أبحاث

العالم كبنية سياسية نافية: مفهوم ياسين الحاج صالح عن المنفى/ السيد السحيمي

تُناقـشُ هذه الورقة البحثية فَهمَ الكاتب، ياسين الحاج صالح، لظاهرة المنفى التي صاحبت الانتفاضات العربية على اختلافها وتشعبها. حيث . يضعُ الحاج صالح تجارب السجن والاغتصاب والتغييب القسري و”المَـنْسى” بموازاة تجربة المنفى، لـيُـصبح معنى المنفى متصلًا بمعاني الوطن والحرية والنفس؛ وهي أركانٌ هامةٌ لتوضيح ما يعنيه الحاج صالح في كتاباته عن المنفى.

ملخص[1]

تُناقـشُ هذه الورقة البحثية فَهمَ الكاتب، ياسين الحاج صالح، لظاهرة المنفى التي صاحبت الانتفاضات العربية على اختلافها وتشعبها، رجاءَ أن تُضيفَ إلى المحصول الأكاديمي الذي يُناقش مساهماته في المجالات الثقافية والسياسية العربية. في اللغة العربية، نفيُ الشيء: سلبه. ولطالما استخدم الحاج صالح كلمة “المنفى” بِناءً على هذا التصور اللُّغوي للـكلمة، ليقصدَ بها أيَّ فعلٍ ينفي فعلًا آخر: قَسرًا ودون وجه حق. يضعُ الحاج صالح تجارب السجن والاغتصاب والتغييب القسري و”المَـنْسى” بموازاة تجربة المنفى، لـيُـصبح معنى المنفى متصلًا بمعاني الوطن والحرية والنفس؛ وهي أركانٌ هامةٌ لتوضيح ما يعنيه الحاج صالح في كتاباته عن المنفى. من خلالِ هذه الورقة، أُركّز على فَهم الحاج صالح لمصطلح “المنفى”، مُستعرضًا فَهمي لآرائه عن المنفى كفعل يسلبُ التاريخَ والحريةَ والوطنَ بواسطة سلطة نافية. بناءً على ذلك، أوضِّح كيف يمكن سلب ما قد سُلب سلفًا خلال عمليتَي الاستحباس والاستنفاء كمحاولات لـ”نفي المنفى”. واستنادًا إلى ذلك، أستعرضُ كيف يوضح الحاج صالح استقلالية تجربة المنفى وتبعيتها لغيرها من المُجريات في آنٍ، وكيف يُميّز بين اللاجئ والمنفي. أختم الورقة ببيان كيف يُجادل الحاج صالح عن نهاية المنفى وكيف يفكر في “العالم” كمنفى من جهة، وكيف أصبح المنفى عالميًا من جهةٍ أخرى.

“طوال أكثر من عامين ونصف أردنا، سميرة وأنا، أن نتجنبَ المنفى والسجن معًا. بعد أكثر من ثلاثين شهرًا على بداية الثورة صرتُ أنا في المنفى، وبعد ثلاثة وثلاثين شهرًا صارت هي سجينة”[2].

مقدمة: محطات عن الحاج صالح

أدَّى نزوح ملايين السوريين بُعَيد الانتفاضات العربية إلى بروز ظاهرة المنافي الجماعية السورية. رأينا مِصداق ذلك في بلاد الجِوار: الأردن ولُـبنان وتـركيا وصولًا لألمانيا. وإذا أردنا تَـتـبّع معالم هذه الرحلة، فإننا سنصادف لا محالة كتابات ياسين الحاج صالح الذي شهـدَ اندلاع الثورة السورية شهودًا خاصًا. لذا يعتبر ما يكتبه جامعًا لمشاهد كثيرة ذاق بنفـسِـه مرارة أكثرها، وخصوصًا تناوله لظاهرة المنفى في ضوء ما تعـرَّض له هو والمحيطين به.

تُعدُّ كتابات ياسين الحاج صالح الآخذة في الظهور عن المنفى من أولى الكتابات التي تناولت مناقشة هذا الموضوع في ضوء تلك الانتفاضات العربية، فتصدّرت كتاباته مترجمةً تجربة السجن جنبًا إلى جنبٍ مع عدة تجارب (سورية) أخرى كالتغييب القسري والاغتصاب بموازاة تجربة المنفى، ليصبح معنى المنفى متصلا بمعاني النفس والوطن والحرية[3]. قضى ياسين ستة عشر عامًا في السجون السورية من عام 1980 إلى 1996، بين سجن حلب المركزي وسجن عدرا وسجن تدمر المعروف بوحشيته. ومع بداية هذا القرن، لعب الحاج صالح دورًا نَشطًا في إعادة تعريف دور “المثقف العام” خلال عمله في الصحافة والترجمة[4].

(تُعدُّ كتابات ياسين الحاج صالح الآخذة في الظهور عن المنفى من أولى الكتابات التي تناولت مناقشة هذا الموضوع في ضوء تلك الانتفاضات العربية، فتصدّرت كتاباته مترجمةً تجربة السجن جنبًا إلى جنبٍ مع عدة تجارب (سورية) أخرى كالتغييب القسري والاغتصاب بموازاة تجربة المنفى، ليصبح معنى المنفى متصلا بمعاني النفس والوطن والحرية/ ياسين الحاج صالح، والصورة تنشر بأذن خاص من الكاتب)

ممَن اعتنى بحياة الحاج صالح وإنتاجاته الفكرية المتعلقة بالمسألة السورية فراس مسوح في رسالة الماجستير الخاصة به، حيث يعطي نظرةً عامة عن حياة ياسين الحاج صالح وإنتاجاته الفكرية المتعلقة بالمسألة السورية، واضعًا مساهماته الثقافية في إطار أكبر داخل الفكر العربي المعاصر[5]. ويبرهن مسوح على أن الحاج صالح لديه نقدٌ إنسانيٌّ ونموذجيٌّ كسبيلٍ لممارسة فاعليته ومسؤوليته الاجتماعية[6]، فهو يسعى لعدم تطبيع الافتراضات المتفشية في المجتمع حول السلطوية والطائفية في تاريخ سوريا المعاصر من خلال أعماله الثقافية والخطابية “في سبيل توسيع آفاقِ ما هو مُتخيَّلٌ وما هو حقيقيّ”[7]. كما ناقشَ مسوح الانتاجات الفكرية والأعمال العامة التي قام بها الحاج صالح في المنفى، لكنه لم يُوضّح مفهومَ المنفى لدى الحاج صالح.

على صعـيـدٍ آخر، يُحلِّل سون هاوبوله الفيلم الوثائقي “بـلدنا الرهيب” ليناقش قضايا الثورة والمنفى ومِحور التمثيلات البصرية في سوريا والشرق الأوسط[8]. ويختبر هاوبوله دور المثقفين كَـ “رموزٍ ثورية” وأعمالهم خلال الثورات والثورات المضادة، ليُوضح دور الحاج صالح في الثورة السورية كقيادةٍ فكريـةٍ نابعة من تاريخه النِّضالي وإنـتاجـاتـه العِـلمية التي تُشجِّـع “العملَ الجمعي والتأمل، والذي يهدف بدوره إلى تغيير الخيال الاجتماعي وتجهيز الظروف الاجتماعية للثـورة”[9]. كما يُجادل هاوبوله حول كون المنفى يدفع الأفراد إلىأؤب نقد الذات ويُبـــيّن كيف أنَّ المنفى والهزيمة دفعا الحاج صالح لإنتاجِ انتقاداتٍ اجتماعيةٍ راديكاليةٍ للدولة والإسلاموية والحداثة[10]، لكـنه كسابقه أيضًا لم يُوضح فهم الحاج صالح للمنفى بعينه.

فلم تزل الأدبيات الأكاديمية مفتقدةً مفهومًا واضحًا للحاج صالح عن المنفى. ومِـن تلك الجهة، تُساهمُ هذه الورقة البحثية بإبراز فَهم الحاج صالح لظاهرة المنفى التي لاحقت الانتفاضات العربية، لتضيفَ إلى المحصول الأكاديمي الذي يُنـاقش مساهمـاته في المجالات الثقافية والسياسية العربية.

تُمـثِّل تجربة المنفى جزءًا من النّسيجِ الاجتماعي والحياة السياسية في سوريا، مما يجعل عملية النفي (exilement) جديرة بأن تُعطي نظرةً تحليليةً بُنيويةً حول الثورة السورية. ومن هذا ينبغي أن نعرِّجَ أولًا على فَهم الحاج صالح للمنفى من خلال كتاباته، والذي كان من أول معطياته هو عدم الاكتفاء بالتنـبُّـه إلى مكان المنفيين، بل يُصبح سؤالنا: من أين أتوا وكيف أصبحوا كذلك ضمن الأسئلة الجديرة بالأخذ في الاعتبار. في الحقيقة، للمنفى عند الحاج صالح تجليّات عدّة. ففي اللغة العربية، المنفى: هو اسم مكانٍ من الفعل “نفى”. وبنظرةٍ أشمل، فإن دلالة تلك الكلمة هي “سلب شيءٍ ما”. ولطالما استخدمَ الحاج صالح كلمة “منفى” بناءً على هذا التصور اللغوي ليقصد بها أيَّ فعلٍ ينفي فعلًا آخر، مع وجود عَلاقة قسرٍ وإجبارٍ أو إبعادٍ وعزلٍ تُصاحب فعلَ النفي المُشار إليه. فالنفيُّ بالنسبة للحاج صالح هو فعلُ عنفٍ ينتج عن بنيةٍ سياسيةٍ نافية.

وفي مصطلحات الحاج صالح، نفيُ الشخصِ يعني سلبه حريته وحقوقه. بناءً على ذلك التصور، يُمكن القول أنَّ المنفى ليس فقدان الوطن والابتعاد عنه، وإنما اندثار مرجعيات شخصٍ ما تندرج أيضًا في مدلولات “المنفى”، وكذلك العيشُ كـــ”أسمر” في مجتمع يُهيمن عليه الفكر الأبيض الكولونيالي يعدُّ نفيًا لهذا الشخص، وكونكَ مُجبرًا لتؤدي خدمةً عسكرية إلزامية هو نفي لحريتك، ونحن بالكتابة عن المنفى نُحاول أن نلتمسَ سبيلًا لنفي هذا المنفى. ومثلما كان الوطن مُسبِّــبًا للمنفى، كون الشيءِ يُعرف بضِدِّه ونقيضه، فنـفيُ المنفى إذن يستوجب إعادة خلقٍ لما قد يكونُ “وطنًا” بشكلٍ أو بآخر.

من خلالِ هذه الورقة، أُركّز على فَهم الحاج صالح لمصطلح “المنفى”، مُستعرضًا فَهمي لآرائه عن المنفى كفعل يسلب، أولًا، التاريخ عن طريق الأبد السياسي، ويسلب، ثانيًا، الحرية بطغيان السجن، ويسلب، ثالثًا، الوطن بالعزل والإبعاد بل وبالإرجاء للفراق والترحال، بواسطة سلطة نافية، حتى يصل بنا إلى أن يسلب، رابعًا، ما قد سُلب سلفًا، أي السلب ذاته، خلال عمليتي الاستحباس والاستنفاء كمحاولات لـ”نفي المنفى”. واستنادًا إلى ذلك، أستعرضُ كيف يوضح الحاج صالح استقلالية تجربة المنفى وتبعيتها لغيرها من المُجريات في آنٍ، وكيف يفرّق بين اللاجئ والمنفي. أختم الورقة ببيان كيف يُجادل الحاج صالح عن نهاية المنفى وكيف يفكر في “العالم” كمنفى من جهة وكيف أصبح المنفى عالميًا من جهة أخرى.

أهدف بهذه الورقة إلى المساهمة في تمثيل تجربة المنفى من خلال تسليطَ الضوءِ على مفهوم ياسين الحاج صالح للمنفى، بإلقاء النظر على معالجة نظرية ومقاربة عملية لتجربة لا تقتصر فقط على السوريين بل يعيشها الكثيرون الآن عقب الثورات العربية. تلك المفاهيم التي استوحاها الحاج صالح من الحالة السورية مُمتدَّةً ومطَّردةً على بُلدان “العالم الثالث” بصورٍ متفاوتة وإسقاطاتٍ مُتباينة، وخصوصًا البلاد العربية التي أخرجت انتفاضاتُها وثوراتُها مكنونات حالتها الاجتماعية والسياسية وفضحتْ سياسات حكوماتها في تصيير الوطن منفَى ومنسَى ومَخْـفَى كما سأوضِّح.

الأبدُ السياسي كمنفى: نفيُ التاريخ عن طريق الأبديّة الأسدية

يعني الحاج صالح بالأبدِ السياسي في سوريا أنه بقاء حكم الأسد في السلطة مَدى الحياة عن طريقِ الطائفـيَّـة والسُّلالة والــتَّــوريث[11]. إذن فالأبـدية السياسية في سوريا هي محاولة فرض حكم السُّلالة الأسدية إلى الأبد[12]. ولذلك، فهي تُمثل منفًى من التاريخ والتغيـير الاجتماعي والسياسي (أي سلبًـا لهما) لفرض حاضرٍ “سياسيٍّ” اجتماعيٍ دائم لا يتغـيّر[13]. ففي هذا السياق يكون العنف السياسي وسيلة ضرورية للحرب على المستقبل وأيِّ تغيير سياسي محتمل في سوريا[14].

فالأبدية إذًا هي إلغاءٌ للزمن ومحاولةٌ لهروب من المستقبل بتـثـبـيـت الحاضر والتخلص من كل مَن يسعى للتغيير، سواءً كانوا أفرادًا أو حركاتٍ سياسية أو مؤسسات. ومن هنا، فالموت نفسه لا ينفي تلك الأبدية السياسية؛ لأن النظام السياسي يحاول إنتاج نفسه بأيِّة حال. “يموت الأب، فيرثه الابن، فتدوم السلالة، ويسود الأبد”[15]. طبقًا لهذا النمط من الحكم، تُنفى السياسة وتَمتنع ممارستها، فتصبح الأعمالُ السياسيةُ ممتنعةً وممنوعةً أيضًا[16]. في هذا المجتمع، تُجمّد الديمومة اللازمة لأيِّ حياةٍ سياسية، مما يعني نَفيها، ويهيمن الروتينُ السياسي على الواقع وتفقد السياسةُ معانيها، فَـــ”سوريا الأخرى، اللاأسدية، غير موجودة وغير ممكنة الوجود”[17]. من هذه الناحية، فالسوريُّــون منفيون سياسيًا، بمَن فيهم مؤيدو النظام الأسدي لأنهم نفوا فاعلـيَّـتهم الأخلاقية إضافةً إلى منفاهم السياسي[18].

لذلك تمثل الثورة السورية انقطاعًا للأبدية وتَـفـكُـكًـا لمنفى التاريخ، وتُعدُّ محاولةً لدخول التاريخ بعد أكثر من أربعةِ عقودٍ من انتفائه. وستحقق الثورة أهدافها، إن خلقت ضميرًا سياسيًا ووضعت حدودًا وفرضت ضوابطًا على الحاكمين. فالسياسة غير ممكنة في الحكم الأبدي صاحب السلطة المطلقة[19]. فبانْـدلاع الثورة التي كان رهانها تفكيك سلطة النظام المطلقة، يصيرُ نظامُ النفي ذاته منفـيًا وتفقد الدولة الأسدية استقلالها وتوحّدها بالتاريخ، ساعيةً للبقاء كطرفٍ سياسي، ليس الوحيد، على الساحة السورية التابعة للثورة[20].

رغم ذلك، فمنفى النظام المذكور سابقًا يُغاير منفى أغلبية السوريين بعد الثورة ولا يمكن مقارنتهما. فلم تعد الحرية المطلقة لتشكيل “السياسة” في سوريا بأيدي النظام الأسدي وحده، فـ “دولة الأسديين صارت في منفًى من التاريخ هي ذاتها”، من تاريخها الأبدي[21]. يُحتّمُ فقدان الدولة الأسدية سيادتها ودخولها إطارًا تاريخيًا تغييرها سياسيًا واجتماعيًا مع الوقت؛ وهو ما جعلَ الثورة تاريخية لأنها كسرت الأبدية الأسدية وأرغمتها أن تكون مؤقتة[22].

يربط الحاج صالح بين الأبدية السياسية والإبادة الجماعية (الجينوسايد)؛ فلا أبَـدَ سياسيّ بلا إبادة للمعارضين وخلق “مجتمع متجانس” لا تحكمه السياسة[23]. فكما أن الأبدَ السياسيَّ هو حرب على المستقبل، فالإبادة هي حرب على تغــيير الحاضر ومن يحاول التغيير في “أرض المباد”. فهي تأبيدٌ للحاضر بمعنىً أو بآخر[24]. ساهم في نفي السياسة، مع الأبد والإبادة، طائفية النظام. فالإبادة “هي استمرار للطائفية كصناعة أوابد [أي طوائف] بوسائل قاتلة جمعيًا”، والطوائف تشكيلات إبادية من صنع النظام الأسدي ليست سابقة عليه[25]. جاء ذلك عبر خصخصة الدولة وتطييف شديد لأجهزتها الأمنية[26]. جاءت الثورة السورية في هذا السياق لتكون من أجل الجمهورية، ضد الدولة المُخَصخَصة التي تأخذ من نفي السياسة قاعدةً للحكم ومن نفي التاريخ مبدأ عامًا[27]. ربما سيطفى تحليل فوكو لعلاقات القوى في عصر النازية واتخاذ العنصرية كمنطقٍ للسلطة بُعدًا آخر لتحليل الحاج صالح للطائفية والأبدية والإبادة في سوريا كمنفًى من السياسة[28]. فالعنصرية، كما يراها فوكو، لا تقتصر فقط على العرق الاجتماعي (ethnicity) أو حكم السلالة، إنما هي منطقٌ تعمل السلطة من خلاله لتُشـكّـل المجتمع وتهـيِّــئه ليكون مبنيًا على الفوارق الاجتماعية الأبَـدية “المصطنعة”[29]. في الفقرات القادمة أناقش بُعدًا آخر للمنفى في فكر الحاج صالح ببيان كيف يمثل المعتقل السياسي والعزل الاجتماعي أبعادًا في “مُركَّب نفيٍ” ترأسه “سلطةٌ نافية”.

المعتقل السياسي والنفي: العزل والإبعاد بواسطة سلطةٍ نافية

قبل أن أناقش كيف يضعُ الحاج صالح تجربة السجن بموازاة تجربة المنفى لأوضّح مفهومه للمنفى داخل سوريا وخارجها، أُبيّنُ جزئيًا فهمه للحرية أولًا لارتباطه بفهمه العام للمنفى والاستنفاء. يرى الحاج صالح أنّ الحرية تحيلُ إلى التغيير الدائم والخروج المستمر والحركة الدَّائبة. فالحرية هي “موقفٌ نشطٌ يجنح إلى الخروج من كل وضع أو نظام، وإلى الخروج بصورٍ مختلفة، الخروج على الخروج”[30]. فالحرية بالتالي مضادة للاستقرار والتوقف والثبات والجمود. فالخروج من الوطن أو التقاليد أو النفس أو الدين قد تكون أفعالًا في سبيل الحرية التي تتحقق بشرط أن يكون لهذه الأفعال تأثير على النفس لتغييرها مستقبلًا؛ فليس أي خروج هو فعل حرية، فَـــ “في النهاية نحن لا نخرج من نفوسنا إلى نفوسٍ غيرها (ذاكرتنا ومخيلاتنا ورضّاتنا المُكوِّنة…)، لكننا نغيّر نفوسنا ذاتها، نظامها، فكأنه صارت لنا نفوس جديدة، بهياكلٍ جديدة للذاكرة والتخيل والحساسية، وبسِجلِّ خبرات ممكن جديد”[31].

ولهذا، فالخروج من النفس بتغـييرها هو فعلٌ تَحرُّري وشرطٌ للحرية. فـ”الخروج بعيدًا عن النفس وكسر الإيقاع المعتاد… يمكن أن يكون تجربة مُغيِّرة ومحرِّرة جدًا بقدر ما يمكن لمطابقة النفس [أي عدم تغييرها أو توافقها مع التقاليد الاجتماعية] أن يكون سجنًا خانقًا”[32]. بالنسبة للحاج صالح، قد تصبح النفسُ الإنسانية سجنًا لأصحابها؛ فنحن دائمًا ما نحملُ سجونًا بدواخلنا. يُحتمل أن تكون العادات والتقاليد والمعتقدات سبلَ تقييدٍ واحتجازٍ بشكلٍ أو بآخر. تبعًا لذلك، تغيير النفس هو طريق للمعايشة والتوسع والترحاب بأفكار وعادات غريبة عنّا، والترحاب بالآخرين على الأخص. وكما أنّ النفسَ وثيقة الصلة بالبيت والسجن والحرية، فأن تكونَ النّفسُ بيتًا يعني أن تحتوي الآخرين المختلفين عنها بداخلها، فـ”البيتــيَّـة المفتوحة تعني أن نذهب إلى الغير ويأتي إلينا الغير، فيلتقي توسُّع بيتنا بتوسّع بيتهم، وتتكوّن لنا بيوت مشتركة، ولا يبقى الغيرُ غَـيرًا”[33]. هذا كله يستدعي الحركة والتنقل وتغيير الأماكن. فكما تحيلُ الحرية إلي التغيير، تكفُّ الحركة عن كونها فعلَ حرية حين تكون حركة تكرارية” على الدروب ذاتها إلى الأماكن ذاتها، وبخاصة حين يكون ذلك مسلكًا إكراهـيًـا”[34]. وعندما نكون مُرغَمين على خوض غِمار مسلكٍ ما، نحتاج أن نواكِـبـه لنحيا. هذا النوع من المواكبة يكونُ تَحرُّريـًا بطريقة تدريجية، كاغتنام كوننا منفيين من أوطاننا أو معتقلين بداخلها واتخاذها سُبلًا للحرية والعيش باختلاف.

(يربط الحاج صالح بين الأبدية السياسية والإبادة الجماعية (الجينوسايد)؛ فلا أبَـدَ سياسيّ بلا إبادة للمعارضين وخلق “مجتمع متجانس” لا تحكمه السياسة/ ياسين الحاج صالح والصورة تنشر بإذن خاص من الكاتب)

السجن هو مساحة للنّـفي الحقوقيِّ والسياسي[35]. هو وسيلة عزل وإبعاد “النفاوة” من البشر، أي النِّفايات، الخارجين على المعايير السياسية والاجتماعية والدينية السائدة في المجتمع إثر تمرُّدهم وخروجهم الفوضويّ على النظام القائم داخل البلد[36]. المنفى قرين السجن، فيه يُعزل المتمردون ويُنفون خارج البلد. فعل النفي هذا، في السجن والمنفى، هو فعل عنف بالأساس[37].

يصبحُ الوطن (أي البيت السياسي) سجنًا استنادًا إلى الحاج صالح إذا كنا ممنوعين من الخروج منه ومقيمين به جبرًا، ولذلك نُسمى سجناء[38]. وإذا كنًا محبوسين خارج هذا البيت وممنوعين من العودة إليه، فهو يصبح سجن في هيئة منفى ومنفًى في هيئة سجن. فـ”الحبس خارج البيت هو التشريد… ومنع العودة إليه هو النفي”[39]. المنفى هو سلبٌ للحرية وفقدانٌ للبيت ونفيٌ لخروجٍ نعرف أننا يمكن أن نعود منه[40]. فسلب الحرية في المعتقل هو نفيها، والطرد خارج البلد وسلب حرية العودة هو النفي كذلك. اقترن فعل النفي بإبعاد الخارجين على المعايير السائدة بوجود سلطات احتلال تنفي المتمردين خارج البلاد المحتلة. ولذلك، يستبطن فعل النفي صعوبة تذليل المسافات وعسر التواصل بين “الداخل” و”الخارج”[41]. ما هو “داخل” وما هو “خارج” هو صنع السلطة ونتاجها وليس سابق عليها[42]. فالسجن هو محصلة قرب المسافة والنفي. هو داخل الداخل، بينما المنفى هو خارج هذا الداخل. “السجن نفي إلى داخل معزول يمنع الخروج منه، مثلما المنفى سجن في خارج يمنع الرجوع منه”[43]. بعد زوال النفي كإجراء عقابي إبَّان قيام الدولة القومية الحديثة، صار السجن هو الإجراء العقابي بديل المنفى ومعادله[44]. يجمع كلا التجربتين نفي الحرية والعزل الاجتماعي والحجر السياسي.

الدولة السورية الحديثة دولة نافية بما أنها دولة حرب، أي تستقي من الحرب والإبادة سياسةً لها. دولةُ حربٍ على السياسة والمستقبل[45]. فعل النفي ليسَ فقط هو فعلَ عنفٍ وإكراهٍ كما تقدَّم الذكر، بل هو جزء في ’مُركّب نفي‘. مركب النفي هذا هو جزءٌ من ’بنية سياسية نافية‘. تقبع الدولة على رأس هذه البنية النافية. تمارس الدولة فاعليتها النافية ليس فقط بنفي التاريخ، بل بالاعتقال والمنفى وخلق ظروف التهجير الجماعي والإبادة[46]. ولذلك، بالنسبة للحاج صالح، تشتمل تجربة المنفى في السياق السوري على عدة تجارب مثل الاعتقال والتغييب القسري والنفي خارجًا والاغتصاب و”المنسى”.

التهميش كمنفى: سوريا كمنفى ومنسى ومخفى ومغتصِب

كما يضع الحاج صالح المنفى بموازاة السجن، يضعه أيضًا بموازاة عدة تجارب سورية مجاورة مثل التغييب القسري والاغتصاب و”المَـنْـسَى”[47]. تتواتر هذه التجارب وتتوالد، ويربطهم التهميش السياسي والاجتماعي.

المنسى هو العيش مَنسيًـا لا شأنَ لك ولا يذكركَ أحد[48]. ھو “وﺿﻊ اﻟﻣﺣروﻣﯾن ﻣن اﻟذﻛر اﻟﻌﺎم، ﻣن ﻻ ﯾﺗﻛلم ﻋﻧﮭم أﺣد أو ﯾﺷﻌر ﺑﮭم أﺣد، ﺑﯾﻧﻣﺎ ھم ﯾﺗﺄﻟَّﻣون أو ﯾﻣوﺗون. المنسى، بالخصوص، ﺣﺎل ﻣن ﯾﮭﺎﻧون وﯾﻌذﺑون وﯾﻘﺗﻠون ﻓﻲ ﺳﯾﺎﻗﺎت ﻋﺎﻣﺔ، دون ﺷﮭود ودون رواﯾﺔ ودون ﺗﻛرﯾم”[49]. كما أن السجن والمنفى هما نتاج علاقاتٍ سياسية بالأساس، فالمنسى هو وﺿﻊ ﺳﯾﺎﺳﻲ ﻧﺎتج عن “ﺳﯾﺎﺳﺔ إﻧﺳﺎء وﺣرﻣﺎن ﻣن اﻟﻘول واﻟﺣﺿور، أو ﻓرض اﻟﻣﺟﮭوﻟﯾﺔ ﻋﻠﻰ ﻗطﺎع ﻣن اﻟﺳﻛﺎن أو ﻋﻠﻰ ﺟﻣﯾﻌﮭم”[50]. المنسيُّون هم المنفيون “داخل بلدانهم، خارج الذكر العام والمجال العام، لا يُعترف بهم ولا يُرَوْن، ولا يفكر بهم أحد، ولا تُسجَّل سيرهم ولا تُروى قصصهم، ولا تُسمع أصواتهم، ولا تُحفظ صورهم”، هم المُهمّشون نتاج أنظمة التجاهل والمهانة والإذلال[51]. سوريا هو موطن وبلاد نسيان، فهي منسى. يضرب الحاج صالح بضحايا مجزرة حماة عام 1982 مثالًا للمنسيين؛ فهم قُتِلوا مرتين، مرة في المجزرة والأخرى عبر نسيانهم من الذاكرة السورية ومن الذكر العام، فلا شهادات ولا تأريخ ولا ذكر لهم[52]. فالنسيان، كالنفي، فعل عنف منظّم وسياسي.

الاغتصاب أقسى من التعذيب، هو تعذيبٌ فوق تعذيب وإذلالٌ محض. الاغتصاب يمثل نفـيًا لذات المغتصَبة ونفيًا لها من أسرتها وجماعتها، فهو انهيارٌ لحدودها وانتهاكٌ لخصوصيتها بالإقامة داخل جسدها واحتلاله[53]. هو فعلُ قتلٍ وجزءٌ من مُركّبِ إبادة، يماثله التغييب[54].

التغييب هو نفي الناس بالخطف “واغتيال حضورهم وعلاقتهم بعالمهم واتصالهم به، وتعزيز ذلك بالإنكار أو بتغييب… المعلومات عن المغتابين”[55]. التغييب ليس فقط نفيًا للـمُـغـيَّبن، بل هو أيضًا نفيٌ لمجتمعهم وجماعتهم؛ وإنكارُ تـغـييــبـهم ليس فقط نفيُ حقيقة خطفهم ومعرفة مصائرهم بل هو نفيٌ لذكرهم وجعلهم جزءًا من الغيب، من المجهول، فلا يُعرف إن كانوا أحياءًا أم أمواتًا[56]. المُغيَّبون في مَـخْـفَـى، في منفى، في سوريا.

بما يمكن إدراك تجربة “التواري” لعائلة التجارب السورية المماثلة للمنفى. تماثل تجربة التواري تجربة السجن، وهي العيش في مخبئٍ سريٍّ متواريًا بعيدًا عن الأنظار[57]. لذا يمكن اعتبار التواري جزءًا من “مركّب النفي”. عاش الحاج صالح متواريًا لمدة تزيد عن عامين بقليل، وكتبَ من مَخـبـئـه وتنقّل مُتخـفّـيًا بين دوما والغوطة والرقة منتهيًا إلى إسطنبول.

كانت سوريا منفًى لجميع الســوريِّـين كونهم عاشوا مباحينَ بلا حماياتٍ ولا حقوق، على الأقل منفى سياسي لغير حاكميها القابعين فوق القانون[58]. سوريا منفى ومنسى ومخفى ومعتقل ومُغتصِب إذا صح التعبير. ولهذا يشير الحاج صالح بقوله أنّـه كان منفيًا داخل “وطنه”. كلمة “منفى” بالنسبة له لا تصور الحالة السورية باقتدار؛ فكان ينظر للمنفى “بعين السجين ثم بعين المقيم في البلد”[59]. يشيرُ كونه سوريًا إلى منفًى ما!

عنصر النفي هو مُـكـوّنٌ أساسيٌّ للنظام في سوريا، دونه فناء النظام. فَـــ”المنفى عنصر في تركيبة نافية، المنفيون شهود عليها بقدر ما هم نتاجها النوعي. جوهر هذه التركيبة هو الإبادة السياسية، وغايتها هي “التجانس””[60]. وخلاصة القول أنّ السجن والمنفى لا ينفصلان في فكر الحاج صالح، ويتقاطعان ليٌكَمّل أحدهما الآخر مع تجارب مماثلة لهما، كالتغييب والاغتصاب والنسيان. يمكن اتخاذ المنفى والمعتقل كمساحاتٍ للتحرر من قيود داخلية وخارجية. أستعرضُ في الفقرات التالية بإيضاح ما يعنيه الحاج صالح بعمليتي الاسْتحبَـاس والاسْـتِـنْـفَـاء. خلال عملية الاستحباس وقرينتها اللغوية الاستنفاء يحاول أن ينفي المنفيُّ منفاه ويسلبَ السَّـلبَ بمحاولاتٍ عدة لخلق مجالاتِ حرية، حتى ولو صغيرة بالدرجة، في سياقاتٍ هي أصلًا تُمثّــل مَعانٍ لسلبِ الحرية بطرقٍ مُـتـفـاوتـة. فسلبُ السلبِ هو نقيضٌ للسلبِ قبل أنْ يكونَ إيجـابًـا.

الاستِـحْـباسُ والاسـتِـنْـفاءُ: تَـوطِـينُ الأنْـفسِ وتَـوَطُّـنُ الأمـاكِـن

عندما يعـيـشُ السجـين في السجن كأنَّه بـيـته ويتخـذه فرصةً للتَّـنمية الذاتـيَّة والتحرر من سجونٍ أخرى داخلـية فإنه يَستَحْـبِس[61]. عبر عملية الاسْتِحْـباس، يُحاول السجـين أن يُطبِّع وقـتَه في الحـبس بالقيام بأعمالٍ إنـتاجيةٍ باتخاذ السجنِ مساحةً لتغـيِـير النفس والتطوُّر الذاتي[62].

فتجربة الاستِحْـباس تُحِدُّ مِن أذى السجن وتُـبطل بعضًا مِن مفعوله وتُساعد السجينَ على التحرر[63]. يكون هذا التحرر مِن سجونٍ داخلية نَحملها معنا أيـنما ذهـبنا؛ كالتَّـقاليد والعادات والأعراف الاجتماعِـية المُهَـيْمِنة على أفكارنا الشخصية[64]. هذا التحرُّرُ هو “تحـرُّرٌ داخليّ، انعتاق، يُـقوينا في مواجهة الحـبس كـتـقـيِـيدٍ خارجي”[65]. ولذلك يفـتح السجن مجالًا لإعادة التـفكـيرِ في ما نحن عليه وما نُريد أن نكون، فالاستِحْـباس هو “صراعٌ نخوضه في السجن ضد السجن” وما يحويه مِن ظروفٍ لتحدِّيها والبحث من خلالها على أنوارِ الحرية[66]. فالحاج صالح نفسه تغـيَّـرَ في السجن وأعاد التـفكـير في أفكاره السياسية، بالأخص في الشيوعية: “تخلـيَّتُ عن الشيوعية في وقت ما من ثمانِـيـنِـيَّات القرن العشرين… صرتُ على نفورٍ عميق من كل مذهـبِـيَّة مغلقة ومِن كل مَنزع يقـينيٍّ ودوغمائيّ، ومنِ انتهازية أصحاب العقائد ولاأخْلاقِـيَّـتِهمِ العميقة”[67]. كان الحاج صالح يستحْـبِـسُ بالقراءة، ومشاهدة التلفاز ولعب الورق والنوم إن أمكن[68]. أسوأ المعـتـقلين السياسيِّـين في وجهة نظره هم مَن لم يغـيروا أنفسهم، أو بالأحرى مَن لم يغـتـنموا من السجن فرصةً لإعادة تشكيل مَن هم وما هم عليه من أفكارٍ ومعتـقدات. فالحاج صالح تحرَّرَ وفي السجن كانت ثورته، حسبما يُكرِّر[69].

يخطو المنفيُّ خـطوَ السجـين، فيفعل مثله قدر المستطاع إن أُتـيحتِ الظروف. فعندما يتخذ المنفيُّ مَـنْـفـاهُ كـبَـيتٍ من نوعٍ آخر ويجعله فرصةً لبدايةٍ مخـتلفةٍ ليست مُقـيَّدةً بشرطِ العودة، فإنه ’يسْـتَـلْجِئُ‘ أي يتحول مِن كونه لاجـئًا ناجِـيًا فـارًّا من بلده مُـنـتظرًا عودةً ما لـيكون في حكم “اللاجئ المستـقر”[70]. الاستِـنْـفاءُ شبـيه الاستِـلْجاء[71]، فهو أهم ما يواجه المنفيَّ في بـيـئـته الجديدة ويكون عبارةً عن “وصلِ ما انقـطعَ من الحياة، أو استـئـنافِ الحياة، أو ربما العمل على أن يكون اللجـوء فرصةً لـبدايةٍ مخـتلفة”[72].

(يخطو المنفيُّ خـطوَ السجـين، فيفعل مثله قدر المستطاع إن أُتـيحتِ الظروف. فعندما يتخذ المنفيُّ مَـنْـفـاهُ كـبَـيتٍ من نوعٍ آخر ويجعله فرصةً لبدايةٍ مخـتلفةٍ ليست مُقـيَّدةً بشرطِ العودة، فإنه ’يسْـتَـلْجِئُ‘ أي يتحول مِن كونه لاجـئًا ناجِـيًا فـارًّا من بلده مُـنـتظرًا عودةً ما لـيكون في حكم “اللاجئ المستـقر”)

بكـلمات الحاج صالح، الاستِـنْـفاء هو “التمكُّـن بصورةٍ ما من جعل ديارِ اللجوء وطنًا والمَـلْجَأ بـيـتًا”[73]. الاستِـنْـفاء يُـبطل مفعول المنفَى كغربةٍ ويجعلنا نافعـين للـبلدان الجديدة التي قـدِمنا إليها[74]. ولـذلك، باتِّخاذ المنـفَى كفرصة جديدة، يخوض المنفيُّ صراعًا جديدًا بالإضافة إلى الصراعِ “القـديمِ” الذي تركه خلفه في وطنه ليسْـتَأْنِس البلد المضِيف ولا يجعل نفسه عُرضةَ انـتظارِ العودة للبيت أو للوطن لسنواتٍ غير معـدودة[75]. إضافةً إلى ذلك، فـللمَنْـفِـيِّـين، مثل المعـتـقـلين، نظامٌ زمَنيٌّ خاصٌّ يغاير المجرَى “الطبيعيَّ” للأحداث؛ حتى أن اللاجئ، حسبما يُجادل الحاج صالح، يعـيشُ في المؤقَّـت من الزمن، بعد انخلاعه من المكان وأصبح “خارج المكان”: “لـنا في المنفَى ماضيان نـتعـثَّر في التحرك بـينهما. ماضِينا قبل المنفى، وماضِينا في المنفَى”[76]. فالماضي قبل المنفى يظهر كأنه زمن الحرية، ويكون الحاضر (أي حاضر المنفى وماضيه) حِـيرةً وقَـلَـقًا ويبدو المستـقـبل عودةً مأمولةً أو ضَياعًا مستمرًّا وانخلاعًا تامًّا[77]. وتجربة المنفى هي ليست فـقط الإقامة في مكانٍ غريب (ليس فقط مخـتلف) بل أيضًا “إقامةٌ في الزمن الفاصِل بين ما قـبل وما بعد، في المؤقَّـت”[78]. هذا المؤقَّـت يتمثَّـل في عَـيش الانـتـظار، انـتـظارُ عودةٍ ما والعـيش على أمل هذه العودة التي قد لا تأتي أبدًا. في هذا السياق، ينفي المنـفِيُّ منْـفَاه بعملية الاستِـنْـفاء.

قبل الخوضِ باستِـفاضةٍ في مَاهية عملية الاستِـنْـفاء وأمثـلـتها، بالأحْرى لـفهمها، نُـكملُ الحديث عن معنى الحرية في فـكر الحاج صالح، الذي على صلةٍ وثـيقةٍ بمعاني النفس والسجن والعالم والمنفَى وبالطبع الاستِـنْـفاء. فالخروج من البـيت من أجل الحرية هو فِعلُ حريَّة رغم قـسوته. فالمنفَى في حد ذاته قد يكون نواةً للحرية مثل ما كان أثرًا للسعي إليها، شريطةَ أن يصحَبه تغيِـيرٌ في النفس وتطوُّرٌ في الفكر وتنميةٌ للذات. فالحركة إحدى تمثـيلات الحرية “من حيث أنها خروجٌ على (مِنْوال)، وليس خروجًا من (مَكَانٍ) فقط… لا نكون أحرارًا حين نخرج، إلا حين لا نخرج بالصورة ذاتها في كل مرة، أيّ حين نخرج على خروجِـنا أيضًا”. فالحركة لابدَّ أن تكون متحركةً في حد ذاتها، أي متغَـيِّرة، ليست حركةً من روتـينٍ إلى روتـين، فمن “يخرجُ ويخرجُ على خروجه… يتحرَّر”[79]. هذا الخروج قبل أن يكون خروجًا من البيتِ (مِن مكانٍ ما) يكونُ خُـروجًا من النفسِ ذاتها، مِن عاداتها ومألوفـاتها[80]. بهذا يكون الخروج خروجَ تحررٍ وتغـيِـير.

جديرٌ بالذكر أنَّ هذا النوع من الحرية الذي دائمًا ما يرنو إليه الحاج صالح يُخالف الحرية الكولونـيَالِيَّة، والتي لا تَتحـقَّـقُ إلا بالتوسع على حساب الغـير أو مصحُوبةٍ بالفردانِـيَّة التامَّة وإهمال حق الغَـير[81]. وعلى العكس من ذلك، نجد أنّ إحدى مكـوِّنات هذه الحرية في رؤية الحاج صالح هي العمل على اتِّـساع أنفسنا لـتسع الآخرين وتَـقْـبلهم. بهذا يكون البيت الواحد بـيوتًا للآخرين، ويـتَـأتَّى من النفـس الواحدة تِرحابٌ ليَسَعَ آخرين مخـتلفـين[82].

في هذا الإطار، ينفي المنفيُّ مَنْـفَاه بالاعتراف به وقـبوله كمنفًى أولًا ثم التـفـكر في كيفية التعامل معه والبناء عليه والحركة مِـن خلاله. فَـ “إنكارُ المنفى يُمكن أن يأخذ شكل انعزالٍ عن المجتمع الجديد في انـتـظار “عودةٍ إلى البيت”، قد تـتأخر كثيرًا أو لا تأتي أبدًا. لكنه يمكن أن يأخذ شكل “ذَوَبانٍ” في المجتمع الجديد، ومحوٍ تامٍ للماضي” وكـلًّا منهما لا يمكن أن يكونا تجربةً مُحرِّرة، بل هي “تجربةُ تبعـيَّةٍ والْـتحاق”[83]. ويبقى السؤال إذن، كيف يمكن للمنفَى أن يكونَ تجربةَ حريةٍ وتحرُّر؟[84] وما دور الاستِـنْـفاء في تمهيد الطريق لهذا النوع من التجارب؟

الاستِـنْـفاءُ هو دربُ حرية. يكون المنفى تجربةً تحرُّرِيَّة إذَا اتَّخذه المنفيُّ فرصةً للتعلم ولرَتْـقِ إخْفاقاتٍ قديمة. ولا يحصلُ هذا ابتـداءً إلا بمقاومةِ نظام المنفى ذاته (الزَمَنِي والمَكَانِي) الذي هو نِـتاج ما سُـلِبَ مِن حريةِ اخـتـيارِ البقاء، وبالتـبَعِـيَّة فهو نِـتاج ما فُرضَ قـسْـرًا بالخروج والحرمان من العودة. في المنفَى، نخرجُ على خروجنا هذا بالانخراط في المجتمع الجديد وبناء “تـقالـيدَ” جديدة، والمساهمة في خلق بيوتٍ مغايرة تُعوِّضنا عمَّا فـقـدناه وأخيرًا توسيع آفاق تـفكيرنا واهتماماتـنا السياسية[85]. فكما كانت ثورة الحاج صالح في السجن وبه حصل تحرُّره، كـذلك المنفى يكون مكانًا للثورةِ فوقَ الثورة واسْتِـيـزاد نوع تحرُّرٍ نفسيٍّ وفِكريٍّ يفُوق أقصى ما يؤمله المعتَـنِـين بهذا الفعل المسمَّى “تحرُّر”. هذا التحرُّر إذن يكون بالانفـصال نسبـيًّا عن النفس القديمة ومحاولة الارتـقاء أخلاقـيًّا، فَـ”التمسك بالنفس القديمة وفاءًا للوطن هو الخيانة الحقـيقية. نحتاج في المنفَى، كما في السجن، إلى أن نغـيِّر أنفسنا، كي نتحرر”[86]. وهكذا يحدث الاستِـنْفاء، فقط عندما نعطي معانٍ جـديدةٍ للمنفَى.

يعطي الحاج صالح كذلك أمثـلةً شخصية للاستِـنْـفاء تعمل كمضادَّاتٍ نوعـية ضدّ سُـمّ تجربة المنفى[87]. منها على سبيل المثال: تكوين صداقاتٍ جديدة أو استِرجاع صداقاتٍ قـديمة في البلد المُضيف. فالصّداقات تُـقَـلِّـلُ مِن أعجمية المكان وغربَـته وتمحو بعضًا من وحشته، كما أنها تُساعد على استِـيطان الأماكن الجديدة وتكوين هواياتٍ ضمن هذه السياقات[88]. وينفي الحاج صالح منفاهُ أيضًا عن طريق العمل، فالكتابة بمثابة جِسرٍ يصله بسوريا وبالسوريِّـين. لأن كِـتاباته بمَثَابة وطنه المُختار، يحمله على ظهره أينما حلّ، إليه يـنـتمي ومنه يكون[89]. وثمَّةَ تِـرياقٌ آخر وهو تعلم لغة بلد المنفَى. فـتعلُّم لغة المكان يُخفِّـف وحشته وينزع بعضًا من صفاته كـ”منفَى”[90]. مثالٌ آخر هو محاولة تملُّـك “منزل”؛ ليكون بـيئةً خاصَّةً يرجع إليها الفرد لتستـقرّ نفسه وتطمئن. إنه هذا الفضاء الشخصيُّ الصغير جدًّا الذي يذهب إليه الشخص ويخلو به مع ذاته، ليألفها وتألفه، ويكون نقطةَ مرجعه وحيِّزِه الخاص الذي به يبني (ويستـرجع) ذكرياته ويـلم شمل نفسه فيه[91]. يمدُّنا المنفى أيضًا بمساحةٍ لإعادة التفكـير في معـتـقـداتـنا السياسية ونظرتـنا للأحداث الجارية عن بعدٍ بطريقة شاملة نسبـيًّا. المنفى أيضًا قد يكون بابًا لتـفكـيك أفكارٍ متعلقة بالتاريخ والسياسية والتـقـدم[92].

جديرٌ بالذكر أن عملـيتَيِ “الاستحباس” و”الاستِـنْـفاء” بالنسبة للحاج صالح ليسَتَا مجرد آلياتِ تكـيُّـف (coping mechanisms) مع الوضع السائد، بل أداتَـين يتعرف بهما المرء على وضعه الجديد ويستخدمهما لإعادة تـشكيل مَن هو وما يحب أن يرى نفسه عليه. هما أيضًا غير محدَّدتَيِ العوالم، فكل شخصٍ يستَحـبـس ويسـتَـنْـفِي على طريقـته الخاصة. يجب التـنويه أيضًا أن عمليتَيِ الاستِحـباس والاستـنـفاء هما رهـنًا لبنـيتهم الاجتماعية؛ فـمن موانِعِ الاستحـباس النفي لسجونٍ مثل تـدمر وصيـدنايا وغيرهما، لشدة قـسوتهم. كذلك في ظروفِ اللُّجوء بالغة القسوة، كالعيش في خَـيمةٍ أو معسكرِ لجُوء لا يُعطي للمساحة الشخصية أي فرصة، فيكون بذلك المنفى استمرارًا لتجربة “الاقـتلاع والنفي”[93].

العيش “حول” المنفَي لـيس فيه: استـقـلالية المنفى وتبعـيَّـته في آنٍ واحد

كلمة “منفى” غير كافـية لتصف حال الأغلبية من اللاجئين السوريِّـين[94]. فالمنفى، مثلما السجن، لا يمكن حَصْر مدلوله على مكانٍ ما بزمنٍ معين، فـتجسيد تجربة المنفى تعيد تشكيل رابطة الزمان والمكان عندما تتراكم تواريخ من الخوفِ والقمع على جسدِ شخصٍ ما أينما يغدو ويروح. لا أعني بهذا القول أنّ “المنفى” له استقلاليته وأنظمته الوقْـتِـية والمكانية المختلفة وهو منعزل عن السياق الاجتماعي المنبثق منه، بل على العكس، فكـتابات الحاج صالح تُسيِّـس (politicizes) وتؤرِّخ (historicizes) تجربة المنفى. نعم، هو يدّعي خصوصية التجربة وأثرها الشخصي، لكنه لا يؤصّلها؛ ولذلك، فالمنفى هو تجربة –مهما تفاوت معيار دقـتها– تعـتري الشخص فيُعرِّف نفسَه بها. هي حالة منعٍ وحرمان، لا يمكن اقـتصارها على المستوى الشخصي، بل هي متعددة الجوانب يلعب السياق السياسيُّ والاجتماعيُّ دورًا أساسيًّا في إنـتاجها، وهي متمَركِـزة في وقتٍ ومكانٍ معين.

عبر تحليل الهَـيْكـلية الاجتماعية للانـتـفاضة السوريَّة التي أَنـتجتِ المنافي، لا يجعل الحاج صالح المنفى أو الوطن الأصلي تجربةً رومانسية أو مثالية[95]، فطريقة تحليله للمنفى تجعله ينظر إلى أسبابه وعواقـبه في هيكلٍ واحد على حدٍّ سواء. ورغم أنه يركز على تجربته الشخصية والحسية، فهو يجعلها في إطارٍ عامٍّ للنسيج الاجتماعي المُكوّن لها.

كلمة “منفى” غير كافـية لتصف حال الأغلبية من اللاجئين السوريِّـين[94]. فالمنفى، مثلما السجن، لا يمكن حَصْر مدلوله على مكانٍ ما بزمنٍ معين، فـتجسيد تجربة المنفى تعيد تشكيل رابطة الزمان والمكان عندما تتراكم تواريخ من الخوفِ والقمع على جسدِ شخصٍ ما أينما يغدو ويروح.

المنفى، أي الغربة القسرية، في وجهة نظر الحاج صالح هو حالة تمزق بَـينية، تتلاقى بين طيّاتها حالة المنفى والبلد المحطَّم سويًّا[96]. فداخل سوريا وخارجها متماهيان، “نعيش في “الخارج”، لكن لنا في “الداخل” أحباء يعانون أوضاعًا أقسى من وضعنا: الخطف والاعتقال، وانقطاع الأثر”[97]. فبينما يعيش المنفيون خارج سوريا، فـتجاربهم الشخصية متمركزةً حول العيش خارجها بالنظر للخلف وبالداخل السوري، أي “حول” منفاهم وليس “فيه”[98]. هذا يجعل استـقلالية المنفى شبه مستحيلة. وكذلك لا يقتصر على جَعْـل المنفيِّـين فقط منفـيُّون وحسب، بل هم جزءًا لا يتجزأ من الحياة السياسية السورية. فـبينَ هنا وهناك، لا ينفصلُ السوريون عن الأحداث السياسية داخل بلدهم، إضافة إلى الحال السياسية في المجتمع المُضيف. فصراع السوريين مزدوج ومُركَّبٌ من الصراع في المجتمع الجديد التاريخي وصراعٌ في المجتمع القديم الأبدي، في سوريا. رغم ذلك، فالمنفى “تجربة مستقلة… ﺑﺣﻛم ﻛوﻧﮭﺎ ﺗﺟرﺑﺔَ اﻧﻔﺻﺎلٍ وفَـكَّ ارﺗﺑﺎطٍ ﻣﻊ ﺣﯾﺎة ﺳﺎﺑﻘﺔ”[99].

لكن هذا المزيج من استقلال تجربة المنفى عن الوطن النافي وتعذر استقلالها في نفس الوقت “ﯾُﺷﻛّـل ﺟوھر اﻟﺗﺟرﺑﺔ وھو ﻣﻧﺑﻊ ﻗـﻠﻘﮭﺎ وﻋدم اﺳﺗﻘرارھﺎ”[100]. إذا الْـتـفـتْـنا على سبيل المثال لـإدوارد سعيد فسوف نُصادف تـقْريره لكونِ المنفيُّ يظـلُّ غريبًا على الدوام من محيطه[101] والمنفـيُّون يشعرون باختلافاتهم مهما حققوا من نجاحات[102]. فالعيش في المنفى يجمع المتناقضين: الارتباط بالوطن والاستقلال عنه معًا؛ مما يجعل هذه التجربة مليئة بعدم الاستقرار واللَّايَـقِـين.

اللاجئُ والمنفي: أهـليَّةُ المنفيِّـين وفاعـلِـيَّتهم

قبل الخوض في تمييز الحاج صالح بين اللاجئ والمنفِي، نعرِّج على سؤال الفاعلية الإنسانية. يُنظَر إلى الفاعلية ليس أنها معاكسة للـبنية، بل مُكونة لها. فـ”وجود البِـنَى ينطوي على الفاعلية” ولا ينفـيها[103]. ولا يمكن النظر إلى الفاعلية كونها متشابهة في كل وقت وحين، بل تخـتـلف حسب بنيتها الاجتماعية ونطاقها السياسي. لذلك فالتركيز على الفاعلية يجعل التغيـيرَ الاجتماعيَّ ممكنًا[104]، ونفيها المستمر يعني تأبيد الحاضر. ومن هنا فسؤال الفاعلية محوري وأساسي في كتابات الحاج صالح، وهو واضح في تـفريقه بين اللاجئ والمنفِي.

ارتبط مصطلح “النـفي” قـديمًا بالاحتلال، وكان يقـدّمُ كعقوبة قانونية لعزل المتمردين على الأحوال السائدة خارج بلدانهم. وإبَّان قيام الدولة الحديثة، انْـتَـفى النـفي كعقوبة قانونية وصار السجن بديلًا عنه[105]. ثم آل الأمر عقب الحرب العالمية الثانية إلى أخْذِ مصطلح اللجوء في الظهور بشدة كمصطلح قانوني لحماية المُشرَّدين والمطرودين، وصار “المنفى” حقلًا للأدب والشعر لأولئك المطرودين[106]. فالتميز الأساس، يمكن القول، بين اللاجئ والمنفي في دراسات اللجوء هو أن اللجوء مصطلح قانوني مؤصل في الدولة القومية الحديثة في أوروبا، فهو نتاج دولة القرن العشرين، بينما المنفى فلا أساس قانوني له.

كون اللجوء مصطلح قانوني يجعل له بنية قانونية وسياسية واجتماعية وحقوقية تخص قوانين وواجبات اللجوء والحماية وغيرهم[107]. وبالطبع ليس هذا للقول أن قبل الحرب العالمية الثانية لم يكن هناك “لاجئين”، بل إنّ البـنية القانونية للجوء كما هي الآن لم تكن موجودة قبل ذلك الوقت[108]. إضافة إلى ذلك، اكـتسب اللجوء دلالة سياسية تـقـترن بحاجة المشردين من بلادهم إلى المساعدات الإنسانية العاجلة مما صاحبه نشوء بعض المؤسسات التي تعمل على قضايا اللاجئين إلى الآن، أبرزها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وغيرها[109].

يضيف الحاج صالح إلى ذلك شرطَيِ المكان والزمان والاخـتـيار، للتفريق بين اللاجئ والمنفى[110]. إذ كلما ابتعدت المسافة وطالت المدة بعيدًا عن الوطن، كلما صار اللاجئ منفيًّا أكثر، والعكس صحيح. فاللُّجوء “هو الطورُ الباكرُ من تجربة المنفَى”[111]. وكل منفى يبدأ بلجوءٍ لكن ليس كل لجوءٍ ينتهي بمنفَى. فاللاجئ، بالنسبة للحاج صالح، يبحث عن أقرب المناطق أمانًا له ويتحيَّن فرص العودة، بينما المنفي يختار منفاه الذي يرى به حياةً أفضل ومستقبلًا أكثر استقرارًا ويقـينًا، فكل الملاجئ التي لا تنالها الدولة النافية تلبي مطلب النجاة[112].

شرط النفي هو صعوبة تـذليل المسافات، أي البعد. فطالما اقترن المنفى بالخارج الذي تصعب الرجعة منه. “المرء يلجأ إلى أقرب ملجأ آمن، إلى تركيا: لسكان المناطق الشمالية من سوريا، وإلى الأردن: لسكان المناطق الجنوبية، وإلى لبنان: لسكان حمص ودمشق، وحين يذهب إلى أبعد فإنه يتجاوز وضع اللاجئ المضطر الذي يتحين فرص العودة إلى وضع المنفي الذي يخطط لحياته حيث يفضل أن يكون. فكلما طال بنا الأمد بعيدًا عن مواطننا، أو كلما أزْمن الاقـتلاع… وبعُدتِ المسافة، انقلب حالنا من لاجئين إلى منفيِّـين”[113]. إذن، بالنسبة للحاج صالح، في المنفى اختيار وتفضيل بين قريب وبعيد؛ “المنفى اخـتـياري بقدر ما، اختياري ضمن شرط الإكراه إن جاز التعبير. تركيا ملجأ، ألمانيا منفى. لا نأتي إلى ألمانيا بحثًا عن أمان، بل عما يتجاوز ذلك من حياة يمكن التخطيط لها والإمساك بها”[114]. وعليه، يمكن القول أنّ في المنفى فاعلية أكثر منه في اللجوء. هذا التمييز بين المنفي واللاجئ غرضه عَـقْـلَـنَة الظروف وتملُّك التجارب التي يمر بها المَطرودون (السوريون) من بلادهم[115].

لأول وهلة، قد يبدو من الغريب القول أنّ المنفى اخـتـياريًّا متضمنًا شرط الإكراه، كالقول أنَّـه مستقلًّا متضمنًا شرط التـبعية كما تقدم. فنحن أمام تجربةٍ تجمع التناقضين. على أيِّ حال، ستختلف المفردات والتحاليل بناءً على موضعنا وإلى أيِّ الأطراف ننظر ومن أيهم نبدأ التحليل. في تناولِي لكتابات الحاج صالح، هَـدَفي ليس فقط الاشتباك مع المفردات وكَوْنها تصف التجربة، بل كيف يصل الحاج صالح إلى هذه المفردات وإلى أين توصلنا إن اتخذناها كلمات مفتاحية لفهم الوضع الحالي وعقْـلَـنَته.

إعادة صياغة من هو اللاجئ وربطه بالمنفي هو استحداث سردية تخالف السرديات “الدولية” المتناوِلة لقضايا اللاجئين[116] التي طالما انطوت على الأمننة والمساعدات الإنسانية وحوكمة الحدود، مما يمثل ليس فقط انحيازًا لصراعهم بل محاولة لتطويع الأدوات المعرفية لعقلنة تجاربهم من وجهة نظرهم. فمنظوره هذا يُعَـدُّ خروجًا عن “المنظور القومي”، أي رؤية الظواهر الاجتماعية من وجهة نظر الدولة القومية، التي اعتادت العلومُ الاجتماعية تناول قضايا اللاجئين من خلاله[117].

والأهم، هذا المنظور الذي يطرحه الحاج صالح هو بمثابة كسر صورة المنفي أو اللاجئ كضحية. عمل الحاج صالح على إنشاء البيت الثـقافي السوري “هامش” في اسطنبول، وكان أحد أهداف “هامش” كسر صورة السوري كضحية في المجتمع التركي والمساهمة ﻓﻲ ﺟﻌل اﻟﺳورﯾِّـﯾن ﻣرﺋِـﯾِّـﯾن ﻓﻲ اﻟﻣﺟﺗﻣﻊ اﻟﺗرﻛﻲ[118]. الاستِـنْـفاء كتجربة هي من وجهة نظر المنفـيِّـين، كما الاستِحْـباس من وجهة نظر المعتقلين. وتكفي الاتفاقِـية الأوربية التركية في شباط 2016 لمواجهة أزمة اللاجئين مِصداقا لتمثيل الخطاب الذي ينظر للَّاجئين كخطرٍ وكضحايا مسلوبِي الفاعلية. فالاتـفاقية الأوربية تلك حدّتْ من حركة اللاجئين داخل تركيا وقطعت طريق لجوئهم في أوروبا[119]. معاملة اللاجئين كضحايا منزوعي الذاتية ومفقودي الأهلية يماثله أيضًا استخدامهم كتهديد للدول المجاورة لإبرام اتفاقاتٍ جِـيُوسياسية. إضافةً إلى الاتفاقية التركية-الأوربية، طلب أردوغان من أوروبا الدعم قُـبَيْل عملية “نبع السلام” بحُـجّةِ خلق منطقة حُـدوديَّة آمنة مع سوريا، وأيضًا لمواجهة الانتقادات الدولية لعمليته المنشودة مهدِّدًا أنه سيفتح على أوروبا أبواب اللاجئين[120].

وعلى ذلك، فـتـفريق الحاج صالح بين اللجوء والمنفى هو من وجهة نظر المنفـيِّـين واللاجئين أنفسهم، من موضعهم، كسبيلٍ لإبراز فاعليتهم وبيان أهليتهم التي “تـنفـيها” ظروف تهجـيرهم من جهة، وظروف المجتمع المضِيف والخطاب الدولي المنوط بالمساعدات الإنسانية والإغاثة تجاههم من جهة أخرى. إضافةً إلى ذلك، هذا ليس فقط موقف نظري يساعد الحاج صالح في عـقْـلَـنة حال المنفـيِّـين، بل موقف تكويني عن النَّـظر للمنفى وكيف يمكن التأمل في أعماله.

نَـفيُ المنفَى بنفـيِ الوطن:

يطور الحاج صالح مساعي “نفي المنفى” ليُبرْهن على أن القومية ليست حلًا لتجربة المنفى. فـ”إسرائيل التي نفت المنفى اليهودي نفت الفلسطينيِّـين من أرضهم وعملت على نفيهم من التاريخ. ودُوَلنا الركيكة تنفي قطاعات من سكانها فتحرمهم من الجنسية”[121]. فالصهيونية التي نفت المنفى اليهودي أوجبت المنفى الفلسطيني، فنفت نفي منفاها بإيجادها منفًى آخر[122]. لكن يمكن نفي المنفى نفيًا غير وطني بالنسبة للحاج صالح عن طريق نفي الوطن نفسه والاستِـنْـفاء “يمكن أن يجري “نفي المنفى” عبر نفي الوطن، أو نفي التمركز حول الوطن الذي هو السمة المعرِّفة للتـفكير في المنفى”[123]. فالنفي الجِذري للمنفى يشترط نفي الوطن.

الاستـنفاء هو نفيٌ غير وطنيٍّ للمنفى، ولنا أن نقول: هو نفي للمنفى في المنفى وهو نفيٌ للوطن كـذلك. ولهذا النوع من النفي غير الوطنيِّ أمثلة عدة: فيُمكن نفي الوطن عن طريق نفي القومية بعدم اعتبارها الكيان المُعرِّف للأماكن والبشر، كما في “المنهجية القومية” التي تأخذ من الدولة القومية الحديثة نظامًا طبيعيًّا حول العالم لا يرقى إليه الشك لتفسير الظواهر الاجتماعية وإنتاج المعرفة[124]. أدورنو على سبيل المثال اتخذ من الكتابة وطنًا له، فنفى موطنه الأصلي وحـيّـده[125].

دعا الحاج صالح إلى إعادة التفكير في الثورة السورية؛ فبدلًا من أن تكون فقط عبارة عن مراحل زمنية بانتهائها تنتهي الثورة، يمكن فهمها كطبقةٍ من الممارسات والتجارب الشخصية، وتـقـليدٍ يبقى حيًّا ومتجددًا، وتـراثٍ ذو معنى ممتـدٍّ عبر أجيال وحياةٍ مُعاشة[126]. بنفس المنطق، يحدث النفي غير الوطني للمنفي بإعادة التفكير في ماهية الوطن. فقد ظهرت بعض الدراسات عن أن الوطن هو عبارة عن ممارسات، فأينما حللت صنعتَ وطنًا إن أردت[127]. هذا واضح في بعض الدراسات الفلسطينية التي تتجاوز الأسر النظري المنوط بـِ”حق العودة” لتـنظر كيف يصنع المهجَّرون الفلسطينيُّون أوطانَهم في بيئاتهم، وكيف يخلقون “فلسطين” صغيرة بالخارج[128]. في الدراسات الخاصة بالبيئة الحضرية في الحقل الأكاديمي الخاص بدراسات الهجرة، ظهرت دراسات تدعو إلى محاولة فهم أفعال المهاجرين بجميع أطيافهم جنبًا إلى جنب مع سكان البلد الأصليين وتشكيلهم للمكان المتواجدين فيه، وبهذا لا يتم أخذ العِرق أو القوميَّة كـنقطة انطلاقٍ، وإنما تكُونُ البيئة الحضرية التي نتشاركها جميعًا هي مركز البحث[129].

ويمكن التفكير، نظريًّا، بأن الوطن بدايةً هو افتراضٌ يسبق واقعه الاجتماعي، وأن إعادة تعريف “الوطن” على المستوى الشخصي تُسائـل السرديات القومية والهويات الجامدة مما يجعلها أيضًا إحدى طرق الاستِـنْفاء[130]. وتظل ماهية الوطن رهنًا للسياق الاجتماعي له وكيف يُعرِّفُ مجموعةٌ ما وطنَهم، لاجئون كانوا أم مهاجرون أم حتى سكانًا أصليِّـين لم يُجـبروا على مغادرة بلدانهم، وكيف يصنعوه في حياتهم اليومية[131].

نهاية المنفى: عالم المنفى ومنفى العالم

جديرٌ بالذكر أنّه بالنسبة للحاج صالح ما يَشهده السوريون ليسَ فقط مقتصرًا عليهم؛ فالمسألة السورية مسألةٌ عالمية حيث أنّ “الديمقراطية في أزمةٍ في مخـتلف أنحاء العالم، وسوريا هي ضحية هذه الأزمة”[132]. بكلماتٍ أخرى، الصراع السوري هو خير دليل على أن العالم برمته يتم ’سَرْيَـنَـتَـه‘: “فالعالم سوريا كبيرة… وتغيره يعني تعميم [المصير] الرهيب الذي أصابنا، أي في سوريا، في العالم كله”[133]. في سوريا “أربعة من دول مجلس الأمن الخمسة تُـشارك بقوات عسكرية… وسبقـتْها إليها إيران ولبنان والعراق، ولحقـتها تركيا بعد التدخُّلَين الأميركي والروسي. وإسرائيل دومًا في ضربات مباشرة أو بتأثير غير مباشر… وشاركت الجِهادية السُّنِّـيَّة العالمية في الصراع بمجاهدِين قـدِموا من 80 بلدًا، أو من 100 بلد بحسب تقديرات أخرى… وجاء الجهاديون الشيعة من بلدان أقل عددًا، لكن بمشاركة مباشرة وتنسيق من قبل المركز الشيعي العالمي، إيران”[134].

قد تكون الحرب في سوريا عالمية، لكن بالتأكيد ظهر العالم هناك بشكل حربي. الحربية في سوريا عالمية لأنها لا تقتصر على دول فقط بل مليشِيَّات ومجموعات مدعومة من دول خارجية ومنظمات ما دون الدولة، بطريقة متـشابكة ومعقّدة[135]. انخرط العالم بأشكالٍ مختلفة في الصراع السوري وتجزّأت سوريا وصار بها خمس احتلالات[136]. “كثيرٌ من داخل سوريا خارجها، وكثير من خارج سوريا داخلها. هناك سوريا اليوم في تركيا (فوق 12% من السوريِّـين)، في لبنان والأردن (البلدان الشقيقان الجاران الذَّيْن يُعامل فيهما اللاجئون السوريون أسوأ معاملة)، في ألمانيا، وفي كل مكان. وهناك روسيا في سوريا، وإيران في سوريا، والأمَمِية الجهادية العالمية في سوريا، وتركيا، وحزب البي كي كي، وحتى بشار الأسد”[137]. الدولة الخاصة ونظامها الإبَـادي مَحْمِيٌّ بحِراب أجنبية ويعاد تأهيلها لإطفاء الشرعية على نظامها الأسدي مجددًا، فالصراع ليس محليًّا بل عالميًّا، ومحاولات إعادة الشرعية لنظام الأسد تمر أمام أنظار العالم[138]. والنظام الدولي شريك في جعل سوريا كـ”مَـنْسَى” قبل أن تكونَ مَيدانًا لهذه المعركة الحربية التي مَسرحها في الأساس العالم، وسوريا إحدى تمثـيلاتها[139]. فتحوّل الصراع السوري إلى “صراع فوق وتحت سوري، إقليمي وطائفي” وعالمي[140].

قُـتلتِ الثورة وقُـتّـلتْ. هذا كله، جعل المشكلة السورية قضيةً عالمية اسمها “القضية السورية”[141]. التفكـير في عالمية سوريا أدى بالحاج صالح إلى إعادة التفكير في “الشمال”، أي غرب أوروبا، حيث بِيئات الاستقبال التي يلجأ إليها السوريون كمنفى وجعله جزءًا هامًا في “مُرَكَّبِ المنفى” إلى جانب الدولة النافية والمنفيِّـين أنفسهم. فـ”الشمال” هو ما شكّل العالم في صورته اليوم، عبر تجارب منها الاستعمار وبناء المؤسسات الدولية “والقانون الدولي الحالي الذي ينظم علاقات بين دول… تعرض استعدادات نفـيِـيَّة وإباديَّة تبدو متأصلة فيها جوهريًّا، ومنها فيما يخصنا رعاية الاستـثـناء الإسرائيلي واستـثـناءات أخرى”[142]. هذا الجفاء في التعامل مع قضايا اللاجئين تـنصُّلٌ من مسؤولية تشكيل العالم كما هو عليه الآن، فالسماء لا تُمطر لاجئين! كان هذا مُحفِّزًا لإعادة النظر في النظام العالمي كَكُل، في العالم أجمع[143].

هذا الربط وثـيق الصلة بين العالمي والمحلي عند الحاج صالح لا يتوقف فقط عند المستوى السياسي، بل نراه أيضًا واضحًا في تصوراته لما هو “شخصي” وتناوله إياه[144]: “يرتبط خطف سميرة وفراس[145]، و”اخـتـفاؤهما”… بثلاثة قوى وحشية: نظام الأسد الفاشي، والتنظيمات الإسلامية العدَمية، والنظام العالمي الأوليغارشي [أي حكم الأقلية]. حرية أحبابي ومستقبل العالم أمران مترابطان. علينا أن نروِّض وحوش الدولة والدين والعالم، أو نؤنْسِنَها، إذا كنّا نتطلع إلى مستقبل أقل قسوة”[146]. لذلك فإن رسائل الحاج صالح لزوجته سميرة الخليل المخطوفة في دوما منذ ديسمبر 2013، تُـبرز جزءًا لا يُستهانُ به من فكره الحالي، وهي دليلٌ على تقاطع السياسي مع الشخصي في الحديث عن الثورة السورية[147]. وبالعودة إلى الباحث مسوح، فإن كتابات الحاج صالح عن السجن والمنفى (أو بالأحرى السجن/المنفى) لا تُقرأ ككتابات شخصية[148]، بل هي “دعوة للسوريِّـين لمحاكات بعضهم الآخر وإعادة كتابة تاريخهم جماعيًّا واستعادة ما يعنيه أن تكونَ جزءًا من مُواطَنة عالمية حديثة”[149].

في تحليله، يستعمل الحاج صالح “العالَم” كوحدة تحليل متخيلة تُساوي وحدات “المنفى” و”الوطن”[150]. فتصوُّر العالم كمَنْفَى كـبير يُحتم علينا التفكير في أوجه الظلم المختلفة حول العالم بأسْره، التي تـنـبثق منها سوريا كمجرد مثال. أوجُه الظلم هذه من منظور الحاج صالح متصلة بل ومعتمدة على بعضها بعض. فلذلك يمكن القول أنَّ عالم المنفيِّـين هو جزءٌ من منفَى العالم وشبيه به [151]. بكلماتٍ أخرى، الأشخاص المنفيُّون موجودون في العالم الذي هو منفاهم أيضًا. فعالَمنا الحالي هو منفًى، سُلِبَ الجميع فيه حرِّيَّته بطرق نسبية ومتمايزة. يطابقُ هذا المنطق الوطنَ والمنفى على حدٍّ سواء: “الوطن هو العالم الذي هو المنفى أيضًا”[152]. فنحنُ “بلا وطن في العالم، وبلا منفًى لأننا في العالم”[153]. فـ”مركب المنفى هو عالم اليوم” ووطننا هو العالم الذي هو منفانا أيضًا[154].

ربط القضية السورية بالعالم وبمصيره من جهة، وتقرير العالم كمنفى من جهة أخرى للسوريِّـين وغيرهم بطرق متفاوتة يجعلنا جميعًا في منفى، في منفًى لا يَفْـنَى إذا صح القول. شريطة فـنائه هي تغيره ككل، أو تغير جزءًا منه سعيا لتغيُّره ككل (إن جاز لنا تقطيعه من الأساس). فناؤه هذا كامن وحّـيثي، منطبق بداخله، مصيريٌّ بمصير ذواته وفاعليتهم. ولذلك، لا حلول محلية لمشكلات عالمية، وواجب على تفكيرنا وسياستـنا أن يلاقيا عالمية العالم[155]. مصير العالم كامن بداخله وليس خارجه، وطوباه مصاحبة له وكامنة وواقعية، ليست منفصلة ولا متعالية ولا خارجة عنه[156]. إنه هنا والآن، ونحنُ جميعًا نُشكّله بأفعالنا اليومية: فَـ”لا بد من تغـيـير العالم في العالم”[157]. يماثلُ هذا أيضًا قول الحاج صالح بأن تغـيِـير سوريا يبدأ بتغيير العالم أجمع[158]. باختصار، يرى الحاج صالح أن عملية التحرر متصلة ومتشابكة؛ العالمي يتداخل مع المحلي والمجتمعي يصاحبه الذاتي. هذا كله يجعل المنفى، كما يراه الحاج صالح، عالمي، حيث تنخرط قوى عالمية في تشكيله واستمراره.

خاتمة: المنفى كإقصاءٍ وتهميش

يأخذ الحاج صالح على عاتـقه تطوير نقد جذري تحرُّرِي منحاز سياسيًّا وثقافيًّا، فهو يأخذ من قضايا الكرامة والعدالة مُنطلـقه الأساس ويمركز أصحاب تلك القضايا خلال تمثـيلهم ويبدأ بما قد يكون من وجهة نظرهم (وهو واحد منهم) [159]. هذا واضح على سبيل المثال في شرحه للثورة السورية وبِنيتها وما آلت إليه ونقده لأنواع معينة من التضامن معها إلى غير ذلك. ويظهر هذا بوضوح في فهمه للمنفى كبنية سياسية كما وضّحت، ليس مجرد تجربة، مما يجعلنا عندما نتكلم عن المنفى السوري، خارج البلد، فنحن نتحدَّث عن نواة البلد ودواخلها، وعندما نتكلم عن سوريا فنحن نتكلم عن العالم.

أخْـذًا في الحسبان ما سلف ذكره، من أن كتابات الحاج صالح متشابكة ومتعددة الأوجه وأحيانًا مفتوحة المعاني. لذا يمكن استخلاص تعريف الحاج صالح للمنفى بصفة عامة أنه محاولات عدة للإقصاء والتهميش. هذه المحاولات هي نتاج “بنية سياسية نافية”. في السياق السوري، هذه البنية ليست فقط إقصائية، بل إبادية. فعل النفي هو فعل عنفٍ بالأساس، سياسيُّ الجوهر. يشتمل مُركَّب النفي هذا على البنية النافـية والمنفيون ذاتهم وبيئات استقبالهم. والخلاصة أنَّ للمنفَى أشكالًا عدة في فَهم الحاج صالح، تـتـشارك هذه الأشكال في أن سلب الحقوق والحريات قسرًا هو شيءٌ من منفًى ما. نفي التاريخ عن طريق “الأبد السياسي” يسبب نفيًا لحيوات الأشخاص السياسية والأخلاقية والحقوقية، والذي بدوره ينتهي إلى سلب الحريات والحقوق الأساسية والعزل الاجتماعي والحجر السياسي. يمكن التعامل مع هذه الحالة من النفي خلال عملـيتَيِ الاسـتحـباس والاستـنـفاء. المنفَى ليس استـثـناءً، بل واقعًا “طبيعيًّا” لملايين البشر حول العالم. ونفي هذا المنفى يكون في نفي عالم اليوم.

 مراجع البحث:

[1] نُشرت النسخة الإنكليزية من هذه الورقة في مشروع حلب، أيلول 2019: https://bit.ly/38sneaz. تتضمن هذه النسخة العربية بعض الإضافات والتوسعات. نـقـلها إلى اللغة العربية الكاتب نفـسه. خالص الشكر لياسين الحاج صالح على استجابته لتساؤلاتي عن موضوع الورقة، والحَكم شعار لمراجعته وتحريره، وصديقي صلاح الچيلاني للتدقيق اللغوي والاقتراحات الصّائبة.

[2] ياسين الحاج صالح، “درب إلى المنفى”، الحوار المتمدن، 7/2/2014، شوهد في 11/12/2019، في:https://bit.ly/36louKw

[3] ياسين الحاج صالح، “الحرية: البيت، السجن، المنفى… العالم”، أوراق، الجمهورية، 25/3/2016، شوهد في 11/12/2019، في: https://bit.ly/2LKKIOx

[4] Firas Massouh, “Searching for Salvation: Yassin al-Haj Saleh and the Writing of Modern Syria” (MA, Australia, The University of Melbourne, 2015), 10.

[5] Massouh, “Searching for Salvation: Yassin al-Haj Saleh and the Writing of Modern Syria.”

[6] Massouh, 10.

[7] Massouh, 96.

[8] Sune Haugbolle, “Moving through the Interregnum: Yassin al-Haj Saleh in the Syrian Revolution,” Middle East Journal of Culture and Communication 8, no. 1 (2015): 13–36.

[9] Haugbolle, 18.

[10] Haugbolle, 30.

يجادل إدوارد سعيد أن تجربة المنفى تدفع المرء إلى التفكر فيها مما يؤدي إلى نقد الذات، انظر:

إدوارد سعيد، تأمُّلات حول المنفى ومقالات أخرى 1، ترجمة ثائر ديب (بيروت: دار الآداب، 2004)، ص 117.

[11] ياسين الحاج صالح، الثورة المستحيلة: الثورة، الحرب الأهلية، والحرب العامة في سوريّة، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017)، ص 85.

[12] المرجع نفسه، ص 87.

[13] ياسين الحاج صالح، “الأبد كمنفى من التاريخ”، أفكار، الجمهورية، 16/4/2018، شوهد في 11/12/2019، في: https://bit.ly/348Lc7q

[14] المرجع نفسه، ص 89؛ انظر:

Salwa Ismail, The Rule of Violence Subjectivity, Memory and Government in Syria (Cambridge, United Kingdom: Cambridge University Press, 2018).

[15] الحاج صالح، “الأبد”.

[16] مايكل يونغ وياسين الحاج صالح، “انتصار نظام الإبادة السياسية”، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 21/8/2017، شوهد في12/12/2019، في: https://bit.ly/2Pd84hQ

[17] الحاج صالح، الثورة، ص 87.

[18] الحاج صالح، “الأبد”.

[19] الحاج صالح، الثورة، ص 61.

[20] الحاج صالح، “الأبد”؛ انظر:

Simon Mabon, “Sovereignty, Bare Life and the Arab Uprisings,” Third World Quarterly 38, no. 8 (August 3, 2017): 1782–99.

[21] الحاج صالح، “الأبد”.

[22] المرجع نفسه؛ لم تفقد الدولة الأسدية سيادتها مع الثورة بل فقدت القدرة على إعادة إنتاج نفسها ودخلت تحت الحماية الروسية والإيرانية.

[23] ياسين الحاج صالح، “الأبد، الطوائف كأوابد، والإبادة”، أفكار، الجمهورية، 10/10/2019، شوهد في 16/1/2020، في: https://bit.ly/2Tr9SpX

[24] ياسين الحاج صالح، “أرض المباد: حيث لا صفح ولا وعد”، أفكار، الجمهورية،  9/1/2020، شوهد في 16/1/2020، في:https://bit.ly/2teqwP2

[25] الحاج صالح، “الأبد، الطوائف كأوابد”.

[26] انظر: ياسين الحاج صالح، “القصة السورية: حقائق واقعية”، الحوار المتمدن، 26/4/2019، شوهد في 16/1/2020، في:  https://bit.ly/2tnwvAY

[27] المرجع نفسه؛ انظر أيضًا: ياسين الحاج صالح، “الفكرة الجمهورية والثورة السورية”، أفكار، الجمهورية، 25/2/2014، شوهد في 16/1/2020، في:  https://bit.ly/2Nws1il

[28] Michel Foucault, Society Must Be Defended: Lectures at the College de France, 1975-76 (Picador, 2005).

[29] Foucault, 254.

[30] الحاج صالح، “الحرية”.

[31] المرجع نفسه.

[32] المرجع نفسه.

[33] المرجع نفسه.

[34] المرجع نفسه.

[35] ياسين الحاج صالح، “في المنفى والوطن والعالم، والكتابة”، أفكار، الجمهورية، 19/12/2019، شوهد في 16/1/2020، في: https://bit.ly/30p7Vvw

[36] المرجع نفسه.

[37] المرجع نفسه.

[38] الحاج صالح، “الحرية”.

[39] المرجع نفسه.

[40] المرجع نفسه.

[41] الحاج صالح، “في المنفى”.

[42] المرجع نفسه؛ انظر أيضًا:

Timothy Mitchell, “The Limits of the State: Beyond Statist Approaches and Their Critics,” American Political Science Review 85, no. 1 (1991): 77–96.

[43] الحاج صالح، “في المنفى”.

[44] المرجع نفسه.

[45] المرجع نفسه؛ الحاج صالح، الثورة، ص 89.

[46] الحاج صالح، “في المنفى”.

[47] المرجع نفسه.

[48] ياسين الحاج صالح، “المنسى السوري… المنساة السورية”، الحوار المتمدن،  20/1/2013، شوهد في 16/1/2020، في: https://bit.ly/2FXdZlw

[49] المرجع نفسه.

[50] المرجع نفسه.

[51] المرجع نفسه.

[52] المرجع نفسه.

[53] ياسين الحاج صالح، “الحب والتعذيب والاغتصاب، والإبادة”، أفكار، الجمهورية، 28/4/2018، شوهد في 61/1/2020، في: https://bit.ly/2u8HMoA

[54] الحاج صالح، “في المنفى”.

[55] الحاج صالح، “الحب”.

[56] المرجع نفسه؛ لفهم كيف يربط الحاج صالح بين التغييب القسري والاغتياب والغيب انظر: ياسين الحاج صالح، “الاغتياب والتغييب والغيب: نظرات في الديني السياسي”، الحوار المتمدن، 15/7/2019، شوهد في 19/1/2020، في: https://bit.ly/2NFKyIV

[57] “الكاتب والناشط السياسي ياسين الحاج صالح في المشهد”، بي بي سي عربي، 24/1/2017، شوهد في 16/1/2020، في: https://bit.ly/2RjlFUy

[58] الحاج صالح، “في المنفى”.

[59] ياسين الحاج صالح، “عن منافي السورين، عن سوريا كمنفى”، حبر، 13/5/2019، شوهد في 11/12/2019، في: https://bit.ly/2YAUSX8

[60] الحاج صالح، “في المنفى”.

[61] ياسين الحاج صالح، “العيش في المؤقت”، أفكار، الجمهورية، 29/3/2018، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/2Pc5Or4

[62] المرجع نفسه.

[63] الحاج صالح، “في المنفى”.

[64] الحاج صالح، “الحرية”.

[65] الحاج صالح، “في المنفى”.

[66] Yassin al-Haj Saleh, “Freedom: Home, Prison, Exile…and the World,” trans. Rana Issa, Yassin al-Haj Saleh, April 3, 2017.

[67] ياسين الحاج صالح، بالخلاص، يا شباب! 16 عامًا في السجون السورية، (بيروت: دار الساقي، 2012)، ص 210.

[68] المرجع نفسه، ص 204.

[69] المرجع نفسه، ص 85.

[70] الحاج صالح، “العيش”.

[71] أُوضّح كيف يفرق الحاج صالح بين اللاجئ والمنفي لاحقًا، وبناءً على هذا التصور يتم التفريق بين الاستلجاء والاستنفاء.

[72] الحاج صالح، “العيش”.

[73] المرجع نفسه.

[74] الحاج صالح، “في المنفى”.

[75] المرجع نفسه.

[76] المرجع نفسه؛ الحاج صالح، “الحرية”.

[77] المرجع نفسه.

[78] الحاج صالح، “العيش”.

[79] الحاج صالح، “الحرية”.

[80] المرجع نفسه.

[81] المرجع نفسه.

[82] المرجع نفسه.

[83] المرجع نفسه.

[84] للقراءة عن احتمالية أن تكون المساحات المهمشة سياسيًا كالمنفى بوتقة لتحرر سياسي انظر:

Joe Turner, “(En)Gendering the Political: Citizenship from Marginal Spaces,” Citizenship Studies 20, no. 2 (February 17, 2016): 141–55, https://doi.org/10.1080/13621025.2015.1132569.

[85] الحاج صالح، “الحرية”.

[86] المرجع نفسه.

[87] الحاج صالح، “عن منافي السورين”.

[88] المرجع نفسه.

[89] المرجع نفسه.

[90] المرجع نفسه.

[91] المرجع نفسه.

[92] الحاج صالح، “الأبد”.

[93] الحاج صالح، “العيش”.

[94] الحاج صالح، “عن منافي السوريين”.

[95] Liisa H. Malkki, “Refugees and Exile: From ‘Refugee Studies’ to the National Order of Things,” Annual Review of Anthropology 24, no. 1 (October 1, 1995): 495–523, https://doi.org/10.1146/annurev.an.24.100195.002431.

[96] الحاج صالح، “عن منافي السورين”.

[97] المرجع نفسه.

[98] المرجع نفسه.

[99] ياسين الحاج صالح، “في المنفى التركي: مفارقات وسوء تفاهم”، ورقة غير منشورة.

[100] المرجع نفسه.

[101] سعيد، تأملات حول المنفى ومقالات أخرى 1، ص 126.

[102] المرجع نفسه، ص 127.

[103] وليم هـ. سيول الابن، “نظرية في البنية: الثنائية والفاعلية والتحول”، ترجمة ثائر ديب، عمران، المجلد 7، العدد 28 (2019)، ص 136.

[104] سيول الابن، “نظرية في البنية: الثنائية والفاعلية والتحول”؛ للمزيد انظر:

Mustafa Emirbayer and Ann Mische, “What Is Agency?,” American Journal of Sociology 103, no. 4 (January 1, 1998): 962–1023, https://doi.org/10.1086/231294.

[105] الحاج صالح، “في المنفى”.

[106] انظر: سعيد، تأملات حول المنفى ومقالات أخرى 1، ص 117؛

Malkki, “Refugees and Exile.”

[107] Malkki, 497.

[108]Malkki, 498; Rieko Karatani, “How History Separated Refugee and Migrant Regimes: In Search of Their Institutional Origins,” International Journal of Refugee Law 17, no. 3 (January 1, 2005): 517–41, https://doi.org/10.1093/ijrl/eei019.

[109] للمزيد عن كيف ارتبط اللجوء بوسائل عدة للتحكم في المجتمع ككل وليس فقط اللاجئين وكيف اقترنت كلمة اللجوء بدلالات عسكرية قبل الخمسينات من القرن المنصرم قبل أن ترتبط لاحقًا بخطابات المساعدات الإنسانية والتنمية و’دول العالم الثالث‘، انظر:

Malkki, “Refugees and Exile.”

[110] الحاج صالح، “في المنفى”.

[111] المرجع نفسه.

[112] المرجع نفسه.

[113] المرجع نفسه (التوكيد في الأصل).

[114] المرجع نفسه.

[115] المرجع نفسه.

[116] Malkki, “Refugees and Exile.”

[117] Malkki; Andreas Wimmer and Nina Glick Schiller, “Methodological Nationalism and beyond: Nation–State Building, Migration and the Social Sciences,” Global Networks 2, no. 4 (2002): 301–34.

[118] الحاج صالح، “المنفى التركي”.

[119] للمزيد عن الاتفاقية التركية الأوربية وكيف أنها تسلب السوريين فاعليتهم السياسية، انظر:

Feyzi Baban Rygiel Suzan Ilcan, Kim, “Playing Border Politics with Urban Syrian Refugees. Legal Ambiguities, Insecurities, and Humanitarian Assistance in Turkey,” movements. Journal for Critical Migration and Border Regime Studies 3, no. 2 (November 3, 2017).

[120] “اردوغان محذرًا الأوروبيين: لن نتحمل عبء المهاجريين السوريين وحدنا”، يورونيوز، 23/12/2019، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/30taLQ8؛ “اردوغان يهدد أوروبا مجددًا بـ”فتح الأبواب” أمام اللاجئين السورين”، دويتشه فيله عربي، 13/9/2019، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/3agb5pX؛ هذا ليس مقتصرًا فقط على النظام التركي، بل يبدوا خطابًا مماثلا لأنظمة شمال أفريقيا عمومًا نظرًا للاتفاقات الأوروبية المتعلقة بالهجرة والتحكم بشواطئ المتوسط، مما يعزز حجة الحاج صالح بأن العالم بيئة نافية، انظر:

Anne Koch, Annette Weber, and Isabelle Werenfels, “Profiteers of Migration? Authoritarian States in Africa and European Migration Management,” Research Paper (Berlin: German Institute for International and Security Affairs, July 2018).

[121] الحاج صالح، “في المنفى”.

[122] المرجع نفسه.

[123] المرجع نفسه.

[124] المرجع نفسه؛ سعيد، تأملات حول المنفى ومقالات أخرى 1، ص -22121.

Wimmer and Glick Schiller, “Methodological Nationalism and beyond: Nation–State Building, Migration and the Social Sciences.”

[125] الحاج صالح، “في المنفى”؛ سعيد، تأملات حول المنفى ومقالات أخرى 1، ص 131.

[126] ياسين الحاج صالح، “ما هي الثورة السورية”، أفكار، الجمهورية، 14/11/2019، شوهد في 17/1/2020، في:  https://bit.ly/2RDUJPJ

[127] Michael Jackson, At Home in the World (Duke University Press, 2000).

[128] Michelle Obeid, “Home-Making in the Diaspora Bringing Palestine to London,” in A Companion to Diaspora and Transnationalism (Blackwell Publishers, 2013).

[129] Nina Glick Schiller, Ayşe Çağlar, and Thaddeus C. Guldbrandsen, “Beyond the Ethnic Lens: Locality, Globality, and Born-Again Incorporation,” American Ethnologist 33, no. 4 (2006): 612–33; Ayse Çaglar and Nina Glick Schiller, Migrants and City-Making: Dispossession, Displacement, and Urban Regeneration. (Durham: Duke University Press, 2018).

[130] Sara Ahmed, Claudia Castañeda, and Anne-Marie Fortie, Uprootings Regroundings: Questions of Home and Migration, 1st ed. (Berg Publishers).

[131] Sara Ahmed, “Home and Away: Narratives of Migration and Estrangement,” International Journal of Cultural Studies 2, no. 3 (December 1, 1999): 329–47.

[132] يونغ والحاج صالح، “انتصار”.

[133] ياسين الحاج صالح، “رسائل إلى سميرة 5″، أفكار، الجمهورية، 13/8/2017، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/34dosmA

[134] ياسين الحاج صالح، “سورية والعالمية الحربية الأولى”، أفكار، الجمهورية، 5/9/2018، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/30wvsLl

[135] المصدر نفسه.

[136]المصدر نفسه؛ الحاج صالح، “ما هي الثورة السورية”.

[137] ياسين الحاج صالح، “رسائل إلى سميرة 4″، أفكار، الجمهورية، 6/8/2017، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/38i0J7o

[138] الحاج صالح، “ما هي الثورة السورية”.

[139] الحاج صالح، “سوريا والعالمية”؛ الحاج صالح، “المنسى السوري”.

[140] الحاج صالح، “ما هي الثورة السورية”.

[141] المرجع نفسه.

[142] الحاج صالح، “في المنفى”.

[143] المرجع نفسه؛ الحاج صالح، “الأبد”.

[144] بينما يوظف الحاج صالح الشعار النسوي القائل بأن “الشخصي سياسي والسياسي شخصي” كأداة تحليل في معظم كتاباته، نجد آثارًأ لهذا النوع من التحليل في متبني الفكر الماركسي كأداة تحليل مثل جون كلارك فيما يسميه ’التحليل الهيكلي‘ ‘conjunctural analysis’، وأيضًا في الكتابات التي تعالج تشكيل المكان والهوية في سياق الهجرة بما يُعرف بالدراسات العابرة للقوميات ‘transnational studies’ والفكر ’المتعدد المستويات‘ ’multiscalar thinking’ . يتقاطع منطق الحاج صالح، برأيي، مع كلًا منهم. للمزيد انظر:

John Clarke, “Conjunctures, Crises, and Cultures: Valuing Stuart Hall,” Focaal 70 (December 1, 2014): 113–22; Çaglar and Glick Schiller, Migrants and City-Making; Thomas Faist, “Transnationalization in International Migration: Implications for the Study of Citizenship and Culture,” Ethnic and Racial Studies 23, no. 2 (January 1, 2000): 189–222; Faranak Miraftab, “Displacement: Framing the Global Relationally,” Framing the Global: Entry Points for Research, January 1, 2014, 37–50.

[145]  أقدم ملثمون من تنظيم “جيش الإسلام” على خطف الناشطون السوريون الأربعة، رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي، في دوما عام 2013. للمزيد من التفاصيل حول خطفهم وغيرهم، انظر على سبيل المثال: ياسين السويحة، “عام الخطف”، عيون، الجمهورية، 22/8/2019، شوهد في 15/12/2019، في: https://bit.ly/2YPYLr5

[146] يونغ والحاج صالح، “انتصار”.

[147] ياسين الحاج صالح، “رسائل إلى سميرة”، الجمهورية، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/38utheF؛ مثال آخر يبرهن كيف يُحلل الحاج صالح تقاطعية السياسي والشخصي هو تعليقه على استشهاد عبد الباسط الساروت، انظر: ياسين الحاج صالح، “عبد الباسط الساروت: مسار ثورة في مسار ثائر”، أفكار، الجمهورية، 18/7/2019، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/2EbCE54؛ “زمان عبد الباسط”، عيون، الجمهورية، 13/6/2019، شوهد في: 12/12/2019، في: https://bit.ly/2E9RMjl.

[148] لمثال آخر، انظر:

Ismail, The Rule of Violence Subjectivity, Memory and Government in Syria.

[149] Massouh, “Searching for Salvation: Yassin al-Haj Saleh and the Writing of Modern Syria,” 97.

[150] الحاج صالح، “الأبد”.

[151] المرجع نفسه.

[152] المرجع نفسه.

[153] المرجع نفسه.

[154] الحاج صالح، “في المنفى”.

[155] المرجع نفسه.

[156] الحاج صالح، “الحرية”.

[157] المرجع نفسه.

[158] الحاج صالح، “رسائل إلى سميرة 5”.

[159] سامر مختار وياسين الحاج صالح، “ياسين الحاج صالح: ’نحن السوريين في موقع يتيح لنا النقد الجذري للعالم‘”، رصيف، 10/9/2016، شوهد في 17/1/2020، في:  https://bit.ly/2NA9Eco؛ انظر: ياسين الحاج صالح، الثقافة كسياسة: المثقفون ومسؤوليتهم الاجتماعية في زمن الغليان، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2016).

مراجع أخرى استند عليها البحث:

العربية:

“اردوغان محذرًا الأوروبيين: لن نتحمل عبء المهاجريين السوريين وحدنا”، يورونيوز، 23/12/2019، شوهد في 17/1/2020، في:  https://bit.ly/30taLQ8

“اردوغان يهدد أوروبا مجددًا بـ”فتح الأبواب” أمام اللاجئين السورين”، دويتشه فيله عربي، 13/9/2019، شوهد في 17/1/2020، في:  https://bit.ly/3agb5pX

“الكاتب والناشط السياسي ياسين الحاج صالح في المشهد”، بي بي سي عربي، 24/1/2017، شوهد في 16/1/2020، في: https://bit.ly/2RjlFUy

“زمان عبد الباسط”، عيون، الجمهورية، 13/6/2019، شوهد في: 12/12/2019، في: https://bit.ly/2E9RMjl

الحاج صالح، ياسين. “أرض المباد: حيث لا صفح ولا وعد”، أفكار، الجمهورية،  9/1/2020، شوهد في 16/1/2020، في:https://bit.ly/2teqwP2

___________. “الأبد كمنفى من التاريخ”، أفكار، الجمهورية، 16/4/2018، شوهد في 11/12/2019، في: https://bit.ly/348Lc7q

_____________. “الأبد، الطوائف كأوابد، والإبادة”، أفكار، الجمهورية، 10/10/2019، شوهد في 16/1/2020، في: https://bit.ly/2Tr9SpX

___________. “الاغتياب والتغييب والغيب: نظرات في الديني السياسي”، الحوار المتمدن، 15/7/2019، شوهد في 19/1/2020، في: https://bit.ly/2NFKyIV

___________. “الحب والتعذيب والاغتصاب، والإبادة”، أفكار، الجمهورية، 28/4/2018، شوهد في 61/1/2020، في:  https://bit.ly/2u8HMoA

_____________. “الحرية: البيت، السجن، المنفى… العالم”، أوراق، الجمهورية، 25/3/2016، شوهد في  11/12/2019، في: https://bit.ly/2LKKIOx

_____________. “العيش في المؤقت”، أفكار، الجمهورية، 29/3/2018، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/2Pc5Or4

___________. “الفكرة الجمهورية والثورة السورية”، أفكار، الجمهورية، 25/2/2014، شوهد في 16/1/2020، في:  https://bit.ly/2Nws1il

___________. “القصة السورية: حقائق واقعية”، الحوار المتمدن، 26/4/2019، شوهد في 16/1/2020، في:  https://bit.ly/2tnwvAY

_____________. “المنسى السوري… المنساة السورية”، الحوار المتمدن،  20/1/2013، شوهد في 16/1/2020، في: https://bit.ly/2FXdZlw

___________. “درب إلى المنفى”، الحوار المتمدن، 7/2/2014، شوهد في 11/12/2019، في: https://bit.ly/36louKw

_____________. “رسائل إلى سميرة 4″، أفكار، الجمهورية، 6/8/2017، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/38i0J7o

_____________. “رسائل إلى سميرة 5″، أفكار، الجمهورية، 13/8/2017، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/34dosmA

_____________. “رسائل إلى سميرة 5″، أفكار، الجمهورية، 13/8/2017، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/34dosmA

_____________. “رسائل إلى سميرة”، الجمهورية، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/38utheF

_____________. “سورية والعالمية الحربية الأولى”، أفكار، الجمهورية، 5/9/2018، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/30wvsLl

___________. “عبد الباسط الساروت: مسار ثورة في مسار ثائر”، أفكار، الجمهورية، 18/7/2019، شوهد في 12/12/2019، في: https://bit.ly/2EbCE54

_____________. “عن منافي السورين، عن سوريا كمنفى”، حبر، 13/5/2019، شوهد في 11/12/2019، في: https://bit.ly/2YAUSX8

_____________. “في المنفى التركي: مفارقات وسوء تفاهم”، ورقة غير منشورة.

_____________. “في المنفى والوطن والعالم، والكتابة”، أفكار، الجمهورية، 19/12/2019، شوهد في 16/1/2020، في:  https://bit.ly/30p7Vvw

___________. “ما هي الثورة السورية”، أفكار، الجمهورية، 14/11/2019، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/2RDUJPJ

___________. الثقافة كسياسة: المثقفون ومسؤوليتهم الاجتماعية في زمن الغليان، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2016.

___________. الثورة المستحيلة: الثورة، الحرب الأهلية، والحرب العامة في سوريّة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017.

___________. بالخلاص، يا شباب! 16 عامًا في السجون السورية، بيروت: دار الساقي، 2012.

سعيد، إدوارد. تأمُّلات حول المنفى ومقالات أخرى 1، ترجمة ثائر ديب. بيروت: دار الآداب، 2004.

السويحة، ياسين. “عام الخطف”، عيون، الجمهورية، 22/8/2019، شوهد في 15/12/2019، في: https://bit.ly/2YPYLr5

____________. “عام الخطف”، عيون، الجمهورية، 22/8/2019، شوهد في 15/12/2019، في: https://bit.ly/2YPYLr5

سيول الابن، وليم هـ.، “نظرية في البنية: الثنائية والفاعلية والتحول”، ترجمة ثائر ديب، عمران، المجلد 7، العدد 28 (2019).

مختار، سامر وياسين الحاج صالح. “ياسين الحاج صالح: ’نحن السوريين في موقع يتيح لنا النقد الجذري للعالم‘”، رصيف، 10/9/2016، شوهد في 17/1/2020، في: https://bit.ly/2NA9Eco

يونغ، مايكل وياسين الحاج صالح. “انتصار نظام الإبادة السياسية”، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 21/8/2017، شوهد في12/12/2019، في: https://bit.ly/2Pd84hQ

الأجنبية:

Ahmed, Sara. “Home and Away: Narratives of Migration and Estrangement.” International Journal of Cultural Studies 2, no. 3 (December 1, 1999): 329–47.

Ahmed, Sara, Claudia Castañeda, and Anne-Marie Fortie. Uprootings Regroundings: Questions of Home and Migration. 1st ed. Berg Publishers, 2004.

Çaglar, Ayse, and Nina Glick Schiller. Migrants and City-Making: Dispossession, Displacement, and Urban Regeneration. Durham: Duke University Press, 2018.

Clarke, John. “Conjunctures, Crises, and Cultures: Valuing Stuart Hall.” Focaal 70 (December 1, 2014): 113–22.

Emirbayer, Mustafa, and Ann Mische. “What Is Agency?” American Journal of Sociology 103, no. 4 (January 1, 1998): 962–1023.

Faist, Thomas. “Transnationalization in International Migration: Implications for the Study of Citizenship and Culture.” Ethnic and Racial Studies 23, no. 2 (January 1, 2000): 189–222.

Foucault, Michel. Society Must Be Defended: Lectures at the College de France, 1975-76. Picador, 2005.

Haugbolle, Sune. “Moving through the Interregnum: Yassin al-Haj Saleh in the Syrian Revolution.” Middle East Journal of Culture and Communication 8, no. 1 (2015): 13–36.

Ismail, Salwa. The Rule of Violence Subjectivity, Memory and Government in Syria. Cambridge, United Kingdom: Cambridge University Press, 2018.

Jackson, Michael. At Home in the World. Duke University Press, 2000.

Karatani, Rieko. “How History Separated Refugee and Migrant Regimes: In Search of Their Institutional Origins.” International Journal of Refugee Law 17, no. 3 (January 1, 2005): 517–41.

Koch, Anne, Annette Weber, and Isabelle Werenfels. “Profiteers of Migration? Authoritarian States in Africa and European Migration Management.” Research Paper. Berlin: German Institute for International and Security Affairs, July 2018.

Mabon, Simon. “Sovereignty, Bare Life and the Arab Uprisings.” Third World Quarterly 38, no. 8 (August 3, 2017): 1782–99.

Malkki, Liisa H. “Refugees and Exile: From ‘Refugee Studies’ to the National Order of Things.” Annual Review of Anthropology 24, no. 1 (October 1, 1995): 495–523.

Massouh, Firas. “Searching for Salvation: Yassin al-Haj Saleh and the Writing of Modern Syria.” MA, The University of Melbourne, 2015.

Miraftab, Faranak. “Displacement: Framing the Global Relationally.” Framing the Global: Entry Points for Research, January 1, 2014, 37–50.

Mitchell, Timothy. “The Limits of the State: Beyond Statist Approaches and Their Critics.” American Political Science Review 85, no. 1 (1991): 77–96.

Obeid, Michelle. “Home-Making in the Diaspora Bringing Palestine to London.” In A Companion to Diaspora and Transnationalism. Blackwell Publishers, 2013.

Rygiel, Feyzi Baban, Suzan Ilcan, Kim. “Playing Border Politics with Urban Syrian Refugees. Legal Ambiguities, Insecurities, and Humanitarian Assistance in Turkey.” movements. Journal for Critical Migration and Border Regime Studies 3, no. 2 (November 3, 2017).

Saleh, Yassin al-Haj. “Freedom: Home, Prison, Exile…and the World.” Translated by Rana Issa. Yassin al-Haj Saleh, April 3, 2017.

Schiller, Nina Glick, Ayşe Çağlar, and Thaddeus C. Guldbrandsen. “Beyond the Ethnic Lens: Locality, Globality, and Born-Again Incorporation.” American Ethnologist 33, no. 4 (2006): 612–33.

Turner, Joe. “(En)Gendering the Political: Citizenship from Marginal Spaces.” Citizenship Studies 20, no. 2 (February 17, 2016): 141–55.

Wimmer, Andreas, and Nina Glick Schiller. “Methodological Nationalism and beyond: Nation–State Building, Migration and the Social Sciences.” Global Networks 2, no. 4 (2002): 301–34.

يدرُس بقسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة أوروبا الوسطى ببودابست. تركيزه البحثي سياسات المنفى والتّهجير والأمننة والعسكرة والسياسة الحيوية. تخرّج من جامعة الأزهر بالقاهرة ودرَس بمعهد القاهرة للعلوم والآداب الحرة (سيلاس) وعمل لاحقًا كزميل أكاديمي مساعد بالمعهد. يعمل السيد حاليا كباحث مساعد في مشروع حلب حيث يدور بحثه حول السوريين اللاجئين في أوروبا وعلاقتهم بسوريا.

(ينشر هذا البحث بالتعاون والشراكة بين حكاية ما انحكت ومشروع حلب)

حكاية ما انحكت

لتحميل الورقة كاملة اضغط هنا

———————-

بعض المواد المشار اليها في النص

————————

انتصار نظام الإبادة السياسية/ مايكل يونغ

يتحدّث ياسين الحاج صالح، في مقابلة معه، كيف حُرِمت معاناة السوريين من المعنى.

ياسين الحاج صالح مثقّف سوري صدرت له للتو ترجمة إنكليزية لكتابه “الثورة المستحيلة: الثورة، الحرب الأهلية، والحرب العامة في سورية” (The Impossible Revolution: Making Sense of the Syrian Tragedy ). في العام 1980، اعتُقِل بسن التاسعة عشرة خلال دراسته الطب في جامعة حلب، على خلفية عضويته في الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي الذي كان يقوده المعارِض السوري رياض الترك. أمضى صالح 16 عاماً في السجن، منها عامٌ واحد في سجن تدمر سيئ السمعة، الذي وصفه بأنه “مكان يلتهم الرجال بالمعنى الحرفي للكلمة”.

كان القدر بالمرصاد لصالح من جديد بعد الانتفاضة السورية في العام 2011، عندما هرب هو وزوجته، سميرة خليل، المعتقَلة السياسية سابقاً، من دمشق إلى دوما في الغوطة الشرقية على مقربة من العاصمة. وفي كانون الأول/ديسمبر 2013، خُطِفت خليل إلى جانب النشطاء رزان زيتونة ووائل حماده وناظم حماده، ويُشتبَه في أن الجهة الخاطفة هي جيش الإسلام، وهو تشكيل عسكري سلفي كان معارضاً للنظام. في ذلك الوقت، كان صالح قد غادر دوما متوجّهاً إلى الرقة، مسقط رأسه، قبل أن يُرغَم على الانتقال إلى تركيا، في انتظار فرصة لم شمله من جديد مع زوجته. اليوم يعيش صالح في اسطنبول، ويواصل الكتابة والنشر. تحدّثت معه “ديوان” في منتصف آب/أغسطس الجاري مع بدء عرض كتابه في المكتبات.

مايكل يونغ: تهانينا على كتابكم الجديد. هلا تخبروننا ما الأفكار الرئيسة التي سعيتهم إلى نقلها إلى القرّاء؟

ياسين الحاج صالح: شكراً لكم. كُتِب الجزء الأكبر من محتوى الكتاب في سورية بين العامَين 2011 و2013. كُتِبت مقالات الكتاب في الأصل في اللغة العربية، ولم تكن هناك نيّة لإدراجها في كتاب. لقد كانت كتابة هذه المقالات فيما كنت أعيش متوارياً في دمشق طريقتي للمشاركة في نضالنا. وينطبق ذلك أيضاً على مقالَين في الكتاب كتبتهما أثناء وجودي في دوما والرقة، التي عشت فيها متوارياً من جديد في صيف 2013. حاولت في الكتاب أن أشرح ما كان يجري، وعملت على بناء قضية أخلاقية وسياسية تقدمية ضد نظام الأسد.

عبر تحليل الهيكلية الاجتماعية للانتفاضة، وصعود العدَمية التي يجسّدها الشبّيحة الموالون للنظام أو الجهادية – وكلاهما مثالان عن الفاشية السورية – والتكوّن الاجتماعي لأربعة كيانات سورية أثناء الصراع، وتفكُّك بلدنا، أردتُ أن يُنظَر إلى الكتاب بأنه دفاعٌ عن ولايتنا المعرفية، التي يجري إنكارها الغرب أكثر حتى من إنكار ولايتنا السياسية. كُتِب المقال الأخير والأطول، وعنوانه السلطان الحديث، في اسطنبول، وهو محاولة لإطلاع القرّاء على تحليل معمّق عن هيكلية نظام الأسد ودور الطائفية في تكوينه.

يونغ: أين أخطأت الانتفاضة في سورية؟ في أي مرحلة من المراحل اتّخذت اتجاهاً بدأ يثير القلق لديكم؟

صالح: ليست الانتفاضة شخصاً أو حزباً. إنها مجهود جماعي لتملُّك السياسة. تسعى الانتفاضة إلى انتزاع ملكية سورية من قبضة آل الأسد الذين غرّبوا السوريين وسموا البلاد “سورية الأسد”. امتلاك السياسة يعني المجاهرة بالآراء في المسائل العامة والتجمّع في الفضاءات العامة والاحتجاج على السلطة العامة. في سياق هذا المجهود الهائل من أجل الحرية واجه السوريون قوة همجية منذ البداية. لجأ بشار الأسد إلى الحرب، مستخدماً الجيش، وأجهزته الأمنية الواسعة، والشبّيحة ضد شعبه من أجل سحق مقاومتهم للنظام، ما أدّى إلى عسكرة الانتفاضة. وجد المحتجّون أنفسهم مضطرين إلى تحطيم احتكار الطغمة الحاكمة القاتلة والطائفية لوسائل العنف، أي امتلاك الحرب، كي يتمكّنوا من امتلاك السياسة. بيد أن رد الفعل المبرّر هذا أطلق ديناميكية يتعذر التحكم بها من الراديكالية والأسلمة والتطييف، ماتسبّب بانهيار الإطار الوطني للصراع وتدفّق الجهاديين العالميين الجوالين، فضلاً عن استجلاب تدخلات إقليمية ودولية.

يجب ألا ننسى أن سورية تقع في الشرق الأوسط، وهو نظام دولي فرعي بالغ القسوة، يقوم على السيادة الإسرائيلية والاستعباد السياسي للمحكومين في البلدان الأخرى، تحت رعاية القوى الغربية، وراهناً روسيا. خطأنا نحن السوريون هو أننا لم نكن أقوياء كفاية في هذه الغابة. يدفع جيلان من السوريين ثمن الإقصاء من الحياة السياسية في البلد الذي تتمتع نخبته الحاكمة، شأنها في ذلك شأن الأسياد الإسرائيليين، بالإعفاء التام من موجبات القانون الدولي.

يونغ: في كانون الأول/ديسمبر 2013، خُطِفَت زوجتك سميرة في دوما، على أيدي جيش الإسلام كما يبدو. وقبل خمسة أشهر، قام تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة بخطف شقيقك فراس. هل لديكم معلومات عن مصيرهما؟

صالح: 2013 كان عاماً خسيساً، عام الجرائم الخسيسة. أولاً ظهر تنظيم داعش في وقت تدخل حزب الله العلني في القصير ضد الثوار السوريين. منذ تلك اللحظة، باتت ديناميكيات التشدّد والعسكرة والأسلمة أمراً غير قابل للانعكاس. ودخلنا المرحلة الثانية من الصراع السوري، مرحلة الحروب السنّية-الشيعية. في مطلع تموز/يوليو، نفّذ عبد الفتاح السيسي انقلابه في مصر، مرتقياً إلى السلطة على أكتاف عدد كبير من الشرفاء الذين اعترضوا على حكم الإخوان المسلمين – وسرعان ما رفس السيسي تلك الأكتاف. ثم وقع الهجوم الإجرامي بالأسلحة الكيميائية في الغوطة الشرقية في 21 آب/أغسطس، والذي أسفر عن مقتل 1466 شخصاً، وأعقبه الاتفاق الكيميائي الأشد إجرامية بين الروس والأميركيين، والذي جاء إلهامه من إسرائيل. لقد ساهم هذا الاتفاق في إنقاذ النظام المجرم وكان هدية عظيمة للجهاديين السلفيين المتشدّدين والعدميين في مختلف أنحاء البلاد.

استغلّت داعش التي خطفت شقيقي وأصدقاء لي، وجيش الإسلام الذي خطف زوجتي وأصدقاء آخرين، هذه التحولات، ماساهم في ترسيخ الأبعاد الإجرامية لهذين التنظيمَين، في حين أن التحولات نفسها تسبّبت بإضعافنا. في نظري، يرتبط خطف سميرة وفارس، و”اختفاؤهما” منذ ذلك الوقت، بثلاثة قوى وحشية: نظام الأسد الفاشي، والتنظيمات الإسلامية العدَمية، والنظام العالمي الأوليغارشي. حرية أحبابي ومستقبل العالم أمران مترابطان. علينا أن نروِّض وحوش الدولة والدين والعالم، أو نؤنسنها، إذا كنّا نتطلع إلى مستقبل أقل قسوة.

يونغ: يبدو اليوم أن نظام بشار الأسد باقٍ. مامعنى ذلك بالنسبة إلى السوريين أمثالكم الذين كانوا يتوقون إلى سورية أكثر ديمقراطية؟

صالح: يعني ذلك نكران أي معنى لمعاناتنا وخسائرنا ونضالنا من أجل الحرية. ويعني أنه ليست هناك أي قيمة لنصف مليون ضحية، وأن مقتلهم لن يؤدّي إلى تغيير سياسي، وأن موت من ماتوا لا يحمي أرواح مَن لا يزالون على قيد الحياة. قد يُقتَل هؤلاء أيضاً من دون أن يصدر أي اعتراض من جانب أولئك الذين نصّبوا أنفسهم حماة للقوانين الدولية. وبالطبع عندما يكون موتنا بلا معنى، تكون حياتنا أيضاً بلا معنى. بالنسبة إلي، يعني ذلك أنه علينا أن نكون أدوات في تغيير عالمي كي نتمكّن من انتزاع معنى ما لحياتنا وتضحياتنا. وهو ما يعني بدوره أن تكون ثورياً حتماً، تعمل على تغيير عالمنا المعاصر.

أما في يتعلق بفرصة بناء سورية أكثر ديمقراطية، فقد ضاعت إلى الأبد. الديمقراطية في أزمة في مختلف أنحاء العالم، وسورية هي ضحية هذه الأزمة. ليس مستقبل العالم بأمان في أيدي مَن يجدّدون تفويض مجرم يفوق إجرامه الوصف مثل بشار الأسد، فيسجنوننا في حاضر أبدي لا يتغير ولا يقبل التغيير، يصفونه بأنه مستقر. يتصورون أنهم هكذا يضمنون بقاء الوضع السوري آمناً بالنسبة إليهم، لكنهم بذلك يجعلون العالم سورياً. إنهم مجرد نسخ عن بشار. يجب أن يتغيّر هذا العالم، فتغييره هو مسألة دفاعٍ عن النفس بالنسبة إلى مليارات الأشخاص.

يونغ: قلتم لي سابقاً إن الحرية والشرق الأوسط لايلتقيان كما الصحة والمرض. هل لازلتم تعتقدون ذلك؟

صالح: ليس الشرق الأوسط تعبيراً جغرافياً. إنه نظام إقليمي يتسم باحتكار إسرائيل للعنف بين الدول وبإعفائها من موجبات القانون الدولي، وباحتكار الأنظمة العربية للعنف داخل حدودها ونكران الحقوق السياسية لمحكوميها مقابل إعفائها من القوانين الدولية أيضاً أو تطبيقها عليها انتقائياً.

الشرق الأوسط هو أرض “الإبادة السياسية” (بوليتيسايد)، بحسب عنوان كتاب من تأليف عالِم الاجتماع الإسرائيلي الراحل باروخ كيمرلنغ. لقد ابتدع كيمرلنغ العبارة لوضع تصوّرٍ مفهومي عن أوضاع الفلسطينيين في وطنهم المحتل، وإن يكن قصر دور الشرير في روايته على رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون. يجسّد مصير الفلسطينيين مصير شعوب الشرق الأوسط: فإذا قاوموا نظام الإبادة السياسية سيواجهون الإبادة الحقيقية (جينوسايد) كما يحصل في سورية.

هكذا أفسّر “الاستثناء الديمقراطي” للعرب أو المسلمين. هذا ليس “استبداداً شرقياً”، بل هو نظام الإبادة السياسية والجماعية الشرق أوسطي. سوف نُدمَّر إن لم نتمكن من رص صفوفنا للإطاحة بمنظومة الاستعباد القاتلة التي توجَد مفاتيحها في واشنطن وموسكو وتل أبيب.

يونغ: تعيشون الآن في المنفى في تركيا. ما معنى ذلك بالنسبة إلى شخص مثلكم كان يأمل بحدوث تغيير أساسي في سورية؟

صالح: إنه استمرار لحياتي في سورية في ظل نظام الأسد. هناك كنت منفيّاً أيضاً؛ لازلت من دون جواز سفر. لكنني أعتقد أنني أصبحت أمتلك معارف وخبرات أكبر عن الدول. وهي ليست مختلفة في الجوهر عن الدولة التي هي في قبضة الأسرة السفّاحة التي تحكم سورية. ولعله لهذا تمكّنت هذه الدول من التماهي مع دولة هذه العائلة أكثر من تماهيهم مع السوريين الذين يقاومونها. في الوقت نفسه، أنتمي الآن إلى شبكة تضامن فضفاضة من المتطلعين إلى العدالة والحرية في العالم، يشارك فيها أشخاص من بلدان عدة، وهم مصدر دعم وعون كبير لي.

يونغ: يقول مثلٌ صيني إنه إذا انتظرت وقتاً كافياً عند ضفاف النهر، سوف تعوم جثث أعدائك على سطح المياه. هل سيحدث ذلك في سورية؟

صالح: لا أفقد الأمل أبداً. أنا أعمل وأجدّد أدوات عملي على نحو يبقي الأمل حياً. أنتمي إلى ثقافة تثمّن الصبر كثيراً. وقد علّمتني تجاربي الشخصية على امتداد جيلَين وصراعين كبيرين في سورية الاستثمار في التغيير في المدى الأبعد. نهر التاريخ يسيطر عليه الآن أعداؤنا الطائشون. لقد بذلوا قصارى جهدهم للاستحواذ على التغيير الذي نتطلّع إليه في بلدنا، ولحرماننا من تملُّك هذا التغيير وتملُّك تاريخنا. لكنهم بذلك جعلوا من نهرنا ونهرهم نهراً واحداً كبيراً. ولعله قريباً ستعوم جثثهم في هذا النهر الكبير. أنا مفعمٌ بالأمل بهذا الخصوص.

مركز كارينغي للشرق الأوسط

——————————–

ياسين الحاج صالح: “نحن السوريين في موقع يتيح لنا النقد الجذري للعالم

سامر مختار

لا يحتاج ياسين الحاج صالح (1961) إلى تعريف. فهو من أبرز الكتّاب والمنظرين في الشأن العام السوري، وفي قضايا نقد الإسلام السياسي. ومَن لم يكن يعرفه قبل الثورة السورية عرفه بعدها. في حوار أجريناه معه، تحدث الحاج صالح عن الثورة السورية وعن الإسلام والإسلاميين وغيرها من قضايا الساعة.

طُبعت الثورة السورية، في مرحلتها الحالية، بطابع الإسلام السياسي، ولكن الإسلاميين المعارضين تيارات كثيرة، تبدأ من معاذ الخطيب، وتصل إلى داعش مروراً بجيش الإسلام والإخوان المسلمين، وكتائب كثيرة أقل شهرة. كيف يمكن أن نقرأ خارطة الإسلام السياسي في المعارضة السورية؟

التحول الأساسي في هذا الشأن يتمثل في أنه جرت عملية إعادة هيكلة للمشهد الإسلامي لمصلحة السلفيين على حساب الإخوان. وتبدو السلفية مؤهلة أكثر من غيرها لتكون عقيدة قتال، ولديها نموذج معلوم سلفاً هو السلفية الجهادية، ومثالاً مكرساً: القاعدة. وتبدو تبسيطية السلفية أكثر توفيقاً من التوجه الإخواني الأكثر تركيباً في عملية تسييس قطاعات واسعة من الريف السني.

لكن ضمن المشهد السلفي هناك استقطابات قد تفوق في شدتها حتى الاستقطاب السلفي الإخواني، وهي استقطابات سلفية متعددة المستويات، ومتبدلة لا تستقر على حال، منها ثنائية داعش/ جبهة النصرة، ومنها ثنائية الجبهة الإسلامية/ داعش، ومنها علاقة لا تقوم على الثقة بين مجموعات الجبهة الإسلامية ذاتها، وخاصة بين جيش الإسلام وأحرار الشام. المشهد السلفي انقسامي بدرجة عالية.

ومن جهة أخرى، لست متأكداً أن الانقسام الإخواني السلفي نهائي، إذ لا يستبعد أن يتسلّف ( نسبة إلى السلفيّة) الإخوان، ولكان الإخوان بما عرف عنهم من تلون وزئبقية تسلّفوا لو تحقق للسلفيين تقدم على مستوى إسقاط النظام. ولا يستبعد بالمقابل أن ينضمّ سلفيون إلى الإخوان، أو “يتأخْونوا” (نسبة إلى الإخوان) إذا فتح الباب أمام مخرج سياسي، وكان لا بد من مساهمة تيار إسلامي “معتدل” في هذا المخرج. فللإخوان علاقات إقليمية مهمة، بقطر وتركيا خاصة، وحين يأتي وقت السياسة و”الحلول السياسية”، يستبعد ألا يجري أخذهم في الحسبان.

وهناك أيضاً مشايخ وناشطون دينيون وطامحون سياسيون يشتغلون بأدوات الدين، وهم مدينيّون في أغلبهم، ومنهم معاذ الخطيب وغيره. هؤلاء ليس لديهم وزنٌ ذاتي، لذلك يحاولون استمداد الوزن من الارتباط بقوة إقليمية أو بتشكيل عسكري داخلي.

عموماً التفجر الإسلامي هو أحد وجوه التفجر السوري، ومآلاته مرتبطة بالمآلات السورية. وفي جانب منه، يعبر هذا التفجر عن تعذر تصرف السُنّة السوريين كطرف سياسي موحد أو متقارب، وعن صعوبة تطييفهم. وهذا  جيد إذا كنا نفكّر في المستقبل.

تميزت مواقفك في بداية الثورة برفضك انتقاد الإسلاميين بشكل قاس ثم اختلفت مواقفك. هناك فاصلة إذن، أخبرنا عنها. لماذا غيرت قراءتك لدور الإسلاميين في الثورة؟

سأخبرك عن “الفاصلة”. نحن المشتغلين بالشؤون العامة نتحرك، وعملي يتحرك، في حقل سياسي وإيديولوجي مستقطب ومشحون بدرجة عالية. لسنا طيوراً مغردة تحلق في سماء الأفكار المجردة، وتنتقد أهل الأرض تحقيقاً لواجب الطيور المثقفة النقدي. أنا على الأرض، ولاحظت في عالمي الأرضي طوال عقود أن هناك نقداً غير تحرري للإسلاميين، يسكت أصحابه من دعاة التنوير أو العلمانية عن فاعلين عامين أكبر وأسوأ تأثيراً من الإسلاميين. لم أكن مستعداً للمشاركة في هذه الحفلة. بفعل تجارب شخصية وعامة، تطور لدي وعي حاد بالصفة السياسية للفكر والثقافة والنقد. وأعتقد أن المثقفين عموماً على وعي بهذه الصفة، وإن حاول بعضهم خداع نفسه وغيره في هذا الشأن. عملت من جهتي، بالعكس، على تطوير نقد تحرري منحاز سياسياً، ومدرك للمغازي السياسية للعمل الثقافي والمداولات الفكرية المجردة، نقد ليس فقط لا يسكت عن الأبعاد القيمية للعمل العام، أي ما يتصل بقضايا العدالة والحرية والكرامة الإنسانية والاحترام المتبادل بين الناس، بل يعتبرها منطلقه الأساس.

رصيف  22

—————————————

ما هي الثورة السورية؟/ ياسين الحاج صالح

بالتفاعل مع الثورتين اللبنانية والعراقية، وما يعرضه سوريون من مزيج من الابتهاج والقلق في متابعتهم لهما، قد يكون مناسباً العودة بالذهن إلى الثورة السورية، في محاولة للتذكر والفهم والتعرّف. أنطلق في هذا التناول من تعريف أولي للثورة السورية بأنها تمرد اجتماعي متسع النطاق، جاء في سياق معلوم: «الربيع العربي»، وابتغى «إسقاط النظام» كمدخل إلى سورية جديدة لا أسدية، يمتلك السكان فيها السياسة والبلد، ويحفز احتجاجهم فكرة الكرامة، التي تستجيب لشعور منتشر في المجتمع السوري بالذل، إن في شكل الإهانة و«كسر العين» على يد النظام وأجهزته المختصة بالخوف، أو في شكل الحاجة والافتقار المتزايد، المتولدين عن نهب الموارد العامة. بهذا المعنى الثورة السورية ثورة من أجل الجمهورية، موجهة ضد الدولة المخصخصة، التي تسمي نفسها «سورية الأسد». 

الثائرون السوريون أطلقوا اسم الثورة على الحدث الذي انخرطوا فيه. يتواتر لمن ينكرون هذا الاسم أن ينكروا كذلك أهلية الثائرين أو ولايتهم على أنفسهم، وأن ينسبوا الذاتية والمبادرة والنشاط إلى مذاهب لا يحتاج كمالها الخاص لشيء من تجارب المنخرطين الفعليين في الصراع وتمثيلهم لها. ويصدر إنكار ذاتية الثائرين ونفي قدرتهم على إسباغ المعنى (الثوري) على أفعالهم وعلى تسمية هدفهم (بالثورة) عن بنية فكرية سياسية تستأنف إنكار الأهلية والجدارة على عموم السوريين من طرف النظام. وهناك من يطلقون عبارة الثورة على الثورات الناجحة فقط 1، وبهذا المعنى لا يمكن الكلام على ثورة سورية بحال. ثم هناك من يطلقون عبارة الثورة على مجمل الصراع، فتكون هذه السنوات التسعة كلها الثورة السورية. هناك كذلك من يقصرون الثورة على الطور السلمي فتكون ستة شهور أو سبعة2. يميل هذا التناول إلى تصور ديناميكي وتفاعلي للثورة، يجمع بين توافق أنشطتها مع التقدم نحو الهدف المأمول، سورية جديدة، وبين الوعي الذاتي للثائرين المنخرطين في الصراع. ويبني على ذلك أن الثورة السورية منتهية. قد يتعذر التوافق على وقت الانتهاء، لكن تقرير النهاية مهم للدفاع عن كرامة ثورة الكرامة، بتحديد ما الذي منها وما الذي ليس كذلك، وهو مهم من أجل بدايات جديدة وطرق مغايرة للعمل.

تنهزم ثورات وتتعثر ثورات وتنتصر ثورات، لكن هناك شيئاً عظيماً يتأسس: تقليد ثوري، روح تُستحضر لتلهم نضالاً متجدداً وثورات أخرى قادمة. نسهم في بناء هذا التقليد حين نفكر في الحدث الكبير الذي كان عميق الأثر على حيواتنا، وبصورة مأساوية في حالات كثيرة. تحاول هذه المقالة الإجابة على سؤال: ما هي الثورة السورية؟ من شأن محاولة الإجابة على هذا السؤال أن تساعد في تمييز ما انتهى وما مات من الثورة السورية، وما هو الحي والمستمر الذي لا يموت.

أحاول الإجابة على السؤال من خمسة مداخل: مدخل زمني يتكلم على أطوار ومراحل خلال ما يقترب اليوم من تسع سنوات؛ مدخل عمقي إن جاز التعبير يتكلم على طبقات من الممارسات والتجارب؛ مدخل اجتماعي ديناميكي يحيل إلى تحولات الأفراد في الوعي والسلوك والإبداعية؛ ومدخل ينظر في تحولات الارتكاز الاجتماعي للثورة في صلتها بالقول باستمرارها ونهايتها، وأخيراً من مدخل الثورة كتقليد مُستعاد أو مُستأنف.

1- الثورة كمرحلة

في مقال سابق، نشر في آخر 2015، ميزت بين أطوار ثلاث في الصراع السوري خلال نحو خمس سنوات وقتها: الثورة، السلفية، الامبريالية. يمتد الأول من البداية حتى اكتمال انهيار الإطار الوطني للصراع في ربيع 2013 بظهور داعش والمشاركة العلنية لحزب الله اللبناني- الإيراني في حرب النظام، بدءاً من القصير. يتلوه طور سلفي، سميته في وقت لاحق طور الصراع السني الشيعي 3، يتمثل بصعود السلفية في بيئة الثورة السورية، بما في ذلك السلفية الجهادية المعولمة في صيغة القاعدة وتناسخاتها، لكن منه كذلك سلفية يغلب في تشكيلاتها الطابع المحلي، تجسدت في أمثال أحرار الشام وجيش الإسلام وصقور الشام، ومجموعات أخرى؛ وهو طورُ تدخُّلِ المركز الإيراني للشيعية العالمية بعسكر مباشر من عنده أو بميليشيات شيعية من لبنان والعراق وأفغانستان. ثم ولجنا الطور الامبريالي بالتدخل الأميركي في أيلول 2014، وبعده التدخل الروسي في أيلول 2015 الذي عكس المد من جديد لمصلحة المحمية الأسدية. في كل حال، يندرج الطور السابق في اللاحق دون أن ينحل فيه أو يزول لمصلحته. فلم يُلغِ الصعودُ السلفي أنشطة مدنية متنوعة في نطاق الثورة، ولا حتى أنشطة عسكرية ظلت أقرب إلى روحية الجيش الحر من حيث أنها موجهة حصراً ضد النظام؛ لكن الطور السني الشيعي خسف هذه الأنشطة سواء باحتلال التشكيلات السلفية مساحة الرؤية والتغطية الإعلامية، أو بالاعتداء المباشر على ما يتصل بالجذع الثوري من أنشطة وأفعال، أو بالمنزع الثابت للسيطرة على المجتمعات المحلية بأساليب لا تختلف عن الحكم الأسدي. إسقاط النظام، وهو هدف الثورة المباشر، ضاع في تأكيد الأولويات العقدية للسلفيين، وهي أولويات طائفية ومعادية لأشكال الاستقلال الاجتماعي بقدر معاداة النظام لها. وبالمثل، لم يلغِ الطور الامبريالي القوى السلفية أو يضع حداً للتنازع السني الشيعي، لكن هذا صار مندرجاً في خطط القوى المسيطرة، أميركا ثم روسيا، ولا يخرج عليها. النظام صار آمناً دولياً منذ التدخل الأميركي، بل منذ الصفقة الكيماوية، الروسية الأميركية في أيلول 2013، وأُخرِجَ السوريون، جمهوراً ومعارضة منظّمة، من الصراع بقدر كبير. أعاد الروس زمام المبادرة إلى النظام، وهو ما تجسد في إعادة احتلال حلب قبل نهاية 2016، بتفاهم غير معلن مع الأتراك. وكان ذلك فاتحة لإعادات احتلال شملت درعا وعموم حوران، ودير الزور ومناطقها، ثم الغوطة الشرقية، ثم ريف حماه الشمالي ومواقع في ريف إدلب الجنوبي. وبمساوقة ذلك حل الأميركيون وحليفهم الكردي، الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني، محل داعش في الرقة ومناطق من دير الزور والحسكة. هذا قبل أن تحتل تركيا عفرين، ثم مؤخراً تل أبيض ورأس العين وشريطاً من الحدود بينهما.  

قد يُنظر إلى ما بعد حلب بأنه، في آن، طور المحمية الأسدية التي ضمنت البقاء لكن خسرت السيادة، وهو كذلك طور الأفول السلفي، وربما الإخواني كذلك، وإن يكن سبب الأفول الأخير التبعية التطوعية العمياء التي أظهرها الإخوان للحكم التركي، بحيث لم يعد مصيرهم جزءاً من المصير السوري، بل من مصير الحكم التركي الحالي. ولعله من وجه آخر طور أفول المعارضة التقليدية بقضها وقضيضها، وهذا من ضمن الانطواء التاريخي لعالم سورية الأسد ككل. فإن كان ذلك صحيحاً، فإن هذه من المفاعيل الكبيرة للحدث، الثورية بحق.  

فهل تكون الثورة هي الطور الباكر، الذي يغطي العامين الأولين تغطية منحسرة؟ هذا وجيه جداً. وإليه أميل عند الكلام على الثورة كطور زمني.

2- الثورة كطبقة ممارسات

لكن هذا الطرح الزمني لا يحيط بالقضية إلا جزئياً، ولا يوفر إجابة شافية على سؤال ما هي الثورة السورية. نحتاج إلى بعد آخر، يحيل إلى أفعال الثائرين وممارساتهم وإبداعيتهم التي استمرت أوجهٌ منها إلى ما بعد «الثورة كمرحلة»، ومنها ما هو مستمرٌ إلى اليوم. 

تمثلت الثورة أساساً بـالمظاهرات، تجمعات من أناس يتكلمون في السياسة، ويهتفون بصورة عال في فضاءات عامة لأطول وقت ممكن. كان أطول وقت ممكن قصيراً في الغالب، وحين اعتزم حماصنة أن يصير التجمع اعتصاماً دائماً في ساحة رئيسية، مثلما فعل المصريون في ميدان التحرير، أطلق عليهم الرصاص ويحتمل أن 200 منهم قتلوا بعد منتصف ليل 18 نيسان 2011 في مجزرة ساحة الساعة، ونقلت الجثث بالجرافات. وقع هذا بعد شهر واحد من بداية الثورة.

استمرت المظاهرات التي أمكن لها أن تأخذ طابع فنياً شعبياً في درعا «مهد الثورة»، وفي حمص «عاصمة الثورة»، حتى بدء انهيار الإطار الوطني للصراع في تموز 2012 4. انحسرت بعدها بفعل توسع النظام في الحصار والقصف بالطائرات.

إلى جانب المظاهرات ومعها، برزت كتابة اللافتات، والكتابة على الجدران، وظهور أسماء عدد كبير من الثائرات والثائرين ممن اعتقلوا أو استشهدوا. الثورة كانت عملية ظهور ذوات نشطة بعدد كبير. ليس ذوات الأفراد فقط، ولكن كذلك ذوات جمعية عبر ظهور مدن وأحياء وبلدات من الغمر الأسدي المديد وتحولها إلى بؤر لصنع الحدث.

وظهرت في الحقبة نفسها أنشطة تطوعية وتضامنية متنوعة، بلغت ذروتها في أنشطة الإغاثة الباكرة التي لم تلبث أن تجاوزت قدرة الثائرين السوريين، والمجتمع السوري ككل، على تلبيتها بفعل توسيع الدولة الأسدية مساحة الأذى في الجسم الوطني. أنا شاهد مباشر على استنزاف الإغاثة موارد نادرة والكثير من جهد ووقت الثائرين المنتظمين في لجان التنسيق المحلية طوال عام 2012، وما بعد.  

ومن أوجه الثورة وقتها مجالس محلية، الفكرة التي جهد من أجلها واستشهد في النهاية عمر عزيز، والتي تربط الثورة السورية بتراث ثوري عالمي، شوهد في أميركا وفي روسيا وألمانيا، وفي هنغاريا، وفي ثورات عديدة بحسب حنة آرنت. 

وواكب ذلك أيضاً أنشطة كتابية وفنية متنوعة، متفاوتة القيمة بطبيعة الحال، لكن قاعدتها متسعة، وشبابية في الغالب.

يجد كل ذلك ارتكازه الاجتماعي في ضرب من الوطنية الشعبية التي قد يكثف فكرها وشعورها شعار اللي بيقتل شعبو خاين، وهذا في مقابل الوطنية الممانعة التي تتواطأ مع قتل الشعب democide، ومع الإبادة عملياً، للدفاع عن سلطة وطبقة مثرية تنتحل شعارات كاذبة.

ومن الثورة أيضاً مقاومة مسلحة استهدفت الدولة الأسدية وحماتها أساساً. وبعد توقف المظاهرات صارت المواجهة المسلحة للحكم الأسدي هي التي تعتبر استمراراً للثورة، بخاصة حين لا تقترن بمحاولة السيطرة على المجتمعات المحلية على ما سيفعل الإسلاميون. وقد يكون من أبرز وأحدث أمثلتها عبد الباسط الساروت الذي استشهد في حزيران 2019، وهو في السابعة والعشرين. تعرج مسار الساروت يتصل بقدر كبير بتعرج مسار الثورة ذاتها5. ضمن  المسار ذاته، يمكن ذكر الشهداء حسين الهرموش وأبو فرات وعبد القادر صالح وغيرهم. وممن هم أقل شهرة أحيل إلى ست بورتريهات أنجزتُها في الغوطة الشرقية في أيار 2013، مطلع المرحلة الثانية، مرحلة ما بعد انهيار الإطار الوطني 6. خمسة من البورتريهات تظهر الجذر الوطني الشعبي للمقاتلين ضد النظام، مع تناقضاته. أستبعد منها «الحجي» لأنه في الأصل من شريحة اجتماعية أعلى، ولم تكن مطامحه السلطوية خافية.       

ماذا حدث لهذه الطبقة من الأنشطة والممارسات والأدوار؟ انهارت فوقها طبقات من الحرب الأسدية والتعذيب والمجازر والاغتصاب، ومن الركام السلفي المفعم بالكراهية وقد اغتال واغتاب ثائرات وثائرين كثيرين (في حلب والرقة ودير الزور، وفي الغوطة الشرقية)، ومن سيطرات دولية وإقليمية، غريبة وعدائية. الثورة هي الطبقة الأعمق التي يغطيها هذا الخراب، بقدر ما هي الطور الأقدم بين أطوار صراعنا. لكن يحصل أن  ينجلي الركام أو تضعف يد المراكمين فنرى من جديد مظاهرات مثلما جرى في معرة النعمان ومواقع من إدلب في عامي 2017 و2018، ضد النظام وجبهة النصرة معاً، فيقال بحق إن هذا من الثورة. مثلما جرى حديثاً في كفر تخاريم ضد جبهة النصرة (أو «هيئة تحرير الشام») أيضاً، ممزوجاً بمقاومة مسلحة كذلك. تبدو هذه الأنشطة التي تدافع عن المجتمع مثل بصيص باق من شعلة الثورة. ولعلّ رسوم كفرنبل تمثل مصير هذه الطبقة العميقة التي اختنقت تحت الركام مثلما أُوقفت تلك الرسوم ذاتها.

وخلاصة تصور الثورة كطبقة من الممارسات أن هذه الطبقة موجودة دوماً، لكنها تكاد تكون مدفونة كلياً تحت طبقات من ممارسات وأوضاع أسدية وسلفية وأجنبية ضد ثورية. على أن هذه الطبقة ستبقى مصدر إلهام لأي أنشطة ثورية في زمن مقبل.

3- الثورة كتجارب شخصية

كانت الثورة فرصة للفاعلية التغييرية لما لا يُعَدُّ من الناس، الشباب بخاصة، كانوا يتغيرون هم أنفسهم بينما يعملون من أجل تغيير الواقع. اندحر النضال من أجل تغيير الواقع، لكن تغيير النفس أو تحقيق ثورة في الحياة الشخصية حاز دافعيته الخاصة واستمر عند كثيرين. هذا بُعدٌ للثورة لم يَجرِ تناوله بصورة منظمة إلى اليوم. عمل كثيرون، وخاصة كثيرات، على امتلاك حياتهم والانفكاك من نظام حياة وسلوك وروابط اجتماعية تقيدهم، وهذا مع تطوير نُظُم أكثر اتساقاً من الالتزامات وأكثر إبداعية وإنتاجية. عند النساء، الشابات بخاصة، أخذ أحياناً شكل خروج من أعراف اجتماعية محافظة، ما يتصل بنزع الحجاب وبالحركة وبالحب والحياة المستقلة، أي بامتلاك الجسد الشخصي متحرراً من سلطة العائلة. وانفصلت نساء عن أزواج عدوانيين في أول فرصة متاحة، أي حيث ضَمِنَّ أنهنّ يحظين بحماية قانونية من هؤلاء الأزواج المعنِّفين. جرى ذلك في تركيا وفي ألمانيا وغيرهما، ولكننا لا نحيط إلآ بجانب محدود مما جرى ويجري دون شك.

وأُتيحت لنساء ورجال، في بلدان اللجوء والمنفى بخاصة، فرص للتعلم وإتقان لغات أجنبية والدخول في الحياة الجامعية، واكتساب تجارب وخبرات في مجتمعات أكثر حرية كان يتعذر اكتسابها. ويتحرر البعض في الوقت نفسه من السحر الأوروبي أو الغربي ومن عقد النقص، يرون مجتمعات الغرب عن كثب في صورة أكثر واقعية، وهذا دون مخاطر وقوع معاكس في سحر الأصل والهوية، مثلما وقع لبعض أفراد موجة سابقة من المنفيين، كانت أصغر بكثير من موجتنا الراهنة.

وتتسع القاعدة البشرية للأنشطة الإبداعية من كتابة وموسيقا وأفلام وتشكيل وغيرها على نحوٍ ما كان ممكناً تيّسره كذلك من قبل. الثورة السورية هنا قوة دفع لثورة شخصية، ليس كحدث أفضى إلى اللجوء فقط، ولا كجهد شخصي لتدارك فشل سياسي أو التعويض عنه فقط، وإنما بانتساب واع في حالات كثيرة. فكأنما نحقق في مجالنا الشخصي الثورة التي تعذّرت في المجال السياسي. 

أعلم أن هذه رؤية تفاؤلية، تختار أن تبرز ثورات شخصية صغيرة وتغفل عن تحطمات شخصية وجمعية كبيرة، وعن أن ما تحقق بالذات من ثورات شخصية هو مُغالبة لأوضاع قاسية قد يتعذر الصمود في وجهها طويلاً. لكن هذا اختيار مقصود. الخسارة معلومة، وهي تتحقق بطرق مختلفة، كان ولا يزال من أبرزها إهدار طاقات السوريين جميعاً على يد نظام يريدهم خرافاً مطيعة، مجردين من الأسماء والذاتية والإبداعية، كثرتهم لا تنفع وقلتهم لا تضر. هذا منوال كسرته الثورة لنسبة ممن (وليس لكل من) اضطروا لتغيير البلد لأن تغيير نظام البلد فشل. أما الصعوبات التي يواجهها هؤلاء فما كانت لتختلف جوهرياً في تصوري عما كان ليحدث لو سقط النظام بالفعل، وتمكنت الثورة من تحقيق رهانها الأوليّ. كنا بلا شك سنواجه أوضاعاً بالغة العسر، وصراعات عنيفة، وانتكاسات وضياعاً وفوضى، وحنيناً إلى زمن أقل تحدياً وتقلباً. هذا مُرجَّحٌ بقوة بالنظر إلى الدخول الواسع في السياسة في سورية ما بعد أسدية، مع ما هو معروف من ضيق أو تحجر المؤسسات السياسية، ومن ضعف عريق في إجماعات السوريين فاقمته خمسون سنة أسدية.

هذا الجانب الاجتماعي الخلاّق يلفت النظر إلى أن الثورة ليست مواجهة عسكرية تنكسر أو مواجهة سياسية تفشل. إنها تحرر اجتماعي وثقافي تنخرط في عمليته أعدادٌ غير مسبوقة من السوريات والسوريين 7هذا البعد ليس لم يفشل فقط، بل هو أكبر فرق صُنع بفعل الثورة وكسرها.

ما يمكن أن يؤمل في هذا الشأن، وما يبدو مفتقداً إلى اليوم، هو الإحاطة بمدى هول وعالمية الضربة التي أصابت سورية والمجتمع السوري، وتطوير وعي مناسب. ليس وعياً منسحباً أو مكتئباً أو سينيكياً (ليسوا قلة من يعرضونه بيننا اليوم)، بل تمثيل ما يتصل بالمصير الإنساني في القصة السورية، وما هو سوري في الإنسانية المعاصرة، التي يبدو أنها تدخل في أزمنة وعرة ومتخبطة. العالم مصلحة لنا أكثر من غيرنا.

4- «الثورة الباطنة»                      

يمكن في المقام الرابع مقاربة الثورة السورية من زاوية مآل النواة الصلبة لقاعدتها الاجتماعية. ثمانية سنوات وثمانية شهور إلى اليوم هي 104 شهور، ونحو 3175 يوماً تقريباً، وخلالها قتل مئات الألوف وعُذب مئات الألوف 8، وعاش مئات الألوف والملايين في انكشاف تام ووقعت مئات المجازر، وتلوع ملايين وتلونت أيامهم ولياليهم بالشؤم… وتداعت بنية المجتمع السوري الذي لم يكن آية من آيات التماسك في أي وقت. سورية كانت مجتمعاً ممسوكاً وليس متماسكاً، منهج الإمساك الأسدي القائم على الخوف (إخافة الجميع وتخويفهم من بعضهم) والخيانة (أن يخون السوريون بعضهم كأرفع شكل للولاء للنظام)، والتمييز الطائفي النشط، منعه من تطوير أي تماسك ذاتي. وما كان بنية من عدم التماسك خلال أربعين عاماً قبل الثورة تحقق كحدث أو مسلسل أحداث أثناء الثورة، وآل خلال هذه السنوات والشهور والأيام الطوال إلى تجريف مشتدّ لبيئة الثورة، حَوَّلها من طيف وطني متعدد وعابر للجماعات الأهلية إلى ارتكاز عميق في البيئات العربية السنية الريفية، وإلى تكثف هذا الارتكاز سياسياً في ما يمكن تسميته السنّية الباطنة. أُقدِّرُ أن هذا أخذ يتحقق في مدار عام 2013، وإن تكن له علامات ونذر سابقة. نقطة الانكسار هنا أيضاً هي تداعي الإطار الوطني للصراع.

لا شيء يجب أن يحول في تصوري دون قول شيئين عن هذه السنية الباطنة. الأول أننا حيال بيئات اجتماعية مقتلعة ومرضوضة بعنف، تعرضت بصورة تمييزية وغالباً دون غيرها من البيئات الأهلية السورية للمجازر الكبيرة، بما فيها بالسلاح الكيماوي، واستهدفت مناطقها حصراً بالبراميل، وبمعظم الاعتقال والتعذيب والاغتصاب، والحصار والتجويع، واتُهمت بالإرهاب، وعوملت عموماً معاملة غير إنسانية وغير وطنية إلى أقصى حد. الشيء الثاني إنه تطورت في هذه البيئات سردية مظلومية بالغة القوة، وصار يجري التفكير في الثورة كثروة باطنة هي ذاتها، على صورة المظلومين السنيين المتماهين بها؛ أي كانقلاب سني، لا كجهد جمعي من أجل التحرر والعدالة. الانقلاب السني لا يقصي غير السنيين فقط، ولكن كذلك السنيين غير الإسلاميين وغير الطائفيين. وبينما لا تقتصر السنية الباطنة على الإسلاميين، ويندرج ضمنها علمانيون طائفيون، فإنه يُنظر إلى الإسلاميين كالممثل الطبيعي للسنيين. العلماني الطائفي، السني وغيره، لم ينتظر الصراع السوري ليوجد، لكن سنوات الصراع كانت فرصة لظهوره وانتشاره. للطائفيين السنيين نظراء علويون ومسيحيون ودروز واسماعيليون وغيرهم بطبيعة الحال، ممن يجدون أنفسهم عموماً في معسكر النظام. لكنَّ نظيرَ الباطنيين السنيين الفعلي هو الدولة الباطنة الأسدية، متمثلة بالمركب السياسي الأمني الطائفي المسيطر 9. 

ولا تجد السنية الباطنة اليوم بأساً في تسليم بقايا الثورة السورية لتركيا مثلما لم تجد الدولة الباطنة الأسدية بأساً في تسليم البلد لإيران وروسيا.

والواقع أنه بهذا المعنى، يحوز القول بأن الثورة انتهت معناه الأكثر إيجابية، بل ثورية. وهذا كي لا يكون المجلس الإسلامي السوري والإخوان المسلمين وجيش الإسلام وأحرار الشرقية و«الجيش الوطني» وأبو عمشة استمراراً لها. وفي هذه الأوساط بالذات، يُسمَعُ الإصرار الأعلى صوتاً على أن الثورة مستمرة. مفهوم جداً، فهم يعيشون منها.

الثورة انتهت مقتولة، وما نراه من استمرار فوقي لها هو تفسّخ الجسد المقتول ممن أسهموا من داخل الثورة بقتلها إلى جانب قتلة من خارجها. أقول استمرار فوقي بغرض تمييزه عن استمراريات تحتية تحيل إلى ما تقدم ذكره من طبقات من ممارسات يحدث أن تنبعث من تحت الركام أو تومض بين وقت وآخر في الذاكرات والأذهان، شذرات من زمن ثوري شجاع. وكذلك عن ثورات شخصية يحققها كثيرات وكثيرون.

5- الثورة كتقليد

أخيراً، قد يمكن الكلام على الثورة كتقليد آخذ في التكوّن من جديد، بدءاً من منطقتنا التي تشكل فضاء استثناء عالمي بأكثر من معنى، يضع سكانها في موقع العبيد السياسيين، قطاع أساسي من البروليتاريا السياسية العالمية؛ تقليدٌ يُرجَّح له أن يمتد لعقود وأجيال في تصوري. عبارة «الربيع العربي» تصلح بالكاد عنواناً صحفياً لهذا التقليد الجديد. مزيّتها أنها تقيم ربطاً بين الثورات في مجالنا، لكن التعبير بالمقابل يحيل إلى الطبيعة وظواهرها التي لا حرية فيها، على نحو يجرد الثائرين وعموم الناس من الأهلية أو الفاعلية.

يحوز الشركاء في هذا التقليد شعوراً بأن كل ثورة تخصّنا ولنا منها نصيب، وبالانحياز إلى الثورات والتضامن معها والانتماء إليها. هذا يظهر من تفاعل الثائرين السوريين مع الثورتين العراقية واللبنانية، وقد سارعنا مثلما سارع الثائرون في البلدين إلى تسميتهما ثورات لأننا نتعرّف فيهما على شيء نعرفه ونعتز به، شيء كنا قد أخذنا وقتاً قبل أن نسميه ثورة حين حدث في بلدنا (بضعة شهور في حالتي الشخصية). هذا لأنه كان جديداً علينا، كنا نخبره لأول مرة. يظهر التقليد الناشيء كذلك من الشعور بوحدة الحال مع الثورات في السودان والجزائر، ومن التضامن التلقائي مع احتجاجات التشيلي وهونغ كونغ، وقبلها فرنسا. حتى حين لا نعرف غير القليل عن هذه البلدان والمجتمعات، نشعر أننا ننتمي إلى ما يجري هناك من احتجاجات وانتفاضات، نتعرف فيها على شيء يكرّم ثورتنا القتيلة، ونشعر أن هذا هو العالم الذي نحن منه وهو منا.

وتقتضي المساهمة في بناء هذا التقليد موقفاً معرفياً يعترف بالثورات لا كحدث خارجي، يمكن أن نستمر في التفكير بعده كما قبله، بل كحدث مُغيّر، حدث «عاقل» وحائز على ذاتية تخصّه، نتغير بالاعتراف به ومعرفته، فتتجدد ذاتيتنا. الثورة تجربة، أو عالم بأكمله من التجارب، التي نتجدد ويتجدد تفكيرنا بتمثيلها، ونسهم في المعرفة وبناء التقليد الثوري عبر هذا التمثيل. ويتقابل هذا الموقف المعرفي مع موقفين يبدوان لي غير ثوريين على حد سواء، ومفقرين فكرياً فوق ذلك. أولهما يرى الثورة نشاطاً والتحاماً بالحدث المستمر، لا يحتاج بصورة خاصة إلى المعرفة. نحن الثورة، وما نعرفه كافٍ لأننا منها وفيها، لأننا هي. هذا شائعٌ في أوساط ثائرين سوريين كثيرين وإن لم يُعبَّر عنه. وهو لسان الحال الضمني لمن يعتبرون الثورة هوية لهم، الثوريين الباطنين. ويصدر موقف آخر عن ذاتية ناجزة مكتملة قبل الحدث، بحيث تعرف كل شيء مهم، وتستطيع أن تستأنف أثناء الحدث وبعده ما كانت تعرفه وتقوله وتعتنقه. هنا رفضٌ لأخذ العلم بذاتية الحدث، وهناك تخلٍ عن طلب الذاتية والتغير لمصلحة الحدث وذاتيته. وفي الحالين رفض للحرية كتغيّر مفتوح النهايات، وامتناع المساهمة في تراث ثوري يتجدد.  

الثورة عملية تعلّم وتغيّر، وتعلُّمنا وتغيُّرنا هو تحقيق لها على صعيدنا الشخصي، ومساهمتنا في صنع تراث لها.

الثورة السورية انتهت كمرحلة في وقت ما من السنوات التسعة الموشكة على الانقضاء، وهي طبقة مخنوقة هناك في الواقع وفي الذاكرات، وهي ثورات شخصية كثيرة وتخيل محرر، وهي باطن يجب أن ينتهي ويُدفن لأنه مات، وهي سندُنا في الانتماء إلى تقليد يبقى حياً ومتجدداً بقدر ما هو ينظر في نفسه وينسلخ مما مات فيه.

هناك ما مات أو دفن عميقاً من الثورة السورية مما كان يجب ألّا يموت، وهناك ما يبقى حياً وكان يجب أن يموت. وهناك معانٍ وأفعال و«ثورات» صغيرة كثيرة، هذه لم تمت ولن تموت. وهناك فكرة الثورة التي تبقى معنى، وتبقى لنا، وتشكل تراثاً جديداً. وبين الشركاء في هذا التراث، وفي بيئة الثورة الظاهرة، يجد المرء الحسَّ العام، والانشغال بأمر سورية كلها، والتفكير الذي يعمل على الإحاطة بمشكلاتنا الاجتماعية والسياسية والوطنية كلها. ليس هناك «أم للصبي» في صورة جماعة أهلية أو طائفة أو دين. الصبي الذي هو الثورة يتيم، وهو رحل يتيماً.

من ميراث هذه السنوات التسع هناك أشياء كثيرة عظيمة باقية، تبرق في الذهن والذاكرة، تلهم المخيلة، رموز ملأى بالحياة؛ لكن هناك مستوى لا يبدو أن لدينا منه ما نحتفظ به، وهو مستوى لطالما تميزنا بضعف شديد ونقص شديد في الإبداعية فيه: التنظيم السياسي والتفكير السياسي. ليس بين تجاربنا السياسية في السنوات الملحمية المأساوية المنقضية ما يمكن أن يلهم ويُستعاد كتراث. الواقع أنها يمكن أن تُضاف إلى تراث هاجٍ للسياسة في العربية، يستحق أن يوصف بأنه تراث سيء، لكنه انعكاس لسياسة سيئة. هجاء السياسة يناسب حكومات الطغيان فوق السياسية، يسهل لها خفض المحكومين إلى مراتب دون سياسية. فإن كان هناك مجال نحتاج إلى الإبداعية والثورة فيه فهو مجال السياسة، النظري والعملي، ما يتصل بالنظرية السياسية والفلسفة السياسية واللغة السياسية، وما يتصل بقضايا التنظيم والقيادة وبناء القوة الفاعلة.

تاريخ تسع سنوات

كيف نفكر في تاريخ سنوات صراعنا؟ ينسب منطق شائع للتفكير في سنوات الصراع السوري ضرباً من الاستمرارية بين الثورة والأوضاع الحالية في البلد، بحيث تكون هذه الأوضاع نتاجاً طبيعياً للثورة. هذا هو منطق التفكير العامي عموماً، يسلم بالاستمرارية وبأن مجيء س بعد ع يعني أن س سبب ع، وأن ع نتيجة س. يقرأ التاريخ بنظرة راجعة، ويحكم على أطواره اللاحقة وفقاً للطور الأخير. لكن هذه ليست مجرد نظرة خاطئة، وإنما فيها الكثير من الهوى السياسي كذلك، بحيث أن النظام ذاته يتبناها، وينسب أسوأ ما وقع أثناء الصراع إلى الثورة، يتبناها كذلك مساندو النظام واعتذاريوه. ولأنها تقوم على هوى النفس، فإن أحداً من معتنقيها لن يقول لماذا لا يكون كل ما جرى استمراراً للحكم الأسدي طوال أكثر من أربعين عام إلى وقت تفجّر الثورة.

ويحدث أن يستند هذا التصور إلى مذهب الحتمية، إن في صيغة هيغلية أو ماركسية، ماركسية عامية في رأيي. هنا يكون ما حدث هو ما كان لا بد أن يحدث بفعل حتمية تسري في التاريخ تسمى ببساطة الحتمية التاريخية. ووفق لفلسفة التاريخ الهيغلية يكون ما يحدث اليوم إنتاشاً لبذرة مسبقة الوجود. تكون داعش وفقاً لهذ التصور تحققاً أو انبساطاً لما كان مطوياً منذ البداية في الثورة السورية. ليس من المفاجئ أن هذا ما يقوله بشار الأسد.

نقيضاً لهذا التصور يمكن التفكير في كل لحظة من تاريخ الثورة، وكل تاريخ، بأنها متعددة ممكنات، يتحقق منها هذا وليس ذاك وفق محصلة القوى الفاعلة في تلك اللحظة. ما يحدث بعد مجرزة ليس ما يحدث بعد مهرجان، وما يحدث بعد حفلة تعذيب ليس ما يحدث بعد حفلة تخرج، وأثر تجمع سلمي في فضاء عام لا يماثل أثر قتل 200 من المتجمعين خلال ساعة في هذا الفضاء نفسه. وفي كل حال كان يمكن لما حدث ألّا يحدث، وأن يحدث غيره، ولما لم يحدث أن يحدث، فيتغير الواقع المختبر قليلاً أو كثيراً. فما يحدث لنا، أفراداً أو جماعات، لم يكن مكتوباً سلفاً في أي لوح محفوظ أو غير محفوظ، ولا على أي جبين فردي أو جمعي. ولذلك لا يمكن التنبؤ بما يحدث، وبخاصة في الأزمنة العاصفة كزمننا. 

ولذلك أيضاً لا يمكن الكلام على استمرارية، بل هناك انقطاعات وانعطافات حادة، هي عُمدتنا حين نميز بين مراحل. قد نتكلم على استمراريات جزئية أو مرحلية، انقطاع كل منها هو ما يبرر الكلام على نهاية مرحلة وبداية مرحلة. انهيار الإطار الوطني للصراع دشّنَ مرحلة مختلفة تماماً مثلاً. الصفقة الكيماوية أطلقت ديناميكيات مختلفة (كانت تأميناً للنظام وشريكه الإيراني على استمرارهم في القتل بأسلحة أخرى، وهدية سخية للعدميين الإسلاميين)، ظهور داعش وسيطرته على مناطق في سورية والعراق دشّنَ بدوره مرحلة مختلفة. التدخل الأميركي، ثم خاصة الروسي أنهى استمرارية قائمة وفتح الباب لمرحلة مغايرة لها استمراريتها الخاصة. التدخل التركي في مراحله المتعددة يطلق ديناميكيته الخاصة المغايرة التي يتعذّر في تصوري أن تستقر على حال في أي وقت قريب. وفي كل من هذه المراحل يمكن الكلام على مراحل فرعية واستمراريات فرعية. على سبيل المثال، نميز خلال مرحلة الصراع السوري السوري السابق لانهيار الإطار الوطني بين طور سلمي بين البداية وخريف 2011، ثم سلمي ومسلح حتى منتصف صيف 2012، ثم مسلح أساساً حتى ربيع 2013. ولا ريب أنه يمكن إظهار مراحل فرعية في كل من المراحل الأساسية العريضة التي تقدَّمَ التمييز بينها. وفي كل حال، ترتبط الاستمراريات ببدايات أطلقتها، ولم تكن محتمة الجريان على هذه الصورة لا تلك. 

أسوق هذه الاعتبارات النظرية بعض الشيء للقول إنه يغلب لوضع كلمة الثورة بين قوسين اليوم أن ينطوي على إرادة وضع حدث الثورة بين قوسين، أي على حذفه أو إنكار فاعليته والانتقاص من جملة التجارب والخبرات التي يشملها. وهو يتوافق مع ما تقدَّمَ قوله عن إنكار ذاتية الثورة. يندرج هذا المسلك المراجع في إنكار الانقطاع وافتراض استمرارية تجعل السابق محكوماً باللاحق، فلا تحتاج إلى التوقف أمام ما يحدث وأمام إنتاجية ما يحدث وخلقه لوقائع وأوضاع جديدة. هذا غير ممكن دون إهمال السياسة والحرب، وهو ذاته إهمال سياسي وحربي.

الثورة السورية والقضية السورية

ماذا يمكن أن يكون استئنافاً للثورة السورية؟

يتعين قبل كل شيء أن نعرف أين نحن اليوم. هناك في تقديري ثلاثة مشكلات يُعرِّف تزامنها وضعنا الراهن، وسبق أن عرفنا صيغاً منها في تاريخنا الحديث «متزمِّنة» أو متعاقبة. أولاها ما يمكن تسميتها المسألة الاجتماعية الجديدة، وفيها يلتقي واقع أن نحو 80% من السوريين تحت خط الفقر؛ وأن نحو 28% من السوريين لاجئون في ملاجئ غير مضيافة غالباً؛ وأن نحو 3% من السوريين قتِلوا؛ وأن مئات ألوف الأطفال لم يعرفوا المدارس طوال سنوات، ما يعني جيلاً ضائعاً وارتفاعاً لنسبة الأمية قد يكون الأعلى منذ استقلال سورية قبل أكثر من سبعين عاماً. هناك تراجع صافٍ لمصلحة عناصر المسألة الاجتماعية التقليدية من جوع وفقر ومرض، لكن في مواجهة أعداء جدد، أبرزهم أرستقراطية جديدة، ضارية وذات منزع إبادي. هناك بُعدٌ آخر للمسألة الاجتماعية، ظهر بقوة في سنوات ما بعد الثورة، ويتصل بأشكال فاشية من النزعة المحافظة البطريركية المعادية للنساء والحريات الاجتماعية وحريات الفكر والتعبير والضمير. أعني بطبيعة الحال الإسلامية المقاتلة التي أفرغت الثورة من مضمونها التحرري، وأعطتها معنى الانقلاب السنّي مثلما تقدَّمَ القول.

في المقام الثاني لدينا خمس احتلالات وتجزؤ فعليٌّ للبلد إلى أربع سوريات، بالنظر إلى أن إيران وروسيا تتشاطران سورية محميهما الأسدي ذاتها. الوضع سائل على هذا الصعيد، لكنه لا يلغي شيئاً صلباً: وجوب جلاء كل الاحتلالات الأجنبية، احتلالات الدول والميليشيات التابعة لها، من أجل بقاء الكيان السوري ذاته كإطار لمصير يُعمَل على حصر تقريره بيد السوريين. هنا مسألة وطنية جديدة، غير تقليدية الطابع، ولا يبدو أنها تشبه شيئاً نعرفه أو يعرفه غيرنا. يمكن أن نتكلم بلغة التحرر من الاستعمار والاستقلال الوطني، لكن يظهر أننا حيال أوضاع أشد تعقيداً بفعل تعدد الاحتلالات، ومشاركة قوات من أربعة من الدول الخمسة المجاورة لسورية (الأردن غير مشارك)، منها منظمات ما دون الدولة من لبنان والعراق. من تركيا لدينا الدولة وما دونها معاً.    

وغير المسألة الاجتماعية الجديدة والمسألة الوطنية الجديدة، لدينا المسألة السياسية القديمة الجديدة، دولة طغيان انقلبت إلى دولة إبادة محمية بحراب الأجنبي، بل أجانب متعددين، متخاصمين فيما بينهم (وإن لم يكونوا أعداء). الجديد في المسألة السياسية هو التحول الإبادي للدولة. دول الإبادة ليست حصراً مشكلات داخلية لمحكوميها، بل هي مشكلات للعالم لأنها تجعل من قتل البشر مبدأ سياسياً عادياً، أو تقوم على تبذيل الإبادة. ويرتبط التحول الإبادي ببنية طائفية للنظام منذ خمسين عاماً، تتوافق مع تسعير المنازعات الطائفية كلما تعرضت هي للمنازعة. ولما كانت الطائفية هي التمييز على أساس الهوية، فإنها تؤسس للقتل على الهوية. ما هي الإبادة (الجينوسايد)؟ ليست إلا القتل على الهوية 10. هذا سلاح ينبغي تجريد النظام منه كأساس لسياسة تُحارب البدائل الطائفية الأخرى. وفي مواجهة هذه المسألة السياسية لا بد من تفكير متجدد بقضية الديمقراطية، يربطها بالمسألتين الاجتماعية والوطنية الجديدتين، ويدرجها في أفق عالمي بالنظر إلى أزمة الديمقراطية على الصعيد العالمي.        

تشكل هذه الأبعاد الثلاثة ما يمكن أن تسمى القضية السورية، التي هي استمرار للثورة بأدوات مغايرة وإيقاع مختلف ونطاق مختلف، بل لا تعيش الثورة دون تغير الأدوات والإيقاعات والنطاق. الأصرار على الطرق القديمة ليس وفاء للثورة السورية بل هو خيانة لها، نراه اليوم يتصلب في السنّية الباطنة التي سلمت نفسها وقضيتها لتركيا.

بوصفها قضية تحرر وطني من نوع جديد، أشد تعقيداً مما سبق أن عرفنا، القضية السورية تدعونا إلى تفكير وأشكال نضال جديدة لا يبدو أننا نملك منها شيئاً اليوم. وبينما يدعونا هذا إلى عناية أكبر بمعرفة الحدث وما حدث، وبنية وديناميكيات العالم اليوم، فإنه يحيل إلى بعد للقضية السورية، عملي وسياسي، يتعلق بحملة هذه القضية والقوى المناضلة من أجلها، يُكمِّل بعدها «الموضوعي»، المتعلق بمضمونها وأبعادها الثلاثة. لا يقتصر الأمر اليوم على عدم وجود قوى تناضل بالفكر والسياسة والتنظيم من أجل القضية السورية، بل يتعداه إلى أنه لا يمكن بناء قضية سورية إلا ضد القوى التي شغلت مواقع نافذة في الثورة السورية، أعني تشكيلات المعارضة الموروثة من عهد حافظ الأسد. لقد حطم النظام وحُماته الثورة السورية، لكن من يحطمون القضية السورية هم المعارضون الرسميون، الذين انتهوا إلى فقدان كل استقلالية.

المعارضة الموروثة في انقساماتها وخصوماتها ومجمل حساسيتها عبء على القضية السورية، والتقدم نحو بناء هذه القضية رهن بالتخلص من هذا العبء.

1. قريب من ذلك رأي ألبرتو سافيولي، الآثاري الإيطالي الذي صدر له مؤخراً كتاب مساند لـ «الانتفاضة السورية». في مقابلة حديثة معه نشرت في حكاية ما انحكت، يقول سافيولي: «الثورة تعني حراكاً ضد النظام يؤدي إلى سقوط وتغيير النظام الحاكم وهو ما لم يحصل في سوريا، وهذا ما جعلني أستخدم مصطلح الانتفاضة».

2. هذا ما يقوله سافيولي نفسه: «لقد تم القضاء على الثورة منذ دخلت مرحلة التسلح». وهو ما لا أوافقه عليه. كسر الاحتكار غير الشرعي للعنف من قبل دولة مخصخصة هو حدث ثوري.

3. في صيغة محررة للمقالة نفسها، نشرت في كتابي الإمبرياليون المقهورون، في المسألة الإسلامية وظهور طوائف الإسلاميين، رياض الريس للكتب، بيروت 2019.

4. تواقتت في تموز مجموعة أحداث انعطافية أستبعد أن يكون تواقتها عارضاً: (1) أول استخدام للبراميل المتفجرة واستهداف طوابير الخبز، (2) صدور قوانين مكافحة الإرهاب وما يعنيه من أن الثورة هي العدو الوجودي للنظام، (3) اغتيال ضباط خلية الأزمة وتحقيق تجانس أكبر في مراتب النظام العليا، (4) الانسحاب من مناطق الكثافة الكردية وتسليمها للفرع السوري لحزب العمال الكردستاني وانتشار مقاتلين من الحزب، كثير منهم غير سوريين، في سورية. أعتقد أن هذه أوجه حرب مطلقة ضد الثورة، يجمعها أنها استراتيجية الحزب الإيراني القائمة على كل شيء مقابل لا شيء. هذا الحزب، وبشار وماهر أساسيان فيه، انتصر في ذلك الشهر داخل النظام. انهيار الإطار الوطني للصراع هو نتاج هذا الانتصار. المركز الإمبريالي الفرعي في طهران هو من عمل على طي صفحة الثورة كصراع سوري سوري، وتحويلها إلى صراع فوق وتحت سوري، إقليمي وطائفي. وبمحصلة الأحداث الأربعة السابقة وقع: (5) التوقف شبه التام للمظاهرات السلمية المستمرة حتى ذلك الحين في مئات بؤر التظاهر في البلد. التسرب الجهادي السني كان بدأ قبل ذلك، لكنه كان أساساً من العراق ولبنان حتى ذلك الحين، وسيغلب أن يكون من تركيا بعد ذلك. أرجّح أن السلطات التركية تساهلت مع الانتشار الجهادي في تطلّع منها إلى استخدامه في مواجهة حزب العمال الكردستاني في سورية.

5. عن مسار باسط ومسار الثورة.

6. لم أكن مدركاً وقتها أننا ندخل منحىً جديداً، أشد وحشية بعد. البورتريهات الستة متاحة هنا.

7. أدين بالانتباه لهذا الجانب إلى الصديقة ألمى سالم، أثناء محاضرة لي مونتريال في مطلع تشرين الأول 2019. ذكرت ذلك في سياق الرد على قول من يقول إن الثورة فشلت لأنها هزمت عسكرياً وسياسياً.

8. في تقرير حديث لها، قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن نحو 1,2 مليون سوري تعرضوا للاعتقال في سنوات الثورة، وقدرت أن بينهم 130 ألفاً معتقلين اليوم، وفوق 14 ألفاً قتلوا بالتعذيب.

9. تناولت ثنائية الدولة الظاهرة والدولة الباطنة بشيء من التوسع في مقالتي: السلطان الحديث، المنابع الاجتماعية والسياسة للطائفية في سورية، المنشورة في مطلع 2015.

10. العلاقة بين الطائفية والإبادة لم تدرس في الكتابات العربية، وهو نقص أزف وقت تداركه. تناولت القضية تناولاً تخطيطياً في مقالتي: الأبد، الطوائف كأوابد، والإبادة.

هذه المادة جزء من «جريدة سميرة»، القسم الذي تحضر سميرة الخليل في نصوصه حافزاً أو موضوعاً ورمزاً.

موقع الجمهورية

———————————

الحرية: البيت، السجن، المنفى… العالم/ ياسين الحاج صالح

إلى سمّور، إمامتي الغائبة، الحاضرة دوماً

لا يحتاج تناول فكرة الحرية إلى تبريرٍ خاص. لكنها ليست فكرةً بديهية، أو نازعاً إنسانياً متعالياً على الأزمنة، أو مطلباً خالياً من التناقض. الحرية فعلُ خروجٍ وانشقاقٍ وصراع، وقد يكون مأساوياً. هذا النص تأملٌ حرٌ في الحرية إن جاز التعبير، أقرب إلى قصة مكتوبة بمفاهيم مجردة، قصة مغامرة ومواجهة أخطارٍ من كل نوع.

قصة تُكتب كي تُعاد كتباتها.

المكان

في حدسٍ أول، تحيلُ الحرية إلى الحركة، الخروج من هنا، الذهاب خطوة أبعد من المعتاد، واستكشاف فضاء أوسع غير معلوم مسبقاً، على خطورةٍ محتملة في ذلك. هذا الوجه الأول للحرية يتقابل مع شيئين، مع نازعٍ بشري لا يقل قوة إلى الإقامة هنا، إلى الاستقرار في بيت، إلى العودة إلى ديارٍ، والارتباط بمكانٍ محدد (في العربية: المكان «اسم مكان» من الكون، فلا مكان إلا بما يكون)؛ والشيء الثاني هو الحبس، المنع من الحركة خارج نطاق معين، محدود.

في شهور سجني الأولى مطلع ثمانينات القرن الماضي سمعت عبارة: «حجز حرية»، كوصف لاعتقالنا (سجناء النظام اليساريين). ويبدو أنها تُشير إلى درجةٍ من السجن مُخفّفة، يُتوقّع لها أن تكون قصيرة الأمد، وتقتصر على تقييد الحركة والحد من «الخطورة»، خطورة التواصل غير المراقب مع آخرين والقيام بأفعال «حرة»، حركات خارجة على مقبول «النظام». وأظن العبارة تتقابل مع الحبس المديد، ومع «سجن التعذيب» مثل تدمر، ومع تفريق السجناء عن بعضهم، وأشكال أخرى من الإيذاء (سنتعرضُ لمعظمها في سنوات «حجز حريتنا» الطويلة). لكن عبارة «حجز حرية» تكثِّف التقابل بين السجن والحرية، وحقيقة أن الحرية أساساً حركة غير معاقة، أو غير محجوزة.

وبقدر ما إن نازع العودة والبيت قرينٌ للراحة والاستقرار والأمان، فإن نازع الحرية مقترنٌ بالخطر والمشقة. نخرج من مكاننا، نبتعد، فنواجه ما لا نعرف، مساحات غير مطروقة من قبل وغير ممسوحة، أناساً آخرين قد لا نجدُ لغةً مشتركة معهم، عوامل طبيعية لا نعرف كيف نُداريها. هذا الشرط هو في آن، الأقدمُ تاريخياً بين شروط البشر، والأقدمُ في عُمْر كلّ منا (تجربة طفولية محتومة) والأعمقُ في كياننا. شرطٌ قديم، فعميق، فمستمر: في كل وقتٍ نحن نخرج، نبتعد، نجازف دون ضمانةٍ بالسلامة.

لكننا نحتاجُ في كل وقت إلى العودة، إلى بيتٍ ومُستقَرٍ آمن، هو في الوقت نفسه منطلقٌ لخروجٍ جديد ومجازفاتٍ جديدة. البيت هو المكان الذي ننطلق منه ونعود إليه. نُكوِّن مفهوم البيت بهذه الحركة ذهاباً وإياباً، حركةً وقراراً.

نُكوّن مفهوم البيت أيضاً بالتعرف، بينما نستكشف عالمنا، على بيوت أخرى غير بيتنا، وكذلك بتغيير بيتنا ذاته. السكنُ في بيتٍ جديد تجربة شائعة في عالم اليوم في كل المجتمعات، وهو عادةً علامة استقلال في مجتمعاتنا المعاصرة، خروجٌ من كنف الأبوين إلى بيت يُسهّل حركتنا، خروجنا وعودتنا أكثر إن أمكن، أو إلى بيوت مؤقتة كثيرة، وهذا تجربة متواترة في عمر الشباب بخاصة، لكنها أيضاً خيارٌ ممكنٌ لكثيرين.

وقد لا نملك بيتاً بكل بساطة، أو لا نقدر على الإقامة في بيت، هذا يجعل المرء «مُشرّداً» (أو «منفياً»، وسأعود إلى هذه النقطة).

السجن يقابل حركة الخروج من البيت، إلى حيث نواجه الخطر ونمارس الخطر. ينزع السجن خطورتنا المحتملة بنزع حريتنا، يحمينا أيضاً من خطورة الحرية. خارج السجن نلتقي بآخرين، نتبادل الكلمات والأشياء والإلفة، وقد ننخرط في حرب. كلود ليفي ستروس يقول إن الثقافات تتكون حول تبادل الكلمات والسلع والنساء، أي من اللغة والإنتاج المادي ونُظُمِ القرابة (وهو يُغفِل تماماً تبادل العنف). الاتصال بآخرين يمكنه، تالياً، أن يكون منطلقاً لثقافة جديدة، لتوسيع حقل التبادل، أو منطلقاً لصراعٍ خَطِر، لحرب. نعرف من تجاربنا أن من هم أوسع حركة وأكثر اختلاطاً بغيرهم، يُطوِّرون عوالم شخصية أكثر غنىً، وطاقةً أكبرَ على التطور. الأقل اختلاطاً هم أشد فقراً، و«بدائية». الثقافات الأكثر أصالة هي الأكثر بدائية، بينما الثقافات الأكثر إبداعية هي الأكثر اختلاطاً وأخذاً من غيرها.

الحرية، تالياً، تقود إلى الثقافة أو إلى الحرب. الثقافة هي تحويل ما هو خارجيٌ إلى داخلٍ وبيت، تعليم المساحات غير المطروقة ومسحها، تحويل الغرباء إلى أقارب وشركاء عبر التبادلات. أليس هذا تناقضاً؟ الحرية هي الخروج من البيت، تجاوز السياج والذهاب بعيداً، لكن بحركة الذهاب بعيداً، وبتكرار الذهاب بعيداً، نُعلِّم المساحات الجديدة، نتعرّفُها فنُلغي بريّتها وخارجيتها، ونجعل منها بيتاً أو امتداداً للبيت، وربما نسميها «وطناً» (في الانكليزية «هوم» تدل على البيت والوطن معاً). وهكذا تبدو الحرية نازعَ تجاوز، لا يَكِنُّ قليلاً حتى ينطلق من جديد في مغامرة جديدة، خطرة. لكن بعد خروجٍ أول استكشافي، هناك خروجٌ ثانٍ استثماري وتنظيمي، ثقافي. الثقافة نتاج الخروج الثاني. العوائد أو العادات تتكون بالعودة، بالخروج الثاني والعودة الثانية. وعبر الخروج الثاني، الذي يُؤلف «البرّية» المجهولة ويُعلِّمها، يبدو أننا نأخذ البيت معنا أو نوسعه، أي أننا لا نخرج منه بل نُخرِجه معنا. فهل يبقى ذلك فعلَ حرية؟ وحين نُوسِّع عالمنا المُعلّم، ونضمُ إليه حيزات كانت بعيدة وغريبة قبل قليل، وصارت الآن قريبة، ألا نكون ألغينا حريتنا؟ بلى. الحرية هي الابتكار، والثقافة هي التكرار. نتحررُ بأن نذهب أبعد، حتى إذا انتهى كل أبعد وجرى تعليم كل شيء، انغلق العالم وغداً سجناً. (وهو ما يغري بالقفز إلى استنتاجِ أنه لا حرية في الأوطان، عوالمنا المعلومة المعهودة، الحرية في الخروج منها).

على أنه يمكن أن نميز بين توسيعٍ للبيت هو عبارة عن تملك وانتزاع و«بيتية» (أو «وطنية») وحرب، وتوسيعٍ للبيت هو استضافة وترحيب ولقاء سلمي بمُغايرين، نُسلّم عليهم ونتعرف بهم ونشاركهم. أو هو تَواسُعٌ إن جاز الاشتقاق، انفتاحُ بيتنا على بيوت غيرنا، والحركة الودودة  بين البيوت. تراحُب: رحابة وترحاب.

السجن هو وليد نمط التوسع الأول، التملُّكي، توسيع الملك الخاص لا توسيع المشترك، فتح العالم لا الانفتاح على العالم. نحبس من نستطيع حبسه من الغير في بيوتٍ خاصة مغلقة كي لا يهددوا مِلْكنا، أو يحاولوا مشاركتنا فيه. أو كي نكون ملوكاً غير مُنَازَعين في كل ما هو خارج السجن. السجين هو شريكٌ استبعدناه، بقدر ما إن الشريك هو حُرٌّ مرحب به. لكن حين نحبس من يعترض، من يريد أن يذهب مذهبه الخاص، ألا نجعل من السجن دار الحرية الوحيدة؟ وحين نملك كل ما هو خارج السجن، ألا نجعل من خارج السجن هذا سجناً واسعاً؟

حين نُرحِّب بالغير نُغيّر الغير، وأنفسنا، والبيت: أهلاً وسهلاً، البيت بيتكم! أي لستم ضيوفاً عندنا، ليس البيت لنا وحدنا، أنتم أهل البيت مثلنا! على الرحب والسعة! هذه التجربة تبدو إعلانَ مودةٍ مبدئي ومجازي، إعلانٌ أيضاً بأن المكان رحبٌ واسعٌ يكفي للجميع، وهي بذلك تصلح اتجاهاً لثقافة شراكة. ومن وجهٍ آخر تهدد تلك التجربة جدياً المِلْك، البيتية في شكلها المغلق، العدائي. هذه تعني توسيع البيت وضم الغير إليه، بالحرب والسجن، والنفي والاستعباد. البيتية المفتوحة تعني أن نذهب إلى الغير ويأتي إلينا الغير، فيلتقي توسع بيتنا بتوسع بيتهم، وتتكون لنا بيوت مشتركة، ولا يبقى الغير غيراً. في تاريخهم الطويل فعل البشر الأمرين معاً، الثقافات كلها فعلت الأمرين معاً. لا يمنع ذلك من القول إن البيت المغلق كان النموذج المهيمن أكثر من البيت المفتوح، ولا أن البيت المفتوح اكثر إنسانية من البيت المغلق.

تغييران

في حدسٍ ثانٍ تُحيل الحرية إلى التغيّر. الحركة تكفُّ عن كونها فعل حرية حين تكون حركةً تكرارية على الدروب ذاتها إلى الأماكن ذاتها، وبخاصة حين يكون ذلك مسلكاً إكراهياً. الحركة أول أشكال الحرية من حيث أنها خروج على (منوال)، وليس خروجاً من (مكان) فقط. أو، بعبارة أخرى، لا نكون أحراراً حين نخرج، إلا حين لا نخرج بالصورة ذاتها في كل مرة، أي حين نخرج على خروجنا أيضاً. الخروج من البيت هو تجربة حرية حين تستكشف شيئاً جديداً، ترتاد مجاهِلَ، تخرج على خروجاتنا السابقة، فتأتي بـ«فِتْكات بِكْر» على قول المتنبي. المهم في الحركة، تالياً، أن تكون متحركة هي ذاتها، والمهم فيها عائدها علينا من تعلمٍ واكتسابِ خبرات، من تغيرنا وتغير العالم حولنا.

في العربية تعني كلمة تغيير شيئان. إحلال غير الشيء محل الشيء، وتحويل الشيء عينه إلى غيره. نغير المكان بأن نرحل إلى مكان مُغاير، ونغير المكان بأن نُحوِّلَه هو نفسه ليصبح مكاناً مغايراً. الأول، تغيير المكان، هو الترحُّل، التغير البدوي إن جاز التعبير، والثاني هو التغير الحضري، التغيير في المكان. استخدمت تعبير خروجٍ من المكان (وسأتكلم على خروج من الزمان، من المجتمع، من النفس، من الدين ومن العالم) بمعنىً يبدو أقرب إلى التغير البدوي الذي له تاريخ أفقي غير تراكمي، «بارد» حسب ستروس، لكن الحرية خروجٌ من حالة الشيء إلى حالة غير، أو هي خروجٌ على الخروج مثلما تقدم، وليست حصراً خروجاً من الشيء إلى شيءٍ غيره. في النهاية نحن لا نخرج من نفوسنا إلى نفوسٍ غيرها (ذاكرتنا ومخيلاتنا ورضّاتُنا المُكوِّنة…)، لكننا نغير نفوسنا ذاتها، نظامها، فكأنه صارت لنا نفوسٌ جديدة، بهياكلَ جديدة للذاكرة والتخيل والحساسية، وبسِجلِّ خبرات ممكن جديد. وهذا عند التفكير في الأمر ينطبق على المكان والزمان والمجتمع والعالم. ذلك أن الكلام لا يجري على فردٍ معزولٍ يخرج من بيته مبتعداً، متحرراً، قبل أن يرجِع إليه، أو هو يُحبَس في «بيت» فيُحرَم من حريته. نتكلم، بالأحرى، على جميع البشر، يغيرون بيوتهم ويغيرون في بيوتهم، يخرجون ويُخرِجونها من حالٍ لها إلى حالٍ مغايرة، أو من بيتٍ إلى بيتٍ غيره. تاريخنا هو الشيئان معاً، تاريخ الترحل وتاريخ التحول.

وحين نُحبَس لا يحال بيننا وبين الخروج من «البيت»، بل أيضاً بيننا وبين إخراج البيت من حال إلى حال. نفقد الحرية بالمعنيين معاً. ويكفّ البيت عن أن يكون بيتاً حتى لو حُبِسَ المرءُ في بيته فعلاً، إذ يفقد الحق المقترن بالامتلاك: ما أملكه هو ما لي الخيار في شأنه. بيتي هو ما لي الحق في تغييره وفي التغيير فيه، في هدمه، أو هجره، أو تركه لغيري. السجن ليس بيتاً بحال، ليس شيئاً نملكه ونملك الخروج منه والخروج عليه (تغيير نظامه)، بل هو شيء «يملِكُنا» ويخرج علينا. قد نتحرر فيه من نفوسنا بأن نتحرك خارجها على أنحاء مختلفة، لكن ليس هذا أمراً ميسوراً، وهو لا يتحقق -إن تحقق- إلا ضد السجن، أما «قصدُ» السجن فهو نزع حريتنا وتثبيتنا في صورةٍ لا تتغير. نحن لا نعود إلى السجن إن كان لنا الخيار. وقد سبق القول إن البيت ليس ما نخرج منه فقط، وإنما ما نعود إليه أيضاً.

السجن هو الموقع المناسب لنتبيّن بُعداً آخر للتغيّر: تغير علاقتنا بالأشياء، بالبيت والنفس والعالم والمجتمع. السجن، والسجون المطلقة بخاصة مثل سجن تدمر، لا نستطيع تغيير علاقتنا بها، ولا تغيير أنفسنا فيها إلا على نطاقٍ بالغ الضيق. بالمقابل، يَخنِقنا هذا السجن، يُثبِّتنا في صورة قليلة التغير عبر منع الحركة منه وفيه، وعبر منع تغييره، وامتناع تغيير علاقتنا به. ربما يجعلنا السجن الأقسى قساة. ما القسوة؟ هي التصاق الواحد منا بنفسه، انعطافه على نفسه وتجمعه على نفسه، تكتُّله وتصلُّبُه، بفعل ما تعرضَ له من ضغطٍ وقسوة. هذا بالطبع إن لم يتحطم. القاسي لا مكان في داخله يُفرِده لغيره، يعامل الغير بقسوة لأن مكانه الداخلي ضيقٌ ولا يتسع لغير.

لا تتغير علاقتنا بالأشياء إن كان ممتنعاً تغيير الأشياء ذاتها، تحويلها. لا تتغير أنفسنا بينما نحن لا نغير الأشياء، ولا تتغير علاقتنا بأنفسنا إن لم تتغير أنفسنا. (لكن ليس في الأمر حتميات، فهو في كل حال نسبة وعلاقة بين شروط منع التغيّر، عبر صيغ السجن المختلفة وطول أمدها، وبين الموارد الداخلية للأفراد والمجموعات).

الحرية الحديثة تحويلية أكثر منها بكثير ترحّلية، حضرية أكثر منها بدوية، فاعلية تحويلٍ للمكان والزمان والنفس والمجتمع والعالم، أكثر منها ترحّلٌ وتجْوال. لكن هناك علاقةً مقلقةً بينها ويين الاستعمار، فهذا في آنٍ ترحلٌ مُسلّح وتوسعٌ عدائي واستيلاءٌ على بيوتٍ أخرى، وهو وثيق الصلة من جانب آخر بالتحول والإعمار في البيت، الوطن. حريتان للمستعمِرين مقابل صفر للمستعمَرين: لا تَرحُّل ولا تحويل. فحين لا يُطردون من بيوتهم مثلما جرى للفلسطينيين يجري التحكم بحركتهم وأفعالهم وتفاعلاتهم، أي يجري سجنهم عملياً، مثلما هو جارٍ بحق من بقي من الفلسطينيين في أرضهم. في كل حال، يًحال بينهم وبين تغيير «نظام» بيتهم، وهو ما ينطبق بالقدر نفسه على الاستعمار الداخلي مثل الذي نعرفه جيداً في سورية.

الزمان

الحاضر هو بيت الزمان الذي نبني مفهومه بالخروج منه إلى الماضي والمستقبل، وبالعودة إليه. ويبدو أن الاستعداد الأرسخ عند المجتمعات والثقافات كلها، يتمثل في اعتبار الماضي أبا الحاضر، وهو بيتُ النضج والحكمة والسلطة والشرعية. الحاضر طفلٌ صغير، بالمقابل، وجهُه مُندارٌ نحو الأب، الماضي، أما المستقبل فهو تكرارٌ لهذا النسق نفسه.

انكسرَ هذا التصور في العالم كله بفعل «الحداثة»، مثلما انكسرَ إجماع الثقافات على اعتبار الأرض مركز الكون. المركزية اليوم للحاضر، أنطولوجياً ومعرفياً. زمن الإخوة له الأولوية أو «الحاكمية» على زمن الآباء، وعلى زمن الأبناء.

الماضوية الإسلامية، في صيغة السلفية أو غيرها، هي مقاومةٌ آبائيةٌ لزمن الإخوة، لكنها هي ذاتها تستبطن أولوية الحاضر، ولا تستطيع إلا أن تصدر عنه. إسلاميو اليوم ليسوا آباءاً، وإن دافعوا عن الآبائية، إنهم أخوةٌ ينافسون إخوةً على سلطة، ويستمدون من الآباء الموتى شرعيةً لهذه السلطة. هذا توسعٌ امتلاكي على حساب الماضي، وليس تواسعاً تحررياً يحاول الانفلات من ضيق الحاضر باستحضار نماذجَ وصورٍ من الماضي. لكن بيت الإسلاميين الزماني هو الحاضر، وإن مَنَحَ تفكيرهم الأولوية والحاكمية للماضي. هذا وهم: فهم يسكنون الحاضر مثل الجميع، لا يستطيعون الخروج منه، وليس الماضي غير مصدر لحرمة أو حصانة سلطة احتلال الحاضر، السلطة على الأحياء. ومثلما يجري التوسع المكاني عبر الحرب والسجن، وإخضاع الغير، يجري توسعٌ زماني إخضاعي على حساب الماضي بإعادة تأويله وإخضاعه لحاجات اليوم، وإن من وراء مظهر الوفاء له وجرّ الحاضر إليه. لكن ما يجري امتلاكه على هذا النحو من الماضي هو مواد ميتة، مُجرّدة من الخيال الذي يساعد على العيش في الحاضر وعلى فهمه. الماضي بناءٌ «مادي»، مكونٌ من وقائع ميتة، وحده الحاضر بناءٌ خياليٌ، حي.

قبل أن يُسيء استعمار الماضي معاملة موتى لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، تجري أصلاً إساءة معاملة الأحياء عبر سجن الزمان كله في حاضرٍ مؤبد. الماضويون هم في واقع الأمر حاضريون، يُجمِّدون الحاضر على هدي مثال مُستورَدٍ من الماضي. وليس غير اعتبارات الحاضر ومصالح في الحاضر هي ما تُحفِّز الجماعة إلى احتلال الماضي، واستيراد يَباسه وموته إلى حياة الأحياء، تيْبيسهم وإماتتهم، بغرض التحكم الكلي بهم. احتلال الماضي على يد السلفية اليوم هو مشروع سلطةٍ وإماتة، يوظف فيه السلفيون خيالهم المعاصر في صورةٍ تجرد عموم محكوميهم من الخيال والحياة.

غيرهم أعادوا بناء الماضي بصورة مغايرة. أعادت أوربا فتح الماضي اليوناني والروماني وامتلاكهما في الحركة نفسها، التي كانت فيها تتوسع استعمارياً في أرجاء الكوكب القديمة والجديدة. ليس الاستمرار بديهياً بحال، إنه نتاجُ امتلاكٍ وإعادة وصلٍ بعد انقطاع وفناء. ويبدو الماضي دوماً أشبه بمن يتوسعون فيه اليوم، وليس بحقيقته الفعلية التي لا سبيل لنا إلى غير معرفة جزئية بها. وتزداد هذه المعرفة جُزئيةً كلما أمعنَ توسعيو الحاضر الواهمون، في تقديم صورة الماضي «الحقيقية».

الخروجُ إلى الماضي هو، مبدئياً، فعل تحررٍ من الحاضر، لكن صفته التحررية مشروطة بشيئين. أولاً اعتبارُ الماضي ماضياً، زمنا غَبَر، برهةً منقضية، وأن البيت هو الحاضر. وهو ما يقتضي بالطبع أن يكون الحاضر بيتاً بالفعل، يوفر الراحة والأمن والحركة للأحياء الحاضرين، وليس هذا حالُ حاضرنا. يبقى الماضي بيتاً متخيلاً ما دام الحاضر دارَ شقاء.  وحده انصرام الماضي ما يجعل علاقتنا بالماضي حرة، وهو ما لا يريده الإسلاميون لأن سلطتهم واعتبارهم تقوم على مركزية الماضي، مثلما قامت البابوية قبل نصف ألفية على نظام كوني تشغل الأرض مركزه (لذلك فإن الثورة الكوبرنيكية في مجالنا هي ثورة زمانية- تاريخية، وليست فضائية كوسمولوجية، وغاليليه المسلمين يُسلِّط مناظيره على التاريخ الاجتماعي والسياسي والعقدي، وليس على كواكب بعيدة). وثانياً أن «نخرج» أيضاً إلى المستقبل، أن نتخيل عوالم أخرى وحيوات آخرى، أن نهتم بحيوات الأبناء وعوالمهم، أن تكون الطوبى وجهاً مُلازماً لتفكير الحاضر وسياسته والعيش فيه، أن نفكر ونعمل من أجل «مدنٍ أفضل» بدل إقامة «مملكة الله على الأرض» كما يريد سيد قطب والسلفيون الجهاديون.

من شأن التدرب على الخروج إلى المستقبل وإلى الماضي، أن يساعد على التفكير في «الحاضر كتاريخ» كما يقال، وأكثر منه في التفكير في الصفة الاعتباطية للحاضر. كثيرٌ من الأشياء المترابطة في حاضرنا ترابُطها اعتباطيٌ وعارضٌ ومؤقت، متولدٌ عن مصادفات وأوضاع قد تبدو بعد حين شاذة ومَرَضية. السفر إلى الماضي والمستقبل يساعدان على تبين تحكُّمية الحاضر وجُزافِيّته، وتالياً على العيش في الحاضر كغرباء، يرون كل ما حولهم غريباً.

فإذا بنينا على ما سبق قوله عن الحرية والبيت والسجن، فإن الحرية هي الخروج إلى الماضي وإلى المستقبل، واستضافة صور ومفاهيم ومواد للتفكير والتنظيم والعمل من الماضي وممكناتٍ من المستقبل، كشركاء لنا في الحاضر، بما يساعد على توسيع الحاضر وإقامة علاقة أكثر حرية به. والسجن هو الانحصار في الحاضر/البيت، مثلما فعلت الأبدية الأسدية في سورية مثلاً، ومثلما يريد الإسلاميون أن يفعلوا. بتقديس الماضي، الإسلاميون لا يسكنون في الماضي بل يؤبدون حاضراً يسيطرون فيه، ويُحرّمون الخروج منه وعليه.

ومما يسهم في تثبيتنا في حاضر متعفّن أن الجماعة الأكثر حيوية وحرية في التاريخ الحديث، «الغرب»، دأبت بفعل ديناميكية التوسع الرأسمالي، الانتهاكية والمتجاوزة، التي لم تتوقف بانطواء زمن الاستعمار التقليدي، على إزاحة ماضيها إلى خارجها، مُوسِّعة بذلك من داخلها وحاضرها، وسيادتها أو سلطانها. الغزو الذي لم يعد ممكناً في الداخل صار مباحاً جداً في الخارج، والتفكير في المستعمَرين بدلالة أديانهم وعقائدهم وإثنياتهم مباحٌ في الخارج، بل مفضّل، بعد أن لم يعد مباحاً في الداخل، والحرية التي صارت مُصانة في الداخل ظلت منتهكةً في الخارج. في المحصلة، نشكل عبر آليات متنوعة، منها الاختراق الاستعماري المباشر، ومنها سياسات نخبٍ محلية تعيد إنتاج العلاقة الاستعمارية في تعاملها مع محكوميها، خارجاً للغرب الحرّ السيد، ومَعرِضاً لصور مُتجاوَزة من ماضيه.

في حرية الغرب الحديث والمعاصر توسعٌ وحربٌ وسجنٌ وجوْب آفاق، وفيها تحويل وتغيير الأشياء والأوضاع أيضاً، وفيها قليل من التواسع والتراحب والشراكة، وهذا منذ أيام كولومبوس حتى يومنا. تدَشَّن منذ مطلع «عصر النهضة» توسّعان، توسعٌ زماني: إعادة استملاك الأزمنة اليونانية والرومانية والمسيحية واليهودية، وإضفاء صفة ضرورية على علاقتها بالحاضر أو على ولادة الحاضر منها (وهذا فعل قوة: الحاضر هو أبو الماضي هنا)، ثم توسعٌ مكاني، شكّلت ظاهرة الاستعمار أساسه العميق وتعبيره الأبرز، وبنيته المستمرة.

كانت دينامية التوسع الرأسمالي التي شكلت تاريخية وعالمية العالم المعاصر، قد استنفدت طاقتها على مراحل: نهاية الاستعمار، تعمم الرأسمالية عالمياً، إخفاقات الاحتلال المباشر بعد نهاية الحرب الباردة. ويبدو أن هناك اليوم دينامية معاكسة تتمثل من جهتنا في «الإرهاب» (وهو غزو الضعفاء وحربهم) من جهة، واللجوء من جهة ثانية.

وأجدُ مغرياً القول إن السلفية الإسلامية في تجاربها المُحققة، داعش وجبهة النصرة في سورية وأشباههما، هي ضربٌ من استعمارٍ معكوس، دينامية توسع وانتهاك وتجاوز على حساب الداخل والماضي، حفّزها تأبيد الحاضر ومنع المستقبل من القدوم. وهي لا تقل في تعاملها مع السكان عن الاستعمار انفصالاً وقسوةً وتمييزاً.

الحرب

يمكن للخروج من البيت أن يؤدي إلى «الثقافة»، تبادل الكلام أو السلع أو النساء حسب ستروس، أو إلى الحرب وتبادل الموت. نُحاوِل الاستيلاء على ما بأيدي الآخرين من أشياء وكلام ونساء (الحرب فعلٌ رجالي أساساً)، على بيوتهم وعالمهم، أو التحكّم بحركاتهم وأفعالهم بحيث ننتفع منها على حسابهم فقط، ونصير في وضع أفضل في مواجهة منافسين آخرين لنا. الحرب خروجٌ خَطِر، غير مأمون، قد نجني منه إن انتصرنا ضرباً خاصاً من الحرية: السيادة، نقرر لغيرنا ولا يقرر لنا أحد، ونستثني لأنفسنا ولا نكون موضوع استثناءٍ من أحد، ونُسخِّر المهزومين لخدمتنا ولا نخدم غير أنفسنا، ونقتل غيرنا ولا يقتلنا أحد.

لكن الحرب تصنع الحرب بعد حينٍ يطول أو يقصر، أو هي تصنع العداوات والضغائن التي ستدفع إلى حربٍ أخرى، وهذه إلى حرب أخرى، وهكذا تتناسل الحروب بلا نهاية. تحمي الحرب خلودها عبر إنتاج الأطر الاجتماعية المحاربة والطويلة العمر، القبائل والطوائف والأمم، وهي كائنات اجتماعية سياسية ناقمة، تحمل الحرب في سجلها الوراثي.

لم تتغير الحرب طوال ألفياتٍ من السنين. لم يعد يُقتل المهزمومون أو يُستعبَدون، يُقتل بعضهم، لكن تُخفَّض مرتبة جميعهم الوجودية والسياسية، فكأنهم قُتلوا واستعبدوا. ولم تتغير دوافع الحرب، لا يُنتزع حتماً كل ما بأيدي الغير، لكن للسيطرة والتحكم المنتظران من أحدث الحروب مفعولٌ مماثل. والغنيمة، على أي حال، لم تصِر شيئاً من الماضي. لا يزال يجري الاستيلاء على الأملاك ونهبُها على نطاق واسع. وبعد الحرب العالمية الثانية تكلم الأميركيون على الشرق الأوسط، بدلالة البترول والموقع، بوصفه أثمن جائزة مادية في العالم، وخططوا للاستئثار بها، واستأثروا. هذا منطق غنيمة وسياسة غنيمة.

حيث هناك حربٌ هناك إذن سيطرة وإخضاع، وهناك غنيمة، وهناك كراهية وتطلعٌ إلى الثأر، وهناك صنعٌ للقبائل والطوائف والأمم وأشباهها، وهناك سجن وتشريد ونفي. وليس هناك حرية.

هل تنتهي الحرب يوماً؟ هل تتغير؟ تُبدَّل بشيءٍ آخر أقل تدميراً؟ ينبغي أن تنتهي الحرب، ويبدو أن أي جهوداً تُبذل من أجل تجنبها، تبقى أقل كلفة وأدنى تخريباً من حربٍ لا تلد إلا حرباً.

وما دام هناك حربٌ ليس هناك مساواة في الحرية، هناك شكل مُشوّه من الحرية هو الذي يسمى السيادة، وهو الشكل المزدهر في الغرب. هذه حريةٌ حربيةٌ إن جاز التعبير، غير عادلة وغير كريمة، غير ودودة وتخلو من الاحترام، وهي لا تنتج غير اللاأحرار، السادة والأتباع. أولئك أتباعٌ لغررهم وأنانيتهم وامتيازاتهم، وهؤلاء أتباعٌ للسادة ولأوهامهم وضغائنهم. فحيث هناك من ليسوا أحراراً، ليس هناك من هم أحرار.

المجتمع

الحرية فعل خروج من المجتمع أيضاً. «المجتمع» جملة قواعد ومعايير وأعراف وعوائد، تحدد الأدوار المقبولة والمتوقعة من الأفراد والجماعات. هذه القواعد والمعايير والأعراف، ما قد تسمّى التقاليد، هي «البيت» الذي لا يُستغنى عنه، ولكنه ينقلب سجناً إن تعذر الخروج منه، أو إن كففنا عن الخروج منه إلى مسافات متفاوتة. لا يتكون مجتمع دون أن يُطوِّر تقاليد، مسالك تكرارية يألفها الناس وتساعد في تنظيم الواقع وتسهيل التوقع والتخطيط للحياة، لكن المجتمع يختنق إن كانت الحياة فيه تكراراً للأشياء نفسها دوماً. وفي بعض بيئاتنا التي توصف بحقٍ قليلٍ أو كثيرٍ أنها تقليدية، تبدو الحياة تكراراً بالفعل، لا تُشجِّع على المسالك غير المُجرّبة، ويتواتر أن تُغرِّم المبتكِرَ على مستوى التفكير والفعل ونمط الحياة. هذه حياةٌ غير حرة فعلاً، وإن كانت تؤمن «دفء الحياة العائلية» و«الحميمية»، أشياء يحن إليه كبارٌ «شبّوا عن الطوْق» في شبابهم، ثم «حنّوا» إلى الأهل والأصل، إلى دفء وذكريات الطفولة الجميلة، فعادوا إلى وضع الطوق في أعناقهم طائعين. هذه تجربةٌ شائعة في مجتمعاتنا المعاصرة، يمكن لأيٍّ كان أن يُمثِّل عليها بأناسٍ من حوله، وربما بجانبٍ من نفسه.

بقدرٍ مُقارب، يبدو العيش دون قواعد أمراً ممتنعاً، للجماعات أكثر من الأفراد، لكن للأفراد أيضاً. كل منا يطور روتيناً لحياته كشرط للإنتاجية والتوجه في العالم. قد لا يفعل بعضنا ذلك،  لكن هذا لا يجعلهم أحراراً، ولا بخاصة منتجين، وقد يلوذ بعضنا لذلك بالذات بالتقاليد الموروثة، أعني يندرجون ضمن روتين جمْعي عريق بفعل الإخفاق في تطوير روتينٍ شخصي.

لكن حتى الروتين الشخصي يمكن أن يكون سجناً خانقاً، ولا بد من كسره من أجل إفساح مجال لتجارب مغايرة. قد يحصل ذلك مصادفة أو اضطراراً، لكنه يمكن أن يكون مثمراً، ومحرراً. الحرية في كل حال هي حركة الخروج من التقليد الشخصي أو الجمعي، وإن يكن لا غنى عن إعادة بناء تقليد من أجل أن يتماسك الشخص والمجتمع، ومن أجل أن يعملا ويُنتجا، ومن أجل الراحة أيضاً.

وقد تتمثل مشكلة الحداثة في العالم العربي، على المستوى الاجتماعي والسياسي بخاصة، في أنها أخفقت في أن تتشكل في تقليد، أي أن تشكل مجتمعاً و«بيتاً» عاماً في بيئاتنا الاجتماعية والثقافية، ظلت بيتاً خاصاً، يرتاح فيه بعضنا فقط، شاغلي المواقع الأعلى في السلطة والهرم الاجتماعي، ولم تُطوَّر قواعد لضبط السلطة ودعم الأفراد وضمان الحرية الفكرية والسياسية، وتعميم الشرط الحديث في السياسة والتعليم والمؤسسات العامة، وظل كثيرون بيننا يشعرون فيها بالغربة. أما حداثتنا الفكرية ففكرت في نفسها دوماً كخروجٍ وذهابٍ ومُغايَرة فقط، وليس كعودة وبيت وقاعدة أيضاً. لا بيت لها، كانت مثل ضيفٍ في بيت غربي، ليس فقط لم تشارك في إنشائه ووضع قواعده وأنظمته، ولكنها كذلك ليست مدعوة إليه ولا مُرحّباً بها فيه. ومَن حالُهُ هكذا، هو أعجز عن استضافة غيره. وناطقو الحداثة لدينا يعطون انطباعاً عاماً بشِحِّ النفوس، فوق أنهم لا يكفون عن تقريع الآخرين، فلا يشعر امرءٌ بالراحة في هذا الجوار النكد.

عبر ذلك ظلت الحداثة دعوة خارجية وماضوية، نُدعى إليها ولا يُفلتها من يدهم الداعون إليها المُتجهِّمون، وهي في هذه مثل إسلام الإسلاميين: نُدعى إليه أيضاً، مع بقاءه ملكاً خاصاً لهؤلاء الدعاة المتجهمين بدورهم. لا شيء محرراً أو تحررياً هنا أو هناك. ما يمكن أن يكون مُحرِّراً هو الخروج على هذه الحداثة، والعمل على تطوير حداثة متحررة، تخرجُ على تقاليد وتبني تقاليد، لا تربضُ على عتبات بيتٍ ليست مدعوةً إليه ولا كرامة لها فيه، ولا كرم في وجدان دعاتها حيال أي غريب.

الدين

يوفر الدين، الإسلام بحكم الواقع، مجال اختبار لازدواج مفهوم التغيير في العربية كمضمونٍ للحرية. أول ما يُفهم من عبارة تغيير الدين هو التحول من دينٍ إلى آخر، أو تبديل الدين، والفقه الإسلامي يعتبر ذلك ردةً موجبةً للقتل. لكن ألا يعني امتناع الخروج من الدين أنه سجن؟ أنه ليس حتى بيتَ المرء يعود إليه ويرتاح فيه، بل هو بالضبط حبسٌ مؤبد؟ الواقع أن تصور الإسلام السلفي هو كذلك، وهو التصور المهيمن في كل أوساط الإسلام العالِم. وهو ما يثير سؤالا عن إمكانية، وعن وجوب، المعنى الثاني لفكرة التغيير: تغيير الدين بمعنى تغيير نظامه. هذا يفرض نفسه اليوم كاحتياج مُلِح، شرطٌ لحرية المسلمين ومقياسٌ لشعورهم بالحرية. والمهم في تغير نظام الدين هو تحوله إلى ملكٍ للمؤمنين، ونزع ملكيته من يد أي قوة خاصة، تريد في آنٍ واحدٍ انضمامَ الناس إليها واحتفاظها بملكية الدين، أي عملياً تريدهم أتباعاً خاضعين. ملكية عموم الناس للدين هي ما تجعله بيتاً لهم، يخرجون منه ويعودون إليه، ويختارون بيوتاً غيره إن شاؤوا.

والواقع أن الناس لا يُغيِرون أديانهم كثيراً إن حصل أن اختاروها بأنفسهم (في مقابل: وجدوا آباءهم عليها) أو غيّروها مرة. يبقى الدين احتياطياً في المتناول، يلوذُ به المرء حين يحتاجه. لكن لا وجه عادلاً في أن يُحال دون تغيير الدين بقوةٍ جبرية، فالدين بالإكراه لا يستقيم، مثل الحُكْم بالإكراه، ومثل الزواج بالإكراه.

يقضي إيجاب القتل، جزاءاً لتغيير الدين، على الدين ذاته كبيتٍ روحيٍ للمؤمنين، مثلما أن منع المرء من تغيير بيته يجعله عملياً سجيناً بدرجة لا تقل كثيراً عن منعه من الخروج من البيت. هذا ضربٌ من «الإقامة الجبرية»، سيّءٌ مثل السجن. سبقت الإشارة إلى أننا نكوّن مفهوم البيت ليس فقط بالخروج منه والعودة إليه، ولكن أيضاً بتغيير البيت ذاته، وبتجربة التعرف على بيوتٍ غير بيتنا. ونكوّن مفهوم الدين عبر تجربةٍ مماثلة، فالتخلي عن الدين هو من أوجه التجربة الدينية وليس من خارجها، ولا نكوّن مفهوم الدين أيضاً دون التعرف على أديانٍ أخرى، وربما التحوّل إليها. الدين الذي لا نخرج منه ليس ديناً، إنه… دولة: حكمٌ «إلى الأبد» لمدراء الدين، وإقامةٌ جبريةٌ مؤبدة لعموم الناس.

فإذا فُرِضَت على المرء إقامةٌ جبرية، لا يبقى أمامه ليتحرر غير التمرد والثورة. وخلاصة المسألة أنه إن لم يكن الخروج من الدين حقاً شخصياً، فسيكون الخروج على الدين واجباً عاماً.

فلماذا يعترض مديرو الإسلام المعاصرون على هذا المبدأ الذي يتعارض نفيه مع كرامة الإنسان، ومع مفهوم الإيمان ذاته، فضلاً عن تعارضه مع الحرية؟ للأمر صلةٌ بكون إسلام الإسلاميين (في مقابل إسلام الناس أو «الشعب») هو إسلامٌ من فوق، وريثُ الإمبراطورية المدمن على السلطة. «من بدل دينه فاقتلوه» مادةٌ مُعرِّفة لـ«المواطنة» في «دستور» الإمبراطورية، يجري إسنادها إلى ذروة الشرعية التي تأسست عليها الإمبراطورية، «الحديث النبوي»، الذي استمر «الوحي» به لقرنين أو ثلاثة بعد القرآن. هذه المادة بالضبط تعريفٌ للخيانة الوطنية في الإطار الامبراطوري الإسلامي.

ليست هذه الاعتبارات خارجيةً عن السياق الحالي، لكونها تُعرِّف التغير الضروري في الإسلام من أجل حريةٍ واتساقٍ أعليين في عوالم المسلمين: الفصل بين الدين والامبراطورية، أو إعادة تأسيس الإسلام في قطيعة مع منطق السيطرة والإكراه، والتملّك الخاص، الذي يستعيده الإسلام الحربي اليوم، وقبله بقدر ما الإسلام السياسي، من وراء ظهور القرون التي تحول الإسلام فيها إلى دين الناس، في غيْبة الدول غالباً، وضِدّها في كثيرٍ من الأحيان.

لكن ماذا بشأن المسلم المؤمن، ألا يسعه أن يكون حراً وهو مؤمن؟ بلى، إن أراد. إن جعل من دينه بيتاً يسكن فيه وإليه، دون أن يفرضه على غيره. فمثلما يختنق الأبناء أن فُرِضت عليهم الإقامة الدائمة في كنف الأب، وقد ينتهي الأمر بهم إلى قتله، فكذلك نعيش نحن اليوم علامات الاختناق الديني، ولا يبعد أن تقود إلى قتل الله، قتلاً جمعياً وثقافياً. لا يستطيع المسلم أن يكون حراً بينما هو يعتقدُ أن ربّه يأمره بقتل من يخرج من دينه.

في كل حال يحتاج المسلمون اليوم إلى الخروج على خروجهم الأول على العالم، من أجل حريتهم في العالم وحرية العالم معهم وبهم.

النفس

ثلاثية البيت/ السجن/ الحرية ناجعةٌ ووثيقة الصلة بالنفس، بقدرٍ ربما يفوق نُجوعها وصِلتها بالمكان والزمان والمجتمع.

الخروج من النفس فعلُ حريةٍ وشرطُ تحرر. النفس هي عاداتنا ومألوفنا وروتيننا، ويمكن لها أن تكون أيضاً نظاماً محدداً من التطور والتعلم، يتواتر أن تجري مُطابقته في الغرب بالعقلانية والحرية والإنتاجية، لكن يبدو ظاهراً أنه، ذاك النظام المحدد، يجنحُ اليوم نحو نزعات محافظة متنامية في الغرب ذاته، وعند المتأثرين العنيدين به، عندنا وعند غيرنا. والنفس عند الإسلاميين هي في رأيي محلٌ لجملة قواعد وتكنولوجيات ضبط الجسد والحركة والسلوك والتعامل، لا تُلغيها (النفس) كمبدأ للداخلية والإيمان فقط، وإنما تلغي كذلك اختلافها وفرديتها.

الخروج بعيداً عن النفس وكسر الإيقاع المعتاد، ولو كان إيقاعَ تطوّر، يمكن أن يكون تجربة مُغيِّرة ومحرِّرة جداً بقدر ما يمكن لمطابقة النفس، سواء كان مثالها فردياً (كن نفسك!) أو معطىً جمعياً (التوافق مع تقاليد وأدوار مقررة) أن يكون سجناً خانقاً. بالمقابل، يمكن حتى للسجن كتجربة خروجٍ اضطرارية من النفس، أن يكون تجربة مغيرة ومحررة، بينما يمكن ويشيع أن يعيش «أحرارٌ» حياتهم على النسق نفسه، سجناءَ روتينٍ شخصي أو تقاليدَ جمعية.

يُشجِّع التقليد الغربي الليبرالي الحديث المرء على أن يكون نفسه، المقصود أن يهتم بمشابهة ذاته ومتابعة ميوله، مختلفاً عن غيره، وليس أن يوافق مثالاً جمعياً معطى. لكن ماذا بعد أن ينضبط المرء بقاعدة «كن نفسك» العامة، فيطابِق نفسه المفترضة؟ «ينجح»، وينال اعترافاً عاماً، ويتحول إلى رجل ناضج أو امرأة ناضجة من الطبقة الوسطى، عقلاني، كُفءٌ في مجاله، عالي الدخل، راضٍ عن نفسه، أناني… غير حر. ربما تهفو نفسه إلى الخروج أملاً بهواء نظيف، يُسافر إلى بلدان أخرى، يسير واثقاً بنفسه، سيداً، على دروب مستكشفين ومستعمرين، لكن دون سلاح. إلا أنه لا يُغيِّر شيئاً من نفسه أو في نفسه، ولا يتحدى شيئاً من الحكمة المقررة: كن نفسك! يركن إلى التقليد الجمعي الديمقراطي الليبرالي الذي هو منتهى التاريخ، على ما أفتى عقلاني ليبرالي أميركي «ناجح» وعالي الدخل، فرانسيس فوكوياما.

لكن النفس التي دستورها «كن نفسك» سجنٌ بقدرٍ لا يقل عن النفس التي دستورها مطابقة لمثال النفس الجمعية في بيئاتنا: الرجل المسلم الوقور المسموعُ الكلمةِ في بيته، المرأة المسلمة المحتشمة التي ترتدي الحجاب، أو المرأة المسيحية السافرة، لكن المحافظة بالقدر نفسه على مثال اجتماعي مقرر لا تخرج عنه، الرجل الذي يتزوج بعد التخرج من الجامعة، ويبني أسرة ويبذل جهده كي يكون عالي الدخل، والذي يحافظ على تقاليد الجماعة الأهلية. في كل حال «الدستور» دائم، لا يتغير.

لكن الحرية هي تغييرُ النفس والخروجُ من النفس، وإن تمايزت إلى حريةٍ استعمارية توسع النفس على حساب نفوسٍ أخرى وفق تقليد البيتية المغلقة، وحرية تشاركية تستضيف نفوساً أخرى في النفس، شراكة النفوس.

فإن كان مناسباً صوغ ذلك في توصية، فهي: غيِّر نفسك! لا تقضِ عمرك محاولاً مُشابهة ما يفترض أنها نفسك، طارداً نفوس غيرك منك، ولا تتماثل مع صورة للنفس معطاة من قبل، اجتماعياً أو دينياً أو سياسياً. ولكن كُنْ غيرك، كن أنت مجتمعاً.

غير أن المرء لا يستطيع تغيير نفسه، إن استطاع، كل يومٍ أو كل عام. وإن أمكنه تحقيق ذلك مرةً في عمره، فقد يتعذر ذلك مرتين. عند التفكير في الأمر يبدو الأمر شاقاً كل المشقة في العمر البشري المتاح. إذ تتكون للمرء نفسٌ تخصُّه وفق نُظُم التأهيل الحالية، وهو في نحو العشرين من العمر، وهو يستثمر طاقات هذه النفس لوقت قد يبلغ عشرين أخرى أو أكثر. وحين قد يبدأ بالشعور بأنها قيد، إن شعر، يكون تجاوز الأربعين وصار متعذراً أن يخرج منها. هذه العشرين الثانية هي عشرين ترسيخ النفس اجتماعياً ونيل الاعتراف والزواج وتنمية الدخل. اليساري يصبح برجوازياً في أذواقه إن لم يكن في دخله، أو يثبت على المبادئ، مُصراً بعناد على الملكية الخاصة لحقيقة لا تكاد تتغير؛ والمتمرد الموهوب يجني المال ولا يناسبه تعطل شروط نموه وارتفاع دخله. لم يعد ثورياً على مستوى نفسه ونظامه الشخصي، هذا إن كان بقي منه شيءٌ ثوريٌ على المستوى الاجتماعي والسياسي. فبعد زمن التأسيسس، العشرين الأولى وتكوّن النفس المتمردة التي لا تريد أن تكون نفسها، من الصعوبة بمكان خوض ثورة، والثورة على النفس حربٌ «أهلية» بقدر لا يقل عن الثورة الاجتماعية، فما بالك بثورتين؟ فإن تحقق شيء من ذلك بفعل تجربة خاصة: مرضٍ خطير وشفاءٍ منه، أزمة حياتية كبيرة، محنة قاسية مديدة، فإن حدوثه مرتين يقارب المستحيل.

وهكذا ننتهي سجناء، بالنفس ذاتها التي عشنا به نصف قرن أو أكثر (بين العشرين والسبعين أو الثمانين…). لا نموت أحراراً أبداً، أو نادراً جداً.

هذا إلا حين نموت شباباً. نفترض أن المسيح ورامبو وفرانز فانون وغيفارا ومالكوم إكس وغسان كنفاني ورياض الصالح الحسين، ماتوا أحراراً. لم يُقيّدوا أنفسهم بأنفسهم، مثلما نقضي حياتنا نفعل بعد تجاوز عمر الشباب.

لو عاشوا، ولم يَختر أحدٌ منهم أن يموت وهو دون الأربعين، هل كان محتملاً أن يبقوا أحراراً ورموزاً للحرية؟ وهل يمكن التفكير في أنماط تأهيل مغايرة، تستهدف تغيير المرء نفسه مرتين أو ثلاثة في العمر المتاح؟

الفكر

التفكير خطوةٌ أبعد، التفكير بصورة مغايرة، تفحّصُ أفكارنا وإظهار حدودها، والعمل على كسر هذه الحدود، هو حرية الفكر. لا يكون تفكيرنا حراً حين ندعو بفكرنا إلى الحرية، بل حين نفكر بصورة متحررة، وحين لا نكفّ عن المساهمة في تجديد المتاح الفكري بحيث يتسنى لآخرين الاشتغال عليه والإضافة إليه، والذهاب أبعد منه وإظهار حدوده والتخلي عنه.

الذهاب أبعد في التفكير، والتفكير بصورة مغايرة، هو الفلسفة، التفكير الفصيح، الصاحي والجذري. لدينا، في العربية، الفصاحة خاصية للغة، لمفردات اللغة وتراكيبها، وليس للتفكير. لدينا أقوال فصيحة، يشيع أن تكون غثّة، ولدينا قليل من التفكير الفصيح. الفلسفة تَدرُّبٌ على التفكير الفصيح، الجذري، الذي لا يتوقف عن الذهاب خطوة أبعد. ليس هناك عِلْمٌ للحرية، الفلسفة هي علم الحرية، «العلم» الذي خاصيته الماهوية هي الذهاب أبعد، الاصطدام بالحدود وتحدّي الأنساق القائمة، ومساءلة ما هو موجود من أفكار ومذاهب وعقائد.

تُصوُّر علم الحرية تصور متناقض. فالعلم يُحرِّرنا من وهم الحرية، على ما قال بيار بورديو، السوسيولوجي الفرنسي، لأن العلم يظهر قيودنا ويكشف دوافعنا ومحركات تصرفاتنا في صورة استعدادات متشكلة اجتماعياً وتاريخياً، ورهانات استراتيجية لإشغال مواقعَ أنسب ضمن حقول اجتماعية سابقة لنا أو متحكمة بنا، وتعود علينا بمكاسب مادية ورمزية من أفعالنا «الحرة». لكن الفلسفة ليست علماً يُحرّرنا، يدرّ علينا الحرية أو ينتجها إنتاجاً، بل هي العلم الحر، «علم» متمرد، جوّاب آفاق، الحرية شرطُ إمكانه: حرية الذهن أمام العقائد والعوائد والعلوم، وحيالَ تاريخه الخاص. وموضوعه هو الإنسان في العالم وتجربة العالم، وهو يدفع حدود عالمنا في كل وقتٍ نحو الوراء.

العالم 1

نخرج من البيت ونذهب أبعد مما اعتدنا، فنصل إلى «الحدود»، وفي عالمنا المعاصر، نكتشف الدول. الحدود تفصل أكثر مما تصل، ولا يُسمح بتجاوزها إلا بعد تبريرات خاصة، وبعد إثبات مؤهلات خاصة، وحيازة أوراق خاصة. ولا يُجدي كل ذلك أحياناً. على الفور تظهر الأوطان التي تديرها منظمات تسمى الدول كسجون. بعضها أسوأ من بعض، لكن ليس بينها ما ليست سجناً.

تتلاصق الدول، لكنها لا تنفتح على بعضها، لا تمحو الحدود، ولا تتشارك. يحكُمها كلها منطق البيت المغلق الذي يتوسع على حساب غيره إن استطاع، يُحارب ويستعمر ويسجن.

لكن مشكلة الدول ليست مكانيةً فقط، ليس في الحدود وحدها. الدول كلها تعمل على تجميد الزمن وتأبيده. لمصلحة سلالة أو لمصلحة نظام حكم أو نمط حياة أو دستور. التأبيد يمانع الخروج من الحاضر، أو يرعى فقط الخروج التكراري إلى أوقات سبق ارتيادها وتعليمها.

تمر تجربة العالم اليوم بتجربة الدولة، وهذه موزعة اعتباطاً من حيث المكان ورضا السكان. وتخترق عالم اليوم تفاوتات لا يمكن تبريرها، صنعتها سياسات التوسع والحرب والسجن. ويُمانِع العالم التغير، وتفرض الدولة الهويات ومنطق الهوية، مُطابقةُ المرء لنفسه، وبقاؤه مواطناً صالحاً وشخصاً عاقلاً مسؤولاً، مرئياً ومتوقعَ التصرفات، مطيعاً ولا ينتهك القوانين. ولا يستطيعُ المرء أن يكون بلا دولة (لعل أنكدَ موقعٍ في العالم المعاصر مخصص للفلسطينيين، ويضاهيهم اليوم السوريون)، ولا يستطيع إلا نادراً أن يكون من دولتين وله هويتان، وإن أمكن ذلك بالمعنى القانوني للكلمة (الحصول على جنسيتين)، فعليه أن يكون دوماً مؤسسة فعالة من مؤسسات الدولة، تتصرف بمسؤولية وانضباط، وعلى نحوٍ يُمكِّن الدولة من التخطيط والضبط. الدول والثقافات مصممة لحراسة الهويات، هويات الأفراد (كن نفسك، أي مثل الآخرين) وهويات الجماعات.

الخروج من العالم فعل حرية، مثل الخروج من النفس والمجتمع ومن الزمان والمكان. لكن لمّا كان الخروج المكاني، الارتحال من العالم إلى عالم غير، غير متاح، لم يبقَ إلا أن نُغيّر العالم، نحول نظامه إلى نظام آخر. هذا شرط للحرية اليوم، حرية الجميع، وبخاصة أولئك الذين يعانون قيود الحركة أكثر من غيرهم. لقد انتهت البداوة العالمية وفُرص الفتوح والتوسع، وإن ظلت ممكنة على نطاقات محلية هنا وهناك (وحدهم اللاجئون ينتهكون حدود الدول)، ولم يبق مفتوحاً غير باب تغيير العالم. فإن تعذر ذلك، ولا تبدو له فُرَصٌ ظاهرة اليوم، فسيكون الخروج على العالم هو البديل عن الخروج من العالم، أعني تدمير عالمٍ لا مخرج منه. أليس هذا هو الأفق التي تمثله القاعدة والجهادية السنية المعولمة، بما فيها داعش؟

وليس تعذر تغيير العالم مسألةً «موضوعية»، تتصل بكون العالم اليوم بديلاً أصلح عن أي بديل مُتصوّر له. ليس الحال كذلك بحال. ففي عالم اليوم من البؤس والتمييز والعنف، من الحرب والسجن والنفي، من الجوع والذل، ما يتفوق على أي مراحل تاريخية سابقة. يبدو الأمر أوثق صلة بالأحرى بالمصير التعيس لشيوعية القرن العشرين، وفقد حركة تغيير العالم السابقة، الشيوعية نفسها، زِمام المبارة الفكرية والسياسية. وكذلك بكون مُحرِّك العالمية منذ قرنين ونيف، الغرب، مناهضٌ بكل قواه لأي ثورةٍ في الاجتماع والسياسة، والثورة الوحيدة التي يُرحِّب بها هي الثورة في التكنولوجيا أو في عالم الأدوات. وربما كذلك ثورات في الكلام، في تغيير طرق تمثيل العالم وترميزه، وبناء عوالم بديلة من الكلمات.

العالم 2

الثقافة هي «العلم» الذي يُحوِّل «الكون» غير المُعلّم الذي نعيش فيه إلى «عالم». إنها جملة المسالك والمناهج والعادات التي تنزع خارجية العالم وغرابته، وتجعل منه بيتاً للإنسان. دون هذا «العلم»، الثقافة، هناك كون مجهول أجرد، هو الكون الذي نجدنا فيه في بلدٍ غريب، دون سابق معرفة بأحد فيه أو بلغة/ لغات أهله. وهي تجربة نواجهها بقدر ما في «المنفى»، وواجهها جميعنا أطفالاً. الكون هو حال البدايات، حين ليس لدينا مخططٌ للحركة والتوجّه والتمييز، ولعل أساطير الخلق الأقدم، في كلامها على العماء أو على الغمر، تحيلُ إلى هذه التجربة. العماء، الكون الأجرد، هو تجربة الطفل البشرية وتجربة طفولة البشرية، تجربة البدايات عموماً.

تنجحُ الثقافة في تنظيم الكون فنحصل على «عالم». تنجح كثيراً فتلغي من العالم كل ما هو غريب وغير مُعلَّم أو مطروق، وكل ما هو خارجي. تلغي الكون تماماً. لكن بهذا النجاح الأقصى يتحول العالم إلى سجن، إلى بيت لا نخرج منه. هذا عالم النهايات حيث يُغنينا العلم بكل شيء عن تعلم أي شيء جديد. وبينما يوفر استنفاد العلم واكتمال العالم أمناً وطمأنينة للجماعة، فإنه لا يتماسكُ إلا إذا كانت جماعة معزولة تماماً، وهو أمرٌ إن كان ممكناً في أزمنة تاريخية سابقة، فإنه لم يعد ممكناً اليوم. ولدينا مثالٌ قريبٌ جداً على هذا العالم المكتمل والعلم المستنفد هو نظرية «نهاية التاريخ»، وقد اقترنت كما هو معلوم بكلام متكرر عن النهايات: نهاية السرديات الكبرى، نهاية الجغرافيا، موت الإنسان، موت المؤلف، نهاية المثقف… إلخ.

طوال ألفيّاتٍ من السنين كان لدينا عوالم متعددة، استمر بعضها مُنعزلاً أو شبه منعزلٍ حتى القرن العشرين. لدينا اليوم «عالم حديث» واحد، تخترقه تناقضات وصراعات متنوعة، وهناك نزعات لانعزال عوالم ثقافية ودينية، أو انكفائها عن تجربة هذه العالم الجديد الممزق، هي الوجه الآخر لإعلان نهاية التاريخ في الغرب المعاصر.

وبينما لا يبدو أن هناك رجعة ممكنة عن العالم الواحد، وأنه في الواقع «اختراعٌ» مهم، لم تَجُد علينا به الطبيعة، فإن من شأن وقف التاريخ عند الأوضاع الفكرية والسياسية الحالية أن يؤدي إلى نزعاتٍ انفصاليةٍ عالميةٍ عنيفة، على نحو يتجسد اليوم في الإسلامية السلفية المعاصرة أكثر من غيرها، أو إلى خمود عالمي يشابه انحطاط عالم الإسلام بفعل متضافر من «انغلاق باب الاجتهاد» وفرض السُنّية القويمة بقوة السلطان، ومن الغزوات الصليبية والمغولية المُدمرة.

فرصة العالم هي في تغيّر العالم، في مقاومة السيطرة من فوق والانفصال من تحت ومن الجوانب. فرصة العالم هي في ثورة تُغيِّر نظام العالم.

المنفى

إذا مُنِعنا من الخروج من البيت يكفُّ البيت عن كونه بيتاً. يُمسي سجناً، ونمسي سجناء.

لكن ماذا إذا حُبسنا خارج البيت؟ مُنعنا من العودة إلى البيت؟

الحبس خارج البيت هو التشريد، وحين يُقصد به البيت السياسي، أي الوطن، فإن الحبس خارج البيت ومنع العودة إليه هو النفي. نفقد الحرية هنا أيضاً، وإن كنا نستطيع الحركة. هذا لأننا نفقدُ اختيار العودة. الحرية هو خروجٌ نعلم أننا راجعون بعده حين نريد أن نرجع. البيت كنقطة مرجع، وكذلك المحيط كعالم مُعلّم، مطروق وسبقت معرفته، عنصران أساسيان في بنية مفهوم الحرية، حيث نخسرها (البيت ومحيطه) في المنفى، نخسر الحرية معهما. الحرية، تالياً، لا تتعارض مع السجن وحده وتقييد الحركة، بل كذلك مع «الغُرْبة»، مع «عالم بلا خرائط»، أو نقاط علّام، نهيمُ فيه إلى ما لا نهاية، ونخسرُ فيه نقطة المرجع التي نقيس منها مكاسبنا الجديدة. ثم إن الحرية ليست الخروج من المكان إلى غيره فقط، وإنما أكثر إخراجُ المكان من حالٍ إلى حالٍ مغايرة كما سبق القول. وهذا البعد العمودي للحرية، إن جاز التعبير، نخسره في المنفى. يبقى من الحرية فقط بعدها الأفقي، مبتوراً فوق ذلك عن البيت/ البيوت/ الوطن، نقطة المرجع التي نخرج منها ونعود إليها.

للحرية دستورٌ باطن، أن نتعاون مع شركاء وأن نؤسس مجتمع أصدقاء، وأن يجمعنا بيت/ بيوت مشتركة. حين نكون بلا بيوت في المنفى، نخسر الشركاء والأصدقاء.

لكن من وجه آخر لعل المنفى، أي حيث نكون محبوسين خارج بيوتنا، هو المكان الوحيد ليكون لنا أصدقاء وشركاء حقاً، هم أولئك الغرباء مثلنا، اللاوطنيون.

يتكسر نظام زماننا أيضاً. مثلما في السجن، لنا في المنفى ماضيان نتعثر في التحرك بينهما. ماضينا قبل المنفى، وماضينا في المنفى. وكلما طال الأمد في المنفى تقادم ماضي ما قبل المنفى وشحب، وازداد تعذراً وصْل حياتنا بين ما قبل وما بعد. ويصعب في الوقت نفسه الاعتراف بماضي الحياة الجديدة، التي مثل كل حياة جديدة تبدأ بتحركات خرقاء وتعثراتٍ. وبينما في السجن يتضخم بُعْد الحرية الخاص بالحركة والخروج، في المنفى تتمثل الحرية بالأحرى في العودة إلى البيت. هذا يعرفه الفلسطينيون جيداً، وهم من أقدم المحبوسين في الخارج في العالم اليوم، ويعرفه جيداً السوريون اليوم. المستقبل المُتخَيّل تتناوشه صورة العودة المأمولة، وصورة الانخلاع المستمر. لزمن المنفيين نظامٌ خاص. ليس حاضراً حاكماً على ماضٍ يُعاد تركيبه في كل وقت، وعلى مستقبلٍ مُتخيل. الماضي هو ما يبدو فجأةً زمن الحرية، والحاضر ضياعٌ وقلق، المستقبل عودةٌ مأمولة أو ضياعٌ مستمر.

وليس للمنفي مجتمع يُقاوم تقاليده ويحاول الخروج منها. قد تتمثل مشكلته، بالأحرى، في أنه عارٍ لا تقاليد له، بلا أعراف وعادات، أحوج إلى المرجع والبيت منه إلى «حرية» يحوز منها كثيراً، لكنه لا يعرف ماذا يفعل بها ولمن يتخلى عنها. ذلك أننا نحتاج الحرية كي نتكرس لشأنٍ ما، كي نتخلى عنها لأحدٍ ما.

لكن إن كان النفي جماعياً، كحال السوريين اليوم، وحال الفلسطينيين من قبل، فقد يجري العيش في جماعات تحافظ على تقاليدها القديمة من باب تزويد نفسها بعالمٍ تعرفه، وكمقاومةٍ لإمحاء الشخصية. يعيش عموم المنفيين مُلتصقين ببعضهم بحثاً عن أمانٍ بعد تجربة اقتلاع راضّة، ومن باب بناء وطنٍ بديل. حتى في التجمعات الاحتجاجية التي يُبادر إليها سوريون في الشتات، تجدهم يشغلون أصغر مساحة في الحيز المتاح، كأنما انحفرت في أجسادهم غريزة خوفٍ من التبعثر.

يتعذر على المنفيّ كذلك الانفصال عن نفسٍ مضطربة جديدة تحتاج، بالأحرى، إلى رعايته، هذا إن لم يتمسك بنفسه القديمة بحذافيرها، معتبراً ذلك فعلَ مقاومة. لكن الانفصال هو وحده ما يحرره. التمسك بالنفس القديمة وفاءاً للوطن هو الخيانة الحقيقية. نحتاج في المنفى، كما في السجن، إلى أن نغير أنفسنا، كي نتحرر.

لهذا الاعتبار بالذات يمكن للمنفى أن يكون تجربة مُحرِّرة جداً: بداية تَعلُّم جديد وإصلاحاً لاختلالات قديمة وانخراطاً في مجتمعِ غرباءَ عالمي، ومساهمةً في إنشاء تقاليد مغايرة، منفتحة. هذا ممكنٌ إذا كان الواحد منا شاباً بخاصة، وإن اضطلع بتجربة المنفى واعترف بها، وأخذ يبني عليها. لا نستطيع نفي المنفى إن لم نؤكده ونعترف به. إنكار المنفى يمكن أن يأخذ شكل انعزال عن المجتمع الجديد في انتظار «عودةٍ إلى البيت»، قد تتأخر كثيراً أو لا تأتي أبداً. لكنه يمكن أن يأخذ شكل «ذوبانٍ» في المجتمع الجديد، ومحوٍ تامٍ للماضي. هذا يفعله لاجئون سوريون وغيرهم، لا يلبثون أن يطوروا ايضاً مواقف عدائية، وحتى عنصرية، حيال أحدث الوافدين من بلدانهم ذاتها. لا يمكن للذوبان في المجتمع الجديد أن يكون تجربةً مُحرّرة في رأيي، لا أحد يستفيد منه ولا يصنع قيمة عامة. نحن لا نتحرر بأن نستهلك حريةً لم نتعب من أجلها ولم نغامر. هذه تجربة تبعيةٍ والتحاق بالأحرى، وليست تجربة حرية.

ننفي المنفى بأن نقبل استقلاله، ونحاول توسيع مساحات تحركنا وشراكاتنا في شروطه.

الإنسان

هل يتغير الإنسان، النوع وجميع الناس؟ يتحرر ويرتقي أخلاقياً مثلما يرتقي مادياً بعضُ الناس؟ يُنشئ عوالم جديدة تطوي أزمنة التمييز وحضارات القوة وأديان التفضيل الذاتي؟ يغدو أكثر حرية وعدالة واحتراماً لغيره ولبيئة الحياة من حوله؟ عَمِل من أجل ذلك مصلحون، ومن جهودهم ظهرت عقائد وأديان وفلسفات، وتولدت أنماط حياة. وانبثق عن هذه الجهود موجاتٌ من خروج عدد أكبر من المألوف من الناس عن المألوف، وتغيّرُ شروط الحياة لجماعات بشرية كبيرة. ليس نحو عدالة أكبر وحرية أكبر ومساواة أكبر واحترام أكبر حتماً، لكن نحو تفوقٍ وقتي للجماعات على نفسها يتيح لها تفوقاً على غيرها. منهج المصلحين هذ ينجح وقتياً في نطاقات محددة، ويخفق على المدى الأطول. ففوق أنه لم تظهر حركات إصلاح عالمية، لا تحمل في باطنها انحيازات إلى ثقافة أو عقيدة أو قوم، وعدا أن صلاح اليوم ليس صلاحاً في الغد بل قد يكون منبعاً للخراب والطغيان عل نحو يجسده إسلاميونا أكثر من غيرهم كله، فإن الجماعات التي تتكون حول دعوات المصلحين قلما تتمثل روح الصلاح بالقدر نفسه، والأشيع أن يكون أكثر المنسوبين إليها مُتّبعين ضعفاء محدودي الصلاح، يتماثلون مع نفسٍ جمعية تقررها العقيدة.

ولطالما قام أناسٌ بأعظم أعمالهم في مواجهة أناسٍ آخرين. أبطال الأمم كلهم هم من هذا الصُّنف، أي أنهم مُعتدون ومجرمون في عين غيرهم. وفي الأزمنة الحديثة قامت بعض أعظم الأعمال العلمية والتقنية في مواجهة الطبيعة وبيئة الحياة، ما قد يُنظَر إليه يوماً كجرائم متمادية تُهدّد حياة النوع، والحياة بعمومها، والكوكب ذاته.

وطوال ألفياتٍ من السنين تطورت هذه الجماعات تطوراً غير متكافئ، وهي تجهل بعضها والاتصالات بينها محدودة.

والواقعة الأساسية عند التكلم على الإنسان هو تعدد الثقافات والمجتمعات والامبراطوريات، العوالم، أي عيش البشر في مجموعات تعمل على حفظ نفسها وتنصب الحواجز في وجه غيرها، وخصوصاً حين تكون هذه الجماعات غنية قوية قديرة. الأغنى والأقوى والأقدر أميلُ إلى عزل نفسه عن غيره وحماية نفسه من غيره، أو السيطرة على غيره والتحكم به. وغالباً يمارس النهجان معاً: نسيطر عليهم ونتحكم بهم ونعزلهم عنا، فلا نسمح لهم أن يكونوا مِثلنا أو منّا، ننصب دونهم الحواجز ونفرض عليهم القيود كي لا يصيروا مِنا. هذا ظاهرٌ جداً بخصوص الغرب الرأسمالي الحديث المسيطر.

لكن الناس يَعرفون بعضهم اليوم أكثر من أوقات سابقة، وإن يكونوا موزعين على دولٍ هي سجونٌ من حيث المبدأ.

وتبدو القوة، والاستعداد للحرب ومُراكَمة وسائل الحرب، فضيلة الدول بما هي كذلك، وواجبها الأول. ومع الحرب يوجد السجن لعزل الخصوم في الداخل، والمنفى لعزلهم في الخارج.

فهل تكون الحروب والسجون والمنافي نتاجاتٌ حتمية لمحدوديات الإنسان، أو لنموه غير المُتساوي؟ بل لطب الامتياز والسيادة. لم يكن الأسبان مضطرين لأي حرب في «العالم الجديد» وقت «اكتشفوه» قبل خمسمائة عام ونيف. ولا كان البريطانيون وقت احتلوا الهند. ولا المسلمون وقت توسعوا في العالم القديم، وقرر فقهاؤهم وجوب قتل من يخرج من دينهم منهم. ولا الصهيونيون وقت جاؤوا إلى فلسطين. كل ذلك له علاقةٌ ببناء الإمبراطوريات والدول، بمنطق التملك، وليس بتطلع إلى العيش مثل الغير، ولا بدواعي المعرفة أو العدالة أو الحرية أو المساواة أو الكرامة.

اليوم، يبدو عالم الإنسان على مفترق طرق: إمّا سير البعض نحو حواضر مزدهرة، لكنها محافظة وعالية الأسوار، يتدهور حال من هم خارجها نحو البربرية، أو عمل الكلّ على معالجات وحلول إنسانية وعالمية لمشكلات إنسانية وعالمية، من فوارق الحرية والقدرة إلى مشكلات البيئة.

غيَّر الإنسان الحديث، بدءاً من الغرب، الطبيعة من حوله، وغير أنماط عيشه واجتماعه، وطرح على نفسه تغيير العالم. لا يزال هذا واجباً، لكنه يبدو أنه يمر بتغيير النفس، صور النفس القائمة على النجاح والسيادة، على الحرية التوسعية المزدهرة في الغرب، لا الحرية التشاركية التي تطلع إلى مثلها ماركس وغيره، فضلاً عن صور تمييزية قائمة فيما يخصنا على «الشريعة»، ليصير الإنسان أعدل وأكرم، ليصير غيْر وكثيرين.

ليس هناك ما يحول حيلولة جوهرية دون ذلك، لأنه ليس الإنسان مبرمجاً على «طبيعة» قارة لا تتغير. طبيعة الإنسان هي عاداته، وهو ينتجُ العادات، الثقافات والأديان، كي يُعطي نفسه طبيعة، أو ربما كي يُغْمِضَ قليلاً من نمو دماغه، ويحدَّ من تشتُّته وقلقه و«حريته». الثقافات والأديان ينتجها ذكاؤنا كي نتزود بطبيعة، فنغدو أقل ذكاءً وحرية، وهذا لأننا لسنا مزودين تكوينياً بطبيعة، بدليلٍ للتصرف في العالم على نحو محدد. والتصرف على أنحاء غير محددة يبدو خطيراً وغير مأمون. الثقافات برامج مثل برامج الكمبيوتر، وهي تزودنا بـ«طبيعة» لأنه ليس لنا طبيعة، نحتاجها كي نتصرف على أنحاء محددة، كي نكون أقل حرية. نتّقي الخطر باتِّقاء الحرية.

طبيعتنا شيءٌ مضافٌ إلينا، ليست برنامجاً مستبطناً، وإنما هي ثقافةٌ مكتسبة. طبيعتنا هي الثقافة. والثقافة تاريخية، متشكلة في التاريخ ومتغيرة في التاريخ، بما يُبيح القول أيضاً إن التاريخ هو طبيعة الإنسان. أو، من زاوية نظرٍ أخرى، إن الإنسان في كل وقت مشروعٌ تاريخي، تتكشف له قدراتٌ ومسالك تتخلق في التاريخ، استناداً إلى المُتاح من أدوات وأفكار وتجارب وأساليب تأهيل.

ويبدو أن الصفة الثقافية، أي الاصطناعية، لطبيعتنا مما لا يقبل التغيير، لكن الثقافة مجال التغيير. لا نستطيع أن نغيّر واقعَ أنه ليس لنا طبيعةٌ مستقلة عن الثقافة والتاريخ، لكن هذا بالذات ما يجعل تغيير النفس ممكناً دوماً، وما يجعل الثقافة بوصفها جملةَ ما يُنتِجه الإنسان لتنظيم حياته مجالَ عملٍ بالغَ الحيوية، وأهم من أن يترك لبعض الناس، من أنبياء وفلاسفة و«مثقفين»، أو من أمم «مثقفة».

تقاوم الثقافات التغير باسم طبيعةٍ إنسانيةٍ ثابتة أنتجتها هي، وربما سمّتها «الفطرة» مثلما هو الحال في الإسلام. يجري تجميد الإنسان على طبائع مُعيّنة: عبد الله، مواطن الدولة، الإنسان الشيوعي، «الديمقراطية الليبرالية»، نمط الحياة الأميركي…، وهذه الطبائع تقاوم تصورات مغايرة للإنسان، وتعمل على تأبيد نفسها.

لكن ربما يكون افتقار الإنسان إلى طبيعة وهماً إنسانياً بين أوهام الإنسان الكثيرة. فلعلّه من وجهة نظر النعجة أو الحمار أو شجرة التوت للإنسان طبيعة ناتئة جداً: يميل ميلاً «طبيعياً» إلى امتطاء غيره وحَلْب غيره وذبح غيره وأكل غيره وتسخير غيره. ولعله الكائن الوحيد الذي يمتطي أبناء جنسه ويذبحهم ويسخرهم أيضاً. نحن نسميها ثقافة، لكن لعلها ليست غير طبيعتنا من وجهة نظر الخروف. «الثقافة» المزعومة ليست غير جملة التقنيات والتسويغات لفعل كل ما نريد فعله.

لكن، يا أخانا الخروف، لعلنا نحتاج إلى تسويغٍ لأنه ليست لنا طبيعة. الطبيعة لا تُسوِّغ نفسها، ولا تبحث عن مُسوِّغات.

المُخاطرة والمأساة والثورة

الحرية، كما هو ظاهر من الفقرات السابقة، ليست وضعاً أو نظاماً، أنها موقفٌ نشطٌ يجنح إلى الخروج من كل وضع أو نظام، وإلى الخروج بصورٍ مختلفة، الخروج على الخروج. الحرية مضادة للاستقرار على نسق أو حال أو «طبيعة»، متمردة على المألوف. ليست شيئاً يناله الخاملون أو الكُسالى، أو من وجدوا آباءهم «على أُمّة» فاقتدوا بهم.

أفعال الحرية كلها، الخروج من البيت، الخروج من الحاضر، الخروج من التقاليد، والخروج من النفس، الخروج من الدين… والخروج على الخروج، كلها أفعال مغامرة، شاقةٌ دوماً، وقد تكون مأساوية: يطلب المرء الحرية فيخسر الحياة.

نظام النفس والمجتمع، ومعها الحركة في المكان والزمان، تجنح إلى التصلب في صور تستعصي على التغيير، صور «قدرية» أُسبغ عليها الثبات والقداسة، أو العقلانية والنجوع. الخروج عليها يمسي كُفراً أو فعل تمردٍ أرعن، يستنفر في «النظام الاجتماعي» وعموم البيتيين (= الوطنيين) «الدفاع عن النفس» بعنفٍ قد يكون مميتاً. وحتى حين لا يكون التغيّر فعلاً عنيفاً، فإنه مأساويٌ في كل حال، يفضي إلى انتهاكِ الحميمي والدافئ، وتَقطُّعِ روابط وأحوالِ ضياع، وموت كثيرين.

هل الأمر يستحق؟ هل تستحق الحرية كل ذلك، ومنه تحطم الحياة؟ المسألة وجهة نظر. لدينا استعدادات للخروج والتغيير لا تبدو خاصية لبعض البشر دون غيرهم، وإن تغايرت أشكالها الاجتماعية والتاريخية. لكن هل السيادة هي شكل الحرية الوحيد؟ هل العلاقة بين الحرية والتدمير ضرورية، أم أنها عارضة تاريخية، ويمكن العمل من أجل حرية وإعمار عالميين وبيئيين دون دمار؟ ناقشتُ في الفقرة الأولى أنه يمكن تصور بيوت مفتوحة، تجمعها علاقة تراحب وتواسع وشراكة. يمكن تصور خروجٍ من البيت نلتقي فيها بغرباء فلا نعاملهم كأعداء، بالعكس، نتعامل بيننا باحترام ونحاول بناء شراكة. هذا شيء يمكن التوظيف فيه والعمل عليه، عملاً عالمياً، وليس عمل تيارٍ أو مجتمعٍ أو ثقافة. إنه اختيارٌ غير مضمونٍ تماماً، لكن تطوير استعدادات أقوى في هذا الاتجاه، ما دام ممكناً للبعض الآن ودوماً فهو ممكنٌ لأكثر من البعض، فضلاً عن كونه مرغوباً. وهو تالياً يستحق الجهد في كل وقت.

في عالم اليوم تفاوتٌ كبير في الحرية، مصدر بعضه على الأقل هو التوسع والحرب والسجن والمنفى، وافتراض أن الحرب والسجن والتوسع والمنفى من طبائع السياسة والمجتمع والنفس البشرية. وفي أساس ذلك نفسه أولوية الامتياز والسيادة على المساواة والشراكة، وما ترتبه «ثقافة» الامتياز والسيادة من نظرةٍ إلى الغير كمنافسين وخصومٍ حصراً، لا شركاء ومُكمِّلين أولاً. والمشكلة أنه في حالات كثيرة يرى البعض أن شرط حريتهم هو حرمان غيرهم جذرياً من الحرية. هذه حال الفلسطينيين أمام الإسرائيليين، وحال السوريين أمام الأسديين، وحال سوريين كثيرين أمام الإسلاميين من دعاة الحاكمية الإلهية (أي سيادتهم هم). وهو منبع لمآسٍ كثيرة، تصيبُ بخاصة من يجتمع عليه الإسرائيليون والأسديون والإسلاميون.

لكن لا بديل عن المخاطرة، عن الخروج من هذه القيود المضاعفة. مضاعفة لأنه خلافاً لما جرت مناقشته حتى الآن هناك تقييدٌ بالإكراه والقسر، وليس فقط بقوة العادة وثقل التقليد وجاذبية البيت والدفء. ليس الضعف البشري وحده ما يحدُّ من حرية البشر، بل بخاصة الخُبث البشري، وهو وثيق الصلة بالسيادة والعنصرية. الثمن رهيب، هذا يعلمه السوريون جيداً. هل يجب دفعه؟ ما البديل؟

لا تتقابل الحرية مع الموت، ما يقابل الموت هو الحياة. الحرية التي تتعادل مع الحياة وتقابل الموت ليست غالية جداً كما قد يبدو لأول وهلة، بل هي الحرية التي يجري تقديمها قرباناً سهلاً لآلهة كبيرة: الوطن، الأمة، الدين، الحزب… وهذه آلهةٌ زائفة لا تستحق افتداءً. الحياة تستحق التضحية بها فقط افتداءً لإنسان آخر، ومن أجل حياة إنسان آخر. والحرية أيضاً: فقط افتداءٌ لحرية إنسان آخر.

أو بالتحديد فداءاً لإنسان آخر. أُعطي حريتي، وحياتي، لإنسان، أو ربما لحيٍّ ما، من حيوان الأرض ونباتها، لبيئة حية ما، لكن ليس لتلك البهائم المتوحشة، المفترسة للبشر والأحياء، التي تسمى الوطن والدين والحزب والأمة والطائفة.

افتداء إنسان أو حي آخر هو تعريفٌ للحرية، وليس خاصية عارضة لها. نمتلك الحرية ليس من أجل أن نستأثر بها، بل لأن ما نملكه لنا الخيار في شأنه. والخيار هو حرية إنسان آخر. أريد حريتي من أجل حرية غيري.

الحرية والكرامة

من يخرجُ ويخرجُ على خروجه، يُغامر ويتعرض للمخاطر، يُوسّع مساحته الداخلية ونطاقات حركته، «يتحرر»، يُطوِّر تقديراً لذاته قد ينقلب إلى أنانية وغرور. وإلى عنصرية حين يخص الأمر مجتمعات أوسع. العنصرية النشطة نمت في كنف مجتمعات طوّرت قطاعات متسعة منها شعوراً بالحرية، في الغرب الحديث والمعاصر بخاصة. وإن كان ينبغي القول فوراً إنه في مجتمعات أكثر تحرراً ظهرت المقاومات الأنشط للعنصرية والتفكير الأكثر تجدداً فيها.

ربما يتكثف هذا الضرب من الحرية في مفهوم السيادة، منسوباً إلى الدولة كألوهة مُعَلمنة (كارل شميت)، أو إلى الفرد الأبيض الحر الغربي الذكر الذي ربّاه التنوير وكانط وهيغل، أو إلى الإنسان كمالكٍ للطبيعة وسيدٍ لها بعبارات ديكارت. هذه السيادة اقترنت بالتوسع والاستعمار، وبالغرور والعجز عن تَقمُّص الغير.

المغرور، فرداً أم دولة أم «حضارة»، سجين نفسه، سجين ما حقق، ماضيه، ليس حراً. في العربية نُميز بين الغرور والاعتداد بالنفس. المغرور يتعالى على غيره، أما المعتد بنفسه فيتعالى على نفسه، ولا يسمح لها بالتدني. لكن الاعتداد بالنفس بدوره موقف ذاتي، شكل أناني من الكرامة. يمكن تصور شكل غيري من الكرامة، يمزج بين الاعتداد بالنفس وبين الاحترام، وقد رآه كانط «تمثلاً لقيمة تلحق الأذى بغرورنا»، وإن لم يعرض الفيسلوف الألماني غير الغرور حيال من ليسوا بيضاً وأوربيين.

لكن غرور الأفراد يبقى محدود الأثر طالما هم لا يتحكمون بمصائر غيرهم. المشكلة في غرور صاحب الولاية، الفرد أو الجمع، لأنه سيحرص على أن يُبقى الجميع أقل منه شأناً كي يحمي غروره. حافظ أسد وصدام حسين ومعمر القذافي أمثلة في منطقتنا على مغرورين سجناء أنفسهم، حولوا بلدانهم إلى سجون. المشكلة أكثر في الظواهر الثقافية الجمعية المغرورة مثل أديان التوحيد، ومثل الحداثة اليوم. هذه تنقلب أيضاً إلى سجونٍ بعد حينٍ يطول أو يقصر. ورأيي أن الحداثة ومؤسساتها السياسية، ومثال الفرد فيها، واقتصادها الرأسمالي، ربما علومها، هي سجنُ العالم اليوم، أو في سبيلها لأن تكون سجناً أضيق. وهي منذ اليوم تُثير تمرداتٍ تبدو مرشحة للانتشار والتكاثر.

الخاصية الأبرز للحداثة اليوم، هي الغرور الذي لا يطاق، وهي السينيكية وقلة الاحترام، احترام المجتمعات والثقافات الأخرى، واحترام الكوكب وبيئة الحياة. الحداثة مغرورة، حققت نقلةً في الحرية لكثيرين، لكن مالكي الحداثة تقاضوا ثمناً باهظاً، ولا يزالون يتوقعون احتراماً لا يشعرون بوجوب إبداء مثله لغيرهم.

أنتجت الحداثة أدوات القضاء على نفسها، وعلى الكوكب عبر الأسلحة النووية، وهذه كلما طال عمرها يوماً إضافياً اقتربَ موعد استخدامها. وغرور الحداثة يجعل هذا الاستخدام مرجّحاً جداً، ما لم يجر تدمير تلك الأسلحة، اليوم قبل الغد. مصير سلاح الدمار الشامل هو أن يُستخدم لما صنع له: الدمار الشامل.

 تتدهور حرية هذه الحداثة إلى غرور وسيادة لأنها بلا احترام، أو بالضبط بلا كرامة. ومعلومٌ أنها أنتجت مقادير واسعةً من الذل والمهانة، ومن العنف، ومن الغش والخداع، بقدرٍ يُنافس ما أنتجت من كلامٍ عن الحق وعن الإنسان.

يمكن التفكير في تصورٍ مغايرٍ للسيادة، يفصلها عن القوة والسيطرة، ويقوم على الاحترام والخدمة: احترام الغير، ورهن احترام النفس باحترام الغير، واحترام الطبيعة والكوكب؛ السيد أيضاً هو من يخدِم لا من يُخدم. على هذه الصورة يمكن أن ترتبط الحرية بالكرم والتواضع، لا بالأنانية والامتياز والسلطة.

الكرامة هي ما يتجاوز الغرور والاعتداد بالنفس والسيادة، وارتباطُ الكرامة بالحرية هو ما يوفر أساساً صلباً للاعتراض على الذل والمهانة، وعلى الإغفال وانعدام الشأن، وعلى الامتياز والتمييز، على ما أظهرت الثورة السورية. هذه تجربةٌ يمكن تعميمها بالفكر، وهي ما يحاول هذا النص القيام به. فمثلما ليس هناك أحرارٌ إن كان هناك من هم مستعبدون، لا كرامة لأحدٍ إن كان أحد مذلولاً مُهاناً.

الطوبى

يبدو تصور البيوت المفتوحة على بعضها طوبى. وفي القرن العشرين، وبتأثير انقلاب اليوتوبيا الشيوعية إلى ديستوبيا، عالمٌ كابوسيٌ منزوع الحرية، تطورَ نقدٌ للطوبى يقرن بينها وبين الشمولية. هل هذا ضروري أم هو عارض تاريخياً؟ أميلُ إلى الإجابة الأخيرة، أما العلاقة بين هذا النقد الأصولي للطوبى والنزعة السياسية والاجتماعية، والعالمية المحافظة، فهو ما يبدو لي ضرورياً.

لكن الانزلاق الشمولي ممكنٌ حين نفكر في بيتٍ واحد، عام، يراقب فيه الجميع الجميع ويختنق فيه الجميع، بدل بيوتٍ كثيرة، يمكن التحرك بينها بحرية.

الطوبى ديناميةُ تَصَوّرِ فضاءات ومستقبلات مغايرة، تساعدُ على الانفلات من سجن البيت والحاضر، والوطن والدين والثقافة، وتبث الحياة في أفكارنا وتصوراتنا وأفعالنا. وهي لا تنقلب إلى سجن إلا إن فُرِضت كواقع نهائي لا يتغير. المشكلة ليست في الفاعلية الطوباوية إن جاز التعبير، بل في فرض المستقبل المتخيل حاضراً أبدياً.

فإذا عدنا إلى حدسِ الحرية الأول، المتصل بالخروج إلى مسافةٍ أبعد، فالطوبى هي المسافة الإضافية التي لم نذهب إليها من قبل، وهي تَصوُّر أوضاعٍ أخرى للفرد والجماعة والمجتمع والعالم لم يسبق تصورها، وهي صورةٌ مبتكرة وخيال يصنع لغة وأفقاً جديداً للتعبير، وهي أفعالُ خدمةٍ وكرم مُولِّدة لرابطة اجتماعية أعدل. وفي كل حال، ليست الطوبى شيئاً منسوباً إلى لا-واقعٍ مماثل لنفسه، بل إلى حركة خروجٍ وانفلاتٍ من واقع قائم. لكنها نسبيةٌ في كل حال، ولأنها كذلك فإنها البعد التحرري أو التجاوزي من أي وضع متحرك. ولأنها كذلك أيضاً فلا يمكن أن تقوم بذاتها منفصلةً عن الوضع المتحرك الذي ترتبط به. إن قامت منفصلةً عن أوضاع، مرتبطةً بالمقابل بتفضيلات أفرادٍ أو مجموعات خاصة، فإنها ستحتاج إلى عنفٍ مهولٍ كي تبقى. هذا درس شيوعية القرن العشرين، وسيكون درس الإسلامية المعاصرة من كل بد. وهو درس كل دعوة لتغيير العالم تنفصل عن العالم المتغير والممانع للتغير في آن.

وعليه، يمكن التمييز بين طوبى مُحايِثة، تُبطِّن الفاعلية التغييرية للبشر، يتشابكُ فيها المتخيل مع المحقق، وبين طوبى منفصلة أو متعالية، ينفصل فيها المتخيل عن شروط الحياة الفعلية وممكناتها، بحيث يمتنع تحققه دون عنفٍ رهيب. الطوبى المحايثة طوبى في العالم، هي فعلنا التغييري هنا والآن، «لامكان»ـها هو أفقٌ نستشرفه، وإن لم نذهب إليه بعد. أما الطوبى المتعالية أو المنفصلة فإن «لامكان»ـها مجردٌ، ومُستدعٍ للعنف.

لا بد من تغيير العالم في العالم، لأن العالم مصلحةٌ عالمية، أي هو مصلحةٌ للجميع ولكلٍّ منهم، مجتمعات ومجموعات وأفراداً.

مع عدم الاحترام للدول جميعها.

موقع الجمهورية