سياسة

الخلاف التركي ــ الروسي: أبعد من إدلب؟ – مقالات مختارة – 2 – محدث بشكل يومي والتحديثات في نهاية الملف

=======================

التحديثات في نهاية الملف

إلى أي مدى تركيا مستعدة بالفعل للانخراط في إدلب مستقبلاً؟/ مايكل يونغ

جوزيف ضاهر | أستاذ في جامعة لوزان، سويسرا، وأيضاً أستاذ مشارك بدوام جزئي في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا، إيطاليا، حيث يعمل على مشروع زمن الحرب ومرحلة ما بعد النزاع في سورية

أرسلت تركيا تعزيزات عسكرية إلى محافظة إدلب وحذّرت القوات المسلحة السورية بأن “كل الخيارات مطروحة على الطاولة”، محاولةً إيقاف تقدّمها وإرغامها على الانسحاب. لكن تركيا تواجه وضعاً صعباً، إذ تريد الحؤول دون حدوث تدفّق جديد للاجئين من إدلب إلى أراضيها.

سيحقق الجيش التركي على الأرجح تفوّقاً عسكرياً واضحاً في أي مواجهة واسعة النطاق مع الجيش السوري، لكن أنقرة لاتريد تأجيج التوترات أو وضع علاقتها مع روسيا على المحك. فموسكو هي الطرف الوحيد القادر على تقويض الخطوات العدائية السورية المحتملة ضد المصالح التركية في أي وقت. كذلك، تريد تركيا الحفاظ على علاقتها الوثيقة مع روسيا بسبب العزلة الدولية العميقة التي تعاني منها، ولاسيما عزلتها عن قوى الغرب والشرق الأوسط، بسبب مغامرتها في ليبيا وتنافسها على مستوى الطاقة حول الموارد الهيدروكربونية في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط.

يُضاف إلى ذلك أن الرئيسين التركي والروسي دشّنا في وقت سابق من هذا العام أنبوب الغاز “توركستريم”، الذي سينقل الغاز الطبيعي الروسي إلى جنوب أوروبا عبر تركيا. إذن، همّ أنقرة الأول هو الحفاظ على علاقتها مع موسكو.

استعادت قوات النظام السوري، المدعومة روسياً، السيطرة على مدينة سراقب التي ترتدي أهمية استراتيجية، لأنها تشكّل نقطة التقاء بين الطريقين الدوليين المعروفين بـM5 وM4 اللذين يربطان حلب بكلٍّ من العاصمة دمشق واللاذقية. السيناريو الذي سيفضي إليه ذلك على الأغلب هو التوصّل إلى نوع من هدنة يتم التفاوض بشأنها بين تركيا وروسيا. ثم ستنتظر قوات النظام أسابيع عدّة، لا بل أشهراً، قبل شنّ هجوم جديد في إدلب، يتم مجدّداً بدعم روسي.

نظراً إلى تراجع النفوذ التركي بعد أن استعاد النظام سيطرته على مناطق جديدة في إدلب، تعكس الدعوات التركية إلى إبرام اتفاق سوتشي جديد مع روسيا وإيران، إلى حدٍّ ما، الخيارات المحدودة المُتاحة أمام أنقرة في سورية.

بيسان الشيخ | كاتبة وصحافية ومستشارة إعلامية مقيمة في اسطنبول، ومراسلة سابقة في صحيفة “الحياة

“لا اتفاق مع الجانب الروسي حول إدلب”، هذا ما قاله وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو لمن كانوا يأملون ببعض النتائج الملموسة من اللقاء الروسي- التركي الذي استغرق ثلاث ساعات، وكان يفترض أن يُحيي المسار السياسي المتعثّر. ولكن لِمَ قد يتوقع أحد وقف العمل العسكري الذي يقوده النظام السوري عند هذا الحد ومنع قضم المزيد من الأراضي في إدلب، إذا كان الرئيس رجب طيب أردوغان نفسه أمهل قوات النظام السوري حتى نهاية شباط/فبراير الجاري للانسحاب إلى ما قبل حدود خفض التصعيد؟

صحيحٌ أن أردوغان توعّد القوات السورية بأن “يتكفّل الجيش التركي بإجبارها على الانسحاب”، وأن “القوات (التركية) الجوية والبرية ستتحرك في كل مناطق عملياتنا في إدلب وسوف تقوم بعمليات عسكرية اذا ما اقتضت الحاجة”. لكن عملياً لم يحدث شيء من هذا. لا بل مُنعت الفصائل السورية المدعومة تركياً من القتال أو تقديم أي مؤازرة للقرى والبلدات التي حاولت مقاومة تقدّم الجيش إليها. ولسخرية القدر أن ذلك تزامن مع إعلان أنقرة إرسال المقاتلين السوريين إلى ليبيا، ما يعزّز فرضية تخلّي تركيا عن دور “الضامن” في سورية لصالح دور “الغازي” في ليبيا.

فمحافظة إدلب، التي كانت ذات يوم ورقة تفاوض قوية في يد أنقرة، استنفدت صلاحيتها، وأصبحت اليوم عبئاً هائلاً على من تقع إدارتها من نصيبه، ولا مصلحة لتركيا بها إلا في نطاق شريط حدودي تُبقي فيه المهجّرين داخلياً البالغ عددهم 1.7 مليون شخص، وربما تعيد استخدامهم في معارك تفاوضية لاحقة.

أسعد العشي | المدير التنفيذي لمؤسسة “بيتنا سوريا” المعنية بدعم المجتمع المدني

من الصعب معرفة إلى أي درجة قد تكون تركيا مستعدّة للانخراط في إدلب. فقد أقدمت خلال الشهر الفائت على نشر أكثر من 5 آلاف جندي في المحافظة. مع ذلك، كان ردّها على مقتل جنودها في قصف مدفعي شنّته قوّات النظام خجولاً. لم تتوقف المفاوضات مع روسيا إلا أنها فشلت حتى الآن في تحقيق وقف دائم لأعمال العنف. وبالتالي، تجد تركيا نفسها أمام معضلة: فهي تريد أن تتفادى، مهما كلّف الأمر، وقوع كارثة إنسانية على حدودها الجنوبية الغربية، لكنها في الوقت نفسه لاترغب في تدمير علاقتها مع روسيا.

من الصعب للغاية تخيّل ما يمكن أن تكون تركيا مستعدّة للقيام به في إدلب من دون دعم واضح من حلف شمال الأطلسي (الناتو). فمصالحها الإستراتيجية تصبّ في أماكن أخرى، ولاسيما في شمال شرق سورية، حيث تسعى إلى منع أي تقدّم لوحدات حماية الشعب، وهي فرع من حزب العمال الكردستاني، العدو اللدود لتركيا وأخطر تهديد لأمنها الوطني. لكن، في حال قرر حلف الناتو مواجهة الهجوم السوري والروسي في إدلب، ستكون تركيا على استعداد لإنشاء “منطقة آمنة” هناك لحماية المدنيين وتجنّب إمكانية حدوث موجة لجوء إلى جنوب تركيا.

خضر خضّور | باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. تتركّز أبحاثه على الشؤون السورية

باتت إدلب جبهة مركزية في الحرب السورية. فهي تضمّ مجموعات متطرّفة تعتقد أنها تخوض حرباً مقدسة، فضلاً عن المتمردين الذين تركّز أجنداتهم المحلية على حماية أراضيهم ومجتمعاتهم. من جهة أخرى، تبقى المنطقة بالنسبة إلى مجموعات الإغاثة الدولية والسكان المحليين، المعقل الأخير غير الخاضع إلى سيطرة نظام الأسد.

في الوقت نفسه، تعتبر تركيا إدلب منطقة حدودية نوعاً ما. فبعد المحاولات العسكرية الهادفة إلى إطاحة الرئيس السوري بشار الأسد، وجب على أنقرة تغيير مسار عملها بعد التدخّل العسكري الروسي في العام 2015. وعقب إدراكها واقع الوجود الروسي الحالي على الحدود التركية مع سورية، عدّلت أنقرة النهج الذي تعتمده وبات يركّز في الدرجة الأولى على حماية الحدود.

والآن سيقوم الجيش السوري، بدعم روسي وقبول تركي، بربط المناطق الحضرية الواقعة شمالي غرب سورية – أي معرة النعمان، وسراقب، ومدينة إدلب، وجسر الشغور – بالمناطق الساحلية والجنوب السوري. وبذلك، يكون حديث تركيا عن إنشاء “منطقة آمنة” على طول 30 كيلومتراً داخل سورية قد بات واقعاً. لكن بدلاً من أن تكون منطقة آمنة، ستكون هذه في الواقع بالنسبة إلى تركيا امتداداً للمنطقة الحدودية.

مركز كارينغي للشرق الأوسط

————————-

أردوغان فوق المئذنة/ عمر قدور

يصعب أخذ إنذار أردوغان بانسحاب قوات الأسد المُدارة روسياً إلى ما بعد نقاط المراقبة التركية بحلول نهاية الشهر على محمل الجد، فالانسحاب من المساحات الواسعة التي قضمتها تلك القوات على مراحل لا يعني إلحاق هزيمة بقوات الأسد، بل إلحاق الهزيمة والعار بموسكو وببوتين شخصياً. وكما نعلم فإن لجم بوتين في سوريا من قبل أنقرة يتطلب تغيير قواعد اللعبة أمريكياً، حتى إذا لم يصل الوضع إلى مواجهة مباشرة، إذ تحتاج أنقرة دعماً والتزاماً مضمونين سواء من واشنطن أو من حلف الناتو.

انضم زعيم الحزب القومي التركي دولت بهجلي إلى مزاد التحذير، بل مضى به أبعد عندما طالب بذهاب القوات التركية إلى دمشق لاقتلاع بشار. موسكو أبدت استياءها من تصريحات بهجلي، لأنها فهمت الرسالة التي تنص على تمتع أردوغان بدعم حزبين يشكلان الأغلبية البرلمانية، بينما تحاشت الرد مباشرة على تهديدات أردوغان. لكنها من طرف آخر هدّأت من وتيرة الهجوم على إدلب، وانصب جهدها للسيطرة على مناطق في محيط مدينة حلب بهدف تأمين الطريق الدولي حلب-دمشق الذي سيطرت عليه بالكامل أثناء العمليات الأخيرة.

في الرد على أردوغان، صوّرت موسكو عمليتها الأخيرة كإجراء تقني، فهي بموجب ما أعلنته كانت فقط تنفذ ما فشلت أنقرة بتنفيذه بموجب التزاماتها بمسار أستانة. كانت أنقرة في عام 2018 قد قبلت بإنشاء منطقة منزوعة السلاح وبفتح طريق دمشق-حلب، فضلاً عن تعهدها الغامض بفصل التنظيمات “الإرهابية” عن فصائل المعارضة. وإذا سايرنا المزاعم الروسية، نجد أنقرة قد التزمت إلى حد كبير بترحيل مقاتلي الفصائل التي تسيطر عليها من المنطقة منزوعة السلاح، ما سهّل على قوات الأسد بإشراف روسي اقتحام مناطق واسعة من ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي في حملة عسكرية سابقة. حتى في الحملة الشرسة الأخيرة على ريف إدلب ومحيط حلب، لم تبادر موسكو قبل انطلاقها إلى توجيه إنذار بمغادرة المناطق المشمولة بالتفاهم المذكور، ولم تعلن حتى الآن أن هدفها النهائي يتوقف عند السيطرة على الطريق المذكور.

التفسير الروسي لتفاهمات أستانة لا يندرج إلا شكلاً في المماحكات التركية-الروسية، غايته الأهم إيهام الغرب بأن ما حدث عملية عسكرية محدودة ومنضبطة، ولا تستدعي تخوفات غربية من ملايين اللاجئين الجدد كما ينذر بهم الخطاب التركي. إن رقم 700 ألف مهجّر جديد لا أهمية له هنا، ولا أهمية لتوقيت العملية الذي يقتل المزيد منهم بسبب الظروف المناخية القاسية، فالرسالة هي أن الوضع تحت الضبط، ويستطيعون الذهاب إلى مناطق سيطرة تركيا الأخرى، خاصة شرق الفرات حيث تحاذر موسكو إلى أجل غير معلوم فتح جبهة هناك بسبب الوجود العسكري الأمريكي في الجوار.

الغرب أيضاً بمجمله لم يظهر اهتماماً لائقاً بالمأساة الإنسانية الفظيعة للهاربين من جحيم القصف الروسي والأسدي، والقليل جداً من اهتمام الإعلام بهم كان ملحقاً بمتابعة مستجدات الخلاف بين أنقرة وموسكو ليس إلا. هذه بمثابة إشارة إيجابية لا يصعب على بوتين التقاطها، فلو كان هناك إعداد لتحرك سياسي وعسكري غربي لواكبه اهتمام إعلامي أوسع من بوابة الاهتمام بالمأساة الإنسانية، والتحذير المعلن أو المضمر من انتقال أولئك النازحين في ما بعد إلى الغرب. المزاج الغربي عموماً ليس في وارد فكرة الحرب، ولا حتى استرجاع مناخات الحرب الباردة، ما لم تغيّر واشنطن في سياساتها المرتبكة والملتبسة في الشرق الأوسط، وتكون هذه السياسات ذات أفق استراتيجي لا يخضع لتقلبات مزاج ترامب.

لا يخشى بوتين مواجهة مع الغرب مستبعدة جداً، ما يخشاه هو دعم لوجستي غربي قد لا يكون علنياً لأنقرة يزيد من قدرتها ويحدّ من قدرة موسكو الميدانية. إذا وجد هذا الدعم فسيعرقل أهداف بوتين في قضم ما تبقى من إدلب في المرحلة المقبلة، وسيكون بمثابة ترسيم متفق عليه غربياً لتقاسم مناطق النفوذ، أي أن أهداف موسكو البعيدة ستتلقى ضربة قاصمة. هذا المستوى من المساندة الغربية لأنقرة يعفي أوروبا من مواجهة لا تريدها، ويريح ترامب الذي يسعى الكونغرس إلى مصادرة قرار الحرب منه، فوق أنه بعد التخلص من إجراءات عزله صار في أفضل حالاته للمنافسة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، مع ما تتطلبه معركة الرئاسة من عدم التورط في مواجهات غير ملحة.

إعلان موسكو أنها تتصرف بموجب تفاهمات أستانة وسوتشي موجه أيضاً للغرب، من أجل الإيحاء بالتزامها بمسار وافق عليه الأخير وإن بقي على مسافة منه. موسكو لا تريد إعلان دفن تلك التفاهمات، رغم قيام آلتها العسكرية بذلك ميدانياً، بينما تسعى أنقرة إلى إعلان الدفن دولياً، بحيث يتحمل الغرب مسؤولياته. الحق أن أردوغان، وفق مَثَل معروف، لم يصعد مئذنة تهديداته الأخيرة فحسب، بل صعد قبل ذلك مئذنة مسار أستانة، وهو اليوم يريد النزول منها بعدما لم يعد قادراً على استيعاب المزيد من الخسائر.

الدرج الذي يريد أردوغان النزول عليه هو ترسيم الحدود وفق ما آلت إليه، وضمن تفاهم دولي على اعتبار مناطق النفوذ التركي بمثابة منطقة آمنة للاجئين القدامى والجدد. مثل هذا التفاهم يكرس اعترافاً دولياً بالوجود التركي، هو بأمس الحاجة إليه لمحو آثار الهزيمة والإهانة اللتين تلقاهما من موسكو، وهو أيضاً انتصار لفكرة المنطقة الآمنة التي لم يتجاوب معه الغرب فيها من قبل. مهلة نهاية الشهر التي وضعها أقرب لأن تكون مهلة للغرب كي يحسم أموره على هذا الصعيد من كونها مهلة عسكرية، من دون استبعاد لجوئه مع انقضائها بلا نتيجة إلى تصعيد عسكري محدود رأس حربته الفصائل المدعومة بالعتاد والتغطية النارية التركيين.

لقد وضع إنذار أردوغان توقيتاً فاصلاً، وربما علينا الانتباه جيداً إلى ما سيحدث حتى وحين انقضائه. ليس الوقت وحده هو الفاصل، وإنما طبيعة الصراع، فإما الهزيمة التركية التي ستلاحق أنقرة في ما تبقى من مناطق نفوذها، أو تحجيم طموحات بوتين إلى الحد الذي وصلت إليه فعلياً. إذا لم يحدث شيء جديد مع حلول ذلك التوقيت، أو عاد أردوغان عن تهديداته، فهذا يرجّح بقوة الاحتمال الأول.

المدن

——————-

فرصة لا تفوت/ ميشيل كيلو

أغلق الغزو الروسي باب السلام في سورية، وفتح الباب لاجتثاث الشعب السوري، بقتل الآلاف منه، وطرد الناجين من القتل إلى خارج وطنهم، وهم بالملايين.

هذا هو جذر المعضلة التي تعيشها سورية منذ سبتمبر/ أيلول عام 2015، ونقلت معادلة التنافي بين الأسدية والشعب إلى طور نوعي لم يسبق لها أن بلغته في أي دولةٍ وتاريخٍ قرأنا عنه أو سمعنا به. إنها معادلة “نحن أو هم” التي تترجم إلى حتمية انتفاء الشعب، ما دمنا نحن في الكرسي، وما دامت عودته إلى الحقل السياسي تعني نهايتنا. لذلك، وقع الغزو لإيقاف المعادلة من جديد على رأسها، حيث يعني إنقاذ الأسدية هلاك الشعب، كما حدث بالفعل منذ انطلقت أول طائرة روسية لقصف الآمنين في مناطق تخلو من غيرهم، لتبقى الأسدية، ويزول السوريون ووطنهم.

لا يتوهم أحد أن شراكته مع الروس في أستانة أو سوتشي ستغير هذه المعادلة. ومن أراد براهين فلينظر إلى ما حلّ بالشعب السوري على يد جيش روسيا الذي كنسه كنسا بقنابله وصواريخه إلى خارج وطنه، وأغرقه في البحر أو تركه في العراء، بينما أرسلت مخابرات وشبيحة الأسدية من بقي منه في منازلهم إلى التجويع والاغتيال والموت تحت التعذيب.

مارست روسيا في الأشهر الأخيرة سياسة تقول لمن لم يفهم بعد: شراكتنا معكم تعني استسلامكم للمعادلة الأسدية ولشروطنا، فإن حدتم عنهما كلفنا “ذيل الكلب” بتلقينكم درسا مذلا، تحت إشراف وحماية من لن يهدر وقته ليلقنكم إياه: سيدكم في الكرملين.

هل يذهب الرد التركي نحو تفكيك معادلة “نحن أو هم”، بقرار يعلم روسيا بصورة حاسمة ونهائية أننا لن نكون بعد معكم، لأن ذلك يعني أننا لسنا ضدهم حقا بل معهم، وضد الشعب الذي كنستم ملايينه بالقوة إلى داخل تركيا، أو إلى مقربة من حدودها، وتعتدون على كرامتها الوطنية بقولكم إن ضحاياكم لا يُقصفون، ويذهبون طوعيا إلى المناطق الأسدية؟

مهما يكن من أمر، ما وصلت إليه العلاقات التركية الروسية هو فرصةٌ لا تعوّض لتصحيح المعادلة الروسية في سورية، بل ولانتزاع سورية من موسكو، بقرارٍ ينهي التأرجح بينها وبين حلف شمال الأطلسي، ليضع الرئيس الروسي، بوتين، أمام العودة إلى نقطة الصفر، وخسارة كل ما كسبه في الأعوام الأربعة الماضية، بتعاون تركيا معه في سورية، وباختراق حلف الأطلسي بواسطتها، وإجباره على التراجع عن حماقاته، قبل أن يتلقى ضربة تقصم ظهره استراتيجيا ، بإفشال خططه للانفراد بسورية، ولإضعاف وشق دول “الأطلسي”، من دون أن يقدم أي مقابل استراتيجي للرئيس التركي أردوغان الذي يجد نفسه أمام اعتداء أسدي يطاول كرامة جيشه، بأمر من بوتين، ودعم من طيرانه.

هل تكون الخطوة التركية التالية إعلان العودة من دون شروط إلى حلف الأطلسي، والتفاهم معه على حل في سورية يزيح الأسدية، حبيبة بوتين وأداته، التزاما بتطبيق القرارات الدولية، وبخطة تنفيذية تستخدم ما لدى الحلف من وسائل لإكراه روسيا على قبولها، حاملها الميداني تحالف سياسي/ عسكري مع المعارضة السورية، يخرج تركيا وسورية من معادلات موسكو، ويدخلها في معادلاتهما، ويغلق باب الحل العسكري الروسي الذي سيلزم بوتين برد الأسد إلى حجمه، ويعيد تركيا إلى مكانها خارج سوتشي وأستانة، الساحة التي أسّستها روسيا وإيران كي تتلاعبا بها وتنقذا الأسدية، ويلزمها الكرملين بسياساته وأهدافه، كما حدث في أكثر من مكان ومناسبة، في مناطق خفض التوتر وحلب.

تقف تركيا اليوم أمام خياراتٍ مغايرة لخيارات السنوات الأربع الماضية، وقد حشدت قوة رادعة تكفي لتطبيقها ميدانيا، وتجعلها في غنىً عن حربٍ ليس خوضها ضروريا للانفكاك عن روسيا، فهل ما تقوم به اليوم هو خطوتها الأولى على هذه الطريق التي يأمل السوريون أن تغير وضعها ووضعهم؟!

العربي الجديد

————————–

التجاذب بين موسكو وأنقرة في سوريا/ ماجد كيالي

يؤكد التجاذب التركي ـ الروسي، الحاصل مؤخّرا حول منطقة إدلب، أن لا شيء مستبعدا في الصراع السوري، وضمن ذلك الصراع الدولي والإقليمي على سوريا، لجهة تغيّر تموضع اللاعبين أو تبدّل أدوارهم، أو اختلاف أجنداتهم، والذي قد ينذر في حال تصاعده بتفكيك تحالف أستانة الثلاثي، الذي نشأ مطلع العام 2017، أي قبل ثلاثة أعوام.

وفي الحقيقة فإن التحالف الثلاثي المذكور كان واحدا من أهم غرائب ذلك الصراع وتداخلاته وتداعياته المفاجئة، الذي ضم تركيا، التي تعتبر حليفا أو مساندا للمعارضة السورية، من جهة، وكلا من روسيا وإيران، حليفتي أو شريكتي النظام السوري في مساعيه للحفاظ على السلطة بالقوة، من الجهة الأخرى. ويأتي في هذا الإطار ابتعاد أجندة تركيا عن أجندة الولايات المتحدة، ورعايتها لقوات “قسد”، التابعة لحزب بي.واي.دي (حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي) رغم علمها أن ذلك سيكون على حساب علاقاتها مع تركيا.

عموما فإن التجاذب الروسي ـ التركي وصل حد حشد تركيا قوات كبيرة في الأراضي السورية المحاذية لحدودها، لاسيما في ريفي حلب وإدلب الشماليين، وإسقاط طائرة هيلوكوبتر عسكرية سورية بواسطة مضادات طائرات، الأمر الذي ما كان يمكن توفره سابقا. وطبعا تأتي ضمن ذلك التهديدات غير المسبوقة التي وجهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي توعد بالرد على أي اعتداء على النقاط التركية المتوغلة في البر وفي الجو، في إدلب وفي أماكن أخرى، في رسائل ذات مغزى لأطراف عديدة، وليس فقط للنظام.

ومعلوم أن نقاط المراقبة العسكرية التركية، تم الاتفاق عليها في قمة سوتشي (سبتمبر 2018)، وجرى التأكيد عليها في قمة سوتشي 2 (أكتوبر 2019)، وتلك نقطة قوة الموقف التركي، لاسيما أنها مسندة أيضا، باتفاق أضنة (1998) الذي وافقت فيه الحكومة السورية (في عهد حافظ الأسد) على دخول قوات تركية أراضيها لملاحقة جماعات إرهابية، أو لصد جهات تهدد أمنها.

ثمة عدة ملاحظات هنا، أهمها:

    أولا، أن سوريا باتت منطقة تجاذب وتوجيه رسائل بين روسيا وتركيا، إذ أن قيام القوات السورية بالاشتباك مع القوات التركية، وقتل 14 عسكريا في عمليتين في النصف الأول من هذا الشهر، هو بمثابة قرار روسي، أو رسالة روسية، تتوخى الضغط لتحجيم الوجود التركي في الشمال السوري. وبالمثل فإن تركيا في توجيهها ضربات عسكرية للجيش السوري، وإصدار تصريحات قوية، كانت تبعث برسائل مماثلة للطرف الروسي، وإن بطريقة مداورة، مفادها أنها لن تسمح بتحجيمها.

    ثانيا، فيما تبدو المعركة على منطقة إدلب، وعلى فتح طريقي دمشق حلب، وحلب اللاذقية، الدوليين، فإن الأمر على ما يبدو بات يتجاوز ذلك إلى حد إزاحة تركيا من المنطقة تماما، باعتبار أن تركيا ليست لديها مشكلة مع فتح الطريقين، وإنما المشكلة كانت في توغل قوات النظام خلف القوات التركية. ويعني ذلك أن روسيا تتوخى من ذلك فتح التفاوض مجددا على اتفاقيها السابقين مع تركيا، لاسيما الذي تم توقيعه قبل أشهر قليلة في أكتوبر 2019، والذي وافقت فيه تركيا على فتح الطريقين، مقابل موافقة روسيا على تمكين تركيا من إقامة منطقة آمنة تركية، وهو ما تم فعلا بنتيجة عملية “نبع السلام”، التي نجمت عنها إزاحة القوات الكردية، بين رأس العين وتل أبيض بعمق 30 كم وطول 120 كلم (أكتوبر 2019)، وإقامة تلك المنطقة؛ التي أضيفت إلى منطقتين سابقتين، هما عفرين وريف حلب الشمالي والشمالي الغربي، وكل ذلك بهدف الحؤول دون إيجاد منطقة تواصل إقليمي حيث تتواجد قوات “قسد” الكردية.

    ثالثا، من الصعب فهم التطور في الموقف التركي، وفقا للمعطيات التركية لوحدها، إذ شهدنا أن الولايات المتحدة دخلت على الخط بقوة، عبر وزير خارجيتها مايك بومبيو ووزير دفاعها مارك أسبر (اجتمع الثلاثاء مع وزير الدفاع التركي في بلجيكا على هامش اجتماع لقادة الناتو) ومستشار الأمن القومي روبرت أوبراين، وعبر جيمس جيفري مبعوثها إلى سوريا، الذي أتى إلى تركيا قبل أيام، وجميعهم أكدوا دعمهم، بل ودعم حلف الناتو القوي لتركيا، والمعنى من ذلك أن تركيا ليست وحيدة في مواجهة محاولات روسيا استهدافها، وهذا ما يعزز موقفها سواء في المساومة مع روسيا، أو في محاولتها صد محاولات روسيا تحجيمها.

    رابعا، لا يمكن الاستنتاج من ذلك أن الطرفين الروسي أو التركي سيذهبان بعيدا إلى حد الاشتباك أو فكفكة المصالح المشتركة بينهما، إذ أن حالة التجاذب الراهنة يتوخى كل واحد منهما ومن خلالها، تقليل مكاسب الطرف الآخر. هذه هي اللعبة حتى الآن، إلا إذا توافرت ظروف مختلفة، وأهمها تغير عملي وقوي في موقف الولايات المتحدة إزاء الصراع السوري، بمعنى أن الطرفين لوحدهما سيفضلان الذهاب إلى تسوية، وهذا هو الأرجح.

    خامسا، في الغضون لا يمكن استبعاد أن الخلاف الروسي ـ التركي ربما يكون بداية خلاف أكبر وأبعد من سوريا، وهو ما شهدنا بعض ملامحه في اختلاف الأجندة الروسية ـ التركية في ليبيا.

في كل الأحوال، فإن تركيا خسرت كثيرا جراء ذهابها بعيدا في علاقاتها مع روسيا، على حساب علاقاتها مع الولايات المتحدة، وهي خسارة دفع ثمنها أيضا الشعب السوري، الذي وجد نفسه تحت رحمة القصف الجوي الروسي طوال سنوات ثلاث، حاولت خلالها روسيا فرض ذاتها كصاحب القرار السيادي في سوريا، إزاء كل الأطراف الأخرى، طبعا ما عدا الولايات المتحدة.

الآن، هل نحن إزاء حقبة جديدة في الصراع السوري؟ أو هل أن تلك الحقبة ستؤذن بغروب الصراع العسكري في سوريا، والحث على فرض حلول جديدة؟ أم العكس؟

كاتب سياسي فلسطيني

العرب

————————–

—————————-

كارثة إدلب.. هل سنشهد حربا شاملة بين تركيا وروسيا في سوريا؟/ محمد السعيد

يُعرف دولت بهجلي، رئيس حزب الحركة الوطنية التركي البالغ من العمر 72 عاما، بخطبه الرنانة وكلماته الحماسية ونزعته القومية المتعصبة في كثير من الأحيان، لكن الكلمات التي صرّح بها منذ أيام قليلة، 11 فبراير/شباط الحالي، أمام أعضاء المجموعة البرلمانية لحزبه كانت غريبة و”متطرفة” حتى بمعايير بهجلي نفسه، إذ دعا الزعيم القومي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صراحة إلى “غزو دمشق وتدمير إدلب وحرق سوريا” حد تعبيره انتقاما من النظام السوري إثر مقتل 13 جنديا تركيا في إدلب خلال الأسبوع السابق.

لم يكتفِ بهجلي بذلك فحسب، ولكنه ذهب لأبعد من ذلك مُحمِّلا روسيا مسؤولية دماء الجنود الأتراك الذين قُتلوا في سوريا لأنها “تُهيئ المناخ لجرائم النظام السوري” حد قوله، وداعيا الحكومة التركية لإعادة النظر في علاقاتها مع موسكو التي “تحاول السيطرة على سوريا وعلى تركيا أيضا”، كما قال، عبر الاتفاقات الدبلوماسية في أستانا وسوتشي وجنيف والتي لم تجنِ منها تركيا فوائد تُذكر، بحسب رأي السياسي التركي المخضرم.

لم تكن تصريحات بهجلي عبثية كليا فيما يبدو رغم ما تحمله من مبالغة واندفاع واضحين، فبالنظر إلى كون بهجلي هو الحليف الأهم لأردوغان على الساحة السياسية في الوقت الراهن، ومع اعتبار كونه أحد المُعبِّرين الصادقين عن النزعة القومية التي تصبغ السياسة التركية، فإن تصريحاته المتشددة كانت تعبيرا واضحا عن استياء تركي(1) عابر للأطياف السياسية تجاه حملة النظام السوري المدعومة من قِبل روسيا على محافظة إدلب، آخر معاقل المعارضة السورية الواقعة قرب الحدود مع تركيا، استياء بدا واضحا أيضا في تصريحات وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” خلال مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس في اليوم نفسه، قبل يوم واحد من اجتماع وزراء دفاع حلف الناتو في بروكسل، حيث أكّد أكار أن أنقرة تتوقع من أوروبا والناتو اتخاذ “خطوات ملموسة ضد هجمات النظام السوري على القوات التركية في إدلب”.

في اليوم التالي لهذه التصريحات، دخل الرئيس أردوغان نفسه على خط التصعيد مُهدِّدا أن أنقرة “ستضرب قوات النظام السوري في أي مكان” إذا واصلت دمشق اعتداءاتها على الجنود الأتراك، وذلك أعقاب مكالمة هاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يبدو أنها فشلت في احتواء الخلاف المتفاقم بين الجانبين، وفي الوقت نفسه -وفي رسالة واضحة إلى موسكو على ما يبدو- وصل المبعوث الأميركي للشؤون السورية “جيمس جيفري” إلى أنقرة لإجراء مباحثات مع المسؤولين الأتراك، وفي مغازلة أميركية واضحة لتركيا ولعب مكشوف على وتر الخلاف المتصاعد بين أنقرة وموسكو قام جيفري بتقديم التعازي للشعب التركي في وفاة الجنود الأتراك الذين وصفهم نصا بـ “الشهداء”، قبل أن يؤكد دعم واشنطن الكامل للمصالح التركية في إدلب.

بدأت هذه الموجة من التوتر المتصاعد منذ أقل من شهر، في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، حين قامت قوات النظام السوري بالاستيلاء على بلدة “معرة النعمان” بمحافظة إدلب، ما سمح لها بتعزيز تقدُّمها على الطريق السريع (M5) باتجاه مدينة سراقب الإستراتيجية التي تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة، وفي الثالث من فبراير/شباط الحالي، أقدم نظام الأسد على أكثر خطواته استفزازا مستهدفا موقعا للمراقبة تتمركز فيه القوات التركية مما أدّى إلى مقتل ثمانية من العسكريين والمدنيين الأتراك، وهو ما دفع أردوغان للتهديد(2) بالتدخل بالقوة لطرد قوات النظام ما لم تقم بالانسحاب إلى ما قبل الخطوط التي حدّدتها مراكز المراقبة التركية بحلول نهاية فبراير/شباط أيضا.

لكن النظام السوري المدعوم بضوء أخضر روسي لم يُبالِ بتهديدات أنقرة، وفي السادس من الشهر سقطت سراقب في أيدي القوات الحكومية السورية، لتضمن بذلك خط إمداد متصلا على طول طريق (M5) يمتد من دمشق إلى حلب الواقعة تحت سيطرة النظام أيضا، ومنذ ذلك الحين عزّز الجيش التركي تحركاته منشئا ممرات آمنة لحماية المعارضين في إدلب عبر إنشاء(3) “حزام أمني محصن” بموازاة طريق (M5)، ومُعزِّزا تحصيناته العسكرية في نقاط تفتناز يوم 6 فبراير/شباط، وإدلب في اليوم التالي 7 فبراير/شباط، ثم المسطومة في 8 فبراير/شباط، لكن قوات النظام السوري ردّت على التحركات التركية بالقوة المميتة مجددا بعدها بيومين فقط في العاشر من الشهر مستهدفة الموقع التركي الجديد في قاعدة تفتناز الجوية (ثمانية أميال شمال سراقب) بالمدفعية مما أدّى إلى مقتل 5 جنود أتراك آخرين على الأقل.

ردا على ذلك، شنّ الجيش التركي جولة جديدة من الضربات الانتقامية قالت أنقرة إنها استهدفت خلالها 115 موقعا سوريا و”حيّدت” مئة من الجنود السوريين وثلاث دبابات وطائرة هليكوبتر ونظامين للمدفعية، ما تسبّب في رفع درجة حرارة الصراع لمستوى غير مسبوق مع احتمالات لحدوث مواجهات مباشرة بين القوات التركية وقوات النظام السوري، وربما روسيا أيضا. ورغم كل ذلك تظل هناك الكثير من الأسئلة الجوهرية بالغة الأهمية حول تطورات الصراع في إدلب بلا إجابة واضحة حتى الآن، وتشمل هذه الأسئلة المدى الذي تبدو أنقرة مستعدة للذهاب إليه لدعم المعارضة المسلحة في إدلب، وما إذا كانت أنقرة على استعداد للدفع بقواتها البرية لخوض صراع مفتوح مع النظام السوري، ومدى قدرة الدعم التركي -أيًّا كان شكله وحجمه- على ردع تقدُّم قوات النظام، والأهم من ذلك مستقبل التفاهمات طويلة الأجل بين أنقرة وموسكو في سوريا وخارجها، وإذا ما كانت إدلب سوف تكتب شهادة وفاة تحالف المصالح بين تركيا وروسيا، أم أن الطرفين سيتجاوزان خلافاتهما حول إدلب ليُنشئا اتفاقات جديدة تسمح لهذا التحالف في الاستمرار لفترة أطول في نهاية المطاف.

معضلة إدلب

تقع إدلب في الجزء الشمالي الغربي من سوريا بالقرب من البحر الأبيض المتوسط على الحدود مع تركيا مباشرة، وتُقدِّر الأمم المتحدة أن المدينة اليوم هي موطن لأكثر من 4 ملايين شخص بينهم مليون طفل، ويُعَدُّ قرابة نصف سكان المدينة من النازحين من مناطق أخرى كانت تسيطر عليها المعارضة المسلحة في وقت سابق، لكنهم اضطروا للمغادرة مع سيطرة قوات النظام السوري بالقوة الوحشية على مدنهم ومناطقهم السابقة.

على المستوى العسكري تكتسب إدلب(4) أهمية متزايدة بوصفها آخر معاقل المعارضة التي تحاول الإطاحة بنظام الأسد، بجانب معاقلها الأخيرة في أجزاء محدودة بشمال حماة وغرب حلب، وتقع إدلب على ملتقى الطرق السريعة الممتدة من حلب نحو حماة وصولا لدمشق وحتى اللاذقية على البحر المتوسط، ما يعني أن المدينة تقع على مفترق طرق بين المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وأن استيلاء النظام عليها يعني الهزيمة النهائية للمعارضة المناهضة للأسد، والنهاية الفعلية للحرب في سوريا.

ميدانيا، خضعت(5) إدلب منذ وقوعها في يد المعارضة لسيطرة عدد من الفصائل المعارضة المتنافسة، منها فصائل إسلامية جهادية وأخرى متمردة قومية، لكن منذ يناير/كانون الثاني العام الماضي 2019، سيطرت جماعة “هيئة تحرير الشام” الجهادية على معظم المحافظة وقامت بطرد الكثير من المقاتلين من الفصائل الأخرى من إدلب إلى عفرين وأجبرت أولئك الباقين على قبول سيطرتها على المدينة، وتشير التقديرات إلى أن إدلب تضم اليوم قرابة 50 ألف مقاتل سوري نصفهم على الأقل من الموالين لهيئة تحرير الشام، إضافة إلى آلاف المقاتلين التابعين للحزب التركستاني الإسلامي (الذي يضم المقاتلين الإيغور الصينيين) وجماعة حراس الدين التي يُعتقد أنها تُمثِّل الفرع الجديد لتنظيم القاعدة في سوريا.

قبل الاستيلاء على إدلب من قِبل هيئة تحرير الشام، كانت معظم الجماعات غير الجهادية في المدينة تقاتل تحت لواء الجبهة الوطنية للتحرير التي رعت تركيا تأسيسها في مايو/أيار 2018 ودعمتها سياسيا وعسكريا، وهو ما أهّل أنقرة للدخول في مفاوضات مكثفة مع داعمي الأسد في موسكو وطهران حول مستقبل المحافظة في سبتمبر/أيلول للعام المذكور نفسه في سوتشي، حيث اتفق كلٌّ من الأتراك والروس على إنشاء منطقة منزوعة السلاح بعرض 20 كيلومترا حول المحافظة مع تسيير دوريات مشتركة بين الجانبين في هذه المنطقة، وذلك بعد شهر واحد من تعهّد نظام الأسد بالتحرك نحو إدلب واستعادتها من أيدي المعارضة المدعومة من تركيا.

حقّق الاتفاق(6) مع روسيا هدف تركيا بشكل مؤقت في ذلك التوقيت والمُتمثِّل في منع هجوم شامل جديد للنظام على إدلب، وسمح الاتفاق لأنقرة أيضا بزيادة نقاط المراقبة الخاصة بها في المحافظة من 12 إلى 18 نقطة مراقبة كجزء من مهام الأمن المشتركة التي تولّتها تركيا بالشراكة مع روسيا، ورغم ذلك فإن هذا الاتفاق لم يخلُ من تكاليف ليست باليسيرة على الأتراك الذين التزموا بطرد المعارضين السوريين من المنطقة المنزوعة السلاح حول إدلب كجزء من الصفقة، فضلا عن التزام أنقرة أمام موسكو بتحجيم “الجماعات الجهادية” العاملة في المحافظة وعلى رأسها هيئة تحرير الشام والحزب الإسلامي التركستاني.

لكن جهود أنقرة نجحت بالكاد(7) في احتواء “الجماعات الجهادية” التي كانت تشعر بالفعل بشكوك كبيرة تجاه نيّات تركيا منذ تأسيس الجبهة الوطنية لتحرير سوريا، وهي جبهة أتى تأسيسها كمحاولة من تركيا لمنع استئثار “الجهاديين” بالقرارات في صفوف المعارضة المسلحة. ونتيجة لذلك، وتزامنا مع استيلاء هيئة تحرير الشام على إدلب مطلع العام الماضي 2019، فإن نظام الأسد وموسكو وجدا ذريعة جيدة للالتفاف على تفاهمات سوتشي وبدء مناوشات جديدة على حدود إدلب مُعلِّلين ذلك بقيام هيئة تحرير الشام بشنّ هجمات على منشآت روسية وحكومية في المنطقة.

نتيجة لذلك شنّت موسكو ودمشق نهاية أبريل/نيسان من العام الماضي هجمات محدودة(8) على شمال حماة وجنوب إدلب تسبّبت في نزوح أكثر من ربع مليون سوري إلى الحدود مع تركيا هربا منها، وأتت تلك الهجمات في محاولة لزيادة الضغوط على أنقرة والتمهيد لإفشال اتفاق سوتشي، وعلى مدار الأشهر التسعة التالية تسبّبت الهجمات المتواصلة للجيش النظامي السوري المدعومة من قِبل الطائرات المقاتلة الروسية في خسائر بشرية ومادية كبيرة في محيط إدلب، حيث دمرت الغارات الجوية وهجمات المدفعية النظامية المستشفيات والمخابز والمدارس وغيرها من هياكل البنية التحتية الحيوية في إدلب وفي القرى والبلدات المجاورة، مثل قلعة المضيق وكفر نبودة وخان شيخون ومعرة النعمان، في محاولة صريحة لإثارة ذعر المدنيين ودفعهم للنزوح شمالا، ووفقا للمفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة فقد قُتِل ما لا يقل عن 1500 مدني خلال هذه الضربات، وهُجِّر مئات الآلاف ودُمِّر ما لا يقل عن 53 منشأة طبية.

ورغم هذه التكلفة المدنية الهائلة فإن النظام لم يُحقِّق سوى تقدُّم عسكري محدود، ولم ينجح إلا في استعادة الحلقة الخارجية المحيطة بمحافظة إدلب التي تُشكِّل 25% من الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة، ويبدو أن النظام وموسكو كانا يدركان أن محاولة الاستيلاء الكامل على المحافظة ستخاطر بإغضاب أنقرة وجرّها للصراع بشكل عسكري فعلي، وهو خيار لم تكن موسكو تُفضِّله في ذلك التوقيت، لذا ركّزت الإستراتيجية التي صمّمتها روسيا على استخدام ضربات محدودة ومؤثرة في الآن نفسه لإجبار فصائل المعارضة الروسية على الخروج من مواقع إستراتيجية على طول الطرق الرئيسة المحيطة بإدلب تمهيدا لتطويق المدينة الكبرى والاستيلاء عليها في النهاية.

إلا أن إستراتيجية روسيا والنظام السوري شهدت تحوُّلا نحو مزيد من التصعيد مطلع العام الحالي بفعل تطورين مهمين؛ أولهما(9) استياء موسكو من الصفقة الضمنية التي أبرمتها أنقرة مع واشنطن لإقامة منطقة آمنة في شمال شرق سوريا، وهي الصفقة التي مهّدت لعملية “نبع السلام” التركية نهاية العام الماضي، وأظهرت موسكو هذا الاستياء علانية في شكل إدانة رسمية باعتبار العملية “انتهاكا لسيادة سوريا الإقليمية” كما وصفتها. أما التطور الثاني فتمثَّل في دخول تركيا للصراع في ليبيا دعما لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا في مواجهة قوات الجنرال خليفة حفتر المدعوم رأسا من موسكو.

ورغم أن تركيا وروسيا قرّرتا العمل معا لتهدئة الجبهة الليبية من خلال رعاية اتفاق لوقف التصعيد أُجبر حفتر على عدم الالتزام به في نهاية المطاف من قِبل قائدي ميليشياته وداعميه الإقليميين كما يُرجّح، رغم ذلك فإن موسكو أعطت فيما يبدو بالتزامن الضوء الأخضر للنظام السوري لتسخين جبهة “إدلب” في محاولة لتحقيق مكاسب سريعة على حساب أنقرة المشغولة بصراعها الليبي الجديد، وعنت هذه التطورات مجتمعة الوفاة الإكلينيكية لاتفاقات أستانا وسوتشي، ونهاية حقبة طويلة نسبيا من التفاهمات الروسية التركية حول سوريا، وبدء مرحلة جديدة من الصراع بين الغريمين.

إستراتيجية حافة الهاوية

من الواضح إذن أنه على الرغم من أن الحرب الأهلية في سوريا أجبرت تركيا وروسيا على العمل معا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وبرغم وصف قادة البلدين -والأتراك على وجه الخصوص- للعلاقة بينهما بأنها “علاقة إستراتيجية”، فإن حقيقة العلاقات التركية الروسية ظلّت أبعد ما تكون عن ذلك الوصف، حيث لم يتمكّن كلا البلدين من تجاوز حقيقة أنهما يمتلكان أهدافا مختلفا في العديد من المسارح، لذا كلما اقتربت الحرب السورية من نهايتها تقلّص حجم الإطار المتفق عليه بين الطرفين وزادت مساحة المصالح المتباينة وبرزت الخلافات على السطح بسبب رغبة كل طرف في فرض أكبر قدر من النفوذ لضمان مصالحه في سوريا ما بعد الحرب.

بالنسبة إلى أنقرة وموسكو فإن المشكلة الرئيسة تكمن في أن كلتيهما تريد الشريحة نفسها(10) من الكعكة وهي شمال سوريا، وهو ما يضع الطرفين في مواجهة بعضهما بعضا مرة تلو الأخرى مهما حاولا تفادي المواجهة. فمن ناحية، تُواصِل موسكو تقديم الدعم لنظام الأسد الحليف في دمشق من أجل استعادة كامل السيطرة على الأراضي السورية وحسم الحرب بشكل نهائي، وهو ما يضعها في مواجهة مصالح تركيا. وعلى النقيض، ورغم أن أنقرة تُدرك أن نظام الأسد قد حسم الحرب بشكل فعلي، فإنها تتمسّك بنفوذها، حيث تأمل أن يعمل الشمال السوري في النهاية كمنطقة عازلة بين تركيا وبين مختلف التهديدات القادمة من سوريا.

بخلاف ذلك، لدى البلدين حزمة أخرى من المصالح المتباينة في مناطق الشمال السوري، ففي حين تُركِّز موسكو بشكل رئيس على احتواء الفصائل “الجهادية” في المنطقة ومنع انتشار “التمرد الجهادي” إلى المحيط الروسي في آسيا الوسطى والقوقاز، وتحاول إنشاء منطقة عازلة لحماية أصولها السياسية والعسكرية في دمشق وعلى البحر المتوسط ولمنع سقوط سوريا تحت نفوذ إيران، أو أيٍّ من القوى الحليفة الإقليمية للولايات المتحدة، فإن لدى أنقرة بدورها مصالح جيوسياسية مباشرة في الشمال السوري يأتي في مقدمتها إنشاء منطقة عازلة على طول حدودها مع سوريا تُوفِّر لها ضمانة ضد أي اعتداءات محتملة، سواء من قِبل النظام في الشمال الغربي، أو من قِبل وحدات الشعب الكردية التي تُصنِّفها أنقرة كـ “منظمة إرهابية” في الشمال الشرقي، حيث يرى الأتراك أن أي نصر يُحقِّقه الأسد في إدلب من شأنه أن يُشجِّع القوات السورية على تحويل انتباهها إلى مناطق النفوذ التركي الأخرى في الشمال الشرقي وخاصة في عفرين وشمال حلب، والعكس بالعكس أيضا.

أما الأمر الأكثر إلحاحا(11) حاليا فهو خوض تركيا لسباق مع الزمن لمنع اندلاع أزمة لاجئين جديدة على حدودها، فمع استضافة إدلب لـ 4.5 مليون سوري نزحوا من أماكن أخرى من البلاد، فإن النظام التركي لا يرغب في إضافة هذا العبء الكبير على رصيده المتضخم بالفعل من اللاجئين السوريين (تُقدِّر الأمم المتحدة أن 700 ألف شخص فرّوا بالفعل باتجاه الحدود التركية منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي)، خاصة في خضم الأزمة الاقتصادية التي تعانيها البلاد ومعضلة تهاوي قيمة العملة، وموجة العداء المتزايد للاجئين التي تجتاح الناخبين الأتراك، والتي عانى الحزب الحاكم من تداعياتها السلبية خلال الانتخابات البلدية الأخيرة التي خسر فيها حزب العدالة والتنمية معظم البلديات الكبرى وفي مقدمتها إسطنبول لصالح خصومه.

نتيجة لذلك، فإن تركيا لديها كل الأسباب لتكثيف دعمها للمعارضين السوريين في إدلب لجعل مهمة نظام الأسد في التقدُّم نحو المحافظة ودفع المزيد من اللاجئين نحو الشمال أكثر صعوبة، وختاما فإن أنقرة ترغب في ربط مستقبل وجودها العسكري في إدلب بالعملية السياسية النهائية في سوريا، ولذلك ترى أن أي تقدُّم للنظام السوري في المحافظة سيُقلِّل من النفوذ التركي على طاولة المفاوضات بشكل كبير، نفوذ ترغب تركيا في توظيفه في المقام الأول لتقليص المكاسب السياسية للأكراد السوريين إلى الحد الأدنى ومنع حصولهم على أي وضع دستوري خاص في سوريا ما بعد الحرب.

في ضوء ذلك، من المُرجَّح أن تركيا ستعتمد إستراتيجية متعددة الوجوه لإبطاء تقدُّم نظام الأسد وكسب المزيد من الوقت قبل نشوب أزمة لاجئين جديدة، وزيادة مخاطر التقدُّم عليه وعلى حليفه الروسي، بينما في الآن نفسه تتفاوض مع موسكو على تسوية جديدة حول الوضع في المحافظة، ويُعَدُّ أول عناصر هذه الإستراتيجية التركية هو توسيع النطاق الجغرافي للتصعيد من خلال دفع قوات المعارضة الموالية لأنقرة لشن هجمات ضد النظام في غرب حلب مستغلة الموقف الضعيف نسبيا لروسيا في شرق الفرات والوجود المتزايد للقوات الأميركية في المنطقة، وهو وجود سيجعل روسيا مترددة في تصعيد وجودها المباشر على هذه الجبهة تحاشيا لاستفزاز ترامب والبنتاغون خلفه، بالتزامن مع سعي أنقرة لاستغلال وجودها في إدلب لتأمين طريق حلب – دمشق الدولي لإعاقة الإمدادات المباشرة لقوات النظام بين حلب ودمشق، حيث تُشير تقارير حديثة إلى نجاح قوات النظام في الاستيلاء على 13 بلدة في ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي واقترابها من الاستيلاء على حلب بشكل كامل.

بطريقة مماثلة فمن المُرجَّح أن أنقرة ستُواصِل تكثيف الدعم للمعارضين على جبهة إدلب (تُشير التقديرات إلى أن هناك 12 ألف جندي في المحافظة بالفعل) بغية تصحيح توازن الردع مع النظام وروسيا على هذه الجبهة، وإرسال رسالة لموسكو مفادها أن تحقيق أي نصر عسكري على حساب مصالح تركيا سيكون باهظ التكلفة، غير أن أنقرة تُدرك أن هذه التكلفة الباهظة ستنال من الطرفين معا، وأن الطريقة الوحيدة لإيقاف تقدُّم نظام الأسد بشكل فعلي هي خوض معركة برية تشمل نشر أعداد كبيرة من القوات التركية في معارك مباشرة على الأرض، وهو خيار لا يبدو أن أنقرة على استعداد لفعله على الأقل في الوقت الراهن، لكنها بالتأكيد ستلجأ له قريبا إن وصلت المباحثات مع الروس لطريق مسدود.

على المستوى الدبلوماسي، من المُرجَّح أن الأتراك سيواصلون ممارسة عادتهم الأثيرة في تبديل بوصلة علاقاتهم بين موسكو والغرب، فمع اتجاه علاقة أنقرة مع موسكو نحو المزيد من التوتر، من المُرجَّح أن الأولى ستتوجّه مرة أخرى إلى البيت الأبيض في محاولة لانتزاع تأييد واضح لسياستها في إدلب، وربما الحصول على تعهُّد أميركي بشنّ هجمات ضد نظام الأسد حال استخدم الأسلحة الكيميائية في الصراع حول المحافظة (كان هجوم النظام بالأسلحة الكيميائية على خان شيخون في إدلب هو ما دفع ترامب والبنتاغون لتوجيه ضربات للنظام السوري عام 2017)، ويمكن لهذا التعهُّد الأميركي إن حدث أن يجعل نظام الأسد وموسكو أكثر تردُّدا في تصعيد هجماتهم على المحافظة، وسيُوفِّر لتركيا نفوذا إضافيا لا يُستهان به في أي اجتماعات محتملة مع رجال الكرملين.

ورغم ذلك، فإن أردوغان يُدرك بوضوح أن مفاتيح التسوية في إدلب تقع في يد بوتين وليس في يد ترامب، لذا يبدو أن رهان تركيا النهائي مع كل هذه الخطوات هو أن روسيا لن تكون راغبة بدورها في ترك الأمور تتدهور لحافة المواجهة المباشرة معها، وأنه في مرحلة ما قبل بلوغ الصراع ذروته سيضطر الطرفان للجلوس معا لاستكشاف خيارات أخرى للحل، وربما إبرام صفقة جديدة تُعيد تعريف حدود المنطقة العازلة وتُثبِّت الوضع الراهن في المحافظة، لكن المشكلة أن هذا الرهان المستند إلى سياسة حافة الهاوية يُوفِّر مجالا هائلا لحدوث المزيد من الأخطاء، وبالتالي استمرار دورة التصعيد.

وحتى إذا نجحت تركيا وروسيا في تقديم مصالحهما المشتركة (المتقلصة باستمرار) والتغلب على الجولة الحالية من التصعيد، فليس هناك ضامن أن الأولويات المتناقضة للبلدين لن تُعيد تجديد الصراع(12) في وقت قريب. فمن ناحية، لا يبدو أن موسكو على استعداد لممارسة ضغوط على الأسد للتراجع عن حلمه باستعادة السيطرة على كامل أراضي سوريا أو أنها ستكف عن تحميل تركيا المسؤولية عن احتواء “الجماعات الجهادية” في إدلب.

اعلان

وفي المقابل، لا يبدو أن أنقرة ستكون مستعدة لتجاوز مخاوفها الجوهرية بشأن سوريا مقابل الحفاظ على تحالفها مع روسيا، ويعني ذلك في النهاية أن مستقبل المقاطعة الشمالية الغربية في سوريا سيبقى الامتحان الأكثر ديمومة وجدية لتحالف المصالح بين روسيا وتركيا، وأن هذا الاختبار سيُعيد فرض نفسه على الساحة مرة تلو المرة حتى لو نجح الطرفان في الالتفاف عليه مؤقتا في الوقت الراهن، وأن استمرار تصادم المصالح في الحدوث في تلك المنطقة من سوريا ربما تخرج نتائجه عن أيدي الجميع في مرة ما من تلك المرات، وربما تكون تلك المرة هي كل ما تحتاج إليه العلاقات الروسية التركية للانهيار، وكل ما يحتاج إليه الشمال السوري ليشهد معركة شاملة بين النظام السوري والجيش التركي وربما بداية نهاية الحرب السورية بشكل كامل، نهاية لا يمكن لأي طرف أن يضمنها، على الإطلاق.

كلمات مفتاحية: تركيا روسيا إدلب مصالح الشمال السوري تهديدات الصراع المنطقة الأمنة

المصادر

    1

    Turkey grows erratic as clashes in Idlib escalate

    2

    Daily Memo: The Battle Over Idlib

    3

    Are Turkey and Syria Close to Starting a War?

    4

    Why Idlib Matters

    5

    Syria war: Why does the battle for Idlib matter?

    6

    A Deal Between Turkey and Russia Won’t Stop the-Crisis-in-Idlib

    7

    The Sochi Agreement And Its Implications

    8

    Erdogan’s Excellent Adventure in Idlib

    9

    How America Can Win Turkey Back from Russia by-Using-Syria

    10

    Cracks Appear in the Turkey-Russia Partnership

    11

    Turkey Digs In Its Heels in Idlib

    12

    The Eleventh Hour for Idlib, Syria’s Last Rebel Bastion

—————————————-

أصوات روسية تنتقد الأسد/ بسام مقداد

على الرغم من أن اليوم الأول من الجولة الحالية للمفاوضات الروسية التركية في موسكو ، كان قد ترافق مع عودة الدوريات الروسية التركية المشتركة في الشمال السوري ، مما دفع بعض المواقع الروسية لتصوير الأمر ، بأنه إشارة إلى الجو الإيجابي ، الذي يسيطر على المفاوضات . إلا أن هذه الجولة انتهت إلى الفشل ،  كما سابقاتها ، ولم يصدر عن المفاوضين بيان مشترك ، بل أصدرت وزارة الخارجية الروسية في ختام المفاوضات بياناً قالت فيه ، بأن روسيا وتركيا أكدتا التزامهما الإتفاقات بشأن سوريا . وكان وزير الخارجية التركي قد استبق فشل المفاوضات ، وأعلن خلال النهار ، أن الرئيسين التركي والروسي قد يلتقيان خلال الأيام القريبة القادمة ، إذا لم تتوصل المفاوضات في موسكو حول إدلب إلى أية نتيجة .

وعلى الرغم من أن موسكو تشارك في هذه المفاوضات كشريك مباشر في المقتلة السورية ، ومتهمة من قبل الطرف الآخر، إلا أنها لا تزال تصر على  أنها وسيط في إدلب بين نظام الأسد وأنقرة . فقد كتب في هذا السياق موقع “Lenta.ru” الإخباري الروسي مقالة بعنوان “معركة بين الطغاة” ، قالت فيها بأن الأسد يريد تنظيف سوريا من الإرهابيين ، لكن تركيا تعرقله ،  فإلى أي جهة تنحاز روسيا؟ وتساءلت صحيفة “NG”، التي تدعي الإستقلالية ، إلى أي مدى سيذهب الأسد وإردوغان في الجولة الجديدة من الصراع ، وتقول بأن الحرب بين “حلفاء” الكرملين ، تضعه أمام امتحان جديد .

أما صحيفة الكرملين “VZ” ، وبمناسبة تطابق انطلاقة جولة المفاوضات الجديدة مع افتتاح مؤتمر “الشرق الأوسط في عصر التغيير : نحو هندسة استقرار جديد” ، الذي ينظمه “نادي فالداي الدولي للحوار” ، فقد نشرت مقالة بعنوان “الشرق الأوسط مستعد أن يعهد بمصالحه لموسكو فقط”. قالت بأنه في اليوم ، الذي بدأت فيه المفاوضات الروسية التركية في موسكو، انعقد أيضاً مؤتمر نادي “فالداي”حول الشرق الأوسط ، فجمعت موسكو السياسيين والبوليتولوجيين من كل العالم العربي. وبينما كان الدبلوماسيون يحاولون نزع التوتر، الذي برز بين موسكو وأنقرة، كان البوليتولوجيون يناقشون التوجه الجديد المتمثل بالطلب المتزايد للمساعدة من روسيا ، التي أصبحت في المنطقة “قوة حفظ السلام الأكثر نجاحاً” . إلى جانب الأسماء الكبيرة العاملة في مراكز أبحاث عالمية معروفة في شؤون الشرق الأوسط ، التي شاركت في المؤتمر ، لم تكن أسماء بعض الممثلين العرب في المؤتمر تشهد على مصداقية “قوة حفظ السلام” هذه وحياديتها، مثل وزير خارجية الجنرال خليفة حفتر في ليبيا، والنائب في البرلمان اللبناني عن التيار الوطني الحر ومستشار الرئيس عون أمل ابو زيد، الذي منحه بوتين وساماً منذ أشهر. كما لم تكن تدعم هذه المصداقية الطروحات ، التي نقلتها الصحيفة عن المشاركين في المؤتمر أو تحدثوا على منصته، إذ اتهموا الغرب بالوقوف وراء كل مشكلات الشرق الأوسط ، بما فيها سوريا ، ونسبوا إلى روسيا دور الوقوف بوجه تخريب الغرب هذا . وجاء الرد صاعقاً من أحد قراء مقالة الصحيفة ، الذي قال “لو تبرز أحد في مدخل مبنى في روسيا، لكنتم اتهمتم الغرب بذلك”.

منذ بداية المشاركة الروسية في المقتلة الروسية ، لم يكن إعلام الكرملين ، خاصة في بداية هذه المشاركة ، يقتصد في توجيه النقد ، والنقد الجارح لقيادة النظام السوري وجيشه ، بل ووصف هذا الجيش في أحيان كثيرة بالعصابات المتناحرة و”الشبيحة”، وألقى اللوم عليه في مقتل الجنرال الروسي فاليري أسابوف العام 2017 . لكن مثل هذه الإنتقادات والتجريح غابت منذ فترة طويلة عن المواقع الروسية ، ولم تعد تظهر سوى نادراً، إما لتقدم العسكريين الروس الكبير في إعادة بناء هذا الجيش ككل، وإما لتقدمهم في بناء وحداتهم “الخاصة” داخل هذا الجيش ، مثل الفيلق الخامس أو “قوات النمر” وميليشياتهم الخاصة أيضاً. لكن مع اندلاع معركة إدلب الأخيرة عادت مثل هذه الإنتقادات لتظهر من جديد ، بل ظهرت اتهامات للقيادة السورية بتقصد قتل العسكريين الأتراك ، لتوريط روسيا في المواجهة مع تركيا، كما جاء في صحيفة الفاشيين الروس”ZAVTR” على لسان الكاتب الفلسطيني الروسي رامي الشاعر ، وعلى لسان صحيفة القوميين الروس “SP”.

الصحيفة الأخيرة كتبت تحت عنوان”نحن سنجيب عن سوريا : قتل الجنود الأتراك كان رسالة إلى الكرملين”  ، وعنوان إضافي : دمشق تعترف لماذا يتقصدون قتل عسكريي إردوغان” . تستند الصحيفة إلى مقالة ظهرت في جريدة “الوطن” السورية حول معركة إدلب ، تُعفي فيها الأسد والكرملين من الإلتزام باتفاقيات سوتشي حول إدلب ، لأنها “لم تعد أولوية” . بل اصبح طرد الأتراك برأي “الوطن” هو الأولوية ، لأن موسكو ودمشق ما عادتا تتسامحان مع النظام التركي ، وبدأتا العملية الواسعة ضد أنقرة ، التي لا تستطيع شيئاً حيال ذلك ، وتحاول الإتفاق مع موسكو ، لكن من المستبعد أن تتمكن من ذلك ، لأن المفاوضات في أنقرة أثبتت أنها مفاوضات فاشلة .

ينقل الكاتب الروسي كلمات الصحيفة السورية بدهشة كبيرة من هذه الثقة بالعجز التركي حيال ما يجري في الشمال السوري،  ومن التحدث باسم موسكو والسعي لنسف المفاوضات مع تركيا ، ويقول بأن المقاطع الأخيرة من مقالة “الوطن” تؤكد أن الأسديين (كما يسمي عسكريي النظام السوري) قد تعمدوا قتل العسكريين الأتراك ، وأن مقتلهم كان رسالة ، بأن الوجود التركي لم يعد مقبولاً . وينقل عن العسكريين الروس نفيهم تنسيق الأسديين معهم “لأول مرة” ، ويستنتج  بأن التكذيب الروسي للرواية التركية بشأن تقديم معلومات للجانب الروسي عن تحرك القوات التركية ، يصبح مناقضاً لحقيقة ما جرى فعلاً، كما ترويه الصحيفة السورية الرسمية ، على قوله.

من جهته ، وفي مقالته في صحيفة الفاشيين الروس “ZAVTRA” ، يتفق رامي الشاعر مع إستنتجات الكاتب الروسي أعلاه ، ويعتبرها كاذبة تأكيدات القيادة العسكرية السورية بأن عملياتها تمت بالتنسيق  مع العسكريين الروس ، لأن مثل هذه التأكيدات تفترض أن الأخيرين كانوا على علم بالضربات ، التي تم توجيهها لمراكز المراقبة التركية، بل وشاركوا فيها كذلك. ويقول بأن العسكريين الأتراك هم برأيه شركاء روسيا في القضاء على النزاع في سوريا وليسوا أعداء لها ، ولذلك أثارت تأكيدات القيادة العسكرية السورية ردة فعل سلبية شديدة  من جانب القيادة التركية .

الشاعر ، الذي يؤمن إيماناً عميقاً، بأن روسيا وترويكا أستانة ككل ليست قوى احتلال ، بل هي قوى تعمل لصالح الشعب السوري ، ووحدة الأراضي السورية وسيادتها ، يتهم القيادة السورية بأنها هي المسؤولة أيضاً ، وليس تركيا وحدها، عن العجز في التمييز بين الإرهابيين ، وبين الفصائل التي تقاتل دمشق بسبب افتراقات سياسية حادة . ويقول بأن الفصائل الأخيرة قد إزداد عددها ، وأصبحت أكثر تصلباً في معارضتها ، وذلك لأن السلطات السورية نفسها كأنها أصبحت “معارضة متصلبة” في الفترة الأخيرة ، ولا تقدم على أية تنازلات في معظم القضايا ، التي ينص عليها قرار مجلس الأمن 2254 .

الصوت الروسي الآخر المنتقد للأسد ، جاء أيضاً على لسان أحد الباحثين الرئيسيين في معهد الإقتصاد العالمي والسياسة الدولية المؤرخ ستانسلاف إيفانوف في صحيفة “NG” ، التي تقول بأنها مستقلة . يقول الرجل بأن الهجوم الأخير لجيش النظام  في شمال سوريا ، جاء تحت ضغط الجناح الراديكالي في محيط الأسد ، وضغط ممولي النظام في طهران . ويلاحظ أن مبررات إردوغان للمطالبة بوقف هجوم قوات الأسد في إدلب فيها بعض من عقلانية ، ويعمد إلى تعداد أسباب الرئيس التركي ويراها منطقية .

يدعو إيفانوف القيادة الروسية إلى عدم التمسك بشرعية سلطة الأسد ، ويذكر هذا بطرد “سوريا الأسد” من جامعة الدول العربية ، ويحتسب عدد السوريين ، الذين يعترفون بسلطة النظام ، وعدد أولئك الذين انتخبوه منهم . ويقول بأن دورة العنف الأخيرة في سوريا ليس لها ما يبررها ، ويعجب لعجز أعضاء محلس الأمن الدولي الدائمين أو “لعدم رغبتهم” في تنفيذ القرار 2254 ، في حين يتضح يوماً بعد آخر ، أن “الوحوش الكاسرة” في المنطقة ، المتمثلين يإيران وتركيا وعدد من الدول العربية يحولون سوريا إلى حقل لحروبهم المستعدين لمواصلتها حتى آخر سوري .

وكان إيفانوف قد سبق له في مقالة في الصحيفة عينها ، قد رفع الصوت ليس في وجه الأسد فحسب ، بل وبوجه بوتين أيضاً، إذ دعاه إلى سحب قواته من سوريا ، مع سائر القوات الأجنبية الأخرى، من أجل وقف المقتلة السورية وإنهاء معاناة السوريين.

———————–

إدلب ومتاهة أنقرة: التوتر بين تركيا وروسيا… إلى أين؟

“أكثر من مليون مهجر ولاجئ يشقون طريقهم نحو الحدود التركية”، هكذا حذر رجب طيب أردوغان بعد مكالمة هاتفية أجراها مع دونالد ترامب السبت الماضي. “للأسف الشديد، لا يمكننا استيعاب مليون لاجئ آخر بعد استيعابنا 3.5 – 4 ملايين لاجئ”، أوضح. وتطرق الرئيس التركي إلى التصعيد في المعركة التي حدثت الأسابيع الأخيرة في شمال سوريا، والتي هاجم فيها الجيش السوري وسلاح الجو الروسي تجمعات المليشيات المسلحة التي تمركزت في محافظة إدلب، وأدت إلى هرب نحو 800 ألف شخص من بيوتهم.

غضب تركيا لم يكن فقط بسبب مهاجمة التجمعات السكانية، أو الخوف من موجة جديدة للاجئين، بل لأن 13 جندياً تركياً قتلوا حين كانوا يتركزون في مواقع مراقبة بهدف الدفاع عما يسمى “منطقة منخفضة التصعيد”. قررت تركيا الرد وبقوة. وفي هجوم تركي على القوات السورية قتل بضع عشرات من المقاتلين الموجودين فيها، وبعد ذلك هدد أردوغان بأنه “إذا قتل أو أصيب أي جندي آخر ستشن تركيا حرباً ضد القوات السورية في كل مكان”. أما روسيا فلن تمر مرور الكرام على التهديد الموجه لقوات الأسد، وقال أردوغان إن موسكو تخرق الاتفاقات التي استهدفت ترسيخ وقف إطلاق النار في إدلب بسماحها للأسد بأن يفعل هناك ما يريد.

هذه هي المرة الأولى منذ عودة الدولتين لتكونا حليفتين وشريكتين في الخطوات السياسية في سوريا، التي توجه فيها تركيا اتهاماً مباشراً لروسيا. هذا خروج عن طورها. الأربعاء الماضي، نشرت المتحدثة بلسان وزارة الخارجية الروسية، ماريا زخاروفا، إعلاناً رسمياً جاء فيه، ضمن أمور أخرى: “الوضع في إدلب متوتر جداً. ونعتقد أن الوضع الخطير كان نتيجة إهمال تركيا في أنها لم تف بالتزاماتها في إطار اتفاق سوتشي”.

حسب اتفاق سوتشي الذي وقع بين الطرفين في أيلول 2018، على تركيا أن تتأكد من نزع سلاح المليشيات المسلحة وطرد مقاتلي المليشيات الإسلامية، التي هي تحت سيطرتها، من محافظة إدلب.

خلال سنة ونصف، ألحت روسيا على تركيا لتنفيذ دورها في الاتفاق دون جدوى. وتركيا لا يمكنها كما يبدو إقناع المليشيات المتطرفة، منها جبهة تحرير الشام (التي كانت تسمى جبهة النصرة) بالتخلي عن سلاحها، وهي تخشى أن تزعجها سيطرة الجيش السوري على إدلب في إقامة منطقة أمنية تطمح بنقل مليون لاجئ على الأقل إليها ممن يعيشون على أراضيها. وإلى جانب ذلك، تعتبر تركيا الحماية التي تمنحها للمليشيات في إدلب رافعة تعطيها مكانة حيوية في الخطوات السياسية. ومن دونها ستتحول تركيا إلى جسم غير مهم في أي حل سيتم التوصل إليه بالنسبة للحرب في سوريا. من هنا، تنبع حاجتها الاستراتيجية لوقف سيطرة قوات الأسد على محافظة إدلب.

في سوريا وفي روسيا، من ناحيتهما، لا تظهر أي نية للتنازل لتركيا. في كانون الثاني وقع اتفاق لوقف إطلاق النار، لكنه تحطم خلال فترة قصيرة عندما بدأت سوريا بالهجوم وأرسلت قوات إلى المنطقة، سيطرت على محورين رئيسيين للحركة هما “ام 5” و “ام6”. إن قطع هذين الطريقين اللذين يربطان بين محافظة إدلب وتركيا حوّل هذه المحافظة إلى محافظة معزولة وأبقى المليشيات دون طرق تموين من تركيا.

معضلة تركيا وروسيا هي إلى أين ستستطيعان شد أطراف التحالف بينهما. أمس، أجرى وفد تركي رفيع المستوى محادثات في موسكو مع جهات روسية رفيعة المستوى، بعد عدم التوصل إلى تسوية في لقاءات ومحادثات سابقة في هذا الشهر. أما روسيا، في الحقيقة، فتخشى من أن يمس استمرار تصعيد العلاقة مع تركيا بـ”عملية الاستانا” التي استهدفت التوصل إلى اتفاق سياسي لإنهاء الحرب، ولكن لتركيا الكثير مما تفقده بسبب هذا الشرخ. حجم التجارة بين تركيا وروسيا يبلغ 25 مليار دولار، وروسيا هي المزود الأساسي للنفط والغاز لتركيا، وقد اشترت من روسيا نظام الصواريخ المضادة للطائرات من نوع “اس 400″، وتنوي أن تشتري منها أيضاً طائرات سوخوي متقدمة، تعوضها عن صفقة طائرات اف 35 الأمريكية التي أبعدتها الولايات المتحدة عنها.

وتذكر تركيا ذلك الضرر الاقتصادي الضخم الذي وقع عليها في أعقاب العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليها روسيا بعد إسقاط الطائرة الروسية في 2015 قرب الحدود التركية – السورية، في الوقت الذي ساعدت فيه نظام الأسد في شمال سوريا. إضافة إلى ذلك، تحتاج تركيا أيضاً إلى دعم روسيا السياسي في مشروع التنقيب عن النفط في البحر المتوسط ضد دعم أمريكا لليونان، التي هي في الوقت نفسه متورطة مع روسيا في الساحة الليبية، والتي تساعد فيها تركيا الحكومة المعترف بها عسكرياً، في حين أن روسيا تؤيد خصمها الجنرال خليفة حفتر.

خيارات قليلة تقف أمام تركيا من أجل النجاة من هذه الفوضى التي أوقعت نفسها فيها. أفضل هذه الخيارات بالنسبة لها هو أن توافق روسيا على إقامة منطقة آمنة في إدلب، تشرف عليها تركيا وروسيا بصورة مشتركة، وانسحاب الجيش السوري إلى مواقعه التي كانت قبل الهجوم الأخير، ثم استئناف العملية السياسية.

ولكن هذا الخيار جرب في السابق ورفضته روسيا وسوريا، اللتان تطمحان إلى استكمال سيطرة الأسد على جميع أجزاء سوريا. الخيار الآخر هو الاعتراف بالوضع الذي نشأ على الأرض، وفي الوقت نفسه أن تمنع بالقوة استمرار تقدم الجيش السوري، ولكنها بذلك تخاطر بمواجهة مباشرة مع الجيش السوري.

الخيار الأسوأ بالنسبة إلى تركيا هو هجوم شامل، يضعها على مسار التصادم المباشر مع موسكو. ومن هذه الخيارات أنه من الصعب العثور على أي خيار يخرج تركيا دون أضرار عسكرية واستراتيجية أو ضرر في مكانتها. في الخلفية تحاول الولايات المتحدة استغلال التوتر بين تركيا وروسيا لتوسيع الشرخ بينهما. وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، والمبعوث الخاص في سوريا جيمس جفري، وقفا إلى جانب تركيا عندما اعتبرا هجوم سوريا مساً بتركيا.

قد لا تكون تركيا سعيدة من بادرة حسن النية الأمريكية، لأنها تضعها في وضع محرج أمام حليفتها روسيا. وهذه هي نفس واشنطن التي تواصل تهديد تركيا بالعقوبات في أعقاب صفقة الصواريخ مع روسيا، وهي أيضاً الدولة العظمى التي تزعج تركيا في السيطرة على المحافظات الكردية في سوريا.

هذه الاعتبارات لا تعني الثلاثة ملايين مواطن في محافظة إدلب السورية، الذين يتعرضون للقصف المتكرر من قبل الجيش السوري والطائرات الروسية. ودون مستشفيات عاملة ومع خدمات مدمرة للبنى التحتية، أمام هؤلاء السكان مسار واحد فقط للنجاة بأنفسهم، وهو الوصول إلى تركيا. ولكن سيكون عليهم، في الطريق، مواجهة القوات التركية التي ستعمل على منع دخول أي لاجئ سوريا يحاول اجتياز الحدود.

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس 18/2/2020

أسئلة النزوح المفتوحة في إدلب/ مصطفى أبو شمس

شارفت مؤن النازحين على الانتهاء دون أن يلوح أي حلّ في الأفق، بينما تتزايد أعدادهم يومياً بحيث لم تعد الاستجابة الشعبية والمنظمات الإنسانية العاملة في إدلب قادرة على تأمين الحد الأدنى من المتطلبات لما يزيد عن تسعمائة ألف مُهجّر جديد، تركوا بيوتهم منذ تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي حتى اليوم، وذلك بحسب فريق منسقو الاستجابة.

يبحث السكان عن مكان آمن، وهو ما دفعهم للتوجه نحو القرى والبلدات والمخيمات على الشريط الحدودي، أملاً بالنجاة رغم قسوة العيش وقلة الخدمات. إلا أن ذلك لم يفلح هذه المرة، خاصة مع القذائف التي طالت مخيمات في سرمدا التي لم تشهد هجمات منذ سنوات. وقد تسببت الخسارات المتتالية للقرى والبلدات بحالة من اليأس والغضب لدى الأهالي، سواء تجاه الفصائل العسكرية المناهضة للنظام، أو تجاه القوى الدولية «الضامنة»، متمثلة بتركيا وتصريحاتها النارية الأخيرة.

تستند المعلومات والتحليلات الواردة في هذا التقرير إلى أحاديث متعددة مع سكان ونازحين في مناطق خارجة عن سيطرة النظام في أرياف إدلب وحلب، في محاولة لطرح التساؤلات والتفكير في إجابات بناء على ما يحدث من وقائع، دون اللجوء إلى آراء وتصريحات المحللين السياسيين والقادة العسكريين، التي أظهرت خلال الفترة الأخيرة تخبطاً وجهلاً كبيراً، وأسهمت في زيادة حالة الإحباط لدى عموم السكان، الذين لم ينسوا في زحمة آلامهم أن يسخروا من كل شيء ومن كل شخص.

ما يحدث على الأرض

تبدأ القصة مساء كل يوم بجردة إخبارية للمواقع والقرى والمدن التي خسرتها أو تكاد تخسرها فصائل المعارضة، والتي يتم تصنيفها حسب المصطلحات الدارجة في أغلب المجموعات التي تتداول الأخبار في أوساط المعارضة إلى «عدو» و«صديق». وقد زادت في الأيام الأخيرة كلمة «عدو» إلى الدرجة التي خسرت فيها الفصائل كامل ريف حلب الجنوبي وأجزاء واسعة من ريف حلب الشمالي الغربي وريف إدلب الجنوبي، لتعلن قوات الأسد وحلفاؤها السيطرة الكاملة على طريق حلب-دمشق الدولي، وتبدأ بتزيين الطرقات بصورة قائدهم المفدى، وتبدأ زيارات مسؤولين في النظام إلى الطريق، الذي بدأت بعض الجهات بإزالة الحواجز فيه تمهيداً لفتحه.

بالمقابل، تُظهر المعارك في ريف حلب الغربي كيف تسير خطة قوات النظام في إتمام السيطرة على طريق حلب -غازي عنتاب، بعد الهجوم من محورين يلتقيان في بلدة عينجارة، أحدهما ينطلق من نبل والزهراء شمالاً والآخر من عاجل وعويجل جنوباً، بحيث تتجنب هذه القوات خوض معارك في بلدات حريتان وحيان وعندان ومحيطها، وتكتفي بالاقتراب من تطويقها ما يدفع المدنيين والمقاتلين إلى الانسحاب منها خشية الوقوع في الحصار. وقد نجحت هذه الخطة مساء أمس الأحد، إذ انسحب المقاتلون من هذه المنطقة الأكثر تحصيناً، والتي كانت تمثل خط الدفاع الأول عن ريف حلب الغربي، وغدا أمر إعلان النظام سيطرته عليها كلّها مسألة وقت ليس إلا.

وكان اللافت في سير المعارك بريف حلب الغربي دخول مقاتلين من وحدات حماية الشعب الكردية المنضوية في قوات سوريا الديمقراطية، والمتواجدين في تل رفعت والقرى المحيطة بها، على خط المعارك عبر مشاركتهم لقوات النظام في الهجوم الذي يتم تداول معلومات تقول إنه سيصل إلى دارة عزة غرباً. ويذهب بعض المتابعين إلى أبعد ذلك، إذ يتحدثون عن احتمال استمرار هذا الهجوم حتى الوصول إلى معبر باب الهوى، أو أطمة، وبذلك يتم فصل إدلب عن عفرين ومناطق شمال وشرق حلب، وذلك لقطع أي احتمالية للنزوح نحو هذه المناطق من جهة، ولمنع مقاتلي الفصائل المدعومة تركياً هناك من الدخول في أي معركة قد تحدث في إدلب.

في ريف إدلب الجنوبي، تحشد قوات النظام بعد سيطرتها على قرية النيرب غرب سراقب، وذلك بهدف مواصلة التقدم غرباً ومحاصرة أريحا وجبل الزاوية. وأمام الانهيار الكبير لفصائل المعارضة فإن الأمر لا يبدو مستبعداً، خاصة أن قوات النظام ثبتت قواعدها في المنطقة ورصدت الطرقات الموصلة إلى أريحا من كافة الاتجاهات.

حاصرت قوات النظام اثنتا عشر نقطة تركية متواجدة في أرياف إدلب وحلب وحماة حتى الآن، فيما ارتفعت أعداد النقاط التركية التي تم إنشاؤها في الآونة الأخيرة إلى سبع وعشرين نقطة. وتشهد إدلب يومياً دخول أرتال من القوات التركية، تشمل آلاف الآليات العسكرية والخبراء والضباط والمقاتلين، بالإضافة إلى حشد أعداد كبيرة من الدبابات والمدافع والعربات المصفحة على الحدود.

لا يبدو الزج بهذه الأعداد من المقاتلين والعتاد أمراً عادياً، خاصة مع التصريحات اليومية للحكومة التركية بقرب المعركة بعد إعطاء مهلة لقوات الأسد بالانسحاب إلى حدود اتفاق سوتشي قبل نهاية الشهر الحالي، وهو الانسحاب الذي سيكون سلماً أو حرباً حسب ما قال الرئيس التركي أردوغان أكثر من مرة. تسعى تركيا على ما يبدو إلى حشد دعم دولي لمعركتها تلك، وتواصل في الوقت نفسه مفاوضات مع الجانب الروسي لتجنبها، وهي المفاوضات التي تبدو متعثرة حتى الآن بحسب ما توحي به التصريحات الروسية وطبول الحرب التركية.

لكن قرع هذه الطبول يبقى صوتاً فقط بحسب النازحين والسكان الذين تواصلنا معهم، الذين يعيش بعضهم في الخيام أو في العراء، ويعيش بعضهم الآخر رعب النزوح إلى الخيام أو العراء، والذين يئسوا من أي عملية تركية في الأراضي السورية، خاصة وأن كل الاستفزازات التي تقوم بها قوات الأسد وحلفاؤها لم تنجح في إطلاق المعركة المرتقبة، بدءاً من استهداف النقاط التركية أو حصارها واستفزاز عناصرها، وصولاً إلى التصريحات اليومية لحكومتي النظام وروسيا، التي تقلل من أهمية الغضب التركي وردة فعله المحتملة.

يتساءل كثيرون عن أسباب تأخر إعلان المعركة بالرغم من دلالاتها على الأرض، لأنه إذا كانت تركيا ستدعم فعلاً معركة ضد النظام، فلماذا تسمح بسيطرة قواته على مناطق استراتيجية؛ ألم يكن من الأفضل صد قوات النظام هناك، بحيث تتجنب الفصائل ومن خلفها تركيا حرباً على مساحة أوسع وفي مناطق أكثر صعوبة؟ خاصة مع انهيار خطوط الدفاع لهذه المناطق، واستنزاف أعداد كبيرة من المقاتلين المناهضين للنظام على جبهاتها.

لا نستطيع معرفة ما يدور في ذهن الحكومة التركية، إلا أن السوريين في أرياف إدلب وحلب وحماة يشعرون بخيبة كبيرة تجاه ما يحدث، فاقدين أي أمل باستعادة ما خسرته الفصائل في الأشهر الأخيرة، وهم ما يجعل النسبة العظمى من النازحين يفقدون الأمل في الرجوع إلى ديارهم. يقول من تحدثنا إليهم أن هذا التأخر في المعركة ترك آثاره السلبية على الواقع العسكري، فمعظم الفصائل المقاتلة انسحبت دون قتال من نقاطها، فإذا لم تكن قدرتهم على صد الهجوم مؤكدة، فإنهم كانوا يستطيعون على الأقل إعاقة هذا الهجوم وجعله أبطأ وأكثر صعوبة. لكن بعضهم لا يرون أن السبب هو الإحباط واليأس، بل يعتقدون أن السبب هو تبعية هذه الفصائل، ومنها فيلق الشام والجبهة الوطنية للتحرير، وارتهانها للقرار التركي، مؤكدين أن أوامر الانسحاب جاءت من القيادة التركية.

أما هيئة تحرير الشام، فتتفق كل الآراء تقريباً أنها لا تقاتل بجدية لأنها تستشعر الخطر على وجودها، ولذلك لا تريد قيادتها استنزاف المقاتلين والعتاد في معركة مع النظام، بحيث يغدو أمر إنهائها سهلاً فيما بعد من قبل القوات التركية والفصائل التابعة لها.

الجولان والجولاني

إلى جانب النقمة على سائر الفصائل المعارضة، ترتفع حدة النقمة في مناطق إدلب على هيئة تحرير الشام وأميرها الجولاني، إذ يعتبر كثيرون أن الهيئة تبيع بعض المناطق أو تتخلى عنها دون قتال، وذلك في محاولة منهم لتفسير السقوط السريع للقرى والبلدات التي تتواجد فيها الهيئة بعد سحب سلاحها الثقيل منها. يقولون إن الهيئة التي أنهت وجود معظم الفصائل العسكرية في المنطقة وسلبت سلاحها لم تكن تريد أصلاً سوى التحكم في هذه المنطقة، فيما يذهب بعض من تحدثنا إليهم بعيداً فيقولون إن هذه الانسحابات التي تنفذها الهيئة رسالة إلى الفصائل المدعومة تركياً، تقول فيها إنها قادرة على تسليم المنطقة لقوات النظام في حال فكرت الفصائل في تهديد وجودها.

لا يتفق الجميع على هذا الرأي، إذ يرى بعض من تحدثنا إليهم أن الهيئة ليست في وارد التخلي عن هذه المناطق بإرادتها لأنها تعرف أن خسارتها يعني بداية نهاية مشروع الهيئة، لكنهم يرون أن الهيئة تناور علّها تحافظ على بقائها في سياق حلّ ما. وعلى أي حال، لا يستطيع كثيرون منع أنفسهم من مقارنة هذا الواقع الذي فرضه الجولاني مع الواقع الذي كان يفرضه النظام بحجة استعادة الجولان من الاحتلال الإسرائيلي، إذ أن الجولاني سيطر على مقدرات مناطق واسعة بالقوة، وذلك بحجة حمايتها من النظام، غير أن مهمة حمايتها هذه لم تكن على سلم أولوياته.

سوتشي بدون حدود

لم تتضح حتى اللحظة بنود الاتفاقيات التركية الروسية بخصوص إدلب، ولا يتعدى ما صدر كونه تحليلات سياسية وتسريبات تحتاج للتأويل والشرح. كذلك ليس ثمة تفسيرات معقولة للخلاف الروسي التركي، وخاصة أن الجانب التركي لم يردّ بشكل مباشر على التصريحات الروسية التي قالت إن ما يحدث في إدلب ليس إلا تطبيقاً لبنود اتفاق سوتشي، وإن روسيا تحاول تنفيذ ما عجزت عنه تركيا. في مقابل هذا الكلام، لا نجد سوى تهديدات تركية، وكلام إنشائي من الرئيس التركي، يتحدث عن ضرورة وقف عمليات النظام الحربية.

يقول معظم من تحدثنا إليهم إنهم يأملون أن تجد التهديدات والتصريحات التركية طريقها إلى التنفيذ، لكنهم لا يعولون عليها كثيراً، ويسألون قبل ذلك: أليس من حق الأهالي معرفة الحدود التي تم الاتفاق عليها؟ وإذا كانت المناطق التي سقطت مؤخراً ضمن الاتفاق أصلاً، فمن يتحمل مسؤولية تهجير سكانها وموت المئات منهم، ومسؤولية الظروف القاسية التي يعيشونها اليوم في المخيمات؟

يحاول بعض الأشخاص، ونحاول معهم، تقديم تصور لما حدث وما يزال يحدث في كل يوم، وأحد الاحتمالات التي تدور في أذهان بعض النازحين والسكان يقول إن تركيا تسعى من خلال الكارثة الإنسانية المتوقعة إلى كسب موافقة حلفائها الغربيين على دعمها في معركة ضد النظام، لكنهم يرون أن هذا قد ينتهي إلى حصر معظم سكان المنطقة في شريط حدودي ضيق ثم إجبارهم على خيار «المصالحة» مع النظام على الطريقة الروسية التي تم تنفيذها في درعا مثلاً. يذهب بعضهم أبعد من ذلك، إذ يقولون إن تركيا موافقة ضمنياً على فصل إدلب عن منطقتي عفرين وريف حلب الشمالي والشرقي، تجنباً لدخول هيئة تحرير الشام إلى هذه المناطق، ما سيعطي ذريعة لروسيا وقوات النظام بالتوجه إلى هذه المنطقة، التي يرى أن تركيا تريد الاحتفاظ بسيطرتها المباشرة عليها، مؤكدين أن السياسة التركية تعاني من حالة تخبط ستجبرها على الانسحاب تماماً في النهاية إذا سقطت إدلب.

نريد حلاً

تتقطع السبل في وجه ما يزيد عن ثلاثة ملايين شخص يعيشون في محافظة إدلب اليوم، جلّهم يبحث عن مخرج للنجاة. ورغم الوقائع التي لا مجال لنكرانها، لا يزال كثيرون على صفحات التواصل الاجتماعي يعتبرون أن كلاماً من النوع الذي يتضمنه هذا التقرير هو كلام يائس وانهزامي لا ينبغي قوله، لكن الرد على هؤلاء حاضرٌ بوضوح في وجوه من يسكنون الخيام أو العراء، وفي مشاهد آلاف السيارات التي ترتصّ على طرقات النزوح، ولا يأمل ركابها سوى الحصول على مأوى من البرد الذي لا يطاق، ومن الموت الذي يلاحقهم.

لا يطلب من تحدثنا إليهم سوى إعلان حقيقة الاتفاقات، وبعدها سيقرر كلّ واحد منهم ما يريده؛ النزوح أو البقاء، الصمود أو الخروج، القتال أو مغادرة فوهة الجحيم.

موقع الجمهورية

————————-

في الخلاف الروسي ـ التركي/ حسين عبد العزيز

يتفق المراقبون للشأن السياسي على أن التوتر بين روسيا وتركيا في إدلب (السورية) ليس مفاجئا، بل متوقع، ليس بسبب رغبة روسيا في بسط سيطرة النظام السوري على كامل الأراضي فحسب، بل بسبب التباين الاستراتيجي بين الدولتين داخل الساحة السورية وخارجها.

حتى الأمس القريب، كان البلدان يقعان في فضاءين استراتيجيين مختلفين، على المستوى الأيديولوجي والسياسي والاقتصادي، غير أن للسياسة أحكامها المتغيرة، فعدو الأمس قد يصبح صديق اليوم. ودفع الواقع السوري المعقد الدولتين إلى البحث عن نقطة التقاء في مشهد سوريالي لا يمكن الاعتماد عليه، فنشأت بينهما علاقةٌ يمكن وصفها بأنها أقل من تحالف استراتيجي وأكثر من تفاهم.

ويعبر التقارب الروسي ـ التركي في سورية عن تقارب أوسع، يبدو البلدان بحاجة إليه كلٌّ لأسبابه، وعلى سبيل المثال، لم يجد مشروع السيل التركي طريقه إلى النجاح بحكم الجغرافيا التركية فحسب، بل بحكم رؤى استراتيجية في العاصمتين لما ستكون عليه العلاقة بينهما مستقبلا.

ومع ذلك، فبين الدولتين خلافات كبيرة على المستوى الاستراتيجي، بشقيه الإقليمي والدولي، ويمكن النظر إلى التعاون/ الصراع في إدلب من خلال بعدين اثنين:

إقليمي، مرتبط بمفاعيل الترتيبات العسكرية في الجغرافيا السورية، وفي هذا البعد ثمّة تفاهمات بين الدولتين، وثمّة خلافات حول السيطرة على بعض المناطق في محافظة إدلب. دولي، أشمل من الجغرافيا السورية، ويمكن تلمس أبعاده في أوكرانيا مع زيارة الرئيس التركي، أردوغان، إليها أخيرا، والتوجه التركي إلى البحر المتوسط والوصول إلى الشاطئ الليبي، وقبلها التلاقي التركي ـ الأميركي في شرق الفرات، وهذا البعد هو الأهم، كونه يحدّد مسار العلاقات بين الجانبين، وتجلياتها الإقليمية.

مشكلة روسيا أنها لم تنظر إلى تركيا من خلال موقعها الاستراتيجي في المنطقة، بقدر ما تنظر إليها من البوابة السورية فقط. ومن هنا، اعتقد الروس أن السماح للأتراك بالبقاء في إدلب والحصول على أراضٍ في ريف حلب الشمالي الغربي كفيل بإبعادهم عن الولايات المتحدة وأوروبا. ولكن صناع القرار في الكرملين لم يدركوا أن موقع تركيا في قلب العالم يضعها على تماسّ مع قارات ثلاث، ما يجعل خياراتها واسعة جدا، بحيث يصعب اختزالها في الشرق وحده، أو الغرب وحده. ومع أن الملف السوري جزءٌ من منظومة أوسع، تحدد طبيعة العلاقات بينهما، إلا أن اختلاف المصالح بدا واضحا، وأن المسألة ليست مجرّد تفاهم مرحلي حيال مناطق معينة يمكن الانقلاب عليها.

من هنا، كانت تصريحات الرئيس التركي في البرلمان شديدة القوة، حين قال “أي كفاح نقوم به اليوم في سورية سنضطر للقيام به لاحقا في تركيا.. وإذا تركنا المبادرة للنظام السوري والأنظمة الداعمة له، فلن ترتاح تركيا.. وإن تركيا مستعدة لدفع الثمن في سورية”. وفي المقابل، بدا حريصا على تمرير الرسائل، فتحدّث، في سابقة من نوعها، عن ضرورة لجم الجماعات الراديكالية، وإجبارها على الالتزام بوقف إطلاق النار، وهذا التصريح يعتبر الأول من نوعه. وقد عاد وأكد هذا الموقف وزير الدفاع، خلوصي أكار، حين أعلن أن تركيا ستتخذ كل التدابير اللازمة لإرغام الأطراف، غير الممتثلة لوقف إطلاق النار في إدلب، على الالتزام به، بما في ذلك الجماعات الراديكالية. وتوحي هذه التصريحات بأن تركيا ملتزمة باتفاق سوتشي، وترغب به، لكنها في المقابل مستعدة للمضي على الصعيد العسكري، إذا لم تلتزم الأطراف الأخرى بذلك.

يبدو أن الروس قد فهموا جدّية الموقف التركي، فبعد المحادثة الهاتفية بين بوتين وأردوغان، أعلن الكرملين أن المطلوب هو تنفيذ اتفاق سوتشي، بمعنى أن روسيا لن تذهب إلى ما هو أبعد من هذا الاتفاق. وقد تم التعبير عن هذا الموقف أيضا بإعلان وزارة الدفاع الروسية مساء الأربعاء أن السيطرة على الطريق السريع دمشق ـ حلب M5 سمح بإنشاء المنطقة الآمنة المنصوص عليها في المذكرة الروسية التركية. والأهم أن بيانا مشتركا غريبا صدر عن رئاستي الأركان الروسية والسورية، أكد أن “عمليات الجيس السوري كانت ردا على استفزازات المسلحين”، ما يعني أن العمليات العسكرية ستتوقف، حالما تنتهي هذه الاستفزازات، ويتم تنفيذ بنود اتفاق سوتشي. وتفيد هذه التصريحات بأن الأمور لن تذهب نحو التصعيد العسكري، وأن ثمة ترتيبات جديدة ستظهر مع اللقاء التركي ـ الروسي المرتقب في موسكو، باتجاه اتفاق سوتشي جديد، يأخذ بالاعتبار المتغيرات على الأرض.

ولكن الخلاف يبقى كبيرا بين الجانبين، فالروس يريدون السيطرة على كامل الطرق الدولي، في حين تقبل تركيا بسيطرة النظام على الطريق الدولي M5، لكنها لن تقبل بالسيطرة على الطريق M4 لأنه يخترق عمق المحافظة، ويصل إلى مدينة إدلب. كما أن الأتراك يفضلون أن تكون السيطرة على الطريق الدولي M5 (سيطرت عليه قوات النظام) تحت إشراف روسي تركي مشترك، وهذا يعني أن هذا الطريق سيكون وفق ذلك هو المنطقة العازلة، أما وفق ما هو قائم الآن، فإن المنطقة العازلة ستكون غرب الطريق بنحو عشرين كيلومترا، وهذا يجعل فصائل المعارضة في إدلب وشمال سراقب من دون عمق استراتيجي.

العربي الجديد

—————————-

بوتين هو الحل… بوتين هو المشكلة؟/ غسان شربل

منذ سنوات تحوَّل «مؤتمر ميونيخ للأمن» فرصةً لقياس منسوب القلق الدولي، إذ تلتقي في منصته، كما في ردهاته، المواقف المتناقضة والنزاعات المفتوحة والمخاوف المعلنة والمضمرة من تصاعد أدوار وانحسار أخرى في ظل قناعة راسخة بغياب آلية جدية وفاعلة لضبط المواجهات والتصدعات.

ولا مبالغة في القول إنَّ الدورة الـ56 للمؤتمر التي اختتمت أعمالها، أمس، هي الأهم منذ انطلاقه في 1963. فقد عكست المداخلات والمناقشات واللقاءات الهامشية حجم القلق المخيّم على كثير من اللاعبين. تكفي الإشارة إلى القناعة أنَّ رائحة شكل من الحرب الباردة الجديدة لم تعد مجرد تكهنات متشائمة. ثم إنَّ الحديث عن «أفول الغرب» أو تراجع دوره لم يعد محصوراً في الغرف المقفلة. ثم إنَّ القارة نفسها التي ينعقد المؤتمر على أرضها بدت أشبه بأسطول قديم يبحر خائفاً بين «الانطوائية» الأميركية و«العدوانية» الروسية ومن دون رد فعل موحد من بحارة الأسطول. هذا من دون أنْ ننسى أنَّ بريطانيا استقالت من الاتحاد الأوروبي وأنَّ المستشارة الألمانية تستعد للتقاعد، تاركة القارة في عهدة سيد الإليزيه الذي لم يتردد في القول إنَّ صبره آخذ في النفاد من البطء الألماني والأوروبي.

أوروبا خائفة على دورها واستقرارها ونموذجها. لم يعد الجناح الأوروبي في حلف الأطلسي واثقاً تماماً بالقدرة على الاحتماء بالمظلة الأميركية في ساعات الشدة. لم يعد الخلاف بين ضفتي الأطلسي خلافاً في الأمزجة الرئاسية، بل تحوَّل إلى تباعد في مفردات قاموس قراءة العالم والمصالح وأعباء التحالف. واضح أنَّ أميركا دونالد ترمب ليست استمراراً لدور حارس النظام الدولي. وعلى رغم تطمينات بومبيو حول قوة الغرب بدا الأوروبيون غير مقتنعين بأنَّ روح الأطلسي لم تتصدع.

كشف مؤتمر ميونيخ أنَّ «مجلس إدارة العالم» مصاب بفيروسات القلق والشكوك وهواجس تحقيق الاختراقات والانقلابات عبر نزاعات تدور غالباً بالواسطة. ويعتقد عدد غير قليل من الأوروبيين أنَّ الزعيم الروسي في طليعة المسؤولين عن تردي الأحوال في نادي الكبار لأسباب كثيرة. فقد اتضح في ضوء التجربة أنَّ فلاديمير بوتين يحمل مشروعاً كبيراً للثأر من الغرب الذي تفوق على الاتحاد السوفياتي ودفعه إلى المتاحف. ثم إنَّه كرَّس في بلاده نموذجاً لديمقراطية الرجل القوي الذي يرث نفسه. يضاف إلى ذلك إقدامه على ضم القرم وزعزعة استقرار أوكرانيا وإحياء أسلوب معاقبة الجواسيس الخونة، وإن حاولوا التحصُّنَ بهذا البلد الأوروبي أو ذاك. وإضافة إلى كل ذلك إصراره على معاقبة الثورات الملونة، واستعراض عضلاته في منطقة كالشرق الأوسط عبر التدخل العسكري في سوريا وبعدها في ليبيا.

يشعر الحكام الأوروبيون أنَّ أسلافهم أخطأوا في قراءة شخصية بوتين الذي أطلَّ على المشهد الروسي والدولي في بداية القرن الحالي. اعتقدوا أنَّ الرجل سينشغل بمنع تفكك الاتحاد الروسي نفسه، ثم سينطلق في مشروع للتحديث مقتفياً خطى الدول الأوروبية. أخطأ هؤلاء في فهم الرجل الغامض القادر على إبداء أقصى مشاعر الود مغلفاً قفازاته بحرير البراعات التي تبدأ بإخفاء النيات بانتظار الفرصة السانحة لتسديد الضربة الموجعة. ولعلَّهم أخطأوا في فهم الروح الروسية العميقة وعلاقتها بالعالم والتي لا تنفصل عن علاقتها بالقيصر وجروح التاريخ.

كان بوتين هو الغائب الحاضر في مؤتمر ميونيخ. وكان كلام إيمانويل ماكرون أكبرَ دليل على حضور ظل بوتين ممثلاً بوزير خارجيته سيرغي لافروف المقيم منذ سنوات طويلة في المبنى الستاليني لوزارة الخارجية الروسية، الذي عاش طويلاً في ظل سلفه أندريه غروميكو. انقضت تلك السنوات التي كان يؤمل فيها أن تكون روسيا بوتين شريكاً طبيعياً ولو منافساً لأميركا وأوروبا. ماكرون المؤيد للحوار مع بوتين تحدَّث عن عدوانية روسيا وتمسكها بانتهاج سياسة لزعزعة الاستقرار، وتوظيف ثورة الاتصالات للتدخل في الانتخابات على أراضي الآخرين والتحرك عبر الوكلاء.

ظِلُّ بوتين الذي كان حاضراً في ميونيخ كان مخيّماً في الوقت نفسه على التطورات المتسارعة في إدلب السورية وحولها. تصاعد التراشق بين أنقرة وموسكو إلى حد غير مسبوق، ودفعت تركيا بأرتال من قواتها إلى الأرض السورية. وجَّه رجب طيب إردوغان اتهامات صريحة إلى روسيا بالتخلي عن التزاماتها بموجب اتفاقات سوتشي وعملية آستانة. وردَّت موسكو باتهام الرئيس التركي بعدم الوفاء بتعهداته وبإدخال أسلحة إلى سوريا انتهى قسم منها في يد «جبهة النصرة» المدرجة على قوائم الإرهاب. شهدت المنطقة للمرة الأولى احتكاكات دموية بين الجيشين السوري والتركي وعاد إردوغان إلى التلويح باستهداف نظام الرئيس بشار الأسد.

بعد قليل من التدخل العسكري الروسي في سوريا ساد اعتقاد لدى جهات كثيرة أنَّ بوتين الذي أنقذ النظام سيدفعه في المقابل إلى القبول بقدر من عملية سياسية، تؤدي إلى نوع من إشراك المعارضة المعتدلة في صياغة دستور جديد، خصوصاً بعد تراجع المطالبة بإزاحة الأسد بفعل موازين القوى الجديدة على الأرض. وثمَّة من اعتقد أنَّ بوتين سيسعى إلى تقليص تدريجي للنفوذ الإيراني في سوريا، لإقناع أهل المنطقة والدول الكبرى أنَّ «سوريا الروسية» هي البديل لـ«سوريا الإيرانية».

ومرة جديدة بدت سياسة بوتين أكثر تعقيداً وغموضاً. لم يتضح ما إذا كان راغباً في تقليص الدور الإيراني وما إذا كان قادراً. لكنَّه في المقابل لم يحاول منع إسرائيل من شن جولات من الغارات على البنية العسكرية الإيرانية في سوريا، وأقام مع بنيامين نتنياهو علاقة تشاور كثيفة ودائمة. ومن جهة أخرى اهتمَّ بتعميق التباعد بين تركيا والغرب، وأدخل الصواريخ الروسية إلى ترسانة هذه الدولة الأطلسية وأعطاها في المقابل ضوءاً أخضر للتدخل عسكرياً على الأرض السورية، وتفكيك الشريط الكردي. ثم تبيَّن أنَّ تركيا تريد أكثر من ذلك وأنَّ روسيا تضمر غير ما تظهر. ولعل لافروف أجاد اختصار المسألة حين قال في ميونيخ: «روسيا وتركيا وإيران ليست لها أهداف واحدة في سوريا».

وفي الوقت نفسه، أطلَّ ظِلُّ بوتين في ليبيا ودار الحديث عن «المرتزقة الروس» والمرتزقة من السوريين المصنفين في خانة «أصدقاء روسيا» والذين يرابطون في المعسكر المقابل الذي نقل إليه إردوغان مرتزقة من «أصدقائه» السوريين.

من ميونيخ إلى إدلب ووصولاً إلى ليبيا ظِلُّ بوتين حاضر. لكن بعض الذين اعتقدوا أنَّ بوتين هو الحل، يعتقدون اليوم أنَّه المشكلة بحساباته التي تفاجئ اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين.

الشرق الأوسط

———————————

سوريا : الحرب لم تنته بعد … 

أظهر الدمار البطيء الذي شهدته سوريا للعالم أن ما يروى عن الخير المتأصل في الإنسانية والمجتمع الدولي المعني بالدفاع عن حقوق الإنسان، هو مجرد أساطير وخرافات.

يراقب المجتمع الدولي، مرةً أخرى وبقلقٍ بالغ، تصاعدَ حدة الصراع في سوريا. فمئات الآلاف من اللاجئين يفرون نحو الحدود التركية، وبلداتٌ بأكملها أُخلِيت بينما تمطر مئاتُ الغارات الجوية إدلب بالقصف منذ أيام متواصلة؛ وصِدام مباشر بين تركيا (عضو حلف الناتو) ونظام بشار الأسد قد يجرُّ إلى صِدام مع روسيا، أكبر حلفاء الأسد.

قصفت قوات موالية للأسد، يومَ الاثنين، موقعَ مراقبة تديره قوات تركية، كان قد أُنشِئ كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار الذي بموجبه يتواجدون لمراقبة أي تقدم لقوات الحكومة أو المتمردين، والذي خُرِق مراراً خلال العام الماضي. ردت أنقرة بقوة، فشنّت غاراتٍ ضد أهداف للنظام السوري، قالت تركيا إنها قتلت فيها عشرات الجنود، ولكن الأعداد على الأرجح أقل من ذلك.

في البداية، منعت نيرانُ المدفعية التركية التي تدعم دفاعات الثوّار في بلدة سراقب سقوطَ البلدة في يد النظام؛ ولكن تقدمَ قوات النظام نحو المنطقة الاستراتيجية، عند مفترق طرق رئيسة تصل غرب سوريا بباقي البلاد، نجحَ في النهاية في الاستيلاء على البلدة.

ليس من الإنصاف أن نُطلِق على تفجّر الأوضاع في الآونة الأخيرة “تصعيداً”؛ لأن ما يقرب من نصف مليون شخص قد فرّوا من منازلهم نحو الحدود التركية في الشهرين الماضيين جرّاء قصف قوات النظام والقوات الروسية. منذ أبريل/نيسان الماضي، استهدفت الهجمات أكثرَ من 70 موقعاً يقدّمون خدمات طبية، وأخليت بلداتٌ بكاملها من سكانها، وقُتِل مئات الأشخاص.

يضيف التدخل التركي مزيداً من عدم الاستقرار إلى موقف شديد الصعوبة في الأساس. فمن غير المرجح أن تصطدم أنقرة مع موسكو مباشرة؛ فبينهما الكثير من المصالح المشتركة، بما في ذلك خطوط نقل الطاقة، ومفاعل نووي تُنشِئه روسيا حالياً، إضافةً إلى غياب الحلفاء الغربيين بعد أشهر من التوتر في العلاقات بين تركيا وحلف شمال الأطلسيّ (ناتو)، مما أدى في نهاية المطاف إلى نشر نظام دفاع صاروخي روسي (S-400) في تركيا. إلّا أنّ التدخل التركي قد يؤدي، على المدى القصير، إلى تعطيل مؤقت للمذبحة القائمة في إدلب.

وقد يوفر تأخير التقدم السوري هدنة مؤقتة من الكارثة الإنسانية. فمنذ الربيع الماضي، نزح نحو 800 ألف شخص من مواطنهم؛ وتستضيف تركيا 4 ملايين لاجئ سوري بالفعل، وهي حقيقة كانت لها كلفتها السياسية على الرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات البرلمانية والبلدية. فلن تستقبل تركيا مزيداً من اللاجئين.

تَزيد برودةُ الشتاء والازدحام عند الحدود، بينما يحزم مئاتٌ من المدنيين متعلقاتهم ويفرون من الموت المحقَّق ومن تردي الأوضاع. وتزداد أحوالهم بؤساً، فمعظمهم نازحين من مناطق أخرى من سوريا، اضطروا للتخلي عن منازلهم في صفقات استسلام، بدلاً من مواجهة عقاب النظام في حلب والغوطة الشرقية ودرعا ومناطق أخرى. إضافةً إلى هذا، فإنّ نحو نصف سكان إدلب من المدنيين (وعددهم 3 ملايين) هم من الأطفال.

إدلب من أواخر المناطق التي ما تزال خارج سيطرة النظام، بالإضافة إلى أجزاء من غرب حلب، وحزام متاخم للحدود الشمالية خاضع لسيطرة قوات تحارِب بالوكالة عن تركيا، بالإضافة إلى مناطق كردية بها وجود حكومي رمزي. فإدلب تحت سيطرة “هيئة تحرير الشام”، وهي هيئة كانت تتبع تنظيمَ “القاعدة” سابقاً.

لطالما كانت احتمالية إبرام صفقة سلام مع إدلب مستبعَدة، وهكذا كان الاستيلاء عليها من قِبَل وكلاء تركيا في سوريا، المنشغلين بتحقيق المصالح الاستراتيجية لأولياء نعمتهم بدلاً من أهداف الثورة، كقتال الميليشيات الكردية أو السفر للانضمام للمعارك في ليبيا. ولذا سيؤدّي التدخل التركي إلى تقوية موقفها من الناحية الجيوسياسية وتأخير تقدم الأسد.

غير أنّ التدخل التركي يُخفي حقيقة أخرى أكثر عمقاً: الأزمة السورية لم تنتهِ، والحرب لم تُحسَم بعد.

أفضى البؤس والمعاناة اللذان خيما على إدلب إلى تشتيت الانتباه عن الانهيار الاقتصادي الذي تشهده المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، الأمر الذي خلف في أعقابه الكثير من مظاهر الفقر المدقع. فقد تراجع سعر صرف الليرة السورية من نحو 47 ليرة مقابل الدولار مع بداية الانتفاضة عام 2011 إلى 1200 ليرة للدولار في الوقت الراهن. فضلاً عن أن الاحتجاجات، والانهيار الاقتصادي، ونقص الدولار الذي شهده لبنان المجاور، هي أمور ساهمت في تفاقم الأزمة، حيث احتفظ العديد من السوريين الأثرياء بمدّخراتهم هناك. في حين لم تستطع الأسر العادية شراء الوقود اللازم لتدفئة منازلهم في فصل الشتاء القاسي.

لقد تمكن الأسد بدعم روسي من إعادة فرض سيطرته على معظم أنحاء البلاد في حملات تتسم بالوحشية الشديدة، مستخدماً عمليات الحصار والتجويع، والقصف المدفعي والجوي دون هوادة، بل وحتى الهجمات الكيميائية، ثم أعقب ذلك اتفاقيات استسلام. بيد أن هذه الانتصارات العسكرية لم تؤد إلى تخفيف حدة الأزمات الاقتصادية أو تعافي النظام من وضعه المنبوذ.

لا تزال العقوبات التي تفرضها الحكومة الأميركية والاتحاد الأوروبي قائمة، ومؤخراً أقرّ الكونجرس مجموعة أخرى من العقوبات المشددة رداً على جرائم الحرب التي ارتكبها النظام في إطار الموازنة الدفاعية الأميركية التي تضمنت ما يُعرف باسم “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين”، وقد سُمي هذا القانون نسبة إلى مصور عسكري سوري سرب صوراً توثق مقتل المواطنين بعد تعرضهم للتعذيب.

ولذا من المُستبعد أن تبدأ مئات المليارات من الدولارات من المساعدات الرامية إلى إعادة الإعمار في التدفق إلى سوريا دون الحاجة إلى إحراز أي تقدم على الأقل فيما يتصل بقضايا الإصلاح السياسي. ففي الوقت الذي لم تسفر فيه بعد اللجنة الدستورية التي استغرق تشكيلها سنوات من المفاوضات لاتخاذ قرارات تتعلق بالإصلاح، عن نتائج ملموسة، حلت عنوةً التطورات الجارية على أرض الواقع محل هذا التباطؤ والثقل. ورغم أنها تُعد الفرصة الوحيدة المتاحة حالياً في المدينة كوسيلة لإحداث تغيير حقيقي، فإن التقدم المحرز بطيء للغاية، لدرجة أنه لا يُشكل أهمية كبيرة على المدى القريب.

وجه غياب أموال إعادة الإعمار والعقوبات المشددة وعدم الاستقرار الاقتصادي في الإجمال ضربة قاسمة في صميم قدرة نظام الأسد على العمل كدولة، فضلاً عن أن ذلك يُعد خيانة للجماهير التي وقفت إلى جانب النظام في مواجهة أعدائه.

وفي الوقت نفسه، عانى الثوار من فشل تام في تحقيق أي من النتائج المرجوة للانتفاضة. ولا يزال عشرات الآلاف من الأشخاص في عداد المفقودين لا يُعرف مصيرهم، واختفوا في غياهب سجون الأسد. لا تزال الدولة الأمنية مسيطرة، ولا يزال الفساد والتربح واستغلال الحرب متفشياً. ولا يزال الوضع الأمني هشاً: فقد وقعت عمليات اغتيال في محافظة درعا الجنوبية، واندلعت احتجاجات صغيرة في السويداء ذات الأغلبية الدرزية، بالإضافة إلى التفجيرات الإسرائيلية بالقرب من دمشق، وغارات المتمردين بالقرب من حلب. وكل ما تغير هو أن المواطنين السوريين العاديين صاروا أكثر فقراً وأكثر معاناة، يرتجفون في بيوتهم من دون تدفئة بينما تُحلق الصواريخ الإسرائيلية فوق رؤوسهم، وكثيرون منهم يشعرون على نحو متزايد بخيبة الأمل واليأس تجاه مستقبلهم ومستقبل بلادهم.

لطالما كان اليأس وفقدان الأمل هو محور الحرب في سوريا – فقد كشفت تلك الحرب الفساد الأخلاقي الكامن في قلب النظام الدولي. إذ تعرض ما يكفي من المستشفيات للقصف، وجرد ما يكفي من المخابز والمدارس من الأساسيات، وانتكست حياة ما يكفي من الناس، وارتكبت الكثير من الأفعال الآثمة الشريرة التي مرت دون عقاب، لدرجة يبدو معها أن القواعد لم تعد تُشكل أي أهمية على الإطلاق.

لقد أظهر الدمار البطيء الذي شهدته سوريا للعالم أن ما يروى عن الخير المتأصل في الإنسانية والمجتمع الدولي المعني بالدفاع عن حقوق الإنسان، هو مجرد أساطير وخرافات. فلا يزال الضعفاء يقاسون بقدر ما يفرض عليهم من معاناة. وليس بالإمكان فعل شيء لمواجهة ذلك.

الواقع أن الجولة الأخيرة من العنف، والاقتصاد المنهار، والفقر المدقع الذي سلب العديد من السوريين الأمل في غد أفضل، أوضح جلياً تكلفة اضمحلال الفضيلة في العالم. ففي ظل غياب ولو قدر ضئيل من العدالة، ومع استمرار بقاء الطاغية في سدة الحكم، لن يكون من الممكن تحقيق أي سلام طويل الأمد، بصرف النظر عن عدد الصواريخ الروسية أو البراميل المتفجرة التي تتساقط من السماء.

هذا المقال مترجم عن foreignpolicy.com  ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا الرابط التالي

درج

————————

إدلب التي تقاتل الفناء/ ميسون شقير

تكشف الباحثة، نوغا كدمون، في كتابها “على قارعة الطريق وعلى هامش الوعي” أحد أهم جوانب الصراع العربي الفلسطيني بشأن أسماء القرى الفلسطينية التي تم تدميرها وطرد سكانها، لأن الأسماء تبقى سنوات طويلة تحمي حيّزها وهوية المكان، تعيش من التاريخ الذي يحميها، وتستقر فوق الجغرافيا التي تقع فيها، وهذا ما يجعل المعركة على الأسماء في حالة الصراعات السياسية عليها مهمة للغاية، بل وحاسمة، لأن الاسم هنا يحمل معاني تتجاوز معناه الحرفي، حتى إن الأسماء غير المهمة تصبح مهمة للغاية، ليس لأنها أسماء، بل لأنها، أولا وقبل كل شيء، هوية، وهذا الربط بين الاسم والحفاظ عليه كان دائما مسألة ضرورية لإعادة صياغة رواية المكان التي ظلت تعتمد على “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، بشكل خاص في القضية الفلسطينية.

تعاني مدينة إدلب السورية اليوم ما عانته المدن والقرى الفلسطينية من تهجير إجباري لأهلها الأصليين، ومن محو كامل لوجودهم فيها، وتدمير لآثارهم في المكان، ولكن هذا كله ليس على يد العدو الإسرائيلي، ذي النظرية الصهيونية المعتمدة أصلا على الاحتلال، بل على يد الجيش السوري الذي بقيت الميزانية المخصصة له تأكل من قلب المواطن السوري الذي كان راضيا، لأن ذلك يذهب لكي يبني السوريون جيشا سيحرّر فلسطين يوما، لكن الديكتاتور الأب بنى جيشا ليحمي فقط عرشه، وليقتل الآن السوريين في ثورتهم العادلة.

تحاول إدلب الآن أن توثق اسمها، أن تعبر به عن هوية أهلها المشرّدين عنها. تحاول أن تخبر العالم عن كل النظريات التي تناولت معاني اسمها، لتحافظ على هويتها فيه، وعليه في مسامع وقلب البشرية الفارغ. وتحتار إدلب، المدينة التي تدخل الروح بدون جواز سفر، والتي عند مغادرتها، يجري رمّانها الشهي في الدم، وتمتد في الروح بساتين زيتونها على مرأى العين، بساتين ستجعل السلام يسقط كوحي قادم من ستة آلاف سنة قبل الميلاد.

تحتار إدلب المدينة الهاربة بعيون أهلها الهاربين من هولوكوست القرن الحادي والعشرين. تحتار هذه المدينة التي تجوع الآن، وتعطش وتبرد وتموت، وتتقطع أطرافها نتيجة القصف البربري الروسي. تحتار هذه المدينة التي كانت طاعنة في الهدوء والألفة، طاعنة بالأخضر الطالع من كل حواكيرها، من جذوع أشجار زيتونها، ومن جلنار رمّانها الذي يشبع القلب. تحتار إدلب حين تحاول أن تخبر العالم عن سبب تسميتها إدلب، لكنها تصرّ أن تخبر هذا العالم الأصم بذلك، كي لا يذهب الاسم مع الذين ذهبوا إلى السماء.

وعلى الرغم من الموت الذي يحاصر اسمها وأهلها وأرضها وتاريخها، وعلى الرغم من اختلاف التفسيرات لدى الباحثين، تصرّ إدلب على أن تخبر هذا العالم الأصم والأعمى بأنها كانت وستبقى مدينة الحضارة البشرية الأولى، مدينة التاريخ والحياة والخصب.

وبصوت مخنوق، لكنه قوي، تخبر إدلب العالم عن النظريات التي قدّمها الباحثون عن اسمها، فإذا كان هذا الاسم قادماً من اللغة الآرامية، كما يؤكّد معظم باحثي التاريخ، فهذا يعني أن اسم إدلب قد يكون قادما من كلمة “أدد”، ما يعني بالآرامية شيئين، “إله العاصفة والرعد”، و”قلب الشيء”. وعندها ستكون إدلب تحمل معنى مركز آلهة المطر، أو قد يكون قادما من كلمة “أد” الآرامية أيضا، والتي تعني بالآرامية “هواء القلب”، أي أن إدلب هي مركز إله المطر والخصب، وهواء هذا القلب المثقوب الآن قهرا عليها. وفي حال كان اسمها قادما من لغة مملكة “إيبلا” العريقة، كما يؤكد باحثون، فهذا يعني أن الاسم قادم من اسم المملكة نفسها “إيبلا”. وحينها تعني إدلب أقدم مملكة عرفتها البشرية. أما في حال كان اسم إدلب قادما من اللغة الكنعانية، كما يذكر آخرون، فهذا يعني أنه قد يعود إلى كلمة “إدلبو” التي تعني في الكنعانية مكان جمع الزراعات والمحاصيل، أو قد يكون قادما من كلمة “دلبات” الغلطية القديمة التي تعني إله الزراعة. وهناك نظريات أخرى تنوّه إلى أن الاسم يمكن أن يكون قادما من اللغة الكلدانية من كلمة “وادي لبإدلب”، والتي تعني وادي الخصب.

وإدلب التي تحاول أن تخبر العالم عن اسمها تصرخ، وهي تحمل أدوات حديدية وجدت في أرضها تعود إلى العصر الحجري، أي إلى ستة آلاف سنة قبل الميلاد، كانت تستعمل للزراعة والصيد، تصرخ بلغة مملكة “إيبلا” العريقة، والتي وجدت منذ حوالي أربعة آلاف عام، والتي عاشت أقدم فترة عرفتها الحضارة البشرية من الازدهار المعرفي والفني والقانوني، المليئة بالنصوص السياسية والأدبية، تحمل في يدها الرُّقم الفخارية لأقدم معاهدة سياسية، جرت بين مملكة إيبلا العريقة ومملكة أبرسال، عام 2600 ق. م، وأكثر من عشرين خزانة خشبية تحتوي على أدوات ومجوهرات تعود للملكة إيبلا، وأكثر من ثمانمائة موقع أثري يعود إلى المرحلة الرومانية والبيزنطية التي مرّت بها هذه الأرض الغنية بالحياة.

وسترفع إدلب، وهي تخبر العالم عن اسمها، القرآن الكريم بيديها الاثنتين، وتدل العالم على التاريخ الإسلامي فيها، بما فيها المرحلة الأموية، ثم العباسية ثم العثمانية. وستدعو العالم كي يتحمم في حماماتها الأثرية. وستخبره كيف أخذ العثمانيون شبّانها إلى “السفر برلك”، وكيف قاومتهم وعادت حرّة، وكيف دخلها الاحتلال الفرنسي وأهان أهلها، لكنها قاومته بثورة ابنها الوفي، إبراهيم هنانو، وكيف أنها، مثل كل المدن القادمة من أول خطوط التاريخ، مهما قصفها الطغاة، ومهما قتلوا من شبابها، ستنتصر وتعود قويةً، فلا بد لبحر الزيتون الأخضر فيها من أن يغرق كل أعداء الحرية، وكل الأعلام السوداء.

——————————

فايننشال تايمز: معركة إدلب الأخيرة شهادة على موت الثورة السورية ـ صور

تحت عنوان “معركة سوريا الأخيرة” استعرضت صحيفة “فايننشال تايمز” مآسي اللاجئين السوريين الذين اضطروا للفرار من قصف المقاتلات السورية والروسية على إدلب.

ويتحدث تقرير الصحيفة البريطانية الذي أجرته كلويه كورنيش وأسماء العمر عن الأوضاع في إدلب، حيث لم يعد للسوريين المحاصرين في المنطقة أي مكان يلجأوون إليه فالقوات السورية وحليفتها الروسية تتقدم، وتركيا أغلقت حدودها. ويقول التقرير “إن إدلب التي كانت ملاذاً لمئات الآلاف من الناس الذين نجوا من معارك أخرى أصبحت اليوم مسرح كارثة إنسانية تتكشف، وشاهدة على موت الثورة السورية”.

ويبدأ التحقيق بلقاء أجرته مع سيدة تدعى مزنة (32 عاما)، التي كانت تستعد للهرب من قصف الطائرات المقاتلة السورية والروسية، فالقنابل التي تنفجر في إدلب القريبة، أقنعت هذه الأم بأن عليها الهرب للمرة الثانية خلال شهرين، لكنها هذه المرة لا تعلم إلى أين ستذهب.

وبالقرب من منزل مزنة “تمتد شوارع معرة مصرين الباردة، وهي بلدة تبعد 10 كيلومترات إلى الشمال من مدينة إدلب، تزدحم بسيارات تقلّ عائلات تكابد من أجل الهرب من القصف، لكن ليس أمامها سوى خيارات محدودة جداً”.

وتقول مزنة “لو كان بإمكانهم لأخذوا حجارة منازلهم معهم، فهم يعلمون أنه عندما تصل قوات النظام ستحرق كل شيء، وحين تغادر بلدتنا لن يبقى فيها كوخ واحد”.

وحكاية مزنة لا تختلف كثيراً عن حكايات آخرين في إدلب تحدثت معهم الصحيفة عبر الهاتف.

وينقل التقرير عن جمانة قدور، المؤسسة المشاركة لمنظمة الإغاثة والتنمية السورية، قولها إن إدلب هي “المنطقة الوحيدة التي يمكن فيها لهؤلاء الناس أن يكونوا أحراراً، ولذلك فإن مصيرها مهم للغاية، ليس فقط بالنسبة للذين يعيشون فيها، بل بالنسبة لجميع السوريين الذين خرجوا مطالبين بالحرية والكرامة”.

ويصف التقرير الأوضاع في إدلب قائلا: “مع تقدم القوات السورية وحليفتها الروسية، وإغلاق الحدود التركية، لم يعد للسوريين المحاصرين هناك مكان يلجأون إليه… المستشفيات والمدارس والمستودعات التي جُمعت فيها المساعدات، بل حتى مخيمات اللاجئين الهاربين من القصف، تعرضت للقصف الجوي من قبل قوات النظام السوري”.

ويقول مارك كاتس، المنسق الإقليمي للشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة المعني بشؤون سوريا، “إن حجم الأزمة هائل”.

أما المصور  عارف طماوي، الذي سبق له أن هرب من حلب وشهد عمليات نزوح جماعي فيقول “ما يحدث الآن لم يقع من قبل. لا يوجد مكان يمكننا أن نذهب إليه، الأمر يبدو كأنه يوم الحشر”.

وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان، أفاد أمس الأحد، بأن أعداد النازحين في حلب وإدلب تخطت حاجز المليون شخص، وذلك بعد اتساع رقعة العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات النظام وروسيا.

ولفت المرصد إلى أن “التصعيد العسكري الأخير الذي أطلقته قوات النظام في إدلب وحلب (منذ منتصف شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي) أدى إلى أكبر موجة نزوح على الإطلاق، حيث أجبر نحو مليون وخمسة آلاف مدني على النزوح من منازلهم، في ظل أوضاع إنسانية كارثية، نظراً لعدم توافر الحد الأدنى من متطلبات الحياة واكتظاظ مناطق النزوح بالمدنيين”.

وأوضح أن ارتفاع أعداد النازحين جاء مع اتساع رقعة النزوح لتشمل مناطق جديدة بعد فتح قوات النظام لجبهات جديدة كمحاولتها التقدم بريفي حلب الشمالي والشمالي الغربي وحصارها مناطق عدة.

القدس العربي”

———————————

خيارات موسكو وأنقرة في حال مواصلة قرع طبول الحرب في إدلب/  هادي درابيه

تمر العلاقات الروسية التركية بظروف عصيبة تكاد تفوق بخطورتها أزمة إسقاط القاذفة الروسية في العام 2015، وتهدد بوقوع مواجهة عسكرية مباشرة بين الروس والأتراك في شمال سوريا، خاصة بعد لجوء أنقرة إلى العدو الأخطر لحليفها الروسي، حلف شمال الأطلسي، طلبا للدعم في صد تقدم قوات النظام السوري نحو آخر معاقل المعارضة السورية المسلحة والقوات الموالية لأنقرة في سوريا.

وبدأت الخلافات بين الأطراف بعد إحراز قوات النظام مدعومة بالطيران الروسي، تقدما ملموسا على الجبهة الشمالية، وتوغّلها في مدينتي معرة النعمان وسراقب في ريف إدلب، وفرض سيطرتها على عدد من الطرق الدولية. ومما زاد من غضب أنقرة، تجاهل قوات النظام للتواجد التركي في المنطقة، ومحاصرتها لثلاث نقاط مراقبة تركية موجودة في المنطقة، بعد قتل عدد من الجنود الأتراك في قصف مدفعي، قال النظام إنه كان يستهدف “الإرهابيين”.

ورغم تهديد ووعيد أنقرة وتنفيذها هجمات انتقامية ضد قوات النظام، أسفرت عن “تحييد” العشرات من عناصر النظام وفق تصريحات العسكريين الأتراك، وإسقاط مروحيتين تابعتين له في منطقة النزاع، وتحديد مهلة أقصاها نهاية الشهر الجاري، لانسحاب قوات النظام السوري إلى مناطق سيطرته عام 2018، تواصل الأخيرة ومعها الميليشيات الموالية لإيران،بدعم عسكري روسي، التقدم بثقة وتقتضم المنطقة تلو الأخرى نحو إدلب المدينة، مقتربة من الحدود التركية.

ومما لا شك فيه أن تحركات النظام، جاءت بعد ضوء أخضر روسي، ما دفع أنقرة لاتهام موسكو بعدم الالتزام باتفاقيتي سوتشي وأستانة، ومطالبتها بوقف تقدم قوات النظام، الأمر الذي استقبله الروس بداية ببرود لافت، سرعان ما تلاشى على وقع التصريحات التركية الحادة والتهديدات بالخروج من الاتفاقات مع موسكو، والتهديد بشن عملية عسكرية واسعة النطاق ضد قوات النظام، وصعد الأتراك من لهجتهم أكثر حين دعا زعيم حزب الحركة القومية التركي الشعب التركي للتخطيط “من الآن إلى دخول دمشق إذا اقتضت الحاجة وإسقاط الأسد”.

من جانبها، اتهمت موسكو أنقرة بعدم الالتزام بأهم بنود الاتفاقات بين البلدين، وهي فصل “هيئة تحرير الشام” عن المعارضة المعتدلة الموالية لأنقرة. كما صعد الروس لهجتهم ردا على “التصريحات الاستفزازية” التركية، وقالت وزارة الخارجية الروسية والكرملين، إن أنقرة هي سبب تدهور الأوضاع في إدلب، وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زخاروفا، إن الوضع في إدلب قد ساء بسبب “عدم وفاء أنقرة المزمن بالتزاماتها”.

وبعد أن أدركها عدم جدوى مطالبة الروس بوقف تقدم قوات الأسد، لجأت انقرة لطلب المساعدة من الولايات المتحدة ومن حلف شمال الأطلسي، مطالبة بدعم أكبر ومشاركة ملموسة في الأزمة، الأمر الذي علق عليه الروس بنوع من السخرية، حين استبعدوا تدخل الولايات المتحدة في النزاع، وقامت السفارة الروسية في أنقرة بنشر تغريدة تساءلت فيها عما إذا كان الأتراك يعتبرون الأمريكان حلفاء لهم، أرفقتها ببيانات حول المساعدات العسكرية الأمريكية لقوات الدفاع الذاتي الكردية، التي تعتبرها أنقرة جماعة إرهابية.

أوضح لجوء الأتراك لطلب المساعدة من العدو الأخطر لـ”الحليف” الروسي، حلف شمال الأطلسي، إدراك أنقرة أن موسكو غير مستعدة للتراجع عن دعم النظام السوري وتبرير تقدمه نحو إدلب، وعدم امتلاكها أوراق ضغط كافية، لإجبار الكرملين على الإصغاء لها. في الوقت ذاته، فقد أردوغان الزمام الأخير للتأثير على استراتيجية موسكو، بعد أن خذله الأمريكان الذين أعلنوا عن ان دعمهم لأنقرة لن يزيد عن تزويدها بمعلومات استخباراتية، في حين أكد مستشار الأمن القومي الأمريكي روبرت أوبراين أن الولايات المتحدة “ليست شرطيا لتقول لتركيا افعل هذا وللروس لا تفعل ذاك”، موضحا أن بلاده لن تتدخل في النزاع.

سيناريوات مفتوحة

في ظل ما سبق، يبدو واضحا أن أنقرة اليوم تقف أمام خيارين أحلاهما مر، الأول هو النزول عند إرادة موسكو، والقبول ببقاء قوات النظام في المناطق التي سيطرت عليها. الأمر الذي بات واضحا إصرار موسكو عليه، من تغريدات السفير الروسي في أنقرة أليكسي يرخوف، التي أكد فيها “استحالة إبعاد الجيش السوري عن النقاط التي سيطر عليها”، متسائلاً عن الفائدة من وجود نقاط المراقبة التركية بعد أن أصبحت ضمن مناطق يسيطر عليها نظام الأسد بشكلٍ فعلي.

أما الخيار الثاني، فهو إطلاق عملية عسكرية ضد النظام السوري، الأمر الذي يبدو للوهلة الأولى أنه سيكون لصالح الأتراك بسبب تفوقهم العسكري، ولكن نتيجته ستكون معاكسة تماما، إذ أن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي في حال حدوث مثل هذا السيناريو، وستسعى لدعم الأسد بالأسلحة وستسانده عسكريا وبسبل أخرى، وقد يترتب هذا الخيار على عدة تهديدات ملموسة لكلا البلدين.

بالنسبة لما قد يلحقه سيناريو الحرب مع النظام من أضرار لتركيا، من المهم ذكر أنه من المستبعد تماما أن يدخل الكرملين في نزاع عسكري مباشر مع الأتراك، إلا أن نشوب اشتباكات واسعة بين الأتراك وقوات النظام، قد تعرض العسكريين الروس المتواجدين على الأرض لخطر الوقوع تحت النيران التركية، ما سيضع البلدين في أزمة شبيهة بتلك التي شهدها العام 2015، بعد اسقاط القاذفة الروسية، وسيؤدي إلى مشكلة كبيرة سيجد الروس فيها أنفسهم مجبرين على الرد على تركيا، لسبب انعدام إمكانية تجاهل هذا الأمر من قبل الكرملين، بعد الانتقادات الكبيرة التي واجهها بسبب عدم رده على حادثة اسقاط المقاتلة الروسية خريف 2015، واكتفائه بمعاقبة تركيا بالطماطم والسياح.

كما أن موسكو تضع يدها على عدد من نقاط الضعف التركية الخطيرة،ومن الممكن في حال نشوب حرب بين أنقرة والنظام أن يسمح الكرملين للأسد بتفعيل منظومة الدفاع الجوي إس-300 التي زود بها النظام في وقت سابق، ولم يتم استخدامها حتى اليوم،وفي هذه الحالة، ستصبح الأجواء السورية مغلقة أمام الطيران التركي، ما سيضعف بشكل ملحوظ من إمكانياته العسكرية في المنطقة، خاصة في حال قامت روسيا بتزويد النظام بمعلومات استخبارية تسمح له بتوجيه ضربات موجعة للأتراك.

من المؤكد أيضا، أنه في حال تحقق هذا السيناريو، ستضطر تركيا لتفعيل المسلحين الموالين لها في الشمال السوري، ما سيرفع المحظورات، ويفتح الباب أمام النظام وروسيا لتوجيه ضربات للفصائل المدعومة من تركيا، في حين لن يكون بإمكان أنقرة حمايتهم. كما أن توسع انتشار القوات التركية في الجغرافيا السورية، سيضاعف احتمالات تكبد الأتراك خسائر كبيرة، خاصة في ظل وجود الجماعات المتطرفة المتورطة في النزاع السوري، كما يمكن أن تستخدم روسيا والنظام الأكراد في الشمال السوري لتكوين ميليشيات مسلحة تقف مع قوات النظام السوري، ناهيك عن إمكانية فرض موسكو عقوبات اقتصادية على تركيا، مثل حظر استيراد المنتجات منها او منع السياح الروس من زيارتها.

كما أن أنقرة في حال مخاطرتها بإغضاب “الحليف” الروسي، تخاطر بفقدان دعم الكرملين لطموحاتها بشأن غاز شرق المتوسط، بل وممكن أن تدعم موسكو الأطراف المعادية لتركيا في هذا الشأن، ومن الممكن أن تعزز نشاطها في ليبيا لدعم المشير خليفة حفتر، على حساب حليف أنقرة فايز السراج.

بالطبع، لن تقتصر أضرار سيناريو الحرب على تركيا وحدها، بل ستطاول الخسارة الجانب الروسي أيضا، والذي ستتلقى استراتيجيته في سوريا ضربة موجعة في حال انطلاق عمليات عسكرية واسعة في الشمال السوري. إذ ستقوم أنقرة بتزويد المسلحين المعارضين لنظام الأسد بأسلحة نوعية، تجعلهم قادرين على تكبيد النظام وربما الروس أيضا خسائر كبيرة، ومن الواضح أن أنقرة قد خطت بالفعل على هذا الطريق، إذ تم في الأيام الأخيرة إسقاط مروحيتين للنظام السوري، الأمر الذي لم تكن قدرات المسلحين المعارضين تسمح به قبل اندلاع الأزمة الحالية. هذه التطورات ستفشل أو على الأقل ستؤخر إلى أجل غير مسمى استراتيجية الروس الهادفة لفرض سيطرة النظام على كامل أراضي سوريا، وإطلاق عملية إعادة الأعمار، كي تتمكن موسكو من قطف ثمار تدخلها العسكري في الأزمة السورية.

ومن التبعات الخطيرة لسيناريو الحرب، اندفاع موجة لاجئين ضخمة من إدلب التي تضم حوالي 4 ملايين نسمة إلى تركيا التي تستضيف بالفعل 3.6 مليون لاجئ سوري. وفي هذه الحالة ستكون أنقرة مجبرة على فتح الحدود أمام اللاجئين إلى أوروبا لسبب عدم قدرتها على استيعاب هذه الأعداد من السوريين، ما سيغضب الدول الغربية، التي ستلقي باللوم حتما على روسيا، وقد يصل الأمر إلى فرض عقوبات غربية جديدة عليها.

كما أن موسكو ستفقد أحد أهم حلفائها الاقتصاديين والسياسيين، وستغامر بظهور أزمة حادة في الأسواق الروسية بسبب اعتمادها على تركيا في توفير المنتجات التي قاطعت وارداتها من الدول الغربية ردا على عقوبات ضم شبه جزيرة القرم، ناهيك عن احتمال امتناع أنقرة عن شراء أكثر من نصف حالجتها من الغاز الروسي، وتجميد عمل خط “السيل التركي” لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا، ما سيكبد الاقتصاد الروسي خسائر كبيرة، خاصة في ظل فرض الولايات المتحدة عقوبات على خط “السيل الشمالي 2” والتهديد بفرض عقوبات إضافية في حال واصلت روسيا بناءه، بالإضافة إلى رفع أوكرانيا لكلفة نقل الغاز عبر أراضيها إلى أوروبا في الوقت الذي تطالب فيه بلغاريا بخفض أسعار الغاز الذي تشتريه من موسكو.

تبعات سيناريو الحرب عديدة ومتشعبة، تبدأ من احتمال تكبد الطرفين خسائر بشرية ومادية على أرض المعركة، وصولا إلى لجوء الأطراف إلى آليات الحرب الهجينة ومحاولة التأثير على اللاعبين الدوليين والإقليميين في آسيا الوسطى والشرق الأوسط، وأوروبا والولايات المتحدة، وستكون العواقب مدمرة لكلا الطرفين، الأمر الذي تعيه موسكو وأنقرة جيدا، ولذلك لن تسمحا بوقوعه. ومن المرجح أن يتوصل الطرفان كما جرت العادة إلى اتفاق برضي كلاهما ويحفظ مصالحهما، بالطبع، على حساب ومصالح الشعب السوري.

بروكار برس

—————————–

هل دولت بهجلي جاد في كلامه؟/ بكر صدقي

أطلق رئيس حزب الحركة القومية التركي دولت بهجلي، يوم الثلاثاء، تصريحات لافتة ضد نظام الأسد الكيماوي، لم نسمع ما يشبهها منذ سنوات. فقد قال إن على تركيا أن تستعد للزحف إلى دمشق وإسقاط النظام هناك، فلن ترتاح تركيا وتطمئن لأمنها القومي قبل رحيل هذا النظام!

جاء هذا الكلام أثناء الاجتماع الأسبوعي للمجموعة البرلمانية للحزب، حيث جرى التقليد أن يلقي رؤساء الأحزاب الممثلة في البرلمان كلمات حماسية أمام نواب حزبهم، يوم الثلاثاء من كل أسبوع، يقيّمون فيها آخر التطورات السياسية ويطلقون رسائل سياسية غالباً ما يتبعها سجال بين مختلف التيارات السياسية في المنابر الإعلامية الموجهة للرأي العام الداخلي. من مأثورات الحياة السياسية في تركيا كلام منسوب للرئيس الراحل سليمان دميريل أبدى تذمره فيه من يوم الثلاثاء. فرئيس الحزب ملزم، بموجب هذا التقليد، بتحديد مواقف من مختلف الموضوعات التي تشغل الرأي العام، ويحدث أن يتورط في إطلاق تصريحات لا قبل لحزبه بتحمل تبعاتها، سواء كان الحزب في السلطة أو في المعارضة.

حزب الحركة القومية الذي يرأسه بهجلي حليف لحزب العدالة والتنمية الحاكم من غير أن يشاركه في ائتلاف حكومي. ويبرر بهجلي هذا التحالف الذي خاض حزبه، في إطاره، انتخابات برلمانية ورئاسية ومحلية، إضافة إلى الاستفتاء على النظام الرئاسي، في السنوات الثلاث الماضية، بأن الحكومة استبطنت التوجهات القومية المتشددة ضد حزب العمال الكردستاني وواجهاته السياسية وقاعدته الاجتماعية وامتداداته في سوريا. أضف إلى ذلك أن حزب بهجلي القومي لم يعارض التدخل التركي في الصراع السوري، بما في ذلك هدف إسقاط نظام دمشق، حتى حين كان في مواقع المعارضة السياسية، وذلك بخلاف حزب الشعب الجمهوري الذي عارض التدخل منذ البداية، وقامت وفود برلمانية منه بزيارات عدة إلى دمشق للقاء برأس النظام، وبخلاف حزب الشعوب الديمقراطي، أيضاً بطبيعة الحال، الذي يشكل المنظور الكردي أساس مواقفه من الصراع في سوريا ومن التدخل التركي في هذا الصراع. فلا مشكلة للحزب الكردي مع نظام دمشق، ما دامت قواته لا تهاجم المناطق الكردية في سوريا، في حين أنه يعارض بشدة عمليات الغزو التركية للمناطق المتاخمة للحدود ذات الغالبية السكانية الكردية التي كان حزب الاتحاد الديمقراطي يسيطر عليها.

مع كل هذه الاعتبارات يبقى كلام بهجلي بشأن وجوب إسقاط نظام الأسد الكيماوي غريباً، بعدما مضت الحكومة بعيداً في شراكتها مع روسيا في إطار آستانة، وبعد تصريحات عدة لمسؤولين فيها عن قبولهم، وإن على مضض، ببقاء نظام الأسد في أي ترتيبات لحل سياسي محتمل، وبعد الإعلان عن أول لقاء جمع، في موسكو، بين هاكان فيدان وعلي مملوك، رئيسي جهازي الاستخبارات في تركيا ولدى النظام الكيماوي. يبقى الشيء الأساسي لبهجلي هو مخاطبة الرأي العام الداخلي، أي أن تصريحاته المتعلقة بالسياسة الخارجية تتعلق بالسياسة الداخلية أكثر من علاقتها بتوجهات خارجية. فأمام توالي أخبار وقوع قتلى في صفوف الجيش التركي بنيران ميليشيات نظام الأسد، ما كان لبهجلي أن يلزم الصمت. فللمرة الثانية خلال أسبوع تهاجم مدفعية ميليشيات الأسد قوات تركية في محافظة إدلب، فيقع خمسة جنود قتلى، إضافة إلى عدد من الجرحى. بهذا المعنى لا شيء مفاجئاً في ارتفاع نبرة الرجل ضد سفاح دمشق. لكن الرجل لم يقصر هجومه على النظام الكيماوي، بل تناول أيضاً ظهيره الروسي، داعياً الحكومة إلى «إعادة النظر في العلاقة مع روسيا». هذه الإضافة هي الأهم في تصريحات بهجلي، وتستحق التوقف عندها ملياً. فهل كان ذلك مجرد امتداد منطقي لدعوته لإسقاط نظام الأسد، بما أن المذكور لا يمكن أن يتخذ قراراً بحجم قتل جنود أتراك ما لم يحصل على موافقة روسية، فيكون كلامه بشأن روسيا أيضاً من نوع حماسيات أيام الثلاثاء التي لا تقدم ولا تؤخر؟ أم أن الرجل وجّه رسالة متشددة إلى روسيا كناطق غير رسمي باسم الرئيس أردوغان وحكومته، بالنظر إلى فشل الاجتماعات بين الوفدين الروسي والتركي، في أنقرة، بشأن إدلب يوم الاثنين؟ وهل تشمل «مراجعة العلاقة مع روسيا» التي دعا إليها بهجلي فكاً للتحالف مع «التيار الأوراسي» الذي يمثل حزب الوطن برئاسة دوغو برينجك ممثله الأبرز؟

على رغم الهجومين المتتاليين اللذين تعرض لهما الجنود الأتراك، لا تملك أنقرة خيارات كثيرة غير الرد الموضعي على قوات الأسد الزاحفة، تحت المظلة الجوية الروسية، لابتلاع المزيد من المساحات في محافظتي إدلب وحلب. أما موسكو فلا يبدو أنها ستلين أمام مناشدات القيادة التركية لوقف الحرب. وهكذا لم يسفر الاتصال الهاتفي المتأخر بين بوتين وأردوغان، صباح الأربعاء، إلا عن إعلان روسي عن «توافق الرئيسين على التمسك باتفاق سوتشي» وذلك بعدما صرف أردوغان، بوصفه رئيس حزب العدالة والتنمية، كلاماً بشأن «وقف الالتزام» بالاتفاق المشار إليه، ومهاجمة قوات النظام «في كل مكان» إذا تعرضت القوات التركية لأي هجوم جديد. جاء هذا الكلام، بدوره، في اجتماع الثلاثاء الأسبوعي لنواب العدالة والتنمية في البرلمان، حيث قدم الرئيس عرضاً وافياً للوضع السياسي، مركزاً على الوضع الميداني في إدلب. وإذ انتقل إلى الحديث عن الوضع الاقتصادي وصمود الاقتصاد التركي أمام التحديات بفضل القرارات الحكومية المناسبة، قاطعه أحد الموجودين في القاعة وقال بصوت مرتفع إنه كان ممن ناضلوا ضد الحركة الانقلابية الفاشلة لجماعة فتح الله غولن، في تموز 2016، وأنه فصل من وظيفته بعد ذلك باتهامات باطلة، وأن أطفاله في البيت جائعون!

يمكن اعتبار هذه الحادثة تكثيفاً مجازياً لوضع تركيا في لحظتها الراهنة: فتركيا المندفعة إلى خوض مغامرات خارجية في سوريا وليبيا، والمحشورة بين حليفين لدودين، موسكو وواشنطن، لا تملك مقومات داخلية صلبة للفوز في تلك الصراعات الدولية المعقدة، فاقتصادها ليس بخير، ويعاني المجتمع من مظالم.

كاتب سوري

القدس العربي

————————————————-

هل يغامر إردوغان بعلاقته مع بوتين؟/ إبراهيم حميدي

الخلاف السطحي بين موسكو وأنقرة، يتعلق بتفسير اتفاق سوتشي. لكن واقع الحال يكشف عن وجود مقاربتين، روسية حول النفوذ الإقليمي، وأخرى تركية تتعلق بالأمن القومي. ولا شك أن حدود الاختبار التركي لروسيا يعود إلى قرار الرئيس فلاديمير بوتين من جهة، وإمكانات الدعم التي يمكن أن تقدمها أميركا و«حلف شمال الأطلسي» (ناتو) إلى أنقرة.

بعض تجليات اختلاف المقاربتين، أن الجيش التركي عزز قواته وكأنه يستعد لغزو سوريا ويشارك بشكل مباشر في دعم فصائل معارضة، والجيش الروسي يشارك بشكل مباشر في تقديم الدعم الجوي والبري لقوات الحكومة. أيضاً، مقتل 13 جندياً تركياً بقصف من الجيش السوري وعدم تدخل موسكو لردع دمشق.

كانت روسيا أبرمت اتفاقات «خفض التصعيد» في أربع مناطق: غوطة دمشق، ريف حمص، وجنوب سوريا، وشمال غربها. توصلت موسكو إلى تفاهمات مع قوى إقليمية وأميركا كي تعود الحكومة إلى ثلاث من مناطق «خفض التصعيد» وترحيل معارضين إلى المنطقة الرابعة في ربيع 2018، ثم توصل الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان إلى اتفاق سوتشي في سبتمبر (أيلول) 2018، كان يعتقد الجانب التركي أنه بالإمكان الوصول إلى تفاهمات رئاسية ومقايضات مناطقية سورية، والعلاقات الاستراتيجية الثنائية ستترك المجال كي يكون وضع إدلب مختلفاً، أو على الأقل سيكون هناك تفاهم حول الوضع النهائي في إدلب مع ربطه بالملف الكردي ومآلات الأزمة السورية.

فوجئ الجانب التركي بإصرار موسكو على الانخراط في الفترة الأخيرة في دعم تقدم قوات الحكومة السورية شمال حماة، وجنوب شرقي إدلب، وجنوب غربي حلب، وتقديم طهران الدعم البشري لهذا الهجوم. أي قيادة وزارة الدفاع للموقف الروسي. وفوجئ الجانب الروسي بإصرار أنقرة على وضع حدود لتقدم القوات السورية حيث انها تربط إدلب بالأمن القومي ومخاطر تدفق اللاجئين والإرهاب. وذهب الطرفان يتبادلان الاتهامات بعدم تنفيذ بنود اتفاق سوتشي. أنقرة، تقول إن موسكو خرقت الاتفاق بأنها شاركت في العمليات العسكرية وتوغلت إلى ما وراء خطوط التماس التي عبرت عنها النقاط التركية الـ12، بحيث باتت ثلاث نقاط محاصرة ومعزولة. «الأخطر» بالنسبة لها، أن الجيش الروسي لم يمنع الجيش السوري من قتل الجنود الأتراك. موسكو، تقول إن أنقرة لم تنفذ بندين في اتفاق سوتشي يتعلقان بـ«فصل المعتدلين في المعارضة عن الإرهابيين وحل مشكلة (هيئة التحرير الشام)، إضافة إلى عدم فتح الطريقين الدوليتين بين دمشق وحلب وبين حلب واللاذقية».

حاول الطرفان الوصول إلى استعادة تنفيذ اتفاق سوتشي. عقدت جلسات في أنقرة. تبادل الطرفان الاتهامات. موسكو أصرت على فتح الطريقين ووقف هجمات المسلحين على قاعدة حميميم ومناطق الحكومة وقواتها. أنقرة اصرت على عودة قوات الحكومة إلى النقاط السابقة للتماس، حتى أن الاتصال الهاتفي بين بوتين وإردوغان مساء أول من أمس، لم يصل إلى نتيجة. الاختراق الوحيد، كان أنهما اتفقا على عقد جلسة تفاوض جديدة في موسكو. حتى أن الهدنة الكلامية بين الطرفين، لم تصمد طويلاً. عاد إردوغان إلى التهديد بالرد على أي هجوم على جنوده. وضع أربعة خطوط حمراء: عودة قوات الحكومة السورية إلى خطوط سوتشي قبل نهاية الشهر، استخدام القوة التركية في تنفيذ ذلك بعد المهلة، تحييد الطائرات من قصف الأماكن السكنية المدنية في إدلب، الرد على أي استهداف لجنود أتراك بغارات أوسع من مصدر القصف. كما أن الكرملين تدخل للرد على إردوغان بتحميل أنقرة مسؤولية الهجمات، ثم تدخلت وزارة الدفاع بتحميل الجيش التركي «سوء الوضع».

لا شك أن إردوغان يختبر بوتين. لكن القرار مرتبط بإمكان التحرك بعيداً من «ضوء أخضر» روسي. أيضاً، مرتبط بإمكانية الدعم القادم من واشنطن وحلف شمال الأطلسي (ناتو). وزير الدفاع التركي خلوصي أكار طلب من نظيره الأميركي مارك إسبر في بروكسل «تقديم أميركا وحلف الناتو مساهمات ملموسة أكثر حول التطورات في إدلب». الرد الأميركي جاء في شكل غير مباشر من مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين، الذي قال إنه «من المستبعد أن تتدخل أميركا عسكرياً في إدلب، وأن واشنطن ليست ملزمة بحل المشاكل القائمة في تلك المنطقة». وزاد: «واشنطن ليست في وضعية تلزمها وقف الفاعليات السيئة للنظام وروسيا وإيران»، مشيراً إلى «عدم وجود شيء سحري لإنهاء الوضع السيئ في إدلب». وقال مسؤول غربي إنه من المستبعد تفعيل المادة 5 من ميثاق «ناتو» في دفاع الدول الأعضاء عن بعضها بعضاً؛، إذ إن مقتل الجنود الأتراك حصل في سوريا وليس في تركيا.

عليه، بات مستقبل إدلب رهن الحدود التي سيذهب بها إردوغان واستعداد بوتين للمغامرة بعلاقة مع «شهر العسل» بدولة عضو في «ناتو»، وعمق الدعم الأميركي وما إذا كان سيقتصر على كلمات المبعوث جيمس جيفري عن الدعم باللغة التركية لدى وصوله إلى أنقرة مساء أول من أمس.

جولة المفاوضات المقبلة، ستكون اختباراً ما بين «الطلاق» الروسي – التركي او صوغ نسخة جديدة من اتفاق سوتشي… بانتظار جولة جديدة!

الشرق الأوسط

——————————–

حسابات الفصائل السورية في معركة إدلب التركية/ حمزة المصطفى

بعد اندلاع الثورة/ الحرب السوريّة اتخذت كل من موسكو وأنقرة مواقف واضحة تجاه طرفي الصراع. وفرت روسيا دعما سياسيًا يمنح النظام غطاء دوليًا ضد أي إجراء دولي رادع لجرائمه، قبل أن تتدخل عسكريّا عند اهتزاز بنيانه وانحلال جيشه، وتقود بنفسها المعركة ضد إرادة السوريين. حاولت تركيا، بداية، إقناع النظام بالإصلاح، ثم تبنت إسقاطه، ودعمت المعارضة سياسيًا قبل الانتقال إلى مرحلة التحالف العسكري مع فصائل بعينها، واستخدامها في حروبٍ، تؤثر مدخلاتها في الداخل التركي أكثر من امتداداتها السورية.

تراكم الخيبات

بخلاف النظام السوري، المنتشي بانتصاراته العسكرية، وبوفاء حلفائه في التزاماتهم بدعمه وتثبيته، اجتاحت الخيبة أوساطا كبيرة من السوريين المعارضين، سواء من أصدقائهم العرب الذين تخلوا عنهم بعد التدخل الروسي عام 2015 والغربيين الذين لم يقدّموا لهم إلا الدعم الكلامي. في منزلةٍ بين المنزلتين، تفاوت تقييم مواقف أنقرة بين من يركّز إيجابيا على ما قدّمته من دعم سخي لثلاثة ملايين لاجئ أقفلت أمامهم حدود الدول، وآراء مستاءة من المقاربة البراغماتية التركية للقضية السوريّة، خصوصا بعد تجرؤ أنقرة، بمشاركة فصائل سورية، على القيام بعملياتٍ عسكرية تخص أمنها القومي وحساباتها الداخلية. وقد بقيت الأمور على حالها بين مؤيد ومعارض، حتى بدأت روسيا بالانقلاب تدريجيا على تفاهمات أستانة واتفاقيات خفض التصعيد التي وقعتها مع تركيا في مايو/ أيار 2017، وحدّدت أربع مناطق لوقف إطلاق النار: جنوبية تشمل درعا والقنيطرة، وعاصمية في الغوطة الشرقية، ووسطى في الرستن وريف حمص الشمالي، وشمالية غربية في حماة وإدلب واللاذقية. المفارقة بمكان أن العلاقات التركية الروسية، وبدل أن تتأثر بالخروق المتعاقبة، والتي انتهت بسيطرة النظام السوري، مدعوما بالقصف الروسي على مدينة درعا، مهد الثورة السورية عام 2018، والغوطة وجنوبي دمشق بعد هجوم بالأسلحة الكيماوية في إبريل/ نيسان 2019، والرستن في يوليو/ تموز 2019، شهدت علاقات البلدين تحسّنا مطردا، تجاوز تفاهمات سورية إلى منظومة الصواريخ أس 400، وأنابيب الغاز، ورعاية محادثات السلام في ليبيا. ولم تخل المناورات الدبلوماسية التركية من تصرّفات إشكالية، منحت الجيش الروسي وجودا ونفوذا مجانيا في منطقة شرقي الفرات بعد عملية “نبع السلام” أخيرا. وبناء عليه، بدأت أسئلة سورية عدة تطرح عن مغزى التحالف مع تركيا، في ضوء اهتمام الأخيرة بمصالحها وإهمالها مصالح المعارضة السورية وشرعية وجودها مقاومة مسلحة.

علاقة ملتبسة مع الفصائل

لم تقدم أنقرة دعمًا عسكريًا وماديًا كبيرًا للمعارضة السوريّة المسلحة خلال السنوات الخمس الأولى من عمر الحرب السوريّة. كانت، باختصار، ممرا أساسيًا للمساعدات العسكرية التي قدمتها دول خليجية عدة، ومقرا لتنظيم تدفق السلاح إلى فصائل بعينها، بالتعاون مع الولايات المتحدة، ضمن ما عرف بغرفة الموم (MOM). بموازة ذلك، كان البعد الاستخباراتي هو المحدد الأهم لعلاقة تركيا مع الفصائل السورية المسلحة، وصل تأثيره إلى حد التحكّم بإغلاق المعارك أو فتحها، بالإضافة إلى توجيه الدعم المسلح والإنساني وحجبه. ولكن الحال تغير بعد معركة إدلب في 2015، إذ بدأت أنقرة تكثف دعمها الفصائل السوريّة، وفق نهج انتقائيّ جعل “فيلق الشام” الوجهة الأبرز لهذا الدعم. ولكن الاندفاع التركي للتأثير عسكريّا في حسم مسار الحرب السوريّة اصطدم بالتدخل العسكريّ الروسي، والحملة العسكرية المضادة على حلب التي انتهت بسقوط المدينة نهاية 2016.

كان لخسارة حلب وقعها الرمزي على المعارضة السورية، بوصفها نقطة البداية في مسار هزائمها المتتاليّة، والتي انتقلت من الميدان إلى المفاوضات السياسية. أنشئ مسار أستانة بديلا عن مفاوضات جنيف ومرجعيته، واضطلعت روسيا وإيران وتركيا بدور الضامن بديلا عن الأمم المتحدة. تعهدت أنقرة بإحضار المعارضة، وإجبار فصائلها على تنفيذ التفاهمات المؤقتة عن مسار لم ينته من الجولات. عوقب الرافضون، بما فيهم الصامتون، كأحرار الشام، وحرموا من دعمٍ لا يأتي إلا عبر البوابة التركيّة. حتى بعد انصياعها على مستوى الخطاب والسلوك للمتطلبات التركيّة، وإرسالها جنودها وعتادها للقتال إلى جانب الجيش التركي في عملية “غصن الزيتون”، لم تنتصر أنقرة لحلفائها أمام هجمات جبهة النصرة، على الرغم من وعودها لهم، وتعهداتها دوليا بالفصل بين المعارضة، المعتدلة والجهادية، تمهيدا لتفكيكها أو القضاء عليها. بدلا من ذلك، اختارت أنقرة التنسيق مع الهيئة، بوصفها قوة الأمر الواقع في إدلب، لحماية نقاط مراقبتها بوصفها أعلى الأولويات.

لن نقاتل إلا في الهجوم

مثل اتفاق سوتشي الذي وقعه الرئيسان، الروسي بوتين والتركي أردوغان، في سبتمبر/ أيلول 2018 أقصى ما يمكن لأنقرة أن تقدّمه لروسيا في سورية، حيث حصرت دورها الميداني في شمال سوريّة، واختصرت دورها السياسي في تحضير قائمة المعارضة للجنة الدستورية التي خطتها روسيا مدخلا لحل الأزمة السورية. برّرت أنقرة مجدّدا اتفاق سوتشي بأنه الخيار الواقعي المتاح مع روسيا، وأنه سيضمن وقفا دائما لإطلاق النار مقابل الدخول في عملية سياسيّة تبدأ بالدستور، وتنتهي بانتخابات تشريعية ورئاسيّة. ولكن موسكو، كعادتها، لم تلتزم بما تعهدت، وشنت غير مرّة حملات عسكريّة بريّة وجوية مكثفة، ضمن حدود الاتفاق الأخير، متجاوزة النقاط التركيّة التي وضعتها أنقرة خطوطًا حمرا لا يمكن تجاوزها. إدانات أنقرة وشجبها عمليات النظام لم تلق آذانا لدى موسكو التي استمرت في توفير الدعم الجوي، لينهي واقعيا مع سيطرته تاليا على مورك، وخان شيخون، والمعرّة، وسراقب، هذا الاتفاق، وينتقل تدريجيا إلى مرحلةٍ جديدةٍ عنوانها استهداف الوجود التركيّ في سورية، لإجبارها على الانسحاب، طوعا أو رغما، من إدلب.

غيّر الرد التركي الخجول حسابات المعارضة وتكتيكاتها في سورية، وطبيعة استجابتها للهجوم العسكري. أيقنت الفصائل المقاتلة في سورية، على اختلاف تصنيفاتها، جهادية، إسلامية، جيشاً حراً، أن تكرار تكتيكاتها العسكرية، من دون دعم دولي، لن يؤدّي إلى نتائج تختلف عن سابقاتها، من حيث خوض معارك ضارية فترة طويلة، تتسبب بتدمير بشري ومادي كبير، يعقبها اضطرار للانسحاب ووقف إطلاق نار هش. لذلك، ومع دخول قوات النظام والروس حدود اتفاق سوتشي، بدأت المعارضة تسلم المناطق من دون مقاومة وتستبق دخول قوات النظام بالانسحاب من المدن والقرى، حتى وإن وجدت مقاومة شكلية.

خيارات تركيا

لامبالاة المعارضة أو “مبالاتها لأول مرة” وضع أنقرة في موقف حرج عسكريا وسياسيا، فقوات النظام في مسار تقدّمها الحالي قد تصبح، في وقت قريب، على الحدود السورية التركية، وتنهي المنطقة العازلة التي فصلت إجباريا بين النظام وتركيا خلال السنوات الماضية. وقد ألقى ذلك بتداعياته على فهم تركيا ما يجري في إدلب (على الأقل على مستوى التصريحات والحشود العسكرية) واعتبارها لأول مرة خطرا داهما على الأمن القومي التركي. على هذا الأساس، انطوت كلمة الرئيس التركي، أردوغان، على نبرة خطابية جديدة، موجهة إلى الداخل التركي دون غيره، محذرا من أن الامتناع عن اتخاذ ردٍّ مناسب على مقتل الجنود الأتراك، وإيقاف تقدّم النظام السوري في إدلب سيؤدي إلى نقل القتال إلى الأراضي التركية، وأن الشعب لن يكون في مأمن إذا وصل النظام إلى الحدود.

باختصار، تبدو معركة إدلب معركة تركيا هذه المرة في ظل تراجع قوات المعارضة واشتراطها ضمنيا انخراطًا عسكريا تركيًا مباشرا بعد تجارب مريرة سابقة. لدى أنقرة خياراتٌ كثيرةٌ في إدلب، أكثرها سوءا القبول بالوضع الحالي، لأنه ينهي دورها في ترتيبات الحل السياسي، ويهدّد مناطق أخرى، تنتشر فيها قواتها في مناطق “غصن الزيتون” و”درع الفرات” في ريفي حلب الشمالي والشرقي، وقد يحمل مخاطر مستقبلية عليها، بعد وصول المفاوضات بين قوات سوريا الديمقراطية والنظام السوري إلى مرحلة متقدمة لمواجهة عدوها المشترك.

——————————–

سوريا: ثلاثة سيناريوهات روسية للسيطرة على إدلب/ منهل باريش

ارتفع عدد نقاط المراقبة التركية المطوقة بقوات النظام إلى خمس نقاط، كما كان متوقعا، بسبب استمرار المعارك والانسحابات المتواصلة لفصائل المعارضة، حيث طوقت قوات النظام نقطتي المراقبة في تل العيس والراشدين الواقعتين شرقي طريق حلب – دمشق “إم 5″، بعد أن طوقت نقطة المراقبة السابعة في تل الطوقان شرقي سراقب في 5 شباط/فبراير الجاري. وأعلن جيش النظام السوري يوم الجمعة تأمينه كامل طريق حلب – دمشق “إم 5″، مروراً بإدلب وحماة.

وتطبق روسيا تفسيرها الخاص لاتفاق سوتشي فبدأت معركة السيطرة على طريق “إم 5” بعد فشلها بإقناع تركيا فتح طريق الترانزيت. وتشير العمليات والانهيار الكبير في خطوط الجبهات إلى غياب أي شكل من أشكال المقاومة في ريف إدلب الشرقي، وشكل سقوط معرة النعمان خلال ساعات صدمة كبيرة لجمهور الثورة وأنصارها في الشمال السوري.

وسيطرت قوات النظام السوري خلال الأسبوع المنصرم على جبهات ريف حلب الجنوبي، وصولا إلى ايكاردا وبلدة البرقوم ومنها الى بلدة الزربة الاستراتيجية، ومن محور البرقوم – الزربة. بدأت قوات النظام بالتقدم غربا متجاوزة طريق الترانزيت “إم 5”. وبدون مقاومة تذكر تقدمت قوات النظام والميليشيات الإيرانية وسيطرت على كفر حلب وعرادة وازناز والشيخ علي لتبدأ عمليات صد المعارضة لمنع النظام من كسب مزيد من الأراضي من خلال قضم ريف المهندسين الثانية (الغربية) ومعسكر الفوج 46 – قوات خاصة الذي سيطرت عليه فصائل الجيش الحر في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012. لكن قصف القاذفات الروسية للمنطقة بالقنابل شديدة الانفجار، وغياب السلاح الثقيل عن جبهات المعارضة، إضافة لغياب هيئة “تحرير الشام” و”الجبهة الوطنية للتحرير” واعتمادهما على المحليين المنضوين في الفصيلين من أبناء ريف حلب الغربي كلها أمور سهلت العمل العسكري للقوات المهاجمة. ومع السيطرة على الفوج 46 تصبح قوات النظام على مسافة 3 كم من بلدة الأتارب، أحد أبرز معاقل الثورة السورية في شمال البلاد.

سناريوهات المعارك

مع السيطرة الكاملة لقوات النظام على طريق الترانزيت الرئيسي في سوريا وتمددها في غرب سراقب وصولا إلى النيرب ومعسكر الشبيبة على طريق سراقب – اريحا “إم 4” وتوسيع مساحة سيطرتها إلى سان وشرق سرمين وآفس والطلحية ومعارة عليا وأفس واقترابها من بلدة الأتارب في ريف حلب الغربي تصبح العمليات العسكرية المراقبة أمام ثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأول هو حل قضية إدلب على الطريقة العسكرية الروسية، ويطبق على الأرض من خلال استمرار العملية من ريف حلب الغربي عبر السيطرة على الأتارب وسرمدا وصولا إلى باب الهوى. وهو ما يعني محاصرة كامل محافظة إدلب والأجزاء المتبقية من محافظتي اللاذقية وحماة. وفي حال اتخذ الروس هذا القرار فذلك يعني أننا سنشهد واحدة من أكبر عمليات التدفق البشري في التاريخ الحديث حيث سيسعى أكثر من مليوني مواطن متواجدين قرب الحدود التركية السورية وفي المناطق البعيدة عن خطوط القتال إلى الهروب باتجاه منطقة عفرين وريف حلب الشمالي (منطقة درع الفرات).

السيناريو الثاني هو بدء عملية عسكرية للسيطرة على ما تبقى من طريق حلب – اللاذقية “إم 4” وهي المسافة بين بلدة النيرب وجسر الشغور مرورا بمدينة اريحا وبلدات اورم الجوز ومحمبل وفريكة وتقدر بنحو 60 كم على الطريق الجديد أو طريق الخرافي كما يعرف محليا نسبة إلى شركة الخرافي الكويتية التي كانت تقوم بشقه قبل اندلاع الانتفاضة السورية بسنوات. وفي حال حصول هذا السيناريو فإن كامل المناطق جنوب الطريق ستسقط تلقائيا ولن يفضل المدنيون المتبقون في قرى جبل الزاوية وسهل الغاب وجبل  شحشبو الحصار وسيتوجهون شمالا، وسيفضي هذا إلى خسارة نصف مساحة سيطرة المعارضة حالياً. وتهدد هذه العملية بفقدان المدن الكبرى المتبقية في المحافظة وهما اريحا وجسر الشغور. ومع تلك العملية لن تكتفي روسيا والنظام بهذا بل سيندفعان من أجل البحث عن نصر سياسي كبير يتوج في السيطرة على مدينة إدلب باعتبارها مركز المحافظة.

السيناريو الثالث هو فتح طريق “إم 5” وتنظيف الجيوب القريبة منه بهدف تشغيله، والجيوب المتوقعة هي: المنطقة الممتدة بين عندان في ريف حلب الشمالي وصولاً إلى الأتارب في ريف حلب الغربي  بهدف تأمين مدينة حلب وإبعاد القذائف الصاروخية التي تطلقها فصائل المعارضة عن مدينة حلب، وفتح الطريق بين حلب ونبل والزهراء والمقطوع في حيان وحريتان وعندان. وبالطبع فإن الفوعة وكفريا يعتبران هدفاً إيرانيا ملحاً إذ تأتي السيطرة عليهما في سياق الرغبة الروسية بإعادة السيطرة على مطار الحوامات بالقرب من تفتناز. ويدلل حجم المشاركة الإيرانية وأعداد قتلى الميليشيات على أن هدف إيران من تلك المعركة يلخص بهدفين، فتح طريق نبل والزهراء واستعادة السيطرة على الفوعة وكفريا ومنع تكرار ما حصل في عام 2015 عندما قطع جيش الفتح اتصالهما بمدينة إدلب ما يعني أن العمليات العسكرية ستتوسع في جوارهما بهدف تأمين البلدتين.

تصعيد روسي تركي

أسقطت الجبهة الوطنية للتحرير طائرتين مروحيتين خلال هذا الأسبوع الأولى بالقرب من بلدة النيرب وترافقت مع هجوم الفصائل على البلدة بهدف طرد قوات النظام منها، وأخرى تلت سقوط الفوج 46 وبدء النظام التمهيد من الجهة الشمالية لجيب عندان – حريتان. ويأتي الاستهداف هذا ليمنع توسيع العملية البرية التي تقودها موسكو. إن إسقاط الطائرة الثانية بمثابة فرض حظر للطيران العمودي فوق منطقة إدلب الذي يلقي البراميل المتفجرة على المدن والأحياء في حين يستثني الطيران الحربي للروس والنظام حتى اللحظة. وتتخذ تركيا أشد الاحتياطات لمنع حصول أي خطأ يوتر العلاقة بين أنقرة وموسكو على غرار ما جرى إثر إسقاط الطيران التركي قاذفة سوخوي روسية نهاية عام 2015.

وانتقدت وزارة الدفاع الروسية التصريحات التركية ووصفتها “بأنها غير مسؤولة ومن شأنها التسبب في تصعيد الوضع بإدلب واتخاذ قرارات متسرعة”.  ونفى مركز المصالحة الروسية في حميميم، الجمعة، ما نقل على لسان مسؤولين أتراك حول مقتل 63 جنديا تابعين للنظام. ووصف المركز في بيان له أن “مثل هذه التصريحات حول قصف القوات الحكومية السورية من قبل وحدات من القوات المسلحة التركية وسقوط جنود سوريين نتيجة لذلك لا أساس له من الصحة” حسب وكالة سبوتنيك الرسمية. وحمل البيان الدفاع التركية مسؤولية “تقديم معلومات كاذبة لقيادة البلاد حول الوضع في منطقة خفض التصعيد في إدلب”.

وتحاول أنقرة الضغط على روسيا لوقف العملية العسكرية من خلال تحميل الهجوم إلى النظام السوري وحده وعدم انتقاد القصف الجوي الروسي الذي غير ميزان القوى على الأرض عملياً. وتحاول فرض وقف العملية العسكرية من خلال الدفع بمزيد من القوات البرية والمدرعات. كما تحاول أنقرة رسم حدود “المنطقة الآمنة “التي ترغب بإنشائها وهو ما يفسر انتشار أغلب القوات التركية داخل زاوية تقاطع طريقي “إم 5″مع “إم 4”.

في المقابل فإنه من غير المستغرب استكمال روسيا عملية برية حسب السيناريوهات أعلاه بدون الصدام مع الجيش التركي وهو ما تم اختباره سابقا في كل نقاط المراقبة المحاصرة أو النقاط الصغيرة المحدثة على طريق حلب – دمشق ” إم 5″. ورغم أن انتشار آلاف الجنود الأتراك سيعيق التقدم قليلا وسيوتر العلاقة مع روسيا إلا أن موسكو في نهاية المطاف ستتمكن من تحقيق السيطرة على إدلب بطرق شتى بدون صدام مباشر، كما هو الحال في تطبيق سيناريو الوصول إلى باب الهوى ومحاصرة كامل محافظة إدلب.

القدس العربي

————————-

تركيا تَحشد.. تمهِل.. ثمّ تقدّم التّنازلات/ رانيا مصطفى

كانت أنقرة قد أرسلت إلى الداخل السوري أكثر من خمسة آلاف جندي تركي، حين قصفت قوات النظام السوري النقطة التركية في ريف إدلب، ما تسبب بمقتل 14 جنديا تركيا.

كان من المفترض بقيادة الجيش التركي أن تصعّد عسكرياً رداً على الحادثة، لكنها اكتفت بالتصعيد الخطابي للمسؤولين الأتراك ضد انتهاكات النظام والروس، واحتفظت بحق الردّ إلى ما بعد فبراير، وفق مهلة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، التي أعطاها للنظام السوري، للعودة إلى ما وراء نقاط المراقبة التركية.

في حين أن إسقاط مروحيتي النظام، الثلاثاء ثم الجمعة، من قبل الفصائل المعارضة، يعتبر رداً تركياً خجولاً على قتل جنود أتراك، بالنسبة إلى دولة إقليمية كتركيا تقول إنها ستفرض أجندتها على روسيا، الدولة العظمى، إذا لم ترضخ الأخيرة للشروط التركية.

هذا الرضوخ التركي، وتأجيل المعركة مع النظام، وبالتالي داعميه الروس، ينبئ بأن تلك المواجهة لن تحصل؛ فلا قدرة لأنقرة على حرب مفتوحة مع موسكو ودمشق، إلا إذا حصلت على دعم من الولايات المتحدة ومن حلف شمال الأطلسي، وهذا مستبعد جداً.

حصلت أنقرة على تعاطف واشنطن بعد الحادثة، والأخيرة استغلت الفرصة لتأجيج خلاف تركي – روسي، فأرسلت المبعوث جيمس جيفري إلى تركيا، ليتحدّث، باللغة التركية، عن دعم استخباراتي وعسكري لأنقرة، واصفاً الجنود الأتراك الذين قضوا في الحادثة بالشهداء.

تعلم أنقرة أن واشنطن ليست في وارد تقديم الدعم لتركيا في ملف إدلب وعموم الملف السوري؛ فتركيا شريك غير محبّب في سوريا لواشنطن وإسرائيل، ولدول عربية تنوي الحصول على نفوذ مستقبلي في سوريا بدعم أميركي، بل وروسي أيضاً.

في حين أن دول حلف الناتو بالأصل لديها مشاكل مع تركيا، ازدادت مؤخراً مع التفاهمات والاتفاقات الروسية – التركية بما يتعلق بتقديم موسكو منظومات دفاعية لأنقرة، وبالعلاقات التجارية والمشاريع الاقتصادية. وكذلك دول الناتو مستاءة من الطموح التركي للنفوذ في شرق البحر المتوسط، وخاصة الحصول على مصادر الطاقة قرب قبرص، والوصول إلى السواحل الليبية مؤخراً.

تفضّل أنقرة اختيار الاستمرار بشراكة موسكو في سوريا، رغم أنها تعلم أنها شراكة مؤقتة، وفيها الكثير من التنازلات التركية لدولة عظمى تعتبر سوريا كلها منطقة نفوذ لها، وأن توزيع بعض الحصص الصغيرة لحلفائها ينبغي أن يتم بإشرافها، ودون أن يؤثر على أجندتها المستقبلية في سوريا.

لذلك فإن التصعيد الخطابي، الانفعالي، التركي، يأتي في سياق محاولة الحصول على بعض المكاسب، خاصة ما يتعلق بمنطقة آمنة على حدودها مع سوريا لإيواء النازحين من العمليات العسكرية، والبالغ عددهم منذ بدء العملية العسكرية للنظام في ديسمبر الماضي قرابة الـ980 ألف مدني، الفارّين من ريفي إدلب وحلب.

فلو كانت تركيا، اليوم، مهتمّة بنفوذها ضمن مناطق المعارضة لما كانت قبلت باتفاقات خفض التصعيد مع روسيا، ضمن مسار أستانة، وما تلاها من هدن وتسليم مناطق حلب الشرقية وغوطة دمشق والجنوب السوري وريف حمص الشمالي، تباعاً إلى روسيا، مقابل نفوذها ببعض المناطق الحدودية في ريف حلب (عفرين وجرابلس والباب)، وهي استراتيجية بالنسبة إليها، كونها تقطع على الوحدات الكردية وداعمها حزب الـ”بي كي كي” فكرة الانفصال بدولة كردية تمتد غرباً.

ليس في إدلب ثروات نفطية، وليست منطقة صناعية أو فيها كتل عمرانية هامة؛ بل فيها تتجمع المعارضة السورية المسلحة، من سكانها، ومن القادمين من مناطق خفض التصعيد الباقية، وفيها أيضاً يتجمّع جهاديو هيئة تحرير الشام وسلفيّوها، وما يقع على يمينها من تنظيمات متشددة غير سورية، مثل “حراس الدين” الحزب الإسلامي التركستاني، وغيره..

وبالتالي إدلب ليست مكسباً تركياً، بل إن ترتيب وضعها الداخلي مهمة صعبة، لطالما تهرّب منها الأتراك، وأجّلوها، خاصة ما يتعلّق بحل المعضلة الجهادية فيها. فيما حصلوا على مكسبهم منها بإخضاع آلاف المقاتلين من الفصائل المعتدلة إلى إمرتها، وهو ما اتضح مع تكرار انسحاب تلك الفصائل من خان شيخون، ثم معرة النعمان، ثم سراقب، وتوحيدها ضمن الجيش الوطني المدعوم من تركيا، وترك تلك المدن والبلدات لمقاتلين محليين من أهلها، إضافة إلى بعض الجهاديين الذين كان أداؤهم محدوداً مقارنة بعقيدتهم الجهادية؛ وتتحدث تقارير إعلامية عن تراجع كبير في أعدادهم نتيجة المعارك المتتابعة، وانسحاب بعضهم من تشكيلات غرفة “وحرّض المؤمنين” التي يتزعمها “حراس الدين” للتمركز في ريف اللاذقية وسهل الغاب.

أهمية إدلب تختلف بالنسبة إلى روسيا، تتعلق بالطرق الرئيسية، دمشق حلب وحلب اللاذقية، أما حكومة دمشق فترغب في استعادة كل المناطق، وهي اليوم تهدد بالتوغل في عمق إدلب باتجاه معبر باب الهوى مع تركيا، وقد وصلت إلى مشارف الأتارب.

راهنت تركيا مع بداية الاحتجاجات السورية، ثم التصعيد العسكري، على دعم المعارضة في إسقاط النظام؛ لكنها لمست أنها غير مرغوب فيها دولياً وإقليمياً، مع تشكيل دول “أصدقاء سوريا”، واستبعادها من التحالف الدولي لمحاربة داعش. وشعرت بخذلان واشنطن والناتو بدعمهما الوحدات الكردية قرب حدودها، وانتهى بها الأمر إلى الدخول في مسار أستانة مع روسيا وإيران، والتراجع عن طموحها بالنفوذ في سوريا، إلى أولوية صون أمنها القومي.

وبالتالي لا مطامح تركية من التصعيد الخطابي والعسكري في إدلب سوى تأمين شريط حدودي، قد يتطلب منها عملية عسكرية محدودة ضد قوات النظام بعد انتهاء مهلة فبراير، على غرار ما فعلت شرق الفرات للسيطرة على الشريط بين تل أبيض ورأس العين.

وبالنتيجة، كل ما فعلته تركيا في سوريا هو تدجين المعارضة السياسية ومصادرة قرار الفصائل العسكرية، أي أنها ساهمت في إنهاء الثورة السورية، لا دعمها؛ وهنا خطأ المعارضة والفصائل، أنها وضعت كلَّ بيضها في السلة التركية.

ولعل الفشل التركي في سوريا، على مدار سنوات الصراع التسع، هو ما دفعها إلى مغامرة توسيع دائرة مطامحها صوب السواحل الليبية، علّها تنجز نفوذاً عجزت عن تحقيقه في سوريا، من بوابة دعم الحكومة هذه المرة، لا المعارضة كما فعلت في سوريا.

كاتبة سورية

العرب

———————————

فخ استراتيجي ينتظر أنقرة في سورية/ عبد الناصر العايد

فيما اتجهت الأنظار، في الأسبوعين الفائتين، إلى إدلب السورية، واعتبار استعادتها هدفاً مركزياً لنظام الأسد وحليفه الروسي، تُنسج ما بين حميميم ودمشق والقاهرة والقامشلي، خيوط خطّة محكمة للإيقاع بأنقرة في فخ استراتيجي، يقلب الطاولة عليها على نحو دراماتيكي، ويُقصيها خارج المشهد السوري، وربما الإقليمي، فيما لو لم تتحرّك واشنطن بشكل جدّي لصالح تركيا، حليفتها طوال عهد الحرب الباردة.

ويلاحظ المتابع لتصريحات الجانب الروسي، وتابعه نظام الأسد، الضخ الدبلوماسي والإعلامي باتجاه تصوير الصراع الحالي كـ”حرب” بين نظام الأسد وتركيا، هدفه تغيير جوهر القضية السورية، وتحويلها من صراع شعب ضد نظام دموي إلى صراع إقليمي، وذلك بعد أن استفذت ذريعة مكافحة الإرهاب قدرتها على طمس تلك الحقيقة، وهذا ربما بات مفهوماً لدى دوائر صنع القرار في الإقليم والعالم، بل وتتشارك معطياته وتدفعه قدماً جهات فاعلة عديدة ترغب في رؤية تركيا وقد فقدت كل أوراقها السورية، بل وتحولت تلك القضية إلى عبءٍ عليها، لكن هل هذا كل شيء؟

لا، فقد توفرت في اليومين الماضيين معلومات مؤكّدة من شرق الفرات، تفيد بوجود تنسيق عالي المستوى، بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يهيمن عليها كوادر حزب العمال الكردستاني، وقوات النظام، برعاية روسية، لزجّ أعداد كبيرة من مقاتلي “قسد” في معركة كسر عظم مع تركيا، بمجرّد أن تتمكّن قوات الأسد من بلوغ حدود عفرين، أو المنطقة الجبلية المتاخمة لباب الهوى، مع وعود بمنح غطاء جوي، وبمضادّات الطائرات المحمولة على الكتف، لتخفيف وطأة تأثير الضربات الجوية التركية، ومع احتمال نشوب اشتباك جوي بين “قوات النظام” والطيران التركي، في حال اقتضى الأمر.

أما لماذا عفرين، فبعد هزيمة حزب العمال الكردستاني في ذلك الجيب الجبلي المنيع، وتهجير مئات الآلاف من السكان الأكراد، اتخذت قضية عفرين بعداً رمزياً ضاغطاً على قياداته، ليس فقط لناحية خسارة هذا المعقل الاستراتيجي، بل أيضا لضغط عشرات آلاف حمّلوا الحزب مسؤولية اقتلاعهم من ديارهم وتشريدهم ربما إلى الأبد. ومع ازدياد وتائر توطين المهجّرين هناك، فإن قيادة “الكردستاني” وكوادره مستعدون لتقديم أي ثمن لاسترجاع هذه المنطقة من غريمهم التاريخي، الدولة التركية.

وسيكون فتح معركة عفرين، التي تحظى بتعاطف عالمي واضح، مدعوماً بقوى شعبية ورسمية واسعة، تعجز أنقرة عن مواجهتها والتصدّي لها جميعها، خصوصا في ظل الجفاء المعلن مع واشنطن، والمماحكة المتواصلة مع أوروبا، بل إن أطرافاً إقليمية لن تتوانى عن دعم القوات الكردية بكل ما يلزم، لكسر شوكة أنقرة هناك. ومعلومات الكاتب تشير إلى حصول الأكراد فعلياً على وعود من هذا النوع، في زيارة رئيسة الهيئة التنفيذية لمجلس سوريا الديمقراطية، إلهام أحمد، ورفاقها، أخيرا، إلى القاهرة.

وفي وضع مثالي، كانت أنقرة تطمح إلى مقايضة وجودها العسكري في الشمال الغربي من سورية بإنهاء الكيان الكردي شرق الفرات، وكانت الأمور تسير بشكل حسن مع موسكو، ابتداء من فسح المجال الجوي لتنفذ عملية غصن الزيتون في عفرين، مروراً بالسماح لها بالحضور بشكل ملموس في أرياف إدلب وحماة وحلب، تحت مسمى نقاط المراقبة الشهيرة، وصولاً إلى عملية “نبع السلام” التي انتزعت من خلالها كلاً من تل أبيض ورأس العين. ووطّدت هناك ما ظنّته تحالفاً استراتيجياً مع الروس، بعد تخلّي الأميركان عن هذا الملف كليّة، من دون أن تحسب أنقرة حساباً على الإطلاق لانقلاب الكرملين عليها، وتحويل كل تلك الأوراق التي تمتلكها إلى أوراق ضدها، سواء من خلال دعم الأكراد وتقويتهم، بدل الضغط لتفكيك كيانهم، أو رفض وجود الجيش التركي على الأرض السورية، بذريعة استعادة نظام دمشق عافيته، وقدرته على بسط نفوذه على كامل الأراضي السورية، وتخييرها أخيراً فيما يخص ورقة اللاجئين التي طالما لوّحت بها، بين أن تدخلهم إلى تركيا وتتحمّل عبئهم، وتريح نظام الأسد المنهك منهم، وهم المعارضون الأكثر جذريةً له، وبين أن تتركهم فريسة لهذا الأخير، ليعيد “تشكيلهم” كما يشاء، بعد فقدانهم شبر الأرض الأخير الذي يستطيعون العيش عليه مع الحفاظ على موقفهم المعارض.

أما كردياً، فإن عفرين هي بمثابة الهدية التي سيمنحها الروس لقيادة حزب العمال الكردستاني (في جبال قنديل) مقابل الخضوع التام، ليس لناحية الحل السياسي الذي تقترحه، أو لناحية دمج قوات “قسد” في جيش النظام وحسب، بل وأيضاً، وفي المقام الأول، لإعادة صياغة علاقتهم بواشنطن وقواتها في شرق سورية، تلك العقبة الكأداء التي تؤرّق موسكو، وتمنعها من فرض رؤيتها النهائية في سورية.

وفق هذا التصور، سيكون ثمّة جيب معزول في غرب إدلب وشمالها، يهيمن عليه قائد هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة)، أبو محمد الجولاني، وصحبه من المتشددين. وهؤلاء الذين لا تكفّ موسكو عن التذرع بمحاربتهم والقضاء عليهم، في حربها على الشعب السوري، سيتم الاحتفاظ بهم، هكذا ببساطة.

سيحتاج نظام الأسد لمركز المحافظة، مدينة إدلب، لإعادة أجهزته إليها، وإعلان فرض السيادة مجدّداً، لكن الجيب الجهادي سيبقى بنكاً للأوراق الاستراتيجية التي يهدّد بها خصومه، وقبل كل هؤلاء، يُخضع بها الشعب السوري، واستخدامها سيكون شبيهاً باستخدام سجن صيدنايا الذي كان يحتجز فيه الجهاديين، ويطلقهم منه، وفق ما تقتضيه مصالحه وصراعاته، لكن هذه المرّة على نحو موسع، ومع شريك دولي، هو الرئيس الروسي بوتين.

إلى ذلك، في مطلع سنة 2021 ثمّة موعد جديد لانتخابات رئاسية في سورية، ويريد الأسد وداعموه أن تجري وقد فرض سلطته على كل أراضي “الجمهورية العربية السورية”، ليستعيد الشرعية بشكلها الرمزي، على أن يتكفل الحلفاء بتعويمه فعلياً بعد ذلك، حتى لو بقيت القوات الاميركية في المناطق التي تسيطر عليها في شرق سورية، فهي تهيمن على أجزاء من محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، لكن ليس بينها أي من مراكز المحافظات الثلاث. وبالتالي، من الناحية الدستورية، يمكن إجراء انتخابات عامة وشاملة لمن بقي داخل البلاد. أما اللاجئون الذين يقارب عددهم نحو ثلث عدد السكان، فسوف يتم إهمالهم كلياً أو جزئياً. وفي تلك الأثناء، سيكون الطرف التركي مجرّد طرف خارجي، لا يملك فعلياً أي أداة في الداخل السوري، وسيتم التفاوض معه حينها انطلاقاً من ذلك الوضع، ربما لمنح المعارضة السورية المرتبطة به بعض المزايا لاحتوائها، بلا توقعات أو أوهام كبيرة.

الخيارات المطروحة على أنقرة في هذه المرحلة للحفاظ على مصالحها الجيوسياسية ثلاثة فقط: خوض مواجهة عسكرية وسياسية شاملة غير مضمونة النتائج، إعادة صياغة العلاقة مع موسكو بواقعية، الاتجاه غرباً من جديد، وإلى واشنطن تحديداً. وفي جميع هذه السيناريوهات المطروحة، ثمّة تنازلات، على الرئيس التركي، أردوغان، أن يتمتع بالمرونة والحكمة لتقديمها بشكل متناسب، قبل فوات الأوان.

——————————

على طريق حلب دمشق/ فاطمة ياسين

يتكرّر ذكر الطريق الدولي M5 في التحليلات العسكرية ونشرات الأخبار التي تتابع سير تحرّك الاشتباكات في الشمال السوري، وتجذب أخبارُ التموضعات العسكرية على طول الطريق المذكور بعض التحليلات الاقتصادية. بالنسبة لاقتصاد النظام، خرج الطريق عن الخدمة منذ فترة طويلة، حين انتقل إلى كفة المعارضة في أكتوبر/ تشرين الثاني 2012، بعد سيطرتهم على معرّة النعمان، والطريق من مورك شمال حماة حتى حلب في الشرق عند دوار الموت، متحولاً إلى شارع الحمدانية، ومقطوعاً بُعيد خروجه من حمص، عند تير معلة حتى الرستن. من حينها، لم يعد لهذا الطريق دور اقتصادي يذكر، وانحصرت أهميته تقريباً بنقل العتاد العسكري والجنود من وإلى الجبهات، ولكن النظام، في الآونة الأخيرة، رأى الظروف مناسبة لاستعادته، وهو الشريان الرئيس الذي يربط جنوب سورية بشمالها، وهو الطريق الرئيس الذي يصل مركز جابر الحدودي مع الأردن بحلب، مارّاً بدمشق وحمص وحماة، إضافة إلى عدد من المدن والمراكز الحضرية الصغيرة. وأصبحت السيطرة عليه رمزاً سيادياً وفرصة لحركة اقتصادية بين دمشق وحلب.

كان هذا الطريق أحد العناوين الرئيسية في محادثات سوتشي الثلاثية بين تركيا وروسيا وإيران، واعتبره الروس حدوداً يجب استيعابها لصالح النظام، فلجأوا إلى علاقات براغماتية ناشئة مع تركيا، لتحقيق هدفهم بالحصول على كامل الطريق، والسيطرة عليه على دفعات. بدأت الخطة في شهر أغسطس/ آب الماضي، بالدخول إلى خان شيخون، ثم معرّة النعمان وأخيراً سراقب، وما زال التقدّم مستمراً وسط أنباء عن أن الطريق بالكامل أصبح تحت سيطرة قوات النظام بحماية جوية روسية مطلقة. وقد خلفت هذه الهجمات دماراً هائلاً وسيلاً جارفاً من المشرّدين والمدن الخاوية التي كانت تعيش على طرفي الطريق وتمنحه الحياة. وتغير شكل الوظيفة الاقتصادية التي كانت تميز الطريق إلى رمز عسكري، ونقطة علامة لحدود مناطق سيطرة النظام الذي توحشت فصائله والطيران الروسي في سبيل الحصول عليها، وتعرّض الطريق لضرر كبير مع مرور الوقت، من دون أن يخضع لأي نوع من الصيانات الدورية، لكنه على العكس تحمَّل ثقل الجنازير المدرّعة وأحمال الشاحنات الثقيلة، وغدا من غير الممكن التعويل عليه بشكله الحالي لتقديم خدمات اقتصادية.

خسر النظام بنيته التحتية المهمة في محافظة إدلب لصالح بقائه في حلب الغربية، وكدَّس الكثير من إمكاناته العسكرية في درعا بالجنوب، فخسر محافظة إدلب وجزءاً كبيراً من شمال حماة وغرب حلب وشمال اللاذقية، بما في ذلك شبكة طرق مهمة، تتفرّع كلها أو تصب في هذا الطريق الهام. ولإعادة الحياة، يجب أن يعاد بناؤه، خصوصا وأن تاريخ بنائه الأول يعود إلى السبعينيات، وهناك دراسة صادرة عن البنك الدولي في 23 مارس/ آذار 1978، تحت رقم P2200، توصي بتقديم قرض لسورية لإنشاء وصيانة الطريق M5 الواصل بين دمشق وحلب، بما فيها إعادة تعبيد 250 كيلومتراً، وإنشاء تحويلة عند حمص طولها 25 كيلومتراً. ويقول التقرير إن قيمة المشروع كانت 113 مليون دولار، منها 58 مليون دولار ستكون قرضاً من البنك الدولي، والباقي تموّله الحكومة المحلية. ويذكر التقرير أن قيمة الدولار تعادل ثلاث ليرات وخمسة وتسعين قرشاً سورياً فقط. ويعطي هذا التقرير فكرة عن كلف إعادة تأهيل كامل الطريق التي يحلم بها الجانب الروسي اليوم في سورية، ومنها هذا الطريق الذي أصبح أكثر شهرة من طريق الحرير.

تحتاج الاستفادة من هذا الطريق اقتصادياً أولاً لتمويل إعادة الإعمار، وهذا صعب جداً في ظل وجود قانون قيصر الذي يحاصر النظام وحلفاءه، كما أن الإعمار يحتاج إلى ديموغرافيا للعمل، وتقدّر الهيئات المختصة عددَ اللاجئين الجدد بأنه تجاوز المليون، منذ بداية الهجوم الحالي فقط، وهو رقم مرشح للزيادة.. وعلى الرغم من ذلك، ما زالت روسيا في مكان آخر، تفكر بابتلاع طريق آخر، وهو M4.

————————-

المعاناة الإدلبية في انتظار مآلات الحسابات الدولية/ عبد الباسط سيدا

إلى أين تتجه الأوضاع في منطقة إدلب؟ هل ستكون هناك مواجهة فعلية بين القوات التركية وقوات النظام، وذلك في حال عدم انسحاب هذه الأخيرة إلى مواقعها السابقة بالنسبة إلى نقاط المراقبة التركية، بموجب التهديد الذي أطلقه الرئيس التركي أردوغان، وشدد عليه في أكثر من مناسبة؟ أم أن الأمور لا تخرج عن نطاق الحرب الإعلامية، والرسائل المتبادلة بين مختلف الأطراف المنخرطة في الملف السوري، هذا بغض النظر عن التسريبات التي تتحدث عن وجود خلافات تركية ــ روسية حول ترتيب الأوضاع في منطقة إدلب؟ ولعل التصريحات الأمريكية المبهمة حول وقوف الولايات المتحدة والناتو عموما إلى جانب “الحليف التركي” توحي بوجود أساس لتلك التسريبات، ولكن من دون تحديد أبعادها ودرجة قوتها، من ثم قدرتها على إعادة النظر في الاصطفافات والتحالفات الآنية والمستقبلية.

هل سنكون أمام منطقة حظر جوي بمشاركة تركية أساسية على الأرض، وتغطية جوية سيتكفّل بها الناتو؟ أم أن الأمور لن تخرج عن نطاق توافقات وتفاهمات مسار أستانا- سوتشي، وهذا فحواه أن مهمة القوات التركية الكبيرة التي دخلت إلى الأراضي السورية، ومنطقة إدلب تحديداً من دون أي اعتراض فعلي، أو مقاومة ملموسة، سواء من جانب الروس أم النظام، لن تتجاوز حدود منع مختلف الفصائل المسلحة “المعارضة” من عرقلة تطبيق الاتفاقيات التي كانت؟

هل ستسمح الولايات المتحدة للروس بالاستفراد بملف كامل محافظة إدلب؟ أم أنها ستدعم تركيا في مساعيها الرامية إلى منع قوات النظام من الوصول إلى مدينة أدلب نفسها، وإلى الحدود التركية السورية، هذا على الرغم من التوافق المبدئي الحاصل بين الروس والأمريكان حول توزيع مناطق النفوذ، وهو الاتفاق الذي كان منذ ايام الرئيس الأمريكي السابق أوباما، ويبدو أنه ما زال ساري المفعول في عهد خلفه الرئيس ترامب؟

أسئلة كثيرة مشروعة تطرح بقصد معرفة طبيعة السيناريوهات التي يمكن اعتمادها للتكهّن بما سترسو عليه الأمور في نهاية المطاف. وإلى ذلك الحين، تستمر مأساة السكان المدنيين في المنطقة، ومعظمهم من النساء والأطفال. وهي مأساة تتفاقم حجماً وصعوبة مع تزايد عدد المدن والبلدات التي تتقدم فيها قوات النظام بدعم شمولي من جانب الروس، خاصة الطيران، بالإضافة إلى مشاركة القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها.

ومن الواضح أن كل ما يجري إنما هو حصيلة اتفاقيات وتفاهمات مسار أستانا – سوتشي، وهو المسار الذي يجمع بين روسيا وإيران وتركيا، وبغطاء سوري شكلي، لا حول له ولا قوة، سواء من جهة النظام أم من جهة المعارضة الرسمية.

وما يستنتج من سير المعارك، وتحرك قوات مختلف الأطراف، وسقوط المدن الأساسية في محافظة إدلب؛ بل ووصول قوات النظام ورعاته إلى مشارف إدلب، هو أن الجانب التنفيذي التفصيلي من مسار أستانا قد شارف على الانتهاء. هذا بغض النظر عن التهديدات والتطمينات والتصريحات الإعلامية التي تصدر عن هذه الجهة أو تلك، فالكثير مما يقال هو بقصد تسويغ المواقف والاستهلاك المحلي.

فما يجري في المنطقة المعنية إنما هو سباق محموم بين مختلف الأطراف الدولية المنخرطة في الملف السوري بغية تثبيت مناطق النفوذ ونقاط الاستناد والمراقبة، وذلك انتظاراً للتوافقات الدولية النهائية التي لن تكون من دون إرادة أمريكية؛ بل وبكلام آخر وأدق، ستكون للولايات المتحدة الكلمة الفصل في التوافق النهائي على الملف السوري إذا ما تم التوافق في يوم ما.

أما مرتكزات هذا الرأي فهي عديدة منها: أن الحطام السوري المتمثل في العمران المدمّر، والنسيج المجتمعي المتهتك، لا يمكن تمكينه من النهوض ثانية من دون جهود وامكانيات مادية استثنائية. وهذه الإمكانيات لا تمتلكها روسيا أو إيران، وحتى تركيا. فإعادة بناء العمران يتطلب أموالاً فلكية، وترميم النسيج المجتمعي في حاجة ماسة إلى ضمانات أكيدة تُقنع السوريين على اختلاف انتماءاتهم، خاصة العلويين والسنّة منهم، بإمكانية التعايش المشترك مستقبلاً، هذا ما لم يكن قد اتخذ قرار بتقسيم سوريا.

ومثل هذه الإمكانيات والضمانات لا يمكن الحصول عليها عبر الروس والإيرانيين، بل هناك حاجة ماسة لتدخل أمريكي، وهذا مؤداه تدخل أوروبي وعربي لإقناع الناس بإمكانية العيش المشترك، بعد اعتماد الحد الضروري المطلوب من الإجراءات التي تقنع الناس بأن هناك إرادة جدية لمساعدة السوريين على استعادة بلدهم، والثقة بالمستقبل.

فالأموال الأوروبية أو العربية، الخليجية تحديداً، لن تدخل سوريا بقصد إعادة البناء من دون إرادة أمريكية، وضوء أخضر واضح من جانب الأمريكان. كما أن إقناع الروس بضرورة التخلي عن بشار الأسد، الذي يظل المسؤول مع الزمرة القريبة منه عن كل المأساة السورية، لن يكون من دون تدخل أمريكي، وتوافق أمريكي روسي، وذلك في إطار حزمة تفاهمات على ملفات كثيرة في أماكن عدة.

أما المرتكز الآخر الذي يقوم عليه قولنا بمحورية الدور الأمريكي في سوريا فهو يتمثل في الالتزام بأمن إسرائيل، وهذه مسألة معلنة باستمرار، ولا يمكن لأحد أن يشكك فيها. وسوريا دولة أساسية مفصلية بالنسبة إلى إسرائيل؛ ولا يمكن لأي تغيير أن يتم فيها من دون الموافقة الإسرائيلية. هذه أيضاً مسألة واضحة يعرفها الجميع. ويبدو أن الروس قد تمكنوا من أداء دور الوسيط بين النظام وإيران من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. وبالتوافق مع الأمريكان بطبيعة الحال؛ وذلك لإدارة الأمور في سوريا بصيغة لا تشكل أي تهديد لأمن إسرائيل.

أما المرتكز الثالث الذي يؤكد أهمية الدور الأمريكي في الملف السوري، فهو يتجسد في واقع وآفاق المواجهة المعلنة بين الجانبين الأمريكي والإيراني؛ خاصة في أجواء الاضطرابات التي يشهدها كل من العراق ولبنان، وانعكاسات ذلك على الملف السوري. فالولايات المتحدة لن تتخلى عن الملف العراقي، كما أن الوضع اللبناني سيظل خاضعاً للمتابعة الأمريكية الدقيقة، وذلك لاعتبارات عدة لها علاقة مباشرة بضبط معادلات التوازن في المنطقة؛ وهي المعادلات التي تقوم على فكرة محورية هي منع تفرّد قوة معينة بالهيمنة والقدرة على التأثير النوعي؛ هذا بالإضافة إلى مقتضيات الأمن الإسرائيلي التي تظل هي الأخرى جزءاً أساسياً من معادلات وأدوات ضبط المنطقة.

ولكن في انتظار التوافق الدولي الذي لن يكون، كما أسلفنا، من دون موقف حاسم أمريكي، يعيش السوريون أوضاعاً كارثية على مختلف المستويات، وفي جميع الميادين. ففي منطقة إدلب ما زال المدنيون يتعرضون للقصف والقتل والتدمير والتشريد، وهم يضطرون للتعايش مع الطبيعة في ظروف شتوية قاسية، كما أن عدم وجود دعم إغاثي كاف من جانب المنظمات الإنسانية المعنية بمثل هذه الحالات، تزيد الأوضاع صعوبة وقتامة.

وفي المناطق السورية الأخرى، تتفاقم المشكلات والأزمات التي ترهق كاهل الناس من كل حدب وصوب، وفي مقدمتها الأزمة الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع معدلات البطالة، والانخفاض الكبير في قيمة الليرة السورية الشرائية، الأمر الذي دفع بغالبية السوريين نحو ما هو دون مستوى خط الفقر؛ وكل ذلك يؤثر سلباً في الواقع التعليمي والصحي المنهكين أصلاً، ويؤدي إلى تراكم المشكلات الاجتماعية وتفاقمها.

أما المصيبة الكبرى التي ترهق السوريين جميعا خارج التقسيم المعروف، معارضة وموالاة، أكثر من غيرها، فهي تتمثل في انعدام الثقة بالنظام والمعارضة الرسمية في الوقت ذاته، وعدم التعويل مطلقاً على أي عمل إيجابي من شأنهما القيام به من أجل التخفيف عن الناس في محنتهم الكبرى. لذلك تتوجه الأنظار جميعها نحو التوافقات الدولية المنتظرة التي لن ترى النور على الأغلب في غضون هذا العام على أقل تقدير، وذلك نتيجة انشغال الأمريكان بانتخابات الرئاسة التي من المتوقع أن تعاني من حالة استقطاب حادة على المستوى الأمريكي، خاصة بعد الانقسام الحزبي الواضح في مجلس الشيوخ حول موضوع تبرئة الرئيس الأمريكي ترامب من التهم الموجهة إليه في سياق عملية محاولة عزله من جانب الديمقراطيين. فالقرارات الحاسمة في الملفات الملحة، ومن بينها الملف السوري والعراقي واللبناني، ستكون مؤجلة، ريثما ينقشع غبار معركة الرئاسة، وتتشكل الإدارة الجديدة.

وما يستنتج من المعطيات والمؤشرات حتى الآن، هو أن العلاقة بين الملفات الثلاثة المشار إليها وموضوع المواجهة مع إيران باتت وثيقة، وهذا فحواه أن الانفراج في الملف السوري لن يكون قبل حسم موضوع طبيعة وحدود الدور الإيراني في المنطقة، وهذا فحواه المزيد من المعاناة بالنسبة إلى السوريين.

* كاتب وأكاديمي سوري

القدس العربي

———————————–

التخلي عن إدلب أو محاربة هيئة تحرير الشام: هل باتت تركيا أمام خيارين لا ثالث لهما؟/ إسماعيل جمال

إسطنبول-“القدس العربي”: وجدت تركيا نفسها مجدداً أمام الخيار الأصعب منذ بدء الأزمة السورية، والمتمثل في ضرورة الاختيار في أسرع وقت بين الانسحاب من محافظة إدلب شمالي سوريا لصالح روسيا والنظام وتحمل الفاتورة الباهظة لهذا القرار، أو التكفل بمكافحة هيئة تحرير الشام “جبهة النصر سابقاً” وذلك من أجل التمكن من الاستمرار في الانتشار في إدلب وسحب الذرائع من النظام وروسيا وتجنب النتائج “الكارثية” لسيطرتهما على المحافظة.

وتتخذ روسيا والنظام من وجود ما تقول إنها تنظيمات إرهابية وعلى رأسها هيئة تحرير الشام مبرراً لاستمرار وتبرير الهجمات السابقة والحالية على إدلب، بدعوى مكافحة الإرهاب، وهو ما يضعف موقف تركيا أمام روسيا والمجتمع الدولي، وذلك على الرغم من تيقن أنقرة بأن هدف النظام لا يتعلق بالتنظيمات الإرهابية وإنما بإنهاء المعارضة السورية بكافة أشكالها الشعبية والعسكرية المعتدلة والمتشددة، وبسط سيطرته على كامل الأراضي السورية.

وتصنف الكثير من دول العالم هيئة تحرير الشام التي كانت تحمل سابقاً اسم جبهة النصرة التي ولدت من رحم تنظيم القاعدة على أنها منظمة إرهابية، كما صنفتها تركيا كذلك، لكنها لم تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة معها على غرار ما فعلت مع تنظيمي “داعش” و”بي كا كا/ب ي د” في شمالي سوريا.

وفي إطار اتفاق سوتشي الموقع مع روسيا عام 2018، تعهدت روسيا بسحب التنظيمات المسلحة من منطقة عازلة بعمق 15 إلى 25 كيلومترا، كما تعهدت بفصل ما أطلق عليهم العناصر المعتدلين عن العناصر المتشددين المنتمين إلى “التنظيمات الإرهابية”.

لكن تركيا اتهمت النظام بعدم الالتزام بتعهداته بالانسحاب هو أيضاً من حدود المنطقة منزوعة السلاح أو وقف الهجمات العشوائية أو تحقيق أي تقدم في المسار السياسي لتمكينها من الضغط على هيئة تحرير الشام لحل نفسها أو محاربتها عبر عمليات عسكرية سواء محددة أو واسعة ضدها.

ورغم اضطرارها لتقديم تعهدات باتخاذ إجراءات ضد هيئة تحرير الشام في إدلب لوقف هجمات النظام على المحافظة، إلا أن أنقرة لم تجد أي صيغة في الإيفاء في هذه التعهدات في ظل عدم رغبتها في الدخول في صدام عسكري مباشر مع التنظيم، وخشية أن تكون العملية بمثابة خدمة مجانية للنظام السوري الذي رفض تقديم أي تنازلات سياسية أو حتى وقف الهجمات الجوية لكي يتمكن الجيش التركي من التحرك ضد الهيئة وكي لا يظهر أن الجيش التركي يعمل بالتوازي مع النظام ضد فصيل سوري، وغيرها من الأسباب والتعقيدات.

استحقاق غير مسبوق

ومع اشتداد هجوم النظام بشكل غير مسبوق على إدلب بغطاء روسي كامل، وخشية واسعة في أنقرة من خسارة المحافظة بشكل نهائي، وعدم رغبتها في الدخول في مواجهة واسعة مع النظام وروسيا، تجد تركيا نفسها أمام استحقاق غير مسبوق بالتراجع عن مركز إدلب، أو التعهد والتكفل بمحاربة الهيئة لسحب ذريعة الإرهاب من إدلب.

والخميس، ولأول مرة، ألمح وزير الدفاع التركي خلوصي أقار إلى أن الجيش التركي يدرس إمكانية استخدام القوة ضد هيئة تحرير الشام، وقال: “سيتم استخدام القوة في إدلب ضد من لا يحترمون وقف إطلاق النار بمن فيهم الراديكاليون” مضيفاً: “نرسل وحدات إضافية لإرساء الاستقرار ووقف إطلاق النار”.

وكانت تركيا تشتكي في السابق من أن عدد قواتها في إدلب غير كاف للسيطرة عليها بشكل كامل، ولكن مع التطورات الأخيرة، أدخل الجيش التركي أعداداً كبيرة جداً من الدبابات والعربات العسكرية والأسلحة المتنوعة والذخيرة إلى جانب آلاف الجنود وعناصر القوات الخاصة إلى داخل إدلب وهو ما يتيح لها أكثر من أي وقت مضى إجبار كل التنظيمات في داخل إدلب على الالتزام بأي اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، وتنفيذ عملية عسكرية ضد هيئة تحرير الشام إذا قررت ذلك.

وحتى صباح السبت، أدخل الجيش التركي مزيداً من الأرتال العسكرية التي تضم كل أنواع العربات العسكرية المختلفة وأنظمة التشويش، كما أدخل أعدادا أكبر من قوات النخبة “الكوماندوز” وهو ما يعزز قدرة تركيا على الدخول في أي مواجهة مقبلة يمكن أن تكون مع النظام بشكل أوسع، أو تتحول نحو هيئة تحرير الشام داخل إدلب.

ومبدئياً، لا مؤشرات بعد على استعدادات تركية للدخول في مواجهة مع هيئة تحرير الشام، ولكن في حال نجاح جهود التوصل لاتفاق جديدة لوقف إطلاق النار في إدلب، ستكون تركيا مضطرة لتقديم تعهدات محددة وصارمة باتخاذ إجراءات سريعة ضد الهيئة، حيث ما زالت كافة التصريحات الروسية تركز على اتهام تركيا بالفشل في محاربة الإرهابيين في إدلب، وعدم الالتزام بتعهدات سوتشي.

وعلى الرغم من التوتر والصدام الذي وصلت إليه العلاقات التركية الروسية، إلا أن الاتصالات ما زالت قائمة بين الجانبين، فبعد جولتين من المباحثات في العاصمة أنقرة، جرى اتصال هاتفي بين اردوغان وبوتين، ويتوقع أن تجرى جولة جديدة في موسكو قريباً، بالتزامن مع اتصال هاتفي بين رؤساء أركان البلدين، وهو ما قد ينتج عنه اتفاق جديد في أي وقت.

وفي حال اضطرار تركيا لتقديم هكذا تعهدات، سيكون الخيار العسكري المباشر ضد الهيئة آخر الخيارات التركية، التي سيسبقها الكثير من الخيارات التي تتمحور حول العمل على حل الهيئة وفصل العناصر الأجنبية والمتشددة منها، وإلحاق العناصر “المعتدلة” في الجيش الوطني السوري، وهو الخيار الذي ما زال يشكك الكثيرون في فرص نجاحه.

القدس العربي

———————————

إردوغان يغرق في الوحل السوري/ فيكين شيتريان

بعد أن تخلت عن حلفائها الأوروبيين، تجد تركيا اليوم قواتها مستنزفة في مواجهات قد تزداد خطورة، فهي انخرطت في لعبة جيوسياسية طموحة في منطقة مزدحمة لتجد نفسها اليوم وحيدة تغرق في وحل معارك الشمال السوري.

لقي 6 جنود أتراك مصرعهم في 10 شباط/ فبراير، بعدما تعرضت مواقعهم لقصف مدفعي من قبل قوات النظام السوري. إذاً، هل نشهد خطر تصعيد كبير في شمال سوريا؟ هل سنشهد مواجهة مباشرة بين الجيش التركي والقوات المتقدمة الموالية للنظام السوري؟ وإن كان الأمر كذلك، هل نواجه خطر وقوع نزاع أوسع نطاقاً بين أنقرة وموسكو؟

أحرزت القوات السورية الموالية للرئيس السوري بشار الأسد وحلفاؤها، المدعومون جواً من قبل القوات الروسية، انتصارات نوعية مهمة خلال الأسابيع القليلة الماضية. ففي 28 كانون الثاني/ يناير، فرضت القوات الموالية للنظام سيطرتها على مدينة معرة النعمان، التي يبلغ عدد سكانها حوالى 110 آلاف نسمة، والتي كانت تحت سيطرة المتمردين منذ تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2012. واحتلوا في شباط مدينة سراقب الاستراتيجية، التي تعد نقطة التقاطع بين أوتوستراد اللاذقية- حلب، المعروف بـ”M4″ وأوتوستراد دمشق-حلب المعروف بـ”M5″. والآن لم يعد هناك سوى جزء صغير من أوتوستراد “M5” لا يزال خاضعاً لسيطرة المتمردين.

مقاتلون سوريون معارضون مع عناصر من الجيش التركي شمال سوريا

أدى التقدم السريع الذي أحرزه الجيش السوري إلى انهيار دفاعات المتمردين. فقد تخلى المتمردون عن قرية العيس وتلّتها الاستراتيجية المطلة على ريف حلب الجنوبي وأوتوستراد دمشق- حلب. ويخاف المتمردون السوريون، الذين ينتمون إلى تشكيلات مختلفة إنما متحالفة مع تركيا، من أن مصيرهم قد أصبح محتوماً. ويخشون أن السيطرة على أوتوستراد “M4” وأوتوستراد “M5” مُنحت لقوات النظام بموجب اتفاق بين تركيا وروسيا، خلال محادثات أستانة، وقد انتشرت بالفعل على منصات التواصل الاجتماعي في خريف عام 2019 معلومات حول اتفاق من هذا القبيل مدعومة بخرائط. ويشعر المتمردون أيضاً أن تركيا تخلت عنهم خلال محادثات أستانة، فعلى رغم الضمانات الأمنية وانتشار نقاط مراقبة عسكرية تركية في 12 موقعاً في إدلب وغرب حلب وشمال محافظة حماة، لم تقدم تركيا حتى الآن حماية فعالة للمتمردين والسكان المدنيين من هجمات النظام والقوات الروسية.

وأدى التصعيد العسكري الجديد إلى نشوء أزمة إنسانية أخرى جسيمة. فمنذ مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2019، نزح حوالى 700 ألف مدني من مدنهم وقراهم، فارين صوب الشمال. إضافة إلى ذلك، لا تبعد القوات الموالية للنظام سوى بضعة كيلومترات من مدينة إدلب -مركز المحافظة- التي يسكنها حوالى مليون نسمة. ويبدو أن مصير هؤلاء المدنيين لا يحظى بالاهتمام الكافي من قبل “المجتمع الدولي”. علماً أن أي هجوم على مدينة إدلب سيؤدي إلى تضاعف موجة النازحين المدنيين الذين تركوا ليواجهوا مصيرهم بمفردهم بنحو ثلاثة مرات، ولم يعد لدى هؤلاء النازحين سوى خيارات محدودة: إذ لا يستطيعون العودة إلى منازلهم خوفاً من انتقام القوات الموالية للنظام، ولا يستطيعون أيضاً مغادرة سوريا، إذ لا تزال طرق الخروج الوحيدة عبر تركيا مغلقة. ويبدو أن الخيار الوحيد المتاح أمامهم هو الذهاب إلى مخيمات اللاجئين في البؤر القليلة الواقعة في شمال سوريا التي تخضع مباشرةً لسيطرة الجيش التركي.

موجة نزوح كبيرة تشهدها مناطق الشمال السوري بسبب القصف الجوي والمعارك

تعزيزات عسكرية تركية تصل إلى إدلب

أدت اشتباكات في محافظة إدلب شمال سوريا في 3 شباط إلى مصرع 13 جندياً في الجيش السوري و8 جنود أتراك. وفي 7 شباط، دخلت قافلة مكونة من 150 آلية عسكرية تركية إلى محافظة إدلب السورية. وبهذا يصل العدد الإجمالي للآليات العسكرية التركية التي دخلت محافظة إدلب خلال الشهر الماضي إلى ألف آلية. وهدد الرئيس التركي النظام السوري قائلاً: “نريد أن يتراجع النظام على الفور إلى الحدود المتفق عليها في اتفاق “سوتشي”، أو بعبارة أخرى، الانسحاب إلى خلف نقاط المراقبة الخاصة بنا”. وفي 10 شباط، لقي أربع جنود أتراك مصرعهم عندما تعرضت مواقعهم في مطار تفتناز لقصفٍ مدفعي.

جاءت التعزيزات التركية متأخرة قليلاً، وكان الهدف منها تعزيز نقاط المراقبة العسكرية التركية، لكنها لم تستطع تغيير الديناميات العسكرية على الأرض. في الواقع، أصبحت الآن 5 نقاط (وهي: مورك ومعر حطاط والصرمان وتل طوقان والراشدين) من أصل 12 نقطة مراقبة عسكرية محاصرة من قبل وحدات الجيش السوري وحلفائه. وفي حال حدوث أي مواجهات كبرى بين الجيش التركي والوحدات الموالية للنظام السوري، ستتعرض تلك النقاط لخطر بالغ. إضافة إلى ذلك، على رغم تفوق الجيش التركي على الجيش السوري في العدد والعتاد، لن يخاطر بمواجهة القوات الروسية، التي تقدم دعماً كبيراً لنظام دمشق من خلال قواتها الجوية، وأيضاً عبر جنود مقاتلين على الأرض.

في الأشهر الأخيرة، شتَّتت أنقرة المقاتلين السوريين المتمردين بعيداً من مواجهتهم الأساسية مع النظام السوري إلى معارك أخرى. أولاً، في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أطلقت تركيا “عملية نبع السلام” ضد المقاتلين الأكراد في شمال شرقي سوريا، من طريق مقاتلي المعارضة السورية. وفقاً لبعض المصادر، نصف القوات المهاجمة، أو نحو 14 ألف مقاتل، من المتمردين السوريين. إضافة إلى ذلك، معظم الإصابات من الجانب المهاجم كانت من المتمردين السوريين، فقد قُتل أكثر من 250 مقاتلاً سورياً مقابل 16 جندياً تركياً خلال هذه العملية.

فضلاً عن ذلك، في منتصف كانون الثاني/ يناير، أفادت أنباء أن ما يقرب من 2000 مقاتل سوري أرسلوا إلى ليبيا لمساعدة الحكومة الليبية الموقتة التي تقاتل قوات اللواء حفتر. ووفقاً لتقارير صحفية، كان هؤلاء المقاتلون يتلقون رواتب شهرية تصل إلى 2000 دولار نظير خدماتهم في ليبيا، وتتكفل تركيا بنفقاتهم والخدمات اللوجستية والرعاية الطبية التي يتلقونها. أضعفت أنقرة عن قصدٍ المجموعات السورية المعارضة وموقفها في محافظة إدلب، من خلال إشراك جماعات المعارضة السورية في حربها ضد الأكراد في شمال سوريا، وفي صراع القوى في ليبيا.

وفي أعقاب الخسائر البشرية التي منيت بها القوات التركية، تواصلت أنقرة مع موسكو مطالبة بإنهاء التصعيد الحالي والعودة إلى اتفاق “سوتشي”. يعني ذلك أن الجيش السوري لن يتخلى عن مكاسبه الأخيرة وحسب، بل سيضطر أيضاً إلى الانسحاب من مورك وخان شيخون، التي كان سيطر عليهما القوات الموالية للنظام في آب/ أغسطس 2019 بعد معارك عنيفة. لكن روسيا رفضت تلك المطالب.

تجد أنقرة اليوم نفسها في موقف حرج. فقد أقامت تحالفاً سياسياً مع روسيا، لكنها مع ذلك تجد نفسها في موقف معارض لروسيا في ما يخص الصراع في سوريا، وأيضاً ليبيا. تخلت أنقرة عن حلفائها في حلف شمال الأطلنطي بشرائها أنظمة صواريخ S-400 روسية الصنع بمبلغ إجمالي هو مليارا دولار، ثمناً لإقصائها من برامج تسليح عدة تابعة لحلف الناتو.

أهم ما في الأمر أن تركيا تخلت عن حلفائها الأوروبيين والأميركيين في ما يخص تنظيم الصراع السوري، وذلك حين تخلت عن صيغة مفاوضات جنيف وانضمت إلى محادثات أستانة، حيث كانت وحدها مع روسيا وإيران، الحليفتين للنظام السوري.

اليوم، تجد تركيا أن قواتها قد استنزفت، بينما كانت تحاول الانخراط في لعبة جيوسياسية طموحة في منطقة مزدحمة. إضافة إلى ذلك ومن خلال تغيير تحالفاتها ومواجهة حلفائها التقليديين في أكثر من موقف، تجد أنقرة نفسها وحيدة، تغرق في الوحل في الشمال السوري.

درج

—————————-

إدلب رهينة الضامنَين.. لمن الغلبة؟/ مراد عبد الجليل، تيم الحاج، حباء شحادة

    يعود مشهد خلط الأوراق وتضارب المصالح بين اللاعبين إلى الواجهة مجددًا على الجغرافيا السورية، لكن هذه المرة في ساحة إدلب وريفها، بين روسيا التي تنظر إلى المدينة بكونها “بؤرة للإرهاب” لا بد من تطهيرها وإعادتها إلى حضن النظام السوري بالقضاء على آخر معاقل المعارضة، وتركيا التي اعتبر رئيسها، رجب طيب أردوغان، في أيلول 2018، أن أمنها (إدلب) مرتبط بالأمن القومي التركي.

وخلال العامين الماضيين كان الأتراك والروس هما اللاعبين الأساسيين في الملف السوري، اختلفا في قضايا واتفقا في أخرى، كان أهمها “مسار أستانة” للحل في سوريا، الذي بدأت روسيا من خلاله تطبيق رؤيتها السياسية، وقضم مناطق المعارضة الواحدة تلو الأخرى، من حلب وصولًا إلى الغوطة الشرقية وريف حمص ودرعا، دون رد فعل تركي حقيقي يتناسب مع حجم خسارة المعارضة التي تدعمها سياسيًا وعسكريًا، لهذه المناطق.

لكن رد فعل أنقرة اختلف هذه المرة في إدلب، بعد التطورات المتسارعة التي شهدتها المدينة، خلال الأسبوعين الماضيين، ما أزعج الضامن التركي وجعله يطلق تهديدات، ويرسل أرتالًا عسكرية بمئات المدرعات والآليات، في رسالة إلى النظام والروس بعدم التنازل عن مصالحها في المدينة الحدودية، حتى لو اضطرت إلى القيام بعمل عسكري بري وجوي في المنطقة.

بين محاولة الروس تثبيت مكاسبهم على الأرض والحفاظ على المناطق التي سيطروا عليها، ومحاولة تركيا إثبات وجودها وتنفيذ تهديداتها، يبقى المدنيون الخاسر الأكبر، إذ قُتل المئات منهم وشُرد مئات الآلاف، وفق إحصائيات أممية، وباتوا ينتظرون نتائج التفاهمات الجديدة بين الطرفين.

وفي ظل الخلاف الحاصل بين تركيا وروسيا في إدلب، تحاول عنب بلدي في ملفها رصد أوراق اللعب بيد كلا الطرفين في إدلب لتحقيق مصالحهما، التي من شأنها أن تزيد من تعقيد المشهد أو تمارس أسلوب الضغط للجلوس على طاولة الحوار مجددًا، والوصول إلى تفاهمات جديدة.

كارثة إدلب.. تنبؤات ما بعد درعا تتحول إلى واقع

بعد سيطرة قوات النظام السوري على مناطق المعارضة في الجنوب السوري، درعا والقنيطرة، بإجبار الفصائل على “المصالحة” في تموز 2018، بدأ النظام وروسيا بالتفكير بتوجيه المدافع والطائرات نحو إدلب وريفها بهدف السيطرة عليها، بعدما تحولت إلى أكبر تجمع للمعارضين والمقاتلين الذين رفضوا مصالحة النظام.

ورافق التوجه نحو إدلب حينها إطلاق تحذيرات، ليس من تركيا فحسب وإنما من المجتمع الدولي، إذ اعتبر وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، في 24 من آب 2018، أن “أي حل عسكري سيسبب كارثة ليس فقط لمنطقة إدلب وإنما أيضًا لمستقبل سوريا”.

في حين اعتبر مدير مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، جون غينيغ، في 28 من آب 2018، أن “إدلب قد تشهد أسوأ سيناريو منذ اندلاع الأزمة في سوريا”، داعيًا المجتمع الدولي إلى بذل كل ما باستطاعته لتجنب حدوث كارثة في إدلب والمناطق المحيطة بها، أعقبه تحذير أمريكي من قبل وزير الخارجية، مايك بومبيو، مفاده أن “الولايات المتحدة تعتبر قصف إدلب تصعيدًا لصراع خطير بالفعل”.

ودفع رد فعل المجتمع الدولي روسيا إلى إيقاف هجومها على إدلب، بعد التوصل إلى اتفاقية مع تركيا، في أيلول 2018، تُعرف باتفاقية “سوتشي”، لتتحول إلى اتباع سياسة “القضم البطيء” لمناطق المعارضة، عبر سيناريو ثابت يبدأ بشن قوات النظام عملية عسكرية على إحدى المناطق لعدة أيام بشتى أنواع الأسلحة، ثم تبسط سيطرتها عليها، ليعقب ذلك ردود فعل واتهامات بخرق الاتفاقية وتحذيرات إنسانية، قبل التوصل إلى وقف إطلاق النار لبعض الوقت، وتثبيت نقاط السيطرة الجديدة، ثم العودة إلى نفس السيناريو.

خلال الأسابيع الماضية، وبسبب التصعيد العسكري والقصف الذي وصف بـ”الهستيري”، تحققت التحذيرات بوقوع كارثة إنسانية في إدلب، عندما بلغ عدد النازحين، منذ كانون الأول 2019، أكثر من 520 ألف مدني، بحسب ما أعلنه المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ينس لاركيه، الذي أكد في مؤتمر صحفي، في 5 من شباط الحالي، أنه “لم يعد هناك أي مكان آمن في إدلب، فالقنابل تتساقط في كل مكان”.

كما قُتل 182 شخصًا منذ 16 من كانون الثاني الماضي، ودُمرت أكثر من 120 نقطة طبية منذ مطلع العام الحالي، بحسب ما وثقه فريق “منسقو الاستجابة”، في 6 من شباط الحالي، الذي أكد أن استمرار العملية العسكرية يهدد مليونًا و200 ألف شخص بالنزوح من مركز مدينة إدلب ومحيطها.

أما عسكريًا فقد تمكنت قوات النظام من السيطرة على مدن استراتيجية مثل مدينة معرة النعمان، أكبر مدن ريف إدلب الجنوبي، وصولًا إلى مدينة سراقب بالريف الشرقي الواقعة على نقطة تقاطع الطريقين الدوليين، دمشق- حلب “M5” وحلب اللاذقية “M4”.

ورافقت تقدم قوات النظام المتسارع بدعم الطيران الروسي، “صحوة تركية” واستشعار خطر خسارة المدينة، ما دفعها إلى زيادة أرتالها العسكرية إلى المدينة وتثبيت نقاط مراقبة جديدة حول سراقب، الأمر الذي قابلته قوات النظام بالقصف، ما أدى إلى مقتل ثمانية أتراك وإصابة تسعة آخرين، بحسب ما أعلنته وزارة الدفاع التركية.

وأدى مقتل الجنود الأتراك إلى ظهور خلاف تركي- روسي، وإطلاق الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، تهديدات بشن عملية واسعة في إدلب في حال لم تنسحب قوات النظام السوري من المناطق المتفق عليها مع روسيا ضمن اتفاقية “سوتشي”.

وقال أردوغان، في كلمة له أمام حزب “العدالة والتنمية”، في 5 من شباط الحالي، إن “قواتنا الجوية والبرية ستتحرك عند الحاجة بحرية في كل مناطق عملياتنا وفي إدلب، وستقوم بعمليات عسكرية إذا اقتضت الضرورة”، كما هدد باستهداف عناصر قوات النظام مباشرة عند تعرض الجنود الأتراك أو حلفاء تركيا (الفصائل) لأي هجوم، دون سابق إنذار وبغض النظر عن الطرف المنفذ للهجوم.

وحدد أردوغان مهلة لقوات النظام خلال شهر شباط الحالي للانسحاب من المناطق المحيطة بنقاط المراقبة التركية، لكن النظام لم يأخذ التهديدات على محمل الجد، وتابع تقدمه وسيطر على مدينة سراقب وحاصر نقاط المراقبة التركية الموجودة حول المدينة.

وبدأت عقب ذلك الاتصالات الدبلوماسية في محاولة لتخفيف التوتر بين البلدين، ووصل وفد روسي إلى تركيا، السبت الماضي، لمناقشة مصير مدينة إدلب، وطرح أوراقهما على طاولة الحوار، في محاولة للخروج بحل يناسب رؤية كل طرف منهما، لكن ما الأوراق التي يملكها كل طرف لفرض رؤيته ومحاولة التأثير والضغط على الطرف الآخر؟

الشرعية والإرهاب.. حجة الروس للتمسك بقضم إدلب

في أيلول 2015، أعلنت روسيا بشكل رسمي تدخلها في سوريا بحجة مساندة النظام السوري لمكافحة الإرهاب والقضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية” وتنظيم “القاعدة”، الأمر الذي وضع بيدها ورقة قد توصف بالقانونية، على اعتبار أن تدخلها جاء بطلب من النظام، المعترف به كحكومة شرعية في أروقة الأمم المتحدة.

وعلى مدى الأشهر الماضية، اتخذت روسيا من شرعية تدخلها ومكافحة الإرهاب شماعة لتبرير هجومها على إدلب، إذ لا يخلو اجتماع أو تصريح لمسؤول روسي دون الإشارة إلى التأكيد على قانونية الهجوم، إذ قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في مؤتمر صحفي، في 7 من شباط الحالي، إن “كل ما يتم القيام به لمحاربة الإرهابيين يجري تنفيذه بشكل قانوني”، مؤكدًا أن “أي اتفاقات لخفض التصعيد في إدلب لا تشمل الإرهابيين، لأنهم خارج القانون”.

“شماعة الإرهاب”

تلعب روسيا على وتر وجود “هيئة تحرير الشام” التي تسيطر على مساحات واسعة في إدلب وريفها، والمصنفة كـ”إرهابية” في كل من روسيا وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية، متخذة وجودها ورقة لاستمرار عملياتها، وكان مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، قال في جلسة لمجلس الأمن، في 6 من شباط الحالي، إن “عناصر تنظيم هيئة تحرير الشام، المصنف إرهابيًا على المستوى الدولي، كثفوا هجماتهم من إدلب منذ نهاية 2019 على القوات السورية والروسية، بما في ذلك قاعدة حميميم”.

وتؤيد تصريحات مسؤولين غربيين النظرية الروسية بضرورة مكافحة الإرهاب في إدلب، لكن يجب أن يكون استخدام القوة ضد هذه المجموعات موجهًا بشكل دقيق، بحسب ما قاله المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، في جلسة مجلس الأمن.

ومن الأوراق التي تمتلكها روسيا للضغط على تركيا، اتهامها المتكرر بعدم تنفيذ اتفاقية “سوتشي”، التي تنص على طرد المنظمات الإرهابية في إدلب، إذ قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في تصريحات لصحيفة “روسيسكايا غازيتا” الروسية، إن تركيا لم تتمكن من فصل المعارضة السورية المسلحة، التي تتعاون معها والمستعدة للحوار مع النظام السوري في إطار العملية السياسية، عن “هيئة تحرير الشام”، التي وصفها بـ”الإرهابية”.

ورقة اللاجئين

كما أوصلت روسيا رسالة إلى تركيا بإمكانية إغراقها مجددًا باللاجئين، عبر قصف مدن وبلدات ريف حلب الشمالي، التي تشرف عليها الولايات التركية القريبة من الحدود السورية اقتصاديًا وخدميًا، إذ استهدفت الطائرات بخمس غارات جوية مدينة الباب، ما أدى إلى إصابة ثلاثة أشخاص بشظايا متنوعة، وإحراق جامع “الشيخ دوشل” وتدمير ثلاثة منازل، بحسب مسؤول مركز “الدفاع المدني” في مدينة الباب، أسامة الحجار، في 2 من شباط الحالي.

وجاء القصف عقب شن فصائل المعارضة عملية عسكرية في حي الزهراء بريف حلب، وهو ما اعتبره الباحث في “مركز عمران للدراسات”، معن طلاع، رد فعل على محاولة المعارضة فتح جبهة جديدة في حلب لتخفيف وطأة المعارك وتقدم قوات النظام في إدلب، لكن البلدين تدخلا بشكل سريع وضبطا الأمور أمنيًا.

إدلب.. مكسب استراتيجي لتركيا ما أوراق الضغط التي تملكها

“حقبة جديدة في سوريا لتركيا”، هو وصف أطلقه الرئيس التركي، في 5 من شباط الحالي، لصد قوات النظام في إدلب، بعد ساعات من حديثه مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، وإبلاغه بأن القوات التركية “ستقوم بما يلزم” إذا لم تنسحب قوات النظام السوري إلى المناطق المحددة باتفاقية “سوتشي”.

ويعكس تصعيد اللجهة التركية أهمية إدلب بالنسبة لتركيا، إذ تعتبر المحافظة آخر نقطة صراع بين النظام والمعارضة، وبالتالي هي وسيلة لتركيا كي يكون لها دور في مستقبل سوريا والعملية السياسية، بحسب الباحث معن طلاع، الذي أكد أن “هذا لا يعني تطابقًا بين الشرط الوطني للمعارضين وبين الشرط التركي، كون الحاكم أصلًا في هذه الاتفاقات هو حسن العلاقة مع روسيا كونها الفاعل الأكثر تسيدًا في الشأن السوري”.

تحديث “اتفاقية أضنة”

تأتي أهمية إدلب لتركيا كون مصير “الإدارة الذاتية” عبر عصبها الرئيس “حزب الاتحاد الديمقراطي” لا يزال غير واضح بالمعنيين الإداري والأمني، وبالتالي تعتبر إدلب نقطة دفاع متقدمة لإنهاء الوضع الإداري والتموضع الأمني للإدارة، خاصة أن كل الاتفاقات سواء في شرق الفرات أو في إدلب هي اتفاقات قلقة، بحسب الباحث معن طلاع، الذي تحدث عن إرادة تركيا في تدخلها بإدلب بتحويل مكسبها الآني إلى استراتيجي والتوصل إلى اتفاقية جديدة غير “اتفاقية أضنة” القديمة.

وقال طلاع إن تركيا تحاول فرض شروط جديدة من أجل الحصول على اتفاقية جديدة تسمح لها التدخل بمساحة أكبر من المساحة وفق “أضنة”، المحددة بخمسة كيلومترات فقط، في محاولة لمنع التواصل ما بين كانتونات “الإدارة الذاتية”.

وتكرر تركيا أن وجودها في سوريا وفق “اتفاقية أضنة”، وبرر أردوغان، الأسبوع الماضي، دخول قواته إلى إدلب بالقول إن “النظام السوري لم يقم بدعوة أي من الأطراف الفاعلة حاليًا في سوريا باستثناء روسيا وإيران، بينما تركيا لديها الحق الشرعي في التدخل لحماية أمنها بموجب اتفاقية أضنة”.

لكن النظام السوري رد على أردوغان عبر مصدر في وزارة الخارجية نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، في 5 من شباط الحالي، أن “اتفاقية أضنة تفرض التنسيق مع الحكومة السورية باعتبارها اتفاقية بين دولتين، وبالتالي لا يستطيع أردوغان، وفق موجبات هذه الاتفاقية، التصرف بشكل منفرد”.

وأوضح المصدر أن اتفاقية “أضنة” هي لضمان أمن الحدود بين البلدين، وتهدف إلى “مكافحة الإرهاب”، معتبرًا أن ما “يقوم به أردوغان هو حماية أدواته من المجموعات الإرهابية التي قدم لها، ولا يزال، مختلف أشكال الدعم”.

وتمكن أهمية إدلب لتركيا بأنها منطقة حدودية، وتشكل هاجسًا لها بتأثيرها على أمنها القومي، بحسب القيادي في “الجيش الحر”، عبد السلام عبد الرزاق، إذ إن سيطرة النظام على إدلب تجعل مناطق ريف حلب الشمالي وعفرين، التي سيطرت عليها تركيا بعمليتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون”، على طاولة المفاوضات، لأن روسيا تسعى للسيطرة على كامل التراب السوري، إلى جانب خسارة تركيا لورقة مهمة في سوريا تستخدمها لأجل ملف شرق الفرات، وقد تخرج من معادلة الصراع والمصالح في سوريا.

ما أوراق تركيا؟

حول الأوراق التي تملكها تركيا في الساحة السورية، يرى القيادي في “الجيش الحر”، عبد السلام عبد الرزاق، أنها “تدخل إلى الشمال السوري بشكل قانوني وفق اتفاقية أضنة، وتدخل في عمق حاضن وصديق لتركيا ويطالب بدخول الجيش التركي، إضافة إلى أنها تدافع عن حدودها، وتهدف لإنهاء أزمة اللاجئين الذين ربما يصلون إلى أوروبا”.

كما لوحت تركيا بفتح جبهة ريف حلب الشمالي، بحسب عبد الرزاق، إذ استطاع “الجيش الوطني”، المدعوم من تركيا، بوقت قياسي تحرير ثلاث قرى قبل انسحابه، الأسبوع الماضي، في حين سيطرت الفصائل على جمعية الزهراء بمعركة قصيرة المدة في ريف حلب الغربي، إلى جانب جبهة الساحل التي تعتبر منطقة استراتيجية للنظام السوري بسبب وجود حاضنته، وأهميتها بالنسبة لروسيا حيث توجد قاعدة حميميم ومركز القيادة والعمليات الروسية.

كما برزت مؤشرات، خلال الأيام الماضية، لإمكانية دعم الولايات المتحدة الأمريكية لتركيا في موقفها في إدلب، عبر تصريحات مسؤولين أمريكيين، وهو ما يمثل ورقة ضغط على روسيا التي تخشى من خسارة حليفها التركي في المنطقة، والتحول إلى الحليف الأمريكي التي قد تستخدمه أنقرة في مواجهة موسكو كأحد الخيارات.

وقال الممثل الأمريكي الخاص للشأن السوري، جيمس جيفري، بحسب موقع “الحرة“، في 6 من شباط الحالي، إن الولايات المتحدة تبحث سلسلة خيارات لمواجهة التطورات في محافظة إدلب، مؤكدًا أن واشنطن تسأل الأتراك عن أي مساعدة يحتاجونها، وقال “إن لدى الأتراك جيشًا قادرًا وكفئًا، وهم الآن يعززون مواقعهم، ولا نرى أي مؤشر على أن الأتراك سينسحبون من نقاط المراقبة في إدلب”.

وترى روسيا مؤشرات حقيقية لعودة فاعلة لأمريكا في المنطقة، بحسب الباحث في “مركز عمران للدراسات”، معن طلاع، من خلال الحركة الدبلوماسية سواء في أوروبا أو حتى لممثليها، بهدف عرقلة الروس وعدم إعطائهم أي ذريعة للتدخل أكثر في إدلب، إضافة إلى قانون “قيصر” ومعاقبة كل من يرفض العملية السياسية في إطارها الذي أقره قرار مجلس الأمن 2254.

“أستانة” مهدد.. تركيا “تكسب”

التهديد الأكبر الذي أطلقه أردوغان كرسالة إلى موسكو هو إعلانه موت “مسار أستانة”، إذ قال أردوغان للصحفيين في أثناء عودته من السنغال، بحسب “TRTHABER” ، في 29 من كانون الثاني الماضي، إنه “لم يتبقَّ شيء اسمه مسار أستانة”، مطالبًا بالتحرك من أجل إحيائه مجددًا والنظر فيما يمكن فعله.

يعتبر المحلل السياسي التركي المختص بالشأن السوري، طه عودة أوغلو، أن المنطقة على أعتاب إعادة صياغة إطار جديد لـ “مسار أستانة” بين أنقرة وموسكو، من خلال “رسم خطوط تماس جديدة”، معبرًا عن أمله بأن يسهم ذلك في “إعادة الاعتبار لموقف المعارضة السورية”.

ويعتبر “مسار أستانة” هو المكسب الأكثر أهمية التي تحاول تركيا الضغط من خلاله، بحسب الباحث معن طلاع، على اعتبار أن “أستانة” تمكن من تثبيت أمني لمناطق محددة وتم البناء عليها سياسيًا (الغوطة الشرقية والجنوب السوري)، ما جعل فعالية المتدخلين، سواء تركيا أو روسيا، أكبر في المشهد السياسي، حتى انعكس ذلك على مسار جنيف الذي تأثر ببوصلة “أستانة”.

ويعتقد طلاع أن التلويح بانتهاء “أستانة” يعني التلويح بإنهاء الضبط الأمني، وبالتالي استعصاء في رؤية الروس، وهذا قد يؤدي إلى الذهاب من “أستانة” إلى “جنيف” والعودة إلى الرؤية السياسية وفق القرار الدولي 2254.

سيناريوهات تنتظر إدلب

دفع إصرار النظام السوري ومن خلفه إيران وروسيا، للسيطرة على الطرق الدولية “M5” و”M4″، وقضم مناطق كثيرة من محافظة إدلب، إلى التساؤل عن المصير الذي ينتظر المحافظة الحاضنة لقرابة أربعة ملايين إنسان، بانتظار اتفاق جديد بين الضامنَين، وسط تخوف من التصعيد العسكري بينهما.

وبحسب الرئيس المشترك لـ”الجنة الدستورية”، هادي البحرة، فإن هناك كثيرًا من التساؤلات والمخاوف تثار حول محافظة إدلب وريفي حلب الجنوبي والغربي، وكتب البحرة عبر حسابه في “فيس بوك” مجموعة من السيناريوهات التي تنتظر محافظة إدلب، في ظل الحملة العسكرية عليها.

ومن أحد مآلات إدلب، وفق البحرة، سيطرة النظام على “M5” و”M4″، مع منطقة أمان محددة ومحدودة على جانب الطريقين شمالًا وغربًا، مشيرًا إلى أن هذا ما تسعى إليه روسيا، أما تركيا التي وصفها بـ”الصديق”، فستبقي نقاطًا من الطريقين تحت رقابتها ونفوذها، لافتًا إلى أن طريق “M4” سيتميز بترتيبات خاصة.

وفي السيناريو الثاني، توقع البحرة أن يتم إعادة تفعيل التفاهم السابق حول إدلب، أو التوصل إلى تفاهم جديد يتيح تخفيض العنف ووقف للأعمال الهجومية، لفترة لن تقل عن ستة إلى ثمانية أشهر، يتم خلالها التفرغ لحل مشاكل وجود “هيئة تحرير الشام”، بسبل لا ينتج عنها أعمال تتسبب بنزوح أو مخاطر كبيرة على المدنيين.

أما السيناريو الثالث، فسيتم خلاله تعزيز العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية على النظام، مع محاولات خرق لها، وسيتضمن نافذة لتفعيل التفاهمات السياسية دوليًا وإقليميًا ومحليًا، ووفق نتائج ونسبة نجاح أو فشل تلك التفاهمات، سترسم ملامح المرحلة التي تليها، والتي اعتبر البحرة فشلها بمثابة “عودة لأعمال العنف والصدامات العسكرية لإعادة فرض واقع نفوذ عسكري جديد”.

وفي حال لم تدعم أمريكا الموقف التركي، قد ينتهي الأمر بصيغة تنفيذ “اتفاقية أضنة معدلة”، ليصبح النفوذ التركي بعمق 20- 30 كيلومترًا على كامل الشريط الحدودي، وهذا يشكل الحد الأدنى الذي قد تقبل به تركيا، إن كانت الظروف تجبرها على ذلك.

خلافات تكتيكية لحوار جديد

المحلل السياسي السوري المختص بالشأن الروسي محمود حمزة، أكد وجود توتر حقيقي بين تركيا وروسيا، بالاختلاف على فهم اتفاقيات “أستانة” و”سوتشي” التي لم يلتزم بها النظام السوري بدعم من روسيا.

وفي المقابل لم تقم تركيا بإبعاد المقاتلين المصنفين في خانة الإرهاب (هيئة تحرير الشام)، وفصلهم عن فصائل المعارضة المعتدلة، بحسب حمزة، موضحًا أن تركيا قد تقوم باستخدام هؤلاء المقاتلين كورقة لابتزاز روسيا حتى تحقق مكاسب أكثر.

وقال حمزة إن الطرفين ليس لديهما استعداد للتفريط بعلاقاتهما، و”هذه العلاقات أكبر من إدلب وأكبر من مصالحمها في سوريا”، واصفًا الخلافات بينهما حول إدلب بالتكتيكية، مشيرًا  إلى أنهم سيتفقون مجددًا على حلها، وقد تكون هذه الخلافات مبررًا لعقد صفقات جديدة بين الطرفين، وفق قوله، معتبرًا أن كل اتفاقيات “أستانة” و”سوتشي” هي عبارة عن صفقات لم يستفد منها الشعب السوري في شيء.

وأضاف أن إدلب في المحصلة تخضع لمحاولة النظام وروسيا السيطرة على الطرق الدولية، ومجرد أن يسيطرا عليها ستهدأ المعارك، لأن روسيا والنظام السوري ليست لديهما القدرة على دخول مدينة إدلب، لأن فيها كثافة سكانية هائلة، وعددًا كبيرًا من المقاتلين.

من جانبه، يرى المحلل السياسي التركي باكير أتاجان، أن تركيا لن تتخلى عن العمق الاستراتيجي، المتمثل وفق تعبيره بـ”الشعب السوري، الذي إذا خسرته أنقرة ستخسر مصالحها في الشرق الأوسط وكل المنطقة”.

وحول الخطوات التي يمكن أن تتخذها تركيا حيال تقدم النظام في إدلب، بالتزامن مع تهديد أردوغان بإيقاف النظام عسكريًا، لفت المحلل التركي في حديثه لعنب بلدي، إلى أن أنقرة ستتمسك بالحوار مع روسيا، بينما تهدد بالقيام بأعمال عسكرية على الأرض لدفع الطرف الآخر للجلوس على طاولة الحوار، لعقد اتفاقيات جديدة حول المنطقة.

“أستانة منقوص” أم “درعا جديدة” في إدلب؟

الباحث السوري معن طلاع، يرى أن إدلب بانتظار واحد من سيناريوهين، الأول تثبيت الخريطة العسكرية كما هي بعد سيطرة قوات النظام على مدينة سراقب بريف إدلب الشرقي، والسيطرة على الطريق الدولي دمشق- حلب بالكامل، والعودة إلى إطار “أستانة” لإنجاز اتفاق أكثر تفصيلًا يتعلق بتحديات ما بعد المرحلة الحالية.

أما السيناريو الأكثر قابلية للتحقق بحسب طلاع، فهو تطبيق نموذج المصالحات في مدينة إدلب، وسيكون قائمًا على أمرين، الأول عدم عودة كاملة للنظام أمنيًا، والعودة فقط رمزيًا لمؤسسات الدولة، وهنا سيكون لتركيا دور مهم.

وحول مصير “هيئة تحرير الشام” و”الحزب الإسلامي التركستاني” يعتقد طلاع أن هذا الملف سيؤجل إلى المراحل الأخيرة من الصراع في سوريا، لأن الملف  لا يزال قابلًا للاستثمار من كل الأطراف ما عدا الأطراف السورية.

عنب بلدي

————————-

على حدود إدلب.. هل يكتب تاريخ سوريا الجديد!

لم تغب “إدلب” عن الحدث السوري منذ انطلاقة الثورة، لكنها اليوم تشكل معادلة صعبة يستصعي حلها لكثرة الأطراف الدولية الداخلة في الصراع. المشهد السوري في الشمال بات معقداً حيث يعصب حتى على السوري فهمه، اتفاقات بالجملة وأطراف دولية تلعب فيما بينها، ترسم خرائط قد تشكل حدود سوريا المستقبلية وتتقاسم الثروات، وسط اقتتال بين الميليشات والفصائل لا يخلو من مظاهر التشويه الطائفي والتصرفات المشينة لمدينة كإدلب تمردت بسلمية وقدمت أجمل أشكال التظاهر وأوت نازحي سوريا الهاربين من ظلم الأسد من كافة المدن. واليوم أسقطت المعارضة السورية في ريف حلب الغربي طائرة مروحية ثانية للنظام السوري خلال ثلاثة أيام بعدما ورود أنباء عن دعم نوعي تلقته فصائل الجيش الوطني السوري من تركيا ودول داعمة للقتال على جبهة سراقب في ريف إدلب وجبهة الأتارب في ريف حلب ومنع تقدم قوات النظام أكثر.

إلا أن الموقف الدولي من الجيش الوطني السوري ما زال ملتبساً فحيث تشير التصريحات الدولية إلى مآساة النزوح المتجددة التي بلغ ذروتها خلال معركة إدلب الاخيرة بعد تلويح تركيا باحتمالية وصول 700 ألف نازح إلى الحدود المغلقة، كانت صحيفة البيان الإماراتية قد عنونت أن شرط الجيش الليبي للانخراط في المفاوضات داخل جنيف هو انسحاب “المرتزقة” السوريين الذين استقدمتهم تركيا للقتال في تركيا ضد اللواء خليفة حفتر. بالمقابل ما زال المشروع التركي في قضم الأراضي السورية مستمر، حيث لم تتحرك تركيا لدعم المعارضة إلا بعد انهيار اتفاق استانة واختراق النظام بشكل مباشر لمناطق تخضع لإشراف من قبل نقاط المراقبة التركية تحت ما عرف بـ”منطقة خفض التصعيد”.

وفي حين يصمت الجانب الروسي عن الرد حول التقدم التركي وسط أجواء باردة تشهدها علاقة البلدين خلال الأيام الأخيرة، صرح الكرملين بأنه يثق بحماية تركيا للجنود الروس وللموظفين في السفارة الروسية بتركيا. أما على الأرض فيبدو أن روسيا تسعى لتسريع عقد اتفاق بين النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية المعروفة سابقاً بـ”قسد” للضغط على تركيا نظراً لحساسية الملف الكردي بالنسبة إلى تركيا. وسط ضبابية المشهد أقدم النظام يوم أمس على الاعتراف عبر مجلس شعبه بإبادة تركيا للأرمن، موجهةً رسالة مباشرة إلى تركيا التي تتدخل بمفردها في الشمال بعد انهيار الوعود الدولية بضمان إقامة منطقة عازلة ما دفع تركيا لخسارة الحليف الأميركي والاتجاه نحو روسيا، والتدخل فيما بعد في ثلاث عمليات قضمت فيها تركيا مناطق سيطرة لها على كامل الحدود الشمالية من منبج باتجاه جرابلس وصولاً لعملية “نبع السلام” التي بلغت فيها تركيا لأول مرة مناطق الأكراد. هل بات الحسم في إدلب قريب؟ وهو ما سيحدد شكل السيطرة في آخر معاقل المعارضة المسلحة في سوريا وينبؤ أن ما بعد إدلب ليس كما قلبها في تاريخ سوريا الجديد.

——————

الحضور الأميركي المُرتَقب في النزاع التركي الروسي/ حسن النيفي

من جديد، تصبح عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاهتمام بالشأن السوري أمراً ملحّاً، ليس استجابة لدعوة طرف سوري يرى في حضورها القوي ضرورة ماسّة، بل استجابة لدعوة الأطراف الإقليمية ذات المصالح المتصارعة على الأرض السورية، ومن جديد أيضاً، يظهر العزوف الأمريكي عن التدخل المباشر في الصراعات البينية للأطراف المتصارعة في الشمال الغربي من سوريا، على أنه عزوف مؤقت، لا يلبث أن يتحوّل إلى انخراط كامل حين يقتضي الأمر ذلك.

ثمة مسألتان لا بدّ من التأكيد عليهما، أولاهما: إن التدخل الروسي العسكري المباشر منذ أواخر ايلول 2015 ، في الشأن السوري، بهدف الحفاظ على نظام الأسد من الانهيار، ومن ثم الشروع بحرب وحشية على السوريين، وليس على الإرهاب كما تزعم موسكو، إنما كان ذلك بتفويض أمريكي، ثم أوروبي، ولم تكن واشنطن ممتعضةً البتة مما ارتكبه بوتين من جرائم وحشية بحق المدنيين السوريين، سواء في حلب الشرقية أو الغوطة أو درعا أو إدلب، ليقين واشنطن بأن المسعى الإجرامي الروسي ربما يستطيع بلوغ الحسم العسكري من خلال الإجهاز على المقاومة المسلحة المتمثلة بالفصائل العسكرية، ولكن لن يكون بمقدوره بلوغ الحسم السياسي للمسألة السورية، أمّا التداعيات الإنسانية للحرب الروسية على السوريين، فذلك ما لا يدخل في حسابات الأمريكان. وثانيهما: عدم اعتراض الولايات المتحدة الأمريكية على مسعى بوتين في الالتفاف على القرارات الأممية ذات الصلة بالقضية السورية، وكذلك عدم اعتراضهم على التملّص الدائم لنظام الأسد من الانخراط في المفاوضات وتعطيله الدائم لمسار التفاوض، ولئن كان من الصحيح أن واشنطن لم تكن مشاركتها فعّالة أو ذات أهمية في مسار أستانا، إلّا أن حضورها بصفة مراقب إنما يعكس قبولاً، أو على الأقل، عدم اعتراضها على ذلك.

اليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات على انطلاق أستانا، وبعد أن قطعت الأطراف

الضامنة لمسار أستانا (روسيا وتركيا وإيران) شوطاً طويلاً من التفاهمات، وصلت إلى تشكيل (لجنة دستورية) لصياغة دستور للبلاد، ومن المفترض أن تتبعها خطوة أخرى، هي الدخول في انتخابات جديدة، أقول: بعد هذا الشوط يجد الأطراف الضامنون أنفسهم في أشدّ المواقف تناقضاً، بل ربما ذهب هذا التناقض إلى درجة الصدام المباشر، كما هو الحال بين تركيا وروسيا، وليجد الضامنون أيضاً أنهم لم يخفقوا في ترجمة فحوى أستانا إلى حل سياسي للقضية السورية فحسب، بل أخفقوا أيضاً في إدارة الصراع فيما بينهم أيضاً، الأمر الذي جعل من حضور واشنطن أمراً لا بدّ منه بالنسبة إلى طرفين أساسيين كانا للأمس القريب يفكران بالاستغناء عن الدور الأمريكي.

قد يبدو الاتهام المتبادل بين أنقرة وموسكو، ومحاولة كل طرف أن يرمي مسؤولية عدم احترام اتفاق سوتشي (أيلول 2018) على الآخر، معزوفة خرقاء في ظل سعي كلٍّ من الطرفين (ميدانياً) إلى تعزيز مواقع وجوده، ولئن كانت تركيا لم تفِ بتعهداتها حيال تأمين الطرق الدولية، وتفكيك أو إبعاد أو استئصال جبهة النصرة، وفقاً لروسيا، فإن موسكو، بل العالم أجمع، هو من ساهم في تحويل مدينة إدلب إلى خزان بشري، ليس للمدنيين فحسب، بل لجميع أصناف الفصائل العسكرية التي رفضت المصالحات مع نظام الأسد، وقد توافد هؤلاء من الغوطة ودرعا وحلب الشرقية والقلمون وسواها، بل يمكن التأكيد على أن موسكو كانت حريصة جداً طيلة الفترة الماضية على ألّا تستهدف الفصائل الإسلامية المتشدّدة أو المتطرفة، بل تحرص على أن يبقى هؤلاء أمام المجتمع الدولي قوة علنية ظاهرة الوجود، وليكون وجودهم ذريعة مُستساغة لاستهداف مجمل القوى الأخرى التي تقاتل نظام الأسد، فضلاً عن استهداف المدنيين وبناهم التحتية، بهدف إجبارهم على النزوح، أو عقد المصالحات الموهومة مع سلطة النظام، وذلك انسجاماً مع استراتيجية الروس الرامية إلى استعادة جميع المناطق الخارجة عن سلطة الأسد، وإعادتها إلى سلطة النظام. وفي موازاة ذلك، لم تكن أنقرة جاهلة بما يريده بوتين، ولكنها تريد ألّا يتجاهل بوتين ما تريده هي أيضاً، ولعل تعويل المسؤولين الأتراك على اعتراف موسكو بالمصالح التركية في سوريا هو ما جعلهم يتغاضون عن سياسة أو منهج (القضم) الذي مارسه نظام الأسد منذ اتفاق سوتشي وحتى الآن، وفي ظل غياب أصحاب المصلحة الحقيقية، أو الطرف السوري الفاعل في إدارة الصراع، فإن التداعيات المريرة لمأساة السوريين الذين يموتون وينزحون لم تكن تشغل بال أيٍّ من الأطراف.

لم يعد تجاهل الروس لمصالح أنقرة محصوراً في منطقة محدّدة من سوريا هي إدلب، بل لعلّ الأتراك باتوا على يقين بأن ما يقوله بوتين حول وجوب مغادرة كل الأطراف الأجنبية للأرض السورية، بأنه سيشملهم أيضاً، وإن لم يكن الآن، فربما

يكون قريباً، وهذا ما تتداوله وسائل الإعلام الروسية والمسؤولون الروس، فضلاً عن استهداف قوات النظام لنقاط المراقبة التركية، ما أدى إلى مقتل ثلاثة عشر جندياً تركياً وإصابة أكثر من أربعين آخرين.

ما من شك أن ردّة الفعل التركية التي تجسّدت بالتصعيد العسكري والسياسي معاً، لم تخرج بعدُ، عن طورها الطبيعي، أي أنها مازالت مصحوبة باستعداد تركي للعودة إلى تفاهمات جديدة مع موسكو، ولكن هذه الرغبة التركية المتمثلة بعدم اعتبار الحرب هي الحل الوحيد، مقرونة هي الأخرى بمطلب تركي يتضمن عودة قوات النظام إلى ما بعد نقاط المراقبة التركية، ما يعني انسحاب قوات الأسد من مجمل البلدات والقرى التي سيطرت عليها، وأهمها سراقب، وهذا ما هو مُستَبعد أن يوافق عليه الروس، وهذا – أيضاً – ما سيكون أكبر التحدّيات التي تضمرها أي مفاوضات مستقبلية بين أنقرة وموسكو، ولعلّ هذا الاستعصاء المُرتقب بين شريكي الأمس، يدعو أنقرة لعدم الذهاب إلى أيّة مواجهة حقيقية – عسكرية أو سياسية – مع موسكو، دون الرجوع إلى الحليف التقليدي (واشنطن) التي لا ترى نفسها مُلزَمةً بفعل شيء سريع يحول دون مواجهة بين شريكي أستانا، بل إن العبارة التي قالها جيمس جيفري للمسؤولين الأتراك (لقد سبق وقلنا لكم إن الروس لا يوثق بهم) فيها كثير من الاستعلاء، وغير قليل من الشماتة.

قد يكون من الصحيح أن الزيارات المتكررة لمبعوث الخارجية الأميركية (جيفري) إلى تركيا، تحمل كثيرا من الدلالات، ففضلاً عن علاقة الصداقة الشخصية بين جيفري والرئيس التركي أردوغان، فإن المواقف الإعلامية للولايات المتحدة الأميركية ما تزال داعمة للموقف التركي، إلّا أن هذه المواقف لم تتجاوز بعدُ، تخومها المعنوية، وهذا ما عبّر عنه وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إبان لقائه وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر، على هامش اجتماع وزراء دفاع حلف الناتو في بروكسل يوم الأربعاء في الثاني عشر من الشهر الجاري، إذ أكّد أكار على ضرورة صدور مساهمات ملموسة من الإدارة الأمريكية.

أغلب الظن أن الانتظار حتى نهاية شباط الجاري، وهي المهلة التي حدّدها الرئيس أردوغان كحدّ أقصى لتراجع قوات النظام إلى ما بعد نقاط المراقبة التركية، تبدو مقرونة بالتريث الأميركي في القيام بأي مبادرة حيال ما يجري في إدلب، بل يمكن الذهاب إلى أن أيّ ترجمة للتصعيد التركي في مواجهة موسكو، ستكون محكومة – من حيث ماهيتها – بالموقف الأمريكي المُرتقب، فهل سيسعف الحليف التقليدي أنقرة في التصدّي للخذلان الروسي؟.

تلفزيون سوريا

———————–

أنقرة وموسكو في ميزان التوترات الجيوسياسية وتضارب المصالح/ لطفي العبيدي

معركة إدلب تعكس تباينا ملحوظا في كيفية إدارة الأزمة بين روسيا وتركيا، في الوقت الذي تُطلق فيه عملية عسكرية غير محدودة للقضاء على الجماعات المسلحة بإصرار روسي هذه المرة بعد تقديرها، أن أنقرة لم تعمل على إنهاء وجود الفصائل المتشددة، وأبقت الأوضاع على حالها، ولم تلتزم بمخرجات اتفاق سوتشي. والحملة العسكرية التي يشنها الجيش السوري بدعم جوي روسي تنقل رسائل مفادها نفاد صبر موسكو واستياؤها من المناورة التركية حيال الأمر، ومواصلة دعمها الأطراف المسلحة عوض تسهيل خروجهم، والعمل على إدارة الموقف بأسلوب سياسي دبلوماسي، يُبعد خيار الحرب والمواجهة الحاسمة. وهذا التأجيل الذي يُفهم منه عدم رغبة تركيا في تقليص خياراتها على الجغرافيا السورية، أوصل الأمور إلى التطورات الميدانية الأخيرة التي تؤثر بشكل كبير في التفاهمات البينية بين البلدين.

ورغم التقديرات التي تعتبر ذلك مؤشرا على بداية مواجهة محتملة بين موسكو وأنقرة، في سياق التصعيد العسكري لكل الأطراف، وتنامي التهديد والوعيد، والانفلات الجزئي للأوضاع، وتصريحات أردوغان بشأن القرم، أثناء زيارته لأوكرانيا، فإن خيار الاحتواء يبقى الأقرب، وستتم إدارة الملف بطريقة مرنة تستوعب الخلافات التي يدرك الطرفان أنها لا تخدم كليهما، بالنظر إلى التوازنات الدولية، وتوتر علاقات كل منهما مع واشنطن.

زيادة على أن عدم نجاح الخيار السياسي في محطة إدلب السورية، سيؤثر في عسر التقارب في الميدان الليبي، الذي يعتبر عنوانا آخر للنفوذ التركي الروسي. وليس في ميزان حسابات روسيا أن تجعل الأمور تتطور عسكريا في محافظة إدلب، وتصل إلى مواجهة تركية سورية مباشرة، فمعركة بهذا الحجم تضعها في إحراج كبير على جميع الأصعدة، وقد تجرها إلى مستنقع عسكري بواقعية الإكراه، في لحظة تقلص الخيارات، وانحسار هامش المناورة، لذلك يُرجح أن يتم تجاوز الخلاف الروسي التركي، وتقليص حدة الاتهام المتبادل، بالتقاعس عن الوفاء بالالتزامات، والأغلب أن تؤجل روسيا موعد اقتحام المحافظة، والتدرج في مرحلة الحسم العسكري، لآخر جيوب المقاتلين. وربما يتم إبرام صفقة تسهل خروجهم من المدينة، وتجنيب المدنيين ويلات الحرب، ولكن انتقالهم لن يكون هذه المرة إلى منطقة سورية أخرى، بل خارج الجغرافيا السورية. وليس مستبعدا أن يحدث تقارب عبر إعادة تفعيل عملية درع الفرات أو نبع السلام، أو نسخة ثانية معدلة من اتفاق أضنة بوساطة إيرانية، تمر عبر تفاهمات ما بعد إدلب، وتشمل مناطق شرق الفرات وكفر حلب وغيرهما.

يحدث ذلك في الوقت الذي تشكل فيه مدينة سراقب، التي استعادها الجيش النظامي السوري، نقطة التقاء بين طريقين دوليين يربطان محافظات عدة. وتأتي السيطرة على مناطق واسعة من هذه المدينة، ضمن محافظة إدلب بعد معارك عنيفة ضد الفصائل المقاتلة، تحديا صريحا لتحذيرات أنقرة التي تواصل إرسال تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، وتدعو دمشق لسحب قواتها من محيط نقاط المراقبة للجيش التركي. ومع تقدم العملية العسكرية، واحتدام المعارك في ريفي إدلب الجنوبي الشرقي وحلب الغربي، تتوقع تركيا من روسيا أن توقف تقدم القوات السورية في أسرع وقت ممكن، كما جاء على لسان وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو. ويُفهم من ذلك عدم رغبة أنقرة في اصطدام عسكري مباشر مع دمشق، وهي تراهن بدورها على التزام موسكو بما جاء في اتفاق سبتمبر 2018، الذي يشمل محافظة إدلب ومحيطها. ولهذا اعتبر الجانب التركي «الاستيلاء» على سراقب انتهاكا صريحا لاتفاقات سوتشي وأستانة، التي أبرمتها إلى جانب روسيا وإيران، لتحجيم القتال في الشمال السوري.

لا تجد تركيا تبريرا لتواجدها العسكري على أرض عربية وانتهاكها لسيادة سوريا، سوى قلقها من الوضع الإنساني، وإمكان تعرض حياة المدنيين للخطر. وتتكتم إلى الآن على حقيقة مشاركتها في المعارك، أو دعمها العسكري للفصائل المتمردة، وأبرزها هيئة تحرير الشام «جبهة النصرة» سابقا المصنفة تنظيما إرهابيا، إلى جانب فصائل مقاتلة أخرى أقل نفوذا. ولكن التطورات الأخيرة، ومقتل جنود أتراك إثر قصف سوري، وتهديد أنقرة بالرد، ومن ثم شروعها فيه، يجعل قواعد الاشتباك أكثر وضوحا وقد يعجل بفتحها على جميع الاحتمالات. وهي سياقات تبرر العمل الدبلوماسي الحثيث، الذي يجري بين موسكو وأنقرة، وإجراء المحادثات للحد من التوتر، وتجنب التصعيد، وبحث خطوات الدفع بعملية سياسية في إدلب بشروط محدثة. ووصفت المحادثات بأنها إيجابية، في وقت مازال يتكشف فيه الخلاف وتضارب المصالح بين الجانبين، ورغم ذلك قد تعلن المناقشة المستمرة عن وقف لإطلاق النار، والانتقال إلى مرحلة جدية من التفاهمات حول مستقبل الحل السياسي في عموم سوريا.

الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، لن تعقد المعادلات السياسية والعسكرية، أو تؤدي إلى نقطة اللاعودة في العلاقات الروسية التركية، فأنقرة تضع الورقة الاقتصادية في الحسبان، وهي تدرك أن حيوية الاقتصاد التركي مرتبط جوهريا بالشراكة مع موسكو، والعلاقات التجارية تتعزز في كل المجالات، وبالتالي لن تُترك الأمور رهينة التقلبات الجزئية، وما يبدو من تضارب مصالح لا يعدو كونه مجرد أوراق ضغط لتعزيز مواقع سياسية تفاوضية وكسب نقاط استراتيجية.

كاتب تونسي

القدس العربي

—————————–

روسيا وتركيا والصراع على إدلب/ توران قشلاقجي

تركيا منذ الحرب العالمية الأولى، للمرة الأولى تواجه صعوبات كبيرة مثل هذه. الغرب هو الغرب نفسه في موقفه، وروسيا هي روسيا نفسها التي لا تهتم بالاتفاقيات. الغرب وروسيا وإيران والعديد من الدول الأخرى الموجودة في سوريا. قبل أن ندخل في تحليل المشكلة في إدلب، دعونا نلقي نظرة سريعة على العلاقات التركية الروسية.

حتى الأمس القريب، كانت روسيا وتركيا تقعان في فضاءين استراتيجيين مختلفين، أيديولوجيا وسياسيا واقتصاديا، واحدة تتزعم حلف وارسو الاشتراكي، والأخرى جزء فاعل في حلف الناتو الغربي. ومع أن العلاقات بين الجانبين بدأت تتحسن مع انهيار الاتحاد السوفييتي، غير أنها لم تصل إلى المستوى الإيجابي، إلا من بوابة الملف السوري، بحكم الضرورات الملحة التي فرضت نفسها على العاصمتين. ومع ذلك، فعلى الرغم من الاتفاقات والتفاهمات الروسية ـ التركية في سوريا (مسار أستانة، درع الفرات، غصن الزيتون، سوتشي، شرق الفرات)، يعتبر الملف السوري جزءا من سياق أعم للمجال التداولي الاستراتيجي بين الدولتين، يحكمه الموقف من الغرب.

على مدار القرون الثلاثة الماضية، تعاونت الدولتان معا لمواجهة الهجمات الغربية، وظهر هذا التعاون بشكل جلي في مواجهة التوسع الفرنسي بقيادة نابليون نهاية القرن الثامن عشر، وظهر ثانيا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، مع توقيع اتفاقية أونكيار ـ إسكيليسكي، التي التزمت روسيا بمقتضاها تقديم الدعم العسكري لتركيا بعد عصيان محمد علي باشا في مصر. لكن في ذاك العصر نفسه، وقعت صراعات بين روسيا وتركيا، ففي عام 1768 عبر أسطول روسي مضيق جبل طارق للمرة الأولى نحو المتوسط، وخاض معركة بحرية كبرى ضد الأسطول العثماني، بسبب الصراع على شبه جزيرة القرم. وبعد ذلك بأربعة أعوام، قصف الأسطول الروسي المدن السورية الساحلية، في مشهد يشبه ما يحدث اليوم. باختصار، يمكن القول إن الخلافات الروسية ـ التركية في منطقة أوراسيا والقوقاز، كانت سببا في صراعهما، في حين كان التهديد الغربي سببا في تعاونهما.

ما يحدث في إدلب الآن يلخص طبيعة العلاقات بين الدولتين طوال القرون الثلاثة الماضية. تشترك الدولتان بوجود حالة من فائض القوة لديهما في وقت تدخل علاقتهما مع الولايات المتحدة بمرحلة فتور، وقد برز فائض القوة الروسي والتركي بشكل جلي في سوريا: الأولى أصبحت اللاعب العسكري الدولي الرئيسي، فيما أصبحت الثانية اللاعب الإقليمي الرئيسي.

شكلت الأزمة السورية نوعا من المفارقة في تاريخ العلاقة بين البلدين: اختلاف استراتيجي حيال الموقف من الثورة، ومن النظام، ومن مستقبل سوريا السياسي، غير أن هذه الخلافات الحادّة، وبفعل تعقد المشهد السوري بسبب كثرة الفاعلين الإقليميين، دفعت الطرفين إلى الاقتراب من بعضهما بعضا، وتقديم تنازلات متبادلة فرضتها مجريات الأمور. يمكن النظر إلى التعاون والصراع الروسي ـ التركي في إدلب من خلال بعدين اثنين:

الأول، تكتيكي مرتبط بمفاعيل الترتيبات العسكرية في الجغرافية السورية، وفي هذا المستوى ثمة تفاهمات بين الدولتين، وثمة خلافات حول السيطرة على بعض المناطق في محافظة إدلب.

الثاني، استراتيجي أبعد وأشمل من الجغرافية السورية، ويمكن تلمس أبعاده في أوكرانيا مع زيارة أردوغان إليها مؤخرا، والتوجه التركي إلى البحر المتوسط والوصول إلى الشاطئ الليبي، وقبلها التلاقي التركي ـ الأمريكي في شرق الفرات، وهذا المستوى هو الأهم، كونه من يحدد مسار العلاقات بين الجانبين.

مشكلة روسيا، أنها لم تنظر إلى تركيا من خلال موقعها الاستراتيجي في المنطقة، بقدر ما نظرت إليها من البوابة السورية فقط، ومن هنا اعتقد الروس أن السماح للأتراك بالبقاء في إدلب والحصول على أراض في ريف حلب الشمالي الغربي، كفيل بإبعادهم عن الولايات المتحدة وأوروبا. لكن صناع القرار في الكرملين، لم يدركوا أن موقع تركيا في قلب العالم يضعها على تماس مع قارات ثلاث، ما يجعل خياراتها واسعة جدا، بحيث يصعب اختزالها في الشرق وحده أو الغرب وحده. عند هذه النقطة الرفيعة نشهد ارتفاع التوتر بين الجانبين، لكن من المهم التأكيد على أن العلاقة بينهما لن تصل إلى نقطة الصفر السياسي والعسكري، فتركيا تتحمل خسارة بعض الأراضي في إدلب من إجل الإبقاء على علاقتها مع روسيا، والأخيرة أيضا تتحمل بقاء بعض المناطق تحت سيطرة المعارضة السورية المدعومة من تركيا، لأجل السبب نفسه. وعليه، لن تنخدع أنقرة بالوعود والتصريحات الأمريكية، ومهما حاول جيمس جيفري دغدغة مشاعر الأتراك بالتحدث باللغة التركية، ووصفه الجنود الأتراك بالشهداء، فلن ينجح في دفع تركيا للوقوع في الفخ الأمريكي، وهو توتير العلاقة مع روسيا. هذه اللعبة يعيها صناع القرار في أنقرة جيدا، لكنها كانت مفيدة لتركيا، لأنها تخيف الروس الذين سارعوا عبر سفارتهم في أنقرة إلى القول إن التصريحات الأمريكية حيال تركيا كاذبة.

الاستراتيجية التي يرسمها الرئيس أردوغان واضحة: تركيا قادرة ومستعدة لتحمل ثمن دورها التاريخي في سوريا، وعلى الروس أن يفهموا ذلك. التصعيد التركي بدا واضحا على الأرض، من خلال ارتفاع أعداد الجنود الأتراك في سوريا من ألف جندي إلى عشرة آلاف جندي، مع نحو ألفي مركبة عسكرية. وترافق التصعيد العسكري مع خطوط حمر وضعها أردوغان في وجه النظام السوري ومن ورائه الروس: ضبط حركة طيران مقاتلات النظام السوري في المحافظة، وأي اعتداء على الجيش التركي من قبل النظام السوري، سيرد عليه مباشرة في عموم الجغرافية السورية، بما يتجاوز منطقة اتفاق سوتشي في إدلب. ويمكن رؤية مدى جدية الموقف التركي من خلال عبارتين ذكرهما الرئيس أردوغان لأول مرة، «أي كفاح لا نقوم به اليوم داخل سوريا سنضطر للقيام به لاحقا في تركيا»، والثانية «إذا تركنا المبادرة للنظام السوري والأنظمة الداعمة له فلن ترتاح تركيا». يبدو أن الروس قد فهموا جدية الموقف التركي، فبعد المحادثة الهاتفية بين بوتين وأردوغان، أعلن الكرملين أن المطلوب هو تنفيذ اتفاق سوتشي، بمعنى أن روسيا لن تذهب إلى ما هو أبعد من هذا الاتفاق، وقد تم التعبير عن هذا الموقف أيضا بإعلان وزارة الدفاع الروسية مساء الأربعاء الماضي، أن السيطرة على الطريق السريع دمشق ـ حلب M5 سمح بإنشاء المنطقة الآمنة المنصوص عليها في المذكرة الروسية التركية. نتيجة لذلك قال رئيس مكتب الاتصالات في الرئاسة التركية، فخر الدين ألتون: «الحرية والتحرير، نضال الشعب السوري هو جزء لا يتجزأ، البقاء على قيد الحياة، والأمن القومي لتركيا، لا يمكننا السماح للأراضي السورية بأن يسيطر عليها مجرمون وإرهابيون. من واجبنا محاربة هذه العناصر، سواء في حدودنا أو في منطقتنا.»

كاتب تركي

القدس العربي

—————————

التوتر الروسي التركي مفتاح واشنطن لإعادة العلاقات مع أنقرة

قال دوريان جونز، مراسل موقع إذاعة «صوت أمريكا» في إسطنبول: إن علامات الاستفهام تتكاثر في أفق التقارب التركي الروسي، مع استمرار تداعيات مقتل خمسة جنود أتراك على الأقل الأسبوع الماضي، بعد قصف قوات النظام السوري المدعومة من روسيا لمواقعهم في إدلب.

وفي مستهل مقاله، يوضح جونز أن تصاعد التوتر بين تركيا وروسيا حول سوريا، يُنظر إليه الآن على أنه يقدم فرصة للولايات المتحدة لتحسين علاقاتها المتوترة مع تركيا.

وأوضح أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استغل زيارة لمدة يومين إلى أوكرانيا لزيادة الضغط على موسكو، وخلال تلك الزيارة أدان أردوغان ضم روسيا لشبه جزيرة القِرم من أوكرانيا، كما وقّع اتفاقًا عسكريًّا مع كييف.

ينقل دوريان جونز عن حسين بخشي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ميدل إيست تكنيكال بأنقرة قوله: «من خلال الموقف الحالي مع روسيا، وتصاعد الأزمة، وأيضًا في ضوء هذه الزيارة إلى أوكرانيا، نكون قد وصلنا إلى نقطة تتلاشى فيها الحدود الروسية مع تركيا تدريجيًّا». وأضاف «لذا، فإن الروس ليسوا سعداء، ويبدو أن الفائز من هذا الموقف هم الأمريكيون».

ينوه جونز أيضًا عن أن علاقة أنقرة العميقة بموسكو تسببت في  إثارة القلق بين حلفاء تركيا داخل الناتو وخاصة الولايات المتحدة، كما تلوح في الأفق العقوبات الأمريكية ضد تركيا لشراء الأخيرة نظام صواريخ «S-400» الروسي، وهو الاستحواذ الذي ينتهك القانون الأمريكي.

يرى جونز أن الحادث الأخير الذي تعرضت له القوات التركية في سوريا من الممكن أن يفتح الباب لإعادة ضبط العلاقات بين تركيا وأمريكا.

وينقل المراسل عن السفير التركي السابق لدى الولايات المتحدة، أيدين سيلسين، قوله: «شهدنا من قبل كيف يمكن لأردوغان أن يغير مساره في السياسة الخارجية. ومن السابق لأوانه أن نتحدث فيما يخص ذلك، لكن ربما لن نضطر للانتظار طويلًا».

يستطرد جونز بالقول إنه على الرغم مما تعرضت له القوات التركية في سوريا، فإنه يبدو وأن أردوغان قد تراجع خطوة للوراء عن أي قطع للعلاقات مع موسكو، مستشهدًا بتصريحات أردوغان للصحافيين لدى عودته من أوكرانيا والتي قال فيها «لسنا بحاجة للدخول في صراع أو تناقض خطير مع روسيا في هذه المرحلة».

وتابع أردوغان «لا يمكننا التغاضي عن هذه (الشراكات الاستراتيجية مع روسيا). لهذا السبب سنجلس ونناقش كل شيء (مع روسيا). لن نفعل هذا ونحن غاضبون؛ لأنه سيؤدي فقط إلى ما يضر».

شرخ في الثقة

كما شدد الرئيس التركي على أهمية الشراكة في مجال الطاقة بين تركيا وروسيا، وفي يناير (كانون الثاني) الماضي زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إسطنبول لحضور مراسم افتتاح خط أنابيب السيل التركي الذي سينقل الغاز الروسي إلى تركيا.

يقول جونز: إن تركيا تعتمد على روسيا في الحصول على نصف إمداداتها من الغاز، كما تقوم شركة روسية ببناء أول محطة للطاقة النووية في تركيا.

وأكد أردوغان مجددًا اليوم الثلاثاء أهمية شراء منظومة صواريخ «S-400»، الأمر الذي يحطم أي آمال أمريكية في ألا تقوم تركيا بتفعيل المنظومة، وهو الأمر الذي من المقرر أن تفعله أنقرة في وقت لاحق من العام الجاري.

يضيف المقال أن علاقات أردوغان ببوتين تُعد بمثابة القوة المحركة وراء ذلك التقارب، إذ يقول سيلسين: «إن دبلوماسية أردوغان هي المحرك للعلاقات التركية الروسية».

لكن جونز يقول إن استمرار الشكوك التركية تجاه نوايا واشنطن في المنطقة تظل هي القوة الدافعة للحفاظ على العلاقات التركية الروسية، ويرى بخشي أن هناك شرخًا في الثقة، إذ لم تعد تركيا تثق بالأمريكيين، وهذا الشرخ في الثقة هو المؤشر في التوجه التركي صوب روسيا.

تهديد وجودي

يتابع جونز أن دعم واشنطن لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حربها ضد ما يُسمى بتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» ما يزال يتسبب في زيادة توتر العلاقات الأمريكية التركية، بالنظر إلى تصنيف أنقرة لقوات سوريا الديمقراطية منظمةً إرهابيةً لارتباطها بحزب العمال الكردستاني، الجماعة الكردية المتمردة داخل تركيا.

ويعلق سيسلين في ذلك الصدد قائلًا: إن ذلك الدعم تعده أنقرة تهديدًا وجوديًّا لتركيا.

ويلفت إلى أن قرار الرئيس دونالد ترامب بسحب القوات الأمريكية، التي تدعم قوات سوريا الديمقراطية، العام الماضي من سوريا؛ فتح الباب أمام القوات التركية للهجوم على الميليشيات الكردية، فيما كانت أنقرة تعتمد على الانسحاب الأمريكي ليكتب نهاية دعم واشنطن للقوات الكردية.

ويكمل جونز: «إن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري، والمبعوث الخاص للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش» أكد خلال تصريحات مؤخرة له استمرار دعم واشنطن لقوات سوريا الديمقراطية».

وقال جيفري الخميس الماضي خلال إفادة عبر الهاتف لوزارة الخارجية: «واجهنا انتكاسة في سوريا بشكل مؤقت في أكتوبر (تشرين أول) الماضي مع الغزو التركي، لكننا عاودنا القيام بعمليات كاملة مع شريكنا المحلي قوات سوريا الديمقراطية».

يوضح جونز أن استمرار دعم واشنطن لقوات سوريا الديمقراطية ما يزال يغذي مخاوف أنقرة من إمكانية إنشاء دولة كردية مستقلة في نهاية المطاف.

وينقل في ذلك الصدد عن السفير التركي السابق ميثات ريندي قوله: «الأمر المهم بالنسبة لتركيا وروسيا فيما يتعلق بسوريا هو الحفاظ على سلامة أراضيها، وهو الأمر الذي لا يوجد اتفاق عليه بيننا وبين الولايات المتحدة».

وتابع ريندي «إننا محبطون تمامًا من واشنطن، ليس الحكومة فحسب، بل الشعب التركي أيضًا، لأنهم يتجاهلون المصالح الحيوية لتركيا، نحن ضد إنشاء الدويلات».

يرى جونز أن مقتل الجنود الأتراك في سوريا أمس الاثنين يُعد تحذيرًا حول مدى ضعف نفوذ أنقرة في علاقتها مع موسكو.

وينقل عن أتيلا يسيلادا المحلل في شركة «جلوبال سورس بارتنرز» قوله: «إن بوتين يدرك الآن أنه لا نية لدى تركيا للعودة إلى الولايات المتحدة؛ لذا فلا يوجد لديه حافز أو نية لأن يلقي لنا بالفتات أو يقدم تنازلات؛ لأنه يدرك أنه سيحصل على ما يريد من تركيا، والآن نحن نقول لا لكل ما تقوله أمريكا، ونعم لكل ما تقوله روسيا».

يقول جونز إنه حتى يجري ترميم الثقة بين أنقرة وواشنطن، فمن المتوقع أن تظل الجهود المبذولة لتحسين العلاقات بين الجانبين عصيبة.

ويشير محللون إلى أن واشنطن ما تزال تخفق في تبديد الشكوك حول ضلوعها في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016 في تركيا لإطاحة أردوغان، في حين كان بوتين من بين أوائل من قدموا دعمهم إلى تركيا في هذه الليلة التي شابتها أعمال عنف.

ويقول محللون إن أردوغان يدرك أيضًا ما يمكن أن يكون عليه بوتين كخصم خطير. ويوضح بخشي: «سيكون أردوغان حذرًا في نهاية المطاف؛ حتى لا يغضِب بوتين لأننا نعرف أنه عندما يغضب بوتين، تتولد لدينا المشكلات».

Dorian Jones

 Turkish-Russian Tension Over Syria Opens Door to Washington

ساسة بوست».

—————————

إدلب في سياق التوتر التركي الروسي.. ماذا يحدث؟/ سامر القطريب

لا يمكن تقديم حكم شامل على العلاقة بين تركيا وروسيا، بسبب تعدد الملفات المشتركة بين البلدين، لكن المؤكد أنها ليست مبنية دائمًا على مصالح مشتركة، إذ جرى اختبار هذه العلاقة مؤخرًا عقب مقتل 13 جنديًا تركيًا في إدلب على يد قوات النظام، في ظل تعنت موسكو وإصرارها على مواصلة الحملة العسكرية مع النظام السوري على منطقة خفص التصعيد شمال غرب سوريا. وهو  ما بدا واضحًا إثر فشل الاجتماع الروسي التركي الثاني في أنقرة لبحث التطورات في إدلب الإثنين. وكان الاجتماع الطارئ الأول يوم السبت لم يحقق أي نتائج بسبب وجود نقاط خلافية، بحسب ما نقل موقع تلفزيون سوريا عن مصدر تركي مطلع.

وردًا على مقتل خمسة جنود يوم الإثنين، ردت القوات التركة بقصف 115 هدفًا للنظام السوري ما أسفر عن مقتل 101 من عناصره وفق معلومات أولية أعلنتها وزارة الدفاع التركية.

روسيا تقترح اتفاقًا جديدًا

رغم سيطرة قوات النظام والميليشيات الموالية لها على مناطق ضمن منطقة خفض التصعيد التي أصبحت حبرًا على ورق، ما زالت أنقرة متمسكة بالاتفاق من خلال مطالبتها موسكو بوقف الهجوم العسكري على إدلب وانسحاب قوات النظام إلى حدود المنطقة منزوعة السلاح وهو ما ترفضه الكرملين.

الوفد الروسي عرض على تركيا صياغة اتفاقية جديدة بناء على معطيات الميدان الراهنة بعد ان أصبحت قوات الأسد على مسافة 16 كيلومترًا من مدينة إدلب، لكن تركيا رفضت ذلك وتمسكت بمطلب انسحاب قوات الأسد إلى حدود اتفاق سوتشي الذي جرى توقيعه بين أردوغان وبوتين في أيلول/سبتمبر 2018.

وخلال المباحثات وافقت روسيا على انسحاب قوات الأسد من مدينة سراقب فقط التي تنتشر في محيطها أربع نقاط مراقبة تركية، كما طلبت إنشاء منطقة منزوعة السلاح على جانبي طريق دمشق – حلب الدولي المعروف باسم M5 والذي سيطر عليه النظام. وتطرق الوفد الروسي خلال اللقاء المشترك إلى ضرورة استمرار العمليات العسكرية ضد “الإرهاب”، وضمان استكمال فتح الطرقات الدولية عن طريق إبعاد التنظيمات “الإرهابية” عنها.

وجاء الاجتماع الثاني الذي أجّل عملية عسكرية تركية مرتقبة بمشاركة الجيش الوطني السوري، في ظروف سيئة عقب مقتل الجنود الأتراك بقصف للنظام على مطار تفتناز بريف إدلب حيث أقامت تركيا مؤخرًا نقطة مراقبة عسكرية جديدة.

ولفت رئيس البرلمان التركي، مصطفى شنطوب إلى ورود نبأ مقتل الجنود، بينما كانت المباحثات متواصلة بين مسؤولي وزارة الخارجية التركية مع وفد روسي في أنقرة حول الأوضاع في إدلب. فيما يراه مراقبون رسالة من موسكو إلى أنقرة حملها نظام الأسد.

روسيا التي خرقت اتفاق خفض التصعيد في معظم المناطق السورية، زار وفدها أنقرة في محاولة لتخفيف حدة التوتر التي شهدتها العلاقة مع تركيا في الأيام الماضية، والتي وصلت حد تهديد الرئيس التركي باتخاذ “الإجراءات المناسبة” إذا لم تنسحب قوات النظام السوري في المنطقة، في إشارة إلى عمل عسكري شبيه بعملية “نبع السلام” في شمال شرقي سوريا.

وردًا على مقتل جنودها الأسبوع الماضي، ألغت تركيا دورية عسكرية مشتركة مخططة مع القوات الروسية في حين أشارت موسكو إلى أن أنقرة هي المسؤولة عن عدم الكشف عن موقع القوات. وقال كونستانتين كوساتشيف، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ في البرلمان الروسي، إن “كل هذا مقلق للغاية”. وإن هذا اختبار جاد لقوة الاتفاقيات الروسية التركية الحالية.

وكان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قد أعلن أنهم يعيدون تقييم المرحلة التي عملوا فيها مع روسيا الضامن للنظام، وأنه تم الاتفاق بعد إجراء عدد من الاتصالات مع المسؤولين الروس على بحث الوضع في إدلب مع الوفد الروسي القادم إلى تركيا.

تزامن الاجتماع مع مواصلة تركيا إرسال القوات العسكرية القتالية إلى إدلب وتعزيز نقاط المراقبة، ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول تركي بارز طلب عدم الكشف عن اسمه أن “جميع الخيارات مطروحة على الطاولة”، في حين تحاول أنقرة وقف التقدم السريع لقوات النظام.

وأضاف المسؤول أن 300 مركبة دخلت إدلب السبت ليصل العدد الإجمالي إلى نحو ألف مركبة هذا الشهر. ولم يوضح بالتحديد عدد القوات التي تم نشرها لكنه وصفها بأنها “كبيرة الحجم”. وأكد أنه جرى تعزيز نقاط المراقبة بالكامل و”تدعيم جبهة إدلب”. وتابع قائلًا: “كان النظام، بدعم من روسيا، ينتهك كل الاتفاقات والمعاهدات… نحن مستعدون لأي شيء. وبالطبع كل الخيارات مطروحة على الطاولة”.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إنه وثق وجود نحو 5 آلاف جندي تركي انتشروا في إدلب وحلب خلال الفترة الماضية تحضيرًا لعمل عسكري ضد قوات الأسد. وهو ما أشارت إليه وكالة الأناضول التركية، مؤكدة استمرار إرسال التعزيزات العسكرية ومن بينها قوات “الكوماندوس”، إضافة إلى قاذفات صواريخ ودبابات وناقلات جند مدرعة إلى نقاط المراقبة في إدلب السورية. ووصل رتل عسكري إلى قضاء “ريحانلي” المحاذي للحدود السورية بولاية هاتاي، يتألف من 60 شاحنة عسكرية تحمل قاذفات صواريخ ودبابات من طراز “ليوبارد” وناقلات جند مدرعة وعتاد عسكري.

حيث أنشأت القوات التركية نقطة عسكرية جديدة على تل قميناس جنوب شرق مدينة إدلب بالقرب من طريق حلب-اللاذقية الدولي. ويشكل التحرك العسكري التركي الجديد ضغطًا على روسيا إما بحثا عن اتفاق جديد يضمن المصالح التركية في الشمال السوري أو بدء معركة ضد قوات النظام السوري لإجباره على الانسحاب وإحياء اتفاق أستانا، ويجري ذلك تحت غطاء أمريكي لأنقرة من خلال تذكير واشنطن بأن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

ملفات شائكة

تناسب النهاية المقتوحة طبيعة العلاقة بين تركيا وروسيا، خاصة بعد التوترات الأخيرة بشأن إدلب، إذ لا تستطيع أنقرة تجاهل الدور الروسي وكذلك لا تستطيع روسيا عزل تركيا ومنعها من لعب دور في سوريا وفي أماكن حساسة أخرى، مع تعقد الملفات المشتركة بين البلدين مثل الطاقة، إذ مكنت الموافقة التركية على استضافة خط أنابيب الغاز TurkStream مؤخرًا على تجاوز روسيا لأوكرانيا، إضافة إلى ملفات التجارة وسوريا والملف الليبي الذي مازل الأتراك غاضبون من نهايته بطريقة درامية دون اتفاق، ويضاف إلى هذه الملفات الملف الأوكراني الذي لوح به الرئيس التركي الأسبوع الماضي عقب زيارته إلى كييف، وأمام حرس الشرف في القصر الرئاسي قال أردوغان “المجد لأوكرانيا”، وهو شعار وطني يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمشاعر المعادية لروسيا ومعركتها من أجل الاستقلال بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

الترا صوت

 ———————-

معاداة أردوغان لا تجعل الأسد بطلاً قوميا/ غازي دحمان

يحاول بعض الإعلام العربي تصوير ما تقوم به عصابات الأسد، والقوى المتحالفة معها، انتصارات يتوجب تسجيلها في خانة الأمجاد العربية، على اعتبار أنه يتم توقيعها ضد قوى استعمارية غازية تريد احتلال سورية، والمقصود بالطبع تركيا وحلفاؤها، الإخوان المسلمين. وفي ظلال الغبار الذي يثيره هذا الإعلام، تجري التغطية على أكبر مذبحةٍ شهدها عصرنا، والدوس على عذابات ملايين البشر الذين تلطم مشاهد تشرّدهم ونومهم في العراء ضمير العالم..

يتلطّى ذلك الإعلام خلف عبارات من نوع “الإنجازات الميدانية لدمشق وروسيا”، أو “دمشق تضغط على أردوغان” من دون ذكر للأسد ونظامه، على اعتبار رمزية دمشق العربية في خطاب مقصود منه تحريك البعد القومي للإنسان العربي، أو “الفصائل التي تدور في الفلك التركي” لنزع التعاطف معها. وغالبا وصف إدلب بأنها تقع “تحت سيطرة المتطرفين”، حتى لا يرى المرء غير المتطرّفين ويغمض عينيه عن رؤية ثلاثة ملايين شخص هجّرهم الأسد، لأنهم حصلوا على فرصةٍ للهرب من تجبّره بعد استعادة سيطرته على مناطقهم باسم المصالحات، والتي تشهد الوقائع أنه استباح من بقي فيها، أو وصف احتلال الأسد المناطق المحرّرة بـ”تقدم ميداني نوعي”، ووصف قوات الأسد بـ”الجيش السوري”، وهم يعلمون أنها قوات إيرانية وعراقية وحزب الله وأفغانية وفاغنر الروسية.

يحصل ذلك كله تحت عنوان معاداة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، من دون أن يسأل أحد نفسه عما إذا كانت هذه المعاداة كافية للتغطية على ذبح السوريين. ومن أجل تمرير هذه الفرية، يعمد هؤلاء إلى التعاطي مع القضية وفق منطق حسابي، يرتكز على ثلاثة أضلاع: محاربة الإرهاب، وهو حق لكل دولة، ومن يقوم بهذه الحرب هو الدولة السورية التي يحقّ لها الاستعانة بمن تشاء، ورفض التدخل الخارجي مهما كانت دواعيه ودوافعه، وتركيا، وفق هذه المصفوفة، هي المتدخل الخارجي الوحيد.

كما تستند مبرّراتهم إلى مبدأ سياسي كلاسيكي، “عدو عدوي صديقي”، من دون التفكير في ما إذا كان من الممكن تطبيق هذا الشعار في المقام السوري، وخصوصا أن حقل المصطلحات، العربي، الخاص بالتحالفات والحروب، يتضمن مبدأ قديماً “أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب”، فأين موقع الشعب السوري في هذه المعادلة، حين يصبح الروسي والإيراني أبناء عم في التطبيق؟ وهل العداوة للشعب السوري هي التي تجعل العدو الإيراني صديقاً، أيضاً في التطبيق العملي!

أخطأ أردوغان ويخطئ، لكن هناك أربعة ملايين لاجئ سوري في تركيا، وثلاثة ملايين في إدلب، وأكثر من مليون في المناطق الواقعة تحت سيطرة تركيا، يعني أكثر من ثلث سكان سورية معرّضون، بالمنطق الحسابي أيضاً، للفناء أو التهجير الديمغرافي أو نزع هويتهم، ولا يوجد عاقل ممكن أن يحتسب ذلك ضمن المصلحة القومية العربية، ما دمنا نحاكم الوقائع

بمعيار المصالح.

ولسنا مع سياسات أردوغان، لكن تصادف أن أهدافه في سورية يفترض أنها تتفق مع الأهداف العربية في الحفاظ على هوية سورية، في مواجهة سياسات إيران العلنية، ومساعيها الدؤوبة لتغيير الهوية السورية، “ومن يقول عكس ذلك، ليرجع إلى الأسباب الحقيقية لثورة العراق”. وينفذ بشار الأسد ما تمليه إيران في هذا الاتجاه، بل يرى أن استقرار حكمه وضمان توريثه وبقاء عائلة الأسد في السلطة يرتبط بعمليات التغيير الديمغرافي، وروسيا ليست لديها مشكلة، بل هي عمليا تساهم في هذا البرنامج بشكل فعلي، لغاياتٍ ربما تختلف عن غايات إيران، لكن النتيجة واحدة، وروسيا شريك للأسد وإيران في تغيير هوية سورية، حيث ساهمت بذلك منذ تدخلها في تهجير ملايين السوريين، وترى أن ضمان سيطرتها على سورية لعقود مقبلة يستلزم تفكيك كتلة الأكثرية، وتهجيرها وإعادة رسم الخريطة الديمغرافية.

إذاً، يفترض بالعرب، انطلاقاً من هذه المعطيات، الوقوف مع تركيا، ولو مرحليا، حتى يتم تجاوز هذه المخاطر المحدقة بسورية، كما أن خطر الإخوان المسلمين ليس داهما إلى هذه الدرجة على أنظمة الحكم، والغريب أنهم غير موجودين في كثير من هذه البلدان، في حين أن خطر تغيير هوية سورية داهم وعلى الأبواب، كل يوم يجري ترحيل آلاف من شعبها، وبات أكثر من نصف شعبها خارج الحدود.

ومع إيماننا بحق الأنظمة العربية في أن تكون لها حساباتها التي قد تختلف مع حسابات الشعوب ورغباتها، لكن لا خطأ في حساب أن تغيير هوية سورية سيكون زلزالا على أمن المنطقة والأمن القومي العربي، ولا يمكن الارتكان إلى روسيا للحفاظ على المصالح القومية العربية في سورية. هذه أوهام أشاعها بعض العرب لأنفسهم، ليرتاحوا من هم التفكير في مصائر أمن بلادهم ومستقبلها، ويعلم الجميع أن روسيا ليست شريكاً مضموناً، ولا تحب الأنظمة العربية، وهي ترغب في وضع تستطيع من خلاله نهب الثروات العربية، والتحكم بجميع مخرجات الأمن العربي.

لم يعد ينقص عربا كثيرين سوى الهرولة إلى قصر المهاجرين في دمشق، ومنح بشار الأسد الأوسمة والنياشين على بلائه الحسن في مواجهة “العدو الخارجي والإرهاب”. ولولا ضغط أميركا ضد هذا الموقف، لحصل الأمر منذ زمن. ولكن إلى حين ينزاح الضغط الأميركي، وتصبح الظروف مناسبة، سيتلطى كثيرون من ساسة العرب خلف إعلامهم الذي يتغزّل ببشار الأسد وإنجازاته.

العربي الجديد

————————-

تركيا وروسيا في إدلب: زواج مصالح غير كاثوليكي

شهدت محافظة إدلب السورية تصعيداً خطيراً جديداً بين قوات النظام السوري والجيش التركي في محيط مطار تفتناز، أسفر عن مقتل خمسة جنود أتراك وجرح خمسة آخرين، مما استدعى قصفاً تركياً على مصادر النيران وتدمير مواقع للنظام. وهذه هي المواجهة الثانية بين الطرفين خلال أسبوع واحد، حيث سبق لمدفعية النظام أن قصفت نقاط مراقبة تركية فأوقعت سبعة قتلى في صفوف الجيش التركي، الذي رد من جانبه وأعلن مقتل عشرات من جنود النظام.

ومن اللافت أن حادثة التصعيد يوم أمس وقعت بينما كان الوفدان التركي والروسي يعقدان اجتماعاً ثانياً في العاصمة التركية أنقرة، على مستويات دبلوماسية وعسكرية واستخباراتية، للبحث في التوتر الراهن، بعد أن أخفق الاجتماع الأول يوم السبت الماضي في التوصل إلى نتائج ملموسة. وهذا التزامن بين التصعيد الميداني على الجبهات ومواصلة اجتماعات أنقرة يمكن أن يعني استقرار موسكو على ترجيح الحل العسكري في محافظة إدلب، بدل الحلول الدبلوماسية والتفاهمات التي سبق أن اتفق عليها الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في أستانة وسوتشي، بمشاركة إيرانية أيضاً.

فإذا صحّ هذا الاحتمال، وثمة مؤشرات كثيرة تدل على صحته أبرزها أن النظام السوري لم يعد يملك الخيار في إطلاق رصاصة واحدة ضدّ الجيش التركي من دون إذن موسكو، فهذا يعني أن الكرملين قد يكون اعتمد سياسة مزدوجة في العلاقة مع تركيا. إنها من جانب أول تحافظ على الاتفاقيات الاستراتيجية في مستوى الطاقة والتبادل التجاري والتسليح والتكنولوجيا، ومن جانب ثان تأذن للنظام السوري أن يواصل عمليات القضم العسكرية التي تقرّبه أكثر فأكثر من إدلب المدينة، بعد معرة النعمان وسراقب.

كذلك يبدو واضحاً أن أنقرة تميّز من جهة أولى بين ضرورة صيانة الأمن القومي التركي وتحصينه بما يتطلب من تدابير مختلفة، بما في ذلك الرد العسكري الرادع على عمليات النظام السوري في المحافظة وضمن منطقة خفض التصعيد، وبين ضرورة الحفاظ على العلاقات الطيبة الراهنة مع روسيا من جهة ثانية. ذلك لأن هذا المستوى الاستراتيجي العالي من التعاون بين البلدين لم يترسخ إلا بعد خصام شديد أعقب إسقاط طائرة السوخوي 24 الروسية بنيران تركية خريف 2015، خلال الأسابيع الأولى من التدخل العسكري الروسي لإنقاذ النظام السوري من السقوط.

ولأنه ليس زواجاً كاثوليكياً هذا الذي يشد الروابط بين أنقرة وموسكو، وهو بالتالي نتاج توازن محسوب لسلسلة مصالح متطابقة تارة أو متناقضة تارة أخرى، فقد أمكن للرئيس الروسي أن ينتقل من دمشق إلى اسطنبول لتدشين خط أنابيب الغاز الروسي الذي سيغذي أوروبا. كذلك أمكن لمدفعية النظام السوري أن تقصف مواقع تركية وتوقع ضحايا في صفوف الجيش التركي، بتغطية جوية من الطيران الحربي الروسي، وتغطية دبلوماسية من الوفد الروسي المجتمع مع نظيره التركي في أنقرة.

وإذ تدل معطيات يوم أمس على فشل اجتماعَيْ أنقرة، واستبعاد قمة قريبة بين أردوغان وبوتين، فإن عناصر عملية عسكرية تركية جديدة في العمق السوري أخذت تتكامل تدريجياً، والمؤشرات تؤكد احتمال مواجهة وشيكة واسعة النطاق مع جيش النظام السوري من طراز يبدل شروط اللعبة تماماً. وأما الخاسر الأول والدائم فإنه المواطن السوري الواقع بين المطرقة والسندان، ضحية القصف والتدمير والتهجير، ونبش القبور أيضاً.

القدس العربي

———————-

دور للولايات المتّحدة مع تركيا في إدلب؟/ علي حسين باكير

في تعليقه على مقتل الجنود الأتراك في الهجوم الذي شنّه نظام الأسد على نقطة المراقبة الخاصة بهم في إدلب قبل حوالي عشرة أيام، ندد وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو بالإعتداء، مُعرباً عن دعم الولايات المتّحدة الكامل للإجراءات التي تتّخذها تركيا بصفتها دولة حليفة للدفاع عن نفسها، وذلك بموازاة سيطرة نظام الأسد على المزيد من الأراضي هناك بدعم إيراني وروسي.

وطالب البيان بوقف الهجمات الهمجيّة والسماح بوصول المساعدات الإنسانيّة، مُلقياً اللوم فيما يتعلق بتصاعد الاعتداءات غير المبررة ضد المدنيين على نظام الأسد وإيران وحزب الله وروسيا. وقد تعهّد البيان كذلك بأن تبذل واشنطن “قصارى جهدها لمنع إعادة دمج نظام الأسد في المجتمع الدولي، حتى يمتثل لجميع أحكام قرار مجلس الأمن رقم 2254، وبينها وقف إطلاق النار على مستوى البلاد، بما في ذلك إدلب”.

يُعتبر هذا البيان بمثابة موقف متقدّم للولايات المتّحدة مما يجري من تطورات في إدلب، سيما وأنّ تركيا تحتاج إلى دعم دولي (أمريكي وأوروبي) في جهدها لتحييد الموقف الروسي ومعاقبة نظام الأسد على قتله الجنود الأتراك، وخرقه الاتفاقات، وتهجيره حوالي مليون سوري باتجاه الحدود السورية في عملياته العسكرية الأخيرة.

لم يكن بيان بومبيو الوحيد الذي يصب في مثل هذا الاتجاه، إذ صدرت تعليقات عن الخارجية الأمريكية وكذلك عن مسؤولين أمريكيين من بينهم الممثل الأميركي الخاص للشأن السوري، جيمس جيفري، كلّها عبّرت بشكل صريح وواضح عن موقف داعم لتركيا والإجراءات التي تتخذها الآن في إدلب.

القوات المسلّحة التركية تتمتّع بالكفاءة والقدرة العالية وهي قادرة على حسم الأمور إذا ما تركت في مواجهة النظام وحلفائه، لكن تكمن المشكلة في العقبة الروسية وهي تتمحور حول ثلاث معطيات رئيسية: الاعتماد الكبير لأنقرة على موسكو في مجال التبادل التجاري والسياحة والطاقة، وقدرة روسيا على استخدام الميليشيات الكردية كورقة، وأخيراً سلاح الجو الروسي. إذا ما قررت روسيا استخدام أي من هذه الأوراق ضد تركيا، فقد تنجح في عرقلة التحرّك التركي المنتظر ضد نظام الأسد.

ما تحاول أنقرة فعله الآن لتحييد الجهد الروسي هو التركيز على خرق نظام الأسد لآخر خطوطها الحمراء المتمثّلة بقتل جنودها. رسالة أنقرة إلى موسكو أنّ هذه جريمة لا يمكن السكوت عليها، وأنّ الدفع بأمواج من اللاجئين إلى حدودها هو خطر لا يمكن احتواؤه، وبما أنّ روسيا لا تستطيع الضغط على نظام الأسد كما تدّعي، فهذا يعني انّه ليس من حقّها الاعتراض على الاقتصاص منه.

لكن ماذا إذا قررّت روسيا الدفاع عن الأسد فعلاً مستخدمة سلاحاً اقتصادياً ضد تركيا أو أدخلت سلاحها الجوّي في المعادلة؟ هذا يعني أنّ أنقرة ستكون بالتأكيد بحاجة إلى دعمٍ عملي من واشنطن. من هذا المنطلق بالتحديد، يكمن التحدّي الأكبر في معرفة إذا ما كانت واشنطن مستعدّة لتقديم ما هو أكثر من مجرّد بيان لدعم تركيا في التصعيد الجاري بين الأخيرة وبين نظام الأسد وحلفائه في إدلب.

مصلحة واشنطن تقتضي أن تميل إلى جانب تركيا في حال حصول صدام بين الطرفين، لكن تاريخ الولايات المتّحدة في الملف السوري والعلاقة غير الإيجابية مع تركيا مؤخراً لا تدفع إلى الاعتقاد بأنّ موقع واشنطن سيكون مختلفاً بشكل جذري هذه المرّة. إذ لطالما امتنعت واشنطن عن دعم الموقف التركي بشكل مباشر أو غير مباشر -عبر دعم المعارضة السورية بالسلاح على سبيل المثال-. فضلاً عن ذلك، فإنّ الرئيس الأمريكي ترامب ليس في وارد الانخراط بمعارك كبيرة في عامه الانتخابي، وهو ما يقلّل أيضاً من حظوظ وجود دعم يتجاوز المألوف إلى خوض معركة حقيقية إلى جانب تركيا.

خلال الأسبوع الماضي، قال الممثل الأميركي الخاص للشأن السوري، جيمس جيفري بأنّ الولايات المتّحدة تسأل الأتراك عن أي مساعدة يحتاجونها، مضيفا أنّ بلاده تبحث سلسلة خيارات لمواجهة التطوارت في محافظة إدلب، لكنّه اختصر الإجراءات التي من الممكن للولايات المتّحدة اتخاذها في هذا السياق بالتحديد بـ”فرض عقوبات إضافية”. لا تحمل العقوبات عادة أي تأثير على القرار المباشر للأنظمة خاصة تلك النفطيّة منها. ربما تجعل هذه العقوبات موسكو تعيد النظر في جدوى خوضها معركة مع تركيا، لكنّها لن تثنيها عن ذلك في حال قررت العكس.

هناك احتمال ولو ضئيل جداً أن يتضمّن أي تفاهم تركي- أمريكي على دور ما في إدلب قيام الطرفين بتنفيذ هجمات مشتركة ضد الجماعات المتطرفة في المنطقة، في مقابل أن تلجم موسكو نظام الأسد وتدفعه إلى أن يقدّم تنازلات في العملية السياسية وأن يلتزم بالاتفاقات الدولية. لكن هل هناك مصلحة لروسيا في الدفع في مثل هذا الاتجاه خاصّة إذا كانت ترى أنّه بإمكانها حسم الأمور عسكريا؟ أشك في ذلك.

في نهاية المطاف، الجميع في موقع اختبار المواقف الآن، وربما تعتقد روسيا وحلفاؤها بأنّ الحشد التركي غير المسبوق في سوريا لناحية العدّة والعتاد هو مجرّد مراوغة، لكن على المقلب التركي هناك تأكيد على أنّ ذلك أبعد ما يكون عن المراوغة، وفي حال قررت أنقرة المضي قدما بعملية عسكرية، فإنَّ ذلك لن يختبر روسيا فحسب وإنما الولايات المتّحدة أيضاً.

تلفزيون سوريا

———————————-

واشنطن تسحب “وكالة” الملف السوري من موسكو/ محمد قواص

قد يكون مستقبل سوريا ومصير التسوية المقبلة رهن ما سيحدث خلال الساعات والأيام القادمة. ليس في الأمر مبالغة، ذلك أن ما ترسمه النيران من خرائط يشكل أرضية حقيقية لطبيعة موازين القوى الإقليمية والدولية المعنية بالشأن السوري.

يكفي تأمل طبيعة الخلاف المتصاعد بين روسيا وتركيا، كما تأمل الموقف الأميركي اللافت والطارئ، للتأكد من أن الوجبة السورية تطبخ هذه الأيام، وأن توابل العواصم تتدخل على نحو سافر وارتجالي لتغيير ما يعده الطباخون في موسكو.

ومن الجائز أن ننضمّ إلى المشككين في إمكانية حصول صدام حقيقي بين أنقرة وموسكو فوق الأراضي السورية. غير أنه، مع ذلك، وجب عدم التقليل من جدية الخلافات المندلعة بين سوريا وتركيا من جهة، ومن امتحان العناد في طباع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين من جهة ثانية.

والواضح أن هوامش المناورة تضيق على البلدين والزعيمين، وأن عامل الوقت العزيز على قلب الكرملين لا يتواءم مع عامل التوقيت داخل أجندة الحاكم في أنقرة.

يعوّل بوتين شخصيا على معركة سوريا لتعزيز سلطته الحالية وتلك التي يخطط لتعزيزها في المستقبل في روسيا منذ استقالة (إقالة) رئيس الحكومة الروسي ديمتري ميدفيديف.

فاجأ بوتين الروس ومؤسساتهم السياسية والعسكرية باقتراح إصلاحات دستورية لتغيير مشهد السلطة والسلطان في روسيا. وعلى هذا فإن انتصاره السوري ركن مفصلي في فرض نفسه زعيما فوق العادة في موسكو.

بيد أن الرجل بنى أرضية إطلالته على العالم، لاسيما منذ عام 2015، على قدرة بلاده على احتكار إدارة ملف سوريا عسكريا وسياسيا دون منافس أو بديل.

تلقى بوتين ما يشبه مباركة أميركية و”صمتا” غربيا ملتبسا للشروع بورشته النارية في سوريا بعد ساعات فقط على لقاء جمعه بزعيم البيت الأبيض باراك أوباما في نيويورك خريف ذلك العام. وبناء على تلك “الوكالة” يعوّل بوتين على حسم عسكري سريع في سوريا بغية تحقيق نصر نهائي يتيح لروسيا حصد ثماره في السياسة والمال والاقتصاد.

تحت سقف “الوكالة” أجاد الرئيس الروسي استغلال طموحات إيران وتركيا والتعامل بحذاقة ميكيافلية مع أطماع إسرائيل.

جرى أن الولايات المتحدة وإسرائيل شاركتا الرئيس السوري العمل على تضييق خناق النفوذ الإيراني داخل سوريا وجعله متواضعا مرنا لا يتجاوز المسموح روسيّا على الرغم من الطابع التنافسي الذي يظهر سواء داخل منظومة النظام السوري أو على خرائط العقود والمنافع الاقتصادية في سوريا.

ولم يعد خافيا على أي مراقب أن قصف المواقع والقوافل والأرتال التابعة لإيران وميليشياتها، تارة من قبل الأميركيين وتارة من قبل الإسرائيليين، يحمل ماء غزيرا إلى طاحونة بوتين في سوريا.

جيمس جيفري اعتبر تحرك موسكو في إدلب هو لتحدي وجود الولايات المتحدة في المنطقةجيمس جيفري اعتبر تحرك موسكو في إدلب هو لتحدي وجود الولايات المتحدة في المنطقة

وجرى أن بوتين الذي يحتاج إلى الشراكة مع تركيا لإخضاع المناطق الواسعة التي سيطرت عليها المعارضة، تمكّن في لحظة إسقاط الأتراك لمقاتلة روسية عام 2015 من إخضاع أردوغان نفسه، والدفع به إلى الإشراف على شلّ المعارضة السورية وإجبارها على التسليم بشروط مناطق خفض التصعيد الثلاث وقبولها “الهجرة” نحو المنطقة الرابعة (إدلب). على أن الصدام بين روسيا وتركيا هذه الأيام ليس مفاجئا بل هو حتمي لا بد منه.

بدت إدلب معركة بوتين الأخيرة لبسط سيطرة نظام دمشق على كامل الأراضي السورية بالمعنى السياسي للأمر، حتى لو أن المناطق التي يسيطر عليها الأكراد من خلال قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كما تلك التي ما زالت محسوبة على الحضور الأميركي تمنع عن بوتين وحلفائه ذلك النصر الشامل.

ولئن يحتاج بوتين إلى سقوط إدلب ليربح كل شيء، فإن أردوغان بات يرى في الأمر خسارة لكل شيء. والمسألة جدية بالنسبة للأمن الاستراتيجي التركي، ذلك أن كل المناطق الشمالية السورية، من شاطئ البحر المتوسط غربا حتى الحدود السورية العراقية شرقا، هي جزء دائم من خرائط الأمن والمصالح التركية أيا كان الحاكم في أنقرة.

وعلى هذا، وفي غياب أي تسوية تضمن لتركيا مصالحها في الأمن والاقتصاد والسياسة، فإن أنقرة قد تذهب بعيدا في المخاطرة بالصدام، حتى بطابعه العسكري الكبير.

وعلى هذا أيضا، فإن أردوغان الذي لطالما أفرط ببراغماتيته على حساب المعارضة السورية وفصائلها، فإنه من خلال إرساله لرجل المخابرات الأول هاكان فيدان للقاء رجل المخابرات الأول لدى نظام دمشق علي مملوك في موسكو قبل أسابيع، لوّح بما يمكن أن تذهب إليه أنقرة من تطبيع في علاقاتها مع دمشق حال توفر معادلة تضمن مصالح تركيا العليا.

والواضح أن انهيار الجبهات العسكرية، بما في ذلك قيام نيران قوات دمشق بمهاجمة أهداف تركية وقتل جنود داخلها، يكشف عن فشل اجتماع فيدان – مملوك، لكنه يكشف أيضا عن غضب روسي منح دمشق ضوءا أخضر لتنال نيرانها من الحضور التركي في سوريا. كما أن استمرار العملية العسكرية لقوات دمشق على الرغم من تواصل الرئيسين التركي والروسي واجتماع وفد روسيا بوفد تركيا قبل أيام، يوحي بأن جدل النار أولويّة على جدل الدبلوماسية.

لكن الأمور قد تظهر مفاجآت ليست في الحسبان. في ذلك أن الأتراك يحشدون عسكريا على نحو يوحي باستعدادهم لخوض حرب كبرى، فيما تطل الولايات المتحدة على نحو غير مفهوم لكنه مربك لروسيا ومربك لتركيا.

وقد تتفاجأ أنقرة بالموقف الأميركي المباشر في دعمه للموقف التركي داخل سوريا، ذلك أن واشنطن لم تقدم على نحو جلي ما كانت أنقرة تصبو إليه للتخلص من “الخطر الكردي” شرق الفرات. قدم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو موقف بلاده الداعم إلى تركيا دون أن تفهم أنقرة معاني هذا الدعم ومفاعيله العملية، بحيث جاءت لفتة واشنطن غير مقنعة لأردوغان لكنها ليست هامشية بالنسبة لبوتين.

لئن يحتاج بوتين إلى سقوط إدلب ليربح كل شيء، فإن أردوغان بات يرى في الأمر خسارة لكل شيءلئن يحتاج بوتين إلى سقوط إدلب ليربح كل شيء، فإن أردوغان بات يرى في الأمر خسارة لكل شيء

ألحقت الولايات المتحدة إعلانها الداعم لتركيا بموقف أكثر إرباكا عبّر عنه المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري. اعتبر الرجل أن تحرك موسكو في إدلب هو “تحرك لروسيا لتحدي وجود الولايات المتحدة في المنطقة”.

لا تريد واشنطن “إخراج الروس من سوريا” ولا إسقاط نظام دمشق، وفق تصريحات جيفري المفاجئة، قبل أن يخلص إلى أن بلاده تريد “أن تتصرف سوريا كدولة طبيعية ومحترمة لا تجبر نصف سكانها على الهروب ولا تستخدم الأسلحة النووية 10 مرات ضد مواطنيها ولا ترمي قنابل محترقة عليهم ولا تسبب أزمة لجوء كادت تسفر عن إسقاط حكومات أوروبا، ولا تسمح للإرهابيين مثل عناصر هيئة تحرير الشام أو داعش بالتنامي والازدهار”.

في موقف واشنطن ما يعلق “وكالة” أوباما لبوتين وما يخلط كافة الأوراق بما يعيد ترتيب المشهد وفق شروط جديدة تعود فيه الولايات المتحدة لطرح نفسها شريكا أصيلا في أي نهايات تحضر لسوريا.

 تنصت أنقرة جيدا إلى هذا التطور وفي البال أن التجارب السابقة مع واشنطن لا توحي بأي ثقة يمكن التعويل عليها هذه الأيام. بيد أن لا خيار لأردوغان إلا الهروب إلى الأمام لعله يجد في مزاج الأميركيين الطارئ ما يهديه إلى مخارج السلامة.

صحافي وكاتب سياسي لبناني

العرب

——————-

عشرات القرى والبلدات تتهاوى في إدلب

على وقع تقدم النظام السوري وحليفته روسيا على مناطق ريف إدلب الجنوبي وريف حلب الغربي، أصبحت قرى وبلدات إدلب تتساقط تباعاً بدون أي مقاومة تذكر باستثناء بعض الشباب من أبناء المناطق اللذين راحوا يدافعون عن مناطقهم وبلداتهم بأسلحة بسيطة لا يمكن مقارنتها مع إمكانيات الجيش السوري والميليشيات المقاتلة إلى جانبه، مما يوحي بعملية تسليم ممنهجة لمدن وبلدات الشمال السوري.

تساؤلات

يتسائل الأهالي في الشمال المحرر عن المسؤول جراء ما يحدث في مدنهم وبلداتهم، وعما إذا كان هناك اتفاق مجهول الملامح يفضي بتسليم الطرقات الدولية M4 وM5 ، وعما إذا كانت المناطق الشمالية آمنة بالفعل أم أن هناك اتفاقيات جديدة تقضي بتسليمها؟

رمضان الأحمد (32عاماً) ناشط وإعلامي من مدينة معرة النعمان، يتحدث لحكاية ما انحكت عن أوضاع الأهالي السيئة في مدينة إدلب وحالة الذعر والخوف التي تسودهم فيقول: “الناس في مدينة إدلب وريفها الشمالي بدأت تنزح باتجاه مناطق درع الفرات ومدينة عفرين نتيجة ما يحصل من تقدم لقوات النظام وتهاوي مناطق ريف إدلب الجنوبي وحلب الغربي، إذ أصبحت قوات النظام على مشارف محافظة إدلب، والتي تضم أكثر من مليون نسمة معظمهم مهجرين من مناطق ريف حماة الشمالي وإدلب الجنوبي بدون أي ردة فعل من الفصائل المعارضة وهيئة تحرير الشام، والتي تعد المسؤولة بالدرجة الأولى عن هذه المناطق كونها تتبع لسيطرتها، خاصة بعد أن أصبحت قوات النظام على مشارف مدينة الأتارب بريف حلب الغربي مما يمهد لحصار مدينة إدلب بالكامل، إذ باتت قوات النظام تسيطر على عشرات المناطق في ظرف ساعات قليلة مما يدل على اتفاقية غير واضحة المعالم”.

(على الاتوستراد الدولي باتجاه الحدود التركية قرب سرمدا بتاريخ ٩ فبراير ٢٠٢٠/ خاص حكاية ما انحكت)

ويتابع قائلا: “ليس من حق أحد أن يوقع على hتفاقيات تسليم لمناطق إدلب وريفها لأنهم ليسوا أصحاب الأرض، إنما أصحاب الأرض هم أكثر من مليون ونصف نازح يقبعون الآن على الحدود السورية التركية تحت ويلات النزوح والبرد القارس بلا ملاذ أو مأوى”.

انقسم الشارع في محافظة إدلب وريفها حول التطورات العسكرية المتسارعة، حيث اعتبر بعضهم أن تركيا هي المسؤولة الأكبر عما يجري في الشمال السوري حيث استطاعت تجنيد فصائل المعارضة وتحريكها لغايات تخدم مصلحتها في المنطقة, وهو ما يؤكده المحامي خالد الرحمون (39عاماً)، ومهجر من مدينة سراقب، والتي دخلتها قوات النظام السوري مؤخراً، بالقول: “عندما كانت الفصائل المسلحة تتخذ قراراتها وفقاً لما يخدم مصالح الشعب كانت أكثر من ستين بالمئة من مساحة الأراضي السورية في حوزتها، وبعد أن بدأت تركيا بسحب الفصائل المعارضة (الجيش الوطني، الجبهة الوطنية للتحرير) عن طريق جذبهم بالامتيازات والإغراءات إلى مناطق درع الفرات وغصن الزيتون في حين كانت ميليشيا أسد تسيطر على المدن والمحافظات (الغوطة الشرقية، درعا، حمص) وغيرها من المحافظات السورية حتى تمكن النظام من حصار جميع القوى الثورية في إدلب لتكون محافظة إدلب ورقة ضغط رابحة لتركيا تستطيع من خلالها  تحقيق مكاسبها وتوسيع نفوذها عن طريق اتفاقيات مع  روسيا في أستانا وسوتشي، والتي أفضت في نهاية المطاف إلى تسليم أكثر من 40% من محافظة إدلب لميليشيات الأسد وحزب الله مقابل السماح لتركيا بالسيطرة على مناطق الأكراد وإبعادهم عن حدودها في محاولة لعملية تغير ديمغرافي للمنطقة، إذ بدأت تحتوي المهجرين من إدلب وتسكنهم في تلك المناطق وما يحصل الآن في إدلب هي عملية تسليم واضحة من قبل تركيا، حيث أنها توقفت عن دعم المعارضة بالسلاح الثقيل والنوعي مما اضطرهم إلى التراجع والانسحاب من المناطق”.

من المسؤول حقا؟

فيما اعتبر القسم الآخر أن هيئة تحرير الشام هي المسؤولة الوحيدة عما يحصل في إدلب من مجازر ومحرقة بحق الأهالي، وذلك بعد إجبار الفصائل المقاتلة على تسليم أسلحتها الثقيلة ووضعها في حوزتهم وتحت إمرتهم، بالإضافة للإقتتال الفصائلي الداخلي التي اتبعته للتخلص من الفصائل المناوئة لها مما جعل من إدلب لقمة سائغة للنظام والمرتزقة الإيرانيين والعراقيين.

رزوق المعري (42عاماً)، وهو أحد المقاتلين في جيش إدلب الحر، يقول لحكاية ما انحكت: “عملت هيئة تحرير الشام على قتال الفصائل وإضعافهم حيث هاجمت أعداد كبيرة من الفصائل والتشكيلات العسكرية العاملة في الشمال السوري مما دفع البعض منهم إلى تسليم أسلحتهم الثقيلة وحل أنفسهم وانضمام بعضهم لهيئة تحرير الشام. أما من رفض منهم فقامت بإبعاده عن محافظة إدلب وتوجهه إلى مناطق درع الفرات”.

ويوضح المعري أن: “هيئة تحرير الشام كانت على علم بهجوم النظام قبل بدء الحملة العسكرية على إدلب بأكثر من شهرين، وذلك عن طريق رصدها لحشودات النظام وتحركاته، بالمقابل لم تنذر المدنيين أو تقوم بردة فعل تقي الناس هذه المآسي والمجازر”.

إلى متى؟

فيما يعتبر يحيى السعيد، وهو عضو مجلس محلي، أن هيئة تحرير الشام رضيت بتسليم هذه المناطق مقابل عدم ضغط تركيا عليها لحل نفسها والتوقف عن تحريضها للجيش الوطني على قتالها وتمكين حكومتها على ما تبقى من الشمال السوري ويشير السعيد أن “من يقاتلون على الجبهات هم أبناء المناطق ولا وجود لأي تشكيل عسكري مقاتل إلى جانبهم”.

ويستمر الأهالي في النزوح من ريف إدلب الشرقي والجنوبي مع توسع رقعة القصف التي يشنها النظام وحليفته روسيا بالتزامن مع العمليات العسكرية والبرية لقوات النظام والمليشيات الموالية له، والتي تهدف للسيطرة على الطرق الدولية والإستراتيجية لأهميتها الجغرافية الكبيرة فيما لا يزال أهالي إدلب يتسائلون عن مصيرهم في ظل تخلي العالم عنهم وصمته على قتلهم وقتل أطفالهم.

————————

أردوغان ومخاطر لعب الشطرنج مع بوتين/ جلبير الأشقر

إن التصعيد الحاد الذي شهدته الأيام الأخيرة في لهجة رجب طيب أردوغان إزاء تقدّم قوات النظام السوري في منطقة إدلب، مسنودةً من قوات الحكمين الروسي والإيراني الوصيّين على دمشق، إنما يبيّن مدى الخيبة التي أصابت الرئيس التركي في علاقته بنظيره الروسي. كانت العلاقة بين الرجلين قد اتخذت طابع الصداقة الحارّة منذ أن قدّم فلاديمير بوتين دعمه لأردوغان في وجه المحاولة الانقلابية الفاشلة التي تعرّض لها هذا الأخير في صيف 2016. وقد نجم عن تلك الصداقة المستحدثة تعاونٌ بين تركيا وخصم الأمس الروسي، كانت ضحيته الأولى مدينة حلب التي سابتها أنقرة بما سهّل استيلاء نظام آل الأسد على شرقيّها في خريف العام ذاته. والحال أن ثمة فارقاً جليّاً للغاية بين سلبية الحكم التركي إزاء حملة الثالوث المضاد للثورة السورية على شرقي حلب في خريف 2016، وتوتّره الحالي، بالرغم من أن مكانة حلب الاستراتيجية، بصورة عامة كما بالنسبة لتركيا بصورة خاصة، أكبر من مكانة معرّة النعمان وسراقب اللتين أبدت أنقرة امتعاضاً كبيراً من سقوطهما.

في تعليقنا على التناغم الظاهر بين أردوغان وبوتين في الملف الليبي بالرغم من دعم كل واحد منهما لأحد الخصمين الرئيسيين في الحرب الدائرة في ليبيا، على غرار التناغم بينهما في الملف السوري بالرغم من دعم كل واحد منهما لأحد المعسكرين المتضادين في الحرب الدائرة في سوريا، ذكرنا أن بوتين يستفيد من التدخل التركي الجديد في ليبيا «كي يمارس لعبته المفضّلة، ألا وهي لعبة التظاهر بالقيام بدور الحكَم مع الإمساك بأهم أوراق اللعبة، على غرار الدور الخبيث الذي بات يلعبه في سوريا». ولم يمرّ وقتٌ طويل حتى انكشف مرّة أخرى وبصورة فادحة ذاك الدور الروسي الخبيث في الساحة السورية.

فها أن عرّاب مسار «تسوية» النزاع السوري الوهمية، الذي تظاهر بلعب دور الحكَم بين إيران والنظام السوري من جهة وتركيا والمعارضة السورية من الجهة المقابلة، عاد يذكّر أنقرة بالدور الفعلي الذي لم ينفك يقوم به، ألا وهو دور السند الرئيسي لنظام آل الأسد، السند الذي لولا تدخّله في خريف عام 2015 لما صمد الحكم السوري على الرغم من تدخّل إيران الكثيف برفقة أعوانها الإقليميين إلى جانبه منذ عام 2013. فبدل أن تستمر موسكو في رعاية التعايش بين القوات التركية المنتشرة في منطقة إدلب في الشمال الغربي السوري وقوات النظام السوري في المناطق المحاذية لذلك الانتشار، دعمت بالكامل وما زالت تدعم الحملة التي شنّتها قوات دمشق لاستعادة السيطرة على آخر المعاقل الهامة للمعارضة السورية بمكوّناتها المختلفة والمتناقضة، من «هيئة تحرير الشام» حتى القوات التابعة للجيش التركي. ومن الطبيعي جداً، في الحقيقة، أن تدعم موسكو تلك الحملة التي تستهدف السيطرة على منطقة قريبة من الساحل السوري الشمالي حيث تتركّز قواتها، لاسيما في قاعدة حميميم الجوّية، وتتعرّض لأشكال شتى من القصف من حين إلى آخر.

كان بإمكان أردوغان أن يتوقّع ماذا سيكون عليه السلوك الروسي في أخذ العبرة من تجاربه السابقة في التعاون مع موسكو في الساحة السورية، وهو تعاون يسّر مهمة روسيا في دعم حكم آل الأسد في إعادة وضع يده على مناطق شاسعة كانت قد تحرّرت من قبضته، بدءاً من شرقي حلب وصولاً إلى منطقة إدلب، من دون أن يمنح أنقرة بالمقابل سوى فرصة التقدّم على حساب الحركة الكردية الفالتة من سيطرة دمشق، بدءاً من «عملية درع الفرات» التي قامت بها تركيا لقاء تخلّيها عن حلب في عام 2016 حتى الانتشار التركي الأخير في «المنطقة العازلة في شمال سوريا» التي انسحبت منها القوات الأمريكية لتفسح له المجال. وإذ احتاج أردوغان إلى ضوء أخضر من موسكو بعد الضوء الأخضر الأمريكي، ذهب يفاوض بوتين في سوتشي على ضفاف البحر الأسود ليجني منه صيغةً كان الطرف الروسي المستفيد الرئيسي منها، وخلْفه حكم آل الأسد.

والعبرة من كل ذلك أن اللاعب الروسي أمهر بكثير من اللاعب التركي في مباراة الشطرنج متعددة الأطراف الدائرة على الرقعة السورية. أما غاية موسكو الجليّة فهي التحكّم بكامل الأراضي السورية من خلال دميتها الأسدية وذلك نظراً للأهمية الاستراتيجية الكبرى التي كسبها انتشار قواتها في البلد الشهيد في السنوات الخمس المنصرمة، وقد خوّلها قدرة مدّ نفوذها الإقليمي في جنوب البحر المتوسط حتى ليبيا والجزائر وفي عمق المشرق العربي حتى الخليج.

كاتب وأكاديمي من لبنان

القدس العربي

——————————

أنقرة – موسكو .. قُرعة القشّة القصيرة/ سمير صالحة

هل دقّت ساعة الحقيقة في حتمية المواجهة التركية الروسية في سورية، بعدما انتهت فترة ترحيل التباين في المواقف بانتظار حلها لاحقا، وعلى مراحل، كما أقرّ في أستانة وسوتشي؟

لم تعد موسكو ترضى بالمماطلة والتأجيل التركي في قضايا الطرق الدولية والجماعات الإرهابية وضرورة عودة قوات النظام السوري إلى المناطق التي خرجت منها في إدلب. وباتت أنقرة أكثر تشدّدا بسبب عدم الإصغاء لما تقوله عن علاقتها بالفصائل السورية المعتدلة، الواجب قبولها، ورفضها محاصرتها في مواجهة عسكرية مع مجموعات جبهة النصرة، إرضاء لبعضهم، وتجاهل موضوع مئات آلاف من النازحين الذين يريدون التحول إلى لاجئين جدد داخل أراضيها، فلماذا تواصل تركيا إرسال الحشود العسكرية والأسلحة الثقيلة إلى شمال غرب سورية؟ هل لأن الرئيس التركي قال إن بلاده لن تتردّد في القيام بما هو ضروري، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية، في محافظة إدلب السورية، إذا لم يستقر الوضع هناك؟

لم يعد أحدٌ يعرف هل الهدف هو حماية التفاهمات التركية الروسية أم نقاط المراقبة التركية أم فرض “اتفاق سوتشي” جديد، يأخذ بعين الاعتبارات تحولات المشهد القائم؟ لماذا أعطت أنقرة النظام مهلة نهاية فبراير/ شباط الحالي، كي يتراجع النظام عن محاصرته أبراج المراقبة التركية؟ هل تدعم واشنطن أنقرة في مطلب إنشاء منطقة حظر طيران في إدلب وجوارها، لقطع الطريق على هجمات روسيا والنظام، وضمانة أمن المنطقة الآمنة التركية أم أن التفاهم التركي الروسي سيحدث، شئنا أم أبينا، من دون الحاجة إلى تدخل ودور أميركي في ما يجري؟

تحرّك قوات النظام السوري بتنسيق ودعم روسيا والمليشيات الإيرانية لإشعال جبهات إدلب، وخرق التفاهمات التركية الروسية الإيرانية هناك، قلب الحسابات والمعادلات رأسا على عقب. مئات آلاف من المدنيين السوريين المتنقلين من مكان إلى آخر، بحثا عن الأمان والدفء، هم أول ضحايا ما يجري. وكان التشخيص الأول لوزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، أن “روسيا باتت تفتقد السيطرة على النظام”. في المقابل، هناك من يرى عربيا وغربيا أنها معركة مؤجلة، حان وقتها، وأن الطرفين، الروسي والتركي، على علم بكل التفاصيل، وسيتدخلان لاحتواء المشهد، ما إن تحقق المرحلة الأولى من العمليات أهدافها: تقدم النظام نحو الطريقين الدوليين أم 4 وأم 5 في إدلب، وتضييق الخناق على خيارات موضوع مجموعات جبهة النصرة في المدينة، خدمة يقدّمها لأطراف “أستانة” التي عجزت عن القيام بالمهمة .

تقول الأرقام إن الرئيسين، التركي رجب طيب أردوغان، والروسي فلاديمير بوتين، التقيا 17 مرة بين عام 2016 ومطلع العام 2020، بحثا ملفات ثنائية وإقليمية كثيرة، انتهت إلى تفاهمات ووعود ترجمت عمليا، بينها الابتعاد التركي عن أميركا والتنسيق المشترك في ليبيا وشرق المتوسط وخطوط الطاقة الاستراتيجية. وفي الملف السوري، أعلنت موسكو أنها تأخذ الهواجس والتحفظات التركية بالاعتبار، لكنها تقول إن المصالح الروسية وضرورات حماية موسكو النظام في دمشق بين الأولويات أيضا.

معركة إدلب ومسارها ونتائجها ستتحول، شئنا أم أبينا، إلى اختبار حقيقي لمسار العلاقات التركية الروسية، وعلاقات تركيا بقوى المعارضة السورية، وموقف كل طرف من الآخر. ولكن أغلب المؤشّرات تذهب في منحى وقوع المواجهة العسكرية المباشرة بين القوات التركية وقوات النظام السوري المدعوم روسياً وإيرانياً، خصوصاً أن الرئيس التركي دعا الفصائل إلى الاستعداد للمعركة الكبرى. وقد لا تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل أربعة أعوام، لكن العلاقات التركية الروسية التي بنيت بصعوبة في الأعوام الأخيرة أمام احتمال التفكك والتراجع السريع. وهذا ما تريده موسكو، بعدما أخذت الكثير مما تريده من التفاهمات السياسية والعسكرية مع أنقرة في الملف السوري.

كيف أقنع الأتراك قوى المعارضة السورية بقدرتهم على الجمع بين التفاهم مع روسيا وإيران الوثوق بموسكو، على الرغم من تمسّكها بالرهان على النظام وإبقائه في السلطة؟ هل من المعقول أن تنتهي التفاهمات التركية الروسية عند نقطة “لم تبلغونا بأماكن وجود الجنود الأتراك، لذلك استهدفوا”، ثم نعود لنجلس ونتحاور مع موسكو، بناء على المشهد الميداني والسياسي الجديد؟ المؤسف أكثر أن أقلاما تركية محسوبة على حزب العدالة والتنمية تقول إن هدف روسيا والنظام هو السيطرة على كامل منطقة إدلب، والقضاء على ما تبقى من المعارضة والثوار، ويتناسون أن الفصائل والمعارضة منحت تركيا شيكا على بياض، لتناور وتتحرّك نيابة عنها؟ وقال محللون روس إن كل ما يجري هو في إطار تفاهمات تركية روسية مسبقة. من نصدّق إذا؟

المعادلة، في غاية البساطة، تمكّن قوات النظام السوري من السيطرة على أراض جديدة في مناطق خفض التوتر في إدلب يعني فشل تركيا والفصائل في حماية مناطق سيطرتهم ونفوذهم هناك. كل هذا يجري وقيادات قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وعواصم عربية وأوروبية عديدة تتابع ما يجري بشغف وإثارة.

دخول حوالي خمسة آلاف جندي تركي إلى شمال غرب سورية، بينهم وحدات من القوات الخاصة، ووصول أكثر من 1240 شاحنة وآلية عسكرية تركية إلى الأراضي السورية، مصحوبة برادارات متنقلة وأجهزة تشويش، يعني أن أنقرة تستعد لعملية تمدّد وانتشار عسكري جديد، بهدف قطع الطريق على تقدّم قوات النظام، وتشكيل منطقة آمنة لحماية المدنيين، وإبقائهم في هذه المنطقة، تمهيدا للتعامل مع الإنذار الموجّه إلى دمشق، بسحب قواتها من المناطق المجاورة لأبراج المراقبة التركية قبل نهاية شهر فبراير/ شباط الحالي. التفسير الآخر في الإعلام العربي أن ما يجري لن يقدّم ويؤخر، فالخطة الروسية الجديدة تتقدّم على الأرض، وسط تفهم تركي لإنهاء عقدة جبهة النصرة، وفتح الطرق الدولية، وبالتالي الطريق أمام تسويات سياسية جديدة في ملف الأزمة السورية.

وسيساعد الخيار الذي ستتبناه أنقرة على معرفة أي سيناريو سيعتمد، لكننا لم نعرف سبب إعطاء مهلة الأسابيع للنظام، كي يبتعد عن نقاط المراقبة التركية. وتعرف القيادة التركية جيدا أن موسكو لن تسمح له بالتراجع أو الانسحاب في معركةٍ سيطر في أثنائها على مساحات جديدة، كانت تحت إشراف أنقرة والفصائل؟ من حق قوى المعارضة السورية أن تعرف ما يجري، لتساهم على ضوئه في صناعة ما سيجري. إما أن ترد أنقرة على كل هذا التشابك والتحول العسكري الميداني، وتعلن رفضها ما يجري، وانسحابها من الاتفاقيات المعقودة. وإما أن تعلن قبولها عقد اتفاقيات جديدة على ضوء التحولات والمتغيرات القائمة، وتبلغ الفصائل السورية التي تدعمها أن الخيارات باتت صعبة، وأن إرسال القوات والعتاد التركي إلى إدلب يهدف إلى حماية القوات التركية، وإقامة منطقة آمنة جديدة، لتوفير الحماية لمئات آلاف النازحين الذين يقفون أمام المناطق الحدودية، أكثر مما يهدف إلى إعادة النظام إلى المواقع التي انطلق منها قبل أسابيع.

والحقيقة هي أن امتحان إدلب يشكل اختبارا صعبا للجانبين، الروسي والتركي. العلاقات الشخصية مهمة في حماية مصالح الدول، لكن التعويل عليها وحدها لن يكن كافيا لتحديد حسابات المصالح ومتطلبات الظروف والعوامل المؤثرة وضروراتهما. المشكلة الأهم في سياسة تركيا السورية كانت منذ اندلاع الثورة قبل تسع سنوات في تزرير القميص الذي بدأ بشكل خاطئ، وكرت السبحة على هذا النحو مع بقية العروات، لنصل إلى هذه النتيجة. وبذلك تصير سياسة تركية جديدة في سورية لا مفر منها إذا ما أرادت أنقرة إنقاذ ما تبقى.

هل ستكتفي أنقرة بدعوة موسكو إلى إنهاء الهجوم الذي بدأته قوات النظام في شمال محافظة إدلب قبل أسابيع؟ يقول وزير الخارجية التركي إنه تنبغي مواصلة العمل مع روسيا إذا أردنا حلّ المشكلات هناك. ولكن أنقرة تعرف أن روسيا لن تتراجع عن سياستها السورية، وشرط إمساكها بجميع خيوط اللعبة في سورية على حساب جميع الأطراف المحلية والإقليمية بمن فيهم تركيا. .. الطرفة التي يرددها بعضهم في تركيا اليوم هي حكاية الرجل الذي لا يعرف السباحة، وخرج من المياه غاضبا، يشتم ويتوعد من دفعه وسط هتافات الحشود وتصفيقهم له، كونه الأجرأ الذي قفز وسط الأمواج لإنقاذ حياة الشابة التي قرّرت الانتحار.

العربي الجديد

———————————

لماذا يموت الجنود الأتراك في إدلب؟/ عائشة كربات

لماذا يرسل بلد ما أبناءه إلى بلد آخر، مع العلم أنه سيحيط بهم عدو؟ أي نوع من الأهمية يمكن أن يجبر الحكام على اتخاذ قرار شجاع وصعب على الرغم من تزايد المعارضة في الداخل لمثل هذه الخطوة المحفوفة بالمخاطر؟

بالمختصر، لماذا يموت الجنود الأتراك في إدلب؟

كجزء من صفقة 2018 مع روسيا، أقامت تركيا 12 نقطة مراقبة في إدلب. ستة منها محاطة الآن بقوات موالية للأسد. كان الهدف من هذه النقاط في الأصل تهدئة توتر الوضع في إدلب. وعدت أنقرة أيضاً بفرز العناصر المتطرفة من المعتدلين وكذلك التأكد من فتح الطريقين المهمين “إم5″ و”إم4”.

عندما تحملت أنقرة مسؤولية هذه المهمة شبه المستحيلة، كانت تأمل في حل المشكلة من خلال وضع نهج إنساني ضد هجمات النظام السوري على المدنيين. ثانياً، تخشى أنقرة من تدفق جديد للاجئين، ثالثاً، كانت تهدف إلى تعزيز وجودها في الميدان من أجل الحصاد على طاولة المفاوضات.

روسيا التي تحتاج تركيا لزعزعة استقرار الجهة الجنوبية لحلف “ناتو”، لبيع الغاز الطبيعي إلى أوروبا، وزيادة حجم تجارتها مع أنقرة من 26 مليار دولار إلى 100 مليار دولار، والتعاون في قضايا إشكالية أخرى في القوقاز والشرق الأوسط، قبلت مقاربة تركيا هذه، رغم أنها تفكر في قضية إدلب فقط في إطار مكافحة الإرهاب. لقد سئمت موسكو أيضاً من النفقات العسكرية المتزايدة التي تدعم الأسد وتفقد صبرها لرؤية نتائج ملموسة للعبتها الذكية حتى الآن في سوريا. ومع ذلك، بعد عامين، لم تكن أنقرة قادرة على الوفاء بوعودها بالتخلي عن التصعيد واستمرت دمشق في ابتلاع إدلب بسياسة القضم بينما نفد صبر موسكو.

لكن الوضع بالنسبة لأنقرة لم يتغير. احتمال تدفق اللاجئين موجود. والأهم من ذلك، تحسب تركيا أنه إذا لم تكن قادرة على الاستمرار في السير في جبهة الفرات الغربية، فلن تكون قادرة على الصمود في شرق الفرات، وهو الكابوس الحقيقي لتركيا. وفقاً للحكومة الحالية، فإن احتمال إضفاء أي شرعية على أي جيب كردي بأي شكل كان تحت حكم وحدات حماية الشعب الكردية، والذي هو مجرد امتداد لحزب العمال الكردستاني في تركيا، أمر غير وارد. لا يوجد أي مؤشر على أنه في المستقبل القريب قد تغير رأيها بشأن هذه المسألة.

لذا فإن أنقرة تحتفظ بقدميها في إدلب، على أمل أن تجر موسكو المتشككة بالفعل إلى طاولة المفاوضات لإقناعها بإنشاء منطقة آمنة في شمال مناطق إدلب وعفرين وجرابلس والباب التي تقع بالفعل تحت سيطرة الجماعات المدعومة من تركيا. أحد السيناريوهات هو أن أنقرة تهدف إلى استيعاب تدفق اللاجئين المحتمل في هذه المناطق، بمساعدة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وفي المقابل تقدم جدولاً زمنياً للانسحاب من إدلب.

والسؤال هو ما إذا كان الروس على استعداد لقبول مثل هذا السيناريو؟

بينما كانت تركيا تواصل إرسال تعزيزات إلى القوات الموالية للنظام في إدلب، كان هناك وفد روسي في أنقرة يمهد الطريق لاتفاق محتمل بين الزعيم الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان. لكن اللقاءات بين الوفدين لم تصل إلى أي نتيجة حتى مساء الاثنين عندما قتل المزيد من الجنود الأتراك في إدلب.

الأرجح أن موسكو تعتقد أن الدعوة التركية لدعم ال”ناتو” بعد مقتل جنودها لن يكون لها أي تأثير على تحالف شمال الأطلسي. واشنطن لن تتسرع في مقابلة القوة الروسية لصالح تركيا أيضاً. لكن إذا تصاعد الموقف، ويبدو الأمر ممكناً لأن كلًّا من النظام السوري وتركيا أظهروا صراحة استعدادهم لاتخاذ هذا الطريق، فإن أول من يخسر يمكن أن يكون النظام غير القوي. قد يفقد السيطرة على أجزاء أخرى من البلاد التي اكتسبها بصعوبة خاصة في حلب.

بالإضافة إلى ذلك، الحفاظ على الضوء الأخضر لهجوم النظام وبالتالي خلق المزيد من تدفق اللاجئين، قد يأتي بنتائج عكسية بالنسبة للدول الأوروبية التي تعد مساهماتها ضرورية لإدارة منطقة آمنة أولاً وإعادة إعمار البلاد لاحقاً. إضافة إلى ذلك، عندما يتم حل قضية إدلب بهذه الطريقة أو بتلك، فإن المسار السياسي قد يتسارع وهذا ما تريده موسكو.

علاوة على كل هذه الأمور، يريد الروس رؤية الأتراك والنظام حول طاولة واحدة. ومع ذلك، ينبغي أن نضع في اعتبارنا، واحدة من أهم فوائد مثل هذه المنطقة الأمنة على طول الحدود التركية، أنها ستكون بمثابة منطقة عازلة بين النظام وتركيا لأنه من الواضح أن هذين البلدين لا يرغبان في أن يكونا جيران مرة أخرى ولوقت طويل، على الأقل حتى يتغير  حكام أحد الجانبين.

المدن

————————————

الصورة الكبيرة في سوريا/ خيرالله خيرالله

هناك توزيع أدوار في الشمال السوري ولكن على حساب الشعب السوري. تشير آخر الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة إلى أن هناك 700 ألف نازح سوري جديد من شمال غرب سوريا. إنّه رقم مذهل يعكس إلى حدّ كبير حجم المأساة التي يتفرّج عليها العالم منذ سنوات عدّة.

يبدو أن تركيا تريد تحقيق هدفها المتمثل في إقامة منطقة آمنة بعمق 35 كيلومترا داخل الأراضي السورية. يحصل ذلك بالاتفاق بين أنقرة وموسكو التي تريد أن تكون هناك سيطرة لقوات تابعة للنظام، بدعم من الميليشيات التابعة لإيران، على الطرق الرئيسية مثل طريق حلب – حماة وطريق جسر الشغور – حلب.

هذه، كما يظهر، الخطوط العريضة للمعركة الدائرة في الشمال السوري والتي تشمل إدلب. من الواضح أن هناك تفاهمات روسية – تركية وهناك حرص أميركي على دور تركي من ضمن إطار عام متفق عليه بين واشنطن وأنقرة.

في انتظار أن تصبح الصورة أكثر وضوحا تتجدّد المأساة السورية يوميا ويزداد النزوح السوري. ليس ما يشير إلى أن الحرب السورية انتهت. لا تزال هذه الحرب في بدايتها على الرغم من مرور كلّ هذه السنوات عليها. الثابت الوحيد أن النظام القائم منذ خمسين عاما لا مستقبل له من جهة وأن سوريا التي عرفناها لم تعد موجودة.

لم تعد سوريا مفتّتة فحسب، بل ثمة حاجة أيضا إلى ما بين 250 و300 مليار دولار لإعادة بناء ما تهدّم في السنوات التسع الأخيرة. من سيوفّر مثل هذا المال يوما؟ كلّ ما في الأمر أن هناك إصرارا لدى النظام على رفض الخروج من دمشق حتّى لو كان ثمن ذلك نهاية سوريا.

يظلّ العنوان الذي اختاره سام داغر لكتابه عن سوريا العنوان الأفضل لاختصار ما يشهده هذا البلد. العنوان هو “الأسد أو نحرق البلد”. تحترق سوريا ولن تقوم لها قيامة من أجل بقاء بشّار الأسد في دمشق. لم يعد بقاء الأسد يقدّم أو يؤخر في شيء ما دام أدى الدور المطلوب منه أصلا. يتمثّل هذا الدور في تدمير سوريا التي كانت مرشّحة قبل وصول البعث، بشعاراته الفارغة إلى السلطة في الثامن آذار – مارس 1963 لتكون دولة مليئة بالحياة والنشاط التجاري والمالي، دولة قابلة لأن توفّر نموذجا يحتذى به في المنطقة كلّها.

ما كشفته تطورات الأسابيع الأخيرة أن تركيا تعرف ماذا تريد وأن أهدافها محددة. هذا ما يعرفه الأميركيون أيضا وهذا ما يعرفه الروس بدورهم. تحصل بين الحين والآخر تجاذبات بين موسكو وأنقرة. لكن هذه التجاذبات ما تلبث أن تجد طريقها إلى تسويات غالبا ما تتم على حساب السوريين.

ما لا يغيب عن البال في أيّ وقت أنّ تركيا لعبت منذ البداية كلّ الأدوار التي ساهمت في وصول هذا البلد إلى ما وصل إليه. صحيح أنّها أقدمت على خطوات إيجابية عدّة من بينها استضافة مئات آلاف السوريين، لكنّ الصحيح أيضا أنّ رجب طيّب أردوغان باع السوريين أوهاما كثيرة قبل أن يتبيّن أنّه يعاني في الوقت ذاته من عقد كثيرة من بينها عقدة من يعتقد أنّه الزعيم الذي لم يولد مثله في المنطقة كلّها. لعلّ آخر دليل على أن مصير سوريا آخر ما يهمّ أردوغان إرساله مقاتلين سوريين إلى ليبيا لخوض معركة لها علاقة بكلّ شيء باستثناء سوريا والسوريين.

لا بدّ هذه الأيام من النظر إلى الصورة الكبيرة وليس إلى ما يجري في الشمال السوري فقط. تقول الصورة الكبيرة إنّ ما يدور في سوريا هذه الأيّام جزء لا يتجزّأ من التغييرات التي تشهدها المنطقة، بما في ذلك انحسار الدور الإيراني. هذا لا يعني في طبيعة الحال أن الدور الإيراني لم يعد موجودا في سوريا، بل يعني أنّ روسيا صارت أقرب إلى الإمساك بخيوط كثيرة في دمشق. ما يعطي فكرة عن التقدّم الذي حققته روسيا في سوريا على الصعيد السياسي الزيارة التي قام بها لدمشق الرئيس فلاديمير بوتين قبل نحو شهر ونصف شهر. لم يكن صدفة أن الزيارة جاءت مباشرة بعد تصفية الإدارة الأميركية لقاسم سليماني قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الإيراني الذي لعب دورا محوريا في تمكين بشّار الأسد من البقاء في دمشق.

لم يكتف بوتين باستدعاء بشار الأسد إلى قاعدة روسية في دمشق، بل حرص على زيارة الجامع الأموي والبطريركية الأرثوذكسية في إشارة إلى تركيز روسي على أهمّية أهل السنّة من جهة وعلى علاقتها المتميّزة بالأقليّة المسيحية من جهة أخرى. هذا لا يعني انتفاء الحاجة الروسية إلى إيران. لا تزال روسيا في حاجة إلى الميليشيات التابعة لإيران على الأرض السورية نظرا إلى أن تدخلها العسكري يعتمد على سلاح الجو أكثر من أيّ شيء آخر.

ما يفترض في بلد مثل لبنان دخل مرحلة الانهيار عمله هو تفادي الهرب بمشاكله إلى موضوع اللاجئين السوريين. هناك واقع لا يستطيع لبنان تجاوزه. ما لا يستطيع الهرب منه هو أنّ اللاجئين السوريين لم يتسببوا بالانهيار اللبناني. ما تسبّب بالانهيار هو “عهد حزب الله” الذي بدأ عمليا مع انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية في 31 تشرين الأول – أكتوبر 2016. قبل أن يبدأ هذا العهد، الذي أزال كلّ جدار كان يفصل بين مؤسسات الدولة اللبنانية و”حزب الله”، لعب سلاح الحزب دوره في إغراق لبنان في المستنقع السوري. تسبّب الحزب بتهجير عشرات آلاف السوريين إلى لبنان في ضوء مشاركته المباشرة في تطهير مناطق في محيط دمشق وفي محاذاة الحدود اللبنانية من الذين ينتمون إلى أهل السنّة. هذا ما يرغب فيه النظام. وهذا ما ترغب فيه إيران التي تعمل من أجل تغيير في الطبيعة الديموغرافية لسوريا.

في كلّ مرّة يطرح فيها الموضوع السوري، لا مفرّ من العودة إلى الصورة الكبيرة التي تعني، بين ما تعنيه، أن الرهان على النظام السوري ليس في محلّه. هناك تفاهمات على خطوط عريضة تتبلور يوما بعد يوم في ظلّ خمسة احتلالات هي الإسرائيلي والأميركي والروسي والتركي والإيراني. ما هو مؤسف بالفعل ألّا تكون في لبنان قيادة سياسية تستطيع استيعاب تعقيدات الوضع السوري بعيدا عن “سياسة الضيعة والناطور” أي السياسات المحلّية الصغيرة. ما هو مؤسف أكثر أن النزوح السوري لن يتوقّف غدا وأن الحرب السورية دخلت مرحلة جديدة، بل صارت أكثر تعقيدا مما كانت عليه في الماضي القريب، أي منذ اندلاع شرارة الثورة في آذار – مارس من العام 2011!

إعلامي لبناني

العرب

———————————–

عن الحرب التركية الروسية/ بسام مقداد

لم تصمد مقولة روسيا الوسيط في الحرب المشتعلة في إدلب بين النظام السوري وحلفائه من جهة وأنقرة من جهة أخرى ، ولم يعد يرددها سوى بعض أبواق إعلام الكرملين ، الذين تستضيفهم بعض المواقع الإعلامية العربية من أمثال ماتوزوف وسابونينا وسواهما. ولم تتخلَ روسيا طوعاً عن مقولتها هذه ، بل يمكن القول ، بأن أردوغان قد أجبرها على التخلي عن محاولتها الممجوجة استغباء الجميع بمقولتها هذه ، إضافة  طبعاً ، إلى ما يقوله قصف طيرانها للسوريين عن دورها “الوسيط” هذا. وأخذ الإعلام الروسي يتساءل ما إذا “أصبح التحالف الهش مع إردوغان يكلف روسيا غالياً” ، أو يقول بأن “كل شيئ يشير إلى أن أنقرة مستعدة للصدام العسكري المباشر مع العسكريين الروس في شمال غرب سوريا” . بل وذهب البعض من هذا الإعلام إلى التأكيد بان “الحرب السورية تتخذ بشكل متزايد سمات الحرب العالمية المصغرة” ، وتساءل البعض الآخر  عن مدى قرب وقوع “حرب روسية تركية جديدة” ، وطالب عتاة القوميين الروس الفاشيين بإعلان الحرب على “المحتلين الأتراك والأميركيين والإسرائيليين”، وإلا ستنقلب الحملة السورية وكل السياسة الروسية في السنوات الأخيرة إلى “عار وهزيمة” .

رئيس تحرير الملحق الأسبوعي العسكري في صحيفة “NG” الروسية ألكسندر شاركوفسكي، الذي أكد بأن الحرب السورية تتخذ سمات الحرب العالمية المصغرة ، يعدد الدول ،  التي تشارك ، أو بوسعها أن تشارك في الحرب السورية . يقول الرجل ، بأن الوضع الناشئ حول سوريا في الوقت الراهن ، يذكر بشدة بأحداث “حرب القرم” بين الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية العثمانية بين العامين 1853 و1856 ، وتحالفت كل بلدان أوروبا الغربية حينذاك مع العثمانيين ضد روسيا ، وأطلق عليها بعض المؤرخين “الحرب العالمية الصفر”.

وبعد أن يؤكد شاركوفسكي ، بأن الولايات المتحدة وتركيا تلجآن إلى القوة ضد العسكريين والمرتزقة الروس في الحسكة ، يقول بان هذا يجري على خلفية استمرار الجيش الإسرائيلي بقصف مواقع سورية في محيط دمشق ، وتجمع للسفن الحربية الفرنسية قرب السواحل السورية ، بما يمكن طيران حاملة الطائرات “شارل ديغول” من قصف اهداف سورية حين ترى ضرورة لذلك . ويمكن أن تنضم بسرعة إلى السفن الفرنسية ، برأيه ، سفن الأسطول السادس الأميركي والسفن الحربية التركية واليونانية والإيطالية والإسبانية . ويذكر بالقاعدة الجوية البريطانية في قبرص ، ويقول بأنه ، يمكن أن تنضم السفن البريطانية والألمانية إلى هذه التشكيلات ، مع بعض التأخير ، ويذكر بالأسطول الخامس الأميركي وقوات وطيران القيادة المركزية الأميركية ، التي يمكن أن تنشط ضد جيش النظام السوري والقوات الروسية في سوريا.

ويخلص الرجل إلى القول بأن موسكو كانت مرتاحة لاختلال العلاقات بين واشنطن وأنقرة ، لكن ثمة خطورة الآن من أن يتذكر هذان اللاعبان أنهما حليفان في حلف الناتو ، ويعودان مع الشركاء الآخرين في التحالف ضد “الدولة الإسلامية” ، إلى العمل معاً ضد دمشق وموسكو .

وفي سياق التخوف الروسي عينه من تضافر قوى حلف الناتو في حرب ضد روسيا في سوريا ، نشرت صحيفة الكرملين “VZ” الثلاثاء مقالة بعنوان ” لماذا تورط تركيا حلف الناتو في الحرب في سوريا” . تقول الصحيفة ، أن أنقرة تنتظر المساعدة من الناتو بسبب الوضع الناشئ في سوريا ، إثر الهجوم ، الذي تشنه القوات الرسمية السورية في إدلب ، وجاء الطلب التركي على لسان الممثل الرسمي للحزب الحاكم في تركيا  عمر سيليك . لكن الصحيفة تقول أن الحلف لم يقدم سوى المساعدة الكلامية حتى الآن ، حيث عبر أمين عام الحلف عن القلق من هجوم الجيش السوري في إدلب ، ودعا نظام الأسد وروسيا ، التي تدعم الأسد ، إلى التوقف عن الهجوم . لكن وكالة تاس نقلت عن الأمين العام نفسه قوله ، بأن مسألة إدلب سوف تناقش في اجتماع وزراء دفاع الحلف الأربعاء في 12 من الجاري.

وبعد أن تذكر الصحيفة بفشل المحادثات التركية الروسية الإثنين المنصرم في التوصل إلى أي اتفاق، تقول بأن الكرملين قد أعلن الثلاثاء ، أنه لا يجري حتى الآن الإعداد للقاء بين الرئيسين الروسي والتركي بشأن سوريا . وتنقل الصحيفة عن زعيم الحزب القومي التركي المعارض دولت بهجلي ، دعوته القيادة التركية إلى إعادة النظر بالعلاقات مع روسيا ، لأنها مسؤولة مع سلطات دمشق عن مقتل العسكريين الأتراك في سوريا . وتنقل عن زعيم الحزب التركي هذا قوله ، بأن على أنقرة أن تخطط منذ اللحظة لهجوم على دمشق ، إذا ما برزت الحاجة إلى ذلك” ، وقال “إحرقوا سوريا ، دمروا إدلب ، ضعوا نهاية للأسد” .

وتنقل الصحيفة عن مدير مركز دراسة الشرق الأوسط وآىسيا الوسطى سيمون باغداساروف قوله ، بأن دعوة إردوغان الأطلسيين للإنخراط في عمليات الأتراك في إدلب ، على أراضي دولة أخرى ذات سيادة ، تشير إلى أن أنقرة تعتبر شمال سوريا جزءاً من أراضيها . ويقول  باغداساروف أن من الواضح أن إردوغان يريد احتلال حلب ، “وينبغي إعطاءه حقه”” ، فهو سياسي ذكي ذو طموحات إمبراطورية ، فمدينة حلب كانت المدينة الثانية بعد اسطنبول في الإمبراطورية العثمانية ، ولا يزال الأتراك حتى الآن يعتبرونها مدينة تركية ، يريد إردوغان بشدة احتلالها .

الموقع الإخباري “rosbalt” المعارض والمتهم بميوله اليسارية ، دعا إلى طاولة مستديرة الخميس  في 13 من الشهر الجاري بعنوان “هل الحرب الروسية التركية ممكنة” ، يشارك فيها عدد من الإختصاصيين المعروفين بشؤون الشرق الأوسط ، ومن غير “كتبة القصر” . ونشر الموقع مقالة لأحد كتابه السياسيين تحت عنوان شبيه بعنوان الطاولة المستديرة “إلى أي مدى قريبة الحرب الروسية التركية؟” ، يقول فيها ، أن أردوغان، بدأ هجومه على جيش الأسد ، ويمتنع عن تقديم أية تنازلات للكرملين ، بل هو غير قادر على ذلك. ويقول الكاتب ، بأن الأنباء الواردة من سوريا ، تجعل المرء يفكر أن حرباً روسية تركية سوف تندلع في هذا البلد بين يوم وآخر. ويقول بأن الرئيس السوري بشار الأسد ، لم يكن ليجرؤ على الإقدام على ما أقدم عليه “بكل هذا الغرور” تجاه تركيا “الأقوى منه بما لا يقارن” ، لو لم يكن يلمس تأييد موسكو الكلي له .

يقول الكاتب ، أن أنقرة ليس بوسعها الإنسحاب من سوريا لمجموعتين من الأسباب : ظاهرة للعيان وأخرى عميقة مبدئية . وينسب إلى المجموعة الأولى السبب في عدم قدرة إردوغان على الإنسحاب ، لأن الأسد يواصل الهجوم على إدلب ، على الرغم من تحذيرات أردوغان المصحوبة بقصف المدافع والطائرات وإيقاع المئات من القتلى من عسكريي الأسد . كما أن إردوغان دخل بقواته إلى سوريا لضمان الأمن التركي والقضاء على فصائل حزب العمال الكردستاني ، إضافة إلى الحؤول دون موجة تهجير جديدة ، تضاف إلى الهجرات السابقة من ملايين السوريين .

أما المجموعة الأخرى من الأسباب العميقة المبدئية ، فيقول الكاتب أن إردوغان انخرط بالحرب السورية، لأنه يعتبر سوريا خاصرته الرخوة ، ويعيش في مناطقها الشمالية السوريون التركمان . وإردوغان بحاجة إلى انتصارات خارجية على خلفية الإنكماش الإقتصادي في تركيا ، وشعار الدفاع عن السوريين التركمان لا بد وأن يحرك عواطف الناخبين الأتراك ، برأيه.

لا يستعرض الكاتب بالتفصيل أهداف روسيا المعروفة في سوريا ، ويقول بأن أهداف الطرفين متناقضة ، وينفي إمكانية التوصل إلى حلول وسط بينهما .  ويقول بأن سيناريوهات الصراع الروسي التركي العسكري المحتمل ليس بالضرورة أن يكون مباشرة بين الطرفين ، بل يمكن الإفتراض بأنه سيكون بواسطة اطراف أخرى ، كما كانت الحرب الكورية أو الفيتنامية ، حيث كان الإتحاد السوفياتي وأميركا يتحاشيان الصدام المباشر . فكما كان الطيار الروسي يجلس وراء مقود طائرة الميغ في فيتنام ، ليس من الصعب تصوره يجلس خلف مقود الميغ في سوريا الآن ، لكن هذا لن يغير في الأمر شيئاً .

المدن

———————————-

الثابت والمتغير في الأزمة السورية/ بهاء العوام

تؤنب الولايات المتحدة تركيا لأنها نصحت الرئيس رجب طيب أردوغان بعدم الوثوق بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، ولم يستمع لها. وكأن واشنطن كانت أكثر وفاءً لأنقرة من موسكو وأن الرؤساء الأميركيين، على عكس الروس، وعدوا فصدقوا مع حلفائهم الأتراك والأكراد وفصائل المعارضة السورية.

يظن الأميركيون أن الروس خذلوا الأتراك في إدلب. والحقيقة أن هذا التوصيف يجافي الحقيقة تماما.

حتى لو افترضنا أنه صحيح ولا يشوبه الشك، فلا يحق لواشنطن التنظير فيه، لأنها كانت أول من بدّل المواقف وخذل الحلفاء في الأزمة السورية.

عندما خرج الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما قبل ثماني سنوات ليقول إن الرئيس السوري بشار الأسد فقد شرعيته وبات عليه الرحيل، كان الرئيس الروسي يقول إن الأزمة السورية شأن بعيد عن حدود بلاده ولا يفضل حتى إبداء الرأي فيه. تمر السنون وتسمع الأميركيين اليوم يقولون إنهم لا يريدون إزاحة الأسد عن السلطة، ولا يريدون إخراج روسيا من سوريا. أولوياتهم في هذه البقعة من العالم باتت الآن تتمثل بمحاربة الإرهاب وتقليم أظافر إيران في الشرق الأوسط.

تبدلت أولويات الولايات المتحدة في الأزمة السورية إلى هذا الحد. وتبدلت معها قائمة الحلفاء أيضا، ليس فقط في الدول وإنما في الفرقاء السوريين أيضا. الحلفاء الذين صنعهم أوباما باعهم خلفه دونالد ترامب. بعضهم تبيّن لترامب أنه إرهابي ولا يستحق الدعم الأميركي، مثل بعض فصائل المعارضة المسلحة. وبعضهم الآخر منخرط في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل. وهنا نتحدث عن الكرد الذين قاتلوا داعش مع الأميركيين، ومن ثم اكتشف ترامب أنهم يحاربون الأتراك في معركة وجودية بدأت قبله وربما لن تنتهي أبدا، على حد وصف الرئيس الأميركي.

من المفارقات التي تُستدعى للتدليل على السياسة الأميركية الانتهازية في سوريا أيضاً، يمكن أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر، أن التنسيق الروسي الأميركي في الحرب هناك لم ينقطع لا في عهد أوباما ولا في عهد ترامب. عندما كان أوباما يفاوض طهران في الاتفاق النووي لم تكن إسرائيل ترى خطورة في الزحف الإيراني البربري داخل سوريا، أما عندما انسحب ترامب من الاتفاق دأبت الطائرات الإسرائيلية على دك كل تحرك عسكري إيراني في سوريا مهما كان صغيرا وهامشيا.

لا تريد الولايات المتحدة أن تعترف بأن تبدل أولوياتها في سوريا مرات عدة خلال السنوات الماضية، دفع جميع الدول التي جلست معها يوما على طاولة ما يسمى بـ”أصدقاء الشعب السوري” إلى تبديل مواقفها هناك. كان من المفترض أن تكون واشنطن رأس حربة في معركة تغيير نظام بشار الأسد. وعندما تبين أن معركتها تدور في مكان آخر، باتت جميع الدول المؤيدة للمعارضة السورية في حل من التزاماتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وحتى الأخلاقية. لا استثناء في ذلك لأي دولة، بما فيها تركيا التي تتباكى على حال المدنيين في مدينة إدلب اليوم.

الثابت الأول في الأزمة السورية كان ولا يزال منع انهيار مؤسسات الدولة وإحداث فراغ سياسي في البلاد على غرار العراق وليبيا واليمن. لا يهم كم هي الدولة هشة، وكم هي مؤسساتها معطلة أو في أدنى مستويات إنتاجها وخدمتها للسوريين. المهم أنها موجودة وقائمة لتكون أساسا لحل سياسي للأزمة لم يأت حتى الآن. ربما لن يأتي الحل أبدا، وربما تنجح موسكو في إعادة شرعية الأسد بانتظار هذا الحل. لا ضير في هذا طالما أن الدول المعنية، تركيا وإيران والولايات المتحدة، تستطيع حماية مصالحها في سوريا، وتؤسس لحضور دائم هناك يعيد رسم خرائط البلاد والمنطقة ككل لعقود عديدة مقبلة. وهذا هو الثابت الثاني في الأزمة.

مقابل هذين الثابتين كل شيء يتغير ويتبدل في سوريا. ليس بهامش بسيط وإنما باستدارات تصل إلى 180 درجة في بعض الأحيان. خصوم تحولوا إلى أصدقاء، معارضون انقلبوا إلى مؤيدين، ثوار باتوا مرتزقة أو إرهابيين، حلفاء أصبحوا أعداء، قادة أضحوا خونة، وانتصارات تبدلت إلى هزائم. الأمثلة كثيرة على ذلك.

وفي خضم التبدلات في مسارات الدول والأشخاص، تغيرت خرائط الميدان مرات عدة. وفي كل مرة يرسم الروس والإيرانيون والأتراك والأميركيون الخرائط الجديدة دون سواهم، بينما يعاني السوريون وبقية دول العالم من التداعيات.

ما يحدث في إدلب اليوم لا يخالف القاعدة أبدا. حان الوقت لرسم خرائط جديدة في الشمال السوري. يترقب الجميع مصافحة قريبة لأردوغان وبوتين، وفي الصورة يظهر ترامب وخامنئي مباركين لما تم الاتفاق عليه. لم يحن الوقت بعد ليسترد الجيش السوري الحدود مع تركيا. سيتوقف القتال في مكان ما، تكمل منه أجهزة الاستخبارات والقنوات الدبلوماسية ما بدأته الطائرات والدبابات. لا يريد أردوغان احتلال مدن في سوريا، وإنما يريد حدودا جنوبية لبلاده أكثر رحابة وأقل كردية. الروس والأميركيون والإيرانيون يتفهمون ذلك. وحتى نظام دمشق لا يمانع أبدا.

المعارك الدائرة في إدلب اليوم ليست نهاية الحرب. هناك جولات أخرى ستدور رحاها لاحقا. لم يعد أحد يمتلك مفاتيح الحل في سوريا. ورغم أن جميع الدول المعنية تحتاج لإنهاء الحرب هناك، كل لأسبابه طبعا، إلا أن الخيار الوحيد المتاح أمامها الآن هو التكيف مع المتغيرات التي تحدث بفعل الزمن في السياسة والميدان. ولأن هذه المتغيرات لا تؤثر في الثوابت القائمة، ولا تأتي بجديد حتى الآن، لا يزال الانتظار هو جل ما يملكه السوريون في حياتهم داخل وخارج بلادهم. و”كل ما يفعله الانتظار هو مراكمة الصدأ فوق أجسادنا”.

صحافي سوري

العرب

——————————–

هل ستواجه موسكو أنقرة في إدلب؟/ عمر كوش

شهدت الأيام القليلة الماضية توتراً روسياً- تركياً غير مسبوق في إدلب، إثر مقتل 7 جنود أتراك على يد قوات النظام السوري في الثالث من الشهر الجاري، ثم بعد أسبوع، قتلت قوات النظام مجدداً  5 جنود أتراك، الأمر الذي أثار غضب المسؤولين الأتراك، لأن المقصود منه هو النيل من هيبة تركيا ودورها في سورية، لذلك استدعى رداً عسكرياً مباشراً وقوياً من طرفها، وإرسالها تعزيزات عسكرية ضخمة إلى إدلب، وتوّعد المسؤولون الأتراك قوات النظام السوري بدفع ثمن باهظ.

وجاء مقتل الجنود الأتراك في سياق تصعيد الحملة العسكرية على مناطق إدلب، التي تشنها القوات الروسية إلى جانب قوات الأسد وميليشيات نظام الملالي الإيراني، بالرغم من أنها تقع ضمن المنطقة العازلة في اتفاق سوتشي الموقع بين الرئيسين رجب طيب إردوغان وفلاديمير بوتين، ما يعني أن هذا الاتفاق أصبح من الماضي، ويريد الروس تثبيت واقع جديد على الأرض، ضاربين عرض الحائط كل تفاهماتهم واتفاقاتهم مع الأتراك، سواء في مسار أستانة أم اتفاق سوتشي.

ويطرح التوتر العسكري الروسي- التركي أسئلة حول خيارات تركيا الممكنة في الرد ميدانياً، وحول مدى هذا التوتر مع الحليف الورسي الجديد، ومصير التفاهمات الروسية – التركية حول سورية، ومستقبل علاقات البلدين، وتطاول الأسئلة الدور التركي في سورية، وعما إذا كانت روسيا تستغل التفاهمات وتبتز شريكها التركي.

وبالرغم من أن روسيا حاولت احتواء التوتر مع تركيا بهدوء ديبلوماسي، وأرسلت وفداً سياسياً وعسكرياً رفيع المستوى، إلا أن المفاوضات التي أجراها الوفد في جولتين لم تثمر، بل فشلت في تهدئة خاطر الأتراك، فلم تتوقف الهجمات العسكرية، التي تقودها روسيا على مناطق إدلب وريف حلب الغربي، بل سيطرت على معظم البلدات المحادية للطريق (M5)، لذلك سارعت تركيا إلى إرسال ما يقارب خمسة الآلاف جندي إلى تلك المناطق، إلى جانب وحدات من القوات الخاصة في الجيش التركي، وأكثر من 1200 شاحنة ومدرعة عسكرية، مدعومة برادارات متنقلة وأجهزة تشويش، وبما يؤكد استعدادها لعملية عسكرية، يمكنها وقف قوات النظام وميليشيات نظام الملالي، بانتظار الرد الروسي على الإنذار الذي وجهه الرئيس إردوغان للنظام السوري، بسحب قواته من المناطق القريبة من نقاط المراقبة التركية قبل نهاية شهر فبراير/ شباط الجاري، وبالتالي فإن احتمالات المواجهة المفتوحة التركية الروسية في سورية قد ازدادت، منذرة بأن فترة ترحيل الخلافات الروسية التركية قد انتهت، ولم يعد تقاطع مصالح البلدين كافياً لحلها.

والحاصل هو أن العلاقات الروسية – التركية باتت تواجه اليوم اختباراً هو الأصعب، منذ المصالحة التي حدثت بين البلدين، إثر نشوب أزمة إسقاط تركيا طائرة سوخوي 24 روسية على الحدود السورية في 24 من نوفمبر/ تشرين الثاني 2015. لكن تلك الأزمة جرى احتواءها سريعاً بعد الاعتذار التركي. واستدعى ذلك تحولاً في مسار السياسة الخارجية التركية، ردّ عليه ساسة الكرملين بتخفيف الضغط على أنقرة، واقتنعوا بأن استمالة تركيا نحوهم أسهل من مضايقتها، ثم تطورت علاقات البلدين إلى عقد اتفاقات وتفاهمات أشبه بالصفقات في مسار أستانة وسوتشي، ومنح الروس الضوء الأخضر لتركيا كي تقوم بعملية بعملياتها العسكرية في “غصن الزيتون”و”نبع السلام، وسوى ذلك.

غير أن التفاهمات القائمة والشراكة بين ساسة أنقرة وموسكو، بدأت تتعرض لتصدعات وتفككات، إثر التصعيد العسكري الروسي في إدلب وجوارها ومقتل جنود أتراك، الأمر الذي سمح للولايات المتحدة أن تعود من جديد لدعم حليفها التركي في حلف “الناتو”، والوقوف إلى جانبها، ما يعني إعطاء دفعة قوية للأتراك في مواجهة روسيا وتقوية دورهم التفاوضي، لكن الدعم الأميركي سيكون محدوداً وسياسياً فقط، ولن تذهب واشنطن إلى دعم أنقرة في مطالبها بإنشاء منطقة آمنة في إدلب وما حولها، بغية قطع الطريق على مخططات الروس ونظام الأسد، خاصة وأن الروس لن يضحوا بعلاقاتهم المتشابكة والواسعة في كل المجالات مع تركيا لصالح نظام الأسد، وبالتالي من المستبعد حدوث مواجهة عسكرية مباشرة ما بين الأتراك والروس في سورية، ولن يسمح ساسة الكرميلن بتدخل أميركي بينهم وبين تركيا.

ويبدو أن الساسة الأتراك لديهم مراهنة كبيرة على دور بلادهم في سورية، وخاصة إدلب بوصفها تمثل الخاصرة الجنوبية للأمن القومي التركي، لكن ذلك يضعهم في مخاطر كبيرة مع روسيا والنظام الأسدي ونظام الملالي الإيراني، ليس فقط لأن المصالح والتفاهمات مختلفة مع الروس ومع الخائضين في الدم السوري، بل لأن دورهم وتدخلاتهم تضعهم في حالة تماس عسكري مباشر مع سائر المتدخلين، وهذا يستتبع أثاراً وإرهاصات، قد لا تنحصر عند مقتل جنود أتراك في إدلب، فضلاً عن التباين الذي يعتري علاقات تركيا مع روسيا، بالرغم من تقاطع وتشابك المصالح، لأن ما يريده الروس هو إعادة رسم خارطة جديدة على الأرض في سورية، بما يعني توسيع نفوذهم على حساب النفوذ التركي فيها، والقضاء على فصائل المعارضة السورية، وإفراغ المنطقة من سكانها ونازيحها من المدنيين السوريين، لذلك فإن الخاسر الوحيد هو الشعب السوري.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي بروكار

بروكار برس

—————————

اختبار قوة روسي ـ تركي في شمال سوريا

أميركا تدخل على خط التوتر… وإسقاط هليكوبتر للنظام في إدلب

أنقرة: سعيد عبد الرازق – موسكو: رائد جبر – واشنطن: إيلي يوسف

شهد أمس اختبار قوة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان بعد فشل المفاوضات بين وفديهما في أنقرة وإسقاط طائرة هليكوبتر سورية في إدلب، إضافة إلى قصف روسيا والنظام أطراف نقاط تركية في شمال سوريا.

وقال المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف: «في الوقت الراهن، نعتبر أن أهم شيء هو تنفيذ الاتفاقات (بين روسيا وتركيا)… وبالطبع قمع أي نشاط إرهابي موجه ضد منشآت القوات المسلحة السورية والجيش الروسي». وأضاف: «نعتبر مثل هذه الطلعات الجوية من إدلب غير مقبولة». وأعلنت قوات النظام أنها سترد على هجمات «قوات الاحتلال التركية».

من جهته، قال الرئيس التركي أمس إن النظام السوري «نال عقابه (رداً على مقتل خمسة جنود أتراك)، لكن ذلك لا يكفي. ستكون هناك تتمة. كلما هاجموا جنودنا، سيدفعون الثمن غالياً، غالياً جداً». وأضاف أنه سيعلن اليوم (الأربعاء) عن تدابير إضافية، دون أن يعطي مزيداً من التفاصيل.

وأرسلت تركيا في الآونة الأخيرة تعزيزات عسكرية ضخمة إلى المنطقة تتألف من مئات الآليات العسكرية، دخل القسم الأكبر منها بعد تبادل لإطلاق النار قبل أسبوع بين القوات التركية والسورية خلف أكثر من 20 قتيلاً من الطرفين، بينهم 8 أتراك.

وأوفدت واشنطن المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري إلى أنقرة وسط توتر العلاقات بين روسيا وتركيا جراء هجوم قوات النظام السوري بدعم موسكو وإسقاط طائرة هليكوبتر سورية من قبل مقاتلين تدعمهم أنقرة في إدلب أمس. وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو: «يجب أن تتوقف الاعتداءات المستمرة من قبل نظام الأسد وروسيا. أرسلت جيفري إلى أنقرة لتنسيق الخطوات للرد على هذا الهجوم المزعزع للاستقرار. نحن نقف إلى جانب حلفائنا في حلف شمال الأطلسي».

بدوره، أعرب الأمين العام لحلف الأطلسي (ناتو) ينس ستولتنبرغ، عشية اجتماعات وزراء دفاع دول الحلف: «نرى الهجمات من جديد ضد المدنيين في إدلب، وندعو روسيا لإقناع نظام الأسد بالتوقف عن قتل المدنيين».

————————–

أنقرة تطالب موسكو بوقف هجمات النظام فوراً

أنقرة تطالب موسكو بوقف هجمات النظام فوراً نقطة المراقبة التركية في العيس محاصرة من قوات النظام © Getty

قالت الرئاسة التركية إن المسؤولين الأتراك أبلغوا الوفد الروسي الذي زار أنقرة الاثنين لبحث الوضع في إدلب، بأن الهجمات على مواقع المراقبة التركية في إدلب شمال غرب سوريا يجب أن تتوقف على الفور وبأن مثل هذه الهجمات لن تمر دون رد.

وكانت أنقرة أعلنت في وقت سابق أن قوات النظام السوري قتلت خمسة جنود أتراك من بين آلاف القوات المنتشرة في نقاط مراقبة هناك.

وقالت الرئاسة التركية في بيان عقب المحادثات التي ترأسها من الجانب التركي مستشار الرئاسة إبراهيم كالن، إنه تم إبلاغ الروس بأن الهجمات على القوات التركية غير مقبولة ويتعين على موسكو الوفاء بواجباتها بموجب اتفاق خفض التصعيد المبرم في سوتشي عام 2018 بين أنقرة وموسكو.

وبحسب وكالة “الأناضول”، أدان الوفد التركي “بأشد العبارات” هجوم قوات النظام السوري على القوات التركية. وأكد عزم تركيا على اتخاذ مختلف التدابير ضد الهجمات الهادفة إلى تقويض المسار السياسي بسوريا، وعلى ضرورة تنفيذ اتفاق سوتشي.

والاثنين، قالت وزارة الدفاع التركية إنها ردت بشكل فوري على القصف الذي تعرضت له قواتها من قبل قوات النظام.. وأوضحت أنها قصفت 115 موقعاً لقوات النظام ما أسفر عن مقتل 101 عنصر من قوات النظام، بحسب البيان التركي.

وأضافت وزارة الدفاع التركية أن “مصادرنا أكدت أن ردنا أدى إلى إعطاب 3 دبابات ومنصتي مدفعية وإصابة مروحية تابعة لقوات النظام السوري”.

ميدانياً، يستمر القصف الصاروخي بوتيرة مكثفة، من قبل قوات النظام على كل من قميناس وسرمين ومعرزيتا بريف إدلب، وسط قصف جوي تنفذه طائرات حربية روسية على كفرسجنة جنوب إدلب، ومحيط الأتارب وكفرنوران ومحيط أورم ومناطق أخرى غرب حلب.

وتستمر الاشتباكات العنيفة، بين الفصائل ومجموعات سلفية من جهة، وقوات النظام والمسلحين الموالين لها من جهة أخرى، تترافق مع قصف مكثف وعنيف. وسيطرت قوات النظام ليل الاثنين على كفرنوران وكفرحلب والقناطر وخربة جزرايا، في ريف حلب الغربي، وسط محاولتها التقدم باتجاه معارة النعسان بريف إدلب الشمالي الشرقي عند الحدود الإدارية مع محافظة حلب.

وقال المرصد السوري لحقوق الانسان إن عدد قتلى المدنيين الاثنين بلغ 16، بينهم 6 أطفال قتلوا في مجزرة راح ضحيتها 9 مدنيين جراء غارات الطائرات الحربية الروسية على بلدة أبين بريف حلب الغربي.

وأعلن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، مقتل ما لا يقل عن 49 مدنياً جراء الغارات الجوية منذ مطلع شباط/فبراير وحتى الخامس من الشهر ذاته. وقال إن من بين الضحايا 14 امرأة و17 طفلاً.

وأوضح المتحدث الأممي أنه “تم توثيق مقتل 186 مدنياً على الأقل، بينهم 33 امرأة و37 فتى و30 فتاة خلال الشهر الماضي”. وتابع: “منذ 1 كانون أول/ديسمبر تم تشريد حوالي 689 ألفاً من المدنيين بسبب الأعمال القتالية؛ حوالي 80 في المئة منهم من النساء والأطفال”.

وقال إنه “لا تزال الأمم المتحدة تشعر بقلق عميق إزاء سلامة وحماية أكثر من 3 ملايين مدني في إدلب والمناطق المحيطة، وأكثر من نصفهم من النازحين داخلياً، خاصة في ظل استمرار ورود تقارير عن الغارات الجوية والقصف في سوريا”.

————————

أردوغان للنظام السوري: ستدفع ثمناً باهظاً

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الثلاثاء، إن قوات النظام السوري ستدفع “ثمناً باهظاً للغاية” لهجومها على القوات التركية في منطقة إدلب بشمال غرب سوريا.

وأضاف أردوغان في كلمة، “بعثنا بالردود اللازمة للجانب السوري بأقصى درجة. نالوا ما يستحقون خاصة في إدلب. لكن هذا ليس كافياً وسيستمر”. وتابع أن أنقرة ستكشف الأربعاء، عن الخطوات التي ستتخذها حيال تطورات الأوضاع في إدلب.

يأتي ذلك في وقت كثفت المعارضة السورية هجومها لاستعادة مدينة سراقب في ريف إدلب الشرقي، بدعم وإسناد تركي واضح. ونجحت في إسقاط مروحية تابعة للنظام السوري.

ونقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول تركي الثلاثاء، أنه من الممكن أن يستعيد مقاتلو المعارضة السورية الأراضي التي خسروها، وقد تعقب ذلك خطوات أخرى.

وأضاف أن “القوات الحكومية السورية أطلقت النار قرب مواقع مراقبة تركية في إدلب الثلاثاء، ما دفع القوات التركية إلى الرد”. وأشار إلى أنه يمكن لمقاتلي المعارضة السوريين المدعومين من أنقرة استعادة السيطرة على الأراضي التي خسروها في الأيام القليلة الماضية في محيط مدينة سراقب.

من جهته، شدد وزير الخارجية التركية مولود تشاووش أوغلو على ضرورة قيام روسيا وإيران الضامنتين للنظام السوري بإيقاف ممارساته العدوانية، مشيراً إلى أن النظام زاد من عدوانيته بدعم جوي خاصة من داعميه، رغم إعلان وقف إطلاق نار آخر في 12 كانون الثاني/يناير.

وأضاف أن تركيا إلتزمت دائماً بالاتفاقات التي وقعتها، مبيناً أن مشاكل تظهر بسبب تبني النظام الحل العسكري، مضيفًا: “ولكن يجب على روسيا وإيران الضامنتين للنظام إيقاف ذلك”. وأوضح أن نتائج مهمة للغاية خرج بها التعاون بين تركيا وروسيا، قائلاً: “ولكن هجمات النظام في إدلب، وقتله المدنيين وهجومه على جنودنا، بدأ يلحق ضرراً كبيراً للغاية بهذه الشراكة”.

وشدد على أن الأهم بالنسبة لتركيا يتمثل في إيقاف الهجمات بإدلب، وإعلان وقف إطلاق نار دائم، وإيجاد حل سياسي في سوريا. وكشف أن أردوغان سيبحث هاتفياً التطورات مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، مؤكدًا رغبة بلاده بالحصول على نتيجة من هذه المكالمة. كذلك أعلن الكرملين أن بوتين وأردوغان سيبحثان هاتفياً الأربعاء، التطورات في إدلب.

وفي السياق، دانت وزارة خارجية النظام السوري ما وصفته ب”استمرار تركيا في عدوانها” ونشرها المزيد من قواتها في إدلب وريفها وريف حلب، وإستهداف المناطق المأهولة بالسكان وبعض النقاط العسكرية.

وقال مصدر رسمي في الوزارة: “النظام التركي يستمر في عدوانه على سيادة وحرمة أراضي الجمهورية العربية السورية، وذلك في محاولة لإنقاذ أدواته من المجموعات الإرهابية المندحرة أمام تقدم الجيش السوري”، بحسب المصدر.

وقال إن “هذه الاعتداءات لن تنجح في إعادة إحياء التنظيمات الإرهابية، وستستمر قوات الجيش السوري في مطاردة فلول هذه التنظيمات حتى القضاء عليها بشكل كامل واستعادة السيطرة على الأراضي السورية كافة”.

وأكد المصدر “موقف سوريا الرافض لأي تواجد تركي على الأراضي السورية الذي يشكل انتهاكاً سافراً للقانون الدولي واعتداءً صارخاً على السيادة السورية ويتناقض مع بيانات أستانة وتفاهمات سوتشي بخصوص منطقة خفض التصعيد في إدلب”.

——————-

أردوغان يطلق حربه الكلامية مع تضييق الجيش السوري الخناق على إدلب

الجيش السوري يسيطر على كامل الطريق الدولي بين حلب ودمشق بعد أسابيع من بدء هجوم عسكري واسع بدعم روسي.

بيروت – سيطر الجيش السوري الثلاثاء على كامل الطريق الدولي بين حلب ودمشق بعد أسابيع من هجوم عسكري واسع بدعم روسي في شمال غرب سوريا، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وقال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن “سيطرت قوات النظام الثلاثاء على منطقة الراشدين الرابعة عند أطراف مدينة حلب الغربية، لتستكمل بذلك سيطرتها على كامل الطريق الدولي للمرة الأولى منذ العام 2012”.

وتُشكل استعادة الطريق الدولي، الذي يعبر مدناً عدة من حلب شمالاً مروراً بدمشق وصولاً إلى الحدود الأردنية جنوباً، هدفاً رئيسياً لدمشق منذ فقدت السيطرة على أجزاء منه مع بدء توسع الفصائل المعارضة في العام 2012.

وعلى ضوء تمكن قوات النظام من تحقيق تقدم ميداني هام على حساب الجماعات المسلحة، يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى البحث عن حل يحفظ ماء الوجه فقد ترأس الثلاثاء اجتماعا رفيع المستوى، لـ”الرد بأقصى صورة ممكنة” على الهجوم الذي تعرضت له قوات تركية في إدلب حسب ما أوردت وكالة الأناضول.

وذكر أردوغان أنه سيعلن الأربعاء خطة مفصّلة لكيفية التعامل مع التطورات في إدلب.

وعُقد الاجتماع بحضور نائب الرئيس فؤاد أوقطاي، ووزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو، ووزير الدفاع خلوصي آكار، ورئيس هيئة الأركان العامة التركية يشار غولر، ورئيس الاستخبارات هاكان فيدان، ورئيس مكتب الاتصالات بالرئاسة التركية فخر الدين ألتون.

وكانت تركيا أعلنت الاثنين مقتل خمسة من جنودها وإصابة خمسة آخرين في هجوم شنه الجيش السوري في إدلب.

وأعلنت وزارة الدفاع التركية أنها ردت بسرعة على الهجوم وفقا لقواعد الاشتباك وحق الدفاع المشروع عن النفس.

كما توعّد أردوغان بأن الحكومة السورية ستدفع “ثمنا باهظا للغاية” لهجومها على القوات التركية.

ومازال الرئيس التركي يدفع بالجنود والآليات إلى المناطق السورية في حركة استعراضية هادفة إلى إظهار القوة وبحثا عن حل يحفظ ماء الوجه.

ويحذر خبراء عسكريون من أن هذه المناورة قد تورط تركيا في حرب بلا أفق تجد فيها نفسها بمواجهة مباشرة مع روسيا وقوات النظام السوري، فضلا عن ميليشيات موالية لإيران.

وأرسلت أنقرة تعزيزات كبيرة إلى منطقة إدلب حيث يوجد جنود أتراك بالفعل في 12 نقطة مراقبة عسكرية بموجب اتفاق أبرمته مع روسيا وإيران بهدف تخفيف حدة القتال حول إدلب، آخر معقل كبير للمعارضة السورية.

وتحاصر قوات الحكومة السورية حاليا عددا من نقاط المراقبة التركية في إدلب، لكن أنقرة أرسلت إلى المنطقة نحو خمسة آلاف جندي وأرتالا من المركبات العسكرية عبر الحدود تحمل دبابات وعربات مدرعة لنقل الأفراد وأجهزة رادار بهدف تعزيز وجودها.

ويقول متابعون إن تركيا رغم الجلبة التي تحدثها على وقع تقدم الجيش، وإظهار التحدي لروسيا بيد أنها تعمل جاهدة خلف الكواليس لتجنب المواجهة خاصة وأنها غير مضمونة العواقب، في ظل غياب دعم غربي جاد.

وتخشى تركيا أن تتجاوز العملية العسكرية للجيش السوري مسألة السيطرة على الطريقين الدوليين إلى انتزاع كامل محافظة إدلب ومحيطها، وهذا سيعني فقدانها لورقة مهمة تمنحها قدرة على فرض رؤيتها مستقبلا.

وفقدت دمشق السيطرة على أجزاء واسعة من الطريق الدولي “ام 5” منذ بدء توسع الفصائل المعارضة في البلاد في العام 2012، إلا أنها على مر السنوات الماضية، وبفضل الدعم الروسي أساساً، بدأت تستعيد أجزاء منه تدريجياً في جنوب ووسط البلاد وقرب العاصمة دمشق.

ولم يبق أمامها مؤخراً سوى الجزء الذي يمر من جنوب إدلب وصولاً إلى مدينة حلب من الجهة الغربية.

ومحافظة إدلب والأجزاء المحاذية لها مشمولة باتفاق روسي تركي يعود إلى العام 2018 نص على فتح طريقين دوليين يمران في المنطقة، بينهما طريق حلب-دمشق، وعلى إقامة منطقة منزوعة السلاح تفصل بين مواقع سيطرة قوات النظام والفصائل. إلا أن هيئة تحرير الشام لم تنسحب من المنطقة المحددة فيما استأنفت دمشق هجماتها على مراحل.

وتزامنت العملية العسكرية الأخيرة لقوات النظام مع توتر بين أنقرة ودمشق تخلله مواجهات بين الطرفين أسفرت عن سقوط قتلى.

———————–

إدلب.. تركيا تحذر من استهداف نقاط المراقبة وروسيا والنظام يواصلان القصف برا وجوا

أكدت وزارة الدفاع التركية اليوم أن قواتها سترد بشدة على أي هجوم جديد ضد نقاط المراقبة التابعة لها في إدلب السورية. يتزامن ذلك مع استمرار القصف المدفعي المكثف والغارات الجوية لروسيا والنظام على بلدات في ريف إدلب مما تسبب في سقوط عدد من الجرحى.

كما تزامن ذلك مع إعلان قوات النظام السوري دخول مدينة سراقب، ووقوع اشتباكات عنيفة مع فصائل المعارضة مدعومة بسلاح المدفعية التركية في محيط المدينة.

 ووقعت معارك عنيفة أيضا بين فصائل المعارضة وقوات النظام لدى محاولة الأخيرة التقدم على جبهات ريفي حلب الجنوبي والغربي.

وذكرت وزارة الدفاع التركية -في بيان لها- أن قواتها ستواصل مهامها في نقاط المراقبة في إدلب، وأنها قادرة على حماية نفسها من خلال الأسلحة والعتاد والقدرات الحربية التي تمتلكها.

وأضافت “سنرد مجددا بأشد الطرق في إطار حق الدفاع المشروع عن النفس، في حال وقوع أي هجوم جديد”.

وقد قتل سبعة جنود أتراك الاثنين الماضي جراء قصف مدفعي مكثف لقوات النظام السوري على إحدى نقاط المراقبة التركية في محافظة إدلب، وأكدت السلطات التركية حينها أنها ردت على الهجوم باستهداف 40 موقعا لقوات النظام مما تسبب في مقتل 35 من منفذي الهجوم، وهو ما نفته دمشق.

من ناحية أخرى، قالت المعارضة السورية المسلحة إنها صدت محاولة تقدم لقوات النظام ومليشياته على محور مدينة الزربة في ريف حلب الجنوبي ومحاور أخرى بريف حلب الغربي وريف إدلب الشرقي. بينما أفادت وكالة الأنباء السورية (سانا) بأن قوات النظام سيطرت خلال الساعات الـ24 الماضية على ست قرى.

 تعزيزات عسكرية

ويواصل الجيش التركي الدفع بأرتال عسكرية إلى داخل الأراضي السورية، حيث أنشأ نقطة مراقبة جديدة في محيط إدلب، بحسب ما ذكر مراسل الجزيرة.

وأضاف المراسل أن عدد الآليات العسكرية التركية التي دخلت محافظة إدلب أمس بلغت 250 آلية، تضم عربات مدرعة ودبابات، إضافة إلى مدافع وناقلات جنود ومعدات طبية ولوجستية.

تتزامن هذه التطورات مع استمرار موجة النزوح جراء المعارك، حيث قالت منظمة “منسقو الاستجابة” السورية إن أكثر من 400 ألف مدني نزحوا من بلداتهم وقراهم في ريفي إدلب وحلب نحو الحدود مع تركيا منذ منتصف يناير/كانون الثاني الماضي نتيجة التصعيد العسكري.

وناشدت المنظمة الجهات الإغاثية مساعدة النازحين الذين يعيشون أوضاعا بالغة الصعوبة، كما حذرت من موجة نزوح كبرى حال استمرار العمل العسكري نحو مركز محافظة إدلب.

——————————–

تطورات إدلب.. أميركا تدخل على الخط واتصال مرتقب بين بوتين وأردوغان لاحتواء التصعيد

نقلت وكالة تاس الروسية للأنباء عن متحدث باسم الكرملين قوله إن الرئيس فلاديمير بوتين سيبحث الوضع في سوريا مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان هاتفيا في وقت لاحق اليوم الثلاثاء، وسط تزايد التوتر بسبب محافظة إدلب السورية.

وفي وقت سابق اليوم، قالت موسكو إنه يجب وقف كل الهجمات على القوات السورية والروسية في إدلب، والالتزام بالاتفاقات التي أبرمتها روسيا مع تركيا بشأن الصراع هناك.

ويأتي الاتصال المرتقب بين بوتين وأردوغان بعد جولتين من المباحثات التي لم تسفر عن نتائج معلنة بين وفدين روسي وتركي في أنقرة ضم ممثلين عن الخارجية والدفاع والاستخبارات في كلا البلدين.

وأبرمت روسيا الحليفة المقربة من النظام السوري اتفاقا مع تركيا عام 2018 لفرض منطقة منزوعة السلاح في إدلب، واتفاقا آخر في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي لإخراج مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية السورية من المناطق القريبة من الحدود التركية.

لكن علاقات موسكو مع تركيا خضعت لضغوط مع تقدم قوات النظام السوري المدعومة روسيًا في هجوم بالمنطقة أدى إلى نزوح العديد من المدنيين، وأجج مخاوف أنقرة من موجات أخرى من اللاجئين.

معارك حول النيرب

وبدأت قوات المعارضة مدعومة من القوات التركية هجوما على قوات النظام السوري، بعد تطورات الأمس التي تصدرها الهجوم على نقطة مراقبة عسكرية تركية وقتل خمسة من الجنود الأتراك.

وقال مراسل الجزيرة إن فصائل معارضة والجبهة الوطنية للتحرير شنّتا عملية عسكرية بغطاء مدفعي تركي كثيف ضد قوات النظام شرق إدلب، ونقل عن مصادر بالجبهة قولها إنها استهدفت بقصف مدفعي مكثف قوات النظام في مدينة سراقب على تقاطع الطريقين الدوليين “إم 4” و “إم 5”.

وأشارت وزارة الدفاع التركية اليوم إلى أن القوات الحكومية السورية غادرت بلدة النيرب بمنطقة إدلب شمال غرب سوريا.

وأفادت بأن مروحية تابعة للنظام السوري أُسقطت في المنطقة مع بدء هجوم لمقاتلي المعارضة المدعومين من أنقرة، وهي ثاني مروحية يخسرها النظام في إدلب خلال 24 ساعة.

بيد أن مراسل الجزيرة في المنطقة أفاد بأن قوات النظام السوري بدأت هجوما لاستعادة المدينة، وأن المعارك تدور حاليا بين طرفين للسيطرة على المدينة.

وسبق أن ذكرت وزارة الدفاع التركية أنها قصفت 115 هدفا تابعا لقوات النظام السوري ردا على الهجوم الذي استهدف قواتها في إدلب وأسفر عن مقتل خمسةِ جنود، كما دفعت بمزيد من التعزيزات إلى مواقعها على الحدود مع سوريا، إضافة لمواقعها بريف إدلب.

أردوغان يتوعد

وجدد الرئيس التركي اليوم تهديده للنظام السوري، وقال إنه سيدفع “ثمنا باهظا للغاية” لهجومه على القوات التركية بمنطقة إدلب شمال غرب سوريا حيث قُتل 13 جنديا تركيا خلال ما يربو قليلا على أسبوع.

وأضاف أردوغان في كلمة “بعثنا بالردود اللازمة للجانب السوري على أعلى مستوى. نالوا ما يستحقون خاصة في إدلب. لكن هذا ليس كافيا وسيستمر”.

وذكر الرئيس التركي أنه سيعلن غدا خطة مفصلة لكيفية التعامل مع التطورات في إدلب. جاء ذلك في كلمة ألقاها خلال مشاركته في فعالية بالمجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة.

 وأوضح أردوغان أن قوات بلاده ردّت على هجوم قوات النظام السوري على الجنود الأتراك في إدلب بأقصى درجة. وأضاف: قمنا بالرد على الجانب السوري بأقصى درجة، ولن نكتفي بذلك، بل سنواصل الرد. وفي إشارة للنظام السوري، قال الرئيس التركي: سيدفعون ثمنا باهظا كلما اعتدوا على جنودنا.

تحرك أميركي

ومع استمرار التصعيد في إدلب، أعلن وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو اليوم الثلاثاء، وقوف بلاده إلى تركيا، جوار حليفتها في الناتو، وذلك ردا على هجمات النظام السوري وروسيا في إدلب شمال غربي سوريا.

وقدم بومبيو في تغريدة على حسابه بتويتر تعازيه إلى عائلات الجنود الأتراك الذين قتلوا في هجوم أمس الإثنين، بإدلب.

وقال إنه يجب أن تتوقف الاعتداءات المستمرة من قبل نظام الأسد وروسيا، مضيفا أنه أرسل جيمس جيفري (مبعوث واشنطن إلى دمشق) لتنسيق الخطوات للرد على هذا الهجوم المزعزع للاستقرار.

وضمن الخطوات الأميركية؛ أفاد مراسل الجزيرة في أنقرة، نقلا عن مصادر دبلوماسية، أن المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري وصل مساء اليوم إلى العاصمة التركية لبحث آخر التطورات التي تشهدها الأزمة السورية وعلى رأسها إدلب.

وذكرت المصادر أن جيفري سيلتقي صباح يوم غد الأربعاء مع وكيل وزارة الخارجية التركية والناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالين ومسؤولين من الاستخبارات التركية.

وقالت السفارة الأميركية لدى أنقرة في تغريدة لها على تويتر إن السفير جيفري سيبحث مع كبار المسؤولين الأتراك ما دعته الهجوم العسكري المزعزع للاستقرار الذي يقوم به نظام الأسد المدعوم من روسيا في إدلب، والتعاون للوصول إلى حل سياسي للصراع السوري.

 كما دعت السفارة الأميركية إلى وقف فوري لإطلاق النار وإتاحة المجال لوصول المنظمات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.

 يأتي ذلك في وقت أعلن فيه سيرجي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي أن بلاده والولايات المتحدة تتواصلان بشأن الوضع في إدلب على خلفية توتر الأوضاع هناك.

قتلى إدلب

وفي إدلب أيضا، أفاد مراسل الجزيرة أن 13 مدنيا قتلوا وأصيب العشرات بجروح وصفت بالخطيرة جراء غارات جوية سورية استهدفت المنطقة الصناعية والسوق الشعبية بالمدينة.

وأضاف المراسل أن الطائرات استهدفت عشرات المدن والبلدات بريف حلب الغربي، مع استمرار موجات النزوح لمئات العائلات باتجاه الحدود مع تركيا وسط أوضاع إنسانية قاسية.

المصدر : الجزيرة + وكالات

———————

إدلب: تركيا تهدد وموسكو تشعر بالقلق وأمريكا تعلن موقفها

تشهد محافظة إدلب، تطورات متسارعة في وتيرة الأحداث، لاسيما الصدام المباشر بين قوات النظام السوري والقوات التركية، التي لا تزال تعزز من عتادها وعناصرها في المحافظة، بالتزامن مع “قلق” الكرملن، وإعلان الولايات المتحدة دعمها لتركيا ضد النظام السوري.

وقال مراسل بروكار برس في إدلب، إنّ تعزيزات عسكرية تركية جديدة، وصلت مساء اليوم الثلاثاء، إلى المحافظة، قادمة من تركيا عبر ولاية هاتاي.

كما قالت وكالة “الأناضول” إن “قافلة عسكرية وصلت قضاء ريحانلي في ولاية هاتاي جنوبي البلاد، في طريقها إلى الحدود السورية.

وأضافت أن التعزيزات تضم قوات من الوحدات الخاصة (الكوماندوز) وذخائر وتحصينات، وأنها تتجه نحو الوحدات الحدودية وسط إجراءات أمنية مشددة.

إلى ذلك، أكّدت الوكالة، أن 43 حاملة جنود وصلت إلى مدينة اسكندرون في الولاية ذاتها، بحيث تتوجه إلى الوحدات الحدودية.

ويأتي هذا التعزيز المستمر منذ شهر تقريباً، بالتزامن مع صدام مباشر بين قوات النظام السوري، والقوات التركية، والذي تسبب بسقوط قتلى للطرفين.

وفي حين تدعو موسكو للتهدئة، إذ أعلن الكرملن، أنّ الرئاسة الروسية تشعر بالقلق، إزاء تطورات الأحداث في إحداث، اعتبرت الولايات المتحدة، أن هجمات النظام السوري، على القوات التركية في إدلب تتجاوز كل الحدود، مؤكدة دعمها لتركيا، حليفتها في الناتو.

وقالت المندوبة الأمريكية الدائمة لدى الناتو، كاي بيلي هاتشسون، في تصريحات، اليوم الثلاثاء: “لسنا موافقين على كل الإجراءات التي تتخذها تركيا في سوريا، لكننا نعتقد أن هذه الهجمات من قبل سوريا المدعومة من روسيا تتجاوز كل الحدود”.

وأضافت هاتشسون: “نحن مصممون بكل حزم على دعم تركيا في هذا الوضع، وسنطلب من روسيا وقف الدعم للأسد لإيجاد إمكانية للمضي قدما نحو اتفاق سلام في سوريا”.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اليوم الثلاثاء إنّ الخطوات التي ستتّخذها بلاده في إدلب سيتم الإعلان عنها غداً الأربعاء.

وأكّد أردوغان في كلمة له اليوم، أنّ النظام السوري سيدفع “ثمنا باهظا كلما اعتدوا على جنودنا الأتراك”.

وزاد أنّ ردّ بلاده على قوات النظام وتكبيدهم الخسائر، “لا يكفي”.

وترأس أردوغان اجتماعاً أمنياً في أنقرة، تناول الخطوات التي ستتخذ ردا على هجوم قوات النظام السوري على القوات التركية في محافظة إدلب، والتي تسببت بمقتل 5 وجرح آخرين.

ميدانياً، قتل وجرح 45 مدنيا بينهم سبعة أطفال اليوم الثلاثاء، نتيجة قصف لطائرات النظام الحربية على وسط مدينة إدلب والمنطقة الصناعية فيها.

وقال الدفاع المدني على معرفاته الرسمية، إن الطائرات قصفت وسط المدينة والمنطقة الصناعية بعدة صواريخ ما أدى لمقتل 12 مدنيا بينهم سبعة أطفال وإصابة 33 آخرين، ودمار كبير في الممتلكات.

وأضاف أن فرقة عملت على إسعاف المصابين إلى المشافي وانتشلت جثامين القتلى لتسليمها لذويهم كما عملت على تأمين المكان بشكل كامل.

وفي حلب المجاورة، أصيب خمسة مدنيين بينهم طفل وسيدتان صباح اليوم، نتيجة قصف جوي روسي استهدف منازل المدنيين في مدينة دارة عزة غرب حلب، بحسب الدفاع المدني.

ويأتي ذلك وسط استمرار تعرض مدن وبلدات أرياف حلب وإدلب للقصف من قبل قوات النظام وروسيا، تزامنا مع موجة نزوح ضخمة من ريف حلب الغربي هربا من استهدافات النظام وتمكنه من التقدم على الأرض.

بروكار برس

———————————

لوفيغارو : أردوغان يعرّض جيشه للمخاطر في سوريا.. واحتمال التصعيد في إدلب يتزايد/ آدم جابر

قالت صحيفة لوفيغارو الفرنسية إن احتمال التصعيد غير المنضبط في محافظة إدلب السورية يزداد كل يوم، مشيرة إلى أن تركيا حشدت المزيد من جنودها والمركبات والأسلحة أكثر من جميع توغلاتها السابقة في سوريا.

وأضافت الصحيفة الفرنسية أنه “يعتقد أن حوالي تسعة آلاف جندي تركي يوجدون في عين المكان بعد أن عبرت غالبيتهم العظمى الحدود في الأسابيع الأخيرة، ويزداد هذا الانتشار الهائل خطورة لأن الجيش التركي -المحاط بالفعل من قبل قوات النظام السوري- لا يحظى في حالة العدوان أو دعم هجومه المضاد، بأي غطاء جوي، في ظل سيطرة موسكو على المجال الجوي فوق إدلب”.

وعليه تساءلت لوفيغارو: “لماذا إذن يعرّض رجب طيب أردوغان جيشه لمثل هذه المخاطر؟ ما هي استراتيجيته في إدلب؟”.

وتنقل الصحيفة عن إمري كورساتس كايا، الباحث في مركز دراسات الشؤون الاقتصادية والدبلوماسية (إيدام) في إسطنبول قوله: “تركيا تحاول ليّ يد روسيا.. إنها تريد أن تجد مع موسكو -وربما بشكل غير مباشر مع دمشق- اتفاقية شاملة ودائمة، ليس فقط في إدلب ولكن أيضا تقضي بالسيطرة على جميع مناطق شمال سوريا” حيث يوجد الجيش التركي.

فالرهان لا يتعلق فقط بالنسبة لأنقرة بمنع هروب ثلاثة ملايين مدني من إدلب إلى حدودها، في حين أن البلاد بالكاد تستوعب أكثر من 3.6 مليون سوري. كما أن الأمر يتعلق كذلك بالنسبة لموسكو ودمشق بعدم الرضوخ نفسياً وجسدياً.

وأضافت لوفيعارو: “من الواضح أنه بعد إدلب، ستركز قوات النظام السوري على مناطق العمليات التركية السابقة مثل درع الفرات (بين جرابلوس والباب) وغصن الزيتون (عفرين)”، كما يوضح إمري كرساتس كايا، معتبراً في الوقت ذاته أن “تركيا لا تريد بالتأكيد أن تتراجع وتضطر في نهاية المطاف إلى التخلي عن محمياتها في شمال سوريا، والتي تهدف في المقام الأول إلى منع إقامة منطقة كردية تتمتع بالحكم الذاتي”.

وأشارت لوفيغارو إلى أنه في الأيام الأخيرة، انتهت المناقشات في أنقرة بين المسؤولين الأتراك والروس دون نتيجة. وسيزور وفد تركي موسكو قريباً لاستئناف المفاوضات”.

ووسط ذلك، كان لدى رجب طيب أردوغان العبارة التالية: “من الآن فصاعدا، لن نغمض أعيننا عن التعصب والخيانة والاستفزازات من القناصة داخل جماعات المعارضة التي تقدم للنظام ذريعة لهجماته… فهل يكون تصلب الجيش التركي ضد المعارضة وجهاديي إدلب النظير الذي يقدمه رجب طيب أردوغان لفلاديمير بوتين؟” تتساءل لوفيغارو.

القدس العربي

————————-

نظام الأسد وخطر المشي على خيط رفيع في إدلب

تشير الحملة العسكرية التي يقودها النظام السوري المدعوم من روسيا في محافظة إدلب، إلى رغبة الرئيس السوري بشار الأسد في إعادة ترتيب الأوراق بجعله إدلب بمثابة جسر حيوي يعيد ربط مدينة حلب العاصمة الاقتصادية للبلد بالعاصمة السياسية دمشق والمناطق الساحلية الأخرى. خطوة جديدة يرى فيها المراقبون أنها تعزز مكاسب النظام الطامح لاستعادة السيطرة على كامل البلاد، لكنها تبقى محفوفة بمخاطر رد الفعل الانتقامي من قبل النظام التركي الذي صعّد من جهته، حدّة خطابه المتوعّد بالرد على نظام بشار الأسد من جهة، وعلى حليفته موسكو بعدما تمكن الجيش السوري من إلحاق خسائر بشرية في القوات التركية خلال أسبوع واحد في إدلب.

نيويورك – يتصاعد التوتر في محافظة إدلب السورية بين النظام السوري وأنقرة التي رفّعت من منسوب التوعّد ضد نظام الأسد من جهة، وضدّ حليفته روسيا من جهة أخرى.

ويشير المراقبون إلى أن النظام السوري بدأ يحقق مكاسب ميدانية وسياسية هامة في شرقي سوريا بعد كل ما حملته التطورات من بوادر صراعات وخلافات بين أنقرة وموسكو وتحول تحالفهما إلى عداء معلن.

وصعّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأربعاء، النبرة ضدّ روسيا حليفة النظام السوري، متهما إياها بارتكاب “مجازر” في إدلب بشمال غرب سوريا، فيما وصلت تعزيزات تركية جديدة إلى المنطقة.

وهدّد أردوغان بضرب قوات النظام السوري في كل مكان في حال تعرض جنوده لأذى، لكن روسيا ردت باتهام الأتراك بعدم تحييد الإرهابيين في محافظة إدلب آخر معاقل المعارضة في سوريا.

وعززت تركيا مواقعها العسكرية في الأيام الأخيرة في المنطقة، حيث وصلت المئات من الآليات المحملة بقوات خاصة ومدافع وعسكريين منذ الجمعة إلى بلدة بنش الواقعة شمال شرق مدينة إدلب.

وتأتي هذه التطورات الجديدة بعدما أعلن مسؤولون أتراك أن 14 عسكرياً تركياً قتلوا وأصيب 45 آخرون في قصف نفذته القوات السورية في محافظة إدلب خلال الأيام التسعة الماضية، مؤكدين أن تركيا ردت بقتل العديد من القوات السورية في محاولة لصدها.

معركة حاسمة

ويرى مراقبون أن نظام الرئيس السوري بشار الأسد بات يتحرّك بقراره شن هجوم نهائي لاستعادة السيطرة على محافظة إدلب، فوق خيط رفيع، بين مخاطر رد الفعل الانتقامي من جانب جارته تركيا، من ناحية، ومكاسب استكمال السيطرة على كامل التراب الوطني لبلاده، والاستفادة من الموارد الكبيرة للمحافظة في دعم اقتصاد سوريا من ناحية أخرى.

ذكرت وكالة بلومبيرغ للأنباء في تحليل نشرته الأربعاء، أن الحملة العسكرية على إدلب التي تسيطر عليها مجموعات مسلحة موالية لتركيا وتنظيم القاعدة الإرهابي، تعكس الرغبة الراسخة لدى الأسد في إعادة بناء إدلب كجسر يعيد ربط مدينة حلب العاصمة الاقتصادية لسوريا، بالعاصمة السياسية للبلاد دمشق، والمناطق الساحلية الأخرى.

وأصبح تحقيق هذه الرغبة من قبل النظام السوري أمرا حيويا، في ظل معاناة الاقتصاد السوري من تداعيات عشر سنوات من الحرب الأهلية والعقوبات الدولية والأزمة المالية في لبنان المجاور.

وأضافت بلومبيرغ أن استعادة السيطرة على إدلب، يمكن أن تمثل بداية أولية لإعادة بناء الاقتصاد السوري الذي تقدر الأمم المتحدة أنه يحتاج إلى مساعدات تزيد قيمتها عن 250 مليار دولار، وهو مبلغ لا يمكن لحليفي الأسد في الحرب وهما إيران وروسيا تقديمه. كما فقدت الليرة السورية نصف قيمتها خلال العام الماضي لتسجل 1000 ليرة لكل دولار.

ويتواصل التصعيد في إدلب رغم تحذيرات منظمات دولية من حصول كارثة إنسانية، حيث حذرت منظمة المجلس النرويجي للاجئين من “أسوأ كارثة إنسانية” منذ بدء النزاع في سوريا قبل نحو تسع سنوات في حال استمر التصعيد العسكري في شمال غرب البلاد.

ومنذ ديسمبر، نزح نحو 700 ألف شخص وفق الأمم المتحدة جراء حملة عسكرية تشنّها قوات النظام بدعم روسي على مناطق في محافظة إدلب وجوارها، تؤوي أكثر من ثلاثة ملايين شخص نصفهم نازحون، وتسيطر عليها هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) وتنتشر فيها فصائل معارضة أقل نفوذاً.

وقال الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين يان إيغلاند الأربعاء، “إنها أكبر حركة نزوح في أسوأ حرب في جيلنا هذا. الآلاف يفرون بحياتهم في يوم واحد فقط، ما نشهده هو فعلاً غير مسبوق”.

ودعا إيغلاند إلى وقف لإطلاق النار في محافظة إدلب، التي وصفها بأنها “أكبر مخيم للاجئين في العالم، وأي اعتداء فيها يضع حياة الملايين من النساء والأطفال في خطر”.

وقال أيهم كامل رئيس إدارة أبحاث الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة “يورو-آسيا جروب” للدراسات إن “الأسد يريد توسيع نطاق سيطرته على الأرض في إدلب وحلب من أجل إنهاء الصراع بشكل أساسي واستعادة الاتصالات التجارية بين حلب وباقي مناطق البلاد، وتتزايد أهمية تحقيق هذا الهدف بمرور الوقت وبخاصة في ظل المشكلات التي يمر بها لبنان” المجاور.

ويعتبر عنصر التوقيت أساسيا في العملية التي يشنها الجيش السوري للسيطرة على إدلب. فالتزام روسيا بتوفير الغطاء الجوي للهجوم البري السوري، وقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنهاء الوجود العسكري الأميركي من مسرح العمليات السوري، أعطيا الأسد الضوء الأخضر لإنهاء ما يعتبرها خطوة أساسية لإعادة توحيد الدولة السورية بالفعل.

وتعد خطورة هذه الاستراتيجية التي يتبناها بشار الأسد واضحة في القتال الدائر حاليا في محافظة إدلب. فالقوات التركية تتدفق للحيلولة دون سقوط آخر معقل للمعارضة المسلحة في يد القوات السورية. واستهدفت القوات التركية حوالي 170 هدفا في سوريا ردا على الهجمات التي قامت بها القوات السورية والتي أسفرت عن مقتل 12 عسكريا تركيا على الأقل خلال الشهر الحالي.

ومهما كان مدى تسبب هجوم الأسد في تعقيد العلاقات بين تركيا وروسيا، لم يقلل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من دعمه لحكومة دمشق من أجل القضاء على الجماعات الإسلامية المسلحة في إدلب. وتنشر تركيا قواتها في محافظة إدلب وفقا لاتفاق مع روسيا وإيران في عام 2017 من أجل الحد من القتال بين القوات السورية والميليشيات المسلحة هناك، ومنع انطلاق موجة جديدة من النازحين السوريين نحو الحدود.

وبحسب بيان صادر عن الكرملين، فقد أجرى أردوغان وبوتين محادثات هاتفية لبحث “خطورة الموقف” في إدلب، وأشارا إلى أهمية التطبيق الكامل للاتفاقيات الموقعة بين روسيا وتركيا.

وكان الزعيمان الروسي والتركي قد توصلا في سبتمبر 2018 إلى اتفاق لإقامة منطقة منزوعة السلاح بين القوات الحكومية وقوات المعارضة السورية في محافظة إدلب. ويقضي هذا الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلال قمة في منتجع سوتشي الروسي، بسحب الأسلحة الثقيلة الخاصة بالمجموعات المسلحة من المنطقة وقيام القوات التركية والروسية بدوريات مشتركة لمراقبة المنطقة، مع السماح بإعادة تشغيل طرق العبور الرئيسية إلى مدينة حلب.

خيارات محدودة

مع ارتفاع التكلفة البشرية للهجوم على إدلب، فإن الأسد لن تكون لديه خيارات أخرى سوى المضي قدما في الهجوم حتى يستعيد السيطرة على المحافظة بالكامل.

ولم تسفر مفاوضات الوفد الروسي في أنقرة خلال الأيام الماضية عن نتائج ملموسة، لكن رجب طيب أردوغان قد يلتقي بنظيره الروسي لمناقشة الموقف في وقت لاحق، بحسب السلطات التركية.

في المقابل، قال ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الرئاسة الروسية إنه لا توجد في الوقت الراهن أي خطط لعقد مثل هذا اللقاء، لكن الموقف في إدلب “يثير قلق الكرملين”.

وفي حين ترغب موسكو في التوسط بين تركيا والحكومة السورية لتجنب “صدامات لا ضرورة لها” بينهما، تقول إيلينا سوبونينا خبيرة شؤون الشرق الأوسط في العاصمة الروسية موسكو، إنه على أنقرة القبول بحقيقة أن القوات السورية استعادت عددا من المواقع المهمة في محافظة إدلب، وأن هذه القوات لن تنسحب من هذه المواقع.

وعندما طلبت تركيا من سوريا الانسحاب في الأيام الأولى للهجوم، كان الرد السوري “الكثير من الجنود ضحّوا بأرواحهم لذلك من المستحيل التراجع”.

وتقول دارين خليفة، كبيرة الخبراء في الشأن السوري بمؤسسة “مجموعة الأزمات الدولية” ومقرها في بروكسل إن “دمشق لم تخف أبدا رغبتها في استعادة السيطرة على كل بوصة من سوريا… إدلب ليست استثناء من ذلك”.

كما أن المواجهة مع القوات الموالية لتركيا، لها فائدة أخرى بالنسبة للأسد، وهي إمكانية إعادة الدفء لعلاقاته مع دول الخليج العربية التي ترى أن تركيا تمثل تهديدا لها بسبب دعمها للجماعات الإسلامية.

العربي

—————————-

الأزمة التركية السورية مؤشر لمخاطر في الشرق الأوسط بعد خروج أميركا

ما الذي يمكن أن يثبت أن صراعاً إقليمياً جديداً يتصاعد سريعاً في بعض مناطق سوريا التي تطلق عليها الحكومة «مناطق خفض التصعيد»؟

قبل بضعة أشهر فحسب بدا أن أنصار هذه المناطق، تركيا من جانب والحكومة السورية وداعموها الروس في الجانب الآخر، على استعداد لصياغة تحالف جديد. وبدلاً من ذلك عمد كل طرف إلى قتل جنود الطرف الآخر وأمسك كل بتلابيب الآخر.

ويعكس هذا الفصل الجديد في الحرب السورية صورة أوسع نطاقاً بكثير في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي تتقهقر فيه الولايات المتحدة وتفقد اهتمامها يتصاعد تعقيد الصراع الإقليمي بوتيرة سريعة، بحسب تحليل نشره بيتر آبس بوكالة «رويترز» للأنباء.

وفي سوريا وليبيا واليمن، بل وفي العراق وغيره أيضاً، يتزايد انخراط قوى إقليمية في منافسات تأخذ بعداً دموياً في بعض الأحيان وتستقطب موارد أكثر في سعيها لكي تكون لها اليد العليا.

ولم يكن ذلك أكثر وضوحاً منه حول مدينتي حلب وإدلب السوريتين هذا الشهر. فالقوات السورية المدعومة بالقوة الجوية الروسية تأمل بكل وضوح سحق آخر معاقل المقاومة لدى المعارضة وقد فتحت طرق الإمداد في مختلف أنحاء البلاد وكذلك الطرق المؤدية إلى العاصمة دمشق.

غير أن تركيا تعمل الآن على الدفع بقواتها إلى المنطقة بعد أن ثار غضبها لمقتل 13 من جنودها في قصف سوري في الأيام العشرة الأخيرة.

ويقول المرصد السوري لحقوق الإنسان إن 650 عربة عسكرية تركية على الأقل من بينها دبابات عبرت الحدود إلى الأراضي السورية منذ الثاني من فبراير (شباط) الجاري ليصل حجم الوجود العسكري التركي في البلاد إلى قرابة 6500 جندي.

ويوم الاثنين قال المرصد إن القوات التركية أسقطت طائرة هليكوبتر هجومية سورية، مما أسفر عن مقتل طاقمها المكون من ثلاثة أفراد، وفي الوقت نفسه ترددت أنباء عن ضربات جوية روسية قرب طابور عسكري تركي جديد وهو يدخل الأراضي السورية.

* تحد

يوم الثلاثاء اتخذ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وضع التحدي فحذر من أن أنقرة ستشن عمليات عسكرية في كل أنحاء سوريا إذا ما سقط قتلى أو جرحى آخرون من رجالها.

غير أن هذه المواجهة لها أثر مدمر على ما كان حتى وقت قريب واحداً من الأولويات الدبلوماسية عند إردوغان وهو التقارب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ففي العام الماضي، ورغم احتجاجات الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، تسلمت تركيا نظام الدفاع الجوي الروسي الحديث «إس – 400» كما ترددت أنباء عن شراء أنقرة مقاتلات روسية بعد أن أوقفت الولايات المتحدة مشاركة تركيا في برنامج المقاتلة الهجومية إف – 35.

وتمثل إمكانية خروج هذه الشراكة سالمة من الأحداث الجارية في سوريا سؤالاً مختلفاً. فمنذ 2015 علقت موسكو الكثير على أكبر تدخل عسكري من جانبها خارج حدودها منذ الحرب الباردة.

وعقد بوتين ومسؤولون كبار آخرون لقاءات بانتظام مع إردوغان والأسد اللذين كانا في وقت من الأوقات حليفين قبل أن تسوء العلاقات بينهما في بداية «الربيع العربي».

وقلبت تداعيات تلك الاحتجاجات والانتفاضات التي بدأت قبل نحو عشر سنوات في تونس علاقات إقليمية متعددة رأساً على عقب.

وفي حقيقة الأمر، يسلّم حتى من عملوا في إدارة أوباما بأن الولايات المتحدة لم يكن لها فعلياً سياسة متماسكة في سوريا لكن من الواضح أن إدارة ترمب لا تبدي اهتماماً يذكر بسوريا.

وكان قرار الرئيس دونالد ترمب المفاجئ سحب قواته من سوريا والتخلي عن الحلفاء الأكراد السوريين إيذاناً بالتدخل العسكري التركي. وأثار ذلك القرار علامات استفهام كبيرة في المنطقة بأسرها حول النفوذ الأميركي.

كذلك لا يوجد أي اتجاه واضح لسياسة غربية فيما يتعلق بأخطر الصراعات الأخرى في المنطقة في اليمن وليبيا. فقد ازداد الصراع دموية وبات أكثر تعقيداً في هذين البلدين وأصبح له تداعياته على المنطقة.

الشرق الأوسط

————————–

ما حقيقة الموقف الأميركي في الصراع التركي الروسي شمال سوريا؟/ محمد المنشاوي

أربكت التصريحات الأميركية المتناقضة تجاه تطورات الأوضاع المتسارعة في مدينة إدلب بشمال سوريا رؤية الكثير من الخبراء في واشنطن بشأن حقيقة موقف ونوايا إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو الحليف التركي.

فقد قام وزير الخارجية مايك بومبيو بتعزية عائلات الجنود الأتراك الذين قتلوا في هجوم لقوات النظام السوري في إدلب يوم الاثنين الماضي.

ودعا بومبيو في تغريدة له أول أمس الثلاثاء إلى “وقف الاعتداءات المستمرة من قبل نظام الأسد وروسيا”، وأكد على وقوف بلاده إلى جانب تركيا الحليفة للولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي الناتو.

ثم أعلن إرسال المبعوث الأميركي للملف السوري جيمس جيفري إلى أنقرة من أجل “تنسيق الرد على هجوم النظام السوري المزعزع للاستقرار”.

ثم مثلت تصريحات المبعوث الأميركي لسوريا جيمس جيفري خلال زيارته لتركيا حلقات الاهتمام الأميركي بتطورات الأوضاع في شمال سوريا على خلفية التصعيد العسكري بين أنقرة وقوات النظام السوري المدعوم روسيا.

اعلان

وطبقا لتقارير إخبارية، فقد أكد جيفري على دعم أنقره، وعلى أن “الجنود الأتراك لهم الحق في الدفاع عن أنفسهم في إدلب”، وعبر عن دعم بلاده للوجود التركي في شمال سوريا.

موقف مغاير من البيت الأبيض

وعلى النقيض من تصريحي بومبيو وجيفري عبر مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت أوبراين عن موقف مغاير أثناء ظهوره في ندوة أمس الأول الثلاثاء استضافها المجلس الأطلسي بالعاصمة واشنطن.

وردا على سؤال عن إمكانية تدخل إدارة ترامب لوقف العدوان على إدلب ووقف الهجمات على قوات دولة حليف بالناتو هي تركيا، رد أوبراين بالقول “نحن لنا تناول آخر يختلف عن الإدارات السابقة، ماذا علينا أن نفعل وسط هذه الهجمات على إدلب؟ هل نهبط عليهم من السماء ونطالبهم بوقف القتال؟”.

وتابع “نحن ندين الشيء الفظيع الذي يحدث، خاصة ما يتعرض له المدنيون وملايين اللاجئين، ندرك بشاعة الوجود الإيراني، وندرك الدور السيئ الذي يقوم به نظام بشار الأسد، لكن في الوقت ذاته روسيا لا تساعد على تهدئة الموقف ولا تركيا أيضا”.

ولم يدل الرئيس ترامب بأي تصريحات، ولم يطلق أي تغريدات تتعلق بتطورات الأوضاع في إدلب والشمال السوري.

تركيا وأميركا

تعرضت العلاقات بين تركيا وأميركا لتوتر خلال الأشهر القليلة الماضية نتيجة دعم واشنطن لقوات كردية في شمال سوريا، الأمر الذي أزعج تركيا التي شنت عملية عسكرية ضد قوات حليفة لواشنطن.

وأكد تشارلز دان المسؤول الاستخباراتي السابق والباحث حاليا في معهد الشرق الأوسط أن الولايات المتحدة مستمرة في دعم حليفها التركي في شمال سوريا، مع إدراك واشنطن المتزايد أن تركيا هي اللاعب الأهم لواشنطن في الشمال السوري.

وقال دان في حديث مع الجزيرة نت إن “واشنطن تخشى في الوقت ذاته من تطور العلاقات بين أنقرة وموسكو، وهي بدعمها لأنقرة تزيد تباعد روسيا وتركيا”.

من جهته، يعتقد الخبير في الشأن السوري بمعهد الشرق الأوسط وائل الزيات أن تطورات الأوضاع بمنطقة إدلب في الشمال السوري تمثل اختبارا جادا للولايات المتحدة.

ويرى الزيات أن “هذه لحظة كاشفة لحقيقة موقف واشنطن تجاه منع سقوط إدلب في يد النظام السوري والوقوف مع عضو رئيسي في حلف الناتو، الفشل في هذا الاختبار ستنتج عنه كارثة إنسانية تمتد إلى تركيا وربما لدول أوروبية أخرى”.

تركيا وروسيا

وتهدد العمليات العسكرية المستمرة ضد قوات المعارضة السورية المدعومة تركيا في إدلب الاتفاقيات السابقة الموقعة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان.

كما تجمع الدولتين علاقات تعاون عسكري ظهرت في إمداد موسكو أنقرة بأنظمة دفاع جوي حديثة من طراز “إس 400”.

اعلان

وذكر دبلوماسي سابق -لم يرغب في ذكر اسمه- في حديث مع الجزيرة نت أن “الرئيس التركي يدرك أنه يجب ألا يخسر العلاقة الجيدة التي تجمعه بروسيا، خاصة مع إدراكه من خلال خبرة الأشهر القليلة الماضية كم العداء الذي يكنه الكونغرس لسياسات ومواقف تركيا في المنطقة”.

وكان الكونغرس قد طالب بفرض عقوبات مشددة على خلفية شراء تركيا منظومة “إس 400” للدفاع الجوي من روسيا على الرغم من المعارضة الواسعة من واشنطن والتي تم على إثرها إخراج تركيا من عملية إنتاج مقاتلات “إف 35” المتطورة.

لكن السفير السابق ذكر أن واشنطن تدرك في الوقت ذاته أن بوتين يرغب في شق وحدة حلف الناتو “ولا أتصور أن بوتين يريد التصعيد مع تركيا، هو فقط يريد أن يخدم مصالح النظام السوري في بعض مناطق شمال سوريا واحتواء خطر المعارضة المسلحة”.

من جانبه، استبعد تشارلز دان أن يلعب حلف الناتو أي دور عسكري على الأرض دعما لتركيا الدولة العضو في الحلف على خلفية التصعيد الأخير، لكنه ربما يدعم تركيا دبلوماسيا.

وعاد تشارلز إلى التأكيد أنه وفي حال تعرض تركيا لتهديد مباشر من روسيا فلن تتردد دول الحلف في تفعيل المادة الخامسة والقاضية باللجوء للقوة للدفاع عن أي دولة عضو تتعرض لعدوان.

المصدر : الجزيرة

==============================

تحديث يوم السبت 22 شباط 2020

استمرار شد الحبال بين تركيا وروسيا في سوريا/ بكر صدقي

وسط تجاهل دولي لمأساة مليون نازح إضافي من مناطق «تصعيد التصعيد» في أرياف محافظتي إدلب وحلب، أعلنت كل من موسكو وأنقرة عن فشل المباحثات التي أُجريت، يومي الاثنين والثلاثاء في موسكو، بين وفدي البلدين، في الوصول إلى أي تفاهمات جديدة. «لقد رفضنا الورقة والخريطة التي قدموها لنا في موسكو» قال المتحدث الرئاسي التركي إبراهيم كالن، في حين قال لافروف إن روسيا لم تطرح طلبات جديدة من تركيا بشأن إدلب. أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فقد خاطب نواب حزبه في البرلمان، يوم أمس، فهدد بعملية اجتياح لمناطق إدلب «في أي لحظة!»، على غرار عمليات الاجتياح السابقة في مناطق «درع الفرات» وعفرين و«نبع السلام»، لمواجهة قوات النظام في حال تم استهداف نقاط المراقبة التركية التي بات عدد منها مطوقاً بقوات بشار الكيماوي.

ويوم أمس جرى اتصال هاتفي بين أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال الأخير إنهما تباحثا، خلاله، بشأن إدلب وأضاف: «إننا نعمل معاً»!

إشارة أمريكية: إنها إشارة أمريكية، من أعلى مستوى، لدعم أمريكي لتركيا بخصوص الصراع في إدلب وجوارها، لكنها ليست أكثر من إشارة. وسبق للمفوض الأمريكي الخاص بسوريا جيمس جفري أن أعلن، في أنقرة، عن هذا الدعم. لكن مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين قال، في اليوم نفسه، إن الولايات المتحدة لن ترسل جنوداً إلى منطقة النزاع في إدلب. صحيح أن مضمون كلام أوبراين غير مفاجئ، فلا أحد يتوقع خلاف ذلك، لكنه بدا كما لو كان رداً على تصريح السفير جيفري وتحذيراً لأنقرة من التعلق بأوهام بشأن مدى الانخراط الذي يمكن لواشنطن أن تقوم به في سوريا، دعماً لتركيا، بعدما سحبت معظم قواتها من مناطق الجزيرة.

نقل الصحافي مراد يتكين عن مصادر أمريكية، لم يسمّها، جوابهم عن سؤاله بخصوص هذا التناقض في التصريحات الأمريكية، فأكدت له تلك المصادر أنه لا تناقض بين تصريحي جيفري وأوبراين. صحيح أن الولايات المتحدة لن ترسل جنوداً، لكنها ستقدم لتركيا مختلف أشكال المساعدة الاستخباراتية والمعدات العسكرية. بل إن تلك المصادر ذهبت إلى أبعد من ذلك بالقول إن واشنطن لن تمانع في حصول تركيا على صواريخ الدفاع الجوي «باتريوت» لتنصب في ولاية «هاتاي» (لواء اسكندرون) الحدودية، ليس من البنتاغون بل من دول أوروبية أعضاء في حلف شمال الأطلسي.

بصرف النظر عن المدى الذي يمكن لواشنطن أن تذهب إليه في دعم المجهود الحربي التركي في مناطق إدلب وحلب، من الواضح أن الرئيس التركي يمارس، في هذا الصراع، لعبة ابتزاز روسيا بالأمريكيين، والأمريكيين بروسيا. واشنطن التي وجدت الفرصة سانحة لترميم علاقتها الفاترة مع الحليف التركي وإبعاده عن روسيا، تطلق تلك الإشارات الإيجابية لتشجيعه على المضي في مواجهة روسيا على الأراضي السورية، ربما على أمل أن يؤدي خطأ في الحسابات إلى حادثة تطيح بالشراكة الروسية – التركية، على غرار حادثة إسقاط طائرة السوخوي في خريف العام 2015، والتي كانت فاتحة التنازلات التركية أمام روسيا وصولاً إلى الشراكة في مسار آستانة.

ابتزاز روسيا: لكن تركيا تتصرف، ميدانياً، بحذر شديد فتمتنع عن استهداف الطيران الروسي، مقابل إسقاط الفصائل المؤتمرة بأمرها لمروحيتين تابعتين لقوات النظام الكيماوي الأسبوع الماضي.

يبدو أن ابتزاز روسيا بواشنطن لم يعط النتائج المأمولة، تركياً، في مباحثات موسكو الأخيرة. فالرئيس الروسي يعرف أيضاً أن الدفء المستجد بين أنقرة وواشنطن بشأن الصراع في إدلب، محدود الأثر ولا يعدو كونه ابتزازاً له لتحقيق شروط يطالب بها الشريك التركي.

في غضون ذلك احتفل النظام الكيماوي ومؤيدوه باستعادة بلدات وقرى في ريفي حلب الشمالي والغربي، ظلت طوال سنوات تحت سيطرة فصائل مسلحة معارضة. وبعيداً عن المرارة التي تدفع معارضين سوريين إلى الحديث المتواتر عن صفقات تحت الطاولة بين الروس والأتراك بشأن تسليم تلك المناطق بلا قتال، يمكن القول إن الابتزاز التركي لروسيا لا يتجاوز مساحات محدودة في شمال محافظة إدلب، تريد تركيا الاحتفاظ بالسيطرة عليها لأطول فترة ممكنة لكي لا تضطر إلى مواجهة مطالبة روسية، بعد حين، بالانسحاب من منطقة عفرين، أي أن ما يفعله أردوغان هو إبعاد خطوط المعركة الدبلوماسية القادمة إلى الأمام (في إدلب) بدلاً من خوضها في عفرين وربما منطقة «درع الفرات». هذا هو سبب استماتته في معركة إدلب اليوم. أما بالنسبة لريفي حلب الشمالي والغربي فمن الواضح أن لا أوهام لدى تركيا بشأن الاحتفاظ بها، وهو ما دفع الفصائل إلى الانسحاب بلا قتال من عدد من البلدات والقرى.

أما الأمريكيون فإن هدفهم من إعلان دعمهم لأنقرة، إضافة إلى محاولة خلق شرخ بين روسيا وتركيا، هو أن يحافظوا على أدوات سياسية فاعلة من شأنها التأثير على صياغة مصير سوريا السياسي حين تقام الطاولة متعددة الأطراف من أجل ذلك.

طرح الخبير التركي في العلاقات الدولية إلهان أوزغل فكرة جديرة بالتأمل بشأن المعركة على إدلب، فقال إن تركيا التي خاضت، إلى الآن، صراعها على الأراضي السورية بواسطة وكلاء، في ما يسمّى بحروب الوكالة، مهددة اليوم لتتحول هي إلى وكيل لقوة دولية أكبر منها (الولايات المتحدة) فتخوض صراع الوكالة بالنيابة عن واشنطن في سوريا!

سنرى، في الأيام المقبلة، ما إذا كان هذا التحليل في محله أم لا، فهو يفترض أن للولايات المتحدة استراتيجية سياسية واضحة في سوريا، تكون تركيا أداة من أدوات تنفيذها.

كاتب سوري

القدس العربي

————————-

حرب روسية– تركية أم اتفاق جديد لتقاسم الأراضي السورية؟/ محمد خلف

السؤال الأهم الآن هو، هل بلغ التصعيد العسكري بين الجيشين التركي والسوري، والمواجهة بين موسكو وأنقرة الحد الذي يمكن القول معه إن الجسور التي أقامها بوتين وأردوغان تهدمت كلها دفعة واحدة؟

لم تعد المؤشرات على تعرض العلاقات الروسية- التركية إلى أسوأ انتكاسة منذ سنوات، تقتصر على تبادل الاتهامات بتأجيج الموقف حول إدلب، أو الفتور الذي أظهره الكرملين في التعامل مع الدعوات التركية إلى تنظيم لقاء على مستوى رئاسي لمحاصرة الأزمة المتصاعدة، إذ أعادت تهديدات بالقتل تلقاها السفير الروسي لدى تركيا أليكسي يرخوف، أجواء أسوأ مرحلة كادت تسفر عن انزلاق الوضع نحو مواجهة عسكرية بين الجانبين عام 2015.

وأعلنت موسكو اتخاذ تدابير مشددة لحماية السفارة الروسية في أنقرة، بعدما حذر السفير الروسي من أن الوضع في إدلب «تسبب في إطلاق هستيريا معادية لروسيا» على شبكات التواصل الاجتماعي التركية.

ولفت يرخوف في مقابلة مع وكالة «سبوتينك» إلى أن «التصعيد في سوريا مؤلم ومقلق للغاية. مات ضباط روس وبعد ذلك جنود أتراك، والآن نشهد هذا الصخب الوحشي على الشبكات الاجتماعية”. وأشار إلى أنه تلقى تهديدات مباشرة بالقتل على وسائل التواصل حملت عبارات مثل: «ودع حياتك» و«لن يحزن عليك أحد» و”لقد حان الوقت كي تحترق”. ورأى أن «التعطش الدموي لدى بعض المدونين وبعض المنشورات، والغضب والكراهية، تؤدي أحياناً إلى تثبيت القدرة على التفكير المنطقي لديهم». وذكر السفير أن هذه الأجواء كانت انتشرت قبل 5 سنوات “بدلاً من إدلب كانت (المعارك) في حلب، وأسفر الوضع عن أزمة إسقاط المقاتلة الروسية ثم مقتل السفير الروسي أندريه كارلوف”. وما يلفت النظر في حديث يرخوف أنه وجه اتهامات مبطنة إلى الحكومة التركية بـ«تأجيج الوضع»، مشيراً إلى أن «الشيء الثاني، في رأيي، الأكثر خطورة هو الإحجام المطلق عن فهم الشريك ومنطق تصرفاته، وغياب الاعتراف بحق الآخر في وجهة نظره الخاصة المختلفة، وهذا ما يمكن أن يتحول إلى كارثة كبيرة”.

لكن حديث السفير لم يكن وحده سبب إثارة الغضب لدى أوساط تركية، إذ نشطت السفارة الروسية لدى أنقرة في توجيه رسائل مباشرة إلى الشارع التركي، من خلال نشر استطلاعات للرأي حول الوضع في إدلب، وحول العلاقة مع الولايات المتحدة. وكان بين هذه الاستبيانات سؤال للشعب التركي، عما إذا كان يعتبر الأميركيين حلفاء له، على خلفية إعلان واشنطن وقوفها إلى جانب أنقرة حليفتها في حلف شمال الأطلسي (ناتو) ضد الجيش السوري. ونشرت السفارة جدولاً يوضح حجم المساعدات التي قدمتها واشنطن للأكراد، مع ملاحظة: «نترك الخيار لك». وبدا أن هذا التحرك من جانب السفارة لعب دوراً في تأجيج مشاعر ضد الروس على خلفية الوضع في إدلب، ومقتل نحو 13 جندياً تركياً في الفترة الأخيرة بنيران الجيش السوري.

التراشق الكلامي بين الطرفين احتدم وتزايد في الفترة الأخيرة، فأردوغان اتهم حليفته روسيا بارتكاب مجازر في إدلب، ورد المتحدث الرئاسي الروسي بيسكوف بأن “وجود قوات ومدرعات تركية في إدلب يجعل الوضع أكثر سوءاً بكثير، إضافة إلى نقل الأسلحة والذخيرة عبر الحدود السورية– التركية”. واتهمت موسكو أردوغان بأنه قدّم لـ”هيئة تحرير الشام” (القاعدة) في سوريا الأسلحة والمعدات الثقيلة.

من اللافت أيضاً أن زعيم “الحزب القومي التركي” دولت بهجلي انضم هو الآخر إلى مزاد التحذيرات لموسكو، بل مضى أبعد عندما طالب بذهاب القوات التركية إلى دمشق لاقتلاع بشار. موسكو أبدت استياءها من تصريحات بهجلي، لأنها فهمت الرسالة التي تنص على تمتع أردوغان بدعم حزبين يشكلان الأغلبية البرلمانية، بينما تحاشت الرد مباشرة على تهديدات أردوغان. لكنها من طرف آخر هدّأت من وتيرة الهجوم على إدلب، وانصب جهدها على السيطرة على مناطق في محيط مدينة حلب بهدف تأمين الطريق الدولي حلب- دمشق الذي سيطرت عليه بالكامل أثناء العمليات الأخيرة.

ورأى الباحث في مركز الشؤون الاقتصادية والديبلوماسية (ايدام) في اسطنبول امري كورتساس في حديث مع صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية أن “تركيا تحاول لي يد روسيا، إنها تريد أن تتوصل مع موسكو وربما بشكل مباشر مع دمشق إلى اتفاقية شاملة ودائمة، ليس فقط في إدلب ولكن أيضاً توفر لها السيطرة على جميع مناطق شمال سوريا حيث الجيش التركي”. وأضاف:” من الواضح أن أردوغان يطمح لصفقة مع بوتين لأنه قال، من الآن فصاعداً لن نغمض أعيننا عن التعصب والخيانة من القناصة داخل قوى المعارضة التي تقدم ذريعة لهجمات نظام الأسد”. هذا هو ما تريده موسكو بالتحديد ويتحدث عنه بوتين، إذ قال متحدث باسمه إن “التصعيد الأخير في ادلب هو نتيجة مهاجمة إرهابيين محافظات مجاورة، ما دفع الجيش السوري للرد”.

اتفاقات ومصالح مشتركة

أنتج التقارب التركي- الروسي خلال السنوات الماضية سلسلة تفاهمات سياسية، تجلت في شكل أساسي في الأزمة السورية، فعلى وقع تفاهمات آستانة أبدل كل من القيصر والسلطان لغة التهديدات بلغة براغماتية تجلت في اللقاءات والاتصالات المتكررة بينهما. ولعل ثلاثة أسباب رئيسية وقفت وراء التفاهمات السابقة، وهي توتر علاقات تركيا مع الغرب بشقيه الأميركي والأوروبي، إذ رأت أنقرة في سياسة واشنطن تجاه الأزمة السورية خيانة لثوابت العلاقة بين البلدين بعدما أصرت الإدارة الأميركية على دعم أكراد سوريا بالسلاح، فيما رأت روسيا في هذا التوتر فرصة لكسب تركيا إلى جانبها. وثانياً: البعد الاقتصادي الذي يشكل عاملاً حيوياً في العلاقة الروسية– التركية حيث صفقات النفط والغاز والأسلحة. وثالثاً: إن التدخل العسكري الروسي في سوريا أنتج معادلة جديدة على الأرض رأت تركيا أن من الأفضل التعامل معها في ظل تغير موازين القوى والاصطفافات الإقليمية.

شكلت إدلب طوال السنوات الثلاث الأخيرة الماضية المساحة الأكبر والأوضح للاختلاف بين روسيا وتركيا في سوريا. وسعى الطرفان في كل مرة يطفو فيها التباعد بينهما على السطح، إلى الاتفاق على وقف إطلاق النار، وغالباً ما يكون الاتفاق هشاً. وفي الحقيقة، موسكو وانقرة ظلتا تؤجلان التوصل إلى حلول لمشكلات محورية في الملف السوري (الانتقال السياسي، وضع المعارضة الاسلامية المدعومة تركيا، علاقة موسكو بالامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه تركيا إرهابياً، إضافة إلى ازمة ادلب). ولكنهما مع ذلك تمكنتا من العمل المشترك إلى أن وصلتا إلى هذه المرحلة من الحرب السورية التي تستلزم إيجاد الحلول لهذه المشكلات المؤجلة.

وفيما تعتبر طهران أن الوجود التركي في سوريا يهدد مصالحها الاستراتيجية، تنظر موسكو إلى هذا الوجود بشكل مختلف، وهو ما تكشفت عنه التفاهمات التي تجاوزت الملف السوري المعقد إلى قضايا جيوسياسية مهمة لروسيا وخططها في المنطقة.

بوتين الطرف الأقوى في سوريا

يجب الإقرار بواقع أن من يتحكم في خيوط اللعبة في سوريا حتى الآن هو بوتين، وبالتالي فإن أي تحرك للقوات السورية وبخاصة ضرب أهداف تركية لا يمكن أن يحصل من دون غطاء وقبول من روسيا، من هنا فإن التصعيد الأخير يعكس برأي المراقبين” حجم الخلاف الكبير الحالي بين موسكو وأنقرة”.

تدخل أميركي مباشر أم دعم ديبلوماسي؟

السؤال الأهم الآن هو: هل بلغ التصعيد العسكري بين الجيشين التركي والسوري، والمواجهة بين موسكو وأنقرة الحد الذي يمكن القول معه إن الجسور التي أقامها بوتين وأردوغان تهدمت كلها دفعة واحدة؟

واشنطن كررت تأييدها ودعمها لتركيا على لسان مسؤولين في إدارة ترامب، في ما يعكس رغبتها في” الاستفادة من فرصة الشقاق ” الذي ظهر في جدار العلاقات التركية– الروسية”. وقال المبعوث الأميركي لسوريا جيمس جيفري إن “بلاده ستبحث مع المسؤولين الأتراك ما تحتاجه أنقرة في مواجهة الاعتداء الذي تتعرض له”، مؤكداً إن “للأتراك جيشاً قادراً وقوياً، ولا نعتقد أنهم غير قادرين على الرد على الهجمة الحالية”.

ترى واشنطن أن الروس يواجهون مصاعب كبيرة في دفع النظام السوري إلى الإمام، إما بسبب خلافات داخل الحكومة الروسية، إذ إن الجيش الروسي منخرط كما يقول جيفري “بشكل أكبر في الهجوم على إدلب”، أو بسبب وجود مشكلات بين طهران وموسكو ودمشق، حيث للأسد راعيان بحسب جيفري. إلا أن باحثاً في برنامج تركيا في مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات أيكان أرديمير قال إن “أردوغان مستعد لتصعيد القتال ضد قوات النظام، وليس ضد القوات الروسية”. ورأى كبير الباحثين في معهد واشنطن باراك بارافي أن “أردوغان يدرك بشكل متزايد أن اتفاقه مع روسيا محكوم عليه بالفشل، ولكنه مع ذلك يحتاج إلى دعم موسكو لضمان عدم قيام الأسد بشن هجمات انتقامية عندما يستعيد سيطرته على الحدود مع تركيا، ولهذا فهو سيستمر في التنسيق عن كثب مع بوتين لأنه حليفه الوحيد في الصراع”.

يصعب أخذ إنذار أردوغان بانسحاب قوات الأسد المُدارة روسياً إلى ما بعد نقاط المراقبة التركية بحلول نهاية الشهر على محمل الجد، فالانسحاب من المساحات الواسعة التي قضمتها تلك القوات على مراحل لا يعني إلحاق هزيمة بقوات الأسد، بل إلحاق الهزيمة والعار بموسكو وببوتين شخصياً. وكما نعلم فإن لجم بوتين في سوريا من قبل أنقرة يتطلب تغيير قواعد اللعبة أمريكياً، حتى إذا لم يصل الوضع إلى مواجهة مباشرة، إذ تحتاج أنقرة دعماً والتزاماً مضمونين سواء من واشنطن أو من حلف الناتو.

قواعد اللعبة في سوريا تغيرت بعد سليماني 

يرى محللون غربيون أن انقلاب العلاقة الروسية– التركية يعود إلى التغييرات التي أحدثها قتل قاسم سليماني في رسالة إلى محور آستانة بأن إيران وروسيا وتركيا مطالبة بتغيير سياستها في المنطقة، بخاصة تركيا التي تطالبها واشنطن بحسم خياراتها في علاقاتها مع الناتو وموقعها فيه. يقول الباحث في معهد واشنطن سونر جاغباي إن “بوتين يدرك أن الإفراط في ممارسة الضغوط في إدلب قد يعيد أردوغان إلى أحضان واشنطن، وبالتالي يكرر خطأ ستاين في 1945- 1946 عندما دفعت مطالبات السوفيات بأراض تركية إلى انضمام البلاد إلى حلف الأطلسي لتصبح حليفاً مقرباً من الولايات المتحدة”.

يقول المحلل الاميركي بوبي غوش في مقال نشرته “بلومبرغ” إن “بوتين استغل الخلافات بين أردوغان وواشنطن لإضعاف الحلف الأطلسي ولتأمين صفقات تجارية مربحة مع تركيا بدءاً من بيع المعدات العسكرية وانتهاءً بخطوط أنابيب الغاز. وانغمس في طموحات أردوغان الإقليمية والدولية متظاهراً مثل اوباما ومن بعده ترامب بالصمم أمام خطاب أردوغان العدائي ضد حلفاء روسيا مثل الاسد وحفتر”.

يعي الكرملين بحسب جاغابتاي أن “مصالح روسيا الاستراتيجية الطويلة الامد ستتحقق بشكل أفضل من خلال عرض اتفاق جديد على أردوغان في إدلب، حتى وإن كان يعتزم خرق هذا الاتفاق في وقت لاحق، بل وحتى ربما سيسمح بوتين لتركيا بشن هجمات رمزية على أهداف نظام الأسد”.

إلا أن بوتين لن يسمح لأردوغان بطرد قوات الأسد من إدلب بشكل كامل. ونظراً للطبيعة غير المتناسقة لعلاقة تركيا مع روسيا والتهديد الحقيقي الذي تشكله موسكو على المصالح التركية في ليبيا، سيضطر أردوغان إلى القبول باتفاق حول إدلب، إذا عرض عليه بوتين اتفاقاً كهذا. وسيرتكز هذا الاتفاق المحتمل وفقاً لما ذكره جاغباتاي على المصالح الأساسية للأسد. فنظامه ذو القيادة العلوية لا يزال يرغب في استعادة أكبر مساحة ممكنة من الأراضي، ولكن بأقل عدد ممكن من السكان العرب السنّة، بما أن شرارة انتفاضة 2011 انطلقت من هذه المجتمعات. ويشير ذلك إلى أنه حالما يضمن الأسد أمن الطريقين السريعين الاستراتيجيينM4  و M5اللذين يمران عبر إدلب شرقاً وجنوباً، فقد يسمح لأردوغان- على الأقل موقتاً- بالسيطرة على القسمين الغربي والشمالي من المحافظة المتاخمين لتركيا. ومن شأن ترتيب كهذا أن يحصر معظم سكان إدلب (بمن فيهم حوالى 2 إلى 3 ملايين مدني) في منطقة تبلغ مساحتها نحو 1000 ميل مربع. لكن المخاطرة بهذا الوضع البشري الهش، قد يكون الثمن الذي هم على استعداد لدفعه من أجل إيجاد حل لإدلب في وقت ما في المستقبل. ويرى المحلل في صحيفة “زود دويتشه” انتون كروغر، أن “بوتين لا يمكن الوثوق به، وها هو أردوغان يدفع الثمن”. وأكد أن “الرئيس التركي على رغم تهديداته المتكررة لروسيا والأسد لا يملك خيارات كثيرة”.

درج

————————–

حرب سياسية ببعد عسكري/ ميشيل كيلو

قبل قرابة عام، ومع تصاعد الخلاف بشأن تطبيق اتفاقية سوتشي في سورية، اتفقت تركيا وروسيا على فصل المستوى الاستراتيجي من علاقاتهما عن مستواها التكتيكي أو الجزئي، مهما تصاعد الخلاف بينهما حوله. حدث هذا، فاعتقد الرئيس التركي، أردوغان، أن نظيره الروسي، بوتين، لن يُقدم في المستوى التكتيكي على ما يضرّ بالمستوي الاستراتيجي المشترك، وأن تركيا مهمة للرئيس الروسي الذي لم تحقق سياساته الخارجية أي إنجازٍ خلال سنوات حكمه العشرين غير الإنجاز التركي، بدلالاته الخطيرة في المجال العسكري فالاقتصادي والاجتماعي والسياسي … إلخ. في المقابل، احتاج أردوغان إلى البعد الروسي من سياساته، ليرد ضغوط حلف شمال الأطلسي (الناتو) وواشنطن عليه، وليفيد من هوامش المناورة التي يتيحها الكرملين له، بما في ذلك على الصعيد العسكري، مثلما احتاج بوتين إلى تركيا لاختراق طوق الحصار الأطلسي المضروب حوله، ولامتلاك هامش مناورةٍ يسمح له بخياراتٍ هجوميةٍ، تؤكد صحة استراتيجية القوة أداة للسياسة الخارجية التي طبقها ضد الشعب السوري.

لن يحارب بوتين تركيا من أجل بشار الأسد، لأن هزيمة أنقرة تعني خسارة تركيا، وسيمثل كارثة شخصية تحل به شخصيا، فإذا انتهت الحرب من دون انتصار، خسر تركيا وسورية معا. وفي الحالتين، ليس في مصلحته خوض حربٍ لها هذا الثمن المرعب، من أجل تابعٍ قد يتخلي عنه، لن يضير روسيا أن تتلقى مليشياته صفعةً من يد جيش محترف، حسن التدريب والتسليح، سيسدّد إليها ضربات مؤلمة إن لم تفرّ من ميدان المعركة، جريا على عادتها في كل حربٍ خاضتها أمام إسرائيل، التزاما بمبدأ عقدي لقنها إياه الأسد الأب، تلخصه جملة: “مية كلمة جبان ولا كلمة الله يرحمه، والهريبة تلتين المراجل”.

بهذه الحسابات، يرجّح أن تكون المعركة قصيرة، لكونها رسالةً إلى الأطراف المعنية بالشأن السوري، تقوم على عملية أو عمليات عسكرية متتابعة في أماكن متفرقة، وليست حربا تخرج الأسد من الصراع. لذلك، ما أن قال أردوغان إن هدفه تطبيق اتفاقية سوتشي، حتى ادّعى الوزير الروسي لافروف أن هذا هدف روسيا أيضا.

… والواقع أن تركيا غضبت، لأن بوتين ثبت المستوى الاستراتيجي، لأنه يعود بالنفع على اقتصاده وصناعات السلاح لديه، بينما حرّك الصعيد التكتيكي ضد تركيا، في إدلب، وبما يتجاوزها إلى مناطق “غصن الزيتون” و”درع الفرات” و”نبع السلام”، عبر تعهده المتكرّر بإعادة جميع الأراضي السورية إلى غاصب السلطة الأسدي. وحين لم يكتف بالكلام، بل أمر جيشه بشقّ طريق مرتزقة الأسد إلى الحدود التركية، مرورا بالمنطقة العازلة التي حظرت اتفاقية سوتشي دخول وحداته إليها بموافقة روسيا، وقرّرت إشراف دوريات مشتركة بينها وبين تركيا عليها، كما لم تنص الاتفاقية على فتح الطريقين الدوليين، الرابع والخامس، بواسطة مليشيات الأسد التي مكنتها القوة الروسية من احتلال الخامس منهما وفتحه، بعد توغل قواتها إلى ما وراء المنطقة العازلة من الجهة التركية.

بعد فترة صمت، أدرك أردوغان أن الصفقة التي عقدها مع بوتين خاسرة، وأن تحريك المستوى التكتيكي من علاقاتهما لصالح الأسد يهينه ويضعفه على الصعيد الاستراتيجي أيضا، فقرّر تصحيح المعادلة بالوسيلة التي يستخدمها بوتين: القوة العسكرية. وفي خلفية قراره ما سبق قوله عن خسارة روسيا الحتمية في حال واجهت الجيش التركي، ولو في معارك محدودة وتكتيكية، ما دامت ستواجه جيشا تركيا يخوض معركةً قيل له إن ضرورات أمن قومي تمليها، وإنها تتصل بالمصلحة التركية العليا، وبما فيها من منطوياتٍ قوميةٍ تتصل بكرامة الأمة وحكامها.

من المرجّح أن تنتهي الأزمة التي لا يجوز أن تغلق معاركها العسكرية باب حلولها الوسط السياسية، التي يرجّح أن تخرج الأسد من المنطقة العازلة، وجبهة النصرة من إدلب، وتضع الطرق الدولية تحت إشراف روسي تركي مشترك.

بغير ذلك، وقانا الله مما سيحدث!

العربي الجديد

—————————

في أبعاد التصعيد التركي/ حيّان جابر

تصاعدت حدّة التصريحات الرسمية التركية تجاه الأحداث السورية أخيرا، ملوحة وللمرة الأولى باحتمال الإقدام على تنفيذ عمل عسكري لمواجهة ما اعتبرتها تجاوزات استفزازية لقوات النظام السوري، بل ذهبت بعض العبارات إلى مواقع يمكن تفسيرها بطريقةٍ تشي بتهديد أو تلويح بإمكانية مهاجمة بعض القوات الروسية برّاً أو جواً. وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع الدولي في سورية وعليها، قد تحمل صداماً تركياً – روسياً مباشراً لطالما حاول الطرفان تجنبه، ما يحرض مجموعة من الأسئلة قد يكون أهمها، ما هي المتغيرات التي دفعت الأمور إلى هذا الحد؟ وما هي الحدود القصوى التي قد نشهدها بعد هذا التصعيد الإعلامي والسياسي؟ وما تأثيرها على المسار السوري وشكل الحل النهائي “إن جاز التعبير”؟ لكن، ونظراً إلى تعدّد القوى والدول ذات المصالح المتداخلة والمتشابكة والمتصادمة في سورية وخارجها؛ وفي ضوء ندرة وجود أي دور أو تأثير لأي طرف سوري، بغض النظر عن توجهاته ومواقفه، يمكن القول إن أي تحليل استباقي لمآلات الوضع السوري سيبقى قاصرا وغير مكتمل، لاستحالة الإحاطة بكل المتغيرات المحتملة داخل سورية وخارجها، ذات التأثير الكبير على مجرى الأحداث فيها، بحكم تعدّد القوى والمصالح فيها وعليها ومنها، غير أننا نسعى، من خلال هذه المقالة، إلى مقاربة الواقع قدر الإمكان، كي نتمكّن من مواجهة بعض الأصوات والجهات التي تحاول جر السوريين إلى أوهام جديدة لا تمت للواقع المعيش بأي صلة.

لذا وبالعودة إلى الوراء، وبالتحديد إلى تبعات إعلان الانسحاب الأميركي، يمكن اعتبار التصعيد الأخير امتدادا لسلسلة من الخطوات العدائية الروسية – التركية، فقد أدّى الإعلان الأميركي المذكور إلى تنامي أطماع كلتا الدولتين في وراثة التركة الأميركية، وفق تقديراتهما السياسية واللوجستية والعسكرية، وهو ما كشف هشاشة التحالف أو التقارب التركي – الروسي في حينه، كما كشف قدرة الولايات المتحدة الأميركية على التلاعب بهما، من دون الحاجة لأي تدخل مباشر، من دون أن يلغي ذلك حاجتهما المشتركة للتعاون، ما كشف اللجام عن ضبابية هذه العلاقة، ومدى تباين التقديرات التركية والروسية لها. وكذلك نجد أن الملف الليبي قد ساهم في زيادة الاحتقان والإشكالات، وأظهر مدى التصادم المصلحي بينهما؛ إذ تسعى روسيا إلى استعادة دورها المفقود في المنطقة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي؛ وهو ضرورة لوجستية واقتصادية لها؛ وفرضه أمرا واقعا جديدا على مجمل المجتمع الدولي، حتى لو لم يتوافق ذلك مع الرغبة والإرادة الأميركية. في حين يطمح الأتراك إلى اعتبارهم قوة مقرّرة في شؤون المنطقة، وذات علاقات ومصالح مصانة فيها، على جميع الأطراف مراعاتها وأخذها بالاعتبار، بما فيها حليفاها الأميركي والروسي. وبالتالي، تسهل ملاحظة مدى تعارض مصالح الدولتين، انطلاقا من الأهداف المرجوة لكل منهما، كما يسهل تبيان حاجتهما لبعض بمعزل عن الخلاف بشأن طريقة الاستفادة من الآخر. حيث تسعى روسيا إلى سحب تركيا إلى جانبها دولة حليفة، وربما تابعة لها، ما يعزّز الموقف الروسي دوليا، سيما في أي مواجهة محتملة مع الجانب الأميركي، بينما تجد تركيا في روسيا سبيلا للتقليل من سطوة (وتأثير) الهيمنة الأميركية عليها، بما يعني أن القيادة التركية تسعى إلى توسيع مجالها الحيوي، ليطال مجمل منطقتها الإقليمية، من دون أن يؤثر ذلك على علاقاتها القوية والمحورية مع أميركا، وهو تناقض آخر لا يقل أهمية عن التناقض في الأهداف والغايات.

على ضوء ذلك، قد يسهل التكهن بحتمية الصدام الروسي – التركي في مرحلة مقبلة، مع استحالة أو صعوبة تحديد الوقت بدقة، نظراً لارتباطه مكانيا وزمانيا بحيثيات الاستراتيجية الأميركية التي قد تدفع البلدين إلى مواجهة مباشرة وكاملة خلال ساعات، إن استشعرت الخطر من تنامي النفوذ الروسي في المنطقة على مصالحها أو مصالح حلفائها الدوليين، بالتزامن مع قبول مبدئي بمنح الأتراك صلاحياتٍ ونفوذا وسطوة إقليمية أكبر من دون مساعدة الروس. في حين لن يفضي التصعيد التركي – الروسي إلى أي مواجهةٍ مباشرة، في ظل تجنب الإدارة الأميركية أي تدخل مباشر في شؤون المنطقة، بعيداً عن التلاعب الأميركي بملفات مؤثرة عديدة على سير الأحداث، كما شهدنا مراراً وتكراراً، وذلك لما تشكله العلاقة التعاونية التركية – الروسية من أهمية لوجستية لكلتيهما، وبالتالي سوف يتحوّل التصعيد، في هذه الحالة، إلى محاولة تركية لتجاوز خطوط اللعبة القديمة، عبر إبراز بعض قدراتها وإمكاناتها، وبما يهدّد الروس بصورة غير مباشرة، على أمل أن يدفع ذلك الروس إلى تقديم تنازلاتٍ واضحةٍ ومهمة للأتراك، لذا لا يمكن استبعاد توجيه ضرباتٍ عسكرية، وربما أمنية، حسّاسة ومؤلمة تستهدف النظام السوري في صلب مناطق نفوذه وسيطرته وبأهم قطاعاته الحيوية.

وعليه، قد لا يحمل التصعيد التركي أي بارقة أمل للسوريين في المدى القريب، أو حتى المتوسط، لأنه شكل من الصراع الدولي على سورية وداخلها، صراع دفع ويدفع السوريون ثمنه الكامل من أرواحهم وممتلكاتهم ومستقبلهم. حتى لو تراجعت آلة القتل والقصف الجهنمية الروسية – الأسدية في الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، لأنه مجرّد تراجع لحظي وهش، قابل للانكسار والتبدل عند أي جديد إقليمي أو دولي يوحي بإمكانية تغيير المشهد الميداني لصالح أيٍّ من الأطراف الدولية المتنازعة ضمناً والمتحالفة ظاهراً. كما سوف يتحمّل السوريون وحيدين أعباء المواجهة العسكرية الروسية – التركية، سواء حصلت اليوم أو في المستقبل، لأنها لن تحمل جديدا يذكر على مستقبل سورية والسوريين، وعلى الواقع المعيشي والأمني الصعب والقاسي الذي يواجهونه في ظل الأسد، أو أيٍّ من قوى الإجرام الأخرى الموالية له، أو التي تدّعي معارضته، الذين يتشابهون من حيث الممارسات والتصرّفات القمعية والإجرامية تجاه المدنيين. لذا فلنأمل أن يؤدّي التصعيد التركي إلى وقف حمام الدم السوري، ولو لبضعة أشهر، كما نرجو أن يتمكّن السوريون الوطنيون والثوريون من انتهاز هذه الفرصة لاستعادة قدرتهم على التأثير والفعل في أسرع وقت ممكن، كي نتجاوز مرحلة التلاعب الدولي بمصير سورية والسوريين.

العربي الجديد

————————

حسابات روسية وتركية/ خيرالله خيرالله

هل تحصلُ مواجهة مباشرة بين تركيا وروسيا فوق الأرض السورية؟ الأمر مستبعد إلى حدّ كبير. ستستمر المواجهة بين النظام السوري، مدعوما بالميليشيات الإيرانية والطيران الروسي من جهة، والجيش التركي والميليشيات التابعة لتركيا من جهة أخرى. ستستمر مثل هذه المواجهة خصوصا إذا أصّر الطرف التركي على طلبه العلني. تريد تركيا أن يتراجع الجيش السوري إلى خلف نقاط المراقبة التركية قبل نهاية شهر فبراير – شباط الجاري. هذا هو الهدف التركي المعلن. إنّه هدف معلن يخفي أهدافا أخرى.

في العمق، تسعى تركيا إلى تحقيق تلك الأهداف الأخرى من نوع استخدام ورقة إدلب كي يقبل الروسي أن يكون لها دور في مناطق أخرى، بما في ذلك ليبيا. انكشفت تركيا رجب طيب أردوغان في ليبيا، وباتت تحتاج إلى تغطية روسية بعدما تبيّن بوضوح أنّها مستعدة أن تكون مجرّد رأس حربة للإخوان المسلمين ولطموحاتهم في المنطقة كلّها. هل من إساءة إلى الثورة السورية التي تدّعي تركيا أنّها داعمة لها أكثر من إرسال ما يزيد على ألفي سوري كي يقاتلوا إلى جانب أحد طرفي الحرب الدائرة الآن في ليبيا؟

خلف المأساة التي تشهدها إدلب والمنطقة المحيطة بها، هناك حسابات تركية وأخرى روسية تتجاوز الشمال السوري. ستبقى روسيا داعمة للنظام السوري من الخلف لوقف القتال بين الطرفين، وفق شروط محدّدة. ستستمر في التفاوض، في الوقت ذاته، للحفاظ على المصالح الروسية في المنطقة. من المرجّح أن تتخلل المرحلة المقبلة مفاجآت ذات طابع عسكري من نوع استخدام تركيا لأسلحة ثقيلة وأخرى مضادة للطيران. سيكون هناك استهداف تركي للطيران التابع للنظام وليس لروسيا. لن تستخدم تركيا شبكتها المضادة للطيران ضد روسيا، خصوصا بعد حصولها على منظومة “أس – 400” الروسية وبعد الثمن الذي دفعته إثر إسقاطها لـ”سوخوي” روسية في العام 2015.

ما أسفرت عنه اللقاءات التركية – الروسية الأخيرة في موسكو هو توافق ظاهري بين الطرفين التركي والروسي. يهدف هذا التوافق المصطنع إلى بلوغ نوع من الهدنة، مع بقاء نقاط المراقبة التركية في مواقعها محاصرة من القوات السورية التابعة للنظام المدعومة من ميليشيات تابعة لإيران… والقبول بتسيير دوريات مشتركة. في المقابل، تقوم تركيا بحل”هيئة تحرير الشام” أو تغيير اسمها واحتواء اللاجئين السوريين في المناطق التي لا تزال خارج سيطرة النظام، مع استقدام بعض الدعم الدولي لها بغية مساعدة اللاجئين والنازحين الذين زاد عددهم على 800 ألف إثر موجة التهجير الأخيرة من إدلب ومناطق أخرى قريبة منها.

نعم، هناك في إدلب حسابات تركية وأخرى روسيّة. لكنّ هناك نقاط ضعف تركية وأخرى روسيّة أيضا.

فات أوان الحسم التركيفات أوان الحسم التركي

لعلّ نقطة الضعف التركيّة الأولى غياب الإستراتيجية البعيدة المدى لدى رجب طيّب أردوغان. الواضح أن الرجل يمتلك طبعا انفعاليا قبل أيّ شيء آخر. إضافة إلى ذلك، ركب أردوغان رأسه وظنّ أن في استطاعته أن يكون سلطانا عثمانيا آخر. نسي أن الدولة العثمانية انهارت، قبل قرن من الزمن، وأن العالم الحديث بكلّ تعقيداته شيء، فيما أمجاد الماضي شيء آخر. هذا ما جعل مجموعة كبيرة من رفاق أردوغان في الحزب ينفضّون عنه. على رأس هؤلاء عبدالله غلّ وأحمد داوود أوغلو. الأخير أمضى أوقاتا طويلة في سوريا في مرحلة ما قبل الثورة التي اندلعت في مثل هذه الأيّام من العام 2011. تعرّف إلى عائلات سورية كبيرة وعريقة في مدن عدّة. حاول داوود أوغلو أيضا فهم طبيعة المجتمع السوري والموقف الحقيقي لهذا المجتمع من نظام أقلّوي وضع نفسه كلّيا في خدمة إيران، خصوصا منذ خلف بشّار الأسد والده في العام 2000.

مع مرور الوقت، تخلّى أردوغان عن مساعديه الذين كان في استطاعتهم إسداء النصائح له. عمد بدل ذلك إلى قول كلام كبير عن تغيير في سوريا من دون أي ترجمة لهذا الكلام على أرض الواقع. ارتكب حماقات كثيرة في الداخل التركي ومع الإدارة الأميركية، خصوصا بعد المحاولة الانقلابية التي قد يكون تعرّض لها في العام 2016. وجد نفسه في الحضن الروسي وإذا به الآن يسعى إلى التعاطي مع فلاديمير بوتين من موقع الندّ للندّ… وابتزاز أوروبا وأميركا في الوقت ذاته.

سقط أردوغان في سوريا يوم لم يستطع نقل تهديداته إلى أرض الواقع. تأخّر كثيرا في الحسم. صار الآن أسير قيود كثيرة، بينها ضعف الاقتصاد التركي والعلاقة مع روسيا والعلاقة المتذبذبة مع أميركا…

لن يغطّي الضعف التركي قول أردوغان إنّنا سنحول إدلب إلى “منطقة آمنة مهما كان الثمن من أجل أهلها، ومن أجل تركيا، وإنّنا جاهزون لاستمرار الاتصالات مع روسيا وأنّ المعروض على طاولة المفاوضات بعيد جدا عن مطالب تركيا”. لن يعوّم موقفه قوله إن هناك “إصرارا” تركيا في إدلب وأنّ دمشق وداعميها لم يفهموا أن تحذيراتنا “هي التحذيرات الأخيرة وانّ هناك استعدادات لعملية عسكرية اكتملت وأصبحت جاهزة”.

يرفض الرئيس التركي الاعتراف بأنّ بلده وضع نفسه في مأزق لا يستطيع الخروج منه بسبب تردّده أوّلا. هذا التردّد جعل تركيا عاجزة عن الحسم في سوريا. ما يزيد هذا العجز أن تركيا مضطرة إلى مراعاة إيران أيضا. ألم يكن من الأفضل لو تحرّكت تركيا منذ البداية، أي في العام 2011، ووضعت روسيا وإيران أمام الأمر الواقع في سوريا؟

فات أوان الحسم التركي. لكنّ ذلك لا يعني أن روسيا في وضع جيّد في سوريا. في نهاية المطاف، إن مشكلة روسيا، بعيدا عن موقف المتفرّج للجانب الأميركي، تكمن في أنّها تريد أن تكون صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في سوريا، ولأن تتلطّى خلف نظام لا يمتلك أي شرعية من أي نوع. أكثر من ذلك، تبيّن أن كل المناطق التي عاد إليها النظام في الفترة الأخيرة بدعم من ميليشيات إيرانية، هي في الواقع خارج سيطرته. يظلّ ما يجري في درعا ومحيطها وحتّى في ريف دمشق المثل الأهمّ على ذلك.

إلى متى تستطيع روسيا لعب ورقة النظام السوري الذي لا يستطيع التحرّك على الأرض من دون الميليشيات المذهبية التابعة لإيران، ومن دون وحشية سلاح الجوّ الروسي الذي لا يفرّق بين بيت آمن ومستشفى ومدرسة أو موقع عسكري!

مسكين الشعب السوري. يدفع ثمن تحوّل بلده إلى مستنقع لروسيا وتركيا ولإيران أيضا. إلى متى تستمر مأساة لم يعد معروفا هل يمكن أن تنتهي يوما من دون تفتيت كامل لبلد كان مرشّحا لأن يكون أحد أهمّ البلدان في المنطقة؟

إعلامي لبناني

العرب

———————-

المصالح الروسية التركية تمنع الحرب بينهما/ عمار ديوب

اكتسحت روسيا مناطق واسعة من إدلب وغرب حلب وشمالها، بل إنّها سُلمت لهم تسليماً؛ فالسلاح الثقيل الذي تمتلكه هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) لم يتحرّك إطلاقا. ويبدو أن هناك اتفاقا على تلك المساحات المأهولة بين روسيا وتركيا، وإلّا لما كان الأمر تسليماً.

المشكلة أن روسيا لم تضع حدوداً لحربها الراهنة في شمال سورية، وأعلن النظام السوري أنه سيكمل “حروبه” إلى أن “يحرّر” كل البلاد، وكأنّه هو من يحرّر! تركيا التي خسرت مناطق واسعة خاضعة لسيطرة فصائل تابعة لها، وضم النظام السوري مناطق توجد فيها أكثر من عشر نقاط مراقبة تركية، دفعتها إلى التحرك الفوري، والدخول عسكرياً. ليس هذا التدخل باتفاقٍ مع الروس، ولكنه جاء ردّا على الإهانة والاستهتار الروسيين فيها. وبالتالي، تدخلت تركيا لترسم نفوذاً دقيقاً لها على الأرض السورية. ولتوضح للروس أن التقدم أخيرا يُهدّد المجال الحيوي التركي، وهو خارج الاتفاقات المعقودة بينهما، ويتجاوز تأمين الطرق الدولية، ويسبّب، عبر الكتلة البشرية المهجّرة إلى الحدود، مشكلة لها، وهي لا تستطيع تحمل المزيد، وأوروبا ترفض ذلك، وعدا ذلك، هو يقلّل من شأن تركيا دولةً إقليميّةً وعالميّة في آنٍ واحد، أي أن بوتين ضحك عبر مسار أستانة وسوتشي واللجنة الدستورية، وسُلمت له سورية عبر التوافقات، وإذا كان الاستهزاء ممكناً بالفصائل السورية، فهو يشكل إذلالاً للدولة التركية، ولحساباتها الداخلية في هذا البلد، وهذا ما لا تقبله.

عوامل كثيرة دفعت الأتراك إلى التدخل، وعدا كل ما ذكر أعلاه، تبيّن أن روسيا، وفي حال استولت على إدلب، لن تصمت حيال مناطق سيطرة تركيا الأخرى، وبالتالي كان التدخل من أجل الوصول إلى اتفاقٍ جديد. نعم، اتفاق جديد، فليس من الممكن إعادة روسيا إلى ما قبل التقدّم، كما يُهدّد الرئيس التركي أردوغان! وذلك ليس أمرا سهلا، سيما أن روسيا تعلم أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) لن يدعم تركيا، والأخيرة تحتاج روسيا في ابتزاز أوروبا وأميركا، حيث المفاوضات في قضايا كثيرة متعثرة ومنذ عقود، وبالتالي أُجبرت تركيا على التدخل، وروسيا الآن مجبرة على تهدئة الجبهات، وعدم خسارة تركيا، حيث الأخيرة مهمة جداً لروسيا من الناحية الاقتصادية بالتحديد، وكي لا تدفعها إلى صفقاتٍ جديدة مع أوروبا وأميركا كما تلوّح الأخيرات.

أوروبا وأميركا تُكثران من التصريحات، وحتى الكلام عن الباتريوت وإمكانية نشره في شمال سورية، وأن لتركيا حقاً في حماية أمنها، وسواه، وهذا لا تقبضه تركيا جيداً ولا تتجاهله كذلك. الخذلان والخلافات بين تركيا والغرب تدفعان تركيا إلى التمسك بالعلاقة مع روسيا، وفي الوقت ذاته مع أوروبا، وهذا ما يربكها بشدّةٍ، سيما أنّها دولة ضعيفة، مقارنة بكل من روسيا والغرب، وكذلك خسرت أوراقا كثيرة في سورية، وهناك مصالح مستجدّة لها في ليبيا والعراق ووسط آسيا، وكلها مسائل تتطلب توافقاتٍ كبرى مع روسيا، وبالتالي دفعت تركيا بقواتها، لكي لا تبدأ المشكلات داخل تركيا ذاتها كما صرح أردوغان ذاته؛ فالتدخل، في وجهٍ منه، قضية داخلية في السياسة التركية أيضاً.

الآن، تركيا وروسيا تبحثان عن توافقات جديدة، تنظمان بموجبها حدوداً دقيقة للعلاقة بينهما: فتح الطرق الدولية، شطب هيئة تحرير الشام والجهاديين، تموضع جيش النظام السوري في ثكناتٍ محدّدة، وقد يتراجع، ويستبدل بقواتٍ روسيةٍ تركيةٍ مشتركة، وسيتم ترتيب البلدات المحيطة بالطريق م4، حيث جسر الشغور وأريحا وسواها. هذه مسائل تتطلب نقاشاتٍ ومداولاتٍ كبرى، ليتم تجاوزها، فهي تفرض مناطق منزوعة السلاح، وعدم عودة النظام إلى تلك المناطق، أو عودته من دون جيش أو قوات أمنية، وبالتالي، المداولات شاقة، وهذا بدوره ولخطورته فرض على الأتراك التدخل.

يُطرح، في سياق الشد والرخي حالياً، مصير كل من منبج وتل رفعت، حيث ما زالتا خارج سيطرة تركيا، ويمكن أن تكونا مصدر قلقٍ مستقبليٍّ لها، وهو يُطرح ضمن صفقةٍ تُبادل بها تركيا إدلب، ولكن ذلك ليس مفيداً بالمعنى الدقيق، وسينشئ مشكلاتٍ إضافية لتركيا، حيث سيكون نقل سكان البلدات التي أخليت أخيرا إليها، وهذه مشكلة كبرى، بخصوص السكن والاحتياجات وفرص العمل وسواها، وعدا أن تركيا لن تترك إدلب، وتتخلى طواعيةً عن الاتفاقات السابقة حولها، وهو ما يقلّل من قيمة شأن تركيا بوصفها دولة ضامنة، بينما الروس سيظهرون كأنّهم المالكون لكل ما يخص الشأن السوري، وهذا ما ترفضه تركيا قطعيّا، وبالتالي هناك اتفاق جديد يخص إدلب وأرياف حلب الغربية المتبقية خارج نطاق سيطرة النظام، وبما لا تشكل أيّة مشكلات مستقبلية؛ القوات التركية والروسية هي بالتحديد من سيضمن ذلك كله.

تقدّم روسيا وحلفائها الأخير، رغم أنه أتى في سياق عدّة حروبٍ شنتها وتقدمت في شمال غرب سورية في الأشهر الأخيرة، يجب أن يقرأ بسياق الخوف من مفاعيل تطبيق قانون سيزر في بداية الشهر السادس من هذا العام، حيث سيكون تطبيقه مُرفقاً بواقعٍ جديدٍ، يمنع تنفيذه كما يشاء الأميركان. وبالتالي سيكون تطبيقه مقيداً، ولن تكون للطيران الروسي أهداف جديدة للتدمير! وستكون مناطق النفوذ قد رسمت بشكلٍ نهائيٍّ؛ تركيا تعي ذلك والروس أيضاً، وعدا ذلك كله، يتطلب الاتفاق على الدولة المسيطرة على إدلب المدينة ذاتها. لن تقبل روسيا بقاءها خارج سيطرة النظام، والسؤال كيف سيتم تطبيق السيطرة الروسية التركية عليها، وهذا سيفرض، حتماً، نزع سيطرة هيئة تحرير الشام عنها، وإعادة تنظيم المدينة بشكلٍ مختلف، وربما ستناور روسيا على تسويةٍ مع تركيا تخص مناطق سيطرة الأخيرة، وبما يسمح للنظام بالسيطرة الرمزية على المدينة، عبر تفعيل الخدمات الأساسية الحكومية مثلاً.

المصالح الكبرى بين تركيا وروسيا، والتي أصبحت معروفة، سبب أساسي لمنع تطور الأحداث العسكرية (مقتل جنود أتراك، إسقاط طائرات سورية، مناوشات عسكرية هنا وهناك، وربما ستتكرّر هذه الأحداث، ولكن ضمن الإطار ذاته)، ولن تصبح حرباً حقيقيّة بين البلدين. وللأسباب آنفاً، والمتعلقة بالموقف الأوروبي والأميركي الخافت، لن تتورط الدولتان في حربٍ بينهما، سيكون الغرب هو المستفيد الوحيد منها، وسيُركع تركيا أكثر فأكثر، وستخسر روسيا أكبر استثمار اقتصادي لها في العالم حالياً.

خلاصة القول: المصالح الاقتصادية لكلٍّ من روسيا وتركيا ستلجم تطور الأحداث، وسيكون هناك اتفاق جديد، لا يضحّي بتقدم روسيا وحلفائها، ويحفظ ماء وجه تركيا وأردوغان، وبما يحجز للأخيرة مكاناً على طاولة التفاوض النهائية الخاصة بالحل السياسي. النظام السوري والمعارضة، السعيدان بالتطورات الميدانية، ليس لهما قيمة بكل ما تم إيضاحه هنا؛ فهما مجرد أدوات تنفيذية لصالح الدول المتدخلة بالشأن السوري، وسيصمتان عن الثرثرة.

العربي الجديد

———————

من غدر بحلب وإدلب والسوريين؟/ علي سفر

المنطقي فيما يجري شمال سوريا أن يمتثل النظام السوري لاتفاقيات سوتشي وأستانة التي رعتها الدول الثلاث الضامنة تركيا وروسيا وإيران، فتقف أرتال جنوده عند خطوط محددة تم رسمها على الخرائط بوصفها مناطق خفض تصعيد. لكن، لا يبدو أن هذا ما سيحصل في الفترة القادمة، فبعد أن صار الطريق M5 مسيطراً عليه، وهو الطريق الذي توقف استخدامه منذ أن سيطرت فصائل الجيش الحر على الجزء الواصل بين شمال حماة ومدينة حلب في عام 2012، وتبعاً لتاريخ روسيا الطويل في المراوغة والتنصل من أي اتفاق، وهي الداعم الأهم للنظام في الوقت الحالي، فإن الشكوك التي تدحض الافتراض المنطقي تتجه إلى السؤال عما ستكون عليه الخطوة القادمة لها ولجيش النظام، الذي تسانده وتؤمن تغطيته القتالية الجوية!

بالقياس على ما جرى، يتوقع السوريون الثائرون الذين يعيشون أسوأ كارثة إنسانية في القرن الحادي والعشرين تحت مرأى ودون تدخل العالم كله، استمرار مأساتهم، حيث يوقن هؤلاء أن شهوة السيطرة لدى النظام، الذي لا يلجم حلفاؤه نزواته، ستدفعه نحو التقدم أكثر فأكثر، فيمضي في المخطط الذي قيض له أن يعمل وفقه، حسب المتفق عليه في الخفاء بين الدول الإقليمية والقوى الدولية، صوب استعادة هيمنته على كل محافظة إدلب وليس مدنها فقط! فتمضي قواته قدماً للسيطرة على ما بقي من مناطق خرجت في وقت ما عن سيطرته! وهذا ما أشار له رأس النظام في كلمته التي وجهها قبل يومين لحاضنته الشعبية وقواته، التي باتت بالعرف الشعبي جيش احتلال، إذ لا يهرب الناس من جيوشهم الوطنية بل يفزعون من جيوش المحتلين الغريبة، ولعل صميم هذه المجاميع المقاتلة يوضح كيف أنها باتت هجيناً تم تركيبه ليضم في جوانبه المقاتلين المرتزقة والميليشيات الطائفية بالتراصف مع بقايا فرق جيش النظام، وآلاف من “السرسرية” و”الزعران” الذين يقاتلون في سبيل مكاسب خاصة، تبدأ بالسلب والنهب ولا تنتهي بالثأر من هذا وذاك، فلا ينجو من أفعالهم البشر ولا حتى الحجر!

إذاً، لا شيء منطقي في الراهن الذي يعيشه السوريون ميدانياً في محافظتي حلب وإدلب، وتؤكد على هذه الخلاصة التوقعات التي يطلقها المحللون وكذلك السيناريوهات التي يرسمونها للمرحلة السوداء القادمة!

وقبل كل هذا، هل كان من المنطقي أن تنسحب فصائل المعارضة من كل هذه المساحة من الأرض، بمدنها وقراها، دون خوض قتال فعلي مع القوات الغازية التي يعرفونها جيداً ويعرفون أن حليفها الروسي سينفذ سياسة الأرض المحروقة في سبيل تقدمها، حتى وإن كلف ذلك تهجير الملايين؟!

هل كان هؤلاء غير مدركين لما سيحدث؟ أم كانوا يعرفون أن مصيرهم قد حسم سلفاً!

وأن ما يجري الآن هو الخطوات الظاهرة والمعلنة لما تم الاتفاق عليه سابقاً فلم يعد هنا من جدوى للمقاومة! ففضلوا الانسحاب تاركين المجموعات المحلية من المسلحين لمصيرها، فقاومت قليلاً ثم انسحب أفرادها ملتحقين بمن سبقهم!

من الواضح أن الكارثة الحالية التي يصبغها اللامنطق بلونه الباهت المقيت ليست قصية عن الفهم، خاصة وأن الحكومة التركية وهي طرف إقليمي ذو دور رئيسي في الحرب السورية تقوم فعلياً برسم خطوط التماس الجديدة بالتساوق مع جدال معلن مع الجانب الروسي حيال الالتزام ببنود سوتشي، وفيما تلتقي الوفود العسكرية في أنقرة مرة وفي موسكو مرة أخرى، لا يظهر أن هامش التعارض بينهما كبير فعلياً. لا بل إن كثيرين يثيرون الشكوك بأن ما يجري من تصعيد في اللهجات إعلامياً إنما هو موجه للتسويق المحلي. وأن الطرفين عقدا العزم على تثبيت مساحة المنطقة الآمنة برعاية دولية، توفر على العالم مشاهدة أرتال اللاجئين الذين يعبرون البحر إلى أوروبا عبر اليونان، والتي قامت بدورها بوضع خطة لإقامة معسكرات مغلقة أشبه بالمعتقلات للاجئين الذين يفدون إليها من تركيا، سينتهي إنجازها في مطلع الصيف القادم!

المقطع الزمني الذي نتحدث عنه ههنا واصفين إياه باللامنطقية ومثيرين حياله عشرات الأسئلة ليس مستجداً تماماً في سياق الثورة السورية وتحولاتها السياسية والميدانية، لا بل إنه متكرر عبر نسخ سابقة جرت في مناطق أخرى من الأرض السورية، وكان جمهور الثورة يرتجي من الفصائل أن تستفيد من دروس التجربة الأولى، ولكنها وصلت ربما للتجربة العاشرة وهي تعيد ارتكاب الأخطاء ذاتها، فهل كان هذا منطقياً أيضاً؟!

جوهر التفكير بالمنطق يقوم على أن يبنى الاستدلال عبر إقرار الدال لتثبيت المدلول، ولكن حين يخالف كل شيء أوليات المنطق، يصبح من الواجب نقض صحة المدلول عبر مراجعة تكوين الدال، والبحث فيما إذا كان الاستدلال صحيحاً أم لا!

هذا يفضي وعبر الإحالات إلى الواقع أن يقوم أحد ما بإعادة صياغة الأسئلة بجرأة لا تلقي بالاً لردود الأفعال المتوقعة حيال نقض أي وهم راسخ لدى الجمهور.

من هنا يمكن السؤال عن تكوين الفئات التي وضع جمهور الثورة ثقته فيها لتكون متراس حمايته، وكيف كانت هذه الفئات من فصائل الجيش الحر والفصائل الإسلامية (معتدلة ومتطرفة) تقوم بالتعيش على فكرة حماية المدنيين منذ بداية تشكلها، ولكنها كانت فعلياً تنحو إلى إعادة إنتاج النموذج السلطوي المحلي، ومع حدوث الارتهان لهذا الطرف الإقليمي الداعم أو لتلك القوة الدولية المساندة، في سياق تشكل الإطار القانوني لهذه السيطرة كانت المؤشرات تقول ومنذ البداية إن التناقضات الحاصلة بينها سوف تتجه إلى الحسم العسكري ليكون هو السبيل الوحيد لحل أي مشكلة مناطقية أو محلية!

وبالنظر إلى ما يردده كثيرون حالياً وهم يشاهدون انسحابات الفصائل من المناطق “المحررة” من أن مؤامرة كبيرة ما صنعتها الفصائل الإسلامية ومنها على وجه الخصوص داعش وجبهة النصرة مع النظام أدت إلى دمار المناطق الثائرة، فإن الحقيقة تبدو غير ذلك.

فالثابت فيما جرى هو أن السيطرة في هذه المناطق لم تكن راسخة لطرف فصائلي محدد بل متبدلة. إذ يسعى كل من امتلك القوة والدعم الخارجي أن يحوزها لنفسه، وهذا ما أكدته داعش سابقاً وكذلك جبهة النصرة بتسمياتها المختلفة عبر جمعها السلاح من الفصائل الأخرى وتفكيكها له، وهو ليس فعلاً مبني على جوهر مؤامراتي، بل هو قائم أصلاً في بنية تكوين أي فصيل مسلح، معتدلاً كان أم متطرفاً، يسارياً كان أم يمينياً! وعملية الاستئثار التي تجري ضمن هذا السياق لم ولن تكون سوى عملية إقصائية، ستؤدي في المحصلة إلى طرد فئات واسعة من الفاعلين عن صياغة القرار العام.

وقد تؤدي أيضاً إلى ممارسات قاسية كالسجن والاعتقال وقد تتطور إلى الإعدامات وهذا فعلياً ما جرى في أغلب المناطق التي سيطرت عليها الفصائل المسلحة!

النظام بدوره كان يدرك أن الخطر الذي سيهدده ليس سيطرة فئات مسلحة (أياً كان شكلها أو طبيعتها) على مناطق خرجت من سيطرته، بل هو قدرة هذه المناطق على بناء حياة حقيقية تتوفر فيها كل مقومات الصمود والبناء بعيداً عن منظومة الفساد التي فرضها على السوريين طيلة نصف قرن مضى.

لهذا كان مشروعه للحل عسكرياً دموياً تدميرياً منذ البداية، وكان يدرك أن إجرامه بحق الإسلاميين تاريخياً سيجعلهم أسرى للانتقام منه، مبعدين من أمام طريقهم الحيثيات المحلية والراهنة في الإطار المناطقي، متجهين إلى جعل حراكهم فاعلاً تحت شعارات تبدو في الزمن الحالي أيديولوجية أكثر منها سياسية واقعية أو براغماتية!

وهكذا ستصبح أهداف الثورة غير متطابقة لدى الفاعلين فيها، ما أدى في المجمل إلى حصول تباين شاسع بين فئات الثائرين في الرؤى والأهداف ونمط التفكير. وبينما كانت الشعارات ثابتة في العلن، كان جوهرها يتبدل، فلكل فصيل أهدافه الخاصة التي تنشدها ثورته! وحين يقال إن الثورة السورية صارت ثورات متعددة، ابتعد أكثرها عن منطلقها الأول، فإن هذا القول لا يجافي الحقيقة، لا بل إنه يبدو الأمر الأكثر منطقية في كل ما جرى!

سياسة الارتهان للأطراف الإقليمية والدولية، والتي تساوى فيها النظام مع غالبية الفصائل، مع استثناء الثائرين الأوائل الذين تحولوا فعلياً لسياق رمزي معنوي يساهم في إبقاء فكرة الثورة راهنة ومستمرة. تجعلنا لا نحيل الواقع الراهن بكل تبعاته إلى الجانب الذاتي في تكوين القوى الفاعلة على الأرض السورية، بل إنها تضعنا أمام حالة موضوعية عامة حكمت علاقة القوى الدولية كلها بالمسألة السورية، خاصة وأن الصراعات البينية بين دول الإقليم ولا سيما إسرائيل وإيران وتركيا ودول الخليج انتقلت ومنذ الأيام الأولى للثورة لتحل في المشهد السوري! حتى إن قصص تشكيل مؤسسات المعارضة، من المجلس الوطني إلى الائتلاف السوري، وغيرها من المؤسسات، امتلأت بالتدخلات وبالصراعات الخارجية المسيئة لجوهر الثورة، فحولت القوى السياسية المعارضة التي يجب أن تمثل حراكاً شعبياً يهدف لإحلال الدولة المدنية الديموقراطية بدلاً من نظام الاستبداد، إلى قوى سياسية مرتهنة، مارست دور الوكالة عن غيرها بإرادتها ودون إرادتها.

إذ لا يستطيع أحد أن ينجو من مسار القطيع الذي رسمته القوى المتنفذة بالملف! وما ينطبق على المعارضة السياسية، وعلى النظام، جرى أيضاً على الفصائل المسلحة، ما أدى في المحصلة إلى مشهد مغلق، لا يمكن لأحد أن ينجو من أسره!

هذا بالضبط هو جوهر الحالة السوداوية التي حكمت عقول السوريين طيلة السنوات الماضية، والتي تجلت عبر أداء قاصر في غالبية الملفات، فصار الفشل حالة جماعية مستدامة، بينما كان النجاح فردياً، لا يظهر في ضباب المشهد وقتامته! وضمن هذا السياق هل كان من الممكن أن ينجح السوريون في البقاء على أرض أخرجوها من سيطرة الاستبداد؟

لقد بذلوا الدماء والحيوات في سبيل ذلك، ولكنهم فشلوا في أن يمنعوه من إعادة التشكل وفق أشكال ظهرت بين ظهرانيهم، فظلوا يدفعون أثمان ما فعلوا، حتى وصلوا إلى لحظة التشظي هذه!

وإلى أن يعيدوا إنتاج ثورتهم مرة أخرى، سيبقى السوريون عنوان أكبر المآسي، وأبرز الشعوب التي غدر بها العالم كله!

تلفزيون سوريا

————————

نذر حرب بانتظار مكالمة بين بوتين واردوغان… والتلفزيون السوري: نتصدى لأهداف معادية في اللاذقية

هبة محمد وإسماعيل جمال

عواصم – «القدس العربي» – ووكالات: صاعدت أمس نبرة الخطاب بين تركيا وروسيا بخصوص إدلب شمال غربي سوريا، حيث هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بانطلاق عملية عسكرية ضد النظام السوري لإجباره على التراجع عن النقاط التي سيطر عليها في إدلب، مؤكداً «ذات ليلة قد نأتي على حين غرّة»، فيما قال التلفزيون الرسمي السوري إن الدفاعات الجوية للنظام تصدّت لأهداف معادية.

وأشار أردوغان إلى أن تركيا أعدت خطة عمليتها العسكرية في محافظة إدلب التي تتعرض لهجوم عنيف من قبل النظام وداعميه، ولوح بالورقة الأمريكية، مؤكداً ان التعاون مع واشنطن قد يشمل كل المجالات.

وجاء الرد سريعاً على لسان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي حذر الاتراك من أن العملية التركية ضد النظام في إدلب هي أسوأ سيناريو، مؤكداً ألا تراجع للنظام في إدلب، ولكن المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف قال إنّ «روسيا وتركيا تتواصلان لتفادي تصاعد الأوضاع في محافظة إدلب خلال الفترة المقبلة».

وطالب في تصريحات صحافية، الأربعاء، الطرفين بالالتزام بمذكرة التفاهم الموقعة ضمن اتفاق سوتشي في 2018. كما أشار إلى مكالمة هاتفية «منتظرة خلال الساعات المقبلة» بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، من أجل الحديث حول العملية العسكرية التركية المرتقبة في إدلب.

يجري ذلك فيما وصلت أعداد النازحين من الغارات الروسية والحرب البرية للنظام السوري على أرياف محافظتي إدلب وحلب إلى مليون و100 ألف نازح سوري، وسط ظروف إنسانية صعبة بل خطيرة للغاية، وظروف مناخية شديدة البرودة، وذلك وفق آخر الإحصائيات التي نشرها المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وواصلت المقاتلات الحربية الروسية حربها شمال سوريا ضد المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، لتستخدم خلال الساعات الماضية قنابل حارقة «محرمة» دولياً في قصف منطقة مأهولة في السكان، حيث قتل رجلان، وفق ما قاله الدفاع المدني السوري «الخوذ البيضاء»، بينما ارتفعت أعداد نقاط المراقبة التركية في الشمال السوري إلى 37 نقطة مراقبة عسكرية.

التعزيزات الأخيرة للجيش التركي رفعت عدد الجنود الأتراك الذين انتشروا في إدلب وحلب خلال تلك الفترة من 7200 ليصل العدد الكلي حسب رويترز الى حوالى 15000 جندي تركي.

وقال التلفزيون السوري أمس الأربعاء إن الدفاعات الجوية السورية تصدت لأهداف معادية في محيط مدينة جبلة في اللاذقية. ولم تتضح طبيعة الأهداف كما لم ترد تقارير حتى الآن عن أضرار مادية أو خسائر بشرية.

تصريحات الرئيس التركي، جاء الرد عليها سريعاً من قبل موسكو، إذ أعلن نائب وزير الخارجية والممثل الخاص للرئيس الروسي إلى منطقة الشرق الأوسط والدول الأفريقية، ميخائيل بوغدانوف، أن قمة ثلاثية حول التسوية السورية لرؤساء روسيا وإيران وتركيا، فلاديمير بوتين وحسن روحاني ورجب طيب أردوغان، قد تعقد في طهران أوائل آذار/ مارس المقبل، إذا تم الحصول على موافقة القيادة التركية.

أما وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، فقد وضع بعض الخطوط الحمراء لموسكو، عندما قال إن «تركيا فشلت في تنفيذ بنود اتفاق سوتشي والمتعلقة بالفصل بين المعارضة و«الإرهابيين» في الإطار الزمني المحدد»، وأضاف إن موسكو لا تطلب من أنقرة أكثر من تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

وجددت الولايات المتحدة، أمس الأربعاء، دعمها القوي للمصالح المشروعة لحليفتها في «الناتو» تركيا، التي قدمت أكثر من أي دولة أخرى مساعدات للاجئين السوريين، في إدلب شمال غربي البلاد.

جاء ذلك على لسان المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة كيلي كرافت، خلال جلسة لمجلس الأمن في نيويورك، حول الأوضاع الإنسانية والسياسية في سوريا.

وقالت كرافت «الولايات المتحدة تدعم المصالح المشروعة لحليفتنا في الناتو تركيا، التي قدمت أكثر من أي دولة أخرى مساعدة للاجئين السوريين، ونحن نتفهم قلقها بشأن تدفقات اللاجئين الإضافية نتيجة الأعمال العدائية المستمرة».

وأضافت «نرفض رفضا قاطعا التصريحات التي أدلى بها المسؤولون الروس، والتي تلقي باللوم على تركيا كذبا، لتصعيد العنف في شمال غربي سوريا». واعتبرت كرافت أن «نظام الأسد وروسيا – وليس تركيا – مسؤولان عن تنظيم وتنفيذ هذا الهجوم العسكري». وشددت على أن «الولايات المتحدة ستواصل التنسيق مع تركيا بشأن النهج الدبلوماسي لاستعادة وقف إطلاق النار في منطقة خفض التصعيد في إدلب». ولفتت إلى أن «عملية أستانا أثبتت فشلها في تحقيق خفض التصعيد في إدلب».

وطالبت كرافت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومبعوثه الخاص إلى سوريا غير بيدرسون، بتسلم المهمة واعتبارها أولوية قصوى للأمم المتحدة.

وحذر مسؤول أممي، الأربعاء، من أن «القتال يتحرك بسرعة في إدلب»، مطالباً مجلس الأمن بضرورة العمل لوقف إطلاق النار في سوريا، واحترام القانون الدولي الإنساني.

جاء ذلك في إفادة مارك لوكوك، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، منسق شؤون الإغاثة الطارئة، أثناء جلسة لمجلس الأمن، انعقدت في المقر الدائم للمنظمة الدولية في نيويورك، حول الأوضاع السياسية والإنسانية في سوريا.

وأردف لوكوك أن «القتال يتحرك بسرعة في إدلب، ودفعت خطوط المواجهة المتقدمة إلى تحركات سكانية ضخمة في غضون أيام، حيث تحاول العائلات الهروب من القصف الجوي والأرضي الذي لا يتوقف».

وفي الجلسة قال المندوب التركي في الأمم المتحدة: سنضرب كافة الأهداف التي تهددنا في إدلب، ولن نسحب جنودنا من نقاط المراقبة، ومن يجب عليه الانسحاب لغاية نهاية شباط الجاري هو النظام السوري، فيما حذر رئيس مجلس الأمن الدولي، السفير البلجيكي مارك بيكستين، الأربعاء، من «خطورة الوضع الراهن في إدلب» شمال غربي سوريا، مؤكداً أن هناك حاجة ماسة إلى وقف لإطلاق النار.

هذا ومنعت روسيا، أمس الأربعاء، مجلس الأمن الدولي من إصدار مشروع بيان يدعو لوقف إطلاق النار في منطقة إدلب، شمال غربي سوريا.

جاء ذلك في تصريحات أدلى بها مندوب فرنسا الدائم لدى الأمم المتحدة السفير نيكولاي ريفيير، عقب جلستين لمجلس الأمن؛ الأولى علنية والثانية مغلقة، بشأن الوضع في إدلب.

وقال ريفيير إن روسيا رفضت إصدار مشروع بيان رئاسي يدعو إلى وقف إطلاق النار في إدلب.

وردا على أسئلة الصحافيين بشأن أسباب الرفض الروسي، اكتفى السفير الفرنسي بقوله: «رد علينا الروس بكلمة واحدة… لا». ويتطلب صدور البيانات الرئاسية أو الصحافية من مجلس الأمن موافقة جماعية من كافة الدول الأعضاء في المجلس والبالغ عددها 15 دولة.

وتمتلك أي دولة عضو بالمجلس سواء كانت من الدول الخمس دائمة العضوية (الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين) أو من الدول العشر المنتخبة، حق منع إصدار البيانات الرئاسية أو الصحافية من المجلس.

من جانبه، قال السفير البلجيكي مارك بيكستين، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية لأعمال مجلس الأمن، «لم نتمكن من إصدار أي شيء بشأن إدلب». وأضاف للصحافيين: «كانت هناك أراء مختلفة بشكل واضح حول طاولة المجلس، وحاولنا أن يكون لمجلس الأمن صوت في هذا الموضوع لكننا لم نستطع».

وحول خطوة المجلس المقبلة إزاء الوضع في إدلب، قال بيكستين: «سوف نواصل مراقبة الوضع عن كثب لأنه من المهم للغاية أن يقوم المجلس بدوره في هذا الصدد».

وأوضح أن بلجيكا تعتبر أن «اتفاق أستانة أصبح ميتا، وهناك حاجة جديدة لطرح مبادرة من قبل الأمم المتحدة للتعامل مع هذا الملف، ونعتقد أن ذلك أمر بالغ الأهمية».

وخلال الجلسة العلنية لمجلس الأمن حول إدلب، دعا مندوبو فرنسا وبلجيكا وألمانيا لدى الأمم المتحدة إلى ضرورة أن يتوقف النظام السوري عن مهاجمة نقاط المراقبة التركية في إدلب، ويلتزم بشكل فوري بوقف كامل لإطلاق النار واستهداف المدنيين في المنطقة.

وأكدوا في مداخلاتهم على ما اعتبروه أخفافا واضحا لمسار أستانة، مع تحميل روسيا المسؤولية كاملة عن ذلك، وشددوا على أن «الوضع الإنساني الحالي في إدلب هو نتيجة للخيارات العسكرية والسياسية للنظام السوري» .

وفي أيلول/ سبتمبر 2018، توصلت تركيا وروسيا إلى اتفاق يقضي بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في إدلب تُحظر فيها الأعمال العدائية، غير أنه منذ ذلك التاريخ، قُتل أكثر من 1800 مدني في هجمات شنها النظام السوري والقوات الروسية، منتهكين بذلك الاتفاق، وتفاهمًا لتثبيته بدأ تنفيذه في 12 كانون الثاني/ يناير الماضي.

القدس العربي

—————————-

تركيا تكبح تقدم قوات النظام..من يهاجم أولاً؟

عزز الجيش التركي انتشاره في إدلب وريف حلب، واستقدم مزيداً من التعزيزات إلى نقاطه ومواقعه المؤقتة شملت عناصر وعتاداً حربياً للقيام بمهام قتالية دفاعية وهجومية. وفي الوقت عينه، رفعت فصائل المعارضة السورية جاهزيتها في انتظار إشارة بدء المعركة التي من المفترض أن تنطلق في أي لحظة ضد قوات النظام والمليشيات الموالية لها بهدف استعادت المناطق التي سيطرت عليها في منطقة “خفض التصعيد”.

الانتشار التركي

يبدو أن الجيش التركي قد نجح بالفعل في وقف الهجوم البري لقوات النظام والمليشيات، والتي كانت تسعى إلى استكمال السيطرة على قرى وبلدات ريف حلب الغربي والشمالي الغربي، وبدلاً من مواصلة تقدمها نحو دارة عزة قامت قوات النظام بتحصين مواقعها الحالية وأنشأت خطاً دفاعياً على طول خطوط التماس في ريف حلب وإلى الجنوب في جبهات شرق مدينة إدلب وسرمين.

لم يكن القصف التركي لمواقع قوات النظام، ولا تصدي المعارضة سبباً رئيسياً في وقف زحف القوات المهاجمة وإيقاف عملياتها في ريف حلب، بل كان لانتشار القوات الخاصة التركية داخل وخارج البلدات المقابلة لخطوط التماس الدور الأبرز، والتي شكلت حائط صد يشبه إلى حد ما الدروع البشرية التي لا يمكن تجاوزها إلا بالاشتباك معها.

وزاد عن 22 عدد النقاط والمواقع المنشأة خلال عمليات إعادة الانتشار التي نفذتها القوات التركية منذ بداية شهر شباط/فبراير، وفي ريف حلب تمركز القسم الأكبر منها، والقسم الآخر توزع في منطقة سرمين وعدد من القرى المقابلة لخط التماس مع قوات النظام شرقي إدلب.

تبدو إدلب بحاجة لانتشار تركي أوسع في مناطق جنوبي الطريق الدولي حلب-اللاذقية  “إم4″، على اعتبار أنها الهدف التالي لقوات النظام بعد السيطرة على الطريق “إم5″، وهي تحضر بالفعل لشن عملية عسكرية جنوبي إدلب.

وقال الناشط عبد الفتاح الحسين ل”المدن”، إن نقاط الانتشار الأحدث للقوات التركية مؤخراً كانت في الأتارب ومحيطها ودارة عزة وأطرافها في ريف حلب، في حين تمركزت قوة تركية متوسطة الحجم من حيث الأعداد والعتاد في مرتفع النبي أيوب قرب احسم، وسط منطقة جبل الزاوية، ونقطة أخرى قرب بلدة محمبل غربي أريحا.

وبحسب الحسين، فإن الانتشار التركي في ريف ادلب ليس كافياً، ولا يمنع تقدم قوات النظام، لأن النقاط بعيدة عن خطوط التماس شرقاً، وفي حال أراد الجيش التركي تكرار ما فعله في ريف حلب يتوجب عليه زيادة نقاط الانتشار، وأن يشمل ذلك القرى المقابلة لجبهات شرق إدلب، الشيخ دامس وكفر سجنه والشيخ مصطفى وغيرها.

ووفق الحسين، لا تقل جبهات سهل الغاب أهمية عن جبهات شرق ادلب، أيضاَ جبهات الساحل في ريف اللاذقية الشمالي، احتمال إشغالها وارد جداً ويحقق الهدف الذي من المفترض أن تحققه الجبهات شرق ادلب، أي السيطرة على كامل مناطق جنوبي الطريق “إم4”.

من يهاجم أولاً؟

في الوقت الذي تتجهز فيه الفصائل المعارضة لشن معركة بدعم تركي بهدف استعادة ما خسرته في منطقة “خفض التصعيد”، أو جزء منه على الأقل، تبدو قوات النظام والمليشيات قد باشرت جدياً بالتحضير لجولة جديدة من المعارك، من المفترض أن تستهدف جنوبي إدلب.

وبدأت قوات النظام بالفعل في نقل جزء كبير من مجموعاتها الهجومية من جبهات حلب بالإضافة لقواعد الصواريخ والمدفعية إلى مواقعها المتقدمة التي تشرف على هدفها الجديد، وأهم المليشيات التي تم نقلها، “قوات الغيث” التابعة ل”الفرقة الرابعة”، و”الفرقة 25 مهام خاصة”، و “الحرس الجمهوري”، و”الفرقة التاسعة” و “الفرقة الأولى مدرعة” و “الفرقة الثامنة” و”الفرقة 11 دبابات”.

مصادر عسكرية في “الجبهة الوطنية للتحرير” أكدت ل”المدن”، أن قوات النظام تحاول الانتهاء من التحضيرات سريعاً لإشغال الفصائل بالصد وحرمانها من فرصة شن عمليات هجومية. وأضافت أن روسيا دعمت المليشيات بكميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، بينها دبابات “تي 90” المتطورة، وراجمات صواريخ لاستخدامها في العمليات الهجومية، من بينها صواريخ أرض ارض من نوع “توشكا”.

وأوضح المنسق الإعلامي في “الجيش الوطني” يحيى مايو ل”المدن”، أن قوات النظام والمليشيات قد تحسست بالفعل جدية التحركات التركية ونواياها في شن عملية برية، وهو ما دفعها لاتخاذ إجراءات استباقية في مواقعها في خطوط التماس، وإنشاء تحصينات دفاعية متقدمة تحسباً لأي هجوم مباغت.

وأضاف مايو أن التحصينات تؤكد أيضاَ تمسك قوات النظام بمكاسبها البرية، أي أنها لا تنوي الانسحاب من مواقعها وفق المهلة التركية في نهاية شهر شباط/فبراير. وأوضح  أن التعزيزات الروسية وحشدها المزيد من الأعداد والعتاد مؤشر على فشل المباحثات الروسية-التركية، أي أن كلاهما يتجه باتجاه المزيد من التصعيد في الميدان.

قوات النظام والفصائل المعارضة في سباق مع الزمن، من يهاجم أولاً يكسب الجولة القادمة، لو افترضنا أن معركة المعارضة اقتربت بالفعل فهي في الغالب ستكون عملية محدودة في محاور معينة وتستهدف جزءاً من المنطقة التي خسرتها الفصائل، ولن تدخل القوات التركية بشكل مباشر في المواجهات، وستكتفي بتقديم الدعم الناري والاستطلاع. التحرك العسكرية التركي إن حصل بالفعل فهو لن ينطلق قبل نهاية شباط الحالي.

————————–

أزمة إدلب على عاتق صحافية واحدة: أروى دامون/ نذير رضا

يختصر الاستنتاج الذي توصلت اليه مراسلة “سي إن إن” الميدانية في سوريا، أروى دامون، التحولات السياسية الغربية تجاه الملف السوري، وتفسر عباراتها أسباب الحملة التي تُخاض ضدها في منصات روسية وسورية، على خلفية تغطيتها الهادفة الى لفت نظر العالم الى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.

فقد توصلت الى واقع مفاده أن “الإدانات الدولية الكثيرة، يقابلها القليل من الإجراءات لتخفيف المعاناة في محافظة إدلب الشمالية الغربية في سوريا والمناطق المحيطة به”. هو استناج يؤكد وجهة التحولات السياسية الدولية التي باتت تنظر الى سوريا كملف هامشيّ ومكرّر.

    I don’t know what UN official would make such a stupid statement as she didn’t specify the name but trust a terrorist sympathizer like Arwa Damon to quote such nonsense. Claiming that a million children could end up getting killed in Idlib is shameful & immoral. #Syria pic.twitter.com/vEb55AAOGa

    — Walid (@walid970721) February 18, 2020

تصارع دامون إرادة عالمية لم تعد ترى في موت السوريين وتشردهم أولوية. تواظب على بث التقارير، وتفتح لها “سي أن أن” منبراً تقول فيه ما عجزت وسائل اعلام عالمية أخرى عن قوله، ليس بسبب التحول السياسي، بل بسبب صعوبة التغطية، وضعف القدرة عن التواجد على تماس مباشر مع معاناة المدنيين.

ودامون، هي الصحافية الغربية الوحيدة التي تتواجد في إدلب السورية، وتواظب على نقل تفاصيل الكارثة الإنسانية المتفاقمة هناك. من خلال تواجدها، تنقل مشاهدات لم تتسع منصات المعارضة للافادة عنها. “كانت تسمى منطقة خفض التصعيد، لكن الآن تم تحويل المدارس والمساجد إلى ملاجئ”. تقول في آخر تقرير لها عبر “سي أن أن”. فهي رأت أن الضيق لا يقتصر على الجسد في الملاجئ المكتظة، بل هو نفسيّ أيضاً.

والغوص في ملفات السوريين الانسانية، من خلال عملها الاعلامي، ومن خلال جمعيتها الخيرية “إنارة” المخصصة لدعم الاطفال من مصابي الحرب، أهّلها لمراقبة المشهد بعين مختلفة. تصف مشهد الخيم المرصوصة على طول الحدود مع تركيا، وبنيانها، كما تصف دواخلها من أطفال تغيرت ألوان جلودهم بسبب الصقيع.

    More than 850,000 civilians are trying to flee a brutal war in Syria. The vast majority are women and children. @arwaCNN reports.

    Graphic warning: Some of the video may be disturbing.https://t.co/INHwYnBFcz pic.twitter.com/4GWUSn1Keq

    — New Day (@NewDay) February 17, 2020

لكن الصورة الانسانية، والتي ينظر اليها بعض السياسيين الغربيين على أنها مكررة وتقع ضمن دائرة الصراع الأكبر الذي يشهد كباشاً اقليمياً ودولياً على سوريا، ليست هي الدافع لكراهية منصات سورية نظامية لأروى دامون. فتقاريرها وتغريداتها، تشوّش على الدعاية السورية التي تتحدث عن “رغبة السوريين في العودة الى حضن الوطن”. في ختام تقريرها، تتحدث عن المتوجسين من العيش تحت حكم النظام، وعن الذين يختارون الموت على العودة اليه، فتقول ان هذا الموقف الخارج من الطرق المزدحمة والخيم المتجمدة، يتردّد صداه في آخر جيوب المعارضة السورية. وهي إفادة اعلامية يُبنى عليها الكثير من مستقبل سوريا، على الأقل من وجهة نظر دولية تطالب بتسطير حل سياسي لأزمة البلاد.

وتعود جذور تحريض النظام السوري على أروى دامون الى العام 2012، حين دخلت أحياء حمص المحاصرة. وبعدها، دخلت الى دوما لتعاين مواقع قيل أنها تعرضت للقصف بالسلاح الكيميائي، وهو ما دفع سفير سوريا في الأمم المتحدة بشار الجعفري إلى السخرية منها.

وأروى دامون، تتحدر من أب أميركي، وأمّ سورية عاشت في دمشق، فهي حفيدة رئيس الوزراء السوري الأسبق محسن البرازي (الذي أعدم بالرصاص بعد انقلاب عسكري العام 1949). والتحقت دامون بشبكة “سي إن إن” في العام 2006 متخصصة في تغطية شؤون الشرق الأوسط، ونالت جائزة “الصحافية الشجاعة”.

وتتواجد أروى في النقاط الساخنة. فقد كانت أول صحافية أميركية تدخل قاعدة “عين الاسد” الجوية في العراق،  لتعاين آثار الصواريخ الايرانية.

—————————–

قصف هستيري انتقاماً من هجوم النيرب..النظام يستعد لل”إم4

قصفت الطائرات الحربية الروسية وطائرات النظام صباح الجمعة، مناطق ريف إدلب الشرقي وجبل الزاوية جنوباً، وتزامن القصف الذي بدا انتقامياً مع تحركات عسكرية لقوات النظام والمليشيات الموالية لها في كامل خط التماس شرقي وجنوبي ادلب، في حين أبدت فصائل المعارضة السورية استعدادها للتصدي لأي هجوم مضاد يستهدف مواقعها، وألمحت إلى إمكانية تكرار هجماتها البرية.

قصف انتقامي

عاودت طائرات النظام وروسيا تكثيف غاراتها الجوية على ريف إدلب منذ بداية العملية التي أطلقتها المعارضة، الخميس، في محور النيرب غربي سراقب. ولم تتوقف الغارات طيلة ساعات ليل الخميس/الجمعة، وزاد عددها عن 300 مستهدفة بشكل مركز بلدتي قميناس وسرمين واللتان انطلق منهما هجوم المعارضة، وتوزعت باقي الغارات على أريحا والبارة ومعرة حرمة وأكثر من 20 قرية وبلدة في جبل الزاوية ومناطق جنوب وشرق إدلب.

المنسق الإعلامي في “الجيش الوطني” يحيى مايو قال ل”المدن”، إن قوات النظام والمليشيات الموالية كثفت أيضاَ من قصفها البري مستهدفة البلدات ومواقع الفصائل المتقدمة. وأضاف أن القصف الجوي والبري بدا خلال الساعات ال18 الماضية، انتقامياً، وذلك بسبب الخسائر الكبيرة التي منيت بها قوات النظام والمليشيات خلال هجوم الفصائل على بلدة النيرب.

وبحسب مايو، قتل في المعارك عدد من عناصر القوات الروسية، بينهم ضابط، بالإضافة إلى مقتل وجرح أكثر من 50 عنصراً من قوات النظام والمليشيات، وبين القتلى عدد من الضباط والقادة الميدانيين. ولفت إلى أن الخسائر الأكبر وقعت في صفوف “الفرقة 25 مهام خاصة” التي يقودها العقيد في “جيش النظام” سهيل الحسن. ومن ناحية الخسائر في العتاد الحربي، أكد مايو أن ما دمرته الفصائل خلال هجومها يزيد عن 20 آلية عسكرية، بينها مدرعات ودبابات وناقلات جنود ومركبات عسكرية رباعية الدفع وقواعد صواريخ.

عملية فاشلة؟

وانسحبت المعارضة، ليل الخميس/الجمعة، من المواقع التي سيطرت عليها في بلدة النيرب ومحيطها بعد ساعات من تقدمها البري، وبدت المعارضة غير قادرة على الثبات والاحتفاظ بمكاسبها الميدانية بسبب النيران الجوية والبرية التي تعرض لها مقاتلوها، وكان هذا التبرير هو الأكثر تداولاً بين المعارضة مؤخراً.

وبانسحابها هذا تكون المعارضة قد فشلت للمرة الثالثة خلال شباط/فبراير في استعادة المبادرة في الميدان، ولم تنجح مجدداً في تثبيت سيطرتها برغم التعزيزات الكبيرة التي دفعت بها، واشتراك المدرعات التركية في الهجوم، بالإضافة إلى الدعم الناري البري الذي قدمه الجيش التركي، والذي استهدف مواقع قوات النظام والمليشيات في داديخ وزكار وكدور وكفر بطيخ وأفس ومحيط سراقب.

وكانت المعارضة قد شنت هجوماً برياً في ذات المحور، بداية شهر شباط بهدف فك حصار سراقب، ولم تنجح حينها برغم سيطرتها المؤقتة على مواقع عديدة، وفشلت أيضاَ في هجوم مشابه في محور ميزناز في ريف حلب الغربي منتصف شباط/فبراير.

ويرجع السبب في فشل هجمات المعارضة إلى اختيارها محاور قتال صعبة، حيث تعتبر بلدة النيرب أولى البلدات الواقعة على الطريق الدولي حلب-اللاذقية (إم4) من الجهة الشرقية، بالإضافة إلى كونها بوابة الدفاع عن منطقة سراقب من الجهة الغربية لذلك أولتها قوات النظام اهتماماً كبيراً من ناحية التحصين وإنشاء خطوط دفاعية تحوي مرابض مدفعية وصواريخ ومضادات دروع تحسباً لأي هجوم مضاد يستهدفها، وفي الوقت نفسه تعتبر مركزاً لانطلاق عمليات هجومية قد تفكر قوات النظام في إطلاقها بهدف السيطرة على الطريق “إم4” والوصول إلى أريحا غرباً كمرحلة أولى من العملية المفترضة.

وأوضحت مصادر عسكرية في “الجبهة الوطنية للتحرير” ل”المدن”، أن العملية البرية التي أطلقتها الفصائل كانت ناجحة، وتمكنت خلالها من استنزاف قوات النظام وضرب دفاعاتها المتقدمة. العملية لم تكن واسعة أصلاً، وتقصدت الفصائل أن تكون محدودة لتحقق من خلاله أهدافاً عديدة، من بينها، إشغال قوات النظام واستنزافها، وبالتالي منعها من بدء عمل عسكري قبل نهاية شباط، وتهدف أيضاَ إلى استطلاع دفاعات وقدرات قوات النظام في خطوطها الدفاعية الجديدة.

القصف تمهيداً للمعركة؟

تبدو حملة القصف الجوية والبرية التي تتعرض لها مناطق المعارضة شرق وجنوبي إدلب مقدمة لعملية عسكرية قد تطلقها قوات النظام والمليشيات رداً على هجوم المعارضة والجيش التركي. ومن خلال خريطة توزع القصف يبدو أن مناطق جنوبي الطريق” إم 4″ هي المستهدفة في الهجوم المفترض. وتعتبر منطقة جبل الزاوية مركز هدف قوات النظام ولديها  خيارات عديدة للوصول إليها، وذلك عبر إطلاق أكثر من محور تقدم، ومن ثلاث جهات، الجنوب والشرق والجنوب الغربي انطلاقاً من سهل الغاب.

تحركات قوات النظام والمليشيات من “الفرقة 25 مهام خاصة” و “الفيلق الخامس” و”الفرقة الرابعة” توحي بذلك أيضاَ، حيث شهدت جبهات القتال وصول المزيد من الأعداد والعتاد الحربي خلال ساعات الليل قادمة من منطقة معرة النعمان شرقي ادلب، ومن مناطق طوق حلب وجانبي الطريق “إم5” الذي تمت السيطرة عليه بالكامل.

المدن

——————–

الرسالة التركية وصلت في النيرب..فانسحبت الفصائل

انتهت العملية العسكرية التي شنتها فصائل المعارضة السوري بتنسيق ودعم تركي، بانسحاب الفصائل من البلدة الواقعة إلى الغرب من طريق حلب اللاذقية (إم4) بريف إدلب الشرقي، بعد أن سيطرت على أجزاء منها.

وكان واضحاً من حجم التمهيد الناري الذي تمّ على عجل، أن الفصائل بصدد عملية محدودة، بهدف اختبار حجم ردود الأفعال العسكرية الروسية، في حال بدأت تركيا تحركاً عسكرياً أكبر وأكثر جدية ضد قوات النظام في إدلب.

وبالنظر إلى إعلان الخارجية التركية قبل ساعات من بدء العملية العسكرية، عن إجراء المزيد من المحادثات بين وفدها والوفد الروسي لكيفية الحد من التوتر من إدلب، يمكن اعتبار هذه التحركات رسالة تركية لاستخدامها على طاولة المفاوضات، إذ من الواضح أن تركيا لا زالت تعول على انسحاب النظام السوري من سراقب قبل نهاية شباط/فبراير، حتى لا تضطر إلى تنفيذ تهديدها بإعلان الحرب على قواته في إدلب.

ولم يتأخر رد روسيا كثيراً، حيث بدأت طائراتها بشن غارات جوية على المناطق التي تقدمت إليها المعارضة في النيرب، داعية بالمقابل تركيا إلى وقف دعمها ل”الإرهابيين”.

وعزا القيادي العسكري في “الجيش السوري الحر” النقيب عبد السلام عبد الرزاق في حديث ل”المدن”، انسحاب الفصائل من بلدة النيرب، بعد سيطرتهم على أجزاء واسعة منها، إلى كثافة الضربات الجوية التي شنتها المقاتلات الروسية على محاور الاشتباك، والبلدات المحيطة.

وحول سبب اختيار الفصائل لبلدة النيرب كمحور رئيسي للهجوم، رغم حالة الاستعصاء العسكري والمحاولات المتكررة، أوضح أن التركيز على النيرب نابع من أهميتها وكذلك تموضعها العسكري، الذي يشكل خط دفاع الفصائل، ونقطة انطلاق العمليات الهجومية للنظام. لكنه أوضح أنه بكل الأحوال فاختيار أي محور في إدلب لن يعني غياب الطائرات الروسية.

غير أن هناك من ذهب إلى عدم ربط الانسحاب من النيرب، بالشأن العسكري وحده، مشيراً إلى أن أي محاولة جدية لإشغال قوات النظام في محاور أخرى، لم تُبذل من جانب الفصائل.

وفي هذا الصدد، أكد مصدر عسكري ل”المدن”، أن تغييراً طرأ على الخطط الموضوعة مسبقاً للتحرك. وقال: “كان من المقرر أن يتم فتح المحاور الغربية والجنوبية لسراقب (داديخ، سان)، بالتزامن مع عمليات اقتحام النيرب، بهدف تشتيت دفاعات النظام، غير أن ذلك لم يحصل”.

كذلك، لم تستطع المعارضة توسيع نطاق هجومها واقتصر على المحاور الشمالية والغربية انطلاقاً من مزارع سرمين المكشوفة وقميناز، مما سهل على قوات النظام استيعاب الهجوم، مستفيداً من مشاركة الطائرات الروسية.

الهجوم على بلدة النيرب قد لا يكون الأخير، وخصوصاً أن المعارضة تؤكد أنها أحكمت سيطرتها على مواقع متقدمة في المحاور الغربية للبلدة، تمكنها عسكرياً من شن هجمات مباغتة، والانسحاب تكتيكياً لاستنزاف قوات النظام.

————————–

إدلب:تسجيلات تؤكد إستهداف النظام للمدنيين..ومخاوف من حمام دم

نفذت طائرات حربية روسية صباح السبت غارات مكثفة على مناطق في احسم وبينين والفطيرة وابيين والبارة والفطيرة وسرجة بجبل الزاوية بالقطاع الجنوبي من ريف إدلب. كما شنت غارات عدة بعد منتصف الليل على أماكن في محيط الأتارب بريف حلب الغربي.

في حين قصفت قوات النظام أماكن في دير سنبل وكفرنبل وحاس وبسقلا بريف إدلب، ومحيط وأطراف كل من الأتارب ودارة عزة غرب مدينة حلب.

كما يشهد محور النيرب شرق إدلب، عمليات قصف مكثف ومتبادل، بين قوات النظام من طرف، والفصائل والقوات التركية من طرف آخر، من دون معلومات عن خسائر بشرية إلى الآن، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. ونجحت الفصائل السورية ليل الجمعة بتدمير “مدفع 23” لقوات النظام على محور النيرب، كما استهدفت رتلاً لقوات النظام في منطقة خان السبل بالريف الإدلبي.

وكان الطائرات الروسية شنت الجمعة نحو 90 ضربة جوية، استهدفت خلالها الأتارب ومحيط دارة عزة وكفرنوران وتقاد والشيخ سليمان والابزمو والتوامة بريف حلب، والمسطومة ومحيط قميناس وجبل الأربعين وكفرنبل بريف إدلب، كذلك شنت طائرات النظام الحربية الحمعة نحو 65 غارة، استهدفت خلالها مناطق في جبل الزاوية والمحاور الريف الجنوبي في إدلب.

وشهدت معركة إدلب وحلب استهدافاً ممنهجاً من قبل قوات النظام للمدنيين لترهيبهم وإجبارهم على ترك منازلهم. وقالت صحيفة “دايلي تلغراف” في تقرير لمراسلتها في بيروت جوزي أنسور تتحدث فيه عن استهداف المدنيين من قبل القوات الحكومية السورية.

وأفاد التقرير إن المكالمات بين الجنود السوريين تثبت أن القوات الحكومية تستهدف في حملتها الأخيرة شمال غربي البلاد المدنيين بطريقة متعمدة. وأضاف أن الصحيفة لديها تسجيلات لمكالمات بين الجنود يوم 11 شباط/فبراير تكشف عن وجود مليشيا إيرانية وأفغانية تقاتل ضمن قوات فيلق القدس مع جيش النظام السوري. وينتمي الجنود الذين سجلت مكالماتهم إلى الفرقة 25 وهي قوات خاصة تعرف باسم قوات “النمر”.

وقال التقرير إن الهجوم على المدنيين هو استراتيجية تعتمدها الحكومة لترهيب الأهالي حتى يهربوا من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، فيسهل اجتياحها. وتبين أيضاً أن القوات الحكومية تستهدف المنشآت المدنية الحيوية، مثل المخابز والمدارس والمستشفيات، التي تؤدي إلى تفكك المجتمع واستسلامه بسرعة.

وأضافت إنسور أن القوات السورية وحليفتها الروسية مسؤولة عن مقتل 90 في المئة من المدنيين منذ بداية النزاع المسلح في عام 2011، حسب إحصائيات المنظمات الحقوقية السورية.

وكشفت المكالمات أيضاً أن القوات السورية قصفت عن قصد المواقع التركية في إدلب. وقد وضعت أنقرة مواقع مراقبة في إطار اتفاق التهدئة في مناطق المعارضة في إدلب وغربي حلب.

من جهتها، حذرت الأمم المتحدة الجمعة من أن القتال في شمال غرب سوريا قد “ينتهي بحمام دم” وكررت دعوتها لوقف إطلاق النار.

وقال المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ينس لايركه إن الأطفال يشكلون نحو 60 في المئة من 900 ألف شخص نزحوا وتقطعت بهم السبل في مساحة آخذة في التضاؤل. وأضاف “ندعو إلى الوقف الفوري لإطلاق النار لمنع مزيد من المعاناة وما نخشى أن ينتهي بحمام دم”.

وتابع: “تستمر خطوط القتال الأمامية والعنف المستمر في الاقتراب من هذه المناطق المكتظة بالنازحين، مع تزايد القصف على مواقع النزوح والمناطق المجاورة لها”.

من جهتها، نفت وزارة الدفاع الروسية تقارير عن نزوح مئات آلاف السوريين من إدلب باتجاه الحدود التركية، في منطقة تبقي فيها القوات التركية على مواقع مراقبة، وقالت إنها تقارير كاذبة وحثّت أنقرة على السماح لسكان إدلب بدخول مناطق أخرى في سوريا.

————————

دايلي تيلغراف” بالدليل القاطع: قوات الأسد تقتل المدنيين عَمداً

كشفت صحيفة “دايلي تيلغراف” البريطانية في تقرير حصري، أن قوات النظام السوري أطلقت النار عمداً على المدنيين المسنين في الشمال الغربي الذي تسيطر عليه المعارضة، وتربصت بالنقاط العسكرية التركية لمهاجمتها، في خرق مباشر لاتفاق وقف إطلاق النار، كما تثبت اتصالات لاسلكية مترجمة اطلعت عليها الصحيفة.

ويُتهم نظام الرئيس بشار الأسد بانتظام باستهداف المدنيين في الحرب المستمرة منذ تسع سنوات، ولكن نادراً ما يكون هناك دليل يثبت تعمّد الهجمات. واستطاعت الصحيفة إثبات جريمة واحدة منها على الأقل، حيث كشفت التسجيلات اللاسلكية التي فحصتها كيف فتحت قوات النظام من “الفرقة 25” (قوة المهمة الخاصة النخبوية المعروفة بقوات النمر) النار على مجموعة من النسوة العجائز الهاربات من القتال قرب مدينة حلب، ما يرتقي إلى مستوى جريمة حرب.

وأوضحت التسجيلات أن قوات النظام تعقبت النساء في سيارة تقف خارج منزل قريب من كفر حلب في حلب الغربية بتاريخ 11 شباط/فبراير الجاري. وكان يبدو أن النساء يجمعن ملابس ومتعلقات أخرى وهن يستعددن للهرب من تقدم قوات النظام الذي يشن حملة عسكرية في ريفي إدلب وحلب أدت إلى أكبر موجة نزوح جماعي منذ العام 2011.

وفيما أعرب أحد الجنود عن انزعاجه من إطلاق النار على النساء العزل وهو يقول لزملائه: “إنها تبدو كبيرة في السن، ومن الواضح أنها قادمة لحزم أمتعتها ثم تغادر”، أجاب آخر: “أنا أشاهدهن، هن على وشك دخول أحد المنازل، هيا! سأطلق النار الآن”، قبل أن تُسمع نيران مدفع رشاش سريع. ويقول له ضابطه: “أطلق النار أطلق النار، أنا أراقبك”، علماً أن الحوارات جرت باللهجة العامية.

وأكدت التقارير المحلية المتوافقة مع تاريخ ووقت الاتصالات اللاسلكية، بحسب الصحيفة، أن النساء قتلن في الهجوم، مشيرة إلى أن استهداف المدنيين عمداً يعتبر جريمة حرب بموجب القانون الدولي، علماً أن الاتصالات اعترضت بعد أن اكتشف مراقبون في مرصد قريب التردد اللاسلكي للجيش، ومن ثم نقلوه إلى الصحيفة عبر مجموعة ناشطين مستقلة هي مركز “ماكرو ميديا”.

والحال أن هذه هي التسجيلات الثانية التي تكشفها الصحيفة، بعد نشرها الشهر الماضي، تسجيلات مسربة للمجموعة نفسها تكشف وجود مليشيات إيرانية وأفغانية تقاتل مع قوات فيلق القدس، التي اغتيل قائدها الجنرال الإيراني قاسم سليماني في بغداد، في شمالي سوريا. مع الإشارة إلى أن الهجمات على المدنيين أصبحت جزءاً من إستراتيجية النظام لترهيب السكان المحليين حتى يفروا من مناطق سيطرة المعارضة المتبقية، ما يسهل عمليات اعتقالهم.

وباتت هذه النوعية من التسجيلات أساساً لجهود استقصائية تقوم بها الصحف الكبرى، لإثبات جرائم النظام السوري، ومنها التحقيقات التي قدمتها صحيفة “نيويورك تايمز” خلال العام الماضي، وأثبتت فيها بالأدلة القاطعة استهداف النظام السوري والطيران الروسي للمشافي والمرافق الطبية في إدلب.

وكانت مسؤولة المفوضية الأممية لحقوق الإنسان، ميشيل باشيليت، قالت الأسبوع الماضي أن “سوريا تشهد حالياً أكبر حركة نزوح منذ بداية الحرب”، محمّلة النظام السوري والأطراف الداعمة له مسؤولية ذلك، مضيفة في بيان أن الوضع الإنساني في شمال غربي سوريا “يدعو للدهشة”، فيما تقدر معطيات الأمم المتحدة نزوح 900 ألف مدني سوري منذ مطلع كانون الأول/ديسمبر 2019.

وفي أيار/مايو 2017، أعلنت تركيا وروسيا وإيران توصلهم إلى اتفاق “منطقة خفض التصعيد” في إدلب، في إطار اجتماعات أستانة المتعلقة بالشأن السوري. وعلى الرغم من تفاهمات لاحقة أبرمت لتثبيت وقف إطلاق النار في إدلب، وآخرها في كانون الثاني/يناير الماضي، فإن قوات النظام السوري وداعميه تواصل شنّ هجماتها على المنطقة.

———————–

من المستفيد من المواجهة بين تركيا والنظام السوري؟

يرتفع التوتر مرة أخرى في الشرق الأوسط، وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار العام الماضي، يبدو أن الحرب بين تركيا والنظام السوري تتصاعد على الأرجح، لكن لماذا؟

تركيا أمام سوريا

انخرط الجيش التركي في معارك مع قوات النظام السوري في محافظة إدلب، وأدت المصادمات المتعددة إلى خسائر في الأرواح في صفوف كلا الجانبين، وأصبحت قعقعة السيوف أكثر وضوحا.

وفي الآونة الأخيرة، ظهرت لقطات فيديو تظهر القوات العسكرية التركية تسقط طائرة هليكوبتر تابعة للنظام السوري، وجاء هذا الهجوم في أعقاب هجوم سوري على القوات التركية في المنطقة، ما أسفر عن مقتل 5 جنود.

وأعلن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” أن سوريا “ستدفع ثمنا باهظا” للهجوم، ويبدو أن إسقاط المروحية جاء كرد انتقامي على هجوم دمشق.

وتأتي هذه الحوادث بعد 4 أشهر من سحب الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” قوات بلاده من الحدود السورية التركية، ومهد هذا الإجراء الطريق للجيش التركي لغزو سوريا للقضاء على الإرهابيين في المنطقة، لكنه سمح أيضا لسوريا، بمساعدة روسيا، باستعادة مساحة كبيرة من الأراضي في المنطقة.

من المستفيد؟

إذن من المستفيد من الأعمال القتالية المتزايدة بين تركيا وسوريا؟ وفقا لصحيفة “واشنطن تايمز”، يمكن لروسيا أن تحصل على المزيد من المكاسب مع هذه التطورات الأخيرة، ووفقا لتقرير “التايمز”، فقد يجبر هذا الوضع تركيا على “توسيع مهمتها العسكرية داخل البلاد”.

وإذا أصبحت تركيا أكثر انخراطا في الحرب السورية، فقد يصبح الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” هو القائد الوحيد القادر على التوسط في صفقة بين البلدين.

وصرح “مايكل روبن”، المسؤول بوزارة الدفاع الأمريكية، لصحيفة “واشنطن تايمز”، بأن “أردوغان دخل سوريا لأسباب خاصة، ويجد الآن أن الدخول أصعب كثيرا من الخروج”، مضيفا أن “تركيا قد تتورط في سوريا أكثر من ذلك بكثير، وهذا بالضبط ما تريده روسيا”.

وأوضح “روبن” أيضا كيف قد تستفيد روسيا من مثل هذا السيناريو، حيث قال: “إذا كان بإمكان روسيا أن تكون الوسيط الوحيد بين تركيا وسوريا، فإن ذلك يعزز فقط قوة موسكو ويسمح لها بإبقاء سوريا وتركيا تحت السيطرة. ببساطة، لقد تغلب بوتين على أردوغان”.

وتوصلت تركيا وروسيا إلى اتفاق عام 2018 لإنشاء منطقة منزوعة السلاح في محافظة إدلب، وكان الهدف من الاتفاقية منع الهجرة الجماعية للاجئين السوريين إلى تركيا، لكن على الرغم من الاتفاق، يحاول النظام السوري الآن استعادة سيطرته على المنطقة، ويبدو أن القوات التركية قتلت 76 جنديا سوريا على الأقل خلال الأسبوع الماضي. وأصدر “أردوغان” تحذيرا شديد اللهجة، قائلا: “هناك المزيد في المستقبل”.

وحتى الآن، نزح نحو 700 ألف شخص من المحافظة السورية، ما زاد من مخاوف تركيا من تدفق اللاجئين عبر الحدود إذا واصل النظام السوري حملته الحالية، ويقول العديد من المتخصصين الذين يراقبون النزاع إن قرار الرئيس “ترامب” بسحب القوات الأمريكية من المنطقة قد مهد الطريق للمواجهة الحالية بين تركيا وسوريا.

وليس من الصعب تخيل أن إخراج القوات الأمريكية من مسارح قتال معينة قد يكون له عواقب، ومع ذلك، فإنه لا يشير بالضرورة إلى أن الولايات المتحدة يجب أن تظل متورطة في النزاعات الخارجية التي لا تخدم مصالحها.

ومع استمرار تطور الوضع، سيتضح ما إذا كان البيت الأبيض قد اتخذ القرار الصائب في سوريا أم لا.

معضلة تركيا في التعامل مع الفصائل المسلحة شمالي سوريا

المصدر | جيف تشارلز | أوراسيا ريفيو – ترجمة وتحرير الخليج الجديد

———————————

المعارضة السورية والجيش التركي يبدآن هجوما بريا قرب إدلب

قال مراسل الجزيرة في سوريا إن الجيش الوطني التابع للمعارضة السورية بدأ هجوما بريا جنوب شرق إدلب بمساندة من الجيش التركي، وتحت غطاء مدفعي وصاروخي كثيف.

وأضاف أن قوات برية تركية تساندها الدبابات تشارك في التقدم بعدة محاور في ريفي إدلب، وأن المعارضة سيطرت على أجزاء من مدينة النيرب.

وفي السياق، أفاد مراسل الجزيرة أن المعارضة السورية المسلحة أسقطت طائرة استطلاع روسية قرب بلدة النيرب في ريف إدلب. وأضاف أن المدفعية التركية قصفت مواقع لقوات النظام السوري بمنطقة سراقب.

يأتي ذلك بعد تبادل للقصف بين القوات التركية وقوات النظام في إدلب، بالتزامن مع قصف روسي استهدف منطقة قريبة من مكان وجود رتل تركي بجبل الأربعين في ريف المدينة.

من جهة أخرى قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن التحضيرات جارية لعقد قمة روسية تركية إيرانية حول سوريا، مشيرا إلى عدم التوصل للاتفاق على موعد انعقادها حتى الآن.

وأضاف بيسكوف أن روسيا أجرت مفاوضات مع الجانب الإيراني حول عقد هذا اللقاء، وأن موسكو عبرت عن موافقتها على تواريخ محددة، مشيرا إلى أنه يجري الآن تنسيق المواعيد بين رؤساء الدول الثلاث.

وبدوره ذكر مسؤول تركي أن اجتماعا بطهران بين تركيا وروسيا وإيران سيعقد الشهر المقبل لبحث الوضع في إدلب. وأضاف أن أنقرة تناقش مع موسكو تسيير دوريات مشتركة في إدلب، كأحد الخيارات لضمان الأمن في المنطقة.

كما قال وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو إن من الصعب المضي في اتفاقَي سوتشي وأستانا، مع استمرار هجمات النظام السوري على إدلب. وأضاف أن اتفاقي سوتشي وأستانا لم يتوقفا لكنهما تعرضا للضرر.

وفشلت تركيا وروسيا -اللتان تدعمان أطرافا متحاربة في الحرب المستمرة منذ تسعة أعوام- في التوصل لاتفاق بعد جولتي محادثات الأسبوعين الأخيرين.

وتسبب هجوم تنفذه قوات النظام -للقضاء على آخر معقل للمعارضة شمال غرب البلاد- في بعض من أخطر المواجهات حتى الآن بين دمشق وتركيا (العضو بحلف شمال الأطلسي) مما دفع الأخيرة لإرسال آلاف من جنودها وأرتال من الأسلحة الثقيلة إلى المنطقة الحدودية.

واستقبلت تركيا نحو 3.7 ملايين لاجئ سوري منذ بداية الحرب، وتقول إنها لا تستطيع استيعاب المزيد عبر حدودها وقامت بإغلاقها. وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من تسعمئة ألف شخص، معظمهم نساء وأطفال، هربوا من إدلب منذ أوائل ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وهددت أنقرة -التي تدعم مقاتلي معارضة يحاولون الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد- باستخدام القوة العسكرية لدحر القوات السورية التي تتقدم في إدلب ما لم تنسحب بنهاية الشهر الجاري.

كما قال الرئيس رجب طيب أردوغان أمس الأربعاء إن تنفيذ عملية تركية في إدلب ليس إلا “مسألة وقت”.

وقالت تركيا إن قوات النظام تحاصر بعضا من مواقع المراقبة التابعة لها، لكنها لن تخلي هذه المواقع أو تغير أماكنها. وقال المتحدث باسم الرئاسة إبراهيم قالين الثلاثاء إن بلاده رفضت الخرائط البديلة التي عرضتها روسيا خلال المحادثات.

المصدر : الجزيرة + وكالات

————————

 إدلب أسيرة التحذيرات المتبادلة بين موسكو وأنقرة

بيدرسن يدعو إلى احترام القانون الإنساني في العمليات العسكرية… ودول غربية تنعى «مسار آستانة»

بدت إدلب أسيرة فشل المحادثات الروسية – التركية في موسكو، أمس، وتصاعد التحذيرات بين الطرفين، فيما طالب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسن بـ«وقف النار فوراً» في محافظة إدلب الواقعة في شمال غربي سوريا التي شهدت نزوح نحو 900 ألف شخص خلال الأسابيع القليلة الماضية، حيث بلغت الحرارة درجات التجمد، وأدت إلى «موت أطفال» جراء الصقيع، داعياً إلى احترام القانون الإنساني في العمليات العسكرية، بينما نعت دول غربية في جلسة لمجلس الأمن أمس «مسار آستانة».

وبرزت السجالات الروسية – التركية مجدداً بعد انتهاء جولة محادثات جديدة في موسكو بين الطرفين من دون التوصل إلى تفاهم حول آليات التعامل مع الوضع في إدلب واختلاف في تفسير «اتفاق سوتشي» الموقع في سبتمبر (أيلول) 2017.

وهدد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، أمس، بإطلاق هجوم عسكري «مفاجئ» ضد الجيش السوري في إدلب، وهو ما ردت عليه موسكو بالرفض وبالتحذير مما سمته «أسوأ سيناريو». وفي تصريحات لاحقة، رد إردوغان على هذا التحذير الروسي قائلاً: «زملاؤنا الذين أجروا مباحثات مع الروس، لم ينقلوا لي شيئا من هذا القبيل، ولا أعتقد أن روسيا ستأخذ مكاناً لها في مثل هذا السيناريو السيئ».

في غضون ذلك، شدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، على ضرورة أن تقوم تركيا بتنفيذ اتفاق سوتشي الخاص بإدلب، وقال إن جولة المحادثات الأخيرة لم تصل إلى نتائج محددة. وعكست لهجة لافروف عودة إلى توجيه الاتهامات إلى أنقرة، التي حمّلها مسؤولية تعثر الحل في إدلب. وقال الوزير لافروف إن الجانب التركي فشل في تنفيذ بنود اتفاق سوتشي المتعلقة بالفصل بين المعارضة والإرهابيين في الإطار الزمني المحدد، وقال إن موسكو «لا تطلب من أنقرة أكثر من تنفيذ ما تم الاتفاق عليه». وأضاف أن الاتفاق الروسي – التركي «لم ينصّ أبداً على تجميد الوضع في إدلب، وترك حرية التصرف للإرهابيين هناك»، موضحاً: «لم يقدم أي طرف وعوداً بعدم مواجهة الإرهابيين».

وعقب الجلسة العلنية في مجلس الأمن، أمس، أجرى الأعضاء مشاورات مغلقة. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر دبلوماسي أن فرنسا اقترحت إصدار بيان يدعو إلى «وقف الأعمال العدائية في كل أنحاء سوريا، ولا سيما في محافظة إدلب وشمال غربي البلاد». غير أن روسيا أصرت على إدخال عبارة «على ألا يشمل وقف الأعمال العدائية العمليات العسكرية ضد الجماعات الإرهابية»، وهذا ما اعتبره دبلوماسيون في المجلس إجهاضاً روسياً لأي موقف يدعو إلى وقف القتال.

—————-

إردوغان يهدد بعملية عسكرية في إدلب «على حين غرة» بعد فشل المباحثات مع موسكو للوصول إلى تهدئة

أنقرة: سعيد عبد الرازق

هدد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أمس، بإطلاق هجوم عسكري «وشيك» في إدلب، شمال غربي سوريا، بعد فشل المباحثات التركية الروسية في كل من أنقرة وموسكو، على مدى أسبوعين، في التوصل إلى اتفاق للتهدئة والالتزام بتنفيذ تفاهم سوتشي الموقع بين الجانبين، في 17 سبتمبر (أيلول) 2018.

وقال إردوغان إن تركيا لم تحصل على النتيجة التي تريدها من المباحثات مع روسيا، وكانت بعيدة جداً عما تريد تركيا، وإن تركيا أعدّت خطة عمليتها العسكرية في إدلب. وطالب إردوغان، مجدداً، النظام السوري، بالانسحاب من بعض المواقع في إدلب، بحلول نهاية الشهر الحالي قائلاً: «هذا آخر تحذيراتنا… بات شن عملية في إدلب وشيكاً… قد نأتي ذات ليلة على حين غرة».

وأضاف، في كلمة خلال اجتماع المجموعة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في البرلمان التركي، في أنقرة، أمس: «نوجه تحذيراتنا الأخيرة للنظام في إدلب، لم نحصل حتى الآن على النتيجة التي نريدها… عاقدون العزم على جعل إدلب منطقة آمنة، بالنسبة لتركيا ولسكان المحافظة، مهما كلف الأمر. انطلاق العملية العسكرية مسألة وقت… ذات ليلة قد نأتي على حين غرّة».

وفي تصريحات لاحقة، رد إردوغان على سؤال بأن الجانب الروسي يصف العملية التي تقول تركيا إنها ستقوم بها ضد الجيش السوري في إدلب بـ«أسوأ سيناريو»؟ قائلاً: «زملاؤنا الذين أجروا مباحثات مع الروس، لم ينقلوا لي شيء من هذا القبيل، ولا أعتقد أن روسيا ستأخذ مكاناً لها في مثل هذا السيناريو السيئ».

وعن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بشأن التعاون مع تركيا في ملف إدلب، قال إردوغان: «يمكن أن يكون هناك تعاون بيننا على مختلف الأصعدة في أي لحظة».

وحول إمكانية مشاركة سلاح الجو في العملية العسكرية التركية المحتملة على إدلب، واسم العملية، ذكر إردوغان: «كما قلت: قد نأتي ذات ليلة على حين غرّة، وهذا يعني أننا سنأتي مع كل شيء».

بدوره، أكد وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، عدم نية بلاده الانسحاب من نقاط المراقبة التي قامت بنشرها في محافظة إدلب، شمال غربي سوريا، وأن أنقرة سترد بالمثل في حال تعرض هذه النقاط للاستهداف. وأضاف أكار، في تصريحات بمقر البرلمان التركي في أنقرة، أمس، أن تركيا تمتلك الصلاحيات لاتخاذ التدابير اللازمة من أجل تثبيت وقف إطلاق النار، وذلك بصفتها دولة ضامنة بموجب «اتفاق سوتشي» المبرم مع روسيا.

وطالب أكار الدول الأوروبية والولايات المتحدة، بالالتزام بتعهداتها المتعلقة بسوريا، واتخاذ خطوات ملموسة لتجسيد مسؤولياتها هناك.

وأعلن المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، مساء أول من أمس، فشل المحادثات مع روسيا بشأن الوضع في إدلب. وقال: «لم تخرج أي نتائج مرضية من مباحثات موسكو بشأن إدلب… وتركيا لم تقبل بالورقة والخريطة المقدمتين لها من روسيا في هذا الشأن».

ولفت كالين، الذي كان يتحدث في مؤتمر صحافي بالقصر الرئاسي في أنقرة، عقب اجتماع للحكومة التركية برئاسة إردوغان، إلى أن أساس الموقف التركي في محادثات موسكو، كان العودة (انسحاب قوات الجيش السوري)، إلى حدود «اتفاق سوتشي»، مؤكداً في الوقت ذاته أن المحادثات مع روسيا حول إدلب ستستمر.

وشدد المتحدث الرئاسي التركي على أن تغيير مواقع نقاط المراقبة التركية، في إدلب، أمر غير وارد، مشيراً إلى أن تركيا ستواصل إرسال التعزيزات والتحصينات العسكرية إلى المنطقة، بهدف حماية إدلب والمدنيين فيها، وأن الجيش التركي سيرد بأشد الطرق في حال تعرض عناصره في إدلب لأي هجوم، تماماً كما فعل مؤخراً.

هذا، وقد أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، أمس، بأن القوات التركية قامت بإنشاء نقطة عسكرية جديدة لها بالقرب من بسنقول جنوب غربي إدلب، موضحاً أن النقطة الجديدة تقع على طريق حلب – اللاذقية، المعروف بطريق «إم – 4».

وبحسب المرصد، فإن عدد النقط التركية في منطقة «خفض التصعيد» في إدلب، وصل إلى 37 نقطة، وهي 12 نقطة تم إنشاؤها في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، بموجب اتفاق آستانة، ونقاط جديدة أُنشئت خلال الأسابيع الأخيرة مع تصاعد هجمات الجيش السوري، وتقدمه في إدلب منذ أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

في سياق آخر، التقى وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أمس، وفداً من أعضاء المجلس الوطني الكردي السوري في العاصمة أنقرة. وقال جاويش أوغلو، عبر «تويتر»، إنه التقى وفد المجلس الوطني الكردي (الممثل الشرعي لأكراد سوريا)، مشيراً إلى دعم بلاده لدور المجلس في العملية السياسية، وضمن الائتلاف الوطني السوري، متهماً وحدات حماية الشعب الكردية بأنها أكثر من تسبب بالضرر للأكراد.

الشرق الأوسط

————————

بينما أردوغان يهدّد… قوات الأسد اقتربت من الحدود التركية/ أحمد الأحمد

منذ مقتل مجموعة جنود أتراك في داخل سوريا، جراء قصف النظام السوري ريف محافظة إدلب، يستمر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإطلاق تصريحاتٍ يتوعّد بها النظام السوري بالرد العنيف.

منذ مقتل مجموعة جنود أتراك في داخل سوريا، جراء قصف النظام السوري ريف محافظة إدلب، يستمر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإطلاق تصريحاتٍ يتوعّد بها النظام السوري بالرد العنيف، كما يعطيه مهلاً للانسحاب من المناطق التي سيطر عليها إلى ما خلف مواقع نقاط المراقبة التركية، التي بات معظمها محاصراً بعد تقدّم قوات النظام وانسحاب فصائل المعارضة السورية.

وفي الثالث من شباط/ فبراير، قصفت قوات النظام السوري موقعاً عسكرياً تركياً في إدلب، ما أدّى إلى مقتل 4 جنود أتراك وإصابة 9 آخرين بجروح، وبحسب بيان لوزارة الدفاع التركية فإن القوات التركية ردّت على الفور على مصادر إطلاق النيران.

عقب هذا الهجوم الذي يُعتبر الأول من نوعه، أطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مجموعة تهديدات بالرد على النظام وإيقاف تقدّمه، ولكن النتيجة انتهت بأن النظام وحليفه الروسي سرّع وتيرة التقدّم أكثر من ذي قبل وسيطر على مساحات واسعة في ريفي حلب وإدلب من دون أي يحرّك الجانب التركي ساكناً.

خمسة تصريحات

رصد “درج” في هذا التقرير 5 تصريحات أطلقهم الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان منذ مقتل الجنود الأتراك حتّى الآن، جاءت أولى هذه التصريحات، كرد فعل مباشر على مقتل الجنود الأتراك في يوم 3 شباط، إذ قال أردوغان مخاطباً روسيا، “لستم الطرف الذي نتعامل معه بل النظام السوري ونأمل بألا يتم وضع عراقيل أمامنا”.

وأضاف أن سلاح المدفعية والسلاح الجوي التركي قتل 35 عنصراً من قوات النظام رداً على استهداف الجنود الأتراك، معتبراً أنّه “سيجعل النظام السوري يدفع ثمن فعلته”.

في اليوم الثاني مباشرةً، ظهر الرئيس التركي مرّة أخرى قائلاً: “لن نسمح للنظام السوري بالحصول على مناطق جديدة في إدلب”.

في اليوم التالي، خرج أردوغان بأقوى تصريحاته ضد الأسد قائلاً: “نمهل النظام السوري حتى الجمعة للانسحاب من كل المناطق المحيطة بنقاط المراقبة التركية”.

عاد أردوغان ليؤكّد مرّة أخرى، أن “الطائرات التي تقصف المدنيين في إدلب لن تستطيع التحرك بحرية، كما في السابق”، موضحاً أن تركيا لن تبقى صامتة حيال ما يجري في إدلب، على رغم تجاهل الجميع المأساة الإنسانية هناك، وذلك خلال خطاب له أمام “حزب العدالة والتنمية” في 12 من شباط الجاري.

توالت هذه التصريحات، حتّى كان آخرها في الخامس عشر من شباط، حيث اعتبر أردوغان أن “المشكلة لن تُحل في إدلب إلا بانسحاب قوات النظام السوري حتى حدود اتفاقية سوتشي”.

وتابع: “النوم في سلام حرام علينا حتى إنقاذ سوريا من ظلم النظام والمنظمات الإرهابية، سنكون سعداء إذا تمكنا من حل الأمر في إدلب بدعم أصدقائنا لكننا مستعدون لتحقيق المهمة بالطريقة الصعبة إذا اضطررنا إلى ذلك”.

في المقابل، خرج رئيس النظام السوري بشار الأسد بكلمة متلفزة بعد سيطرة قواته على ريف حلب، شكر فيها من وصفهم بـ”الحلفاء” واعتبر أن قواته سوف تستمر في المعركة.

وقال الأسد: “نعي تماماً أن هذا التحرير لا يعني نهاية الحرب، ولا يعني سقوط المخططات، ولا زوال الإرهاب ولا يعني استسلام الأعداء، لكنه يعني بكل تأكيد تمريغ أنوفهم بالتراب كمقدمة للهزيمة الكاملة، عاجلاً أم آجلاً” بحسب تعبيره.

مكاسب للأسد على وقع التهديدات

منذ بدء تهديدات أردوغان في الثالث من شباط الماضي، حتّى اليوم، سيطرت قوات نظام الأسد والميليشات المرافقة لها بدعمٍ روسي على عشرات المدن والبلدات في ريفي حلب وإدلب، كما أنها فتحت الطريق الدولي “المدن الخمس” المعروف باسم M5.

من الجهة الجنوبية، سيطرت قوات الأسد على سراقب.

كما سيطرت على أكبر أربع مدن في ريف حلب الشمالي، وهي كفر حمرة، حيان، عندان، حريتان وبيانون، وأبعدت فصائل المعارضة بشكلٍ كامل من مدينة حلب.

كما اتجهت قوات النظام وسيطرت على بلدة أورم الكبرى في ريف حلب الجنوبي الغربي، وفتحت كامل الطرق المؤدّية إلى مدينة حلب، واقتربت من الحدود التركية.

بالتوازي مع هذه المكاسب الميدانية الواسعة للنظام والتي هُجّر على إثرها عشرات آلاف المدنيين، لم تحرّك التهديدات التركية أي ساكن لحماية المناطق الخاضعة ضمن اتفاق “سوتشي”.

في شمال سوريا، هناك 12 نقطة مراقبة تركية، تنتشر في ثلاث محافظات وهي حلب وإدلب وحماة، وتقع على امتداد اتفاق “المنطقة منزوعة السلاح”، التي توصّل إليها الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، على أن تنتشر نقاط تركية وروسية على حدود هذه المنطقة لمنع العمليات العسكرية من أي طرف.

ولكن عقب تقدّم النظام، أصبحت النقاط العسكرية التركية محاصرة في مكانها في ريفي حماة وإدلب، ولم تحرّك تركيا ساكناً.

اتفاق مسبق؟

يقول ميداس آزيزي، وهو سياسي سوري يشغل منصب الناطق باسم “التيار الوطني الديموقراطي” وعلى اطلاع بالملف السوري- التركي، إن العلاقات بين تركيا والنظام السوري لا تمكن مناقشتها من دون التطرّق للعلاقة التركية- الروسية، لأن النظام السوري لم يعد موجوداً كطرف سياسي، بل إن روسيا تمارس هذا الدور.

وقال آزيزي لـ”درج”: “الأتراك في سوريا هم في موقف لا يُحسدون عليه، لأنّهم لا يثقون بالروس من جهة، كما أنّهم لا يثقون بالأميركيين”.

وأوضح أن الروس يعرفون تماماً طبيعة العلاقات المحرجة بين تركيا والولايات المتحدة، ولا سيما فيما يخص موقف الولايات المتحدة من تدخّل تركيا عسكرياً في شمال شرقي روسيا، وهو ما يدفعهم للمضي بمشروعهم على رغم التهديدات التركية.

التفاوض لا يكون بين تركيا والنظام السوري، بل بين تركيا وروسيا، لأن النظام السوري انتهى وغير قادر على التفاوض بحسب آزيزي، الذي استبعد أن تدخل تركيا في حرب مع روسيا بسبب تمدّدها في ريفي حلب وإدلب.

واستبعد آزيزي أن تنسحب روسيا من المناطق التي سيطرت عليها في شمال سوريا، إلى خلف نقاط المراقبة التركية، لأن الروس يدركون أن تركيا تقاتل وحدها في سوريا من دون حلفاء، كما أن روسيا كانت تطمح إلى السيطرة على أكبر قدر من المساحة السورية.

ولكن ليس الملف السوري وحده هو الخلاف بين تركيا وروسيا، بل هناك ملفات أخرى أهمّها الملف الليبي وملف الصراع على غاز البحر المتوسط.

ويرى آزيزي، أن هذا التقدّم العسكري سينتهي باتفاق على وقف التقدّم الروسي نحو الحدود التركية، لضمان الإبقاء على منطقة يستقر فيها حوالى 4 ملايين مدني، لضمان عدم محاولتهم الوصول إلى القارة الأوروبية، كون ملف الهجرة أكثر ما يقلق الأوروبيين ويجعلهم جاهزين للتحرّك بشكلٍ جدي لضمان عدم تحرّك موجة لجوء جديدة نحو أراضيهم، موضحاً أن المجتمع الدولي يدرك أن الروس لن يدخلوا أكثر من المساحة المحدّدة لهم وأن التصريحات الحالية لا تعدو عن كونها سجالات إعلامية.

درج

————————–

 غوتيريش يخشى «مواجهة أكثر خطورة» وتحذير أممي من {حمام دم}

نيويورك: علي بردى

حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من حصول مواجهة «أكثر خطورة ولا يمكن التنبؤ بعواقبها» في إدلب وما يحيط بها في شمال غربي سوريا بعد وقوع صدامات عسكرية بين القوات التركية وتلك التابعة لحكومة الرئيس بشار الأسد، مطالباً بـ«وقف فوري للنار» وبـ«إنهاء الكابوس الإنساني» للشعب السوري.

وقال الأمين العام للمنظمة الدولية للصحافيين في نيويورك، إن الأزمة التي تتكشف في شمال غربي سوريا أدت إلى «خسائر بشرية فظيعة بين المدنيين»، مشيراً إلى فرار نحو 900 ألف شخص، أكثرهم من النساء والأطفال، من القتال الأخير «في ظل أكثر الظروف مأساوية». وأضاف أن «المئات قتلوا. وجرى اقتلاع كثيرين مرات عدة. الأطفال يتجمدون حتى الموت».

ولاحظ أن «القتال يقترب الآن من مناطق فيها تجمعات أكبر من الناس، وبينهم النازحون»، ما «يهدد بخنق شريان الحياة الإنسانية»، مؤكداً أنه «يجري تجاهل القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين بشكل منتظم».

ولفت إلى أنه «مع تقلص مساحة الأمان أكثر فأكثر، تزداد المعاناة الإنسانية سوءاً»، كاشفاً أن «نحو 2.8 مليون شخص في شمال غربي سوريا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية». وأوضح أنه يدرس توجيه «نداء عاجل» للمانحين من أجل جمع 500 مليون دولار إضافية لتغطية حاجات النازحين الجدد خلال الأشهر الستة المقبلة.

وإذ وصف التطورات على الأرض بأنها «تزداد خطورة»، ذكر بأن منطقة خفض التصعيد في إدلب أنشئت عام 2017، لكن ترتيباتها بدأت في التعثر منذ فبراير (شباط) 2019. وتطورت هذا الشهر مع وقوع «اشتباكات قاتلة متكررة بين القوات التركية وقوات الحكومة السورية».

واعتبر أن «كل هذا يعني أنه بالإضافة إلى الوضع الإنساني الدراماتيكي والمتدهور، نحن أمام خطر مواجهة أكثر خطورة مع عواقب لا يمكن التنبؤ بها». وطالب بما سماه «كسر الحلقة المفرغة للعنف والمعاناة»، مذكراً بأنه دعا مراراً إلى «وقف فوري للنار في إدلب وإنهاء الكارثة الإنسانية».

ورأى أنه ينبغي الآن «تجنب تصعيد لا يمكن السيطرة عليه». وإذ شدد على أنه «لا يوجد حل عسكري للأزمة السورية»، طالب بـ«وقف هذا الكابوس الإنساني (…) للشعب السوري الذي طالت معاناته. يجب أن يتوقف الآن».

في غضون ذلك، حذر الناطق باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» في جنيف ينس لاركيه من اشتداد المعارك في شمال غربي سوريا وزحفها إلى المخيمات التي لجأ إليها النازحون والمواقع المجاورة لها.

ودعا إلى «وقف فوري للنار لمنع المزيد من المعاناة»، معبراً عن خشيته من «حمام دم». وأضاف أنه يوجد حالياً 900 ألف نازح؛ 60 المائة بينهم أطفال ومعظمهم يقيمون في مناطق تزداد اكتظاظاً بالنازحين يوماً بعد يوم، لا سيّما في المناطق القريبة من الحدود بين إدلب وتركيا.

وقال إن «ثلث النازحين، أي 330 ألف شخص، فرّوا إلى مناطق في شمال محافظة حلب المحاذية لإدلب»، مرجّحاً أن «170 ألفاً من النازحين الجدد يقيمون في العراء أو في مبانٍ غير مكتملة»، فضلاً عن «أكثر من 280 ألفاً منهم يقيمون في مخيمات أصلاً مكتظة وتجاوزت قدرتها الاستيعابية، أو في مخيمات مؤقتة، حيث يبنون خياماً بشكل فردي دون أن تتوفر لديهم الخدمات الأساسية مثل المراحيض».

————————-

تحذير أممي من «حمام دم» شمال غربي سوريا، تباين روسي ـ تركي حول اتصال إردوغان وبوتين بشأن إدلب

نازحون سوريون في مسجد بمخيم دير البلوط الواقع في عفرين بريف محافظة حلب قرب الحدود مع تركيا أمس (أ.ف.ب)

نيويورك: علي بردى ـ موسكو: رائد جبر

بالتزامن مع تحذير أطلقته الأمم المتحدة أمس من «حمام دم» في شمال غربي سوريا، أجرى الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان اتصالا هاتفيا لبحث الأوضاع المتدهورة في إدلب التي فاقمت في الأيام الأخيرة التوتر بين موسكو وأنقرة.

وأعرب الناطق باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» في جنيف، ينس لاركيه، عن القلق من اشتداد المعارك في إدلب وزحفها إلى المخيمات التي لجأ إليها النازحون والمواقع المجاورة لها، داعيا إلى «وقف فوري للنار لمنع المزيد من المعاناة»، معبراً عن خشيته من «حمام دم».

إلى ذلك، خرجت الرئاستان الروسية والتركية ببيانين متباينين عما دار خلال الاتصال الهاتفي بين بوتين وإردوغان. بيان الكرملين أوضح أن بوتين أعرب خلال الاتصال عن «قلقه البالغ» إزاء «الأعمال العدوانية» للمتشددين في منطقة إدلب, وأن الرئيسين اتفقا على «تعزيز المشاورات الثنائية حول إدلب, بهدف خفض التوتر، وإرساء وقف لإطلاق النار والقضاء على التهديد الإرهابي».

من جهتها، قالت الرئاسة التركية إن إردوغان أكد لبوتين «ضرورة كبح النظام (السوري) في إدلب, وأن الأزمة الإنسانية يجب أن تنتهي»، وأكد أن الحل يكمن في العودة إلى اتفاق سوتشي الموقع في العام 2018، والذي أتاح لتركيا إقامة نقاط مراقبة عسكرية في إدلب, بهدف ردع أي هجوم للنظام السوري على المنطقة.

—————————-

إدلب.. غارات وتعزيزات عسكرية ووزيرا دفاع تركيا وروسيا يبحثان الوضع هاتفيًّا

دفع الجيش التركي اليوم السبت بتعزيزات جديدة نحو سوريا وأدخل رتلا عسكريا كبيرا إلى عمق محافظة إدلب، بينما أفادت وزارة الدفاع الروسية بأن الوزير سيرغي شويغو بحث مع نظيره التركي خلوصي أكار هاتفيا الوضع الميداني في المحافظة.

وقال الدفاع المدني السوري في مناطق المعارضة إن طائرات روسية شنت غارتين جويتين على بلدة البارة في جبل الزاوية بريف إدلب. وأضاف أن النظام السوري قصف بالمدفعية الأحياء السكنية في البلدة بأكثر من 40 قذيفة منذ الليلة الماضية، وأن البلدة شبه خالية من السكان بسبب كثافة القصف.

يشار إلى أن قرى وبلدات جبل الزاوية تعرضت في الفترة الأخيرة لدمار واسع، مما أسفر عن حركة نزوح كبيرة باتجاه الحدود السورية مع تركيا.

من ناحية أخرى، أتمت فصائل المعارضة السورية -المدعومة من أنقرة- أمس الجمعة صفقة تبادل أسرى مع قوات النظام في ريف حلب الغربي، وفق مصادر محلية.

وأفادت المصادر بأن النظام أطلق سراح اثنين من مقاتلي المعارضة أسرهما خلال معارك وقعت غربي حلب قبل ثلاثة أسابيع، مقابل جثة عنصر من قوات النظام يعمل تحت إمرة الحرس الثوري الإيراني، موضحة أن صفقة التبادل تمت بوساطة الهلال الأحمر السوري.

تكثيف التشاور

سياسيا، اتفق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان أثناء اتصال هاتفي بينهما أمس، على تكثيف التشاور للتوصل إلى وقف إطلاق النار في محافظة إدلب السورية، وفق بيان للكرملين.

وحض الرئيس التركي نظيره الروسي على “كبح” قوات النظام التي تشن هجوما -بدعم روسي- في المحافظة، مؤكدا “ضرورة أن تنتهي الأزمة الإنسانية”، وفق بيان للرئاسة التركية.

 وقال أردوغان لبوتين إن الحل يكمن في العودة إلى اتفاق سوتشي الموقع عام 2018، والذي أتاح لتركيا إقامة نقاط مراقبة عسكرية في إدلب بهدف ردع أي هجوم للنظام السوري على المنطقة.

من جهته، أعرب بوتين خلال الاتصال عن “قلقه البالغ” إزاء “الأعمال العدوانية للإرهابيين” في إدلب.

وقبيل الاتصال مع الرئيس الروسي، تباحث أردوغان هاتفيا مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بشأن الوضع في إدلب، ودعاهما إلى “اتخاذ خطوات ملموسة من أجل منع كارثة إنسانية”، حسبما أفادت به الرئاسة التركية.

مساعدات إنسانية

على صعيد آخر، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمس الجمعة لوقف إطلاق النار فورا في إدلب، تجنبا “لتصعيد لا يمكن السيطرة عليه”.

وقال غوتيريش -خلال مؤتمر صحفي في نيويورك- “رغم اتفاق خفض التصعيد شهدنا أعمالا قتالية خطيرة من قبل الحكومة السورية مدعومة بغارات روسية.. العمليات تقترب من المناطق الأكثر اكتظاظا بالسكان، مع تجاهل حماية المدنيين”.

وأكد ألا حل عسكريا للأزمة السورية، مشيرا إلى أن أكثر من 900 ألف مدني نزحوا من مناطق القتال أغلبهم نساء وأطفال، وأن نحو 1.8 مليون سوري يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة.

المصدر : الجزيرة + وكالات

———————-

إدلب.. احتدام المعارك وتلويح تركي بإمكانية استخدام منظومة باتريوت

أفادت وزارة الدفاع التركية بأن جنديين تركيين قتلا وأصيب خمسة آخرون في ضربات جوية نفذتها قوات النظام السوري قرب إدلب، مؤكدة أنه تم الرد على الهجوم وقتل أكثر من خمسين جنديا سوريا. يأتي ذلك بينما قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إن الولايات المتحدة قد ترسل صواريخ باتريوت إلى بلاده بعد مقتل الجنود الأتراك، مستبعدا أي مساندة برية من القوات الأميركية.

وقالت الوزارة -في بيان- إن ردها على هجوم قوات النظام السوري دمر أيضا خمس دبابات ومدرعتين لنقل الجنود وشاحنتين مدرعتين ومدفع هاوتزر.

وجاءت هذه التطورات بعد ساعات فقط من إطلاق الجيش الوطني التابع للمعارضة السورية -بمساندة الجيش التركي- هجوما بريا جنوب شرقي إدلب من عدة محاور تحت غطاء مدفعي وصاروخي كثيف، وبعد يوم فقط من إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن شن عملية تركية في إدلب لم يعد سوى “مسألة وقت”.

وقد مكّن الهجوم قوات المعارضة -وفق ما نقله مراسل الجزيرة- من السيطرة على أجزاء من مدينة النيرب.

وأكد وزير الدفاع التركي خلال مقابلة مع تلفزيون “سي.أن.أن ترك” أن بلاده وروسيا تجريان مناقشات بشأن استخدام المجال الجوي السوري في محافظة إدلب، مشيرا إلى أنه يمكن التغلب على المشكلة إذا “تنحت” موسكو جانبا.

 وأكد أكار أنه سيتم “بلا شك” تفعيل أنظمة صواريخ “أس 400” الروسية، مضيفا أن المسؤولين الروس والأتراك في إدلب أجروا حوارا جيدا، وأن بلاده لن تقبل بأي مقترحات لنقل مواقع المراقبة الخاصة بها في المنطقة.

من ناحية أخرى، نقلت وكالة الإعلام الروسية عن وزارة الدفاع الروسية قولها إن من اعتبرتهم “متشددين مؤيدين لتركيا”، اخترقوا دفاعات الحكومة السورية في منطقتين بمحافظة إدلب.

وأكدت الوكالة أن سلاح الجو الروسي نفذ ضربات استهدفت المخترقين، كما دعت وزارة الدفاع الروسية أنقرة إلى وقف دعمها للجيش الوطني التابع للمعارضة السورية.

وقالت في بيان إن الجيش الروسي يدعو “الجانب التركي إلى وقف دعم أعمال مجموعات إرهابية وتسليحها”، منددة بضربات مصدرها مواقع تركية أدت الى إصابة أربعة جنود سوريين بجروح.

طريق مسدود

على صعيد آخر، قال مصدر تركي رفيع للجزيرة إن المفاوضات بين الجانبين الروسي والتركي بشأن إدلب وصلت إلى طريق مسدود.

 كما قال وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو إنه يصعب المضي في اتفاقي سوتشي وأستانا، مع استمرار هجمات النظام السوري على إدلب. وأضاف أن الاتفاقين لم يتوقفا، لكنهما تعرضا للضرر.

 وكان المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف قد أكد في وقت سابق أن التحضيرات جارية لعقد قمة روسية تركية إيرانية حول سوريا، مشيرا إلى عدم الاتفاق على موعد انعقادها حتى الآن.

 وأضاف بيسكوف أن روسيا أجرت مفاوضات مع الجانب الإيراني حول عقد هذا اللقاء، وأن موسكو عبرت عن موافقتها على تواريخ محددة، مشيرا إلى أنه يجري الآن تنسيق المواعيد بين رؤساء الدول الثلاث.

كانت تركيا وروسيا اللتان تدعمان أطرافا متقاتلة في الحرب المستمرة منذ تسعة أعوام في سوريا، قد فشلتا في التوصل إلى اتفاق بعد جولتي محادثات الأسبوعين الأخيرين.

المصدر : الجزيرة + وكالات

————————–

مظاهرات في إدلب دعما للعملية العسكرية التركية

نايف البيوش

(إدلب)، خرج مئات المتظاهرين في مدينة إدلب يوم الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠، في مظاهرة حاشدة، رفع خلالها المتظاهرون لافتات تندد بجرائم النظام وحليفته روسيا، تأييدا للعملية العسكرية التركية في محافظة إدلب.

تأتي هذه المظاهرات بعد إعلان تركيا عن نيتها شن عملية عسكرية ضد قوات النظام والميليشيات المساندة له بهدف الإنسحاب من المناطق التي سيطر عليها حديثا وتراجعه إلى المناطق والحدود المقررة في اتفاقيات سوتشي وأستانا.

خالد السطيف (39عاما)، أحد المتظاهرين والمهجرين من مناطق ريف إدلب الجنوبي، يشرح لحكاية ما انحكت عن دوافع مشاركته، إذ يقول: “لم يبقى لدينا مكان  نلجأ إليه، حتى المناطق الشمالية، والتي تعد آمنة نسبيا بالنسبة لمناطقنا، لم تسلم من قذائف النظام وصواريخه، والتي لطالما تتساقط على رؤوس المدنيين الآمنين”.

ويضيف: “لا يمكنني الوقوف متفرجا لما يحصل من مجازر يومية بحقنا، ندعم العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش التركي في إدلب، والتي من خلالها يمكننا العودة إلى مناطقنا وبيوتنا”.

شملت المظاهرات معظم قرى وبلدات ريف إدلب الشمالي حيث رفع المتظاهرون علم الثورة السورية وعلم الدولة التركية إذ لاقت المظاهرات إقبالا كبيرا من الأهالي.

الناشط الإعلامي، مرهف السعيد، 32عاما، يقول: “تركيا هي الدولة الوحيدة التي تقف مع الشعب السوري في إدلب في ظل الصمت العالمي حيال جرائم نظام الأسد، والتي ينفذها ضد الشعب السوري”.

ويتابع: “أكثر من مليون ونصف نازح خرجوا من بيوتهم بفعل طائرات العدوان الروسي وتحت وابل من صواريخ الإجرام معظمهم يفترشون العراء لا ملاذ ولا مأوى، نأمل أن تستطيع تركيا إيقاف زحف النظام باتجاه مناطق وقرى جديدة”.

وتستمر العمليات العسكرية وتقدم قوات النظام وسيطرتها على أجزاء كبيرة من مناطق ريف إدلب الجنوبي وريف حلب الغربي مع استمرار حملة القصف الممنهجة واتباع سياسة الأرض المحروقة مما جبر آلاف العوائل على النزوح نحو مناطق “أكثر أمنا”.

——————–

إبادة السوريين بين صقر السعودية وعطر الإمارات

أثارت صورة بشار الأسد خلال إلقائه خطاب «انتصار» جيشه على ملايين المدنيين من النازحين السوريين ومئات آلاف القتلى والجرحى والمعطوبين والمعتقلين تعليقات شتى، فالطبيب المغرم بالفذلكات اللغوية والمبالغات المفصولة تماماً عن الواقع الكارثي للبلاد التي «يقودها» قرّر هذه المرّة أن يضيف إلى لعبة التقسيم التي أبدعها، بين مواطنين «متجانسين» وآخرين يجب استئصالهم وإبادتهم كي يتم التجانس المطلوب، بعض الرسائل الفكاهية في وقت تحوّلت فيه سوريا إلى جرح عالميّ كبير.

فبدلاً من الاستعراض بعلم النظام السوريّ الأحمر خلفه، قرّر الأسد هذه المرة أن يضع زجاجة عطر كبيرة مهداة من الإمارات العربية المتحدة، على يساره، وصقراً محنطاً أهدته إياه المملكة العربية السعودية، على يمينه، وكلا الهديتين تعودان إلى ما قبل السنة التي بدأت فيها الثورة السورية عام 2011، وبدأت العائلة الحاكمة في سوريا باستخدام «درس حماه» الذي أجري عام 1982، بعيد اجتياح إسرائيل للبنان، والذي تم خلاله معاقبة المدينة على تفكيرها بالثورة على النظام بعملية إبادة جماعية لسكانها، تفننت فيها وحدات «سرايا الدفاع» و«القوات الخاصة» و«الشرطة العسكرية» في فنون القتل والإجرام والتعذيب والاستئصال للأحياء والمشافي ولعائلات بأكملها، وبعدها تفرغ النظام لإكمال مهمة إسرائيل في إنهاء الوجود الفلسطيني في لبنان وتمكن بعد معارك عنيفة من طرد ما بقي من تلك القوات في طرابلس عام 1983، ومعها القائد الفلسطيني ياسر عرفات الذي خرج برفقة 4700 مقاتل وعشرات الجرحى على متن سفينة يونانية ليتم توزيعهم في اليمن والسودان والجزائر.

ألقى الأسد خطابه في الوقت الذي تقوم الميليشيات المحسوبة عليه بالتعامل مع المدن والبلدات والقرى السورية التي تدخلها باعتبارها مناطق محتلّة بحيث يتم اعتقال وقتل من بقي، وسرقة ممتلكات من هربوا من وجه الطغيان، ولا تتورع، كما فعلت مع عجوز، عن القتل ووضع الأقدام على الجثة، ولا عن نبش القبور والتلاعب بما فيها.

من المثير حقّاً أن يتجاهل الأسد هذه الفجائع الكبرى التي تجري في بلاده لإرسال الرسائل نحو السعودية والإمارات، واللتين تظهران بدورهما أشكالاً من الرسائل الإيجابية في إعلامهما، الذي يركز على «التدخّل التركي»، وبوسائل أخرى عسكرية وماليّة، عبر دعم ميليشيات عربيّة وكرديّة معادية لأنقرة، وهو ما يعني إزاحة إجرام النظام غير المسبوق ضد شعبه، لصالح توظيف الإعلام والسياسة في المعارك الإقليمية البائسة والمفتعلة، والتي أدت إلى كوارث حقيقية وعطبت مصداقية المنظومة العربية في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وليبيا وغيرها.

إضافة إلى الفجائع التي يعانيها الشعب السوري بشكل لا يتصوّره العقل، يتصرف الأسد كما لو أنه رئيس بالفعل وليس بيدقاً بيد الروس والإيرانيين، ويريح بذلك نفسه من قضيّة كونه رهينة تتنازعها الأطراف الإقليمية والدولية، وأن بلاده كلها صارت موقعاً كبيراً لتجريب الأسلحة والذخائر والسياسات، فلا صقر السعودية قادر على إخراجه من شبكة العقوبات الكبرى التي أوقع نظامه فيها، ولا عطر الإمارات قادر على إزالة رائحة الدماء والجثث والقتلى عن يديه.

القدس العربي


================================

———————————-

تحديث 23 شباط 2020

ماذا نكتب عن إدلب؟/ زياد ماجد

يخيّم الموت على إدلب منذ أشهر طويلة. يقذفه على الناس وحوشٌ في براميل وصواريخ وحممٍ نارية. ينهمر من الغيم على بيوتٍ ومدارس ومستشفيات. يقطّع أوصال أطفال ومسعفين، ويصيب ملاعب ومخابز ومخابئ، ويحوّل مدناً وبلدات إلى ركام ودخان.

يغدر الموت في إدلب بالناس كل يوم. يسابق خبزهم في الصباح الباكر، ثم يأتيهم في الظهيرة ويحوم فوق مخادعهم إن ناموا. يطوي بثقله بيوتاً ويسحق أهلها وذكرياتهم تحت حطامها المهول.

يطرد الموت في إدلب الأحياء من ديارهم، من أعمارهم وبقايا آمالهم. يُحيل وجوههم إلى خرائط للدموع والمآسي، ويملأ طرقات يوميّاتهم السابقة بأرتال من السيارات والآليات المحمّلة بظلالهم وبعض حاجيّاتهم والكثير من الغبار.

يخيّم الموت على إدلب ولا يفاجئنا أمره. لا تثير فينا فظائعه وعذاباته واستهدافاته أسئلة وذهولاً يُفترض أن تثيره في البشر العاديّين. لم يعد صقيعه الذي نراه على شفاه الفتاة المزرقّة وفي عينيها المحدّقتين بالفراغ يبعث على التساؤل عن كيف يمكن لذلك أن يحدث وأن يستمرّ لأشهر، لسنوات… كأن كلّ ما نشهده كان متوقّعاً. كنا ندرك سلفاً حصوله ونحاول تأجيل إشعال الكمبيوتر كي لا نُتيح بثّاً حيّاً يجعله إيقاع يوميّاتنا من جديد. فقد عشناه في حلب، وفي حمص، وفي الغوطتين، وفي اليرموك ودرعا والزبداني ومضايا، وفي المناطق المتناثرة والمنسية على ضفاف الفرات.

ثم نحاول الكتابة. نحاول تعويض الصراخ بالطباعة على “كيبورد” وبتقريع العجز الذي يرافقنا منذ سنوات.

كأننا أمام واجب. أن نكتب على الأقلّ مرّة عن إدلب وعن انطفاء ناسها. أن نقول إننا لم نتعب. أن نتابع تطوّرات الميدان ونبحث في الخرائط، التي لا عرقَ نساء يقطفنَ الزيتون فيها ولا وقع أقدام أولاد يسابقون الكرة، عن مسار طريق “M5” و “M4” وعن رقع الانتشار العسكري الحمراء والخضراء المتبدّلة شرقاً وغربا. أن نُجيب بين مقطع وآخر عن أسئلة هاتفية يطرحها متذاكٍ “لا يكتفي بظواهر الأمور” بل يحلّل في شؤون “فتح الشام” و”اتفاق سوشي” و”ديناميات العلاقة المتوتّرة بين تركيا وروسيا” و”أشكال الانخراط الإيراني في القتال بعد قاسم سليماني”.

لكن إن كتبنا فعلياً، فماذا نقول اليوم عن إدلب؟ ومن نخاطب؟ رأياً عاماً قد توقظ حميّته أصابع أطفال ترتجف من البرد والفزع أو جثث إضافية تُدفن في مقبرة جماعية اسمها سوريا؟ أم مسؤولين ما زالوا يدعون لضبط النفس وتهدئة الأمور وتجنيب المدنيين أهوال القتال والتفاوض على دستور وحلّ سياسي؟ أم تافهين ومنافقين يتساءلون عن المؤامرات والمكائد ولا يرون الموت المحلّق فوق البشر الهائمين وغدر طائراته وأَعلامَها وشعاراتها القميئة؟

أم نكتب لنشدّ أزر أصحابنا ممّن “كأنّ على رؤوسهم الطير” مثلنا؟ أم ليقرأنا يوماً مشرّدون أضناهم الجوع وأطفال ظنّوا الحياة كلّها هرباً من السماء، فيقولوا إننا ذكرناهم خلال تيههم وعرضنا كلماتنا وصورهم في صحف ومجلّات؟

ما الذي يمكن قوله عن سوريا ولم يُقل بعدُ خلال السنوات التسع الماضية؟ عن القتل والقتَلة، وعن الكيماوي والاغتصاب والتعذيب والتهام الجثث والتعفيش والتهجير ومصادرة الأراضي، وعن جدوى العالم وسقوط “المجتمع الدولي” وعن الإعدام الوحشي للضحايا الذين أرادوا حياة عادية ينظرون فيها إلى أعلى فلا يرون إلا الغيم والطيور والنجوم؟ وعن المقاومة والأطباء والمدرّسات والمقاتلين والمصوّرين واللاجئات العاملات في مخيّمات متناثرة؟ أو عن ضحكة تلك الطفلة الجميلة التي يُبعد والدها الخوف عنها محوّلاً أصوات الانفجارات إلى لحظات مرح وحياة؟

لكن ماذا لو أنهينا الكتابة وأطفأنا الأنوار، وسقطت القذائف التالية على الطفلة الضاحكة ووالدها؟ أو على الأولاد في الغرفة المجاورة لهما؟ هل كان أمر ما ليتغيّر؟ وهل كانت سوريا لتبقى مطحنة الضحكات والغصّات والتقارير والمقالات التي تتراطم وتتوالى ويبتلعها موت لا يشبع؟

مع ذلك، ترانا نكتب. ربما لسببين أو ثلاثة. مسحاً لعار شخصي، أو بالأحرى تأكيداً له. عار العجز عن فعل شيء آخر غير المثابرة على التحديق في فجيعة نلملم بعد كلٍّ من حلقاتها أنفسنا، فنغسل عيوننا من أشلاء ضحاياها، لنكمل أيامنا ونطوي إلى حين غضبنا وقهرنا وحقدنا.

نكتب أيضاً انتصاراً لسردية ناس نراهم من بعيد وقد فاضت دموعهم ودماؤهم وأحزانهم عن أرواحهم بصمت، ويحاول أنذال تمزيق صورهم وخنق نظراتهم ودفنها تحت اعتبارات “علاقات دولية” و”مصالح” و”جهاديين” و”خوف من لاجئين”.

ونكتب أخيراً كي لا تكون حصانة المجرمين المعروفين بلا شهود. بلا مسائلين لها وللصامتين عليها أو المتواطئين معها. ففي كراهية هؤلاء واحتقارهم ما يعيننا على الأرجح على الاستمرار…

في أواخر العام 2012، وبعد معركة تحرير مدرسة المشاة في حلب من عصابات النظام الأسدي، قال قائد المعركة الظافرة العقيد الشهيد يوسف الجادر أبو فرات إنه حزين. حزين على القتلى من الطرفين وعلى الدبابات المحروقة والعتاد المدمّر. وأردف تساؤلاً بدا ساذجاً، لكنه كان في الواقع التلخيص الأبلغ والأصدق للمأساة السورية يومها: “بتتمسّك بالكرسي يا إبن الحرام؟ بتتمسّك بالكرسي، ليش؟”.

ليس ما يجري منذ ذلك التساؤل وحتى الآن أكثر تعقيداً من الجواب المباشر عنه، رغم تضاعف الأهوال وتزايد الأوغاد ورقصهم فوق القبور.

كاتب وأكاديمي لبناني

القدس العربي

———————-

تصعيد إدلب: في فرضية الحرب التركية الروسية المنتظرة/ منهل باريش

تكررت حادثة قصف الجيش التركي من قبل القوات الروسية وقوات النظام السوري، يوم الخميس الماضي غرب مدينة إدلب، بعد أن استهدفت المدرعات التركية أمام مدينة العاب الرابية الخضراء غرب بلدة النيرب، في الخامس من شباط/فبراير الجاري، وقتل جنديين تركيين وجرح خمسة في نقطة انتشار للجيش التركي قرب بلدة قميناس قرب إدلب.

ونقلت وكالة “سبوتنيك” عن مصدر عسكري يتبع قوات النظام أن كتيبة الـ م/د “دمرت أربع دبابات وست عربات مدرعة تركية على محور النيرب”. وأكد المصدر أن “وحدات المدفعية والصواريخ وجهت ضربات مدفعية باتجاه مصادر الإطلاق”. مضيفا أن القصف المدفعي “تزامن مع تنفيذ الطيران الحربي السوري والروسي سلسلة غارات استهدفت خطوط إمداد المسلحين”.

ما يشير إلى ضلوع القوات الروسية وراء الهجوم على النقطة العسكرية التركية، ويتقاطع التصريح مع الشريط المصور الذي بثه إعلام النظام والذي التقط بواسطة طائرة استطلاع روسية ترصد القصف المدفعي المركز على نقطة الجيش التركي قرب النيرب في الأسبوع الأول من هذا الشهر. وكذلك تناقلت حسابات لراصدين عسكريين، لقطة مأخوذة من الجو، قيل إنها للقصف الذي استهدف نقطة الجيش التركي قرب قميناس يوم الجمعة.

وشنت فصائل المعارضة السورية هجوما يوم الخميس بهدف استعادة بلدة النيرب الإستراتيجية والواقعة على طريق حلب-اللاذقية بين مدينتي أريحا وسراقب. وتمكن مقاتلو المعارضة من التوغل والسيطرة على البلدة للمرة الثانية خلال أسبوع، لتعود قوات النظام وتتمكن من السيطرة عليها بعد ساعات.

وشنت المدفعية قصفا صاروخياً ومدفعياً ظهر الجمعة على مواقع قوات النظام في النيرب والمحور الممتد بين بلدة سرمين وآفس شمال غرب سراقب، واستمرت مدفعية النظام بالقصف العشوائي على القرى والبلدات القريبة من خطوط التماس بين الطرفين.

ودَعت وزارة الدفاع الروسية تركيا لـ”وقف دعم الفصائل السورية ووقف تزويدها بالأسلحة” وبررت قصفها الجوي على محافظة إدلب بـ”خرق الفصائل المسلحة” لدفاع قوات النظام.  ونقلت وكالة الإعلام الروسية عن وزارة الدفاع أنها “أوقفت الضربات المدفعية على قوات الحكومة السورية بعدما تواصلت موسكو مع أنقرة” الأمر الذي نفته المصادر التركية.

واتهمت وسائل إعلام روسية تركيا بإغلاق مجالها الجوي، أمام الطائرات العسكرية الروسية، على خلفية الأوضاع في منطقة “خفض التصعيد” في إدلب شمال غربي سوريا، عازية ذلك إلى فشل المباحثات بين وفدي البلدين في موسكو حول إدلب. وعنونت صحيفة “ننيزافيسيمايا غازيتا” خبرها الرئيسي “أنقرة ستغلق المضيق أمام روسيا” واصفة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بأنه “تخلى عن تأييد خطط روسيا فيما يخص حل مسألة إدلب”.  وأشارت الصحيفة إلى أن “أنقرة لم تسمح بعبور طائرة نقل عسكرية من طراز Tu-154 ومقاتلتين سوخوي-24 من أجوائها وهي في طريقها إلى حميميم”. ونوهت إلى أن “طائرة للحرس الوطني الروسي غيرت مسارها وعبرت من فوق بحر قزوين وإيران والعراق”. محذرة من إغلاق تركيا “مضيقي اسطنبول وجناق قلعة، أمام السفن الروسية التي تقل مستلزمات عسكرية إلى سوريا، عبر البحر الأسود.”

في سياق التوتر، طلبت أنقرة من واشنطن نشر منظومة باتريوت قرب الحدود مع سوريا، الأمر الذي لم يتم حسمه بعد. وأكد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار وجود تهديدات صاروخية موجهة نحو تركيا، كما أن أمين عام الناتو لديه تصريحات بهذا الصدد.

وعن تحرك الناتو لمساندة تركيا إثر توتر الأوضاع مع روسيا في إدلب، نفى أكار أن يكون هناك دعم بالجنود على الأرض في إدلب أو أن يكون للناتو أي خطط وتحركات خلال الأيام المقبلة، مشيرًا إلى إمكانية أن تقدم دول أوروبية أخرى بطاريات باتريوت” في الوقت ذاته لفت أكار إلى أن عملية تركيب وتدريب الكوادر التركية متواصلة على منظومة الدفاع الجوي إس -400 التي اشترتها بلاده من روسيا. وستكتمل عملية نصب المنظومة والتدريب في الربيع المقبل.

وسرعت تركيا وتيرة إرسال جنودها إلى إدلب، وارتفع عدد الجنود من 1200 العام الماضي، ليصل إلى عشرة آلاف جندي خلال الشهر الجاري، ودفعت بنحو ألفي آلية عسكرية منذ مطلع العام. وأصبح عدد النقاط التركية 21 نقطة مراقبة ومعسكر بدل الـ 12 نقطة مراقبة التي نشرتها إبان توقيع اتفاق “خفض التصعيد” وهي أكبر قوة عسكرية تركية مقارنة بالقوات التركية المنتشرة في عفرين أو “درع الفرات” أو تل أبيض، كل على حدة.

وتعكس حدة التصريحات وتصاعدها حجم الخلاف السياسي بين الضامنين في مسار أستانا، تركيا وروسيا، ولكنها بطبيعة الحال، لا يمكن أن تتطور إلى حرب واسعة النطاق بين النظام السوري وتركيا، رغم محاولة تركيا فرض رؤيتها للحل في إدلب، فمن غير المستبعد أن تدعم فصائل المعارضة لشن هجمات متكررة على مناطق استراتيجية، على غرار الهجومين الأخيرين على بلدة النيرب.

على صعيد الروسي، وفي محاولة تجنب الغضب التركي والحفاظ على التقدم الميداني، تفضل قيادة العمليات الروسية في سوريا فتح محور هجوم جديد، يكون بعيدا قليلاً عن كثافة التواجد العسكري التركي ويتجنب مزيداً من الاشتباك بين القوات التركية وقوات النظام، ولا يورطها بقتل الجنود الأتراك من خلال القصف المركز والمباشر من قبل الطيران الروسي. وهنا، يُرجح اشتعال جبهات ريف معرة النعمان الغربية والتوجه غربا باتجاه المحور الواصل بين بلدتي البارة وكفرنبل، ويشكل هذا المحور خطورة على المعارضة، فهو ذات التكتيك المتبع في محاصرة سراقب ومعرة النعمان وريف حلب الغربي، وفي حال التقدم والسيطرة على كفرنبل، سيتقدم النظام غربا باتجاه كفرعويد، وتصبح قواته مطلة على سهل الغاب وترصد نقاط سيطرة المعارضة بالكامل وستنهار جبهات ريف حماة الشمالي بالكامل، وتعجل انسحاباها كي لا تقع في الحصار. ويعزز تلك الفرضية عاملان: الأول هو رغبة روسيا السيطرة على السفح الغربي لجبل الزاوية، وهو المكان الذي حددته وزارة الدفاع الروسية لوفد استانا سابقا، كمصدر للهجمات ضد مطار حميميم بطائرات درون الموجهة. والثاني هو عدم مقدرة قوات النظام على خرق تلة الكبانة وسهل الغاب بالهجوم عليها من مناطق السيطرة، فيكون الإلتفاف عليها من سهل الغاب، شرقاً أقل كلفة من فتح الهجوم من محور آخر.

وتبقى علاقة الضرورة بين روسيا وتركيا هي الأساس بضبط النفس وعدم الانجرار إلى ارتكاب خطأ كبير، مثل إسقاط طائرة روسية، في حين تتسامح موسكو مع الهجوم على طائرات النظام المروحية، ومقتل جنوده. وبخلاف الحديث عن طلاق في العلاقات الروسية التركية، فإن ما يجمع الجانبين أكثر مما يفرقهما بكثير.

وتتمسك أنقرة بالعلاقة الروسية ليس من أجل الحفاظ على مناطق نفوذها الأنية في إدلب وريف حلب الشمالي، وانما تتعداها لحاجتها في الضغط على وحدات “حماية الشعب ” الكردية في شرق الفرات، وهو الأكثر أهمية لتركيا كونه التهديد الأكبر على أمنها القومي، كما ترغب في تصنيفه. إضافة لعدة أسباب أخرى، مثل حجم التبادل التجاري بين الدولتين، ومحطة مرسين النووية التي تبنيها روسيا، وخط السيل الذي ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا.

في النهاية، سترضى تركيا بمنطقة صغيرة تستوعب المهجرين على الشريط الحدودي. أما الحديث عن حرب، يشتهيها المبعدين من بيوتهم، فهي مفهومة في ظل الانكسار الحاصل، لكنها غير مفسرة في العلاقات الدولية أو في ظل المصالح الروسية التركية الاستراتيجية، فتركيا أدارت ظهرها إلى الغرب منذ تخلي الأخير عنها نهاية 2015 عقب إسقاط طائرة السوخوي الروسية، وتكرست القطيعة مع الصمت الأمريكي وشبهة التواطؤ في محاولة الانقلاب على اردوغان.

القدس العربي

—————

إدلب والتعقيدات التركية/ حسام كنفاني

يلوم كثيرون المسؤولين الأتراك، وفي مقدمتهم الرئيس رجب طيب أردوغان، على كثرة التهديدات في ما يخص مواجهة اجتياح قوات النظام السوري قرى ريفي إدلب وحلب، واقترابها من إدلب المدينة، من دون أن يكون لهم قدرة حقيقية على تنفيذ هذه التهديدات، والدخول فعلياً في اشتباكاتٍ مع قوات النظام. حسابات عدم القدرة، أو الخشية من مخاطر هذه المواجهة، باتت معروفة، ويأتي على رأسها احتمال الصدام المباشر مع القوات الروسية في هذه المنطقة، وخصوصاً أن الأخيرة مساهمة بشكل جدّي في الاجتياح الذي ينفذه النظام، وهي لا تنكر ذلك، بل تدافع عنه، وترفض طلب تراجع القوات السورية إلى حدود مناطق خفض التصعيد التي كانت اتفقت عليها مع تركيا.

تدرك أنقرة جيداً أن مشكلتها الحالية ليست مع النظام السوري، وإن كانت توجه له من دون غيره سهام الانتقاد والتهديد، بل هي بشكل مباشر مع موسكو، الراعية الرسمية للحملة السورية الحالية، وربما المخططة لكل العمليات العسكرية التي تقدّم بها النظام في ريفي إدلب وحلب. ومن المؤكد أيضاً أنها تدرك أن روسيا لن تمنحها ما تريد، وأن كل المفاوضات ستتمحور على وقف الحملة وإبقاء الوضع على ما هو عليه، مع احتفاظ قوات النظام وروسيا بالمناطق التي حصلت عليها، وهو أيضا غير مضمون، خصوصاً أن روسيا تطمح لمزيد من التوغل شمالاً، وربما إلى حدود تركيا نفسها. ومن المفترض أن أنقرة تعلم أن حدود الحسابات الروسية تتعدّى سورية إلى ليبيا، بعد التدخل التركي الذي أوقف زحف قوات خليفة حفتر باتجاه طرابلس، وهو ما لم يرض الروس الذين يحاولون الضغط على أنقرة عبر سورية، مدركين أن الوضع هناك يحمل انعكاسات كبيرة على الأمن القومي التركي، تحديداً في حال فتح خطوط الاتصال بين قوات النظام وقوات سورية الديمقراطية التي تصنفها تركيا إرهابية، وتريدها أبعد ما يكون عن حدودها.

من المفهوم أن حسابات المواجهة مع القوات الروسية تمنع تركيا من القيام بأي خطوةٍ ذات فعالية في الداخل السوري، وخصوصا أنه لا سند واضحا حاليا لأنقرة من المجتمع الغربي، ومن حلف شمال الأطلسي الذي يخشى أيضاً الدخول في صدام مباشر مع روسيا في سورية، وهو الذي لم يفلح في مواجهتها عندما كانت على أعتاب أوروبا في أوكرانيا. من المفهوم أنه ليس مطلوبا من تركيا أن تدخل في مواجهة منفردة مع روسيا، وهو ما لم تفعله الولايات المتحدة عندما ضيّقت عليها القوات الروسية الخناق في الحسكة، بل دفعتها إلى التراجع، وهو إلى اليوم ما لم تفعله تركيا، إذ ما زالت تزج بجنود عديدين في الداخل السوري، في محاولة لبعث رسالة سياسية وعسكرية، مفادها أن أنقرة جادّة في تهديداتها، حتى ولو كان الواقع معاكساً لذلك.

الوضع التركي في الداخل السوري معقد، بفعل تعدّد الأطراف الناشطة على جبهة النظام حاليا، فيما يبدو أن تركيا تركت وحيدة في مواجهة التحالف الثلاثي، الإيراني الروسي السوري، ولم تعد تتلقى إلا بيانات التضامن من حلف شمال الأطلسي، الميت أساساً، فيما الولايات المتحدة غير راغبة في التصعيد مع روسيا. مطالب تركيا من الداخل السوري باتت تتقلص، والتفاوض لم يعد على العودة إلى مناطق خفض التصعيد، بل ما دون ذلك بكثير، وهو إبقاء المنطقة الآمنة المتفق عليها سابقا على الحدود.

تعقيدات الوضع التركي مفهومة، ولا أحد يلوم أنقرة على ما وصلت إليه الأوضاع، فهي ليست المسؤولة عن إجرام النظام وروسيا والإيرانيين، لكن اللوم الوحيد هو الاستمرار في رفع سقف التهديدات والأهداف، والتي تعطي آمالاً زائفة لملايين لا يزالون يرون في تركيا منقذاً.

العربي الجديد

——————-

اللاجئون السوريون ودور “الناتو”/ فاطمة ياسين

شعرت كل من فرنسا وألمانيا بجدّية الموقف، عندما تجاوز عدد الذين تركوا بيوتهم في أرياف إدلب وحلب وحماة المليون، بعد الهجوم أخيرا لقواتٍ من النظام السوري، مدعومةً بنيران روسية على هذه الأرياف. تدرك قيادات الدولتين الأوروبيتين أن بلديهما مهدّدان بفيضان جديد من اللاجئين، إذا استمر هجوم النظام المحموم على مناطق الشمال. وهناك تجربة لجوء سوري كبير في كل من فرنسا وألمانيا، نتجت عنها أزمات سياسية واجتماعية، سُلِّطَ عليها الضوء، وتحرّكت مؤشراتُ شعبيةِ الأحزاب صعوداً وهبوطاً، بحسب موقفها من قضية اللاجئين، وربط بعضهم تنامياً للتيارات اليمينية المتطرّفة في أوروبا بشكل مباشر مع قضايا اللجوء، وعبَّر متطرفو أوروبا عن رفضهم مزيدا من اللاجئين. وقد لا يتأخر مواطنو هذه الدول عن إقامة علاقةٍ بين الحادث قبل أيام في مدينة هاناو الألمانية الذي نفذه يميني متطرّف، على مقهى يرتاده مهاجرون، وقضية الهجرة ذاتها. لم يُظهر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أو المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، معاداةً للهجرة، بل قدّما نفسيهما دعاةَ سلام. وتطوَّع ماكرون عبر بعثته الدائمة في الأمم المتحدة لاستصدار قرارٍ لوقف القتال في إدلب، وهو الأمر الذي سيوقف سيل اللاجئين. فشل القرار في مجلس الأمن، لكن ماكرون لم يستسلم، فتواصل إلى جانب المستشارة الألمانية مع كل من الرئيسين، الروسي بوتين والتركي أردوغان في محاولة أخرى للتوافق على وقف الحرب.

“الحل سلمي وليس عسكرياً” كان هذا العنوان الوحيد لكل المؤتمرات والتجمعات الدولية التي عقدت على شرف الحرب السورية، بمن فيهم أصدقاء سورية وجيرانها والأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، ولكن هذا الشعار لم يجد له مكاناً في الواقع. وعجز الجميع عن ابتكار صيغة عملية لتنفيذه، أو تغاضى من يمكنه فرضه عن واجبه، فاستمرّت الحرب، منتجة العدد الأكبر من اللاجئين، عبر تاريخ الحروب الحديثة. والفصل الحالي المسمى فصل إدلب ضمن سيناريو هذه الحرب ليس استثناءً، فالنظام أشعل المعارك عقب اختتام أول جولةٍ من جولات اجتماعات اللجنة الدستورية.

الوضع الراهن الذي تدعوه وسائل الإعلام الفصل الأخير مرشحٌ لإنتاج مزيد من اللاجئين وهم من تخاف أوروبا هجومهم الديمغرافي، على الرغم من أن المليون نسمة الذين تركوا منازلهم في الأيام الأخيرة ما زالوا على الأرض السورية، ولكنهم يقتربون أكثر من الحدود التركية، كلما ازداد الضغط على إدلب ومحيطها.

قد يكون ما فعلته فرنسا لتجنيب أوروبا مزيدا من اللاجئين باللجوء إلى مجلس الأمن مضيعة للوقت، في ظل وجود روسيا وموقفها المعروف. ولكن يمكن لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أن يلعب دوراً رئيساً في لحظة إدلب التي يجب أن تتحوّل إلى لحظة (الناتو)، فهجوم النظام والروس على إدلب بدواعي وجود الإرهاب يخلق تهديداً مباشراً لتركيا، وحدودُها على بعد خطواتٍ من إدلب، وهي العضو المهم والمؤثر في هذا الحلف. وعلى الرغم من أن تركيا أدخلت بالفعل معدات وقطعات عسكرية ضخمة إلى إدلب، إلا أنها بمساندة فعلية من “الناتو”، ستكون أكثر حسماً وقوة في مواجهة الروس.

حتى الآن، لم يُبدِ “الناتو” أكثر من ردّات فعل متعاطفة مع تركيا، ولم يسجل أي تحرّك لقواته، ولم تسمع لمسؤوليه تصريحاتٍ واضحةً تفيد بأنه مستعدٌّ للتحرّك. ولكن تركيا طلبت، في حركة استباقية، من الولايات المتحدة نشر بطاريات صواريخ باتريوت على حدودها مع سورية، وهو الأمر الذي حدث في منتصف العام 2013، لكن ضمن إطار حلف الناتو. أما هذه المرة فطلب الصواريخ كان من أميركا، وهي إشارة مزدوجة ترسلها تركيا، الأولى إلى حلف الناتو، لتذكيره بمهامه الدفاعية عن أعضائه، والثانية إلى أميركا التي لطالما ربطت تزويد تركيا بصواريخ باتريوت بإلغاء صفقة إس 400 الروسية. بهذا فقط يمكن إيقاف نكبة السوريين، وسيل اللاجئين المستمر، وليس عن طريق منابر الأمم المتحدة وخطبها.

العربي الجديد

——————–

هل تنفذ تركيا تهديداتها في إدلب؟/ عمر كوش

بات الوضع في إدلب (شمال سورية) مفتوحاً على كل الاحتمالات، بعد زيادة منسوب التوتر الروسي – التركي، سواء باتجاه مواجهة عسكرية مفتوحة ما بين القوات التركية ونظام الأسد، وذلك في حال عدم سحب نظام الأسد قواته، وتنفيذ الرئيس التركي، أردوغان، تهديده له، أم باتجاه التوصل إلى تفاهم لوقف الهجمات العسكرية التي تقودها روسيا إلى جانب نظامي الأسد وإيران، ثم وضع ترتيب جديد للمنطقة ما بين الأتراك والروس وفق تفاهمات جديدة. ولكن يبدو أن أجندات الطرفين باتت متباعدة ومتعارضة، ولذلك لم تثمر الاجتماعات التفاوضية بينهما عن تقارب ملموس، إذ لم يتمكنا من إعادة رسم مناطق النفوذ والسيطرة بينهما في الشمال السوري، الأمر الذي قد يفتح المجال باتجاه الدخول في دهاليز مماحكات وصراعات ساخنة ما بين الساسة الروس ونظرائهم الأتراك على الأرض السورية، وعلى سواها، عبر فتح معارك جديدة، قد لا تتوقف في إدلب، بل قد تمتد إلى مناطق عفرين وتل أبيض ورأس العين، وسوى ذلك.

وليس هناك مؤشرات على ترجيح أحد السيناريوهات على الآخر، سواء باتجاه زيادة التصعيد أم التهدئة وخفض التوتر، لكن معادلات جديدة تشكلت، بعد أن رسمت المعارك خرائط جديدة على الأرض السورية، أعلنت عن نهاية التفاهمات الروسية التركية، واستدعت التفاتة تركيا باتجاه الولايات المتحدة، الحاضر الغائب في الملف السوري، والتي أبدت موقفاً داعماً لتركيا، وأنها لن تسمح للروس بالانفراد بما باتت تسمى “الكعكة السورية”، إن صحت تسميتها بالكعكة، بدل الخرابة السورية الكارثية. ولكن على الرغم من أن التصريحات الأميركية عن وقوف الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) عموماً إلى جانب الحليف التركي التاريخي، لا توحي بأنها تُبني أساساً لإعادة الحليف المارق إلى حضنها ورعايتها، من باب الوقوف إلى جانبه في مواجهة الدب الروسي الهائج.

وعلى الرغم من التوتر المتزايد بين الساسة الروس والأتراك في إدلب، إلا أن التفاهمات التركية – الروسية تحكمها جملة مصالح مشتركة، تتقاطع أحياناً وتتباين أحياناً أخرى، ولكن سقوط جنود أتراك قتلى على يد قوات نظام الأسد، واستمرار الهجمات التي تقودها روسيا في إدلب وريف حلب الغربي أفضى إلى تغيير الأتراك سياستهم، عبر التلويح بالخيار العسكري، وإرسالهم تعزيزات عسكرية غير مسبوقة إلى تلك المناطق، تُنذر باحتمالات خوض معارك على جبهات واسعة، تخاض في سياق تثبيت مناطق النفوذ والسيطرة ونقاط المراقبة والإسناد، بانتظار ولادة توافقات جديدة.

ويبدو أن إشراك مليشيات وحدات حماية الشعب (الكردية) في المعارك في ريفي حلب الغربي والشمالي، وقصفها عفرين، أراد منه الروس إيصال رسالة معينة إلى الأتراك، ومعرفة مدى مواجهة عدوها التركي، مع أنه ليس من المستغرب أن تشترك الوحدات الكردية في عمليات قتالية ضده، بالنظر إلى العداء المستحكم مع تركيا، والعلاقات التنسيقية والتكوينية التي تربطها مع روسيا ونظام الأسد، وحتى مع نظام الملالي الإيراني.

ولعل تحرّك الوحدات الكردية المحدود جاء ردّاً منها على خسارتها عفرين، وعلى التوغل التركي في عملية نبع السلام ضدها، بعد سحب إدارة ترامب عددا من جنودها من شمالي سورية الذي اعتبره قادة الوحدات طعنةً أميركية في ظهرهم، لأنه كان بمثابة الضوء الأخضر للتوغل التركي، واتخذوه مبرّراً للتوجه إلى البحث عن خيار آخر، عبر العودة إلى حضن نظام الأسد برعاية النظام الروسي، بغية إيجاد مخرج للوضع الحرج الذي ألم بهم.

ويجادل قادة حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) في سورية (PYD)، الذي يعتبر الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي (PKK)، بأن رفع رايات نظام الأسد، ومن خلفها الرايات الروسية، بدلاً من الرايات الأميركية، ليس ثمرة عودة إلى حضن الأسد، بل هو أهون الشرّين، وأنه يعود عليهم بالفائدة، كونه يؤمّن لهم الحماية من أي هجوم تركي محتمل في المستقبل، خصوصا في مناطق سيطرتهم غربي نهر الفرات، مع أنهم لم يتخلوا عن رفع الرايات الأميركية، على الرغم من كل شيء. فيما ينطلق الساسة الروس من تبرير رعايتهم الوحدات الكردية، بوصفها ورقة، يمكن استخدامها في معاركهم ضد فصائل المعارضة السورية المسلحة المدعومة من الأتراك، في ظل الإصرار الروسي على المضي في نهج القضاء على فصائل المعارضة فيها، وإعادة سيطرة نظام الأسد، مقابل حصول الوحدات الكردية على الحماية الروسية، لكن الأمور على الأرض لا تحدّدها الرغبات والتطلعات، بل تحكمها موازين القوى، والتفاهمات بين القوى الدولية الخائضة في الدم السوري.

وعلى الرغم من التوتر الروسي – التركي، إلا أنه لن يمضي بعيداً، ولن يصل إلى حدّ المواجهة العسكرية المفتوحة مع تركيا لصالح النظام السوري أو سواه. وسبق للأتراك والروس أن دخلوا في صفقات ومقايضات بين إدلب وشرقي الفرات، وبين درع الفرات والقسم الشرقي من حلب وسوى ذلك، وبالتالي من الممكن تماماً أن تقوم تركيا بعملية عسكرية محدودة في إدلب ضد قوات النظام الأسدي، على الرغم من اعتبار ساسة الكرملين أنها ستكون السيناريو الأسوأ. ولذلك سيعمدون إلى المماطلة وشراء الوقت للنظام، والبحث عن ذرائع كي يثبتوا سيطرتهم على المناطق التي تقدموا إليها، وربما ستعقد قمة بين الرئيسين أردوغان وبوتين، ولكن كل السيناريوهات المحتملة هدفها تحقيق مصالح الدول المتدخلة في الملف السوري، ولن تراعي مصالح السوريين، بل ستكون على حساب تفاقم معاناتهم، إذ أفضت الهجمات التي تقودها روسيا أخيرا إلى نزوح أكثر من مليون مدني، تركوا في العراء على الحدود مع تركيا، يتقاذفهم الموت والجوع والمصير المجهول.

العربي الجديد

———————–

أكراد سوريا يقيسون مواقفهم وفق خارطة المصالح

الخطر التركي الداهم يدفع الأكراد إلى حضن نظام الأسد ضمن نهج ترتيب الأولويات الكردي.

في لعبة الأمم الكبرى على الساحة السورية، سعى الأكراد إلى تحقيق جزء من أهدافهم بالتحالف بدءا مع الولايات المتحدة، لكن التحول المتواصل لاستراتيجياتها قربهم من موسكو رغم إدراكهم أن هذه الأخيرة لا تعتبرهم رقما هاما في معادلاتها. هذا التحول والتغير في التحالفات جعلا الأكراد يقيسون مواقفهم وفق خارطة المصالح المرتبطة بغريزة البقاء في مسعى منهم لتجنب الخطر التركي الداهم دائما.

موسكو – تسهل على المراقبين ملاحظة مدى أهمية العامل الكردي في سوريا لدى كل من الولايات المتحدة وروسيا، لأسباب مختلفة بالنسبة إلى البلدين. غير أنه بسبب التوتر الراهن بين موسكو وأنقرة في سوريا، طورت روسيا علاقاتها مع الأكراد الذين باتوا جزءا من الجهد العسكري بالتعاون مع قوات النظام السوري لصد تقدم تركيا وحلفائها من الفصائل المعارضة في شمال سوريا.

ورغم العداء الذي يكنه أكراد حزب الاتحاد الديمقراطي لتركيا، بصفتهم واجهة سورية لحزب العمال الكردستاني بزعامة عبدالله أوجلان، وفق اتهامات أنقرة، فإنهم حريصون على عدم إغضاب الولايات المتحدة التي تطورت مواقفها مؤخرا باتجاه دعم الموقف التركي في سوريا وإدانة السلوك الروسي في هذا البلد.

خارطة المصالح

بيد أن الأكراد يقيسون مواقفهم بدقة وفق خارطة المصالح المرتبطة بغريزة البقاء. وقد تحالفوا مع الولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم داعش ودفعوا دماء غزيرة في أتون تلك الحرب، ويقيمون داخل المناطق التي يسيطرون عليها مخيمات اعتقال تضم مقاتلي داعش.

غير أن الأكراد أدركوا أن هذا التحالف ليس استراتيجيا بالنسبة إلى واشنطن، وأن القرار الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب القوات الأميركية من سوريا بعد مكالمة هاتفية أجراها مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان في ديسمبر 2018، يتركهم لمصيرهم دون أي حماية تدافع عن كيانهم وطموحاتهم السياسية.

وتجاوب الأكراد مع دعوات موسكو لفتح حوار بينهم وبين دمشق، إلا أنهم بقوا متمسكين بشعار “أن ما قبل عام 2011 (عام اندلاع الثورة في سوريا) غير ما بعده”، وأنهم لن يعودوا، كما في السابق إلى حضن النظام المركزي في دمشق.

وتقول تقارير إن الأكراد عبروا في السابق عن قلق من إمكانية أن تسمح روسيا، في محاولة لإبقاء تركيا إلى جانبها في سوريا، لأنقرة بالسيطرة على مدينة كوباني الكردية على الحدود التركية مقابل تنازلات تركية في إدلب. غير أن التطورات الأخيرة رفعت مستوى الارتياح لدى الأكراد الذين باتوا يشعرون بأنه بالإمكان التعويل على علاقاتهم مع موسكو لتحقيق أهدافهم في الأمن كما في السياسة.

ويتلخص الموقف الكردي في المزاوجة بين تعليقهم أهمية على شراكتهم مع الولايات المتحدة في الميدان، لاسيما في شرق الفرات، وتأكيدهم على اعتبار الوجود العسكري التركي تهديدا استراتيجيا لأمنهم. بالمقابل فإن أكراد سوريا وأذرعهم العسكرية -قوات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)- والذين باتوا يعتبرون روسيا الضامن لأي مفاوضات مع دمشق، ما زالوا يشتبهون في أن مصالح روسيا الاستراتيجية قد تقودها إلى استيعابها لتركيا واسترضائها، كما فعلت في عام 2018 عندما وافقت على تولي تركيا السيطرة على عفرين.

دمشق عنوان التسوية

ومع ذلك، فقد تغير ترتيب الأولويات في النهج الكردي منذ عملية ربيع السلام التركية في شمال شرق سوريا في أكتوبر عام 2019. واكتسبت فكرة أن تكون دمشق عنوان التسوية حول القضية الكردية ثقلًا كخيار استراتيجي عام أمام القيادة الكردية للإدارة الذاتية في شمال سوريا وشرقها.

وفي أواخر شهر ديسمبر عقد الروس اجتماعا مع ممثلي الأكراد في قاعدة حميميم الجوية الروسية، ورتبوا بعد ذلك لقاء بين وفد كردي وممثلي الحكومة السورية في دمشق. وأدت المحادثات التي قادها عن الجانب السوري رجل المخابرات الأول، رئيس مكتب الأمن الوطني علي مملوك، إلى اتفاق على تشكيل لجان مشتركة لمواصلة المحادثات ورسم خارطة طريق لمستقبل علاقات الطرفين.

وتتحدث تقارير كردية عن اجتماع عقد قبل ذلك في 15 يوليو 2018 بين وفد من مجلس سوريا الديمقراطية مع مسؤولين سوريين في دمشق لكنه لم يسفر عن شيء، وتلته سلسلة اجتماعات أخرى عقيمة، وعزا مجلس سوريا الديمقراطية فشل تلك الاجتماعات إلى إصرار النظام على العودة إلى أوضاع ما قبل 2011.

وتتحدث التقارير أيضا عن أنه في 19 يناير 2019، زار القائد العام لوحدات حماية الشعب، سيبان حمو، قاعدة حميميم وموسكو، وقدم للروس مذكرة تضمّ عدة نقاط، وطلب منهم الإشراف على الحوار بين دمشق والقامشلي، وأكدت المذكرة على هذه النقاط:

    وحدة الأراضي السورية.

    أن تكون سوريا جمهورية ديمقراطية، وتكون الإدارة الذاتية جزءاً منها.

    أن يكون للإدارة الذاتية ممثلون عنها في برلمان ودمشق.

    اعتماد عَلم الإدارة الذاتية إلى جانب العلم السوري.

    أن تكون لمناطق الإدارة الذاتية دبلوماسيتها الخاصة بما لا يتعارض مع مصالح الشعب السوري والدستور.

    قوات سوريا الديمقراطية جزء من الجيش السوري وتتولى المسؤولية عن حماية حدودها.

    اللغة العربية لغة رسمية في جميع سوريا، على أن تكون الدراسة باللغات المحلية في مناطق الإدارة الذاتية.

    توزع ثروات سوريا بصورة عادلة على جميع مناطق البلد.

غير أن توتر العلاقات الروسية التركية حول إدلب أدى إلى بعض التغييرات غير المعلنة في الخيارات التكتيكية الكردية.

وكشفت تقارير أن الأكراد باتوا يتعاونون مع الجيش السوري التابع لدمشق في أجزاء معينة من العمليات في شمال غرب حلب، وبالتحديد في مناطق على طول حدود عفرين. وإذا توسعت المعارك لتشمل عفرين فإن المشاركة العسكرية الكردية ستصبح واضحة ومباشرة.

تطوير العلاقات

يسعى الأكراد برعاية روسيا إلى تطوير علاقاتهم مع دمشق على أمل أن يقوي هذا الأمر أوراقهم في السعي لدى دمشق للاعتراف بالإدارة الذاتية. وتقول معلومات إن نظام دمشق ما زال متمسكا بحل هذه المسألة على أساس قانون الإدارة المحلية رقم 107.

وهذا القانون يعنى بإدارة المناطق المختلفة، ويضع القرارات في يد المركز وتشرف وزارة الإدارة المحلية على تطبيقه، وهي وزارة تتبع حزب البعث بصورة مباشرة.

وتنقل مصادر كردية عن رئيس معهد الدراسات الكردية، نواف خليل، أن مفاوضات الأكراد ودمشق يمكن أن تنجح إذا ضمنت روسيا ذلك “ولكن روسيا لم تمارس دور الضامن بعد”.

وحسب خليل، فإنه في حال أشرفت روسيا على المفاوضات فستكون الأوضاع إيجابية: “لم ترق معاهدتا سوتشي وأستانة للنظام، فلم يكن النظام يريد أن تحتل تركيا أعزاز والباب، لكن عندما تدخلت روسيا في الشؤون السورية لم يستطع النظام أن يقول لا”.

بيد أن معلومات نشرتها مواقع مقربة من أكراد سوريا قالت إن الولايات المتحدة أبلغت القيادة الكردية تحذيرا من القيام بالمشاركة في أي عمليات عسكرية تستهدف القوات التركية المتقدمة شمال سوريا. وفي حين تنفي المصادر الرسمية داخل قوات حماية الشعب الكردية وصول أي تحذيرات أميركية واضحة في هذا الصدد، إلا أن بعض المراقبين الأكراد لا يستبعدون أن تعمد واشنطن إلى الضغط على حلفائها الأكراد لعدم الانجرار إلى معركة تقف فيها واشنطن إلى جانب تركيا.

وتتفهم روسيا الموقف الكردي لكنها لن تنظر إلى أكراد سوريا بصفتهم جزءا من المشهد الحليف سواء في تحييد الإرهاب أو في مقاتلة فصائل المعارضة أو حتى في إمكانية أن يشكلوا جبهة إضافية متعاونة مع موسكو ومع دمشق لتقويض الجهود العسكرية التركية وإرباك الحشود العسكرية لأنقرة في الداخل السوري وتقييد حركتها.

———————-

حسابات أميركية تربك تركيا/ رانيا مصطفى

أعلن وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، عن إمكانية أن ترسل الولايات المتحدة صواريخ باتريوت إلى بلاده بعد مقتل جنود أتراك، وأن دولا أوروبية في حلف شمال الأطلسي قد ترسل بطاريات باتريوت أخرى.

لكن، لا مؤشرات حتى الآن حول نية الولايات المتحدة والناتو إرسال منظومات الباتريوت إلى تركيا، بعدما تم إيقافها بسبب إتمام صفقة منظومة أس – 400 الروسية، المتعارضة مع منظومة الباتريوت.

ويأتي الحديث التركي عن إمكانية تشغيل المنظومتين معا مستغرَبا، ومعَدّا للاستهلاك الإعلامي في الداخل التركي، مع استمرار عملية تركيب المنظومة الروسية وتدريب الكوادر التركية، وتوقّع الانتهاء في الربيع المقبل.

جاءت مطالبة تركيا حلفاءها في الناتو بالإيفاء بالتزاماتهم تجاهها، كشريك يتعرض أمنه القومي إلى أخطار، بعد عودة النشاط إلى الدبلوماسية الأميركية للاهتمام بالملف السوري، الشهر الماضي، مع بدء قوات النظام السوري، بدعم من ميليشيات إيرانية، وغطاء جوي روسي ناري كثيف، حملة عسكرية جديدة على منطقة خفض التصعيد الرابعة.

وساهمت زيارة المبعوث الأميركي، جيمس جيفري، إلى تركيا الشهر الماضي، وإدانته، متحدثا باللغة التركية، مقتل عسكريين أتراك، ووصفهم “بالشهداء”، في رفع معنويات تركيا، في ظل تلميحات إلى دعم عسكري ولوجستي ضد هجوم قوات النظام السوري على إدلب. هذا إضافة إلى تصريحات وزير الخارجية، مايك بومبيو، المؤيدة لتركيا، وزيارة رئيس حلف الناتو لأنقرة، وقيام واشنطن برفع العقوبات عن ثلاثة وزراء أتراك (وزراء الدفاع والداخلية والاقتصاد)، وغضّ النظر عن استخدام الفصائل السورية المعارضةِ الصواريخَ المضادة للطائرات لإسقاط مروحيتين تابعتين للنظام.

الحسابات الأميركية حول إدلب معقّدة للغاية؛ فواشنطن تعترف بأحقيّة روسيا في السيطرة على سوريا، وقد حضرت اتفاق أستانة من البداية بصفة مراقب، وكانت ترتيبات الهدن وتسليم شرقي حلب ثم مناطق خفض التصعيد الثلاث، إلى روسيا والنظام، تتم بمباركتها، وكذلك ما يتعلق بمناطق سيطرة تركيا في “درع الفرات” و”غصن الزيتون”، ومؤخراً في “نبع السلام”. وكانت تفاهمات سوتشي حول المنطقة العازلة في إدلب، في سبتمبر 2018، بدفع منها.

فلو كانت واشنطن تريد دعم تركيا والفصائل السورية ضد الهجوم على إدلب وغيرها، لفعلت ذلك من البداية، ولما اضطرت تركيا إلى الدخول في حلف روسيا وإيران من أصله. وغير صحيح أن الوضع الإنساني المزري في إدلب يستفزّ الولايات المتحدة الآن، بعد 9 سنوات متواصلة من إجرام النظام السوري بحق المدنيين، ومن ذلك استخدام أسلحة محرمة دوليّا.

فواشنطن مستاءة من مشاركة إيران في هجوم النظام الأخير على إدلب، وهو ما يتعارض مع استراتيجيتها الأخيرة في الحدّ من النفوذ الإيراني في المنطقة.

وهي لا ترغب في فرض روسيا حلولها السياسية بتعويم نظام الأسد، مع تغييرات شكلية في بنيته، ما يتعارض مع جوهر القرار الأممي 2254؛ وهي تمسك بورقة منع روسيا من الاستفادة من مصادر الطاقة السورية في منطقة الجزيرة، وماضية في تنفيذ “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين”.

في الأثناء تعمل واشنطن على استغلال حالة الخلافات الروسية التركية، وترغب في تصعيد عسكري بين الطرفين ينهي تحالفهما؛ لكنها حذرة بشأن تقديم دعم حقيقي لأنقرة.

فأميركا ترغب في تحجيم الدور التركي في سوريا، كما الدور الإيراني، وكذلك هي رغبة إسرائيلية وعربية، وهي رغبة بقية الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو، والتي ترفض أيضاً انضمام تركيا (حزب العدالة والتنمية) إلى الاتحاد الأوروبي، كما ترفض أن يكون لها دور إقليمي مع وصولها إلى مصادر الطاقة في البحر المتوسط، وإلى السواحل الليبية.

تدرك تركيا أنها وحيدة في معركة كسر العظام مع الروس، ولا ترغب في تصعيد واسع ستكون الخاسرة فيه؛ فوضعها الداخلي لا يحتمل مغامرة الإقدام على حرب استنزاف طويلة الأمد، قد تفتح الأبواب أمام تدخل أممي للفصل بين الطرفين، ما يعني إخراج جميع القوات “غير الشرعية” من المنطقة، وتحديدا إيران وتركيا.

تقول موسكو إن وجودها في سوريا شرعي، توافق عليه الأمم المتحدة التي تحتفظ بمقعد النظام السوري في مجالسها، والولايات المتحدة دخلت سوريا ضمن تحالف دولي “شرعي” لمحاربة الإرهاب، هذا يعني أن التصعيد سيصب في مصلحة واشنطن بإعطائها نفوذاً لقواتها في إدلب، الأمر الذي لا ترغب فيه روسيا أيضاً.

وبالتالي يحرص الروس والأتراك معاً على عدم التصعيد المباشر، والتمسك بتحالفاتهما السابقة؛ أما التصعيد الإعلامي التركي ضد النظام السوري، مع الاحتفاظ بلهجة معتدلة تجاه الروس، وكذلك محاولات “التحرش” العسكري للنظام، بدفع روسي، بنقاط المراقبة التركية، وردود أنقرة عليها، فكل ذلك يصب في خانة محاولة كسب أوراق في جولة المفاوضات الروسية التركية القادمة، عبر اتصال هاتفي متوقع لرجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين، فيما تنتظر قمة أستانة في طهران موافقة أنقرة.

وكذلك تريد موسكو استباق موعد القمة الرباعية (الروسية التركية الألمانية الفرنسية)، التي دعا إليها إيمانويل ماكرون وأنجيلا ميركل في إسطنبول في 5 فبراير القادم، بأن تفرض على أنقرة قبول مقترحها بشأن تقليص منطقة خفض التصعيد إلى شمال وغرب الطريقين الدوليين، الأمر الذي ترفضه تركيا، التي تريد عودة قوات النظام إلى ما بعد نقاط المراقبة. وقد تقبل أنقرة بتسيير دوريات مشتركة روسية – تركية، وإن كانت غلبة السيطرة فيها للروس، لإظهار أن تهديداتها أرغمت قوات الأسد على التراجع.

أما ميدانيّا، فإن الوقائع تقول أشياء تناقض مجمل التصعيد الإعلامي والعسكري التركي؛ فمعرة النعمان وسراقب، وباقي الطريق باتجاه حلب، ومن قبلها خان شيخون، قد سُلّمت لقوات النظام بشكل فاضح دون قتال الفصائل المدعومة من تركيا، ما يعني أنها انسحبت بأوامر وتنسيق روسي – تركي؛ وحدث نفس الشيء في ريف حلب الغربي.

في حين أن هجوم الفصائل على محور النيرب ثم انسحابها، لم يكن جدياً، حيث لا تمهيد عسكريّا ذا قيمة، ولم تفتح جبهات غربي سراقب والمعرة لإشغال قوات النظام، ما يعني أنها لم تكن سوى رسالة تركية لروسيا قبل استكمال التفاوض على التفاصيل.

وحتى الآن، لا دور لقوات الكوماندوس التركية، المحتشدة على الحدود السورية، سوى منع المدنيين السوريين النازحين من عبور الحدود إلى الداخل التركي.

وبالتالي تحالف الضرورة بين روسيا وتركيا في سوريا مستمرٌ، ولا خيارات أخرى بين الطرفين، سوى أن يتوافق الأميركيون والروس على حلّ يُخرج كلاً من إيران وتركيا من المعادلة السورية، ويخرج نظام الأسد أيضاً، وفق الشرط الأميركي.

كاتبة سورية

العرب

——————-

بوتين لا يمتلك ترف الخسارة أمام أردوغان/ علي قاسم

لا يحتاج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تذكيرنا بأن وجوده في سوريا وليبيا ليس من باب العبث، وإن كان مغامرة، على عكس ما يراه هو.

عادة ما ينتهي العبث بخسائر محدودة، مثل عبث الأطفال تماما، أما المغامرة فهي كثيرا ما تقود إلى كوارث.

يريد أردوغان أن يقنعنا، بعد أن أقنع نفسه، بأنه موجود في ليبيا وسوريا وفي البحر المتوسط بوصفه مناضلا. ويريدنا أيضا أن نصدق ذلك. دونكيشوت القرن الحادي والعشرين حدد أعداءه وخرج خلفهم مجاهدا.

وبالطبع يدرك “المجاهد” أردوغان أن مصالحه تتعارض أحيانا مع مصالح بعض الدول، وهذا البعض، يشمل فيما يشمل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا والصين؛ أصحاب القضايا الكبرى، مثله، يرون في تلك الدول مجتمعة مجرد بعض.

هوس أردوغان وصل به إلى حد أنه قال، ردا على صحافيين أتراك وصفتهم وكالة الأنباء الرسمية بالمعارضين، إن تقاعست تركيا عن تبوّؤ المكانة التي تستحقها في العالم فستدفع ثمنا باهظا مستقبلا.

الكارثة أن أردوغان، مثله مثل دونكيشوت، يؤمن إيمانا عميقا بالكذبة التي يكذبها، وهو على يقين من أنه يخوض نضال الاستقلال من جديد؛ ليس على الورق في رواية كتبها إسباني ساخر، بل على الأرض مسببا كوارث إنسانية لم يبخل بذرف الدموع على ضحاياها.

لا شيء سيوقف الفارس الذي قرر أن يمضي بمفرده لتحقيق النصر؛ فقوة أنقرة، والحمد لله، “تكفي لتحقيق أحلامه على أرض الواقع”، وبالشكل الذي يريده. وبالطبع هذه الأساليب ستشمل بعد استنفاد الخيارات الدبلوماسية والديمقراطية، وهذا كلامه هو، الخيار العسكري وبأعلى مستوياته إن لزم الأمر. ماذا يعني هذا؟

أردوغان، أبو تركيا الحديثة وصانع أمجادها، حدد خارطة الطريق التي سيتبعها، مستنكرا جهود كل من حاول أن يوجه النقد أو تجرأ على أن يشكك بحكمته، في الدفاع عن الديمقراطية والأمن في تركيا.

لقد أعذر من أنذر، وأردوغان أنذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والروسي فلاديمير بوتين، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، في مكالمات هاتفية، وهو لا يريد بعد هذا أن يفرّط في الحقوق الإلهية التركية.

المضحك والمبكي في الأمر، أن من يساعد أردوغان ويقف إلى جانبه في “النضال الذي يخوضه ضد حفتر”، فرق من “الجيش الوطني السوري”، التي تواصل الكفاح فوق الأرض الليبية، بعد أن خاضت الكفاح معه داخل سوريا.

أن يصدر هذا الكلام عن رجل معروف عنه طموحه لإعادة الخلافة العثمانية شيء، ولكن أن يجد من يصغي له شيء آخر.

يؤمن أردوغان بأن النجاحات والانتصارات التي سيحرزها ستغير مجرى التاريخ، وتعيد رسمه مرة أخرى. ومسلحا بهذا الوهم و”بحس المسؤولية سيواصل اتخاذ خطوات ثابتة وواثقة دعما للمظلومين”.

كل شيء كان يسير كما يشتهي الرئيس التركي، إلى أن اصطدم بالعائق الروسي، متمثلا في فلاديمير بوتين الذي قرر أن يثبت وجود روسيا في المنطقة وبالتالي لن يسمح بتحقيق نصر تركي هناك.

المكالمة الهاتفية والاجتماع الرباعي الذي دعا إليه أردوغان، لن يغيرا الموقف الروسي من النزاع، لذلك هناك الآن محاولات تركية تسير جنبا إلى جنب مع الدعوة إلى الاجتماع، لتذكير واشنطن بأن أنقرة حليف لها في حلف الناتو، وبالتالي جر الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، وهي مواجهة يخشاها الطرفان الروسي والأميركي، لأن عواقبها لا يمكن التنبؤ بها.

أحلام أردوغان بالتمدد لا تقتصر على الاتجاه غربا، آخر حلفاء تركيا يعمل أيضا على التمدد باتجاه الشرق، وإن لم يكن هذا التمدد يحمل الطابع العسكري، إلا أنه أكثر خطورة. المستهدف الأول فيه هو روسيا، أما الوسيلة فتمر عبر جمهوريتين من جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقا، أذربيجان وكازاخستان، حيث شرعت الدول الثلاث في تدريس “التاريخ التركي المشترك”، ويحتوي المنهج معلومات أساسية حول الدول التركية التي تأسست على مر التاريخ.

وإلى جانب الجمهوريات التركية السبع، انتشر التُرك ضمن جمهوريات فيدرالية داخل الاتحاد الروسي سابقا، وإقليم تركستان الشرقية في الصين، وكأقليات في القرم ودول البلقان وسوريا ولبنان والعراق.

مغامرات أردوغان ليست مجرد حبر على ورق، وما يبدو اليوم مجرد حماقة يرتكبها شخص واهم، قد ينقلب غدا إلى كارثة يدفع ثمنها الجميع، إن لم يحسن قادة الدول الأوروبية ومعهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التعامل مع دونكيشوت البحر المتوسط.

وبينما تبقى مشكلة أوروبا مع تركيا محصورة في طوفان اللاجئين القادم إليها من مناطق النزاع، ويمكن حلها بتقديم بعض التنازلات لأنقرة، تبقى مشكلة بوتين مع أردوغان أعمق من ذلك.

ليس أردوغان وحده من يعلم دروس التاريخ، بوتين أيضا يعلم تلك الدروس. وإن كان أردوغان لم يشهد انهيار الإمبراطورية العثمانية التي يبكيها يوميا، فإن بوتين ما زال يشعر بمرارة انهيار الاتحاد السوفياتي الذي عاصره عالقة تحت لسانه.

لن يستطيع أردوغان المراهنة على تبدل في الموقف الأميركي، الذي يفضل الآن المراقبة عن بعد، بعد أن كان طرفا فاعلا في النزاع، لسبب بسيط؛ هو أولا، أن بوتين لا يمتلك ترف الخسارة. وثانيا أن ترامب يؤمن بأن عدوّ عدوّي ليس صديقي دائما.

كاتب سوري مقيم في تونس

العرب

————————

معركة إدلب تقترب أكثر..خيارات تركيا محدودة

قصفت الطائرات الروسية صباح الأحد، بعدة غارات جوية محيط تجمع القوات التركية المتمركزة في معسكر المسطومة جنوب مدينة إدلب.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان، إن تعزيزات ضخمة لقوات النظام متمثلة بعشرات العناصر المشاة وآليات ثقيلة استقدمت إلى محور كفر سجنة في جبل الزاوية جنوب إدلب، كما شنت الطائرات الروسية غارات جوية جديدة طالت مناطق متفرقة من جبل الزاوية وجبل الأربعين جنوب إدلب، بالإضافة لقصف صاروخي مستمر بعشرات القذائف الصاروخية يطال مناطق جبل الزاوية.

من جهتها، عززت تركيا مواقعها في إدلب بآليات وعناصر جديدة. ودخل رتل عسكري للقوات التركية من معبر خربة الجوز الحدودي مؤلف من 10 آليات وتوجه نحو نقطة المراقبة التركية المتمركزة في بلدة اشتبرق في ريف إدلب الغربي. والسبت، دخل رتل عسكري تركي عبر معبر كفرلوسين الحدودي شمال مدينة إدلب، ويتألف الرتل من نحو 80 آلية عسكرية واتجه نحو المواقع التركية في إدلب.

وكانت وزارة الدفاع التركية أعلنت السبت أن جندياً تركياً قُتل في هجوم بقنبلة نفذته قوات النظام السوري في إدلب ليصبح بذلك الجندي التركي السادس عشر الذي يلقى حتفه في إدلب هذا الشهر.

ومن شأن ارتفاع عدد قتلى الجنود الأتراك، تعقيد محادثات أنقرة مع موسكو بشأن اتفاق محتمل لوقف القتال في شمال شرق سوريا. فيما يجتمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظرائه الروسي والألماني والفرنسي في 5 أذار/مارس آذار لمناقشة الوضع في إدلب.

وذكرت صحيفة “يني شفق” التركية الأحد، أن الاتصال الذي جرى بين أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين السبت، لم يكن إيجابياً. وقالت إن زعيمي البلدين لم يتمكنا من التوصل إلى اتفاق بينهما بشأن إدلب.

وأشارت إلى أن بوتين رفض حل الأزمة، التي اندفع بسببها ملايين السوريين إلى الحدود التركية، ورفض طلب أردوغان، بإيقاف هجمات النظام السوري في المنطقة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

ولفتت إلى أن الرئيس الروسي، الذي رفض قبول انسحاب قوات النظام إلى الحدود المنصوص عليها وفق اتفاق سوتشي، أكد أن عمليات النظام السوري ستستمر. وأضافت أن بوتين، شدد على موقفه المعارض لأي إجراء محتمل من تركيا ضد النظام السوري.

من جهتها، كتبت صحيفة “صنداي تلغراف” في مقال بعنوان: “لماذا لا يمكن لأردوغان التراجع عن الصدام مع الأسد وروسيا؟”، إنه خلال 90 يوماً من القصف الوحشي لإدلب نزح نحو مليون شخص أغلبهم من النساء والأطفال عن منازلهم.

وأوضحت أنه “بالنسبة للرئيس التركي، فإن الأزمة عبر حدود بلاده الجنوبية تمثل مشكلة بقاء، فالرجل يقع بالفعل تحت ضغوط محلية لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم لكنه في الوقت نفسه يواجه موجة جديدة من النازحين على حدوده”.

وأضافت أن “الأسوأ بالنسبة لتركيا هو الهزيمة في إدلب، لأنها ستؤدي إلى أضرار عسكرية تلحق بجيشها في مناطق أخرى شمالي سوريا ولا يمكن إصلاحها حيث يُنظر إلى هذه المناطق داخل تركيا على أنها حزام أمني في مواجهة التهديدات الإرهابية المزعومة من جانب الجماعات الكردية المسلحة”.

وتابعت أنه “لهذا السبب كانت تركيا وزعماؤها السياسيون مهتمين بالتدخل شمالي سوريا ووقف تقدم قوات النظام، وقد نقلت تركيا حتى الآن قوات عسكرية داخل إدلب، وحولها أكثر مما تمتلك الولايات المتحدة من قوات في سوريا كلها. وعلاوة على ذلك دفعت بدبابات ومدرعات وبطاريات مدفعية لا حصر لها علاوة على قاذفات صواريخ أرض- أرض وبطاريات صواريخ أرض- جو”.

وأضافت أنه “بهذه الحشود العسكرية أصبح لدى أكبر جيوش حلف شمال الأطلسي المقدرة على فرض الواقع وإلحاق خسائر فادحة بقوات النظام السوري وإجبار اللاعبين الفاعلين في الساحة على الإلتزام بخط وقف إطلاق النار على أقل تقدير”.

——————

عناصر المصالحات إلى إدلب..مع قرب معركة “إم4″/ خالد الخطيب

استقدمت قوات النظام السوري والمليشيات الموالية لها تعزيزات عسكرية كبيرة إلى جبهات جنوبي إدلب استعداداً لإطلاق عملية عسكرية جديدة في المنطقة فيما تواصل القصف الجوي والبري لمواقع المعارضة والبلدات المدنية في جبل الزاوية وجنوبي الطريق الدولي “إم4″، في حين دفعت المعارضة بمزيد من العتاد والأعداد إلى المنطقة الجنوبية، وتعد بأداء دفاعي أفضل مستفيدة من تضاريس المنطقة.

استطلاع بالنار

وتصدت الفصائل المعارضة صباح الأحد، لعملية تسلل نفذتها قوات النظام والمليشيات من “الفرقة الرابعة” و”الفيلق الخامس” في محور الشيخ دامس جنوبي إدلب، وشهدت المنطقة اشتباكات عنيفة وقصف متبادل بين الطرفين بالأسلحة الثقيلة، وتمكنت المعارضة من قتل عدد من عناصر القوات المهاجمة، وشهد محور عابدين عملية تسلل مشابهة تمكنت المعارضة من قنص عنصرين من عناصر المجموعة المتسللة.

عناصر من الجبهة الوطنية في إدلب

وتزامن هجوم قوات النظام والمليشيات في الشيخ دامس مع قصف مدفعي وصاروخي عنيف استهدف مواقع المعارضة والبلدات القريبة من خط التماس، وقصفت الطائرات الحربية منذ منتصف ليل السبت/الأحد بلدات المنطقة بأكثر من 50 غارة جوية.

وجرت العادة أن تنفذ قوات النظام والمليشيات عمليات استطلاع ناري وبري قبل البدء بعملياتها العسكرية، ويمكنها ذلك من كشف الثغرات والمحاور غير المحصنة من قبل المعارضة ليتم اختيارها كمحاور للهجوم المفترض، وتشمل عمليات الاستطلاع، الرصد الجوي عبر طائرات الاستطلاع الروسية، وعمليات التسلل والهجمات البرية المحدودة، ويتم خلال هذه المرحلة أيضاً تكثيف القصف الجوي بشكل أكبر لضرب دفاعات المعارضة وانهاكها ومنع وصول تعزيزاتها العسكرية وحرمانها من إمكانية الحركة والاتصال.

عناصر المصالحات

ووصلت تعزيزات كبيرة إلى جبهات جنوبي إدلب قادمة من الغوطة ودرعا جنوبي سوريا وحمص الشمالي، وفي غالبيتها من فصائل “المصالحات” وتضم التعزيزات مدرعات وراجمات صواريخ، وتركز انتشارها في حيش وكفر رومة وكدور وكفر بطيخ التي تسيطر عليها قوات النظام وتقع على مقربة من خط التماس مع مناطق المعارضة جنوبي إدلب ومنطقة جبل الزاوية.

وتشارك فصائل “المصالحات” في المعارك ضد المعارضة شمال غربي سوريا منذ انطلاق عمليات النظام في أيار/مايو 2019، وقتل عدد كبير منهم في معارك حماة الشمالي وخان شيخون ومعرة النعمان، ومؤخراً في جبهات ريفي حلب الجنوبي والغربي، والتي قتل فيها قائد مليشيا “زاكية والبكارة” التابعة ل”الفرقة الرابعة”،عاصم الفهاد. وينحدر الفهاد وعناصر المليشيات التي يقودها من دمشق وريفها، وسبق أن أسس المليشيات في بلدة زاكية بريف دمشق في اتفاق تسوية مع النظام بداية العام 2017، وكانت حينها مؤلفة من 150 عنصراً، وزاد عدد عناصرها خلال السنوات الماضية بدعم من قائد قوات الغيث في “الفرقة الرابعة”، غياث دلة.

الجبهة الوطنية إدلب

مصادر عسكرية في “الجبهة الوطنية للتحرير” أكدت ل”المدن”، أن العدد الأكبر من عناصر “المصالحات” المشاركين في المعارك إلى جانب قوات النظام في إدلب يتبعون لتشكيلات رئيسية، “الفيلق الخامس” و”الفرقة الرابعة” و”الفيلق الثالث”، وتزج بهم قوات النظام في مقدمة الهجمات البرية في محاور القتال. وأضافت أن ثلاثة من العناصر تمكنوا بداية شباط/فبراير من الانشقاق والهرب باتجاه مواقع المعارضة في ريف حلب، في حين قتل عدد منهم بنيران قوات النظام بسبب رفضهم تنفيذ الأوامر العسكرية.

وبدت قوات النظام والمليشيات مؤخراً بحاجة لمزيد من العناصر بعد أن توسعت خطوط المواجهة من حلب شمالاً وحتى ريف إدلب الجنوبي التي تنوي إشغاله، واستبقت قوات النظام إرسال عناصر “المصالحات” بعمليات أمنية واسعة في مناطق التسوية في الغوطة الشرقية ودرعا وريف حمص الشمالي، واعتقلت المئات منهم في مراكز التجميع قرب دمشق.

إدلب الجنوبي في خطر

أرسلت الفصائل المعارضة والإسلامية تعزيزات عسكرية إلى جبهات ريف ادلب الجنوبي ومنطقة جبل الزاوية. وتقول المعارضة إنها على استعداد للمواجهة المفترضة مع قوات النظام، وتتوقع أن تبدي مقاومة أكبر في المنطقة وبالأخص في جبل الزاوية التي تعتبر منطقة وعرة توفر للمدافعين عنها الحماية والتخفي.

لا تخفي المعارضة خشيتها من تكرار سيناريو الطريق “إم5″، وتسعى جاهدة لاستعادة المبادرة في الميدان، في حين يتواصل دخول الأرتال العسكرية التركية إلى إدلب لتتمركز على أطراف ال”إم4″، بينما ما تزال المنطقة الجنوبية المهددة باجتياح قوات النظام بحاجة لمزيد من الانتشار التركي الذي بدا أكثر كثافة في الشمال، بريفي حلب وإدلب الشمالي.

وأقام الجيش التركي مؤخراً نقطتي تمركز في منطقة جبل الزاوية، أما المناطق القريبة من خطوط التماس فهي من دون أي نقاط باستثناء واحدة في شير مغار في سهل الغاب في ريف حماة الشمالي الغربي.


==============================

تحديث 24.02.2020

حصار أردوغان – الأسد في إدلب/ سميرة المسالمة

يحذّر الرئيس التركي، أردوغان، بشار الأسد من متابعة مغامرته في إدلب (شمال سورية)، والاستمرار في تجاوز الحدود المتفق عليها في اتفاقيات أستانة وسوتشي، حيث استعادت العمليات العسكرية المتلاحقة لقوات النظام المدعومة من روسيا جواً، ومن إيران برّاً، مناطق سبق واستغنت عنها روسيا (المتصرّف باسم النظام) لصالح تركيا، تحت مسمّى منطقة خفض التصعيد الرابعة، إلا أن هذا التحذير التركي الذي أخذ صيغة الإنذار المسجل، والذي يستوجب العقوبة الأكبر في نهاية شهر فبراير/ شباط الحالي، لا يبدو واسع الطيف، أي ليس مقرونا بحربٍ وشيكةٍ تجابه قوات الأسد وداعميه في آن معاً. ما يعني أن أردوغان ترك، بهذه المهلة، فرصة حقيقية لاختبار تموضع روسيا وإيران، شريكتيه في أستانة من جهة. ومن جهة مقابلة، ترك بازار المراهنات على الموقف الأميركي والأوروبي مفتوحاً أمام التوسّع الروسي والتمدّد الإيراني، والمأساة الإنسانية الكارثية لنحو ثلاثة ملايين سوري التي لن تبقى طويلاً أسيرة الحدود التركية.

لم تتأخر أوروبا، متمثلة في فرنسا وألمانيا، في ردّها على ما قد تكون الموجة الأكبر من اللاجئين الجدد، وتحرّكت باتجاه القوة الحقيقية على الأرض، موسكو التي لم تبد رداً سريعا بشأن مطلب عقد لقاء قمة رباعية لإيجاد حل سياسي، وتركت الاجتماع في باب الاحتمالات، ما يعني أنها ماضية قبل ذلك إلى تغيير خريطة الواقع الميداني عسكرياً، في وقت أعلن أردوغان عن موعد الخامس من مارس/ آذار، ولكنه مرهون بموافقة الرئيس الروسي بوتين.

وبقي الموقف الأميركي مترنحاً بين التلاعب على رغبات أردوغان في الإبقاء على إدلب تحت وصايته والرغبة في تحجيم توسع دور روسيا في المجالين، العسكري والسياسي، ما يعني أن الصمت الأميركي هو اختبار لحجم الثقة المتبادلة بين شركاء أستانة الثلاثة، ومدى قدرة هذا المسار على العودة إلى الحياة، بعد أن أصبح قاب قوسين أو أدنى من الموت، فهل تلغي القمة الرباعية المحتملة، والتي تعقد في غياب إيران، قمة طهران الثلاثية الإنقاذية لمسار أستانة المتهاوي تركياً؟

لم تغير روسيا تصريحاتها عن ضرورة تنفيذ اتفاقات سوتشي وأستانة، والتي نصت على تسليم الطرق الدولية للنظام M4- M5، إضافة إلى فتح الطريق الدولي من باب الهوى حتى نصيب، وقد اشتغلت على تنفيذ ذلك تباعا من دون ردات فعل عسكرية تركية من سقوط قلعة المضيق إلى خان شيخون وسهل الغاب والمعرّة وسراقب، على الرغم من الرفض الشعبي السوري، وتململ الفصائل التي تضم أبناء هذه المناطق، ما يجعل غياب التفاصيل المتفق عليها حتى الساعة مثيراً للشك، حتى التهديد التركي الحالي للنظام بضرورة انسحابه إلى خلف النقاط التركية المتفق عليها، من دون تحديد أماكن هذه النقاط، هل هي على الحدود الداخلية لإدلب المدينة، أم على حدودها الخارجية؟

والسؤال عن الأرتال العسكرية التركية التي نراها تدخل إلى المنطقة المتنازع عليها اليوم: هل هي قوات قتالية لمحاصرة الأسد، وتنفيذ تهديدات أردوغان، أم أنها قوات لتدعيم نقاط المراقبة التي يجري الحديث عن مباحثات روسية – تركية، ليتم تموضعها على جانبي الطريق جنوب الطريق M4 وشماله من جهة ما بعد النيرب حتى عين بيضا في اللاذقية، بمعنى تفعيل دور تركيا المتفق عليه في حماية الطرق الدولية، ما يفسّر انتشار النقاط التركية الكثيرة في ذلك الموقع، وانسحاب تركيا من النيرب، بعد ساعات من دخولها، حيث هي موجودة فعليا في اتفاق سوتشي لروسيا الأسد.

لا يستطيع أردوغان التراجع كلياً عن تهديده الأسد، كما لا يستطيع أن يحيّد روسيا في أي عملية تستهدف النظام في المنطقة، ما يفيد بأن مهلة الإنذار قابلة للتمديد إلى ما بعد القمة الرباعية، وهذا لا يعني خفض التصعيد، بل تصعيد الموقف بضربات نوعية علاجية ضد قوات النظام، ليس من شأنها تغيير خريطة الواقع، لكنها قد تؤدي إلى تغيير موقع النظام من حضن روسيا الآمن إلى موضع الشك في التضحية به، في أقرب عمليةٍ تفاوضيةٍ تتمكّن تركيا من إقناع الولايات المتحدة بالمشاركة فيها، سواء ببطاقة حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو نشر صواريخ الباتريوت، وهو الأمر الذي لم يقرره الرئيس الأميركي، ترامب، بعد، حتى عبر قذائفه “التويترية”.

وفي الوقت نفسه، لا تستطيع روسيا المغامرة بإنجازها السياسي، بالتقارب مع تركيا العضو المهم

في “الناتو”، ولا المغامرة بمصالحها الاقتصادية معها، لكنها لن تنحو إلى ترك إدلب بعيداً عن سيطرتها، وهذا ما عناه الرئيس الروسي، بوتين، بكل تصريحاته بعودة انتشار قوات النظام على كامل الحدود السورية، ما يعني أنها ستترك الفرصة متاحة لأردوغان أن يعاقب الأسد من خلال الإبقاء على وجوده “الوقتي” في سورية، وتوقيف العمليات إلى ما قبل مناطق “درع الفرات”، وفتح معبر الحوار حول مثلث آمن للمعارضة، تضمن من خلاله المصالح التركية في سورية، إلى أن تنجز روسيا ما تريده من اتفاقٍ مع الإدارة الأميركية في ملفات أخرى، تقايض فيها على النظام السوري واستمراره، تحت ما يمكن تسميته الحل السياسي الذي لن يكون بين الأطراف السورية، على اختلاف مواقعها.

الأطراف المتصارعة في سورية وعليها، الظاهر منها والمختبئ خلف أدوار “الكومبارس”، مهزومة في إدلب، إحدى أكبر المآسي الإنسانية في العصر الحديث. وعليه، كل طرف يحاصر الآخر ويهزمه في جانب ما، لكن انتقام ضحايا هذه الانتصارات الممنوعة عن كل الأطراف، وتلك الهزائم المزينة بطعم النصر لكل المتصارعين، ستكون سبباً في إقلاق العالم على امتداد العقود المقبلة، واستمرار الفوضى السورية “غير البناءة”.

العربي الجديد

———————————-

إدلب: حرب تركيا المستحيلة/ عروة خليفة

لا يوفر التضارب الواضح في التصريحات التركية أي يقين حول ما يمكن أن يحدث غداً في إدلب، لكن الاعتماد على تلك التصريحات ليس من الحكمة في شيء، وذلك في ظل توفير موسكو دعماً لا لبس فيه لتقدم قوات نظام الأسد في مدن وبلدات إدلب، إذ يبدو أن رفع وتيرة التصريحات من قبل الرئيس التركي يهدف بشكل رئيسي إلى وقف العمليات القتالية التي تسببت بدمار هائل وكارثة إنسانية، بعد تهجير قرابة مليون مدني حسب إحصاءات وكالات الأمم المتحدة، وهي أرقام تُضاف إلى مئات الآلاف المهجرين أصلاً، الذين يعيش كثيرون منهم في مخيمات على الحدود السورية التركية.

بعد صلاة يوم الجمعة الماضي، قال الرئيس التركي إن ما يجري في إدلب هو حرب فعلاً، وهو تصريح أصاب السياسيين الأتراك بالصدمة، إذ لم تحظَ تهديدات الرئيس التركي ببدء عمليات عسكرية ضد النظام في إدلب بأي دعم حتى في محيطه القريب، ولا من تيارات معارضة سبق أن وافقت على تفويض الجيش التركي بتنفيذ عمليات عسكرية في عدة مناطق من سوريا مثل عفرين والجزيرة السورية.

المتحدث باسم حزب الشعب الجمهوري المعارض قال للصحفيين: «إذا كانت الحرب فعلاً، لماذا لم يخبرنا أحد قبل ذلك؟َ!».

وكانت جثامين جنود أتراك قد وصلت إلى عدة مدن تركية، بعد أن قضوا نتيجة استهدافهم من قبل المدفعية التابعة لنظام الأسد، وفي بعض الحالات من الطيران الروسي، وهو ما زاد من الضغط الداخلي على الرئيس التركي، الذي دفع بقرابة عشرة آلاف جندي إلى محافظة إدلب، ليصبحوا في مرمى نيران النظام السوري، الذي لا يهتم للخسائر البشرية في صفوفه، وسيركّز على استهداف الجنود الأتراك بشكل مباشر في حالة اندلاع أي مواجهة، بالاستناد إلى تقديرات تقليدية لدى النظام، تفيد بأنه يستطيع تعويض اختلال التوازن العسكري بتوجيه ضربات ترفع معدل الخسائر البشرية لدى الخصم، الذي سيشعر بالضغط نتيجة ذلك داخلياً.

أمام الرئيس التركي في هذه الأوضاع خياران؛ الأول هو الدخول في حرب فعلية مع النظام السوري، وحشد الجمهور الداخلي حولها لتبرير الخسائر البشرية التي ستظل ترتفع طالما أن هناك جنوداً أتراك في إدلب. أما الخيار الثاني فهو الموافقة على الطرح الروسي بوقف العمليات العسكرية وفق توزع خطوط التماس الراهنة، أو أضيق منها في حال استمرار تقدم النظام، وهو ما يعني تراجعه عن التصريحات التي أطلقها مراراً حول ضرورة تراجع قوات النظام إلى حدود اتفاق سوتشي.

في ضوء الردّ الروسي على تقدم تركيا وفصائل المعارضة داخل قرية النيرب، وتوجيه الطيران الروسي ضربات جوية إلى موقع عسكري يضم جنوداً أتراك نتج عنها مقتل اثنين منهم، فإن خيار الحرب التركية ضد النظام السوري يبدو غير واقعي على الإطلاق، إذ لن تدخل أنقرة في حرب تعرف أن موسكو تقف فيها على الطرف المقابل، خاصةً وأن التصريحات الروسية حول عدم التزام أنقرة باتفاق سوتشي، وتحركاتها العسكرية المستمرة في إدلب رغم التصريحات التركية، تقلّل من هامش أي تحرك تركي على الأرض ليقترب من حدود الصفر، كما حدث في النيرب حين تراجعت القوات التركية والفصائل المدعومة منها عن القرية الواقعة غرب سراقب، بعد أن سيطرت عليها لساعات قبل أيام.

بالمقابل، فإن الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين يشجع على التوجه نحو الخيار الثاني، وهو تثبيت الوضع الميداني بُعيد قمّة رباعية تجمع كل من تركيا وألمانيا وفرنسا وروسيا يُفترض أن يتم عقدها في الخامس من شهر آذار المقبل، بعد أن اتفق عليها أردوغان خلال مكالمة هاتفية مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتي أعلن المتحدث باسم الكرملين لاحقاً موافقة الرئيس الروسي على حضورها.

في الأثناء، تتوجه قوات النظام إلى محاور تتجنب عبرها الصدام المباشر مع القوات التركية، وذلك عبر تقدمها في قرى وبلدات أطراف جبل الزاوية جنوبي إدلب، ما يعطي مؤشراً على إصرار الروس على مواصلة العمليات العسكرية، وفي الوقت نفسه تجنب الصدام مع الأتراك قدر الإمكان، حتى تبتَّ القمّة الرباعية في طبيعة الأوضاع التي تتجه على ما يبدو نحو تجميد الوضع القائم خلال الفترة المقبلة.

تواصل تركيا نشر مزيد من قواتها في كل مكان من إدلب، حتى أنها دفعت بتعزيزات إلى الجبهات التي يحاول النظام التقدم إليها في جبل الزاوية، لكن الخيارات المتاحة أمام تركيا تبدو قليلة جداً، إذ يبدو مستحيلاً أن تعمل على فرض رؤيتها وتنفيذ تعهدات رئيسها دون أن تتكبد خسائر كبيرة جداً، وهي في الوقت نفسه ستخسر كثيراً أيضاً إذا لم تعمل على تنفيذ هذه التعهدات، ستخسر على وجه الخصوص من موقعها الإقليمي كقوة فاعلة ذات تأثير في المنطقة.

أما مصير المدنيين في إدلب فيبدو أنه على هامش اهتمامات القوى الفاعلة كلّها، التي لا يعنيها منه سوى تجنب موجة لاجئين جديدة إلى تركيا أو وأوروبا، دون أيّ اهتمام جدي بمصير مئات آلاف السوريين المحصورين في بقعة جغرافية محدودة للغاية، تحت نيران القصف العنيف، ودون أي أفق واضح لما يمكن أن يكون عليه الحال غداً.

موقع الجمهورية

——————————–

الأويغور في سوريا:معركة وجودية/ مهند الحاج علي

تكتسي معركة “جبل الزاوية” التي أطلقها النظام السوري بدعم روسي، أهمية استثنائية بالنسبة الى آلاف المقاتلين من “الحزب الإسلامي التركستاني” وجُلهم من أقلية الأويغور. ذاك أن خسارة الحزب لمعقله يطوي صفحة من تاريخ هذا التنظيم، كانت حافلة عسكرياً وسياسياً وثقافياً أيضاً، إذ تدرب في صفوفه آلاف الأويغور، وخاض تجربة لم تكن ممكنة في أي مكان آخر.

رغم الدعاية المضادة لهذا التنظيم، وربطه بالحركات الجهادية السلفية العابرة للحدود، لدى التركستان ميزات اختلاف، وتاريخ لا بد من أخذه في الاعتبار.

خمس سنوات على تأسيس فرعه السوري، اقتربت ساعة الصفر بالنسبة لعناصر التنظيم المتحدرين بأغلبهم من مقاطعة شنجيانغ الصينية، المعروفة في أدبياتهم وأدبيات القوميين الأويغور بإسم “تركستان الشرقية”.

تأسس هذا التنظيم كإمتداد للحركة الاسلامية لتركستان الشرقية، وهي مجموعة مقاتلين من المقاطعة تطوعوا للقتال إلى جانب حركة “طالبان” في أفغانستان. كان على رأس هذه المجموعة رجل دين اسمه حسن مخدوم يتحدر من عائلة لها تاريخ في مواجهة السلطات الصينية منذ أربعينات القرن الماضي، وقدمت تضحيات أليمة على هذا النهج. وفَد هؤلاء المقاتلون إلى الحركات الجهادية، حاملين نزعة قومية للإسلام فيه دور كالإثنية في رسم حدود الاختلاف مع الآخر (الهان، قومية الغالبية في الصين). هناك الكثير من المشتركات بين رموز في الحركات الجهادية مثل الشيخ عبد الله عزام على سبيل المثال، وبين حسن مخدوم. تحرير تركستان الشرقية مهمة قومية شبه مستحيلة تماماً مثل تحرير فلسطين. تماماً مثل عزام، اعتقد مخدوم أن تحرير أجزاء أخرى من الأمة الاسلامية، يقود الى شينجيانغ. الطريق إلى كشغر عاصمة الاقليم الذي يتحدر مخدوم من إحدى بلداته، يمر في كابول، وفي إدلب أيضاً.

ولكن هناك فارقاً من الضرورة تسجيله في هذا السياق. صحيح أن الحزب حركة جهادية تنضوي في القتال الى جانب جماعات مثل “هيئة تحرير الشام” في سوريا و”طالبان” في أفغانستان، إلا أن هناك حساسية قومية-اسلامية تضع التنظيم في خانة مختلفة. وهذا الاختلاف واضح في مجلة التنظيم، “تركستان الاسلامية”، حيث يغيب فيها الفكر التكفيري عند التعاطي مع تاريخ الأويغور. ذلك أن المجلة تحتفي بالرمز الأويغوري، حتى لو كان علمانياً أو شيخاً صوفياً، كمناضل في مواجهة الهيمنة والممارسات الصينية ضد هذه الأقلية. ليست السلفية الجهادية حداً فاصلاً في التاريخ، بل استكمالاً أنشط لمراحل سابقة من النضال.

وهناك أكثر من دلالة على هذا الاختلاف. أولاً، من الناحية العددية، تمكن “الحزب الاسلامي التركستاني” من جذب أعداد كبيرة من المتطوعين رغم آلاف الكيلومترات الفاصلة بين شمال سوريا واقليم شينجيانغ في شمال غربي الصين. وهذه المسألة على ارتباط بالليونة في التجنيد، إذ أن الانتماء أو الولاء القومي والموقف من الصين، أساسيان في هذا المجال، ويتفوقان على الايديولوجيا. لا يتوقع الحزب من المتطوع الأويغوري الخضوع الى اختبارات أو دورات دينية مكثفة قبل الانضواء إلى صفوفه. جوهر النضال قومي، وشكله سلفي جهادي، وقد يأخذ أشكالاً أخرى. والحقيقة أن الحزب، ورغم ضمه سوريين (ربما لأسباب لوجستية)، حافظ على طابعه الإثني، ويُخاطب “الوطن التركستاني” في منشوراته.

المؤشر الثاني إلى الاختلاف في العقيدة، على ارتباط بسلوك التنظيم ونبذه الصراعات الداخلية بين الفصائل المختلفة، وحضه على التركيز على مقارعة النظام وميليشياته. وهذا سلوك غير تكفيري. والواقع أن التنظيم هنا لا يُخفي هدفه الأساسي في القتال بعيداً “عن الوطن”، وهو يتمثل بحض العالم الإسلامي على رد الجميل بالتضامن. بكلام آخر، التركستان حضروا الى سوريا وأفغانستان لنُصرة شعوب مظلومة، وبذلوا الدماء في سبيل ذلك، واليوم حان الوقت لرد الجميل.

وهنا تحديداً حقق الحزب نجاحاً غير مرئي. القضية الأويغورية أو التركستانية باتت حاضرة لدى مختلف الجماعات الجهادية في سوريا، وأيضاً لدى رموز في هذا التيار في مختلف أنحاء العالم. وهذا الانجاز ليس بالهين. وبالإمكان الجزم أن الصين اليوم تحتل مكانة متقدمة، إلى جانب الولايات المتحدة، على قائمة أعداء هذا التيار.

لذا فإن معركة جبل الزاوية، لو وقعت الآن أو في مرحلة مقبلة، قد تطوي صفحة الحزب في سوريا، لكنها ستفتح صفحات مواجهة جديدة نجح التنظيم في الإعداد لها على مدى سنوات مضت.

المدن

——————————–

فرار السوريين إلى اللامكان/ مالك ونوس

كما كان متوقعاً قبل بدء المعركة المندلعة في إدلب، بدأت موجات هجرةٍ غير مسبوقةٍ منذ اندلاع الحرب في سورية. وبدأ الناس بالنزوح، حتى قبل أن تبدأ المعركة التي كان يتحسَّب لها الجميع، في تركيا والدول الغربية، وطبعاً أهالي إدلب والنازحون إليها، بسبب تبعاتها المتوقعة، والتي سرعان ما ظهرت. وفي حين سعت تركيا، الخائفة من موجات هجرةٍ جديدةٍ تصل إلى أراضيها، إلى وقاية المدينة من المعركة عبر اتفاقيتي سوتشي وأستانا، وعبر إقامة منطقةٍ عازلةٍ لإعادة اللاجئين إليها، إلا أن جهدها ضاع، وخاب أملها في الروس ضامني الاتفاقيتين. وأخذت فجأة تظهر مشكلة لاجئين جديدة، بدا المجتمع الدولي عاجزاً عن احتوائها، وأظهرت المآسي التي تخللتها مدى نكران هذا المجتمع مآسي السوريين التي تتكرر دوريّاً.

وكانت هذه المعركة بمثابة الكابوس الذي أرَّق أهالي المدينة، حتى قبل وقوعها بسنوات، بسبب كثافة السكان في المدينة، وبسبب كثرة التنظيمات العسكرية المعارضة للنظام، والتي تعمل في إدلب، وتتوزع تبعاتها بين هذا الفاعل الإقليمي وذاك، ما يجعل الصدام بينها قائماً فيزيد من عمق مأساة أهالي المدينة والنازحين، على السواء. ولكن الكابوس حلَّ قبل بدء المعارك، وبدأ الناس بهجرة المدينة وريفها ومخيمات النزوح حولها، منذ بداية ديسمبر/ كانون الثاني الماضي، حين عرفوا أن الجيش النظامي وروسيا يستعدّان للمعركة، ويحشدان قواتهما على تخوم المدينة. وفي شهرين لا أكثر، نزح حوالي نصف مليون من السكان، وازداد هذا العدد مع احتدام المعارك ليصل إلى 800 ألف نازح، بحسب إحصاءات المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.

لجأ النازحون إلى العراء، على الحدود السورية التركية، وانتشروا في الجبال الجرداء وبين البساتين، أملاً بألا تطاولهم نيران القذائف التي بدأت تنهال على المنطقة من شهرين. ولكن البرد الذي يأتي في هذه الفترة من السنة فاقم مصابهم، ولم تستطع خيامهم الهزيلة أن تحميهم من الأمطار أو الثلوج التي تراكمت فوقها، ولا من البرد الذي قتل عدداً منهم. ومن النازحين من افترش العراء، فلم يجد خيمةً تقيه المطر أو البرد أو حتى هجمات الحيوانات البرّية، ويصل عدد هؤلاء إلى 80 ألف نازح، بينما لجأ 20 ألفاً إلى الأشجار، ليبيتوا تحتها علَّها تؤمن لهم بعض الحماية. وقالت لجنة الإنقاذ الدولية، غير الحكومية، إن ستة أطفال ماتوا جرّاء الصقيع في الأيام الأخيرة، بينما وُجدت عائلةٌ بكاملها ميتةً بسبب البرد القارس الذي يضرب المنطقة.

كتبت إحدى الصحف العالمية أن حجم الأزمة الإنسانية صدم منظمات الإغاثة. ولكن ما صدم لجنة الإنقاذ الدولية أكثر أن هؤلاء النازحين بمجملهم ليس لديهم مكانٌ للنزوح إليه، وحيث امتلأ ما توفر من مدارس وأماكن عبادة، بل وحتى سجون، بأعدادٍ ضخمةٍ تزيد عن طاقتها الاستيعابية، بالنازحين، لم يتبقَّ للآخرين سوى “اللامكان” للجوء إليه. وتساءل نائب منسق الشؤون الإنسانية الإقليمي للأزمة السورية التابع للأمم المتحدة، مارك كتس: “إلى أين يتجه هذا العالم، إن لم يكن قادراً على تأمين حماية لثلاثة ملايين بشري يقطنون إدلب ومحاصرين بالحرب؟”، وذلك بعد أن وجَّه نداءاتٍ من أجل تحرُّك دولي بشأن الأزمة في سورية، إلا أن نداءاته لم تجد صدىً لدى أحد. وفي هذه الأجواء، ذكرت صحف غربية أن من الواضح أن العالم، والحكومات الغربية بالتحديد، قرّروا إيلاء المأساة الإنسانية في الشمال السوري الأذن الطرشاء لدوافع أنانية، في إشارةٍ إلى تخوفهم من أزمة لجوء جديدة إلى أوروبا.

وبدا واضحاً، منذ الأيام الأولى للمعركة، أنها ستسفر عن تفاهماتٍ جديدةٍ، وستذهب بتفاهماتٍ قديمةٍ بين اللاعبين الإقليميين حول سورية وحول إدلب تحديدا. كما من الممكن أن تغيِّر من خريطة المعارضة العاملة على الأرض؛ إذ يمكن أن يكون أول هذه التغيرات وأغربه، إعلان هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، حل نفسها في ذروة المعارك، فقد تواترت الأنباء عن حل الهيئة ذراعها المدني، تمهيداً لحل ذراعها العسكري، وستخير أعضاءها بين تسليم أسلحتهم الفردية أو الاحتفاظ بها والانضمام إلى الفصائل المسلحة الأخرى للمقاتلة تحت جناحها. إن صحّ ذلك، ربما تهدف الهيئة من الخطوة سحب ذريعة محاربة الإرهاب، المتمثل بالهيئة، من الجيش النظامي ومن القوات الروسية لتجنيب المدينة معركةً غير محسوبة العواقب. كما أن تجريد الفصائل المعارضة في إدلب من أسلحتها كان بنداً في اتفاق سوتشي، وتعهدت تركيا بتحقيق هذا المطلب في مقابل أن تمتنع قوات النظام والقوات الروسية عن شن هجومٍ على إدلب. وأدّى شن الجيش النظامي السوري، مدعوماً بقوات روسية الهجوم على إدلب، إلى تدخل الجيش التركي لحماية المدنيين، وضمان سريان اتفاق سوتشي، لأن تركيا تخاف خرق الاتفاق، وتسَبُّب المعارك بموجة نزوحٍ، ربما بالملايين، ليست أنقرة في وضعٍ يسمح لها بالتعامل معها التعامل المطلوب.

وفي حين برَّرت الحكومة السورية هجومها على إدلب بأن اتفاق سوتشي الخاص بالمدينة لم يُطبق، وخصوصاً منه الشق الذي يتعلق بفتح الطرق الدولية التي تربط حلب بدمشق، بسبب استمرار سيطرة الفصائل العسكرية المعارضة على أقسامٍ منها في ريف المدينة، وتقييد حركة المرور عليها، تقول تركيا إن الهجوم الأخير يعدُّ خرقاً لهذا الاتفاق. ومن هنا برز الخلاف بين روسيا وتركيا، ما استدعى لقاءات عدة بين مسؤولي البلدين، للتوصل إلى تفاهماتٍ بدت صعبة، ومن ثم أدى إلى إجراء اتصالات هاتفية بين الرئيسين، الروسي بوتين والتركي أردوغان. وقد اشتَمَّت أميركا أن الخلاف بين الطرفين جديٌّ، وهو من الجدّية بحيث يمكنها التعويل عليه لدفع تركيا إلى التخلي عن التسلح بالأسلحة الروسية، وخصوصاً منها أنظمة “أس 400” للدفاع الجوي.

واضحٌ أن معركة إدلب الجارية لن تكون مثل غيرها من المعارك بين المعارضة المسلحة وقوات النظام والقوات الحليفة لها، من حيث تداعياتها على العلاقة بين المتدخلين في الحرب السورية، خصوصاً روسيا وتركيا، وأميركا وتركيا، وربما ستتسم العلاقة بينهم في المقبل من الأيام بسماتٍ تختلف عما قبلها. وواضحٌ أيضاً أن الغرب قرَّر أن يُغمض عينيه عن المأساة التي يعيشها المدنيون السوريون الذين نزحوا إلى المجهول. وهو بذلك لا يكون قد قرَّر النأي بنفسه عن هذا الصراع، اتقاءً لتبعاته عليه، بل يكون قد قرَّر أن ينأى عما يدّعيه من مناصره حقوق الإنسان أينما كان.

العربي الجديد

———————————

إدلب ضحية انعدام السياسة/ سام منسى

التطورات المأساوية في إدلب تكذب مجدداً ادعاءات الرئيس بشار الأسد بأن الحرب قاربت نهايتها مع سيطرته على 90 في المائة من الأراضي السورية، وما من دليل أكبر على تهافت هذا الادعاء سوى حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوري، قتلاً وجوعاً وتعذيباً وتشرداً مع موجة النازحين الجديدة الذين انسلخوا عن أرضهم وبلغ عددهم نحو تسعمائة ألف سوري، والعدد إلى ارتفاع بحسب التوقعات. هذه المأساة تذكر بحقيقة مؤلمة تجلت منذ بداية الحرب السورية عنوانها الرئيسي هو اللامبالاة الدولية والإقليمية إزاءها.

إن المحطة الجديدة من الحرب التي تتمثل بالهجوم الذي يشنه النظام بدعم من روسيا لاستعادة منطقة إدلب، تدفعنا إلى التفكير حصراً بأدوار لاعبين أساسيين اثنين على الساحة السورية؛ هما روسيا وتركيا، وبتناقضات وحدود العلاقة بينهما رغم التحسن الكبير الذي شهدته خلال السنوات الأخيرة. فما يجري يشير إلى أن هذه العلاقة ليست سوى نتاج الواقعية السياسية والبراغماتية والسخط المشترك من الغرب، وأن نيران العداء التاريخي بينهما لم تخمد بعد.

أهم ملامح السياسة التركية إزاء الأزمة السورية وأكثرها وضوحاً تتمثل في الفجوة الكبيرة بين الخطاب الحاد على المستويات كافة والأفعال على الأرض! فالملاحظ أن حدة تهديدات تركيا لنظام الأسد ووتيرتها المتصاعدة لم تنقطع أو تهمد يوماً، لكنها عجزت على أرض الواقع من تحقيق أي من توعداتها. ونشير هنا ومن باب الأمانة، إلى بعض العوامل التي منعت تركيا من ترجمة مواقفها إلى أفعال، أبرزها موقف الرئيس الأميركي باراك أوباما من الحرب السورية الذي تميز بالغموض والتردد، وبقي محكوماً حتى نهاية ولايته بهاجس إرضاء إيران لتوقيع الاتفاق النووي معها، فأدركت أنها لن تجد أي سند لها في حال قيامها بعمل عسكري ضدّ نظام الأسد. أضف إلى ذلك الموقف الأوروبي وموقف حلف شمال الأطلسي غير المشجعين أيضاً، ونتذكر هنا كيف تُركت تركيا وحيدة في مواجهة روسيا إثر حادثة إسقاط طائرة روسية عام 2015.

وحتى يومنا هذا، وفي خضم المعركة الدائرة في منطقة إدلب، لا نزال نسمع تهديدات تركية كثيرة تصطدم فيما تصطدم بعدم رغبة إردوغان في تقديم ضحايا على المذبح السوري لاستعادة المناطق التي يريدها. بداية، ما دفع تركيا إلى التدخل في الحرب السورية هو طموحات إردوغان الشخصية بتبني ثورات الربيع العربي، ورغبة أنقرة في الاستبدال بنظام الأسد نظاماً آخر أقرب إليها آيديولوجياً واستراتيجياً، والحد من الخطر الكردي.

مع دخول روسيا الحرب إلى جانب النظام وموجة اللاجئين السوريين الكبيرة التي اضطرت أنقرة إلى استقبالهم، ودعم أميركا للأكراد في سوريا، قلصت تركيا طموحاتها لتنحصر في تأمين سيطرة الفصائل المسلحة الموالية لها على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي السورية، ليكون لها دور في رسم مستقبل البلاد، وفي إنشاء منطقة آمنة لغايتين: إبعاد التهديد الكردي عنها (وهذا أيضاً من أسباب توتر العلاقات بينها وبين الولايات الأميركية، في مرحلة ما وجنوحها باتجاه موسكو)، وتأمين منطقة آمنة تجمع فيها ملايين اللاجئين الموجودين في الداخل التركي لتخفيف هذا العبء عنها.

يوشك تقدم النظام في إدلب بدعم روسي على الإطاحة بهدف تركيا الأول، وبات مخرجها الوحيد هو اتفاق جديد مع روسيا، بدلاً من اتفاق آستانة لإقامة المنطقة الآمنة، مع التشكيك في قدرتها على جعلها منطقة يحظر الطيران فوقها. وقد تعطيها روسيا ذلك، لا سيما بعد سيطرتها على أهم المواقع في إدلب بما فيها الطريقان السريعتان الاستراتيجيتان «M4» و«M5».

أما سياسة موسكو السورية، فتميزت بخلطة فريدة من فقدان المصداقية وهشاشة التحالفات وقصر النظر. كان هدف روسيا ولا يزال تعويم نظام الأسد، وجعله يسيطر على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي السورية، بحجة الحفاظ على وحدة البلاد، وهي بصدد تحقيق ذلك في معركة إدلب على حساب اتفاق مناطق خفض التصعيد، التي اختفت بأكملها وبواسطة استعمال القوة المفرطة بحق المسلحين والمدنيين على حد سواء، بات معه جلياً أن المقصود هو إفراغ المنطقة من سكانها.

يحق لنا هنا السؤال عن ماهية الدور الذي تلعبه روسيا والمصداقية الدولية لمؤتمرات سوتشي أو آستانة في ظل الإطاحة بمقرراتها الميدانية العسكرية وعدم إحراز أي تقدم في السياسية منها. هذا إضافة إلى عدم احترامها لتعهدات قطعتها لإسرائيل بإبقاء الوجود الإيراني في سوريا بعيداً عن حدودها.

وإلى جانب تلاعب موسكو مع حليفها التركي من باب دعم اللواء حفتر في ليبيا للضغط عليها وقطف الثمار في سوريا، تجلت هشاشة تحالفاتها أكثر ما تجلت بموقفها من العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة ضد الوجود الإيراني في سوريا الذي اقتصر على التنديد. يوحي المشهد بأن روسيا لا تمانع قصقصة أجنحة إيران في سوريا، متحاشية في الوقت عينه حمل المقص بنفسها.

لكن ورغم كل الوهن الذي يُعتقد أنه أصاب الدور الإيراني في سوريا، لا سيما بعد مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني وضغوط العقوبات القصوى التي تتعرض لها واندلاع مظاهرات في لبنان والعراق منددة بتدخلاتها، لا تزال إيران عاملاً موجوداً وأساسياً في الأزمة السورية بخلاف ما يعتقده الكثيرون، وعلى رأسهم موسكو.

إن قصر النظر الذي اتسمت به السياسة الروسية في سوريا يصح معه وصفها بأنها تكتيكية أكثر منها استراتيجية، بمعنى أنها تسعى دائماً إلى حلول تعرف أنها غير قابلة للعيش طويلاً، ومع ذلك تروج لها على أمل أن يكون مردودها سريعاً. أكبر مثال على ذلك المبادرة الروسية لمعالجة أزمة النازحين في لبنان والتي تبخرت عن بكرة أبيها.

يمكن القول ونحن على مشارف السنة العاشرة من الحرب السورية، إن النجاح الروسي اقتصر على إعطاء الأسد زخماً ليستمر في المشهد ويبقى في الصورة، لكنها لم تستطع تعويمه والدفع بالمجتمع الدولي إلى قبوله مجدداً، كما لن تستطيع الإبقاء على الدولة السورية. فأي دولة هذه ونحن اليوم نتحدث عن أكثر من 6 ملايين لاجئ سوري موزعين بين تركيا والأردن ولبنان، مضافاً إليهم النازحون في الداخل، ويمكن القول إن نصف الشعب السوري تعرض للقتل والتهجير والسجن والخطف وروسيا تسوق هذه المأساة على أنها نتيجة عرضية للحرب ضد «داعش» والإرهاب. وعلى الخلفية نفسها، تشنُّ اليوم هجوماً همجياً ضد إدلب هو في الواقع وبعيداً عن الشعارات موجه ضد ثلاثة ملايين إنسان حشروا في هذه الزاوية ويراد اليوم نقلهم إلى المجهول.

مع كل ذلك من المرجح أن تستمر العلاقة النفعية بين تركيا وروسيا، إذ لا تستطيع الأولى التحرر من الثانية بسبب دورها الحاسم في سوريا، وبعدما ذهبت بعيداً في خلافها مع أميركا والناتو، ولن تدفع الثانية بالأولى إلى الحضن الأميركي مجدداً وتحتاجه كحليف غير صديق للنظام.

مأساة الشعب السوري أنه ضحية انعدام السياسة بكل معانيها من الأطراف كافة، لا سيما الأميركي والروسي، أما خلافات «حلفاء» الثورة وخلافات فصائل الثورة السورية كانت أكثر قسوة وإيلاماً من عنف النظام وحلفائه.

الشرق الأوسط

————————–

صقيع النزوح السوري… في انتظار خيمة قد لا تأتي/ تحقيق – سعاد خبية

هربت النازحة السورية رباب ناجي، من بلدة الأتارب الواقعة شمال غربي سورية، مع عائلتها بملابسهم من دون أي شيء آخر، بعد قصف منزلهم في مدينة إدلب في الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني الماضي، وبمساعدة أصدقاء العائلة، تمكنت من استئجار منزل غير مكتمل البناء، عبارة عن غرفتين، من دون مرافق أو مياه أو صرف صحي، في مقابل إيجار شهري يبلغ 100 دولار أميركي، بعدما دفعت 600 دولار، للمقدم والتأمين قبل أن تطأ المنزل مع عائلتها.

لم تجد العائلة حلاً آخر، إذ كانت “تبحث عن سقف يؤويها لا غير”، كما تقول رباب لـ”العربي الجديد”، بينما توضح كيف استخدمت “النايلون” لتغطية الحفر والثقوب في الجدران، ولكن الصقيع كاد أن يفتك بها وبأطفالها الثلاثة، قبل أن يشاركهم المنزل عائلة ذويها المؤلفة من تسعة أفراد، بينهم أربعة أطفال، نزحوا إلى إدلب أيضاً، ولم يتمكنوا من الحصول على مأوى فاضطروا للسكن معهم، بانتظار “خيمة قد لا تأتي”.

وتجاوز عدد الفارين من شمال غربي سورية جراء استمرار الحملة العسكرية التي ينفذها جيش النظام السوري بدعم جوي روسي، 900 ألف مدني نزحوا منذ الأول من ديسمبر/كانون الأول عام 2019، وفق إحصائيات الأمم المتحدة المنشورة على موقعها الإلكتروني في الثامن عشر من فبراير/شباط 2020. وهنا يشير فؤاد سيد عيسى، الناشط والمنسق بمنظمة بنفسج الإغاثية، والتي تعمل على إدارة المخيمات في الداخل السوري، إلى أن العدد تجاوز عتبة المليون وخمسين ألفا وفق إحصاءاتهم كما يقول لـ”العربي الجديد”.

مخيمات عشوائية

تتركز تجمعات النازحين الجديدة، بحسب عيسى، في مناطق الدانا وسرمدا شمال إدلب، وفي منطقة إعزاز والباب وعفرين في ريف حلب، بالإضافة إلى منطقة دارة عزة، قبل أن يتم قصفها.

وبلغ عدد المخيمات العشوائية داخل سورية 348 مخيماً، يقطن فيها 35633 عائلة، تضم  63579 امرأة، و67213 طفلاً، وفقاً لمسح أجرته منظمة “منسقو استجابة سورية”، الإغاثية، وتعاني المخيمات من اكتظاظ هائل، كما تقول الناشطة السورية والتي تعمل على جمع المساعدات للنازحين إيمان داراني، المقيمة في سرمدا بإدلب عقب نزوحها من داريا الواقعة في ريف دمشق.

وبنيت غالبية تلك المخيمات على أسس غير سليمة، من دون الانتباه لبعدها عن مراكز المدن، أو ضرورة تسوية الأرض قبل وضع الخيام ورفعها قليلاً، ما يتسبب بكثير من المشاكل كغرقها أو غمرها بمياه الأمطار والسيول، وفقاً لعيسى، الذي يشير إلى أن معظم الخيام في تلك المخيمات لم تأت عبر منظمات دولية، بل صناعة محلية وغير مطابقة للمواصفات، إذ صنعت من قماش عادي لا ترد البرد ولا المطر، وتسببت بوفاة عشرة أطفال من البرد مطلع فبراير 2020، فيما سجلت حوادث احتراق أكثر من خيمة بسبب قابليتها للاشتعال، وأدت لإصابات وسط قاطنيها في الفترة ذاتها أيضاً، لكن لا إحصائيات موثقة بشأنها كما يقول.

وتنتشر آلاف العائلات على طول الطريق الدولي الواصل بين إدلب ومعبر باب الهوى على الحدود السورية التركية، ينتظرون مكاناً آمناً ودافئاً، وفق ما وثقته معدة التحقيق عبر إفادات النازحين، ومنهم الأربعينية صفية راشد، التي نزحت من خان طومان بحلب إلى عفرين في المحافظة ذاتها، في التاسع عشر من فبراير الجاري، وما زالت تفترش مع طفلاتها الثلاث مدخل أحد الأبنية، لأنها لم تجد مأوى لها، قائلة لـ”العربي الجديد”: “قطعت وبناتي رحلة صعبة جداً، وكان لدينا الأمل في أن نجد سقفاً يؤوينا، لكن لم نجد سوى الرصيف، الجيران أمدونا ببعض الأدوات والأغطية”.

ظروف قاسية

يشكل النساء والأطفال 80% من النازحين، وفق تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة، يونيسف، ويقيمون في مخيمات عشوائية ومراكز إيواء جماعية، وفي مبان غير مكتملة، يحيطونها بأغطية بلاستيكية أو قطع من القماش لا تقيهم البرد القارس والصقيع، ولا تمنع دخول الأمطار ومياه السيول إليهم، بينما يعجزون عن توفير أبسط مستلزمات التدفئة والعيش، وفقاً لإفادات 25 عائلة.

ومنذ اشتداد الحملة العسكرية في 16 يناير الماضي، تتزايد أعداد النازحين يومياً ويبلغ عدد الأطفال الذين نزحوا مع عوائلهم نصف مليون طفل وفق تقرير يونيسيف الصادر في يناير الماضي، أما النساء النازحات، فبلغ عددهنّ 223.841 امرأة، بينما بلغ عدد الذكور 195.859 رجلا، وذلك في الفترة الممتدة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2019 وحتى 18 فبراير/ شباط 2020، بحسب منظمة “منسقو استجابة سورية”، وتمتلئ المدارس والمساجد والمباني قيد الإنشاء، وحتى المحال التجارية والمستودعات ومزارع الزيتون، بأعداد كبيرة من النازحين الذين يجابهون برودة الطقس ونقص الطعام والماء، وظروفاً معيشية قاسية وفق ما يؤكده النازحون.

وتصف سلمى عباس، عضو الاتحاد النسائي في سراقب، (مؤسسة نسوية مستقلة)، النزوح الجماعي للمدنيين بأنه مشهد من يوم “القيامة”، مؤكدة في حديثها لـ”العربي الجديد”، أن العدد الضخم من النازحين يقابله ندرة في أماكن الإقامة، ورفع الإيجارات بسبب الجشع، وغياب مواد التدفئة في ظل الاستجابة الضعيفة للمنظمات الدولية، وهو متسبب في أن كثيراً من النازحين ينامون منذ أسابيع في البرد القارس، وداخل سيارات مفتوحة مغطاة بالبلاستيك، لأنهم لم يتمكنوا من استئجار منزل أو الحصول على خيمة، وهو ما عانى منه الستيني السوري عبد القادر أبو النور في خان شيخون بعدما طرده وعائلته المكونة من 15 فرداً مالك البيت، بعد رفضهم مضاعفة إيجار المنزل، وتابع لـ”العربي الجديد”: “إيجارات المنازل تضاعفت مع موجة النزوح الجديدة، وتتراوح ما بين 150-300 دولار، ما يجبر النازحين على البقاء في العراء، لعدم قدرتهم على الدفع”.

وتقيم 11 ألف عائلة تحت أشجار الزيتون، أي ما معدله 119.206 أشخاص وفق ما كشفته دراسة داخلية مشتركة أعدتها منظمة بنفسج للإغاثة والتنمية بالتعاون مع الأمم المتحدة في يناير 2020، ويضع هؤلاء عوازل بلاستيكية تحت الأشجار لتغدو على شكل خيمة، وهذا ما تؤكده سلمى عباس التي رصدت لدى عبورها الطريق من إدلب باتجاه منطقة الباب، مئات النازحين ينامون فوق سكة القطار من دون خيام.

مساعدات غير كافية

بلغ مستوى العجز في تأمين المأوى للنازحين الجدد ما نسبته 97% وفق توثيق منظمة “منسقو استجابة سورية” المنشور على صفحتها الرسمية على “فيسبوك”، في السابع عشر من فبراير الجاري، فيما بلغ عجز قطاع المواد الغذائية 94%، وسُجل عجز بنسبة 89% في المواد غير الغذائية، وبلغ في قطاع الصحة 92%، أما التعليم 90%.

ويحصل هؤلاء النازحون على مساعدات محدودة، ولم تتمكن المنظمات من مساعدتهم بسبب عددهم الضخم، كما يقول الناشط عيسى، والذي يرى أن استجابة الأمم المتحدة ضعيفة، مبيناً أن منظمة بنفسج أقامت 17 مركز إيواء جماعي في إدلب وسرمدا ودارة عزة، ضمت 15 ألف شخص معظمهم من النساء والأطفال.

واقع مترد تؤكده المفوضية العليا لشؤون اللاجئين على لسان المتحدث باسمها، أندريه ماهيسيتش، في تصريحات صحافية نشرها موقع الأمم المتحدة في الحادي عشر من فبراير 2020، إذ تكثف المفوضية الجهود للوصول إلى المحتاجين كجزء من استجابتها، ومع ذلك فإن هذا لن يلبي سوى جزء صغير من إجمالي الاحتياجات، لأن النزوح الأخير قد فاق القدرة على الاستجابة، وهناك حاجة ماسة إلى المزيد من الموارد والتمويل.

ويعاني آلاف النازحين من رفض المنظمات تسجيلهم بسبب فقدان أوراقهم الثبوتية، وترى عباس أن هذه ضغوط غير مبررة تزيد العبء على النازحين، ومن المعروف أن كثيرا منهم دمرت بيوتهم، واحترقت بالقصف، ومنهم من فقد أوراقه أثناء النزوح، ما يحرمهم من ضمان مساعدات أساسية تحفظ حياتهم.

الأزمة الصحية تتفاقم

ترهق الأزمات المادية والصحية والنفسية كاهل النساء في مخيمات النزوح، وأكثرهنّ من الأرامل المعيلات، ممن وجدن أنفسهن وحيدات مع أطفالهن في العراء، من دون مأوى أو تدفئة أو مصدر للدخل، كما توضح المشرفة في هيئة الإغاثة الإنسانية في إدلب، صابرين علوش، والتي تعيش ذات الضغط النفسي من خلال معايشتها لمعاناة السيدات النازحات بشكل يومي، إذ تتولى وفريقها المتخصص بدعم النساء والأطفال توزيع ألف سلة من المعونات يومياً، مشيرة إلى أن تلك النسوة أجبرن على القيام بمهام كبيرة تشمل تثبيت وصيانة الخيمة بشكل دائم، وتأمين المياه ومواد التدفئة والطعام، وحماية الأطفال والفتيات، وخاصة عندما تفاقمت الأزمة خلال الشهرين الأخيرين.

وتسببت موجة البرد الشديد التي ترافقت مع النزوح بسبب العمليات العسكرية بأمراض عديدة للنازحين وخاصة الصدرية منها، وكان الأطفال الأكثر تأثراً، ودفع عشرة منهم حياته جراء النوم في العراء، وفقاً لطبيبة الأطفال في منطقة الباب في ريف حلب، هدى حيلاني، والتي قالت إن الأوضاع الصعبة للنازحين جعلتهم يلجأون للتدفئة على الفحم الحجري، والذي يتسبب بالتهاب رئوي حاد، كما تصدر رائحة كريهة تسبب حالات حساسية شديدة تصل إلى الربو التحسسي.

وهذا ما حدث لأطفال النازحة انتصار إبراهيم، والذين يعاني الصغار الأربعة من أمراض تنفسية وسعال شديد، وسلس بولي منذ نزوحهما من معرة النعمان، وإقامتهما مع خمس عائلات أخرى في مستودع في عفرين.

وأصيب طفلا النازحة ولاء هاشم عدة مرات بالتهاب الأمعاء والإسهالات، بسبب المياه غير النظيفة التي يضطرون لشربها مع عدم وجود بدائل في مخيم أطمة الذي يعد من أكبر مخيمات النازحين في الشمال السوري، قائلة لـ”العربي الجديد”، إنها لم تستطع حتى الآن معالجة أطفالها.

وفي إدلب، توقفت 52 منشأة طبية منذ إبريل/نيسان عام 2019، بسبب الاستهداف المباشر وسوء الأوضاع الأمنية، كما يوضح مدير صحة إدلب الدكتور منذر خليل، مبيناً في إفادته لـ”العربي الجديد” أن أكثر من مليون و300 ألف مدني، حسب إحصاءاتهم الرسمية، نزحوا بشكل جماعي، ويعيشون في ظروف سيئة جداً، من دون مياه صالحة للشرب وبلا طعام كاف، ما تسبب في ارتفاع أعداد المصابين بالأمراض المنقولة، بالإضافة للأمراض الناتجة عن التعرض للبرد، لافتا إلى أن 70 منشأة طبية في إدلب تحتاج مساعدات عاجلة لمواجهة هذا العدد الضخم من المقيمين الجدد، والدواء غير متوفر مع إصابتهم جميعاً بنزلات البرد.

بدائل مضنية للنازحين

يشكل الحصول على المياه أزمة كبيرة بالنسبة للنازحين في إدلب وحلب، إذ تبلغ تكلفة تعبئة خزان المياه 2400 ليرة سورية، أي ما يعادل 5.52 دولارات، ولا يكفي الخزان سوى يوم أو اثنين، كما يوضح النازح الثلاثيني رشاد حمدو، المقيم في إدلب، قائلاً إنه لا يمتلك المال للحصول على ما يحتاجه وعائلته من المياه يومياً، ما يجبره على الاكتفاء بـ”غالون” واحد، يحصل عليه بشق الأنفس من بائع الماء المتجول، وهو ما يترك آثاراً سلبية جداً على صحتهم، كما يقول.

أما التدفئة، فتحولت إلى هاجس يؤرق النازحين الذين يعيشون في الصقيع، وخاصة بعد توقف توزيع مادة البيرين (فضلات بذور الزيتون بعد عصره)، والتي كانوا يعتمدون عليها للتدفئة، ما دفع كثيرا من النازحات في المخيمات إلى صعود الجبال القريبة، والبحث في الأحراش للحصول على الحطب لتوفير التدفئة لأطفالهن، وهذا يعرضهن غالباً لخطر إطلاق الرصاص عليهن كون هذه المناطق عسكرية، وفقاً لمصادر التحقيق.

وتتشارك آلاف العائلات النازحة بعدد محدود من المراحيض المتاحة ضمن مراكز الإيواء الجماعي، إذ تجد طوابير النازحين منتظرين فرصة الدخول إلى هذه المرافق، أما في المخيمات العشوائية، فيضطر النازحون لاستخدام الخلاء المكشوف لقضاء حوائجهم، وهو ما يخلق معاناة خاصة للنساء، كما تقول دلال بنش، نازحة من جبل الزاوية، وتقيم حالياً في سلقين بإدلب، وتعمل منسقة لمنظمة زمردة، التي تعمل على تأمين مساكن للنازحين.

———————————-

=============================

تحديث 25 شباط 2020

تحرّروا من إدلب ليسقط الأسد/ غازي دحمان

لن يعني تسليم إدلب لروسيا وإيران هزيمة الثورة السورية، بقدر ما هو اعترافٌ بأمر واقع، أن السوريين غير مجهّزين لمواجهة ثاني قوّة جوية على مستوى العالم تعمل بكامل طاقتها التشغيلية، في بيئةٍ تضاريسيةٍ غير مساعدة للمقاومة، والأهم في بيئة دولية، أغمضت عينيها عن المقتلة السورية، حتى إن بيانات الشجب والاستنكار صارت عزيزة عليها، فيما تفتك أحدث نسخ المقاتلات الروسية بلحم السوريين.

لم يعد ثمّة مبرّر للاستمرار في هذا الجحيم، ولم يعد ثمّة مبرّر أصلاً للقتال. حتى مقولة “استنزاف نظام الأسد” لم تعد منطقية، ما دام يجنّد أبناء مناطق المصالحات، عنوة، ويضعهم في مقدمة صفوفه ليموتوا في مواجهة قوى المعارضة، فالقاتل والقتيل هم أنفسهم الذين يرغب الأسد، ومن خلفه إيران وروسيا، في التخلص منهم.

ولم يعد ثمّة مبرّر للقتال، طالما أن جبهة النصرة وأضرابها هم بدائل نظام الأسد في المناطق المحرّرة من سلطة الأخير، فهؤلاء لا يستحقّون الدفاع عن وجودهم، ولا عن مشاريعهم الظلامية، والدفاع عنهم لا يختلف عن الدفاع عن مشروع الأسد نفسه.

ولم يعد القتال ممكناً في ظل اختلال ميزان القوى بشكل كبير لصالح الطرف الآخر، الذي يملك حلفاء لديهم مشاريع جيوسياسية، ويرصدون موارد هائلة وإمكانات معتبرة لتحقيقها، فيما الطرف الآخر لا سند ولا ظهير له. أما تركيا فهي، في نهاية الأمر، ستفاضل بين مصالحها التي ليست في إدلب، بل مع روسيا التي يتجاوز حجم تجارتها معها ثلاثين مليار دولار، وتزوّد تركيا بالغاز، وتبني أربع محطات نووية، وترسل أكثر من خمسة ملايين سائح سنوي إليها.

أين المعارضة السورية، أين أصحاب التقدير والمسؤولية؟ ألم يدرك هؤلاء أن المعركة خاسرة لا محالة، وأن إطالتها لن تغيّر الوقائع، ومن المستحيل قلب المعادلة لصالح المعارضة. لماذا لا يطالب ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، أو الهيئة العليا للتفاوض، بوقف هذه المقتلة؟ إذا كان هؤلاء يشتغلون سياسةً، فقد آن الأوان أن يفهموا أنها فنّ الممكن، وعليهم المفاضلة بين خياراتٍ كلها سيئة، وأن الفرصة الممكنة هي تقليل الخسائر قدر الإمكان، هل يعتقدون أن إغراق نظام الأسد وروسيا إدلب بالدم والدمار سيغيّر من الواقع؟ ثم إن الناس الموجودين في مناطق المعارضة هم مسؤولية المعارضة بالدرجة الأولى، لأنهم بيئتها وناسها.

لماذا لا يذهب وفد من المعارضة إلى روسيا، ويتفاوض بشكل مباشر معها، ولا يضع سقوفاً عالية لطلباته، بل يجعلها في حدود الممكن، بحيث تؤمّن أكبر قدر ممكن من الأمان لمن تبقّوا في إدلب، وتؤمّن عودة مئات آلافٍ يقطنون في العراء إلى بيوتهم، وحسناً إذا قبلت روسيا بصيغةٍ مشابهةٍ لما حصلت في بعض مناطق درعا. صحيحٌ أنها صيغة هشّة، وأنها مكّنت نظام الأسد من التحكّم في المجتمعات المحلية في درعا، ولكن يمكن تحسينها في إدلب، من خلال

إعطاء المجتمع المحلي دوراً أكبر، وروسيا ستوافق على هذه الصيغة، لأن ذلك سيؤكد على مقولتها، الزائفة، أنها في سورية من أجل إحلال السلام.

مؤكدٌ أنه سيكون صعباً تقبّل مثل هذه الحلول التي هي بمثابة تجرّع كأسٍ من السم بالفعل، لكن ما هي البدائل؟ يقول المنطق إنه في ظل هذه المتغيرات الجارفة، من الخطأ على المعارضة حصر خياراتها في الانتصار على الأسد عسكرياً، أو انتظار أن يضغط العالم على روسيا لإجبارها على القبول بعملية سلام عادلة، فقد ثبت بالملموس أن هذين الخيارين غير واقعيين، ويقتضي التفكير السليم البحث عن خيارات وبدائل أخرى أكثر واقعية.

كما أن خيار إطالة الحرب ليس في مصلحة السوريين، بل يخدم الأسد، ومن خلفه روسيا وإيران، إذ يتيح لهما تفريغ سورية من أكثريتها العربية السنية، الأكثرية التي دفعت أثمانا فظيعة، والتي باتت الحرب تشكّل ذريعة لتلك الأطراف، لاستمرار الهجوم عليها وتمرير مشاريعها في سورية، كما أن تدمير مدن الأكثرية وتحويلها إلى أماكن غير قابلة للحياة عامل مساعد لبقاء السوريين في مناطق اللجوء، داخلياً وخارجياً، وربما على شريط الحدود.

يستفيد نظام الأسد من استمرار الحرب، إذ يستطيع قمع كل صوتٍ معارضٍ في المناطق التي يحكمها؛ فإذا طالب أحد بتوفير الوقود للتدفئة، ينبري شبّيحة النظام بتذكيره بأن “الجنود” الذين “يدافعون” عنه يقيمون في البرد والعراء، وإذا طالب أحد بتوفير الخبز، يزاودون عليه بأن أولئك “الجنود” لا يأكلون خبزاً ساخناً مثلهم، فالحرب ورقة قوية بيد الأسد، وليست ورقة ضده.

الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع أن هذا النظام بات أضعف بكثير من أن يحكم سورية، أو بلغة أدق يديرها، وعندما تسكت مدافع الحرب، سيصعب عليه مغادرة العقلية العسكرية والتحوّل إلى عقلية التطوير والتعمير، وهي الاستحقاقات التي تنتظرها سورية، وهي الاستحقاقات ذاتها التي ستطيحه.

وعندما تسكت المدافع، فإن معسكر الأسد مرشّح للتفكّك، سيتقاتل حلفاؤه ومؤيدوه على الحصص، وهم بدأوا. صحيحٌ أن أصواتهم خافتة، لكن ذلك بسبب ضجيج المدافع، سيطالبون بما يعتبرونه حقوقهم، وليس لديه ما يقدّمه لهم، وسيدركون، من روسيا إلى إيران إلى شبيحته وأنصاره، أنهم مع بقاء الأسد لن يحصلوا على ما يعوّض خسائرهم القاسية.. تسليم إدلب لروسيا قد يكون تحريرا للمعارضة من وضع قاسٍ للانطلاق إلى أوضاع أكثر جدوى وقابلية للتطبيق.

———————————–

أسد على السوريين في إدلب وأبكم أمام الإسرائيليين في دمشق

على غير عادته في معظم الهجمات المماثلة السابقة، سارع جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى إعلان المسؤولية عن الغارات التي شُنت على جنوب العاصمة السورية ومحيط مطار دمشق مساء الأحد الماضي، موضحاً أنها استهدفت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، بالتزامن مع هجمات على قواعد للحركة في قطاع غزة. وفي مقابل تأكيد الحركة استشهاد اثنين من كوادرها في الغارات جنوب دمشق، أفادت مصادر أخرى أن العدد قد يكون أكبر بالنظر إلى أن نطاق الضربات كان واسعاً وحجم القوة الصاروخية كثيفاً.

من جانبه لم يفوّت رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو فرصة استثمار هذه الغارات سياسياً وعلى صعيد شخصي فكشف النقاب عن معلومة لوجستية يحرص جنرالات الجيش الإسرائيلي على التكتم حولها، وهي أن الغارة على جنوب دمشق استهدفت اغتيال قيادي كبير في الجهاد الإسلامي ولكنه نجا. وفي أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي كانت غارات إسرائيلية قد استهدفت ضواحي العاصمة السورية أيضاً، وتردد يومذاك أن أحد الأهداف كان منزل القيادي في الحركة أكرم العجوري، مما أسفر عن استشهاد ابنه ومقاتل آخر.

وليس خافياً أن نتنياهو يدرك قيمة استعراضات القوة من هذا النوع إجمالاً، ولكن في هذا التوقيت تحديداً وقبل أسبوع من انتخابات الكنيست الثالثة خلال أقل من عام، والتي تضع على المحك مجدداً ليس مستقبله السياسي كرئيس للحكومة وزعيم لليكود فحسب، بل كذلك مآزقه مع القضاء الإسرائيلي وتهم الفساد التي تلاحقه وسوف تؤذيه بشدة إذا لم يحتفظ بموقع رئاسة الحكومة. ولهذا فإن تهديداته بصدد الغارات الأخيرة شملت التلويح بحرب ضد قطاع غزة سوف تكون أشد شراسة هذه المرة، بالإضافة إلى إبلاغ رسائل جديدة إلى إيران عبر الاستمرار في استهداف فيلق القدس وميليشيات طهران الأخرى على الأراضي السورية.

كذلك يدرك نتنياهو أن سياسة الغارات في سوريا وضد القطاع تعزف على وتر شعبوي لدى الجمهور الإسرائيلي بصفة عامة، ولكنها تكتسب طابعاً تحريضياً خاصاً قبيل الانتخابات من زاوية استكمال «انتصارات» نتنياهو الدبلوماسية بعد إعلان «صفقة القرن» والعزم على ضمّ المستوطنات وأراض في الغور والضفة. ولم تكن مصادفة أن تصريحاته حول الغارة على دمشق وتهديد القطاع بحرب جديدة تزامنت مع زيارة إلى مستوطنة أريل في الضفة، بصحبة السفير الأمريكي دافيد فردمان واللجنة الإسرائيلية ــ الأمريكية المكلفة برسم خرائط الضم.

وليس مدهشاً أن طيران دولة الاحتلال يسرح ويمرح في أجواء دمشق، فلا تتصدى له سوى صواريخ قديمة عاطلة عن الفعل. وليس غريباً ولا جديداً أن الرادارات الروسية، التي تغطي شبكاتها كامل المنطقة وليس سماء سوريا وحدها، بقيت كالعادة متعامية عن الطيران الحربي الإسرائيلي، وغاب عنها حتى الشجب اللفظي المعتاد. ذلك لأنها، مثل نيران النظام السوري وطيرانه وبراميله المتفجرة، منهمكة بقصف أبناء الشعب السوري في قرى وبلدات ومدن إدلب، ومنشغلة بقذف مئات الآلاف من النازحين نحو العراء والمجهول والصقيع.

وكما في المثل الشهير، أسد على السوريين العزل في إدلب، وأصم أبكم أعمى أمام الإسرائيليين في سماء دمشق.

القدس العربي

————————-

حين يُقتل الأطفال ليصنع الكبار أوراق ضغط في إدلب/ مثنى عبد الله

لا تراهنوا على الضمائر، فالضمائر ماتت وتعفنت منذ أمد بعيد. ولا تتوسلوا بالدماء كي لا تصبح ماء، فقد فقدت ذلك اللهيب الذي يكوي النفوس ويجعلها تنتفض من أجل الحق. ولا تتشبثوا بالاخوّة وقيم الإنسانية، فقد تمت المتاجرة بها ودخلت سوق المزادات. كل ذلك قاد إلى صمم المشاعر والأحاسيس فبتنا نبحث عن الدفء غير آبهين بتلك الأجساد الغضة، التي ترتعد من البرد في الخيام وفي الشاحنات على تخوم إدلب السورية. فما الذي يجري في هذه المدينة؟ وهل تستحق الطفولة وإنسانية الإنسان أن تُسحق بهذه الطريقة البشعة؟

إن ما يجري في كل سوريا، وفي هذه المدينة على وجه الخصوص، محركاته الأساسية هي لعبة الجيوبولتيك والذاكرة التاريخية أيضا، فقد عاد الصراع الجيوسياسي بين القوى الإقليمية الثلاث روسيا وتركيا وإيران، من الساحات المعتادة للصراع التاريخي بينها، التي كانت في القوقاز والبلقان، إلى سوريا والعراق ولبنان، ففي ظل الانهيار الذي أصاب أسس النظام العالمي، المترافق مع انهيار تام للنظام الإقليمي في هذه المساحة الجغرافية، حضرت وبقوة مصالح الدول العظمى كروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك الدول الإقليمية الكبرى تركيا وإيران وإسرائيل، وبذلك سقطت كل الاتفاقيات التي اقتسم بها الجميع سوريا، ومعها أيضا سقطت كل قواعد الاشتباك. وباتت جميع القوى اليوم تحاول رسم قواعد اشتباك جديدة تحقق بها مصالح أخرى إضافية، وأوراق ضغط تمسك بها كي تطرحها، إن كانت هنالك طاولة مباحثات ترسم ملامح سوريا المستقبلية.

روسيا اليوم هي الطرف الأقوى على الأرض، وهي من ساعدت النظام السوري على إحداث تغيرات مهمة في الخريطة العسكرية، فجعلته يسيطر على معاقل المعارضة شمال وغرب مدينة حلب، التي كانت تسيطر عليها منذ عام 2012. كما أنها هي التي سمحت للنظام بأن ينتهك كل الاتفاقيات التي تم توقيعها بين أنقرة وموسكو. فقد تم فرض وقف إطلاق النار في إدلب بموجب اتفاقية سوتشي في 17 سبتمبر/أيلول 2018. وبموجب هذا الاتفاق أقامت تركيا 12 نقطة مراقبة في المنطقة، لكن النظام السوري انتهك الاتفاق، بحجة أن تركيا لن تفي بالتزاماتها، وهي إنشاء منطقة عازلة على عمق 15 ـ 20 كيلومترا خالية من الأسلحة الثقيلة للمعارضة، وخالية أيضا من الجماعات التي تسمى إرهابية. وقد تبنت موسكو هذه الادعاءات أيضا، بل شجعت ودعمت النظام للقيام بعملية عسكرية، استعاد بها العديد من قرى إدلب وحلب، وسيطر على الطريق الدولي الرابط بين دمشق وحلب، ما جعل نقاط المراقبة التركية على أرض الميدان خلف ظهر قواته.

إن اللعبة الروسية التي أصبحت معتادة هي مساعدة قوات النظام وحليفاتها الميليشيات الإيرانية على قضم الأرض، ثم دعوة تركيا إلى التوصل إلى اتفاقيات جديدة وفقا للمعطيات الميدانية المستحدثة على أرض الواقع، مع الرفض القاطع للتنازل عن المكاسب المتحققة للنظام السوري. وهي اليوم تطالب أنقرة بالانسحاب من جميع نقاط المراقبة، وتسليم نقاط التفتيش العسكرية على طريق تركيا ـ إدلب، وكذلك أن تسحب تركيا جميع عناصر المعارضة السورية. كل ذلك مقابل منطقة آمنة تُنشئها أنقرة على طول الحدود التركية – السورية بعمق 15 كيلومترا، تستضيف فيها النازحين السوريين. وعلى الرغم من أن الصراع لتثبيت المصالح على الارض السورية يسعى إليه الأتراك والروس بشكل حثيث وواضح جدا، لكن تبدو تركيا غير قادرة على الرفض في ظل الأرضية الصلبة، التي بنت عليها علاقاتها الاستراتيجية مع الجانب الروسي. فالمصالح بين البلدين باتت ذات أبعاد مستقبلية تحقق فيها تركيا مصالح كبيرة لها، وليست منافع مرحلية، فموسكو زودت أنقرة بمنظومة الدفاع الجوي المتطورة أس 400، كما أنها تقوم ببناء مفاعل ذري لصالح تركيا، وكذلك خط أنابيب الغاز الروسي، الذي يمر عبر الاراضي التركية إلى أوروبا، تحت البحر الأسود.

كلها أوراق ضغط تجعل صانع القرار التركي يفكر ألف مرة فيها، قبل اتخاذ أي قرار تكون نتائجة سلبية على العلاقات بين الطرفين. لذلك نجده اليوم يقول إنه لن يسمح بعد الان للطائرات أن تستهدف السكان المدنيين في إدلب، لكنه لم يقل لنا كيف، خاصة أن الروس هم من يسيطرون على الأجواء السورية؟ إن خوف تركيا ليس مما يتعرض له سكان إدلب، إن الخوف الذي يعتريها هو من ما بعد إدلب. فالخروج من هذه المدينة يعني خروجها من المعادلة السورية، كما أنه خوف من تدفق المزيد من اللاجئين السوريين إلى أراضيها، وهذا يهدد مستقبل الحزب الحاكم. والأكبر والأخطر من كل ذلك هو تطويقها من قبل روسيا، وبالتالي احتواء دورها الإقليمي في المنطقة، خاصة أن موسكو بضمها لجزيرة القرم في عام 2014 جعلت البحر الأسود بحيرة روسية، ما هدد سيطرة تركيا على مضيقي البسفور والدردنيل، لذلك يسعى صانع القرار التركي رسم قواعد اشتباك جديدة عبر تعزيز جبهة عسكرية تمتد من إدلب وحتى جسر الشغور شمال الطريق الدولي (أم 4). وأن إرسال المزيد من القوات التركية إلى إدلب هدفه فرض المزيد من الضغوط على موسكو للعودة إلى مفاوضات، توقف التدهور السريع للمصالح التركية على الأرض.

اين الفاعل الأمريكي من كل ما يجري؟ إنه يلتزم الصمت تجاه ما يحدث ولا تعنية المعاناة الانسانية، بقدر ما تعنيه المنافع السياسية والعسكرية المتحققة له، من خلال الاستجابة للطلب التركي بتزويدها بمنظومة باتريوت، التي تريدها انقرة وسيلة لغمس حلف الناتو في الصراع الدائر في سوريا، وفزّاعة تخوف بها الاطراف الاخرى. كما أنه بانتظار الطلب الروسي منه الدخول على خط الازمة للضغط على الرئيس التركي. حينها تنفتح فرصة جيدة للتفاهم الأمريكي الروسي على حزمة المصالح في سوريا. وربما تكون واشنطن بانتظار أن يتأزم الموقف أكثر بين حليفتها تركيا وروسيا، ما يضطر صانع القرار التركي لطلب المساعدة من الحلفاء في الناتو، مقابل التخلي عن صنع سياسات تركية مناقضة ومتعارضة مع واشنطن والحلف الأطلسي.

بالمقابل أين موقف الاتحاد الاوروبي؟ هو لديه مخاوف من المواجهة العسكرية التركية الروسية التي هي بعيدة الاحتمال. كما لديه مخاوف كبيرة من اللاجئين، وإمكانية تكرار التدفق الكبير منهم إلى أوروبا، كما حصل في بداية الأزمة، لكن ليس لديه أي تأثير على الطرفين الروسي والتركي. مع ذلك يمكن أن يمارس ضغطا دبلوماسيا على الطرفين للوصول إلى تفاهم مشترك بينهما. الأوروبيون قد يطلبون ضمانات من الروس في منطقة على الحدود السورية التركية بعمق 30 كيلومترا، كما قد يطلبون من الروس عدم منح الأكراد وضعا شبيها بأكراد العراق، لكن الروس لن يقدموا هذه الضمانات لأنهم يعتبرونها تتنافى مع الاتفاقيات السابقة. كما أن روسيا لن تستجيب للموقف الاوروبي لأنهم يرون فيه موقفا متفقا مع التوجهات التركية من حيث المخاوف، على الرغم من أنه يتفق مع الموقف الروسي من جهة بقاء سوريا موحدة.

*كاتب عراقي واستاذ في العلاقات الدولية

القدس العربي

———————————-

المعارضة السورية المعتدلة تستعيد مدينة النيرب في إدلب/ هبة محمد

دمشق ـ «القدس العربي»: استعادت المعارضة السورية المعتدلة، أمس الإثنين، سيطرتها على بلدة النيرب، بوابة مدينة سراقب الاستراتيجية في محافظة إدلب شمال غربي البلاد.

وأطلقت المعارضة المعتدلة عملية عسكرية ظهر أمس، بهدف السيطرة على البلدة التي خسرتها لصالح قوات النظام السوري قبل أيام.

واستطاعت قوات المعارضة فرض سيطرتها على البلدة رغم القصف الجوي الروسي المساند لجيش النظام والمجموعات المدعومة إيرانيا.

واستمرت الاشتباكات بين الجانبين حتى ساعات المساء، واضطرت قوات النظام للانسحاب من البلدة بعد تعرضها لخسائر كبيرة.

ونفذت مقاتلات النظام السوري وروسيا عشرات الغارات الجوية في الشمال السوري، عقب تقدمها إلى بعض المواقع على حساب المعارضة في ريف إدلب.

وشملت الغارات الروسية – السورية أكثر من 18 نقطة مأهولة بالسكان في منطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب، ما أسفر عن مقتل 6 مدنيين في حصيلة أولية للمرصد السوري لحقوق الإنسان، كما أجبرت مَن تبقّى من أهالي المنطقة على النزوح إلى الحدود السورية – التركية هرباً من القصف والعمليات العسكرية.

وتركزت الغارات الروسية على منطقة جبل الزاوية، وعموم ريف إدلب الجنوبي، التي دخلت بدورها مرحلة الحرب الواسعة من قبل الحلف الروسي – السوري، حيث أظهرت المعارك والمناطق التي سيطرت عليها القوات المهاجمة، هدفاً روسياً بالسيطرة الكاملة على ريف إدلب الجنوبي، والطريق الدولي أم- 4 الاستراتيجي الرابط بين محافظتي حلب ودمشق، بينما بدأت أنقرة بتوسيع انتشارها في جبل الزاوية، ومن ثم ريف إدلب الجنوبي كاملاً، حيث عمد الجيش التركي خلال الساعات الماضية إلى إنشاء 4 نقاط عسكرية جديدة.

وحذر مسؤول أممي من «مذابح حقيقية» بحق المدنيين في محافظة إدلب السورية، جراء استمرار هجمات نظام بشار الأسد وداعميه.

جاء ذلك على لسان نائب منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية في سوريا، مارك كاتس، خلال مؤتمر صحافي عقده في جنيف الإثنين.

وقال كاتس إن إدلب تحولت لساحة حرب بسبب استمرار هجمات النظام وداعميه، وإن أكثر من 3 ملايين مدني محاصرون فيها. وأضاف «لا شك أننا سنشهد مذابح حقيقية بحق المدنيين».

وأشار كاتس إلى أن الأمم المتحدة ترسل 50 شاحنة مساعدات إلى إدلب يوميا، وتهدف لرفع هذا العدد إلى مئة. ولفت إلى أن الهجمات (من دون ذكر اسم نظام الأسد وداعميه) تسببت بنزوح أكثر من مليون مدني باتجاه الحدود التركية.

وشدد المسؤول الأممي على أن سوريا «لم تشهد نزوحا للمدنيين» مشابها للنزوح الأخير منذ بدء الحرب في البلاد عام 2011.

وأوضح أنه «خلال بضعة أشهر، تعرضت عدة مشاف ومدارس وأسواق شعبية ومخابز وخزانات مياه لغارات جوية وقصف». وتابع «هناك الآن مجتمع يعاني من الصدمة والخوف، والناس يفرون باتجاه الحدود بسبب الخوف» .

وردا على سؤال عما إذا كانت هذه الهجمات تشكل جريمة حرب أم لا، قال كاتس «الأمم المتحدة وثقت جرائم الحرب التي ارتكبت من قبل في سوريا عدة مرات». وأضاف «المحاكم هي من ستقرر في المستقبل ما إذا كانت الهجمات المستمرة ضد المدنيين في إدلب جرائم حرب أم لا».

من جهة أخرى، أشاد المسؤول الأممي باستقبال تركيا لنحو 3.6 مليون سوري، مضيفا أنه «لا يريد مشاهدة وصول المزيد من اللاجئين إلى تركيا».

من جهة أخرى، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس الإثنين، بمقتل ستة أشخاص جراء قصف إسرائيلي لمواقع في جنوب العاصمة السورية دمشق الليلة الماضية.

وأوضح المرصد أن اثنين من القتلى هما من حركة الجهاد الإسلامي، والأربعة الآخرين من قوات موالية لإيران. وأشار إلى أن القصف الإسرائيلي استهدف مواقع لحركة الجهاد الإسلامي والحرس الثوري الإيراني جنوبي العاصمة دمشق على بعد كيلومترات قليلة من مطار دمشق الدولي. وكانت حركة الجهاد أقرت بمقتل اثنين من عناصرها جراء غارة جوية إسرائيلية في سوريا.

وقال المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، استيفان دوجريك، للصحافيين في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، إن «الأمين العام سيلتقي في وقت لاحق، مساء اليوم، في جنيف، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بشأن إدلب».

وأضاف «هذه الاتصالات جارية أيضا من قبل المبعوث الخاص اى سوريا غير بيدرسن بهدف التوصل الي حل سلمي للأزمة».

وأشار المتحدث الرسمي إلى المؤتمر الصحافي الذي عقده غوتيريش في نيويورك الجمعة الماضية قائلا: «الأمين العام حذر من أن استمرار العمليات العسكرية للنظام السوري وحلفائه في محافظة إدلب ستكون له عواقب وخيمة لا يمكن التنبؤ بها»

القدس العربي

—————————

أردوغان أمام معضلة حفظ ماء الوجه في سوريا

يواجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان معضلة صعبة لتجنّب تحوله إلى الخاسر الأكبر في معركة إدلب، في ظل مواصلة نظام الرئيس السوري بشار الأسد حملته العسكرية بلا هوادة، بينما يتجمّع النازحون عند الحدود التركية فيما يبدو أن حليفه الروسي تخلى عنه.

قُتل هذا الشهر نحو 17 جنديا تركيا على أيدي قوات النظام السوري في محافظة إدلب بشمال غرب سوريا، بينما حوصرت عدة نقاط مراقبة تركية في المناطق التي استعادتها قوات النظام بعدما اعتقدت أنقرة أنها في مأمن بموجب اتفاقاتها مع روسيا، الحليف الأبرز لدمشق.

وفي محاولة لمنع انتصار الأسد وتجنّب تدفق مزيد من اللاجئين الذين يتجمعون عند المعابر الحدودية لبلاده، هدد أردوغان بشن عملية ضد قوات دمشق ما لم تنسحب بحلول نهاية شباط/ فبراير.

لكن على وقع توتّر العلاقات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إثر الخلافات بشأن سوريا، تحمل أي عملية عسكرية محتملة ضد النظام السوري خطر إشعال مواجهة مع موسكو، وهو أمر غير مطروح بالنسبة لأردوغان.

وقّع أردوغان ونظيره الروسي على اتفاق في سوتشي عام 2018 لإقامة “منطقة منزوعة السلاح” تفصل قوات النظام السوري عن تلك التابعة لفصائل المعارضة المسلحة والمجموعات الجهادية في محافظة إدلب.

لكن الاتفاق انهار قبل أسابيع بينما تبادلت أنقرة وموسكو الاتهامات بإفشاله.

“مواجهة مباشرة”

وقال المحلل السياسي في أنقرة علي باكير: “إذا فشل نظام الأسد في التراجع إلى الخطوط السابقة في نهاية الشهر وإذا فشلت تركيا وروسيا في التوصل إلى اتفاق، فهناك فرصة كبيرة بأننا سنشهد مواجهة مباشرة بين تركيا ونظام الأسد”.

وأضاف أن “المشكلة بالنسبة لتركيا ليست النظام السوري، بل الروس”.

واستقبلت تركيا حتى الآن 3,6 ملايين لاجئ سوري وأكدت أنها غير مستعدة لفتح حدودها أمام موجة جديدة من الهاربين من إدلب.

ومع تزايد التململ من السوريين في تركيا، يخطط المسؤولون لتخفيف العبء عبر إعادة بعضهم إلى المناطق الخاضعة حاليا لسيطرة الجيش التركي في أعقاب ثلاث عمليات نفّذتها أنقرة منذ عام 2016.

وقال باكير إن “الموجة الجديدة من اللاجئين الواصلين ستمثّل أسوأ سيناريو ممكن بالنسبة لتركيا، لا الدخول في مواجهة مباشرة مع نظام الأسد”.

وفي حال فشلت تركيا وروسيا في إعادة إحياء اتفاقية سوتشي، فإن خيارات أردوغان محدودة.

وأفاد باكير: “أحد السيناريوهات المحتملة بالنسبة لتركيا هو إقامة منطقة آمنة في ما سيتبقى من إدلب ولن تربط هذه المنطقة أي اتفاقيات مع روسيا أو نظام الأسد”.

ومن شأن منطقة كهذه أن تسمح لتركيا بإيواء الأشخاص الذين نزحوا داخليا هربا من القتال في الأراضي السورية.

“امتعاض شديد”

بدوره، أفاد الباحث لدى “شاتهام هاوس” حايد حايد، أن “أردوغان يدرك الامتعاض الشديد في تركيا تجاه اللاجئين السوريين”.

وأضاف: “لذلك تصوّر (أنقرة) عملياتها العسكرية في إدلب على أنها وسيلة لمنع عبور مزيد من اللاجئين. سيكون الثمن (السياسي) أعلى بالنسبة إليه إذا خسر العديد من الجنود في سوريا وفشل مع ذلك بمنع اللاجئين من العبور إلى تركيا”.

وأوضح: “لكنه قد يتمكن من تحقيق مكاسب من الأزمة إذا كانت نتيجة تدخله إيجابية”.

ويرى حايد كذلك أن شن تركيا عملية ضد قوات النظام السوري “لا يزال محتملا” إذا ثبت أن المفاوضات السياسية بين أنقرة وموسكو غير مجدية.

وأضاف أن “السماح للأسد بالسيطرة على إدلب لن يؤذي أردوغان داخليا فحسب، بل سيضر على الأرجح بسمعة تركيا وقدرتها على فرض سلطتها”.

وبالنسبة لحايد، لن تعني مواجهة من هذا النوع بالضرورة انتهاء التحالف التركي الروسي نظرا لتوطد العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة خصوصا في مجالي الطاقة والدفاع.

وقال إن “التحالف الحالي بين تركيا وروسيا يتجاوز سوريا”.

وأضاف: “لهذا السبب لا يرغب أي منهما على الأقل في الوقت الراهن بتقويضه. إدلب مهمّة بالنسبة لتركيا لكنها ليست المسألة الحاسمة في العلاقة بين الجانبين”.

(أ ف ب)

——————————–

أطراف سوتشي في مواجهة عقدة إدلب/ عبد الباسط سيدا

إلى أين تتجه الأوضاع في منطقة إدلب؟ هل كانت عملية النيرب بداية هجوم تركي شامل، هدد به الرئيس التركي، أردوغان، النظام السوري، في حال لم تتراجع قوات الأخير المدعومة من روسيا وإيران إلى المواقع المتفق عليها قبل نهاية شهر فبراير/ شباط الجاري؟ أم أنها كان مجرد عملية استطلاعية، الغاية منها سبر النوايا، ومعرفة ردود فعل روسيا؟ هل سيكون الصراع على إدلب نقطة الافتراق بين الروس والأتراك، وعودة الدفء إلى العلاقات التركية الأميركية؟

هذه الأسئلة، وغيرها الكثير، يطرحها اليوم المهتمون بالشأن السوري، والمتابعون لتطورات الصراع الإقليمي- الدولي ومستجداته على سورية، فتركيا التي كانت طرفاً أساسياً، منذ البدايات، في لقاءات وتوافقات أستانة وسوتشي، إلى جانب إيران وروسيا، وهي لقاءات كانت تتمحور حول توزيع مناطق النفوذ في سورية بين الدول المعنية، وبعيدا عن إرادة السوريين، بل أيضا عن معرفتهم. وقد تمكّنت تركيا، بفعل تلك الاتفاقيات، من دخول مناطق جرابلس وأعزاز والباب وعفرين وتل أبيض ورأس العين، وغيرها من المناطق التي شملتها عمليات: “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع السلام” مقابل سيطرة النظام، بدعم روسي وإيراني، على مناطق حمص وحلب ودرعا وريف دمشق وريف حماة الشمالي ومناطق واسعة في محافظة إدلب نفسها. ويبدو الآن أن هناك خلافا روسيا – تركيا بشأن تفسير اتفاقيات سوتشي، العلنية منها والسرية، فبينما تدعم روسيا فكرة سيطرة النظام على كامل محافظة إدلب، وهي تتدخل بكل قوتها إلى جانب القوات الإيرانية والمليشيات التابعة لها، من أجل السيطرة على كامل محافظة إدلب باسم النظام. ترى تركيا أن نقاط المراقبة هي الحدود الفاصلة التي لا بد أن تتوقف عندها قوات النظام.

وحتى الآن، لم يتمكّن الطرفان، على الرغم من الزيارات المكوكية المتبادلة التي قامت بها الوفود السياسية والعسكرية – الاستخباراتية، من الوصول إلى اتفاق، على الرغم من كل تلك اللقاءات، بما فيها اللقاء الذي تم وأعلن عنه في موسكو في 13 يناير/ كانون الثاني 2020 بين رئيس الاستخبارات التركية حقان فيدان، ومدير مكتب الأمن الوطني السوري علي مملوك، بالإضافة إلى الاتصالات الهاتفية المستمرة بين الرئيسين، التركي أردوغان والروسي بوتين.

واللافت في هذه اللوحة مطالبة تركيا حلف شمال الأطلسي (الناتو) بدعمها بمنظومة الباتريوت، في إجراء استباقي من أجل الاستعداد لاحتمالات تدخل الطيران، سواء الروسي أو التابع للنظام. وهذا بحد ذاته يشير إلى حجم التباينات وجدّيتها بين الجانبين، الروسي والتركي، وهي التباينات التي برزت نتيجة اختلاف الحسابات في المعادلة الإدلبية إذا صحّ التعبير؛ وذلك بناء على اعتبارات استراتيجية تتصل، من جانب الروس، بتأمين منطقة الساحل وقاعدة حميميم. وبالنسبة إلى الإيرانيين، هم يتطلعون نحو تثبيت مشروعهم التوسعي عبر استغلال التنوع والتداخل المذهبيين في المنطقة، الأمر الذي تتحسّب له تركيا أيضا، وذلك لانعكاساته المستقبلية على داخلها.

تعاني الحكومة التركية راهناً من جملة ضغوط، في مقدمتها التي يمارسها رفاق الأمس على الرئيس التركي. كما أن أحزاب المعارضة تمارس الضغط عبر الانتقادات الحادّة لسياسة الحكومة التركية في الملف السوري. كما أن العلاقات الفاترة جداً بين تركيا والسعودية تحول دون تشكل موقف إقليمي قوي متماسك، كان من شأنه ممارسة ضغط مؤثّر على النظام ورعاته، الأمر الذي كان من شأنه التخفيف بعض الشيء من محنة السوريين.

وفي سبيل ممارسة مزيد من الضغوط على أردوغان، دعا بوتين إلى اجتماع ثلاثي في طهران للتباحث في موضوع إدلب، بهدف الوصول إلى توافق ما، لن يكون، في جميع الأحوال، في مصلحة سكان المنطقة والسوريين على وجه العموم؛ ولكنه سيكون موائماً لحسابات أطراف التوافق المشار إليه. وهي حساباتٌ غالباً ما تأخذ المصالح العارية بعين الاعتبار، ومن دون أي احترام أو مراعاة لحقوق الإنسان، وتطلعات الشعوب، وهذا ما يؤكد وجود خللٍ بنيويٍّ كبير يعاني منه النظام العالمي المتمثل في الأنظمة والآليات التي تعمل بموجبها منظمة الأمم المتحدة، خصوصا مجلس الأمن الدولي الذي لم يتمكن، وبعد مرور نحو تسعة أعوام، على استمرارية الجرح السوري النازف، من وضع خريطة طريق ملزمة لمعالجة الموضوع، كما لم يتمكّن المجلس المعني من اتخاذ موقف حازم رادع من نظامٍ قصف على مدى أعوام المدن والبلدات السورية بكل أنواع الأسلحة، بما فيها الأسلحة الكيميائية والبراميل المتفجرة.

في هذه الأجواء، أكد الرئيس أردوغان موعد اللقاء الرباعي الذي سيجمع رؤساء تركيا وروسيا وفرنسا والمستشارة الألمانية في إسطنبول في الخامس من الشهر المقبل (مارس/ آذار)، بهدف الوصول إلى حل سياسي، يقطع الطريق على مزيد من التصعيد، ويقلّل من احتمالات المواجهة بين القوات التركية وقوات النظام؛ لأن أية مواجهة من هذا القبيل إنما هي مواجهة بين تركيا وروسيا التي تدعم النظام عسكرياً، وتغطيه سياسياً؛ وهذا مؤدّاه مواجهة بين حلف شمال الأطلسي (الناتو) وروسيا، وهو الأمر الذي يتحاشاه الأوروبيون، خصوصا فرنسا وألمانيا، وذلك في ظل واقع برودة العلاقات بينهم وبين إدارة ترامب، والرغبة الأوروبية في تحقيق صيغة من التقارب مع الروس، بهدف إبعاد الاتحاد الأوروبي عن مخاطر جدّية، وتبعات مكلفة.

من جهة أخرى، يتحسّب الأوروبيون لاحتمالية موجة جديدة من اللاجئين، وانعكاساتها السلبية الكبيرة على الواقع الداخلي، خصوصا في مناخات تصاعد النزعات الشعبوية، واليمينية المتطرّفة التي ترفع شعاراتٍ معاديةً للأجانب.

واستناداً إلى التصريحات المتبادلة من الروس والأتراك، فضلاً عن تلك التي صرح بها مسؤولون أميركان عديدون؛ وما يُستشف من التحرّكات الجارية على الأرض، خصوصا من جهة الحشود التركية غير المسبوقة التي دخلت إلى منطقة إدلب، فإن المتوقع من اجتماع إسطنبول الرباعي هو الوصول إلى حل آني، يثبت حدود مناطق النفوذ المستجدة، على أن تبقى إدلب المدينة، والمناطق المتاخمة للحدود التركية، منطقة خاضعة للنفوذ التركي، ويحتفظ الروس والنظام بالمناطق الأخرى التي تقدّموا فيها، مع تعديلات هنا وهناك، وبما يعزّز سيطرة الروس من خلال واجهة النظام على الطرق الدولية التي تربط بين المدن السورية الأساسية.

أما مشكلة المهجّرين، فليس مستبعدا أن تُعتمد حلول وقتية بمساعدة أوروبية؛ ولكن مثل هذه الحلول تظل عديمة الجدوى بالنسبة إلى السوريين، بل تهدّد بتقسيم بلادهم بناء على إرادات الآخرين، خصوصا أنها تأتي بعد عمليات تغيير ديمغرافية لم تعد خافية الأهداف والنتائج على الأرض.

الحل السياسي الشامل يبقى الحل المطلوب؛ ولكنه يستوجب وجود إرادة دولية فاعلة قادرة على التأثير، بناء على التوافقات والقرارات الدولية، خصوصا بيان “جنيف 1” في 30 يونيو/ حزيران 2012، وقرار مجلس الأمن الدولي 2254 ، في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2015. ولكن من الواضح أن الروس يستغلون الوقت والظروف، فالأميركان مشغولون بخلافاتهم وانتخاباتهم الداخلية، والأوروبيون ما زالوا تحت تأثيرات صدمة خروج بريطانيا، ويعانون من تصاعد النزعات المتطرّفة. هذا في حين أن الموقف العربي شبه غائب عن الساحة.

وتركيا أردوغان تعاني من جملة صعوبات داخلية وإقليمية ودولية، تتطلب إعادة ترتيب الأولويات، والعمل الجاد في ميدان البحث عن الحلول. وفي مقدمة تلك الحلول العودة إلى العملية السلمية من أجل إيجاد حل عادل للقضية الكردية ضمن الإطار الوطني التركي، وعلى قاعدة احترام الخصوصية والإقرار بالحقوق. وأمر من هذا القبيل سيفتح الآفاق أمام حواراتٍ داخليةٍ بنّاءة لصالح تركيا ككل، وسيعزّز مكانة تركيا إقليمياً، ويحسّن علاقاتها الغربية، خصوصا مع الأميركان. كما أن احترام حرية التعبير، والانفتاح على الآخر المختلف، وضمان الحريات الصحافية بصورة عامة؛ كل ذلك يعد من مقومات المسألة المحورية في أي نظام ديمقراطي يستمد قوته الحقيقية من الشعب الحيوي الفاعل، القادر على التمييز بين الرؤى والمواقف الصائبة ونقائضها.

———————————

تحول في أداء الفصائل:تحرير مناطق في إدلب والحفاظ عليها

واصلت قوات النظام والمليشيات الموالية، الثلاثاء، هجماتها البرية ضد مواقع المعارضة السورية في جبهات ريف ادلب الجنوبي، وتحاول التقدم نحو بلدات جديدة في أكثر من محور.

وتركز نيرانها البرية والجوية على أكثر من 40 بلدة وموقع في منطقة العمليات العسكرية، وتحلق طائرات الاستطلاع بكثافة في سماء المنطقة لترصد تحركات المعارضة وتمنع تعزيزاتها عن محاور الاشتباك الرئيسية.

معارك مستمرة

شهدت محاور، ترملا وحاس وأم الصير وحسانة وبنين ورويحة وأكثر من 10 محاور أخرى على الأطراف الشرقية لمنطقة جبل الزاوية معارك كر وفر واشتباكات متقطعة بين الطرفين. وتشهد منطقة العمليات الهجومية قصفاً برياً متبادلاً هو الأعنف خلال الساعات ال24 الماضية، وتتابع الطائرات الحربية غاراتها على قرى جبل الزاوية ومواقع المعارضة المتقدمة في جبهات القتال، وزاد عن 100 عدد الغارات التي نفذتها الطائرات ليلاً وفي ساعات النهار الأولى.

واستهدفت المدفعية التركية المتمركزة في منطقة جبل الزاوية، الثلاثاء، رتلاً لقوات النظام والمليشيات على الطريق الدولي “إم5″، قرب بلدة خان السبل، كان في طريقه نحو جبهات الشمال، ويضم آليات عسكرية مدرعة ودبابات وراجمات صواريخ، وأعداداً كبيرة من عناصر المليشيات.

مصادر عسكرية في “الجبهة الوطنية للتحرير” أكدت ل”المدن”، أن القصف التركي تسبب بمقتل 15 عنصراً على الأقل من المليشيات، وتدمير عدد كبير من العربات العسكرية لقوات النظام، بينها 5 دبابات “تي 90”.

وأضافت أن أرتال قوات النظام المتوجهة شمالاً هي تعزيزات من “الفيلق الخامس” و”الفرقة 25 مهام خاصة”، بدأت في إرسالها منذ ليل الاثنين/الثلاثاء، إلى جبهات غرب سراقب لاستعادة السيطرة على بلدة النيرب والقرى في محيطها والتي خسرتها لحساب المعارضة مؤخراً.

وبحسب المصادر، تصدت الفصائل لأكثر من خمس هجمات برية في أطراف بلدة النيرب، واستمرت المعارك في محيط البلدة منذ منتصف الليل وحتى صباح الثلاثاء، قتل خلالها عدد من عناصر القوات المهاجمة، وتم تدمير عربة شيلكا، ودبابة ومركبات عسكرية رباعية الدفع في محور مغارة عليا قرب النيرب.

هجمات متبادلة

نجحت المعارضة في الدفاع عن مكاسبها الميدانية التي حققتها ليل الاثنين/الثلاثاء، في ريف ادلب الشرقي برغم الهجمات المعاكسة التي شنتها قوات النظام والمليشيات الموالية بشكل متكرر بهدف استعادة مواقعها. وهي المرة الأولى التي تتمكن فيها المعارضة من الاحتفاظ بمكاسبها الميدانية منذ معارك منطقة معرة النعمان في ريف ادلب الجنوبي الشرقي نهاية العام 2019.

المعارضة تحرر النيرب

وكانت المعارضة قد سيطرت على بلدة النيرب وعدد من المواقع والمزارع المحيطة بعد أن شنت هجوماً برياً واسعاً وبدعم من المدفعية التركية استهدف مواقع قوات النظام وتحصيناتها في أطراف البلدة التي تقع إلى الغرب من مدينة سراقب الاستراتيجية.

وقال الناشط الإعلامي محمد رشيد ل”المدن”، إن الفصائل خاضت معارك كسر عظم ضد قوات النظام والمليشيات الموالية في جبهات جنوب وشرقي ادلب. وما حققته في المعارك مؤخراً يعتبر تحولاً نوعياً في الأداء الدفاعي والهجومي، ويمكن البناء عليه لقلب موازين المعركة لصالحها في حال حافظت على مكاسبها وواصلت هجماتها لتحقيق المزيد من التقدم.

وبحسب رشيد، خسرت قوات النظام والمليشيات في معارك النيرب أكثر من 40 عنصراً قتلوا خلال المواجهات، بينهم ضباط برتب رفيعة، وقادة ميدانيون، بالإضافة إلى إيقاع خسائر كبيرة في العتاد الحربي التابع لقوات النظام والمليشيات، حيث تم تدمير 10 آليات عسكرية ثقيلة بينها مدرعات ودبابات، واغتنام دبابة ومدرعة وكميات من الأسلحة والذخائر.

ولم تكن مكاسب المعارضة من دون ثمن، ففي الوقت الذي كانت تهاجم فيه النيرب وأطرافها كانت تتراجع في جبهات جنوبي إدلب، والتي سيطرت فيها قوات النظام على أكثر من 8 بلدات ومواقع وباتت على مشارف كفرنبل، أكبر مدن ريف إدلب الجنوبي، والتي تبدو الهدف البارز لقوات النظام بسبب موقعها الهام وتحكمها بمجموعة طرق، كما تؤمن اشرافاُ نارياً على منطقة واسعة في المحيط، وتعتبر بوابة دخول مهمة إلى منطقة جبل الزاوية الوعرة.

وتمكنت قوات النظام من كسر الخطوط الدفاعية الأولى للمعارضة والذي ساهم في تقدمها السريع نحو بلدات معرة حرمة ومعرماتر وجبالا ومعرزيتا ومعرة الصن وأرينبة وسطوح الدير. وأشغلت القوات المهاجمة محور عمليات جديد مؤخراً، ويبدو أنها تحاول فصل منطقة جبل شحشبو جنوبي إدلب عن منطقة جبل الزاوية شمالاً، وبالتالي حصار منطقة واسعة من ريف ادلب الجنوبي وسهل الغاب، وكذلك نقطة المراقبة التركية في شير مغار، وسيتحقق هدف قوات النظام المفترض في حال واصلت تقدمها انطلاقاً من معرة حرمة نحو كوكبة والعمقية.

———————————-

إدلب وقدرة روسيا وتركيا على تجزئة الخلافات/ محمود سمير الرنتيسي

أدت سيطرة قوات نظام الأسد على عدد من البلدات في محافظة إدلب آخر معاقل الثورة السورية إلى وضع العلاقات التركية الروسية أمام اختبار حقيقي في ظل إصرار كل طرف على موقفه، حيث تطالب تركيا بعودة قوات النظام إلى ما خلف نقاط المراقبة التركية المتفق عليها في سوتشي، فيما تضع روسيا كل دعمها وراء قوات النظام وتقول إنه لا عودة للوضع القائم في إدلب.

ومع توافد التعزيزات العسكرية التركية أعلنت أنقرة عن عزمها على إنفاذ رؤيتها بالإضافة إلى استدعاء الإطار الرباعي الذي يضم كلاً من فرنسا وألمانيا أيضا لمحاولة الضغط على روسيا، ومع أن هناك أكثر من سيناريو يحضر في هذا السياق من قبيل التوصل لحل مقبول خلال الأيام القادمة أو خروج الأمور عن السيطرة ورجحان الخيارات العسكرية فإن التطورات الأخيرة أشارت بوضوح إلى أي مدى يمكن أن تذهب العلاقات التركية الروسية وتعتبر الأحداث الأخيرة دليلاً على بطلان التحليلات التي قالت إن تركيا اتجهت شرقا.

من زاوية أخرى هناك قضية أخرى ربما تتأثر بشكل واضح بعد الخلاف في إدلب ولعل حرص الطرفين على تأجيل المواجهة كان واضحا فعلى الرغم من مهارة تركيا وروسيا في الفصل في ملفات الخلاف بينهما منذ 2015 حيث أثبتا مرونة عالية وفي الحقيقة تشتهر تركيا بهذه الميزة، فإن التطورات الأخيرة في إدلب تهدد هذه الميزة وفيما يلي سوف نستعرض بعض الملفات التي يمكن أن يمتد إليها التوتر في إدلب أو قد امتد

بالفعل وظهرت بعض علاماته في الأيام الأخيرة ومنها ليبيا وأوكرانيا والعلاقات التجارية التركية الروسية خاصة في ملف تصدير الخضار التركي إلى روسيا وبالتأكيد الملف ذو الأهمية الاستراتيجية والذي يؤثر على العلاقات التركية الأميركية وهو ملف إس 400.

فيما يتعلق بليبيا وفي ظل اشتعال التوتر حول إدلب اتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان روسيا في 16 شباط بإدارة الحرب في ليبيا حيث قال أردوغان “روسيا تدير في الوقت الراهن الحرب هناك على أعلى مستوى”، كما كرر أردوغان اتهامه لشركة الأمن الروسية الخاصة “فاغنر” بدعم حفتر، ومن المعلوم أن العديد من المحللين الأتراك قد شككوا في حقيقة الضغط الذي مارسه بوتين على حفتر لكي يقبل بتوقيع وقف إطلاق النار.

ونذكر هنا أيضا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدأ برنامج شهر شباط الجاري باجتماع المجلس الاستراتيجي رفيع المستوى في العاصمة الأوكرانية كييف حيث جدد أردوغان تأكيده أن بلاده لم ولن تعترف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم الأوكرانية بطريقة غير شرعية. ولم يتوقف الأمر عند هذه النقطة فقد قدمت تركيا مساعدات في المجال العسكري لأوكرانيا وذلك وفق ما أعلنه السفير الأوكراني في أنقرة أنه تم خلال هذه الزيارة، “توقيع اتفاقية يقدم بموجبها الجانب التركي مساعدة مالية بقيمة 200 مليون ليرة تركية (حوالي 50 مليون دولار أمريكي) ستستخدم لتلبية احتياجات

الجيش الأوكراني، وخاصة شراء الأسلحة”، مؤكدا توقيع اتفاقية مشابهة وبنفس المبلغ سابقا، لكن التوقيت هذه المرة من شأنه إثارة الاستياء الروسي. كما اعتبر هتاف أردوغان وسط استقبال حرس الشرف له في كييف “المجد لأوكرانيا” مستفزا للروس خاصة أن الهتاف مرتبط بالمشاعر المعادية ضد روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.

ومن جانب آخر على مستوى العلاقات الروسية التركية المباشرة وفي سياق توتر إدلب حاولت موسكو جعل أنقرة تستحضر أزمة 2015 بعد إسقاط تركيا للطائرة الروسية حيث أوقفت روسيا استيراد الخضراوات من تركيا وخاصة الطماطم مما تسبب بضرر كبير للعاملين في هذا القطاع وخاصة مدينة أنطاليا، وقد أوقفت روسيا في 10 شباط 2020 عددا كبيرا من الشاحنات التركية المحملة بالطماطم بحجة أن حصة استيراد الطماطم من تركيا والمقدرة ب 150 طناً قد اكتملت، وقد كان من المقرر رفع هذه الحصة 50 طناً إضافياً لكن صانع القرار الروسي لم يعتمد القرار بعد مما جعل 250 شاحنة  تنتظر على المعابر الحدودية عرضة لخسارة  20 إلى 30 مليون دولار في حال تلف 5 آلاف طن من الطماطم.

ربما يحاول الطرفان التوصل لحلول لكن السياسة الروسية تجاه تركيا في إدلب تظهر ميلاً أكبرَ نحو ابتزاز تركيا وفرض الأمر الواقع عليها ولهذا فإن هذا التشنج الذي تمثل في فشل عدة جولات من الحوار واتصالات على أعلى مستوى بخصوص إدلب يضع عصا في دولاب أي تقارب تركي روسي في المستقبل كما أنه يهدد بفتح القنوات على بعضها في ملفات الخلاف التي تمتد من أوكرانيا والقرم إلى البحر الأسود إلى ليبيا وغيرها.

تلفزيون سوريا

———————————

=========================

تحديث 26 شباط 2020

فورين أفيرز: إدلب ليست مكانا لتصفية الحسابات مع تركيا

لندن ـ “القدس العربي”: دعا السفير الأمريكي في سوريا روبرت فورد واشنطن لحماية السوريين الهاربين من مدينة إدلب. وأكد في مقال نشره في مجلة “فورين أفيرز” أن ممرا آمنا قد يؤدي إلى وقف أزمة إنسانية.

وكتب “في آخر معقل للمعارضة السورية تحققت المخاوف الأسوأ للملايين. وبمساعدة من الهجمات الجوية الروسية الشرسة قامت قوات النظام السوري وخلال الشهرين الماضيين بالسيطرة على ثلث محافظة إدلب مما أدى لتهجير أكثر من 900 ألف مقيم في المحافظة التي يسكن فيها 3.5 مليون نسمة ودفعهم للتوجه إلى الحدود التركية، فيما يعيش أكثر من 800 ألف نسمة في ازدحام وفي ظروف مأساوية”.

ويرى فورد أن الموجة الأخيرة من النزوح هي الأكبر منذ بداية الحرب الأهلية السورية قبل تسعة أعوام. ولم تعد منظمات الإغاثة قادرة على مواجهة الأزمة الإنسانية فيما تعاني المنطقة من شح الأدوية والغذاء. وأصبحت الخيام والبيوت العامة قرب الحدود التركية مزدحمة بالنازحين، وأجبر 170 ألف شخصا على الإقامة في بيوت لم تكتمل بعد وهناك من ناموا على قارعة الطريق والحقول في ظروف جوية تنخفض فيها درجات الحرارة إلى ما تحت الصفر مما أدى لوفاة الاطفال الرضع والصغار. ومن الواضح ما سيحدث لهذه الأمواج البشرية من المدنيين لو استطاع جيش النظام السوري السيطرة على هذه المنطقة، حيث سيتم قتل أعداد كبيرة منهم أو سجنهم. وقد قامت العفو الدولية و”هيومان رايتس ووتش” والمفوضية الأوروبية للتحقيق في سوريا بتفصيل جرائم نظام بشار الأسد التي ارتكبت بحق المدنيين السوريين وحتى عمال الإغاثة. وعندما تصل قوات الأسد إلى الحدود التركية فسيتم تقرير مصير هؤلاء اللاجئين الذين فروا إلى الحدود التركية إلا في حالة فتحت تركيا الباب لهم لدخول أراضيها. إلا أن تركيا تواجه أزمة داخلية بسبب وجود 3.6 مليون نسمة ونفذ صبرها. ولأنها لم تعد قادرة على استيعاب أعداد جديدة من اللاجئين على هذا القاعدة الكبيرة، فإنها قامت بنشر قواتها في إدلب على أمل ردع النظام ووقف تقدمه.

وأشار فورد إلى تعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدفع القوات السورية إلى المكان الذي كانت فيه قبل بداية الأزمة الحالية إلا أن الطيران الروسي يتحكم بالأجواء السورية في غرب البلاد. وفي الوقت نفسه لا تريد أنقرة افتعال مواجهة مع موسكو في إدلب. ولن يقدم حلف الناتو الذي تنتمي إليه تركيا دعما للقوات التركية العاملة خارج الحدود الوطنية. وقامت الطائرات الروسية والقوات السورية بتوجيه ضربات ضد المواقع التركية مما أدى لمقتل 13 جنديا تركيا. وأرسلت تركيا تعزيزات عسكرية، ولكن القوات التركية تصرفت بنوع من ضبط النفس النسبي حيث سمحت للقوات السورية بالمرور من المناطق التي تسيطر عليها بل ومنحتها الفرصة لحصارها. وفي 17 شباط (فبراير) تعهد بشار الأسد باستعادة كامل إدلب. وتقوم قواته بالتقدم ثم التوقف ثم التقدم حسب الظروف وفي غياب المقاومة مما سمح لها بالسيطرة على مناطق جديدة. وإن لم تستطع تركيا وقف تقدم قوات الأسد فستجد نفسها لا محالة أمام خيار فتح حدودها للاجئين السوريين. ولأنها لن تستطيع استيعاب أعداد جديدة منهم فستسمح للكثيرين منهم بمواصلة رحلتهم باتجاه أوروبا. وستكون الموجة الجديدة أكبر من تلك التي شهدتها أوروبا في عام 2015 والتي فككت السياسة الأوروبية وأدت لزيادة الدعم للجماعات اليمينية في عدد من بلدان القارة.

وأشار فورد إلى الخيار الأفضل، إذ قال إن الوجود العسكري التركي قد يمنح فرصة مؤقتة للراحة لمدينة إدلب. ولكن التعقل يقتضي خطة بديلة تكون جاهزة. وأضاف أن الخيار الوحيد الذي يجنب أمريكا التدخل العسكري هو إنشاء منطقة آمنة تقام على الجانب السوري من الحدود التركية ويقوم بحمايتها الجيش التركي والصواريخ وأنظمة الدفاع التي تكون منصوبة على الجانب التركي من الحدود. ولو تقدم الطيران السوري من المنطقة الآمنة فسترد الدفاعات التركية بشكل سيردع المقاتلات السورية عن التحليق قريبا من المنطقة الآمنة. كما توقف الطيارين السوريين من التحليق في المناطق التي تستخدم فيها الجماعات الموالية لتركيا صواريخ أرض – جو. ولو لم يتم استخدام الطيران فسترد المدفعيات التركية على تقدم القوات السورية باتجاه المنطقة الآمنة. ومن هنا فستكون المنطقة الآمنة بمساحة عشرة أميال يمكن للجيش التركي السيطرة عليها.

ويرى الكاتب أن المنطقة الآمنة ليست جديدة فقد تم طرحها عددا من المرات، وقد رفضتها إدارة باراك أوباما التي خدم فيها فورد. فالمشكلة الكبرى هي حماية المنطقة الآمنة نفسها. وستحاول القوات السورية فحص قدرة دفاعات المنطقة الآمنة مما سيؤدي لرد دفاعي تركي. ولو قام الطيران الروسي الذي يرافق القوات السورية بضرب القوات التركية فعلى حلف الناتو تفعيل البند رقم 5 من ميثاق الحلف والدفاع عن القوات التركية المرابطة داخل أراضيها. وهذا الالتزام موجود منذ انضمام تركيا إلى الحلف قبل 68 عاما ولكن انضمامها سيواجه الامتحان الأكبر الآن، خاصة أن الطيران الروسي وطيران النظام طالما خرقا الأجواء التركية وقام جيش النظام السوري بقصف الحدود عددا من المرات ومنذ عام 2014. ولم يحدث في تاريخ الحلف أن اندلعت حرب بهذه الكثافة إلى جانب حدود تمس سيادة الناتو. ويرى فورد أن تركيا لديها نقادها الكثيرون في واشنطن وعواصم الناتو التي لم ترض عن شراء أنقرة النظام الصاروخي الروسي أس- 400 وبسبب سجلها في حقوق الإنسان وعدائها للأكراد السوريين.

ولكن إدلب ليست هي المكان لتصفية الحسابات مع تركيا. وبعيدا عن الكارثة الإنسانية التي ستحدث والموجة الكبيرة من اللاجئين التي قد تقوض استقرار أوروبا فعلى الناتو الوقوف إلى جانب القوات التركية التي ستحمي المنطقة الآمنة. ومن أجل تخفيف إمكانيات المواجهة مع الناتو- روسيا فيجب أن تكون رسالة الحلف وواشنطن واضحة: يجب على دول الناتو الاعتراف بسورية المحور الآمن والذي ستتم إعادته لسيطرة الحكومة حالة تم التوصل لحل سياسي. ويجب على دول الناتو دعم العملية السياسية التي تشرف عليها الأمم المتحدة. وفي الوقت نفسه على النظام السوري التوقف عن السياسات القمعية التي تجبر الملايين على الرحيل إلى دول الجوار وخلق أزمة استقرار لها. وإلى جانب حماية المنطقة الآمنة، يجب على تركيا وبالتعاون مع دول الناتو فحص الباحثين عن حماية وفصل الجهاديين عنهم وطردهم. فلا تريد الولايات المتحدة ودول الناتو حماية منطقة آمنة تسيطر عليها جماعة إرهابية. وسيقوم مجلس الأمن بإصدار قرار يشرع المنطقة الآمنة وإرسال مراقبين دوليين لفحص المهاجرين وقوات شرطة لحمايتها. وسيسمح القرار لعمال الإغاثة الإنسانية الوصول إلى المنطقة. ويحتاج قرار مجلس الأمن لموافقة روسية. ولن تقبل موسكو دعم القرار دون حوافز. وعلى الدول الغربية تقديم تنازلات مثل رفع بعض العقوبات المفروضة على حكومة الأسد خاصة تلك المتعلقة بتصدير النفط السوري. وإذا خرق النظام السوري وروسيا المنطقة الآمنة فيجب إعادة فرض العقوبات. وتظل المنطقة الأمنة حلا مؤقتا لن يوقف تقدم قوات النظام السوري تحت مظلة الطيران الروسي. فنصر عسكري سوري- روسي ليس بعيد المنال ولكنه يعني موجات جديدة من اللاجئين إلى أوروبا. ويجب على أمريكا العمل مباشرة والتواصل مع روسيا حول شكل المنطقة الآمنة وفحص من سيلجأ إليها وتحديد القواعد للطيران الروسي حتى لا يتم إطلاق النار على الطائرات الروسية التي تخرق الأجواء التركية. وكذلك تعبئة دول الناتو الأخرى لدعم الخطط التركية في تنظيم مهام إغاثة إنسانية ودعم المنطقة الآمنة. فالحملة القادمة للنظام السوري ستبدأ خلال أسابيع ولا وقت هناك لإضاعته.

القدس العربي”

———————————

الاتحاد الأوروبي يفشل في اختبار القوة في إدلب/ إبراهيم نوار

محاولة الاتحاد الأوروبي أن يلعب دورا في صراعات شرق البحر المتوسط فشلت قبل أن تبدأ عمليا. القوة الاقتصادية والتجارية العالمية التي ما تزال قزما سياسيا، تلقت ردا باردا من موسكو، على الدعوة إلى عقد قمة رباعية بشأن إدلب، تضم ألمانيا وفرنسا وروسيا وتركيا. موسكو قالت إنها غير معنية بالدعوة، وتعمل على لم شمل القوى الثلاث المعنية بسوريا (روسيا وإيران وتركيا) في قمة يجري الإعداد لها، في حين إن الرئيس التركي إردوغان قال إنه قد يلتقي نظيره الروسي في اليوم نفسه، الذي كان قد تحدد لعقد القمة الرباعية وهو الخامس من مارس/ آذار المقبل.

وكانت شهية الاتحاد الأوروبي للتحول إلى قوة سياسية وعسكرية، قد تفتحت في الأشهر الأخيرة. وكان آخر المبادرات في هذا الاتجاه الدعوة إلى قمة رباعية تضم أنغيلا ميركل، وإيمانويل ماكرون، مع كل من فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان، للبحث في تسوية للأزمة الحالية في إدلب. هذه هي المبادرة الثانية لاستخدام آلية (قمة رباعية) أو (قمة ثلاثية +) منذ قمة فرنسا بشأن أوكرانيا في ديسمبر الماضي، بمشاركة ميركل وماكرون وبوتين وزيلينسكي. وقد أسفرت تلك القمة عن تفاهمات لتقليل احتمالات المواجهة بين القوات الروسية والأوكرانية، إضافة إلى تبادل الأسرى، ووضع ترتيبات لضمان التهدئة على الحدود.

وكان من المقرر أن تنعقد القمة الرباعية بشأن إدلب في الخامس من مارس المقبل، بعد أن وافق بوتين وإردوغان على حضورها، لكن هذه القمة تبخرت الآن بعد تفاهم جديد بين تركيا وروسيا. وطبقا للترتيبات السابقة، فإن جدول أعمال القمة التي اقترحتها فرنسا وألمانيا كان يتضمن نقطتين أساسيتين هما، معالجة الوضع الإنساني «الكارثي» على الحدود التركية – السورية حسب تعبير الرئاسة الفرنسية – ومواجهة خطر التصعيد العسكري في إدلب.

ويتضح من مضمون الدعوة الألمانية – الفرنسية، أن الدولتين اللتين تقودان الاتحاد الأوروبي، كانتا تحاولان من جديد إحياء خطة كانت قد تقدمت بها ألمانيا إلى وزراء الدفاع والخارجية لحلف شمال الأطلنطي في أكتوبر 2019، دعت فيها إلى إقامة (منطقة آمنة) في شمال سوريا بمشاركة روسية «لحماية المدنيين مع ضمان استمرار القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية». وقد توقفت ألمانيا عند ذلك الحد، ولم تتحرك خطتها بوصة واحدة منذ ذلك الوقت.

السعي لقوة أوروبية مستقلة

المسعى الألماني للقيام بدور سياسي – عسكري خارج حدود حلف الأطلنطي يمثل جزءا من سياسة أوروبية جديدة، تطمح إلى بناء قوة عسكرية أوروبية مستقلة (جيش أوروبي)، وتوحيد السياسة الخارجية لدول الاتحاد، بما يضع أوروبا على المسرح الدولي، كقوة قادرة على الفعل. وقد عبّر عن هذا الطموح أخيرا، المفوض الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوسيب بوريل في مؤتمر ميونيخ للأمن هذا الشهر، داعيا إلى ضرورة أن «يطور الاتحاد الأوروبي (شهية للقوة) تساعد على الفعل واتخاذ مواقف في الاوضاع الاستراتيجية على حدوده». وتعلم أجهزة صنع السياسة الخارجية في دول الاتحاد الأوروبي أنها تعاني من ضعف شديد في مواجهة الأزمات الدولية، بما في ذلك التي تؤثر على مصالحها مثل، الصراع العربي الإسرائيلي، وأمن الخليج والعلاقات مع إيران والموقف من فنزويلا، إضافة إلى الأوضاع في ليبيا وسوريا. وفي سياق العمل على تحويل الطموح الأوروبي إلى واقع، فإن ألمانيا دعت إلى عقد قمة بشأن السلام في ليبيا، واستضافتها في برلين في 19 يناير الماضي، بعد أن ظلت الشكوك تطاردها وتقلل من احتمالات انعقادها. وعلى الرغم من أن القمة فشلت في تحقيق اتفاق على هدنة دائمة في طرابلس، أو الضغط لضخ البترول، واستئناف تصديره، فإنها نجحت في خلق آلية للحوار، وتشكيل لجنة للمراقبة العسكرية من الطرفين المتحاربين، والدعوة إلى أن تستأنف الأمم المتحدة دورها في رعاية تسوية سياسية توقف القتال وتعيد الاستقرار.

ومن أجل العمل على إنجاح نتائج مؤتمر برلين، قرر الاتحاد الأوروبي تولي مسؤولية القوة المنفذة لقرار مجلس الأمن المتعلق بحظر التسليح. وتمت الموافقة على تسيير دوريات بحرية وجوية أوروبية، في الأجواء والمياه الدولية لمنطقة شرق المتوسط، بغرض فرض الالتزام بالقرار، بعد أن تخلت النمسا عن معارضتها لمثل هذا الدور.

الاعتبارات الإنسانية في إدلب

تم طرح الوضع في إدلب للتشاور على مائدة اجتماعات قادة دول الاتحاد الأوروبي، في قمتهم الأخيرة في بروكسل (20 و21 فبراير)، بعد أن تلقت تركيا إشارات من واشنطن بأن الولايات المتحدة، وإن كانت تؤيد تركيا باعتبارها دولة عضو في حلف الأطلنطي، إلا أنها ليست على استعداد للتورط في الحرب، والدفع بقوات إضافية داخل سوريا. وقد تأكد هذا التوجه الأمريكي بشكل غير مباشر في تصريحات أدلى بها وزير الخارجية مايك بومبيو (2 فبراير) وفي الزيارة التي قام بها السفير جيمس جيفري المسؤول عن الملف السوري في وزارة الخارجية الأمريكية لتركيا (11 فبراير). ويتردد أن تركيا طلبت من الولايات المتحدة تزويدها ببطاريتين من أنظمة الدفاع المضادة للطائرات المتطورة من طراز (باتريوت) بما يساعدها على استخدام طائرات إف- 16 في عملياتها العسكرية في إدلب. وليس من المعروف ما إذا كان إعلان هذا الطلب هو من باب الضغط على روسيا، أو من باب اختبار المدى الذي يمكن أن تذهب إليه تركيا في الاطمئنان إلى الدعم العسكري الأمريكي.

قادة الاتحاد الأوروبي في اجتماعهم الأخير في بروكسل قرروا الدخول على خط إدلب من بوابة الحل الإنساني، والدعوة إلى عدم التصعيد العسكري. ومن المرجح أن قيادة الاتحاد الأوروبي كانت تعتزم إعادة طرح الاقتراح الألماني، بإقامة منطقة آمنة تتسع لأكثر من مليون من اللاجئين والنازحين السوريين، الذين شردتهم الحرب. كما ستجتهد كل من ألمانيا وفرنسا في تقديم اقتراحات لوقف التصعيد، وهي مهمة صعبة في ظل تصلب موقف كل من الطرفين الروسي والتركي. وكانت دول الاتحاد الأوروبي قد تعهدت بتقديم دعم مالي لتركيا في عام 2016 بقيمة 6 مليارات دولار، من أجل المساعدة على استضافة المهاجرين. لكن أعداد المهاجرين والنازحين زادت يوما بعد يوم، مع تدهور الوضع العسكري في شمال غرب سوريا، الأمر الذي يهدد بأزمة مهاجرين عبر الحدود الأوروبية، إذا فشلت الجهود الحالية في وقف التصعيد، وتوفير الوسائل الكفيلة باستيعاب المهاجرين والنازحين.

ويتفق الاقتراح الأوروبي مع المشروع التركي المتعثر لإقامة (منطقة سلام) حسب تعبير إردوغان على الحدود التركية – السورية، في المنطقة التي تسيطر عليها القوات التركية حاليا، والممتدة بطول 120 كيلومترا وبعمق نحو 35 كيلومترا. كما أن الولايات المتحدة، لا تمانع في إقامة مثل هذه المنطقة، لكنها من المرجح ألا تشارك في تمويلها، لكن الاقتراح الأوروبي يصطدم برؤية روسيا للتسوية النهائية في سوريا، التي يجب أن تقوم على أسس الالتزام بسيادة سوريا، واستقلالها ووحدة أراضيها، تأكيدا لاتفاق سوتشي عام 2018، وما تضمنه البيان الأخير عن اجتماع وزراء خارجية الدول الثلاث روسيا وتركيا وإيران، الصادر في 29 أكتوبر 2019.

خلاف أوروبي – روسي

تتضمن رؤية برلين لتسوية الوضع في سوريا، ألا تنفرد كل من الدولتين، روسيا وتركيا، وحدهما بوضع وتنفيذ التسوية التي تروق لهما. وتوجه ألمانيا انتقادات إلى اتفاق سوتشي، وإلى صيغة مفاوضات أستانة، كما أنها لا توافق أيضا على تسيير دوريات على الحدود التركية – السورية بدون مشاركة ألمانيا والاتحاد الأوروبي. ومن المرجح أن هذا الخلاف هو أحد العوامل التي نسفت القمة الرباعية بشأن إدلب التي لم تنعقد لأن روسيا لن تقبل بتدخل عسكري اوروبي، لأن ذلك قد يسفر عن تعقيد الموقف أكثر، كما أن روسيا لن تقبل بإقامة منطقة آمنة تقتطع من سيادة الحكومة السورية، ولا باستمرار وجود جماعات إرهابية مثل فلول «القاعدة» و»داعش». ولا ترى روسيا أن اللاجئين هم جوهر الأزمة الحالية في إدلب، وأن حل المشاكل الإنسانية هناك يمكن تحقيقه فقط في إطار تسوية سياسية تراعي شرطين أساسيين، هما عدم انتهاك سيادة واستقلال سوريا ووحدة أراضيها، وعدم السماح ببقاء الجماعات والعناصر الإرهابية على الأراضي السورية. ومن الصعب تصور ان تقبل روسيا بأقل من ذلك، على أن يتم التقدم على طريق التسوية من خلال اتفاقات سوتشي وعملية أستانة السياسية، وضرورة إزالة كل المعوقات التي تحول دون ذلك.

للمرة الثانية يفشل الاتحاد الأوروبي في الدخول على خط الصراع على سوريا، بعد محاولة ألمانيا الفاشلة في أكتوبر الماضي، عندما أرادت ان تشارك في ملء الفراغ العسكري الذي خلفه انسحاب القوات الأمريكية من قواعدها على الحدود السورية – التركية.

كاتب مصري

القدس العربي

——————————

حملة بوتين على إدلب.. الخفايا والمآلات/ مصلح مصلح

كشفت مكالمة الفرصة الأخيرة بين أردوغان وبوتين لتجنب الانزلاق نحو صدام عسكري مباشر بين الطرفين، على خلفية العدوان الذي يشنه النظام على مناطق المعارضة بمشاركة جوية روسية فاعلة؛ عن عمق الهوة التي تفصل بين الرؤيتين الروسية والتركية لناحية تفسير بنود اتفاقية سوتشي الموقع بين الطرفين 17 أيلول/سبتمبر 2018، أو لناحية المدخل للحل السياسي في سوريا.

في حين يصر الموقف الروسي على التعامل مع الاتفاق كمرحلة مؤقتة في مسيرة أطول، تتعلق بتمكين النظام على بسط سيطرته وسيادته على جميع الأراضي التي كانت تحت سلطته قبل ثورة 2011 ، يصر الأتراك على التعامل معه كإقرار روسي بترسيم الحدود الفاصلة بين مناطق المعارضة والنظام، كونه يتضمن في بنده التاسع إشارة واضحة إلى التوصل إلى نظام مستدام لوقف النار داخل منطقة خفض التصعيد في إدلب، الأمر الذي يمنح المعارضة ومن خلفها تركيا قدرة التأثير على المفاوضات بين وفدي المعارضة والنظام وفق القرار الدولي 2254.

بعيدًا عن المكاسب التي أمكن لتركيا تحقيقها من إتفاق سوتشي، سواء عبر إجبار الروس للأخذ بمخاوفها الأمنية كما مصالحها القومية، فإن المكسب الرئيس الذي لا يقدر بثمن الذي استطاعت انتازعه لنفسها من اللاعب الروسي، كان إقراره بشرعية التواجد العسكري لقواتها في جميع مناطق التصعيد الرابعة، الذي لم يتعدَ في بداية الأمر شكل مناطق المراقبة. إلا أن تسارع العمليات العسكرية لقوات النظام وتوجهها للسيطرة على معظم مناطق المعارضة حتى بما يتجاوز السيطرة على طريقي الـ 4M أو الـ M5 ، سمح لها بتأويل هذا الوجود الرمزي إلى وجود عسكري رادع، مستندة في ذلك إلى اتفاقية سوتشي التي محنت للأطراف الضامنة الحق في ممارسة القوة ضد الجهة التي تعمل على عرقة تنفيذ بنودها.

يأخذ الكرملن على حكومة أردوغان التي لا تكف عن مطالبته بالتقيد الكامل ببنود سوتشي تقاعسها عن الوفاء بالالتزامات التي قطعتها على نفسها في تلك الاتفاقية، خاصة البنود المتعلقة بتأمين المنطقة المنزوعة السلاح التي يتراوح عمقها بين 15 و20 كيلومترًا، سواء لناحية إفراغها من الأسلحة الثقيلة أو لناحية إفراغها من الجماعات المصنفة إرهابيًا كتحرير الشام وامتداداتها. فما الذي دفع الحكومة التركية للقبول بهذا البند الشائك مادامت لاترغب بالقيام بتنفيذه؟

تعود مناورة الحكومة التركية في التراخي عن تطبيق البند المتعلق بإفراغ المنطقة المنزوعة من مليشيا النصرة، والميليشيا المتحالفة معها، إلى معرفتها المسبقة بتحول أمر مسؤولية تلك المنطقة إلى الضامن الروسي، ومن ثم النظام السوري، الأمر الذي يعني ضمنًا تهجير أهالي تلك القرى الواقعة بين طريقي إم أربعة وإم خمسة إلى الشريط الحدودي مع تركيا، لعدم رغبتهم العيش تحت ظل حكومة مستبدة وفاسدة طالما عملوا للفكاك من طغيانها. ولو كانت السيطرة لتلك المناطق ستؤول للمسؤولية التركية والفصائل المتحالفة معها لما ترددت لحظة في التخلص من سيطرة تحرير الشام عليها. إلا أن معرفة تركيا بالشرك المنصوب لها في تلك المنطقة، وعدم ثقتها بالشريك الروسي، هو الذي جعلها تغض النظر عن سيطرة تحرير الشام وتعزيز قوتها، وذلك لرغبتها بوجود قوة عسكرية كبيرة ومنظمة مثلها (أي تحرير الشام) للتصدي لقوات النظام وحلفائه إذا ما قرّر الروس المضي في تنفيذ مخططاتهم.

يشعر القادة الأتراك، وعلى رأسهم أردوغان، بخيبة أمل شديدة من العروض التي يتقدم بها المفاوضون الروس لزملائهم الأتراك عن عمق الشريط الحدودي، الذي سيتسامحون بتركه تحت السيطرة التركية. اقرأ/ي أيضًا:

وفيما تتحدث بعض التسريبات عن عمق الخمسة كيلومترات التي تم إقرارها في واتفاقية أضنة 1998، فإن بعضها المتسامح يذهب مع اقتراح الـ 16 كيلومترًا، وهو الأمر الذي ما زال الأتراك يناورون لرفعه لحد الـ 30 كيلومترًا إذا لم يكن بدا من ذلك.

حملت لاءات بوتين الثلاث التي ألقاها على مسامع شريكه أردوغان؛ لا لتوقف النظام السوري عن معركة استعادة سيادته على جميع أراضي دولته، لا لتراجع النظام إلى الحدود التي أقرتها اتفاقية سوتشي، لا لأي عمل عسكري ضد النظام لإجباره على ذلك؛ حملت تحديدًا لطبيعة الدور التركي الذي يمكن للسيد بوتين القبول به، والذي يصر فيه على حرمان تركيا من لعب الضامن الفاعل، القادر على الاحتفاظ بجزء من الأراضي السورية وإدارتها على طريقة مناطقه في نبع السلام وغصن الزيتون.

حين قرّر بوتين التدخل في الملف السوري وضع لنفسه سقفًا مرتفعًا، لم يكن يقنع فيه بالظهور بمظهر الرجل الباحث عن استعادة الماضي التليد للأمجاد الإمبراطورية السوفييتية وحسب، وإنما كان يجاهد لتغيير صورته النمطية في أعين كارهيه من الأمريكان والأوروبيين التي ترسخت في صورة الغازي والبلطجي، الذي لا يتوانى عن العبث بحدود الدول، كما في حادثة ضمه لجزيرة القرم، إلى صورة الرجل صاحب البصيرة والقوة، الذي لا يتوانى عن التضحية في جلب السلام لبلد مزقته الحرب الأهلية التي لا تزال أثارها الجانبة المتمثلة بموجات اللاجئين تعصف بدول الإقليم والمناطق المحيطة به. لذا نراه منفتحًا براغماتيًا في مصافحة اليد الممدودة من السيد أردوغان، بعد أن ظلت لمدة تقارب من العام رمزًا للخيانة والغدر إثر حادثة إسقاط المقاتلات التركية لإحدى المقاتلات الروسية ومقتل طياريها، وما كل تلك الحفاوة إلا لأنه وجد في السيد أردوغان الرجل الذي قد يعينه في الوصول إلى المهمة الجليلة التي وضعها لنفسه.

تكمن مشكلة بوتين مع أردوغان في الشخص الذي حسبه مساعدًا له في حل المشاكل العالقة فإذا به يتحول إلى غريم ومنافس، فبدلًا من أن يتناغم معه في الوجود الروسي في ليبيا، نراه يتحداه على نحو علني وسافر، مرة عبر إرسال الأسلحة والجنود، ومرة أخرى عبر إصراره على ترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط. وبدلًا من مساعدته في بسط سلطة الأسد على جميع الأراضي المعروفة رسميًا بحدود الدولة السورية، نراه يصر على الاحتفاظ بإدارة جزء منها بناء على التفويض الممنوح له من قبل إتفاق سوتشي.

لا يمكن فهم طبيعة الدوافع التي تقف وراء قرار بوتين بالتخلص من اتفاقية سوتشي، التي تحمل في ثناياها إقرارًا بالشراكة مع نظيره التركي، إلا بفهم إحساس الرجل الغامر الذي يشعر بتآمر الجميع على منجزاته، يستوي في ذلك الأمريكان والأوروبيون والأتراك. ففي حين كان يعول على الانسحاب الأمريكي من شرق الفرات ليتمكن من الحصول على جائزة الترضية (آبار النفط) التي حلم بها جراء الدخول في معمان الحرب السورية، نراهم يسدون الطريق عليه بكل السبل الممكنة حدّ الإذلال. وفي حين كان يعول على الموقف الأوروبي في التخفيف من العقوبات الاقتصادية على النظام، كان الأوربيون يسارعون للانصياع للرغبة الأمريكية عبر إدراج المزيد من الكيانات الاقتصادية على قائمة العقوبات. وفي حين ظل يمني النفس بانفتاح سياسي من أردوغان على الأسد أملًا بحصول انفتاح إقتصادي عليه، ظل أردوغان ينأى بنفسه عن الأسد واقتصاده المتهاوي حد الانهيار.

في ظل العزلة التي وجد فيها بوتين نفسه، تارة عبر تحميله لوزر العمليات الإجرامية التي قام بها ضد المدنيين العزل، وتارة أخرى عبر تحميله لتكلفة إعمار ما دمرته آلاته العسكرية الجبارة، لم يجد الرجل في طريقه من وسيلة تذكر لمعاقبة الجميع وابتزازهم سوى قضية اللاجئين. فإما أن يرضخ أردوغان لابتزاز بوتين في تسويقه لنظام الأسد وإعادة العافية لاقتصاده المتهاوي، وإما أن يتحمل عبء آلاف اللاجئين الذي يصر السيد بوتين على حشرهم في شريط معزول وضيق لا يتعدى في عمقه الخمسة كيلومترات.

هذا هو لسان بوتين اليوم في وجه الجميع: إما أن تقبلوا بتحمل أعباء إعادة إعمار ما دمرته آلاتيّ العسكرية، وإما أن تتحملوا أعباء طوفان بشري من اللاجئين!

——————————-

نصائح روسية للأسد/ بسام مقداد

كان من الصعب ، قبل ظهر الثلاثاء في 25 من الجاري ، متابعة كيف تتقاذف مواقع الكرملين الإعلامية الرسمية ، تاس ونوفوستي وراديو سبوتنيك ، تصريح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ، الذي أعلن فيه تاريخ الخامس من الشهر القادم موعداً للقائه الثنائي المفترض مع الرئيس الروسي بوتين .  فقد تراوحت عناوين هذه المواقع بين “إردوغان حدد تاريخ اللقاء مع بوتين بشأن إدلب” ، وبين ” إردوغان أعلن عن لقاء ثنائي مع بوتين يُخَططُ له في 5 آذار/مارس” ، وبين “إردوغان يأمل بأن يلتقي بوتين “في أسوأ الحالات” في 5 آذار/مارس ” . ولا يُخفى ما في هذه العناوين من محاولة لإظهار إردوغان بموقع الباحث عن فرصة ما للقاء بوتين ، لتدارك فشل الجولات المتتالية  للمفاوضات التركية الروسية بشأن الحرب في شمال سوريا .

وجاء في السياق عينه تصريح الناطق باسم الكرملين بعد الظهر ، حيث قطع الطريق نهائياً على إمكانية اللقاء الثنائي بين الرئيسين في الخامس من الشهر المقبل ، وقال بإمكانية اللقاء في إطار قمة تضم إليهما الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية، مع الإشارة إلى البحث في إمكانية انضمام إيران إلى هذه القمة ، بما يعنيه ذلك من استقواء روسيا بوجود الرئيس الإيراني في القمة .

تركيا لم تستشر ، بالطبع ، حول إمكانية إنضمام إيران إلى القمة الرباعية، إذ لم يأت أحد على ذكرها طوال الأيام الماضية ، التي بدأ الحديث فيها عن إمكانية لقاء الرئيسين الروسي والتركي ، إثر فشل جولتي المحادثات التركية الروسية في مطلع الأسبوع المنصرم في موسكو . وجاء مفاجئاً إعلان الناطق باسم الكرملين عن إمكانية مشاركة إيران في القمة الرباعية ، واعتبر بمثابة الشرط من قبل الكرملين لحضور اللقاء الرباعي، بعد أن كان قد ماطل طوال الأيام الماضية في الإعلان عن موقف واضح ومحدد من لقاء الرئيسين التركي والروسي ضمن صيغة ما .

أما بشأن حضور الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية لقاء الرئيسين التركي والروسي، فقد اعتبرته الصحيفة الروسية “NG”، التي تسمي نفسها مستقلة ، عجزاً من قبل تركيا وروسيا عن الإتفاق بمفردهما بشأن إدلب ، وقالت بأن الوضع في سوريا تقررت تسويته بوساطة من فرنسا وألمانيا . وقالت بأن إردوغان يبدو أنه قد استعجل في تعيين تاريخ  محدد للقمة الرباعية ، لم تؤكده لا فرنسا ولا روسيا ولا ألمانيا . ورأت بأن استعجال إردوغان هذا ، هو دليل على أن الحوار الروسي التركي الروسي يجري بصعوبة ، يؤكدها انضمام فرنسا وألمانيا إليه كوسيطين .

وتنقل الصحيفة عن إحدى كبار الباحثات في معهد الأمن الأوروبي الأطلسي في موسكو يوليا كودرياشيفا قولها ، بأنه لم يعد بوسع روسيا وتركيا أن تتوصلا بمفردهما لإيجاد حل متوسط ، وذلك لتشابك مصالح البلدين الكبير في إدلب، مما حتّم إيجاد حَكَم دولي. والدول الأوروبية الرائدة هي أفضل من لعب دور الوسيط، الذي يتيح له وزنه السياسي الراجح إمكانية أن تستمع إليه كل من أنقرة وموسكو . ولم يكن للولايات المتحدة أن تلعب دور الوسيط هذا لغياب موقفها الحيادي من النزاع ، إذ كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن صراحة دعمه لإردوغان، على أمل أن يساعد الموقف من إدلب في حل كثير من التناقضات بين واشنطن وأنقرة . ولم ينتظر إردوغان صدور أية إشارات من واشنطن ، واستبق ذلك بالتصريح للصحافيين  في محادثة معهم ، بأن التصريحات التي تصدر عن واشنطن متناقضة .

 الدول الأوروبية معنية بتسوية الوضع في إدلب بسبب التهديدات التي تمثلها أزمة تهجير شديدة ، برأي الصحيفة ، التي تشير إلى أن عدد النازحين الداخليين منذ شهر كانون الأول /ديسمبر الفائت، قد بلغ حوالي 900 ألف نازح، وفق تقديرات الهيئة المعنية في الأمم المتحدة. إلا أن رئيس المركز الروسي للمصالحة في سوريا أوليغ جورافلوف لا يتفق مع تقديرات الأمم المتحدة هذه، وتنقل عنه الصحيفة قوله في 21 الشهر الجاري ، بأنه ليست هناك اية تأكيدات لوجود مئات آلاف السوريين ، الذين يفرون من المعارك في إدلب .

وتنقل الصحيفة عن كودرياشيفا قولها، بأنه حتى مجرد احتمال بروز مثل هذه الأعداد من الأشخاص النازحين، لا بد وأن يترك تأثيره على الرأي العام في بلدان الإتحاد الأوروبي وتركيا . والنازحون السوريون يمثلون مشكلة معقدة لتركيا ، التي تنفق أموالاً طائلة لإعالتهم ، وهم يفاقمون الوضع في سوق العمل المتفاقم أصلاً من دونهم . وإذا ما اصطدمت تركيا بموجة جديدة من النازحين ، فقد لا تتمكن من تحملها ، وحينها سيصبح الوضع في إدلب مشكلة أوروبية عامة .

وفي إطار التوجه العام ، الذي يسود إعلام الكرملين منذ اندلاع معركة إدلب ، ويصور فيه إردوغان بأنه يخوض حرباً خاسرة سوف تفضي إلى نهايته السياسية ، دأبت صحفة الكرملين “VZ” على إرفاق مقالاتها بشريط فيديو حول المعركة لأحد كتابها السياسيين يختتمه بقوله ، أن إردوغان سوف يبكي لأنه بدأ هذه الحرب ، “لكن أنا لن أبكي بالتأكيد” . ونشرت الصحيفة مقابلة موجزة مع مدير مركز دراسة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى المستشرق سيمون باغداساروف يوجه خلالها إلى الأسد عدداً من النصائح تساعده ، برأيه ، على هزيمة إردوغان في الحرب . يقول بأن أنقرة كانت تطمح دائماً لضم شمال غربي سورياً ، وبالدرجة الأولى مدينة حلب ، التي يشملها توسع تركيا الجيوسياسي، ويتوقف الأمر الآن على روسيا، وكيف ستتمكن من معالجة الوضع .

يدعو المستشرق إلى النظر للأمور بواقعية ، ويقول بأن الجيش السوري لا يستطيع مجابهة تركيا ، “وهذا أمر واضح”. ولهذا يتعين على روسيا ، كي لا تنخرط مباشرة في النزاع ، أن تجبر دمشق على الإتفاق مع القوى الماركسية السورية( الرجل ينتمي إلى حزب “روسيا العادلة” الماركسي) ، وبالدرجة الأولى مع الجزء الكردي من هذه القوى. ومن الضروري ، برأيه ، حل مسألة تشكيل فيلق كردي منفرد ضمن الجيش السوري . ويقول بأن الأكراد يطرحون هذه الفكرة منذ فترة طويلة ، وهذا يعزز القدرات العسكرية للجيش السوري ، “على الأقل على الأرض ، وتتولى روسيا الدعم من الجو” .

في سياق نصائحه يتذكر باغداساروف لواء الإسكندرون ويقول ، بأنه من وجهة النظر العسكرية السياسية ، ينبغي على سوريا أن تعلن عن طموحها لاسترجاع “سنجق الإسكندرون” ، أرضها الخاصة ، التي انتزعتها منها تركيا بشكل غير قانوني في العام 1939 . وعلى سوريا ، برأيه ، أن تعلن عن طموحها لاسترجاع هذه المنطقة ، “ومن ضمنها مدينة إنطاكية” ، مما سيثير شعوراً حماسياً كبيراً لدى الكثيرين من السوريين ، بمن فيهم لدى المعارضين ، لأن هذا يشكل عنصراً تكوينياً من عناصر الوطنية السورية ، برأيه.

ويرى هذا المستشرق ، أنه إذا كان إردوغان يدعم الإرهابيين ، فبوسع القيادة السورية أن تعود لدعم المجموعات الماركسية اللينينية اليسارية في تركيا ، كما كان قبل العام 1998 ، وهي مجموعات قليلة يتراوح عددها بين 9 و12 مجموعة ، “إلا أنها تسطيع فعل الكثير” . كما يرى أن على الحكومة السورية أن تعلن عن بدء الإتصالات المكثفة مع  “حزب العمال الكردستاني” ، الذي توجد قياداته في الحزب السوري “الإتحاد الديموقراطي” . وهو يرى ، بأنه إذا لم يتم القيام بكل هذه الخطوات ، فقد ينتهي الأمر على نحو سيئ بالنسبة إلى سوريا ، كأن يحتل إردوغان حلب ، على سبيل المثال. 

يستخدم الروس تعبير “منظرو الكنبة” لوصف الكتاب السياسيين، الذي يطلقون تحليلات لا تمت إلى الواقع بصلة . ويبدو أن باغداساروف هذا هو “منظر كنبة” بامتياز .

المدن

—————————

لماذا تُركّز الفصائل على النيرب ولم توقف النظام في جبل الزاوية؟/ عبدالله الموسى

شنّت الفصائل العسكرية يوم الإثنين الفائت هجومها الرابع على بلدة النيرب خلال الشهر الجاري وتمكّنت هذه المرة من السيطرة على البلدة الاستراتيجية والتقدم في محيطها، إلا أن قوات النظام التي فشلت في استعادة سيطرتها على النيرب أطلقت معركة السيطرة على جبلي الزاوية وشحشبو جنوبي إدلب، وسيطرت ليل أمس على مدينة كفرنبل و5 قرى أخرى في المنطقة.

وبعد فشل 3 محاولات للفصائل العسكرية خلال الشهر الجاري، للسيطرة على بلدة النيرب الواقعة على الطريق الدولي حلب – اللاذقية، بسبب تحصّن مجموعات لقوات النظام والميليشيات الإيرانية في مواقع حاكمة للبلدة، أحكمت الفصائل سيطرتها على النيرب وأكلمت تقدمها وسيطرت على تلين إستراتيجيين هما معارة عليا وسان، بالإضافة إلى شركة الكهرباء شرقي النيرب.

وأفاد مراسل تلفزيون سوريا الذي كان حاضراً في محيط بلدة النيرب يوم الإثنين الفائت، بأن القادة العسكريين من الفصائل الموجودين في غرفة العمليات أشادوا بالمدفعية التركية التي حققت إصابات دقيقة للغاية، وهذا ما أظهره التسجيل المصور الذي نشرته الجبهة الوطنية للتحرير يوم أمس للمعركة قبل الأخيرة على النيرب.

وبخسارة النظام لبلدة النيرب، يكون قد خسر سيطرته على المنطقة الوحيدة الواقعة على الطريق الدولي حلب – اللاذقية، وباتت الفصائل اليوم على أعتاب بلدتي الترنبة وجوباس الواقعتين غربي مدينة سراقب، والمطلتين على الطريق الدولي حلب – دمشق.

ونقل المراسل عن قادة العمليات من الفصائل العسكرية، بأن الهجمات الـ 3 التي لم تكلل بالنجاح على النيرب هذا الشهر، أظهرت أن النظام وضع نخبة مقاتليه في هذا المحور، وعزز قواته بأكثر من 20 دبابة وعربة ناقلة للجند ووضع قواعد م/د في المناطق المرتفعة لإحباط أي هجوم على النيرب ومحيط مدينة سراقب، وعلى هذا الأساس جدّدت الفصائل هجومها بغطاء مدفعي تركي يوم الإثنين الفائت وسيطرت على النيرب بهدف “تحطيم رأس حربة النظام”.

وأكد مصدر عسكري لموقع تلفزيون سوريا أن الهجمات الـ 4 على النيرب أوقعت ما لا يقل عن 300 عنصر قتيل في صفوف قوات النظام والميليشيات الإيرانية وأكثر من 400 جريح، جراء الاشتباكات المباشرة والقصف المدفعي والصاروخي من الفصائل والجيش التركي، ودمّرت الفصائل العسكرية في هذه الهجمات 16 دبابة لقوات النظام باستخدام صواريخ الـ م/د والمدفعية الثقيلة، بالإضافة إلى قاعدتي إطلاق صواريخ مضادة للدبابات و4 مدافع من عيار 130 مم و3 عربات ناقلة للجند BMP، وأعطبت الفصائل 4 دبابات وعربتي BMP.

واستولت الفصائل العسكرية في هجماتها على بلدة النيرب على دبابتين و3 عربات ناقلة للجند BMP وقاعدتين م/د وعربة شيلكا وكثير من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والذخائر المتنوعة.

وتعتبر هذه الخسارات التي منيت بها قوات النظام في جبهة واحدة كالنيرب، كبيرة جداً ولا تقارن بخسائر الفصائل العسكرية بالأرواح والعتاد، حيث لم تتجاوز أعداد القتلى من الفصائل العسكرية الـ 30 مقاتلاً بحسب ما نُشر من نعوات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي، في حين تسببت الغارات الروسية المكثفة بتدمير 5 آليات عسكرية للفصائل فقط.

أهمية السيطرة على بلدة النيرب

ويبدو أن غرفة عمليات معركة النيرب، تهدف إلى “تحطيم رأس حربة النظام” بحسب وصف قيادي عسكري لموقع تلفزيون سوريا، بالإضافة إلى التموضع في مواقع إستراتيجية تمهّد لأية أعمال عسكرية قادمة، وهو أمر مرجّح خلال فترة قريبة بالنظر إلى الحشود العسكرية للجيش التركي والفصائل في محاور مدينة سراقب.

وبسيطرة الفصائل على بلدة النيرب وتأمين محيطها، تلاشت آمال قوات النظام وروسيا بالوصول إلى مدينة أريحا الواقعة في منتصف الطريق الدولي حلب – اللاذقية M4، وذلك عبر التقدم من محور النيرب باتجاه المدينة المطلة على مناطق واسعة من جبلي الزاوية والأربعين ومدينة إدلب مركز المحافظة.

وحاولت الفصائل العسكرية بأن يأتي هجوم النيرب يوم الإثنين الفائت، كضربة استباقية بعدما رصدت تعزيزات كبيرة لقوات النظام وميليشياته الإيرانية والروسية، وبدء حديث إعلام النظام عن اقتراب معركة السيطرة على جبل الزاوية جنوبي إدلب.

النظام يبدأ معركة السيطرة على جبل الزاوية

وبدأت الطائرات الحربية الروسية والتابعة لقوات النظام بالإضافة إلى المروحيات وراجمات الغراد والمدفعية الثقيلة تمهيداً مكثفاً على كامل قرى وبلدات جبل الزاوية يوم الأحد الفائت، وسيطرت يوم الإثنين على بلدتي الشيخ دامس وكفرسجنة الواقعتين شمالي مدينة خان شيخون بمسافة 10 كم.

وأدى الهجوم على النيرب ومن ثم تلي معارة عليا وسان وشركة الكهرباء، إلى توقف تقدّم النظام نحو مدينة كفرنبل والبلدات المحيطة بها، ويبدو أن الفصائل عوّلت كثيراً على أن يؤدي هجوم النيرب وفرض مكان وزمان المعركة، بإيقاف تقدم النظام على جبل الزاوية.

يوم أمس الثلاثاء وبنفس وتيرة القصف الجوي والمدفعي المكثف، جدّدت قوات النظام هجومها على جبل الزاوية من محورين، الأول من كفر سجنة باتجاه مدينة كفرنبل، حيث سيطرت قوات النظام على بلدتي معرزيتا وجبالا ومن ثم بلدتي بسقلا وحاس المتاخمتين للمدينة ومن ثم سيطرت الليلة الفائتة على مدينة كفرنبل، وتوسعت سيطرة قوات النظام غرباً وصولاً إلى بلدة حزارين، حيث توقف تقدم هذا المحور بعد أن أحبطت الفصائل هجوم النظام على بلدة الفطيرة.

أم المحور الثاني فقد انطلق من خربة عابدين والقاروطية الواقعتين في بداية جبل شحشبو جنوباً، وسيطرت قوات النظام في هذا المحور على قرى حسانة وترملا وكرسعا والفقيع والويبدة.

ويبدو بحسب خريطة السيطرة، أن هدف النظام القادم هو الوصول إلى كفرعويد والعنكاوي، وإجبار الفصائل على الانسحاب من القرى المحيطة بنقطة المراقبة التركية في شيرمغار وبالتالي السيطرة على قسم كبير من جبل شحشبو، وبذلك تكون قوات النظام قد أصبحت على سوية واحدة غربي مدينة معرة النعمان وتكشف مناطق واسعة من سهل الغاب، ما يكمنها لاحقاً من فتح محاور جديدة من جبهات جورين باتجاه الزيارة وزيزون الواقعتين جنوبي الطريق M4 بمسافة 4 كم فقط.

هل سيتجاوز النظام خظ النقاط التركية المنتشرة من دارة عزة حتى شيرمغار؟

في حال تقدمت قوات النظام أكثر وسيطرت على القسم الجنوبي من جبل شحشبو، فإنها باتت على مشارف نقاط المراقبة التركية التي وضعها الجيش التركي مؤخراً في جبل الزاوية، وهي نقاط كنصفرة والبارة وبسامس، بالإضافة إلى وجود نقطة المراقبة التركية شرمغار شمال غرب حماة.

ومع اقتراب نهاية المهلة التي حددها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لانسحاب قوات النظام إلى حدود اتفاق سوتشي أيلول 2018، فمن المتوقع أن تسارع قوات النظام للتقدم أكثر في هذه المحاور، خاصة بعد أن فشلت توقعات الفصائل بأن تجر معركة النيرب قوات النظام وتنقذ بذلك جبل الزاوية ذي التضاريس الأكثر وعورة في شمال غرب سوريا، ومن هنا تأتي خسارة الفصائل لهذه المنطقة التي تعد الأفضل لمقاومة تقدم النظام نحو الطريق الدولي M4 بعد أن أتمت قبل أسبوعين سيطرتها على الطريق الآخر M5.

وربما في حال أكملت الفصائل العسكرية هجومها في محيط سراقب عبر فتح محور جديد من بلدة آفس شمال المدينة، وإكمال التقدم من النيرب باتجاه داديخ، فتكون بذلك الفصائل قد حاصرت مدينة سراقب، ما سيجبر النظام على الانحساب منها، وبدء معركة كبيرة جديدة قد تجبر النظام هذه المرة على سحب كل قواته المهاجمة في جبل الزاوية لإيقاف التقدم في سراقب.

وفي حال كانت أنقرة جدية في شن هجوم ضد قوات النظام، فمن المتوقع أن يكون واسعاً وعلى أكثر من محور، وبذلك لن تتمكن قوات النظام خلال الأيام الـ 3 القادمة حتى نهاية الشهر الجاري، من تحصين مواقعها بشكل كافٍ في المناطق التي سيطرت عليها في جبل الزاوية، ما يترك أملاً للفصائل باستعادة السيطرة على ما خسرته في وقت قياسي.

—————————-

غارات روسية على مدارس تقتل وتجرح عشرات التلاميذ والمعلمين… واشنطن: ندرس خياراتنا مع حليفنا التركي في «الناتو»

هبة محمد

دمشق – «القدس العربي» : بينما كانت مدارس إدلب أمس مسرحاً لانفجار صواريخ المقاتلات الروسية، حيث سقط العشرات من المدرسين والطلاب بين قتيل وجريح، في محاولة على ما يبدو لتفريغ المدينة من سكانها، وبالتالي تمهيد الطريق أمام النظام السوري للسيطرة على المدينة، كان لافتاً أمس موقف وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، من أن النظام السوري لن يستطيع أن يحقق نصراً عسكرياً في هجماته على إدلب، قائلاً إن بلاده تعمل مع تركيا لرؤية ما يمكنها فعله حيال ذلك، في حين يحاول الرئيس التركي موازنة موقفه بين الحليفين الروسي والأمريكي، وتدوير زوايا أولويات وهواجس أنقرة السياسية والأمنية في سوريا.

وقتل أربعة معلمين سوريين على الأقل، وأصيب عشرات التلاميذ جراء قصف جوي روسي استهدف خمس مدارس وروضتي أطفال في أحياء مختلفة من مدينة إدلب أمس الثلاثاء، بينما قالت وكالة الاناضول إن 4 مدنيين قتلوا بينهم معلمان وتلميذ، نتيجة قصف بالقنابل العنقودية نفذته قوات النظام السوري على المدارس والأحياء السكنية في إدلب. وقال وزير الصحة في الحكومة السورية المؤقتة الدكتور مرام الشيخ مصطفى، في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب. أ) إن «استهداف البنى التحتية من مدارس ومستشفيات ومراكز دفاع وطني ومراكز إيواء سياسة ممنهجة للنظام لدفع السكان إلى النزوح».

وجاء كلام بومبيو الذي يبدو أنه يضع خطوطاً حمراء أمام الروس والنظام السوري في مؤتمر صحافي في مقر وزارة الخارجية الأمريكية، مساء أمس، حيث شدد فيه على ضرورة تحقيق وقف دائم لإطلاق النار في سوريا.

وأشار بومبيو إلى أن «نظام الأسد والروس والإيرانيين، قوضوا جميع جهود وقف إطلاق النار (في إدلب)». وأضاف «كما قلناها مراراً، النظام السوري لن يستطيع أن يحقق نصرا عسكريا، وهجومه في إدلب يزيد فقط من خطر الدخول في صراع مع حليفنا في الناتو تركيا». ودعا بومبيو إ