سياسة

عن خطة ترامب لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي -مقالات مختارة-

لا للصفقة… لا للثورة/ خالد صاغية

في خطابه التأبيني لقاسم سليماني، وضع الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، إصبعه على أحد مكامن الخلاف الرئيسيّة مع ما بات يسمّى الخطاب المُمانِع. ففي حين كان ملايين العراقيّين في الشارع يتحدّون القمع والقتل مطالبين باستقالة رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، لم يتردّد نصر الله في كَيْل المديح لعبد المهدي نفسه. لم يفعل ذلك لجهله بما يحدث في العراق، بل لعلمه الدقيق بما يحدث، وقلقه البالغ منه.

فحكومة عبد المهدي التي انفجرت الثورة العراقيّة ضدّها تستحقّ كلّ الثناء والتقدير، بحسب نصر الله. فهي، أوّلاً، رفضت أن يكون العراق جزءاً من الحملة على إيران. وهي ثانياً، رفضت تأييد صفقة القرن. وهي، ثالثاً، ذهبت إلى الصين لإجراء عقود بمئات مليارات الدولارات… وهي، رابعاً، رفضت أن تبقى الحدود مغلقة مع سوريا. لكن ماذا عن العراقيّين وحياتهم ونظام حكمهم؟ استبق السيّد السؤال قائلاً: ما بدّي فوت بتفاصيل عراقية.

قبل العراق، كان قد حدث الأمر نفسه في سوريا، وإن بطريقة أكثر مأسويّةً مع محاولة تأبيد النظام الأسديّ وإرسال الشباب اللبنانيين ليموتوا دفاعاً عن ذاك الأبد. لم يحدث ذلك بسبب يقين الجبهة الممانعة بالدفاع عن حياةٍ سورية مزدهرة، بل حدث وفق مقولاتٍ وحججٍ تندرج تحت إطار ما يُشبه «ما بدّي فوت بتفاصيل سوريّة».

يشكّل هذا الاحتقار لـ«التفاصيل» رافداً أساسياً لكثيرٍ من ردود الفعل اللبنانيّة بُعيد الإعلان عن صفقة القرن. فقد تدافع سياسيّون وإعلاميّون لبنانيّون للتعبير عن سخطهم من هذه الصفقة. لكنّ هذا السخط ما لبث أن قام بحركةٍ التفافيّة، فانتقل من ترامب ونتانياهو إلى الثورة اللبنانية. كما لو أنّ تلك الثورة مسؤولة عن إلهاء الناس بـ«التفاصيل اللبنانيّة» فيما فلسطين، القضية المركزية، تحتضر. وقد اتّخذ هذا الموقف منحىً هزلياً مع توجيه رئيس مجلس النوّاب، نبيه برّي، رسالةً لأنصاره بمناسبة صفقة القرن، يدعوهم فيها للخروج من الشارع والالتزام بموقعهم كـمقاومين في مواجهة عدوانيّة إسرائيل. فمَن تراه يملك ترف توجيه غضبه ضدّ المحاصصة والفساد والمصارف والانحياز الطبقي ومافيا الزعامات ما دامت هناك مؤامرةٌ بحجم صفقة القرن؟

لكنّ صورة فلسطين كـ«قضيّة مركزيّة» واجهت تحدّياً من جهتَيْن:

الجهة الأولى :

هي تلك التي ترى في مركزيّة فلسطين علبة محارم لمسح قاذوراتها. فترفع الدوز الفلسطيني في خطابها كلّما تكاثرت خطاياها تجاه شعبها. رئيس الحكومة حسّان دياب كتب ستبقى القدس هي البوصلة وستبقى فلسطين هي القضية. وكتب أحد النوّاب من ورثة الزعامات الآفلة عذراً فلسطين الحبيبة. الأوّل هو بروفيسور ارتضى لنفسه أن يكون قناعاً للمافيا الحاكمة، وشكّل حكومةً أولى مهامّها الانقضاض على الثورة. أمّا الثاني، فمِن الذين أوعزوا لزعرانهم بالاعتداء على المتظاهرين في طرابلس.

الجهة الثانية :

هي التي تستعجل الانتقال من الموقف الذي يحطّ من قدر الثورات الشعبيّة إلى تخوين الثائرين أنفسهم. ويبدو العونيّون مستعجلين أكثر من غيرهم لهذا الانتقال الذي يمهّد لهدر الدماء، أسوةً بتجارب حمص وحلب والناصريّة. فبالنسبة إلى أكثر من مسؤول عونيّ، ليست الثورة تفصيلاً أمام هول المؤامرة على فلسطين وحسب، بل إنّ ما يجري عندنا هو جزء من المؤامرة نفسها. لا يتفهّم هذا الموقف أحقيّة مطالب التظاهرات، وإن فعل، فلا يتفهّم المتظاهرين أنفسهم، بل يجعل منهم أداةً للمؤامرة الكبرى على المنطقة. فلسطين، بالنسبة لهؤلاء، ليست أداة تعمية ولا علبة محارم، بل هي الرصاص الحيّ. الرصاص الذي يُطلَق باتّجاه الشعوب العربية.

ليس صدفةً هنا أن تكون بعض الأبواق العونيّة هي أوّل من خرج إلى الشاشات بعد 17 تشرين لتعلن أنّ الثورة سيُقضى عليها في لبنان كما قضي عليها في سوريا. هكذا يبدو القمع البهلواني الذي بدأ يمارَس في لبنان على يد شلّة جميل السيّد في وزارة الداخلية، أو القمع الدمويّ الذي اشتدّ في إدلب على يد النظام السفّاح تجلّياً لصفقة القرن، أو الترجمة السورية واللبنانية للصفقة.

لم تفتتح صفقة القرن هذا النمط من التفكير. ففلسطين الشائعة لبنانيًا لم تعد فلسطين التاريخيّة، ولا حتّى فلسطين أوسلو. فلسطين الشائعة باتت «فلسطين الصنم» المنشغلة بالتعمية عن «التفاصيل» السورية والعراقية واللبنانية، لا بل حتى التفاصيل الفلسطينيّة نفسها.

————————————

خطة ترامب لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي..الخطوط العامة ودلالات التوقيت

2020-02-03 | المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في 28 كانون الثاني/ يناير 2020، تفاصيل الشق السياسي لخطتها لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، المعروفة إعلاميًا باسم “صفقة القرن”. وجاء هذا الإعلان بعد نحو ثمانية أشهر على نشر واشنطن الشق الاقتصادي من الخطة بعنوان: “السلام من أجل الازدهار”، في ورشة عملٍ عقدت في العاصمة البحرينية، المنامة، في حزيران/ يونيو 2019. وبهذا تكون معالم خطة إدارة ترامب لسلامٍ مفترض بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد اكتملت ملامحها، بعد ثلاث سنوات من الحديث المتواتر عنها. وقد تمَّ جمع الشقين، السياسي والاقتصادي، للخطة بعنوان: “السلام من أجل الازدهار: رؤية لتحسين حياة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي”.

الإطار العام للخطة

جاءت الخطة، في شقيها السياسي والاقتصادي، في 181 صفحة، وتتضمن 22 قسمًا تغطي حزمة واسعة من القضايا، مثل: الطموحات المشروعة للطرفين، ومفهوم حل الدولتين، ووضع القدس، والسيادة، والحدود، والأمن، واللاجئون، والمعتقلون، والمعابر، وقطاع غزة، والتبادل التجاري. أما في الجانب الاقتصادي، فإنها تشير إلى سعيها إلى تأمين استثمارات دولية بقيمة أكثر من 50 مليار دولار على مدى عشر سنوات، ضمن مقاربةٍ لتحقيق اندماج اقتصادي إقليمي. وتشتمل الخطة على أربعة ملاحق، يتضمن الأول الخرائط المقترحة لحدود الدولتين، الفلسطينية والإسرائيلية، ويعالج الثاني الاعتبارات الأمنية لإسرائيل، وخصوصًا لناحية سيطرتها المطلقة على منطقة غور الأردن، في حين يتضمن الثالث المعايير الأمنية التي ينبغي للدولة الفلسطينية المفترضة أن تلتزمها في محاربة الإرهاب. أما الملحق الرابع، فيرسّخ السيطرة الإسرائيلية الأمنية المطلقة على الدولة الفلسطينية “منزوعة السلاح”، بما في ذلك حقّها في التعامل المباشر مع أي تهديداتٍ تراها داخل حدودها. كما أنه يؤكد سيطرة إسرائيل على المعابر الدولية مع كل من الأردن ومصر، فضلًا عن تحكّمها في المياه الإقليمية للدولة الفلسطينية المقترحة.

أبرز البنود

1. طبيعة الدولة الفلسطينية

بعنوان فرعي “حل واقعي لخيار الدولتين”، تعرض الخطة على الفلسطينيين دولةً منقوصة السيادة، مقيّدة بحدود الأمن الإسرائيلي، منزوعة السلاح، مقطّعة الأوصال، تصل بينها جسور وأنفاق تحت إشراف أمني إسرائيلي. لكن حتى هذه الدولة مشروطةٌ باعتراف الفلسطينيين بإسرائيل دولة يهودية، ورفض ما تعدّه إسرائيل “الإرهاب بأشكاله كافة” ومحاربته، والقبول بترتيباتٍ خاصةٍ تلبي الاحتياجات الأمنية لإسرائيل، بما فيها القيام بعملياتٍ أمنيةٍ داخل حدود الدولة الفلسطينية. كما تشترط الخطّة على الفلسطينيين القبول بالمسؤولية الأمنية الإسرائيلية وسيطرتها على المجال الجوي غرب نهر الأردن. وتلمّح الخطة إلى مسؤولية الدولة الفلسطينية في التصدّي لحركات المقاومة الفلسطينية؛ وهو ما يُفهم منه الدفع إلى اقتتال داخلي فلسطيني – فلسطيني. وتشترط الخطّة على الفلسطينيين، قبل قيام الدولة، بناء مؤسسات شفافة ومحاربة الفساد، وإصلاح النظام التعليمي و”وقف التحريض على الكراهية”، وعندها “إذا تم اتخاذ هذه الخطوات، واستيفاء المعايير المنصوص عليها في هذه الرؤية، فإن الولايات المتحدة ستدعم قيام دولة فلسطينية”.

2. الأرض والترانسفير

تقرّ الخطة بأن 87% من الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل في الضفة الغربية، سيتم ضمها إلى إسرائيل. وفي حين سيعيش 97% من الفلسطينيين في الضفة الغربية داخل الدولة الفلسطينية المقترحة، فإن الـ 3% المتبقين من المواطنين الفلسطينيين سيعيشون “ضمن جيوب فلسطينية داخل الأراضي الإسرائيلية، تخضع للسيادة الإسرائيلية. وعلى الرغم من أن الخطة تشدّد على أنه لا ينبغي “اقتلاع الناس – عربًا أو يهودًا – من أراضيهم”، على أساس أن ذلك سيقود إلى فوضى واضطرابات أهلية، فإنها تطرح، في المقابل، ترانسفيرًا ديموغرافيًا لرفع العبء عن إسرائيل، وخصوصًا في منطقة المثلث، والتي تحددها الخطة بـ “كفر قرع، عرعرة، باقة الغربية، أم الفحم، قلنسوة، الطيبة، كفر قاسم، الطيرة، كفر برا، جلجولية”، وهي البلدات التي يقطنها فلسطينيون يحملون الجنسية الإسرائيلية.

وتفسّر الخطة ذلك بأن هذه البلدات كان من المفترض أن تكون تحت السيطرة الأردنية خلال مفاوضات الهدنة عام 1949، إلا أنها بقيت بيد إسرائيل لأسبابٍ عسكرية، “تلاشت أهميتها منذ ذلك الحين”. وتضيف الخطة بأنها تدرس إمكانية إعادة رسم الحدود الإسرائيلية، بحيث تصبح البلدات الفلسطينية في المثلث جزءًا من الدولة الفلسطينية، “خاضعة لقوانينها وأحكامها القضائية”. وفي المقابل، تضم إسرائيل مستوطنيها ومستوطناتها في الضفة الغربية، المقامة على أراض الأصل أن تكون خاضعة لسيادة الدولة الفلسطينية، بحسب قرارات الشرعية الدولية.

3. القدس

تنصّ الخطة على أن القدس ستبقى عاصمة موحدة لدولة إسرائيل، ضمن حدودها البلدية القائمة اليوم، أما عاصمة دولة فلسطين فتكون في الجزء الشرقي من المدينة في المناطق الواقعة شرق الجدار الأمني القائم وشماله، بما في ذلك كفر عقب، والقسم الشرقي من شعفاط، وأبو ديس، ويمكن تسميتها القدس، أو أي اسم آخر تحدده الدولة الفلسطينية. وقد أكد بنيامين نتنياهو بعد الإعلان عن الخطّة بأن العاصمة الفلسطينية ستكون في أبو ديس التي تقع على بعد 1.6 كيلومتر شرقي البلدة القديمة في القدس. أما الأماكن الإسلامية المقدسة، فإن الخطّة تعيد طرح “الرعاية الدينية” الهاشمية الأردنية بدلًا من السيادة الفلسطينية، في حين تبقى السيادة المادية دومًا إسرائيلية. وتنص الخطة على أنه سيسمح للسكان الفلسطينيين المقيمين في القدس، “ما وراء خط الهدنة لعام 1949، ولكن داخل الجدار الأمني القائم بخيار من ثلاثة: أن يصبحوا مواطنين إسرائيليين. أن يصبحوا مواطنين فلسطينيين. أو الاحتفاظ بوضعهم كمقيمين دائمين في إسرائيل”.

4. الحدود والأمن

تؤكد الخطّة والخريطة المقترحة للدولة الفلسطينية أن غور الأردن سيبقى تحت السيادة الإسرائيلية المطلقة، وأن إسرائيل ستكون مسؤولة عن الأمن في كل المعابر الدولية إلى الدولة الفلسطينية، بما في ذلك معبر رفح، والذي سيتم وضع ترتيبات خاصة به بين إسرائيل ومصر. كما سيكون للبحرية الإسرائيلية الحق في منع واعتراض وصول الأسلحة والمواد المحظورة التي تدخل في صناعة الأسلحة، من دخول دولة فلسطين بما في ذلك غزة. ومع أن الخطة

تنص على حق الدولة الفلسطينية في تطوير ميناء خاص بها، وإمكانية الوصول إلى منشآت إسرائيلية محدّدة في ميناءي حيفا وأسدود، فإنها تضع ذلك كله تحت إشراف إسرائيلي. وبموجب الخطة، لن يكون لدولة فلسطين الحق في الدخول في اتفاقيات عسكرية أو استخباراتية أو أمنية مع أي دولة أو منظمة تهدّد الأمن الإسرائيلي، “وهذا أمر تحدّده إسرائيل”. كما أنه لن يكون للدولة الفلسطينية الحق في تطوير قدرات عسكرية، أو شبه عسكرية، داخل أراضي دولتها أو خارجها. وسيكون من حق إسرائيل أن تقوم بعمليات اقتحام عسكرية لمناطق الدولة الفلسطينية في حال وجود أي تهديد أمني يستهدفها.

5. اللاجئون

تشدّد الخطة على أن توقيع اتفاقية الإسرائيلية – الفلسطينية ينبغي أن يتضمّن إنهاء أي مزاعم تاريخية أو حقوقية للفلسطينيين، مثل “حق العودة”. وتؤكد بوضوح أنه “لن يكون هناك أي حق في العودة، ولا استيعاب لأي لاجئ فلسطيني في دولة إسرائيل”. فوق ذلك، تعتبر الخطة أن ثمّة مشكلة لجوء يهودية كذلك متمثلة في اليهود الذين “طردوا من الدول العربية بعد وقت قصير من إقامة دولة إسرائيل”، وبأنهم يستحقّون حلًا منصفًا “ينبغي أن يتم تطبيقه في إطار آلية دولية مناسبة منفصلة عن اتفاقية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية”. وفي هذا السياق، تؤكّد الخطة أن “الإخوة العرب” للفلسطينيين “يتحمّلون المسؤولية الأخلاقية عن إدماجهم في بلادهم”، كما دمجت إسرائيل اللاجئين اليهود. وتشدّد على أن اللاجئين المستقرّين في أماكن دائمة لن يسمح لهم بالعودة والتوطين، بما في ذلك الانتقال إلى الدولة الفلسطينية، مع بقاء حقّ التعويض لهم ضمن آلية دولية خاصة. وتعرض الخطة ثلاثة خيارات على اللاجئين الفلسطينيين الذين لا يحظون بإقامة دائمة في أي مكان:

• استيعابهم ضمن الدولة الفلسطينية المقبلة، ولكن ضمن قيود مشدّدة، مثل ضرورة وجود اتفاق بين إسرائيل والدولة الفلسطينية على معدل حركة اللاجئين من خارج الضفة الغربية وقطاع غزة إلى دولة فلسطين. ويتحدّد ذلك بناء على القدرات الاستيعابية الاقتصادية للدولة الفلسطينية، وبما لا يشكل عبئًا على البنى التحتية، ولا يضاعف من التهديدات الأمنية لدولة إسرائيل.

• إدماجهم في البلدان المضيفة التي يقيمون بها حاليًا، وذلك مرهون بموافقة تلك الدول.

• أن تقبل كل دولة من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بتوطين خمسة آلاف لاجئ كل عام على مدى عشر سنوات (بإجمالي 50 ألف لاجئ).

وتشدّد الخطة على أنه مع توقيع اتفاقية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية، فإن وضعية اللاجئ الفلسطيني سوف تنتهي كصفة قانونية دولية، وبأن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أونروا) ستنحلّ، كما أن الشق الاقتصادي من الخطة سيعمل على استبدال مخيمات اللجوء في الدولة الفلسطينية وتفكيكها لبناء مناطق سكنية جديدة.

توقيت الإعلان عن الخطة

في السياق العام، جاء الإعلان عن الخطة في ضوء مشكلات داخلية يتعرّض لها كل من ترامب ونتنياهو؛ إذ يواجه ترامب محاكمة في مجلس الشيوخ، تهدف إلى إقالته بتهم إساءة استخدام السلطة وعرقلة عمل الكونغرس. في حين يواجه نتنياهو تهمًا بالفساد منذ عام 2019. وكان الادّعاء الإسرائيلي قدّم لائحة اتهام ضده في اليوم نفسه الذي وقف فيه إلى جانب ترامب في البيت الأبيض لإعلان تفاصيل خطة السلام الأميركية. وسبق ذلك سحب نتنياهو طلبه من الكنيست للحصول على حصانة من التهم الموجهة إليه، بعد أن تبيّن له أن الأغلبية سوف تصوّت ضده، وسوف يخوض انتخابات الكنيست في آذار/ مارس 2020 متسلحًا بالخطة الأميركية المنحازة إلى إسرائيل، والتي تعزّز سيطرتها على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، وتبقي القدس تحت سيادتها عاصمة موحدة لها.

ولكن حتى لو فشل نتنياهو في الانتخابات المقبلة، فإن زعيم المعارضة، بيني غانتس، أبدى حماسةً مماثلةً لضم مناطق واسعة من الضفة الغربية، بما في ذلك المستوطنات اليهودية، إلى السيادة الإٍسرائيلية. بل إن غانتس وعد بأن يقوم بذلك بكفاءة أكبر من نتنياهو وحزب الليكود، آملًا بذلك اجتذاب أصوات اليمين. وبهذا الموقف، أزال غانتس حاجزًا رئيسًا لم تكن إدارة ترامب تريد تجاوزه، حتى لا تتهم بدعم مرشح على حساب آخر. وهو ما مكّن بدوره واشنطن من دعوة غانتس أيضًا للقاء ترامب، للاطّلاع على تفاصيل الخطة قبل يوم من إعلانها، وحصلت على موافقته عليها.

وقد أخذت إدارة ترامب في الحسبان معطىً آخر؛ فهي تريد الاستفادة من الانقسام العربي، والتفات جزء من العرب إلى الصراع مع إيران، واستعداد بعضهم العمل مع إسرائيل لمواجهة طهران. كما يبدو أن إدارة ترامب تراهن على ضغط بعض الدول العربية على الفلسطينيين مع الوقت، حتى يجلسوا إلى طاولة المفاوضات على أساس الخطة المقترحة. ولعل في حضور سفراء الإمارات والبحرين وعُمان في واشنطن مراسيم الإعلان عن الخطة في البيت الأبيض، وردود فعل السعودية ومصر الداعية إلى التفاوض تحت رعاية أميركية، ما يؤكد حسابات إدارة ترامب.

خاتمة

تروّج إدارة ترامب مشروع تسوية وضعه اليمين المتطرّف في إسرائيل قبل سنوات. وهي تقدّمه مع تعديلاتٍ طفيفة كأنه مقترح أميركي، مستفيدةً من ظروف الانقسامين، الفلسطيني والعربي، فضلًا عن افتقاد القيادة الفلسطينية استراتيجية واضحة تعتمدها في التصدّي لهذا المشروع الذي تم تنفيذ الجزء الأكبر منه خلال السنوات الثلاث الماضية. وعلى الرغم من الظروف التي تبدو مواتية لتنفيذه أميركيًا وإسرائيليًا، يبقى الرهان كما كان دائمًا على الرفض الشعبي، وعلى عدم قبول أي طرفٍ فلسطيني بهذا الطرح أو إعطائه شرعيةً في أي ظرف.

————————————

لن تحقّق خطة ترامب السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فما الهدف منها إذاً؟/ مايكل يونغ

ديانا بوتو | محامية فلسطينية كندية ومستشارة قانونية سابقة للفريق الفلسطيني المُفاوض

بالتأكيد، لن تساهم خطة ترامب في إحلال السلام. ففي جوهرها، هذه الخطة من ابتكار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومتشدّدي اليمين المتطرّف، وهي تهدف إلى إخضاع الفلسطينيين، كما أنها لاتستند إلى مبدأ المساواة أو القانون الدولي. والمُقلق أنه في حين لم يتم في السابق التطرّق أبداً إلى مسألة سحب الجنسية من الفلسطينيين في إسرائيل، إلا أن ذلك يشكّل اليوم أحد مكوّنات الخطة، التي ستجرّد حوالى 300 ألف فلسطيني من جنسيتهم الإسرائيلية، تاركةً الفلسطينيين في إسرائيل معلّقين في حبال الهواء.

لهذه الخطة سببان رئيسان: أولاً، مثلها مثل “الهدايا” المختلفة التي قدّمها الرئيس دونالد ترامب إلى إسرائيل – كنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، ووضع حدّ للمساعدات المقدّمة إلى السلطة الفلسطينية، ووقف تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين، وإغلاق المكتب التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن العاصمة، والإعلان أن المستوطنات الإسرائيلية ليست غير قانونية – هدفت هذه الخطة إلى جعل مسألة قيام أي رئيس أميركي مستقبلي بعكس “الحقائق القائمة على الأرض” أمراً مستحيلاً عملياً. فمثلاً، من سيعيد نقل السفارة إلى تل أبيب؟

ثانياً، كان التوقيت ملائماً لمساعدة نتنياهو على تأمين فوزه في الانتخابات من أجل تفادي قضاء عقوبة في السجن. فقد واجه رئيس الوزراء الإسرائيلي صعوبات خلال الجولتين الانتخابيتين الماضيتين، غير الحاسمتين، ويأمل أن تضمن له هذه الخطة بعض الأصوات أو المقاعد من اليمين المتطرّف في إسرائيل. وسيستخدم نتنياهو الخطة للبدء في ضمّ الضفة الغربية في أقرب وقت ممكن، ما يمنحه الدعم الأميركي الذي يحتاج إليه للمضي قدماً، سواء قبل أو بعد الانتخابات الإسرائيلية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الخطة ليست استعمارية من حيث نهجها وحسب– حيث يقرّر ترامب وصهره جاريد كوشنر، والسفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، ونتنياهو ما هو الأفضل لنا – لكنهم يقولون لنا أيضاً في الوقت نفسه أنه: من بين 13 مليون فلسطيني في جميع أنحاء العالم، لم يتمكّنوا من العثور على فلسطيني واحد للتوقيع على الخطة، إذ إنه ما من فلسطيني يمكن أن يؤيد إخضاعنا جميعاً.

مخيمر أبو سعدة | محلل سياسي ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الأزهر في غزة

دقّت خطة إدارة ترامب للفلسطينيين والإسرائيليين من جانب واحد المسمار الأخير في نعش المفاوضات، التي كانت تُجرى حول قضايا الوضع النهائي، أي القدس، واللاجئين، والمستوطنات الإسرائيلية، والحدود النهائية. ما فعلته الخطة فعلياً هو أنها خصّت الفلسطينيين بكيان سياسي غير قابل للحياة، من دون أن يتمتّع بالسيادة أو السيطرة على حدوده، وفوق كل شيء ليس له سيطرة على المسجد الأقصى. واقع الحال أن السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين لا يمكن أن يتحقّق من خلال خطة أحادية ومتحيّزة كهذه.

أعتقد أن الهدف الأساسي من هذه الخطة يتمثّل في تحويل انتباه الرأي العام الأميركي عن عملية عزل الرئيس دونالد ترامب في مجلس الشيوخ، وحشد المزيد من الدعم من المسيحيين الإنجيليين الأميركيين والناخبين المحافظين للمساعدة على إعادة انتخاب ترامب هذا العام. كما أعتقد أن توقيت إطلاق الخطة، الذي يُصادف قبل خمسة أسابيع من الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، يهدف إلى تعزيز فرص فوز رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يواجه في الوقت نفسه اتّهامات بالفساد والرشوة، ولايزال غير قادر على تشكيل حكومة ائتلافية.

خطة ترامب لن تُرسي السلام في المنطقة، بل على العكس ستؤدي إلى زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط المضطربة والمتصدّعة أساساً، وقد يسفر عن تدهور في العلاقات الإسرائيلية- الفلسطينية والإسرائيلية- الأردنية.

آرون ديفيد ميلر | باحث أول في برنامج الشؤون الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

لماذا تمّ الإعلان عن خطة السلام الأميركية الأكثر تفصيلاً في تاريخ دبلوماسية عملية السلام في هذا التوقيت بالذات؟ أي قبل خمسة أسابيع من إجراء الانتخابات الإسرائيلية الثالثة خلال عام، ومن دون خوض أي مناقشات حقيقية والتشاور مع الفلسطينيين؛ فيما تجري في الوقت نفسه محاكمة لعزل الرئيس الأميركي، وتتقدّم الاستعدادات للانتخابات التمهيدية الديمقراطية في الولايات المتحدة؟ ثمّ أن المسؤولين الأميركيين كانوا يدركون تمام الإدراك أن الفجوة بين الإسرائيليين والفلسطينيين هائلة وانعدام الثقة بين الطرفين واسع كاتّساع الأخدود العظيم.

لابدّ من طرح هذا السؤال فعلاً، لماذا؟ أولاً، ثمة السبب العادي والتافه: إذ من غير الواضح ما إذا كانت خطة السلام الأميركية الموجّهة بشكل خارق للطبيعة لصالح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ستساعده على الفوز في الانتخابات المرتقبة في 2 آذار/مارس. لكن وكما كانت تقول جدتي عن حساء الدجاج خاصتها، إذا لم ينفع فهو لن يضرّ أصلاً، بخاصةٍ في حال أعطت الإدارة الأميركية الضوء الأخضر لعملية الضمّ الإسرائيلية قبل موعد الانتخابات في إسرائيل. في هذا السياق، تعتبر إدارة ترامب أنه سيكون من المفيد، إن أمكن، إبقاء نتنياهو في السلطة خلال فترة الانتخابات الأميركية لمساعدتها على الحصول على دعم قاعدتها المؤيّدة لإسرائيل. ولو أنها انتظرت صدور نتائج الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل حكومة جديدة، لكان ذلك سيعني تأجيل الإعلان عن الخطة إلى ما بعد منتصف العام 2020. وهذا كان سيتداخل مع التوقيت السياسي الأميركي، ولاسيما أن نتائج السباقين الانتخابيين الأخيرين في إسرائيل لايشيان بأن من المرجح التوصّل إلى حل سريع للمأزق السياسي في البلاد.

ثم هناك السبب الأهم. فالإعلان عن الخطة لم يهدف إلى إطلاق مفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أو حتى التوصل إلى اتفاق. فمنذ انتخاب ترامب، سعى فريق السلام الموالي بقوة لإسرائيل إلى التخلّي عن مقاربة الإدارات الثلاث السابقة وإعادة تأطير سياسة واشنطن تجاه حل الدولتين لتتلاءم على نحو وثيق مع رؤية نتنياهو لحدود إسرائيل. وهذا يعني دولة فلسطينية مبتورة لاتتمتع بالسيادة، والحفاظ على السيطرة الإسرائيلية على كامل مدينة القدس تقريباً، وضم المستوطنات الإسرائيلية وغور الأردن لإسرائيل، وتجاهل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. كان حل الدولتين يُحتضر حين ورثه ترامب، بيد أنه قد يدفنه نهائياً وهو في سُدة الحكم.

حسين إبيش | باحث أول مقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن العاصمة

أتى التوقيت سياسياً بامتياز. فالرئيس دونالد ترامب لا يأبه بالسياسة العامة، بل يُعنى فقط بالسياسة في معناها الأضيق. كان الهدف الأساسي من الخطة مساعدة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حملة إعادة انتخابه وتجنّب السجن. فقد تمثّلت رغبة اليمين الإسرائيلي، الذي عبّرت عنه الخطة الأميركية، في ضمان بقاء نتنياهو في سُدة الحكم. وهذا ما ستنجزه الخطة على الأرجح. وهي صبّت كذلك في خدمة الظرف السياسي الذي يمرّ به ترامب، إذ ساعدته على البقاء خارج السجن، وسمحت له بالظهور كصانع سلام وصاحب رؤية، فيما يتجادل أعضاء مجلس الشيوخ حول عزله، ما عزّز تحالفه مع اليمين المسيحي المتعصّب والمتطرّف.

ثمة أيضاً اعتبار ثانوي يتمثّل في الدفع نحو إجراء يحظى بالقبول على مستوى السياسة الأميركية حيال إسرائيل، عبر إفساح المجال بشكل متزايد لتأييد ضم الأراضي، وتقويض آفاق حل الدولتين. الهدف النهائي إذاً هو حرمان الفلسطينيين من دولتهم، ووضع أسس راسخة تكون كفيلة بأن تؤيد الولايات المتحدة قيام دولة إسرائيل الكبرى، التي يسود فيها انعدام المساواة ونظام الفصل العنصري (الأبارتايد)، والمحاصرة بما يمكن وصفه بـ”البانتوستان” الفلسطيني.

زها حسن | باحثة زائرة في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، مع التركيز على السلام الفلسطيني-الإسرائيلي

لا شك أن توقيت الإعلان عن خطة ترامب للسلام الفلسطيني-الإسرائيلي حُدّد بفعل ظروف سياسية ملحّة. فالرئيس دونالد ترامب كان متورّطاً في محاكمة ترمي إلى عزله على خلفية التماس مساعدة خارجية لتقويض الحملة الرئاسية لأحد خصومه السياسيين، فيما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحضّر بدوره للمثول أمام المحكمة على خلفية قضايا متعلّقة بالفساد والرشى. إلى جانب مسألة التوقيت، ينبغي النظر إلى الخطة باعتبارها مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول حجم الأراضي الفلسطينية التي يمكن لإسرائيل ضمّها بمباركة أميركية، والأهم، باعتراف أميركي بالسيادة الإسرائيلية.

لحسن حظ الفلسطينيين، ردّ العالمان العربي والإسلامي عبر إصدار بيانات قوية، أعادت التأكيد على القانون الدولي والإجماع على إنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي لقطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، والذي مضى عليه 52 عاماً. والأهم أن القمة التي عقدتها جامعة الدول العربية في القاهرة ناشدت الدول العربية عدم التعاون مع أي محاولة ترمي إلى تطبيق الخطة. كذلك، اجتمعت منظمة التعاون الإسلامي المؤلفة من 57 عضواً في السعودية، وأعلنت خلال جلستها التنفيذية أن الخطة لا تلبّي الحد الأدنى من المتطلبات، و”ستؤدي إلى هدم أسس السلام”، ورفضت الخطة رفضاً قاطعاً.

يبدو أن جاريد كوشنر وفريقه المعني بالسلام في الشرق الأوسط أخطآ في تقدير حجم الدعم الذي ستقدّمه دول الخليج، معتقدين أن بإمكانهم ضمان التزام هذه الدول المالي والسياسي في تطبيق خطة ترمي إلى تصفية الطموحات الوطنية الفلسطينية. لكن، وبسبب تمادي وتسرّع إدارة ترامب، من غير المرجّح أن تحظى الخطة بتأييد يُذكر.

مركز كارنيغي للشرق الأوسط

——————————–

نقاش في احتمالات أو مآلات صفقة القرن/ ماجد كيالي

ليست خطة “صفقة القرن”، التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخّراً المشروع الأول، وربما لن تكون الأخير، الذي يدّعي حل القضية الفلسطينية، في حين يتوخى تصفيتها عملياً، إذ سبقتها عشرات المشاريع، منذ قيام إسرائيل عام 1948 على حساب الشعب الفلسطيني، وضمنها مشاريع طرحتها الولايات المتحدة.

طبعاً، لا يُستنتج مما تقدم أن الشعب الفلسطيني أسقط كل تلك المشاريع، فمن السذاجة اعتقاد ذلك أو توهّم البعض بذلك، ما يفترض التمييز بين رفض الفلسطينيين لتلك المشاريع، وهو حقهم، وبين إسقاطها فعلاً. ومثلا فإذا كانت كل تلك المشاريع سقطت فكيف قامت إسرائيل واستمرت وتطوّرت؟ ثم كيف احتلت باقي فلسطين واغتصبت أراضي عربية أخرى؟ ولماذا ثمة لاجئون فلسطينيون بعد 70 سنة؟ ولماذا قامت سلطة فلسطينية تحت هيمنة الاحتلال؟ ولماذا عمّ الاستيطان الضفة فيما غزة محاصرة منذ 12 عاما؟

الغرض من كل ما سبق تأكيد عدة مسائل لإيجاد إطار من النقاش الموضوعي والواقعي، أولها، أن ثمة فارقا بين الشعارات أو الطموحات وبين الإمكانيات والقدرات.

وثانيها أن الفلسطينيين رغم ضعفهم ورغم البيئة العربية والإقليمية والدولية غير المواتية لهم، تشبثوا بإيمانهم بعدالة قضيتهم وبقوة حقهم، رفضوا الرضوخ لإرادة القوة والغطرسة والظلم، التي استندت إليها كل المشاريع السابقة، وهذا ما ينطبق على خطة ترامب.

وثالثها أن الفلسطينيين لم يضيّعوا الفرص على ما تروّج الآلة الإعلامية الإسرائيلية والأميركية، إذ لم يُطرح عليهم ولا مرة حلّ يتأسس على حقهم كشعب، وعلى حقهم بتقرير المصير، فكل الحلول التي طُرحت كانت تتأسس على سلب حقوقهم، ونفي وجودهم كشعب.

هكذا، شهدنا أن إسرائيل رفضت تنفيذ الاستحقاقات المطلوبة منها في اتفاق أوسلو، المجحف والناقص والمذل بالنسبة إلى حقوق الفلسطينيين، ثم إنها رفضت الالتزام بخطة خارطة الطريق التي طرحها الرئيس جورج بوش الابن، رغم التزام الفلسطينيين بحصتهم منها. وحتى لو عدنا إلى قرار التقسيم 181 لعام 1947، فإن إسرائيل لم تنفذه عمليا، بل إنها راوغت لنيل الاعتراف الدولي بها، في حينه، بموجب القرار 273 لعام 1949، الذي جاء مشروطا بموافقتها على قراري التقسيم 181 وحق العودة للاجئين 194، إلا أنها لم تنفذ أيّا منهما، إضافة إلى احتلالها لأجزاء من منطقة القدس، التي كانت بموجب قرار التقسيم يفترض أن تخضع لإدارة دولية.

وفي الواقع فإنه منذ اتفاق أوسلو عام 1993 عملت إسرائيل على دفن هذا الاتفاق، رغم كل مساوئه للفلسطينيين، فلم تنسحب من أراضي الضفة، بل إنها اشتغلت على تكريس الاحتلال فيها، ونشرت المستوطنات وبنت الجدار الفاصل وأنشأت الأنفاق والجسور والطرق الالتفافية، وكثّفت من مشاريعها لتهويد القدس، وأبقت المعابر بين الضفة وجوارها تحت سيطرتها، ناهيك عن حصارها غزة وهيمنتها على كامل أرض فلسطين التاريخية، إداريا وعسكريا واقتصاديا.

على ذلك ثمة شيء مريب في اعتبار أن القيادة الفلسطينية أضاعت الفرص، في حين أنها منذ عام 1974 اختزلت قضية فلسطين بإقامة دولة في الضفة والقطاع، وفي حين أنها وقّعت على اتفاق أوسلو 1 واتفاق أوسلو 2 (طابا 1995)، الذي رضيت فيه بتقسيم الضفة إلى ثلاث مناطق (أ وب وج)، ثم وافقت على خطة خارطة الطريق، 2002 – 2003، كما وافقت على مسار أنابوليس 2007، مع كل ما في ذلك من تنسيق أمني وعلاقات تبعية اقتصادية وإدارية لصالح إسرائيل.

ولعل أهم ما تمكن ملاحظته في كل تلك الخطط وهو ما يجري طمسه، أنها كانت تطرح على الضد من المعايير والمواثيق الدولية المتعلقة بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة، وحماية المدنيين في زمن الحرب، وعدم تغيير السلطات المحتلة للواقع في الأراضي التي تحتلها، ناهيك أنها كلها أتت على الضد من القرارات الدولية التي تم اتخاذها في شأن قضية فلسطين منذ سبعة عقود، وضمنها قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي. بل إن القرارات التي اتخذها ترامب، وضمّنها في خطته، أتت على الضد من السياسة التقليدية التي اتبعتها الإدارات الأميركية السابقة، بخصوص الأراضي المحتلة عام 1967 واعتبار القدس الشرقية أرضا محتلة، وبخصوص عدم إسباغ شرعية على الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

القصد من كل ذلك العرض هو التأكيد أن ما جرى لا يمكن لأيّ شعب، ولا لأيّ قيادة أن يقبلانه، إذ لا يمكن القبول بأقل بكثير مما أقر به المجتمع الدولي للشعب الفلسطيني. بيد أن هذا الاستنتاج الطبيعي لا يلغي أنه يفترض أن نلحظ أن الإدارة الأميركية طرحت تلك الخطة لفرضها بحكم ما تمتلكه من قوة، وما تحوزه من هيمنة، في الإطارات الدولية والإقليمية والعربية، وبفضل ما تمتلكه إسرائيل من قدرة على السيطرة في مجالها، ناهيك عن الأوضاع الدولية والعربية المواتية. لذا فإن الفلسطينيين سيجدون أنفسهم هذه المرة في ظروف أصعب وأعقد من ذي قبل، مما يحد قدرتهم على المناورة إزاء الاحتمالات الآتية:

أولاً، استمرار الرفض الفلسطيني للخطة، وإبداء نوع من مقاومتها بالوسائل المتاحة، في المقابل استمرار إسرائيل بفرض الأمر الواقع على المدى الطويل، من خلال الإمعان في تهويد القدس، وتعزيز الاستيطان في الضفة، وترسيخ قدرة إسرائيل على التحكم بأحوال الفلسطينيين.

ثانيا، نشوء واقع من المواجهات أو ردود الفعل الإسرائيلية، التي قد تؤدي إلى انهيار مبنى السلطة الفلسطينية بشكله الراهن، لصالح خلق واقع من قيام كيانات محلية، تؤكدها خارطة ترامب للحكم الذاتي، التي قسّمت ما أسمته فلسطين إلى أربع مناطق، هي غزة، وشمال الضفة (نابلس وجنين) والوسط (رام الله) والجنوب الخليل، وهو احتمال كارثي يفاقم من مشكلة الفلسطينيين ومن مشكلة حركتهم الوطنية.

ثالثا، قيام نوع من مساومة تقوم فيه القيادة الفلسطينية بالمفاوضة مع الإدارة الأميركية ومع إسرائيل لتحسين شروط وجودها وعملها ومكانتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما يسمح لها بالاستمرار والترويج إلى أنها وقفت ضد الخطة، وأنها حققت إنجازات في سبيل ذلك.

رابعا، السيناريو الرابع وهو أيّ مقاومة لخطة ترامب، جملة وتفصيلا واندلاع نوع من انتفاضة شعبية رابعة مثلا، أو أيّ سيناريو شبيه، يبدو احتمالا ضعيفا في الظروف الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية الراهنة، أو غير مسموح به.

كاتب سياسي فلسطيني

العرب

——————————————–

التتمة الخطرة لصفقة القرن/ مهند الحاج علي

لـ”صفقة القرن” تتمة. الإعلان نفسه، وهو بمثابة اعتراف أميركي أولي بالمشروع الإستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، سجّل نقاطاً انتخابية للرئيس الأميركي دونالد ترامب (مع ناخبيه من اليمين المسيحي)، ولرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

بعد الصفقة، هناك خطوتان أساسيتان. أولاً، ضم اسرائيل الأراضي الفلسطينية المحتلة وفقاً للصفقة الأميركية-الإسرائيلية. وحسب للسفير الأميركي في اسرائيل ديفيد فريدمان، “يخضع تطبيق القانون الاسرائيلي على الأراضي الممنوحة لاسرائيل في الخطة (صفقة القرن)، الى عملية مسح تُنفذها لجنة أميركية-اسرائيلية مشتركة”. فريدمان، من باب الحرص على المصالح الاسرائيلية، حذر نتنياهو من “أي خطوات أحادية قبل انتهاء عمل اللجنة، إذ أن ذلك سيُهدد الخطة والاعتراف الأميركي”. بكلام آخر، يقول فريدمان لنتنياهو، انتظر قليلاً من أجل إعداد إخراج مناسب للإعلان الاسرائيلي. المفارقة هنا في كلام السفير فريدمان أن ٰالإدارة الأميركية المتماهية تماماً مع رئيس الوزراء الاسرائيلي، ستحل مكان الجانب الفلسطيني في عملية ترسيم الحدود الجديدة، وتشريع المستوطنات.

ثانياً، ومن ضمن إخراج الصفقة، تلوح في الأفق عملية تطبيع عربية جماعية مع اسرائيل. وهذه الخطوة تأتي استكمالاً لإتصالات وعلاقات سرية شجعت عليها الإدارة الأميركية الحالية. الهدف الأساسي لهذا التطبيع العلني هو استكمال الخناق على الفلسطينيين بعد سلب أراضيهم. ذاك أن اجتماعاً عربياً برئيس الوزراء الاسرائيلي بعد رفض السلطة الفلسطينية الخطة، هو إبلاغ للفلسطينيين بأنهم ليسوا وحدهم فحسب، بل إن امتدادهم العربي المفترض بات على الضفة الأخرى. ولا مانع من قصف غزة وكسر عظام بعض فتية الضفة لحظة التقاط صور المصافحات والابتسامات.

في المقابل، وجدت إيران ضالتها في القضية الفلسطينية مجدداً. هي لطالما كانت “أم الحجج” لطهران، لكن الخطة تلبي تماماً الصورة المرسومة إيرانياً للجانب الآخر، الأميركي المتآمر مع الاسرائيلي، والعربي الخاضع لإرادتهما. والحقيقة أن الجانب الايراني لم يحقق شيئاً للفلسطينيين، بل أسهم في تعميق الانقسام، وعمل على تغليب مصالحه القاضية بإيجاد الوكلاء على القضية نفسها. كيف نُفسر ولادة مجموعة شيعية من رحم “حركة الجهاد الإسلامي” في غزة؟

فوائد “صفقة القرن” كثيرة للمحور الإيراني. بداية، المفرد ملائم لخطاب المحور وعراضاته. يحمل الإسم كلمتي “صفقة”، وهي تؤشر الى عملية تجارية في قضية رمزية مثل فلسطين، وأيضاً “القرن”، ما يوحي أنها مؤامرة عابرة للزمن. لهذا لم يبق مسؤول إيراني إلا وعلّق على “صفقة القرن”، من المرشد إلى رئيس مجلس الشورى والقادة العسكريين. قد تكون الصفقة عراضة انتخابية لنتنياهو وترامب، ولكنها باقية في خطاب الممانعة الى أجل طويل، نظراً لمنافعها المتعددة. على سبيل المثال، ربط النائب حسين الحاج حسن بين الأزمة المالية والاقتصادية اللبنانية وبين مساعي تمرير الخطة. “لأميركا دور في الوضع الاقتصادي الذي نمر فيه”، وفقاً للحاج حسن، “من أجل صفقة العار التي يرفضها ​الشعب الفلسطيني​ … نحن في محور ​المقاومة​ لدينا الكثير من الامكانيات، وسوف نسقط هذه المؤامرة على ​القضية الفلسطينية​ وأمتنا، كما أسقطنا من قبلها العديد من المؤامرات”.

رئيس المجلس السياسي في حزب الله السيد إبراهيم أمين السيد ذهب أبعد من ذلك، وربط صفقة القرن بالحرب العراقية – الايرانية، وادعى بأن “الامام الخميني أجّلها (الصفقة) أربعين عاماً” بعد انتصار الثورة الاسلامية. عملياً، الصفقة عمرها عشرات السنوات منذ زمن الرئيس السابق جيمي كارتر (الذي استخدم عبارة نظام الفصل العنصري في وصف الاحتلال الإسرائيلي). في نهاية المطاف، الأجندة الايرانية في المنطقة منفصلة عن المصالح الفلسطينية، وهو واضح في التصريح بأن “الرد على اغتيال سليماني سيكون بإخراج ​القوات​ الاميركية من المنطقة ومن ثم تحرير ​فلسطين​”.

مع الصفقة أو من دونها، ليس أمام الفلسطينيين سوى تجديد مساعي المصالحة، والاتفاق على رؤية مشتركة للحل العادل، واعادة انتاج النضال السلمي ضد الاحتلال وفقها. وإلا فإن المزيد من التقهقر والاستغلال بانتظارهم. وفقاً للمسار الحالي، قد تحوّل سنوات جديدة من الاستيطان والاحتلال المتفلت “صفقة القرن” إلى “فرصة ضائعة”، تماماً كعرض ايهود باراك في “كامب ديفيد” قبل 20 عاماً.

المدن

——————————

مشكلة القضية الفلسطينية أبعد كثيراً من أوسلو/ حازم صاغية

هناك نقد دارج لـ«صفقة القرن» يحمّل المسؤوليّة عنها إلى اتفاقيّة أوسلو في 1993. نقدٌ كهذا ينمّ، عند البعض، عن أفق ضيّق، وعند البعض الآخر، عن ذمّة واسعة.

أوسلو تستحقّ المراجعة وتستحقّ النقد، لكنْ ينبغي توزيع المسؤوليّات بشكل عادل. والحال أنّ الحصّة الأكبر منها تعود إلى الموقع الموضوعي للقضيّة الفلسطينيّة في توازنات القوى: إنّه موقعٌ ظالم بحقّ المظلوم الفلسطينيّ. هذا ليس استثناء فلسطينيّاً، إذ حالة الأكراد فيها شيء منه، مع اختلاف في التفاصيل.

موقع القضيّة الموضوعي هو الأصل الذي زادته بؤساً السياسات الفلسطينيّة والعربيّة، وسوء الحظّ، وتجاهل العالم إمّا تواطؤاً مع المحتلّ أو عجزاً عن ردعه. أوسلو تفصيل عارض في سياق أعرض.

لقد خضع تناول الموقع الفلسطيني في توازنات القوى لتكتّم مديد. كلّ طرف أراد أن يركّز على العناصر الذاتيّة، لا الموضوعيّة، كي يتّهم طرفاً آخر. لكنْ إلى هذا، حظي مبدأ التكتّم باليد العليا، لأنّه عبّر عن إجماع على إخراج القضيّة الفلسطينيّة من السياسة، ومن النقاش العامّ، وإدراجها في المقدّس، والمقدّسُ لا يناقَش. أسباب ذلك تمتدّ من طغيان الإراديّة على الجماهير في الزمن القومي السابق، وطغيان النفاق على الأنظمة دائماً: هكذا انتهينا إلى صوت واحد شعبي – رسمي يريد التحرير ولا يناقشه.

المشكلة المسكوت عنها تبدأ من الأربعينات: حينذاك استقلّت أكثريّة دول المشرق، ونشأت دولة إسرائيل. الأمر بدا شبيهاً بعمليّة تاريخيّة واحدة لا يريد أحد أن يرى وحدتها. هذا التناقض كان ممكناً تجاهله في الخمسينات ومعظم الستينات، حين بدا أنّ عبد الناصر سيحرّر فلسطين، من دون أن يكون لذلك أي انعكاس ارتجاجي على المجتمعات العربيّة. المسألة لا تستدعي سوى انتظار التحرير. أمّا باقي العرب فيستطيعون أن يستأنفوا حياتهم على جاري العادة.

في موازاة ذلك، تعاظمت قدسيّة القضيّة الفلسطينيّة حتّى باتت، مثل الدين، شيئاً لا يستطيع الحاكم إسكاته. هذا بدوره عزّز المقدّس اللفظي فيها على حساب السياسيّ.

لكنْ مع تولّي الفلسطينيين أمرهم بيدهم، وإنشائهم منظّماتهم، بعد هزيمة عبد الناصر في 67، بدا التوفيق مستحيلاً؛ فالمجتمعات المحيطة بفلسطين كانت رتّبت حياتها على أساس أنّها نهائيّة، تتحدّث عن «حروب المصير» ولا تخوضها. وبفعل الطبيعة الملتوية لوطنيّاتنا والانقسامات الأهليّة داخلها، نشأ لدينا «حزب» عريض ضمّ الحاكم الخادع والمحكوم المخدوع: الخادع يعد بالتحرير، والمخدوع، الممنوع من المطالبة بأي شيء آخر، يطالب به. إلاّ أنّ الأغلبيّة الساحقة للمطالبين بالتحرير كانت تنوي فعلاً تحسين موقعها التفاوضي في تلك المجتمعات محكومة بشروط حياتها داخل دولها. «حزب الله» قدّم لاحقاً المثل الساطع: نتسلّح باسم محاربة إسرائيل وبالسلاح نعزّز موقع «طائفتنا».

الضربة الأقوى وجّهتها الدولة الأقوى، التي سبق التعويل عليها للتحرير: مصر السادات. لبنان حاول عام 1983 ومُنع من ذلك، علماً بأنّ ما حاوله كان أقلّ من معاهدة سلام. الفلسطينيّون أنفسهم باتوا يطالبون بـ«دولة» متوافقة مع إسرائيل، وقد نالوا هيكلها في 1993. بعد عام حذا الأردن حذوهم وحذو مصر.

وحتّى اليوم ما زال يتبدّى أنّ الدول لا تستكمل سياداتها، بغضّ النظر عن الرأي فيها، من دون ترتيب ما مع إسرائيل؛ البلد الصغير الذي يخاف من جار كإيران، والبلد الذي لا يريد أن يُذكر على قوائم الإرهاب، والبلد الذي يريد إحراز اعتراف دولي بامتلاكه أرضاً متنازعاً عليها… كلّهم يغادرون، بسرعات متفاوتة، «نزاع الشرق الأوسط».

هذا ما حدث مع تشكّل الوطنيّات العربيّة، وتوطّد دولها. مع انفراطها بات الأمر أسوأ: النُذر المبكرة، في حربي الأردن ولبنان عامي 1970 و1975 كانت مدهشة الدلالة: الحربان ارتبطتا بـ«الحقّ» في مقاومة إسرائيل، فصدّعتا بلدين عربيين وتأدّى عنهما إخراج المقاومة الفلسطينيّة منهما.

بتقدّم الانهيار الذي ضرب الدول والمجتمعات، طغت مسألة «الهويّة» على مسألة «التحرير». مع «الهويّة»؛ حيث تخاف كلّ جماعة في العالم العربي من التكاثر العددي للجماعة الأخرى، يخسر «حقّ العودة» كثيراً من إمكانيّاته العمليّة. يهود إسرائيل بات في وسعهم أن يتذرّعوا بالمخاوف التي سمعوها من أكثريّات المنطقة وأقلّيّاتها، علماً بأنّ الأكثر تشدّداً دينيّاً وإثنيّاً بينهم لا يحتاجون أصلاً إلى حجج.

الطامة الكبرى كانت مع موجات التهجير المليوني في السنوات الأخيرة. لقد باتت المعاناة الإنسانيّة ورمزيّاتها على قدر بعيد من الشيوع والتعميم. الكاتب السوري فراس حاج يحيى كتب: «في شهر واحد، تم تسجيل مليون نازح عن بيته وأرضه إلى المجهول، في أكبر موجة نزوح بشري في القرن الحادي والعشرين، اتبع فيها الحلف الروسي – الأسدي سياسة الأرض المحروقة، مدمراً الحجر والبشر والشجر. فرق الاستجابة الإنسانية في إدلب أصدرت بياناً فارغاً من الكلمات عن عدد النازحين والمهجرين، فالأرقام فقدت قيمتها، والإحصاءات لن تغير الواقع، بعدما صم العالم أذنيه وعينيه وأشاح بوجهه عن إدلب وأهلها».

هؤلاء أيضاً تجد بينهم كثيرين علّقوا المفاتيح في أعناقهم، آملين بالعودة ذات يوم إلى بيوت طُردوا منها. هذه ليست من مفاعيل أوسلو.

الشرق الاوسط

————————–

أن نتحرر من الضابط الإسرائيلي والديكتاتور العربي/ يوسف بزي

إذا امتهن واحدنا السرقة، لا يحق له ذمّ اللصوصية وإدانتها. وإذا ارتكب واحدنا جريمة قتل، ما عاد له الحق بشجب المجرمين. بمعنى أن اللص والقاتل لا يسعهما إخراج أنفسهما من جنايتهما، أو التملص من تبعات ما اقترفاه. فالانتساب إلى العالم السوي والاستقامة الأخلاقية واكتساب حق الإدانة والشجب.. وطلب المعاقبة، يحتم مسؤوليات بديهية في مواءمة الضمير والسلوك على وجهة واحدة. فالقانون الذي تشهره على غيرك تطبقه على نفسك.

ونسمع اليوم ضجيجاً وصخباً عربياً، رياء في معظمه، وخداعاً في أغلبه، عن “صفقة القرن” التي تبتغي تصفية قضية الشعب الفلسطيني وسلبه حقوقه الوطنية والتاريخية. وهذا الهيجان العربي – استنكاراً وإدانة – يشبه تنطح اللص إلى محاضرة في الفضيلة، وتطوع القاتل للبكاء على القتلى.

ويتداعى العرب على نحو فلكلوري واستعراضي إلى مؤتمرات واجتماعات تلهج بالحسرة على فلسطين، وتمثل دور الغاضب على المس بحقوق الشعب الفلسطيني. وهم في رأيهم وقولهم وموقفهم محقون وصائبون وينحازون إلى العدالة والحق من غير شك. لكن المعضلة، ليست فقط أن فاقد الشيء لا يعطيه، بل أن سارق الشيء لا يمنحه. فهذه الأنظمة العربية إذ اقترفت ما يشابه أو يماثل ما اقترفته إسرائيل، خسرت تلقائياً الحق الأخلاقي والسياسي في الجلوس بموقع الضحية أو محاكمة الآخرين.

فإذا أخذنا قاتل الأطفال السوريين بشار الأسد مثلاً، لا يحق له إطلاقاً المطالبة

بحماية الأطفال الفلسطينيين من بطش الجيش الإسرائيلي. فهذا ليس نقضاً لمبدأ شمولية القانون وحسب، إنما عبث يهدد صواب مطلب حماية الأطفال الفلسطينيين. بل إن ما اقترفه بحق الأطفال السوريين يتيح للإسرائيليين استسهال الاعتداء على الأطفال الفلسطينيين. إنه شريك في الاستباحة.

وفي اللحظة التي يقوم جيش الأسد بتهجير نصف مليون إنسان من إدلب، يصبح أي كلام أسدي أو عربي عن “اللاجئين” الفلسطينيين و”حق العودة” فجوراً سياسياً وقذارة أخلاقية.

في اللحظة التي تقوم بها ميليشيات “شرعية” عراقية بقتل المتظاهرين العزل في شوارع النجف وبغداد، تفقد الحكومة العراقية الحق بأي كلام عن القمع الإسرائيلي. فقاتل المدنيين هنا لا يمكنه لعب دور حامي المدنيين هناك.

إيران الحروب المذهبية في كل المشرق العربي، يستحيل عليها الادعاء بأي حق في القدس الإسلامية المسيحية اليهودية. فهي خطر كما إسرائيل على هوية المدينة المقدسة. إيران التي تلطَّخ حرسها الثوري بدماء السوريين واللبنانيين والعراقيين والفلسطينيين، يصبح تفشيها في المشرق العربي مشابهاً للوصف الذي تطلقه على إسرائيل: ورم سرطاني مميت.

ما تقترفه السعودية والإمارات وإيران في اليمن ليس أخف وطأة من احتلال إسرائيلي شرس، يهدم الوجود الفلسطيني. الحرب اليمنية والانغماس فيها، يسهل كثيراً على إسرائيل التفلت من جرائمها، طالما أن تلك الدول لا يسعها تعيير الآخرين بما هي مبتلية فيه.

وعلى هذا المنوال، ما يتهدد القضية الفلسطينية أنَّ حامليها فاقدون حقوقياً وسياسياً وأخلاقياً حق تعيين العدالة أو المطالبة بها. خاسرون صلاحية تحديد “الحق”. ولهذا السبب بالضبط، خسر الفلسطينيون كثيراً.

يروي أحد شبان “انتفاضة الحجارة” في أواخر الثمانينيات، أن الحاكم العسكري الإسرائيلي وقف أمام الشبان الفلسطينيين المعتقلين، قائلاً لهم متسائلاً: أتفضلون نظاماً ارتكب مجزرة حماة؟ أتفضلون دولة فاشلة بحروبها الأهلية والطائفية ذبحتكم في صبرا وشاتيلا؟ أتفضلون نظاماً رشّ الغاز الكيماوي في حلبجة؟ أتفضلون نظاماً يرمي كل معارض من الطائرة في الصحراء؟ أتريدون دولة يحكمها مجنون كالقذافي؟ هل تريدون العيش في بلدان الفقر والفوضى والجهل والقمع؟

بالطبع، هذا الضابط الإسرائيلي، ليس بوارد أن يفكر بالخيار الحقيقي للشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال والكرامة وحق تقرير المصير. ليس بوارد أن يعترف بعنصريته وبوصفه محتلاً استعمارياً ظالماً. لكنه، كان يستنجد بالكوارث العربية كي يخبئ جريمته، كي يجعلها أقل سوءاً أو كأنها “ألطف” إنسانياً.

والمفارقة هنا، أن الأنظمة العربية تلعب أيضاً لعبة الضابط الإسرائيلي، معكوسة وعلى نحو أكثر ابتذالاً ووقاحة. فهي باسم فلسطين والفلسطينيين، تجعل من نفسها “ضرورة” وقدراً كما الاحتلال، طالما أنها تعمل من أجل “تحرير” فلسطين

ومواجهة إسرائيل. هي تقترف ما تقترفه بوصفه اضطراراً أو شرطاً لشق طريق القدس. وأبعد من ذلك، الأنظمة العربية تشيع في وعي شعوبها خياراً بين سوء الذل والقمع “الوطني” أو سوء الذل والقمع الاحتلالي الأجنبي.

لا ضابط الاحتلال ولا أنظمة الإجرام على استعداد للقبول بما يتجاوزهما، بما هو الحق الأصلي للفلسطينيين وللعرب جميعهم، خيار الحرية والاستقلال والعدالة والكرامة. خيار رفض البقاء ضحايا.

ما يجعل إسرائيل “منيعة” أو صاحبة حجة حقوقية وسياسية، أنها تخاطب العالم بالقول: إن تسليم مصير اليهود وفلسطين التاريخية لهؤلاء العرب لن يؤدي إلا لمشهد مماثل لما حدث في حلب وداريا وإدلب وحمص والموصل وبغداد وصنعاء وعدن وطرابلس الغرب.. إلخ. وهذا السيناريو الذي يتقن الإسرائيليون تسويقه إيديولوجياً، بخطاب مفعم بالعقلية الاستعمارية: “التمدن بوجه البربرية”، يسمح لهم باستباحة الحقوق الفلسطينية والدوس عليها، من غير تأنيب ضمير ولا خوف من محاسبة أو معاقبة.

هنا قوة مطلب التحرر، الذي يرفعه الآن الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال وضد قياداته الفاسدة في آن معاً، ورفعه الجزائريون والسودانيون والتونسيون والمصريون والسوريون والعراقيون واللبنانيون والليبيون.. التحرر الذي ينهي الاستبداد والاحتلال، يلغي الجريمة والاستغلال، يلغي الفساد والاستعمار. إنه المطلب الذي يقف بوجهه “الحلف الموضوعي” بين الأنظمة وإسرائيل.   

تلفزيون سوريا

——————————————-

إلى علي فرزات: الفلسطينيون جزء من الثورة السورية/ غازي دحمان

غريبٌ، بعد كل هذا الدم الفلسطيني الذي سال في سورية، أن يأتي الكاريكاريست، علي فرزات، ويتهم الفلسطينيين بالمشاركة في قمع الثورة السورية، ويطالبهم بعدم مناشدة السوريين التعاطف معهم في مواجهة “صفقة القرن”، وتقليع شوكهم بأيديهم؟

هذا الكلام الذي كتبه فرزات على صفحته الفيسبوكية إما يصدر عن عدم معرفة بالوقائع والحيثيات التي حصلت، وطبيعة العلاقة بين السوريين والفلسطينيين، وهذه خطيئةٌ لا يجوز لمثقف ثوري الوقوع فيها، لأن المعلومات متاحة ومتوفرة، ومن لا يملكها لا يستطيع رؤية اتجاهات الأحداث وتحليل مساراتها، ولا حتى معرفة موقعه ضمنها، أو أنه كلام يتصيّد في المياه العكرة، وغرضه إرضاء العنصريين الذين لا يخلو شعب منهم، أو الظهور بمظهر المثقف الإشكالي الجريء. وأشك أن فرزات المبدع وصل إلى حالة من الإفلاس، بات معها يبحث عن مصادر جديدة للشهرة!

تلطّى فرزات في هجومه على الفلسطينيين خلف شعوره بالغضب من القيادات الفلسطينية وموقفها من الثورة السورية. ولكن هل هذا الغضب مبرّر لتجريم الفلسطينيين والشماتة بهم؟ منذ متى كانت الشعوب العربية تنتظر من النخب الحاكمة مواقف بحجم تطلعات الشعوب العربية وهمومها، وقادة فلسطين هم في النهاية جزء من النخب العربية الحاكمة؟ ومنذ متى كانت هذه النخب ممثلة لشعوبها؟ إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن التنظير العربي، عقودا، عن انفصال بين الشعوب والنخب الحاكمة، غير واقعي، مع العلم أن الثورات العربية ومثقفيها استندوا إلى هذا التنظير لشرعنة الثورة، وهو واقع، فلا يجوز أن نوظفه متى أردنا، ونعلن عكسه عندما نريد.

ولو أن الشعوب تحاسب بعضها بناءً على أفعال قادتها، لكان الفلسطينيون أول من قاطع الشعب السوري، لما فعله حافظ الأسد بهم في تل الزعتر وطرابلس، وفي سورية نفسها، حيث اكتوى مثقفون وناشطون فلسطينيون كثيرون بنيران فرع فلسطين، السجن المخابراتي الشهير. وفلسطين ليست ملكا لمحمود عباس أو إسماعيل هنية، حتى نقول لهما اذهبا وقاتلا وحدكما، فلسطين جزء من هويتنا وثقافتنا، وهي في صلب وجداننا.

ليس ذلك وحسب، الفلسطيني جزءٌ من الثورة السورية وأحد فواعلها المهمين، وهذا ليس كلاماً عاطفياً، بل أثبتته وقائع ملموسة، ففي بداية الثورة في درعا، ذهب وفدٌ من فصائل فلسطينية إلى مخيم درعا، وادّعى أن لديه أوامر من رام الله بعدم المشاركة في الثورة، لأن الفلسطينيين طرف ضعيف وغريب، ولا يجوز أن يزجّوا أنفسهم في هذا الصراع بين السلطة والشعب، وكان جواب أهل المخيم أنهم طرف أصيل في هذا النزاع، “لأن أبناء درعا إما أولاد أخوالنا أو خالاتنا أو أبناء عماتنا فكيف نكون طرفا حياديا ودمنا يسفك في الشوارع؟”، وذلك في إشارة إلى حجم المصاهرة بين السوريين والفلسطينيين، واختلاط دمائهم وأنسابهم.

وأصدرت فصائل في مخيم اليرموك، قراراً يقضي بفصل كل من يشارك من كوادرها بفعاليات الثورة السورية، وحرمانه من المرتب والامتيازات. وكانت المفاجأة أن مئات الشباب قدموا استقالاتهم بأنفسهم من الأطر الفصائلية. ويعلم الجميع أنه حتى شباب مقر الخالصة (أكبر مواقع قائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، أحمد جبريل، في المخيم) انشقوا وانضموا للجيش الحر، وكادت فصائل تنهار، لولا أن المخابرات السورية زوّدتها بعناصر سورية، حتى تبقى هياكلها قائمة.

تنظيمات وفصائل كثيرة تدعم الأسد يكاد لا يعرفها الفلسطينيون، ولا شعبية لها، وهي فصائل وتنظيمات مهجورة منذ زمن، وهم مجرّد عناوين يحاول نظام الأسد استثمارهم للقول إن الفلسطينيين معه، وهذه اللعبة يجب ألا تنطلي على أحد، وخصوصا إذا كان مثقفاً وقارئاً للأحداث. وليس منسيا أن قوات النظام، عندما دخلت حي التضامن في دمشق، والذي تسكنه عائلات فلسطينية كثيرة، وهو الملاصق لمخيم اليرموك، أعدمت شبابا فلسطينيين عديدين، من عائلات البستوني وزينب وأبو الهيجاء وأبو القاسم.. وغيرهم. وأعدم نظام الأسد كثيرين من شباب حركة فتح، وبعضهم كان من كوادر الحركة الكبار في الساحة السورية، منهم أيمن جودة الذي كان يوصِل المساعدات إلى حمص التي حوصرت أحياؤها في بداية الثورة، وموعد موعد، الطبيب الذي كان يقدّم العلاج للجرحى. كما دمر نظام الأسد مستشفى الجمعية الخيرية الفلسطيني الذي كان يعالج جرحى الثوار، وقصف جامع عبد القادر الحسيني الذي كان يؤوي اللاجئين السوريين. وبين الفلسطينيات في سورية خنساوات فقدن أكثر من ابن لهن في التظاهرات، وعائلات بأكملها نكبت.

فتح مخيم اليرموك ذراعيه لمئات آلاف السوريين من جنوب دمشق، سكان أحياء التضامن والحجر الأسود والقدم وسبينة، وصرف أثرياء فلسطينيون فيه مدخراتهم لتأمين أوضاع كريمة للاجئين، وأفلست الجمعيات الخيرية الفلسطينية من ضغط المصاريف على اللاجئين. وفي بداية الثورة أيضاً، شهدت بيوت في المخيم عشرات الاجتماعات السرّية للبحث عن صيغ لدعم الثورة السورية. وكانت الغوطة الشرقية تعجّ بمئات الشباب المطلوبين والمتوارين عن أعين النظام، وتكفّل تجار شارع لوبية (أكبر شارع تجاري في اليرموك) بإيصال كل الاحتياجات المطلوبة لهم، من ملبس ومأكل.

وفي إحصاءات مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية، بلغ عدد القتلى من الفلسطينيين الذين قتلهم النظام والمليشيات الموالية له أربعة آلاف شخص، منهم 604 قضوا تحت التعذيب في أثناء اعتقالهم في سجون النظام، وعدد المعتقلين حوالي ألفين، بينهم 109 نساء وفتيات. عدا عن أكثر من عشرة آلاف فلسطيني مكثوا في السجون مدداً مختلفة، ومئات من المعاقين نتيجة الإصابات، فضلاً عن تشريد ثلثي الفلسطينيين السوريين. وبمقارنة هذه الأرقام مع عدد فلسطينيي سورية، 500 ألف نسمة حسب إحصاءات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، نجد أنهم تعرّضوا لكارثةٍ توازي ما تعرّض له السوريون، وقاسموهم العذاب والمصير، خصوصا وأن أغلب مخيماتهم، بما فيها اليرموك، قد تعرّضت لدمار هائل، وتم نهب أرزاقهم وضياع جنى أعمارهم.

يخطئ بحق الثورة السورية من يصنّف الفلسطينيين ضمن خانة الأسد، لأنه بذلك يقدّم خدمة لهذا النظام المجرم الذي يزعم أنه وحده الغيور على القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين، ولأنه ثانياً يستهين بدماء آلاف الشباب الفلسطينيين الذين استشهدوا في سبيل حرية الشعب السوري، وردّد كثيرون منهم “فلسطيني وسوري واحد”. ويستهين بعذابات من ما زالوا قابعين في السجون، وعذابات أهالي المفقودين.

العربي الجديد

—————————————-

إعادة اختراع القضية الفلسطينية!/ حازم صاغية

«صفقة القرن» تستحقّ الهجاء الذي نالها وأكثر: تنكّرٌ للحقّ والعدل. دعم زعيم لزعيم، والاثنان تسائلهما المحاكمات، وتنتظرهما الانتخابات. بتّ المسألة كأنّها مسألة عقاريّة. تغييب «الشريك» الفلسطينيّ. ضعف الغطاء الدوليّ… إذن فشلٌ مُرجّح.

هذا كلّه لا يقلّل من خطورة «الصفقة» كسابقة في شرعنة الأمر الواقع. مجرّد صدورها يهبط بالسقف إلى الأدنى، ويعلن عن رغبة، قد تكبر، في طي هذا الصراع بأي ثمن، أو بالأحرى، بلا ثمن.

لكنّ «الصفقة» لم تهبط من عدم، ولا هي نتاج تآمر هنا وخيانة هناك. ثمّة تاريخ يمتدّ على مدى قرن من الصراع تغيّر فيه العالم العربي كثيراً، وتغيّر العالم أكثر.

أمّا الفلسطينيّون فعملت الأكثريّة الساحقة من تلك التغيّرات ضدّهم: اجتمع سوء الحظّ وسوء السياسة وضعف الموقع التفاوضي، ليجعل هذا القرن قرناً من الهزائم.

وللأمانة، لم يترك الفلسطينيّون شيئاً إلاّ فعلوه على مدى القرن. الصالح جُرّب والطالح جُرّب. النتائج لم تتغيّر.

في 1936 قاتلوا كعائلات وحمولات. بين 1967 و1982 قاتلوا كتنظيمات وفصائل. بعد 1993 قاتلوا كسلطة. قاتلوا إبّان الحرب الباردة وقبلها وبعدها. من الأراضي المحتلّة قاتلوا بما أتاحته انتفاضتان، سلميّة وعنفيّة، وقاتلوا من الخارج العابر للحدود. قاتلوا مدعومين من السوفيات والصينيّين، لكنّهم أيضاً سالموا مدعومين من الأميركيّين والأوروبيّين. مارسوا السلام المتصلّب مرموزاً إليه بعرفات، والسلام المتراخي مرموزاً إليه بعبّاس، والسلام عبر المدخل الاقتصادي لفيّاض. قادهم في الحرب والسلم طرف «يمينيّ» هو «فتح»، وفي الحرب تحديداً ساهمت في قيادتهم أطراف «يساريّة» كالجبهتين الشعبيّة والديمقراطيّة، وأخرى إسلاميّة كـ«حماس» و«الجهاد». اعتمدوا «حرب الشعب طويلة الأمد»، واعتمدوا خطف الطائرات قصير الأمد، وجذبتهم تجارب تمتدّ من غيفارا إلى مانديلا، ووسّعوا صفوفهم لأفراد ككارلوس ولمنظّمات ثوريّة وإرهابيّة من أبعد أطراف العالم، كما لأفراد باسيفيّين مُحبّين لأي سلام ومناهضين لكلّ حرب. انفتحوا على يهود معادين للصهيونيّة وضمّوا حاخاماً منهم إلى مجلسهم الوطنيّ، وأتاحوا لأصوات لاساميّة أن تنمو في مناخ ثورتهم. وفي هذه الغضون، تحالفوا مع أنظمة عربيّة محافظة، ومع أخرى عسكريّة وانقلابيّة، ومع إيران. بعضهم، كجبهة «القيادة العامّة» وقبلها «الصاعقة»، كان امتداداً للنظام السوريّ، وبعضهم، كـ«جبهة التحرير العربيّة»، كان امتداداً للنظام العراقي في عهد صدّام، والبعض الأكبر الذي عبّرت عنه «فتح» تمسّك بـ«القرار الوطني المستقلّ»، ما كلّف الفلسطينيّين غالياً على يد حافظ الأسد. وعلى مدى تلك السنوات، عملوا في ظلّ شعار «عدم التدخّل في الشؤون الداخليّة» للبلدان العربيّة، وفي ظلّ شعارات كـ«كلّ السلطة للمقاومة» التي كلّلت حربين أهليّتين في الأردن ولبنان.

والعرب أيضاً، وفي حدود إسهامهم، شاركوا في تقلّب التجارب، وزادوها تقلّباً، وغالباً ما ضاعفوا مرارتها. حاربوا إسرائيل كأنظمة محافظة وكأنظمة عسكريّة. حاربوها كحلفاء للغرب وكحلفاء للسوفيات. حصل ذلك في 1948 و1967 و1973، بسبعة جيوش ثمّ بثلاثة ثمّ بجيشين، قبل أن تنحصر الحروب، منذ 1982، بلبنان والضفّة وغزّة.

هذا المسار التاريخيّ، بتناقضاته وهزائمه، صار يستدعي إعادة تعريف، أو إعادة اختراع، للقضيّة الفلسطينيّة. الوضوح بات مفقوداً، والجاذبيّة باتت ضعيفة.

فاليوم، مثلاً، تُسمع من البيئة الفلسطينيّة أربعة أصوات: نريد أراضي تقسيم 1947. نريد أراضي 1948. نريد أراضي 1967. نريد أراضي أوسلو في 1993.

أيضاً، لم يعد مفهوماً تماماً هل القضيّة وطنيّة فلسطينيّة، أم قوميّة عربيّة، أم إسلاميّة تحتلّ الصلاة في القدس موقع القلب منها، أم كلّ هذه معاً؟ وهل هي قضيّة سياسيّة يجوز تعريضها للسؤال كما يجوز فيها الاختلاف، ومن السؤال والاختلاف تنبثق الأفكار، أم أنّها قضيّة مقدّسة لا يجوز عليها السؤال ولا يجوز فيها الاختلاف، بحيث تتعفّن ويُترك أمرها لحكّام مُرائين يستثمرون في قداستها.

ومن ثمّ، هل الثورات العربيّة مفيدة للقضيّة الفلسطينيّة ومكمّلة لها، أم أنّها تنافسها وتضرّ بها؟

وأخيراً، هل «صفقة القرن» نفسها نكبة كبرى تحاول تكريس ما انتهت إليه حرب 67 في أسوأ تأويلاته، أم أنّها فرصة لتفجير طاقة ثوريّة لا يوجد دليل عليها، لا بين الفلسطينيّين، ولا بين سائر العرب المشغولين بهمومهم الفائضة؟

إعادة اختراع المسألة بات مطلوباً بإلحاح، وأوّل العمليّة نبذ الكلام القديم والمكرور، في السياسة والأدب والإعلام، والبحث تالياً عن كلام جديد، ولا بأس بأن نقول: كلام صادم ومفاجئ. وإعادة الاختراع تمرّ حتماً باستبعاد تلخيص الموضوع، وتجنّب البحث عمّا سماه الكاتب الفلسطيني حسن خضر «كبش المحرقة». فعبّاس و«حماس» وأوسلو والمقاومة وسواهم، ومَن قبلهم ومَن بعدهم…، كلّهم أسهموا فيما وصلنا إليه، لكنْ ما من طرف وحيد فعل هذا كلّه. تحميل طرف بعينه هو عودة، من طريق التفافيّة، إلى منطق الحرب الأهليّة.

السلطة سيّئة؟ نعم، لكنْ ماذا عن «حماس»؟ «حماس» سيّئة؟ نعم، لكن ماذا عن السلطة؟ الطرفان سيّئان؟ إذن ما البديل؟ مقاومة؟ بأي مجتمع واقتصاد ومعنويّات وإرادة؟

يقول البعض: «الأمّة في مواجهة الصفقة». لكنْ أين «الأمّة»؟ في إدلب؟

الشرق الأوسط

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق