منوعات

“مورغن مورغن يا عمّ الحاج”… كيف تغيّرت ملامح الصباح ما بين سوريا وألمانيا؟/ نور فليحان

رنين المنبّه، نداء الوالدة، صوت الأبواب تفتح وتغلق، عبارات الصباح يرافقها تذمر من ضرورة الاستيقاظ، أو من بقاء أحدهم لفترة طويلة في الحمام، رائحة القهوة، مشاكسة حبيبين لم يكفهما الليل، طمع طفل بالعودة إلى سرير والديه، إما ابتغاء المزيد من الحنان أو ببساطة هرباً من المدرسة!

هذه المشاهد وغيرها من شأنها أن تخبرنا بأن يوماً جديداً قد بدأ… ولهذه البداية خصوصيتها، حيث تتفاوت طقوس الصباح ما بين طعام أو شراب مفضّل، أو ربما الصمت، أو ممارسة الرياضة وغيرها من العادات التي تشكل روتين الصباح لكل منا. وحيث أن الغربة تعمل عمل المجهر في إظهار الأشياء على درجة عالية من الوضوح، أي أنها تكشف الأشياء أو ربما تعرّيها، فيصير السؤال:

هل تتشابه بداية الصباح علينا ما بين بلدين، ما بين سوريا وألمانيا؟ وما الذي يحدث لتفاصيل الصباح حين نصير في بلد جديد؟

“رواق” الصباح في سوريا، و”عملية” الصباح في ألمانيا

“حارة هادئة، نسمة باردة، راحة بال، صوت الستيتيّات والعائلة”، هكذا تصف هلا الروماني مشهد الصباح في مدينة دمشق، حين أطلب منها أن تعود بذاكرتها إليه.

هلا هي مترجمة سورية تعيش في برلين، وعن صباحها في البلد الجديد، تقول لرصيف22: “متى ما استيقظت يبدو لي أن العالم قد بدأ يومه بالفعل”. ترى هلا أن صباح برلين يتسم بالعملية بدلاً من أن يكون فترة لتصفية الذهن.

أما ميسون المصري، فتتذكر نافذة كبيرة في غرفة نومها ليكون صباح دمشق بالنسبة لها: “سما صافيّة، وشمس عم تلمع!”. توضّح ميسون في حديثها لرصيف22، كيف أن الصباح في سوريا كان فيه شيء من المرونة، وتضيف: “مع فيروزيات الصباح، وصوت إذاعة دمشق كنت أحضر الفطور لزوجي وأولادي، وفي أيام أخرى أشرب فنجان قهوتي مع إحدى جاراتي التي تبعد مسافة حارتين عن بيتي، وأحرص على تخصيص صباح أقضيه مع والديّ”.

وفي لحظة ما، يبدو أن ملامح الصباح تتجاوز جدران المنزل لتشكّل حالة عامة يعيشها الشارع، الحارة والمارة في آن واحد، حيث توضّح ميسون: “شراء حاجياتي في الصباح كان متعة. أسير مع رائحة الفلافل، الفول والفطائر. وصوت فيروز يأتيني من المحلات، سيارات التاكسي والميكرو الأبيض”. تبحث ميسون اليوم في برلين، ومن نافذة غرفتها، عن سماء بصفاء السماء في دمشق، ولا تجد. تصف الصباح بأنه “سريع، ومعجوق”ـ وتفتقد فنجان القهوة وصوت فيروز تماماً كافتقادها لشمس دمشق.

أما “س.ب” الذي كان يعيش في مدينة الزبداني قبل سفره إلى ألمانيا، فيصف الصباح فيها قائلاً: “صباح الزبداني مميّز في كل الفصول”، يضيف مبتسماً بنبرة محمّلة بسؤال حول إن كان يمكن للبرد أن يكون دافئاً: “صيف الزبداني لطيف، وشتاؤها دافئ!”.

يتذكر من صباحه فيها “الصوبيا” وفنجان القهوة. وعن الصباح في ألمانيا يوضّح: “المكان هو المهم. في الزبداني، كان سقف غرفتي ولوحة على الحائط هو أول ما أرى فور استيقاظي، أما في برلين، فسقف الغرفة لا يعنيني! انتقلت ما بين بيوت عدة ولا أعرف كم سيطول بقائي في بيتي الحالي. لا يتشابه الإحساس حين لا ننتمي إلى المكان!”.

ماذا جنيتُ من وصالِكِ يا ألمانيا؟

اليوم الأوّل في مخيم للاجئين في ألمانيا… كان أشبه بالعقوبة العسكرية

كأسُ الغربة الهنيء… عن بار “الحمراء” في برلين

هل للصباح لغة كذلك؟

لي صديق يحييني قائلاً: “مورغن مورغن يا عم الحاج”، وأنا أحب كيف يحتال على اللغة ويشاكسها. ويبدو أننا لسبب ما نعيد تشكيل الكلمات والعبارات لتكون الطريقة التي نخاطب فيها الآخرين في الصباح مرتبطة بطبيعة العلاقة، العاطفة والمزاج. وبهذا، فإن قائمة الكلمات المستخدمة في الصباح تتسم بالتوالد وتتنوّع ما بين “صباحو”، “يسعدلي صباحك”، “صباح الخير يا ست الكل”، “يا صباح الورد”، “صباح الخيرات والليرات” وغيرها بالطبع، كما لو أن للصباح قاموسه الخاص.

فهل تسافر هذه العبارات معنا؟ أو تبقى؟ أو تتغيّر؟

“شو بدنا نطبخ اليوم؟”، بحسب “س.ب”، فإن تلك العبارة تعني أن الصباح قد بدأ، حيث كانت من العبارات التي تسمع في صباحاته مع أسرته في الزبداني. واليوم في برلين، فإن العبارة التي يبدأ بها صباحه هي: “غوتن مورغن” التي يقولها لسائق الباص.

من جهتها تبيّن هلا أن أكثر العبارات التي استخدمتها في دمشق هي “صباح الفل والياسمين”، أما اليوم ونظراً لكونها تعيش بمفردها، فإن عبارات الصباح صارت أقل بالطبع، حيث توضح: “أعود لقول نفس العبارة فقط حين أتحدث إلى أمي صباحاً”. أما ميسون التي اعتادت أن تبدأ نهارها بقولها: “أصبحنا وأصبح الملك لله”، تشرح كيف أنها أحبت دوماً تقليد أطفالها لها في قولهم بعض العبارات الصباحية مثل “صباحك عسل يا عسل، وصباح النور عالبنّور”، تضيف، أن أكثر ما تقوله في فترة الصباح في برلين هو عبارات تذكر فيها زوجها وأولادها بما لديهم من مواعيد وأمور لابد من إنجازها.

حين لا نتمكن من العودة إلى ما نحنّ إليه، نلوذ بما يشبهه

أتعلّم من غربتي أن الكثير من التصرفات التي أقوم بها تنطلق من دافع الحنين إلى تفاصيل لم يعد من المتاح أو من السهل العودة إليها. وربما كانت تلك حيلة تقرّب ما بين مكانين شتت بينهما القلب، فهل ينطبق ذلك على صباحاتنا كذلك؟

ميسون التي عبّرت عن فقدانها للكثير من تفاصيل الصباح في دمشق، تقول إنها تحاول تعويض ذلك مع الزملاء في صف اللغة الألمانية، وفي عطلة نهاية الأسبوع، وتضيف: “نشرب القهوة معاً، ثم أحضر فطوراً مميزاً لأسرتي ويرافقني بالطبع صوت فيروز. ولا أنسى الاتصال الأسبوعي مع والدي في تركيا، حيث نتذكر معاً صباحات دمشق”.

أما هلا التي اعتادت صوت الكنار والعصافير في دمشق تقول: “أفتح شباكي اليوم لأسمع صوت العصافير، وأتصل بأمي لنتناول الفطور معاً، وأحرص على فنجان قهوة وعشرين دقيقة من الهدوء والتفكير باللاشيء!”

أما “س.ب” الذي ذهب في وصفه إلى القول بأن صوت فيروز في الصباح في سوريا كان جزءاً من مشهد متكامل، وكان دائم الحضور، يسمعه كما يسمع صوت الوالدة وأحاديث أفراد الأسرة. يحاول اليوم الاستماع إلى فيروز إلا أنه يوضح: “لا يفلح الأمر دوماً، فالمشاعر مختلفة”.

ربما كان من الممكن أن تكون هذه التفاصيل عابرة، أو ألا تكون موضعاً للسؤال، إلا أنّ التغييرات الكبرى في الحياة لابد وأن تخلخل توازن الأشياء، فيصير من الممكن للتفاصيل الثانوية أن تسيطر على المشهد، وأن يصير بالتالي فنجان القهوة مقياساً للفقد والدفء والحنين.

رصيف 22

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق