أبحاث

الولاية القضائية العامة..نافذة أمل لضحايا الانتهاكات في سورية/ وسام الدين العكلة

يعتبر الإفلات من العقاب أحد المسببات الرئيسة لانتشار العنف والجرائم الخطيرة المحظورة بموجب القانون الدولي، ويحول دون تطبيق العدالة على مرتكبي هذه الجرائم، الأمر الذي يفتح شهية آخرين لارتكابها في ظل انتشار ثقافة الإفلات من العقاب، والتي تعني أن الذين يرتكبون الانتهاكات يعلمون أن من غير المحتمل أن تطاولهم يد العدالة، وأن تتم محاسبتهم على أفعالهم، ويُعد ذلك أحد أبرز التحدّيات التي تواجهها العدالة في عالمنا المعاصر، الأمر الذي يتطلب تعزيز الجهود الدولية للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة، واستعادة سيادة القانون أو المحافظة عليها.

في القانون الدولي لحقوق الإنسان، يعني الإفلات من العقاب عدم تقديم مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان إلى العدالة، وهذا يشكل نكراناً لحق الضحايا في العدالة والانتصاف. والواقع أن مكافحة الإفلات من العقاب والمساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان تشكل مجالاً واسعاً ينطوي على تحديات هائلة، ويشارك فيها عدد كبير من الجهات الفاعلة على الصعيد الدولي الإقليمي والوطني.

تطورت في السنوات القليلة الماضية قواعد القانون الجنائي الدولي الخاصة بملاحقة ومحاكمة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة التي تخالف القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ووفرت هذه القواعد آلياتٍ جديدة لم يعرفها المجتمع الدولي من قبل لمحاكمة المجرمين المتهمين بارتكاب هذه الانتهاكات، حيث تم إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة عام 1993، والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا عام 1994، كما تم إنشاء المحكمة الجنائية الدولية عام 2002 لمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وهي محكمة دولية، تسعى إلى وضع حد للثقافة العالمية المتمثلة بالإفلات من العقاب. يمكن تقسيم آليات المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان إلى خمسة مسارات تمر من خلالها:

المحاكم الوطنية: غالباً ما تكون عاجزة عن محاكمة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، بسبب تمتعهم بحصانات تمنع محاكمتهم أمام هذه المحاكم، حيث تلجأ السلطات الوطنية إلى اتباع نهج “الملاذ الآمن” لمنع محاكم مثل هؤلاء الأشخاص الذين غالباً ما يشغلون مناصب رفيعة المستوى في بلدانهم.

المحكمة الجنائية الدولية: تحتاج إحالة الأفراد إليها إلى قرار من مجلس الأمن الدولي، أو أن تكون الدولة التي ارتكبت على أراضيها هذه الانتهاكات أو الجرائم طرفاً في نظام روما الأساسي. ونتيجة للاعتبارات السياسية والمصالح الدولية المتناقضة، فشلت هذه المحكمة في التصدّي لجرائم كثيرة ارتكبت بعد دخول ميثاقها حيز التنفيذ عام 2002، كما الحال بالنسبة للانتهاكات التي وقعت في سورية بعد عام 2011 بسبب استخدام روسيا والصين حق النقض (الفيتو).

المحاكم المختلطة (الخاصة): إما أن تتألف من قضاة وطنيين، أو من قضاة وطنيين ودوليين، وهو خيار يعزّز من مكافحة الإفلات من العقاب، إلا أن إنشاءها يمر بتعقيدات قانونية كبيرة، وغالباً ما يتم إنشاء مثل هذه المحاكم في مرحلة العدالة الانتقالية التي تلي التغيير السياسي في بلد ما، كما الحال للمحكمة الجنائية العراقية العليا التي أنشئت عام 2005 لمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بين عامي 1968 و2003، وإذا كانت تضم قضاة دوليين فيحتاج الأمر إلى قرار من مجلس الأمن الدولي وإرادة سياسية وتوافق بين الأعضاء الدائمين وغالباً ما تكون تكلفتها باهظة جداً، ومثال ذلك المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي أنشأت بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1757 لعام 2007، لذلك فإن هذا الخيار يبقى بعيد المنال في أحيان كثيرة.

إجراءات الأمم المتحدة

إلى جانب الآليات السابقة، هناك إجراءات غير قضائية، يمكنها أن تكمل على نحو إيجابي المحاكم الجنائية، تقوم بها الأمم المتحدة كأدوات ذات قيمة قانونية لتحقيق العدالة الدولية عن انتهاكات حقوق الإنسان، ومنها لجان التحقيق ولجان تقصي الحقائق التي ترسلها الأمم المتحدة لجمع الأدلة في سياقات قانونية، غالباً ما تكون معقدة، وتتبع هذه اللجان نهجاً يركز على الضحية، وتساعد على وضع سجل تاريخي للانتهاكات، وتوصي بإجراءات علاجية.

ولجان تقصي الحقائق هيئات رسمية مؤقتة غير قضائية معنية بتقصي الحقائق، وتتولى التحقيق في نمط انتهاكات حقوق الإنسان أو القانون الإنساني الدولي التي ارتُكبت. وتختتم أعمالها بتقديم تقرير نهائي، يتضمن ما توصلت إليه من حقائق، وما تتقدم به من توصيات. وشكلت الأمم المتحدة أكثر من ثلاثين لجنة من هذا النوع، منها لجان الأرجنتين وتشيلي وجنوب أفريقيا وغانا والمغرب والسلفادور وغواتيمالا وتيمور – ليشتي وسيراليون ولجنة تقصي الحقائق الخاصة بأحداث مخيم جنين لعام 2002.

الولاية القضائية العالمية

يسمح مبدأ الولاية القضائية العالمية لهيئات الادعاء الوطنية بملاحقة من يُعتقد أنهم مسؤولون عن جرائم دولية خطيرة بعينها، مثل جرائم التعذيب وجرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، حتى وإن ارتكبوا هذه الجرائم في أماكن أخرى خارج إقليمها، وحتى لو كان المتهم أو الضحايا من غير مواطني الدولة. ويعتبر هذا المبدأ تطوراً مهما في سياق القضاء الجنائي الدولي، يسهم في منع إفلات الجناة من العقاب في حال لم يحاكموا في بلدانهم أو أمام محاكم دولية.

وقد حدث نمو واضح في عدد الدول التي بدأت التحقيقات ضد أشخاصٍ ليسوا من مواطنيها، متهمين بارتكاب جرائم دولية. ووفقاً لتقرير منظمة “المحاكمة العالمية” غير الحكومية لعام 2019، هناك 119 قضية منها 16 في مرحلة المحاكمة، وشملت هذه القضايا 55 اتهاما بارتكاب جرائم تعذيب و12 اتهاما بارتكاب جرائم إبادة جماعية و46 اتهاما بارتكاب جرائم ضد الإنسانية و91 اتهاما بارتكاب جرائم حرب في مجموعة واسعة من المواقع الجغرافية، منها سورية والعراق وأفغانستان ورواندا والسلفادور …. وبلغ عدد الدول التي أقامت دعاوى بناء على الولاية القضائية العالمية 14 دولة أوروبية، وشملت هذه الدعاوى أفرادا وكيانات وشركات يشتبه بتورطهم في انتهاكات جسيمة ضد القانون الدولي.

وعلى الرغم من ذلك، لا يزال مبدأ الولاية القضائية العالمية يثير نقاشاً حاداً في الأوساط القانونية الدولية، وخلال مناقشات اللجنة السادسة (القانونية) التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2018 حذّرت كينيا من اتساع ظاهرة المحاكمات العالمية، كما رفضت سورية ما أسمتها “الميول المشبوهة لتوسيع نطاق عالمية الاختصاص القضائي بطرقٍ من شأنها أن تضر بسيادة الدول”، كما قرّرت لجنة القانون الدولي إدراج هذه القضية في برنامجها الطويل الأجل في عام 2018.

أما محكمة العدل الدولية فقد تعرّضت لهذه المسألة خلال نظرها في القضية المعروفة بـ”أمر الاعتقال” المرفوعة من الكونغو الديمقراطية ضد بلجيكا عام 2001، حيث قدمت الكونغو طلباً إلى المحكمة لبدء إجراءات ضد بلجيكا بشأن أمر اعتقال دولي أصدره قاض بلجيكي في 11 أبريل/ نيسان عام 2000 ضد وزير خارجية الكونغو، مطالباً باحتجازه ثم ترحيله إلى بلجيكا، لما زعم عن ارتكابه جرائم تمثل انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي، حيث أحيل أمر الاعتقال إلى جميع الدول، بما فيها الكونغو. وحكمت المحكمة لصالح إبطال أمر الاعتقال، كون الوزير يتمتع بحصانات شخصية كاملة، إلا أن قضاة كان لهم آراء منفصلة أرفقت بالقرار عارضوا فيها ما ذهبت إليه المحكمة، وكان استنتاجهم بأنه لا يوجد قاعدة في القانون الدولي العرفي تحظر ممارسة الولاية القضائية العالمية فيما يتعلق بالجرائم التي يعتبرها المجتمع الدولي جسيمة وفظيعة، كما حدّدوا ضماناتٍ يجب أن تطبّق عندما تختار الدولة ممارسة الاختصاص الجنائي العالمي غيابياً، تفيد بأن القانون الدولي يجيز بوضوح الولاية القضائية العالمية لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية. ومع ذلك في حالة جرائم الحرب هناك نص واضح في اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الخاصة بحماية المدنيين (المادة 146) التي تجيز ملاحقة المتهمين باقتراف جرائم حرب أو الأمر باقترافها وتقديمهم للمحاكمة أياً كانت جنسياتهم، ومن الاتفاقيات الأخرى التي تجيز ذلك اتفاقية عام 1970 الخاصة بقمع الاستيلاء غير المشروع على الطائرات، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لعام 1984.

الانتهاكات في سورية

تصدت كل من السويد وألمانيا وفرنسا وإسبانيا لعدد من القضايا المتصلة بانتهاكات حقوق الإنسان في سورية، بموجب قوانينها الداخلية، حيث يسمح قانون المسؤولية الجنائية عن الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب السويدي لعام 2014 بمحاكمة المواطنين، أو الأشخاص المقيمين في السويد أو غيرهم من الأجانب الموجودين في الإقليم، بسبب جرائم ارتكبت خارج السويد، وكان أول شخص يحاكم في أوروبا بتهمة ارتكاب جرائم حرب في سورية، السوري مهند الدروبي الذي حكم عليه بالسجن ثماني سنوات، لإدانته بارتكاب جريمة الاعتداء المشدّد، بسبب ما وصف بأنه أعمال عنف ذات طابع يشبه التعذيب ضد مقاتل مؤيد للنظام السوري كان عاجزاً عن القتال، كما نظرت المحاكم السويدية في جرائم أخرى، متصلة بالنزاع في سورية ضد أشخاص لجأوا إليها.

أما في ألمانيا فقد تمت محاكمة مواطنين سوريين موجودين على أراضيها من المحاكم الألمانية، لارتكابهم جرائم دولية، ومنهم من ينتظر المحاكمة بموجب مدونة الجرائم ضد القانون الدولي الألمانية لعام 2002، وتراوحت التهم ما بين الخطف والتعذيب وارتكاب جرائم حرب، وبلغ عدد الدعاوى المرفوعة أمام المحاكم الألمانية بناء على الاختصاص القضائي العالمي 13 دعوى.

وفي فرنسا، فقد تم رفع دعوى ضد شركات إلكترونية فرنسية ساعدت النظام السوري في مراقبة اتصالات معارضين وقدمتها للنظام السوري للاستفادة منها، من هذه الشركات (QOSMOS)، والدعوى الثانية ضد شركات فرنسية يديرها فرنسيون ونرويجيون متهمة بتمويل الإرهاب، والتواطؤ مع الجرائم المرتكبة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سورية وشراء النفط بشكل غير شرعي، ومن هذه الشركات شركة لافارج للأسمنت وشركة أريك أولسن، وآخر الدعاوى التي تم تحريكها من وحدة جرائم الحرب التابعة لمحكمة باريس كانت ضد المواطن السوري، مجدي نعمة، المعروف باسم إسلام علوش، وهو قيادي سابق وناطق باسم فصيل جيش الإسلام الذي كان يتمركز في الغوطة الشرقية في ريف دمشق، وتم اعتقال نعمة في مرسيليا بتاريخ 30 يناير/ كانون الثاني 2020، ويُعتقد أن المحكمة تشتبه بارتكابه جرائم حرب وجرائم تعذيب وإخفاء قسري لناشطين في مدينة دوما التي كان يسيطر عليها “جيش الإسلام”.

وفي إسبانيا، تم فتح التحقيق بقضية واحدة ضد تسعة مسؤولين رفيعي المستوى يعملون في أجهزة المخابرات السورية، منهم اللواء علي مملوك واللواء عبد الفتاح قدسية واللواء محمد ديب زيتون واللواء جميل حسن، حيث وجّهت للمذكورين تهم تتعلق بالاختفاء القسري والتعذيب بناء على شكوى تقدمت بها مواطنة سورية أمام المحكمة الوطنية الإسبانية، ولا تزال القضية تنظر من قبل المحكمة الإسبانية العليا.

وفي سويسرا فتح التحقيق بناء على شكوى مقدمة من مواطنين سوريين ضد رفعت الأسد، بشأن ارتكابه جرائم في حماه عام 1982 خلال ترؤسه ما كانت تعرف بسرايا الدفاع وقوات النخبة، وارتكابه مجازر ضد المدنيين والمعتقلين في سجن تدمر.

وعلى الرغم من هذه التطورات، تواجه هذه الدول صعوبات قانونية في مقاضاة كبار المسؤولين السوريين نظراً للحصانات التي يتمتع بها هؤلاء بموجب القانون الدولي، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في قضية أمر الاعتقال المشار إليها أعلاه.

الخلاصة:

الإفلات من العقاب والمساءلة أحد التحديات لجميع المعنيين بحقوق الإنسان على النطاق الدولي، وقد تسبب عجز المجتمع الدولي عن وقف انتهاكات حقوق الإنسان في سورية نتيجة الصبغة السياسية لاتخاذ القرارات من مجلس الأمن الدولي في نشوء حالة من اليأس لدى الضحايا، لكن تبقى مثل هذه المبادرات الفردية من بعض الدول تشكل ربما نقاط أمل تضيء في نفق طويل يتعين على السوريين السير فيه للوصول إلى العدالة الكاملة.

وعلى الرغم مما يثيره مبدأ الولاية القضائية العالمية من خلافات بين فقهاء القانون الدولي، فإنه يبقى أحد الأدوات الأساسية لضمان منع الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي وتجريم مرتكبيها، وهو ما نصت عليه اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الذي شدّد على أن الدول ملزمة بالبحث عن الأشخاص الذين يشتبه بارتكابهم أو اصدارهم أوامر بارتكاب انتهاكات جسيمة للاتفاقيات المذكورة وبروتوكولاتها، وبمحاكمة هؤلاء الأشخاص، بصرف النظر عن جنسياتهم أمام محاكمها.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق