الناس

تجارة الاعتقال في سجون ومعتقلات النظام السوري: كيف يمول ذوو المعتقلين والمختفين قسرياً المؤسسات الأمنية التي تسلبهم أبنائهم؟/ سلطان جلبي

هل يمول ذوو المعتقلين والمختفين قسرياً المؤسسات الأمنية التي تسلبهم أبنائهم؟ للإجابة عن هذا السؤال، اعتمد هذا التحقيق على تقصّي حالة مئة مواطنة ومواطن سوريين ممن تعرّضوا للاعتقال أو الإخفاء القسري على يد قوات النظام السوري، منهم من نجا، ومنهم من قضى، وآخرون مازالوا يكابدون مع عائلاتهم، لمعرفة خبايا هذه السوق التي تتاجر بالمعتقلين وألامهم، ولمحاولة إيجاد رقم تقديري لهذه المبالغ المتداولة في هذا السوق.

“الاعتقال باهظ التكلفة، أن يكون لديك معتقل يعني أن تنكب اقتصادياً أيضاً ويتنعم من ظلمك بمالك”. هذا ما يقوله والد أحد المعتقلين لحكاية ما انحكت، فيما يقول اسماعيل علي (32 عاماً)، والذي اعتقل في دمشق عام 2012 “أحمل شعوراً بالذنب لا يوصف، لقد أجبرت عائلتي الفقيرة على دفع ستة آلاف دولار لإخراجي من سجن صيدنايا، وبذلك دمرت معيشة والدي ومستقبل أخوتي الصغار”.

اعتمد هذا التحقيق على تقصّي حالة مئة مواطنة ومواطن سوريين ممن تعرّضوا للاعتقال أو الإخفاء القسري على يد قوات النظام السوري، منهم من نجا، ومنهم من قضى، وآخرون مازالوا يكابدون مع عائلاتهم. وركزنا في التقصي على البعد الاقتصادي لتجربة الاعتقال أو الاختفاء القسري ليكشف التحقيق عن وجود سوق متسعة ترافق تلك العمليات، بضاعتها أخبار وإجراءات وأحكام قضائية، زبائنها عائلات يائسة تبحث عن أبنائها، واجهتها وسطاء ومحامون، أما باعتها الرابحون فهم عاملون في المؤسسات الأمنية والقضائية التابعة للنظام، والتي اعتقلت أو أخفت قسرياً ما يقدّر بربع مليون من مواطنيها منذ اندلاع الانتفاضة ضد نظام بشار الأسد في أذار 2011، معظمهم على خلفية مشاركتهم في نشاطات سياسية أو مدنية.

تم الوصول إلى حالات التقصي المئة وفق أسلوب عينة كرة الثلج دون أي شرط مسبق سوى أن يكون الشخص قد احتجز من قبل أحد أجهزة النظام الأمنية أو القوات التابعة له. بالتالي تضمنت المقابلات التي أجريت في كل من سوريا وتركيا حالات مختلفة من حيث خلفيات الاحتجاز والتهم التي وجهت إليهم والمآلات التي بلغتها قصصهم.

الشكل التالي يبين الأسباب المختلفة للاحتجاز التي مرت خلال تقصي الحالات:

من بين الحالات المئة التي تحدثنا مع أصحابها إن نجوا، أو مع أفراد من عائلات من لم يحالفهم الحظ، قالت خمس وثمانون عائلة أنهم تعرضوا للابتزاز المالي أو طلب منهم دفع أموال لفعل شيء لمحتجزيهم. دفع منهم فعلياً خمس وسبعون حالة. وهؤلاء قدمت عائلاتهم مئة وستين دفعة مالية عبر وسطاء أو بشكل مباشر إلى عاملين في سلكي القضاء والأمن، بعضهم دفع لمرة واحدة وبعضهم مرتين أو ثلاث، أما أكثر عائلة فدفعت سبع مرات.

بلغ وسطي قيمة كل واحدة من الدفعات المذكورة حوالي خمسة آلاف دولار أمريكي وقيمتها الكلية قرابة ثماني مئة ألف دولار، وإذا ما تذكرنا أن هذا المبلغ يمثل ما دفعه خمس وسبعون فقط من الحالات المئة، يصبح وسطي تكلفة المعتقل أو المختفي أكثر من عشرة آلاف دولار.

يقول أحد ثلاث أشقاء اعتقلوا في فترة متزامنة لتكون عائلتهم صاحبة أكبر عدد من الدفعات ضمن الحالات: “بدأت عائلتي بدفع الأموال لمعرفة مكان احتجازنا ثم في محاولات متكررة لإجراء معاملة إخلاء سبيل، ثم لتحولنا إلى القضاء. وبعد خمس سنوات من الاعتقال، دفعنا ما تبقى من ثمن ممتلكاتنا المباعة لشراء أحكام إدانة بتهمة الإرهاب لي ولأخوتي لأن ذلك كان السبيل الوحيد للخروج”.

رامي، وهو اسم مستعار لرب أسرة ثلاثيني اعتقل عام  2013 في مدينة حمص، قال إن مجموع ما دفعته عائلته يقارب الأربعين ألف دولار، وتلك ليست أكبر المبالغ التي مرّت ضمن الحالات التي تم تقصيها في هذا التحقيق.

أين تبدأ القصة؟

منذ اللحظة التي يتعرّض فيها الشخص إلى الاعتقال أو الإخفاء تدخل عائلته بشكل أو بآخر فلك تلك الدورة الاقتصادية، إذ لا يكاد التمييز بين حالات الاعتقال والإخفاء القسري يكون ممكناً خلال الفترة الأولى من الاحتجاز لأن معظم المحتجزين ينقطعون عن العالم الخارجي لفترة قصيرة أو طويلة وحتى الأجهزة الأمنية والعسكرية التي تنفذ الاحتجاز لا تبلّغ عائلات المحتجزين بالأمر.

لم تتلقى أي من العائلات المئة التي تقصينا عن تجاربها بلاغاً مكتوباً أو شفهياً عن وقوع الاعتقال باستثناء عائلة وحيدة، والباقي كانوا أمام خيارين، إما دفع أموال بشكل مباشر أو عبر وسطاء إلى أشخاص في سلك الأمن لجلب معلومات عن مكان المحتجز وحالته، أو الانتظار على أمل أن ينجو معتقل ما، فيحصلون منه على خبر عن مكان ابنهم أو ابنتهم.

غالباً ما يكون اللجوء إلى الخيار الأول اتجاهاً شبه قسري تسلكه معظم عائلات المحتجزين التي تكون مستعدة لدفع أي مبلغ تستطيعه في محاولة إنقاذ أبنائها من جحيم معتقلات النظام التي يعرفونها جيداً قبل خروج صور “قيصر” بوقت مديد، وليس بالضرورة أن تجدي الأموال نفعاً في النهاية، لقد كان الشاب مجد خولاني ناشطاً سلمياً معروفاً في منطقة داريا إحدى ضواحي دمشق الغربية، اعتقله النظام في أغسطس عام 2011، بعد أن كان قد اعتقل  شقيقه الأكبر عبد الستار قبله.

تقول شقيقتهما غفران خولاني لحكاية ما انحكت: “كنا نخرج أنا وأمي كل أسبوع باحثين عن مجد وعبد، نقدم طلبات في القضاء العسكري وإلى وزارة الداخلية أو نقف لساعات أمام أفرع الأمن التي لا يسمح لنا بدخولها على أمل أن نلمح أحدهما في مواعيد نقل المعتقلين من الفرع، بينما كان أبي تاجراً ميسور الحال ومستعداً لدفع الملايين فقط لتحويلهم إلى سجن عدرا المدني حيث يمكننا زيارتهم لكن دون جدوى.. كل المحامين والوسطاء الذين لجأنا إليهم كانوا ينسحبون من القضية حين يعلمون أن الأمر متعلق بمجموعة النشطاء السلميين في داريا وكثير منهم كان يفعل ذلك بعد قبض المال”.

بعد حوالي عام ونصف على الاعتقال تمكنت العائلة من زيارة مجد وعبد في سجن صيدنايا العسكري الذي وصفته منظمة العفو الدولية بالمسلخ البشري. لم يحدث ذلك دون دفع مبلغ كبير من المال بالطبع، لكن خلال ذلك العام اعتقل الأمن الجوي شقيقين آخرين لمجد وعبد وهما محمد وبلال، واعتقل أيضاً شقيقتهم أمنه خولاني وزوجها ثم زوج شقيقتها الأخرى ليصبح عدد معتقلي العائلة سبعة. وأمنه بالمناسبة أيضاً ناشطة معروفة وفي مارس من هذا العام كانت آمنه واحدة من بين اثني عشر امرأة في العالم اخترن لنيل الجائزة الدولية للمرأة الشجاعة التي تمنحها وزارة الخارجية الأمريكية كل عام.

تتابع غفران “حتى عام 2015 حين غادرنا سوريا مكرهين كان البحث عن معتقلي العائلة ومحاولة إخراجهم هو الشغل الشاغل لنا، لا أعرف بالضبط حجم الأموال التي دفعتها العائلة خلال تلك الفترة لكنها كبيرة وكانت غير مجدية في حالات مجد وعبد ومحمد”. حتى العام المذكور تمكنت العائلة من إنقاذ آمنه وزوجها، بالإضافة إلى الشقيق بلال وزوج أخته، لكن الأشقاء الثلاثة المتبقين قضوا تحت التعذيب، فظهرت صور لمحمد ضمن ملفات قيصر التي سربت عام 2014، بينما بقيت آمال العائلة بعودة مجد وعبد قائمة حتى عام 2018 حين سحقتها ورقة إخراج قيد من السجل المدني في داريا تقول أن الاثنان متوفيان منذ عام 2013.

حيث لا تحترم الحقوق ولا القوانين يصبح بذل المال هو كل ما يمكن فعله. وتكشف بيانتنا أن 42% من الدفعات المالية التي دفعتها العائلات كانت بغرض معرفة أماكن احتجاز أبنائهم.

في الوقت الذي تسعى العائلات في الخارج إلى معرفة أماكن أبنائها وتلمس الطرق لإنقاذهم يواجه الأبناء داخل الأفرع الأمنية والمعتقلات تهماً معدة مسبقاً وتعذيباً جسدياً ونفسياً بأبشع الصور لدفعهم إلى الاعتراف بها. ومعظمهم لا يحال إلى المحكمة إلا بعد الاعتراف بتلك التهم. في تلك المرحلة غالباً يحسم مصير المحتجز، إن كان سيبقى مختفياً قسرياً أو يتحول إلى معتقل.

المحظوظون بتحولهم إلى معتقلين غالباً ما يصلون إلى المحكمة مع اعترافات لهم بارتكاب جرائم خطيرة تستوجب بدورها دفع مبالغ مالية أكبر حجماً، وإن بدت أقل عدداً بهدف تخفيف الحكم أو إخلاء السبيل. ومن ضمن الحالات المئة التي تم التقصي عنها كان هناك واحد وسبعون حالة صنفوا كمعتقلين، بينما الباقي ظلوا بحكم المختفين قسرياً.

والشكل التالي يوضح التهم التي وجهت إلى المعتقلين منهم

ينبغي الإشارة أيضاً أن معظم الحالات الواحدة والسبعين أعلاه ممن وصلت ملفاتهم إلى المحاكم أو صرّح النظام عن وجودهم لديه على الأقل، مروا قبلها بمرحلة من التنقلات بين الأفرع الأمنية التابعة للأجهزة المختلفة أو الواقعة في محافظات مختلفة في رحلة قد تمتد إلى أشهر وأحياناً سنوات. وفي اثنين وخمسين حالة من أصل الحالات التي صنفت كمعتقلين كانت قد حدثت تنقلات تراوحت أعدادها بين اثنين إلى تسعة، وبلغ وسطي عدد الأفرع الأمنية ومراكز الاعتقال التي يمر بها كل المعتقلين قبل الوصول إلى المحكمة حوالي ثلاثة، عادة ما يكون في كل منها تهم جديدة وتحقيق وأنماط تعذيب مختلفة جديدة، وبالطبع المزيد من الرشاوى. رغم ذلك ربما يصح وصف هؤلاء “بالمحظوظين” لأن آخرين من أقرانهم عاشوا نفس التجربة وانتهوا إلى مصائر أكثر تراجيدية.

حول ذلك، يقول لحكاية ما انحكت، القاضي السابق في دمشق، رياض علي، والذي انشق عن النظام عام 2013، ويقيم حالياً في فرنسا: “ليس كل الذين تعتقلهم أفرع الأمن تحال أوراقهم إلى النيابة العامة، فهناك من يختفي أثرهم نهائياً.. سلطة الأفرع الأمنية فعلياً أقوى من وزارات الداخلية والعدل، وكقضاة لم يكن مسموحاً لنا مثلا بالدخول إلى سجون الأفرع”. لكن من هي أبرز تلك الجهات التي تنفذ عمليات الاحتجاز؟

بالدرجة الأولى، يبدو أن لجهازي الأمن العسكري والأمن الجوي الدور الأكبر في تنفيذ الاعتقالات والإخفاء القسري، يتبع الجهازان المذكوران لمديرية المخابرات العامة ويرتبطان مباشرة برئاسة الجمهورية حسب القاضي السابق. وكانا مسؤولين عن قرابة نصف حالات الاحتجاز التي تقصينا عنها.

فيما توزع النصف الأخر على الجيش وأجهزة الأمن الأخرى كأمن الدولة والأمن السياسي، كما حدث في عشر حالات أن كانت الجهة المحتجزة مليشيات تابعة للنظام كقوات الدفاع الوطني ومجموعات (الشبيحة) كما يعرفون محلياً، كل ذلك مع دور شبه معدوم لجهاز الشرطة.

الشكل التالي يبين توزع حالات الاستقصاء حسب الجهة المنفذة للاحتجاز:

لمن تدفع الأموال؟ وأين يصب جدواها؟

لا تتواصل العائلات إلا نادراً بشكل مباشر مع المسؤولين المرتشين في الأمن والقضاء، بل تتم العملية عبر شبكة من الوسطاء الذين يسمون محلياً “بالـمفاتيح” فلكل قاضي أو ضابط مفتاح أو أكثر، هو الذي تلجأ إليه العائلات طلباً للمساعدة مقابل دفع الأموال، غالباً ما يصرح الوسيط للعائلات عن الجهة أو الشخص الذي ستصب لديه أموالهم، لكن ليس بالضرورة أن يحدث ذلك دائماً، حتى أن العائلات ليس لديها وسيلة للتأكد من أن الأموال وصلت بالفعل إلى المسؤول إلا إذا تحققت لاحقاً الغاية التي دفعوا لأجلها المال.

ينشط ضمن شبكة “المفاتيح” تلك على ما يبدو ثلاثة أنواع من الوسطاء. هناك السماسرة وهم أشخاص مدنيون لديهم علاقات مع مسؤولين في النظام، إلى جانب العاملين الصغار في سلك الأمن والقضاء، بالإضافة إلى دور بارز للمحامين. فمن بين الدفعات المالية المئة وستين المذكورة، سلّم 46% منها إلى سماسرة، فيما استلم محامون حوالي 25% منها، ونسبة قريبة منها سلمت إلى عاملين صغار في سلكي الأمن ثم القضاء.

تعطي النسب السابقة مؤشراً حول درجة مساهمة كل نوع من الوسطاء في نشاط الشبكة، لكن الأمور على أرض الواقع قد تكون أكثر تعقيداً، فأحياناً تمتد الوساطات من شخص لآخر فآخر، فالعائلات تبدأ البحث غالباً من خلال الأقارب والمعارف الذين لديهم علاقات مع مسؤولين في النظام، قد يقودهم ذلك البحث مباشرة إلى وسيط يصلهم مع المسؤولين عن أمر أبنائهم أو إلى وسيط يقود إلى وسيط آخر، وهو ما يحدث غالباً عندما ينقل الأبناء إلى محافظات اخرى. لكن في حالات أخرى يتواصل الوسطاء أنفسهم مع عائلات المعتقلين ويطلبون منهم دفع الأموال.

يروي لحكاية ما انحكت، معتقل سابق يقيم في تركيا ممن تحدثنا إليهم عن قريب له مازال معتقلاً عند النظام حتى الآن بالقول “حتى فترة قريبة تواصل معنا شخص مقرب من النظام، وقال إن قريبكم موجود في سجن صيدنايا، وهو بين الحياة والموت وطلب منا دفع خمسة آلاف دولار ليخرجه من هنا، لكن كيف لنا أن نثق بشخص لا نعرفه؟”.

تغلف العملية كلها بستار من التكتم ولا يكون لدى العائلات أي ضمانات أو قدرة على مطالبة الوسيط أو المسؤول في حال تعرضوا للخداع والاحتيال. تقول مريم حلاق، وهي والدة الطبيب والناشط المدني أيهم غزول الذي اختفى قسرياً في دمشق أواخر 2012 أن محامياً طلب منها مبلغ يعادل ثلاثة عشر ألف دولار للإفراج عن ابنها. وعلى ذلك عقدت معه الاتفاق “كان يتصل بي ليخبرني أن أيهم سيكون في البيت بعد ساعتين ويطلب مني إعطائه المال، و حين أرفض إعطائه المبلغ حتى تسلم ابني كان يؤجل مرة بعد مرة، كان يتحدث بثقة وأحياناً يعطي الهاتف لشخص ثالث على أنه الضابط المسؤول عن حالة أيهم، بقيت أشعر أنه يحتال علينا، لكن كان احتمال صدقه بواحد في المئة كافياً لإبرام الاتفاق معه وتجميع المبلغ بأي شكل”. استمرت دورة منح الأمل والابتزاز تلك حوالي ستة أشهر، وأتى بعد المحامي سمسار آخر بقصة جديدة، كل ذلك بينما كان أيهم قد قتل في فرع المخابرات الجوية في دمشق بعد أربعة أيام فقط من احتجازه.

ما يرجح أن تكون الأموال وصلت إلى المسؤول كما قلنا سابقاً هو تحقق الأمر الذي دفعت لأجله، سواء كان تحويلاً إلى المحكمة أو إخلاء سبيل أو غيرها. لكن ليس بالضرورة أن يحدث ذلك دوماً. وفي نسبة 46% من الدفعات المالية قالت العائلات أن مرادهم تحقق، أما النسبة الأكبر المتبقية فيبدو أن الأموال قد ذهبت سدى.

ذلك يعطي تقديراً عن حجم عمليات الاحتيال التي تتعرض إليه العائلات. ورغم ذلك تشير بيانات الاستقصاء حول الأشخاص أو الجهات التي يفترض أن تكون الأموال وصلت إليها أن المستفيدين الأكبر هم ضباط الأمن ثم القضاة، ولاحقاً يأتي المسؤولون النافذون في القطاعات الأخرى.

القيمة الاقتصادية لتجارة الاعتقال والدور الوظيفي لها

إذا صح لنا اعتبار نتائج تقصي الحالات المئة أساساً للخروج بتقدير لقيمة عائدات تجارة الاعتقال على مسؤولي النظام وشبكة الوسطاء الذين يعملون في فلكه على مستوى سوريا، فإن التقدير الأدنى يشير إلى حوالي مليار دولار، وذلك على أساس قوائم الأسماء التي وثقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان لمواطنين مازالوا قيد الاعتقال والاختفاء القسري ما بين آذار 2011 حتى آب 2019، لكن تلك القوائم لا تضم الأشخاص الذين نجوا أو قتلوا تحت التعذيب خلال تلك السنوات، كما لا تضم من لم توثق أسمائهم. أما التقدير الذي يمكن بناؤه على أساس العدد الكلي للمحتجزين الحاليين والسابقين والمقدر بربع مليون شخص فتطاول عتبة ملياري دولار. وهو ما يزيد وفق سعر الصرف الحالي عن ألفي مليار ليرة سورية، أي حوالي نصف قيمة الموازنة العامة للدولة في سوريا لعام 2020 البالغة 4000 مليار ليرة، ويعادل أيضاً أربعة أضعاف كامل كتلة الرواتب والأجور والتعويضات التي تدفعها الدولة السورية للعاملين في كل مؤسساتها الإدارية ضمن نفس العام والبالغة 501 مليار ليرة.

والشكل التالي يبين طريقة الوصول إلى التقدير المقترح:

 أياً كانت النسبة والتناسب بين ما وصل من تلك الأموال إلى جيوب المسؤولين وما استولى عليه الوسطاء أنفسهم، تبقى المسألة برمتها أشبه بعملية إعادة توزيع للثروة من جيوب معارضي النظام إلى جيوب مؤيديه، والتي أثرت بشكل أو بآخر في تماسك المؤسسات الأمنية وشبكات العلاقات المحيطة بها طيلة سنوات التدهور الاقتصادي في البلاد. يتضح الدور الوظيفي لعمليات الابتزاز المالي أكثر إذا علمنا أن راتب القاضي في سوريا مع كل التدهور في قيمة صرف الليرة وكل الزيادات التي أضيفت لا يصل إلى عتبة مئتي دولار، والأمر لا يختلف كثيراً بالنسبة لرواتب الضباط والعاملين في الأجهزة الأمنية والعسكريين والمحددة بموجب مرسوم رئاسي عام 2018 وتتراوح ما بين 40 حتى 98 الف ليرة شهرياً للرتب العليا وذلك ما يعادل أقل من مئة دولار وفق سعر صرف الحالي.

ماذا عن العائلات؟ ماذا عن الزوجات والامهات؟

اعتقلت “سندس فلفة” 39 عاماً من مظاهرة في مدينة اللاذقية أواسط 2011، كانت حاملاً آنذاك بطفلتها الثانية التي ولدت في المعتقل. قضت سندس عاماً تقريباً متنقلة بين عدة أفرع أمن، ودفع والدها خلال ذلك العام حوالي خمسة وأربعين ألف دولار حتى أخرجها، لكن بعد الخروج تقول لحكاية ما انحكت “رفضني زوجي وانفصلنا، غادرت المدينة مخافة اعتقال ثاني ولم أرى أمي وأبي بعدها حتى وفاتهما، لكن الأمر الأكثر صعوبة كان أن ابنتي الأولى ذات العامين لم تكن تتذكرني وكانت محاولاتي إقناعها بأنني أمها مرة أخرى أمراً مؤلماً”.

خلال تقصي الحالات أيضاً تحدثنا إلى زوجات شابات فقدن أزواجهن، أمهات وآباء شاخوا في انتظار أبنائهم، وإلى شباب وشابات كانوا أطفالاً حين اعتقل آبائهم.

العبء النفسي والاجتماعي لخسارة فرد من العائلة أمر لا يمكن تقديره كمياً، فكل معتقل أو مختفي هو جرح مفتوح في جسد عائلته كحالة طفلة لم ترى أباها المعتقل منذ ولدت قبل خمس سنوات لكنها تخبئ له قطعة حلوى كأنه عائد غداً.

لكن تقدير العبء الاقتصادي ربما يكون أسهل بعض الشيء فكل معتقل أو مختفي يترك خلفه أدواراً اقتصادية شاغرة. ومن ضمن حالات التقصي المئة كان خمس وسبعون منهم متزوجين ولديهم أسر يرعونها ويعيلونها، وشكلت الفئة العمرية الشابة والمنتجة ما بين عشرين إلى أربعين عاماً، خمسة وستين من الحالات. وكذلك خمس وأربعون منهم كانوا من الحاصلين على مؤهلات جامعية فأكثر، ممن استثمرت فيهم عائلاتهم لسنوات. ليضاف هنا عبء غياب الشاب المعيل إلى عبء الحاجة لدفع أموال كثيرة لإنقاذه ما أوصل حوالي نصف العائلات إلى حدود الفقر المدقع بعد أن لجأت إلى استهلاك المدخرات وبيع الممتلكات وإلى الاستدانة في حالات كثيرة.

من بين الحالات المئة أفرج النظام عن واحد وأربعين منهم، سواء كإفراج بكفالة أو بعد انقضاء فترة العقوبة، بينما لم يخرج أحد بحكم براءة وإسقاط للتهم، غادر ثلاثة أرباع الناجين البلاد محملين بآلام جسدية ونفسية. فيما بقيت هناك خمسون حالة أخرى لا تعرف عائلاتهم أي معلومات مؤكدة عنهم حتى الآن.

يقول لحكاية ما انحكت، أربعيني اعتقل في حلب عام 2012 ودفع حوالي عشرين ألف دولار للخروج بعد ستة أعوام “بالنسبة للنظام هي تجارة يغذي بها مؤسساته الأمنية والقضائية، وليس لديه مشكلة في ذلك، فهو إن أفرج عن مئة اليوم يمكنه في اليوم التالي اعتقال مئتين لتبدأ الدورة من جديد”، فمن يغلقها؟

(صحفي وباحث اجتماعي سوري مقيم في تركيا، مهتم بقضايا التغير الثقافي والاجتماعي والتنمية الاقتصادية في سوريا)

(ينشر هذا التحقيق ضمن مشروع “سوريا في العمق” بالتعاون والشراكة مع المنظمة الدولية لدعم الأعلام (IMS) ومؤسسة الغارديان فاونديشن وموقع حكاية ما انحكت)

(هذا التحقيق من تحرير حسن عارفة وإشراف محمد ديبو)

حكاية ما انحكت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى