مقالات

دور النشر الصغيرة تهيمن على قائمة البوكر الدولية/ سناء عبد العزيز

لطالما رفضت دور نشر كبرى أعمالاً خلدها التاريخ، أذكر منها على سبيل المثال رفض رائعة مارسيل بروست الكلاسيكية “البحث عن الزمن المفقود”، حتى كادت ألا ترى النور مطلقاً، وكان ضمن من رفضها الكاتب أندريه جيد، أثناء رئاسته لدار النشر العريقة “غاليمار”، الذي كتب من دون أن يطرف له جفن: “لا مكان لرواية بروست عند (غاليمار)”. أعقبه رفض ثان من دار نشر “فاسكال”، وثالث من دار نشر “ألندورف”، من مديرها ألفريد هاملو، مصحوباً برسالة تهكمية: “ربما أكون معتوهاً، لكني لا أفهم كيف يمكن أن يخصص شخص ما ثلاثين صفحة ليشرح لنا كيف يتقلب في سريره قبل أن يستسلم للنوم”، ثم رفض رابع وخامس

وسادس. إلى أن دفع بروست بروايته لناشر مبتدئ متحملاً التكلفة كاملة، وبعد صدور الرواية، وما حققته من نجاح كاسح، كتب جيد لبروست أشهر رسالة اعتذار في عالم الأدب: “عزيزي بروست، منذ بضعة أيام لا أفارق روايتك ولا لحظة. للأسف، أشعر بالألم لأني أحببتها كثيراً. رفضي لهذا الكتاب سيبقى أكبر خطأ في تاريخ مؤسسة (غاليمار). أشعر بالخجل لأني المسؤول، إنه الندم والتأنيب الأكثر حرقة في حياتي”.

مثل هذا الخطأ التاريخي يتكرر كثيراً، فمنذ عامين، توجت الرواية الأولى للكاتبة الهندية بريتي تانيجا “نحن أولئك الشباب” بـ”جائزة ديزموند إليوت”، بعد أن رفضها الناشرون، في عام 2013، والتي لم تتوقف عن إرسال مخطوط روايتها إلى العديد من دور النشر، من دون أن تتلقى رداً!

تقول بريتي: “كان هناك صمت يصم الآذان تماماً”. وأخيراً، بعد ثلاث سنوات تقريباً، أي في عام 2016، وافقت على المخطوط دار نشر صغيرة مستقلة “Galley Beggar Press”، وهو الناشر نفسه الذي سبق أن اكتشف أيضاً الروائية الإيرلندية، إيمير مكبرايد، التي حصدت العديد من الجوائز عن روايتها الأولى “البنت شيءٌ بنصف هيئة”.

هيمنة دور النشر الصغيرة بنسبة الثلثين

شملت قائمة البوكر الدولية الطويلة 13 عنواناً، منها تسعة عناوين صدرت عن دور نشر صغيرة، ما يعد دليلاً على الجهود المكثفة التي تقوم بها دور النشر الصغيرة في اختيار أفضل العناوين، وهو ما لم تحققه دور النشر المرموقة على مدى أعوام. وتأتي هيمنة دور النشر الصغيرة هذا العام في الوقت الذي نشر فيه الدكتور ريتشارد مانسيل، من جامعة إكستر، دراسة عن الكتب التي سبق أن أدرجت في القائمة الطويلة للحصول على الجائزة، سواء المترجم منها، أو غير المترجم.

بإلقاء نظرة إلى السنوات السابقة، وجد مانسيل أنه في الفترة بين عامي 2001 و2005، كان للناشرين “الكبار الخمسة” نسبة 55% من العناوين المدرجة، وهو ما انخفض إلى 47% بين عامي 2006 و2010، وإلى 36% فقط بين عامي 2016 و2019. وأوضح مانسيل أن هذا الاتجاه لم يتضح في عناوين جائزة البوكر للكتب غير المترجمة، حيث تصدر الناشرون الخمسة الكبار القائمة على الدوام. وهذا معناه أن التغيير لصالح دور النشر الصغيرة أكثر وضوحاً في جائزة الأدب المترجم إلى الإنكليزية منه في جائزة البوكر للأدب غير المترجم. يستنتج من هذا أن “حظوة الناشرين الكبار لم تعد مستقرة كما كانت”.

فيما ذكرت التايمز الأيرلندية أن: “ثلاثة مؤلفين من أميركا اللاتينية، واثنين من آسيا، وواحدا من جنوب أفريقيا، ضمن قائمة البوكر، التي تمتد العناوين المدرجة فيها ما بين سهوب جنوب أفريقيا في القرن الثامن عشر، إلى إيران ما بعد الثورة، ومن منخفضات البامبا في أميركا الجنوبية، إلى حافة الإمبراطورية الروسية؛ من برشلونة قائظة الحرارة، إلى الساحل النرويجي، وريف المكسيك، وفرنسا، وهولندا”.

كما صرحت لوسي كامبوس، مديرة المركز الفرنسي للكتابة الدولية، أن دور النشر لم تكن تشغلنا عند قراءة الروايات الـ 124 المقدمة للتنافس على الجائزة: “بعد مناقشات، أعدنا النظر وانتبهنا إلى أن القائمة تتألف الآن من تسعة ناشرين مستقلين، ما يعد دليلاً على توخي الحرص في البحث، إنهم يخاطرون بطرق مثيرة، وينشرون أعمالاً أدبية طموحة، ووثيقة الصلة بالموضوع”.

شريكان في النص

تم اختيار القائمة الطويلة من بين 124 عنواناً، بواسطة خمسة محكمين (رئيس لجنة التحكيم تيد هودجكنسون، من مركز ساوث بانك في لندن؛ لوسي كامبوس، مديرة المركز الفرنسي للكتابة الدولية؛ المترجمة والكاتبة جينيفر كروفت، الحائزة على جائزة البوكر؛ والكاتبة المكسيكية فاليريا لويسيلي؛ والروائي جيت ثايل). وتعد الجائزة نظيرة لجائزة البوكر للرواية المكتوبة باللغة الإنكليزية، تبلغ قيمتها 50 ألف جنيه إسترليني، يتم تقسيمها مناصفة بين الكاتب والمترجم.

في العام الماضي، تضمنت قائمتها عملين عربيين للمرة الأولى، “الأجرام السماوية/ Celestial Bodies” لجوخة الحارثي من سلطنة عمان، و”نكات للمسلحين Jokes for the Gunmen” للكاتب الفلسطيني مازن معروف، لكن رواية جوخة الحارثي استطاعت أن تحقق الفوز العربي الأول فى تاريخ الجائزة. في العام السابق له، 2018، ضمت القائمة الطويلة الترجمة الإنكليزية لرواية “فرانكشتاين في بغداد”، للكاتب العراقي أحمد سعداوي. وفي هذا العام، خلت قائمتها تماماً من أي اسم عربي، وإن تضمنت اسمين من القارة الآسيوية، واسماً من جنوب أفريقيا، ومثلت ثماني لغات: الإسبانية، والفرنسية، والفارسية، والأفريكانية، والنرويجية، والألمانية، واليابانية، والهولندية.

فائزان من آسيا وفائز من أفريقيا

شملت القائمة الطويلة الكاتبة الإيرانية، شوكوفة آزار، التي انتقلت إلى أستراليا كلاجئة سياسية في عام 2011، عن روايتها الخيالية بواقعها المروع “استنارة شجرة البرقوق الأخضر The Enlightenment of the Greengage Tree” وتروى من منظور شبح فتاة تبلغ من العمر 13 عاماً هربت من منزلها بعد ثورة 1979، حين جرت حملة اعتقالات ضخمة، وأُحرقت النصوص الفارسية القديمة، لأنها لم تكن إسلامية بما يكفي، أو لأنها تعكس زمناً يكرس للتعددية، بدلاً من دولة أحادية الدين. وتنتمي رواية آزار إلى الواقعية السحرية، على غرار أعمال غابرييل غارسيا ماركيز، ولعل ما يلفت الانتباه عدم ذكر اسم المترجم لأسباب أمنية.

قال عنها المحكمون: “استلهام لروح السخرية والخرافات الفارسية المليئة بالمشاهد الوحشية للحياة المعاصرة. صورة شبح لعائلة اشتعلت فيها أعمال عنف شديدة إبان الاضطرابات السياسية”.

أما الآسيوية الأخرى، فهي الكاتبة اليابانية، يوكو أوغاوا، عن روايتها “شرطة الذاكرة The Memory Police”، ترجمة ستيفن سنايدر، وهي رواية جميلة ومستفزة تدور حول قوة الذاكرة وفداحة خسارتها، كتبتها واحدة من أعظم كتاب اليابان.

قال عنها المحكمون: “نشرت هذه الرواية في الأصل في التسعينيات، وتتحدث مباشرة إلى فقدان الذاكرة الراهن: عالم تختفي فيه الأشياء، ثم ذاكرة الأشياء نفسها، في نثر يعكس هذا المحو”.

وكان الكاتب الأفريقي الوحيد في قائمة البوكر هو وليام آنكر، بـ”كلب أحمر Red Dog”، التي وصفها المحكمون بأنها “عمل يذكرنا بالقوة الإبداعية للترجمة، حين تزعزع استقرار الأعراف اللغوية. رواية مؤلفة من جمل ملتوية، ومكثفة، تجسد القسوة المتزايدة للمشروع الاستعماري في جنوب أفريقيا”. ترجمها عن الأفريكانية ميشيل هينز، ونشرتها دار بوشكين.

ثلاثة مؤلفين من أميركا اللاتينية

ظهرت الأرجنتين في قائمة البوكر باسمين، غابرييلا كابيزون كامارا بروايتها “مغامرات شينا آيرون The Adventures of China Iron”، وهي رواية نسوية لملحمة غاوتشو. قال عنها المحكمون إنها “لا بد شكلت تحدياً هائلاً للمترجمين؛ أيونا ماكينتير، وفيونا ماكينتوش”. والكاتبة سامانتا شويبلن، التي ترشحت للحصول على الجائزة للمرة الثالثة منذ عام 2017،

عن روايتها التي لم تنشر بعد “عيون صغيرة Little Eyes”. فقد سبق أن أدرجت شويبلن في القائمة الطويلة بروايتها “ملء فم الطيور Mouthful of Birds” وفي القائمة القصيرة بروايتها “حلم محموم Fever Dream”. يذكر أن “العيون الصغيرة Little Eyes”، ترجمة ميغان ماكدويل، والصادرة عن دار Oneworld المستقلة، عبارة عن “ديستوبيا بارعة تتماس مع الوقت الحاضر، وتطرح هاجسنا المعاصر حول أن نكون مُراقَبِين ومراقِبين”.

وأخيراً، “موسم الإعصار Hurricane Season ” للمكسيكية فيرناندا ملكور، ترجمة صوفي هوز. قال عنها المحكمون: “في ترجمة متدفقة، دارت فقرات هذه الرواية الثماني عبر طبقات من العنف والفساد والرغبة. إنها رواية الجرأة المتناهية”.

أوروبا تهيمن على القائمة

بقيت سبعة ترشيحات جاءت كلها من أوروبا؛ الشاعرة الهولندية ماريك لوكاس رينفلد، المعروفة باستخدامها الضمير “هم”، بروايتها “قلق الأمسيات The Discomfort of Evening”، ترجمة ميشيل هتشينسون عن دار نشر  Faber & Faber، وتتبع حكاية فتاة تفككت أسرتها بعد وفاة شقيقها الأكبر. وفقاً للمحكمين، “تكشف صدمات وعنف الشباب المبكر في مزرعة ألبان هولندية… طفل غريب ينظر إلى غرابة العالم”.

الفرنسي ميشيل هولبيك المثير للجدل، بروايته “سيروتونين Serotonin “، هو الاسم الأكثر شهرة في المرشحين للجائزة، والتي سيتم تقاسمها بالتساوي مع مترجمه الإيرلندي، شوان وايتسايد، صدرت “سيروتونين” عن دار بينجوين راندوم للنشر، وهي واحدة من أربعة عناوين من الناشرين الكبار الذين تضمنتهم القائمة. وتتبع رجلاً يتناول مضادات اكتئاب جديدة، لأنه يشعر أنه سيموت من الحزن.

الاسم الثاني من فرنسا هو الكاتب إيمانويل باغانو، بروايته “وجوه على طرف لساني Faces on the Tip of My Tongue” ترجمة صوفي لويس، وجنيفر هيجنز. و”ماك ومشكلته Mac and His Problem” للإسباني أنريكه بيل – ماتاس، ترجمة صوفي هوز، ومارجريت جول كوستا. ورواية “تيل Tyll” للألماني دانيال كيمان، ترجمة روس بينجامين، و”الاسم الآخر The Other Name” للنرويجي جون فوسي، ترجمة داميون سيرلز. وأخيراً، “الحياة الثامنة The Eighth Life” للجورجية نينو هارتشفيلي، ترجمة شارلوت كولينز، وروث مارتين.

وصرح تيد هودجكنسون، رئيس التحكيم، للغارديان البريطانية “في الأوقات التي تتطلب منا بشكل متزايد أن نتخذ قراراً، تتخطى هذه الأعمال الفنية اليقين الأخلاقي وتضييق الهويات، وتعيد الشعور بالدهشة في كثير من الإنسانية الغامضة والواسعة.. سواء أكانت إعادة تخيل للأساطير التأسيسية، أو ديستوبيات تنبؤية لسلطة مزعجة، فإن هذه الكتب تركت انطباعات لا تُمحى”.

سيتم الإعلان عن القائمة المختصرة لجائزة البوكر للأعمال المترجمة في 2 نيسان/أبريل، وعن الفائز النهائي في 19 أيار/مايو.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق