الناس

تمرّد درعا الصامد: اعتقالات مستمرة وتظاهرات مستمرة أيضا/ مادلين إدوردز

في درعا البلد، تخشى نور ترك مدينتها بسبب قلّة الاستقرار والاعتقالات. في الحيّ الذي كان خاضعًا لسيطرة المعارضة، تشعر بالأمان، في ظلّ غياب عناصر الدولة. لكن، في الخارج، تنتشر الحواجز التي تقف عليها القوى الأمنية التابعة لدمشق.العام الماضي، أرسلت هذه القوى رسالة إلى نور، طالبةً منها زيارة مقرّها من أجل “موعد”. هذه المواعيد التي يخرج من يذهب إليها مقتولا، لا تزال تؤجج فتيل الاحتجاجات في المدينة، إضافة إلى عدم التزام النظام بالمصالحات والوضع الاقتصادي السيء الذي يظغط على السكان.

في أحد الأيام في بدايات خريف ٢٠١٩، اجتمع عشرات الرجال في أحد شوارع درعا، وفي خطوة نادرة في أغلبية المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، عبّروا عن معارضتهم، هاتفين بشعارات ضدّ الحكومة، قبل العودة إلى منازلهم.

تقول نور* التي تقطن في مدينة درعا، والتي شاركت في تظاهرة الخريف: “شعرت أنّني ما زلت قادرة على رفع صوتي”.

كانت هذه أحدث تظاهرة شاركت فيها الناشطة التي لا تزال قلقة بشأن مواجهة التداعيات الأمنية. باتت نور عاطلة عن العمل، بعد سنين من المزاولة كمساعِدة طبية في مخيّم قريب للنازحين وفي مستشفيات ميدانية مع الدفاع المدني السوري، أي  مجموعة الاستجابة الأولى المعروفة بإسم “الخوذ البيضاء”. أمّا الآن، فلم تعُد تغامر بعيدًا، خوفًا من الاعتقال عند حواجز النظام على جانب الطرق، في ضواحي المدينة.

اعتقالات مستمرة

لكن، يعتبر السكّان المحليون أنّ روح التظاهر الدائمة لا تزال تطغى على الخوف داخل حيّ درعا البلد ( آخر مظاهرة كانت بتاريخ 14 كانون الثاني) الذي نشأت فيه نور، وحيث سيطرة النظام شكليّة فقط. في تظاهرهم لوم للحكومة على عدم إيفائها بوعودها لأكثر من عام، وعلى تقاعسها عن تقديم الخدمات العامة الأساسية، مثل الكهرباء والماء، وعلى استمرار قوى الأمن في اعتقال وإخفاء مئات الأشخاص المشتبه في ارتباطهم بالمعارضة.

سقوط الجنوب… أسبابه وتداعياته

17 كانون الثاني 2019

اعتُقل أكثر من 650 شخصًا، معظمهم من المدنيين، منذ استعادة الحكومة السورية وحلفائها للجنوب الغربي من المعارضة في منتصف 2018، وفق إحصاء لمنظمة “أيتانا سوريا” البحثية. يقول السكّان إنّ الهبوط الأخير للعملة السورية زاد الطين بلّة.

وأتت سلسلة الاغتيالات التي استهدفت قادة سابقين في المعارضة، واتُهمت القوى الحكومية بتنفيذها، لتثير السخط الشعبي في محافظة درعا لأشهر.

متذكّرة تظاهرة الخريف، تقول نور: “لاحظت أنّ الناس سينتفضون من جديد، لأنّهم يفقدون الأمل”.

منذ ذلك الحين، عمّت تظاهرات أخرى الشوارع، ونشر ناشطون مقاطع فيديو متتالية على الإنترنت. في أحد المقاطع التي تعود إلى نوفمبر/ تشرين الثاني، ركب عشرات الرجال، على الأقلّ، المرتدين معاطفهم الشتائية دراجاتهم النارية في شوارع درعا ليلًا، هاتفين بأغانٍ ثورية مألوفة، ومطالبين بإطلاق سراح المحتجزين. يظهر مقطع فيديو آخر نشره ناشطون إعلاميون محليون في أوّل الأسبوع رجالًا مجتمعين ليلًا في شرقي درعا، ووجوههم ملثّمة بأوشحة، حاملين لافتات كُتبت عليها شعارات مخربشة.

نمط “المصالحة” الفتّاك

منذ 2016، استعادت الحكومة السورية وحلفاؤها مدينة تلو الأخرى من المعارضة المسلّحة وفق نمط منتظم وفتّاك: تفجير، وتجويع، وتفاوض على الاستسلام، ثمّ إقصاء آلاف السكّان والمقاتلين الباقين في باصات إلى إدلب والمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في الشمال الغربي. وباتت ضواحي حلب، وحمص، ودمشق، التي كانت تنبض حيوية وتعجّ بالطبقة العاملة، مدمّرة الآن، بعد أن هجرها أهلها إثر انتهاء سنين الحصار بإخلاء السكّان.

لكنّ الوضع اختلف في درعا في الجنوب الغربي على حدود الأردن. بعد أن كانت أولى منابع الثورة في عام 2011، استولت عليها مجموعة من قوى المعارضة التي امتدّت سيطرتها من مدينة بصرى الشام الرومانية في أقصى شرق المحافظة إلى محافظة القنيطرة الريفية المجاورة في سفح هضبة الجولان. واعتُبر الجنوب الغربي أحد المكوّنات الرئيسية للانتفاضة السورية.

لكن، في يونيو/ حزيران 2018، شنّت القوى الداعمة للحكومة حملة عسكرية مباغتة لاستعادة كامل الأراضي السورية تحت سيطرة المعارضة في الجنوب وصولًا إلى الحدود الأردنية.

استعادت الحكومة أخيرًا درعا، علمًا أنّ أغلبية العملية تمّت بفضل مفاوضات وصفقات استسلام مع قادة المعارضة المحليين. في مقابل هذا الاستسلام، تُؤمّن الخدمات العامة لدرعا، ويُفرج عن المحتجزين، ويُشكّل الفيلق الخامس، الذي هو عبارة عن مبادرة بدعم روسيّ لإعادة دمج أعضاء المعارضة السابقين في فرقة تابعة للجيش السوري، أو على الأقلّ، هذا ما وعد به المفاوضون بإسم الحكومة.

لكنّ النتيجة كانت سلسلة غير متناسقة من الاتفاقيات. في شرقي ريف درعا، وقّع قادة معارضة محليّون على سلسلة من صفقات الاستسلام والتسليم، ما يعني عودة الحكومة لبسط سيطرتها بدرجة طبيعية إلى حدّ ما.

لكن، في أحياء درعا التي كانت تحت سيطرة المعارضة سابقًا، والبلدات الأخرى حول الريف الغربي، تتولّى قوى الحكومة سيطرة شكلية فقط، سامحةً لفصائل المعارضة السابقة الإبقاء على أسلحتها الخفيفة وعلى شكل من أشكال الاستقلال الذاتي.

حزب الله في درعا

أمّا في أحياء عاصمة المحافظة، مثل درعا البلد، حيث تقطن نور، فكان وجود الحكومة ضئيلًا أو غائبًا، ما جعل المنطقة آمنة نسبيًا للمتظاهرين المحتشدين في الشوارع.

حزب الله بين سورية ولبنان (4)

03 كانون الأول 2016

لكن، في المناطق الأخرى، حافظت القوى الموالية للحكومة، بما فيها حزب الله والفصائل المدعومة من إيران، على وجودها، خصوصًا في المناطق الغربية لدرعا، ويلوم السكّان هذه القوى على موجة الاغتيالات التي استهدفت قادة محليين، بمَن فيهم أعضاء سابقين في المعارضة.

بعد مأتم وسيم الرواشدة، قائد سابق بارز في الجيش السوري الحرّ، الشهر الماضي، سار عشرات المتظاهرين في بلدة طفس في غرب درعا، اعتراضًا على مقتله على يَد مسلّحين تابعين لدمشق، كما أُفيد.

أُفيد حديثًا أيضًا عن إطلاق مسلّحين مجهولين النار على مختار بلدة الشجرة الغربية التي كانت سابقًا تحت سيطرة تنظيم تابع للدولة الإسلامية، وقتله. واتّهم إعلام أحرار حوران على ما يبدو المقاتلين الموالين لحزب الله في الجنوب بتنفيذ الاغتيال.

ردًّا على عمليات القتل المستمرّة، هاجمت مجموعات من الرجال الحواجز التابعة للدولة والمباني في المحافظة الجنوبية.

في بعض الأحيان، كان التوتّر يتطوّر إلى اشتباكات مسلّحة بين المسلّحين المحليين والقوى الموالية للحكومة، وأُفيد أنّ دمشق أرسلت تعزيزات إلى بلدة الصنمين، التي استعادتها القوات الحكومية، في سبتمبر/ أيلول، في محاولة للحدّ من العنف.

تصاعد للعنف يلوح في الأفق

على الرغم من الوعود التي قطعها مفاوضو الحكومة خلال عملية استيلاء النظام العام الماضي، لا يزال الريف الغربي منبوذًا بشكل كبير، وتفرض الحكومة عليه سيطرتها بالقوّة بدلًا من الالتزام باتفاقات الاستسلام، على غرار ما حصل في قرى وبلدات أخرى استعادتها دمشق عشوائيًا. لا تزال المستشفيات، والمدارس، والخدمات العامّة الأخرى مُهملة، ووصف أحد سكّان منطقة في غرب درعا الرعاية الطبية هناك بـ”الغائبة”، ناهيك عن تكرّر انقطاع المياه والكهرباء. كما أنّ استياء السكّان قد يثير المزيد من التظاهرات مستقبلًا.

وصف أحد سكّان طريق السدّ، حيّ من الأحياء التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة، نفسه بـ”صديق مقرّب” من أفراد جماعة محلية تلعب دور الوسيط بين السكّان والحكومة. مع ذلك، تذمّر بشأن “عدم جدوى” اللجنة في تأمين خدمات منتظمة للسكّان أو في التوسّط لهم لدى المسؤولين في الحكومة.

يقول: “لا شكّ في أنّ التظاهرات ستستمرّ، إذا بقيت ظروف المعيشة تتدهور، وفي ظلّ استمرار الخروقات الحكومية ضدّ الناس، سيتابع الناس تظاهرهم”، وتابع: “أخي مُحتجز منذ ستة أعوام، ولا نعرف إذا كان حيًا أم ميتًا. عليّ أن أتظاهر”.

سمّى أحد السكّان ناشطًا وصديقًا من غرب درعا احتجزته قوات الأمن التابعة للحكومة حديثًا.

كما ذكر رجل في طفس في الريف في غرب مدينة درعا أنّ قلقه الأكبر “الفوضى الأمنية”، وقال لحكاية ما انحكت: “تحصل اغتيالات دائمًا”.

سيد المجارير 03 نيسان 2019

وفق باحث سوري طلب عدم الإفصاح عن هويته لدواعٍ أمنية، قد يزداد عدم الاستقرار، علمًا أنّ عودة سيطرة الدولة لا تزال مسألة خلافية بحدّ ذاتها، وفي ضوء قلّة الاهتمام بتحسين وضع جنوب غرب سوريا المجهول.

أضاف الباحث: “هل نعني أنّ مؤسسات الدولة ستكمل تقديم الخدمات؟ أم أنّنا نعني في عودة “سيادة الدولة” السيطرة الحصرية للدولة على الناس والأراضي؟ هذا تصريح مبهم. إذا لم يتّخذ النظام السوري إجراءات جدية ولم يستجِب لمطالب المدنيين في درعا، على الأرجح سنشهد فوضى وازديادًا في العنف السياسي”.

في درعا البلد، تخشى نور ترك مدينتها بسبب قلّة الاستقرار هذه. في الحيّ الذي كان خاضعًا لسيطرة المعارضة، تشعر بالأمان، في ظلّ غياب عناصر الدولة. لكن، في الخارج، تنتشر الحواجز التي تقف عليها القوى الأمنية التابعة لدمشق.

العام الماضي، أرسلت هذه القوى رسالة إلى نور، طالبةً منها زيارة مقرّها من أجل “موعد”.

في أسفل الرسالة المطبوعة، ورد تحذير من “إجراءات قانونية” قد تُتّخذ إذا لم تحضر نور إلى الموعد.

وبالفعل، لم تحضر نور.

تقول: “بالطبع لم أحضر. لم يكُن لديّ ضمانة ألّا أُحتجز هناك”.

*جميع الأسماء في النصّ مستعارة، نزولًا عند طلب حامليها، لدواعٍ أمنية.

صحفية مستقلّة في بيروت، مختصّة في الشأن السوري، وفي الأدب العربي.

حكاية ما انحكت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق