وجها لوجه

الدكتور برهان غليون: القرار السوري في يد روسيا بشكل مطلق

حاوره: عبد الحميد صيام

في محاضرة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، تحت عنوان “من بيان من أجل الديمقراطية إلى عطب الذات” تحدث الدكتور برهان غليون حول الوضع في سوريا منذ أطلق كتابه “بيان من أجل الديمقراطية” عام 1986 الذي أعلن فيه عن ضرورة البحث عن طريق آخر غير المشروع القومي الذي وصل إلى طريق مسدود خاصة بعد حرب 1973 والتي جاءت نتائجها لتكرس نتائج حرب 1967 والتي استغلت لتكريس الدولة القطرية ونهاية الحلم بالمشروع القومي العربي، وصولا إلى أحدث كتبه “عطب الذات” الذي أصدره عام  2019 والذي يراجع فيه ما لحق بالمعارضة السورية من دمار وضعف بنيوي وخلافات شخصية. فالعامل الذاتي كان أحد عوامل تراجع المعارضة بسبب غياب مجتمع سياسي أو أحزاب أو مجتمع مدني أو نقابات بسبب نظام الحكم الشمولي الذي قضى عليها جميعا.

“القدس العربي” التقت الدكتور برهان غليون وكان هذا الحوار:

*اسمح لي أن أنطلق من الواقع الراهن الآن وما يجري في محافظة إدلب، هل تراه المشهد الختامي في موضوع الحسم العسكري الذي اختاره النظام وحلفاؤه منذ البداية بدون الالتفات إلى ما يتضمن ذلك من مآسٍ إنسانية؟

**نعم. أعتقد ان القرار العسكري والاستراتيجي اليوم في سوريا، روسي في الدرجة الأولى، وأن خطة موسكو تقوم على إعادة سيطرة النظام على كامل الأراضي السورية للتحكم الكامل بما أصبح ورقة وأزمة سوريتين، وفيما بعد التفاهم مع الولايات المتحدة شرق الفرات على حل يرضي حلفاء أمريكا من الكرد ويطمئن تركيا على مصالحها الأمنية.

*ألا يحق لنا أن نسأل كيف ظل النظام ومؤسساته متماسكة وأقصد بالتحديد مؤسسة الجيش، رغم أن الذين يقتلون ويشردون هم أهاليهم بشكل عام؟ كيف لم ينقسم الجيش طولا وعرضا وهو يشاهد بعينيه هذه المآسي للمدنيين؟

**جعل نظام آذار 1963 الانقلابي، الذي واجه مقاومة شعبية كبيرة بسبب تجذر الناصرية في ذلك الوقت، من الحفاظ على السلطة بأي ثمن، هدف الحكم الجديد الأول والأخير، وبنى كل سياسته على إيجاد نخبة عسكرية وأمنية وسياسية مضمونة الولاء. وكانت الوسيلة الطبيعية لتحقيق ذلك كما جرت عليه العادة في سوريا، استخدام العصبيات الأهلية المرتبطة بالقرابة الاثنية أو المناطقية، وقد وظف سيطرته الانقلابية على الدولة الرسمية ذاتها لتكوين هذه النخبة وتوسيع قاعدتها الاجتماعية ودائرة نفوذها الاقتصادية والسياسية والإعلامية. وبعد ما يقارب نصف قرن وجدت هذه النخبة الدولة تسقط طائعة في قبضتها والمجتمع بأكمله أسيرا لها. وهكذا صار نظام الأسد نظام النخبة الجديدة وأنتج أكثر من ذلك ما يمكن ان نسميه إعادة هيكلة الطائفة العلوية التي كانت أقل الطوائف تنظيما ذاتيا ووعيا بالهوية الخاصة، من خلال الدولة ذاتها، فصارت الدولة هي الطائفة والطائفة هي الدولة. لهذا لم يعد تغيير نمط الحكم يعني تغيير الخيارات السياسية والاجتماعية أو الاقتصادية أو الخارجية وإنما تحطيم العصبية الطائفية الوليدة التي أطلق عليها جلال العظم العلوية السياسية وإعادة الطائفة المتكونة عبر الدولة والمتطابق مصيرها معها إلى وضعها الطبيعي السابق، أي إلى لا طائفة، وإلى مجموعات سياسية واقتصادية على السلطة الوطنية والثروة ضمن حدود القانون كسائر الجماعات الأهلية المنضوية، وما كان يعبر عن وجود ديناميكية وطنية ورابطة سياسية ذات أسبقية. هكذا بدأ الصراع منذ البداية لنخبة الدولة التي شكلت دولة عميقة داخل الدولة وبديلا عنها صراع وجود وليس صراعا سياسيا يتعلق بقواعد ممارسة السلطة وتوزيعهاوالصلاحيات والمصالح، وبالتالي لم يعد صراعا يمكن حسمه بتنازلات من هنا وهناك. ولتأكيد طابعه كصراع وجود كان لا بد من قطع الطريق على ظهور أي تيار إصلاحي داخل النخبة الحاكمة العلوية نفسها، وتوريط الجميع في حرب دموية، وهذا ما يفسر الرد السريع والقاسي والدموي على الحراك الشعبي منذ أيامه الأولى ورفض أي خيار تفاوضي أو حواري. ولنتذكر انه في أول خطاب له بعد اندلاع الاحتجاجات لم يتردد الأسد في التأكيد على أنه جاهز لخيار الحرب ومستعد لها.

لكن ينبغي ان لا نخطئ في التحليل. لم يكن نشوء الدولة العميقة أو الموازية التي بناها الأسد لحماية سلطته وتأبيده نتاجا لطموحات أو تطلعات طائفية بأي شكل، ولا لوجود عصبية علوية قوية كما يميل البعض إلى الاعتقاد. فقد كان العلويون الطائفة الأكثر تشتتا وافتقارا للتنظيم والعصبية الواحدة من جميع الطوائف الأخرى. لقد كانت بالعكس نتيجة سياسة منهجية اتبعها الأسد الحاكم ومن التحق به من أعضاء الحزب والجيش لاختطاف أبناء الطائفة وإجبارهم على الدخول في مشروعه واستخدامهم كدرع له ضد أي بروز لمطالب سياسية، أي للقضاء على الهوية الوطنية وإعادة بناء حكم طوائفي يلغي الحاجة للسياسة ويقصرها على توزيع المناصب على ممثلي الطوائف والعصبيات المختلفة، واستخدم لتحقيق ذلك أدوات الترغيب والترهيب، فوزع المناصب والثروات للبعض الذي قبل بمشروعه، وحيد بالإرهاب والقتل والتهميش والإقصاء معارضيه من داخل الطائفة ذاتها. ومن حول هذه الدائرة الطائفية الضيقة والقوية والجاذبة أعاد تركيب النخبة الاجتماعية السائدة بأكملها، وبنى تحالفاتها مع الطبقات والجماعات السورية المختلفة. هذه كانت بأكملها عملية سياسية “ميكيافيلية” أو شيطانية، وينبغي ان نفهمها كذلك. ولا يمكن تغيير النظام إلا بإيجاد الحل الصحيح لهذه العقدة التي أنتجها نظام الأسد والتي شكلت المؤامرة الحقيقية الوحيدة ضد الشعب وضد الطائفة ومستقبلها معا، والتي كان الدافع لها الهدف المجنون والمستحيل بتخليد سلطة العائلة وتحويل سوريا إلى مملكة الأسد. وما من شك في أن بروز الخطاب الطائفي عند قطاعات من الرأي العام المعارض قد خدم الأسد وصب الزيت على نار الخوف المتقدة على الوجود والمصير والمستقبل، وزاد من تشبث أعضاء النخبة الحاكمة العسكرية والأمنية والمالية بالنظام وبقائه بأي شكل كان ومهما فعل.

*يبدو أن هناك جمودا على المسار السياسي، فبعد لقاءات اللجنة الدستورية في جنيف وما رافق ذلك من تفاؤل، انفض الاجتماع بدون تحديد موعد لاستئناف اجتماعاتها.  هل نعتبر أن الضجة التي أثيرت حول أهمية تشكيل اللجنة الدستورية انتهت على لا شيء أو كما يقولون في بلاد الشام “على فاشوش”؟

**منذ البداية كانت العملية مغشوشة ولم يكن الهدف سوى تعطيل مفاوضات جنيف بالتلويح بحل غير موجود، أو بالأحرى بوهم الحل خارج جنيف، لكسب الوقت وتدويخ الرأي العام الدولي والعربي والسوري. هذا جزء من استراتيجية روسيا للاستفراد بالسيطرة على سوريا واستبعاد الأمريكيين والأوروبيين أولا ثم إضعاف موقف الإيرانيين ولترك الطامحين للعب دور أكبر فيها فيما بعد.

* أذكر في أول اجتماع لأصدقاء سوريا كان عدد الحضور يزيد عن 70 دولة، أين ذهبوا؟ لماذا انتهت الأمور لتكون الورقة السورية في أيدي روسيا وتركيا وإيران؟ ويمكن أن نقول بشكل أساسي في يد روسيا فإيران مشغولة بالحصار وتركيا منشغلة في عمليتها العسكرية على حدودها.

**لم تنته الأمور بسقوط الورقة السورية في أيدي الروس والترك والإيرانيين كما تقول، ولكن بالعكس كانت سوريا بيد هؤلاء منذ البداية، ولم يكن في نية غيرهم انتزاعها منهم بل التفاوض على مصالح مختلفة في مقدمها قضايا إقليمية تخص إسرائيل والخليج مما يعتبره الغرب مصالحه الحيوية في المنطقة. ومن هنا كان التأييد الغربي قويا في الإعلام لكن الاستثمار فيه كان تافها بجميع الحسابات السياسية والدبلوماسية والمادية وخاصة العسكرية. وما دفع الاهتمام الغربي إلى التراجع منذ عام 2013 عن هذا الدعم السياسي والمعنوي بالتصريحات الجميلة والطنانة مثل على الأسد أن يتنحى، لكن مع التأكيد على أن واشنطن ليست لديها خطة ولا استراتيجية لسوريا، يرجع لثلاثة أسباب: أولها انخفاض مستوى التوقعات لديها واكتشاف أغلبها انسداد آفاق الحل بعد تعطيل موسكو مجلس الأمن وإصرار أوباما على قرار دولي للقيام بأي دعم جدي ومقايضته سوريا مع اتفاق تقييد إنتاج التقنية النووية الإيرانية، حتى أن واشنطن لم تجد بأسا في لحس تهديدها بالرد العكسري على استخدام الأسلحة الكيميائية. وثانيها تراجع تمثيلية المجلس الوطني في منتصف عام 2012 ثم تهافت موقف المعارضة بعد انفجار أزمة الائتلاف الوطني على ضوء الأزمة السعودية القطرية الذي حل محله والذي راهنت عليه بعض الدول لتنسيق الدعم في منتصف 2013. وثالثها بروز الظاهرة الجهادية المسلحة وصعودها خلال عام 2013 الذي أنهى تماما التعاطف مع الثورة السورية واستخدم ذريعة لتبرير الموقف السلبي منها، ومنذ ذلك الوقت تحولت الأحداث السورية في نظر الجميع في الخارج إلى حرب أهلية ثم حرب ضد التطرف والإرهاب وغيّب ذكر الثورة تماما.

* كيف استطاعت روسيا أن تهمش الدورين الأوروبي والأمريكي في سوريا وتستفرد بالملف سياسيا وعسكريا؟ هل هناك توافق غير معلن على تقسيم الأدوار بين أمريكا وروسيا في سوريا؟

**نعم تصرفت واشنطن منذ البداية على ان سوريا منطقة نفوذ روسي تاريخي، وأنها لن تنازعها في ذلك، وهذا ما جعلها تقصر دعمها للمعارضة على خدمات وأسلحة محدودة مع ضمان عدم الحسم. وكانت موسكو واثقة من ذلك. ولهذا لم تتردد في التدخل العسكري المباشر عام 2015 عندما ظهر خطر سقوط النظام. وهنا تكمن مسألة تحريم استخدام المضاد للطيران في الحرب السورية من أي طرف معارض حتى لو تمكن من الحصول عليه بطرق سرية. أما أوروبا فليست لها قدرة على بلورة سياسة مستقلة عن واشنطن، وكان من الممكن لواشنطن أن تسحب قواتها فعلا من الشرق السوري لولا مسألة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” التي أصبحت حليفا قويا في سوريا تابعا لها والآن بسبب تجدد حصارها لطهران.

*كيف راهنت المعارضة على تدخل أمريكي وكأنها لا تعرف في السياسة ما أفقدها بعض المصداقية خاصة أن الشعوب العربية تعتقد أن فكرة التدخل الأجنبي يحمل شرورا عظمى مستذكرين ما جرى في ليبيا؟ ألا تلاحظ أن الزخم العظيم لدعم الثورة السورية في بداياتها بدأ يتآكل ويتراجع لعدة أسباب من بينها قضية الدعوة إلى التدخل؟

**المثال الليبي، بالعكس مما يوحي به السؤال، أعطى دفعا للمطالبة بالتدخل والإيمان به وليس العكس، خاصة وأن القضاء على نظام القذافي واستلام المجلس الانتقالي السلطة قد حصل بسلاسة كبيرة بعد أقل من شهر من بدء الأحداث. أما زخم التأييد الأجنبي فلم يضعف لهذا السبب في نظري لأن الغربيين لم يكفوا عن تأكيد أنه لن يكون هناك تدخل مهما حصل، وإنما للأسباب التي ذكرت فوق.  لكن على جميع الأحوال لم يتطور طلب التدخل ويصبح شعارا لبعض جموع التظاهر إلا بسبب العنف الخارج عن أي حدود والذي أوحى بأن أي حل خارجي مهما كان ثمنه سيكون أفضل من حرب الإبادة التي يمارسها النظام. ومن الخطأ الحكم على الشعارات التي أطلقها الشارع بمعزل عن طبيعة هذه الحرب. ومع ذلك لم يكن هناك إجماع على شعار التدخل، وقد كانت هذه المسألة من المسائل الرئيسية التي فجرت المجلس الوطني في منتصف عام 2012. لقد وجدت نفسي مضطرا إلى تقديم استقالتي تلبية لنداءات متقاطعة من قبل أغلبية أعضاء المكتب التنفيذي وكذلك قطاعات واسعة من الجمهور الثائر الذي لم يعد يطيق احتمال القتل اليومي والتهجير والذي أعتقد خاطئا بانه لا يوجد أي سبب في أن ما حصل في ليبيا ومن قبل في البوسنة لن يكون ممكنا في سوريا. ويعود سبب عدم حدوثه إلى ضعف قيادة المعارضة أو ترددها في ذلك. وهناك وصف مفصل لهذا الصراع في كتاب “عطب الذات” من المفيد العودة له.

*كيف تقيمون الانقسام داخل مجلس الأمن، وهل راهنتم يوما على موقف دولي موحد وأنتم تعرفون الاصطفاف الدولي لم يتوفر أبدا منذ البداية بعكس الحالتين اليمينة والليبية، ألم ترتكب المعارضة خطأ عندما باعدت نفسها منذ البداية عن روسيا والصين؟

**هناك أفكار خاطئة شاعت عن المعارضة بسبب انقسامها أو بالأحرى تعدد قياداتها وعدد الذين كانوا ينطقون باسمها، من هذه الأفكار رهان المعارضة على موقف دولي موحد ضد النظام أو على التدخل الغربي أو على السلاح. والحال كانت هناك آراء مختلفة، لكن المشكلة انه لم تكن هناك قدرة على ضبط المتدخلين في الإعلام ولا الوفود المتجولة في العواصم الدولية.

أما بالنسبة للمجلس فلم يكن الرهان على قرار يدعو للتدخل الدولي كما حصل في ليبيا وإنما على قرار يجبر الأسد على البدء بمفاوضات والقبول بحوار يفضي إلى تسوية كما تنص على ذلك المبادرة العربية التي أعاد صياغتها كوفي انان فيما بعد، والتي تلحظ انتقالا من خلال هيئة حكم تضم النظام والمعارضة، ولم يكن هذا مطلبا مستحيلا، وأقل منه يعني التسليم بالنظام من قبل المعارضة. كان الموقف واضحا تماما لنا، وحاولنا أن نزيد من الضغط من خلال قرار في الجمعية العامة، نال تأييد 140 دولة وكان أكثر وضوحا في تأييد الثورة وقرار الانتقال السياسي عبر المفاوضات من أي قرار دولي آخر، وأنا شخصيا كنت أعتقد أن الفيتو الروسي كان في الوقت نفسه أفضل ذريعة للتغطية على التسليم الأمريكي لروسيا بسوريا كمنطقة نفوذ خاص لها وكتعويض عن انتزاع ليبيا والعراق منها.

ومن هذه الأفكار الخاطئة أيضا التي راجت بسبب اتهام المعارضة بالتقرب من الغرب على حساب روسيا وهذا غير صحيح أبدا، أن المعارضة لم تسع إلى إقناع روسيا والصين. والحال أن عكس ذلك ما حصل، منذ الشهرين الأولين قام المجلس الوطني بزيارة لموسكو وبكين وطوكيو في جولة آسيوية، وهذا قبل زيارة واشنطن والعديد من العواصم الأوروبية. وبعد المجلس الوطني ذهبت وفود معارضة عديدة إلى موسكو من دون نتيجة أيضا، بمن في ذلك معارضون وضعوا أسماءهم في قائمة منصة موسكو.

وجدت موسكو في الأزمة السورية فرصتها التاريخية للانقضاض على سياسات الغرب الاقصائية والانتقام لنفسها من غدر الغرب بها في العراق وليبيا خاصة، ولم تفكر لحظة واحدة في مصير الشعب السوري ومصالحه وحرياته، بالعكس كان أي انتقال في سوريا نحو سلطة شعبية أو ديمقراطية يعني التخلي عن فرصة تاريخية جاءتها من السماء للعودة المظفرة للمنطقة التي طردت منها على أجنحة دمشقية، وكان ترك الأسد يتصدى بدعم الميليشيات الإيرانية وإضعافه هو الوسيلة الوحيدة لقطف ثمرة سوريا الأسد واحتكارها لنفسها كما حصل فيما بعد. هكذا لم تعد المحافظة بأي ثمن على نظام تعني الدفاع عن آخر مواقعها في الشرق وإنما أكثر من ذلك انتزاع سوريا المتهالكة والمتأزمة من براثن الأسد، وهو رابض على قلبها، وتحويلها إلى قاعدة للسيطرة والنفوذ الروسي في الإقليم بأجمعه في إطار معركة الهيمنة الدولية التي بدأها الرئيس بوش الابن بحربه العراقية، ومن ثم الانقلاب على سياسات الغرب الاستفرادية في منطقة حساسة جيوسياسيا واستراتيجيا وغنية بالأموال والموارد.

 لذلك لم يكن ولا يزال غير وارد لا من قبل الغرب ولا من قبل الروس تسليم بلد كسوريا إلى شعبه والمساعدة على إقامة سلطة ديمقراطية، والتخلي عن فريسة سائغة مقدمة لهم على طبق من ذهب. وكما يرى الجميع الصراع على سوريا اليوم ليس بين روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة والغرب من الجهة الثانية أبدا، ولكن بين موسكو الممثلة للسيطرة الدولية والشعب السوري، لإجباره على التخلي عن مشروعه الوطني الديمقراطي والقبول بحكم تقوده معارضة تحت الوصاية الروسية وباختيارها. وليس لكل ما قامت به موسكو من جهد لتقسيم المعارضة وتحويلها إلى كركوزات وتقويض صدقيتها منذ أستانا إلى اليوم سوى هذا الهدف الوحيد والرئيس.

*أود أن أسمع تقييمك وملاحظاتك على المبعوثين الخاصين الثلاثة: كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي وستيفان دي مستورا، هؤلاء أفضل وسطاء عرفتهم الأمم المتحدة في تاريخها وفشلوا ثلاثتهم واستقالوا، ماذا يمكن أن نستخلص من ذلك؟ هل تتحمل المعارضة ولو جزئيا مسؤولية فشل المبعوثين الدوليين (على الأقل عنان والإبراهيمي) في إصرارها على الحديث عن سوريا بدون الأسد كشرط مسبق للدخول في مفاوضات جادة؟

**في كتابي “عطب الذات” تقييم للثلاثة، والجواب على سؤالك بسيط، المعارضة منذ المجلس الوطني تعاونت مع المبعوثين الدوليين من دون حدود، ولم يذكر أي واحد منهم في استقالته أن المعارضة هي السبب في فشل مهمته لأنها أصرت على عدم وجود الأسد في الحقبة الانتقالية، وإنما لعدم تعاون النظام معهم بل عدم اهتمامه وقبوله أي حل سياسي، والأمر يتكرر مع بدرسون اليوم. الأخضر الابراهيمي كان صديقا شخصيا وكنا نناقش معه جميع المسائل ونسعى بأي وسيلة لفتح ثغرة في تهرب النظام المسيّر من قبل روسيا والمراهن على الحسم العسكري كما لم يعد يخفى على أحد. وقبلنا في جنيف 2 أن يضيف إلى أجندة المفاوضات سلة الإرهاب التي لم تكن ورادة في القرار الدولي لقطع الطريق على مزاودة النظام بها، أما موضوع وجود الأسد نفسه فقد كان موقف المعارضة سينهار تماما لو قبلت بشرط النظام وموسكو بأن لا يكون مركز الأسد مطروحا على التفاوض لأنها تكون قد سلمت تماما بموقف النظام وخانت نفسها ومن تمثلهم وألغت أي قيمة أو حاجة لمفاوضات حسمت سلفا لصالح الأسد في الوقت الذي يرفض الطرف الآخر أن يقدم أدنى التنازلات المتعلقة ببناء الثقة كإطلاق النساء المعتقلات الذي دعا له معاذ الخطيب لتبرير مثل هذا الطلب، فما بالك باستمرار رفض الحوار والاستمرار في تصفية المعتقلين وسفك وقصف المدنيين اليومي؟ موسكو تدافع عن بقاء الأسد لأنها تريد ان تحكم سوريا من وراء شبحه، وتعطي لاحتلالها الصفة الشرعية، أي المحافظة أيضا على طبيعة الحكم الاستبدادية والمعادية للشعب كما هو الحال في أي وصاية استعمارية.

*ما هي أوضاع المعارضة الآن، وهل هناك اتفاق مبدئي تجمع عليه أطراف المعارضة أم أنها ما زالت مشتتة بين منصات مختلفة وفي عواصم مختلفة وتوجهات مختلفة؟

**فقدت المعارضة للأسف البوصلة كما فقدت فرصة توحيد صفوفها عندما فقدت سيادتها على قرارها وقبلت ان ترهن إرادتها برغبات الدول الأخرى، مهما كان موقف هذه الدول، ولن تستطيع استعادة صدقيتها إلا باستعادة قرارها الوطني واستقلالها، ولا يعني هذا استعداء أي طرف دولي مهما كان موقفه ولا التخلي عن تحالفاتها وصداقاتها أو القطيعة مع أحد، إنه يعني إعادة النظر بنوعية العلاقة التي تقيمها المعارضة والمعارضون مع القوى الأخرى، والتي لا تقوم الآن للأسف دائما على حسابات وطنية محضة ولا تنبع من روح استقلالية وسيادة، ولا تعبر عن شعور عميق بالمسؤولية العمومية وتعكس معنى القيادة السياسية.

*كيف ترى الخروج من المأزق الوجودي الحالي؟ هل يمكننا أن نحلم معا بسوريا الواحدة الموحدة التي تعود إلى أمتها وتعود أمتها إلى قلب العروبة النابض؟ هل هناك الآن مواطنة سورية جامعة تستطيع أن تعيد ضم الأطياف السورية في حاضنتها لتبني معا سوريا المستقل؟

**باختصار كل القوى الأجنبية التي شاركت في الصراع، وأعني بها روسيا والغرب وإيران وتركيا ودول الخليج العربي، تعاونت أو عملت بوعي أو من دون وعي للحيلولة دون حصول الشعب السوري على سيادته وحقه في تقرير مصيره بحرية على أرضه وانتزاع حقوقه الأساسية كشعب، وذلك بصرف النظر عن التكتيكات والخطط الخاصة بها، والأهداف التي سعت إلى تحقيقها. وجميعها وصلت في نظري إلى طريق مسدود ولم تعد تستطيع تحقيق أهدافها الرئيسية أو الأصلية، ولم يبق لها سوى العودة إلى منطق السياسة الذي هجرته جميعها وليس السوريون فحسب، أي التخلي عن منطق فرض الأمر الواقع بالقوة المجردة على السوريين، والتفاوض على مصالحها المشروعة وغير المشروعة مع الشعب السوري. هذا هو الطريق الوحيد الذي يفتح الباب أمام وضع حد للكارثة المستمرة التي قادت إليها سياساتها المتقاطعة، والحد من تكاليفها المادية والمعنوية الهائلة بالنسبة للجميع.  المطلوب الآن، كي نساعد هذه القوى المأزومة والمتخبطة على اكتشاف الطريق الصحيح، وبدء مسيرة الخلاص هو تجسيد إرادة هذا الشعب وإجلائها من خلال محاور سوري يمثل السوريين ويعكس وحدة مصالحهم ويعبر عن تطلعاتهم وهويتهم الوطنية ويحترم مشاعر وتطلعات كل فئاتهم وطبقاتهم وجماعاتهم إلى الوحدة والأمن والسلام والعدالة والحرية والازدهار. وعلى إبراز هذا المحاور، الذي لن يكون شخصا ولا جماعة، وإنما إطارا جامعا، يتوقف إطلاق مسار الخروج من النفق المظلم الذي لا نزال نتخبط فيه، ينبغي أن نركز منذ الآن كل جهودنا الفردية والجماعية على هذا الهدف.

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق