” المصنفة إرهابية التي حكمت إدلب والمدنيين فيها بالحديد والنار، وشردت كل من خالفها توجهها المتشدد، واعتقلت على مدار سنوات مئات نشطاء الثورة وأبنائها وقتلت واغتالت أبرزهم وطردت الجيش الحر من ادلب وصادرت سلاحه الثقيل، اختفت في يوم وليلة لتترك أبناء هذه القرى والمناطق يدافعون عن قراهم وبيوتهم بالسلاح الخفيف بمواجهة آلة الحرب الروسية وترسانتها.

كل الأطراف مشتركة في محرقة إدلب وحرب إبادة المدنيين فيها وتهجيرهم، وأقل صنوف هذا الاشتراك هو الصمت عما يحصل وكأن هؤلاء المدنيين قصة مكتوبة في كتاب تاريخ يقرأها الجميع ويستغرب حدوثها.

كل يوم مئات الرسائل تصل من إدلب من المدنيين ماذا نفعل؟ إلى أين نذهب؟ ما الذي سيحصل، الناس هناك متروكون للمجهول لا أحد يفكر أن يعمل جدياً لأجلهم، أو يخرج لهم بخطة يعملون عليها، أو يصارحهم بحقيقة ما يحصل ويوجههم لفعل ينقذهم أو حل ينهي آلامهم، لا دول ولا منظمات ولا معارضات، فالقصف والموت من ورائهم والحدود المغلقة أمامهم.

إليكم يا أهلي وأبناء وطني في إدلب أتقدم باعتذاري وعجزي الذي لن يخفف من مأساتكم شيئاً، ولكن بعد اليوم لا تسمحوا لإنسان أياً كان أن يتحدث باسمكم أو أن يقرر عنكم مصيركم، أو أن يدعي تمثيلكم إن لم يكن تحت شجر الزيتون معكم، فحذاء طفل من أطفالكم يكسوه الطين له فائدة عشرات المرات أكثر من منابر ومعارضات وفصائل ودول ادعت يوماً نصرتكم والدفاع عنكم أو تمثيلكم.

لا أحد سيتحرك لأجلكم ولا أحد يعلم ما الذي تخبئه الأيام الآتية لكم، لذا تحركوا أنتم، وتصرفوا أنتم، ونظموا أنفسكم واختاروا من بينكم من يمثلكم ويضع خطة تنقذكم مما أنتم فيه، وكل ما يمكننا فعله كسوريين خارج سوريا في دول لجوئنا أن نخرج بتظاهرات توضح للعالم معاناة المدنيين في محرقة إدلب ومأساتهم، والعمل على جمع مساعدات إنسانية وإيصالها لهم في مناطق نزوحهم تضمن لهم البقاء على قيد الحياة وتؤمن لهم متطلبات حياتهم الأساسية.

وأنتما يا جدي وجدتي سامحونا تركناكما وحدكما تحرسان زيتوننا وقبر أبي وقبور شهداء ثورة الحرية والكرامة التي لم نستطع حمايتها ولا حمايتكم.

درج

———————-

روسيا “الوسيط” في إدلب/ بسام مقداد

يبدو أن الروس قد فوجئوا برد الفعل الصاعق للأتراك على مقتل عسكرييهم ، ويحاولون التلطي وراء اتهام الأتراك بعدم إطلاعهم على تحركاتهم ، والتحجج بصعوبة الوضع وتعقيداته على الأرض . يقول رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الإتحاد كونستانتين كوساتشيف على حسابه في الفايسبوك ، كما نقلت نوفوستي ، بانه حين يسأله الصحافيون عن ما يجري في إدلب ، يعترف فوراً بأن صورة ما يجري هناك ليست واضحة ، وبأن تقويمات الأطراف للوضع متناقضة كلياً. لكن الأمر الوحيد الواضح والواثق منه كلياً كوساتشيف ، هو أن الإتفاقات الروسية التركية حول مناطق خفض التصعيد ، وحول الدوريات المشتركة في الشمال السوري ، تتعرض لاختبار جدي. وأعرب الرجل عن ثقته بأن مسؤولية الحفاظ على هذه الإتفاقات تقع على الرئيسين الروسي والتركي ، وهو يثق بأنهما ، وكما في السابق ، سوف يعملان بشكل منسق ومسؤول ومثمر، وبتجرد عن العواطف ، إذ لا بديل عن ذلك برأيه .

وكانت نوفوستي قد نقلت أيضاً عن الرئيس السابق لهيئة التعاون العسكري الدولي في وزارة الدفاع الروسية الجنرال ليونيد إيفاشوف ، قوله بأنه يامل بأن القيادة الروسية ، وخاصة الرئيس بوتين ، سوف “يُبرّد أردوغان” ، وأن السوريين سوف ينصتون إلى رأي القيادة العسكرية في مجلس المصالحة الروسي في سوريا . وقال بأنه يعتقد، بأن النزاع لن يتطور ، وبأنه كان نتيجة صدفة ، حيث اعتقد الجنود السوريون بأن الأتراك هم من المقاتلين الأعداء. وشكك الرجل برواية الأتراك حول عدد قتلى العسكريين السوريين (76 قتيلاً) ، وقال بأنه دوماً يجري تضخيم الإنتصارات في ساحة المعركة ورفع أرقام خسائر الطرف المعادي ، ويؤكد بأن خسائر جيش النظام كانت أقل من ذلك .

كلام هذين المسؤولين الروسيين جاء قبل ساعات من الإتصال الهاتفي بين الرئيسين التركي والروسي مساء أمس الثلاثاء في 4 من الشهر الجاري، وأكدا فيه على التقيد الصارم باتفاقات إدلب ، وتعزيز الجهود المشتركة لتحييد المتطرفين. ونقلت نوفوستي عن الكرملين ، بأن بوتين لفت انتباه الزعيم التركي إلى الإرتفاع الشديد في نشاط الإرهابيين ، في حين قال إردوغان بأن القصف على العسكريين الأتراك وجه ضربة للجهود المشتركة لحفظ السلام في سوريا ، وأكد أن تركيا ستواصل استخدام حقها بحماية نفسها من مثل هذه الهجمات .

اللافت في كلام المسؤلين الروس وتعليقات الإعلام الروسي الدائر في فلك الكرملين ، هو محاولة التملص من المسؤولية عن ما يجري في إدلب الآن من سفك للدماء وتهجير مئات آلاف السوريين ، وتصوير روسيا بأنها تقف موقف الوسيط ، الذي يسعى إلى الحؤول دون توسع رقعة الصراع . وكانت صحيفة الكرملين “VZ” شديدة الوضوح في التعبير عن سعي روسيا إلى التموضع في موقع الوسيط هذا ، حيث نشرت الإثنين المنصرم مقالة بعنوان “الثأر التركي من الأسد يغدو تحدياً لروسيا” . قالت الصحيفة ، بأن إردوغان اتهم نظام الأسد في قتل ستة عسكريين أتراك في محافظة إدلب ، وقام الأتراك ، رداً على ذلك، بتوجيه ضربات إلى القوات النظامية السورية ، وأصبح الوضع شبيهاً ببداية حرب تركية سورية كبيرة ، ليس لدمشق فيها حظوظ كثيرة بالنصر . وتتساءل الصحيفة ما إن كانت ستتمكن روسيا من إخماد صراع شرق أوسطي جديد .

تسترسل الصحيفة بعد ذلك في استعراض الأحداث ، التي سبقت الضربة التركية لقوات الأسد ، وفي المقارنة بين قدرات الجيش التركي ، وقدرات جيش النظام السوري والقوى الحليفة له . إلا أنها لا تأتي على ذكر الطيران الروسي والقوات الروسية الأخرى الداعمة لقوات الأسد ، مثل القوات الخاصة التابعة للمخابرات الروسية FSB (KGB سابقاً)، التي كشف عن تواجدها في سوريا مقتل الضباط الروس الأربعة مطلع الشهر الجاري . تخلص الصحيفة من كل ذلك إلى تأكيد المؤكد من أن ميزان القوة هو لصالح الأتراك ، وأنهم سوف يحرزون النصر في حال المجابهة المباشرة . لكن الصحيفة تتساءل على لسان خبير تستضيفه ، ما إن كانت روسيا ستسمح للأتراك بمثل هذا الإنتصار ، وتؤكد بأن روسيا سوف تقوم بالتزاماتها التحالفية أمام سوريا “مهما كانت العمليات العسكرية والسياسية ، التي تقوم بها أنقرة” . وتنقل الصحيفة عن خبيرها هذا قوله ، بأن الزعيم التركي لن يقدم على توتير واسع للصراع ، لأن مثل هذا الأمر يهدد بنسف الإتفاقات الرابحة بالنسبة لتركيا مع روسيا ، بما فيها الإتفاقات مع موسكو بشأن سوريا.

كما تنقل الصحيفة عن خبير آخر تستضيفه قوله ، بأنه لا يستبعد تبادل الضربات مجدداً بين جيش النظام السوري والجيش التركي ، إلا أنه يستبعد ، شأن زميله ، أن تبلغ الأمور حد الحرب الشاملة . ويقول بأن ممثلي موسكو قد توجهوا ، على الأغلب ، إلى دمشق وأنقرة من أجل المفاوضات ، ولن نشهد تصعيداً عسكرياً لاحقاً ، لأن روسيا تسعى لإخماد بؤر التوتر هذه ، لأن “من صالحنا التعاون مع سوريا ، لكن من صالح روسيا أكثر التعاون مع تركيا” ، ويعتقد بأن الطرفين سوف يشتمان بعضهما ، ويتبادلان التعابير القاسية ، وينتهي الأمر عند ذلك.

موقع “rosbalt” المعارض والمتهم باليسارية ، وفي مقابلة مع المستشرق ألكسندر شوميلين بعنوان “الكرملين يربح ماء الوجه ويخسر المواقع” ، ينقل عنه قوله ، بأن الريادة في ثنائية بوتين إردوغان تنتقل حالياً إلى الرئيس التركي. ويقول الموقع في مقدمة المقابلة ، بأن الضربات التركية الأخيرة لقوات الحليف الرئيسي  لموسكو ، ليست الخطوة غير الودية الوحيدة ، التي يقوم بها إردوغان تجاه الكرملين . ففي الوقت عينه ، الذي أعلن فيه الزعيم التركي عن هذه الضربات ، وصف عشية زيارته إلى كييف ضم القرم إلى روسيا بأنه إحتلال ، وعبر عن قلقه على وضع تتار القرم في شبه الجزيرة . كما كان قد أعلن قبل ذلك الوقت ، بأنه لن يطيق وجود المرتزقة الروس في ليبيا ، كما عبر عن استيائه من امتناع روسيا عن تقديم تكنولوجيات إنتاج منظومات صواريخ S-400 إلى تركيا .

صحيفة “NG” ، التي تسمي نفسها مستقلة ، تنقل عن الخبير في المجلس الروسي للعلاقات الخارجية أنطون مارداسوف قوله ، بأن موسكو لا تزال في طور البحث عن التوازن بين العلاقات مع أنقرة ، وبين تثبيت مواقعها داخل الدوائر العليا للسلطة السورية . ويقول بأنه من الصعب التوفيق بين هاتين المهمتين ، إذا أخذنا بالإعتبار خصوصية السياسة الخارجية الروسية في سوريا ، حيث يقوم العسكريون وأجهزة المخابرات الروسية ، منذ زمن بعيد، بإزاحة الدبلوماسيين إلى الخلف . ويرى مارداسوف بأن موسكو تستفيد من التعاون التكتيكي بين المعارضة السورية والجماعات الراديكالية لتبرير هجوم جيش النظام في إدلب. وتخشى موسكو، برأيه ، من أن تؤدي عودة النازحين إلى تعزيز موقع المتمردين ، الذين سيبقون مستقلين عن دمشق ، إذا ما استمروا يتلقون الدعم من تركيا ومن الإتحاد الأوروبي.  ويرى الرجل أن موسكو تأمل في أن تسوي الوضع مع أنقرة ، حتى في ظل أكثر السيناريوهات سلبية في إدلب ، لأن لدى البلدين مجالات أخرى للتعاون تتمثل في الإنفصالية الكردية والنزاع المسلح في ليبيا .

ثمة شبه إجماع وسط الكتاب السياسيين الروس في معظم المواقع الإعلامية الروسية ، على أن إردوغان ليس حليفاً لبوتين ، لكنه شريك صعب يثق بأن بوتين لن يتخلى عن شراكته حالياً ، مهما تقلبت الأحوال في إدلب .  ولتفادي إحراج عدم المواجهة مع إردوغان ، يدعي بوتين لعب دور الوسيط في مجزرة إدلب ، على الرغم من كل الدمار والدم ومئات آلاف المهجرين ، التي يتحمل بوتين قسطاً أساسياً من المسؤولية عنها.

المدن

———————–

هل تكون أمريكا خيار تركيا لمواجهة روسيا في إدلب؟

سلطت صحيفة “هآرتس” العبرية الضوء على  التطورات الدراماتيكية في إدلب شمال سوريا، ومصير التفاهمات التركية – الروسية حول الأوضاع المتدهورة هناك.

فبعد مقتل ستة جنود أتراك ومدني يعمل في الجيش التركي في قصف من قبل النظام السوري الاثنين الماضي، أعلن وزير الخارجية التركي، مولود تشاوش أوغلو، أن دماء الجنود القتلى لن تذهب هدراً.

بعد ذلك بوقت قصير هاجمت القوات التركية عدة قواعد عسكرية تابعة للنظام، وقتلت 76 جندياً، وفقاً للتقارير التركية، ربما تكون هذه هي المواجهة الأكثر عنفاً بين تركيا والأسد في الآونة الأخيرة وقد تتوسع، خاصة أن موسكو تدعم الأسد في نقض الاتفاقات التي أبرمت في سوتشي وأستانة حول وقف إطلاق النار.

يسعى الأسد لسلب محافظة إدلب السورية، المعقل الأخير للمعارضة السورية، والتي يتركز بها ما بين 50 ألفاً و70 ألف مقاتل معارضين لحكمه، فضلاً عن نحو ثلاثة ملايين مدني فروا من المناطق التي استعاد السيطرة عليها بعد أن رفضوا البقاء تحت حكمه.

وقعت روسيا وتركيا اتفاقاً في سبتمبر 2018 تتحمل بموجبه تركيا مسؤولية نزع سلاح هذه الفصائل المعارضة للأسد، في المقابل تمتنع كل من روسيا وقوات الأسد عن القيام بعمل عسكري شامل في إدلب، لتجنب النزوح الجماعي لثلاثة ملايين مدني في المنطقة باتجاه الحدود التركية.

من وجهة نظر موسكو فإن أنقرة لم تستطع الوفاء بتعهداتها، لكن في المقابل ترى تركيا أن روسيا هي التي لم تلتزم بالاتفاق ودعمت الأسد في السيطرة على مناطق المعارضة وسط وجنوب سوريا، حتى باتت نقاط المراقبة التركية محاصرة من قبل قوات الأسد.

الضغوط الدبلوماسية التركية أخفقت في منع هجوم عسكري وبدأت القوات الروسية والأسد تتقدم نحو إدلب، واستولت على المدن والقرى الرئيسية.

في الأسبوع الماضي سيطرت روسيا على طريق رئيسي دولي ومدينة معرة النعمان التي كانت تخضع لسيطرة المعارضة منذ عام 2012، وقد تسبب الهجوم العسكري بالفعل في هروب المدنيين نحو الحدود التركية.

وفقًا لتقارير مجموعات الإغاثة الإنسانية وصل بالفعل 120 ألف شخص إلى المنطقة الحدودية، وسوف يتصاعد الضغط فقط مع استمرار الهجوم مع توقعات بارتفاع العدد لنحو مليوني نازح.

وتقول الصحفية: “تبدو تركيا اليوم التي وضعت كل ما في جعبتها بسلة فلاديمير بوتين في وضع صعب للغاية في سوريا، فهي لم تمنع الهجوم وتوقف تدفق اللاجئين، وكأنها فقدت السيطرة على تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية”.

في بيان غير مسبوق على الأقل منذ إصلاح العلاقات بين البلدين في العام 2016، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: إن “روسيا تدعي أنها تحارب الإرهابيين”، متسائلاً: “من هم هؤلاء الإرهابيون؟”، ليجيب: “إنهم مدنيون يحاولون حماية منازلهم”.

كما اتهم أردوغان روسيا بعدم الالتزام باتفاقيات أستانا وسوتشي، التي التزمت فيها بالامتناع عن شن هجوم عسكري في إدلب.

وقال الرئيس التركي في هذا السياق إن بلاده “انتظرت طويلاً، ومن الآن فصاعداً ستتصرف بشكل مستقل”، بل ذهب لأبعد من ذلك حيث وجه إنذاراً لروسيا قائلاً: “إذا كنا شركاء مخلصين مع روسيا فيجب عليهم طرح موقفهم، رغبتنا هي أن تصدر روسيا على الفور التحذيرات اللازمة للنظام الذي ترى أنه صديق”.

لا يمكن الثقة ببوتين

لكن المشكلة تكمن في أن تركيا التي ليس لديها خيارات متبقية في إدلب، تدرك أن الهجوم العسكري ضد النظام السوري يمكن أن يضعها في مسار تصادمي مع روسيا، التي أصبحت حليفها القوي الوحيد بعد الخلاف مع الولايات المتحدة”.

المبعوث الأمريكي إلى سوريا، جيمس جيفري، قال تعليقاً على ما يجري في إدلب: “قلنا للرئيس التركي إنه لا يمكن الثقة بيوتين فيما يخص سوريا، واليوم يرى نتائج ذلك!”.

ليس لتركيا اليوم أي تأثير حقيقي على الأرض السورية في وجه روسيا، وتفتقر إلى حل لمئات الآلاف من اللاجئين الذين قد يعبرون حدودها، لقد أصبحت محاصرة في سياسة جلبتها لنفسها بوثوقها الكامل ببوتين، ومن المشكوك فيه أن توقف تحذيرات أردوغان الحملة العسكرية على إدلب”.

وتقول الصحيفة: “قد يكون الحل الوحيد الذي قد ينقذ أنقرة هو تدخل حاسم من أمريكا التي تكتفي الآن بالمشاهدة على التراجيديا الجارية في سوريا،  فبعد أن وصلت العلاقات بين أنقرة وواشنطن إلى أدنى نقطة في تاريخهما، سيتعين على تركيا الآن أن تقرر ما إذا كانت مشاركتها العسكرية في سوريا قد تجاوزت الحدود، وتعيد النظر تجاه سلوكها مع واشنطن علها تخرجها من الصقيع الشتوي الخطير في سوريا”.

حتى الآن، تتعامل روسيا ببرود مع تصريحات أردوغان، وتواصل الحديث عن مكافحة الإرهاب، فهي حريصة على إنهاء الحرب في سوريا بسرعة حتى تتمكن من خفض نفقاتها ونقل السيطرة الكاملة إلى الأسد، “وإذا كان يُنظر إلى تركيا على أنها عقبة في طريق روسيا، فإن تحالفهما قد يصل إلى نقطة الانفجار”، وفق “هآرتس”.

———————–

إعادة رسم قواعد اللعبة في إدلب/ علي حسين باكير

في وقت مبكّر من فجر الأمس، قامت قوات النظام بقصف نقطة مراقبة تركية في إدلب (محيط بلدة سراقب) ما أدى الى مقتل 6 أتراك (٥ جنود ومدني) وجرح 7 آخرين. الرد التركي جاء سريعاً، إذ أمطر سلاح المدفعية والهاون مواقع لنظام الأسد بمئات الضربات أدت لـ تحييد 76  عنصراً من النظام. وكشف الرئيس التركي أنّ مقاتلات (إف-16) تركيّة شاركت كذلك في الهجوم ردّاً على الاعتداءات التي وقعت، فيما أكّد متحدّث باسم وزارة الدفاع التركية أنّ أنقرة ستستخدم حق الدفاع المشروع عن النفس حال تعرّضها لأمر مماثل أيضاً.

وبالرغم من أنّ وزارة الدفاع التركية كانت قد أوضحت بشكل قاطع في 29 من كانون الثاني، بأنّ أنقرة سترد دون تردّد على أي محاولة تهديد لنقاط المراقبة التركية في المنطقة”، إلاّ أنّ نظام الأسد قرّر استهداف نقطة تابعة للجيش التركي قرب سراقب. هذا يعني أنّ القصف جاء إمّا بنيّة اختبار مدى جدّية الموقف التركي وإلى أي مدى من الممكن لأنقرة أن تذهب في هذا الاتجاه، وإمّا لردع أنقرة وتحذيرها من أنّ دعمها للعمل العسكري للمعارضة المسلّحة لن يمر دون ثمن.

هذا التصعيد العسكري غير المسبوق بين تركيا ونظام الأسد جاء بُعيد الهجوم المضاد الذي شنّته المعارضة السورية المسلّحة متمثلة ب“الجبهة الوطنية للتحرير”، التابعة للجيش السوري الحر في ريفي حلب وإدلب ونجم عنه استعادة قريتين تقدمت إليها قوات الأسد بدعم روسي، ومقتل 70 عنصراً من قوات النظام. فُهم الهجوم على ما يبدو أنّه جاء بضوء أخضر تركي بعد تجاهل دمشق وموسكو التحذيرات التركية مؤخراً بشأن خرق نظام الأسد لوقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 12 من كانون الثاني متسبباً بقتل المزيد من المدنيين الأبرياء وبموجات نزوح كبيرة.

لطالما تحجّجت موسكو بأنّ أنقرة لم تُنفّذ كل التزاماتها المتعلقة بفصل المعارضة المعتدلة عن المسلّحة في إدلب، وأنّه لهذا السبب بالتحديد فإنّ النظام يمتلك الحق بمهاجمة ما يعتبر “إرهابا”. من وجهة نظر تركيا، فإنّ تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى عمل دقيق لكي لا يؤدي إلى وقوع عدد كبير من المدنيين وإلى موجات نزوح وتعقيدات إضافية، لكن في المقابل، فإنّ النظام السوري لم ينفّذ أيَّ شيء من الاتفاق الذي تم لا بخصوص الوضع على الأرض ولا بخصوص المسار السياسي، ولذلك فانّ تحجّج موسكو بهذه الذريعة أمر غير مبرر.

من الواضح أنّ النظام مستمر باتباع سياسة القضم والهضم بدعم من روسيا منذ مدة غير قصيرة. وإن حاولت الأخيرة التنصّل من هذا الموضوع، إلا أنّه بالنسبة للجانب التركي على الأقل، من غير الممكن لنظام الأسد أن يقرر ذلك من تلقاء نفسه. ماذا تريد موسكو من هذا التصعيد؟ لا تخفي روسي رغبتها في أن يسيطر نظام الأسد على كامل الأراضي السورية، وهي ربما ترى الآن في انشغال تركيا في عدد من الساحات الإقليمية فرصة مناسبة ربما لتسريع وتيرة ضم المزيد من الأراضي وتحسين موقع نظام الأسد.

وبالرغم من أنّ هناك اختلافات دائمة بين الطرفين التركي والروسي حول كيفية تنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه والمضي قدما إلى الأمام في الملف السوري، إلاّ أنّهما كانا يعملان دوماً على تجسير الهوّة بينهما في مثل هذه الحالات. لكن وبخلاف ما تمّ ذكره، فإنّ الخلاف الحاصل الآن في سوريا يبدو وكأنه الأكبر منذ أن اتفق الطرفان على العمل سوياً في سوريا منذ سنوات.

بخرقها خط تركيا الأحمر الأخير، كان لا بد من رد فعل للقول بأنّ المعادلة الحالية لا تستقيم وأنّ الاستمرار بها سيؤدي إلى انهيار شامل في سوريا، وإلى اندثار الاتفاقات التي عمل عليها الطرفان (أي تركيا وروسيا) للتوصّل إلى تسوية في الملف السوري. قد يكون باستطاعة الأسد حينها السيطرة على المزيد من الأراضي، لكنّ ذلك سيؤدي بالتأكيد إلى انهيار المسار السياسي وإلى عدم عودة اللاجئين وإلى مقاطعة عملية إعادة الإعمار والى تفاقم الوضع الميداني وإطالة أمد الأزمة السورية، ولن يكون ذلك بصالح موسكو بالتأكيد.

الوضع الحالي غير قابل للاستمرار. هناك حاجة إلى إعادة رسم قواعد اللعبة بين روسيا وتركيا لتحقيق التوازن المطلوب الذي من شأنه أن يدفع باتجاه تحقيق تقدّم حقيقي في الملف السوري. السؤال الذي سيطرح نفسه خلال المرحلة القادمة، هل روسيا مستعدة لذلك؟ وإذا ما رفضت، هل تركيا مستعدة للمواجهة حتى النهاية؟ وما هو موقف كل من أمريكا وأوروبا في هذه المعادلة؟ هل ستتدخل لدعم الموقف التركي أم ستبقى تشاهد مجدداً استلام روسيا وإيران لزمام المبادرة في سوريا؟

تلفزيون سوريا

———————

الحلول التقليدية لن تنقذ إدلب/ عقيل حسين

يبدو وكأن الوضع في إدلب دخل الساعة الأخيرة، التوصيف قاسٍ بلا شك، لكنه الواقع ولن نقول الحقيقة، عسى أن تكون الحقيقة مختلفة، أو أن يحمل واقع اللحظات التي تلي دفع هذا المقال إلى النشر حقائق جديدة تكون في صالح الثلاثة ملايين إنسان المحشورين في هذه المنطقة.

لا يمكن الحديث بأي حال عن مفاجأة، فالجميع كان يتوقع سيناريو خطير لإدلب بعد تجميع الرافضين للنظام في شريط حدودي ضاق بهم، وما زال يضيق عليهم أكثر مع كل تقدم جديد للنظام وحلفائه.

وأيضاً لا يمكن الحديث عن الأسباب والمقدمات التي قادت إلى هذه النتائج، فالوقت لا يحتمل اللوم بقدر ما يتطلب اجتراح حلول، أو على الأقل التفكير بالخيارات الممكنة من أجل انقاذ إلناس وكذلك مصير الثورة الذي لم يكن في خطر مثلما هو عليه الآن.

لكن عند التطرق لهذه النقطة، تبدو كل الأفكار غير عملية أو مرضية تماماً، وأصلاً لم يعد لدى المعارضة والثوار خيارات كثيرة يمكن أن يناقشوها، بعد أن فقدت مؤسساتنا السياسية والعسكرية زمام الأمور، وتاهت بين خيوط اللعبة التي لا بد من القول إنها باتت ومنذ سنوات، أكبر من قدرات السوريين وطاقاتهم.

خيار الاستسلام: يطرح البعض خيار التفاوض المباشر مع الروس، باعتبارهم القوة المهيمنة على النظام، والتفاهم معهم على حل ما يحفظ أرواح الناس وما تبقى من جدران وأشجار وخيم تؤويهم، عارضين أمثلة لمناطق سورية أخرى اختارت هذا الطريق قناعةً بعدم إمكانية أو جدوى مقاومة دولة إمبراطورية وقوة عظمى، كدرعا وريف حمص، لكن حتى هذا الخيار لا يمكن أن نتوقع من موسكو الترحيب به لأسباب عديدة.

فمن ناحية، ينظر النظام وحلفاؤه إلى منطقة إدلب باعتبارها منطقة تجمع الأعداء الأكثر رفضاً لهم، وربما أيضاً يعتبرونهم الأكثر خطراً على مستقبل عودة النظام للسيطرة على الأرض، أي باختصار، منطقة تجمع كل من لا يمكن أن يقبل بسلطة النظام وسيقاومها في أي لحظة يمكنه فيها فعل ذلك، وبكل وسيلة قد تتوفر له، وهو ما أشار إليه إعلاميون روس في أحاديثهم ومداخلاتهم الإعلامية التي تعكس بلا شك رؤية الحكومة الروسية بشكل أو بآخر.

ومن ناحية ثانية، فإنه ومقابل توصل بعض المناطق لتسويات أو مصالحات أو اتفاقات مع الروس، فإن موسكو رفضت وبشدة القبول بمثل هذه الاتفاقات في مناطق أخرى، كما حصل في حلب وكذلك الغوطة الشرقية، وبالتالي فإن هذا الخيار المؤلم والقاسي لا يبدو أن قبوله مضموناً من قبل الطرف الآخر المنتشي بانتصاراته، حتى لو قبلت به الفصائل والحاضنة الشعبية تحت ضغط الواقع الكارثي على سكان المنطقة.

أضف إلى ذلك قضية المقاتلين غير السوريين، وأيضاً الفصائل المصنفة على قوائم الإرهاب الموجودة في هذه المنطقة، والتي لا تلوح في الأفق حتى الآن أي بوادر لإيجاد حل مقبول لها، وروسيا شديدة الاستثمار في هذه المسألة، إن كان دولياً، حيث تقدم نفسها على أنها تحارب (الإرهاب) في إدلب، وإن كان على صعيد تحركاتها المشتركة مع تركيا، حيث تعتبر موسكو أن أنقرة فشلت في إيجاد حل لهذه العقدة.

وبوصول الحديث إلى تركيا، فإن هناك طيفاً واسعاً من المعارضة السورية يعتبر أنه ورغم كل شيء، ما يزال، أو ليس هناك سوى أمل واحد لوقف هذه المذبحة المفتوحة، ويتمثل بخروج تركيا عن تحفظها وأن تتحرك بقوة لفرض وقف إطلاق نار جدي وحقيقي.

تحرك الفصائل خلال الأسبوع الماضي في حلب عند مدخلها الشمالي الغربي (جمعية الزهراء)، وكذلك في ريف مدينة الباب، يمكن قراءته في هذا الإطار بكل تأكيد، أضف إليه عودة فصائل ريف حلب الغربي إلى مناطقهم التي هجرتهم منها هيئة تحرير الشام، ويبدو أن الرسالة سواء، أكانت تركية أم من جانب المعارضة، كانت تقول بوضوح أنه بإمكاننا أيضاً خلط الأوراق إذا ما استمرت التطورات على هذا النحو الكارثي.

أيضاً دخول أرتال قوات عسكرية تركية إضافية إلى محيط مدينة سراقب، وهي قوات مقاتلة هذه المرة، وتبادل هذه القوات القصف مع قوات النظام ما أدى لسقوط ضحايا من الجانبين، لا يمكن إخراجه من سياق الحديث عن تصعيد تركي محتمل أو ممكن أو مطلوب من قبل المعارضة السورية.

لكن هل هذا يكفي؟!

لا تشير المعطيات إلى أن حلفاء النظام مقتنعون بخيار التوقف عن التصعيد العسكري رغم كل ذلك، خاصة أنهم يحققون تقدماً على الأرض، وبالتالي فإن الكرة مجدداً تعود إلى ملعب الفصائل التي تعاني للأسف من غياب السلاح النوعي ومن فارق موازيين القوى بشكل لا يمكن أن يقارن حتى، وحتماً تعاني من الضغط الشعبي الهائل من أجل إيجاد مخرج مقبول.

لكن من قال إن إنقاذ الناس والثورة هي مهمة الفصائل العسكرية وحدها اليوم، حتى وإن كانت هذه الفصائل تتحمل، وخاصة تلك التي حاربت الفصائل الأخرى وفككت كثير منها، المسؤولية الأكبر عما آل إليه الوضع اليوم؟

إن كل مؤسسات وقوى المعارضة السياسية والمدنية مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى من أجل العمل على اجتراح حلول تحفظ أرواح الناس في إدلب وكرامتهم بطبيعة الحال، فحتى الآن لا تبدو الخيارات التقليدية كافية، أما المحاسبة، فيمكن تأجيلها بعض الوقت اليوم طالما أن الجميع يؤجلها منذ سنوات، دون أن يعني ذلك براءة ذمة لأحد.

تلفزيون سوريا

————————-

“من إدلب إلى برلين”:مظاهرات تحذيرية على الحدود السورية التركية/ نايف البيوش

سار مئات المتظاهرون السوريون يوم الأحد الموافق ٢ فبرابر ٢٠٢٠، في مظاهرة حملت اسم من “إدلب إلى برلين”، باتجاه الحدود السورية التركية بالقرب من مدينة حارم الحدودية للتعبير عن غضبهم، جراء ما يحدث في مدنهم وبلداتهم من قتل ونزوح وتهجير. وطالب المتظاهرون الجانب التركي بفتح حدوده أمام المتظاهرين للعبور إلى تركيا، ومن ثم إلى الدول الأوربية أو إيقاف النظام وميلشياته عن تدمير قراهم وبلداتهم وتسويتها بالأرض.

سار مئات المتظاهرون السوريون يوم الأحد الموافق ٢ فبرابر ٢٠٢٠، في مظاهرة حملت اسم من “إدلب إلى برلين”، باتجاه الحدود السورية التركية بالقرب من مدينة حارم الحدودية للتعبير عن غضبهم، جراء ما يحدث في مدنهم وبلداتهم من قتل ونزوح وتهجير.

وطالب المتظاهرون الجانب التركي بفتح حدوده أمام المتظاهرين للعبور إلى تركيا، ومن ثم إلى الدول الأوربية أو إيقاف النظام وميلشياته عن تدمير قراهم وبلداتهم وتسويتها بالأرض.

أية رسالة؟

وتهدف التظاهرات إلى إرسال رسالة بطريقة سلمية تعكس غضبهم من تخلي المجتمع الدولي عن ملايين النازحين في إدلب، مما جعلهم يلجؤون إلى هذا الخيار وسط التقدم السريع لقوات النظام تجاه مدنهم وقراهم وقصفها بكافة أنواع الأسلحة بمباركة  الضامنين وصمت عالمي.

(سار مئات المتظاهرون السوريون يوم الأحد الموافق ٢ فبرابر ٢٠٢٠، في مظاهرة حملت اسم من “إدلب إلى برلين”، باتجاه الحدود السورية التركية بالقرب من مدينة حارم الحدودية للتعبير عن غضبهم، جراء ما يحدث في مدنهم وبلداتهم من قتل ونزوح وتهجير)

محمد كتلاتي (38عاما ً) نازح من مدينة معرة النعمان، يتحدث لحكاية ما انحكت عن دوافع مشاركته في الوقفة الإحتجاجية بالقول “لم يعد هناك خيار آخر، إما أن نموت ببراميل الأسد وسلاحه الكيميائي أو نعبر جميعنا إلى أوربا”.

يقول متابعا: “اتجهت برفقة مئات المتظاهرين والمهجرين قسراً إلى الحدود التركية وطالبنا الضامن التركي التحرك بالسرعة القصوى لإنقاذ المدنيين العزل في مدينة إدلب، واللذين يموتون تحت وابل من صواريخ الإجرام الأسدي والروسي يومياً”.

(سار مئات المتظاهرون السوريون يوم الأحد الموافق ٢ فبرابر ٢٠٢٠، في مظاهرة حملت اسم من “إدلب إلى برلين”، باتجاه الحدود السورية التركية بالقرب من مدينة حارم الحدودية للتعبير عن غضبهم، جراء ما يحدث في مدنهم وبلداتهم من قتل ونزوح وتهجير, حيث عبروا عن غضبهم بالاحتجاج والرسم على الجدران)

ويضيف: “تركيا أصبحت ضامن للشعب السوري ولكنها باتت اليوم الضامن على قتلهم، إذ تكتفي بمشاهدة المحرقة الحاصلة في إدلب دون أن تحرك ساكنا”، موضحا أن “العبور إلى تركيا ليس من أولوياتنا، مطلبنا الأول هو وقف هذا الإجرام “التتاري” عن الشعب السوري في إدلب وإلا ستتحرك مئات الآلاف من الجموع للعبور إلى تركيا.

ويختم لحكاية ما انحكت: “هدفنا من هذه الوقفة إيصال رسالة للدولة التركية بأن الشعب في إدلب لم يعد قادر على تحمل المذابح اليومية في حقه وحق أطفاله”.

مواجهة الجندرما التركية

المتظاهرون حاولوا اقتحام الحدود التركية عن طريق قص الأسلاك الحدودية، وقابلهم على إثرها حرس الحدود التركي “الجندرمة” بالقنابل المسيلة للدموع ومدافع المياه وإطلاق رصاص تحذيري مما أدى لإصابة بعض المتظاهرين بحالات اختناق معظمهم من النساء والأطفال.

(سار مئات المتظاهرون السوريون يوم الأحد الموافق ٢ فبرابر ٢٠٢٠، في مظاهرة حملت اسم من “إدلب إلى برلين”، باتجاه الحدود السورية التركية بالقرب من مدينة حارم الحدودية للتعبير عن غضبهم، جراء ما يحدث في مدنهم وبلداتهم من قتل ونزوح وتهجير)

رنا الأحمد (22عاماً) متظاهرة حملت أمتعتها وتوجهت للمشاركة بنية الدخول إلى تركيا في حالة السماح لها تقول متسائلة: “إلى أين نهرب؟ لم يعد لنا اي مكان آمن نلجئ إليه، أطفالنا تموت تحت أعتى الأسلحة في العالم وكأنهم مجرد أرقام لا تساوي شيئاً متناسين تماماً بأننا بشر يحق لنا العيش بأمن وسلام والتعلم حالنا كحال كل الشعوب”.

وتتعرض محافظة إدلب الواقعة ضمن مجال منطقة خفض التصعيد، لحملة برية وجوية من قبل قوات النظام وحليفته روسيا مما أدى لنزوح مئات الآلاف من المدنيين، وخاصة في ريفي إدلب الجنوبي والشرقي وسط ضعف للموقف التركي الذي يعتبر أحد الضامنين لمنطقة خفض التصعيد.

—————–

مدن وبلدات فارغة.. إدلب وحيدة في وجه المقتلة/ سامر القطريب

لم تعد مدينة إدلب الملاذ الأخير للنازحين والمهجرين السوريين، فبحسب مصادر من داخل المنطقة، فإن النازحين الواصلين جديدًا إلى المدينة قوبلوا ببدء حركة نزوح جديدة منها، بعد أن أصبحت قوات النظام والميليشيات الموالية له قريبة.

المدينة التي تضم 4 ملايين نسمة بينهم نازحون ومهجرون أصبحت اليوم في مرمى صواريخ النظام السوري وروسيا، وتشكل القنبلة الإنسانية التي ستنفجر في وجه المجتمع الدولي، الذي اقتصرت ردود فعله على التحذير والتنديد.

بيان فارغ.. المأساة لا توصف

طالب المدنيون في إدلب الدول الغربية وعلى رأسها الأوروبية، بالتحرك لوقف هجمات النظام وحليفيه الروسي والإيراني، على المنطقة. جاء ذلك خلال مظاهرة نظمها مدنيون في مخيم ببلدة حارم في إدلب، تنديدًا بتصعيد النظام السوري وحليفيه الروسي والإيراني، هجماتهم على المنطقة مؤخرًا.

وفي بيان صادر عن المتظاهرين، أشاروا إلى إجبار الهجمات المتواصلة للنظام السوري وحلفائه، المدنيين على ترك ديارهم. ودعا البيان الدول الغربية وعلى رأسها الأوروبية، بالتحرك لوقف هجمات النظام وحليفيه الروسي والإيراني، ووضع حد للأزمة الإنسانية التي تشهدها المنطقة.

وفي ظل هذه الظروف المأساوية أصدر فريق منسقو الاستجابة في الشمال السوري، بيانًا فارغًا احتجاجًا على تردي أوضاع النازحين من ريف إدلب الجنوبي عقب هجوم النظام وروسيا على المنطقة. واعتاد منسقو الاستجابة في بياناتهم على توثيق أعداد النازحين من المناطق التي تتعرض لعمليات قصف وغارات جوية، تشنها قوات النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون.

وقال الفريق في وصف البيان الفارغ: “يصدر منسقو استجابة سوريا هذا البيان لأننا لم نعد نملك الكلمات لوصف معاناة السكان المدنيين وحدّة غضبنا، هل لا يزال لدى أولئك الذين يلحقون الأذى كلمات لتبرير أعمالهم الوحشية؟”.

يشار إلى أن فريق “منسقو استجابة سوريا” وثّق نزوح أكثر مِن 268 ألف مدني مِن ريفي إدلب وحلب، خلال الفترة الممتدة بين 14 حتى 30 من كانون الثاني/يناير الماضي، و130 ألفًا بسبب العملية العسكرية لروسيا ونظام الأسد على المنطقة.

إنقاذ الأرواح

موجة النزوح من محافظة إدلب وضعت المنظمات الإغاثية المحلية أمام مهمة صعبة وغير مألوفة وهي إنقاذ أرواح المدنيين الذين تتعرض منازلهم للقصف والغارات الجوية، ويقول فؤاد سيد عيسى عضو منظمة بنفسج السورية لـ”ألترا صوت”، إنه في الأيام الماضية نزح أكثر من 70 ألف مدني من مدينتي سراقب وأريحا والمناطق المحيطة بها باتجاه المجهول،  وأضاف أن “هذه العوائل جلست لدى عوائل مضيفة وفي مراكز الإيواء المؤقتة التي افتتحتها المنظمات الإغاثية ومنها بنفسج وهي المساجد والمخازن الكبيرة”.

لكن المشكلة الكبرى بحسب سيد عيسى هي أنه ليس لدى النازحين إمكانية مالية لاستئجار البيوت بسبب غلاء الإيجارات، كما أنه لا يوجد بيوت للإيجار في هذه المناطق. وقال ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي إن كلفة نقل محتويات المنزل إلى المناطق الحدودية بلغت 300 دولار أمريكي.

ويضيف سيد عيسى أنه “منذ بداية النزوح الأخير أي منذ أسبوع، نزح 150 ألفًا ومنذ شهر ونصف نزح أكثر من 800 ألف. وحتى اللحظة، فإن المساعدات المطلوبة للمرحلة الأولى فقط بحسب الأمم المتحدة تتطلب 30 مليون دولار، لكن نحن كمنظمات إنسانية نقدرها اليوم بـ 200 مليون دولار بحسب احتياجات كل عائلة”.

أما تركيا التي تخشى من موجة نزوح ضخمة قرب حدودها، فقد بدأت ببناء منازل مؤقتة قرب الحدود، فيما يوضح المتحدث أن تركيا بدأت المشروع بالتعاون مع بعض الجمعيات وهي منازل من دون سقف أي عبارة عن جدران وعازل للسقف وتديرها منظمة (IHH) التركية، وحتى الآن لم تبن أكثر من ألف بيت، مشيرًا إلى أنهم لم يتأكدوا أين وصل المشروع التركي، ويلفت إلى أن العائلات النازحة تبيت في سيارتها الخاصة أو في مراكز الإيواء.

ويتابع: “نهدف حاليًا إلى إخلاء المدنيين وإنقاذ أرواحهم من أماكن القصف والغارات الجوية. أخلينا 16 ألف شخص من المناطق الساخنة إلى مناطق أكثر أمنًا ثم نهدف لتأمين مراكز الإيواء والطعام والشراب ثانيًا، وفي المرحلة الثالثة وهي الأصعب نحاول تأمين البيوت أو تأهيلها”.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال إن أعمال بناء مساكن مؤقتة للنازحين بمحافظة إدلب، تقيهم برد الشتاء القارس، جارية على قدم وساق. وأضاف أن “هناك موجة نزوح من إدلب نحو حدودنا، وقد اتحذنا التدابير اللازمة للتعامل مع هذا الوضع”. ولفت إلى أن المساكن المؤقتة التي سبق وأعلن عنها، “يتم بناؤها بسرعة”، وبمجرد الانتهاء من تشييدها سيتم إسكان نازحين فيها.

وفي 20 من الشهر الماضي، أعلن الرئيس التركي عن إطلاق بلاده حملة جديدة لإغاثة نازحي إدلب. مشيرًا إلى أن بلاده ستشرع ببناء منازل مؤقتة مبنية من الطوب (بلوك) ومسقوفة بأغطية عازلة، تتراوح مساحة كل واحد منها بين 20 و25 مترًا مربعًا، قرب الحدود السورية التركية.

وأكد أنّ إدارة الكوارث والطوارئ التركية (آفاد)، والهلال الأحمر التركي، سيبذلان قصارى جهدهما لبناء هذه المنازل بأقصى سرعة. وأوضح أن تركيا ستبذل كافة جهودها الممكنة من أجل بناء البنية التحتية لهذه المنازل، وتضعها في خدمة نازحي إدلب.

وأعلنت هيئة الإغاثة الإنسانية التركية  (İHH) تسليمها 200 منزلًا مؤقتًا، للنازحين من إدلب، ضمن إطار مشروع أطلقته “الإغاثة التركية” تحت شعار “كن سقفًا للمظلوم”، ويهدف لإسكان 10 آلاف أسرة نازحة بمنطقة إدلب، في المنازل المؤقتة، بحسب وكالة الأناضول.

الغارات تلاحق النازحين

تلاحق غارات النظام وروسيا النازحين الفارين من ريفي إدلب وحلب الغربي، إذ وثق الدفاع المدني السوري مقتل عائلة نازحة بينها أطفال ونساء، إثر غارة استهدفت سيارة كانت تقلّهم في ريف حلب الغربي الإثنين. وقال الدفاع المدني في حلب، إن سبعة مدنيين مِن عائلة واحدة بينهم أربعة أطفال وثلاث نساء قتلوا وأصيب آخرون، بغارة روسيّة استهدفت سيارة كانت تقلّهم في منطقة جمعية الرحال غربي حلب، أثناء محاولتهم النزوح مِن المنطقة.

وسبق أن ارتكبت طائرات حربية روسيّة، قبل أيام، مجزرة في ريف حلب الغربي راح ضحيتها عشرة مدنيين في مخيم للنازحين بمنطقة الأتارب، وذلك بعد ساعات مِن مجزرة أخرى في المنطقة، أوقعت عددًا مِن الضحايا بينهم أطفال.

كما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 16 مدنيًا الأحد بينهم 5 أطفال في ريف إدلب، على يد قوات النظام السوري والقوات الروسية. في حين دعت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” جميع الأطراف المتحاربة إلى وقف الأعمال العدائية فورًا في شمال غرب سوريا، حفاظًا على الأطفال وحالاتهم النفسية.

وقالت المنظمة في بيان، إن “الأزمة في شمال غرب سوريا تحولت إلى أزمة حماية أطفال على نطاق غير مسبوق. وقد أجبر العنف الذي شهدته المنطقة خلال الأسبوع الماضي 6500 طفل على الفرار يوميًا، مما رفع العدد الكلي للأطفال النازحين في تلك المنطقة إلى 300 ألف منذ كانون الأول/ديسمبر”.

———————-

فايننشال تايمز: إدلب تمثل امتحانا خطيرا للعلاقات التركية– الروسية

ذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” في تقرير لمراسليها في اسطنبول لورا بيتل، وهنري فوي في موسكو، وتشولي كورنيش في بيروت، أن العلاقات التركية- الروسية تشهد لحظة امتحان حول سوريا وليبيا والغاز.

وجاء فيه أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وجد أفضل طريقة لإظهار غضبه من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسبب مقتل ثمانية جنود أتراك في شمال سوريا هي زيارة أوكرانيا. وهتف وسط استقبال حرس الشرف له في القصر الرئاسي في كييف هناك “المجد لأوكرانيا”. جاء اختيار أردوغان لهذا الشعار مقصودا، فهو هتاف المطالبة بالحرية والمرتبط بالمشاعر المعادية ضد روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.

وترى الصحيفة أن كلمات أردوغان لجيش يقاتل انفصاليين تدعمهم روسيا هو توبيخ واضح للرئيس بوتين. فقد تعرض التحالف البراغماتي بين تركيا وروسيا في الشرق الأوسط لامتحان بالهجوم يوم الإثنين على الجنود الأتراك في شمال سوريا.

فبعد هذا الهجوم والتوترات في ليبيا وأسعار الغاز، فإن العلاقة بين موسكو وأنقرة والتي عبرت دول الناتو عن قلقها منها ليست مستقيمة كما تبدو. وقال مسؤول تركي: “من الإنصاف القول إنها ليست علاقة سهلة” و”من السهل على بعض المسؤولين والمعلقين الغربيين القول إن تركيا أدارت ظهرها للغرب، مثلما أننا نصطف بالكامل مع الروس في كل شيء، فهذا ليس هو الحال”.

وفي رد على مقتل جنودها، ألغت تركيا الدوريات المشتركة مع القوات الروسية في سوريا، في وقت حمّلت فيه موسكو أنقرة مسؤولية مقتل جنودها لأنها كشفت عن مكان وجودهم.

وقال قسنطين كوساتشيف، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الروسي: “هذا أمر لا يدعو للراحة” و”هذا امتحان خطير لقوة الاتفاقيات القائمة بين الروس والأتراك”.

ومثّلت الحرب في سوريا التي تدعم فيها تركيا المعارضة، فيما تقف روسيا مع نظام بشار الأسد، معضلة شائكة في العلاقات بين البلدين. فقبل خمسة أعوام أسقط الطيران التركي طائرة روسية من طراز سو-24 انحرفت عن الحدود السورية إلى داخل تركيا بشكل أدى لتوتر العلاقات بين البلدين، ولكن أردوغان وبوتين تصالحا لاحقا بعد سبعة أشهر، وتعاونا منذ ذلك الوقت في عدد من الملفات من إمدادات الطاقة والتجارة والنزعات في سوريا وليبيا رغم دعمهما الأطراف المتحاربة.

وكان قرار أردوغان شراء منظومة الصواريخ الروسية “إس-400” محلا لانتقاد وشجب حلفاء تركيا الغربيين، وأدى لإلغاء مشاركة تركيا في برنامج مقاتلات “إف-35” الأمريكية.

ويقول الأتراك إن العلاقة مع روسيا هي بمثابة حماية لمصالح البلاد في منطقة مضطربة. وقال يوسف إريم، المحلل في قناة “تي أر تي وورلد” إن “تنويع العلاقات مع القوى العظمى” مهم لتركيا ضمن سياق نظام دولي متغير.

ورغم المكالمات الهاتفية المتعددة بين الزعيمين والظهور المرح لهما في الأماكن العامة، إلا أن هناك عددا من المجالات التي عبّرت فيها تركيا عن غضبها من روسيا. فقد قامت روسيا بممارسة مقاطعة اقتصادية وحظرت استيراد الطماطم التركية بعد سقوط الطائرة الروسية، فيما منح تلفزيون سبوتنيك الناطق بالتركية التابع للقناة الروسية الرئيسية مساحة واسعة لنقاد أردوغان.

ورغم موافقتها على استقبال خط إمدادات الغاز “تيرك ستريم” الذي يساعد روسيا على تجنب أوكرانيا، إلا أن تركيا تدفع أسعارا مرتفعة لشركة الغاز الروسية “غازبروم” مما تدفعه ألمانيا، حسب كريم هاس المحلل المقيم في موسكو للعلاقات التركية – الروسية “لم تستطع تركيا الحصول على تنزيلات”.

وأعلن أردوغان عن غضبه من رفض أمير الحرب الذي تدعمه روسيا خليفة حفتر توقيع وقف إطلاق النار الشهر الماضي، ثم جاءت إدلب التي تهدد بأن تتحول لأخطر أزمة، في وقت تتدهور فيه الظروف لحوالي 3 ملايين مدني فيها يقفون على الحدود التركية.

وحذر أردوغان الذي استقبلت بلاده 3.5 مليون لاجئ سوري، أنه لن يستقبل موجات جديدة. وقال هاس إن تركيا عانت من مشاكل في علاقاتها مع روسيا؛ لأن موقفها ضعيف في الكثير من الملفات مما سمح لروسيا بمواصلة سياستها الحازمة.

ويقول المسؤولون في أنقرة، إن مهمة التصدي لروسيا في سوريا كان صعبة بسبب غياب الدعم الغربي. ومع ذلك لدى تركيا عدد من الأوراق للعبها، بما فيها التأثير على بقايا المعارضة السورية وسيطرتها على مناطق في شمال سوريا يريد الأسد استعادتها. ولكنها تعتمد على روسيا لمنع موجات أكبر من اللاجئين من التوجه إلى حدودها، ولتحديد دور الميليشيات الكردية والجماعات السياسية المرتبطة في المحادثات حول مستقبل سوريا، بالإضافة لتوفير احتياجاتها من الغاز الروسي.

وتقول أصلي أيدن طاشباش، الزميلة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “ليس من صالح أنقرة تنفير روسيا منها”، مشيرة إلى أن العلاقات ستتجاوز التوتر الأخير حول إدلب. وأضافت: “تركيا ليست دولة تابعة لروسيا” ولكنها أصبحت مدينة لها، ولا يمكنها أن تلغي كل شيء في أزمة واحدة.

وعبّر أردوغان عن هذا الموقف حيث وعد بالجلوس والحديث عن كل المبادرات التي تربط البلدين بدون غضب، مشيرا لمثل تركي مفاده أن الذي يقف غاضبا قد يجلس نادما.

القدس العربي”

——————————-

بعد مواجهات إدلب: إلى أين تتجه العلاقات بين روسيا وتركيا؟

“دماء جنودنا لن تذهب سدى”، هذا ما أعلنه أمس وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، بعد قتل ستة جنود أتراك ومواطن مدني يعمل في الجيش بنار قوات الجيش السوري. وبعد فترة قصيرة تحول هذا الإعلان إلى أكثر من مجرد أقوال. قوات تركية هاجت عدة مواقع للجيش السوري وتسببت بقتل 30 جندياً، حسب تقارير تركية. ربما كانت هذه هي المواجهة الأكثر عنفاً في الفترة الأخيرة بين القوات التركية والقوات السورية، التي يمكن أن تتوسع إذا لم تنجح روسيا وتركيا في تطبيق التفاهمات التي تم التوصل إليها فيما بينهما، وتم تثبيت وقف إطلاق النار الذي تم الاتفاق عليه في 12 كانون الثاني.

مركز المواجهة كان (وما زال) في محافظة إدلب التي يوجد فيها 50 – 70 ألفاً من رجال المليشيات الذين جاؤوها من أرجاء سوريا. معظم المقاتلين ينتمون إلى تنظيمات إسلامية راديكالية، مثل جبهة تحرير الشام (أحفاد جبهة النصرة) ومقاتلين من دول أجنبية، تحديداً من القوقاز. بالنسبة للأسد، تعدّ هذه المحافظة العائق الأكبر الأخير أمام سيطرته على جميع أراضي الدولة. ولكن لا يوجد لأي طرف من الأطراف المشاركة في الحرب بسوريا أي حل قابل للتطبيق يؤدي إلى إبعاد المسلحين.

في خلفية كل ذلك يقف الاتفاق الذي وقع في أيلول 2018 بين روسيا وتركيا، الذي –بحسبه- أخذت أنقرة المسؤولية عن تجريد هذه المليشيات من سلاحها، في حين أن روسيا وسوريا امتنعتا حتى ذلك الحين عن القيام بعملية عسكرية شاملة قد تتسبب بموجة لاجئين جماعية في المحافظة التي يعيش فيها 3 ملايين نسمة. تركيا، كما كان واضحاً من البداية، لم تنجح في تنفيذ هذه المهمة في المهلة الزمنية التي تم تحديدها، وتمت إطالتها المرة تلو الأخرى. ورغم التحذيرات الروسية والضغط الدبلوماسي على أنقرة، لا يمكنها إقناع المليشيات بالتخلي عن سلاحها أو المغادرة إلى دول أخرى. الضغط الدبلوماسي الروسي تحول مؤخراً إلى ضغط عسكري موجه، عندما بدأت قوات روسية وسورية بمهاجمة واحتلال بلدات وقرى في محافظة إدلب. وفي الأسبوع الماضي، سيطرت على أحد المحاور الرئيسية وعلى مدينة معرة النعمان في المحافظة التي كانت تحت سيطرة المتمردين منذ العام 2012. أدى الهجوم العسكري، كما هو متوقع، إلى هرب المدنيين نحو الحدود مع تركيا. وحسب تقارير منظمات الإغاثة، فإن نحو 110 آلاف شخص وصلوا قرب الحدود التركية، وسيزداد الضغط كلما استمر الهجوم.

تركيا التي قدرت بأنه يمكنها صد الهجوم وموجة اللاجئين، ظهرت كمن فقد السيطرة على العمليات العسكرية والسياسية. وهي الآن تضع علاقتها مع روسيا محل اختبار شديد. في تصريح غير مسبوق (على الأقل منذ عادت العلاقة بين الدولتين إلى سابق عهدها في 2016)، قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بأن “روسيا تقول لنا إنها تحارب الإرهابيين. من هم هؤلاء الإرهابيون؟ إنهم مواطنون يحاولون الدفاع عن بيوتهم”. بعد ذلك، اتهم أردوغان روسيا بأنها لا تفي بالتزاماتها حسب اتفاق الأستانة واتفاق سوتشي: الاتفاق على المناطق الآمنة وعدم مهاجمة محافظة إدلب. “لقد انتظرنا حتى الآن. ولكن من الآن سنعمل بصورة مستقلة”، قال. “هذا ليس تهديداً، لكننا ننتظر أن تقوم روسيا بنقل التحذير المناسب للنظام السوري”.

ذهب أردوغان إلى أبعد ذلك، ووضع موسكو أمام تهديد إنذاري: “إذا كنا شركاء مخلصين فيجب على روسيا توضيح سياستها بشكل واضح. إما أن تتبع سياسة مختلفة تجاه سوريا أو تجاه تركيا. لا يوجد خيار آخر. لقد نفد صبرنا”. المشكلة هي أن تركيا دولة بقيت دون خيارات، ولن تسمح لنفسها بأن تضر بعلاقتها مع روسيا، حليفتها القوية الوحيدة التي بقيت لها بعد أن شرخت علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتدرك أيضاً بأن عملية عسكرية ضد القوات السورية يمكن أن تضعها على مسار تصادم عنيف مع الكرملين. وفي المقابل، لا يوجد لها أي نفوذ حقيقي على مقاتلي المليشيات في إدلب، ولا يوجد لها أي حل لمئات آلاف اللاجئين الذين يمكن أن يجتازوا الحدود إلى داخل أراضيها. تركيا أسيرة السياسة التي بلورتها لنفسها، ومن المشكوك فيه أن توقف تحذيراتها الموجهة لروسيا، إلى جانب أقوال أردوغان الفظة، تلك العملية العسكرية التي بدأتها دمشق وموسكو باتجاه محافظة إدلب.

بعد احتلال مدينة عفرين وعدد من المحافظات في غرب الفرات كجزء من المعركة التي تديرها ضد القوات الكردية في سوريا، ستضطر تركيا إلى أن تقرر ما إذا كان تورطها العسكري في دولة، لن يجرها عميقاً جداً إلى داخل ساحة قد تكون هي نفسها فيها هدفاً للهجوم. حتى الآن، تتعامل روسيا مع أقوال أردوغان بتهذيب بارد، وتستمر في الحديث عن الحرب ضد الإرهاب. ما زالت تركيا حليفة مهمة، خاصة في المعركة السياسية التي تديرها روسيا ضد الولايات المتحدة. ولكن موسكو تطمح أيضاً إلى أن تنهي بسرعة الحرب في سوريا وتقليص تكلفتها، وتنقل للأسد السيطرة الكاملة على سوريا. وإذا اعتبرت تركيا في نظرها عائقاً أمام تحقيق أهدافها فإن التحالف بينهما قد يعصف به صقيع الشتاء الخطير.

بقلم: تسفي برئيل

 هآرتس 4/2/2020

القدس العربي”

————————————-

الأسد يقتل إدلب ليفوز بحرب “الأوتوسترادات الدولية”… / أحمد الأحمد

من أبرز أهداف معركة إدلب المستمرة منذ أسابيع، السيطرة على الطريق الدولي M5 الذي يربط حلب بدمشق، وقد كانت قوات النظام السوري قد هجّرت معظم أهالي مدينة خان شيخون المشرفة على هذا الطريق، وأبادت المدينة للتوغّل أكثر فيها.

“اليوم لدينا خبرٌ سار، وهو سيطرة قواتنا على مدينة معرة النعمان ذات الأهمية على الطريق الدولي M5 (حلب – دمشق) وجزء من الطريق الدولي M4 (حلب – اللاذقية…”، بهذه الكلمات، بدأ بشار الجعفري، سفير النظام السوري لدى الأمم المتحدة، كلمته خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي قبل عدّة أيام.

اعتبر الجعفري في كلمته أنه يبقى أمام قوات النظام السيطرة على “سراقب وأريحا” من أجل فتح مطار حلب الدولي، يعني إلغاء الحاجة إلى المساعدات الإنسانية عبر الحدود وبالتالي إيصالها عن طريق هذا المطار الذي يديره النظام الذي يحتكر وحده السيطرة على المساعدات.

كانت كلمة “الجعفري” تعبّر عن جزء صغير من الفوائد التي يسعى النظام السوري إلى تحقيقها، من خلال إحكام قبضته على “الطرق الدولية” والتي تربط مدينة حلب بدمشق واللاذقية والحسكة وإدلب، إذ أن إحكام السيطرة على هذه الطرق سوف يمكّن النظام السوري وحليفه الروسي من عزل المدن السورية الخارجة عن سيطرته وإطباق الحصار الكامل عليها، وتمكنه من التحكّم بالحركة التجارية ونقل المعدّات العسكرية، ولا ينتهي الأمر عند سهولة الوصول إلى المعابر الحدودية من خلال هذه الطرق الدولية.

إبادة إدلب لكسب “الأوتسترادات”

اضطر أحمد جزماتي، أحد سكّان مدينة معرّة النعمان إلى مغادرة منزله إلى غير رجعة. وأحمد أب لخمسة أولاد ولكنّه هرب بأربعة منهم فقط، إذ أن أحد أولاده قُتل خلال غارة جوية على المدينة، وذلك ضمن حملة النظام على معرة النعمان، للسيطرة على طريق M5. يقول جزماتي لـ “درج”، “خرجت من معرة النعمان دون أحد أولادي، ودون أن أحمل أي من أمتعة منزلي، مشيًا على الأقدام لمدّة ستة ساعات مع أسرتي حتّى وجدت شاحنة لتنقله إلى المخيّمات الحدودية بين سوريا وتركيا”.

حالياً، كل ما حصل عليه أحمد هو خيمة مساحتها لا تتجاوز ثلاثة أمتار باتت هي المأوى الوحيد له ولأسرته بعد أن خسروا منزلهم إلى غير رجعة.

على غرار أحمد، نزح من معرة النعمان وحدها نحو 300 ألف مدني في معركة السيطرة على طريق M5. من أبرز أهداف معركة إدلب المستمرة منذ أسابيع، السيطرة على الطريق الدولي M5 الذي يربط حلب بدمشق، وقد كانت قوات النظام السوري قد هجّرت معظم أهالي مدينة خان شيخون المشرفة على هذا الطريق، وأبادت المدينة للتوغّل أكثر فيها.

في الأيام الأخيرة اشتدّ القصف، إذ هجّرت قوات النظام والقوات الروسية الحليفة مئات الآلاف من مدينة معرّة النعمان، التي تشرف أيضًا على ذات الطريق (M5)، في سبيل قضم مساحات أكثر. في المقابل، تتخوّف منظمات حقوقية من اتجاه قوات النظام إلى مدينتي “سراقب وأريحا” اللتين تُشرفان على ذات الطريق، وبالتالي قتل وتهجير مزيد من المدنيين.

يقول وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ التابع للأمم المتحدة، مارك لوكوك: “إن القتال في معرة النعمان وسراقب وغرب حلب، كان أشد من أي شيء رأيناه في العام الماضي”.

ووصف لوكوك، الوضع الإنساني بـ”المتدهور”، ويؤثّر على النساء والأطفال في شمال غربي سوريا.

كما أكّد أن التقارير الأكثر إثارة للقلق التي وردت من جنوبي إدلب تدق ناقوس الخطر، بعد مئات الغارات الجوية التي شنتها الحكومة السورية وحلفاؤها عليها.

اتفاق سوتشي غير المطبّق

في سبتمبر / أيلول من عام 2018 توصّل الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، إلى اتفاقٍ في مدينة سوتشي الساحلية الروسية، يتكوّن من عشرة بنود، تنص على وقف إطلاق النار، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح في إدلب، ونشر نقاط مراقبة روسية تركية لمراقبة تنفيذ الاتفاق.

ولكن منذ ذلك الاتفاق وحتّى الآن، نزح 1.6 مليون مدني من منزله، من أرياف حماة وإدلب، وذلك خلال خمس حملات عسكرية، شنّتها قوات النظام وروسيا، منذ الاتفاق الروسي – التركي في “سوتشي” وحتّى الآن.

كما قُتل خلال هذه الفترة، 1992 شخصًا، بينهم 549 طفلًا، جراء الحملات الخمس فضلاً عن دمارٍ مادي في البنى التحتية، وصلت خسائره إلى مليارات الدولارات، وذلك بحسب فريق “منسقو الاستجابة” الإحصائي.

ويظهر من خلال الإحصائية، أن الضامن الروسي، شارك قوات النظام بانتهاك الاتفاق الذي هو مراقب له، كما أن الضامن التركي لم يحرّك ساكنًا إزاء المحرقة التي ارتُكبت بحق المدنيين في إدلب وحماة.

ولكن بالعودة إلى اتفاق “سوتشي” فإنّه ينص في البند رقم 8، على “استعادة حركة الترانزيت عبر الطريقين إم 4 (حلب – اللاذقية) وإم 5 (حلب – حماة) بحلول نهاية عام 2018، أي أن الطريقين الاستراتيجيين، يجب أن يكونا آمنين دون قتال، وتُنشر فيهما دوريات تركية وروسيا لضمان الحركة التجارية.

ولكن كحال وقف العمليات العسكرية، لم يلتزم نظام الأسد بتنفيذ هذا الاتفاق، ولم تحرّك روسيا أو تركيا ساكنًا إزاء انتهاكه، حيث سيطر النظام حتّى الآن على مساحات واسعة من الطريق في ريف حماة وخان شيخون ومعرة النعمان، في حين يعمل الآن على إكمال المعارك للسيطرة على بقية الطريق من جهة سراقب وأريحا.

طريق M4 بيد النظام بتسهيل تركي

تم إنشاء طريق M4 في عام 1950 بطول 450 كيلومترا، لربط المنطقة الشمالية والشرقية بالمنطقة الغربية والساحلية.

ويبدأ الطريق من معبر اليعربية الواقع على الحدود السورية – العراقية في محافظة الحسكة، ويتّجه غربًا بمحاذاة مدينة القامشلي ثم يمر من ريف الرقة إلى محافظة حلب، ثم إلى سراقب وأريحا ومدينة إدلب ثم محافظة اللاذقية، أي أن هذا الطريق يربط أربع محافظات سورية، كما أنه يلتقي مع الطريق الدولي M5 في مدينة سراقب ويتقاطع معه.

وبسبب أهمية هذا الطريق، تسعى قوات النظام حاليًا إلى خوض أكبر معاركها من أجل إكمال السيطرة على الطريق M4

في تشرين الأول / أكتوبر الماضي، شنّت تركيا عملية “نبع السلام” على الحدود السورية – التركية من أجل “طرد وحدات حماية الشعب” من المناطق الحدودية.

خلال هذه العملية سيطر “الجيش الوطني” المتحالف مع تركيا، على الطريق M4 من جهة محافظتي الرقة والحسكة، حيث قطعت جزءًا من الطريق، بعد معارك مع “وحدات حماية الشعب” والوصول إلى هذا الطريق.

وحينها، أعلنت وزارة الدفاع التركية، أن قواتها سيطرت على الطريق السريع M4 الواقع على مسافة تتراوح بين 30 و35 كيلومترًا داخل الأراضي السورية.

ولكن في الثاني عشر من ديسمبر / كانون الأول، قامت قوات “الجيش الوطني” المتحالفة مع تركيا، بتسليم الطريق إلى النظام السوري دون قتال.

وبحسب معلومات لـ”درج” فإن فصائل “الجيش الوطني” انسحبت من الطريق دون قتال، في حين قامت قوات النظام السوري بفتح الطريق أمام الحركة التجارية.

درج

———————

العلاقات الروسية التركية .. هل يبتزّ بوتين أردوغان؟/ عمر كوش

يطرح تصعيد الحملة العسكرية التي يشنها النظامان، الروسي والسوري، على محافظة إدلب السورية، أسئلةً عما إذا كان يدخل من باب زيادة الضغوط الروسية على الساسة الأتراك في الملف السوري، وعن أغراض هذا التصعيد، وتزامنه مع التجاذبات والمشادّات في الملف الليبي، ويطاول التفاهمات الروسية التركية بشأن ملفات المنطقة وقضاياها، ومجمل العلاقات الروسية التركية، وعمّا إذا كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يبتز نظيره التركي، رجب طيب أردوغان، أم يتفاهم معه على قاعدة تقاطع المصالح والأجندات وتشاركهما؟

بداية، ليس مستبعداً أن يمارس ساسة الكرملين أساليب الابتزاز في سياساتهم، وحيال نظرائهم الأتراك تحديدا، خصوصا بعد توقيع الحكومة التركية مذكرتي التفاهم مع حكومة “الوفاق الوطني” الليبية، المتعلقتين بترسيم الحدود الملاحية في البحر المتوسط، والتعاون الأمني بينهما، وقُوبل ذلك بردّات فعل رافضة من دول عديدة تخوض في الملف الليبي، ومن بينها روسيا، التي زادت، أخيرا، وتيرة تدخلها العسكري المباشر في ليبيا إلى جانب اللواء خليفة حفتر. وبالتالي، يأتي تصعيد الروس ونظام الأسد هجمات قواتهم على مناطق إدلب السورية نوعا من الضغط الروسي على تركيا من هذه البوابة، بالنظر إلى أنها طرف ضامن وفق مساري أستانة وسوتشي، اللذين اجترحهما الروس، وقواتها موجودة في تلك المنطقة، عبر اثنتي عشرة نقطة عسكرية، وفق تفاهمات معهم.

ولكن مسار العلاقات الروسية التركية، خلال السنوات الماضية، يكشف أن تغيرات عديدة طاولت هذا المسار، خصوصا في الملف السوري، حيث طالب بوتين أردوغان بالاعتذار رسمياً عن إسقاط تركيا طائرة سوخوي 24 روسية في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، ولجأ على إثرها إلى قطع جميع الاتصالات العسكرية مع تركيا، مع فرض عقوبات اقتصادية عليها.

في المقابل، أصاب العلاقات الأميركية التركية تصدع وتردّ، نتيجة تراكمات عديدة، على خلفية تعامل الولايات المتحدة مع القضية السورية، وحصر واشنطن أولوياتها في دعم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية (PYD)، الذي تعتبره تركيا الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي (PKK)، من أجل محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وغضّ ساسة الولايات المتحدة النظر عن ممارسات النظام السوري الذي كانت أنقرة تعتبره أصل المشكلة. والأهم هو تخلي الغرب والولايات المتحدة عن تركيا، حين توتّرت علاقاتها مع روسيا، بعد إسقاطها طائرة السوخوي. وزاد الموقف الأميركي، الملتبس، من المحاولة الانقلابية العسكرية الفاشلة على الرئيس أردوغان في صيف 2016، من توتر العلاقات بين البلدين، إضافة إلى رفض الولايات المتحدة تسليم المطلوب لأنقرة، فتح الله غولن، الذي يقيم في بنسلفانيا الأميركية.

واستغل بوتين التردّي الذي اعترى العلاقات التركية الأميركية، وخذلان الغرب وحلف شمال الأطلسي (الناتو) لها، لجذبها نحو روسيا، والانتقال بالعلاقات الروسية التركية من مرحلة التوتر والعداء إلى مرحلة التطبيع والتفاهم، مع إصرار بوتين على اعتذار الرئيس أردوغان عن الحادثة، والذي لم يجد مناصاً منه، ثم تُوجت المصالحة التركية الروسية، بعد زيارة أردوغان موسكو في التاسع من أغسطس/ آب 2016، وجسّد ذلك انتقال الساسة الأتراك الذين كانوا يدعمون فصائل المعارضة السورية المسلحة في مواجهة النظام السوري وحليفيه، نظام بوتين ونظام الملالي الإيراني، من موقع الداعم لها في مواجهة نظام الأسد إلى موقع الضامن لها في تنفيذ تفاهمات مسار أستانة ومخرجاته، وهو المسار الذي هندسه الساسة الروس، بعد سقوط أحياء حلب الشرقية في قبضة القوات الروسية ومليشيات نظامي الأسد والملالي الإيراني.

ودشّن مسار أستانة تفاهماتٍ واتفاقاتٍ ثلاثية في الملف السوري، ما بين الساسة الروس والأتراك والإيرانيين، ولم يكن المستفيد منها الشعب السوري، ولا المعارضة السورية، بل أسفرت عن فقدان المعارضة المسلحة المنطقة بعد الأخرى، من المناطق التي قسّمت وفق مخطط روسي إلى مناطق “خفض التصعيد”، وموافقة تركية وإيرانية، ليتّضح أن الغاية الروسية هي السيطرة على هذه المناطق، وتهجير المدنيين والمقاتلين قسرياً إلى إدلب، والتي تشهد في أيامنا هذه حرب إبادة، يشنّها الروس إلى جانب مليشيات نظامي الأسد وطهران، بغرض إفراغها من ساكنيها، وإعادة سيطرة نظام الأسد عليها.

لكن العلاقات التركية الروسية لا تقتصر على الملف السوري، ولا تنحصر في السياسة، بل تمتد إلى الجانبين، الاقتصادي والعسكري، اللذين شهدا نموّاً وتوسّعاً في الآونة الأخيرة، وتجسّدهما الصفقات التجارية والعسكرية التي توجتها صفقة منظومة صواريخ إس 400 المثيرة للجدل، إضافة إلى تدشين مشاريع طاقة مهمة، حيث دشّن الرئيسان، أردوغان وبوتين، في السابع من شهر يناير/ كانون الثاني الجاري، الجزء البحري من مشروع خط أنابيب الغاز “السيل التركي”، ويتضمن بناء خطين رئيسيين لأنابيب نقل الغاز، تصل طاقة كل منهما إلى 15.75 مليار متر مكعب، خصص الأول لتوريد الغاز مباشرة من روسيا إلى تركيا، أما الآخر فيقوم بتوريد الغاز إلى الدول الأوروبية عبر الأراضي التركية. وتعتبر تركيا من أكبر عملاء الغاز الروسي، حيث تؤمن روسيا 55% من احتياجات تركيا من الغاز الطبيعي. ويسعى الأتراك إلى أن تكون بلادهم مركزاً لنقل الغاز من آسيا الوسطى وروسيا باتجاه القارة الأوروبية. كما شهدت العلاقات التجارية الروسية التركية زيادة في معدل التبادل التجاري، من خلال ارتفاعه خلال النصف الثاني من العام 2019 بنسبة 34%، ليتجاوز 15 مليار دولار.

والواقع أن تركيا تحاول استغلال موقعها الجيوسياسي، من خلال زيادة وتيرة دورها وتأثيرها في قضايا المنطقة، بغية الحصول على أكبر قدرٍ ممكن من المكاسب من الطرفين، الغربي والروسي، ويجد ذلك انعاكاساتٍ له في العمليات العسكرية التي قامت بها تركيا في الشمال السوري، من خلال عمليات “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع السلام”. وامتدّ هذا الدور إلى زيادة وتيرة التدخل المباشر في ليبيا، إلى جانب حكومة الوفاق في العاصمة الليبية طرابلس.

ولدى الساسة الأتراك مراهنات كبيرة على دور بلادهم وتأثيرها في قضايا المنطقة، ولكن المخاطر كبيرة، ليس فقط لأن المصالح الاستراتيجية والتكتيكية مختلفة مع روسيا، ومع باقي اللاعبين الغربيين، ولكن أيضاً لأن هناك تماسّا عسكريا مباشرا بين القوى المتدخلة في شؤون بلدان المنطقة العربية قد يطرح تحدّيات سلبية على تركيا. إضافة إلى أن علاقات تركيا مع روسيا يعتريها اختلافات في التوجهات، على الرغم من تقاطع المصالح وتشابكها، حيث تقف روسيا إلى جانب نظام الأسد على كل المستويات، السياسية والعسكرية والاقتصادية، بينما ما يزال نظام الأسد يمثل عدواً بالنسبة إلى تركيا، على الرغم من محاولات بوتين استغلال علاقاته مع أردوغان من أجل التطبيع بينه وبين نظام الأسد.

ويلجأ الساسة الروس إلى ابتزاز الأتراك، من خلال الغمز من مقولة استمرار التزامهم بالحفاظ

على وحدة وسيادة سورية (التي يحتلونها)، أرضاً وشعباً، وينظرون إلى وجود أي قوات أجنبية، غير قواتهم، على أراضيها، غير شرعي. وفي كل مناسبة تتعثر فيها تفاهماتهم مع الأتراك، يغمزون من خانة ضرورة انسحاب كل القوات الأجنبية من سورية. ويرد عليهم الساسة الأتراك بتأكيدهم الاعتراف بوحدة سورية، وأن وجود قواتهم مؤقت، وتمليه عليهم مصالح الأمن القومي التركي، لمواجهة مقاتلي حزب العمال الكردستاني ومليشياته في تركيا، وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، ووحدات حماية الشعب الكردية (YPG)، التي يصنفونها جميعاً منظمات إرهابية.

في المقابل، لا تعتبر روسيا هذه التنظيمات الكردية إرهابية، بل تنسق وتحافظ على علاقات قوية معها، وحاولت مراراً إشراكها في مفاوضات جنيف واجتماعات مسار أستانة وسوتشي، كما حاولت التوسّط بينها وبين الحكومة التركية، لكنها لم تنجح في إحداث تغييرٍ في موقف أنقرة تجاه هذه المنظمات التي تعتبرها مصدر الخطر الأساسي على أمنها القومي. يضاف إلى ذلك أن ساسة الكرملين غير مرتاحين لوصول الرئيس أردوغان إلى تفاهماتٍ مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن المنطقة الآمنة في شرقي الفرات، على الرغم من أن العملية العسكرية التركية فيها تمتّ بضوء أخضر مزدوج، روسي وأميركي.

وعلى الرغم من جميع التباينات الإستراتيجية والخلافات بين الساسة الأتراك والروس، يواظب ساسة الكرملين على إشراك تركيا في الملف السوري، مستغلين نفوذهم لدى الفصائل السورية المعارضة، ويحاولون استغلال ذلك النفوذ لدى حكومة الوفاق في ليبيا من أجل إشراكهم في حلٍّ يقوم على لعبة تقاسم النفوذ والمصالح في ليبيا وسورية وسواهما، مستفيدين من التناقض حيال المواقف الأوروبية، وعدم اكتراث الولايات المتحدة ولا مبالاتها بما يجري في كلا البلدين.

ويشير تصعيد الروس والنظام الأسدي هجماتهما على مناطق محافظة إدلب، وربطها بالوضع في ليبيا، وفق معادلة إدلب مقابل طرابلس، إلى حجم ومدى استغلال بوتين علاقاته مع أردوغان، على الرغم من التفاهمات التي عقدها معه حول المنطقة في اتفاق سوتشي، الذي وقع في 17 سبتمبر/ أيلول 2018، الأمر الذي يفسّر عدم توصل العسكريين الروس والأتراك إلى نتيجةٍ بشأن تهدئةٍ في إدلب، لأن الخطط الروسية تتمحور على إعادة تشكيل خريطة جديدة للمنطقة، بما يعني توسيع نفوذ الروس في المنطقة على حساب النفوذ التركي فيها، وخسارة فصائل المعارضة مزيدا من مناطق سيطرتها، تمهيداً لقضم المنطقة برمتها، بعد أن غيروا ميزان القوى لصالح نظام الأسد الإجرامي. ويتنافى ذلك كله مع طموحات أنقرة في المنطقة التي تعتبرها جزءاً من أمنها القومي، وفقدانها يعني تهديداً مباشراً لتركيا وأمنها واستقرارها.

ويلجأ الساسة الروس إلى المخاتلة من خلال تكرار معزوفة تمسّكهم باتفاق سوتشي وتفاهمات أستانة التي أبرموها مع نظرائهم الأتراك، والمفارقة أن يردّد الساسة الأتراك من طرفهم المعزوفة نفسها، الأمر الذي يشي بأنهم يريدون تأمين نفوذهم عبر تلك التفاهمات، حيث تمكّنوا وفقها من تأمين نفوذهم في مناطق “درع الفرات” و”غصن الزيتون”، و”نبع السلام”، وما زالوا يراهنون على حدوث تغير سياسي في الملف السوري، يخرجهم من ارتدادات تعاملهم مع هذا الملف، ويسقط مشروع قيام كيان كردي في الشمال السوري.

ويكشف واقع الحال أن التفاهمات التركية الروسية كانت على حساب السوريين، وقدّمت لنظام الأسد ما لم يكن يتوقعه، إذ أعاد سيطرته، بعد العملية العسكرية التركية في شرقي الفرات، على مواقع ومناطق عديدة في الجزيرة السورية، من دون أن يطلق طلقة واحدة، بل ولم يعترض الأتراك على وصول دوريات النظام العسكرية إلى حدوده في مناطق عين العرب (كوباني) وسواها، فيما يواصل الساسة الروس محاولاتهم تطبيق علاقة الأتراك من نظام الأسد، عبر عقد لقاءاتٍ بين وفود أمنية، ومحاولاتهم إحياء اتفاقية أضنة (1998)، والتي تصطدم بعدم قبول الجانب التركي لها، لكن ذلك لن يحجب حقيقة أن ما يجري هو خليط بين المصالح وتقاسم النفوذ والابتزاز وسوى ذلك.

العربي الجديد

————————

إدلب الممنوعة من الدعم.. والنظام المأخوذ بالفراغ/ نذير رضا

لم تحرك عشرات الصور المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي، للضربات في ادلب، ساكناً في العالم، للتضامن مع المدنيين، رغم ثقل القصف، والتقدم السوري النظامي في المنطقة بتمهيد من غطاء مدفعي وصاروخي وضربات جوية. فالحدث السوري، لم يعد أولوية في العالم. ينظر اليه كثيرون على أنه حدث مكرر، أما الضخ الإعلامي لشيطنة إدلب، منذ ثلاث سنوات، فقادها الى موقع التهميش في السياسة الدولية.

ونجحت بروباغندا النظام، ومعها مجموعة كبيرة من وسائل الاعلام العالمية، بشيطنة المحافظة منذ انطلاق عملية الترانسفير السوري اليها. جميع المصالحات التي عقدت في المناطق السورية، قادت رافضي المصالحات الى محافظة ادلب. لم يفصّل الاعلاميون هوية النازحين اليها.. كعدد المدنيين الذين انتقلوا، وممثلو الفصائل العسكرية المطلوبين من النظام. وُضِع الجميع في خانة واحدة، خانة المتطرفين.

منذ ذلك الوقت، نُسبت الى الجميع تهمة “الارهاب” والتشدد. شيئاً فشيئاً، دُمغت المحافظة بتهمة الإرهاب. مرة سُمّيت “قندهار السورية”، ومرة أخرى “مجمع الإرهاب السوري”. تركزت العبارات في ذهن الجمع العالمي لشدة تكرارها من قبل الإعلام العالمي. وإثر التكرار، بات “القصاص من المتشددين” أُمنِية دولية، ساهمت الى حد كبير في غض الطرف السياسي عن المحافظة وسكانها، المدنيين وغير المدنيين.

والتهميش الإعلامي الدولي، الذي اقتصر على تغطيات إخبارية تتحدث عن “تقدم القوات الحكومية” و”انحسار رقعة سيطرة تنظيم النصرة وحلفائه”، ليس الوحيد الذي قاد الى رفع الغطاء الدولي عن المحافظة، ما مكّن النظام، في لحظة التخلي الدولية، من شنّ عملية عسكرية مدعومة من روسيا في توقيت مميت، ينشغل فيه العالم بأولويات سياسية.

فالسوريون أنفسهم، الذين أثاروا الحملات للفت نظر العالم الى حلب في وقت سابق، أو حمص أو الغوطة الشرقية لدمشق، تراجع اهتمام الكثير منهم بالحدث السوري. تضاءلت الحملات الإلكترونية والإعلامية في المعركة الأخيرة التي سيطر فيها النظام على عشرات القرى والبلدات، بينها معرة النعمان وخان طومان الاستراتيجيتان. الملف المعيشي، وارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة السورية، أكثر أولوية بالنسبة إليهم.

وينسحب الأمر على السوريين الذين خرجوا من البلاد الى مواطن لجوء جديدة. هؤلاء تراجع اهتمامهم بالحدث، ويكتفون بالتضامن مع اشقائهم العالقين بين الصواريخ والمدافع في إدلب وريف حماه الجنوبي الغربي. صُور يتيمة، لا ترتقي الى مستوى الحملات المؤثرة التي دفعت دولاً مؤثرة في العالم لوضع خطوط حُمر أمام حملات النظام العسكرية. فهؤلاء السوريون في الخارج، مشغولون بحيواتهم الجديدة، وبترتيبها، وبطرق التأقلم معها، ولم يعودوا كتلة مؤثرة بعدما فرّقتهم الأزمات في الشتات.

في الداخل السوري، لم يشارك الأكراد في حملات مشابهة ايضاً. تضامن ضئيل، لدى عدد قليل، يفسر حجم الانقسام السياسي والإثني بين مكونات الشعب السوري. فالكردي ينظر الى السوري المعارض على أنه خصم، دعَم تركيا في معركة إقصائه من الحدود السورية – التركية. وعليه، يشاهد ويترقب، ولا يرفع صوتاً مؤثراً في وجه الحملة العسكرية التي تغطيها روسيا، ويصمت عنها العالم.

في هذه اللحظة، استغل النظام لحظة التخلي الدولي، والانشغال السوري، والانقسام بين مكونات الشعب. ربما لم ينَل غطاءً دولياً، لكنه استفاد من الصمت. يدخل النظام الى مدن فارغة، لم يبقَ فيها من الناس مَن يصمد. ولم يبق على أطرافها ما يستوجب تضامناً بين الفصائل التي شرخها الاقتتال، وخنقتها محاولات الاستئثار والسيطرة، وكبّلتها التوجهات الجديدة التي فرضتها قوى متشددة.

غير أن الغطاء المفقود للمعارضة، لا يعني بأي من الاشكال بأن موالي النظام وفروا غطاء له، أو دعموه، أو أيّدوا معركته. هؤلاء أيضاً يطّلعون على الاخبار، ويمرون عليها مرور الكرام. لا تسويق لانتصارات، ولا تلميع لبطولات. فالشعب السوري، في مناطق سيطرة النظام، مشغول بنفسه. بانعدام الخدمات الطبية، وبالقلق من فقدان مادة المازوت للتدفئة، ومن فقدان الغاز من الأسواق. يسأل عن عملته التي تتدهور، وارتفاع الأسعار الجنوني.

وحده النظام يسوّق لانتصاراته. انتصارات في مدن فارغة، لا ترفع الجموع وراء قواته أناشيد النصر، فيما العالم ما زال يتفرج على مآلات هذا التقدم، ويُحصي الضربات الجوية الروسية والصاروخية النظامية، ويحصي أعداد اللاجئين الى شمال ادلب.

المدن

——————-

إدلب.. للحديث تتمة/ سمير صالحة

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن تركيا تريد إرساء الاستقرار في سوريا، ولن تتردد في القيام بكل ما يلزم إزاء ذلك بما يشمل استخدام القوة العسكرية. لكن احتمال وجود قناعة أخرى أميركية روسية ترى أن إيران تراجع دورها ونفوذها في سوريا ولم يعد بمقدورها التمرد والاعتراض لأن السيف الأميركي مسلط فوق رأسها، وأن الوقت قد حان لمواجهة الطلبات والاعتراضات التركية التي لا تنتهي في سوريا موجود أيضا.

التصعيد العسكري الروسي المباشر ومواصلة سياسة الأرض المحروقة في شمال غرب سوريا، محاولة روسية جديدة لترتيب طاولة حوار سوري فيها كثير من التنازلات لصالح موسكو والنظام في دمشق. لكن موسكو قد تكون تفعل ذلك بعلم وموافقة واشنطن وفي إطار صفقة روسية أميركية جديدة على مستقبل التسويات في سوريا بين الاحتمالات.

موسكو فاوضت واشنطن على الموضوع الإيراني في سوريا وها هي اليوم تذهب وراء تقديم العروض المغرية لأميركا لمقايضتها بعلاقاتها وتحالفاتها مع تركيا في سوريا أيضا.

لم يأخذ الأتراك في حزيران المنصرم بقول المبعوث الأميركي المكلف بالملف السوري، جيمس جيفري، أن التراجع التركي في إدلب، أو الدخول في تفاهماتٍ أمنيةٍ جديدةٍ مع الروس باتجاه قبول سوتشي معدل ستكون تبعاته مكلفة، لأنه سيطلق يد روسيا في سياسة القضم التدريجي لآخر جيوب المعارضة، ويسحب منها آخر أوراقها العسكرية والسياسية في سوريا. فهل يقبلون ما قاله قبل أيام حول أن أنقرة تدفع ثمن الثقة بموسكو في الملف السوري؟

الحقيقة هي أن التحذيرات الأميركية تتعارض مع ما قاله جيفري نفسه

وحيث يبدو أنه الاحتمال الأقرب والأقوى الذي يتقدم في إدلب وسوريا ككل، روسيا وأميركا اختبرتا إمكانية فرص التعاون بينهما حول الملف السوري، والهدف لم يكن فتح الطريق أمام تفاهمات أستانا وسوتشي بل نسفهما لصالح الصفقة الأميركية الروسية الأكبر في سوريا.

احتمال أن يكون قرار التصعيد على جبهات إدلب هو أميركي بتنفيذ روسي بعدما تراجعت العلاقات التركية الأميركية في سوريا وتعقد المشهد على أكثر من جبهة وتعارضت وتضاربت المصالح التركية مع واشنطن وموسكو. الجواب هو عند موسكو طبعا: ما الذي ستقوله وتفعله غير تكرار عبارة إن ما يجري حلقة من تفاهمات سوتشي للإسراع في إنجاز خطة إحراج أنقرة في سيناريوهات مشاركتها بما يجري تمهيدا لفتح الطريق أمام قوات النظام للتقدّم نحو الحدود التركية السورية، والانتشار داخل منطقة تخفيض التوتر المتفق عليها بين أنقرة وموسكو والتمسك بطرح أن أنقرة على علم بكل التفاصيل والتذكير باللقاء الأمني الذي سبق كل هذا التصعيد بين هاقان فيدان وعلي مملوك في العاصمة الروسية؟ 

التصعيد الروسي الإيراني عبر قوات النظام السوري على جبهات إدلب قد يكون يهدف للتخلص من مجموعات النصرة في المنطقة بعدما فشلت أنقرة في تنفيذ التزاماتها أمام طاولة سوتشي. وهو أيضا قد يضع موضوع السيطرة الروسية على الطرق الدولية في الشمال السوري لفتحها بين المدن الكبرى تحت ذريعة إنعاش الاقتصاد السوري المدمر، أو إلزام تركيا بقبول سوتشي جديد يأخذ بعين الاعتبار التحولات الميدانية والعسكرية ومنها ضرورة سحب أبراج المراقبة التركية من المنطقة، أو الضغط باتجاه إلزام قوى المعارضة السورية بقبول الوضع الميداني والعسكري الجديد لترجمته وتجييره إلى طاولة مفاوضات سياسية جديدة تلزم بقبول الحد الأدنى بعد سنوات طويلة من الحراك الثوري. في العلن وحسب موسكو، أنقرة أخطأت أكثر من مرة في التعامل مع الملف السوري وهي اليوم تحديدا تدفع ثمن تأخرها في حسم موضوع جبهة النصرة، لكن مؤشرات كثيرة تقول إن موسكو تريد التحرر من القيود التركية في سوريا: رفض المشروع الفدرالي والتمسك بإبعاد الأسد عن مسار المرحلة الانتقالية والإصرار على عمليات عسكرية جديدة في غرب الفرات وشرقه تكرس منع دمج الكانتونات الكردية والتمسك حتى النهاية بالتفاوض على ورقة النصرة والأهم من كل ذلك طرح تركيا لخطة إنشاء منطقة آمنة جديدة في شمال غرب سوريا مشابهة لحالات درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام تبقي النازحين السوريين داخل المناطق الحدودية السورية وتسقط مشروع موسكو بإيصال قوات النظام إلى المناطق الحدودية مجددا.

نجحت أنقرة حتى الآن في قلب طاولة التوازنات الليبية وفرضت نفسها

على الجميع هناك. الرد التركي في إدلب لا مهرب منه لأن الأسئلة وعلامات الاستفهام كثيرة وتنتظر إجابات وتوضيحات حول ما الذي يجري وسيجري لاحقا. من الذي يضمن أن التحرك الروسي العسكري الجديد سيتوقف عند حدود إدلب ولن يتوسع باتجاه مناطق درع الفرات وغصن الزيتون؟

ما يجري في إدلب اليوم لا بد أن يحمل معه كثيرا من المتغيرات والتحولات والاصطفافات المحلية والإقليمية على مستوى الملف السوري والتحالفات في المنطقة. لا يمكن قبول حالة التناقض هذه في انتشار حوالي نصف مليون مدني سوري أمام المناطق الحدودية التركية في إدلب ينتظرون فتح الأبواب أمامهم والإعلان في أنقرة عن عودة عشرات الآلاف من السوريين الطوعية إلى ديارهم.

قبل أسابيع كان الدبلوماسي الأميركي جيمس جيفري يردد أن بلاده وروسيا يختبران إمكانية فرص التعاون بينهما حول الملف السوري، وإنه إذا ما نجحت البداية في موضوع وقف إطلاق النار في إدلب، فستبدأ مرحلة اتخاذ القرارات الصعبة. مرة أخرى وللتذكير فقط القرارات الصعبة قد تعني مصيدة أميركية روسية جديدة للأتراك إذا لم يتعاملوا سريعا مع اعتداءات وخروقات يومية تستهدفهم هم وحلفائهم في سوريا.

من الأقوال التركية المأثورة الذي يدفع الثمن دائما هو البيضة سواء سقطت هي فوق الحجر أو سقط الحجر فوقها.

تلفزيون سوريا

———————-

لماذا باعت تركيا الثورة السورية؟!/ ياسر عبد العزيز

خلال الأشهر الماضية بدأت تظهر نغمة بين السوريين سواء المقيمين في تركيا أو في المناطق المحررة بأن تركيا باعت الثورة السورية، ازدادت تلك النغمة مع القصف المكثف للنظام وحليفه الروسي على إدلب، أخر معاقل الثورة السورية وأهمها، حتى أن هناك من يروج للوجود التركي على الأراضي السورية المحررة او التي حررها الأتراك من أيدي ميليشيات سوريا الديمقراطية بأنه احتلال، على الرغم من أن تلك الأراضي سلمت بشكل كامل للمعارضة السورية، وبل ويتم تعميرها وإعادة البنية التحتية لها، من الكهرباء والماء إلى توصيل خدمة الانترنت، وكذا بناء مؤسساتها الاجتماعية والخدمية حتى يتولى السوريون إدارتها بأنفسهم، مع ذلك فإن الكثير من السوريين يرون أن التجربة السورية مع الأتراك كانت احتلال واغتصاب للإرادة وتصفية للفصائل وتسويد سقط الناس على الشعب، بعد إسناد أمور الشعب السوري في المناطق المحررة لمن يرونهم لشخصيات ممسوخة الشخصية والهوية، ومن ثم يجب إعادة تقييم التجربة والوقوف على مكامن القصور.

بداية السؤال من أساسه خطأ، فالسؤال تقريري، بما يعني أن تركيا بالفعل باعت الثورة السورية، والأجدر أن يكون السؤال: هل باع الأتراك الثورة السورية؟ لكن حتى هذه الصيغة ليست صحيحة، بل وظالمة، لا لأن الأتراك لم يبيعوا السوريين، ولكن لأن السؤال أيضا يضع تركيا في حرج كبير وخطأ أكبر أمام المجتمع الدولي، إذ أن تركيا لو ساندت الثورة السورية كما يريد البعض فإنها ستتدخل في شؤون دولة جارة، وهو ما لم يحدث، ومن هذا المنطلق يمكن تفهم موقف تركيا في تعاملها مع الأزمة السورية، منذ البداية وحتى الآن، فمحددات السياسة الخارجية، إمكانيات الداخل في كل من تركيا ومع المعارضة ترسم الخرائط وتصنع خطوات التنفيذ، وقرأت هذه المحددات والإمكانيات بشكل جيد يجعل الحكم على الأمور أكثر عدلا، مع الوضع في الاعتبار أن هذه المحددات والإمكانيات تتغير من وقت لآخر بحسب التدافع الدولي في الأزمة وتغيير الفاعلين من مربعات تمركزهم، بما في ذلك المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري.

قد يكون من فضل الكلام أن نتحدث عما قدمته تركيا على المستوى الإغاثي للاجئين السوريين، فهذا الكلام أصبح غير مقبول لدى الكثير من السوريين، لكن الإنصاف يحتم ذكره، لا تذكير من تحول موقفه أو لتعريف من لا يعرف فينكر على غير علم، فتركيا وبحسب الإحصاءات الرسمية قدمت خدمات جليلة للسوريين وقننت تلك الخدمات بقوانين، تحسبا لتغير الحكومة، فتزول هذه الخدمات عن اللاجئ السوري، فاعتمدت قانون الحماية الدولية للنازحين في 2013، وفي 2015 أصبحت دائرة الهجرة التركية عاملة في كافة المحافظات التركية الـ81، لتخدم 3.6 مليون سوري بحسب إحصائية 2019، ومنذ بداية الأزمة، ولد 434 ألف طفل سوري في تركيا وهو ما يحمل تركيا مسئولية العناية الصحية للمولود ولأمه من قبله خلال فترة الحمل، وهو ما يعني أيضا أن عدد السوريين في تزايد، ولتقديم أفضل الخدمات للاجئين اعتمدت الدولة اللغة العربية في كل مصالحها، وهو ما آثار فئات واسعة من الشعب، المعتز بلغته وقوميته، وفتحت تركيا مدارسها وجامعتها واستقبلت في مدارسها 643 ألف تلميذ وفي الجامعات 21 ألف طالب، كما فتحت مستشفياتها لكافة السوريين بالمجان، وعلى مستوى العمل فقد كانت تركيا ساحة رحبة لتجارة السوريين وخدماتهم.

أما إن كان الحديث في الغالب عن الوضع الميداني والسياسي، فلقد قدمت تركيا المأوى للساسة السوريين وكانت الأراضي التركية دوما منطلقا لتحركات المعارضة السورية، بل ومهدت الطريق أمام تجمعات المعارضة السورية للجلوس مع المجتمع الدولي لشرح قضيتهم، مع ذلك فإن الإخفاقات السياسية التي حققها هؤلاء الساسة والتي يرجعها المراقبون إلى حمل كل فرد في هذه المعارضة أجندته الخاصة، جعل من هذه المعارضة عبء على سوريا أكثر منها على تركيا، غير أن هذا الإخفاق لم يثنِ تركيا عن تقديم خدماتها للسوريين كشعب، فقامت بحراك خشن على حدودها بمساعدة بعض فصائل الجيش الحر، بعد أن تعبت من تجميع فصائله، والسبب معروف لكل سوري، فاستطاعت من خلال بعض الفصائل المنخرطين في الجيش الحر من تأمين ما يزيد على الــــ 4 آلاف كيلو متر من خلال عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام، والآن وبعد القصف المستمر على إدلب وشمال حلب، تدخل تركيا في صدام سيفقدها حليف مهم في لعبة التوازنات التي تتحرك فيها بحذر شديد.

أزمة السوريين بل والعرب الفارين من الثورات المضادة في بلدانهم، أنهم يرون في تركيا أُما، وحاميا، ومسئولة عن إعادة حقوقهم وحقوق شعوبهم ولو دخلت في ذلك عرائن الأسود الجائعة والتي تنتظر أن تهن تركيا كي تنقض عليها، كما أن تركيا في النهاية بلد له مصالحه وتطلعاته، ومن غير المعقول أن يراهن بمستقبل 80 مليون تركي، وتغامر القيادة السياسية التي تدفع كل يوم من شعبيتها في مغامرات غير محسوبة.

لقد كانت تركيا تنتظر منا كعرب أن نمد يد العون لها لتمد هي الأخرى يدها لنقوى وتقوى، لكننا لم نقدم الرؤية ولم نقدم أوراق الضغط التي يمكن أن نلعب بها في أزماتنا ومن ثم تتمكن تركيا من لعب دور مريح في هذا البحر المتلاطم الذي تجمعت فيه موجات الخليج وموجات الغرب لتغرق تركيا، فبدلا من أن نعوم تركيا نقوم نحن بجذبها لأسفل، وكأننا لا نرضى أن يبقى أحد يطفو عله ينتشلنا، فالإصلاح الداخلي ونقية الصف هو السبيل لانتصارنا على أعدائنا.. سئل حكيم : بم ينتقم الإنسان من عدوه؟ فقال: بإصلاح نفسه.

——————————–

عامان بعد عفرين وتداخلات عارمة في شرق الفرات ومنبج/ براء صبري

لم تكن الأيام التي تبعت سقوط منطقة عفرين في يد تركيا والميليشيات السورية الموالية لها عبارة عن آخر المحن في المشهد السياسي والعسكري للمناطق التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية. كانت عفرين البوابة الرئيسية لتمدد تلك الآلام. التمهيد الأول لظهور تلك الندوب الواسعة في جسد كيان شرق الفرات كان مع قطع الطريق بين منبج وعفرين وسيطرة تركيا على جرابلس والباب، ومن ثم بدأت تلك الندوب تتحول إلى جراح حقيقية بالهجوم الكاسح على منطقة عفرين قبل عامين واحتلالها، ولم تلتئم بل زادت انتكاسة بعد سقوط تل أبيض ورأس العين (سرى كانيه) قبل حوالي ثلاثة أشهر في يد تركيا وحلفائها من جديد.

هذه التبدلات في ساحات الصراع السورية زلزلت ركائز المسرح الذي كان حتى قبل سقوط عفرين واضح المعالم، وجلي الشخصيات، ومقروء السيناريو. لكن، كانت ضربة عفرين مرحلة جديدة تورمت معها الحساسيات، وزادت التداخلات السياسية والعسكرية، واضطرب ميزان القوى لدرجة إن وصل الحال أن يشاهد الجميع مرور قوات أمريكية عبر حواجز للنظام السوري، ولدرجة أن تقود قسد دورية روسية إلى قاعدتها الأساسية بعد منع عبورها إلى المالكية من قبل الأمريكان، ولدرجة أن تمر الدوريات التركية بحماية روسية في القرى الكردية الشمالية بعد سنوات من محاولات الأكراد تحييد مناطقهم عن الصراع السوري الأوسع. كل هذه التقلبات في المشهد كانت نتيجة عوامل داخلية، وأخرى إقليمية، وأخيراً دولية.

لم تكن هناك مجالات للمناورة والقفز على المخططات المباشرة للتدخل في المنطقة. ولكن، كل هذه التطورات لم تُحيد تركيا عن هدف واحد ضمن أهداف كثيرة أخرى، وهو تثبيط “قسد” في سوريا. تنازلت تركيا عن كل شيء في سوريا باستثناء محاربة نمو كيان مفترض جنوب حدودها، وهو ما دفعها للتخبط بين روسيا وأمريكا، ومحاولة كسب الطرفين. ملف واحد طغى على كل الملفات الأخرى، وترك تركيا التي كانت تنظر بعد التظاهرات التي عمت العالم العربي إلى المنطقة بعيون تمددية واضحة من تونس إلى سوريا، تنكمش لتحاول أن تظهر نفسها أقوى من جهة عسكرية محلية تسمى “قسد”.

التغيير الديموغرافي

في العشرين من الشهر الماضي أصدرت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بياناً تقول فيه: “في مثل هذا اليوم من عام 2018 قامت قوات الاحتلال التركي مدججة بكل أنواع الأسلحة الثقيلة وبمشاركة فصائل ما يسمى بالجيش الحر بعدوانها الهمجي على مدينة عفرين ما أدى لاستشهاد المئات ونزوح عشرات الآلاف وإتباع سياسة الأرض المحروقة من خلال عمليات القصف البري والجوي وما تبعها من عمليات التغيير الديموغرافي والتهجير القسري الممنهج والسلب والنهب على أيدي المرتزقة التابعين للدولة التركية” هذا البيان الذي جاء في الذكرى الثانية لسقوط المنطقة في يد تركيا لا يستطع تغيير شيء من الواقع على الأرض. حيث تؤكد كل الجماعات الحقوقية التي تراقب الحرب السورية حقيقة الانتهاكات الكبيرة بحق السكان الأصليين في منطقة عفرين تبعه مثال جديد نهاية 2019 في تل أبيض ورأس العين. ورغم موافقة المحلل السياسي اللبناني يغيا طاشجيان المهتم بشؤون الشرق الأوسط ومنطقة القوقاز على أن تركيا تسعى لإحداث “تغيير ديموغرافي في عفرين” كما قال لـ”القدس العربي” عندما سألناه عن التطورات هناك حيث أكد أنه: “ليس سراً أن الرئيس التركي اردوغان أعلن نيته إعادة توطين اللاجئين السوريين والتركمان في القرى الكردية والمسيحية” وأكد “أن تركيا تريد منطقة متجانسة اجتماعياً للتأثير على الناس من خلال قوتها الناعمة وثقافتها”.

السياسة التركية

لم تكن السياسة التركية بهذا الانكشاف في الملف السوري الهام لها كما هي هذه الأيام. تقوقعت المصطلحات الصادرة في بيانات أنقرة، وهزم الالتفاف والدبلوماسية أمام مشاهد الهجمات التركية على المناطق، ولم يعد لتركيا منفذ لتبرير دخولها للمناطق الشمالية لسوريا سوى التصريح برغباتها في تعزيز وجودها هناك، وتدمير ما تسميه “الممر الإرهابي” الذي تشير فيه إلى كامل الخط الجنوبي لحدودها، والذي هو تحت إدارة قسد. هذه التحركات بالإضافة إلى التصريحات والتحليلات تحجم فرص المناورة لتركيا للتغطية على خططها الواضحة. وعلى الرغم من أن الدور التركي أصبح مؤطراً بشكل واضح في سوريا فقد قال الكاتب والمعارض السوري على العبد الله لـ”القدس العربي” عندما سئل عن الدور التركي في سوريا وقال: “للإجابة على هذا السؤال مستويان، الأول يتعلق بمبرر التدخل، فالعوامل الجغرافية والسياسية والأمنية تستدعي ذلك، والثاني مرتبط بتوجهات النظام التركي لتحقيق مكاسب جيوسياسية تعزز دوره الإقليمي والدولي من خلال الاستثمار في الصراع في سوريا”.

مع كل هذا التوضيح إلا أنه سرد المسار الواضح ذاته لتطور الحراك التركي في سوريا من خلال “بالسعي لإقناع النظام السوري بقبول فكرة الإصلاح مع الدفع لإشراك جماعة الإخوان المسلمين في حكومة جديدة، قبل انتقالها إلى العمل على تغيير النظام بتبني مطالب الثورة وتقديم دعم سياسي وإعلامي واستخباري والتجاوب مع مرحلة العسكرة بتقديم دعم عسكري غير مباشر عبر فتح الأرض التركية لمرور دعم عسكري عربي، خليجي بالأساس، ودولي ومرور متطوعين إسلاميين، والانخراط العسكري المباشر لاحقا” هذا الدور هو الذي مع الوقت انتهى إلى تركيز تركي أكثر على الخط الشمالي للحدود السورية.

في سياق يوازيه قال المحلل اللبناني يغيا طاشجيان لـ”القدس العربي” في رده على السؤال ذاته إن “هدف السياسة الخارجية التركية يدور حول احتواء الدور الكردي في شمال سوريا” في اختزال أوضح وأكثر سلاسة لتأطر الرغبات التركية في سوريا حيث وضح “بالنسبة لتركيا، فإن أي كيان كردي في شمال سوريا له روابط وثيقة بحزب العمال الكردستاني يشكل تهديدًا لأمنها القومي”. ولم يذكر المحلل في كلامه أيا من المصطلحات الصادرة عن تركيا أو حلفائها عن ان هدفها يتركز حول حماية الشعب السوري الأعزل، وتحقيق التغيير الديمقراطي في البلاد، ومحاربة الإرهاب.

بين روسيا وأمريكا

قبل خمس سنوات لم يكن أحد يتوقع ان تتقارب تركيا إلى هذا الحد من موسكو. تركيا العضو في الناتو تتعاون عسكرياً مع روسيا التي شكل الناتو لردعها. هذا التقارب بين الطرفين كان في جزء كبير منه نتاج الحرب السورية، والتضارب في العلاقات والمصالح لدى مفاعيل الحرب. أسقطت تركيا طائرة عسكرية روسية في سماء سوريا فحصلت من موسكو فيما بعد على نظام دفاع صاروخي متقدم عكر علاقاتها مع واشنطن لبرهة.

هذه التقلبات في جلها تعود إلى ما بعد معركة كوباني ودخول الروس للحرب في صف حكومة دمشق. كان تركيا تنظر إلى التنافس مع إيران والحصول على كامل الكعكة السورية مبتغاها الرئيسي. ولكن التطورات السالفة كان لها دور كبير في تقلب الموازين، وانطواء الأهداف، وهشاشة التحالفات.

وفي هذا المنحى المضطرب لتركيا بين الدولتين الرئيسيتين في الحرب السورية قال طاشجيان “بالنسبة لتركيا، فإن أي كيان كردي في شمال سوريا، له روابط وثيقة بحزب العمال الكردستاني، يشكل تهديدًا لأمنها القومي. لهذا السبب بدأت في التعاون مع كل من الأمريكيين والروس لاحتواء الأكراد في سوريا”

هذا المسار الحذر بين الطرفين عزز المخاوف لدى القوات المحلية في شرق الفرات حول مصيرها في هذه المعادلة المعقدة. اختارت الجهة المُسيرة للوضع في المنطقة بعد الهجوم المدوي على تل أبيض وسرى كاني المرونة والالتزام بالتوافقات بين تركيا وأمريكا وتركيا وروسيا لتفادي حصول انتكاسات أخرى في المشهد المتعب أصلاً.

كان الوضع أصعب بالنسبة لواشنطن التي تقدم الهدايا المجانية للروس في سوريا والمنطقة ككل من جهة تنظيم علاقتها بين قسد من جهة وتركيا من جهة. اختارت واشنطن، وبالأخص قيادة البيت الأبيض العلاقة التقليدية مع تركيا على أي شيء آخر!

في شرح أكثر تبسيطاً لهذه النقطة يقول طاشجيان “بالنسبة للأمريكيين، من الصعب تحقيق التوازن بين حلفائهم الأتراك وقسد. ليس سراً أن المصلحة الأمريكية تكمن في النفط، أي أنها لن تعارض أي دور تركي طالما واشنطن تستغل النفط السوري، في المستقبل القريب. ويضيف “لا أرى أن الأمريكيين يدافعون عن الأكراد، كما رأينا في كركوك وشمال شرق سوريا. سوف ينسحب الأمريكيون من المنطقة لصالح الروس بعد التوصل إلى اتفاق بشأن مستقبل النفط والغاز السوري” في رواية تعبر جزئيا عن التمدد الروسي الهادئ حالياً في المنطقة شرق الفرات، والذي صادف بعض المنغصات الأمريكية عندما وصل إلى حدود فاقعة مثلما حدث حينما حاولت موسكو الوصول إلى معبر سيمالكا الحدودي غير الرسمي، والمهم لواشنطن وقسد في الوقت ذاته قبل أيام.

مصير المناطق الشمالية

يبقى مصير المناطق الشمالية من سوريا التي هي تحت يد تركيا مثار لغط لدى الجهات المتابعة والفاعلة في سوريا. التضارب بين الآراء بشأنها واضح. ولكن، هناك شبه اتفاق بين الجميع على ان محافظة إدلب هي المنطقة التي ستعود سيطرتها إلى حكومة دمشق عند وجود توافقات جديدة يعتقد الأكراد وحلفاؤهم العرب في شرق الفرات أنها قد تحدث على حسابهم.

هذه التوقعات قال عنها الكاتب علي العبد الله: “مصير المناطق التي تحتلها القوات التركية مرتبط بطبيعة الحل النهائي، مع وجود مؤشرات على توجه تركي للاحتفاظ بوجود شبه دائم في هذه المناطق عن طريق ربطها بالداخل التركي عبر التعليم والصحة والتجارة واللغة والثقافة، وهذا مبني على تقدير أن سوريا لن تستعيد عافيتها لعقود طويلة، وان النظام السوري الحالي أو المقبل لن يستطيع إدماج هذه المناطق بسهولة بسبب العجز المالي والتقني. الوضع في تلك المناطق مزر بسبب ممارسات الفصائل المسلحة التي انتشرت هناك، وأقامت سلطات أمر واقع تقتل وتطرد وتمنع النازحين من العودة إلى ديارهم، تنهب المحاصيل وتفرض إتاوات وضرائب”.

هذا الحوار هو مرافق للتغيرات على الأرض التي تشهدها تلك المناطق من عفرين إلى جرابلس إلى تل أبيض وهي في حد ذاتها مؤشرات على أن عودة تلك المناطق إلى أهلها الحقيقيين بعيدة عن المنال أقله على المدى المنظور. وفي حديث قال يغيا طاشجيان حول مصير تلك المناطق “سيتم إرجاع المناطق المحتلة في رأس العين وتل أبيض في النهاية إلى سوريا، لكن هذا يحتاج إلى دور روسي، وبدونها، أرى مستقبلًا صعبًا للغاية في شمال سوريا. تبذل تركيا قصارى جهدها لإعادة توطين القرى المحتلة بغير الأكراد من أجل إنشاء منطقة عازلة بينها والقرى الكردية في سوريا”.

وفي وضوح أكبر حول مخططات عن احتمال عودة إدلب إلى النظام السوري كجزء من التوافقات التي تقوم روسيا بلعب دور الوسيط فيها بين تركيا وحكومة دمشق، بدأت الأخبار تتحدث عن عمليات نقل مقاتلين ومرتزقة سوريين من إدلب إلى ليبيا، ونقل عوائل من إدلب إلى عفرين ورأس العين وتل أبيض. هذه التغيرات حسب يغيا طاشجيان “في رأيي أن تركيا تبذل قصارى جهدها لإرسال عناصر متطرفة من إدلب إلى ليبيا، لأنه إذا تمت السيطرة على إدلب من قبل النظام السوري حينها سيتعين على هؤلاء المقاتلين المتشددين خيارات صعبة بين الاستسلام للجيش السوري أو الهرب إلى تركيا! والخيار الأخير سيكون كارثيا على تركيا، لذا نرى كيف يتم نقلهم إلى ليبيا للتخلص منهم”.

هذه التبدلات والتداخلات في الملفات بعد التطورات الجديدة في العراق أيضأً، وزيادة سخونة المشهد الأمريكي الإيراني يدفع الأمور إلى المجهول.

خريطة نهائية للحل

يخشى سكان المناطق التي احتلتها تركيا، والمناطق التي تسيطر عليها قسد من صعوبة عودتهم إلى مناطقهم الأصلية بعد حدوث تغييرات ديموغرافية في المنطقة. هذا كله مع تصاعد التسريبات الإعلامية المقصودة عن محاولات روسية حثيثة لوضع خريطة نهائية للحل في سوريا بين كل هذه الأطراف الفاعلة، والتي تحاول روسيا كسبها لصالحها ضمن برامج الحلول الوسطية الخبيرة فيها هذه الأيام في زمن القيادة الأمريكية التي تبدل بوصلتها مع كل اتصال هاتفي، والتي يطالب فيها ترامب باستغلال كل قضية اقتصاديا على حساب القضايا الاستراتيجية الأخرى، وفي وقت تحول الغرب الأوروبي من مستعمر لما وراء البحار إلى دول تخشى من عودة بضعة أطفال وعوائل جهادية إلى بلادهم الأصلية. هذا الالتحام بين الملفات وهذه التقاطعات السياسية يدفع الجميع للتفكير بهدوء عن الحلول العقلانية والوسطية والتي تقلل الخسائر قدر الإمكان على قاعدة الحقائق على الأرض، وتقليل خطابات النصر التي لا تنتهي لدى الجميع، والتفكير في حلول تحافظ على الهويات المحلية لدى سكان مناطق تعبت من النزوح المستمر، والتشتت الذهني، والتخوف من المستقبل غير الواضح.

القدس العربي

——————————————————

 سجال روسي ـ تركي حول إدلب… وموسكو ترسل وفداً إلى أنقرة

الكرملين يتحدث عن «هجمات إرهابية» في شمال غربي سوريا

رائد جبر

عكس تأكيد الكرملين أمس، أن هجمات المتشددين المستمرة ضد المنشآت الروسية في سوريا تنطلق من مناطق سيطرة تركيا استمرار السجالات بين موسكو وأنقرة، حول تطورات الوضع الميداني في إدلب ومحيطها.

وشكل التعليق ردا غير مباشر من جانب الرئاسة الروسية على تهديد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان باتخاذ تدابير لإجبار الجيش السوري على الانسحاب من مواقع شغلها أخيرا. في الوقت ذاته، أكدت موسكو أنها تواصل تنسيق تحركاتها مع طهران وأنقرة في إطار «مسار آستانة» لمحاصرة تصاعد الوضع في إدلب، وتحدثت عن وقوع ألف هجوم «إرهابي» خلال الأسبوعين الأخيرين من الشهر الماضي، وأقرت للمرة الأولى بتكبد الجيش الروسي «خسائر مأساوية» في الأرواح.

وقال الناطق باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف إن الرئيس فلاديمير بوتين عرض بشكل واضح موقف بلاده خلال المكالمة الهاتفية التي أجراها مع إردوغان قبل يومين، وإنه «تم التأكيد خلال المكالمة أن لكل جانب مجموعة من المخاوف الخاصة به فيما يتعلق بالوضع في إدلب».

وزاد أن ما يقلق موسكو بالدرجة الأولى هو استمرار النشاط الإرهابي وتواصل الهجمات التي تستهدف الجيش السوري والمنشآت العسكرية الروسية من «النقاط التي تسيطر عليها تركيا».

وأثار تعمد الكرملين التركيز على انطلاق الهجمات من مناطق سيطرة تركيا الأنظار، لأن موسكو كانت تجنبت الرد على المهلة التي منحها إردوغان للجيش السوري حتى نهاية الشهر الجاري للانسحاب من المواقع التي شغلها أخيرا، على خلفية أن اثنتين من أصل 12 نقطة مراقبة تركية باتتا خلف خطوط سيطرة النظام.

كما أن هذه العبارات التي حملت إدانة ضمنية لتركيا شكلت ردا أيضا على تصريح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الذي دعا موسكو إلى «وقف هجمات الجيش السوري على إدلب على الفور».

ولفت بيسكوف في حديثه أمس، إلى عدم القبول بـ«استمرار وتواصل الأنشطة العدوانية لهذه الجماعات الإرهابية، والموجهة ضد القوات المسلحة السورية، وكذلك المنشآت العسكرية الروسية في سوريا». كما أشار بيسكوف إلى أنه لا توجد حاليا خطط لاجتماع بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب إردوغان، لكن «من الممكن ترتيب مثل هذا الاجتماع سريعا إذا لزم الأمر». وكانت مصادر تركية أعلنت عن مشاورات جارية لعقد قمة تجمع الرئيسين لمناقشة موضوع التطورات حول إدلب.

في غضون ذلك، قالت مصادر روسية إن وفدا روسيا توجه إلى أنقرة لبحث هذا الملف، من دون أن توضح قوام الوفد وما إذا كان عسكريا أو يضم دبلوماسيين روسا. ولم تصدر الخارجية الروسية تأكيدا لهذه المعطيات، لكنها أكدت في بيان نشرته أمس على موقع الوزارة أن روسيا «تنسق بشكل وثيق مع الشركاء الإيرانيين والأتراك في إطار مسار آستانة من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في إدلب».

وقالت الوزارة إن الوضع في إدلب «يشهد توترا خطيرا وتصاعدا للعنف في الفترة الأخيرة»، مشيرة إلى أن «العسكريين الروس والأتراك حاولوا فرض «نظام التهدئة» في منطقة خفض التوتر في إدلب، إلا أن الإرهابيين زادوا من هجماتهم، وتم تسجيل أكثر من ألف هجوم خلال الأسبوعين الأخيرين من يناير (كانون الثاني)».

وأضافت الوزارة في بيانها أن «عدد القتلى والجرحى من العسكريين السوريين والسكان المدنيين خارج مناطق خفض التصعيد بلغ المئات. وقُتل خبراء عسكريون روس وأتراك بطريقة تراجيدية». وتعد هذه أول إشارة إلى الإقرار الروسي بالمعطيات التي انتشرت قبل أيام حول مقتل عدد من الضباط الروس.

وأشارت الوزارة إلى أن «محاولات مهاجمة القاعدة الجوية الروسية في حميميم باستخدام طائرات من دون طيار لم تتوقف». ورأت أن كل هذه التطورات «تؤكد شيئا واحدا فقط، وهو أنه جرى تعزيز قدرات الإرهابيين بشكل غير مقبول، ولا يمكن السماح بإفلاتهم من العقاب وإطلاق أيديهم».

وقالت الخارجية الروسية إنه «في ظل هذه الظروف وجد الجيش السوري نفسه مضطرا للرد بهدف حماية آلاف السوريين من الإرهابيين»، مشيرة إلى أن «الجيش السوري يقاتل على أرضه في بلده الذي يتمتع بالسيادة، وهو يشن نشاطه العسكري ضد الإرهابيين المدرجين على لوائح مجلس الأمن الدولي».

وزادت في إشارة جديدة على دعم موسكو لمواصلة التحرك العسكري للجيش السوري في إدلب، أن «الحديث يدور حول الحق السيادي لسوريا، ومحاربة الإرهاب ليست حقا وحسب، وإنما واجب على الحكومة السورية».

——————————-

مراوغات بوتين تُغضب أردوغان.. كيف تحول التصعيد في إدلب إلى اختبار قاسٍ للعلاقة بين موسكو وأنقرة؟

    أردوغان يوبّخ بوتين

    اختبار حقيقي لمدة قوّة العلاقة

    تركيا تحتاج لتنويع علاقاتها

    إدلب الأزمة الأخطر بين الطرفين

    ما الذي تمتلكه تركيا لردع روسيا؟

إذا كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يبحث عن وسيلة للتعبير عن غضبه من روسيا في أعقاب مقتل ثمانية من جنود بلاده في سوريا، فإن زيارته لأوكرانيا وفرت فرصة مثالية لذلك.

أردوغان يوبّخ بوتين

تقول صحيفة Financial Times البريطانية إنه وخلال اصطفاف حرس الشرف الأوكراني لاستقبال أردوغان في القصر الرئاسي في كييف الإثنين، هتف الرئيس التركي: «المجد لأوكرانيا»، وهو شعار وطني لطالما ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالمشاعر المعادية لروسيا، ومعركة البلاد من أجل الاستقلال بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

وكانت كلماته المنتقاة بعناية –إلى جيش يقاتل الانفصاليين المدعومين من روسيا في شرق أوكرانيا- توبيخاً واضحاً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

يتعرض التحالف البراغماتي بين أنقرة وموسكو في أنحاء عدة من الشرق الأوسط لاختبارٍ قاس بعد الهجوم الذي وقع يوم الإثنين على جنود أتراك بأيدي قوات النظام السوري المدعومة من الكرملين في محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة.

لقد أبرز هذا الهجوم والتوترات الحاضرة في كثير من الأمور، من ليبيا إلى أسعار واردات الغاز، أنه حتى في الوقت الذي يشعر فيه حلفاء الناتو في تركيا بالقلق إزاء تقارب أنقرة المتزايد مع موسكو، فإن ديناميكية العلاقة بين البلدين ما زالت بعيدة كل البعد عن الاستقامة والوضوح.

تعليقاً على ذلك، يقول مسؤول تركي كبير: «حقيقة الأمر أنها ليست علاقة سهلة. وفي حين يسهل على بعض المسؤولين الغربيين أو المعلقين السياسيين القول بأن تركيا أدارت ظهرها للغرب، كما لو أننا نصطف في اتفاق تام مع الروس في كل شيء، فإن واقع الأمر ليس كذلك».

رداً على مقتل الجنود، ألغت تركيا دورية عسكرية مشتركة كان مخططاً لها أن تجري مع القوات الروسية في سوريا، في حين ألقت موسكو باللوم على أنقرة قائلة إنها لم تكشف مسبقاً عن موقع تحرك قواتها.

اختبار حقيقي لمدة قوّة العلاقة

يقول كونستانتين كوساتشيف، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الفيدرالية الروسي: «الأمر كله مقلق للغاية. هذا اختبار جدي لمدى قوة الاتفاقيات الروسية التركية الحالية».

لطالما مثّلت الحرب في سوريا، حيث تدعم أنقرة القوى المعارضة لبشار الأسد في حين تدعم روسيا نظامه، موقفاً شائكاً للبلدين وللعلاقات بينهما. كان الجيش التركي قد أسقط قبل خمس سنوات طائرةً روسية من طراز سوخوي سو 24 في أعقاب توغل لها عبر الحدود مع سوريا. ولكن بعد سبعة أشهر من الحادث، وفي وقت أخذ حالة من الجمود تسود في العلاقات بين تركيا وحلفائها الغربيين التقليديين، وفي ظل الرابطة الشخصية الوثيقة بين أردوغان وبوتين، عاد التوافق إلى العلاقات بين الدولتين.

منذ ذلك الحين، تعاون البلدان في قضايا تتعلق بإمدادات الطاقة والتجارة والصراعات في سوريا وليبيا، على الرغم من دعمهما أطرافاً متصارعة في كلا البلدين. وقد أثار قرار أردوغان شراء نظام الدفاع الجوي الروسي «إس 400» العام الماضي فزع العديد من حلفاء تركيا الغربيين، وعرقل صفقة شراء أنقرة لطائرات مقاتلة جديدة من «إف 35» تابعة لحلف الناتو.

تركيا تحتاج لتنويع علاقاتها

لطالما زعم المسؤولون الأتراك أن العلاقة مع موسكو تحمي مصالح بلادهم في جوار مضطرب. ويقول يوسف إريم، محلل السياسة الخارجية في قناة TRT World، إنه كان من الأهمية بمكان لتركيا أن «تنوع علاقاتها مع القوى العظمى» في ظل نظام عالمي متغير.

ومع ذلك، وعلى الرغم من عشرات المكالمات الهاتفية والاجتماعات ومظاهر البشاشة العامة التي سادت العلاقات في السنوات الأخيرة بين أردوغان وبوتين، فإن هناك عديداً من المجالات التي أثار النهج الروسي فيها غضب تركيا وقلقها.

وراوغت موسكو لكي تحقق أهدافها، فرفعت الحظر الذي كانت فرضته على استيراد الطماطم التركية بعد أزمة إسقاط المقاتلة، في حين دأب ذراعها المتمثل في موقع «سبوتنيك الناطق باللغة التركية» – وهو موقع إخباري مملوك الحكومة الروسية- على إثارة غضب المسؤولين الأتراك من خلال تقديمه تغطية بارزة لنقاد أردوغان وسياساته.

يقول كريم هاس، محلل العلاقات الروسية التركية، إنه على الرغم من الموافقة على استضافة خط أنابيب الغاز TurkStream الذي افتُتح مؤخراً، والذي يمكن روسيا من الاستغناء عن أوكرانيا، فإن أنقرة تدفع نسبة أعلى للمصدِّر الحكومي الروسي «غازبروم» Gazprom من تلك التي تدفعها ألمانيا، إذ «لم تتمكن تركيا من الحصول على خصم لها». وقد رفضت شركة غازبروم التعليق على تلك التقارير.

كما غضب أردوغان أيضاً من رفض خليفة حفتر، قائد قوات ما يسمى بـ «الجيش الوطني الليبي» المدعوم من روسيا، توقيعَ اتفاقية سلام في محادثات توسطت فيها موسكو وأنقرة الشهر الماضي.

إدلب الأزمة الأخطر بين الطرفين

أمَّا الآن، فإن إدلب على وشك أن تصبح أخطر أزمة تشهدها العلاقات حتى هذه اللحظة بالنظر إلى أن هناك نحو 3 ملايين شخص محاصرين على الحدود التركية. وقد حذّر أردوغان، الذي يواجه بالفعل انتقادات عنيفة تتعلق بنحو 3.6 مليون لاجئ سوري يعيشون في تركيا حالياً، من أن بلاده لا يمكن أن تستقبل المزيد من النازحين.

يقول هاس إن أنقرة واجهت مشاكل في علاقاتها مع روسيا لأن موقفها «ضعيف» في العديد من المجالات المتبادلة، وهو ما سمح لموسكو بأن تكون «أكثر حزماً بكثير»، حسب تعبيره.

لكن المسؤولين في أنقرة يقولون إن مهمة الوقوف في مواجهة روسيا في سوريا باتت أصعب، في ظل الافتقار إلى الدعم من الحلفاء الغربيين.

ما الذي تمتلكه تركيا لردع روسيا؟

تمتلك تركيا بعض الأوراق، من أبرزها نفوذها على بقايا قوات المعارضة لدمشق، وسيطرتها على منطقة حدودية في شمال سوريا يريد الأسد استعادتها. لكنها في الوقت نفسه تعتمد أيضاً على روسيا لمنع موجة أكبر من اللاجئين من التوجه نحو الحدود التركية، وللتقليص من دور الميليشيات الكردية وحلفائها السياسيين في المحادثات المتعلقة بمستقبل سوريا، إلى جانب اعتماد تركيا على روسيا لسد حاجاتها من الغاز المستورد.

تقول أصلي آيدينتاشباش، وهي باحثة «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية»، إن أنقرة «لا تستطيع حقاً صرف وجهها عن روسيا»، ومن ثم فهي تذهب إلى أن العلاقات بين البلدين ستتجاوز التوترات الأخيرة بشأن إدلب. وتضيف أن «تركيا ليست تابعة لروسيا. لكنها أصبحت مدينةً لروسيا بقدرٍ لا يجوز لها مع أن تنسحب ببساطة من تلك العلاقة عند أول أزمة».

وردد أردوغان نفسه وجهة النظر هذه يوم الثلاثاء، عندما قال إن تركيا لديها «العديد من المبادرات الاستراتيجية الجادة» مع روسيا، ووعد «بالجلوس والتحدث في كل شيء، دون غضب». حتى إنه استشهد بمثل تركي يقول معناه: «من يقف غاضباً بلا حساب، يقعد ملوماً دون أن يأخذ حقه».

في السياق، قالت الخارجية الروسية، الخميس 6 فبراير/ شباط، إنها تواصل «التنسيق الوثيق» مع تركيا بخصوص سوريا، مضيفة أن شهر يناير/كانون الثاني شهد مقتل عدد من الخبراء العسكريين الروس والأتراك في شمال سوريا، وأن تصاعد التوتر والعنف في إدلب أصبح يشكل خطراً كبيراً.

من جانبه، رد وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو على هذه التصريحات قائلاً إن أنقرة تتوقع أن توقف روسيا هجمات قوات النظام السوري في إدلب على الفور، مضيفاً في الوقت نفسه أن وفداً روسياً سيزور تركيا لبحث الوضع في إدلب، وأن أردوغان وبوتين سيلتقيان «عند الضرورة»، وهو ما يؤكد استمرار غضب أردوغان من بوتين.

—————————-

حماة.. إدلب.. المجازر مستمرة/ حذام زهور عدي

ليس من السهولة الحديث عن مجازر حماة في ذكراها هذا العام، بعدما مرَ عليها ثمان وثلاثون سنة، ومع أن ما كُتب عنها ليس بالقليل، إلا أن ما ظهر من معلومات وما نُشر من أسرار، يجعل إعادة دراستها عملاً في صميم مايحدث للثورة السورية اليوم، فنتائجها لاتزال تفعل فعلها راهناً لتشمل الأرض السورية كلها، بل تكاد تُطل برأسها على الوطن العربي، وربما منطقة الشرق الأوسط.

 أظننا نرى ونسمع أصداء استمرار التدميرالذي تستلذ به عنجهية قوة التدمير الشامل وإذلال المستضعفين، طالما أن المحاسبة للبرابرة المتوحشين غائبة، وقوانين الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وجرائم الحرب تنفذ وفق ما يُقال: فيك الخصام وأنت الخصم والحكم…

في المقلب الآخر فإن ما يجعل العودة إليها ليس فقط استعادة للذكرى، وإنما بسبب ضعف استخلاص دروس العمل السياسي والثوري مما وقع، فمع أن ما حدث مثَل كارثة إنسانية قلَ مثيلها تاريخياً إلا أنَ- وللعجب- لم تعتبر النخبة السياسية والثقافية السورية منها ما كان يجب أن يوظف  في التعامل مع ثورة آذار 2011 ، وكأن النظام الأسدي وحده هو من أخذ العبرة وحفظ الدرس وقطف ثمار نجاحه في إبقائه متربعاً على عرش سورية ومراهناً عليه لتحويل سورية إلى الأبد تحت اسم المملكة الأسدية السورية.

ألم يرُد بشار على من حذره من الحل العسكري بعد اندلاع المظاهرات السلمية لثورة آذار، بأن ذلك الحل هو ما أبقى والده على كرسي الحكم وسمح بتوريثه له بعد ذلك؟! وهو ما سيترك الكرسي تحتهم إلى الأبد، أما إن سها بعضٌ من بطانته عن ذلك الدرس فإن النفوذ الإيراني -الذي كفل دعمه ومساندته في حال ضعفت سيطرته على الأمور- كفيل بخلق الظروف المناسبة لنجاح حلِ حماة كما نجح في المرة الأولى.. وهكذا بدأ بشار وبطانته يَتلون دروس حماة ويمشون في طريقها خطوة خطوة. منذ أن فاحت رائحة مطالبة الشعب بالتغيير، أما تلك النخبة والتي كان عليها أن تبدأ وقبل اندلاع الثورة العفوية بالتحضير الجاد لتلك الدروس، فكأنها لم تسمع بحماة، صحيح أن ما حدث في ظروفه الداخلية والخارجية كان أكبر من أي تحضير، إلا أن النتائج مع التحضير، ربما، كانت ستعطي حالة أقل مأساوية.

أما الدرس الأول فكان ضمان الموقف الدولي ولاسيما موقف الدولتين العظميين منه، لم يكن الأسد محتاجا لسبر رضا روسيا،، فهي مضمونة مسبقاً بما لها من مصالح في شرق البحر المتوسط ومن خلال تشابه النظامين، أليست حماة مثل غروزني الشيشانية؟! أوليست مدن سورية الثائرة اليوم تشابهها أيضاً، وأمريكا التي أعطى داهيتها ” كيسنجر” الضوء الأخضر لوالده عندما شكا له اضطراب مدينة حماة وخشيته منها، ووفَى له بتكميم أفواه وزارة الخارجية الأمريكية بعد البيان الذي أشارت فيه إلى أحداث تجري في حماة، وبعدها سكت الإعلام العالمي كله ونسيت البشرية ما حدث بحماة ، فلِمَ تتذكر اليوم ما سيحدث بسوريا؟ ألم تتكرر التصريحات الأمريكية بأنها لاتريد إسقاط النظام إنما تتمنى إصلاحه، والأسديون أعلم بما تريده أمريكا من معنى الإصلاح الذي تعلن عنه.. وهكذا ضَمٍن الوريث كوالده الموقف الدولي المؤثر وتجاهل من بقي من المجتمع الدولي الذين ليسوا بذي بال،  فهناك من يماثلونهم في التأثير العالمي  ممن يؤيدونه.. فهل وعت النخبة السياسية السورية هذا الدرس وأوجدت طُرق معالجته؟

أما الدرس الثاني فهو: القضاء على أي نشاط ديموقراطي، ودفع الثائرين لردود الفعل الطائفية والشعارات الإسلامية المتطرفة.. فقد نصب نظام الأسد الأب فخاً لديموقراطيي حماة من خلال اجتماع بالمركز الثقافي، طلبت السلطات وقتها أن يتحدث  من أراد عن المطالب التي يريدها وضمنت لهم الحرية التامة في ذلك، وتحدث الديموقراطيون وقدموا برامجهم الإصلاحية، وكانت النتيجة أن سيقوا جميعاً للذبح أو الاعتقال القاتل أوالتهجير بالترعيب أو الترغيب.( فحوادث ملاحقة الحراك النقابي الذي كان يُصدر البيانات تحت شعار” الدين لله والوطن للجميع” معروفة وموثقة، كما أن مقتل الدكتور عمر شيشكلي وإلقاء جثته على طريق منتجع “أبو قبيس” ذي التركيبة السكانية العلوية من أجل إثارة الطائفية، ومقتل الدكتور الخاني بعد تعذيبه وقلع عينيه، وغيرهم الكثير).. وهكذا فرغت حماة من الأصوات الديموقراطية أفراداً وتجمعات سياسية أو نقابية، كذلك فعل الوريث فقص العشب الديموقراطي النامي مرة بعد الأخرى بالاعتقالات والترعيب وملاحقة المنتديات الهادفة إلى توعية الجمهور بمشكلاته وبدوره في حلها، منذ اشتم رائحة النضال الديموقراطي في لجان المجتمع المدني وبيانات إعلان دمشق الذي طالب بإصلاح تدريجي سلمي، لتخلو الساحة من أصواتهم وتلعلع أصوات التطرف الطائفي والجهل والإرهاب الذي صنَع معظمه.. فماذا فعلت نخبتنا لتدارك مثل هذا المصير؟

والدرس الثالث وهو الأكثر أهمية.. موقف جيش النظام، القوة الضاربة بيد الأسد التي جرَبها بحماة وأعطته نتائج باهرة، لقد تشبعَ ذلك الجيش بعقيدته القتالية الأسدية والتي بُني عليها الجيش العقائدي(كما كان يُسميه النظام الأسدي): الأعداء هم كل من يُنازع الأسد على كرسي السلطة، فالأسد هو ثورة الكادحين وهو المقاوم الشرس للمخططات الامبريالية-الصهيونية وهوالوطن وهو سوريا.. ولذا فإن كلَ من يعاديه يرتكب الخيانة العظمى ويستحق مايوقعه عليه من أفانين الوحشية، وهكذا كان الجندي السوري، وبخاصة إن كان من الفرق والكتائب المصطفاة، يذبح الأطفال ويقطع أيدي النساء وآذانهن من أجل الحلي ويغتصب النساء ويتلهى باصطياد الرجال ولعلعة النيران بأجسادهم لينال رضا ضباطه وآمريه.. بل وصل بعض أولئك الضباط إلى اختراع طُرق للهو بالإذلال والقتل والتمثيل بالأحياء مما لايدركه خيال أعتى المرضى الساديين بالتاريخ الماضي والحاضر، فهل استوعبت نخبتنا أن هذا الجيش بتلك البُنية يمكن أن يُشابه الجيش التونسي أو المصري أو الجزائري أو أي جيش وطني بعالم اليوم؟ هل أدركت المشقة الكبرى التي سيعاني منها العسكري المنشق وعائلته حتى لا يرتمي بحضن من تختلف أجنداته عما يُضحي السوريون من أجله؟ وأن مثل هذا الجيش المجرب بحماة لايمكن أن يتعامل مع حمص ودرعا والغوطة وحلب ودير الزور وإدلب إلا بأسوأ مما تعامل مع حماة؟

أما الدرس الرابع.. فهو المحاسبة، صحيح بأن بعض المناضلين نشطوا بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان مع بدء الثورة كالروائع رزان ورفاقها، ولكنَ مركزاً واحداً لم يكن كافياً ولا اثنين أو ثلاثة، ما حدث ويحدث يلزمه عشرات المراكز التي تملك الوثائق المعترف بها لإدانة هذا النظام دولياً وسورياً فيما بعد، وبأسماء مرتكبيها كائناً من كانوا، ولو أُتيح مثل هذا التوثيق لِما جرى بحماة ، ولو حوسب النظام على أفعاله الإجرامية وقتها، بل لو حوسبت الطليعة المقاتلة للأخوان المسلمين بمحاكم عادلة، ربما كانت مدن سوريا كلها اليوم آمنة، صحيح أن بعض الناشطين اليوم تداركوا الموقف مؤخراً وحققوا نتائج جيدة لكن ما حدث ويحدث أكبر من ذلك بما لايُقاس والمطلوب تعاوناً أكبر من كل من يستطيع فعل شيء من أجل التوثيق والمحاسبة أن يتقدم للعمل.

أما درس دفع المعارضة للتسلح وتيسيره لهم كما حدث بحماة، والذي أعاد توظيفه الأسد الإبن بنجاح منقطع النظير، فهل كان بإمكان الثورة السورية تجنبه؟ حتى لوبذلت النخبة كل ما تملك من إمكانيات أم أن دورها، لو وعت الدرس، كان يمكن أن يتحول إلى ترشيده والإقلال من نتائجه المدمرة ما أمكن ذلك.

هناك دروس أخرى متعددة كالإعلام، والتهجير، وما ذُكر قد يكون الأهم والأكثر مشاركة بين ما حدث سابقاً في حماة وما يحدث اليوم في مدن سورية وأريافها، وفي المقدمة الآن إدلب،  فالمجازر مستمرة وصارمن المشروع القول: لولا حماة ما وصل السوريون إلى إدلب اليوم، فهل بدأت نُخبنا وشبابنا مراجعة تلك الدروس لتجنيب من بقي من السوريين ما بعد إدلب وما بعد بعد إدلب؟ أم أن الأوان قد فات؟

تلفزيون سوريا

—————————-

أردوغان بوتين.. تصدّع حلف الأعدقاء/ غسان ياسين

شهد مسار العلاقات التركية – الروسية تشابكات وتعقيدات في العديد من الملفات في سوريا، من لحظة إسقاط الطائرة الروسية وحتى الأمس الأول حين قتل ثمانية جنود أتراك بنيران قوات الأسد الكيماوي.

سأبدأ من حيث انتهى هذا المسار، حسب معلومات وصلتنا من مصادر مطّلعة أن اجتماع الأمس الذي جرى في أنقرة بين المسؤولين الاستخباريين والعسكريين الأتراك والروس، انتهى بالفشل بسبب إصرار الأخيرين على مواصلة النظام وميليشيات إيران المساندة له هجومهم على قرى وبلدات إدلب واقترابهم من مركز المدينة، هذا الهجوم الذي أدى إلى محاصرة أكثر من نقطة مراقبة تركية.

وبعد أن استهدف النظام جنود الجيش التركي بشكل مباشر ومقتل ثمانية منهم، وإصرار روسيا على مواصلة التقدم وقصف المدنيين، باتت تركيا أمام مأزق وحرج كبيرين، فتركيا مسؤولة بشكل مباشر عن المدنيين الموجودين في إدلب حسب تفاهمات سوتشي بوصفها ضامناً، وهي قبل ذلك مسؤولة عن سلامة جنودها وحمايتهم.

هذا التصعيد الواضح من قبل النظام وحليفه الروسي لم يترك أي خيار لتركيا سوى خيار المواجهة المباشرة، الخيار الذي حاولت تركيا طيلة سنوات الهروب منه ومن تبعاته، فمع وصول أكثر من مليون ونصف المليون شخص منذ توقيع اتفاق سوتشي في أيلول 2018، إلى الحدود التركية، واستمرار حركة النزوح والتهجير، لم يعد بإمكان أنقرة السماح للنظام وحلفائه بالتقدم.

صباح اليوم خرج أردوغان بتصريحات غير مسبوقة يهدد فيها النظام ويعطيه مهلة محددة للانسحاب من جميع مناطق خفض التصعيد، أي العودة إلى ما قبل 23 آب 2019، أي ما قبل حصار نقطة المراقبة التركية في مورك شمال حماة.

وأضاف أردوغان في تصريحاته أن بلاده ستستخدم حقها في الهجوم براً وجواً، في إشارة واضحة إلى رفض روسيا المتكرر السماح للطائرات التركية بدخول الأجواء السورية.

ميدانياً ردت تركيا على قتل جنودها بقصف 57 موقعاً للنظام وقالت إنها قتلت -حيّدت- أكثر من سبعين عنصراً لقوات الأسد، وحسب معلومات ذكرتها وسائل إعلام تركية مساء أمس فإن طائرة تركية مسيّرة قصفت مطار جب رملة في ريف حماة. في وقت استأنف فيه النظام هجومه بشكل أكبر مباشرة بعد تصريحات الرئيس التركي والتي أعطى فيها النظام مهلة حتى نهاية شهر شباط الجاري.

أردوغان عادةً يتحدث كثيراً ويفعل قليلاً، لكن هذه المرة لم يترك له بوتين سوى خيار المواجهة المباشرة على الأرض مع قوات الأسد. فوجود تركيا في سوريا كله مهدد في حال تخلّت تركيا عن إدلب أو عن جزء منها وهذا الأمر يعرفه الأتراك بشكل جيد، والآن لم يعد هنالك شيء أمام تركيا سوى أن تكون مستعدة لتحمل أكلاف هذه المواجهة خصوصا أنها تلقت دعماً أميركياً محدوداً حتى اللحظة عبر تصريح لوزير الخارجية يساند تركيا بوصفها حليفاً في الناتو.

لننتظر..

تلفزيون سوريا

———————————

الحلول التقليدية لن تنقذ إدلب/ عقيل حسين

يبدو وكأن الوضع في إدلب دخل الساعة الأخيرة، التوصيف قاسٍ بلا شك، لكنه الواقع ولن نقول الحقيقة، عسى أن تكون الحقيقة مختلفة، أو أن يحمل واقع اللحظات التي تلي دفع هذا المقال إلى النشر حقائق جديدة تكون في صالح الثلاثة ملايين إنسان المحشورين في هذه المنطقة.

لا يمكن الحديث بأي حال عن مفاجأة، فالجميع كان يتوقع سيناريو خطير لإدلب بعد تجميع الرافضين للنظام في شريط حدودي ضاق بهم، وما زال يضيق عليهم أكثر مع كل تقدم جديد للنظام وحلفائه.

وأيضاً لا يمكن الحديث عن الأسباب والمقدمات التي قادت إلى هذه النتائج، فالوقت لا يحتمل اللوم بقدر ما يتطلب اجتراح حلول، أو على الأقل التفكير بالخيارات الممكنة من أجل انقاذ إلناس وكذلك مصير الثورة الذي لم يكن في خطر مثلما هو عليه الآن.

لكن عند التطرق لهذه النقطة، تبدو كل الأفكار غير عملية أو مرضية تماماً، وأصلاً لم يعد لدى المعارضة والثوار خيارات كثيرة يمكن أن يناقشوها، بعد أن فقدت مؤسساتنا السياسية والعسكرية زمام الأمور، وتاهت بين خيوط اللعبة التي لا بد من القول إنها باتت ومنذ سنوات، أكبر من قدرات السوريين وطاقاتهم.

خيار الاستسلام: يطرح البعض خيار التفاوض المباشر مع الروس، باعتبارهم القوة المهيمنة على النظام، والتفاهم معهم على حل ما يحفظ أرواح الناس وما تبقى من جدران وأشجار وخيم تؤويهم، عارضين أمثلة لمناطق سورية أخرى اختارت هذا الطريق قناعةً بعدم إمكانية أو جدوى مقاومة دولة إمبراطورية وقوة عظمى، كدرعا وريف حمص، لكن حتى هذا الخيار لا يمكن أن نتوقع من موسكو الترحيب به لأسباب عديدة.

فمن ناحية، ينظر النظام وحلفاؤه إلى منطقة إدلب باعتبارها منطقة تجمع الأعداء الأكثر رفضاً لهم، وربما أيضاً يعتبرونهم الأكثر خطراً على مستقبل عودة النظام للسيطرة على الأرض، أي باختصار، منطقة تجمع كل من لا يمكن أن يقبل بسلطة النظام وسيقاومها في أي لحظة يمكنه فيها فعل ذلك، وبكل وسيلة قد تتوفر له، وهو ما أشار إليه إعلاميون روس في أحاديثهم ومداخلاتهم الإعلامية التي تعكس بلا شك رؤية الحكومة الروسية بشكل أو بآخر.

ومن ناحية ثانية، فإنه ومقابل توصل بعض المناطق لتسويات أو مصالحات أو اتفاقات مع الروس، فإن موسكو رفضت وبشدة القبول بمثل هذه الاتفاقات في مناطق أخرى، كما حصل في حلب وكذلك الغوطة الشرقية، وبالتالي فإن هذا الخيار المؤلم والقاسي لا يبدو أن قبوله مضموناً من قبل الطرف الآخر المنتشي بانتصاراته، حتى لو قبلت به الفصائل والحاضنة الشعبية تحت ضغط الواقع الكارثي على سكان المنطقة.

أضف إلى ذلك قضية المقاتلين غير السوريين، وأيضاً الفصائل المصنفة على قوائم الإرهاب الموجودة في هذه المنطقة، والتي لا تلوح في الأفق حتى الآن أي بوادر لإيجاد حل مقبول لها، وروسيا شديدة الاستثمار في هذه المسألة، إن كان دولياً، حيث تقدم نفسها على أنها تحارب (الإرهاب) في إدلب، وإن كان على صعيد تحركاتها المشتركة مع تركيا، حيث تعتبر موسكو أن أنقرة فشلت في إيجاد حل لهذه العقدة.

وبوصول الحديث إلى تركيا، فإن هناك طيفاً واسعاً من المعارضة السورية يعتبر أنه ورغم كل شيء، ما يزال، أو ليس هناك سوى أمل واحد لوقف هذه المذبحة المفتوحة، ويتمثل بخروج تركيا عن تحفظها وأن تتحرك بقوة لفرض وقف إطلاق نار جدي وحقيقي.

تحرك الفصائل خلال الأسبوع الماضي في حلب عند مدخلها الشمالي الغربي (جمعية الزهراء)، وكذلك في ريف مدينة الباب، يمكن قراءته في هذا الإطار بكل تأكيد، أضف إليه عودة فصائل ريف حلب الغربي إلى مناطقهم التي هجرتهم منها هيئة تحرير الشام، ويبدو أن الرسالة سواء، أكانت تركية أم من جانب المعارضة، كانت تقول بوضوح أنه بإمكاننا أيضاً خلط الأوراق إذا ما استمرت التطورات على هذا النحو الكارثي.

أيضاً دخول أرتال قوات عسكرية تركية إضافية إلى محيط مدينة سراقب، وهي قوات مقاتلة هذه المرة، وتبادل هذه القوات القصف مع قوات النظام ما أدى لسقوط ضحايا من الجانبين، لا يمكن إخراجه من سياق الحديث عن تصعيد تركي محتمل أو ممكن أو مطلوب من قبل المعارضة السورية.

لكن هل هذا يكفي؟!

لا تشير المعطيات إلى أن حلفاء النظام مقتنعون بخيار التوقف عن التصعيد العسكري رغم كل ذلك، خاصة أنهم يحققون تقدماً على الأرض، وبالتالي فإن الكرة مجدداً تعود إلى ملعب الفصائل التي تعاني للأسف من غياب السلاح النوعي ومن فارق موازيين القوى بشكل لا يمكن أن يقارن حتى، وحتماً تعاني من الضغط الشعبي الهائل من أجل إيجاد مخرج مقبول.

لكن من قال إن إنقاذ الناس والثورة هي مهمة الفصائل العسكرية وحدها اليوم، حتى وإن كانت هذه الفصائل تتحمل، وخاصة تلك التي حاربت الفصائل الأخرى وفككت كثير منها، المسؤولية الأكبر عما آل إليه الوضع اليوم؟

إن كل مؤسسات وقوى المعارضة السياسية والمدنية مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى من أجل العمل على اجتراح حلول تحفظ أرواح الناس في إدلب وكرامتهم بطبيعة الحال، فحتى الآن لا تبدو الخيارات التقليدية كافية، أما المحاسبة، فيمكن تأجيلها بعض الوقت اليوم طالما أن الجميع يؤجلها منذ سنوات، دون أن يعني ذلك براءة ذمة لأحد.

تلفزيون سوريا

——————————-

إعادة رسم قواعد اللعبة في إدلب/ علي حسين باكير

في وقت مبكّر من فجر الأمس، قامت قوات النظام بقصف نقطة مراقبة تركية في إدلب (محيط بلدة سراقب) ما أدى الى مقتل 6 أتراك (٥ جنود ومدني) وجرح 7 آخرين. الرد التركي جاء سريعاً، إذ أمطر سلاح المدفعية والهاون مواقع لنظام الأسد بمئات الضربات أدت لـ تحييد 76  عنصراً من النظام. وكشف الرئيس التركي أنّ مقاتلات (إف-16) تركيّة شاركت كذلك في الهجوم ردّاً على الاعتداءات التي وقعت، فيما أكّد متحدّث باسم وزارة الدفاع التركية أنّ أنقرة ستستخدم حق الدفاع المشروع عن النفس حال تعرّضها لأمر مماثل أيضاً.

وبالرغم من أنّ وزارة الدفاع التركية كانت قد أوضحت بشكل قاطع في 29 من كانون الثاني، بأنّ أنقرة سترد دون تردّد على أي محاولة تهديد لنقاط المراقبة التركية في المنطقة”، إلاّ أنّ نظام الأسد قرّر استهداف نقطة تابعة للجيش التركي قرب سراقب. هذا يعني أنّ القصف جاء إمّا بنيّة اختبار مدى جدّية الموقف التركي وإلى أي مدى من الممكن لأنقرة أن تذهب في هذا الاتجاه، وإمّا لردع أنقرة وتحذيرها من أنّ دعمها للعمل العسكري للمعارضة المسلّحة لن يمر دون ثمن.

هذا التصعيد العسكري غير المسبوق بين تركيا ونظام الأسد جاء بُعيد الهجوم المضاد الذي شنّته المعارضة السورية المسلّحة متمثلة ب“الجبهة الوطنية للتحرير”، التابعة للجيش السوري الحر في ريفي حلب وإدلب ونجم عنه استعادة قريتين تقدمت إليها قوات الأسد بدعم روسي، ومقتل 70 عنصراً من قوات النظام. فُهم الهجوم على ما يبدو أنّه جاء بضوء أخضر تركي بعد تجاهل دمشق وموسكو التحذيرات التركية مؤخراً بشأن خرق نظام الأسد لوقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 12 من كانون الثاني متسبباً بقتل المزيد من المدنيين الأبرياء وبموجات نزوح كبيرة.

لطالما تحجّجت موسكو بأنّ أنقرة لم تُنفّذ كل التزاماتها المتعلقة بفصل المعارضة المعتدلة عن المسلّحة في إدلب، وأنّه لهذا السبب بالتحديد فإنّ النظام يمتلك الحق بمهاجمة ما يعتبر “إرهابا”. من وجهة نظر تركيا، فإنّ تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى عمل دقيق لكي لا يؤدي إلى وقوع عدد كبير من المدنيين وإلى موجات نزوح وتعقيدات إضافية، لكن في المقابل، فإنّ النظام السوري لم ينفّذ أيَّ شيء من الاتفاق الذي تم لا بخصوص الوضع على الأرض ولا بخصوص المسار السياسي، ولذلك فانّ تحجّج موسكو بهذه الذريعة أمر غير مبرر.

من الواضح أنّ النظام مستمر باتباع سياسة القضم والهضم بدعم من روسيا منذ مدة غير قصيرة. وإن حاولت الأخيرة التنصّل من هذا الموضوع، إلا أنّه بالنسبة للجانب التركي على الأقل، من غير الممكن لنظام الأسد أن يقرر ذلك من تلقاء نفسه. ماذا تريد موسكو من هذا التصعيد؟ لا تخفي روسي رغبتها في أن يسيطر نظام الأسد على كامل الأراضي السورية، وهي ربما ترى الآن في انشغال تركيا في عدد من الساحات الإقليمية فرصة مناسبة ربما لتسريع وتيرة ضم المزيد من الأراضي وتحسين موقع نظام الأسد.

وبالرغم من أنّ هناك اختلافات دائمة بين الطرفين التركي والروسي حول كيفية تنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه والمضي قدما إلى الأمام في الملف السوري، إلاّ أنّهما كانا يعملان دوماً على تجسير الهوّة بينهما في مثل هذه الحالات. لكن وبخلاف ما تمّ ذكره، فإنّ الخلاف الحاصل الآن في سوريا يبدو وكأنه الأكبر منذ أن اتفق الطرفان على العمل سوياً في سوريا منذ سنوات.

بخرقها خط تركيا الأحمر الأخير، كان لا بد من رد فعل للقول بأنّ المعادلة الحالية لا تستقيم وأنّ الاستمرار بها سيؤدي إلى انهيار شامل في سوريا، وإلى اندثار الاتفاقات التي عمل عليها الطرفان (أي تركيا وروسيا) للتوصّل إلى تسوية في الملف السوري. قد يكون باستطاعة الأسد حينها السيطرة على المزيد من الأراضي، لكنّ ذلك سيؤدي بالتأكيد إلى انهيار المسار السياسي وإلى عدم عودة اللاجئين وإلى مقاطعة عملية إعادة الإعمار والى تفاقم الوضع الميداني وإطالة أمد الأزمة السورية، ولن يكون ذلك بصالح موسكو بالتأكيد.

الوضع الحالي غير قابل للاستمرار. هناك حاجة إلى إعادة رسم قواعد اللعبة بين روسيا وتركيا لتحقيق التوازن المطلوب الذي من شأنه أن يدفع باتجاه تحقيق تقدّم حقيقي في الملف السوري. السؤال الذي سيطرح نفسه خلال المرحلة القادمة، هل روسيا مستعدة لذلك؟ وإذا ما رفضت، هل تركيا مستعدة للمواجهة حتى النهاية؟ وما هو موقف كل من أمريكا وأوروبا في هذه المعادلة؟ هل ستتدخل لدعم الموقف التركي أم ستبقى تشاهد مجدداً استلام روسيا وإيران لزمام المبادرة في سوريا؟

تلفزيون سوريا

————————

سقوط سراقب مؤشر جديد على المأزق التركي في سوريا/ وائل عصام

كما في كل هجوم يسبق سقوط مدينة استراتيجية في إدلب، ظلت آمال الكثير من الناشطين والمعارضين في سوريا، معلقة على «الضامن التركي» في وقف تقدم النظام، وكما في خان شيخون، وقبله في اتفاق التهدئة الروسي التركي في إدلب، يتم تضخيم فكرة الـ»قشة» التركية المنجية من غرق المزيد من مناطق المعارضة، في ظاهرة تبدو أقرب للإدمان على التعلق بمنقذ، وإن أشارت كل التجارب الماضية والحاضرة، لعدم نجاعة هذه المقاربة، التي تصر على أن تركيا «لن تسمح بسيطرة النظام على إدلب» .

وإذا عدنا قليلا، للفترة التي سبقت سقوط البلدة الاستراتيجية الأخرى في إدلب، خان شيخون، التي قاد سقوطها بيد النظام لسلسلة ضياع معرة النعمان، وصولا لسراقب، سنجد أن الأخبار المزيفة والمسيسة، والتحليلات الدعائية، كانت تنصب على وجود تدخل تركي سينقذ خان شيخون، وإن التعزيزات التركية التي دخلت لإدلب، ذهبت لإنقاذ خان شيخون من براثن النظام، كما تردد حينها حديث عن دور نقاط المراقبة التركية الجديدة حول خان شيخون في إعاقة تقدم النظام، قبل أن يسيطر النظام عليها، والسيناريو نفسه عن توقع التدخل التركي، وبث أخبار مفبركة وتحليلات غير رصينة، تتحدث عن دخول تعزيزات تركية تهدف لمواجهة النظام، ووقف تقدمه، وكأن نقاط المراقبة التركية الأربع المحاصرة منذ أسابيع بمناطق النظام، تمكنت من فعل شيء أصلا، حتى تتمكن التعزيزات من مواجهة النظام، حتى أضيفت ثلاث نقاط مراقبة تركية جديدة لسيطرة قوات النظام، بعد السيطرة على سراقب، هذه النقاط التي أثارت «جعجعة» حولها، باعتبارها مصممة لمنع تقدم النظام نحو سراقب، وكأن طبيعة التواجد التركي في إدلب، ضمن تفاهمات محددة مع روسيا، يسمح بدور لتركيا، وكأن هناك من لا يعلم أن كل البيانات العسكرية الرسمية التركية، تقول بأن كل تحركات ونقاط المراقبة التركية ثبتت إحداثياتها بالتنسيق مع روسيا مسبقا، ورغم ذلك، عندما بدأت أنقرة بنشر المزيد من النقاط، تعرضت لضربة من النظام، خسرت فيها تركيا 8 جنود، وصفها أردوغان نفسه بـ»الصفعة»، وكانت بالفعل ضربة مؤلمة للجيش التركي في سوريا وللمعولين على دوره داخل سوريا، فبينما كانوا يتحدثون عن تعزيزات تركية لتشكيل ثلاث نقاط مراقبة بسراقب، لوقف تقدم النظام، فاذا بـ8 جنود اتراك يسقطون قتلى، وإذا بهذه التعزيزات نفسها تصبح تحت الحصار من قبل النظام بعد السيطرة على إدلب. حتى الأنباء التي شاعت عن قصف تركي لمواقع النظام لمنعه من التقدم لسراقب، كانت غير صحيحة، واستندت لمصدر من المعارضة القريبة من تركيا، ورغم نشر الخبر نفسه من موقع سوري راصد، إلا أنه نقل عن المصادر نفسها، ذلك أن كل المواجهات التي وقعت بين تركيا والنظام، كانت متعلقة بالرد على حوادث محددة، كحادثة مقتل الجنود الاتراك الثمانية، وهذا كله ضمن «قواعد الاشتباك»، ولا تدخل في إطار منع تقدم قوات النظام، ولا دعم هجوم ضدها، وعلينا أن نتذكر أن العملية التي شنتها مجموعة من «الجيش الوطني» الموالي لتركيا قرب مدينة الباب، التي أطلق عليها «العزم المتوقد»، ودخلت فيها عناصر الجيش الوطني لقريتين قرب الباب، استمرت لساعتين فقط، شملت آلاف التغريدات، وصورا حماسية بـ»الدعس» على العلم الروسي، ومن ثم انسحب الفصيل الموالي لتركيا، من القريتين، وخبت نار «العزم المتوقد» بساعتين فقط!

من الواضح أن قدرة تركيا على العمل خارج تفاهماتها مع روسيا تبدو محدودة للغاية، فروسيا هي التي سمحت لها بالدخول لإدلب، وروسيا حولت الموقف التركي في سوريا، للتماهي مع سياسات إعادة شرعنة الأسد، وتحديدا بعد اعتذار أردوغان لبوتين بسبب إسقاط الطائرة الروسية، ومنها تراجع الموقف التركي معترفا بمحدودية إمكانياته في سوريا، مقابل التعاون بالملف الكردي، الذي لم تحصل فيه تركيا أيضاعلى الكثير، خصوصا بعد اتفاقين مع أمريكا وروسيا ، لم تتحقق فيهما أي تعهدات بسحب الأكراد من شمال سوريا، رغم الحملة الإعلامية أيضا التي رافقت هذين الاتفاقين، باعتبارهما نصرا لسياسات انقرة، قبل أن يتبين أن الطرفين الروسي والامريكي هما من حققا فقط اهدافهما من الاتفاق، فقام الروس بإدخال قوات من النظام السوري لمنبج، وغيرها من المواقع شمال سوريا، وحققت واشنطن وقفا فوريا للعملية التركية، بينما لم تحصل تركيا على المطلب الرئيسي، الذي نصت عليه الاتفاقيتان، وهو انسحاب الاكراد من شريط الـ 440 كيلومترا الحدودي، وهذا يدل بوضوح على ضعف النفوذ التركي في سوريا، مقابل نفوذ موسكو وطهران كقوى إقليمية، ويذكرنا ذلك بأن تدخل أنقرة في سوريا كان دائما محكوما بموافقة صريحة من طرفين تحكما بالسيطرة في سوريا، هما موسكو وواشنطن، قبل انسحاب معظم قواتها من شمال سوريا، وهو انسحاب سيتواصل حتى خروجها النهائي من سوريا مستقبلا.

من يعول اذن، على دور تركي في سوريا، عليه أن لا يبالغ في الإمكانيات التركية بالسياسة الخارجية في المشرق العربي، فبنية النظام السياسي التركي، وطبيعة تحالفاته المحلية في العراق وسوريا، لا تؤهله للعب دور كبير في هذين البلدين، مقارنة بإيران مثلا، فعلى سبيل المثال، وبمقاربة ميدانية محلية، يتبين أنه رغم وجود قوات تركية على الأرض في سوريا، بموافقة وتنسيق مع روسيا أو امريكا، إلا أن الفصائل السورية الحليفة لأنقرة ليس لديها إمكانيات قتالية عالية، ولا انضباط إداري يمكنها من تحقيق تقدم عسكري، بدون وجود الجيش التركي لجانبها، مقارنة بالفصائل الجهادية كتحرير الشام غير الخاضعة لانقرة، والمصنفة إرهابية لديها، وإن احتفظت بعلاقات تنسيق من باب الندية، وليس الارتباط والدعم، كما الحال مع فصائل درع الفرات و»الجيش الوطني»، وسلوك هذه الفصائل المرتبطة بتركيا، وتجاوزاتها من سرقات وانتهاكات في المناطق التي تسيطر عليها تركيا في درع الفرات وغصن الزيتون، يشي بأنها غير مؤهلة لامتلاك زمام أمورها، بدون وجود الجيش التركي، بينما وبالمقارنة مع محور طهران، تمكن حلفاء إيران في سوريا من ميليشيات عراقية وافغانية ولبنانية، وايضا قوات النظام، من تحقيق تقدم عسكري، بدون وجود اي قوة عسكرية ايرانية إلى جانبهم.

والمطلع على كواليس وتسريبات بعض الاجتماعات التركية الرسمية، سيجد أن هناك استياء كبيرا من سلوك هذه الفصائل الحليفة في مناطق درع الفرات وتذمرا من ضعف إمكانياتها القتالية. لكن هذا لا يعفي أنقرة ايضا من مسؤوليتها، فيما يتعلق بإدلب، ورغم أن تركيا ليست ملزمة بالنهاية بالتضحية بمصالحها وجنودها في سبيل بلد اخر كسوريا، إلا انها ارتضت كدولة، أن تكون راعية وضامنة لأربع مناطق خفض تصعيد في سوريا، في ريفي دمشق وحمص ودرعا، سقطت ثلاث منها والرابعة في إدلب على الطريق، وهذا مثال جديد على محدودية القدرة التركية وسوء تقدير سياساتها في ملفات العراق وسوريا، والأخطر من ذلك، أن تصريحات مسؤوليها المتضخمة بالتهويل، وآخرها تصريحات الرئاسة التركية، التي أكدت عدم السماح بتقدّم النظام، والمطالبة بوقف هجماته وانسحاب النظام لما قبل حدود اتفاق أستانة، وكذلك التصريحات السابقة منذ بدء الثورة، بعبارات مثل «دمشق خط أحمر وحلب خط أحمر»، كل هذه المواقف والتصريحات الرسمية، وضعت المصداقية الرسمية للحكومة التركية موضع شك واتهام، تصل لمرحلة اتهام تركيا بالتواطؤ مع روسيا لإسقاط إدلب، وهذا بالطبع غير صحيح، ومجرد قوالب يرددها العقل نفسه المتخبط بين التعويل على المنقذ التركي في الصباح والاتهام بالتواطؤ لإسقاط إدلب في المساء! بدون النظر بموضوعية للإمكانيات المحدودة لتركيا في سوريا، وأيضا لمدى اولوية إدلب مقارنة بالمناطق الكردية بالنسبة لأنقرة، ومدى القدرة التركية على تنفيذ سياساتها بدون تكلفة كبيرة، بوجود قوى منافسة لها تمتلك السيطرة الاكبر في سوريا كموسكو وطهران.

ولكن تساؤلات عديدة تعود لتطرح من أجل تفسير مأزق تركيا في سوريا، فكيف يمكن لأنقرة أن تكون جزءا من أستانة في سوريا، بالشراكة مع حلفاء النظام الحربيين، طهران وموسكو، وفي الوقت نفسه انتظار نتائج تفضي لغير تمكين النظام في سوريا؟ وكيف اعتقدت أنقرة أنه يمكنها الدخول في اتفاق كاستانة التي تعمل صراحة على تمكين «الدولة السورية» من استعادة أراضيها، وقامت بإدخال قواتها ضمن هذا التفاهم، وإطلاق تصريحات تركية رسمية لأكثر من مرة ترحب حينا، ولا تمانع حينا بـ»استعادة الدولة السورية السيطرة على اراضيها» ومن بعد كل هذا من التماهي مع السياسة الإيرانية والروسية، تقوم بمطالبة روسيا بوقف هجوم النظام ويمكن لنا أن نطرح سؤالا فنيا هنا، يتعلق بنقاط المراقبة التركية، إذ يبدو من الغريب الإصرار التركي على إبقاء نقاط المراقبة التركية، التي لا تقوم بعملها أصلا في منع الخروقات على منطقة خفض التصعيد في إدلب، فما بالنا ونحن نتحدث عن حصار هذه النقاط، ولعل هذا المصير الذي تحدثنا عنه منذ أكثر من عامين، كان متوقعا منذ أن بدت هذه النقاط بلا فعالية، حتى قبل بدء الهجوم على إدلب، عندما كان النظام يقصف قرى وبلدات إدلب بشكل منهجي، بوجود هذه النقاط التي ظلت «تراقب» .

من الواضح أن جل الاهتمام التركي ينصب على الخوف من تدفق اللاجئين السوريين من إدلب لاراضيها، وليس من تقدم النظام لاستعادة السيطرة، وأبسط دليل على ذلك، أن أنقرة لم تعترض تقريبا على سقوط ثلاث مناطق خفض تصعيد في ريفي دمشق ودرعا وحمص، هي اكثر أهمية استراتيجية من إدلب، بينما علت النبرة التركية معارضة لهجوم إدلب، خوفا من خطر تدفق اللاجئين على حدودها، رغم أن من المفترض أن تخشى من تقارب بين علويي انطاكيا العرب، مع النظام السوري ذي الهيمنة العلوية، حال سيطر النظام على الطرف السوري من الحدود، المطل على محافظة هاتاي/انطاكيا، ولكن يبدو أن الأمن القومي التركي لا يرى بالعلويين تهديدا لضآلة حجمهم السكاني، مقابل التهديد الكردي على الجانب الآخر من الحدود التركية السورية، التي جاهدت تركيا من أجل إنشاء منطقة عازلة من اللاجئين العرب لمنع اتصال السكان الأكراد جنوب تركيا، مع القوى الكردية الانفصالية شمال سوريا، وهو المشروع الآخر الذي ظل يدور في إطار التمنيات، مشروع «المنطقة الآمنة التركية» شمال سوريا، وهو مثال اخر على التقديرات غير السليمة لمسارات النزاع السوري، المعتمد على التعويل المبالغ فيه على «القشة» التركية المنقذة من الغرق، بدلا من التفكير بصناعة قارب نجاة!

القدس العربي»

——————————-

ركاكة الشراكة الروسية – التركية – الإيرانية في سوريا بأبعادها الإقليمية/ راغده درغام

ليسوا وحدهم شركاء تفاهمات “استانا” حول سوريا في حلقة الشكوك المتبادلة والتموضع على حساب الآخر إقليمياً عبر البوابة السورية، بل ان اللاعِبيّن الأميركي والإسرائيلي يتداخلان مع الثلاثي الروسي – الإيراني – التركي ميدانياً وفي إطار التنافس الاستراتيجي الإقليمي. الرئيس السوري بشار الأسد ما زال حيويّاً للديبلوماسية الروسية لأنه مفتاح شرعنة تواجدها في سوريا عسكرياً واستراتيجياً على أساس أن هذا التواجد أتى بدعوة من الحكومة السورية عكس الغزو والاحتلال الأميركي للعراق – من وجهة النظر الروسية. قد يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فخوراً بإنجازاته في سوريا وعبرها انطلاقاً من استعادة الهيبة الروسية التي كان الغرب حاول اقتلاعها عبر البوابة الليبية وانتهاءً بالتموضع استراتيجياً على البحر الأبيض المتوسط في قواعد عسكرية شبه دائمة لعقود.

لكن فلاديمير بوتين ليس في منتهى الاطمئنان لأن سوريا ما زالت مشروع تورّط في مستنقع أو في مواجهات اما في استنزاف وهو لا يثق بالنوايا والإدعاءات الأميركية ولا بشريكيه الإيراني والتركي في الميدان السوري. علاقته مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم تكن يوماً منبثقة من ارتياحٍ له بل رافقتها دوماً الشكوك بغاياته ونزاهته وطموحاته والاضطراب من شخصيته. فما يجمع الرجلان من قاسمٍ مشترك يفرّقهما إذ أن كلاهما مصابٌ بالغرور والغطرسة ولا يطيق الآخر في عمقه.

ما حدث هذا الأسبوع من اشتباكات روسية – تركية في سوريا كان متوقعاً وهو خطير. الأخطر لربما آتٍ لأن مشروعي بوتين وأردوغان يتضاربان جذرياً إقليمياً فيما يتعاونا سورياً. فأردوغان يتبنّى عملياً إدارة طموحات جماعة “الاخوان المسلمين” ويدفع بها بأي ثمنٍ كي تشق له طريقه الى مجد قيادة السُنّة. أما بوتين فإنه يعتبر هذه الجماعة وكل أدوات القتال السنّي التي يستخدمها أردوغان إرهابية وتدميرية بما في ذلك للطموحات الروسية. طاقة بوتين على تحمّل مشاريع القيادة الإسلامية تتّسع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية أكثر من هضمها للمشاريع التركية بالرغم من أن كلاهما شريك ميداني في سوريا.

فإيران حليف استراتيجي لروسيا تكرّس أذرعها للقتال بجانب روسيا دعماً للنظام في دمشق، لكنها تبقى بحسب التفكير الروسي شريكاً صغيراً junior يسبّب لها مشاكل كبيرة. علاقة روسيا بإسرائيل، مثلاً، متطوّرة بالذات في سوريا، مما لا يناسب إيران، وهناك علاقة شخصية بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الذي نجح بأن يبدو مدلّلاً ليس فقط لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بل أيضاً لدى بوتين وأردوغان معاً، حسب مزاعمه. فلقد صرّح نتانياهو هذا الأسبوع ساخراً أن أردوغان يسمّيه “هتلر” لكن التجارة بين إسرائيل وتركيا “منتعشة”.

وفي خِضمّ المعركة بين تركيا من جهة والمحور الذي يضم النظام وإيران وروسيا، قصفت إسرائيل مواقع سورية – إيرانية بقرب دمشق في أول غارات لها منذ اغتيال قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني في مؤشر على عزمها قطع الطريق على ترسيخ التموضع الإيراني في سوريا. إزاء هذا المشهد المتداخل والمعقّد، يطلّ العملاق الأميركي حيناً بصورة مباشرة ويلقِي بظِلاله حيناً على مشاريع الآخرين وهو اليوم يزهو بثوبٍ جديد يرتديه دونالد ترامب في أعقاب إنهاء جهود عزله واثقاً أن الولاية الثانية في جيبه وأن عواصم العالم في صدد إعادة رسم سياساتها على أساس بقائه في البيت الأبيض لخمس سنوات مقبلة.

أولى العواصم التي تدقّق اليوم في خياراتها هي طهران التي استمرت في الرهان على احتمال عزل ترامب ورسمت سياساتها على تمنياتها بعودة الحزب الديموقراطي الى البيت الأبيض. الآن، الأرجح ألاّ ينتصر منطق التيار المتشدّد المتمثّل في “الحرس الثوري” و”فيلق القدس” في هذه المرحلة الانتقالية بالرغم من أنه يتمتع بدعم مرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي. فالجمهورية الإسلامية تحتاج الى إعادة النظر في وضعها الداخلي والإقليمي والدولي ولذلك تختار التهدئة المرحلية لدراسة الخيارات المتاحة وتدعو شركائها مثل “حزب الله” في لبنان الى ضبط وتيرة التصعيد بما في ذلك التصعيد اللفظي على نسق تعهّد الأمين العام حسن نصرالله بإعادة الأميركيين “أفقياً” الى بلادهم عبر النُعوش.

طهران مضطرة الى احتواء الضرر بقدر الإمكان في الساحة اللبنانية حفاظاً على سلطتها هناك لأن الساحة العراقية تخرج عن سلطتها عبر الانفلات الأمني وعبر الانقلاب على المشاريع الإيرانية للعراق. لجأت الى القمع كوسيلة لاحتواء الثورة عليها في العراق وستفعل ذلك في لبنان إذا اضطرت. لكنها تفضّل وتعمل على احتواء الثورة اللبنانية بوسائل أخرى تجنّباً للوقوع في فخ القمع الذي سيكلّفها غالياً سيما وأن النظام في طهران مضّطر لقمع الانتفاضة الداخلية عليه لأنها تهدّد مصير بقائه.

المصادر المقرّبة من التفكير في طهران أفادت أن القيادة الإيرانية تعتبر ان الوضع الراهن لصالحها ما بعد تشكيل الحكومة الجديدة على هوى “حزب الله”، وهي تريد تدعيم سلطة “حزب الله” على لبنان. لذلك، وبالرغم من الضيقة المالية التي تواجهها، تعتزم طهران توفير جرعة دعم مالية الى “حزب الله” كي لا يبدو هشّاً وكي يثبّت قاعدته الشعبية. وقالت هذه المصادر ان إعادة توزيع ميزانية المشاريع الإقليمية الإيرانية اضطرت بطهران الى الاقتطاع من ميزانية اليمن لتحويلها الى ميزانية لبنان والعراق، ثم سوريا.

القيادة الإيرانية منشغلة بقراءة ماذا سيفعل دونالد ترامب ما بعد انتصاره على مشاريع عزله وما هي خطواته التالية نحوها سيما وأنها مستمرة في برنامجها النووي. هذه القيادة كفّت عن الحلم بانقاذٍ أوروبي لها من ورطة العقوبات بالرغم من إصرارها العلني على إعطاء أوروبا الفرصة الأخيرة قبل أن تأخذ الخطوة الكبرى بإعلان انسحابها من الاتفاقية النووية وربما أيضاً من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.

وهي تعي تماماً ان توعّدات دونالد ترامب وإنذاراته لها بألاّ تُقدِم على مثل تلك الخطوة ليست مجرد تهديدات لفظيّة وإنما يتم اتخاذ الاستعدادات لتنفيذها بإجراءات عقابية بأبعد من العقوبات الاقتصادية والحصار، إذا لم تتوقف طهران عن برنامجها النووي.

فالجمهورية الإسلامية الإيرانية فعلاً مطوّقة أكثر وأعمق بوضوح أرجحية فوز دونالد ترامب بولاية ثانية كرئيس للولايات المتحدة. أمامها اما الانتحار إذا انتصر التصعيد والانتقام حفاظاً على استمرارية منطق النظام، كما هو. أو إصلاح وتعديل ذلك المنطق والدخول في مفاوضات على اتفاقية جديدة مع الولايات المتحدة تشمل الشق النووي والصاروخي وكذلك شق التوسّع الإقليمي في الجغرافيا العربية.

ثم ان طهران تواجه صعوبة في شراكاتها مع روسيا بالرغم من ثبات مبدأ التحالف ميدانياً في سوريا – منها ما يتعلق بالبُعد الإسرائيلي ومنها ما يصب في خانة افتراق المشروعيّن الروسي والإيراني في سوريا بالرغم من التقائهما على دعم الأسد.

روسيا، بحسب مصادر روسية، تثمِّن علاقاتها مع إيران وتعتبرها شريكاً أساسياً في “مكافحة الإرهاب” كما تراه موسكو. أي أن الانتصار على “داعش” وعلى “جبهة النصرة” في سوريا أتى جزئِياً “بفضل” إيران و”حزب الله” حسب التفكير الروسي. لكن انفتاح روسيا على الدول الخليجية العربية – الى جانب مصر – والذي يُزعج الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن يتوقف، والكرملين ليس راغباً بتشجيع مشروع “الهلال الفارسي” عبر امتداده في سوريا. وهنا يلتقي مع البيت الأبيض، وكذلك مع إسرائيل.

موسكو تشكك دوماً بالإعلان الأميركي عن انسحاب من سوريا وهي ترى أن “استمرار الوجود الأميركي هو الذي يعرقل خريطة الطريق الى تطبيع الأوضاع في سوريا” حسب المصدر المطّلع على السياسة الروسية. وبالتالي أن “إمكانية التفاهم مع الأميركيين ضئيلة، وعملياً غير متوفرة”. ولكن، ان “التصادم بين روسيا وأميركا غير واردٍ” في سوريا “وهذا أساسي” يقول المصدر ويضيف “الأميركيون موجودون ونحن لن نتصادم معهم”.

روسيا لا تريد أن تتصادم مع تركيا أيضاً نظراً للاحتياج لها. لذلك ان صياغة الأوجه الجديدة من التعاون بين موسكو وأنقرة واردة بالرغم من وقوع الاشتباكات العسكرية خلال المعركة على أدلب – المعركة الضرورية والمصيرية بالنسبة لبشار الأسد التي تخوضها روسيا معه.

إنما كما كانت تركيا أساسية في فوز روسيا بحلب وانتصارها في تلك المعركة المصيرية لها، ان أدلب رئيسية في التجاذبات الروسية – التركية على أنقاض السوريين بمشاركة نظام الأسد. لذلك يعضّ بوتين على شفته أمام استفزازات أردوغان له ليس فقط في سوريا وإنما أيضاً في مواقفه نحو أوكرانيا ومشاريع توسّعه العسكري في ليبيا.

ليببا باتت ساحةً لتصدير المرتزقة والإرهابيين والمقاتلين الخارجين من سوريا ليكونوا حجارة في لعبة الاستقطاب. رجب طيب أردوغان يستخدم ليبيا اليوم ترويجاً لطموحاته الاقليمية وزعامته لمشروع “الإخوان المسلمين” الذي يريد تنميته وتقويته وتغذيته ليضرب استقرار السعودية والإمارات والدول المجاورة لليبيا وفي مقدمتها مصر. بوتين يعارض توجهات أردوغان في ليبيا، وفي هذا الموقف انه أكثر قرباً من مصر والدول الخليجية العربية المعنية مما هو من تركيا ويلعب دوراً بجانب هذه الدول في المسألة الليبية.

من سوريا الى ليبيا الى العراق ولبنان تتعارض أولويات شركاء عملية “استانا” وتتداخل الاشتباكات بالديبلوماسية وبالمصالح المتضاربة عبر ضبط إيقاع التفاهمات حيناً وعبر الاضطرار الى التأقلم مع الفيل الضخم الحاضر الغائب في الغرفة. فالجميع يتأهّب وينظر خلف كتفه لأنه يعي اليوم ان العقوبات التي اعتمدها دونالد ترامب كسلاحه الأول ضد أطراف “استانا” – لاعتبارات خارج أو داخل النافذة السورية – إنما هو من أكثر الأسلحة حدةً وفتكاً ودفعاً الى حتمية أخذ العلم بالمواقف الأميركية ببالغ الجديّة، والى اعادة النظر.

——————–

مباحثات تركية روسية وسط تقدّم النظام بريفَي إدلب وحلب

عمر جابر، عدنان أحمد

واصلت قوات النظام السوري تقدّمها في ريفَي إدلب وحلب، بعد دخولها أمس الجمعة إلى مدينة سراقب المحورية، لتقترب أكثر من السيطرة على كامل الطريق الدولي دمشق – حلب، أحد أهم أهداف حملتها الراهنة في الشمال السوري، إضافة الى طريق حلب – اللاذقية الذي سيطرت على أجزاء واسعة منه أيضاً، ومن المتوقع أن تتجه عملياتها العسكرية نحوه في المرحلة التالية.

في الأثناء، أدخلت تركيا المزيد من التعزيزات العسكرية إلى الأراضي السورية، في وقت انطلقت في العاصمة التركية أنقرة، اليوم السبت، الاجتماعات التقنية والفنية بين روسيا وتركيا، في إطار المشاورات التي تتناول التطورات في إدلب، ومناقشة سبل إيجاد حلّ بعد تصاعد التهديدات التركية للردّ على تقدم النظام السوري في المنطقة.

ووصل الوفد الروسي الرفيع من هيئة الأركان ووزارة الخارجية، بحسب مصادر تركية مطلعة لـ”العربي الجديد”، إلى العاصمة أنقرة مساء أمس الجمعة، لتبدأ اليوم صباحاً الاجتماعات بين الطرفين.

وتشمل أجندة المناقشات، التطورات في المنطقة، وتحضيرات للقاء الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال الفترة المقبلة.

وارتفعت وتيرة التهديدات التركية لقوات النظام السوري التي فرضت سيطرتها على مدينة سراقب، بدعم جوي كثيف من الطيران الروسي، فيما سرعت أنقرة وموسكو، اللتان تبادلتا سابقاً اتهامات بخرق الاتفاقيات بشأن إدلب، من محاولاتهما للتوصل إلى اتفاق جديد بشأن المنطقة.

وبدأت مباحثات الوفد رفيع المستوى من هيئة الأركان الروسية في أنقرة اليوم، بعد ساعات من تلقي وفد روسي آخر رسالة تهديد بأن تركيا جاهزة للتصعيد إذا لم تحصل تطورات في المفاوضات مع الروس.

وكان وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، قال في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره السلوفاكي أمس الجمعة، إنّ الوضع في إدلب سيُبحَث مع الوفد الروسي، مؤكداً أن تركيا ستقوم بكل ما يلزم لوقف المأساة الإنسانية في إدلب، حيث أجبرت أعداد كبيرة من المدنيين على ترك منازلها.

وقال مراسل “العربي الجديد” إن قوات النظام السوري في ريف إدلب الشرقي بدأت عملية عسكرية جديدة بمحاذاة الطريق الدولي (حلب – حماة)، انطلاقاً من مواقعها شمال مدينة سراقب، مخترقة الحدود الإدارية لمحافظة حلب، وذلك بعد سيطرتها مساء أمس الجمعة على بلدات محاريم، وآجاز، وخواري، ومكحلة، وتل التباريز، التي تقع على الحدود الإدارية لمحافظتي إدلب شرقاً، وحلب جنوباً، وذلك بهدف السيطرة على الطريق الدولي بين مدينة سراقب وبلدة الزربة في ريف حلب الجنوبي.

وقالت وكالة “سانا” الرسمية إن قوات النظام سيطرت في ريف إدلب الشرقي على قريتَي محاريم وتل كراتين. ووسّعت هذه القوات، بحسب الوكالة، نطاق سيطرتها في ريف حلب الجنوبي لتشمل قرى زيتان، وبرنة، وحوير العيس، وأباد.

وأضافت الوكالة أن قوات النظام سيطرت في أقصى الريف الجنوبي لحلب على قرى حوير العيس، وأباد، وتل التباريز، بعد معارك عنيفة مع المسلحين، مشيرة إلى أنها تابعت عملياتها على مشارف الطريق الدولي حلب – حماة بسلاحي المدفعية والصواريخ.

ومع هذا التقدم، تكون قوات النظام قد سيطرت على كامل أجزاء طريق دمشق – حلب الدولي، داخل الحدود الإدارية لمحافظة إدلب، وبقي نحو 30 كيلومتراً فقط من الطريق بيد فصائل المعارضة في محافظة حلب، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. كذلك فإنها ضيقت الخناق على نقطة المراقبة التركية في بلدة العيس، بريف حلب الجنوبي.

ويُعدّ طريق “أم 5” من أطول الطرق في سورية، ويفصل محافظتَي دمشق وحلب على امتداد 356 كيلومتراً.

في غضون ذلك، دخل المزيد من التعزيزات العسكرية التركية إلى الأراضي السورية ليل الجمعة – السبت، قُدّرت بنحو 200 آلية عسكرية. وقال مصدر من المعارضة السورية لـ”العربي الجديد”، إن التعزيزات تشمل دبابات ومدافع ومدرعات وناقلات جند، وقد دخلت إلى محافظة إدلب عبر معبر قرية كفرلوسين على الحدود السورية – التركية، وتوزعت على مطار بلدة تفتناز العسكري شمال مدينة إدلب، ومدخل مدينة إدلب الشرقي، حيث أنشأ الجيش التركي يوم أمس الجمعة نقطة جديدة هناك في مبنى الإسكان العسكري، بالإضافة إلى إنشائه نقطة جديدة، صباح اليوم السبت، في معسكر المسطومة، التي وصلت إليها التعزيزات كذلك.

في غضون ذلك، قالت وزارة الدفاع التركية صباح اليوم الجمعة، إن نقاط المراقبة في إدلب تواصل مهامها، وهي قادرة على حماية نفسها.

ووفق إحصائيات المرصد السوري، فإنّ عدد الشاحنات والآليات العسكرية، من دبابات وناقلات جند ومدرعات وكبائن حراسة متنقلة مضادة للرصاص ورادارات عسكرية، التي دخلت الأراضي السورية منذ 2 فبراير/ شباط الجاري، وصل حتى الآن إلى أكثر من ألف، مع استمرار عملية الدخول تباعاً.

وأنشأ الجيش التركي، أمس الخميس، نقطة مراقبة عسكرية في مطار تفتناز العسكري شرق مدينة إدلب، بعد أن أدخل رتلاً عسكرياً مؤلفاً من 23 آلية عسكرية بينها دبابات ومدرعات.

في غضون ذلك، نعت مواقع موالية للنظام السوري دفعة جديدة من الضباط الذين لقوا حتفهم على محاور ريفي إدلب الشرقي وحلب الجنوبي، من بينهم ضابط برتبة لواء وآخر برتبة عميد، إضافة الى رتب أخرى.

العربي الجديد

——————————

مباحثات تركية ـ روسية حول إدلب في أنقرة اليوم

جهود لعقد جولة جديدة من آستانة الشهر المقبل

أنقرة: سعيد عبد الرازق

يجري وفد روسي مباحثات في أنقرة اليوم (السبت) بشأن الملف السوري تركز بشكل خاص على التطورات في إدلب، في وقت حذرت تركيا النظام السوري من الاقتراب من نقاط مراقبتها العسكرية هناك، مرجحة عقد جولة جديدة من مباحثات مسار أستانا خلال مارس (آذار) المقبل.

وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره السلوفاكي أمس (الجمعة): «سيتم بحث الوضع في إدلب مع وفد روسي غدا (اليوم السبت)». وأكد أنهم سيقومون بكل ما يلزم لوقف المأساة الإنسانية في إدلب، مشيراً إلى أن الوضع هناك ما زال مأساوياً وأن أعداداً كبيرة من المدنيين أجبروا على ترك منازلهم بفعل هجمات نظام الأسد.

وأضاف جاويش أوغلو أن تركيا ردت على هجمات النظام السوري بشكل مضاعف عقب مقتل 8 من الجنود الأتراك. ولفت إلى أن النظام السوري زاد من هجماته، قائلا: «إن الذين لا يؤمنون بالحل السياسي ويفضلون الحل العسكري مخطئون للغاية».

وأضاف الوزير التركي أنهم يعيدون تقييم المرحلة التي عملوا فيها مع روسيا، الضامن للنظام السوري، وأنه تم الاتفاق بعد إجراء عدد من الاتصالات مع المسؤولين الروس على بحث الوضع في إدلب مع الوفد الروسي القادم إلى تركيا، وسيتم عقد اجتماع على مستوى القادة في حال لزم الأمر عقب اجتماع الوفود.

وأكد أن هدف تركيا هو إيقاف «عدوان» النظام في أسرع وقت ووقف الاضطهاد، ومواصلة اجتماعات اللجنة الدستورية والإسراع بالعملية السياسية.

في الوقت ذاته، أعلنت الرئاسة التركية أنها تعمل على عقد جولة جديدة من مباحثات آستانة في مارس (آذار) المقبل، مؤكدة أن نقاط المراقبة التركية في شمال غربي سوريا ستبقى مكانها.

وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين: «نعمل حاليا على عقد جولة من مباحثات آستانة خلال الشهر المقبل.. نقاط المراقبة التركية شمال سوريا ستبقى في مكانها، وسنقوم بكل ما يلزم دون أي تردد لحماية جنودنا». وأضاف أن تركيا تنتظر زيارة وفد عسكري روسي للبلاد، لبحث التطورات في محافظة إدلب، مشيرا إلى أنه قد يتم عقد اجتماع على غرار آستانة، كما يمكن أن يلتقي الرئيسان التركي رجب طيب إردوغان والروسي فلاديمير بوتين، إلا أننا ننتظر زيارة الوفد العسكري الروسي حاليا.

واتهم كالين النظام السوري بانتهاك التفاهمات في إدلب مئات المرات، مضيفا: «سنرد على كل خطأ يرتكبه».

من جانبه، حذر مندوب تركيا لدى الأمم المتحدة، فريدون سينيرلي أوغلو، دمشق من أن تركيا ستدافع عن أمن جنودها في محافظة إدلب. وقال، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي أمس، إن نشر قوات تركية في محافظة إدلب يتم بالتنسيق مع روسيا، وإن الجيش السوري استهدف نقاطا عسكرية تركية يوم الاثنين الماضي، و«في النتيجة أجبرونا على نشر وحدات عسكرية إضافية لحماية نقاط المراقبة ولمنع تصعيد العمليات العسكرية في إدلب.. الآن يحاصر الجيش السوري عددا من نقاط المراقبة».

وأشار كالين إلى أن تركيا تؤمن بالحل السياسي لتسوية الأزمة السورية، وتعمل مع الأمم المتحدة على تسوية وفقا للقرار 2254، مضيفا أن «تركيا لن تتسامح مع الأعمال العسكرية.. أي عدوان عسكري يستهدف المصالح الأمنية لتركيا والجنود الأتراك سيتم الرد عليه بشدة».

وفي وقت سابق صرح الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان أنه دعا نظيره الروسي فلاديمير بوتين، إلى الضغط على دمشق لوقف الهجوم الذي يشنه الجيش السوري ضد المسلحين في إدلب

وفي غضون ذلك، نقلت وكالة «رويترز» عن مصدر أمني تركي، أمس، أن بلاده لا تعتزم سحب قواتها من نقاط المراقبة في محافظة إدلب، رغم وجود 3 نقاط منها في مناطق تخضع حاليا لسيطرة قوات الأسد. وقال المصدر إن أفراد الجيش التركي لا يواجهون مشكلات في سراقب وإن نقاط المراقبة في إدلب مجهزة للدفاع عن أفرادها.

وأنشأ الجيش التركي الأسبوع الماضي نقطتي مراقبة جديدتين حول سراقب في محاولة لمنع النظام من السيطرة عليها لكنها باتت الآن محاصرة من جانب قواته التي سيطرت على سراقب. وأوضح المصدر أن الدوريات التركية الروسية المشتركة في شمال شرقي سوريا تأجلت بسبب حالة الطقس وليس بسبب الهجمات في إدلب.

وكانت وسائل إعلام تركية ذكرت أن أنقرة قررت وقف الدوريات المشتركة مع روسيا إلى أجل غير مسمى بسبب هجوم النظام على الجنود الأتراك في إدلب الاثنين الماضي، ما أدى إلى مقتل 8 منهم. وواصل الجيش التركي إرسال تعزيزات عسكرية إضافية إلى نقاط المراقبة داخل محافظة إدلب. ووصلت أمس 150 عربة عسكرية وقوات «كوماندوز» وأسلحة وعتاد إلى نقاط المراقبة الاثنتي عشرة المنتشرة في منطقة خفض التصعيد في إدلب.

—————–

الكرملين يُعدّ لتوسيع حضوره في المنطقة بعد سوريا

سياسة بوتين في الشرق الأوسط… «كل الطرق يجب أن تؤدي إلى موسكو»

موسكو: رائد جبر

«الحدث في واشنطن والأنظار تتجه إلى موسكو»… تبدو هذا العبارة مُرضية للكرملين، بعدما ردّدها بعضهم معلقاً على مسارعة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى زيارة موسكو للحصول على دعم من الرئيس فلاديمير بوتين في اليوم التالي من الإعلان عن خطة الرئيس دونالد ترمب للسلام في الشرق الأوسط. أيضاً تصب العبارة في الاتجاه ذاته الذي تكرّس خلال الفترة الأخيرة، وبرز في أكثر من تعليق لخبراء مقربين من الكرملين: «كل الطرق تؤدي إلى موسكو، ولم يعد ممكناً العمل على تسوية أي ملف، إقليمياً كان أو دولياً، من دون أن يؤخذ رأي الكرملين في الاعتبار»!

هذا، برأي خبراء روس، ما أظهرته نتائج العام الماضي، والشهر الأول من العام الجديد الذي كان حافلاً بالأحداث على المستوى الإقليمي في الشرق الأوسط، وعلى المستوى الدولي أيضاً. ومن تطوّرات الموقف المتسارعة ميدانياً في سوريا… واقتراب ساعة «الحسم العسكري» في إدلب، إلى النشاط المتزايد حول الملف الليبي… وتصاعد الدور الروسي بقوة في محطات المفاوضات المتنقلة بين أنقرة وموسكو وبرلين، وانتهاءً بـ«الغموض» المتعمّد في موقف الكرملين حيال خطة السلام الأميركية، الذي رأى فيه كثيرون تحضيراً للعب دور أنشط في هذا الملف.

إزاء كل الملفات الشرق أوسطية الساخنة، يتعمّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الظهور بصفته الزعيم الذي يستقبل في موسكو عدداً كبيراً من اللاعبين المتعارضين وممثلي الأطراف الإقليمية والدولية، الذين يأتون مقرين بالدور الجديد الذي تلعبه موسكو.

ما عادت نادرة بيانات الكرملين التي تتحدّث عن إجراء اتصالات مع القيادة الفرنسية أو الألمانية لـ«بحث ملفات سوريا وليبيا والتسوية في الشرق الأوسط»، بعدما كانت هذه الاتصالات حتى وقت قريب تكاد تكون محصورة بالوضع في سوريا، وتطوّرات الموقف في أوكرانيا المجاورة.

وفي سوريا، أوحت تطورات الأسبوع الأخير، بأن موسكو اتخذت القرار النهائي بدعم الحسم العسكري في إدلب، مع ما يمكن أن يتبع ذلك من إعادة ترتيب «التوازنات» التي أقامتها موسكو في هذا البلد، وفقاً لمعايير جديدة. في هذا الإطار لم تخفّف الاعتراضات التركية التي وصلت إلى درجة اتهام موسكو بالنكوص عن التزاماتها في «اتفاق سوتشي» للتهدئة في إدلب، من اندفاعة الروس نحو دعم العملية العسكرية الجارية.

وكرّر الكرملين الرد على الاتهامات التركية بالحديث عن «التهديد المتزايد من جانب المسلحين في إدلب على المناطق المجاورة وعلى العسكريين الروس ما يستوجب مواجهة هذا الخطر». كما أعلن الوزير سيرغي لافروف أنه «لا تهاون مع الإرهابيين»، مشيراً إلى أن الطريق الوحيدة المتاحة هي أن «يستسلموا»… بينما على الأطراف الأكثر اعتدالاً في المعارضة السورية أن تختار «إما التراجع عن تحالفها مع جبهة النصرة أو تلقى المصير ذاته».

هكذا وضعت موسكو «معادلة» تطورات الموقف حول إدلب رغم الاعتراضات التركية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن موسكو تنوي التراجع عن «شراكتها» مع أنقرة، أو تقويض الجهد المشترك الذي قاد إلى المشهد الحالي. لقد حملت تطورات الأسبوع الأخير بعد «المواجهة المحدودة» بين الجيشين السوري والتركي في محيط إدلب، أوضح اختبار لمتانة التنسيق الروسي – التركي، ومدى إمكان أن ينهار هذا «التحالف» بسبب التطوّرات الميدانية المتصاعدة. وبرز خلال الأيام الماضية الجهد الروسي لمحاصرة الموقف وتعزيز قنوات الاتصال بين الجانبين.

اهتزاز الشراكة

تعكس تصريحات خبراء مقرّبين من الكرملين، قناعة بأن الشراكة الروسية – التركية قد تتعرض لبعض الهزّات، لكنها لن تشهد تراجعاً كبيراً، خصوصاً أن «ما يجمع البلدين أوسع بكثير من العناصر الخلافية». وهنا إشارة واضحة إلى أن المحافظة على اتفاقات ترتيبات الوضع في الشمال السوري، و«المنطقة التركية الآمنة» على الحدود، فضلاً عن التفاهمات على آليات التعامل مع طموحات المكوّن الكردي، والاتفاق حيال مسألة الوجود الأميركي في منطقة شرق الفرات… عناصر مشتركة لا تسمح لموسكو وأنقرة لتوسيع هوّة الخلاف كثيراً حول إدلب.

خبراء تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» رأوا أن موسكو تعمل على «تثبيت خرائط نفوذ جديدة، يجب أن تكون الحكومة السورية بموجبها أحكمت سيطرتها فعلاً على الجزء الأكبر من أراضي البلاد، وعلى المناطق الحدودية مع العراق وتركيا والأردن».

إلا أن هذا «السيناريو» يستدعي، من وجهة نظر خبراء، إيجاد «اتفاق سوتشي» جديد، يأخذ في الاعتبار التطورات الميدانية، ويحافظ في الوقت ذاته على مراعاة الهواجس الأمنية لتركيا. ثم إن الحاجة قد تظهر أيضاً لوضع ترتيبات جديدة للتعامل في إطار «محور آستانة» بعدما أدّت تحولات كثيرة إلى تغيير المشهدين الميداني والسياسي.

ميدانياً، لا يخفي محلِّلون روس أن إزاحة قاسم سليماني ستسفر عن تقليص التأثير الإيراني في سوريا لصالح تصاعد أكبر للتأثير الروسي. والتطوّرات الجارية حول إدلب ستقلّص التأثير التركي المرتبط بالمعارضة السورية إلى درجة كبيرة، ما يعني أن الوجود التركي سيكون مرتبطاً أكثر بالحاجة إلى ترتيبات أمنية في الشمال تستجيب للقلق الأمني من جانب أنقرة، وهذا أمر لا تعارضه موسكو بل تميل إلى تثبيته أكثر.

على هذه الخلفية، فإن موسكو قد تكون أمام استحقاق إعادة النظر في توازن المصالح الذي بنته في وقت سابق بين الأطراف المختلفة من طهران إلى أنقرة إلى تل أبيب على أساس الواقع الجديد. في المقابل، يبقى الوجود العسكري الأميركي في منطقة شرق الفرات، رغم محدوديته، مؤثراً جداً على الخطط الروسية، ويظلّ العنصر الأبرز المقلق لروسيا لأنه يسفر عن الحد من قدرة روسيا على الترويج لخططها وبرامجها، لا سيما على صعيدي إعادة الإعمار وإعادة اللاجئين، لأن هذا يتطلب دعماً دولياً واسعاً لا يمكن توفيره مع المواجهة الروسية – الأميركية القائمة حالياً. وهذا يفسّر تشديد الخارجية الروسية على القول قبل يومين إن «واشنطن تعرقل تطبيع الوضع في سوريا».

تعنّت نظام دمشق

من ناحية أخرى، تواجه موسكو في سوريا مع الوقائع الجديدة مشكلة جدية أخرى، برزت بقوة في الفترة الأخيرة… وهي تتمثل في مواقف النظام «المتعنتة» التي غدت بدورها عاملاً معرقلاً للخطط الروسية.

لقد برزت خلال الأسابيع الماضية رسائل وجّهتها موسكو، بوسائل مباشرة حيناً أو غير مباشرة أحياناً أخرى، عكست تزايد الضيق الروسي من أداء سلطات دمشق. وبين ذلك، آليات التعامل مع الأزمة الاقتصادية المعيشية على خلفية امتناع دمشق عن الإصغاء لـ«نصائح» موسكو حول ضرورة تعزيز التعاون مع الجهات الدولية المختصة، فضلاً عن العرقلة المتواصلة لعمل «اللجنة الدستورية» التي ترى فيها موسكو «المدخل الصحيح وبداية التسوية السياسية».

وفي أعقاب بروز عدد كبير من العناصر التي دفعت أوساطاً روسية إلى انتقاد «قلة النظام في إطلاق إصلاحات جدية على المستوى الداخلي، ما يعرقل جهود موسكو في تعزيز آليات المصالحات وتطبيع الموقف على الأرض»، اضطرت موسكو خلال الأسبوع الماضي إلى إيفاد المبعوث الرئاسي ألكسندر لافرنتييف، يرافقه نائب وزير الخارجية سيرغي فيرشينين وعدد من العسكريين الروس، إلى دمشق للقاء الرئيس بشار الأسد، وحمله على إنجاح زيارة المبعوث الدولي غير بيدرسن إلى دمشق.

ولفتت مصادر تحدثت إليها «الشرق الأوسط» إلى أن الزيارة «جرى ترتيبها على جناح السرعة بهدف إبلاغ رسالة روسية إلى القيادة السورية بضرورة إنجاح مهمة المبعوث الدولي». وهذا، خصوصاً، على خلفية بروز استياء روسي من «مماطلة الحكومة في دفع نشاط اللجنة الدستورية وتقديم الدعم الكافي للمبعوث الدولي».

رامي الشاعر، الدبلوماسي السابق والخبير المطلع على ملفات العلاقة الروسية – السورية، «يتفق تماماً بأن هدف الزيارة التأثير على دمشق لحملها على إبداء مستوى أكبر من الجدية في التعامل مع مهمة المبعوث الدولي». ولفت الشاعر إلى أن بين أهداف الزيارة إيصال رسالة إلى دمشق بأن تفعيل عمل الأمم المتحدة يسهّل إيجاد آليات لتخفيف معاناة الشعب السوري، لافتاً إلى أن الأزمة الاقتصادية والمعيشية لا يمكن مواجهتها من دون دفع عمل الأمم المتحدة وحشد التأييد للجهد الدولي في هذا الاتجاه». وتابع: «ما زالت هناك أطراف داخل النظام تحاول عرقلة عمل المبعوث الدولي وتحاول استخدام آليات غير جدية ما يفاقم من المشكلات الاجتماعية والمعيشية للسوريين». وأشار إلى تحذير روسي من أن استمرار الوضع الحالي قد يدفع المجتمع الدولي إلى طرح ملف شرعية النظام مجدّداً على طاولة البحث.

التدخل في ليبيا

في سياق موازٍ، يتفّق خبراء في روسيا على أن التدخل المباشر لموسكو في الأزمة الليبية، الذي بدأت ملامحه تتضح وتزيد في الفترة الأخيرة، أعاد قلب الأوراق وتغيير موازين القوى، وبالأخص، أنه جاء هذه المرة من خلال اتفاق روسي – تركي لضمان وقف النار وإطلاق آلية للحوار بين الأطراف المتنازعة. وصحيحٌ أن موسكو وأنقرة فشلتا في إطلاق الحوار المنتظر خلال جولة مباحثات مطولة عقدت في موسكو أخيراً، إلا أن دخول «اللاعب الروسي» على خط الأزمة الليبية بات أكثر وضوحاً وثقة من السابق.

ثمة تحليلات تقول إن روسيا وتركيا استغلتا فشل الغرب في الأزمة الليبية لتضعا آلية خاصة بهما ضامناً لقرار سياسي في المستقبل. وهذا، في إشارة إلى تشكيل «تحالف براغماتي» جديد بين البلدين، رغم تعارض وجهات نظرهما حول الأزمة وتباين أهدافهما النهائية منها.

وحقاً، بعد 9 أشهر من بدء معركة «تحرير العاصمة الليبية»، أظهر الروس والأتراك أنهم قادرون على التأثير بشكل مباشر على الأحداث على هذه الجبهة، بل وقادرون أيضاً على التناوب في لعب الأدوار بين التصعيد والهدوء. هذا يشكل تغييراً أساسياً في قواعد اللعبة الخاصة بالأزمة الليبية. ودفع هذا التغيير إلى عقد مقارنات مع سيناريو «مسار آستانة» السورية، وتوقع بروز «محور آستانة جديد خاص بالأزمة الليبية»، مع أن لدى الطرفين مداخل متباينة في التعامل مع الأزمة، ومع أطرافها الأساسيين. ففي حين لا تخفي أنقرة دعمها «حكومة الوفاق» وتواصل إرسال السلاح والعتاد و«المرتزقة»، في مخالفة صريحة لمُخرجات «مؤتمر برلين» وللقرارات الدولية السابقة، فإن موسكو متهمة بأنها تقف على الطرف النقيض وتقدم كل أنواع المساعدات لقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، بما في ذلك على صعيد إرسال «مرتزقة روس» للقتال إلى جانبه. لكن، مع كل هذا، وجد الطرفان نقطة انطلاق لـ«عمل مشترك».

في هذا الصدد، تشير تقديرات خبراء روس إلى أنه بالنسبة لأنقرة، تمثل ليبيا بشكل أساسي نقطة انطلاق لخطة استراتيجية تغطي آفاقاً أوسع نطاقاً. والمشاركة العسكرية في طرابلس تمنح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان القدرة على تعزيز أوراقه التفاوضية، بما في ذلك مع روسيا. ووجهة النظر هذه تقوم على أساس أن إردوغان يرى في روسيا «شريكاً ضرورياً» لاستعادة التوازن في علاقاته المتآكلة مع الغرب. وهو يدرك أن موسكو انطلقت في موقفها المندفع في سوريا من شعور بالخيبة لأن الغرب استخدم قرار مجلس الأمن عام 2011 للإطاحة بالنظام الليبي من دون استشارة موسكو في هذا التطوّر. وهذا يعني أن «عودة موسكو إلى الملف الليبي ضرورة أساسية للكرملين الذي كان قد تكلم مراراً عن خطأ التدخل الغربي في هذا البلد»، كما أنها توفر لبوتين مجالاً جديداً لتوسيع الحضور الإقليمي لبلاده.

بيد أن الرهان على أن «المحور التركي – الروسي» الذي يعمل بشكل جيد في سوريا، ليس كافياً من وجهة نظر بعض الخبراء، الذين يلاحظون أن «مسار آستانة» السوري غدا ممكناً فقط عندما أدرك الأتراك أنهم خسروا بشكل رئيسي بعد التدخل الروسي المباشر في سوريا.

في كل الأحوال، يرى خبراء أنه ليس هناك أدنى شك في أن روسيا أدركت منذ وقت طويل الموقف الحساس لتركيا تجاه مناطقها الحدودية وقلقها المتزايد إزاء ضعف مواقفها. لذلك، قرّرت موسكو «بشكل معقول» إشراك أنقرة في تسوية النزاع، بدلاً من العمل على عزلها. وكنتيجة لذلك، تمكن الجانبان من التفاهم على أولوياتهما في سوريا.

على صعيد آخر، مع الإقرار بحقيقة أن ليبيا توفر منصة جديدة للاندفاعة الإقليمية لروسيا، فإن أسئلة كثيرة برزت حول مدى قدرة موسكو وأنقرة على العمل بشكل مشترك في هذا البلد، لأن «فكرة روسيا الثأرية القائمة على دعم الجيش الوطني تتطلب مقاربة أكثر دقة»، ووفقاً لكثير من الخبراء الروس، فإن موقف موسكو من القضية الليبية ما زال غامضاً، إذ يقول أندريه شوبريغين، الأستاذ في المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو – الذي أمضى 10 سنوات في ليبيا في عهد معمّر القذافي: «ليست لدى روسيا استراتيجية ليبية واضحة. ومثلها مثل الجهات الفاعلة الدولية الأخرى، تسعى روسيا إلى تنويع قنواتها ووسائل التأثير فيها حتى لا تسيء إلى ما هو مُعد للمستقبل. بالإضافة إلى ذلك، من الواضح للجميع أنه لا يمكن لأي من اللاعبين – الحاليين السراج أو حفتر – أن يحكم البلاد بطريقة مستدامة».

هذا الأمر ركز عليه أيضاً الدبلوماسي السابق فلاديمير فرولوف في إشارته إلى الاستراتيجية الروسية الحالية في ليبيا، إذ قال: «رأى بوتين فراغاً في السلطة يمكن ملؤه بسهولة، لكن هذا لا يعني أن موسكو استكملت بناء استراتيجيتها هناك». وتابع: «كما الحال في الحقبة السوفياتية، فإن روسيا لا تملك الوسائل لتكون اللاعب المهيمن أو الحاسم في ليبيا. فبعض الأطراف ترى أن اللعبة الروسية هي وسيلة لموازنة التأثيرات الأخرى. وموسكو تتصرّف بذكاء فقط عندما توافق على هذا الدور». ثم يوضح فرولوف أكثر: «لقد سمحت تصرفات روسيا في ليبيا بتعزيز موقعها في المفاوضات مع أوروبا. وفي ضوء ذلك، يمكن لموسكو أن تأمل في تقديم تنازلات بشأن أهم قضاياها، بدءاً بأوكرانيا».

يبقى أن الاستخلاص الأهم من الدخول الروسي القوي على الملف الليبي هو ما خرج به بعض المحللين أخيراً، من أنه على ما يبدو، لن تقتصر خطوات روسيا على ليبيا وسوريا. يبدو أن موسكو، التي تعلن من الآن فصاعداً مشاركتها في الصراع الإقليمي والعالمي من أجل النفوذ، تمدد نشاطها لتشمل مناطق أخرى… على الأقل في الشرق الأوسط وأفريقيا ووسط وجنوب آسيا.

—————

تركيا تخسر في سوريا/ رانيا مصطفى

لا تتصرف تركيا كدولة قوية منافسة للدور الروسي في المنطقة، فقد تدخّلت في سوريا عبر بوابة ضيقة بدعمها الإسلاميين، وراهنت على استلام الإخوان السلطة.

انتصار طال انتظاره

اليوم سيطر نظام الأسد على سراقب. سُلِّمت المدينة بغير قتال، سوى مما تبقى من كتائبها المحلية (جبهة ثوار سراقب)، وغالبيتهم عناصر من الجيش الحر سابقاً، عددهم أقل من خمسين، غير إسلاميين، ولا يتلقون دعماً من أي طرف، وكانت هيئة تحرير الشام قد جرّدتهم من سلاحهم الثقيل والمتوسط، لكنهم اختاروا المقاومة حتى الرمق الأخير، رغم حصار المدينة وسقوطها نارياً، وفعلياً، مع فارق القوة النارية، والعدد والعتاد.

لم تقاتل هيئة تحرير الشام، واحتفظت لنفسها بالسلاح الثقيل والمتوسط الذي انتزعته سابقاً من الفصائل الأخرى، وفضلت تأجيل معركتها الوجودية، والانكفاء في الجيب المتبقي من محافظة إدلب.

أما فصائل “الجيش الوطني” المدعومة والتابعة لتركيا، فقد سمح لها بالقتال في ريف حلب الغربي، ومنعت من الاقتراب من مدينة سراقب وريفها، فيما تراجعت “الجبهة الوطنية للتحرير” العاملة في محافظة إدلب عن القتال، وباتت تابعة كلياً لأنقرة، مع انضمامها إلى الجيش الوطني.

المشهد في سراقب مكرر عما حصل في معرة النعمان في 28 يناير الماضي، والبلدتان تقعان على الطريق الدولي “إم – 5″، مع أهمية سراقب الاستراتيجية، كونها همزة وصل مع الطريق الدولي الثاني “إم – 4″؛ ما يعني أن هناك تفاهمات سرية تركية – روسية حول تسليم المنطقة للنظام، وهو ما حصل دون مواجهات تذكر.

الموقف التركي في إدلب شديد التعقيد والغموض. وسبب هذا التخبط في تفسيره يعود إلى عدة عوامل أهمها: أولاً؛ تصاعد تهديدات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مع بدء الحملة العسكرية للنظام وحلفائه على إدلب منتصف أكتوبر الماضي، حول انهيار اتفاقات أستانة وسوتشي إذا لم يتوقف الهجوم، واشتراط انسحاب النظام من المناطق التي استولى عليها بين شهري أبريل وأغسطس العام الماضي، في ريف إدلب الجنوبي، وفي ريف حلب.

ويبدو أن هذا التصعيد التركي الكلامي للرئيس أردوغان، يتعلق باعتباراته الداخلية التركية، وللمحافظة على ولاء الفصائل السورية التابعة له، فيما بدا أنه لا يملك القدرة على فرض موقفه على الروس.

والعامل الثاني يتعلق بمساندة واشنطن للموقف التركي، حيث أدان وزير خارجيتها، مايك بومبيو، الاعتداءات في إدلب وأكد على دعم تركيا في الدفاع عن النفس.

والعامل الثالث يتعلق بالتصعيد العسكري المباشر التركي – السوري النظامي، مع استهداف النظام، بدفع روسي، لنقاط المراقبة التركية وقتل ثمانية جنود أتراك، وردّ تركيا بقصف قوات النظام.

روسيا أرادت إرسال رسالة دموية إلى تركيا، عبر دفع النظام إلى استهداف جنودها، للضغط عليها لقبول ما يفرضه الروس من حلول، فيما سمحت لتركيا بالرد حفظاً لماء وجه حليفتها في كل مسارات التسوية السورية، بعد قبولها بمسار تسليم الطرق الدولية دون شروط، وإعادة توزيع الخرائط والحدود مجدداً، وطي صفحة هذه التوترات.

ورغم محاولتنا تفنيد العوامل السابقة، إلا أن التنازل التركي لروسيا، في ملف إدلب يبقى محل تساؤل، رغم أن تركيا تسيطر على عشرات الآلاف من المقاتلين السوريين، الذين باتوا مرتزقة لها، ترسل بعضهم للدفاع عن حكومة الوفاق الليبية التي تدعمها ضد هجوم قوات خليفة حفتر.

قد تكون ليبيا باتت أولوية لأنقرة، ويبدو أن دعم روسيا للطرف النقيض في ليبيا، يجعل طرابلس مهددة بتكرار تعرضها لتطبيق التفاهمات الروسية التركية، الغامضة، على غرار إدلب.

وفي حين أن تأثير الملف الليبي على الموقف التركي في إدلب وارد، إضافة إلى عوامل أخرى تتعلق بحجم التبادل التجاري وصفقة “أس – 400” وخطي نقل الغاز “السيل التركي”، لكن هناك عوامل داخل الملف السوري.

فما زالت أميركا متواجدة في سوريا، وتعزز قوّاتها شرق الفرات، الأمر الذي لم تفعله في ليبيا، لا مع هجوم حلف الناتو منذ تسع سنوات، ولا لاحقاً. وهذا يعني لتركيا بقاء خطر الانفصال الكردي؛ وهنا تتلاقى المصالح الروسية التركية، في خروج واشنطن من سوريا، مع اختلاف الأسباب كلياً، وضيق مساحة تعارضها.

فروسيا الراغبة في استثمار نفط وغاز شرق الفرات، ورفع العقوبات عن النظام، والإسراع بالحل السياسي، تعلم أن سيطرتها والنظام على شرق الفرات مفضّل لدى تركيا، حيث الرغبة في إعادة الأكراد إلى بيت الطاعة، ورفض استقلالية الإقليم ضمن إدارة ذاتية موسعة، وهو ما تريد أن تَضْمَنه تركيا.

وهناك سبب آخر دفع تركيا إلى التمسك بالحليف الروسي، هو عدم الثقة بحليفها الغربي والأميركي، شريكيْها في الناتو، اللذين خذلاها، في ما يتعلق بأمنها القومي، في أكثر من مرة، وغير الراغبين في توجهات حزب العدالة والتنمية، ورئيسه أردوغان، خاصة تجاه إسرائيل ودول الخليج وإيران، ولا يرغبان في توغلها في سوريا، عبر احتواء المعارضة السياسية، ودعم الطرف الإخواني ومن لف لفهم، وقد انقلب عليهم الأميركان مع ثورة يناير في مصر، كما لا يرغبان في توغلها العسكري في سوريا، ودعم فصائل متشدّدة، وبالتالي لا رغبة لدى المجتمع الدولي في إعطاء تركيا مكانة إقليمية يرونها أكبر من حجمها.

لا تتصرف تركيا كدولة قوية منافسة للدور الروسي في المنطقة، فقد تدخّلت في سوريا عبر بوابة ضيقة بدعمها الإسلاميين، وراهنت على استلام الإخوان السلطة، ودعمت المتشددين، حتى أولئك المصنفين إرهابيين من قبل أميركا، وذلك في معركة إسقاط النظام عسكرياً، وهنا كان رهانها الخاسر، حيث كان تفشي الأسلمة العامل المهم لإضعاف الثورة الشعبية، ومبرراً لغياب الدعم الدولي، الرسمي والشعبي، ومبرراً لروسيا لدعم النظام وتمكينه.

منذ المصالحة التركية – الروسية في 2016، عقب اعتذار أردوغان لفلاديمير بوتين عن حادثة إسقاط الطائرة الروسية في 2015، وبدفع من خذلان شركائها في حلف الناتو، في ملف إسقاط الطائرة ذاته، وفي الملف الكردي، ارتأت أنقرة الانتقال إلى الحلف مع روسيا وإيران.

ورغم محاولاتها القفز إلى الجانب الأميركي بين الحين والآخر، لتحقيق التوازن مع روسيا في الملفات السورية، إلا أنها اصطدمت بحقيقة أنها طرف غير مقبول أميركيا وإسرائيليا وعربيا في سوريا، ما جعلها تسلم المناطق لروسيا، بدءاً من حلب الشرقية إلى الغوطة وحمص ودرعا، والآن جاء دور مناطق إدلب، ولا يبدو أنها تحصل على أكثر من جيوب استراتيجية بالنسبة إليها، بالقرب من حدودها في ريف حلب، وفي نبع السلام شرق الفرات، وبتوافق روسي – أميركي، يتجمع فيها مقاتلون إسلاميون مطواعون لها، وهم كل ما غنمته من سوريا.

كاتبة سورية

العرب

—————–

معضلة أردوغان السورية بين تنمر الحليف الروسي وتشفي الحليف الأمريكي والعالم الذي يتفرج على كارثة إنسانية/ إبراهيم درويش

مرة أخرى يقف العالم متفرجا على المأساة السورية ويتذكر أن الحرب الأهلية التي مضى عليها تسعة أعوام لم تنته. وتتشكل أمام ناظري العالم وقائع مأساة كبرى مرشحة لأن تكون الأسوأ، وهي كارثة تتجمع خيوطها منذ نيسان (إبريل) العام الماضي مع بدء محاولات النظام السوري لبشار الأسد استعادة معقل المعارضة الأخيرة في مدينة إدلب.

وعلى خلاف المعارك الأخرى تمثل إدلب كل ما حدث في سوريا خلال الأعوام التسعة الماضية، فقد تحولت المحافظة إلى ملجأ لكل الذين أجبروا على الخروج من مدن وبلدات المعارضة التي أجبرت على الاستسلام. وخلال أعوام زاد عدد سكانها عن الثلاثة ملايين نسمة معظمهم من المدنيين، وسيطرت عليها الجماعات الجهادية خاصة هيئة تحرير الشام الموالية لتنظيم القاعدة.

وتم تأخير الهجوم على المحافظة عبر تدخل تركيا التي تفاهمت مع روسيا وتم الاتفاق على إنشاء نقاط مراقبة تعرضت يوم الإثنين لقصف من القوات السورية مما أدى إلى سقوط سبعة جنود أتراك ومدني تركي. وردا على ذلك شنت القوات التركية عملية قالت إنها قتلت فيها 76 جنديا سوريا. فيما حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من المزيد من الأعمال الحربية إن لم تتراجع القوات السورية عن مواقع المراقبة التركية في إدلب. ولكنها لم تتراجع مما أدى بأنقرة لإرسال تعزيزات جديدة في محاولة منها لمنع قوات اختلاط الأوراق.

تصدع علاقات

ذلك أن تركيا لا تريد الدخول في مواجهة مفتوحة مع روسيا التي تسيطر على القرار في سوريا. وليست من مصلحة أردوغان أو بوتين تخريب العلاقات فيما بينهما رغم اقتراح عدد من المحللين كسميح اديز في “المونيتور” بأن تركيا وروسيا في الواقع في حالة حرب غير معلنة اليوم. أو ما قاله المعلق ديفيد غاردنر في صحيفة “فايننشال تايمز” )4/2/2020) عن التحالف الذي انهار بين الرئيسين من أن الأتراك يشعرون بطعنة روسية في الظهر فيما ترد موسكو أن الأتراك لم يفوا ببنود الاتفاق الذي وقع قبل عامين من أجل نزع سلاح الجماعات الجهادية في إدلب. كما أن النظام السوري المدعوم من الميليشيات الإيرانية والطيران الروسي لم يكن ليقبل ببقاء نقاط المراقبة التركية حول إدلب ويلتزم بخفض التصعيد. ولا يمكن النظر إلى معركة إدلب بمعزل عن المخاوف التركية وتطور أولويات أنقرة. فرغم وقوف أنقرة وموسكو على جانبي النزاع في الحرب إلا أن المصالح المشتركة بينهما جمعتهما للتعاون. فقد اكتشفت تركيا أن الدعم الأمريكي لوحدات حماية الشعب الكردية وتطور جيب كردي مستقل على حدودها الجنوبية يعتبر تهديدا وجوديا ولهذا حرفت انتباهها قليلا لمواجهة هذا الخطر وقامت بثلاثة توغلات لمنع امتداده أولا من شرق الفرات إلى غربه حيث منعت في عملية درع الفرات (2016) إلى غصن الزيتون (2018) سيطرة الأكراد على عفرين. وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2019 قامت تركيا بتوغل في المناطق الكردية أدى لتشويش الجيب، مع أن العملية كانت محدودة ومشروطة بالموافقة الأمريكية والروسية.  وفي الجانب الروسي رأى بوتين في توتر علاقات أردوغان مع أوروبا وأمريكا فرصة للتأثير على دول الناتو. ورغم نهاية الخصام بين البلدين إثر إسقاط الطائرة الروسية عام 2015 إلا أن العلاقة لم تكن اصطفافا حقيقيا، وهي تشبه علاقة موسكو مع طهران. إلا أن الاستراتيجية التركية تختلف عن استراتيجية بوتين في سوريا، فالأولى باتت ترى أن عمقا لها في داخل البلد كفيل بمنع قيام جيب كردي يهددها، خاصة أن امتداداته موجودة في جنوب تركيا على شكل حزب العمال الكردستاني وفي جبال قنديل في العراق. وبالمقابل استخدمت روسيا سوريا كنقطة انطلاق لها لتوسيع مصالحها وتأثيرها في الشرق الأوسط. ويجب ألا ننسى أن الجيب التركي في شمال- غرب سوريا يعتمد في وجوده على الروس. وكان سببا في دفع الأكراد إلى أحضان النظام السوري، مما يصب في مصلحة موسكو وطهران. وبالضرورة فالعلاقة التركية- الروسية ليست سهلة لأنها قائمة على زواج مصلحة بين البلدين. وما يجمعها هي مصالح الغاز والعمق الإستراتيجي والتناقضات الجيوسياسية، وأحيانا يشعر الأتراك بالغبن من طريقة معاملتهم كما شعروا مع أمريكا عندما سلّحت الميليشيات الكردية في الحرب ضد تنظيم “الدولة” (داعش). وأحيانا يجري التعبير عن الغضب بطريقة رمزية كما فعل أردوغان أثناء زيارته لأوكرانيا وهتف للجيش “المجد لأوكرانيا” والتي كانت توبيخا واضحا للرئيس بوتين. فالعلاقة بالضرورة معقدة. وكما قال مسؤول تركي لصحيفة “فايننشال تايمز”(5/2/2020) “من السهل على بعض المسؤولين والمعلقين الغربيين القول إن تركيا أدارت ظهرها إلى الغرب، مثلما أننا نصطف بالكامل مع الروس في كل شيء، فهذا ليس هو الحال”. كما أن تركيا ليست تابعة للقرار الروسي مثل نظام الأسد، ولكنها تعتمد عليه ولا يمكن أن تلغي كل شيء في ضربة قلم. ومن هنا يمكن أن تتجاوز العلاقة الأزمة الأخيرة من خلال ترضيات لأردوغان بشكل يحمي أمن بلاده.

أمريكا غاضبة أيضا

ومشكلة أردوغان أن علاقات بلاده مع أمريكا تضررت بعد قراره شراء منظومة الصواريخ الروسية أس-400 التي اعتبرت تهديدا لحلف الناتو. ولهذا جرى استبعاد تركيا من برنامج تصنيع مقاتلات اف-35. وقبل عدة أشهر فقط قامت أمريكا بشجب تركيا لتحركاتها في سوريا ضد القوات الكردية. ونقلت رويترز يوم الأربعاء الماضي أن أمريكا أوقفت برنامج الاستخبارات العسكرية السري مع تركيا في شهر تشرين أول (أكتوبر) بعد الاجتياح التركي لشمال سوريا. ووقع الاجتياح بعد أن أعلن الرئيس ترامب بشكل غير متوقع بأن القوات الأمريكية في سوريا ستغادر. ومع أنه لم يتم تنفيذ ذلك الوعد، إلا أن سوريا ليست على سلم أولويات الإدارة: وفي خطاب حالة الاتحاد يوم الثلاثاء الفائت لم يشر إليها إلا في سياق زعيم تنظيم “الدولة” المقتول، أبو بكر البغدادي. وكان يأمل ترامب أن يغسل يديه من سوريا، ولكن أزمة إدلب تشير إلى أنه لن يكون الأمر بتلك السهولة. وحتى لو رفض الغرب دعم تركيا في عملياتها في سوريا، فهناك حقيقة مزعجة أخرى وهي أن تركيا حليفة لأمريكا ويخزن فيها حوالي 50 قنبلة نووية أمريكية على بعد 250 ميلا من الحدود السورية، وهي أيضا عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وهو ما يعني أن أمريكا وكندا وكثير من البلدان الأوروبية ملتزمة بحمايتها إن هي هوجمت. وربما رأت واشنطن اليوم في التوتر الحاصل بين موسكو وأنقرة مدعاة للرضا، خاصة أن الحاكم التركي، كما تقول “واشنطن بوست”، اكتشف الغدر الروسي الذي واجه إدارة باراك أوباما عندما كان بوتين يعد بالحد من وحشية النظام ليساعده على قصف المدن والبلدات وقتل المدنيين. وفي أزمة إدلب تلقي الصحيفة اللوم على موسكو، وترى ضرورة معاقبتها وليس الأسد كما اقترح المبعوث الأمريكي لسوريا جيمس جيفري، فالعقوبات لم تعد مجدية على نظام اقتصاده منهار.

أكثر من عدو

في قلب المعضلة التركية سياسة أردوغان الخارجية الحاسمة التي تبناها على عدة جبهات سواء في سوريا أو ليبيا أو شرق المتوسط وجلبت له أعداء وليس أصدقاء، فقد كان قراره إرسال قوات لدعم الحكومة الشرعية في ليبيا مدعاة لغضب الأوروبيين. فهو وإن استطاع الحصول على مقعد في مؤتمر برلين وترتيب العلاقة من جديد مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلا أن أكبر ناقد له في أوروبا هو إيمانويل ماكرون الذي شجب التدخل التركي في ليبيا، مع أنه داعم للجنرال خليفة حفتر. ولا يمكن استبعاد المواجهة العسكرية على أي من الجبهات لكن خلاف المواقف حول ليبيا، خاصة على الساحة الأوروبية تعمل لصالح أردوغان. لكن ليس في سوريا التي قتل إصرار روسيا على حماية نظام الأسد في مجلس الأمن الدولي أية فرصة للإجماع. فلم تستخدم موسكو الفيتو لمنع شحب دولي بل وقام الدبلوماسيون الروس بتعطيل ميزانيات في المنظمة الأممية لجمع الأدلة عن جرائم الحرب أو حتى إصدار تقارير تشجب الدور الروسي في قصف المدارس والمستشفيات والمؤسسات المدنية كما ورد في تقرير لموقع “بلومبيرغ” (4/2/2020).

إيران

ويضاف إلى هذه التوليفة من التحديات إيران التي لم تكن موجودة في العمليات السابقة على إدلب، ولكنها الآن حاضرة كما كشفت تسريبات لصحيفة بريطانية عن وجود حوالي 800 من عناصر لواء الفاطميين المكون من مقاتلين أفغان على جبهة إدلب. وربما كان قرار إيران التدخل ردا على مقتل قائد فيلق القدس، قاسم سليماني في غارة أمريكية الشهر الماضي في العاصمة بغداد، أو أنها تريد توزيع وجودها في سوريا وبعيدا عن دمشق والجنوب السوري حتى لا تكون عرضة لغارات إسرائيل. وربما اعتقدت أن تركيا لم تعد مهتمة كثيرا في سوريا بعد تركيز اهتمامها على ليبيا. وتجازف طهران في علاقتها مع أنقرة، خاصة أن الاخيرة ساعدتها على تجاوز آثار العقوبات الأمريكية.

المدنيون

وبعيدا عن الحسابات السياسية للدول فإن المدنيين في إدلب، بمن فيهم الكثير من النساء والأطفال هم من يعانون. فالحرب السورية امتدت لحوالي عقد وارتكبت خلالها جرائم وحصل نزوح جماعي وبأي مقياس فهذا الهروب الأخير من ادلب يأتي في ترتيب أعلى. وتقول المجموعات الحقوقية بأن ما لا يقل عن 150 ألف شخص فروا من بيوتهم على مدى الأسبوعين الماضيين، مما يوصل عدد النازحين منذ 1 كانون أول (ديسمبر) الماضي إلى 500 ألف. ويظهر فيديو من منطقة القصف زحمة السير للهروب من المنطقة القريبة من منطقة القصف. ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” (6/2/2020) ما قاله ديفيد ميليباند، مدير منظمة انترناشونال ريسكيو كوميتي :”على مدى الشهرين الماضيين قتل ما يقارب 300 مدني نتيجة لتكثيف القتال في شمال غرب سوريا، وإن استمر هذا العنف، فإن حوالي 800 ألف شخص في مرمى النار لن تكون أمامهم خيارات كثيرة لأمنهم”.  وأثبتت التحقيقات بأن الغارات الجوية السورية استهدفت بشكل متعمد المستشفيات العام الماضي. ومن هنا فواجب الحكومات الأجنبية الاعتناء بما يحصل في إدلب. فقد رأى العالم الآثار التي قد تتسبب بها كارثة إنسانية في سوريا. فقد فر من البلد أكثر من 5.6 مليون لاجئ منذ بدأت الحرب. وتستضيف تركيا حوالي 4 ملايين منهم. ولهذا كان أردوغان واضحا أنه لن يسمح بدخول لاجئين جدد إلى بلاده التي كانت تأمل أن ينقصوا لا أن يزيدوا. وفي النهاية ربما كان التدخل التركي الأخير قادرا على وقف التقدم نحو إدلب ومنع مذبحة فيها. كل هذا يذكرنا بحقيقة مرة أخرى أن الحرب مستمرة ولم ينتصر فيها أحد.

————————-

كارثة إنسانية هي الأخطر منذ 2011… عجز دولي وجرائم حرب… ولا حلول حقيقية

حلب – “القدس العربي”: تعد الأزمة الإنسانية التي تشتد بشكل يومي في الشمال السوري، الأخطر والأكبر منذ اندلاع الثورة السورية في البلاد عام 2011، فموجات النزوح من كل حدب وصوب نحو مصير مجهول تزداد مع كل عمل عسكري للنظام السوري وروسيا في محافظتي إدلب وحلب، كما أن المواقف الدولية التي توصف بالهزيلة حتى الساعة تعود بنتائج عكسية على السوريين، وتدفعهم للنزوح، إذ يعتبر الغالبية اليوم في منطقة خفض التصعيد شمال البلاد، أن الصمت الدولي والعجز مؤشران لتصاعد أعمال العنف أكثر من المستويات التي وصلت إليها.

ووفق المصادر الحقوقية فقد وصلت أعداد النازحين جراء الحرب المتصاعدة إلى أكثر من مليون ونصف مليون نازح منذ توقيع اتفاق سوتشي في روسيا عام 2018 النازحون في الشمال السوري يفترشون الحقول والحدود والمناطق الجبلية، ومنهم من اتخذ من المحال التجارية مساكن لهم، وآخرون استوطنوا في السجون، وتحولت ساحات تلك السجون إلى باحات لعب للأطفال الذين باتوا خارج المدارس التعليمية، وغياب تام للاستقرار وكذلك المستقبل.

في حين وثق فريق “منسقو استجابة سوريا” مقتل 1992 شخصًا، بينهم 549 طفلًا، خلال الفترة ذاتها. فمنذ منتصف كانون الأول/ ديسمبر الماضي صعدت قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية، المدعومة بغطاء جوي روسي، عملياتها في إدلب، لتسيطر على عشرات القرى والبلدات كان آخرها معرة النعمان وسراقب، أدت إلى مقتل العشرات من المدنيين، وتهجير قرابة مليون، جزء كبير منهم نزح مرتين أو ثلاث مرات خلال وقت قصير.

في حين طالب الفريق بضرورة فتح تحقيق دولي كامل حول الجرائم التي ارتكبت من قبل قوات النظام السوري وروسيا وإيران من قتل للمدنيين، وعمليات التغيير الديموغرافي، وقصف واستهداف الطرقات الرئيسية العامة بشكل متواصل الأمر

الذي يعرض حياة مليون و200 ألف مدني سوري إلى النزوح نحو مدينة إدلب ومحيطها، إضافة إلى قيام القوات المهاجمة على منطقة خفض التصعيد في الشمال السوري بتدمير ما يزيد عن 120 منشأة خدمية خلال الأشهر القليلة من العام الحالي.

ووجهت المنظمات الدولية في بيان مشترك نداء عاجلاً لوقف فوري لإطلاق النار مع استمرار تصاعد الأعمال العدائية في شمال غربي سوريا، وحذرت من أن مئات الآلاف من الناس غالبيتهم من النساء والأطفال، الذين يفرّون من أعمال عنف لا هوادة فيها عالقون في كارثة إنسانية.

مدينة في مرحلة الخطر

لم تعد عمليات النزوح تشمل فقط المدن والبلدات الداخلة في مرحلة الحرب المباشرة، بل انتقل صداها إلى داخل مدينة إدلب والبالغ عدد قاطنيها أكثر من مليون سوري، إذ بدأت الهواجس الأمنية تحيق بالعائلات، وسط موجات نزوح لا تزال قليلة استباقا للمصير المجهول الذي ينتظرها، في حين اختارت الغالبية البقاء فيها إلى أطول فترة ممكنة، وتفضيل الانتظار المخيف على النزوح والتشريد المبكر.

محمد أبو خالد، وهو نازح سوري من غوطة دمشق الغربية، يقيم في إدلب المدينة، يقول لـ “القدس العربي”: نزحت وعائلي مجبراً إلى الشمال السوري منذ عامين ونيّف، لم أستطع الظفر بمنزل لانعدام المقومات المادية، وأقيم مع عائلتي بغرفة لا تتجاوز مساحتها الأمتار الستة داخل أحد مساجد المدينة.

اليوم أصبحت هذه الغرفة الصغيرة تشبه “القصر” فإن خرجت منها، ربما لا أستطيع، وسط النزوح غير المحدود، من الحصول على خيمة في أحد الجبال الجرداء، بل أفضل البقاء هنا أطول وقت ممكن. وبكل الأحوال ليس بوسعنا اختيار هذا أو ذاك، وكله يفرض علينا بالقوة.

تركيا من جانبها تعتزم بناء وحدات سكنية للنازحين السوريين في المناطق المحاذية للشريط الحدودي مع سوريا، ضمن مخطط إقامة “منطقة آمنة”، إذ أشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أن بلاده تريد تأسيس منطقة آمنة للسوريين، من خلال هذه الوحدات السكنية، مشيرًا إلى أن العمل على بنائها مستمر بمساعدة عمال سوريين.

عجز أممي ودولي

وقال المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون، خلال جلسة لمجلس الأمن حول إدلب يوم الخميس الماضي: “لا بد من وقف لإطلاق النار في إدلب، ولابد من إيصال المساعدات للمدنيين”، مذكّراً بأن “إدلب ملاذ لمئات آلاف اللاجئين السوريين”. وتابع: “أهيب بإيجاد حل للأعمال العدائية في إدلب”، إلا أنه استدرك قائلاً: “لا يوجد لدي حل سحري”.

وأضاف، “هناك حاجة ملحة وعاجلة لوقف النار في إدلب”، وتابع قائلاً: “فقدنا الرؤية الصحيحة للوضع في ريف إدلب”. وأوضح أن “إدلب تضم مقاتلين رافضين للتسوية”، مضيفاً: “يجب عزل المقاتلين الأجانب وتقييد حركتهم”.

واقترح بيدرسون، خطوات من أجل حل ملف إدلب في الشمال السوري، منها إرسال قوى دولية بموافقة النظام السوري.

أما المنسق للشؤون الإنسانية والإغاثة في الأمم المتحدة مارك لوكوك، فقال: “رأينا تصعيداً كبيراً في الأسبوع الأخير” في شمال سوريا “والقصف طال الأحياء الشرقية لحلب”، موضحاً أن “أكثر من 40% من القصف طال مناطق خارج سيطرة قوات النظام”.

وأضاف أن “البنى التحتية المدنية تعرضت للقصف و53 منشأة طبية توقفت عن العمل في إدلب، بينما تعرضت 3 منشآت طبية للقصف في ريفها”، مشيراً إلى أن “خطر انتشار الأمراض وخاصة كورونا قد يصل إلى مناطق الاقتتال”.

واستطرد لوكوك قائلاً: “الحل الوحيد للأزمة الإنسانية (في إدلب) هو من خلال وقف القتال الفوري”، وأردف: “شهدنا حتى الآن عمليات نزوح هائلة باتجاه الشمال نحو المناطق الخاضعة للسيطرة التركية في عفرين والباب وأعزاز، ويصل عدد النازحين إلى تلك البلدات أكثر من 144 ألف شخص”.

كما كشف لوكوك عن تخصيص 30 مليون دولار لدعم العمليات الإنسانية في إدلب من خلال صندوق الأمم المتحدة للاستجابة الطارئة.

على صعيد مجلس الأمن، اعتبرت المندوبة الأمريكية أنه “لا يمكن الوثوق باتفاق أستانا.. روسيا تغطي الدمار الذي تسببه قوات النظام… نظام الأسد زاد من تدهور الأزمة الإنسانية”، في حين طالبت بريطانيا بوقف إطلاق نار “مستدام” في سوريا، مشيرة إلى أن النظام “ضرب عرض الحائط باتفاق وقف النار”.

حقوقي: روسيا سبب المأساة

حمل مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، روسيا مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الإنسانية في الشمال السوري، واعتبر أن العامل الأساسي في تهجير السوريين، هو المقاتلات الحربية الروسية، ووجود عجز دولي عن ايقاف الحملة الوحشية، إذ أن موسكو تتحمل المسؤولية الأكبر عن تهجير السوريين.

ما يميز إدلب في هذه المرحلة من الجهة الحقوقية تواجد أعداد كبيرة من السوريين المهجرين والنازحين من بقية المحافظات السورية، وحالة من التغاضي عن موجات النزوح التي حدثت مؤخراً من مدينتي خان شيخون ومورك، فموجات النزوح المتراكمة من هاتين المنطقتين تتسبب بضغط مضاعف على الأوضاع الإنسانية، خاصة بعد استهداف مواقع جديدة من قبل النظام السوري وروسيا.

لقد عاش الشمال السوري، حسب ما قاله عبد الغني، لـ “القدس العربي”: ضغوطا كبيرة بسبب سياسة النزوح التراكمي، وهنا الوضع يختلف عن موجات نزوح من الغوطة الشرقية، إذ أن المهجرين ما أن مكثوا ببعض المناطق في ريف إدلب، حتى عادت الهجمات مما اضطرهم للنزوح مجدداً مع السكان الذين كانوا يقطنون في المواقع التي استهدفت مؤخرا.

كما كان هنالك ضعف في نسبة الاستجابة الإغاثية، وهذا الضعف مرده إلى سيطرة هيئة تحرير الشام على مساحات واسعة من محافظة إدلب شمالي سوريا، مما جعل قسما كبيرا من المنظمات الإغاثية الممولة دوليا تكف عن دعم هذه المنظمات، ووصل ذلك إلى المنظمات القائمة في مناطق السيطرة المشتركة مع المعارضة السورية.

إن وجود هيئة تحرير الشام، هو سبب معاناة كبيرة للسوريين، وحرمانهم من المساعدات الدولية، والموقف الحالي هو أصعب موقف إغاثي واجه السوريين منذ انطلاق الثورة في البلاد، ولا يمكن تخيل حجم المعاناة الحالية، بسبب هذه العوامل.

وتم إنشاء مئات المخيمات كـ “تجمعات صغيرة” في الحقول والمناطق غير المؤهلة، وسط انعدام أبسط المقومات، مما يعكس – حسب المصدر الحقوقي- حالة الضعف التي آلت إليه المساعدات الإنسانية. يضاف إلى ذلك ضعف الاستجابة السياسية الدولية على صعيد الإدانات وخاصة تلك الجرائم التي وصلت إلى مستوى جرائم حرب، ولم نوثق إدانات أوروبية أو دولية واضحة لهذه الانتهاكات، مما يولد حالة من الإحباط بين الأهالي، وصولا إلى غياب المناصرة للمدنيين.

جرائم حرب

وثق تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان- منظمة غير حكومية، خلال شهر كانون الثاني/ يناير المنصرم، ما لا يقل عن 111 حادثة اعتداء على مراكز حيويَّة مدنيَّة، 105 من هذه الهجمات كانت على يد قوات الحلف السوري الروسي ومعظمها في محافظة إدلب.

وكان من بين هذه الاعتداءات 14 حادثة على مدارس، و3 على منشآت طبية، و33 على أماكن عبادة. وذكر التقرير الحقوقي أنَّ الأدلة التي جمعها تشير إلى أنَّ الهجمات وُجّهت ضدَّ المدنيين وأعيان مدنية.

وقد ارتكبت قوات الحلف السوري الروسي جرائم متنوعة من القتل خارج نطاق القانون، إلى الاعتقال والتَّعذيب والإخفاء القسري، كما تسبَّبت هجماتها وعمليات القصف العشوائي في تدمير المنشآت والأبنية، وهناك أسباب معقولة تحمل على الاعتقاد بأنَّه تم ارتكاب جريمة الحرب المتمثلة في الهجوم على المدنيين في كثير من الحالات.

كما أكَّد التقرير على ضرورة توقُّف النظام السوري عن عمليات القصف العشوائي واستهداف المناطق السكنية والمستشفيات والمدارس والأسواق واستخدام الذخائر المحرمة والبراميل المتفجرة، وإيقاف عمليات التعذيب التي تسبَّبت في موت آلاف المواطنين السوريين داخل مراكز الاحتجاز والكشف عن مصير قرابة 82 ألف مواطن سوري اعتقلتهم الأجهزة الأمنية وأخفت مصيرهم حتى الآن والامتثال لقرارات مجلس الأمن الدولي والقانون العرفي الإنساني.

السوريون يحرقون منازلهم

وفي مشاهد تعكس الأهوال التي آلت إليها أوضاع السوريين أظهرت مقاطع مصورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، قيام عدد من السوريين بإحراق منازلهم بأيديهم قبل الخروج منها نحو رحلة نزوح لا يعرفون فيها أين الوجهة وأين المستقر.

ويقول بعض الذين أحرقوا منازلهم بما بقي فيها من أمتعة لم يستطيعوا حملها معهم: بإنهم أقدموا على ذلك بهدف منع قوات النظام السوري من الاستفادة منها، أو المكوث فيها، فهم – أي قوات النظام-ليسوا بأحق من أصحابها فيها.

من جانبه يقول خالد عبد العزيز، سوري نزح مؤخراً إلى المناطق الجبلية الحدودية مع تركيا: لقد أفنيت 7 سنوات من حياتي في تحصيل منزل بريف حلب الغربي، وصلت الليل بالنهار لأسدد الأقساط المالية له، لكن المعارك هناك أجبرتني على الرحيل عنه مع عائلتي ومعنا فقط حقائب لا تكفي لشخصين، وأنا اليوم أسكن في هضبة جبلية لا يوجد فيها أي نوع من أنواع الخدمات، منطقة تغزوها العقبان ومليئة بالأشواك، لكنها آمنة حاليا لأطفالي، ولا أدري ما إذا أبقى هنا، أو ستجبرني الأيام على النزوح مجدداً.

وأشار عبد العزيز في حديثه لـ “القدس العربي”: هذه الهضبة تضم قرابة 200 ألف سوري، نزوحوا من أرياف حلب وإدلب. وفي وصف المشهد الحالي يقول: “والله لو نثرت بعضا من التراب في السماء، لما سقطت منه ذرة على الأرض، بل يستقر فوق رؤوس النازحين هنا”، في إشارة منه إلى مدى اكتظاظ المنطقة غير المؤهلة بالعائلات.

———————-

الانتكاسة التركية – الروسية في سوريا… تصدع مؤقت للعلاقات أم زلزال مدمر؟/ حسام محمد

إسطنبول -“القدس العربي”: تقول بعض القراءات لتطورات المشهد السوري المعقد عسكريا في مرحلته الأخيرة، أن تركيا رغم الحشود العسكرية التي أرسلتها إلى شمالي سوريا، إلا أنها لم تكن تتوقع ضربات بحجم القوة التي تعرضت لها إحدى نقاط مراقبتها في ريف إدلب من قبل النظام السوري، والتي أودت بحياة ثمانية بينهم خمسة من جنود الجيش التركي وإصابة آخرين. ويرجح أصحاب هذه الرؤى التحليلية إلى أن أنقرة كانت تثق إلى أبعد الحدود بقدرات موسكو على ضبط إيقاع دمشق عندما تختلط بعض الأوراق، وأن مصدر هذه الثقة يعود للابتعاد التركي أولا عن المعسكر الغربي، والعلاقات الفاترة مع الولايات المتحدة الأمريكية والمتأرجحة مع أوروبا، إضافة إلى التعويل على المشاريع الاقتصادية بين البلدين وكذلك التعاون العسكري المولود حديثا لمنع الانزلاقات الميدانية في سوريا. فهل ما شهدته العلاقات من انتكاسة مؤخرا هو بداية لزلزال مدمر أم تصدع مؤقت ستنجح الدولتان في ترميمه تدريجيا؟

ميدانيا، بدأت ملامح الخلافات التركية- الروسية تطفو على الواجهة منذ سيطرة النظام السوري والميليشيات الإيرانية على مدينة معرة النعمان في ريف إدلب، واحتدم التصريحات بين الجانبين، وخاصة في أنقرة مع دخول مدينة سراقب الاستراتيجية ساحة الحرب، ووصلت الخلافات ذروتها مع مقتل جنود الجيش التركي، لتقوم المدفعية التركية بضرب العشرات من أهداف النظام على امتداد الشمال السوري، وسط تحميل روسيا مسؤولية قتل الجنود الأتراك ورفض موسكو لذلك، في حين رفعت تركيا من نبرة التهديدات والوعيد بضرب قوات دمشق عند أي خرق لها، وبدأت سياسة احتواء الخلافات بين الجانبين مع الاجتماع العسكري الذي شهدته مدينة سراقب بين وفدين عسكريين روسي وتركي، انتهى بانسحاب المعارضة وإعلان دمشق السيطرة على المدينة الاستراتيجية التي تعتبر آخر مدن ريف إدلب الشرقي.

تركيا، لم تخف مشاعر الغضب من حليف الأمس ومنافس اليوم، إذ اعتبر الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” أن هجمات النظام السوري على مواقع الجيش التركي تضر بجهود السلام المشتركة روسيا وتركيا في سوريا، إلا أن موسكو كانت مواقفها ثابتة وكذلك ذرائعها، من خلال تعويم مفهوم مكافحة الإرهاب، وتحميل أنقرة مسؤولية مقتل جنودها بحجج لوجستية رفضتها تركيا واعتبرتها غير صائبة.

التفاهمات التي ظهرت متينة تارة، وتنافسية تارة أخرى بين أطراف اتفاق سوتشي الموقع في روسيا 2018 لم تخف في جوانبها اختلاف الرؤى بين الحل السياسي الذي ترحب به تركيا وتدعيه روسيا، وآخر عسكري تفرضه موسكو بحمم صواريخها الجوية ومدافع الأسد الميدانية، ولعل الاختلاف في القناعات ساعد إلى حد كبير بإنهيار قواعد الاشتباك في الشمال السوري، والإنزلاق الذي كاد يصل إلى مستويات غير مسبوقة.

بعض مصادر المعارضة، ترى أن ما بعد سراقب، ليس كما قبلها، وأن الجيش الروسي فرضت كلمته في الميدان، رغم الرفض التركي وفشل المعارضة السورية المسلحة التي حظيت في المعارك الأخيرة بغطاء مدفعي تركي من كسر قواعد الاشتباك سواء في معارك سراقب أو بلدة النيرب. كما ترى تلك المصادر، أن المقبل هو تفاهم سياسي جديد أو تعديل للاتفاق السابق وفق التطورات الميدانية.

الخبير العسكري والاستراتيجي فايز الدويري قال عبر حسابه في مواقع التواصل الاجتماعي تويتر: مدينة سراقب هي الاختبار الحقيقي لجدية ومصداقية أردوغان في دعم وحماية الشعب السوري وثورته، سقوط سراقب له تداعيات خطيرة، فما بعد سراقب ليس كما قبلها، لقد سقطت سراقب بعد تهديدات أردوغان، فأثبت بوتين أنه صاحب اليد العليا”.

اتفاق أضنة… حدود تركيا

السياسي السوري درويش خليفة يرى أن الخلافات الروسية-التركية بدأت تظهر للعلن وبوضوح شديد وبالذات بعد مقتل الجنود الأتراك الثمانية في الأسبوع الفائت، من دون تقديم العزاء من قبل الحكومة الروسية والاكتفاء بمعاتبة حكومة أنقرة بسبب الرد على مصدر النيران التي قتلت الجنود الأتراك.

الأكثر وضوحا في ملف إدلب أن الدبلوماسية والقانون الدولي، حسب ما قاله خليفة لـ “القدس العربي”: لن يقفا في مواجهة طموح الروس في إعادة محافظة إدلب إلى سيطرة النظام السوري، تاركين لشريكهم التركي اتفاقية أضنة مع إمكانية منحها بضعة كيلومترات لإسكان المناهضين لنظام الأسد يرافقه تجاهل كامل للملف الإنساني بعد تهجير ما يقارب 900 ألف نسمة في آخر شهرين نحو الشريط الحدودي مع تركيا، حاملين معهم القليل من الأدوات التي تقيهم برودة الطقس والكثير من مآسي النزوح.

وما زاد من أرباك الوضع في إدلب مؤخرا، تشابك ملفها العسكري والسياسي مع الملف الليبي بالرغم من بعدهما الجغرافي 2130 كلم.

روسيا بدورها تريد أن تسابق الزمن في إعادة السيطرة على إدلب وتسليمها لنظام الأسد قبل أي استحقاق مقبل على مستوى انتخابات مجلس الشعب في أيار- مايو المقبل، أو الانتخابات الرئاسية السورية في منتصف العام المقبل.

تجنب الضغوط

أما تركيا فتحاول، من وجهة نظر درويش خليفة، ألا تتحمل أعباء كارثة إنسانية بعد أي عمل عسكري للنظام وحلفائه على مناطق قطاع إدلب، والذي عملت القوات الروسية على قضمه من خلال استراتيجيتها التي صرح عنها وزير خارجيتها سيرغي لافروف تحت عنوان “خطوة بخطوة”. إذ أن الروس قاموا حتى اللحظة بقضم 30 كيلو متر جنوبا من محافظة إدلب، بدءً من بلدة طيبة الإمام مروراً بمورك وخان شيخون، وما بين 14 حتى 19 كلم شرق الريف الادلبي.

وإذا ما قلنا هذا النهج يخالف مخرجات سوتشي فالذرائع دائما حاضرة على طاولة الدبلوماسية الروسية وهي وجود فصائل جهادية مصنفة على لوائح الإرهاب لم تستطع تركيا معالجة وجودها وإيجاد حل يطابق ما تم الاتفاق عليه في سوتشي.

الاقتصاد لم يفلح

يرى السياسي السوري خليفة أن الشراكة الاقتصادية التركية الروسية المتصاعدة، لم تساهم حتى اللحظة في تقارب وجهات النظر السياسية والعسكرية بسبب تضارب المصالح وعدم الالتقاء أو الإيفاء في التزامات كل طرف للآخر، رغم وصول حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2019 إلى قرابة 30 مليار دولار، فيما وصل عدد السياح الروس إلى تركيا إلى قرابة 6 ملايين سائح.

كما أن زيارة الرئيس التركي الأخيرة إلى أوكرانيا قد تعمق الشرخ بين الطرفين، حيث قال الرئيس الأوكراني أن بلاده تنتظر المساعدات العسكرية التركية حسب الاتفاق العسكري بين البلدين وكذلك تصريح الرئيس التركي وإقراره بأن جزيرة القرم أوكرانية ولن تعترف بلاده بضمها لروسيا.

أي أن الخلافات لم تعد تنحصر في سوريا فقط، وترابط ملفاتهم أصبح يؤثر في جميع الملفات ولكن تبقى الكارثة الإنسانية في إدلب ومقتل الجنود الأتراك وما ولدته الحملة العسكرية الأخيرة من قبل النظام والروس محطة توجب على حكومة الرئيس أردوغان الوقوف عندها.

تضارب مصالح

في حين قيّم الباحث السوري فراس فحام العلاقات التركية- الروسية في الفترة الحالية بـ “الصعبة”، نتيجة حجم التضارب بين مصالح الطرفين في إدلب.

إذ أن روسيا تعمل على فرض السيطرة على الطرق الدولية بشكل كامل، وعزل تأثير نقاط المراقبة التركية عنها، في حين أن تركيا ترفض تحجيم دورها في إدلب.

كما رجح الباحث أن تبحث أنقرة وموسكو خلال اللقاء المقبل احتواء وإدارة الخلاف، بسبب حجم المصالح المتبادلة أيضا، حيث تنظر روسيا إلى تركيا على أنها بديل عن أوكرانيا من أجل نقل الغاز إلى أوروبا، وترغب روسيا أيضا بتعزيز الخلافات بين تركيا وأمريكا، ولا تريد أن تدفع أنقرة للتقارب مع واشنطن بشكل أكبر، خاصة أن الأخيرة تسعى لاستغلال الخلاف الحاصل في إدلب عن طريق التأكيد على دعم تركيا في حماية مصالحها

من جهتها تركيا ترغب في الحفاظ على شراكتها مع روسيا، خاصة أن الأخيرة باتت تشكل بديلاً مهما لتركيا عن أمريكا في تأمين الأسلحة اللازمة للدفاع عن الأمن القومي التركي.

صيغة جديدة

ستحاول كل من تركيا وروسيا – وفق قراءة الباحث فحام، إيجاد صيغة تفاهم جديدة تشمل “منبج وعين العرب وتل رفعت” بالإضافة لإدلب، من قبيل جعل هذه المناطق تحت النفوذ الروسي – التركي، والإشراف على فتح الطرقات الدولية، وتسيير دوريات مشتركة، مع منع دخول قوات النظام إلى مناطق الحاضنة الشعبية للمعارضة، وضمان عودة النازحين إلى المدن التي خرجوا منها مؤخراً كخان شيخون وسراقب ومعرة النعمان.

ويبقى خيار العودة للتصعيد وارداً وإن كان بدرجة أقل، فمن غير المستبعد أن تلجأ تركيا للخيارات العسكرية في حال اصطدمت بسقف مطالب مرتفع من الروس.

إلى ذلك اعتبرت صحيفة “إزفستيا” الروسية أن الوضع بين أنقرة وموسكو وصل إلى درجة الخطورة في إدلب، وسط إصرار تركي على حماية المعارضة، أو من وصفتهم الصحيفة بـ “الإرهابيين”، معتبرة أن الخصام بين طرفي سوتشي يفرح الولايات المتحدة الأمريكية، رغم أن واشنطن مشغولة- حسب الصحيفة- بضخ النفط السوري ومحاولة منع إيران من تعزيز نفوذها في المنطقة، إنما يُستبعد أن تبقى على الهامش إذا زادت درجة التوتر بين موسكو وأنقرة. فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو، في تعليقه على حادثة إدلب، دعمه “لتركيا، حليف (أمريكا) في الناتو و(ردها) المبرر في إطار الدفاع عن النفس.

أما صحيفة “موسكوفسكي كومسوموليتس”، الروسية طالبت القيادة الروسية بالرد على التهديدات التركية، ومحذرة من تداعياتها، ونقلت الصحيفة عن مدير مركز دراسات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، سيميون بغداساروف قوله: “إذا لم نتدخل الآن (ضد التهـديدات التركية) فغداً قد نتراجع إلى قاعدة حميميم، وسيقوم المسلـحون، تحت حماية تركيا، بقصفها بصواريخ غراد”.

واعتبر بغداساروف أن “الهدف السياسي الأول بالنسبة لأردوغان هو حلب، وهذا هو أساس أيديولوجيته، وقد أعلن عن ذلك مرات كثيرة: سوف نستعيد شمال سوريا، وشمال العراق، والجزر اليونانية، وباتومي، وهذا ما يسعون جاهدين إليه”.

————————–

نقاط مراقبة هامشية وأبواب شرق الفرات المفتوحة/ براء صبري

لم تتجزأ بعد الحالة السورية الحالية حتى اللحظة من علائقها المريرة مع التطورات السياسية الدولية والإقليمية. هذا الفصل المنشود رغم احتمال أن تكون نتيجته غير مثالية للكثيرين هو أقل الخسائر لما يتعرض له الناس خلال السنوات الطويلة الماضية، وهي فاتورة قد لا تتعاظم مثلما حدث ويحدث حالياً. الشقاق الروسي التركي في ملف من الملفات الدولية يشعل المعارك في إدلب، الخلاف الأمريكي الإيراني يحول الحدود السورية العراقية إلى لهيب، والصراع الإيراني الإسرائيلي يهز دمشق بين الفينة والأخرى، والتنافس الروسي الأمريكي يخض الواقع القائم في شرق الفرات، وأي تقارب روسي تركي يجلب الويلات على الأطراف التي لا تواليهما، وكل تقارب تركي أمريكي يسلب الكيانات القائمة مساحات جديدة. هذه التدخلات التي لا تنتهي، والمتشعبة، وغير المُساقة بخط معين من العلاقات على اعتبار أن الأطراف تغير ميزانها في كل وقت يدفع فواتيره المُكلفة سكان سوريا التائهون. خيارات الصدام الحالية في إدلب لم تأت عبثاً، ولم تأت من سياق غير مفهوم، بل هي جزء من عوالم واضحة للتنافس على الأرض، وتربيط النزاعات البعيدة مع الواقع السوري. لم يعد للخلاف الليبي استقلالية عن الحرب السورية، ولم يعد الصراع مع إيران، والتنافس في لبنان واليمن انفكاك شامل عن الأطراف المتصارعة والباحثة عن النفوذ في سوريا. كل تلك الصراعات والروابط الإقليمية تتشابك في الحالة السورية، وإن أصبح الملف السوري في تخصيصاته، وفي القائمين على التنافس فيها أكثر وضوحاً عن ذي قبل مع انكماش العديدين عن التدخل، ومع ميلان القوة لصالح طرف ضد طرف.

سياسة القضم المتأني وحرب الطرق الدولية

يتبع النظام السوري ومن خلفه روسيا سياسة القضم الجزئي في عودتها إلى المناطق الخارجة عن سيطرتها. هذه السياسة تؤتي أكلها فيما يبدو من التطورات على الأرض مع عودة النظام إلى مايقارب من ثلاثة أرباع البلاد، وأن وضعية عودتها تختلف من جغرافية إلى أخرى وخاصة فيما إذا تمت المقارنة بين كل المناطق التي تحت سيطرتها وبين المناطق التي وصلتها في شرق الفرات حيث الوقائع لم تظهر بعد حقيقة وشكل الوجود النهائي هناك. في باقي المناطق القرار النهائي بيد النظام وروسيا. ولكن، في شرق الفرات لازالت السلطات والقوى على الأرض في تضارب.

في شهر كانون الثاني/يناير الماضي بدأت قوات النظام وبدعم مكثف من روسيا بالتقدم صوب مدينة معرة النعمان التي تعتبر ثاني أكبر مدينة في محافظة إدلب التي تتقاسم سيطرتها في الشطر الخارج عن سيطرة النظام السوري فصائل سنية تميل في جلها لتركيا، وفصائل أخرى تميل للقاعدة. كان التقدم كاسحا ودخل قوات الحكومة السورية بتاريخ الـ 29 من كانون الثاني/يناير وسيطرت بشكل كلي على البلد. كانت السيطرة هذه نكسة جديدة لحلفاء تركيا ولباقي الجماعات المتشددة في المنطقة. لم يتوقف النظام السوري عند حد قضم معرة النعمان بل تمدد أكثر للوصول إلى سراقب لتكمل السيطرة على الطريقين الدوليين إم4 وإم5 الرابطين بين حلب واللاذقية وحلب وحمص.

من متابعة بسيطة لخارطة تحرك قوات دمشق يتضح كيف أن الطريقين هما الهدفان الرئيسيان لروسيا ودمشق. الطريقان اللذان فشلت تركيا في إقناع الجهاديين بتحييدهما عن الخلافات مع النظام هدف رئيس للنظام حالياً، ويمهد الطريق بعد فترة للتفكير في كامل المحافظة. هذا التفكير النهائي للأهداف بالطبع يحتاج إلى قبول روسي، والقبول الروسي يحتاج إلى تفكير طويل مع حاجة روسيا لإبقاء تركيا في فضائها السياسي هذه الأيام.

خسائر تركية وروسية رسمية في القتال

مع توسع القتال في شمال غرب سوريا كانت طبيعة الخسائر البشرية تتسع أيضاً. هذه الطبيعة توسعت لتشمل جنودا روسا وجنودا أتراكا أيضاً. هذا التطور الذي بدأ عندما ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان يوم “السبت (18 يناير/كانون الثاني 2020) ان أربعة جنود روس قتلوا جراء هجوم لفصائل المعارضة السورية على أحد المواقع العسكرية التي تدير منها روسيا العمليات بريف إدلب الشرقي” حيث اعتبر الهجوم تطورا كبيرا في المعركة، وتوقع الكثيرون أن تزداد سخونة المعارك بعدها في مسعى روسي للانتقام.

هذه السخونة في المعارك مددت نار الحرب لتشمل صدامات مباشرة بين الأتراك والنظام السوري حيث أكدت مصادر رسمية تركية مقتل ثمانية جنود أتراك بالقرب من بلدة سراقب بنيران النظام السوري في فجر الاثنين. وقالت الحكومة التركية على لسان رئيسها بعدها بساعات “أن قوات بلاده استهدفت نحو 40 نقطة للنظام السوري، وقال إن المعلومات الأولية تشير إلى مقتل نحو 35 من منفذي الهجوم على القوات التركية” وأكدت وزارة الدفاع التركية الخبر. فيما بعد فيما نفى النظام السوري هذه التفاصيل في الوقت الذي قالت فيه روسيا إن تركيا لم تنفذ أيا من تلك الهجمات المفترضة في سوريا وإن نظامها الجوي لم يرصد أي طائرات عسكرية تركية في سماء المنطقة المعنية بالحدث.

هذا الصدام الذي كانت تركيا تخشى أن تتورط فيه يوماً تم تسويره وتأطيره بشكل يترك للجميع الخروج بنصف انتصار. وهو ما يرفع الحرج عنها من مواجهة صدام مع روسيا، ويزيد من رصيد النظام في أراضي المحافظة، ويعطي الروس فرصة جديدة لدفع تركيا للهروب إليها واستجداء الهدوء مقابل تعزيز العلاقات في ملفات بدأت تزاد شحونة من نوع ملف “ليبيا” والعلاقة “التركية الأمريكية” في وجه “العلاقة الروسية التركية”.

نقاط المراقبة التركية في سوريا شبيهة لمثيلاتها في بعشيقة

مع تقدم النظام السوري بهذا الشكل ووصوله إلى مضارب مدينة إدلب عاصمة المحافظة لم يبق لتركيا من عامل للمناورة سوى الحديث عن نقطتين عسكريتين لها بقيتا وراء خطوط القتال، ومحاطة بقوات النظام، ولا تحرك ساكناً هناك. هاتان النقطتان اللتان من المفترض أنهما وضعتا باتفاق روسي تركي ذات يوم لمراقبة تطبيق اتفاقية خفض التصعيد بدأت تخشى على ذاتها من تصعيد محتمل يؤذيها. وفي هذا الصدد قال اردوغان في خطاب ألقاه من أنقرة يوم الثلاثاء “تقع اثنتان من نقاط المراقبة الاثنتي عشرة التابعة لنا خلف خطوط النظام. نأمل في أن ينسحب بعيداً عن مراكز المراقبة هذه قبل نهاية شباط/فبراير”. ثم أضاف “إذا لم ينسحب النظام، فإن تركيا ستكون مجبرة على دفعه إلى الانسحاب”.

هذا التهديد التركي من رأس الهرم لن يغير من الواقع على الأرض مع عدم توقع أن ينسحب النظام السوري من منطقة سيطرة عليها بضغط وفاتورة عسكرية عالية. كما لا يتوقع ان تسحب تركيا نقاطها من المنطقة مع تأكدها أن النظام السوري لن يستهدفها، وسيعتبر تحييدها وعزلها وسيلة روسية لترضية تركيا أيضاً.

يشبه وجود تلك النقاط المعزولة حالياً مثيلتها في العراق في محافظة نينوى. تملك تركيا نقطة عسكرية في منطقة بعشيقة، وتأسست حسب القرار التركي حينها لمحاربة تنظيم “الدولة” (داعش). مع أفول “داعش”، ومع الضغط الإعلامي على تركيا لسحب تلك النقطة من المنطقة تمسكت تركيا بإبقائها. هذا التمسك سمح لتركيا حتى اللحظة بالحفاظ على نقطتها. هناك تشابه كبير في الرواية بين الدولتين. تأسست النقاط التركية في محافظة إدلب لمراقبة الهدنة، ولضبط الجماعات الإرهابية في المحافظة، وهو ما لم تقم به تركيا بتاتاً في تشابه مع دورها في بعشيقة الذي لم يترجم إلى أي نوع من محاربة “داعش” باستثناء دفاعها عن نفسها عندما قامت “داعش” بالهجوم عليها ذات مرة.

جيفري التائه بين موسكو وأنقرة

شعر المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط جيمس جيفري بالسعادة وهو يرى كيف أن سخونة الأحداث تدفع تركيا للتصادم مع النظام السوري. هذا الشعور كرس للمبعوث الأمريكي احتمال أن تتحول نظريته الموالية لتركيا إلى وقائع. بدأ التلاسن بين أنقرة وموسكو، وبدأت حرب الروايات والاتهامات على الأرض تزيد من سرور الرجل. دخلت أمريكا في خط القتال إعلاميا ودبلوماسياً، وبدأت تتحدث عن وقوفها مع تركيا في وجه تقدم النظام. هذا الدعم المعنوي الأمريكي لم ينفع في فك تركيا عن روسيا. تدرك أنقرة أنها لا تستطيع المناورة في الملف السوري بعيداً عن واشنطن، وبدأت التواصلات بين تركيا وروسيا من جديد من خلال بيانات واتصالات هاتفية بين المسؤولين رفيعي المستوى. هذه التواصلات توجت، حسب ما قالته صحيفة بلومبيرغ الأمريكية، “ان أنقرة تنتظر في يوم 8 فبراير/شباط وفدا روسيا لبحث الوضع في إدلب” وقالت بلومبيرغ، نقلا عن مولود شاووش أوغلو، “إن الوفد سيكون برئاسة مسؤولين في الخارجية الروسية”. في هذا الصدد لمح وزير الخارجية التركية أن هناك احتمال حدوث لقاء جديد بين بوتين واردوغان بعد هذه المحادثة. هذا اللقاء إن تم سيؤدي إلى توافقات روسية تركية جديدة، وسيكون أوسع من مجرد ملف إدلب حيث سيشمل ملف الغاز وملف ليبيا بشكل أوسع إذ يعتبر الطرفان على وجه نقيض هناك. الشيء الأكيد في هذا اللقاء المقبل هو انكماش جديد لمساعي جيفري التي يؤمن بها حول قدرته على فك الرباط الروسي التركي في سوريا وقناعة الأكثر قتامة حول أن تركيا هي في المحور الغربي في كل الملفات الشرق الأوسطية على عكس الخطاب الرسمي التركي المناهض للغرب ومصالحه في الشرق الأوسط.

نازحون في شرق الفرات و”قسد” تفتح الأبواب

بعد وصول عدد النازحين إلى عشرات الآلاف وفي تطور ملفت للملف الإنساني أعلن قائد قوات قسد في منتصف كانون الأول/ديسمبر 2019 “أن محافظة إدلب السورية هي ضحية سياسات الاحتلال التركي وتفاهماته مع الدول الأخرى”، مؤكدا أن أبواب سكان شمال شرقي سوريا، مفتوحةً أمام المدنيين في إدلب”. هذا البيان اعتبره البعض مجرد رسالة إعلامية تبتغي قسد منها الاستفادة من وضع ما لصالح الترويج لنفسها. ولكن، مع ظهور الفيديوهات التي ترصد وصول العشرات من النازحين من إدلب عبر معبر الدادات في منبج دحضت النظريات الترويجية. هذا الاستقبال يعزز الروابط بين الكثير من الفئات الاجتماعية في سوريا. الاستقبال وتقديم المساعدات في جزء منه رسالة للسكان السوريين على أن الصورة القاتمة التي عملت تركيا على رسمها بحق قسد هي صورة مسيسة بعيدة عن مصالح أهل البلاد. هؤلاء النازحون يزيدون من حمولة السلطات المحلية في شرق الفرات التي تعاني أصلاً من ضعف في القدرة المالية والخدمية، وتعيش جوا من عدم اليقين حول وضعها المقبل مع تمدد النظام في محافظة الرقة وكوباني ومنبج، وكامل الخط الحدودي الشمالي في شرق الفرات.

هذه البادرة هي في جزء كبير منها واجب إنساني يعزز الروابط السكانية، ويسهل عملية تقبل البعض في ملف المفاوضات بين المعارضة والنظام، ويكسر جمود الحوار بين الأطراف المتباعدة وإن لم يظهر أي متغير في نظرة الجماعات التي تدعي تمثيلها للمعارضة في المفاوضات مع النظام تجاه قسد أو مسد.

إن هذه التطورات الساخنة في ملف شمال غرب سوريا يوضح كيف أن العلاقات الدولية في المنطقة هي العامل الفعال في تعبيد الطرق للتغييرات على الأرض، وهي العامل الرئيس في كيفية تحويل حياة الكثيرين في مناطق النزاع إلى نكبات، وهو المؤشر الأكيد الدافع لزيادة عدد النازحين واللاجئين إلى هذا العدد الكبير المخيف وهو ما يؤرق الباقين في مناطقهم. هذا كله في بلد لم يصل إلى أي شيء حول مستقبله النهائي وفي ظل نقص في الخدمات وضعف في الاقتصاد وقلاقل لا توازيها قلاقل في معظم الشرق الأوسط وبشهادة كامل المراقبين عن الواقع السياسي والاجتماعي لدول الإقليم.

———————

التصعيد في إدلب يضع العلاقات بين روسيا وتركيا على المِحَك/ فالح الحمراني

أثار التصعيد الأخير في إدلب، والانتقادات الشديدة التي وجهها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لروسيا، جدالا حول ما إذا كان تحالف دول التسوية في سوريا قد انفرط أم لا. ولكن حتى الآن تراهن الأطراف على الحفاظ على التعاون أكثر من العمل على تقويضه، رغم أن اختلاف المقاربات من تسوية الوضع المتعلق بإدلب ترك خدشا عميقا في العلاقات الثنائية.

وألقى حادث مقتل خمسة عسكريين أتراك وثلاثة خبراء مدنيين في هجوم شنه الجيش السوري في محافظة إدلب في الثالث من الشهر الجاري، والردً التركي بإطلاق النار على مواقع الجيش السوري و”احتواءها” حسب المصادر التركية، الظلال على مستقبل اتفاقات الرئيسين بوتين واردوغان في تشرين الأول/أكتوبر الماضي في سوتشي، وتفاهمات صيغة أستانا بشأن تسوية الوضع المتعلق بمنطقة تخفيف التصعيد ـ إدلب. كما جعل الحادث الخلافات الروسية ـ التركية تطفو على السطح، وتكشف عن حقيقة أن هناك شراكة وتعاونا فعليا بين أنقرة وموسكو في المجال الاقتصادي، ولكن ثمة تناقضات عميقة في المقاربات السياسية بين الطرفين بشأن العديد من القضايا، بما في ذلك بصدد انضمام شبه جزيرة القرم، والأطراف المتحاربة في ليبيا وغيرها.

وقالت وزارة الدفاع الروسية إن ضربة للجيش التركي يمكن ان تكون قد وقعت لأن الجانب التركي لم يبلغ الروسي عن تحركاته في هذه المنطقة، وتم تقييم هذه الكلمات من قبل بعض المراقبين على أن موسكو قررت عدم المجاملة، وكانت في وقت سابق أكثر ليونة.

من ناحية أخرى، يعتقد خبراء عسكريون أن إنزال قوات بشار الأسد ضربة بالجيش التركي يمكن أن يكون بمثابة استفزاز أو خطأ، وإذا كانت استفزازا، فمن أجل تعكير أجواء العلاقات بين موسكو وأنقرة، وهناك افتراض يفيد بأن الهجوم السوري نُفذ بتأثير طرف ثالث، غير مرتاح لتحالف موسكو وأنقرة.

ويعتقد آخرون أن روسيا يمكن أن تكون قد باركت العملية السورية في إدلب (على الرغم من العواقب) بعد أن أصبحت تركيا مشاركًا نشطًا في النزاع في ليبيا وداعمة لأوكرانيا. وبالنسبة لتركيا، تعد إدلب نقطة مهمة، ووفقًا للخبراء، فهي تتيح لها تعزيز موقفها على طاولة المفاوضات بصدد مسألة الأراضي التي تسيطر عليها بعد العمليات العسكرية: “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع السلام”. كما يُلاحظ البعض وجود معنىً خفيً في كون الهجوم على الجيش التركي قد نُفِّذ عشية زيارة اردوغان إلى كييف، وإن تم ذلك عن قصد، فأن البرودة ستسري في العلاقات بين البلدين.

ولا يمكن أن لا تقلق هذه التطورات موسكو، وتسعى روسيا إلى التخفيف من حدة الموقف، والعودة إلى اتفاقات سوتشي وصيغة أستانا، بالرغم من أنها حَمَّلت بصورة واضحة أنقرة مسؤولية عدم الإيفاء بالالتزامات التي أخذتها على عاتقها في الاتفاقات الثنائية. وتعليقا على التطورات هناك قال وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف في مقابلة مع صحيفة “روسيسكايا غازيتا”: إن تركيا فشلت في الوفاء بعدد من الالتزامات بشأن مشكلة إدلب. موضحا: لم تتمكن تركيا من الوفاء ببعض الالتزامات الرئيسية التي صُممت لحل مشكلة إدلب. والالتزام الأول، حسب لافروف، كان يقضي بفصل المعارضة المسلحة، التي تتعاون مع تركيا، والمستعدة للحوار مع الحكومة في العملية السياسية، عن جماعة “جبهة النصرة” التي قال الوزير “تم تجسيدها” في “هيئة تحرير الشام”. وأشار وزير الخارجية الروسية إلى أن كلا من المنظمتين مدرجة في القوائم الإرهابية لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لذلك “ليس لجبهة النصرة، ولا تجسيدها الجديد في إدلب أي شيء تفعله”. وأضاف لافروف أنه يجب احترام “نظام التهدئة” في المنطقة، إلا أن ممثلي الجماعات المذكورة يواصلون الاستفزازات. وحسب تقديرات لافروف، فهناك سبب آخر للوضع الحالي، وهو أنه لم يتم إنشاء شريط منزوع السلاح من 10-20 كم داخل منطقة إدلب، وقال “لقد ذكرنا هذا أيضًا لشركائنا الأتراك”. ووفقا له، ستسعى وزارة الخارجية الروسية إلى الوفاء بجميع النقاط التي اتفق عليها رئيسا روسيا وتركيا. وانتقدت الخارجية الروسية تضامن واشنطن مع أنقرة، ووصفته في تعليق لها، بانه “وقاحة ورياء” معيدة الأذهان إلى فرض الولايات المتحدة العقوبات على تركيا، على خلفية قيامها بعملية نبع السلام.

تنفيذ الاتفاقيات

في غضون ذلك أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب اردوغان محادثة هاتفية، ناقشا خلالها التنسيق في سوريا، جاء ذلك في بيان صحافي على موقع الكرملين، ولفت الزعيم الروسي الأنظار إلى تفعيل الإرهابيين لحراكهم، الذي أدى إلى سقوط العديد من الضحايا بين السكان المدنيين، كما أكد على ضرورة تنفيذ الاتفاقيات الروسية التركية بشأن إدلب تنفيذاً صارماً. واتفق الطرفان على اتخاذ تدابير لزيادة تنسيق الإجراءات المشتركة في سوريا من خلال وزارات الدفاع، وأعربت كل من موسكو وأنقرة عن التزامهما بالحوار في الشأن السوري داخل إطار اللجنة الدستورية في جنيف. كما أشار الكرملين إلى أن المحادثة الهاتفية تمت بمبادرة من تركيا.

وحسب “رويترز” فقد ناقش اردوغان أيضًا مع بوتين الهجوم على القوات التركية في سوريا في 3 شباط/فبراير. وحسب الرئيس التركي، فإن هذه الأحداث تضر بالجهود السلمية المشتركة في المنطقة، موضحا إن أنقرة ستستخدم حقوقها في الدفاع عن النفس في حالة استمرار مثل هذه الهجمات.

وتدهور الوضع في سوريا في خريف عام 2019 عندما أطلقت تركيا عملية “نبع السلام” ضد الجماعات الكردية التي تعتبرها أنقرة إرهابية. واتفق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب اردوغان في خريف عام 2018 في سوتشي، على إنشاء منطقة منزوعة السلاح على طول خط الاتصال في إدلب على عمق 15-20 كم لتنظيم دوريات مشتركة ورصد الامتثال لوقف إطلاق النار هناك، ووفقا لتلك الاتفاقات أنشأت تركيا 12 مركز مراقبة، يتواجد فيها الجيش التركي.

ويرى رسلان محمدوف، خبير المجلس الروسي للشؤون الخارجية “أن الوضع في سوريا ما زال كما كان قبل عام أو عامين، فقد كان من الواضح بالفعل أن الأطراف الضامنة لعملية أستانا، تحاول البدء في تحويرها وفقًا لأجندتها ومصالحها الخاصة. وأن الدول الأخرى ليست مهتمة بالتعاون في سوريا مثل الترويكا، وبالتالي، أن ترك هذا التنسيق لا يصب في مصلحة الأطراف الضامنة”. ويشير إلى أن تفاقم الوضع يرجع الآن إلى حقيقة أن دمشق تخلط الأوراق وأن “الترويكا” لا تفهم دائمًا كيفية الرد.

ويرى مراقبون إن الأسد شن هجومًا في إدلب، وأهدافه مشتركة من حيث المبدأ مع الجانب الروسي، حيث إن استعادة السيطرة على طريقي M4 وM5 التي ستكون من وجهة النظر اللوجستية مفيدة للحكومة السورية ولروسيا، علاوة على ذلك، تضعف الجماعات المناهضة للحكومة، وتشتت مواردها.

ويجمع المراقبون على إن الوضع في إدلب وفي العلاقات مع تركيا لم يخرج عن السيطرة تماما، وينطلقون بذلك من أن روسيا وتركيا اكتسبتا خبرة في التعاون المستمر حتى مع وجود أهداف متباينة، لأن البلدين يحتاجان إلى بعضهما البعض لحل المشكلات العملية.

وترجح بعض القراءات أن أنقرة ستحاول إبرام اتفاق جديد بشأن إدلب مع موسكو، ولكنها ترصد وجود فرص قليلة للقيام بذلك وفق شروط مواتية لأنقرة، وترجح ان أنقرة ستفقد بموجب الاتفاقية الجديدة، السيطرة على أهم المناطق الاستراتيجية في إدلب، وسيتم إنشاء منطقة عازلة على الحدود مع تركيا، وبالتالي يتوقعون تقسيم إدلب إلى عدة مناطق نفوذ.

——————

المعادلة التركية المعقدة في إدلب وقف تقدم النظام السوري بدون الصدام مع روسيا/ إسماعيل جمال

إسطنبول – “القدس العربي”: دفع الجيش التركي طوال الأيام الماضية بمئات الدبابات والعربات العسكرية إلى داخل إدلب اعتبرت “أضخم” تعزيزات عسكرية، وذلك في إطار المحاولات لوقف تقدم النظام السوري إلى عمق إدلب إما من خلال الطرق الدبلوماسية التي فشلت حتى الآن، أو الضغط العسكري الميداني والمناورة كما يجري منذ أيام، أو من خلال ما لوح به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو القيام بعملية عسكرية واسعة ضد النظام في إدلب.

وفي ظل فشل الخيار الأول – الحل الدبلوماسي- حتى الآن، وعدم نجاعة الخيار الثاني -المناورة العسكرية-، يبدو أن الخيار العسكري المباشر بات الفرصة الأخيرة لتركيا لمنع دخول النظام إلى وسط إدلب إن كانت عازمة على ذلك، حيث بات النظام يبعد عدة كيلومترات فقط عن مدينة إدلب في قلب المحافظة، ويواصل تقدمه بسرعة، في ظل دعم عسكري روسي واسع ومباشر، وهو ما وضع تركيا في حالة سباق مع الزمن وسط خيارات معقدة.

وبعد أن أبدت تركيا عزيمة سياسية وعسكرية غير مسبوقة في إمكانية الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع النظام السوري، ووقعت بالفعل عدة حوادث واشتباكات عسكرية بين الجانبين في الأيام الأخيرة، إلا أن خطر الصدام العسكري مع روسيا الذي سيؤدي بدوره إلى انهيار العلاقات بين أنقرة وموسكو يعتبر الهاجس الأكبر لدى تركيا سياسياً وعسكرياً واقتصادياً الأمر الذي يقلص الخيارات التركية ويزيدها تعقيداً.

تعزيزات هائلة

منذ أيام يرسل الجيش التركي أرتالا متتابعة من قواته إلى إدلب، وتشير إحصائيات إلى أن هذه القوات من حيث العدد والعدة تعتبر الأضخم التي يدخلها الجيش التركي إلى سوريا منذ بدء الأزمة السورية، وأكبر من تلك التي استخدمها الجيش في عملياته السابقة في سوريا ومنها “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع السلام” غرب وشرقي نهر الفرات.

وفي ظل عدم وجود إحصائيات رسمية عن عدد هذه القوات نشرت وكالة الأناضول الرسمية سلسلة أخبار متفرقة عن إرسال مئات الآليات العسكرية، فيما يقول نشطاء إن ما لا يقل عن 700 عربة عسكرية تركية دخلت إلى إدلب منذ بداية الشهر الجاري، في حين أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان دخول 850 عربة منذ الثاني من الشهر الجاري.

وشملت هذه التعزيزات دبابات ومدافع ومدرعات وناقلات جنود وعربات مصفحة وتحصينات عسكرية وأطنانا من الذخيرة المتنوعة، وأعدادا كبيرة من عناصر الجيش لا سيما قوات “الكوماندوز” الأعلى تدريبياً في الجيش التركي. وبينما وصفت وسائل إعلام تركية بأن هذه القوات تحمل طابعا “هجوميا” وليس دفاعيا فقط، لفتت مصادر مختلفة إلى أن هذه التعزيزات شملت لأول مرة أنظمة رادار وتشويش، وسط أنباء عن إدخال أنظمة دفاع جوي إلى داخل إدلب، بعد أن أكد أردوغان قبل أيام نشر منظومة الدفاع الجوي التركية “حصار” على الحدود مع سوريا.

هذه التعزيزات لم يقتصر إدخالها إلى المناطق الحدودية، وإنما تركز في محيط وسط إدلب وجنوبها، وشرع الجيش التركي بإقامة نقاط تمركز وبناء تحصينات، من دون أن تتضح الاستراتيجية التركية المتبعة في نشر هذه القوات، لكن المؤكد أنها المرة الأولى التي يدخل فيها الجيش التركي هذه الأعداد من القوات والتجهيزات العسكرية بشكل أحادي وبدون التنسيق مع روسيا والنظام، وذلك بعد أن كانت كل تحركات الجيش في نقاط المراقبة الـ12 تتم بالتنسيق بناء على اتفاق أستانة.

وقف هجوم النظام

بدأ التحول في الموقف التركي في إدلب في الأسبوعين الأخيرين، فعقب إعلان أردوغان عدم التزام روسيا باتفاق أستانة وتفاهمات سوتشي، أعلن مجلس الأمن القومي التركي “البدء باتخاذ إجراءات إضافية لحماية المدنيين في إدلب”، قبل أن يعلن أردوغان إمكانية القيام بعملية عسكرية ضد النظام السوري لإيقاف هجماته ضد إدلب، ويمهله لاحقاً للانسحاب إلى حدود اتفاق سوتشي ومحيط نقاط المراقبة التركية.

ولكن على الرغم من هذه التهديدات، واصل النظام السوري بغطاء جوي روسي هجماته على إدلب، وحقق تقدماً برياً سريعاً، وتمكن من محاصرة المزيد من نقاط المراقبة ونقاط التمركز الجديدة للجيش التركي، وعلى الرغم من حصول مواجهات بالمدفعية والصواريخ – كما لم يحصل سابقاً على الإطلاق- إلا أن هذه المواجهات بقيت محدودة ولم يكن فيها الجيش التركي بموقع الهجوم، واكتفى بالرد على هجمات النظام السوري التي أدت إحداها إلى مقتل ثمانية جنود أتراك.

هذا المشهد، زاد الرؤية ضبابية، وفتح الباب واسعاً أمام أسئلة واسعة حول الهدف التركي الحقيقي من إدخال القوات إلى إدلب طالما أنها لم تقم بعمل عسكري حقيقي حتى الآن لوقف تقدم قوات النظام أو حتى منع محاصرتها من قبل النظام في مناطق ساقطة عسكرياً لصالح النظام، وهو ما يحد من قدرة الجيش التركي على التحرك لاحقاً خوفا على مصير قواته المحاصرة في المناطق التي باتت تحت سيطرة النظام.

ففي ظل سيطرة روسيا على المجال الجوي لإدلب ومحيطها، وعدم قدرة الطيران التركي على التحليق في تلك المنطقة، ومحاصرة العديد من نقاط المراقبة، وضعف تحصينات باقي نقاط المراقبة، والخشية من الصدام العسكري مع روسيا، يبدو خيار المواجهة العسكرية الواسعة مع النظام معقداً للغاية في إدلب، وهو يتناقض مع التصريحات الرسمية التي تؤكد الاستعداد لذلك.

أوساط تركية رجحت أن الجيش التركي وعقب التعزيزات العسكرية الأخيرة أكمل استعداداته لتشكيل ما وصفته بجدار صد عسكري متقدم، لم تتضح حدوده بعد، مرجحةً أن أنقرة اتخذت قراراً نهائياً بمنع النظام من تجاوز حدود معينة في إدلب وحتى الحدود التركية، في إجراء حاسم لمنع حدوث موجة لجوء جديدة إلى الأراضي التركية وبما يشمل ذلك تبعات سياسية وأمنية واقتصادية على تركيا داخلياً وخارجياً.

خيارات تركيا الصعبة

للتغلب على التحديات السابقة أرسل الجيش التركي تعزيزات عسكرية ضخمة لتقوية استعدادات الجيش التركي لمواجهة كافة السيناريوهات الممكنة، وعلى رأسها مواجهة أوسع مع النظام السوري، وهو الخيار غير المفضل لأنقرة على الإطلاق، حيث ما زال الخيار الدبلوماسي المترافق مع محاولات للضغط العسكري، هو الخيار الأول، كما أن تركيا دعت روسيا منذ بداية التوتر مع النظام إلى “التزام الحياد” وهو الطلب الصعب الذي يبدو غير واقعي على الأرض.

وفي هذا الإطار، بدأ وفد روسي، أمس السبت، بإجراء مباحثات موسعة مع المسؤولين الأتراك في أنقرة، في محاولة يعتبرها البعض “أخيرة” لمنع تدهور العلاقات بين أنقرة وموسكو حول إدلب، و”مصيرية” فيما يتعلق باتخاذ تركيا قراراً نهائياً إما بالعودة إلى التفاهمات مع روسيا أو اللجوء إلى الخيار العسكري وتحمل تبعات ذلك على جميع الأصعدة.

وكان وزير الخارجية مولود شاووش أوغلو أكد أن المسؤولين الأتراك سوف يبحثون مع الوفد الروسي الوضع في إدلب، مشدداً على أن بلاده سوف تفعل “كل ما يلزم لوقف المأساة الإنسانية هناك”، فيما قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن العسكريين الروس والأتراك يحاولون تسوية الوضع في إدلب على الأرض. وكانت مصادر رسمية تركية وروسية أشارت إلى إمكانية عقد لقاء بين أردوغان وبوتين “في حال اقتضت الحاجة بناءً على نتائج مباحثات الوفد الروسي”.

نسخة معدلة من سوتشي

ومن المتوقع أن تطلب تركيا من الوفد الروسي وقفا فوريا لإطلاق النار في إدلب، وانسحاب النظام إلى حدود اتفاق سوتشي، وهو ما لا يتوقع قبوله من قبل موسكو التي تسعى للحسم العسكري والسيطرة على ما تبقى من مناطق تمر منها الطرق الدولية، فيما تهدد تركيا بالخيار العسكري لوقف تقدم النظام وطرده من محيط نقاط المراقبة، الأمر الذي يضعف الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق خلال هذه الجولة.

وبالتزامن مع زيارة الوفد الروسي أكدت وزارة الدفاع التركية على أن نقاط المراقبة التركية تواصل مهامها وأنها “قادرة على الدفاع عن نفسها”، فيما أكدت مصادر في الوزارة أن أنقرة لا تخطط على الإطلاق لسحب النقاط التركية، في رسالة على ما يبدو على رفض أنقرة أي طرح روسي لتعديل حدود تفاهمات سوتشي وسحب نقاط المراقبة التركية التي باتت خلف خطوط النظام.

ورغم الخلافات المعقدة والتباعد الكبير في مواقف البلدين إلا أن الرغبة التركية في تجنب أي صدام حقيقي مع روسيا قد يؤدي إلى تخريب علاقات البلدين، ورغبة موسكو أيضاً في عدم “خسارة تركيا” تدفع باتجاه البحث عن حلول استثنائية ربما تظهر على شكل تعديل على تفاهمات سوتشي والخروج بصيغة جديدة تلبي جزءا من مطالب البلدين إلى حين العودة مجدداً إلى استحقاق مصير ما تبقى من إدلب.

————————————-

شمال سوريا: تركيا تنشر ست نقاط فرعية والنظام السوري يسيطر على عقدة طرق الشمال في سراقب/ منهل باريش

طوقت قوات النظام السوري والميليشات المرافقة له، يوم الأربعاء، نقطة المراقبة التركية السابعة بالقرب من قرية تل الطوقان شرق سراقب. وجاءت السيطرة عقب تصريح الرئيس التركي إمهاله قوات النظام حتى نهاية شهر شباط (فبراير) الجاري، من أجل الانسحاب إلى ما قبل حدود التصعيد العسكري وحصار نقطتي المراقبة التركيتين، قاصدا نقطة مورك  في ريف حماة الشمالي والتي حوصرت في أب (أغسطس ) 2019، ونقطة مراقبة الصرمان في ريف  إدلب الشرقي والتي طوقتها قوات النظام في  الهجوم الأخير نهاية شهر كانون الأول (ديسمبر) 2019.

وتوعد الرئيس التركي النظام السوري في حال عدم الانسحاب قائلاً “تركيا ستتكفل ملزمة بذلك. والجيش التركي سيضطر لاجبارها على ذلك”، معتبراً أن استهداف الجنود الأتراك من قبل النظام السوري في إدلب فجر الأربعاء “بداية لمرحلة جديدة بالنسبة لبلاده”.

وردت المدفعية التركية على عدد من مصادر النيران التابعة لقوات النظام السوري في ريفي حماة وإدلب. وقدر الرئيس التركي أعداد قتلى جيش النظام بأكثر من 76 عنصرا”. وطالب روسيا بـ ” تفهم حساسياتنا في سوريا بشكل أفضل”. وأشار إلى أن المستجدات الأخيرة في سوريا دفعت بتركيا للتعديل في استراتيجيتها الأمنية فيما يتعلق بإدلب والشريط الحدودي.

ونوه أردوغان إلى أن” قواتنا الجوية والبرية ستتحرك عند الحاجة بحرية في كل مناطق عملياتنا، وفي إدلب وستقوم بعمليات عسكرية إذا ما اقتضت الضرورة”.

على الصعيد الميداني شن النظام السوري هجوما على القرى الشرقية والجنوبية التابعة لناحية سراقب. وانقسمت القوات المهاجمة إلى محورين، محور انطلق من معردبسة باتجاه تل مرديخ وداديخ وجوباس بهدف تطويق سراقب من الجهة الغربية وهو ماحصل فعلا ومنها استمر النظام بالتقدم إلى قريتي الترنبة وسان. ومع نشر القوات التركية نقطة مراقبة قرب الترنبة في مزرعة “حميشو” على طريق حلب – اللاذقية “إم 4” وسعت قوات النظام هجومها غربا لتطويق النقطة التركية ومنع استمرار التقدم التركي باتجاه اريحا غربا. وسيطرت على أجزاء واسعة من النيرب ووصلت إلى حدود قميناس وسيطرت على معسكر الشبيبة.

ومحور شرقي، يمتد من تل مرديخ “إيبلا” إلى انقراتي ولوف والشيخ ادريس، حيث صد تنظيم أنصار الدين عدة محاولات تقدم هناك وتناوبت السيطرة على قرية لوف بين المعارضة والنظام. ولم ينجح النظام بتحقيق أي خرق على ذلك المحور لحين تمكنه من السيطرة على تل مرديخ الأثري، وبلدة مرديخ التي تعتبر أحد أبرز معاقل فيلق الشام، ومع هذا الانهيار، والضغط الكبير شرقا، أخلت هيئة تحرير الشام مواقعها وخطوط جبهتها في تل الأغر والبليصة والكتيبة المهجور والمشيرفة وراس العيس وباريسا والشيخ إدريس وبجغاص وكفرعميم، ما شكل عمليا الخرق الأخطر الذي سهل تطويق سراقب من الجهة الشرقية حيث تجنب النظام المواجهة المباشرة كما كان متوقعا، متبعا سياسة تطويق المدن التي انتهجتها القوات الروسية في حلب والغوطة وريف حماة الشمالي وإدلب الجنوبي وكان آخرها تطويق مدينة معرة النعمان، نهاية شهر كانون الثاني (يناير) الفائت.

ووسعت قوات النظام والميليشيات المساندة لها، محيط سيطرتها شمال وغرب نقطة المراقبة في تل الطوقان وسيطرت على كامل طريق أبو ظهور – سراقب بعد تقدمها في رأس العين وسليمين والرصافة. هذا التطويق جعل سراقب قاب قوسين من الحصار، فعمليا أصبحت شبه محاصرة، وتمكنت قوات النظام من رصد طريق حلب – دمشق بسبب تمركزها في مزارع الدوير والقعلولة، واستحالة الانسحاب من طريق حلب – دمشق القديم الذي يصل بين سراقب وبلدة تفتناز. ولم يبق أمام مقاتلي وثوار المدينة ومن معهم سوى الانسحاب باتجاه نقطة المراقبة التركية الجديدة في معمل الأدوية (شمال سراقب) ومنها غربا إلى بلدة آفس، فيما سلك آخرون الطريق الزراعي باتجاه الشمال أيضا.

وفي محاولة امتصاص هجوم النظام، شنت فصائل المعارضة هجوما لاستعادة بلدة النيرب الاستراتيجية، يوم الخميس، وتقدم مقاتلو “تحرير الشام” و”أنصار التوحيد” في البلدة وتمكنوا من استعادة السيطرة عليها بعد يومين من خسارتها. إلا أن القصف العنيف أجبرهم على الانسحاب منها بعد عدة ساعات من بسط نفوذهم عليها. وكذلك حاولت فصائل الجبهة الوطنية من ضرب قوات النظام المنتشرة إلى النيرب من خلال تحقيق خرق في خاصرتها في بلدة داديخ، لكن العملية لم تكلل بالنجاح بس كثافة التغطية النارية لمدفعية وراجمات صواريخ قوات النظام ما دفع الفصائل إلى التراجع عنها.

في ليل الخميس، بث مراسل قناة “آنا نيوز” الأبخازية شريطا مسجلاً من قلب مدينة سراقب، وظهر المراسل أمام دوار مستشفى الحسن، الواقع على  تقاطع طريق حلب – دمشق القديم  مع طريق أبو الظهور في القسم الغربي من المدينة. وتضاربت الأنباء حول دخول قوات النظام من عدمه، فيما سرت شائعات تفيد منع القوات التركية قوات النظام من الدخول إلى سراقب. الأمر الذي نفته أشرطة مصورة، صباح الجمعة، تفيد بانتشار قوات النظام وبدء سلب ونهب البيوت وهو ما يعرف بـ”التعفيش”، في إعلان واضح على بسط النظام لسيطرته المدينة، وبالتالي السيطرة على نقطة إلتقاء طريقي الترانزيت “إم 4″و “إم 5”.

في السياق متصل اشتكى مقاتلو المعارضة السورية الخارجون من سراقب من تقاعس الفصائل على مؤازرتهم، رغم الطلب المتكرر من غرفة العمليات إرسال التعزيزات، ولم يتمكن رتل عسكري يتبع للفيلق الثالث من الوصول إلى مدينة سراقب لمنع سقوطها. كما لوحظ غياب قواعد م/د المضادة للدروع في معركة سراقب، في حين سجلت “الجبهة الوطنية ” إصابة عشرات الأهداف في ريفي حلب الغربي والجنوبي. وهو ما يطرح علامات استفهام كبيرة، حول وجود قرار بتسليم المنطقة إلى النظام السوري ضمن تفاهمات أستانا.

ونشر الجيش التركي نقطتي مراقبة في مطار تفتناز العسكري، وأخرى جديدة قرب فرع الإسكان العسكري في إدلب على الطريق الواصل بين سرمين ومدينة إدلب.

ويؤشر سير العمليات والتكتيكات الروسية المتبعة إلى رغبة في السيطرة على مطار تفتناز العسكري الذي يبعد أقل من سبعة كيلو مترات من منطقة سيطرة النظام الحالية شمال بلدة آفس، وهو المطار الوحيد الذي بات خارج سيطرة النظام بعد استعادة السيطرة على مطار أبو الظهور الحربي في كانون الثاني (يناير) 2018 إثر اتفاقية سكة “قطار الحجاز” بين الجانبين التركي والروسي.

وفي حال تقدم النظام إلى المطار والسيطرة عليه، فهذا سيسهم في تضييق الخناق والالتفاف على فصائل المعارضة في ريف حلب الجنوبي، ويسهل السيطرة على ما تبقى من طريق حلب – دمشق “إم5”. وسيرتفع عدد نقاط المراقبة الأساسية المحاصرة من ثلاث ( مورك، الصرمات، تل الطوقان)  إلى خمس بعد أن تُحاصَر نقطتا تل العيس والراشدين القريبتين من الطريق. وهو ما سيعقد الخلاف الروسي التركي على الأرض. لكن حصار النقاط بطبيعة الحال لن يؤدي إلى تأزم العلاقة بين البلدين كما يتوقع البعض.

وتفتح عملية القضم الكبيرة شهية إيران في العودة إلى بلدتي كفريا والفوعة في حال سيطرة النظام على مطار تفتناز العسكري، وهي التي أظهرت تحركا عسكريا لافتا خلال الأسبوعين الأخيرين في ريف حلب الغربي والشمالي بعد مقتل قائد فيلق القدس، قاسم سليماني. وكإثبات لوجودها وتعزيز لدورها على الأرض لإرسال رسائل قوية لكل الأطراف أنها مازالت فاعلة على الأرض وقوية ولحفظ ماء وجهها أمام جمهورها في سوريا، فستسعى من أجل السيطرة على البلدتين وإعادة أهلها الذين رعت تهجيرهم في صفقة المدن الأربعة الفوعة وكفريا مقابل الزبداني ومضايا. ومن المتوقع أن يعقد دخول إيران المرتقب على خط المواجهة، خريطة انتشار القوى على الأرض، وسيوتر العلاقات الجيدة في بين طهران وأنقرة.

أخيرا، تدرك أنقرة صعوبة وقف العمليات العسكرية بسبب القرار الروسي باستعادة منطقة إدلب، ولذلك لجأت إلى نشر نقاط صغيرة على غرار ماجرى في معرحطاط بين معرة النعمان وخان شيخون، أو كما فعلت بنشرها أربع نقاط في محيط سراقب ونقطتين جديدتين بعدها، في تفتناز وفرع الإسكان العسكري في إدلب. وأصبح واضحا أن الهدف من تلك النقاط الفرعية هو تعزيز دورها السياسي من خلال فرض تواجدها على كل الطرق وليس فقط على طرق الترانزيت.

بهذا السياق يمكن تفسير تهديدات الرئيس التركي من أجل عدم إعاقة نشر تلك النقاط، ومن غير المستبعد أن يكون الثمن في عين العرب /كوباني. فالسياسة التركية كانت دائماً ما تصوب إلى هدف معلن شمال غرب سوريا ليتضح لاحقا أن عينها على شرق الفرات.

————————–

إدلب:قصص النزوح المفتوحة من تهجير إلى آخر/ نهاد طوباليان

لم تكن تدرك أم ياسين حين حزمت حقائبها قبل أشهرعائدة إلى مسقط رأس عائلتها إدلب من  بلدة مزرعة يشوع ، أنها ستواجه ظروفاً أصعب من تلك التي واجهتها في لبنان. فها هي اليوم، تمر بظروف إنسانية صعبة للغاية. لا تخفي ل” المدن” مدى ندمها على قرار عودتها الذي فرضه  إيقاف زوجها عن العمل .

وتقول أم ياسين: “إستطعت التأقلم مع الظرف المستجد في إدلب، وإنقطاع الكهرباء وغلاء المعيشة ، لكني لم أستطع التأقلم مع صدى المعارك العسكرية. أجواء الحرب تخيم علينا، وندرك أننا لسنا في مأمن، لذا أنا مترددة في حزم حقائب النزوح مجدداً نحو مخيمات الحدود حفاظاً على أرواح أولادي الخمسة”. وتضيف “لم أكن أتوقع حجم الوضع الإنساني والمعيشي والإقتصادي  الصعب في إدلب. اسعار المواد الغذائية الأساسية نار، وبالكاد نستطيع شراء الخبز والأرز طبقنا اليومي. لم نأكل  اللحم والفاكهة  منذ مدة، وما من جمعيات تساعد داخل المدينة”.

وبلغ عدد النازحين من إدلب منذ بدء الهجوم البري في 24 كانون الثاني/يناير نحو 340 ألف مدني سوري، ليصل العدد الاجمالي منذ مطلع كانون الأول/ديسمبر، إلى نحو 870 ألفاً.

ويختصر إبن بلدة كفرسجنة في ريف إدلب الجنوبي  محمد صبيح وضعه بالقول: بعدما كنا نعتمد على محصول أراضينا الزراعية وما تقدمه لنا من خيرات لنعيش بكرامة في قريتنا، نزحنا لنواجه الموت البطيء ببطون  فارغة  في مخيم دير حسان القريب من الحدود التركية. والدتي تنتظر في المستشفى الميداني من يسدد تكاليف عملية برأسها أثر إصابتها قبل أيام بجلطة دماغية”.

ويروي صبيح ل” المدن”: “لم نعرف  كعائلة الإستقرار منذ أكثر من عام، لإني نزحت  وزوجتي وطفلتي ووالدي وأشقائي وشقيقاتي وجدي المسن إلى  سرمدا فمخيم دير حسان. دفنت تباعاً والدي  وجدي في أقل من عام في كفرسجنة بعدما  تسللنا بجثثهم تحت جنح الظلام”. ويرد سبب إستقراره في خيمة: “كنا نعيش ببحبوة من خيرات ارضنا الزراعية،  لكن ظروفنا تغيرت بعد النزوح، ونواجه ظروفاً إنسانية مآىساوية لا توصف في المخيم.  البرد قارص ولا مواد تدفئة ولا أملك المال لشراء الوقود”.

ويتابع أن الخدمات شبه معدومة، والمنظمات العاملة في المنطقة بالكاد تستطيع توفير الحصص الغذائية للجميع وبشكل دوري. الجوع يأكلنا بسبب غلاء الأسعار، فسعر ربطة الخبز دولار ، وأبسط طبق طعام يكلف 10 دولارغير متوفرة. ويختم: نستطيع ككبار تحمل الجوع والبرد، لكن الأطفال لا. فهل من يرأف بحالنا؟

تستضيف إدلب المدينة أكثر من مليون نسمة راهناً، ممن يعيشون بفوضى ورعب جراء نيران النظام ، وفق ما يقول الناشط والصحافي هادي العبدالله ل”المدن”، الذي يعيش فيها بعد تهجره من كفرنبل قبل بضعة أشهر. ويوضح: القصف مستمر ويستهدف الأحياء والأسواق والبشر والحجر، مخلفاً  المزيد  من النزوح نحو القرى القريبة من الحدود التركية المكتظة بالنازحين أصلاً.

الوضع الإقتصادي في إدلب منهك وعلى وشك الإنهيار، ليس فقط بسبب المعارك ، إنما لإرتفاع سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار، ما يعني وفق العبدالله “إرتفاعاً  باسعار المواد الغذائية المتوفرة في الأسواق، وتراجع قدرة المواطنين الشرائية، لأن الركود أصاب المنطقة، ونسبة البطالة المرتفعة، والحضور خجول لبعض الجمعيات الإنسانية  المحلية  التي تعمل بدعم من منظمات أوروبية على التخفيف من هول المآساة”.

أما بالنسبة للطبابة، فيلفت العبدالله إلى أنه “برغم تعرض عدد كبير من المستشفيات ومراكز الدفاع المدني جنوب وشرق إدلب، تتم متابعة حالات الأمراض المزمنة ومعالجة المصابين بمستشفيات المحافظة وتلك الحدودية المدعومة من منظمات غربية وأميركية، فيما الحالات الخطرة تحال إلى تركيا”. وماذا عن الخدمات الأساسية؟ يجيب العبدالله: “الكهرباء كما لبنان، تتأمن بمولدات في المدينة، فيما المخيمات الجديدة محرومة منها كما المياه التي تؤمنها صهاريج”.

مشهد مأساوي يخيم على إدلب التي تحولت منذ بداية الثورة إلى خزان بشري، لإستقبالها مئات الألاف من المواطنين والمعارضين والنشطاء الهاربين من مناطق النظام. ما يزيد عن ال 4 ملايين نسمة لجؤوا إلى المحافظة، وبنوا نوعاً من حياة جديدة لم يكتب لها العمر المديد، ذلك أن العمليات العسكرية التي أطلقها النظام منذ 10 أشهر وسيطرته على عدد من المناطق، فتحت الباب واسعاً لنزوح جديد نحو مصير مجهول.

ويؤكد عبدالله: “الوضع مآساوي جداً، لأن المعركة الحالية هي الأصعب والأشرس، وتخلف دماراً في البنى التحتية، وتشرد مئات ألاف المدنيين. أمست إدلب منكوبة تفوح منها رائحة الموت بالقنابل والصواريخ التي تنهال على رؤوس عُزّل يلجؤن للإختباء تحت شجر الزيتون قبل السير على طريق النزوح.

وفق العبدالله” ما يقارب المليون و700 ألف نسمة تهجروا مجدداً خلال الأشهر العشرة الأخيرة نحو الحدود التركية، وهو رقم تحدثت عنه الأمم المتحدة، ليتجدد النزوح اليوم، بمعدل 10 و30 ألف نسمة يومياً بإتجاه الحدود التركية، إلى درجة أن منطقة النزوح أمست مكتظة بالسيارات والبشر”.

ما مصير النازحين من إدلب ؟ يقول العبدالله الذي يواكبهم ميدانياً: “عدد كبير نزح بإتجاه عفرين ودرع الفرات، وعدد أخر نحو الحدود التركية، حيث تم إنشاء مراكز إيواء ومخيمات على أراض غير صالحة غرقت بالسيول جراء الأمطار، فيما تأوي المساجد والمدارس بعضاً منهم، علماً أن هناك نازحين لم يصلوا أبداً لإن النظام إستهدف سياراتهم وقتلهم. كما وهناك نازحون ينامون في سياراتهم”.

ويضيف العبدالله: تتقاسم العائلات النازحة الخيم في سرمدا والدانا وأطمة وغيرها من المناطق الحدودية، وبمعدل أربع عائلات في خيمة واحدة ، بعدما خرجوا من بيوتهم بثيابهم وما تيسر من أغطية فقط. ويلفت إلى أن الظروف المآساوية المخيمة على كل إدلب “تهدد بإنفجارضخم ستطال تداعياته سوريا وتركيا وكل دول العالم، في حال عدم إيجاد حل، لأن المنطقة الحدودية لم تعد تستوعب المزيد من النازحين إذا إشتدت الحملة العسكرية على إدلب”. وختم بإشارته إلى أن بعض وكالات الإغاثة تعمل على تلبية الإحتياجات، ولكن الحاجة أكبر مما يتصوره العقل.

المدن

——————–

السيطرة على محافظة إدلب «أعلى من رغبة بوتين وقدرة الأسد»

بيروت – لندن: «الشرق الأوسط»

لا تملك دمشق في الوقت الراهن العديد أو الموارد اللازمة لاستعادة محافظة إدلب كاملة، وفق محللين. في الانتظار، يجد آخر المقاتلين والمدنيين المعارضين في المنطقة أنفسهم أمام خيارات محدودة أحلاها مرّ، حسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية من بيروت أمس.

منذ ديسمبر (كانون الأول)، نزح أكثر من نصف مليون شخص وفق الأمم المتحدة جراء تصعيد قوات النظام عملياتها بدعم روسي في مناطق في إدلب وجوارها واقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) وحلفائها وتؤوي أكثر من 3 ملايين شخص. وقد نجحت في التقدم والسيطرة على بلدات ومدن عدّة.

ويقول مدير قسم الشرق الأوسط في معهد دراسات الحرب نيكولاس هيراس: «لا يملك نظام (الرئيس بشار) الأسد راهناً العديد أو الموارد اللازمة للسيطرة على كامل إدلب في هجوم واحد»، مشيراً إلى أن دمشق «تحتاج دعماً روسياً من مستشارين وقوات جوية ودعم مدفعي»، لكن «من غير المرجح» أن تحظى به «في هذه المرحلة من الحملة».

والمحافظة ومحيطها مشمولان باتفاق أبرمته روسيا، أبرز حلفاء دمشق، وتركيا الداعمة للفصائل المعارضة في سوتشي في سبتمبر (أيلول) 2018، ونص على إقامة منطقة منزوعة السلاح تفصل بين مواقع سيطرة قوات النظام والفصائل.

ونصّ الاتفاق على فتح طريقين دوليتين، تسيطر الفصائل على أجزاء منهما، تمران عبر إدلب وتربطان محافظات عدّة، بعضها ببعض قبل نهاية العام. وتراجع التوتر لبعض الوقت بعد توقيع الاتفاق، لكن أي انسحابات لمقاتلي هيئة تحرير الشام لم تحصل، فيما استأنفت دمشق هجماتها على مراحل، وتمكنت من قضم مناطق واسعة.

ويرى هيراس أن تصعيد قوات النظام في إدلب يتم بموجب «ضوء أخضر» روسي «لممارسة ضغوط كبيرة على تركيا وإجبارها على تحمل المسؤولية في نزع سلاح هيئة تحرير الشام وحلفائها مقابل تعهد روسي بوقف الأعمال العدائية».

وتستشرس دمشق في الوقت الراهن لاستعادة طريق «أم فايف» الاستراتيجية التي تربط محافظة حلب بدمشق، وتتفرع منها طريق ثانية تربط محافظة اللاذقية بإدلب. وقد سيطرت الجمعة على جزء كبير منها.

ويعرب هيراس عن اعتقاده أن «كلفة المعارك» للسيطرة على المناطق الواقعة شمال هذه الطريق، وبينها مدينة إدلب، مركز المحافظة، وصولاً إلى الحدود التركية، هي «أعلى مما يريد (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين أو الأسد تحمّله في هذه المرحلة مع تمركز هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها بأعداد كافية فيها»، ما يمكنها من الصمود.

وبدت تركيا حازمة في تحذيرات وجهتها إلى دمشق بعد تعرّض مواقعها في إدلب الاثنين لقصف سوري أوقع 8 قتلى أتراك؛ بينهم 5 عسكريين. وأمهل الرئيس رجب طيب إردوغان دمشق حتى نهاية الشهر الحالي، لسحب قواتها من محيط نقاط المراقبة التركية في مورك والصرمان في جنوب المحافظة. وباتت هذه النقاط ضمن مناطق سيطرة النظام مع تقدم قوات هذا الأخير خلال الأشهر الماضية.

وتواصل أنقرة إرسال تعزيزات عسكرية إلى محيط مدينة إدلب. وشاركت، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، في تأمين الإسناد المدفعي للفصائل الجهادية والمعارضة في اشتباكاتها مع قوات النظام في اليومين الأخيرين.

ويرى الباحث المتابع للشأن السوري سامويل راماني أنّ مواصلة قوات النظام تقدّمها «تعتمد على ما إذا كان الجيش السوري سيواجه مقاومة شديدة من القوات التركية» أم لا. ويضيف: «إذا كان الأمر كذلك، فقد يرغب الأسد في تجميد النزاع مؤقتاً ثم إعادة تصعيده بمجرد تجاوز الأزمة الراهنة في العلاقة السورية – التركية».

وطالما كرّر الأسد الذي تسيطر قواته على أكثر من 70 في المئة من مساحة البلاد، عزمه استعادة إدلب. وقال في شهر أكتوبر (تشرين الأول) إنّ «معركة إدلب هي الأساس لحسم الفوضى والإرهاب في كل مناطق سوريا».

ويؤكّد رئيس تحرير صحيفة «الوطن» السورية المقربة من السلطات وضاح عبد ربه أن «إبقاء أي منطقة تحت الاحتلال الإرهابي أو التركي أو الأميركي غير وارد»، موضحاً أن «القرار متخذ» في هذا الشأن. لكنه لا يستبعد في الوقت ذاته أن يحصل ذلك «على مراحل، ووفقاً لاتفاقات دولية كاتفاق سوتشي». ويقول: «بعد تنفيذ الاتفاق وفتح الطريقين الدوليتين، لا بدّ من التقدم وتحرير كامل المحافظة، شاءت تركيا أم أبت».

وتكتسب منطقة إدلب أهميتها من كونها المعقل الأخير لمعارضي الأسد، إذ إن نصف القاطنين فيها نازحون من محافظات أخرى، وضمنهم مقاتلون معارضون غادروا مناطقهم إثر اتفاقات إجلاء أعقبت هجمات واسعة لقوات النظام. ويبلغ عدد مقاتلي الفصائل المعارضة في إدلب نحو 30 ألفاً، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، و20 ألفاً من هيئة تحرير الشام والفصائل الجهادية.

وفي انتظار المضي في «تحرير» إدلب، يقول عبد ربه إنه سيتم «فتح المجال لمن يريد أن يستسلم أو أن يجري تسوية حقناً للدماء». أما المقاتلون الأجانب «فلا خيار أمامهم سوى الاستسلام والمحاكمة أمام القضاء السوري أو الهروب والعودة من حيث أتوا؛ أي تركيا».

وتخشى تركيا التي تستضيف حالياً أكثر من 3 ملايين لاجئ سوري، تدفق موجات جديدة من النازحين إلى أراضيها، فتغلق حالياً حدودها بإحكام.

ويقول راماني: «قد تكون إقامة منطقة عازلة جديدة في إدلب الخيار الأكثر ترجيحاً، لكن من غير الواضح ما إذا كانت تركيا ستمضي في ذلك حتى النهاية، أم لا».

ويرى أن استمرار دعم أنقرة للمقاتلين سيمكنهم من الصمود، وتخليها عنهم يعني أن «مستقبلهم سيكون أكثر غموضاً». ويخلص إلى القول: «قد ينضم بعض السوريين إلى تركيا مقاتلين أجانب (..) لكن معظمهم، إما سيكونون تحت رحمة قوات الأسد، أو سيواجهون الحياة نازحين أو لاجئين».

———————————–

سوتشي وراء الكواليس.. حدود مرسومة بالدم ومحاصصة دولية/ نجد يزبك

تم توقيع بروتوكول سوتشي في 17 أيلول/ سبتمبر 2018 بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، وجاء في بنود الاتفاق إقامة منطقة عازلة بهدف “حماية الطوق الأمني لقاعدة حميميم وتأمين وفتح الطرق الدولية الواصلة بين حلب واللاذقية (M-4) وبين دمشق وحلب (M-5) – تأمين خطوط النقل بين الساحل والداخل – توفير بيئة وآلية ملائمة لمكافحة الإرهاب”.

البنود المعلنة للاتفاق

1. الإبقاء على منطقة خفض التصعيد في إدلب، وتحصين نقاط المراقبة التركية واستمرار عملها.

2. سيتخذ الاتحاد الروسي جميع الإجراءات اللازمة لضمان تجنب تنفيذ عمليات عسكرية وهجمات على إدلب، والإبقاء على الوضع القائم.

3. إقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق 15 – 20كيلومتر داخل منطقة خفض التصعيد.

4. إقرار حدود المنطقة منزوعة السلاح سيتم بعد إجراء مزيد من المشاورات.

5. إبعاد جميع الجماعات الإرهابية الراديكالية عن المنطقة منزوعة السلاح، بحلول 15أكتوبر (تشرين الأول) 2018.

6. سحب جميع الدبابات وقاذفات الصواريخ المتعددة الفوهات والمدفعية ومدافع الهاون الخاصة بالأطراف المتقاتلة، من داخل المنطقة منزوعة السلاح بحلول 10أكتوبر 2018.

7. ستقوم القوات المسلحة التركية والشرطة العسكرية الخاصة بالقوات المسلحة التابعة للاتحاد الروسي، بدوريات منسقة وجهود مراقبة باستخدام طائرات من دون طيار، على امتداد حدود المنطقة منزوعة السلاح.

8. العمل على ضمان حرية حركة السكان المحليين والبضائع، واستعادة الصلات التجارية والاقتصادية.

9. استعادة حركة الترانزيت عبر الطريقين إم 4 (حلب – اللاذقية) وإم 5 (حلب – حماة) بحلول نهاية عام 2018.

10. اتخاذ إجراءات فاعلة لضمان نظام مستدام لوقف النار داخل منطقة خفض التصعيد في إدلب. في هذا الصدد، سيجري تعزيز مهام مركز التنسيق الإيراني – الروسي – التركي المشترك.

11. يؤكد الجانبان مجدداً على عزمهما على محاربة الإرهاب داخل سوريا بجميع أشكاله وصوره.

خريطة توضيحية لتحديد المناطق العازلة بموجب سوتشي

لم يستطع طرفا الاتفاق تطبيق العديد من الإجراءات التي ينص عليها الاتفاق بشأن إقامة المنطقة العازلة وسحب السلاح الثقيل والتنظيمات الجهادية وتسيير الدوريات المنسّقة وفقاً للجدول الزمني المرسوم، وذلك بسبب افتقار السلطات التركية للإرادة أو القدرة أو كليهما معاً.

بالنسبة لتركيا

وفقا للتطورات الميدانية والسياسية (سواء في غرب الفرات أو شرقه) منذ توقيع اتفاقية سوتشي 17 أيلول/ سبتمبر 2018 يبدو أن هناك خارطة طريق ذات بعدين سياسي وعسكري يجري تنفيذها ، ولا يمكن الفصل بين اتفاقية سوتشي والاتفاقيات الأخرى التي تمت بشأن شرق الفرات كالاتفاقية الروسية – التركية بشأن المنطقة الآمنة في شمال شرقي الفرات 22 أكتوبر/تشرين الأول 2019،و الاتفاقية الأمريكية – التركية بشأن وقف إطلاق النار شرق الفرات 17/أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

هذا من ناحية، وكذلك بدء أعمال اللجنة الدستورية على نحو مفاجئ لا يتسق مع مواقف النظام في المراحل السابقة .

نقاط المراقبة التركية بموجب أستانا 2017

مابطن من الاتفاق

رغم غموض ما يجري تنفيذه من تفاهمات وضبابية المآلات المرسومة سياسيا وعسكريا من قبل الأطراف الفاعلة إلا أن المؤشرات تدل على أن أهم ملامح المستقبل ستكون وفق ما يلي:

أولاً:

1ـ العودة إلى اتفاقية أضنة بين تركيا والنظام عام 1998 مع تعديلات تراعي المستجدات على الأرض، أي (اتفاقية أضنة موسعة)، مع ما يترتب عليها أو زيادة عمق الأراضي من 5 كيلو حسب الملحق رقم 4 باتفاقية أضنة إلى 30 كيلو على غرار ما تم الاتفاق عليه في شرق الفرات لتكون بمثابة منطقة آمنة بطول الحدود التركية البالغة 900 كيلو متر، وقد سبق أن ظهر الرئيس التركي حاملاً خارطة على هذا النحو في الأمم المتحدة 24 سبتمبر/ أيلول 2019.

2ـ منح المنطقة المشار إليها صيغة إدارية خاصة وقد تعمد تركيا إلى نقل اللاجئين السوريين إلى كامل منطقة الشريط الحدودي المشار إليه بدعم أوروبي ففي لقاء ميركل – أردوغان 24 / يناير 2020 بشأن الأزمة السورية أوضحت ميركل: “أعربنا خلال الاجتماع بالرئيس أردوغان، عن الاستعداد للمساهمة المادية بهدف تحسين الوضع الإنساني للفارين من إدلب السورية، ويمكن دعم بناء مآوي مؤقتة وسريعة التشييد للمدنيين الفارين تجاه تركيا ،وبخصوص اللاجئين، قالت ميركل إن الاتحاد الأوروبي سيقدم لتركيا دعما جديدا باستثناء حزمة الستة مليارات يورو المتفق عليها سابقا، مشيرة إلى إمكانية عقد اجتماع جديد حول سوريا، بين زعماء تركيا وألمانيا وروسيا وفرنسا خلال الربع الأول من هذا العام.

3ـ وكذلك لا ننسى تصريح جيمس جيفري نوفمبر 2019 المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا عندما كشف أن بلاده تلقت ضمانات تركية حول توطين مليون سوري في المنطقة الآمنة المراد تشكيلها في الشمال السوري وأوضح جيفري أن عملية إعادة اللاجئين السوريين هناك ستكون وفق قواعد المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. وأضاف المبعوث الخاص أن تركيا ستكون في حالة تواصل مع الولايات المتحدة، والمفوضية العليا في هذا الشأن، مضيفا “وسيكون من بين هؤلاء اللاجئين 350 ألف كردي جزء منهم كان قد فر من سوريا بسبب تنظيم (ب ي د/ي ب ك)، ويريدون الآن العودة مجددا إلى هناك”.

4ـ تشكيل كتلة سكانية موازنة للكتلة السكانية الكردية توالي تركيا وتعرقل أي مشاريع كردية انفصالية مستقبلا في خطوة ضخمة من الهندسة المجتمعية والتغيير الديموغرافي المناقض للقوانين الدولية.

ثانياً:

استئناف الحركة التجارية على الطريقين M5 وM4 وخصوصاً الحركة التجارية بين الجانبين التركي والسوري بعد إتمام إعادة تأهيل طريق حلب ـ غازي عنتاب قبل أشهر بالتنسيق مع ايران المتواجدة في المنطقة لا سيما نُبّل والزهراء.

ثالثاً:

والأهم أن العودة لاتفاقية أضنة سيترتب عليه عودة الاعتراف بشرعية النظام من قبل تركيا و قد تمت بعض الخطوات بهذا الاتجاه (أشار إليها تصريح وزير الخارجية التركي بشأن إجراء ست لقاءات تمت بين النظام وتركيا كان آخرها في روسيا 13كانون الثاني 2020)

بناء على ما سبق يمكن قراءة المواقف الدولية على النحو التالي:

روسيّاً:

يشكل دعم النظام وبسط سيطرته على معظم الأراضي السورية أحد أهم المطالب الروسية لضمان صياغة حل يجسد رؤيتها ويراعي مصالحها، ومن خلال ما يجري يمكن استنتاج أنه سيتسنى ما يلي:

– إعادة معظم الأراضي السورية إلى النظام وإضعاف المعارضة السورية

– تهيئة النظام السوري اقتصاديا عبر تركيا، وفتح المعابر الحدودية أمام الحركة التجارية، والتخفيف من الضغوطات الاقتصادية التي يواجهها النظام

– التخفيف من الضغط القائم بشأن عودة اللاجئين من خلال نقلهم إلى المناطق الآمنة تحت النفوذ التركي.

– التخلص من التنظيمات الإرهابية في محافظة إدلب.

تركيا:

سيحقق ما يجري تنفيذه من تفاهمات واتفاقيات بما في ذلك اتفاقية سوتشي لتركيا عدة أهداف أهمها:

– هدفها الرئيسي بالقضاء على المشروع الكردي بشكل نهائي في سوريا وضمان عدم عودته إلى الواجهة مرة أخرى .

– ضمان دور رئيس في مستقبل حل الأزمة السورية

– استمرار نفوذها على المناطق الحدودية وإنشاء كتلة سكانية موالية

– فتح المعابر والمشاركة بصفة رئيسة في إعادة الإعمار لاحقا.

الولايات المتحدة :

– إدارة الأزمة السورية بأقل تكلفة ممكنة ومن خلال الآخرين بما في ذلك استنزاف الأطراف الأخرى

– التخلص من التنظيمات الإرهابية

– الرهان على دور تركي في سورية لإضعاف الدور الإيراني أو الحد منه.

إيران:

أفضى لجوء روسيا إلى الحسم العسكري بعد التلكؤ التركي إلى عودة الدور الإيراني الميداني لاسيما في ريفي حلب وحماة، غير أنه على المدى الطويل والاستمرار في تلك التفاهمات سيحد من الدور الإيراني لانتفاء الحاجة إليه روسيّاً .

أوروبياً

تنظر السياسة الأوروبية الى الأزمة السورية من خلال مسألتي اللاجئين والتنظيمات الإرهابية، وأمام ضعف التنسيق مع الجانب الأمريكي، لجأت بعض الأطراف الأوروبية إلى التفاهم مع تركيا حول تلك المسائل (ألمانيا – فرنسا) وستستمران بتقديم الدعم المادي لتركيا لدرء تدفق مزيد من اللاجئين إليها، وكذلك التنظيمات الإرهابية، وتصب زيارة ميركل التي تحدثنا عنها سابقا في هذا الإطار.

انعكاس ما سبق على العملية السياسية

– عند الانتهاء مما يجري من ترتيبات، سوف يكون لروسيا وتركيا الدور الكبير في صياغة حل للأزمة السورية وبرعاية أمريكية، يساعدهما على ذلك سيطرتهما على معظم القوى السورية سواء أكانوا معارضة أم نظاما.

– من المحتمل أن يتم ذلك عبر اللجنة الدستورية، التي يأمل الجانب الروسي أن يناط بها مهام أخرى سياسية، ومنها صياغة حل سياسي، حسب ما يستشف من تصريح وزير الدفاع الروسي عند لقائه بالمبعوث الدولي غير بيدرسون في روسيا في 23يناير 2020

-ستستمر تركيا في هيمنتها على بعض أطراف المعارضة السورية ولا سيما الائتلاف الوطني السوري وأذرعه ( الجيش الوطني – الحكومة المؤقتة – المجاس المحلية) وذلك إما مباشرة أو من خلال جماعة الإخوان المسلمين خصوصا في ظل ما يجري في الائتلاف الوطني حاليا من تحزب وتكتل للتيارات الأكثر ولاء لتركيا ومصادرتها لقرار الائتلاف، مما يشير إلى مستقبل غامض أكثر سوءاً للائتلاف، وانعكاس ذلك سلباً على هيئة التفاوض السورية من جهة، والعملية السياسية برمتها من جهة أخرى.

بروكار برس

—————–

============================