مقالات ونصوص سينمائية

آراء وحوارات ونقاش عن فيلم “جدار الصوت” وعن التصوير السينمائي في المُدن والبلدات السورية المُدَمَرة والمُهَجّر سكانها قسراً

السينما وسياسات الوصول: صناع السينما ومحاولة إخفاء تقنيات الإنتاج/ اسطفان تارنوفسكي

القضايا المتعلقة بسياسات الوصول في فيلمي “عن الأباء والأبناء” لطلال ديركي و”الكهف” لفراس فياض أكثر إثارة للجدل من المشهدين القصيرين في فيلم “جدار الصوت” لأحمد غصين. فاستغلال السوريين ظهر بشكل أوضح في هذه الأفلام الوثائقية، تحديداً بسبب ارتباطها بالواقع. ومع ذلك، تحوّل فيلم غصين إلى فضيحة كاملة، فلم ذلك؟

في المشهد الافتتاحي لفيلم أحمد غصين لعام ٢٠١٩ “جدار الصوت”، تمرّ زوجة البطل عبر مدرسة مؤقتة أثناء محاولتها العثور على زوجها الذي اختفى. وهي تشك أنه سافر جنوبًا، إلى قلب المعركة مع إسرائيل. إنه تموز ٢٠٠٦، في ذروة حرب حزب الله مع إسرائيل. في المدرسة، يقدم ساحر أخرق ألعاب الخفة أمام جمهور من العائلات النازحة، محاولاً إخفاء عدد من الأشياء: علم لبناني، حمامة بيضاء، وأخيراً بعض المعدات التقنية. ولكن بدلاً من إخفائها، يبدو أن الساحر يلفت الانتباه إلى هذه الأشياء، وإلى رعونته أيضاً.

يمكن لهذا المشهد أن يكون صورة مجازية عن السينما. إذ إن عملية صناعة الأفلام تشبه إلى حد كبير أداء خدعة سحرية. من المفترض أن تختفي المعدات التقنية وعناصر الإنتاج الأخرى حتى يصبح السرد مرئيًا. مثل أي خدعة سحرية، يمكن القيام بهذه العملية بشكل أخرق بدرجات متفاوتة. وعلى الرغم من كافة محاولات المخرج للسيطرة على العمل، قد تطغى العناصر التقنية للإنتاج في بعض الأحيان على السرد.

جدل حول “جدار الصوت”

تم عرض فيلم “جدار الصوت” لأول مرة في مهرجان فينيسيا السينمائي في سبتمبر ٢٠١٩، وفاز بالعديد من الجوائز، بما في ذلك، وربما هو الأساس، جوائز الإنجازات التقنية. ولكن في مدينة غصين بيروت، حيث لم يعرض الفيلم للجمهور بعد، قوبل الفيلم بالكثير من الجدل عوضاً عن المديح.

(من فيلم جدار الصوت لأحمد غصين، والصورة مآخوذة من صحيفة الغد وهي تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

انتشرت سريعاً شائعات في بيروت بأن مشاهد البلدة المدمرة في الفيلم في جنوب لبنان، حيث وقعت معظم حرب ٢٠٠٦ والقسم الأكبر من التصوير، لم يتم تصويرها في لبنان ولكن في مناطق في سوريا تقع تحت احتلال حزب الله. قامت “بدايات”، وهي مؤسسة غير ربحية مقرها بيروت، تنتج أفلام وثائقية إبداعية للمخرجين السوريين الشباب المنخرطين في الثورة، بنشر سلسلة من المقالات التي تطرح أسئلة استفزازية حول الفيلم: هل الإذن الذي تم منحه لغصين بالتصوير في مناطق سورية تقع تحت سيطرة حزب الله، وهي قوة محتلة في سوريا، هو شكل من أشكال التواطؤ من قبل المخرج؟ عبر تصويره الأنقاض في سوريا في عام ٢٠١٦ على أنها بفعل التدمير الإسرائيلي في العام ٢٠٠٦، هل تبنى غصين رواية حزب الله الإعلامية، التي تربط بعبثية حربه لدعم نظام الأسد بالكفاح ضد إسرائيل؟ وهل ساهم غصين في محو تاريخ الثورة السورية عبر استعماله دمار المدن التي أُفرغت قسراً من سكانها في سوريا كموقع تصوير أو “ديكور”؟

شكّلت المقالات انعكاساً لآراء النقّاد، التي تستبق الحجة القائلة بأن القيمة الجمالية للفيلم قد تكون مستقلة عن سياسات إنتاجه، أو تهمة ضرورة مشاهدة الفيلم قبل انتقاده.

جادلت مقالات “بدايات” بأنه من الممكن انتقاد الطريقة التي يتم بها إنتاج فيلم من دون رؤيته، معتبرة في الواقع أن العكس غير صحيح: لا يمكن فصل المزايا الجمالية للفيلم، والتي قد تكون جوهرية، عن سياسة إنتاجه.

لذا، وعلى الرغم من أنّ غصين أراد على الأرجح أن تتلاشى ظروف إنتاج الفيلم إلى الخلفية، فقد حدث العكس تماماً. اختفى المحتوى السردي للفيلم إلى حد كبير عن الأنظار في لبنان، بينما طغت الأسئلة حول سياسة الإنتاج.

ترتكز الفضيحة المحيطة بإنتاج الفيلم على مشهدين قصيرين، كلاهما يُظهر بلدة دمرتها الحرب، ويتحرك فيها بطل الرواية الرئيسي بعصبية، قبل الاحتلال الإسرائيلي وبعده. من المفترض أن تعرض هذه المشاهد جنوب لبنان، الذي دمرت إسرائيل أجزاء كبيرة منه في تموز (يوليو) ٢٠٠٦، ولكن أعيد بناؤها منذ ذلك الحين. وبعد عقد من الزمن، تم تصوير هذه المشاهد في الزبداني، وهي أول بلدة تم تحريرها من نظام الأسد من قبل الجيش السوري الحر في العام ٢٠١٢ خلال الثورة السورية، والتي سقطت مرة أخرى بأيدي النظام في العام ٢٠١٥ بعد حصار طويل فرضه حزب الله، وأدى إلى مقتل الكثيرين وبلغت ذروته في النزوح الجماعي للسكان.

بالنسبة إلى منتقدي الفيلم في بيروت، إن القضية الأخلاقية التي هي على المحك تعادل، على سبيل المثال، قرار مخرج سينمائي إسرائيلي بتصوير فيلم عن الهولوكوست في جنوب لبنان المحتل.

تعتبر الظروف التي يتم فيها إنتاج الصور والوصول إليها مسألة بالغة الأهمية منذ بداية الثورة السورية في العام ٢٠١١. فمنذ ذلك الحين، تعذّر وصول الصحفيين الأجانب إلى سوريا بشكل كبير. في البداية، منع نظام الأسد دخول المراسلين الأجانب. وبعد تحرير أجزاء من البلاد من النظام السوري، أدّت سلسلة عمليات بارزة من قتل وخطف وقطع الرؤوس إلى إجماع واسع على أن المناطق التي يسيطر عليها المتمردون تعتبر خطرة جدًا على الصحفيين ويصعب الوصول إليها.

منذ بداية الثورة، أخذ المواطنون السوريون على عاتقهم “إخبار العالم” بما يحدث. في البداية قاموا بتصوير لقطات مشوشة على هواتف ذكية رخيصة، لكنهم سرعان ما احترفوا، واشتروا معدات أفضل وتعلموا مهارات جديدة، وغالبًا ما أصبحوا متعاقدين مع مؤسسات إعلامية دولية كمراسلين ميدانيين (عادة بأجور منخفضة استغلالية). بمعنى أخر، تأثر اقتصاد إنتاج الصور بسياسة الوصول إلى سوريا منذ عام ٢٠١١.

لم تسلم عملية إنتاج الأفلام الوثائقية من سياسة الوصول. لنأخذ مثالاً آخر، يخص آخر فيلمين لفراس فياض، “آخر الرجال في حلب” لعام ٢٠١٧ (الذي تم ترشيحه لأفضل فيلم وثائقي في حفل توزيع جوائز الأوسكار عام ٢٠١٧) و”الكهف” لعام ٢٠١٩ (والذي تم ترشيحه لجائزة أوسكار هذا العام)، لقد استخدم الفيلمان ذات طريقة الإنتاج التي تستخدمها أي محطة تلفزيونية فضائية.

نظرًا لوضع حلب ودوما تحت الحصار والقصف الجوي، فقد كان من الخطر الوصول إليهما (على الرغم من أن العديد من الصحفيين المحليين الشجعان كانوا ما يزالون يخاطرون بحياتهم في كلتا المنطقتين في ذلك الوقت). من جهته بقي المخرج فياض، خارج الحدود، في تركيا، وتعاقد من الخارج مع مكاتب وسائل الإعلام المحلية لتصوير معظم مواد الفيلمين.

لقد أجريت عدة مقابلات مع عدد من المشاركين في تصوير الفيلم، الذين فضلوا عدم ذكر أسمائهم. وقد وصفوا ظروف العمل بأجر ضئيل، دون أي تأمين على الرغم من ميزانيات الإنتاج الأوروبية الضخمة. أوضح بعض صانعي الأفلام المحليين أنهم تجنبوا تقديم شكاوى رسمية أو علنية بشأن أسلوب معاملتهم المجحف، وذلك لعدم رغبتهم في الانتقاص من القضايا الثورية والإنسانية التي أملوا بأن تعزّزها هذه الأفلام. حتى أولئك الذين أصيبوا وفقدوا أطرافهم بالحرب، ولم يكن قد نالوا بعد أي تعويض حين قابلتهم، أوضحوا بأنّه، وعلى الرغم من سوء معاملتهم الواضحة، إلا أنهم “أرادوا أن يعرف العالم” عن الثورة السورية، وواقع الحياة تحت حصار النظام، وشراسة القصف الجوي الروسي. لقد كانوا مدركين تمامًا كناشطين في مجال الإعلام وذوي خبرة طويلة، أنّه من المخزي التسبب بفضيحة إعلامية عبر نشر أخبار عن سوء معاملتهم ليصبحوا بذلك هم أنفسهم القصة، وليس قضاياهم السياسية.

في هذه الحالة، بدا أن الخدعة السحرية للمخرج تعمل ببراعة. فصانعي الأفلام الشباب في الداخل والذين تعاقد معهم المخرج، دفعهم التزامهم بكفاحهم السياسي من أجل “الحرية” و”الكرامة”، ووعيهم بالأفخاخ التي ينطوي عليها منطق الفضيحة الإعلامية، الى جعل واقع الإنتاج السينمائي، ينزوي دائماً إلى الخلف، ويختفي تماما.

الأسئلة الأخلاقية التي تنشأ لا تقتصر فقط على قضايا صعوبة الوصول. ففيلم طلال ديركي “عن الآباء والأبناء” (٢٠١٨)، الذي تم ترشيحه أيضًا لأفضل فيلم وثائقي في حفل توزيع جوائز الأوسكار، يبدأ بعرض كيفية تمكّن المخرج من الوصول إلى عائلة من الإسلاميين المتشددين في إدلب، من مؤيدي جبهة النصرة. يصف ديركي في تعليق صوتي كيف أخبر العائلة أنه مراسل حرب متعاطف مع الإسلاميين. هذه القصة الملفقة هي الحيلة التي أسقطت حذر الأسرة، متيحة لديركي حرية الدخول إلى حياتهم المنزلية والحميمية. وعرض الفيلم وجهات نظرهم الصريحة، وغالبا المروعة، حول تعليم النساء والتفجيرات الانتحارية والغربيين والكفار وغيرها من المواضيع الاشكالية المرتبطة بالجهاد. ومع قليل من التحفيز، بدا أنهم يدينون أنفسهم وأيديولوجيتهم، على الأقل من منظور المشاهد الغربي الليبرالي، وهو أصلاً الجمهور الذي يتوّجه له ديركي بوضوح في الفيلم.

لكن في الواقع ليس هناك سياق دقيق لمثل هكذا وجهات نظر. فبعد عرض الفيلم، اشتكى نشطاء محليون من إدلب بشدة على وسائل التواصل الاجتماعي من اختفاء سياق الصراع ضد نظام الأسد والجماعات الإسلامية. تبدو الأسرة التي يصورها ديركي مصابة بالصدمة ومرتبكة، خاصة بعد أن فقد الأب ساقه بلغم أرضي. فبدوا كأنهم غير مهيئين لاتخاذ قرار واعي بشأن منح دركي حق الدخول إلى حياتهم ونوع الفيلم الذي ينتجه. أحد أبناء الجهاديين، وهو صبي صغير كان عمره أقل من ١٠ سنوات أثناء التصوير، اشتكى بمرارة كيف تمّ تصويره وتصوير والده الراحل بشكل خاطئ.

أثناء مشاهدتي للفيلم، شعرت بأن الرواية المثيرة والصور التي كانت أغلبها مذهلة تختفي تمامًا. والذي طغى بدلاً من ذلك هي القرارات الأخلاقية التي اتخذها المخرج أثناء الإنتاج: سياسة الوصول.

كل هذا الوصول

من نواح كثيرة، كانت القضايا المتعلقة بسياسات الوصول في أفلام ديركي وفياض أكثر إثارة للجدل من المشهدين القصيرين في فيلم غصين. فاستغلال السوريين ظهر بشكل أوضح في هذه الأفلام الوثائقية، تحديداً بسبب ارتباطها بالواقع. ومع ذلك، تحوّل فيلم غصين الروائي إلى فضيحة كاملة على صفحات بدايات.

فكما جادلت العديد من مقالات بدايات، وكما اكتشفتُ عندما قابلت غصين، كان ذلك متعلّق باللحظة السياسية الحالية بقدر ارتباطه بممارسات غصين. في سياق العلاقات المشحونة والمتغيرة بين لبنان وسوريا، لعب حزب الله دورًا رئيسيًا في قمع الثورة السورية. إلى جانب ذلك، اندلعت الفضيحة قبل شهر من نشوب انتفاضة في لبنان كسّرت المحظورات التي حالت إلى حد كبير دون الانتقاد العلني لحزب الله.

عندما جلست مع غصين لمناقشة الفيلم والجدل الدائر حول “جدار الصوت”، كان من المثير للدهشة سهولة الوصول إلى المدن التي يسيطر عليها حزب الله في سوريا بالنسبة لهذا المخرج اللبناني من الجنوب. تم تصوير غالبية الفيلم في لبنان في قرية عائلة غصين، القنطرة، بالقرب من مرجعيون حيث يهيمن حزب الله. وقد وصف كيف أنّ حتى التصوير داخل منزله تطلّب التقدم للحصول على إذن من حزب الله عدة مرات، وأحيانًا للقطة واحدة. أخبرني أنه في إحدى المراحل قرر تصوير لقطة واحدة لسيارة تسير في طريق متعرج يمكن رؤيته من نافذة مطبخ منزل العائلة. في منتصف الطريق، أوقفه مسؤول في حزب الله وأخبره أن تصريحه لا يشمل ذلك الوادي. وما كان على مدير الإنتاج إلا أن يتقدم من جديد بطلب إذن من حزب الله، وعندها فقط أمكنهم العودة إلى تصوير المشهد.

وفقًا لغصين، مدير الإنتاج هذا هو نفسه الذي اقترح تصوير مشاهد الدمار داخل سوريا، لمعرفته بسهولة الوصول إليها نسبيًا. بطبيعة الحال، كانت لدى مدير الإنتاج اتصالات بحزب الله، إذ أنّه عمل على الأفلام والمسلسلات التلفزيونية اللبنانية والسورية التي استمرت طوال فترة الثورة والحرب السورية، وتصفّحَ الحدود والأماكن التي كانت تخضع لسيطرة النظام حسب توسّعها أو تقلّصها. بالنسبة إلى هذه الإنتاجات السورية اللبنانية، ولمديري الإنتاج من مثل ذلك الذي يعمل معه غصين، “لم يكن هناك فرقًا بين العمل أو التصوير في لبنان أو سوريا”. وعلى عكس الإنتاجات الثورية الذي تمت مناقشتها أعلاه، فإن التصوير في كلا البلدين يحتاج الى ذات إجراءات إذن الوصول إلى مواقع التصوير.

نظرًا لأن الحصول على إذن التصوير من السلطات في جنوب لبنان وسوريا كان متطابقاً من الناحية العملية، فقد بدى لغصين الاستمرار في التصوير عبر الحدود أمراً بديهياً، لا “قرارًا” فعلياً. لكن رغم تطابق إجراءات الحصول على إذن، ظلت سياسة الوصول في البلدين مختلفة بنحو ملحوظ. وقد أظهر فيلم غصين بشكل واضح التحول الجذري في التصورات عن حزب الله: من محرر جنوب لبنان في عام ٢٠٠٠ بعد أول انسحاب إسرائيلي أحادي الجانب من الأراضي العربية المحتلة منذ عام ١٩٨٢، إلى صاحب “نصر إلهي” مزعوم ضد الغزو الإسرائيلي في ٢٠٠٦، وفي النهاية إلى قوة احتلال تشن حرباً في الخارج نيابة عن القوى الأجنبية لإخماد ثورة شعبية. لقد قام حزب الله بالانتقال التدريجي والواضح من محرِرٍ إلى جانٍ، ومن ضحية نسبية إلى قاتل. وقد لامست سياسة الوصول هذا التحول: انزوى السرد الواضح والصريح عن حرب تموز (يوليو) ٢٠٠٦ ضد إسرائيل، لصالح تمحور الفيلم حول السؤال عن دور حزب الله في التدمير الوحشي للثورة السورية.

ينتمي غصين الى عائلة من الشيوعيين، ويدعي أنه لم يعتبر يوماً حزب الله محرراً، لا بل أنه يراه أيضاً كمحتل لجنوب لبنان. وقد أراد أن يوضح أنّه، سواء في لبنان أو سوريا، فإن مشاهد الدمار الشامل، هي ما تبدو عليه انتصارات حزب الله. ويشير العنوان بالانجليزي “كل هذا النصر” بسخرية إلى الثمن الباهظ لتلك الانتصارات. لكن المشكلة هي أن هذه النقطة ليست واضحة عند مشاهدة الفيلم. كما أن التساؤلات تثار من حول سبب اختيار غصين عنواناً مختلفاً للفيلم باللغة العربية، “جدار الصوت”، متهربا تماماً من التلميح الساخر إلى “النصر الإلهي” لحزب الله في العنوان الانكليزي. (وقد ادعى أن الترجمة الحرفية باللغة العربية “لم تصب المعنى”).

صحيح أن مقاتلي حزب الله بالكاد يُصورون كأبطال في الفيلم: فهم غير مرئيين، ودائمًا خارج الصورة، لكن في المقابل لا يتم تصويرهم كمحتلين. إذا كان هناك أي شيء، فإن الفيلم نفسه يكشف عن موقف غامض، وهو ليس شيئًا سيئًا في حد ذاته، لكنه يدحض النقد المبطّن الذي زعم غصين أنه يوجّهه لدور حزب الله في سحق الثورة السورية. في الحقيقة، يبدو أنّ دور حزب الله في سوريا قد جاء كفكرة لاحقة، مثل قرار غصين بالتصوير هناك. وبمجرد اجتياز غصين حاجز المسار المبتذل والسهل المتمثل في منحه إذن التصوير في الزبداني، لم يعد بإمكانه غض النظر عن دور حزب الله في سحق الثورة السورية.

استسهال وأخلاقيات

يبدو لي أن هناك مشكلة أساسية في هذه الأفلام. في ظل الظروف التكنولوجية الجديدة، أصبح إنتاج الصور أسهل وأسرع وبشكل متزايد. فالتقنيات الجديدة تتيح لنا الوصول إلى الصور من جميع أنحاء العالم بسهولة أكبر. حتى لو لم يتمكن المخرج من السفر عبر الحدود، فإن الصور تشق طريقها إليه بثمن بخس وبدون مجهود. ولكن في المقابل، هناك إعادة تعريف للإشكاليات الأخلاقية والمهنية المتعلقة بسياسة الوصول، سواء على نطاق قناة أخبارية فضائية أو منصة إعلامية الكترونية أو مخرج سينمائي.

تتكاثر اليوم بشكل متزايد وملح، الأسئلة حول كيفية إنتاج الصور، وتأخذ بعدا أخلاقيا ملفتا. هناك تَوجّهان متعارضان مؤثران على الساحة: السهولة المتزايدة في إنتاج المادة والوصول إليها، وفي مواجهتا تطرح الأسئلة الصعبة من حول أخلاقيات الإنتاج، التوزيع وآلية الوصول. إزاء هذين التَوجّهين العالميين المتعارضين، تصدّر السوريون المواجهة مع معضلات أخلاقية ومهنية جديدة: على سبيل المثال، البيان الأخير الصادر عن أكثر من ثمانين مخرجًا سوريًا يدينون فيه التصوير في “البلدات والمدن السورية المدمرة والمهجّرة” باعتبارها مواقع حية للجريمة حيث ارتكبت حديثًا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؛ أو الحملة التي قامت بها مجموعة “أبو نضارة” السينمائية من أجل تكريس “الحق في صورة كريمة” في القانون الدولي. تجدر الإشارة إلى أنه كظاهرة تكنولوجية عالمية، فإن المنظار الأخلاقي لهذه المواقف، يدور في فضاء الحقوق الإنسانية العالمية، لا سيما في حالة “أبو نضارة”.

قد يرغب صناع السينما في إخفاء ما يعتبرونه تقنيات الإنتاج، كما هي العادة عندما يتعلق الأمر بتأكيد سحر وانبهار الأعمال التجارية. ولكن إن لم يفكروا بجدية في الطرق التي ينتجون بها أفلامهم وبسياسات الوصول، فإن العكس يمكن أن يحدث وينقلب السحر على الساحر.

عندما يتعلق الأمر بظاهرة التكنولوجية العالمية الجديدة. كما هو الحال مع الكثير من المعضلات المتعلقة بتقنيات وسائل الإعلام الجديدة، سواء تنظيم صور العنف، أو حملات التضليل الروسية، أو إعادة توظيف المادة المصوّرة التي يسجّلها الناس كدليل على جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان. فإن السوريون كانوا في طليعة من رفع لواء هذه القضايا، واقترح حلول مجتمعية وعالمية جذرية لها.

(المقال يعبر عن رأي الكاتب وحده)

كاتب يعيش في بيروت وهو مرشح لدرجة الدكتوراه في علم الإنسان بجامعة كولومبيا

 (هذا المقال جزء من ملف بالشراكة بين حكاية ما انحكت وأوبن ديموكراسي، حول السينما السورية الصاعدة منذ عام ٢٠١١: السياسة، التحديات الانتاجية، الرقابات، الجمهور، وإلى أين قد تتجه الآن)

ينسق هذا المشروع مايا أبيض وإنريكو دي أنجيليس ووليد الحوري، بدعم من مؤسسة فريدريش إيبرت.

—————————

ملف “بدايات” عن فيلم “جدار الصوت

منذ بداية الثورة السورية حرصنا في “بدايات” كمشتغلين بالسينما الوثائقية، ان نتناول في موقعنا الالكتروني الكثير من القضايا الخلافية التي تخص الحق بالصورة وتخص إشكاليات تصوير العنف ومقاربة حرمة الموت والاجساد والبيوت.

واليوم نجد من الملح ان نسأل هل علينا انتظار مشاهدة فيلم سينمائي ما، لمناقشة ظروف تصويره وانتاجه؟ وهل من الضروري مثلا  مشاهدة فيلم روائي يتناول المخرج فيه اعتداءات ١١ أيلول على نيويورك، وصور بعض مشاهده بإذن من النظام السوري في مدينة حلب المدمرة والتي تم تهجير سكانها، مستعيرا “لوكيشن” الإبادة هذا كاستعاضة عن برجي منهاتن، هل من الضروري مشاهدة هذا الفيلم حتي نكون قادرين على مقاربة هذا الفعل نقديا؟

هذه الأسئلة ليست خارج النقاش الذي يدور اليوم من حول الفيلم  الروائي “جدار الصوت”، والذي تدور احداثه خلال الاعتداء الإسرائيلي على لبنان في العام ٢٠٠٦ وتم “استعارة” بعض مشاهد الدمار فيه من البلدات السورية المدمرة،  بل ان هذه الأسئلة هي في صميمه ويكاد لا يستقيم النقاش من دون التطرق اليها.

من حق بيروت علينا كمدينة وكحيز ثقافي، ومن حق السينما بشكل عام، والسينما السورية واللبنانية بشكل خاص ان نطرح هذه الأسئلة وان نخوض بهذا النقاش، وقد طلبنا في موقع “بدايات” من الأصدقاء خالد صاغية وغسان سلهب وسامر فرنجية ورنا عيسى وبلال خبيز ورشا السلطي وأحمد غصين وروجيه عوطة ان يفتتحوا النقاش ولبوا مشكورين وسننشر مساهماتهم تباعا. من هنا السؤال مفتوح، والحوار مفتوح، والنقد مفتوح، والردود اكثر من مرحب بها، بعيدا عن التشهير والتخوين والرجم.

——————————-

بيان بخصوص التصوير السينمائي في المُدن والبلدات السورية المُدَمَرة والمُهَجّر سكانها قسراً

أصدر 88 من السينمائيات والسينمائيين السوريين، بياناً ذيّلوه يتوقيعاتهم، واستنكروا فيه التصوير على أنقاض المدن السورية المدمرة والمهجّر سكانها، بإذن من السلطات السورية والمليشيات الموالية لها. وهنا نص البيان:

تزايدت في الآونة الأخيرة ظاهرة استخدام بيوت وأحياء المدن والبلدات السورية المنكوبة و المُدَمَرة والمُهَجّر سكانها قسراً، كمواقع تصوير لأفلام سينمائية تحت موافقة السلطات السورية.

ولا ينفك يتوالى على تلك الأحياء والأماكن المنكوبة وبإذن من القوى العسكرية المسيطرة عليها،عدد متزايد من المشاريع السينمائية ، يقتحم فريق تصويرها تلك الأحياء والبلدات السورية بكاميراتهم مُتَجاهلين ذاكرة المكان وحرمة البيوت وقصص وأرواح وذكريات ساكنيها، ملتزمين بحياد فادح وسكوت مطبق عن المسؤول عن كل هذا القتل والتهجير.

إن هذه المُدن المُدَمَرة التي تحولت إلى مواقع للتصوير السينمائي، ليست فقط أماكن حدثت فيها جرائم حرب آنية موصوفة من قصف لأحياء سكنية أو لمدارس أو مشافي أو مخابز، ولكنها أماكن ومواضيع لجرائم ضد الإنسانية لاتزال ممتدة ومُستمرة وقيد التنفيذ عن طريق الإمعان بجريمة التهجير القسري لساكنيها ومنعهم من العودة إلى بيوتهم، وتشريع ذلك من خلال إجراءات قانونية، أقرت مؤخراً في سياق ما سُمّي بعملية إعادة إعمار وتنظيم المدن، سعياً لمحو آثار الجريمة والانتهاء من فرض وقائع جديدة على الأرض، بهدف تجريد أصحاب الأرض والبيوت من أملاكهم وحيواتهم وذاكرتهم وحقهم في العودة وفي العدالة، وبالتالي تجريدهم من حقهم في مواطنيتهم.

إنّ لنا في الداخل السوري القابع تحت سيطرة النظام، أصدقاء ورفاق قابضين على جمر الحكاية والذاكرة، قد لا تسمع أصواتهم ولا تظهر أسماؤهم علناً، لكن كاميراتهم وأعمالهم السينمائية لا تنفك تسجل وتوثق. إنهم في صمودهم في الداخل يسجلون بامتناعهم عن التعفيش السينمائي، موقفاً مشرفاً في مواجهة التطبيع الثقافي المُشين المُفضي إلى تمييع الجرائم وتجهيل مرتكبيها.

نحن السوريات والسوريين، المُشتغلات والمُشتغلين في مجال السينما، احتراماً لذواتنا ولشرف مهنتنا، نرفض أن تتحول المدن السورية المدمرة ، بكل ما تحمله من أدلة وبراهين وشواهد على الجرائم التي ارتكبت بحق الناس الذين خرجوا يطالبون بالكرامة والحرية وكريم العيش إلى ديكور لأفلام سينمائية تطبع مع النظام. وأن يدفن مع أنقاض المدن السورية المُدَمَرة، ذكرياتنا وقصصنا وآمالنا.

نحن لن نساوم على سرديتنا ولن نقبل التلاعب بقصصنا وأمكنتنا وصورنا. هذه المنازل المُتَداعية والخالية من سكانها، لم تكن ولن تكون يوماً أطلالاً نبكي عليها، إنها جزء من حكايتنا التي سنصونها ونرويها ونتوارثها إلى أن تتحقق العدالة ويحاسب القَتَلَةْ.

إن استقلالية الثقافة وحرية الفن لا تكون بالتطبيع مع الجريمة والقبول بسردية القتلة (من أي جهة كانوا) وتناسي تضحيات ونضالات شعوب ثارت من أجل الحرية والكرامة. من هنا فإننا نعلن إدانتنا لأفلام تورطت وتتورط  في التعفيش السينمائي، تتلاعب بذاكرة الأمكنة والناس، وتتواطأ مع المسؤولين عن جرائم الحرب وعن الجرائم ضد الانسانية.

آفو كبرئليان

رشا رزق

عبد الله الخطيب 

لينا محمد

أنمار حجازي

رامي فرح

عبد الله القصير

مانيا عنداري

أحمد باشا

راية يمشة

عبد الحكيم قطيفان

مايا شربجي

الفوز طنجور

رنا زيد

عزة البحرة

محمد غنام

اياس مقداد

رند صباغ

عفراء بطوس

محمد ال رشي

ايمن قطان

رندا مداح

عليا خاشوق

محمد علي الاتاسي

إيمان الجابر

روشاك أحمد

عمار المأمون

محمد نور احمد (أبو غابي)

آيهم الأغا

ريم علي

عمار البيك

مطر إسماعيل

بسام خبية

ريما فليحان

غسان هماش

مظفر سلمان

بيسان الشريف

زاهر عمرين

غطفان غنوم

الاخوين ملص

تيم السيوفي

زياد كلثوم

غياث ايوب

ميلاد الامين

ثائر موسى

زينة حلاق

غيث بيرم

ميسون أسعد

حسن قطان

سالينا اباظة

فاتنه ليلى

ناندا محمد

حلا عمران

سامح اسعد

فارس الحلو

هاله العبد الله

جلال الطويل

سامر عجوري

فراس فياض

هشام الزعوقي

جمعة حمدو

سامر سلامه

فراس عزام

هيا العلي

جود كوراني

سارة زرياب

قتيبة برهمجي

واحة الراهب

خديجة بكر

سعيد البطل

كنانة عيسى

وعد الخطيب

ديالا برصلي

عارف الحاج يوسف

لبنى ابو الخير

وائل قدلو

ديالا الهنداوي

عاصم حمشو

لميا ابو خير

ياسر قصاب

ديلير يوسف

عامر مطر

لؤي حفار

ياسمين فنري

رأفت الزاقوت

عبد الله حكواتي

لويز عبد الكريم

يوسف الجندي

———————————–

حوار عن فيلم لم يشاهده أحد في بيروت بعد

اعرف ان تصوير الدمار هو في غاية الحساسية انطلاقا من خوفي ان تمحي مأساةٌ مأساةً أخرى. ذهبت الى الزبداني في سوريا وهالني مشهد الدمار

حوار بين رشا السلطي وأحمد غصين

ثمة نقاش يتداوله هذه الأسابيع بعض الاوساط الثقافية في بيروت، ويتعلق بفيلم جدار الصوت (“كل هذا النصر” باللغة الانكليزية)، ولأنني من القلائل الذين شاهدوا الفيلم وعلى نقاش دائم مع مخرج الفيلم احمد غصين وعلى الرغم من أنى أفضل الصمت انطلاقا من ان أي مقال او حوار يجب ان يأتي بعد مشاهدة الفيلم، ولكن احتراما لكتاب نحبهم ولأننا حريصين على حق الاختلاف كان هذا الحوار.

رشا: أولا هناك مقالات وآراء عن مشاهد بفيلمك التي تم تصويرها بسوريا، على الرغم من ان لا أحد حتى الآن شاهد الفيلم في بيروت. انا اعمل في الحقل الثقافي السينمائي تحديدا، أتساءل عن خطورة هكذا ممارسة نقدية لها علاقة بالفيلم وبعملية انتاجه وتصويره، وعندي قلق كبير لدلالات هذه الحملة، فإذا أصبح مشرعاً ان ننقد ونخون ما لم نشاهد، او نقرأ، او نسمع، وندعي الصحافة الثقافية اتكالاً على إشاعات واسقاطات، فهذا يشبه ممارسات الحركات الأصولية. في البدء ماذا تقول وكيف تفسر عملية التصوير في سوريا لمشهد في الفيلم.

أحمد: أتمنى ان يكون كل ما كتب هو من باب الحرص على موقع وجودنا وسط كل هذا العنف الذي يعصف بنا من كل حدب وصوب، ومن باب الحرص أيضاً على التمسك بمساحة الحرية المتبقية لنا في هذه المدينة، وهي مساحة تتيح لنا حق الاختلاف، قدر اتاحتها للنقاش البناء والجدي.  اعتبر ان كل عمل سينمائي، ان كان من ناحية الطرق الانتاجية او الخيارات الفنية، يتضمن مواقف وخيارات اخلاقية سياسية، اذ انه، يفترض به وضعك مباشرة في صلب سؤاله الأخلاقي سياسياً وبالتالي فإن أي حكم عليه يجب أن يكون من هذا المنطلق. ولا يمكن الفصل ما بين ظروف وأساليب الانتاج هذه، والسياسات المطروحة في الصورة نفسها. الفيلم اذن هو الموقف السياسي باللغة السينمائية والا وضعنا خط سياسي مباشر والتي هي ابعد ما تكون عن هذا الفيلم. الفيلم لا يهتم قسراً بإظهار عنف العدو. إذ إن هذا العنف تحصيل حاصل. بل يعالج مساحات نفسية وشخصية مضطربة ومرتبكة، كما يحاول الغوص في مكامن قلق شخصياته ما يجعلك كمشاهد تفقد إلى حد ما شعورك بالارتياح. إنه فيلم يقرِّب المجهر من مدنيين تركوا لمواجهة مصيرهم وعزلتهم وضعفهم، فالحرب التي تدور في الخارج، لا منتصر فيها على دمارنا ومآسينا. هذا المشهد “الدمار خارج المنزل” تم تصويره في الزبداني في سوريا لهدف يتعلق بسياق أحداث الفيلم ومحتواه السينمائي. أدرك ان النقاش يتمحور حول العملية الانتاجية لهذا المشهد والكيفية التي تم بموجبها استخدامه واسقاطه على فيلم عن حرب ٢٠٠٦ وكأن هذه العملية الانتاجية منفصلة وتلعب لوحدها في الساحة الخلفية للفيلم. وفي فيلمي هذا بالتحديد لا يمكن الفصل بينهما وبين ما أضافه هذا المشهد من ابعاد.

رشا: قصة الفيلم والتي تدور خلال حرب تموز٢٠٠٦ وكما هي مطروحة بالفيلم كان يمكن لها ان تكون بأي حرب أخرى من حروبنا.

احمد: لهذا السبب لا نرى الا مدنيين في الفيلم. أنا غير مهتم بإخراج فيلم حربي ولا أقول هنا ان المتحاربين يتساوون أيضا على الاطلاق. صحيح ان الفيلم تجري احداثه في حرب تموز ٢٠٠٦ ولكن تبقى مأساة من عاش أحوال الكارثة وما خسر من وجدانه وانسانيته حتى ولو نجي من الحرب هي ما يشكل نواة طرح الفيلم ومن هنا يمكن ان تكون هذه التجربة مشابهة من خوف وموت ورعب لمدنيين لا حول لهم بها ولا قوة في حرب أخرى.

رشا: اعلم أنك لا تستطيع ان تشرح فيلم او سياق المشهد وهذا موقف لا تحسد عليه، يستطيع المخرج قبل عرض الفيلم شرح تجربته الكتابية والإخراجية وقصة الفيلم لا شرح مضمونه.

أحمد : كيف يمكن أن أوضح كل هذا من دون أن يكون محور التركيز مشهداً بعينه، ومن دون ان اسمح للمشاهد بالحكم عليه، مع تحمل مسؤولياتي تجاهه، ومن دون ان أكون شرحت له سابقاً عما حاولت ان أقوله تاركا له فسحة التفكير بحرية ؟.

رشا: هل لك ان تخبرنا عن هذه العملية الانتاجية للمشهد؟

احمد: على مستوى الظروف الانتاجية، فهذا عمل نقوم به دائما من اجل انجاز اعمالنا الفنية وهو التعامل مع سلطات الامر الواقع ولكن من دون ان تكون هذه الاعمال مسايرة لتلك السلطات بل ناقدة وفاضحة و”مخربة” أحيانا بل ويجب أن يكون هذا ما يفعله الفن دوماً. إضافة الى أنني أوردت في الفيلم اين وكيف تم تصوير هذا المشهد أي باذن السلطات وباذن من صاحب البيت الذي وقفنا امامه.

رشا: هل كنت مدركاً منذ البداية بأنك تدخل ارضاً فيها مأساة وجراح مفتوحة وحرب لم تنته بعد؟

احمد: بالتأكيد. كنت من اللحظة الأولى مدركاً لحجم المسؤولية ولحجم المأساة نعم، اعرف ان تصوير الدمار هو في غاية الحساسية انطلاقا من خوفي ان تمحي مأساةٌ مأساةً أخرى. ذهبت الى الزبداني في سوريا وهالني مشهد الدمار. أربكني علماً بأنني معتاد على هكذا مشاهد. كان مرعباً مشهد وصمت المدينة التي تقف على الحد الفاصل ما بين الدمار والاطلال، اعادني في لحظة الى صور ومشاهد حرب ٢٠٠٦، اذ يتشابه هذا الدمار، كحصيلة غارات الطيران والقصف المدفعي. فالصور متشابهة حد التماهي حد أن كل صورة تمحو الأخرى، فهي تتشابه في تآكلها وتماثلها رغم عدم تشابهها في حياتها وسياقها السياسي. السؤال كان كيف لها ان تتماثل برداءتها “أي الصورة” مع من أعلن انتصاره هنا وهناك. نعم أدرك ان هناك جرح مفتوح وكل شخص يعيش تجربة الحرب ومأساتها بشكل مختلف، لكن هذا لا يعني ان لا صلة بين كل هذه المآسي او أنه لا يحق لنا ان نربط بينها لإضفاء أبعاداً أخرى على هذه الممارسات المتوارثة عبر التاريخ واختلاف الظروف والثقافات. اضافة إلى ما سبق، قد يكون مهماً أن نشير بأن هذا الفيلم روائي وليس وثائقياً.

واعيا تمام للدلالات الانسانية والسياسية للازمة السورية سمحت لنفسي ان اصور مشهد من الفيلم في الزبداني قد أكون اصبت ام لم أصب بمقاربتي في ذلك المشهد يبقى الحكم عند مشاهدة الفيلم ومعرفة مضمونه وغايته الأخيرة فنيا وسياسيا.

انا متشوق لرصد ردود أفعال المشاهدين عند عرضه في بيروت، ما اعرفه أنى لم اختر الطريق السهل او أنجزت عمل فني يستسهل او يستكين الى خيارات كسولة، اذ ان اعمالي الفنية منطلقة من التجربة الشخصية والواقع الذي اتفاعل معه يوميا.

بدايات

——————————

جدار الصوت: الهروب من الخطيئة/ خالد صاغية

يبدو أنّ أجساد السوريّين ودمار مدنهم لم يعد يصلح إلا للإعارة. لم تعد المأساة السوريّة تستحقّ حتّى أن تُروى. أمّا أجساد السوريّين وبقايا مُدُنهم، فباتت عظاماً لأجساد أخرى. أجساد جلّاديهم ربّما.

في فيلم “استعادة” (٢٠١٥)، قام المخرج الفلسطيني كمال الجعفري بجمع كلّ الأفلام الإسرائيلية والأميركية التي صُوِّرت في مدينته يافا، وأعاد تجزئيها إلى آلاف الصور، ثمّ عمد إلى محو وجوه الممثّلين مبقياً فقط على معالم مدينته يافا وأهلها. كانت هذه طريقة المخرج بالانتقام إذا جاز التعبير. الانتقام لمدينته التي تعرّضت منذ النكبة لمسار طويل من تبديل المعالم، والانتقام من السينمائيين الذين لم يروا من يافا لا سكّانها ولا حكاياتها حين جاؤوا ليرووا قصص أفلامهم، بل داسوا على كلّ ذلك ليستخدموا المدينة وتحوّلاتها كمجرّد ديكور لأفلام الأكشن التجاريّة.

لو لم تكن يافا واحدةً من المدن الفلسطينية التي عاشت النكبة، ولو لم تكن إسرائيل مستمرّة في محو معالم الكثير من الأماكن الفلسطينية، لما نال فيلم “استعادة” الاهتمام الذي حظي به. أمّا وأنّ يافا هي يافا، فلا يمكن قراءة “استعادة” إلا كفعل سياسيّ، ولا يمكن قراءة مجيء تشاك نوريس وزملائه إلى يافا لتصوير أفلامهم في الثمانينات إلا كمشاركة، وإن غير مقصودة ربّما، بمسار الممحاة الإسرائيلية.

شهيّة الكاميرات

من الصعب لمن شاهد فيلم “استعادة” ألا يستحضر طيفَه لدى اطّلاعه على السجال الذي أثاره الفيلم اللبناني “جدار الصوت” حتّى قبل عرضه على الشاشة. والواقع أنّ السجال لا يتعلّق بمضمون الفيلم، بل بطريقة تصوير عددٍ من مشاهده وبموقع التصوير نفسه. ذلك أنّ الفيلم الذي تدور أحداثه في جنوب لبنان خلال حرب تمّوز ٢٠٠٦، افتقر إلى مشاهد الدمار بعد إعادة إعمار الجنوب، فوقع الاختيار على غربيّ سوريا المحاذي للحدود اللبنانية، والذي كان دماره لا يزال “طازجاً” يثير شهيّة الكاميرات.

فهل ارتكب المخرج خطيئة في اختياره مكان التصوير؟ هل رضخ لظروف الإنتاج الصعبة، فاستسهل اللجوء إلى الخيارات المتاحة؟ أم أنّه خيار مُخرج يحاول القفز فوق القوالب والأفكار الجاهزة ويثير الأسئلة الصعبة كما عوّدنا في فيلمه السابق “أبي لا يزال شيوعياً”؟ تصبح هذه التساؤلات ملحّةً في ظلّ غياب شبه تامّ للنقد الفنّي عموماً، وميلٍ عارم لاستبعاد النقد السياسي لا للأعمال الفنية وحسب، بل حتّى لسياسات إنتاجها، ورَجْم ذاك النقد باعتباره جزءاً من آلة القمع، حتّى حين يتعلّق الأمر بصورةِ مَن باتوا مُستفرَدين تماماً أمام الدبّابة والكراهية والكاميرات الجائعة.

تبدو لي المشكلة مع التصوير ما بين القصير والزبداني مزدوجة. فـ”طزاجة” الدمار أبقتْه تحت حراسة القوّة العسكريّة التي اقترفته، أي أنّ القوّة نفسها التي أذنت بتصوير الفيلم هي التي دمّرت المنطقة وحالت دون عودة الأهالي إليها. لم يأتِ ذلك في سياق ممارسة المخرج لأيّ “خداع” من أجل سرد رواية القصير/الزبداني، إنّما تسلّل إلى المنطقة في ظلّ غياب سكّانها لاستخدام دمارها في سياق رواية قصّة عن حرب أخرى. ولم ينتبه ربّما أنّ هذا التسلّل يشكّل مساهمة إضافيّة في إخراس رواية أهالي المنطقة بعد أخذ الموافقة ممّن هجّرهم أو ممّن “يمون” على من هجّرهم.

الجلاد والضحيّة

تصبح المشكلة مضاعفةً حين نضيف إلى المعادلة هويّة الجلاد والضحيّة، وتبادل الأدوار بين حرب تمّوز وحروب القصير/الزبداني. فحزب الله الذي تعرّض للاعتداء في حرب تموز، يقرّر الانتقال إلى دور المعتدي في سوريا. وهذا ما يجعل استخدام دمار القصير/الزبداني وإخراس رواية أهلها في سياق إنتاج رواية عن الحرب الإسرائيلية في لبنان شديد الدلالة في رمزيّته السياسيّة. ذلك أنّ المُخرج ليس أوّل من استخدم المأساة السورية كمجرّد ديكور للحرب الإسرائيلية، فقد سبقه إلى ذلك حزب الله نفسه حين جعل من حربه في سوريا ديكوراً للرواية الممانِعة الكبرى. ووفقاً لتلك الرواية، فإنّ القصير والزبداني وضحاياهما من حجر وبشر هم مجرّد أضرار جانبية لإنقاذ الأمّة من الأخطار المحدقة بها، تلك الأخطار التي ينبغي أن ننظر إلى حرب تمّوز حتى نعرف مصدرها. هكذا تتحوّل محاولة المخرج استخدام حزب الله لتصوير فيلم “نقديّ” عن حرب تمّوز، إلى استخدام الحزب للمخرج نفسه لصناعة فيلم تنتصر آليات إنتاجه للرواية الممانِعة.

لعلّ هذا ما يجعل انتظار مشاهدة الفيلم لانتقاد تصويره في سوريا انتظاراً من غير طائل. وما يضاعف من لا جدوى هذا الانتظار “الردّ” الذي تولاه المخرج على السجال الذي دار حول هذه المسألة على الفيسبوك. ففي قطعة من الصعب إيجاد تصنيف صحفيّ لنوعها، لم يقدّم المخرج أيّ قراءة تقويضية لما فعله في سوريا، بل قدّم حرب تموز كـ”فضاء درامي” تدور فيه معاناة المدنيّين في كلّ الحروب. تلك الحروب التي تتشابه في كل مكان، على حدّ قول المخرج الذي لجأ (مضطرّاً؟) إلى إنسانويّة ساذجة تجهّل الجلادين وتُخرج فيلمه والحياة من الفضاء السياسي. لكن ما دام المدنيّون هم القضية، فأين هم مدنيّو القصير والزبداني؟ هل تراهم يحتاجون إلى من يُمعن في طمس روايتهم التي ما عادوا يملكون غيرها، وإلى من يحوّل جلاديهم إلى موزّعي تصاريح فنية؟

الواقع أنّ حجّة “المدنيّين” لا تصمد حتّى بالنسبة للمخرج نفسه الذي يقول إنّ دمار القرى والمنازل أشعره “بالحاجة لاستعمال كاميرتي لإحياء هذه الذاكرة”. لم يقصد المخرج طبعاً ذاكرة القصير أو ذاكرة الزبداني التي ليست القصير وليست الزبداني في الفيلم، ولا ذاكرة مدنيّيها المغيّبين من فيلمـ(هم) ومن مُدُنهم وقُراهم.

حقّ المهزومين بصورتهم

قد لا يكون المخرج تقصّد محو ذاكرةٍ لإحياء أخرى، وليست نيّاته ما يعنينا ما دام المقصود ليس توجيه أصابع الاتّهام، أو وضع فيلمٍ على لائحةٍ سوداء ما. فالمسألة لا تتعلّق بخطأ فردي وحسب، بل بمسؤوليةٍ وحساسيّة مفقودتيْن تجاه حقّ المهزومين بصورتهم وسط جرحهم النازف، وهو حق لم يكفّ عن إثارة نقاش واسع خلال الثورة. نقاش غذّتْه غزارة الأشرطة التي راجت مع انتشار صحافة المواطن، ثمّ عرض صور تقرير “قيصر” الذي يُظهر صور جثث المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب في السجون السوريّة. دار النقاش بشكل أساسيّ حول كرامة تلك الأجساد وجواز استخدامها ومدى فاعليّة هذا الاستخدام كأدلّةٍ جنائيّة علنيّة أو كصرخةٍ لجذب انتباه العالم. كان ذلك في خضمّ الثورة. أمّا الآن، فيبدو أنّ أجساد السوريّين ودمار مدنهم لم يعد يصلح إلا للإعارة. لم تعد المأساة السوريّة تستحقّ حتّى أن تُروى. أمّا أجساد السوريّين وبقايا مُدُنهم، فباتت عظاماً لأجساد أخرى. أجساد جلّاديهم ربّما.

بعد إنجاز فيلم “استعادة”، روى مخرجه أنّه كان طفلاً حين شاهد للمرّة الأولى مدينته تُقلب رأساً على عقب تحضيراً لتصوير أحد أفلام تشاك نوريس. بقيت الصورة حيّةً في رأس الطفل ثلاثين سنة قبل أن يبصر فيلمه النور. فهل من طفل من أبناء القصير أو الزبداني كان حاضراً حين حمل مخرج “جدار الصوت” كاميرته وسط الدمار؟ وكيف سينقذ هذا الطفل صورة مدينته من ثنايا ذاك الفيلم “الإنساني”؟ الأرجح أنّ القصير والزبداني في زمن تصوير الفيلم، بعكس يافا الثمانينات، لم يبقَ فيها أطفالٌ ليشهدوا. لقد أُفرِغت المنطقة آنذاك من أهلها. لم يبقَ منها إلا أصداء لجدار الصوت. أُطفِئت الأضواء تماماً. بإمكانكم أن تستمتعوا بالعرض.

———————————

عن قضية أ. غ. / طلع أو ما طلع؟/ سامر فرنجيّة

لا تحتاج هذه القراءة إلى انتظار الفيلم، كما أنّها ليست حكماً سياسياً يُفرَض على العمل الفني من خارجه. إنها نابعة عن سيرورة الفيلم ذاته وخيار الذهاب إلى سورية لالتقاط مشاهد دمارها

بدأت القضية بنميمة أو خبرية تنتقل بالهمس، ممزوجة ببعض السخرية من هنا وبشيء من الصدمة «الأخلاقية» من هناك … «طلع أحمد على سورية ليصور؟» … انتشر السؤال واتّسعت دائرة العارفين بوجوده، ودائرة المطالبين بموقف من صديق ذهب إلى سورية ليلتقط بعض مشاهد الدمار من هناك. بدأت النميمة تتحوّل تدريجيا إلى قضية، تتحضر في الخفايا، وتكبر من خلال الأحاديث الجانبية، ويزداد عدد ضحاياها مع كل تكرار للسؤال هذا… بات الجميع يسأل «مين بيعرف؟»، سؤال تطميني عن هوية من سيُفضَح كشريك صامت في القرار هذا… «حتقول شي؟»… «ما بعرف»…

القضية هي سجال فيسبوكيّ أثاره الفيلم الأخير للمخرج أحمد غصين «جدار الصوت». تدور أحداثه خلال «حرب تموز» في منزل معزول في جنوب لبنان، يتعايش في طابقيه مدنيون لبنانيون وجنود إسرائيليون. بيد أنّه بعد عقد من الإعمار، لم يعد هناك أثر للدمار الإسرائيلي في جنوب لبنان قد يصلح لتصوير هذه الحرب. فقررت ماكينة الإنتاج الذهاب إلى سورية، إلى مناطق مدمّرة على حدودها مع لبنان، لاستعارة بعض مشاهد الدمار من هناك وإدخالها في رواية الحرب الأخرى.

من الصعب تجاهل «الحمولة السياسية» لهذه الاستعارة أو هذا القرار التقني، وهي تحويل الحطام السوري إلى «ديكور» في «حرب تموز». فمع قرار حزب الله التدخّل في سورية إلى جانب النظام البعثي، تم تجنيد رواية «النصر الإلهي» لمواجهة «الثورة السورية»، كمدفعية إيديولوجية لتبرير قمع النظام. ومع انتصار حزب الله في مشروعه لتحويل سورية إلى حطام، يأتي «جدار الصوت» ليؤكد في استعارته هذه، أو رغمها، انتصار رواية حرب على أخرى. فيبدو قرار تحويل الدمار السوري إلى صورة خلفية في ملحمة «حرب تموز» الترجمة الجمالية لانتصار عسكري. إنه الانتصار الأخير على «الثورة السورية» أو بكلام أدّق، على ذكراها. 

انتظروا الفيلم

قد لا يريد المخرج قول ذلك. وقد لا تكون «الحمولة السياسية» تعبيرا عن نواياه أو مضمون روايته. لكنّنا لا ندري. فالفيلم لم يعرض بعد في الصالات اللبنانية. وفي ظل غيابه، جاءت الخلاصة الأولية لهذه القضية على شكل موقف معلّق … «انتظروا الفيلم» … فليس من محاكمة من دون ظهور المتّهم، والمتّهم هنا هو العمل الفني، ليس مَن صنعه أو كيفية صناعته. وكل ما يقال والمتّهم غائب ليس إلّا مجرّد إسقاطات سياسية على عمل لم يبُح بعد بمضمونه. فالمسألة، لدعاة الانتظار، واضحة: للعمل الفني أولوية على باقي الاعتبارات، سواء كانت سياسية أم أخلاقية، وأي نقد يتجاهل هذه الأولوية يهدّد استقلالية العمل الفني، ويعيدنا إلى انحدار «الالتزام». فربّما هناك، بين شقوق «جدار الصوت» ما يبرّر اقتلاع صور سوريّة ودمجها برواية مجرّدة عن الحروب. وهذا القرار، لا يحاسَب عليه إلّا بعد الرضوخ للّغة السينمائية للفيلم، أي من داخلها. انتهت القضية وعادت إلى طبيعتها «النميمية» الأولية، وبات السؤال «دخلكن، شو عاد صار بقصة أحمد؟».

«انتظروا الفيلم»، إذن…

انتظرنا وبدأ الشك يراودنا حول صلاحية قرار كهذا. فهل من الضروري فعلياً انتظار العمل والرضوخ للغته الفنية قبل مساءلة جوانب من شروط انتاجه أو بعض خياراته السينمائية؟ هل بات المدخل الوحيد للنقد هو القبول بفرضية استقلالية العمل الفني وفردانية صانعه؟ هل العمل الفني مستقل عن شروط إنتاجه، فلا يمكن مساءلتها إلا من خلال اللغة الذاتية للعمل؟ تكاثرت الأسئلة وبدا قرار الانتظار كخارج عن الموضوع، كالمعقل الأخير لمن يؤمن بتجرّد الفن واستقلالية الحقل الفني وتعالي الفنان. فالسؤال ليس موجّهاً إلى مضمون الفيلم أو دوافع مخرجه، بل إلى شروط صناعته وماكينة إنتاجه والحقل الثقافي الذي يحدّد الخيارات المتاحة لكل فنان. القضية هي عن فرضية الانتظار وعن إمكانية التجرّد في الفن وفي السياسة: عن إمكانية تجريد الصورة السورية من سياقها، عن تجريد الحروب من تاريخها، عن تجريد النقد من السياسة، عن تجريد العمل الفني من شروط إنتاجه، عن تجريد الحقل الثقافي من مصالحه، عن الاستعارة كعملية تجريد للواقع…

في هذا المناخ من التجرّد، من الطبيعي أن يكون النقاش مجرّداً من الفيلم، غيابه هو في صلب الموضوع.

عن «الاستعارة» السورية

بالعودة إلى قضية الذهاب إلى سورية، فإنّ القرار، في عملية تجريده هذه، يدفع بالجماليّ إلى حدوده الأخلاقية ويتخطاها، كما أنّه يتخطى هذا الفيلم ليطرح مسألة تصوير العنف بعد سورية. بهذا المعنى، يتحوّل «جدار الصوت» إلى مسرح لطرح أسئلة أوسع عن علاقة الفن بالحطام السوري، كما يعرض إحدى الإجابات الممكنة على تلك الأسئلة، وهي التجريد. فعملية التجريد هذه تأخذ أبعادا مختلفة:

أولاً، إنه تجريد للدمار من عملية صنعه. فالدمار السوري ليس دمارا مجرّدا، مرّ الزمن عليه وبات «طبيعي». إنّه حطام قيد التدمير، جزء من عملية سياسية وعسكرية ما زالت قائمة، ضحاياها معروفون كما فاعليها. سورية، بهذا المعنى، ليست حطاما بل هي تُحطّم، مدنها تتحول إلى ساحات للدمار، ومدنيوها يقتلون أو يهجرون يوميا. قرار الاستعارة بمشاهد الدمار السوري هو مشاركة في تحويل التدمير إلى دمار، أي تجريد الدمار من حاضره لكي يتحوّل إلى «حطام» يصلح كـ«ديكور» لفيلم.

ثانياً، يقوم هذا القرار على عملية تجريد أخرى، هي تجريد الدمار من هوية المدمِّرين. فالحطام ليس نتيجة كارثة طبيعية أو حادث عابر. هو نتيجة قرار اتخذه أبطال «حرب تموز» والنظام البعثي، وهما الطرفان اللذان سهّلا قرار التصوير هذا. وهنا يأخذ التجريد منحىً أخطر. فلم تُستخدَم المشاهد السورية كـ«ديكور» لفيلم عن الحروب، بل لفيلم تدور أحداثه خلال «حرب تموز». بهذا المعنى، تمّ تحويل الدمار السوري إلى محطة في رواية مدمِّريها، أو إلى صورة خلفية لأمجادها. باتت صورة الضحية «ديكور» في رواية جلادها، ولم يعد هناك وجود لذكراها إلّا كصورة مجردة في جنوب لبنان.

تلك الخلاصات ليست مبنية على مضمون الفيلم أو نيّات المخرج، ولكنّها تفرض نفسها عليه. أمّا النيّات، فصرّح عنها المخرج في مقابلة قصيرة في موقع «المدن» يفسّر فيها استعارته انطلاقا من موضوع الفيلم. فالحديث هو «عن مدنيين سُحقوا ويُسحقون يومياً أمام ماكينة الدمار في بلداننا، وفي هذا الشرق. مرة في جنوب لبنان، مرة في سوريا، أو اليمن….». وفي هذا التصريح يكمن البعد الثالث لعملية التجريد هذه، التجريد من السياق. فحسب هذه الاستعارة، هناك حروب مجرّدة في منطقتنا، يقوم بها عنف لا حيثية له ويدفع ثمنها «مدنيون» لا حول لهم ولا قوة. تُخرج الاستعارة العنف من أي سياق سياسي أو مكاني أو زماني، ليصبح «آخره» الوحيد كائناً مجرّداً أيضاً، هو «المدني». هذه ليست استعارة، بل تلخيص سهل للواقع، يجد في ثنائية أخلاقوية هروباً من السياسة والأخلاق.

في وجه هذا التجريد، يصبح السؤال مشروعاً عمّا إذا كانت «استقلالية اللغة الفنية» قد أصبحت إحدى الطرق الملتوية للتطبيع مع واقع التدمير. وهذا السؤال يتخطى النيّات أو الخيارات الأخلاقية لأصحاب هذه اللغة، ليطرح سؤالا عن كيفية تصوير العنف. إنّه يتخطاهم ولكنه لا يعفيهم منه. فمهما كانت تلك النيات، قام هذا التجريد بدفع اللغة السينمائية إلى ما بعد حدودها الأخلاقية، وطرح على الجميع مسألة معنى التطبيع مع القمع في سورية اليوم.

انتصار الحطام على التجريد

لا تحتاج هذه القراءة إلى انتظار الفيلم، كما أنّها ليست حكماً سياسياً يُفرَض على العمل الفني من خارجه. إنها نابعة عن سيرورة الفيلم ذاته وخيار الذهاب إلى سورية لالتقاط مشاهد دمارها. فمهما كانت الدوافع الروائية أو المادية لهذا القرار، فإن «الصورة السورية» فرضت نفسها على ماكينة الإنتاج وكأنّها تؤكد أن لا تصوير للعنف اليوم من دون سورية، حتى إذا كان هذا العنف يسبق دمارها. فالفيلم ينطلق من «حرب تموز» كمسرح ليتناول مسألة العنف والحروب، ولكنّه يعترف، بقراره هذا، أن هذا المسرح لم يعد كافياً لتصوير العنف أو لم يعد يصلح كنقطة ارتكاز للكلام عن الحروب. فقدَ العنف الإسرائيلي طبيعته «النموذجية»، ولم يعد مقياس الدمار في المنطقة. صورته باتت بحاجة إلى الصورة السورية لكي تحظى بشرعيتها كحطام. بهذا المعنى، يبدو قرار الذهاب إلى سورية اعترافاً بأنّ العنف بعد سورية ليس كالعنف قبلها. بات هناك معيار جديد في المنطقة لا يمكن للاستعارات الفنية تسطيحه.

في فشل هذه الاستعارة، يكمن انتصار الصورة السورية على إمكانية تطبيعها الفنية. من مشاهد خلفية لحرب أخرى، تحوّلت هذه الصورة إلى ثقب أسود، مجرّد التلميح إليها يستنفد أي عمل فني ويجعله، بطريقة أو بأخرى، عن سورية. بهذا المعنى، ليس أحمد من «طلع عسورية»، بل سورية هي التي اجتاحت فيلمه، وحوّلته من فيلم ينطلق من «حرب تموز» كمسرح إلى الفيلم الذي صُوِّرت بعض مشاهده في سورية. انقلبت الصورة، و«الديكور» بات هو المسرح. كأن هذه المشاهد تعلن أن لا تصوير للعنف بعد سورية، أو حتى قبلها، وأنّه ليس هناك من «نصر إلهي» يستطيع ترويض صورها. انتصر الحطام السوري على التجريد الفني، وإن كانت سورية لم تنجُ من التجريد العسكري لأبطال «حرب تموز».

عن حقل فنّي ينتظر

استعجل المخرج الذهاب إلى سورية ليستعير صورها. أما الحقل الفني، فما زال ينتظر الفيلم لكي يعلّق. وبالعودة إلى القضية كـ«قضية»، فإنّ المسألة لمثيريها لم تكن «فقط» عن الخيارات السينمائية لمخرج لبناني، بل كانت ضمنياً تحدياً موجهاً لـ«جو» ثقافي وفني متّهم بالتخاذل والتكاذب والتواطؤ، أو ما يمكن اعتباره «انتظاراً». قد يكون هذا التوصيف قاسياً بعض الشيء، ولكن هناك الكثير ممّا يدعم فكرة افتقار حقولنا الثقافية للنقد والمساءلة، ما يفسّر انتشار ثقافة العتاب الخاص على حساب النقد العلني. فمن ثقافة «الشلل» إلى المحسوبيات المؤسساتية، مروراً بالتستّر على قضايا استغلال السلطة من هنا أو التحرّش الجنسي من هناك، يبدو حقلنا الفني غير قادر على نقد ذاته، مهما كان نقدياً تجاه خارجه. وإن كان هناك نقد لحال الثقافة، فغالبا ما يأخذ طابعاً فضفاضاً عن حال الثقافة في عالمنا المنحط…

في ظل هذا التستّر، ليس مستغرباً أن يتحوّل «الفضح» إلى أداة للنقد، يأخذ من القضية المتستَّر عليها حجّةً لنقد بنية التستّر بأكملها، محوّلاً المتّهم إلى كبش فداء لخصم أكبر. كما أنّه ليس من المستغرب أيضاً أن يعتبَر النقد في مناخ كهذا نوعاً من «خيانة الأمانة»، تنقل إلى العلن ما يُفترض به أن يبقى في الكواليس، وتحوّل الناقد إلى كبش فداء لـ«انحدار المستوى». في حقول ثقافية كهذه، تتحوّل فكرة «استقلالية» الحقل إلى شيء أقرب إلى مبدأ «الحرمة» ومفرداتها كالحياء والخيانة والتستر والعار. فالمسألة ليست مسألة دفاع الحقل عن استقلاليته عن اعتبارات «أخلاقوية»، بل دفاعه عن «حرمته» من مساءلة سياسية. في وجه الحرمة، الفضح وليس النقد.

وهنا تكمن آخر عملية تجريد في قضية «جدار الصوت»، وهي تجريد الحقل الثقافي عن مصالحه وصراعاته وحدوده، تجريد يأخذ عنوان «الانتظار». وكما فشلت الاستعارة-التجريد في احتواء الحطام السوري، فشل الانتظار-التجريد في احتواء القضية، ليفضح الحقل ذاته كبنية تستر وتخاذل. ويبقى، بين حطام هذه القضية، سؤال ذكرى «الثورة السورية» ومعنى التطبيع مع عملية تدميرها كعائق أمام أي تجريد، سواء كان فنياً أم سياسياً. وهذا السؤال لن يزول مهما انتظرنا…

—————————–

إطار الاستعمار في ثقافة المقاومة/  رنا عيسى

الأرض لمن يدمرها ويحررها من أهلها، والفن لمن يستوطن و يبني علاقات تسمح له أن  بالذهاب إلى مناطق حتى أهلها ليس لهم أن يزوروها

سنة 2017، عرض الفنان أحمد غصين عمل في غاليري “مرفأ” بعنوان “الأرض لمن يحررها” يحكي فيه عن وضع الأراضي والعقارات في جنوب لبنان وعن كيف حصل لأبيه أن يتملك أرضاً فقط بوضع اليد عليها وإشهاره بأنها أصبحت ملكه. كان يكفي هذا لتقبل الدولة اللبنانية بالإشهار وتحرر صك ملكية للأب. في هذا العمل المذهل في صراحته ينجح غصين بجعلنا نرى العلاقة الاستعمارية التي تربط اللبناني بالأرض والعلاقة الانتهازية التي تربط الفنان اللبناني بالسوق العالمية. في إثباته لقدرته على الحصول على ما يريد يضع الفنان يده على قطعة أرض في الجنوب بمساحة غاليري “مرفأ” فيكتب صك مستعمرة جديدة باسم صاحبة الغاليري جمانة العسيلي. الأرض لمن يستوطنها ويستعمرها إذا، والمواضيع الفنية كذلك لمن يستوطنها ويستعمرها فينقبها ليبيع زيوتها في أسواق فنية تعمل كالبورصة.

أسهم لبنان في البورصة الفنية العالمية  في تحسن مستمر في السنتين الأخيرتين من زياد الدويري لنادين لبكي وصولاً إلى أحمد غصين وفيلمه “جدار الصوت” الذي حصد أربع جوائز حتى الآن في مهرجان البندقية للسينما. في البورصة العالمية ينتصر المخرج في فيلمه المعنون انكليزيا ب all that victory، أو” كل هذا النصر”، بينما في لبنان يتعرض الفيلم لنقد شديد لفضيحة ذهابه إلى سوريا لتصوير مشاهد دمار ووضعها في سياق فيلم عن حرب تموز. الأرض لمن يدمرها ويحررها من أهلها، والفن لمن يستوطن و يبني علاقات تسمح له أن  بالذهاب إلى مناطق حتى أهلها ليس لهم أن يزوروها.

أتت حرب تموز بعد خطاب نصرالله عن ثقافة المقاومة دافع به عن البندقية كونها “تشكل فكر وثقافة وهوية وحرية وعقيدة.” وبدأت الحرب بخطف الحزب لجنود إسرائيليين ما أدّى إلى دمار مهول في لبنان. من خلال صموده برهن الحزب للبنانيين بأنه أقوى جهة عسكرية في البلد. مع مآلات الربيع العربي واندلاع الثورة السورية عزّز حزب الله شعار ثقافة المقاومة وسّوغه لتشريع دخوله في الحرب إلى جانب النظام السوري سنة 2013، عندما كلفه رؤساؤه في إيران بدعم نظام الأسد واسترداد بلدة القصير من الجيش السوري الحر في معركة دامت بضعة أسابيع. ساهمت هذه العملية بإنهاء حصار مدينة حمص الذي بدأه النظام في أوائل الثورة في أكتوبر 2011  إلى صالح النظام الذي أحكم سيطرته على المدينة في منتصف أيار 2014. مقابل تورطه بالحرب غنم حزب الله القصير لصالح مقاتليه ووسع مشاركته في الحرب بعملية القلمون والزبداني التي كذلك دامت أشهر وانتهت أيضا لصالح النظام وحزب الله الذي أحكم سيطرته على المدينة وبدأ اليوم باستعمارها وترميم مساجدها واستيطانها لمنفعة عناصره وعائلاتهم.

يؤكد المخرج بأن الفيلم عن تلك الحرب في حديث أجرته معه جريدة الأخبار. يقول غصين في المقابلة بأن حرب تموز اشعرته بالحاجة لاستعمال كاميراته “لإحياء هذه الذاكرة”. إحياء أي ذاكرة بالضبط يا ترى؟ فهل أحد في لبنان كان قد نسي الحرب التي رسّخت واقع سياسي جعل من حزب الله القوة المهيمنة سياسياً على لبنان وعسكرياً على أجزاء من سوريا؟ وهل غفل على المخرج أن دخوله سوريا من أجل حرب تموز ينطبق تماما مع الذرائع التي يقدمها حزب الله لتورطه في سوريا؟ مع فضيحة فيلم جدار الصوت لغصين دخلت الثقافة اللبنانية المطبّعة مع نظام الأسد في سوريا وحلفائه اللبنانيين مرحلة جديدة في صراحة انتمائها.

أجبرت البلبلة التي قامت على الفيس البوك المخرج في إعطاء مقابلة مقتضبة لموقع مدن عما إذا كان فعلا قد ذهب إلى سوريا: إلى القصير والزبداني تحديداً ليصور مناظر الدمار السوري ليضعها في فيلمه على أنها دمار قرى الجنوب اللبناني في حرب تموز. سأله الصحافي إذا كان فعلاً قد استعمل “المأساة السورية كديكور.” يرد المخرج بأن جلّ ما فعله هو استعارة. يحاول الفنان أن يشرعن فعله هذا بالتكلم عن الاستعارة التي يعتبرها “مفتاح النقاش لما تحاول قوله في المضمون وعبر لغتك السينمائية.” في محاولته لإخراج شعري لمغامرته السورية يستعير غصين الاستعارة من الشعراء فيشعرني بالحاجة لأن أستعير فعله هو وأذهب بالاتجاه المعاكس إلى متحف حزب الله في قرية مليتا لأفهم أي نوع شعري هذا الذي يطلب منا المخرج أن نتفهمه.

في آخر زيارة لي إلى مليتا في آذار هذه السنة انتبهت أن المتحف قد زاد عمل جديد إلى مجموعة أعماله المباشرة في رمزيتها. مجموعة براميل مصفوفة بهندسة فنية فوق بعضها البعض. أسأل الدليل المرافق لي ما هي تلك البراميل؟ فيقول أنها تعبر عن رمي إسرائيل للبراميل على الجنوب. أقول ولكني لم أسمع بحياتي أن إسرائيل قامت بعمل كهذا منذ 1948 عندما رمت قوات الهاغانا البراميل على الفلسطينيين؟ فيجيب نعم فالصحافة مسيسة، وأن هذه البراميل سهلت على إسرائيل عمليات تبادل السكان فقامت بإسكان سوريين وعراقيين في لبنان مكان أهل البلد.

إن أعداد السوريين كبيرة نسبياً في الجنوب. تقدر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عدد السوريين المقيمين في الجنوب بنحو 140 ألف لاجئ ولاجئة،. تكتب ولاء صالح في مقال نشرته في الجمهورية  منذ أشهر عن أحوال السوريين في الجنوب، بأن الاعتقاد بأحقية الحزب في القتال في سوريا والتضحية بأبناء الجنوب غالبا  ما يتلخص بأن “أقلّ ما يمكن فعله هو مساعدة «الدولة السورية» في القضاء على «الإرهاب»، رداً «على موقفها النبيل» في حرب تموز 2006”.

في رواية حرب تموز التي يريد لنا المخرج أن نقبلها تراهن الاستعارة على سرديات الغالبون في كتابة التاريخ وعلى قدرتهم باختراع ذاكرة لا علاقة لها بما حصل فعلا. فنشاهده في مقابلة على اليوتيوب من مهرجان البندقية يقول بأن هدفه في الفيلم هو إحياء الذاكرة البصرية لحرب تموز. يقول أيضا أن هدفه من الفيلم هو التفكير بثقافة الصمود في الجنوب، تلك الثقافة عينها التي يجاهر بها الحزب مرارً وتكراراً.

ينهي المخرج حديثه مع جريدة الأخبار ليسأل “هل الخيار الباقي لجيلي وأولادنا في لبنان اليوم هو الهجرة، هل هذا خيارنا الوحيد؟” الحزب وجد خياره: القتل والتعذيب والتهجير وتبادل السكان في سوريا. وجد الحزب حلاً لمن أطاعه: استعماره سوريا وتحسين الوضع الاقتصادي المتردي في البلد من خلال السماح لمستعمريه بسرقة سوريا ليس فقط من أبنائها ولكن من سردياتها وصورها. في فيلم “كل هذا النصر” يتماهى الفنان مع هذا النهج فيقوم بتغيير أسماء الأشياء. تدمير القصير والزبداني وكب البراميل تحت راية المقاومة تجد من يكرسها ثقافيا فيجردها من الواقع السياسي و يبيض صورتها عالمياً بإعطائها الهوية السياسية للغالبين: حرب تموز كيوميات مجردة من السياسة التي أوجدتها. فهذه التسميات الخطأ، هذا الزيف والتطبيع معه هو لب الموضوع.

 يكتب ألبير كامو عن علاقة العنف باللغة بأن “التسمية الخطأ للأشياء تزيد من بؤس هذه الدنيا، فالزيف هو ذاته مأساة البشر. لذلك، الفعل البشري العظيم هو أن لا تشارك في خدمة الكذب”.  يسمح غصين لنفسه بأن ينتحل هوية الدمار ليجيّرها للمنتصرين فيكشف عن فهم متناهي السطحية للتاريخ. فالرواية التاريخية لا يكتبها المنتصرون كما يقول الكليشيه. التاريخ يكتبه كل من له خسارة عميقة في تراجيديتها. ثقافة الاستعمار تأتي مبتذلة، خاوية، فيها من الزيف ما يجعلها مملة، تشبه أكثر ما تشبه الخطابات السياسية. لا ناقد جدي له من الوقت ما يضيعه في مشاهدتها. ما يبقى للخاسرين هو التأريخ، وها نحن نقرأ ونشاهد ونفكر مع السوريين الذين منذ بدأت الثورة يكتبون قصصهم و يصورونها و يتأملون بمساراتها ويجترحون المعنى الجديد من واقع الحال. أما أفلام المقاومة فلجمهور آخر قبِل بالاستعمار واستعاراته ويقيس نجاحه بغنم جوائز تجارية ويستولي على ما ليس له الحق بأن يستعيره.

 ——————————

اللبنانيون الذين تحولوا ديكورا/ لال خبيز

لم يجد غصين بدا من استعارة حياة السوريين وموتهم، لنسبتها إلى اللبنانيين. وهذه استعارة مكلفة في نهاية المطاف

لا يضير السوريين أن يستعير سينمائي ما صور فاجعتهم ليصور للناس فاجعته الشخصية أو الجمعية. وأحمد غصين لن يكون الأول في هذا المضمار ولن يكون الأخير. السينما في نهاية المطاف، ككل فن، هي مجرد نسخ عن أصل. ومشكلة فيلم أحمد غصين الأساسية، كانت وستكون، متمثلة في أنه استعار أصلا لينشئ نسخة لأصل مفقود. الذين طعنهم أحمد غصين في قلبهم تماما، هم اللبنانيين أنفسهم، أولئك الذين يدعي أنه يريد تمثيل معاناتهم مع العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006. لأنهم الآن، وبحسب الفيلم، ورغم كل الجوائز التي حصل وقد يحصل عليها، باتوا مجرد خرافة ولا يستطيعون التدليل على معاناتهم إلا باستحضار الألم الحقيقي الماثل في الذهن والمخيلة على الدوام وهو بالتعريف سوري المنشأ والمآل. في نهاية الأمر صنع غصين تمثيلا للألم اللبناني ونزع عن الألم الحقيقي اسمه وهويته ليتسنى له غش المشاهدين بأن الألم الذي يتحدث عنه كان حقيقيا.

لقد فوت غصين على اللبنانيين فرصة أن يكونوا ضحايا. وكل تفويت في هذا المجال نسبي طبعا، وهو ليس المسؤول عن هذا التفويت لكنه على الأرجح سقط في فخه. والسباق المحموم على ادعاء دور الضحية في كل العالم، لن يتوقف مع غصين، ولم يبدأ مع الحسين وصحبه.

كل الصخب الذي دار ويدور حول استخدام ذكريات السوريين المدمرة وحيواتهم المقصوفة في القصير والزبداني، كديكور لقصة متخيلة عن حرب تموز. لم يكن على الأرجح يصيب وجهته الحقيقية. غصين يدافع عن خياراته بأن الألم لا يتجزأ وأن الحروب تستهدف المدنيين، وهم ضحاياها أينما حلت، ولا فارق بين مدني سوري وآخر لبناني. لكن التمعن في حقيقة الأمر لا تخدم هذه الحجة. اللبنانيون الذين تعرضوا لكل هذا الألم في حرب 2006، لم يسمح لهم أن يكونوا مدنيين. والطرف الذي لم يسمح لهم بالوقوع في هذا الموقع هو الطرف الذي يدعي حمايتهم، وهو الطرف نفسه الذي ساهم في قتل السوريين وتهجيرهم ومصادرة بيوتهم وذكرياتهم. في تلك الأثناء، أي في حرب 2006 ما قبلها، كانت الدعاية المقاومة والممانعة، وأطرافها ما زالوا هم أنفسهم منذ ذلك الوقت، تفيد أن كل لبناني تواجد في مناطق العمليات أثناء تلك الحرب هو مقاوم، ما فتئ حيا، لكنه ما أن يموت حتى يتحول مدنيا. وما زالت ادعاءات حزب الله تتكرر اليوم وكل يوم، وتفيد بأن اللبنانيين، الذين يدعي تمثيلهم، هم مجرد ديكور أليف لأغراض حزب الله الحربية. فالبيوت، والمحال والمدارس والمستشفيات، كانت وما زالت في دعاية حزب الله، مجرد تمثيل للبيوت والمحال والمدارس والمستشفيات، إذ أن الحقيقة تقع تحتها في الأنفاق التي يخرج منها المقاتلون لمقاتلة العدو. لقد صادر حزب الله من اللبنانيين حقهم بالموت أبرياء، وجعلهم مقاومين. ولم تنجح ادعاءات غصين في إعادة اللبنانيين إلى حقيقتهم بأنهم مجرد مواطنين، وهم عرضة لأن يكونوا ضحايا للحروب. ما زال اللبنانيون في كل مناسبة يقعون في موقع البطولة. في موقع القادر على رد الصاع، في موقع من يدعي أنه لا يهاب الحروب، ويخجل من واقع أن التوتر الأخير على الحدود الجنوبية للبنان، أدى إلى هجرة المدنيين منهم بأعصابهم وأطفالهم إلى مناطق يظنون أنها قد تكون أكثر أمنا في أي مواجهة قادمة. وما أن تيقن أصحاب القرار في الحرب والسلم في لبنان من واقع أن الحرب لن تقوم، حتى نظموا مسلسلات تمثيلية عن الحياة التي تسير سيرها الخامل في الجنوب، لتصوير أن الجنوبي ليس خائفا كالإسرائيلي. وأنه تاليا لا يملك في عروقه ذرة دم.

ثقافة حزب الله والممانعة التي تتحكم بمصائر اللبنانيين اليوم حولتهم إلى زومبي، لا تدعي فقط أنهم لا يخشون الموت، بل هم أصلا ميتون. وحولت دماءهم إلى مجرد صديد وقيح. لهذا لا ينجح أي كان، ما لم يتصدى لمسؤولية حزب الله وحلفائه، عن جعل حياة اللبنانيين رخيصة إلى هذا الحد، ويمكن إنفاقها بيسر وسهولة ومتعة، كما ينفق المرء وقته على تدخين سيجارة. في أن يعيد لدم اللبنانيين صفته الحقيقية. وأحسب أن أحمد غصين، حتى لو أراد ذلك، ليس قادرا وحده على هذه المهمة.

لهذا، وباندفاع غريزي، لم يجد غصين بدا من استعارة حياة السوريين وموتهم، لنسبتها إلى اللبنانيين. وهذه استعارة مكلفة في نهاية المطاف. مكلفة لأن اللجوء إلى هذه الاستعارة، يجعل الفيلم تخييلا محضا. كما لو أن هدفه الأول والاخير هو القول: أيها المشاهد، لا بد أنك تدرك حجم وحقيقة المعاناة التي عاناها السوريون، حسنا، أنا أريد أن أقول لك أن ثمة لبناني واجه معاناة مشابهة. وهذه الاستعارة تمحو الألم اللبناني برمته، وتساهم مرة أخرى في التماهي مع استخفاف حزب الله وصف الممانعة بحياة اللبنانيين وتتفيه قيمتها. لكن فيلم غصين وأي فيلم آخر لا يستطيع أن يمحو من ذاكرة العصر معاناة السوريين الذين أثبتوا أنهم مواطنين حقا، وأنهم ضحايا حروب حقا، وهم بالتالي آباء وأمهات وأطفال وشيوخ، وبيوتهم هي بيوت وليست واجهات كاذبة تخفي تحتها أنفاقا للصواريخ، وذكرياتهم هي ذكريات، وليست ديكورا مملا في حكايات وأفلام.

—————————

خطاب التصويرة المحروقة/ روجيه عوطة

علينا أن ننظر إلى الهاوية، ونرمي الورود، ورود الكلام فيها، شاكرين الوحش الذي لم ينجح في التهامنا

المكتوب الآتي ليس من “الملف”، بل عنه، كما أنه ليس في “الملف”، بل، ولأنه بدأ من قبله، فها أنا أعلقه من بعده. هو، وببساطة، تعليق على شكل مقالة.

منذ أن دعاني الرفيق العزيز علي الأتاسي إلى المشاركة في “الملف”، الذي أعدته، مشكورةً، مؤسسة “بدايات”، وأنا أتساءل عن جدواه.

فها هم أصدقاء وصديقات أحمد غصين قد استخدموا “الملف” كمغسلة، ينظفون فيها سكوتهم وانتظارهم، وبينهما، مشاركتهم في “صد الهجوم من قبل المبلبلين والمدعين والمتفلسفين”. وهذا، قبل أن يمرروا بأفعالهم هذه “جدار الصوت” إلى “البندقية”، وإلى جوائزه الثانوية، ثم يقلعوا عنها، جاعلين منها، وبطريقة كوميدية، ذنباً لا بد من التكفير عنه.

في الواقع، لا يمكن الحسم في كونهم قد بايعوا مع أحمد، وعلى نحوه، نظام المجزرة في سوريا لكي يستحصلوا على بعض من أثره، أي الدمار. ولكن، صار واضحاً أنهم ضمنوا إرسال فعلته هذه، وكفيلم، إلى العالم، حيث “سيدور، ويدور”. بالتالي هم بايعوا الفعلة، أي نتيجة من أثر نظام المجزرة ذاته، وهذه مبايعة طرفية، ولأنها كذلك، لا شك في كون فداحتها كبيرة.

لكن، دعنا الآن منهم، فحتى لو أنهم تسللوا إلى “الملف”، فأقدموا على “استعارته” أو “إستعماله” أو “وراثته”، يعني، وبعبارة واحدة، القبض عليه، نافل هو غض النظر عنهم، وهذا، من أجل إمعانه قليلاً في التساؤل عن أثر الكلام، ومكتوبه، بعد الفعلة.

لقد ردد رفاق ورفيقات كثر أن لا حاجة إلى “الملف”، فالفعلة، التي يتناولها، ومنذ بدايتها حتى عقبها، الذي، وعلى ما يبدو، لا وجود له، هي فعلة جلية. لذا، كان حلها يستلزم، وبسهولة، شرح وتوضيح وقائعي من المعني بها، من أحمد، قبل أن يعتذر مباشرةً من السوريين.

ولكن، لا بأس، قراءة “الملف” جيدة، فغير أنها تتيح الإطلاع على مقالاته الجميلة، هي تعين على إدراك جانب من جوانب الخطاب الثقافي في البلاد، وجانب من جوانب اشتغاله تحديداً.

يصيب الرفاق والرفيقات إياهم في الإشارة إلى جلاء المسألة، ولهذا، ذلك الخطاب، وحين تناولها، لم يقدم سوى على إيضاح وضوحها: “الفعلة هي فعلة” (خالد صاغية)، “على بينة مسبقة منها، لم ننتبه إلى أن الفعلة فعلة، فبعضنا سخر، وبعضنا انصدم، لكن، عدنا ولاحظنا، وإذ هي حقاً فعلة، لقد فشل صانعها، وفشلنا” (سامر فرنجية)، “هذه الفعلة قابلة للمقاربة من زياراتي إلى مليتا” (رنا عيسى)، أو “من لبنان الممانع عموماً” (بلال خبيز).

إلا أن ماذا يعني أن يصنع الخطاب الثقافي موضوعه عبر إيضاح وضوحه، وماذا يعني أن يشتغل من أجل هذا؟

طبعاً، لا ضرورة للقول هنا، ومنعاً لأي خباثة، واحتراماً لكل حساسية، أنني لا أتحدث، وعلى طريقة رشا السلطي، عن “الكتاب الذين نحبهم”، بل عن ذلك الخطاب، الذي معلوم أنه نشيط قبلهم، لكنه، وفي مسألة “جدار الصوت”، مر عبر مقالاتهم. كما أتحدث عن محله من إعراب الفعلة، التي تطرقوا إليها.

هذا الخطاب، وحين يصنع الفعلة موضوعاً له بإيضاح وضوحها، ينطلق من كونها ليست كذلك، من كونها مبهمة في عيون الذين يتوجه إليهم، إذ أنه يقدمها لهم كي يشاهدوها. لكن، وبما أن الفعلة، في الواقع، واضحة مسبقاً، فالمشهد، الذي يضعها الخطاب فيه بواسطة إيضاحها لكي يقدمها لهم، يساوي الصورة المحروقة، أو ما تُطلق عليها الرطانة الفوتوغرافية تسمية “التصويرة المفحومة”. إذ أن الضوء، ونتيجة مضاعفة الإيضاح، يصير كثيفاً للغاية فيها إلى درجة محيه لمضمونها. هكذا، تنتهي الفعلة إلى تحت السطح الأبيض لهذه التصويرة، وعلى هذا السطح، تظهر منه، ولكن، لكي تبقى فيه.

باختصار، الخطاب إياه يظهر الفعلة لمتلقيه هؤلاء على سبيل اختفائها، ولهذه الحالة مفعولين حيالهم: الأول، أن الفعلة، وحين تظهر لتختفي، وهذه آلية من آليات الاجتذاب الإعلامي، تتحول إلى بغية يريدونها. الثاني، أن، ولكي يرمون إليها، لا يجب أن يفتح وقعها عيونهم، بل أن يحافظ على انغلاقها، ما يعني أن الفعلة، في هذه الناحية، تصير “مَغْلَق” من “مَغْلَقات” هذه العيون. وعلى هذا الأساس، يقدمها ذلك الخطاب لكيلا يراها المتلقين، فيفتحون عيونهم، بل يشاهدها عنهم لكي يتفرجون عليها. إذ لا يدفعهم إلى التفرج على الفيلم، الذي صارت فيه، أقصد على “جدار الصوت”، بل إلى التفرج عليها كفيلم من…. تصويرة واحدة.

طبعاً، من المعروف أن هذا التفرج، وككل تفرج، يحمل، ومن شدته، إلى التماهي بوصفه إعادة إنتاج لموضوعه، وإكثار له. وفي هذه الجهة بالذات، تندرج تلك الجملة من “اللبنانيون ليسوا ديكوراً”، وهي أن “أحمد غصين لن يكون الأول في هذا المضمار، ولن يكون الأخير”، الذي، وفي ترتيبه، لن يكون حينها قد “استعجل الذهاب إلى سورية ليستعير صورها”، وهذه جملة أخرى من “طلع أو ما طلع؟”. وفي هذه الجهة أيضاً، يلح سؤال محدد: كيف نتكلم ونفكر بعد حصول الفعلة كي لا تحصل من جديد؟ كيف لا نؤلف ذلك الخطاب خلال تكلمنا حولها وتفكرنا فيها لكيلا تعود وتحصل؟

فعلياً، تلك التصويرة الواحدة، “المفحومة”، لها رديف في “الملف”، رديف يبينها على أكمل وجه، وهذا، لو بدا أنه لا يوضح وضوح الفعلة، بل يعتمها. إذ أن إيضاح الوضوح يتطابق مع إعتامه، بحيث أن الإثنين يؤديان بالفعلة إلى اختفائها، مرة، بإظهارها، ومرة، بحجبها. فإذا كانت “الهروب من الخطيئة” هي المقالة المحورية، أي التي أدلت بكل شيء، في “الملف”، فمقالة “هذه الصور” (غسان سلهب) هي معنى الخطاب الذي يمر عبر “الملف”، وهي مقصد هذا الخطاب، وهي خلاصته: الفعلة “منذ الآن فصاعداً” هي التصويرة المحروقة، والتصويرة المحروقة هي الفعلة.

ولكن، كيف أوضح الخطاب وضوح الفعلة، كيف جعلها تصويرة محروقة؟

بسهولة، رطم ضوئه بضوء فيها، وهذا الضوء، في حال البحث عنه نصياً، من الممكن الوقوع عليه كعبارة متكررة في أرجاء الملف، أي عبارة “السياسة”. بالطبع مرد تكرارها أن معظم كتاب المقالات يأتون إما من تحصيل أكاديمي مرتبط بالسياسة، وإما من تجربة فيها. لكن، مرده، أيضاً، يتعلق بأمر آخر، هو حاجة الخطاب إياه إلى آلة، وهي هنا السياسة، بحيث يستكمل بها اشتغاله حيال الفعلة، أي استكماله لجعلها “تصويرة محروقة”.

فحين يقدمها على أساس أنها “سياسية”، وفقط “سياسية”، فهذا، عدا عن كونه اختزال لها، اختزال لا تبدده إضافة “أخلاقية”، إلا أنه ينطلق من كونها لم تكن، وقبل إلقاء ضوئه عليها، سياسية. ولكن، حين ألقى ضوء “السياسة” عليها، ولأن جانب السياسة فيها واضح، ارتطمت “سياسته” بسياستها، وصارت سياسة مفرطة. “تسييس” سياسة الفعلة هو نفسه إيضاح وضوحها، الإفراط في “تسييسها” هو نفسه الإفراط في إيضاحها، وعلى وجهيه، يجعلها تصويرة محروقة.

غير أن الخطاب، ولكي يتمم مصير الفعلة، لا بد أن يرجعها، وبفعل إفراطه في “تسييسها”، إلى مصدره، أي إلى الوسط السياسي اللبناني، إلى قسمته المنصرمة، 8 و14 آذار. ولكي ينجز إرجاعها، يتكئ على مقولة أن الوسط الفني ليس “سياسياً”، ولكن، هذه المقولة ليست دقيقة، بحيث أن الوسط اياه، وحتى لو لم يعلن ذلك، هو وسط “مسيس” بخطابها، وبقسمته الآذارية تلك، وهذا فعلياً ما يقضي على أي إمكان من إمكانات تسييسه.

على هذا النحو، “تسييس” الفعلة يعني تحويلها إلى موضوع من مواضيع انقسام الوسط، الذي، وفي إثرها، قد يصير إنقساماً معلناً: الوسط بمعسكرين، الأول، ممانع، والثاني، لاممانع، الأول، لا يجد في الفعلة فعلة، والثاني، على نقيضه، يجد فيها ذلك. أما، النتيجة: ينتصر المعسكر الغالب سلفاً، ويكتفي المعسكر المخفق سلفاً بترداد أنه فشل. تنتصر الفعلة، وتصير، وكما كانت منذ البداية، قانوناً عابراً للمعسكرين، لمعسكر سهَل تحقيقها لأنه مقترف لبها، أي الدمار، ومعسكر انتظر لتمر في الفيلم إلى عرضه، قبل أن يقلع عن الانتظار، وبهذا، يتكشف عن كونه “نيوممانع”.  فالفعلة هي قانون الممانعة في “جو” الممانعة كما أنها قانونها في “جو” اللاممانعة.

لقد أحسن أحمد الإلتزام بهذا القانون، مقدماً نسخة جديدة من “الفن الملتزم”، وها هو وسطه يهبه مكافأة بقلب فعلته إلى منصب: إدارة “مركز بيروت للفن” مناصفةً. فمبروك للممانعة في كلا المعسكرين، مبروك للممانعة القديمة والجديدة.

لقد قال لي رفاق ورفيقات كثر أنني أضعت جهدي ووقتي سدى في طرح مسألة “جدار الصوت”، وهم، في الحقيقة، يصيبون. لكن، أي يكن، لا أسف، فعلينا، وفي لحظات بعينها، أن نقدم على ذلك الفعل المهيب، الذي علمنا إياه نيتشه: أن ننظر إلى الهاوية، ونرمي الورود، ورود الكلام فيها، شاكرين الوحش الذي لم ينجح في التهامنا.

شكراً بيروت الثقافية والفنية أينما كنتِ!

——————————

عن موقع بدايات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق