مقالات

والشِّعر إذا أَبكى.. شهادة أكرم قطريب

عماد فؤاد

نافذة نصف شهرية سؤالها بسيط لكن إجابته معقّدة: ما هي القصيدة التي تُبكيك، ولماذا؟

من هنا جاءت فكرة هذه الزّاوية: هل لا يزال الشِّعرُ – في زماننا هذا – يُبكي أحدا؟

تكاثرتْ كتبه وتراكمتْ قصائده جيلاً بعد جيل، لكن ما الأثر الباقي منها في النّاس؟

في كلّ حلقة سنلتقي ضيفاً ليشاركنا إجابته على السّؤالين أعلاه، والمؤكّد أنّنا سنقف في هذه الرّدود على ما آن له أن يُكتب، كما أنّها فرصة أخرى لاكتشاف الشِّعر وما عتم منه، أو قل: مداخل مغايرة لقراءة ما يُبكي ضيوفنا من الشِّعر، هذا.. إذا أَبكى.

هنا شهادة الشاعر السوري المقيم في الولايات المتحدة الأميركيّة أكرم قطريب:

أكرم قطريب: الكلمات التي تتحوّل جمراً مطموراً تحت رماد

إذا اعتبرنا النّضج قيمة ثقافيّة، تحديداً لأنّ الجدال ما زال قائماً، وهو بمثابة نقاش فكري بحت حول الذّوق الأدبي العام، والذي غالباً ما يركّز على ذلك السّؤال الشّخصي والعاطفي للقراءة، فأعتقد أنّ لتاريخ الدّموع مكانة بارزة في الرّواية، وكانت لا تزال شكلاً جديداً وذات شعبيّة كبيرة، تحديداً المليئة بمشاعر الشّفقة والمعاناة .

في القرن التّاسع عشر، تطوّر معنى الدّموع، إذ سعى بعض الكتّاب إلى إثارة مشاعر غامرة أكثر من أي وقت مضى: روايات العصر الفيكتوري، والمشاهد التي تحفّز البكاء، والتي عادة ما تتضمّن حادثة وفاة طفل، ومن ثمّ محاولة لإلهام الإصلاح الاجتماعي والسياسي. روايات الإثارة والغموض والزّواج والأسرار والجنون والميلودراميّات.

فيما بعد حاولت الكتابة الحديثة دفع القارىء نحو منطقة أبعد من التّعاطف إلى مناطق شعور جديدة أكثر برودة. من هنا أتت مقولة هنري غرين بـ”أنّ النّثر يجب في النّهاية أن يزيل الدّموع من الحجر”.

وعطفاً على السّؤال الأساسي حول البكاء أثناء قراءة قصيدة، إنّه خلاصة جدال أعمق كنّا نواجهه منذ قرون حول أهمّية الكتب والشِّعر بالنِّسبة لنا، والحديث عمّا يجعلنا نبكي هو أيضاً وسيلة للحديث عن أنفسنا.

الشّعر هو ذلك الخيط الذي يربط الحياة بأقدار الآخرين، يحدث شيء ما خارق في القصيدة، إذ تنشغل الكلمات فيما بينها وتتشابك، لتصنع مصيراً ما. تشرح القصيدة دائماً العالم بطريقة مختلفة، وبقراءتها تظهر أمكنة جديدة تمسّنا وتمسّ عزلتنا. هنا الشِّعر يُضحكك ويُبكيك ويجعلك تصمت، يتحدّى الوضع الرّاهن، كما أنّه يذكّركَ بشكل دائم أنّكَ تُقيم على حافّة المجرّة.

***

هنا في نيوجرسي، مساء الأربعاء 30 تشرين الأول/أكتوبر 2019

قرأتُ خبر رحيل الشّاعر أمجد ناصر بالصّدفة، تصورتُ في البداية الأمر مجرد مزحة ثقيلة. على مبعدة من البيت حانة صغيرة، شربتُ نبيذاً ثمّ قرأتُ قصيدته “عدوٌّ شخصيّ” هناك، مع أن الحاضرين لم يفهموا كلمة واحدة من القصيدة. لم أستطع مقاومة البكاء عند الشّطر الذي يقول: “أيّها الشّيء القاتم الذي أخذ أمّي وحبيبتي الأولى…”، وسأرى بعض العيون تلتمع في العتمة الخفيفة، أقتطف منها:

“أيّها الشّيءُ القاتمُ الذي أخذ أمّي

والأنفاس التي رفعت عليها مداميك حياتي إلى الجانب الآخر من التراب

ما أنت؟

ما مشكلتك معي

أهذه الريشة السوداء على صفحات كتابي المفضل إشارتك المعهودة.

لا تخيفني رسائلك الغادرة ولكن لا تتركها في ليل لا أستطيع فيه تلمس موضع يدي وراء سدوله.

إن كنت رجلاً اخرج إليَّ من مكمنك حيث تُغذّي مخالبك البنفسجية بسُكَّرٍ مسروقٍ من مؤونة الضيوف..

تعال نلتقي وجهاً لوجهٍ على أيِّ حافّةٍ، أو في أيِّ جبَّانة تريد

لسوف ألقّنك مواثيق الرّجال كما لقّنتنيها الصّحراء والغدران الجافَّة”.

***

“على وجهكَ علامات براءتي”، من ديوان منذر مصري “مزهريّة على هيئة قبضة يد”. ومن قصيدة لماهر شرف الدّين: “حصاة كبيرة في كليتي اليسرى، فجّروها بالليزر مساء البارحة، حصاة سببها مياه الحسكة الكلسيّة، التي شربتها في طفولتي. يا أمّي، لقد فجّروا لي، آخر ذكرى، أحملها من مكان طفولتي”. إلى سنّية صالح: “أسقطُ كما تسقط رؤوس الأزهار”. ومحمد الماغوط: “أيّها الفراش البارد والمظلم كالزّقاق، آه كم أتمنّى لو أشجّكَ بفأس”، إلى قصائد مروان علي عن “كرصور”، وفخري رطروط وفراس سليمان الوحيدان في البراري وفي الليل كعزلة أعمدة التّلغراف.. إلى مقاطع وأسماء كثيرة لا يمكن حصرها هنا.

***

يريد كلّ الشُّعراء أن يفعلوا شيئاً، وكثير منهم متعطّش إلى قصيدة تُخبرنا أن العالم مكان رائع وقابل للعيش، ومن خلال اللغة يُعمّق الشِّعر انتصار الرّوح الإنسانيّة، وأحياناً كثيرة يُطلب منه أن يفعل ما هو فوق طاقته، لا سيّما خلال الأزمات السياسيّة. الكتابة عن القمع والطّغيان والمنازل البعيدة، كما أنّه لا يمكن أن نقلّل من قدرة تأثيره، فقيمة وأهمّية القصائد تتحدّد من السّياق الذي تُقرأ فيه، وأيضاً طبيعة الجمهور الذي يقرأها. يسمح لنا الشِّعر إعادة وصف حياتنا، حتى أنّ طريقة تدريسه هنا اختلفت الآن بعض الشّيء، وتغيّرت من التّركيز على “الفهم” إلى “التّمتّع”. وما بقي لنا مع مرور الوقت سيساعدنا على تحديد أمكنتنا في الحياة اليوميّة، وجاذبيّته الخاصّة آتية من فكرة الكلمات القليلة التي تتحوّل إلى جمر مطمور تحت الرّماد.

نحن إذن بحاجة إلى الشِّعر واكتشاف ما يدور حوله من حروب وديكتاتوريّات وانهيار اقتصادي وبيئي، ومحاولة العيش داخل الأزمات العامة العظيمة الأكثر إلحاحاً الآن. الشِّعر أساسي في ثقافتنا، وهو مهمّ لأنّه يجعلنا نفكّر، ونحلم، ونحبّ حتى ولو في النّفق المظلم.

عدوٌ شخصي

أمجد ناصر

ليس لي أعداء شخصيّون

لدي أصدقاء أسوأ من الأعداء

ولكنهم ليسوا أعدائي الشخصيين.

هناك نجمٌ لا يزفُّ لي خبراً جيداً،

وليلٌ مسكون بنوايا لا أعرفها.

أمرُّ بشارعٍ مريبٍ وأرى عيناً تلمعُ

وأيدٍ تتحسّس معدناً بارداً،

لكن هؤلاء ليسوا أعداء شخصيين،

فكيف لجبلٍ

أو دربٍ مهجورٍ أن يناصباني العداء،

أو يتسللا إلى بيت العائلة فيما تعلن جلبةُ الأخوةُ ولادة نهارٍ بلا مساومات.

أيها الشيءُ القاتمُ الذي أخذ أمي

والأنفاس التي رفعت عليها مداميك حياتي إلى الجانب الآخر من التراب

ما أنت؟

ما مشكلتك معي

أهذه الريشة السوداء على صفحات كتابي المفضل إشارتك المعهودة.

لا تخيفني رسائلك الغادرة ولكن لا تتركها في ليل لا أستطيع فيه تلمس موضع يدي وراء سدوله.

إن كنت رجلاً اخرج إليَّ من مكمنك حيث تُغذّي مخالبك البنفسجية بسُكَّرٍ مسروقٍ من مؤونة الضيوف..

تعال نلتقي وجهاً لوجهٍ على أيِّ حافّةٍ، أو في أيِّ جبَّانة تريد

لسوف ألقنك مواثيق الرجال كما لقنتنيها الصحراء والغدران الجافَّة

أرني وجهك قبل أن تنتضي قناعك الذي تسمّيه عقاباً إلهياً

فأنا لي آلهةٌ غضوبة أيضاً لكني لن أدعوها إلى نزال الوجوه السافرة

إن كان لك دينٌ عندي

أو مشكلةٌ شخصية كأن أكون خطفت هيلين من بين أحضانك

ومرّغتُ شرفك في الوحل

مع إني لا أذكر شيئاً كهذا

لا تستدّ دَينك من الذين يمرون بهذه الدنيا

كما تمرُّ أنفاسُ الرعاة في قصب الناي..

يسمّونك السرطان

وباسمٍ مخيفٍ كهذا لا تحتاج سيفاً أو قناعَ نمرٍ.

أمي وأصدقائي الذين غدرت بهم يسمّونني يحيى

وهذا إن كنت لا تعلم اسم نبيٍّ صحراويٍّ عمَّد بالماء مَنْ يُشفي الأعمى والأبرص وقام من تحت تراب الموت في اليوم الثالث.

تعال إذن إلى حلبة الآلهة المطوَّقة بالملاحم والأنساب.

 ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق