شعر

إلى متى يا رب سينتصر الطُّغاة؟/ إرنستو كاردينال

ترجمة: غدير أبو سنينة

برحيل الشاعر النيكاراغوي إرنستو كاردينال، يوم الأحد الماضي عن 95 عاماً، فقد العالم أحد أبرز أصواته ليس ضمن المشهد الشعري وحده، بل أيضاً على مستوى النضال من أجل الحريّات والحقوق المدنية.

كان كاردينال يجمع بين أكثر من صفة؛ أبرزها الشاعر، ولكنه أيضاً رجل سياسة متمرّس راوح بين مسؤوليات رجل الدولة (وزير الثقافة في بلاده بين 1979 و1987) ثم في موقع المعارض بدءاً من 1994 حين استقال من الحزب الحكم احتجاجاً على استبداد دانييل أورتيغا وانقلابه على مبادئ الثورة الساندينية.

وهو أيضاً رجل دين، مسار لم يخل هو الآخر من التقلبات حيث أن انتماءه لما يعرف بـ”لاهوت التحرير” قد كلفه غضب الفاتيكان، لخمسة وثلاثين عاماً، قبل أن يرفع البابا فرانشيسكو العقوبات الكنسية عنه في شباط/ فبراير من السنة الماضية.

من أهمّ إصداراته: “مزامير النضال والتحرير” (1971)، و”تحية للهنود الأميركيين” (1973)، و”نهاية العالم وقصائد أخرى” (1974)، و”ساعة الصفر” (1980) و”أصل الأنواع”، و”الحب لمحة من الخلود”، وتبقى أشهر قصائده “صلاة من أجل مارلين مونرو”.

هنا استعادة لعدد من قصائده التي نقلتها إلى غدير أبو سنينة ونشرتها “العربي الجديد” في مناسبات سابقة:

أيها الزمن، أكرهك..

أكرهك، يا زمن.

حتى وإن كنت لولاك لا أوجد.

ولكي تمضي سأموت، وقد وُلدت لكي تمضي.

مثل سان فرانسيسكو دي بورخا أريد الآن

أن أحبّ أحداً لا يمسك الوقت

وأن نستأجر غرفة لا يمضي بها الليل

ولا تنطفئ فيها إعلانات أضواء النيون

واحداً واحداً.

■ ■ ■

من دور السينما هذه يا كلاوديا

من دور السينما هذه يا كلاوديا، من هذه الحفلات، من سباقات الأحصنة،

لم يبق شيء للأجيال القادمة

إلا قصائد إرنستو كاردينال لكلاوديا

(في هذه الحالة)

واسم كلاوديا الذي ذكرته في هذه الأبيات

وأسماء منافسيّ إن قرّرت أن أنقذهم

من النسيان

وأن أضمهم في قصائدي

كي أسخر منهم.

■ ■ ■

تدخلين مرَّة أخرى كموسيقى

تدخلين مرة أخرى كموسيقى، كضوء، موسيقى دون موجات صوتية، ضوء دون فوتونات. مداعبةٌ دون ملامسة، دون تلامس، مداعبة صافية وحسب. هل يُدرك الحب من اخترع الجنس؟

■ ■ ■

علاقاتنا

علاقاتنا..

تعايُشنا.

تعلمين عمّ كنتُ أبحث:

عن جمال لا يُسمن

عن حب لا يُملّل

أنتِ من جهةٍ أخرى:

كنت تريدين ممارسة الحب مع شخص آخر

بسبب ما فعلت.

وأنا لم أفعل شيئاً كي أحبك

ما زال انسحابي

ينزف.

■ ■ ■

نساءٌ في يوم ما

نساءٌ في يومٍ ما سيقرأن هذه الأشعار الجياشة

وسيحلمن بشاعر:

اعلمن أيتها النساء، أنني كتبت الشعر لواحدة مثلكنّ

عبثاً.

■ ■ ■

صلاة من أجل مارلين مونرو

إلهي

تقبّل هذه السيدة المعروفة باسم مارلين مونرو في كل بقاع الأرض

على الرغم من أنّ هذا ليس اسمها

(أنت وحدك من يعرف اسمها الحقيقي، اسم اليتيمة المغتصبة في سن التاسعة، وخادمة المتجر الصّغيرة ذات الستة عشر ربيعاً، حيث أرادت أن تقتل نفسها)

ها هي الآن بين يديك

من دون مكياج

من دون وكيلها الصحفي

أو تواقيع للذكرى

فقط كرائدة فضاء في ليلك الفسيح.

على ذمَة “التايمز”، كانت قد حلمت في طفولتها

أنها تقف عاريةً في كنيسةٍ

أمام حشدٍ من النّاس الساجدين

كان عليها أن تسير على أصابع قدميها كي لا تدوس رؤوسهم.

أنت تعرف أحلامنا أفضل مما يعرفها علماء النفس

كنيسةٌ، بيتٌ، كهف

هم أمان الرحم الأمومي

ويعني أيضاً أكثر من ذلك..

الكنيسة هي المعجبين، هذا واضح

(عجينةُ الرؤوس في العتمة تحت خيطِ الضوء).

لكن المعبد ليس استديوهات

20th Century Fox

المعبد الرخامي الذهبي، هو معبد جسدك

حيث يوجد ابن الإنسان والسوط في يده

يطرد العاملين في المحطَّة

الذين جعلوا من بيت عبادتك قبواً للصوص.

إلهي

في هذا العالم الملوّث بالخطايا والإشعاعات

لن تحاسب عاملة في متجرٍ

حلُمت كغيرها أن تُصبح نجمة سينما.

وصار الحلم حقيقةً (لكنّها شبيهةٌ بالأفلام الملونة)

لم تفعل شيئاً غير أنّها أدَّت الدَّور الذي أعطيناها إياه

– مشهد حياتنا- الذي كان مشهداً صامتاً.

اغفر لها يا إلهي ولنا

لقرننا العشرين

لتكلفة الإنتاج المرتفعة التي عملنا من أجلها جميعاً

كان لديها جوعٌ للحب ولم نمنحها سوى مُهدِّئات

كما أوصى الأطباء النفسيون

طالما أننا لسنا قدّيسين

تذكَّر أيُّها الرَّب خوفها الزّائد أمام الكاميرا

وكُرهها للمكياج- مع الإصرار على تزيينها عند كل مشهد-

وبما أن الرّعب ازداد

ازداد حتماً تأخرها عن الوصول للإستديو.

كأيِّ عاملةٍ في متجرٍ

حلمت أن تُصبح يوماً نجمةً في السينما

كانت حياتها وهماً كحلم فسَّرهُ طبيب نفسي وحفظه في أرشيفه.

حياتها العاطفيّة:

كانت مجرَّدَ قبلةٍ بعيون مغمضةٍ

بمُجرَّد أن تفتحهما

تكتشفُ أنَّها تحت الأضواء الكاشفةِ

ثم تنطفئ هذه الأضواء!

وتنفكُّ عن جدران الغرفة (كانت لقطة سينمائيَّةً وحسب)

بينما يبتعد المخرج مع لوحه

لأن المشهد انتهى تصويره.

أو

كرحلةٍ في قاربٍ،

قُبلةٍ في سنغافورة

رقصةٍ في ريو دي جانيرو

حفل استقبال في قصر دوق أو دوقة وندسور

كلها مشاهد مرئية في صالون شقتها البائسة.

وينتهي الفيلم دون القبلة الأخيرة.

وجدوها ميَّتة في سريرها والهاتف في يدها

لم يعرف المُحقِّقون مع من أرادت أن تتحدث

كأنَّ شخصاً طلب رقم صديقه الوحيد

ولم يُسمع سوى صوت المسجّل يقول:

الرقم المطلوب غير موجود

أو كأن عصابة قطعت يدها لتبعدها عن الهاتف المقطوع

إلهي

أيًّا يكن الشخص الذي كادت أن تحادثه

ولم تفعل (لربما لم يكن له وجودٌ، أو كانَ اسماً غير مُسجلٍ في دليل لوس أنجلس)

أنت يا رب

رُدَّ على الهاتف.

■ ■ ■

كزجاجاتِ بيرة فارغة

كانت أيامي:

كزجاجاتِ بيرة فارغة وأعقابِ سجائرَ مطفأةٍ

كصورٍ تمرُّ من شاشةِ التلفاز وتختفي،

كسيّاراتٍ تنهب الطريق نهباً

مع ضحكات نساء وموسيقى مذياع..

تمضي السَّعادة بسرعة،

مثل موديلات السيارات وأغاني الراديو الشبابية.

لم يتبق شيءٌ من تلك الأيام، لا شيء،

سوى زجاجاتِ بيرة فارغة وأعقاب سجائر،

ضحكاتٍ في صورٍ ذابلة، تذاكرَ ممزَّقةٍ،

وغبارٍ كَنَسوه، صباحاً، من البار.

■ ■ ■

هكذا سيكون انتقامي

هكذا سيكون انتقامي:

أن يصل إلى يديكِ يوماً

ديوانُ شاعرٍ مشهورٍ

فتقرئين هذه الكلمات التي أهداها الشاعر إليكِ

من دون أن تعرفي ذلك.

■ ■ ■

قصيدة هجائية

عندما أفقدك، يكون كلانا خاسراً:

سأخسر لأنك أكثر امرأة أحببتها

وستخسرين لأنني الرجل الذي أحَبَّك أكثر.

لكن من بين كلينا، فأنت الخاسرة الكبرى:

إذ بإمكاني أن أُحبَّ امرأةً أخرى تماماً كما أحببتكِ

لكنَّ أحداً لن يحبَّكِ كما أحببتكِ.

■ ■ ■

هنا كان يمشي على قدميه في هذه الشوارع

كان يعبرُ الشارعَ ماشياً على قدميه

دون عملٍ، دون نقود.

الشعراء والعاهرات والمذنبون فقط

قرأوا قصائده.

لم يُهاجر يوماً

كان معتقلاً.

هو ميت الآن

ليس له أيُّ أثر..

لكن

تذكَّروه عندما تبنون جسوراً خرسانيَّة،

مُحرِّكاتٍ ضخمةٍ، وجرَّارات، ومخازن فضَّة،

وحكوماتٍ جيدة.

لأنَّه طَهَّر في قصائدهِ لغة قومهِ،

التي سيكتبون بها يوماً عُقود التِّجارة،

الدستور، رسائل الحب،

والقرارات.

■ ■ ■

المزمور الخامس

(أصغ لكلماتي يا رب)

لكلماتي أصغِ يا رب

أنصت لآهاتي

اسمع احتجاجي

لأنك أنت لست إلهاً يُصادق الطُّغاة

ولا يؤيَّد سياستهم

ولا يتأثَّرُ بأعلامهم

ولست شريكاً للعصابات.

لأنَّه ليس في خُطبهم ولا تصريحاتهم الصحفية

صدق

يتحدَّثون عن السَّلام في خُطبهم

بينما يُشعلون الحروب

يتحدَّثون عن السَّلام في مؤتمرات السلام

وسرَّا يستعدُّون للحروب.

راديوهاتهم الكاذبة

تهدرُ طوال الليل

مكاتبهم ملأى بالخطط الإجرامية

والمؤامرات الكارثية

لكنك أنقذتني من حِيَلِهم

يتحدَّثون بأفواه بنادق

ألسنتهم حرابٌ لامعة..

عاقبهم يا رب

أَحبط سياستهم

شَوّش مذكراتهم

امنع برامجهم

وعندما تعلو صفَّارات الإنذار

ستكون معي

ستكون ملجأي يوم انفجار القنبلة

الذي لا يؤمن بأكاذيبهم في إعلاناتهم التجارية

وحملاتهم الدعائيَّة

ولا يصدِّق تصريحاتهم السياسية

أنت من سيباركه

وسيكون حبّك الذي تحيطه به

دبابته المدرعة.

■ ■ ■

المزمور التاسع

أُحدِّث بعجائبك أيها الرَّب

أرنِّم بمزاميرك

لأن قواتهم المسلحة هُزِمت

سقط أصحاب النفوذ من السلطة

أُزِيلَت صورهم وتماثيلهم

ولوحاتهم البرونزية

محوتَ أسماءهم إلى الأبد

فلم تعد تظهر في يومياتهم

ولن يعرفهم سوى المؤرخين

نزعوا أسماءهم من الميادين والشوارع

(التي وضعوها هم بأنفسهم)

ها قد هَدَمتَ أوطانهم

لكنك تحتفظ بحكومتك الخالدة

حكومة العدل

كي تحكم حكومات الأرض

وجميعَ الشُّعوب.

أنت نصير المستضعفين.

لأنك تذكَّرت قاتليهم

ولم تنس صراخهم.

أنظر إليَّ يا رب وأنا في معسكر الاعتقال

اقطع الأسلاك الشائكة

أخرجني من أبواب الموت

كي أُنشد لك المزامير

وأحتفل باليوم السابع في أبواب صهيون

سَتَهزِمُهُم أسلحتهم

وتُصَفِّيهم شرطتهم

فكما قضوا على غيرهم

سيقضون عليهم.

سيُخرِّب الرَّب كل خُطَطِهم

وسيُحنَّطون في أضرحتهم

قُم يا رب

لا تُقِم للرجل الموشَّح بالأوسمة قائمة

لأنّه لا يمكن أن ننسى دوماً المُهمَّشين

أمل المساكين لن يخيب دوماً

آه يا رب

سلّط عليهم رُعباً

ليعلموا أنهم بشرٌ وليسوا آلهة

إلى متى يا رب ستبقى مُختبِئاً؟

يقول الملحدون أنك لست موجوداً،

إلى متى سينتصر الطُّغاة؟

إلى متى ستتحدث مذياعاتهم؟

إنهم يحتفلون كل ليلةٍ

ونحن نراقب أضواء احتفالاتهم

هم في أعيادهم

ونحن في سجوننا

بالنسبة لهم فإن الرَّب كلمةٌ مُجرَّدةٌ

والعدالةُ شعار!

تصريحاتهم الصحفية كذبٌ وخداع

كلماتهم أسلحةٌ دعائيَّة

أداةٌ للقمعِ

شبكات تجسُّسهم تُحيط بنا

بنادقهم مُصوَّبةٌ نحونا

قم يا رب

لا تنس المُستضعفين

فهم يعتقدون أن الطَّاغيةَ بلا عقاب

أنت تراه

لأنك ترى سُجوننا

بك يثق المُضطهدون

وبك يتعلَّق الأيتام

أبناءُ قتلانا

حطِّم يا ربِّ حرَسهُ الخاص

ومحاكمه العسكرية

لتُبدِّد قُوَّتهُ العسكريَّة

لأنك أنت من يحكم لقرون أبدية

ومن يستمع لدعاء المُعذَّبين

وبكاء اليتامى

ويدافع عن المحرومين

والمُستَغَلِّين

كي لا يتجبَّر أصحاب السلطة

الأعلون.

■ ■ ■

أيها الزمن، أكرهك

أيها الزمن، أنا أكرهك. رغم أني بدونك لا وجود لي.

مع مرورك سأموت، رغم أني بمرورك ولدتُ.

ومثل سان فرنثيسكو دي بورخا أحب الآن

حب لمن لا يلمسه الزمن.

فلنستأجر حجرة لا يمر بها الزمن

ولا تطفئوا إعلانات النيون واحداً وراء آخر.

■ ■ ■

حكوا لي

حكوا لي أنكِ كنتِ مغرمة بآخر

وحينها دخلت حجرتي

وكتبت مقالاً ضد السلطة

وبسببه أنا الآن سجين.

■ ■ ■

يا فتيات

يا فتيات يا من ستقرأن ذات يوم بعاطفة

هذه الأبيات

اعرفن أني كتبتها من أجل فتاة مثلكن

بلا جدوى

■ ■ ■

فوق الطريق المبلل

فوق الطريق المبلل

تروح الفتيات وتعود بجرّاتهن،

طريق منحوت في الصخر،

يسرن فيه بأشجار لبلاب

تشبه الضفائر أو الحيات.

ونوع من الخرافة يطفو في كل مكان.

وبالأسفل:

بركة بلون الليمون،

محفوفة وشفافة.

صرخات الماء تصعد

وصخب بلون الوحل تصطدم بالماء.

نوع من الخرافة.

فتيات يرحن ويجئن بجراتهن

يغنين أغنية حب قديمة.

ومثل التماثيل يصعدن مستقيمات،

متشحات بثياب حمراء برسومات

وبأجساد طازجة كصورة جرّة.

وفتيات يهبطن

يقفزن ويركضن كالغزالات

وفي وسط الرياح تتفتح تنوراتهن مثل الزهور.

■ ■ ■

هذه القصيدة من أجلك يا كلاوديا

يا كلاوديا، أهديك هذه الأبيات، لأنك صاحبتها.

كتبتها بسيطة كي تفهميها.

هي لك وحدكِ، لكن إن لم تهمك،

ستنتشر ذات يوم، ربما في كل أميركا اللاتينية.

وإن استخففتِ بالحب الذي أدوّنه من أجلك،

ستحلم فتيات أخريات بهذا الحب،

الذي لم يكن موجهاً لهن.

وربما ترين، يا كلاوديا، هذه القصائد،

(المكتوبة للفوز بقلبك)

توقظ في محبين آخرين يقرؤونها

قبلات لم يوقظها شاعر فيك.

■ ■ ■

العربي الجديد

————————-

إرنستو كاردينال.. دع العالم يعرف ما يحدث في نيكاراغوا/ محمود منير

“لقد بدأتُ في كتابة الشعر عندما كان عمري حوالي أربع سنوات. وبعبارة أخرى، كنتُ دائماً أكتب الشعر”، بهذه العبارة يتحدّث الشاعر النيكاراغوي إرنستو كاردينال (1925 – 2020) الذي رحل منذ أيام، عن علاقته بالقصيدة، في مقابلة أجرتها معه مجلّة “كومونويل” الأميركية، منتصف سبعينيات القرن الماضي.

وكما معظّم كتّاب جيله في أميركا اللاتينية، تأثّر كاردينال بتجارب أساسية في المشهد الشعري الغربي، وفق ما أشار، إلّا أنه كان يريد لشعره أن يصل إلى جميع الناس، وأن يستمدّ موضوعاته من ذاكرتهم البعيدة التي تشترك مع ظروفهم السياسية والاقتصادية الراهنة، لذلك كتب عن اشتراكية شعوب الإنكا التي أسّست إمبراطوريتها غرب أميركا الجنوبية، مؤمناً بأن أثرها لن يزول.

ولم يفصل صاحب “مزامير النضال والتحرير” (1971)، الذي وُلد ونشأ في عائلة ثرية، بين إيمانه بالاشتراكية والعدالة الاجتماعية كنموذج اقتصادي دافع عنه حتى رحيله، وبين تحرُّر الإنسان وخلاصه من الاستلاب والهيمنة على ثقافته وسلوكه ونمط حياته، وكذلك انتمائه إلى حضاراته القديمة، حيث كرّس العديد من قصائده للحديث عن حكمة القبائل الأصلية في الأميركتيْن وتصوّفها وروحانيتها وطقوسها.

“الحكمة” هي الخلاصة التي سعى إليها في شعره، وكان يراها مزيجاً من النبوّة التي تُرشِد الناس إلى الخير والجمال في كلّ مكان، وبين قوّتها ككلمة تمثّل شخصياتهم وتاريخ أمّتهم، وأن تكون القصيدة شفاء لهم وأن تشكّل معنى يلجأون إليه في حياتهم وتخدمهم في بناء مجتمع جديد، وتتمثّل هذه الرؤية في عدد من قصائده؛ منها: “هنا كان يمشي على قدميه في هذه الشوارع”، التي نقلتها إلى العربية المترجمة والكاتبة غدير أبو سنينة، ويقول فيها:

“كان يعبرُ الشارعَ ماشياً على قدميه/ دون عملٍ، دون نقود/ الشعراء والعاهرات والمذنبون فقط/ قرأوا قصائده/ لم يُهاجر يوماً/ كان معتقلاً/ هو ميت الآن/ ليس له أيُّ أثر../ لكن/ تذكَّروه عندما تبنون جسوراً خرسانيَّة/ مُحرِّكاتٍ ضخمةٍ، وجرَّارات، ومخازن فضَّة،/ وحكوماتٍ جيدة/ لأنَّه طَهَّر في قصائدهِ لغة قومهِ/ التي سيكتبون بها يوماً عُقود التِّجارة/ الدستور، رسائل الحب والقرارات”.

ورغم أن كاردينال، الذي درس الفلسفة والأدب في “جامعة كولومبيا”، كتب قصائد تغلب على مضامينها حالات الحب في فترة مبكرة من حياته، إلا أنه لم يكن مهتماً بـ”الشعر من أجل الشعر” أو بـ”غنائيته”، بحسب تصريحاته المتكرّرة، وظلّ ينظّر للشعر ضمن وظيفته السياسية الاجتماعية، أو وظيفته الرسالية التي لا ترى الكتابة خارج المعنى.

كانت قصائده تُتلى كنشيد في العديد من بلدان أميركا اللاتينية منذ الستينيات، وحفظها الطلّاب والعمّال والعجائز والمهمّشون والسياسيّون وحتى رجال الدين، ربما ساهم في تعزيز ذلك صورته بلباس الرهبانية الأبيض المتقشّف وهو يلقي كلماته بحماسة وثقة، عن الله الذي يساند الفقراء في ثورتهم ضدّ الظلم والاستغلال والدكتاتورية، وأنه ليس عليهم انتظار وعود مؤجلّة في السماء، لكن دراسات عديدة صدرت حول سيرته أظهرت انتقاداته أيضاً للعنف المفرط الذي كانت تلجأ إليه ثورة “الساندينيستا”.

انعكست قناعاته هذه على العمل السياسي أيضاً من خلال مواجهته الدائمة مع السلطة، غير مبالٍ بموقعه في تراتبيتها، منذ أن كان كاهناً في الكنيسة وأعلن ثورته عام 1983 في وجه الفاتيكان إبّان عهد البابا يوحنا بولس الثاني الذي استنكر عليه تأسيسه “لاهوت التحرير” وانخراطه فيه، فأتى احتجاجه من داخل المؤسّسة التي كان يمكنه الوصول داخلها إلى أعلى المواقع، لا انشقاقاً عليها وتخلّياً عن التزامه، ما عرّضه إلى انتقادات وتضييقات كان سيظلُّ بمنأى عنها لو قرّر الصمت أو الخروج عن الكنيسة التي عادت لتعفو عنه قبل نحو عام من رحيله.

وبالمثل، وجّه صاحب “نهاية العالم وقصائد أخرى” (1974) انتقاداته الجذرية إلى رفيق دربه في النضال، دانييل أورتيغا، الذي مارس تسلّطه عبر “حكم العائلة” على حدّ وصف كاردينال، ودافع عن مشروعه الذي أطلقه في جزيرة سولينتينامي منذ عقودٍ عديدة ومحاولة السلطة إغلاقه، وأعلن خيبة أمله ومعارضته الشديدة لما آلت إليه الثورة السندينية التي شارك في قيادتها، ورصد التحوّلات الكبرى في مسارها، سواء في تصريحاته الصحافية أو في مذكّراته الشخصية التي نشرها في عدّة أجزاء.

يتجلّى تمسّكه بمُثُله ومبادئه التي ناضل من أجلها أكثر من سبعة عقود، في قصيدته “المزمور الخامس (أصغ لكلماتي يا رب)” التي ترجمتها أيضاً غدير أبو سنينة، وفيها يكتب:

“لكلماتي أصغِ يا رب/ أنصت لآهاتي/ اسمع احتجاجي/ لأنك أنت لست إلهاً يُصادق الطُّغاة/ ولا يؤيّد سياستهم/ ولا يتأثَّرُ بأعلامهم/ ولست شريكاً للعصابات/ لأنَّه ليس في خُطبهم ولا تصريحاتهم الصحافية صدق/ يتحدَّثون عن السَّلام في خُطبهم/ بينما يُشعلون الحروب/ يتحدَّثون عن السَّلام في مؤتمرات السلام/ وسرَّا يستعدُّون للحروب/ راديوهاتهم الكاذبة/ تهدرُ طوال الليل/ مكاتبهم ملأى بالخطط الإجرامية/ والمؤامرات الكارثية/ لكنك أنقذتني من حِيَلِهم/ يتحدَّثون بأفواه بنادق/ ألسنتهم حرابٌ لامعة../ عاقبهم يا رب/ أَحبط سياستهم/ شَوّش مذكراتهم/ امنع برامجهم/ وعندما تعلو صفَّارات الإنذار/ ستكون معي/ ستكون ملجئي يوم انفجار القنبلة/ الذي لا يؤمن بأكاذيبهم في إعلاناتهم التجارية/ وحملاتهم الدعائيَّة/ ولا يصدِّق تصريحاتهم السياسية؛ أنت من سيباركه/ وسيكون حبّك الذي تحيطه به/ دبابته المدرعة”.

لم يتوّقّف عن الاحتجاج حتى آخر لحظة من حياته، حيث أيّد الحراك الشعبي في بلاده الذي اندلع عام 2018، ضد تغيير قانون الضمان الاجتماعي الذي يضرّ بكثير من الطبقات الفقيرة، واتسع لاحقاً حتى وصل إلى المطالبة باستقالة أورتيغا، وتحضر اليوم عبارته التي قالها ذات مرّةً: “دع العالم كلّه يعرف ما يحدث في نيكاراغوا”.

العربي الجديد

—————————————–

إرنستو كاردينال… حين تكون مارلين مونرو ميديا ضد الرأسمالية

إرنستو كاردينال… حين تكون مارلين مونرو ميديا ضد الرأسمالية الكاهن الثوري أو “ورجل الدين الماركسي”، على حد وصف كاسترو

نقرأ في مسيرة الشاعر النيكاراغوي الراحل، إرنستو كاردينال(95)، أنه كان كاهناً ثورياً وصوفياً و”ورجل دين ماركسياً”، على حد وصف كاسترو، ينتمي إلى لاهوت التحرير ويدعو الى فتح الكنائس للفقراء ويتشبّه بغيفارا، ومن ميزاته أنه كتب قصيدة بعنوان “صلاة من أجل مارلين مونرو”…

قد يتخيل القارئ أن الكاهن الكاثوليكي الثوري، “المنشق” عن الكنيسة الفاتيكانية البابوية، سيكتب إلى مارلين مونرو من بوابة الصداقة أو المجون أو صناعة الاكزوتيك والاغراء أو الغزل… لكن القصسدة، في الواقع، كانت نقداً واضحاً للرأسمالية، من الكاهن الذي اختار التيمة “الذكية” لإيصال “رسالته”. فلو أنه كتب نقداً للرأسمالية من دون اسم مارلين والتطرق إلى حياتها، أو من دون عنوان “صلاة من أجل مارلين مونرو”، لكانت القصيدة عابرة وروتينية ولا تحظى بالرواج اللازم والشعبوي… كان اسم مارلين وشخصيتها ورمزيتها وحياتها التراجيدية والهشة والبائسة، رغم الصور والأضواء والصخب، ميديا قوية لتكون القصيدة شعبية وهذا ما أظهره “فايسبوك” ووسائل الإعلام… ويتّهم كاردينال في القصيدة، الرأسمالية الأميركية بأنّها السبب في تجريد الإنسان من آدميته، تماماً كما حدث مع مارلين التي يُعتبر تجريدها من اسمها الحقيقي (نورمان جين) انتزاعاً لكرامتها. كما ينتقد الاستخدام التجاري لجسدها كسلعة سينمائية، وهي “اليتيمة المغتصبة في سن التاسعة، وخادمة المتجر الصّغيرة ذات الـ16 ربيعاً، حيث أرادت أن تقتل نفسها”، و..”تذكَّر أيُّها الرَّب خوفها الزّائد أمام الكاميرا/ وكُرهها للمكياج- مع الإصرار على تزيينها عند كل مشهد/ وبما أن الرّعب ازداد/ ازداد حتماً تأخرها عن الوصول للإستديو”… ويصف كيف أننا لم نعرف سوى الجانب الزائف من هذه الشخصيّة بسبب الرأسماليّة المتوحشة، بينما ستذهب روحها الحقيقية مجردة إلى الله.

كان كاردينال، أحد أبرز وجوه ما يُمكن تسميته “نادي رجال الدين المؤثرين في بلادهم”، مثل المطران أوسكار روميرو في السلفادور، والأب بيار في فرنسا، والبابا يوحنا بولس الثاني في موطنه بولندا، الأب غوستافو غوتييريز في البيرو، وغيرهم كثر. درس اللاهوت في المكسيك في مطلع الستينيات، وكان يرى أن الكنيسة في الأصل هي للفقراء لأن السيد المسيح كان ثائراً وثورياً، وخطابه كان خطاب ثورة، وبعد عودته إلى نيكاراغوا (1965) اعتكف في إحدى جزر أرخبيل سولينتينامي في “بحيرة نيكاراغوا الكبرى”، وأسس جماعة للمثقفين والتشكيليين “البدائيين”، في سعيٍ منه إلى إعادة اكتشاف الروح النيكاراغوية الأصيلة بمختلف روافدها. وشكلت هذه التجربة محطة فارقة في مساره الأدبي، كان من ثمراتها كتابه “إنجيل سولينتينامي” الذي كان بمثابة بيان تاريخي للاهوت التحرير في نيكاراغوا. وكاردينال كان مقرّباً من نظام كاسترو الكوبي الشيوعي، وشارك في الثورة السانديدنية التي نجحت العام 1979 في إطاحة نظام سوموزا الاستبدادي، وتولى وزارة الثقافة في أول حكومة ساندينية. وعلى الفور أطلق محترفات لكتابة الشعر في مجموع البلاد، تشجيعاً للإبداع الشعري، كما عمَّم مجموعة من النصائح بعنوان: “بعض القواعد لكتابة الشعر”. دعا فيها إلى نسيان الوزن والقافية، وإيثار المحسوس على المبهم، وذكر الأسماء الشخصية، وإعطاء الأولوية للأحاسيس على الأفكار، وأن “نكتب كما نتكلم”، و”أن نشحن اللغة ما أمكن”. ولا يخفى أن هذه الوصايا تصدر عن إيديولوجيا تثمّن البساطة وتولي أهمية للقيم الشعبية، في تناغم مع الفورة الثورية التي كانت سائدة آنذاك.

على أن مواقف كاردينال الخاصة بلاهوت التحرير، أثارت غضب بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني، في ذلك الوقت، حتى أنه نَهَر كاردينال، علناً، على مدرج مطار ماناغوا لدى وصوله في زيارة رسمية العام 1983. ورفض البابا يومها مباركة الكاهن، الذي ركع أمامه وطلب منه أن “يتصالح مع كنيسته أولاً”. لم يلبِّ كاردينال رغبات البابا، وظلّ وزيراً للثقافة، ما دفع الفاتيكان إلى منعه من ممارسة خدماته الكهنوتية في 30 يناير 1985. التزم كاردينال بقرار البابا طيلة 34 عاماً، ولم يقم بأي نشاط رعوي. وظلّ كاردينال خصماً ليوحنا بولس الثاني، ثم لخلفه بينيديكتوس السادس عشر، إلا أن البابا فرنسيس قرر رفع كل العقوبات الكنسية عن كاردينال في 2 فبراير/شباط 2019، عبر منحه البركة البابوية على يد المطران فالديمار سوميرتاغ. وعلى الأثر، احتفل كاردينال بقداسه الأول منذ العام 1985. وكان السفير البابوي في ماناغوا قد زار كاردينال مراراً، بعد وصول البابا فرنسيس إلى سدّة البابوية العام 2013.

وكان كاردينال قد نأى بنفسه عن دانيال أورتيغا، وغادر الجبهة الساندينية في العام 1994. قبل ذلك، وبعد انتصار الثورة الساندينية، أطلق حملة لمحو الأمية وحظي في أعقابها بتنويه كبير من هيئة “يونيسكو”. وبفضل هذه المبادرة، تمكن أكثر من 500 ألف مواطن في نيكاراغوا من تعلّم القراءة والكتابة. انخرط كاردينال في حركة تجديد الثورة الساندينية، التي شاركت في الانتخابات الرئاسية العام 2006، مؤيداً إدواردو مونتياليغري، بقوله “أفضّل رأسمالياً حقيقياً مثله على ثورة كاذبة”. وفي مذكراته التي نشرت منذ فترة، كما في حواراته، عبّر أكثر من مرة عن خيبة أمله، بل عن يأسه مما يحدث، وقال عن الثورة الساندينية وإسهامه في قيادتها والتحوّلات التي شهدتها: “هذا الأمر سبّب لي معاناة وآلاماً عميقة، لقد سمَّيت تلك التجربة (الثورة الضائعة)، وهو عنوان الجزء الثالث من مذكراتي. ما تعيشه اليوم نيكاراغوا ليس ثورة، إنه ديكتاتورية فردية لدانيال أورتيغا وزوجته وأبنائه، فدانيال ليس من اليسار، وهو ليس ساندينياً، لقد خان الثورة”. لكن ماذا عن علاقة كاردينال، بكاسترو وتشافيز؟ هل كان قوله الشعب الكوبي “غنيّ بفقره”، تهرباً من الحديث عن القمع في النظام الكاستروي؟

الشِّعر

عن تجربته الشعرية يقول كاردينال “لقد بدأتُ كتابة الشعر عندما كان عمري حوالى أربع سنوات. وبعبارة أخرى، كنتُ دائماً أكتب الشعر”(حوار مع مجلّة “كومونويل” الأميركية). ويحدد الشِّعر الذي يكتبه بأن أهميته “تتأتى من كونه متأثراً بالمحيط الخارجي”، و”من أجل الآخرين، من أجل المهمشين”. لقد تأثّر كاردينال بتجارب أساسية في المشهد الشعري الغربي، إلّا أنه كان يريد لشِعره أن يصل إلى الناس جميعاً، وأن يستمدّ موضوعاته من ذاكرتهم البعيدة التي تشترك مع ظروفهم السياسية والاقتصادية الراهنة. لذلك، كتب عن اشتراكية شعوب الإنكا التي أسّست إمبراطوريتها غربي أميركا الجنوبية. وفي أميركا الشمالية، تعمق في دراسة فكر ورؤى والت وايتمان، وإزرا باوند، الذي ترجم أعماله. وكاردينال، المتحدر من أصول هندية حمراء، أعاد كتابة الصلوات الهندية بلغة جديدة، وهو ما ظهر في إحدى القصائد: “لم يكن هناك اسم لسيّد ولا لإمبراطور ولا لقس ولا لزعيم حكومي أو جنرال، الدين كان الرابط الوحيد الذي يحكم بينهم، لكنه كان ديناً مقبولاً بحرّية من الجميع ولم يكن طغمةً فوقهم”.

وكاردينال الثوري لم يتوّقّف عن الاحتجاج حتى آخر لحظة من حياته.

المدن

———————————————–

إرنستو كاردينال.. شعرية تجمع الدين والفن والثورة

أحمد عبد اللطيف

هناك أسباب كثيرة لحب إرنستو كاردينال، الذي رحل عن عالمنا منذ أيام مضت، من بينها، كما تقول الكاتبة النيكاراغوية الشهيرة جيوكوندا بيلي، أنه رجل صوفي لكن قدمه في الواقع، ليست له علاقات اجتماعية لكنه يحب أصدقاءه، يكفي أن تفتح معه حواراً في العلم أو الشعر أو التصوف ليغدق عليك من كرم معارفه. وتشير جيوكوندا في مقال لها منشور بـ”الباييس” الإسبانية إلى ملمحين أساسيين يميزان هوية كاردينال النيكاراغوية: “روح النضال من أجل البلد المحبوب وحب الشعر”، الشعر الذي اختار له شكل “الإبيجرام، سواء في قصائد الحب أو القصائد المناهضة لديكتاتورية سوموزا”، وعبر هذه القصائد “دمج الإنجيل بالفن” بعد أن مر بتجربة دينية ثرية أسس إثرها كنيسة شيدها مع الفلاحين في جزيرة سولنتينامي النيكاراغوية لتكون بذلك مدينته الفاضلة التي لم يفكر في هجرها. تشير بيلي إلى أنه استغل أتباعه “ليناهضوا الديكتاتورية”.

مكانة كاردينال  

كان كاردينال شاعراً وسياسياً وكاهناً وثورياً، وأحد الوجوه الناصعة في الثورة الساندينية. وعلى مدار ما يزيد عن نصف قرن، تربع على عرش الشعر النيكاراغوي ليكون أحد أبرز شعراء القارة اللاتينية، كما أنه أبرز ممثلي “لاهوت التحرر”. عاش الشاعر الذي رحل في الخامسة والتسعين سنوات شبابه يناضل مع الجماعات المسلحة ضد ديكتاتورية سوموزا، وهي عائلة حكمت نيكاراغوا ما يزيد عن أربعين عاماً. التزام كاردينال السياسي والاجتماعي، وحبه للفقراء وتناوله لقضاياهم وأزماتهم، جعلا منه “صوت أخلاق الثورة الساندينية”، ولعل قصيدته “نشيد وطني” تعبر عن هذا الاتجاه في شعره، إذ يقول: “نيكاراغوا بدون حرس وطني/ أرى اليوم الجديد. أرض بلا رعب/ بلا عائلة طاغية”.

اعتبره النقاد وريثاً لتراث شعري كبير يتمثل في مؤسس الحداثة اللاتينية روبن داريو، وحاملاً لهذه الشعلة الإبداعية التي غذتها دراسته للأدب في ماناغوا والمكسيك والولايات المتحدة وأوروبا. ولعل تجربة التصوف بجانب الثورة أكثر التجارب التي أثرت في مسيرته الإبداعية ووضعته في مكانة خاصة في الشعر اللاتيني. لقد منحه التصوف هذه الخلوة التي يحتاج إليها ليرى العالم من مسافة، فلم ير إلا العالم المثالي، ما قوى لديه، للمفارقة، الرغبة في الثورة على الديكتاتورية. وفي جزيرته المنعزلة كوّن جماعة من الصيادين والفنانين البدائيين والفلاحين ليصنع يوتوبيا تليق بمثاليته، دون أن ينسى العالم خارج الجزيرة. من هنا يأتي المزج ما بين اللاهوت والفن، والإفادة من كل منهما لتكوين رؤيته الفنية حول إحداهما: ففنه مطعم برؤية ميتافيزيقية، ولاهوته مطعم برؤية فنية. ورغم أن الفن يحتاج إلى التخلي عن الثوابت الدينية من أجل تحرر فكري يشكّل ثوابت جديدة قابلة للطعن فيها، إلا أن كاردينال استطاع خلق عالمه الفكري الصغير الذي لم يدعُ أحد إليه في تصالح يبدو في ظاهره مضاداً لكينونة الفن وفي عمقه اتساق يروم إليه كل فنان. يمكن بذلك الإشارة إلى يوميات كاردينال: تكريس الوقت لقراءة الأعمال الكاملة لـ روبن داريو، فيما يكتب أو يقود قداس الأسبوع المقدس في كنيسة صغيرة نائية.

احتل كاردينال مكانته في الشعر اللاتيني بانحيازه للتجديد وعدم ركونه لقوالب ثابتة ونماذج جاهزة، فلم تكن تجربته الشخصية هي الهدف في ذاتها، وإنما تطويعها في شكل يضيف للشعرية المكتوبة بالإسبانية، وهو ما التفت إليه النقاد مبكراً وأشار إليه الكاتب سيرخيو راميريث، ابن بلده الفائز بجائزة ثيربانتس وصديقه المقرب ورفيقه في الثورة الساندينية.

كتب عنه راميريث إنه “أحد أكبر المجددين في اللغة الإسبانية، إذ أبدع شكلاً شعرياً جديداً وهو القصيدة المسرودة، واستخدمها كاردينال لتكون تأريخاً لزمنه”. ويضيف راميريث: “أقيس كاردينال بموهبته في التجديد، ثمة شعراء جيدون ليس بوسعهم تأسيس مدرسة، وهذا لا ينزع عنهم أهمية أصواتهم، لكن كاردينال، منذ البدء، أسس مدرسته التي اصطفت تابعيه وفتح أفقاً في شعرية اللغة”.

تجديده في القصيدة

في حوار له مع جريدة “الباييس” أشار إرنستو كاردينال ذات مرة إلى أنه “مؤسس لأسلوب جديد”، وأطلق عليه “الشعر العلمي” معتبراً نفسه “الشاعر الوحيد، او على الأقل الوحيد الذي أعرفه، الذي يكتب الشعر بناء على العلم. قراءة الكتب العلمية في رأيي مثل الصلاة، أرى فيها ما يسميه البعض بصمات خلق الله”.

يقول كارلوس ساليناس إن شعرية كاردينال ابنة شرعية للثورة الساندينية التي أسقطت سوموزا. في قصائد مثل “الساعة صفر” أو “النشيد الوطني” سجّل الشاعر بطولات أوغوستو ساندينو ومحاربي العصابات الساندينيين. يشير ساليناس إلى أن ارتباط كاردينال بالسياسة دفع المجلس الكنسي الكاثوليكي لرفضه حتى أن البابا خوان بابلو الثاني وبخه علناً حين زار نيكاراغوا عام 83، في عز الفترة الساندينية. ورغم ورعه وحبه المسيحي المتجلي في العديد من أعماله، إلا أنه لم يتخل عن نقد الظلم والقمع ومعاناة الفقراء.

ورغم انعزاله عن الحياة، والحفاظ على خيط رفيع معها، إلا أنه عانى منذ 2007 بعودة دانييل أورتيغا إلى السلطة، فمنذ ذلك الحين طاردته العدالة وأخضعته لها. مع ذلك لم يستسلم الشاعر المتصوف، إذ صرح في حوار مع جريدة “الباييس” بأن “أورتيغا وزوجته روساريو مورييو هما ملاك كل السلطات في نيكاراغوا، لديهما سلطة مطلقة، لا نهائية، لا حدود لها، وهذه السلطة الآن تعمل ضدي”.

*****

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق