الناس

اللجوء والنزوح والموت السوري المستمر -مقالات مختارة-

التحديثات في نهاية الملف

اللاجئون السوريون في وجه البطش اليوناني المدعوم من بروكسل/ مصطفى ديب

في الـ 27 من شباط/فبراير الفائت، استهدفت الطائرات الحربيّة التابعة للنظام السوريّ تجمّعًا للجيش التركيّ بعدّة غارات أسفرت عن مقتل 33 جنديًّأ وإصابة 36 آخرين، ليرتفع عدد قتلى الجيش التركيّ في مُحافظة إدلب إلى أكثر من 50 خلال مدّة زمنية قصيرة.

توعّدت تركيا النظام السوريّ بردٍّ قاسٍ تمثّل في استهداف الطائرات المسيّرة التركية لتجمّعاته ومواقعه بشكلٍ مُباشر، في الوقت الذي أعلن فيه مسؤولون أتراك أنّ الحكومة التركية لن تُعيق عبور المُهاجرين نحو الدول الأوروبية، حيث قال المتحدّث باسم حزب العدالة والتنمية عمر جليك إنّ تركيا لم تعد قادرة على كبح تدفّق اللاجئين من سوريا، الأمر الذي اعتبره الأوروبيون محاولة من جانب الرئيس رجب طيب أردوغان لابتزاز الاتّحاد بملف المُهاجرين، بينما رآه البعض وسيلة ضغط على الأوروبيين كما الأمريكيين للعب دور فعّال لوقف هجمات نظام الأسد وروسيا على محافظة إدلب، آخر معاقل المعارضة السورية المسلّحة والمدنية أيضًا. 

التصعيد التركيّ ضدّ الأوروبيين تبعه ومنذ الساعات الأخيرة من ليل الخميس 27 شباط/فبراير الفائت، حشود كبيرة للاجئين السوريين في أحياء مدينة إسطنبول، استعدادًا للانطلاق نحو ولاية أدرنة ومنها نحو الحدود اليونانية التي تحوّلت خلال الأيام الماضية إلى جبهة مشتعلة بين المُهاجرين وقوّات حرس الحدود والأمن اليونانيين، بالإضافة إلى قوّات الكوماندوس التي عزّزت بها أثينا حدودها لمنع تجاوزها، متوسّلةً العنف لفعل ذلك، حيث استخدمت القوّات اليونانية الغاز المسيل للدموع والهراوات والعصي الكهربائية والرصاص المطّاطي، بالإضافة إلى إطلاق الرصاص الحيّ في الهواء، ممّا أسفر عن مقتل الشاب السوريّ أحمد أبو عماد وإصابة العشرات بجروح، عدا عن حالات الاختناق التي تسبّبت بها الغازات المسيّلة للدموع بين النساء والأطفال أيضًا.

وكان الاتّحاد الأوروبيّ قد دعم إجراءات الحكومة اليونانية لمنع دخول موجة جديدة من اللاجئين إلى دول القارّة العجوز، حيث صرّحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أنّ الاتّحاد لن يتوانى عن مساعدة اليونان وتقديم كلّ ما تحتاجه لمواجهة تدفّق اللاجئين على حدودها. وبين رفض الأوربيين لاستقبال لاجئين جُدد وإصرار الأتراك الباحثين عن دعمٍ جاد لمواقفهم في شمال غرب سوريا، تحوّل الشريط الحدودي إلى معتقل ضخم يعيش فيه المهاجرون أوضاعًا إنسانية صعبة بسبب القمع اليونانيّ من جهة، وغياب المأوى والطقس البارد وعدم توافر الماء والطعام من جهةٍ ثانية، رغم المساعدات التي تقدّمها بعض المنظّمات الإغاثية.

وعلى الرغم من المُحاولات الحثيثة والأعداد الكبيرة التي وصلت إلى الحدود التركية اليونانية، والمقدّرة بنحو 175.142 مُهاجر بحسب وزير الداخلية التركيّ سليمان صويلو، تبدو فرص عبور الحدود والوصول إلى الجانب الآخر منها معدومة في ظلّ الاجراءات الأمنية الصارمة للقوّات اليونانية، والمدعومة بموقف أوروبيّ موحّد ورافض لاستقبال موجة لاجئين جديدة. وكانت وسائل إعلام محلّية يونانية ذكرت أنّ مجموعة من اللاجئين تمكّنت من تجاوز الحدود وقطع مسافة داخل الأراضي اليونانية قبل أن تعترضهم دورية للكوماندوس اليونانيّ الذي أجبرهم على العودة بعد حفلة تعذيب انتهت بتجريدهم من ممتلكاتهم وملابسهم، حيث وصلوا إلى الجانب التركيّ عُراة.

التحرّكات التركية والأوروبية لا توحي بالذهاب نحو المزيد من التصعيد، رغم التصريحات الحادّة الصادرة عن رئيس الوزراء اليونانيّ كيرياكوس ميتسوتاكيس الذي أعلن أن الاتّفاق بين تركيا والاتّحاد الأوروبيّ الذي أدّى منذ العام 2016 إلى الحدّ من الهجرة إلى أوروبّا قد بات ميتًا، متّهمًا أنقرة بالمساعدة في التدفّق المستمّر لآلاف المُهاجرين على الحدود. ومن الممكن القول إنّ منع الأتراك المهاجرين في تركيا من عبور بحر إيجه بأوامر من الرئيس أردوغان ليل الجمعة السبت 7 آذار/مارس الجاري بسبب ما يتضمّنه ذلك من مخاطر، كان أوّل تحرّكات أنقرة لخفض التصعيد مع الأوروبيين، تبعه اتّفاق بين الطرفين على مراجعة اتّفاق 2016 بشأن الهجرة، وذلك عقب قمة جمعت الرئيس رجب طيب أردوغان بمسؤولين أوروبيين في بروكسل.

وشهد المؤتمر الصحفيّ الذي عقده رئيس المجلس الأوروبيّ شارل ميشيل ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عقب اجتماعهما مع أردوغان، تحوّلًا في الخطاب الأوروبيّ تجاه ملف المُهاجرين، حيث قال ميشيل إنّ تركيا وأوروبّا سيباشران العمل بخصوص مراجعة اتّفاق 18 آذار/مارس 2016، على أن يتولّى كلّ من الممثّل الأعلى للاتّحاد للشؤون الخارجية والسياسية الأمنية جوزيب بوريل، برفقة وزير الخارجية التركيّ مولود جاويش أوغلوا هذا الملف.

بينما أكّدت رئيسة المفوضية الأوروبية أنّ اللقاءات هي من الشروط الأساسية لحلّ الأزمة على الحدود اليونانية، مؤكّدةً أنّ اتّفاق الهجرة لا يزال ساري المفعول، وأنّ الطرفين سيبحثان كيفية استكمال النواقص المتعلّقة بالاتّفاق، بالإضافة إلى قولها إنّه من غير المقبول استخدام القوّة للتعامل مع اللاجئين على الحدود اليونانية.

وسط كلّ هذه التطوّرات، يترسّخ عند المُهاجرين الشّعور بأنّ فرص عبور الحدود باتت معدومة، الأمر الذي دفع بعددٍ كبير منهم إلى العودة إلى المُدن التي جاؤوا منها بعد ازدياد سوء الأوضاع الإنسانية وانخفاض درجات الحرارة على الحدود، في الوقت الذي تتحدّث فيه وسائل إعلام أوروبية عن منع الشرطة التركية لهؤلاء من العودة، وهو ما خلق حالة من الخوف والارتباك عند المُهاجرين حيال ما ينتظرهم في الأيام القادمة.

وتزامنًا مع انخفاض التصعيد بين تركيا والأوروبيين، صعدّت الحركات والأحزاب اليمينية من خطابها ضدّ اللاجئين وسياسات الاتّحاد الأوروبيّ، حيث قدّمت نفسها كحارس لحدود القارّة العجوز، وذلك من خلال إرسال يمينيين متطرّفين من ألمانيا وفرنسا والنمسا إلى جزيرة ليسبوس اليونانية لمشاركة السلطات في تأمين الحدود. وكانت صحيفة “تاغس شبيغل” قد ذكرت أنّ نشطاء من جمعية “ذا إيدنتيتيز” يرافقهم عدد من المنتمين إلى أحزاب يمينية متطرّفة، يُقدّر عددهم بنحو 30 شخصًا، قد وصلوا من فرنسا إلى ليسبوس، على أن يلحق بهم خلال الأيام القادمة مئات المتطرّفين بهدف تأمين الحدود.

وكانت وسائل إعلام أوروبية مختّلفة قد تحدّثت عن أنّ نشاط اليمينيين لم يقتصر على مهاجمة اللاجئين، بل توسّع ليشمل الاعتداء على العاملين بالمنظّمات الإغاثية والإنسانية، الأمر الذي دفع ببعضها إلى التوقّف عن مساعدة اللاجئين على الجزر اليونانية بعد تصاعد الهجمات المتطرّفة ضدّهم خلال الأيام الماضية. بينما ذكرت بعض وسائل الإعلام اليونانية أنّ سكّان المناطق الحدودية اليونانية شاركوا قوّات الأمن والجيش اليونانيين التصدّي لموجة اللاجئين الجديدة، ممّا يؤكّد تصاعد الخطاب اليمينيّ المتطرّف واتّساع رقعة تأثيره في البلاد لجهة التعامل مع مسألة المُهاجرين.

وكانت منظّمة العفو الدولية قد أكّدت في بيان لها أنّ الإجراءات اللاإنسانية التي تتّخذها السلطات اليونانية لمنع المهاجرين من دخول أراضيها أقرب إلى خيانة لمسؤوليات اليونان في مجال حقوق الإنسان، وستعرّض حياة اللاجئين الفارّين أساسًا من العنف للخطر. بينما اعتبر مكتب المؤسّسات الأوروبية التابع للمنظمة أنّ الإجراءات المتهوّرة التي تتّخذها السلطات اليونانية إنّما هي خرق فاضح لقانون الإتّحاد الأوروبيّ والقانون الدولي، وأنّ الطرفين، الأتراك والأوروبيين، يلتمسون اللجوء كورقة مساومة في الألعاب السياسية.

———————————

اللاجئون السوريون في تركيا بين الرهاب القومي وأفق التحول الامبراطوري/ بكر صدقي

أطلق النائب عن «الحزب الخيّر» في البرلمان أوميد أوزداغ تصريحات لافتة بشأن اللاجئين السوريين في تركيا، في إطار ندوة عقدها الحزب في مدينة مرعش تحت عنوان: «المسألة المصيرية بالنسبة لتركيا والاقليم هي السوريون»!

أوزداغ المعروف بتصريحاته المعادية للاجئين، والسوريين منهم بخاصة، زعم أن عدد هؤلاء الأخيرين سيبلغ، بعد عشرين عاماً فقط، ما بين 11.5 مليون و15,3 مليون، بالنظر إلى أن المرأة السورية الواحدة تنجب، وسطياً، 5,3 مولود، مقابل مولودين إثنين للمرأة التركية الواحدة، دائماً حسب أرقام أوزداغ الذي يعتبر عدد اللاجئين السوريين «الحقيقي» 5,3 مليون في حين أن عدد «المسجلين رسمياً» هو نحو 3,6 مليون.

ويرفع أوزداغ من جرعة الهلع بإضافته، إلى السوريين منهم، مليوناً و400 ألف لاجئ من جنسيات أخرى، ليصبح إجمالي الغرباء على الأراضي التركية 6,7 مليون، ويعد جمهور مستمعيه بأن حزبه «الخيّر» يناضل من أجل إعادتهم إلى بلدانهم.

غير أن «درة تاج» خطاب أوزداغ تأتي في جملته التالية: «لا يأتي السوريون إلى تركيا لأنهم يتعرضون للقصف بالقنابل، بل يتم قصفهم بالقنابل لكي يأتوا إلى تركيا»!

الواقع أن هناك جانباً صحيحاً في المعادلة المذكورة: نعم، النظام الكيماوي (وإيران) يتعمدون تهجير السوريين من مواطنهم، بالحصار والتجويع والقصف والاحتلال والتعفيش وكل وسائل تحويل مدن السوريين وقراهم إلى جحيم غير قابل للعيش. وقد حدثت وقائع تهجير صريحة حين تم نقل سكان مدن وبلدات بواسطة الباصات الخضراء المشؤومة، من بلدات القلمون والزبداني والغوطة الشرقية ودرعا، ومن مدينتي حمص وحلب، إضافة إلى موجة الهروب الكبيرة التي تجري الآن من مناطق محافظة إدلب وريف حلب. صحة المعادلة تقف عند هذا الحد، أما عبارة «لكي يأتوا إلى تركيا» فهي تعبير عن بارانويا قومية متمحورة حول الذات توسوسها شياطين المؤامرة على الأمة. فكلام أوزداغ يوحي بوجود قوى دولية عملت على دفع ملايين السوريين إلى تركيا بالذات بهدف تغيير معادلاتها الديموغرافية، بل إنه لا يكتفي بالإيحاء بل يتحدث عن ذلك صراحة في بقية كلامه: «إن شعوب الشرق الأوسط وغرب آسيا يأتون في موجات كبيرة إلى الأناضول، مهددين الهوية القومية التركية».

طبيعي، والحال هذه، أن يتجاهل أوزداغ التغيير الديموغرافي المقابل الذي تسببت به عمليات الجيش التركي الثلاث داخل الأراضي السورية، من تهجير السكان الكرد من مدن عفرين ورأس العين وقرى تل أبيض بعيداً عن الحدود التركية، إن لم نقل إن ذلك كان الهدف الحقيقي من تلك العمليات. فالعمى القومي يرى تهجيراً ولا يرى آخر، وفقاً لما يشكله هذا أو ذاك من «تهديدات» أو «مكاسب» لمصلحة «الأمة».

بعيداً عن الوظيفة السياسية المباشرة والانتهازية لكلام أوزداغ، وبعيداً عن أرقامه المبالغ بها لغاية توكيد أفكاره المسبقة، دعونا نفكر بجدية عن الصورة التي يمكن أن تكون عليها تركيا، بعد عشرين عاماً كما فعل أوزداغ بطريقته، وذلك بإضافة عنصر اجتماعي جديد إلى مكونات المجتمع التركي، أي اللاجئين السوريين مع الجيل الجديد الذي ولد على الأراضي التركية أو جاء إلى تركيا في سن صغيرة. فرقم 3,6 مليون بحد ذاته يشكل وزناً ديموغرافياً لا يمكن تجاهله كعدد مطلق أو كنسبة من عدد سكان تركيا الإجمالي البالغ 83 مليوناً، بصرف النظر عن أن الرقم الحقيقي قد يكون أكثر من ذلك. وإذا لم يتم إرغام هؤلاء، أو قسم منهم، على العودة قسراً إلى سوريا، فهم لن يعودوا طوعاً إلى بلد مدمر مع بقاء العصابة الحاكمة التي تسببت في هروبهم جاثمة على أشلاء سوريا وسكانها كما تريد روسيا ولا تعترض عليها القوى العظمى الأخرى.

صحيح أن اللاجئين السوريين، بأكثريتهم الساحقة، يتمنون الانتقال إلى بلد ثالث فيه شروط لجوء أقل سوءاً، لكن أبواب تلك البلدان موصدة في وجوههم، وهذا ما يعني أن السوريين الموجودين اليوم على الأراضي التركية سيبقون فيها ما لم يتم طردهم، وسينجبون أطفالاً تزيد من أعدادهم كل عام، ومن نسبة السوريين إلى إجمالي السكان إذا افترضنا أن معدل الخصوبة لدى الأسر السورية هو أعلى، فعلاً، من مثيله لدى الأسر التركية كما تفترض أرقام أوزداغ.

ماذا يعني أن يكون في تركيا، بعد عشرين عاماً، عشرة ملايين من السوريين مثلاً؟

هو يعني أن «مكوناً» جديداً أضيف إلى المكونات الموجودة مسبقاً في تركيا هو المكون العربي الذي يشكل النسبة الكاسحة من اللاجئين السوريين، أما الكرد السوريون فلن يشكلوا، مبدئياً، إلا إضافة كمية، صغيرة نسبياً، إلى المكون الكردي الموجود مسبقاً في تركيا. ويمكن إضافة مكونات أخرى، أصغر حجماً، كالعراقيين والأفغان والإيرانيين وغيرهم. ألا تشبه هذه اللوحة الديموغرافية تلك التي شكلت نسيج المجتمع في الإمبراطورية العثمانية قبل أن «يشفّيها» أتاتورك من العناصر غير التركية وغير المسلمة؟ ألا يعني هذا، في التحليل الأخير، تحول تركيا من دولة ـ أمة إلى امبراطورية متعددة القوميات والثقافات؟ مع فارق مهم هو بقاء حدود الدولة التركية على ما هي عليها الآن، إلا إذا تمكنت تركيا من الحصول على توافقات دولية تسمح لها بالتوسع من خلال ضم بعض الأراضي السورية. هذا الاحتمال ما زال مجرد افتراض نظري، وليست هناك مؤشرات إلى تحوله إلى أمر واقع على غرار ما حدث، قبل ثمانين عاماً بالنسبة للواء اسكندرون. لكنه يبقى احتمالاً قائماً ما دام الصراع في سوريا وعليها مستمراً.

هل تحول تركيا إلى امبراطورية متعددة القوميات، حتى لو كان ذلك داخل حدودها الحالية، أمر جيد لتركيا أم سيىء؟ تتوقف الإجابة على هذا السؤال على أمور عدة، أهمها قدرة إدارة الدولة على التعامل مع التنوع الثقافي والإمكانات الاقتصادية وغيرها. ولكن إذا أردنا إعطاء حكم مطلق على التحول المفترض المذكور أمكننا القول إنه تحول محمود يمنح تركيا وزناً أكبر في المعادلات الدولية، ويتيح الأرضية الملائمة لحل مشكلاتها المزمنة المتعلقة بموضوع الهوية، وأبرزها المشكلة الكردية التي لا يمكن لتركيا أن ترتاح ما لم تجد حلاً ديموقراطياً لها.

إذا تحقق هذا الافتراض، فهو سيعني أن القيادة السياسية في تركيا اليوم، قد أنجزت تحولاً ثورياً لا يقل أهمية عن التحول الذي جرى بتفكك الإمبراطورية وقيام الدولة القومية في تركيا، تحولاً لم تخطط له بل حدث كأثر موضوعي لبعض سياساتها.

كاتب سوري

القدس العربي

————————————

لماذا لا يستسلمون للأسد؟/ عمر قدور

بحلول يوم الأحد، أشارت التقديرات إلى أن عدد النازحين بسبب الهجوم الأخير لقوات الأسد المدعومة روسياً تجاوز عتبة المليون. غني عن الذكر أن هذا الرقم بات من مألوف المقتلة السورية، فلا هيئات دولية تتدخل على وجه السرعة لإغاثتهم، ولا اجتماعات لمجلس الأمن لبحث أوضاعهم، رغم معرفتنا بانفضاضها على خطابات وخطابات مضادة من دون أي جديد. بل كنا، قبل الحملة العسكرية الأخيرة، على موعد في مجلس الأمن مع تعطيل جزئي لبرنامج المساعدات الدولية، وكأن موسكو كانت تبيّت سلاحاً جديداً ضد المهجّرين الجدد.

مات أطفالٌ للهاربين في العراء تحت الصقيع؛ هذا تفصيل قد يدخل عنصراً درامياً على المأساة لا أكثر. أين يذهب أولئك، حيث الحدود مغلقة أمامهم، وآلة الإبادة الروسية والأسدية من خلفهم؛ تتوعدهم وتتوعد مهجّرين سينضمون إليهم؟ سؤال لا أحد يريد التفكير فيه، وثمة كثر في العالم يتمنون سراً لو كانت آلة الإبادة أكفأ مما هي عليه، فلا تخلّف وراءها لاجئين. أولئك الهائمون هرباً لا ينتظرون شيئاً ممن خذلوهم خلال سنوات، ولا تحرّك غالبيتهم في هذه اللحظات سوى غريزة البقاء.

السؤال الذي تسهل الإجابة عليه هو: إذا كان همهم “المشروع إنسانياً في هذه الأحوال” هو البقاء، لماذا لم يستسلموا ويبقوا تحت سيطرة قوات الأسد التي اجتاحت مناطقهم؟ سؤال يكتسب وجاهة إضافية مع انسداد الأفق أمامهم، ومع ما كشف عنه الهجوم الأسدي-الروسي الأخير من نوايا الإجهاز على الوضع السابق برمته. قوات الأسد قدّمت الإجابة الأكثر توحشاً، عندما نقلت الصور لقطعانها وهي تقتل القلائل الذين لم يغادروا وتنكّل بجثثهم، وصولاً إلى نبش القبور والتنكيل بالموتى، وهذا نهج لا يخص الهجوم الأخير، بل هو معتاد منذ الاقتحامات الأولى في حمص والقصير ويبرود وغيرها.

تقنياً فقط، يصلح التذكير بأن هزيمة اليوم العسكرية استكمال لمسلسل الهزائم الذي بدأ مع التدخل الروسي في خريف 2015، والذي ظهرت أولى نتائجه بالسيطرة على الأحياء الشرقية لمدينة حلب، ليتوالى تنظيم الهزائم بعدها تحت لافتة مسار أستانة. خلال ما يقارب أربع سنوات ونصف السنة من عمر التدخل الروسي، كانت الهزيمة واضحة، أو تتضح بتسارع لمن لا يريد رؤيتها، ومع ذلك لم يبادر المعنيون بها عسكرياً إلى إعلانها. قد نقول الكثير عن قادة الفصائل، من أمراء الحرب الذين لا يريدون إعلان إفلاس تجارتهم، ويريدون التكسب منها حتى آخر شبر يسيطرون عليه، وقد نقول الكثير عن مموليهم أيضاً. ذلك لا يفسّر لنا امتناع الهزيمة بالنسبة للمدنيين الهاربين من الجحيم الأسدي، بقدر ما تتطوع قوات الأسد بتقديم التفسير.

في الأصل، لا يخبرنا التاريخ بأن الثورات جميعاً تنتصر، بل لدينا من الثورات المهزومة ما يفوق بأضعاف نظيرتها المنتصرة. على ذلك كان يمكن للثورة السورية أن تدخل التاريخ كثورة فاشلة، وقد يحاول بعض السوريين استخلاص دروس الفشل، وقد تأخذ الظروف وقتاً طويلاً جداً حتى تتهيأ لثورة جديدة، أو ربما يحدث التغيير بطيئاً، لكن بما يكفي لئلا تندلع ثورة على النمط المعروف للكلمة. إلا أننا في حالتنا السورية لم نصل “ومن المرجح ألا نصل” إلى هذه العتبة، فنحن إزاء وضع شاذ امتنع فيه النصر، وامتنعت فيه الهزيمة.

في الواقع أبدى سوريون وغير السوريين آراء عديدة في امتناع النصر، منها ما يُحيل إلى دور الأسلمة أو العسكرة أو التدخلات الخارجية، ومنها ما يُحيل إلى الانقسام المجتمعي الذي يتكفل من دون العوامل السابقة بالفشل. قد يحمل جزء كبير من التحليلات مجتمعة الصواب، أما إذا تحرينا الدقة فقد تأتي التتمة بالجواب عن سبب امتناع الهزيمة لا امتناع النصر فحسب. الحديث هنا عن الهزيمة بمعناها التقليدي، وفيها يقرّ الطرف الأضعف بخسارته، ويجني الطرف المنتصر مكاسب نصره السياسية والاقتصادية مُحكماً سلطته من جديد أو بأشد مما كانت عليه قبل الثورة.

التعريف الكلاسيكي لهزيمة الثورات لا يجيب على السؤال السوري، لأن الانتصار على الثورة لا يكون مقروناً بالإبادة على النحو شهدناه. والإبادة ليست نهجاً متأخراً لسلطة الأسد، بل كانت معلنة منذ بداية الثورة. من عايش التجربة يعلم جيداً أن المعلن والمستتر من قبل الأسد وشبيحته هو التنكيل واستباحة كل من تجرأ على الثورة في مشروع انتقام لا يشبع، وأن المعلن والمستتر لدى غالبية الذين ثاروا يتلخص في: إما الآن أو سنفقد الفرصة نهائياً. هذا الحد “الراديكالي” الذي فرضه الأسد هو خارج المفهوم التقليدي للصراع السياسي، أو خارج حتى المفهوم الرائج للاستبداد المشرقي، إذ نقل المسألة برمتها إلى “صراع وجود” بالمعنى الحرفي للكلمة، وجعل من الاستمرار بالثورة صراعاً من أجل البقاء أكثر منه صراعاً من أجل التغيير السياسي.

لم يكن الأمر يوماً لمن آمن بالثورة في حيز المكابرة على إنكار هزيمتها، فالمطلوب لم يكن في أي يوم هو هذا الاعتراف. المطلوب هو سحق من آمن بالثورة، وحتى سحق فكرة الهزيمة بمعناها الإنساني المتداول، فالمنتصر لا يريد خاسرين! التطبيع الدولي مع الأسدية كان يعني طوال الوقت التطبيع معها كما هي، فلم نشهد تغيراً ولو طفيفاً في سلوك قوات الأسد يدل على إعادة تأهيل مختلفة، بل رأينا إمعاناً في الممارسات ذاتها، وعلى نحو مكشوف أكثر من قبل، والغاية دائماً إفهام الجميع أنها في لحظة انكسارها وفي لحظة انتصارها ذات جوهر لا يتبدل. أبعد من ذلك، هناك على الأقل عشرات الآلاف من مؤيدي الأسد الذين غادروا البلاد بعد انطلاق الثورة، وسيحتفظون بولائهم من دون العودة إلى العيش تحت ظله والتمتع بانتصاراته لأنهم لا يطيقون العودة حقاً، وبصرف النظر عما في حالتهم من نفاق هم الأكثر شبهاً بالمجتمع الدولي الذي يقبل التطبيع مع الأسدية.

ليس هناك من درس سياسي يقدّمه امتناع النصر وامتناع الهزيمة معاً، هذه طبيعة معركة الوجود التي فرضها الأسد. بعيداً عن الاعتبارات العاطفية و”الوطنية”، لو كان العالم فيه قليل من الإنصاف لفُتحت الحدود أمام أولئك المهجّرين، وتُرك للأسدية أن تصرّف انتصارها بجزء من أبنائها ومواليها.

———————————

لاجئو إدلب.. الحلقة الأضعف أم أداة الحل؟/ محمد سرميني

    موقف تركيا من الضيوف السوريين لم ولن يتغير

    معركة إدلب بين تعدد الأسباب وغموض النهايات

    تركيا والعملية العسكرية في إدلب.. الأهداف والحسابات

    من أيقظ العنصرية تجاه اللاجئين السوريين؟

    الوجه الآخر للجوء السوري لأوروبا

إدلب وتعمّد العنف المفرط حملة النظام والتدابير التركية

مع اقتراب الثورة السورية من دخول عامها العاشر؛ لا تزال تبعات النزوح الداخليّ وأزمة اللاجئين أحد أبرز آثار الحرب التي شنّها النظام السوريّ وحلفاؤه على السوريين، حتى باتت هذه الأزمة العنوان الأبرز في العقد الماضي نظرًا لما تبعها من مضاعفات سياسيّة واقتصاديّة.

هذا إضافة إلى اتباع دول مختلفة من العالم محاولات كبيرة لمنع موجات اللاجئين من الوصول إليها، سواء عبر إقامة جدران وأسوارٍ حدودية أو من خلال تشريع قوانين تمنع من استقبال اللاجئين وتخفف وتيرة وصولهم إليها؛ علاوة على تصاعد اليمين المتطرف في الاتحاد الأوروبي الذي يتخذ موقفًا حازمًا من موجات اللجوء، كما أنه لا يرى مانعًا من ضرورة مواجهتها بالعنف -إن استدعى الأمر ذلك- بهدف الحفاظ على النسيج الثقافي للقارة.

ومع وصول أعداد اللاجئين في العالم إلى 25 مليون شخصٍ مهجّرٍ من بلده، ووجود نحو 41 مليونًا آخرين نازحين داخل أوطانهم؛ فإن ذلك يعني أن مشكلة اللاجئين باتت أزمة عالمية متناميةً، ممّا يعكس إخفاقًا دوليًا في حلّ الصراعات الموجودة بعدد من الدول، والتي يضطر بسببها المواطنون إلى الهروب نحو بلدان عديدةٍ من العالم بحثًا عن الأمان والاستقرار.

إدلب وتعمّد العنف المفرط

أفصح رئيس النظام السوريّ عدّة مرات عن الفائدة الأهمّ التي جنتها سلطته من حربه على الشعب السوري، حيث كسبت سوريا “مجتمعًا متجانسًا وصحّيًّا”؛ بحسب تعبيره. وهو ما يحيلُنا إلى أن التهجير ليس أثرًا للحرب وإنما كان هدفًا لها، ليتمكّن الأسد من تطهير قواعد سوريا من احتمالات معارضته والانقلاب على سلطته.

اتبعت الأجهزة الأمنية والقوات العسكريّة -منذ اليوم الأول للثورة- خطواتٍ عمليّةً لترسيخ عمليّة التطهير الطائفيّ في بعض المدن، وتأكيد طابع التهجير الجماعيّ في مدن أخرى؛ فكان حصار حمص القديمة وتهجير غالبيّة سكانها -جراء القصف العنيف والمستمرّ- مقدّمةً واضحةً لطريقة الأسد في تحقيق “التجانس” المزعوم، كما كانت حملات القصف العنيف خلال 2013/2014 على مدينة حلب وريفها عاملاً حاسمًا في خروج نحو مليون شخص من المدينة تجاه تركيّا.

واستمرّت عمليّات التهجير في تصاعدٍ إلى أن بلغ عدد السوريين اللاجئين في دول الجوار والغرب قرابة 12 مليون شخص؛ حيث أظهرت إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين -أواخر عام 2018- أن عدد اللاجئين السوريين في كل من تركيا ولبنان والعراق والأردن ومصر، وصل إلى 5,637,050 لاجئ سوري مسجل لدى المفوضية.

وكان نصيب تركيا منهم 3,594,232 لاجئ بنسبة 63.8% من مجموع المسجلين، وفي لبنان 952,562 لاجئ بنسبة 16.9%، وفي الأردن 673,414 لاجئ بنسبة 11.9%، وفي العراق 251,793 لاجئ بنسبة 4.5%، وفي مصر 131,504 بنسبة 2.3%، وفي دول شمال أفريقيا نحو 33 ألف لاجئ بنسبة 0.6%.

إن هذه الأرقام المسجّلة تشكّل ورقة ضغط كبيرة بيد النظام وحلفائه على دول أوروبا عامّة وعلى تركيّا خاصة، وذلك -بطبيعة الحال- لإدراكهم حساسيّة ملفّ اللاجئين لدى صانعي القرار في الدول الديمقراطيّة التي تتشابك هذه القضايا فيها مع أطراف داخلية عديدة، إضافة إلى تأثيره الاقتصاديّ على الدول العربية المجاورة كالعراق والأردنّ ولبنان.

وفي إدلب؛ عمدت قوات النظام السوريّ وحليفتها روسيا إلى اتباع أقصى درجات العنف في استهداف الخطوط الخلفية والتجمّعات البشريّة منذ بدء حملتها الأخيرة في حزيران/يونيو 2019، وذلك بهدف تشكيل عاملٍ إضافيٍّ ضاغطٍ على مناطق شمال سوريا كمدينة إدلب ذات الكثافة السكانية العالية، حيث يزيد عدد السكّان فيها على ثلاثة ملايين شخص رغم مساحتها الصغيرة.

ويضاف ذلك إلى نزوح قرابة مليون ونصف مليون شخص -بحسب تصريحات المسؤولين الأتراك – إلى القرب من الحدود التركيّة شمال المحافظة، وتوزّعهم في أكثر من مئتيْ مخيّم عشوائي على امتداد الحدود.

وقد استطاعت تركيّا في السابق استيعاب أعداد كبيرةٍ من اللاجئين، خاصّة أن أغلبية اللاجئين السوريين يقدّمون إضافةً للاقتصاد التركيّ، ويعتمد أغلبهم على مجهوداتهم في تأمين مقرّ إقامتهم والانخراط في سوق العمل، إلا أن ارتباط ملفّ اللاجئين السوريين في تركيّا بحساسيّة عاليةٍ -لدواعٍ موضوعيّة- زادَ تعقيد الحسابات لدى صانعي القرار، قبل الإقدام على خطوة فتح الأبواب لدخول اللاجئين إليها.

إن أبرز التأثيرات الناتجة عن ملفّ اللجوء هو التفاعلات الشعبية الداخليّة، إضافة إلى استغلال المعارضة السياسيّة ورقة اللاجئين لمناكفة الحكومة التركيّة وتقليل نصيبها من الأصوات في الانتخابات، الأمر الذي أنتج فارقًا مهمًّا في الانتخابات البلدية عام 2019، مما استدعى من الحكومة إصدار حزمة قرارات متشدّدة في ملف ترحيل اللاجئين السوريين المخالفين من إسطنبول وغيرها من المحافظات، فانعكسَ فورا ذلك على واقع الحياة اليوميّة للسوريين، ودفعهم للتفكير مجدّدًا في اللجوء إلى أوروبا.

حملة النظام والتدابير التركية

في الإطار ذاته؛ تنظر السلطة في تركيا إلى التهديدات الجدية من قبل النظام السوري -وروسيا من خلفه- باستمرار الحملة العسكريّة، الأمر الذي سيدفع ملايين أخرى من الناس للجوء إلى الشمال واختراق الحدود –عند الاضطرار- وذلك سعيًا منهم للنجاة بأنفسهم من بطش نظام الأسد وانتقامه، حيث دفعت مدن أخرى سابقًا –مثل حمص ودرعا ومدن الغوطة الشرقيّة- أثمانًا باهظة من الاعتقال والتعذيب والتغييب القسري فور عودتها إلى سيطرة النظام، وإن كانت تحت ضمانة روسيّة.

يزداد الوضع في إدلب تعقيدًا؛ حيث إنّها تحوي ما يزيدُ على 300 ألف مهجَّرٍ قسريٍّ من مدن الزبداني والغوطة وحلب ودرعا وحمص، كما أن النسبة الغالبة من الباقين في إدلب لديهم ارتباطاتهم العائليّة بالفعاليّات الثوريّة والعسكريّة ضد نظام الأسد.

استدعَت التطوّرات العسكريّة -التي تسببت في نزوح مئات الآلاف والتي تمسّ الأمن القومي التركي- تصرُّفًا حازمًا من الحكومة التركيّة، فأدخلت تجهيزات عسكريّة تضمّنت مئات الدبابات والمدافع وراجمات الصواريخ، إضافة إلى أعداد كبيرة من جنود الجيش التركي، وذلك بهدف صنع خطٍّ دفاعيٍّ متقدّمٍ داخل الأراضي السوريّة. ومع مقتل 59 جنديًّا تركيًّا؛ بات الأمر أعقد وأشدّ على السلطات التركية، حيث أدخلها في تجاذبات حادّة مع المعارضة الداخليّة التي رفضت دخول الجيش إلى سوريا.

حاولت تركيا إيجاد مقاربة من ثلاث زوايا لدعم إستراتيجيتها في وقف حملة الأسد، ومنع تدفّق اللاجئين بكثافةٍ هائلة إلى أراضيها؛ وذلك أوّلاً من خلال الحملة العسكريّة “درع الربيع” التي شنتها عبر قصف جويٍّ مكثَّفٍ بالطيران التركيّ المسيّر، وإسنادٍ ناريٍّ لقوات المعارضة التي استعادت مناطق مهمّة شمال طريق M4 وجنوبه؛ وثانيًا من خلال المحادثات الدبلوماسيّة التي أثمرت “اتفاق موسكو” بين الرئيسين الروسي والتركي؛ وثالثًا بالضغطِ على دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو لمشاركة تركيّا عبء المسؤوليّة ومواجهة نظام الأسد.

لا يمكن القول إن الخطوات الثلاث قد أنتجت حلًّا مُرضيًا لتركيا بحيث يحفظ أمنها القومي؛ فلم تقدّم أوروبا وحلف الناتو دعمها العسكريّ لتركيّا بهدف ردّ عدوان الأسد، ولذا فإنه -رغم إعلان تركيا فتح أبوابها وعدم تعرّضها للاجئين المتوجهين إلى أوروبّا- فإن إغلاق اليونان حدودها البريّة مع تركيّا جعل الشريط الحدوديّ أشبه بكانتونات منفصلة من الخيم العشوائية، حيث ينتظر قاطنوها العبور نحو أوروبا.

كما أنّ الاتفاق الروسيّ التركيّ لم يحقّق انسحابًا لقوات النظامِ إلى حدود نقاط المراقبة التركيّة، الأمر الذي لن يتيحَ للناس عودةً آمنة إلى قراهم ومناطقهم، ولذا استمرّت الأرتال والتجهيزات العسكريّة التركيّة في التوجّه إلى إدلب بمعدّلاتٍ أعلى من السابق، لتعزيز الخطِّ الدفاعيّ المنتشر من مناطق غربيّ حلب إلى جنوبيّ مدينة إدلب ومنع النظام من التقدّم إليها، ولطمأنة النازحين إلى وجود قوّة عسكريّةٍ كبيرةٍ جاهزةٍ للردّ على خروقات النظام.

ختامًا؛ يمكن القول إن قضيّة اللاجئين -رغم كونهم الحلقة الأضعف في الصراع الحاليّ- باتت ضمن الملفات الفاعلة في الأمن القومي التركيّ، نظرًا لانعكاساتها المباشرة على احتمالات فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحليّة والرئاسيّة، إضافة إلى كونِ تركيّا غير مستعدّة لاستقبال نحو ثلاثة ملايين لاجئٍ جديدٍ، وكذلك الحال في أوروبا التي تطلب من تركيّا إغلاق أبوابها وتحمّل عبء الحملة العسكريّة وحدها.

إلا أن تركيّا ليستْ بوارد قَبول هذا الخيار، وتسعى للضغطِ على أوروبا بالورقة ذاتها؛ إلا أنها تعلم أنها لا تضمن تحقيق خرقٍ إستراتيجيٍّ من خلالها، ولذا تسعى لتعزيز موقفها عبر تعزيز خطوط الدفاع ونسج الاتفاقات الثنائية مع روسيا، في ظل عدم وجود بيئةٍ آمنة لعودة اللاجئين والنازحين إلى بيوتهم، واحتمال تصاعد الحرب وبروز موجة لجوء جديدة.

المصدر : الجزيرة

——————————–

مشهد من يوم القيامة، طريق الجحيم: من باب الهوى إلى مدينة الدانا/ منذر بولاد

اعتدت على الذهاب إلى سوريا، ولا سيّما في الآونة الأخيرة لقضاء أمور تتعلق بالعمل وأخرى عائلية. هذه المرة فقط تمنيت لو أنّي لم أذهب.

ترعرعت في تلك المنطقة، وفي كل مرة أذهب إلى هناك أرى تدهور الحالة أكثر من سابقتها من أبعاد عدة.

تبدو وجوه الناس مختلفة عن أولئك المقيمين في تركيا أو عن الأتراك أنفسهم. حتى البنى التحتية من أبنية وطرقات وأرصفة ومدارس تبدو مختلفة، حيث نقص الخدمات يزداد، مثل مزودات الفيول واحتياجات السوق والخدمات الطبية… قد يقول قائل: الحالة مفهومة بعد مضي ثمانية أعوام من الحرب، ولكن مارأيته كان أبعد بكثير، أسوأ مما يتوقعه بشر.

طرقات تفيض بالنازحين

تم تشيد الطرقات لتتسع لأربعة مسارات، ولكن للأسف جميعها ممتلئة اليوم. يتدفق الناس من كلا الطرفين، من مدينة إدلب حيث مازالت المعارك محتدمة بجانب مدينة سراقب والمناطق الريفية الأخرى المحيطة بمدينة إدلب، ومن جهة مدينة حلب، من مدينة الأتارب وريفها، حيث يهرب الناس من الموت المحتم.

نزح الناس في عجالة من أمرهم محاولين إنقاذ أرواحهم. كان هناك جميع أنواع الآليات بما فيها الدراجات النارية. كل آلية تحمل ما يمكن حمله من الناس والاحتياجات الأساسية. إنه ليس فقط نزوح غير لائق أو غير إنساني، ولكنه الأكثر بؤسا على وجه الأرض. تكمن الأساسيات التي يحملها الناس معهم أو يستعينون بها، بوسادات وأغطية وبعض الملابس الكافية لمدة أسبوع وبعض المتفرقات.

حالة المشهد من شرفة منزل والدي لايمكن وصفها، لايوجد كلمات كافية لوصف ما ترى عيني.

بينما كنت عابرا في منتصف الشارع، نظرت حولي، للجوار، للسهول التي لم تخضّر بعد… مضت خمس دقائق من أحلام اليقظة كانت كافية لاسترجاع ذكرياتي وروحي. كنت أخرج في الربيع إلى الطبيعة الأم و أدرس خلال أيام الثانوية. حيث اعتدت أن أرى المزارعين في الطرقات وكانت تعبر سيارة كل ثلاثة.. خمسة دقائق. الكثير من الذكريات الجميلة ولكن جميعها تبخرت، تبخرت إلى الأبد أو لعدة أجيال على الأقل.

بحثا عم مأوى

لأول مرة في حياتي أرى بعض العائلات على الأرصفة وبعضها الأخر بعيدا قليلا عن الطريق الرئيسي. نزلوا من آلياتهم، يحاولون إيجاد مكان على ضفاف الهضبات أو تحت ما يسمى الأشجار. فكرة وجود سقف لتحميهم من الشتاء القاسي صعبة التحقق. بعض العائلات جالسة على سجادات ملطخة بالتراب، بينما البعض الأخر يجلس على الصخور. وإذا أكملت الطريق إلى مدينة الدانا، تجد أن هناك عربات من نوع “بيك أب” أو شاحنات. القسم الخلفي منها مغطى بغطاء سميك “شادر” منظم، وكأنه منزل بشكل مؤقت. الحالة غير الإنسانية، هي أبعد من جميع التوقعات. أصبحت عاجزا عن الكلام بعد مشاهدة كل هذا بعيني المجردة. حيث لايوجد مكان لائق لك أو لعائلتك لتعيش أو تنام. الأمور اليومية البسيطة مثل الاستحمام أصبح أمرا مستحيلا. إذا تفحصت حالة هذه العائلات ستراهم لا يبحثون عن الطعام والملابس على الرغم من حاجتهم الكبيرة لها، بل يبحثون عن مأوى يأويهم. خيمة بسقف وثلاثة جهات، هذا كل ما هو مطلوب.

سمعت خلال دراستي الجامعية عن الحلم الأميركي، ولكن اليوم أدركت تماما أن الحلم السوري متواضع، ولكن، رغم تواضعه، لا يمكن تحقيقه.

تسونامي البرد في سورية

عندما تمشي في الطرقات ترى بعض الناس من الأطفال والمراهقين والنساء يمشون ولكن بثياب خفيفة لا تقيهم البرد.  فتزرق جلودهم من البرد بسبب معاناتهم.

أنا مستقر في مدينة غازي عنتاب، جنوب تركيا. تعتبر شوارع مدينة عنتاب أكثر دفئا من داخل البيوت في سورية حيث لايوجد بنية تحتية من أنظمة مياه أو تدفئة. مررت بحالة هذا البرد في منزل والدي على الرغم من أن والديّ يعيشون في بيتهم. هل يستطيع أحد تخيّل حالة الناس النازحين في البيوت المستأجرة؟ في المخيمات؟ في الخيم؟ تحت الأغطية؟ الناس الذين بدون سقف؟ هل تستطيع تخيل حالتهم؟

أحاول حقا معرفة مدى درجة معاناة قلوبهم من البرد. حدثت عدة وفيات بين صفوف الأطفال الأسبوع الماضي من شدة البرد. إنه أشبه بتسونامي من الصقيع، تسونامي جاء إلى سوريا.

أحد أصدقائي النازحين حديثا من مدينة الأتارب، همس في إذني: “الجو بارد، لم نشعر بالدفء منذ يومين”.

بين الشكوى والكرامة والأمل

الناس النازحون الذين ثاروا وساهموا بكل من نشاطات المعارضة وإيواء النازحين من مناطق أخرى لفترات طويلة، هم الآن نازحون من منازلهم إلى المجهول. يعانون البرد والظروف القاسية. إذا لم يشتكِ لك أحد من البرد، فاعلم أن كرامته لم تسمح له بالحديث عن ذلك. الناس بأمس الحاجة لأماكن دافئة ومأوى.

“لم يعد يوجد بيوت للأجرة” هي أكثر عبارة متداولة الآن. قطعة جغرافية صغيرة يوجد فيها حوالي 3.9 مليون نسمة. والأسوأ من ذلك، أسعار الفيول والحطب تزداد بشكل متصاعد، بالإضافة إلى عدم توفر العمل والدخل.

قال همنغواي ذات مرة “يمكن أن يدمر الإنسان ولكن لا يهزم”. لكن الناس الآن مدمرون بالظروف الصعبة والبيئة، هم يصارعون، هم في معركتهم الأخيرة ضد جميع الصعوبات والمتاعب. لن يقبلوا أي نوع من الهزيمة وسيعودون أقوى من قبل، منتصرين يوما ما، ربما، بالأمل القريب.

حكاية ما انحكت

————————————-

سوريون على الحدود التركية: الأرض كلها ترفضنا!/ أسعد حنّا

ترك كثيرون كل شيء خلفهم وذهبوا الى المناطق الحدودية آملين بالوعود التركية للوصول إلى أوروبا، لكن الجميع خذلهم مجدداً…

كأنما الأرض ضاقت بالسوريين، فبات البحر يبتلعهم، الحدود تغلق بوجههم، وبلدهم يقتلهم، حتى سألوا أما شبع الموت منا؟ جربوا أنواع القهر والقتل، واخرها (وهي العادة غير الجديدة) المتاجرة السياسية بهم لتحصيل مكاسب سياسية أو اقتصادية لدول أخرى.

فبعد التصعيد الأخير للروس والنظام السوري على شمال غربي سوريا، وقيام الروس باستهداف إحدى نقاط التجمع التركية، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 35 عسكرياً تركياً، قامت تركيا بالتصعيد العسكري على نظام الأسد لتشن غارات عسكرية استهدفت نقاط تمركز النظام السوري وآلياته ومقاتلي “حزب الله” والميليشيات الإيرانية، ما زاد التصعيد بين الأطراف المقاتلة، وزادت رغبة تركيا بإنشاء منطقة حظر طيران في شمال غربي سوريا، ولكن لا تستطيع تركيا القيام بذلك بلا دعم من الاتحاد الأوروبي وأميركا.

أرادت تركيا الضغط على الأوروبيين بورقة الضغط المعتادة التي استعملتها طوال السنين الماضية، ألا وهي اللاجئون السوريون المقيمون على أراضيها.

صرح الرئيس رجب طيب أردوغان أن بلاده لن تستطيع إقفال الحدود مع اليونان بعد اليوم، وأرسلت الحكومة التركية حافلات نقل كبيرة وكثيرة العدد لنقل من يرغب نحو الحدود مع اليونان مهما كانت جنسيته، كما قامت الدوائر المسؤولة عن احتجاز الأشخاص المخالفين بأوراق الإقامة بإطلاق سراح كل من هم في مراكز الاحتجاز ونقلهم مباشرة إلى الحدود مع اليونان.

قال لي أحد الأشخاص الذين تم إطلاق سراحهم: “بقيت في مركز الاحتجاز لمدة 8 أيام، وكان القرار هو بترحيل كل شخص منا إلى بلده، وفي حالتي سيتم ترحيلي إلى فلسطين، لكن فجأة وعند نحو الخامسة صباحاً من يوم الجمعة 28 شباط/ فبراير تم إطلاق سراحنا ووضعنا في حافلات وقالوا لنا انها ستنقلنا إلى اليونان، وكانوا أكدوا لنا أن تركيا ستقوم بتسهيل عبور اللاجئين إلى اليونان”.

الجدير بالذكر أن هذا الشاب لا يزال عالقاً على الحدود مع اليونان ينتظر مصيره كما آلاف الأشخاص.

شجعت الحكومة التركية بالطرائق الرسمية وغير الرسمية اللاجئين في تركيا على التوجه نحو الحدود مع اليونان، وقام مسؤولون أتراك كوزير الداخلية التركي سليمان صويلو بالتوجه إلى نقاط تجمع اللاجئين على الحدود، كما صرح أردوغان مجدداً بأن موضوع إغلاق الحدود أصبح شيئاً لن يضيعوا وقتاً في مناقشته لأن الحدود فُتحت ولن يتم إغلاقها بعد اليوم.

وبعدما تجمع على الحدود آلاف اللاجئين، فوجئوا بأن لا سبيل للعبور نحو اليونان، فترك كثيرون كل شيء خلفهم وذهبوا الى المناطق الحدودية آملين بالوعود التركية للوصول إلى أوروبا.

أصر الجانب اليوناني على إبقاء الحدود مغلقة لا بل إحكام إغلاقها، فأُرسلت تعزيزات عسكرية إلى الحدود والبوابات الرسمية وغير الرسمية، كما وثق الكثير من اللاجئين العالقين على الحدود قيام الجانب اليوناني باستخدام الغازات المسيلة للدموع في سبيل إبعاد اللاجئين من الحدود عند اقترابهم منها.

مرت الأيام وازداد تدفق اللاجئين نحو الحدود حتى فاق 10 آلاف شخص في نقاط حدودية عدة وذلك نتيجة تشجيع الإعلام التركي والحكومة التركية. وروى أحمد الذي لا يزال عالقاً على الحدود اليونانية حتى اللحظة:” كل ليلة يأتي إلينا جنود أتراك ويطلبون من الشباب الموجودين هناك العبور نحو الجانب اليوناني والمخاطرة بنفسهم. حرس الحدود اليوناني بدأ باستخدام العنف والقوة المفرطة تجاه من يقترب من الحدود اليونانية، ليس هذا ما توقعناه، لقد قالوا لنا إن الحافلات التركية ستنقلنا إلى داخل الأراضي اليونانية وبعد ذلك سنكون بأمان ونعبر نحو أوروبا. أما الآن فبتنا أمام تهديدات الأتراك بعدم السماح لنا بالعودة إلى تركيا، وتهديدات وضرب الشرطة اليونانية لعدم السماح لنا بالعبور إلى اليونان، هذا قدرنا نحن السوريين، الأرض كلها ترفضنا”.

حاول شبان قطع النهر الفاصل بين اليونان وتركيا، بعدما يئسوا من إمكان فتح البوابات الرسمية للعبور، وكانت المفاجأة بعدما وصلوا إلى الأراضي اليونانية، فالشرطة اليونانية رأتهم واعتقلتهم، وضربتهم ضرباً مبرحاً.

في الوقت نفسه أكدت الدول الأوروبية بمعظمها وقوفها إلى جانب اليونان وطالبوها بإحكام إغلاق الحدود مع تركيا، كما أعربت بعض الدول عن نيتها إرسال دعم عسكري لليونان من معدات وفرق عسكرية أو شرطة لنشرها على الحدود مع تركيا لمنع مرور أي شخص من الحشود على الجانب التركي.

بدأت تركيا الحديث عن وقف إطلاق النار وإيقاف هجماتها على النظام السوري في الشمال الغربي، وحددت موعداً للقاء بين الرئيسين التركي والروسي في العاصمة الروسية موسكو، للخروج باتفاق يقضي بإيقاف الأعمال العدائية، وفوراً في اليوم التالي تغيرت المعاملة مع اللاجئين على الحدود اليونانية، فبدأت الشرطة التركية السماح للناس بالعودة مع توفير حافلات لعودة الناس إلى المدينة من الحدود. وعادت الرقابة على الحدود البحرية لمنع أي قارب يحمل لاجئين من الإبحار من الجانب التركي إلى الجانب اليوناني، الأمر الذي كان مسموحاً به قبل أيام قليلة.

بدأ عدد من الشبان العودة إلى اسطنبول أو إلى مدن أخرى، بعدما فقدوا الأمل بالعودة، وأدركوا أنها كانت لعبة تركية لممارسة ضغط على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية لتحقيق غايات تفاوضية ومكاسب للجانب التركي.

لا يزال كثر من اللاجئين من مختلف الجنسيات على الحدود مع تركيا، بدأ بعضهم بناء خيم فأصبحت المنطقة أشبه بمخيم، ولا يمكن تشبيهه هنا إلا بمخيم الغابة بين فرنسا وبريطانيا، أو ما يعرف بمخيم كاليه الذي تم إغلاقه منذ بضع سنوات، ولكن كم من مئات الأشخاص اللاجئين عانوا فيه، محاولين الوصول إلى بريطانيا.

مرة أخرى تخسر تركيا في ملف اللاجئين وبخاصة السوريون منهم، ربما ربحت بعض المكاسب المادية والتفاوض مع الاتحاد الأوروبي، لكن من جهة السوريين فالغالبية تدرك أن ما تقوم به تركيا عسكرياً وإنسانياً ما هو إلا تصعيد في بازار المفاوضات مع الجانب الآخر الروسي أو الأوروبي أو الأميركي، في محاولة للوصول إلى سعر أعلى.

لا يزال يقيم على الأراضي التركية ما يقارب 3 ملايين ونصف المليون من اللاجئين السوريين، وهناك 3 ملايين ونصف المليون سوري ضمن الأراضي السورية في الشمال الغربي يقبعون بين حدود تركيا المغلقة وقذائف الأسد وروسيا وبراميلهما، فقد كثر منهم حياتهم محاولين العبور نحو الأراضي التركية.

———————————

صراع السوريين مع برد البلاد المُحترقة/ قاسم البصري

يمرّ هذا الشتاء البارد قاسياً على السوريين في البلد، لا تسعفهم إمكانياتهم المالية المحدودة على التعامل معه كما ينبغي، وذلك في ظلّ ارتفاع أسعار المحروقات وقلة توافرها. وما يزيد من تفاقم المشكلة أنّ المنازل في سوريا غير معزولةٍ في معظمها، في حين يقطن عشرات آلاف النازحين في مخيماتٍ لا يعزلهم فيها عن العراء سوى قماش خيامهم. ونتيجة ذلك يُضطرّ الناس إلى ابتكار حلولٍ لتأمين الدفء لهم ولأسرهم، ولو كان ذلك باستخدام وسائل تنعكس بشكلٍ خطير على صحتهم.

الخيارات المتعددة والخطيرة

في الشمال السوري، حيث تسيطر فصائل من المعارضة السورية، يوجد عددٌ من الوسائل التي يستخدمها القاطنون في هذه المناطق للتخفيف من برد الشتاء، لا سيما في تلك الأيام التي شهدت منخفضاً جوياً قاسياً منذ منتصف شهر كانون الثاني (يناير). وتعود طبيعة اختيار وسيلة التدفئة بشكلٍ رئيسي إلى مدى قدرة العائلة المالية وتوافر وسيلة التدفئة، ومن المؤكّد أن عدداً من وسائل التدفئة التي سنتحدّث عنها في هذا التقرير ليست وسائل تدفئة في الحالة الطبيعية، ولكنّها أقصى ما قد يجده سوريون كثيرون في ظلّ أوضاعهم المأساوية.

النوع الأول هو التدفئة النظامية المعتمدة على مادة المازوت، الذي يوجد منه في الوقت الراهن ثلاثة أصناف؛ الأول هو القادم من تركيا، ويُباع بالأسعار التركية، ولا يُباع سوى في بعض مناطق الشمال التي تخضع لسيطرة فصائل المعارضة التابعة لتركيا وعن طريق محطات الوقود التركية (إعزاز وجرابلس والراعي)، والثاني أوكراني المصدر تستورده شركة وتد التابعة لحكومة الإنقاذ عن طريق تركيا، أما الثالث، وهو الأقل جودةً، فيأتي من العراق، ولا يصلح إلّا للتدفئة نتيجة رداءته.

بالنسبة لأسعار المازوت، فهي تختلف بحسب الجودة والمصدر، إذ يتراوح سعر المازوت التركي بين 600 و650 ليرة سورية مقابل الليتر الواحد وفقاً لأسعار صرف الليرة التركية، بينما يُباع برميل المازوت العراقي بسعر 153 ألف ليرة سورية (765 ليرة سورية لليتر الواحد)، بحسب جودته ونظافته. أما المازوت الأوكراني (يُعرّف على أنه نخب أول)، والذي يُباع عن طريق شركة وتد، فيبلغ سعر البرميل الواحد منه حالياً 163 ألف ليرة سورية (815 ليرة سورية مقابل الليتر بحسب آخر نشرة سعرية). وهنالك دفعات من المازوت العراقي بيعت بمبالغ تتراوح بين 80 و100 ألف ليرة سورية للبرميل الواحد بسبب رداءتها، وهذا النوع غير متوافر منذ بضعة أيام.

ونتيجة هذه الأسعار المرتفعة للمازوت مقارنةً بمستوى الدخول، فإنّ المستخدمين للمازوت هم فئةٌ قليلةٌ جداً من سكان الشمال السوري، ومعظم الحالات التي يُستخدم فيها المازوت للتدفئة تقتصر على الكميات القليلة التي توزّع على الأهالي والنازحين عبر الحملات الخيرية التي تقوم بها منظمات محلية ودولية.

أما الوسيلة الثانية للتدفئة فهي الحطب، وفي حين يكثر استعماله في أرياف إدلب وعفرين، فإنه يكاد يكون غير مستخدمٍ في ريف حلب الشمالي، لكون هذه المناطق غير حراجية. ويختلف سعر الطن الواحد من الحطب بحسب نوع الشجر الذي حُطِّبَ منه. وبلغت الأسعار خلال فصل الصيف الماضي بين 80 و100 ألف ليرة سوريا مقابل الطن، أما خلال فصل الشتاء فقد ارتفع سعر الطن الواحد، رغم أنه رطب وسيء الاشتعال، ليتراوح حالياً بين 120 و150 ألف ليرة سورية. أما طن الحطب اليابس، فيبلغ سعره حالياً بين 175 و190 ألف ليرة في حال توافره.

غير أنّ الاعتماد على الحطب في التدفئة كان له بالغ الضرر على الثروة الحراجية في سوريا، ويعتبر سبباً رئيسياً في تراجع نسبة المساحات الخضراء في البلاد إلى حدودٍ مروّعة، وصلت إلى 30% مما كان عليه الحال في العام 2011، في حين أنّ كثيراً من الأحراش الموجودة في الشمال السوري أُبيدت بشكلٍ كامل، وغدت عبارة عن أراضٍ جرداء. وتقول التقديرات إن 19 مليون شجرة قد حُطّبت في الشمال السوري خلال أعوام الثورة، ويُشار بإصبع الاتهام إلى فصائل من المعارضة السورية على أنها متورطة في عمليات التحطيب، أو أنها سهّلت ذلك لقاء نسب مالية معينة.

الوسيلة الثالثة للتدفئة في الشمال هي مادة البيرين، المصنوعة محلياً من مخلفات الزيتون، وبالرغم من أنّ البيرين يتميز بأنّه جيد الاحتراق ويبقى مشتعلاً لفترة طويلة، إلا أنّه ذو رائحة سيئة، وله أضرار كبيرة على الصحة بسبب الزيوت المنبعثة أثناء عملية الاحتراق. يضاف إلى ذلك خطورته الناتجة عن احتراقه الشديد وعدم وجود مدافئ مخصصة له. وبلغ سعر الطن الواحد من البيرين في بداية فصل الشتاء بين 75 و80 ألف ليرة سورية، أما الآن فيتراوح سعره بين 120 و125 ألف ليرة. ويستخدم البيرين بكثرة في عددٍ من مدن الشمال بسبب انخفاض سعره، وذلك على الرغم من عدم تفضيل الناس له نتيجة الخصائص السيئة التي ذكرناها آنفاً.

وسيلة التدفئة الرابعة في الشمال هي قشور الفستق الحلبي، التي تعتبر وسيلة جيدة للتدفئة بسبب جودة اشتعالها، غير أنها مستخدمة على نطاقٍ ضيق، بسبب الحاجة في استخدامها إلى مدافئ خاصة يبلغ سعرُ الواحدة منها 100 دولار، وكذلك لكون معظم قشّارات الفستق متوقفةً عن العمل حالياً؛ بسبب تركّزها بشكلٍ أساسي في ريف حماة الشمالي الذي سيطرت عليه قوات النظام العام الماضي. ونتيجة قلة قشور الفستق الحلبي، فإنها لا تباع بالأطنان، ويبلغ سعر الكيلو الواحد منها 190 ليرة سورية.

أما وسيلة التدفئة الخامسة فهي البالة، التي تكون عبارة عن ملابس وأحذية مستعملة. وتنقسم هذه البالة المخصصة للتدفئة إلى نوعٍ أول وثانٍ وثالث، وذلك حسب محتوياتها. ومن المفترض أنها لا تستخدم لوحدها، بل أن تكون رديفةً للحطب أو الفحم أو المازوت بهدف خفض الكُلفة. وتعتبر بالة الأحذية رغم كلّ مخاطرها هي النوع الأول، وذلك بسبب سرعة اشتعالها، أما النوع الثاني فهو بالة الألبسة الداخلية، والنوع الثالث هو الألبسة القطنية والصوفية. ويمكن شراء البالة بالجملة أو المفرق، وكذلك مخلوطة أو مفروزة.

ويتراوح سعر نصف طن من البالة غير المفروزة بين 26 و35 ألف ليرة، بينما يبلغ سعر نصف الطن من بالة الأحذية المفروزة 70 ألف ليرةٍ سورية، أما سعر الكيلو الواحد بالمُفرق فيتراوح بين 80 و100 ليرة سورية.

الوسيلة الخامسة المُستخدمة في الشمال السوري هي الفحم الحجري، وهو يأتي من تركيا، ويتراوح سعر الكيس الواحد منه (25 كيلوغرام) بين 2500 و3000 ليرة سورية. وهو يحتاج إلى مدافئ مخصصة له، غير أنّ الناس يُجرون بعض التعديلات على مدافئهم القديمة لتصبح صالحة لتشغيله، وإنْ كان بكفاءة أقل. وتبلغ كلفة تعديل أي مدفأة مبلغاً يتراوح بين 10 و15 ألف ليرة. أما النوع الأخير من وسائل التدفئة، فهو ما يشبه الفحم الحجري، وهو مُصنّع في الداخل السوري، ويعتبر أسوأ الأنواع المُستخدمة للتدفئة، ويتسبب بأمراض خطيرة، كما أنّه يحوّل المدفأة إلى كتلة حديدية ملتهبة.

يعتبر الوضع في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية في ما يتعلق بتأمين المحروقات أفضل مما هو عليه الحال في المناطق السورية الأخرى، إذ تجري تعبئة 400 ليتر من المازوت لكلّ أسرة على دفعتين خلال الشتاء، ولكنّ عدداً من أفراد الأُسر الذين تواصلت الجمهورية معهم أكّدوا أنهم جميعاً استفادوا من المازوت الذي تبيعه لهم الإدارة الذاتية بسعرٍ مدعوم لمرةٍ واحدةٍ فقط، بواقع 200 ليتر.

وتقوم الإدارة الذاتية ببيع المازوت عبر الكومينات، التي هي وحدات إدارية صغرى تابعة لها في القرى والأحياء، وذلك بسعر 18 ألف ليرة سوريّة للبرميل (90 ليرة مقابل الليتر)، في حين يبلغ سعر ليتر المازوت في الأسواق خلال الفترة الحالية 200 ليرة، وذلك بعد أن ارتفع سعره خلال الفترة الأخيرة الماضية، لا سيما بعد موجة البرد الأخيرة، بينما كان سعره في الفترات السابقة يتراوح بين 125 و150 ليرة بحسب نظافته.

ويُسمّى المازوت الذي يباع في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية «مازوت أبوچي»، وفي بعض الأحيان يكون لونه قريباً من الأسود، وقد اشترى بعض الأهالي مضطرين دفعات من المازوت الأسود من بعض الكومينات رغم رداءته ورائحته السيئة، ولكن قسماً آخراً من الناس حصلوا على مازوت أفضل جودةً، والأمر هنا يتعلق بالحظ والدفعة التي يتم ضخّها في الأسواق.

وليس بمقدور جميع الناس شراء المازوت من الأسواق بعد نفاد مخصصاتهم، ولذا يتم الاعتماد أيضاً على التدفئة الكهربائية، إذ تتوافر الكهرباء لساعاتٍ محدودة خلال اليوم. ويقول الأهالي الذين تواصلنا معهم في الحسكة إنّ بعض الأسر تضع مناقل فحم في غرفها للتدفئة.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ قسماً من الناس يعتمدون على الغاز في التدفئة، كونه متوفرٌ بكثرة في الفترة الراهنة في هذه المناطق، وتباع جرة الغاز بمبلغ 2600 ليرة سورية عن طريق الكومين من خلال التسجيل بموجب دفاتر العائلة، كما أنّ الكومينات لا تمتنع عن بيع الغاز للعوائل متى أرادت ذلك بسبب الوفرة في هذه المادة.

مناطق سيطرة النظام

في مدينة حلب، وزّعت حكومة النظام بموجب البطاقة الذكية 100 ليتر من المازوت على كلّ أسرة بسعرٍ مدعوم في بداية فصل الشتاء، على أن توزّع 100 ليترٍ أخرى مرةً ثانية خلال الفصل، ولكن حتى الآن لم تُوزّع الدفعة الثانية، بحسب ما قاله الأهالي الذين تحدثنا إليهم. وأضاف بعض الأهالي أنّهم لن يستلموا الدفعة الثانية قبل فصل الصيف القادم. وقد حددت شركة محروقات التابعة لوزارة النفط سعر ليتر المازوت بموجب البطاقة الذكية بـ183 ليرة سورية.

أما في دمشق، فكان من المفترض أن تكون حصة الأهالي بموجب البطاقة الذكية 400 ليتر بموجب دفتر العائلة الواحد، غير أنّ الأهالي لم يستلموا سوى الدفعة الأولى، وهي عبارة عن 200 ليتر. في حين كانت مخصصات الأسرة الواحدة في ريف دمشق 200 ليتر توزّع على دفعتين، ولم يستلم الأهالي سوى الدفعة الأولى وقدرها 100 ليتر، ولا يعتقد من تحدّثنا إليهم في دمشق وريفها أنهم سيحصلون على الدفعة الثانية قبل فصل الصيف، وذلك في حال حصلوا عليها.

وقد كان الناس في مناطق سيطرة النظام يعوّلون على استخدام جزءٍ من الغاز المنزلي في التدفئة، والذي كان من المفترض أن يحصلوا على جرة واحدة منه كلّ 22 يوماً بموجب البطاقة الذكية، غير أنّ هذه المدة ليست موجودةً سوى على الورق، فعلى أرض الواقع تحتاج كل أسرة بين 3 و4 أشهر حتى تحصل على جرة غاز واحدة بالسعر المدعوم في كلّ مرة.

وقد سجلت أسواق دمشق وريفها عدم توافر الحطب حالياً، وذلك لأنّ الكميات التي كانت تباع في أسواق العاصمة كانت تأتي من تحطيب اللجان الشعبية والشبيحة لأشجار الغوطة، ويبدو أنّ ما حال دون ذلك الآن هو عودة قسمٍ من سكان هذه المناطق إليها، فضلاً عن بعض الإجراءات المُتشددة من قبل النظام على عمليات التحطيب. وفي حين تعاني مناطق سيطرة النظام من انعدام وجود بعض وسائل التدفئة الموجودة في مناطق سيطرة المعارضة وقوات سوريا الديمقراطية، فإنّ بعض الأهالي يعتمدون على مُخلّفات معامل الألبسة في التدفئة.

وقد أجبرت موجات البرد الشديد في مطلع شهر شباط (فبراير) مدارس دمشق على تعليق الدوام لمدة أسبوع بسبب عدم توافر المحروقات في المدارس، بينما يقول الأهالي الذين تحدثت إليهم الجمهورية إنهم يمتنعون عن إرسال أولادهم إلى المدارس في الأيام شديدة البرد، لأنهم يعلمون جيداً أن قاعات المدارس أشبه ببراداتٍ كبيرة.

لا تقتصر المواد التي يستخدمها السوريون اليوم في التدفئة على ما سبق، فهنالك أيضاً البلاستيك والنايلون والورق وكل ما يصادف الناس في طريقهم. ولا يهمّ السوريين اليوم ماذا يحرقون في مواقدهم ومدى خطورته على صحتهم وصحة صغارهم، إنما الأهم هو الشعور بالدفء ولو لأوقاتٍ قصيرة، في بلادهم الباردة رغم أنّ كلّ ما فيها يحترق. ويبقى أن نذكر أنّ شرائح كبيرة من السوريين اليوم لا يستخدمون أيّ وسيلةٍ للتدفئة مما ذكرناه، وأقصى ما يتوفّر لهم هو بعض الثياب السميكة واللحافات والبطانيات.

موقع الجمهورية

————————————–

عائلات سورية وطالبو لجوء تقطعت بهم السبل وانتهى حالهم إلى غابة تركية لا يفصلهم عن اليونان سوى نهر

انتهى الحال بهذه العائلة السورية التي تتألف من سبعة أشخاص في غابة تركية، يفصلهم عن اليونان نهر. لقد تقطعت بهم السبل هناك بعدما اتضح أن الشائعات التي تتردد عن فتح الحدود لم تكن سوى ضربا من الخيال.

وتقول هناء (30 عاما): “في اللحظة التي غادرت فيها منزلي وأتيت إلى هنا، فوضت أمري إلى الله”. وخلال نزوحها المتكرر على مدار السنوات الخمسة الماضية، حاولت عائلة هناء إعادة بناء الشعور بوطن. وتنحدر العائلة من مدينة اللاذقية الساحلية في سورية، وقد فرت منها إلى منطقة قهرمان مرعش على البحر المتوسط، وها قد وجدت الأسرة نفسها عالقة في قرية “دويران” بأدرنة. ولكن أفراد الأسرة يشعرون أن الحرية قريبة جدا، فقط على الضفة الأخرى من نهر “مريج”، المعروف باسم إفروس في اليونان.

وقادتهم آخر محطات رحلتهم للبحث عن الأمان إلى أدرنة، المتاخمة لليونان وبلغاريا، مرورا بمدينة إسطنبول التركية. وقد تكلفت سيارة الأجرة وحدها 4000 ليرة (660 دولارا).

وجاءت مغامرتهم الأخيرة بعدما نفذت تركيا تهديدها بفتح حدودها مع أوروبا أمام المهاجرين، رغم الرفض الأوروبي القاطع لاستقبال المزيد منهم.

ويقول زوج هناء، حسام الحردان، والذي يبلغ من العمر 38 عاما: “لم يعد لدينا الكثير من المال. وإذا لم يأت أحد ليأخذنا، سنمشي على أقدامنا إلى أوروبا”. ووقف الحردان يتحدث، وخلفه لافتة حمراء عليها صورة حارس يحمل بندقية، وكتب عليها بخط أسود “منطقة محظورة”.

وبدت حركة المهاجرين منظمة من جميع أنحاء تركيا إلى الحدود الشمالية الغربية للبلاد، حيث نقلتهم الحافلات الكبيرة والصغير والسيارات بانتظام من إسطنبول.

ورغم تعدد الأسباب وراء سعي اللاجئين إلى مغادرة تركيا، فقد اكتشفوا جميعا أن رحلتهم لن تأخذهم إلى ما هو أبعد من أدرنة. وتتمسك كل من تركيا وأوروبا بموقفهما في مسألة اللاجئين، حيث تقول تركيا إنها لم تعد مستعدة لاستقبال المزيد من المهاجرين، بينما يؤكد الجانب الأوروبي ضرورة التزام أنقرة باتفاق إعادة المهاجرين الذين كان تم التوصل إليه بين الطرفين في عام 2016 والذي يتضمن تقديم أموال لتركيا لإبقاء المهاجرين على أراضيها.

وجاء التغير في الموقف التركي بعد مقتل عشرات من قواتها في غارة جوية شنتها قوات النظام السوري بمحافظة إدلب، شمالي سورية، حيث أدى التصاعد في التوترات خلال الأسابيع الماضية إلى نزوح أكثر من مليون سوري باتجاه الحدود الجنوبية لتركيا.

ورغم توصل الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان، إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في المنطقة، خلال لقاء جمعهما في الأسبوع السابق، لا يزال مسار الأزمة الحالية للمهاجرين بين تركيا والدول الأوروبية غير واضح، إلا أن مراقبين يتوقعون استمرار التصعيد لفترة.

وهدد وزير الداخلية التركي سليمان صويلو أمس السبت بأن التدفقات الحالية للمهاجرين “مجرد بداية” وأن العدد سيرتفع بشكل كبير. وقال صويلو إن عدد المهاجرين الذين دخلوا اليونان تجاوز 143 ألف شخص، غير أنه لا يمكن التحقق بشكل مستقل من الأرقام من مصدر آخر. وعلى الجانب الآخر، تؤكد اليونان أنها لن تسمح لأي مهاجر بدخول البلاد بأي شكل، سواء برا أو بحرا.

ووفقا لرئيس وحدة الاتصالات بالرئاسة التركية فخر الدين ألطون فإن سبب الموقف التركي الأخير هو أن الاتحاد الأوروبي لم يفِ بالتزاماته المتعلقة بالدعم المادي والقبول الطوعي، في إطار اتفاقية إعادة المهاجرين بين تركيا والاتحاد.

وشدد ألطون على أنه نتيجة لذلك، وجهت تركيا مواردها لاستقبال موجة لاجئين محتملة من إدلب، بدلا من توظيف طاقتها في منع اللاجئين من الذهاب إلى أوروبا. وقال صويلو إن المزيد من المهاجرين سوف يتمكنون من التحرك صوب الحدود بفضل حالة الطقس المؤاتية. وقال إن مستوى المياه في بعض نقاط نهر “مريج” تراجع إلى نحو 45-40 سنتيمترا، وهذا يعني أن المهاجرين بإمكانهم “العبور بسهولة مشيا على الأقدام”.

وربما يكون هناك بصيص أمل في التقارير التي تشير إلى أن إردوغان يعتزم التوجه إلى بروكسل غدا الإثنين 09 / 03 / 2020 في زيارة تهدف إلى “التوصل لحل لأزمة المهاجرين الحالية على الحدود التركية اليونانية، وإعادة توجيه العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا”.

وعلى أي حال، ورغم أن الأفق يبدو مسدودا أمام المهاجرين الذين يحتشدون اليوم على الحدود التركية الأوروبية، يبدو أنه لا سبيل أمامهم إلا التشبث بهذه الفرصة التي لن تتكرر.

ويقول زكريا (45 عاما) وهو طبيب من محافظة دير الزور بشرق سورية، وطلب عدم ذكر اسمه كاملا، إنه قضى أربع سنوات في تركيا ولم يعد قادرا على الصمود أكثر من ذلك. لقد كان يأمل في فتح مركز صحي بمدينة اسطنبول، لكن تم إبلاغه بأنه بحاجة إلى رخصة مزاولة تركية.

وجاء أبناؤه الستة وشقيقته، التي تبلغ من العمر 40 عاما، من إدلب الشهر السابق. ويضيف الطبيب السوري: “لم أكن هنا في عام 2015 عندما كانت الحدود مفتوحة … وهذه هي فرصتنا الأخيرة”.

أما وقار، وهو باكستاني من مدينة لاهور، فيقول بصوت يملأه الأسى: “نحن هنا منذ أيام. يبدو الأمر وكأنه نهاية العالم. لن نعود إلى اسطنبول… وإذا لم تكن تركيا قادرة على أن ترسلنا إلى أوروبا، لماذا لا ينهون حياتنا ويرحلوننا إلى باكستان؟”. د ب أ 08 / 03 /

———————————————–

صقيع النزوح السوري… في انتظار خيمة قد لا تأتي/ تحقيق – سعاد خبية

هربت النازحة السورية رباب ناجي، من بلدة الأتارب الواقعة شمال غربي سورية، مع عائلتها بملابسهم من دون أي شيء آخر، بعد قصف منزلهم في مدينة إدلب في الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني الماضي، وبمساعدة أصدقاء العائلة، تمكنت من استئجار منزل غير مكتمل البناء، عبارة عن غرفتين، من دون مرافق أو مياه أو صرف صحي، في مقابل إيجار شهري يبلغ 100 دولار أميركي، بعدما دفعت 600 دولار، للمقدم والتأمين قبل أن تطأ المنزل مع عائلتها.

لم تجد العائلة حلاً آخر، إذ كانت “تبحث عن سقف يؤويها لا غير”، كما تقول رباب لـ”العربي الجديد”، بينما توضح كيف استخدمت “النايلون” لتغطية الحفر والثقوب في الجدران، ولكن الصقيع كاد أن يفتك بها وبأطفالها الثلاثة، قبل أن يشاركهم المنزل عائلة ذويها المؤلفة من تسعة أفراد، بينهم أربعة أطفال، نزحوا إلى إدلب أيضاً، ولم يتمكنوا من الحصول على مأوى فاضطروا للسكن معهم، بانتظار “خيمة قد لا تأتي”.

وتجاوز عدد الفارين من شمال غربي سورية جراء استمرار الحملة العسكرية التي ينفذها جيش النظام السوري بدعم جوي روسي، 900 ألف مدني نزحوا منذ الأول من ديسمبر/كانون الأول عام 2019، وفق إحصائيات الأمم المتحدة المنشورة على موقعها الإلكتروني في الثامن عشر من فبراير/شباط 2020. وهنا يشير فؤاد سيد عيسى، الناشط والمنسق بمنظمة بنفسج الإغاثية، والتي تعمل على إدارة المخيمات في الداخل السوري، إلى أن العدد تجاوز عتبة المليون وخمسين ألفا وفق إحصاءاتهم كما يقول لـ”العربي الجديد”.

مخيمات عشوائية

تتركز تجمعات النازحين الجديدة، بحسب عيسى، في مناطق الدانا وسرمدا شمال إدلب، وفي منطقة إعزاز والباب وعفرين في ريف حلب، بالإضافة إلى منطقة دارة عزة، قبل أن يتم قصفها.

وبلغ عدد المخيمات العشوائية داخل سورية 348 مخيماً، يقطن فيها 35633 عائلة، تضم  63579 امرأة، و67213 طفلاً، وفقاً لمسح أجرته منظمة “منسقو استجابة سورية”، الإغاثية، وتعاني المخيمات من اكتظاظ هائل، كما تقول الناشطة السورية والتي تعمل على جمع المساعدات للنازحين إيمان داراني، المقيمة في سرمدا بإدلب عقب نزوحها من داريا الواقعة في ريف دمشق.

وبنيت غالبية تلك المخيمات على أسس غير سليمة، من دون الانتباه لبعدها عن مراكز المدن، أو ضرورة تسوية الأرض قبل وضع الخيام ورفعها قليلاً، ما يتسبب بكثير من المشاكل كغرقها أو غمرها بمياه الأمطار والسيول، وفقاً لعيسى، الذي يشير إلى أن معظم الخيام في تلك المخيمات لم تأت عبر منظمات دولية، بل صناعة محلية وغير مطابقة للمواصفات، إذ صنعت من قماش عادي لا ترد البرد ولا المطر، وتسببت بوفاة عشرة أطفال من البرد مطلع فبراير 2020، فيما سجلت حوادث احتراق أكثر من خيمة بسبب قابليتها للاشتعال، وأدت لإصابات وسط قاطنيها في الفترة ذاتها أيضاً، لكن لا إحصائيات موثقة بشأنها كما يقول.

وتنتشر آلاف العائلات على طول الطريق الدولي الواصل بين إدلب ومعبر باب الهوى على الحدود السورية التركية، ينتظرون مكاناً آمناً ودافئاً، وفق ما وثقته معدة التحقيق عبر إفادات النازحين، ومنهم الأربعينية صفية راشد، التي نزحت من خان طومان بحلب إلى عفرين في المحافظة ذاتها، في التاسع عشر من فبراير الجاري، وما زالت تفترش مع طفلاتها الثلاث مدخل أحد الأبنية، لأنها لم تجد مأوى لها، قائلة لـ”العربي الجديد”: “قطعت وبناتي رحلة صعبة جداً، وكان لدينا الأمل في أن نجد سقفاً يؤوينا، لكن لم نجد سوى الرصيف، الجيران أمدونا ببعض الأدوات والأغطية”.

ظروف قاسية

يشكل النساء والأطفال 80% من النازحين، وفق تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة، يونيسف، ويقيمون في مخيمات عشوائية ومراكز إيواء جماعية، وفي مبان غير مكتملة، يحيطونها بأغطية بلاستيكية أو قطع من القماش لا تقيهم البرد القارس والصقيع، ولا تمنع دخول الأمطار ومياه السيول إليهم، بينما يعجزون عن توفير أبسط مستلزمات التدفئة والعيش، وفقاً لإفادات 25 عائلة.

ومنذ اشتداد الحملة العسكرية في 16 يناير الماضي، تتزايد أعداد النازحين يومياً ويبلغ عدد الأطفال الذين نزحوا مع عوائلهم نصف مليون طفل وفق تقرير يونيسيف الصادر في يناير الماضي، أما النساء النازحات، فبلغ عددهنّ 223.841 امرأة، بينما بلغ عدد الذكور 195.859 رجلا، وذلك في الفترة الممتدة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2019 وحتى 18 فبراير/ شباط 2020، بحسب منظمة “منسقو استجابة سورية”، وتمتلئ المدارس والمساجد والمباني قيد الإنشاء، وحتى المحال التجارية والمستودعات ومزارع الزيتون، بأعداد كبيرة من النازحين الذين يجابهون برودة الطقس ونقص الطعام والماء، وظروفاً معيشية قاسية وفق ما يؤكده النازحون.

وتصف سلمى عباس، عضو الاتحاد النسائي في سراقب، (مؤسسة نسوية مستقلة)، النزوح الجماعي للمدنيين بأنه مشهد من يوم “القيامة”، مؤكدة في حديثها لـ”العربي الجديد”، أن العدد الضخم من النازحين يقابله ندرة في أماكن الإقامة، ورفع الإيجارات بسبب الجشع، وغياب مواد التدفئة في ظل الاستجابة الضعيفة للمنظمات الدولية، وهو متسبب في أن كثيراً من النازحين ينامون منذ أسابيع في البرد القارس، وداخل سيارات مفتوحة مغطاة بالبلاستيك، لأنهم لم يتمكنوا من استئجار منزل أو الحصول على خيمة، وهو ما عانى منه الستيني السوري عبد القادر أبو النور في خان شيخون بعدما طرده وعائلته المكونة من 15 فرداً مالك البيت، بعد رفضهم مضاعفة إيجار المنزل، وتابع لـ”العربي الجديد”: “إيجارات المنازل تضاعفت مع موجة النزوح الجديدة، وتتراوح ما بين 150-300 دولار، ما يجبر النازحين على البقاء في العراء، لعدم قدرتهم على الدفع”.

وتقيم 11 ألف عائلة تحت أشجار الزيتون، أي ما معدله 119.206 أشخاص وفق ما كشفته دراسة داخلية مشتركة أعدتها منظمة بنفسج للإغاثة والتنمية بالتعاون مع الأمم المتحدة في يناير 2020، ويضع هؤلاء عوازل بلاستيكية تحت الأشجار لتغدو على شكل خيمة، وهذا ما تؤكده سلمى عباس التي رصدت لدى عبورها الطريق من إدلب باتجاه منطقة الباب، مئات النازحين ينامون فوق سكة القطار من دون خيام.

مساعدات غير كافية

بلغ مستوى العجز في تأمين المأوى للنازحين الجدد ما نسبته 97% وفق توثيق منظمة “منسقو استجابة سورية” المنشور على صفحتها الرسمية على “فيسبوك”، في السابع عشر من فبراير الجاري، فيما بلغ عجز قطاع المواد الغذائية 94%، وسُجل عجز بنسبة 89% في المواد غير الغذائية، وبلغ في قطاع الصحة 92%، أما التعليم 90%.

ويحصل هؤلاء النازحون على مساعدات محدودة، ولم تتمكن المنظمات من مساعدتهم بسبب عددهم الضخم، كما يقول الناشط عيسى، والذي يرى أن استجابة الأمم المتحدة ضعيفة، مبيناً أن منظمة بنفسج أقامت 17 مركز إيواء جماعي في إدلب وسرمدا ودارة عزة، ضمت 15 ألف شخص معظمهم من النساء والأطفال.

واقع مترد تؤكده المفوضية العليا لشؤون اللاجئين على لسان المتحدث باسمها، أندريه ماهيسيتش، في تصريحات صحافية نشرها موقع الأمم المتحدة في الحادي عشر من فبراير 2020، إذ تكثف المفوضية الجهود للوصول إلى المحتاجين كجزء من استجابتها، ومع ذلك فإن هذا لن يلبي سوى جزء صغير من إجمالي الاحتياجات، لأن النزوح الأخير قد فاق القدرة على الاستجابة، وهناك حاجة ماسة إلى المزيد من الموارد والتمويل.

ويعاني آلاف النازحين من رفض المنظمات تسجيلهم بسبب فقدان أوراقهم الثبوتية، وترى عباس أن هذه ضغوط غير مبررة تزيد العبء على النازحين، ومن المعروف أن كثيرا منهم دمرت بيوتهم، واحترقت بالقصف، ومنهم من فقد أوراقه أثناء النزوح، ما يحرمهم من ضمان مساعدات أساسية تحفظ حياتهم.

الأزمة الصحية تتفاقم

ترهق الأزمات المادية والصحية والنفسية كاهل النساء في مخيمات النزوح، وأكثرهنّ من الأرامل المعيلات، ممن وجدن أنفسهن وحيدات مع أطفالهن في العراء، من دون مأوى أو تدفئة أو مصدر للدخل، كما توضح المشرفة في هيئة الإغاثة الإنسانية في إدلب، صابرين علوش، والتي تعيش ذات الضغط النفسي من خلال معايشتها لمعاناة السيدات النازحات بشكل يومي، إذ تتولى وفريقها المتخصص بدعم النساء والأطفال توزيع ألف سلة من المعونات يومياً، مشيرة إلى أن تلك النسوة أجبرن على القيام بمهام كبيرة تشمل تثبيت وصيانة الخيمة بشكل دائم، وتأمين المياه ومواد التدفئة والطعام، وحماية الأطفال والفتيات، وخاصة عندما تفاقمت الأزمة خلال الشهرين الأخيرين.

وتسببت موجة البرد الشديد التي ترافقت مع النزوح بسبب العمليات العسكرية بأمراض عديدة للنازحين وخاصة الصدرية منها، وكان الأطفال الأكثر تأثراً، ودفع عشرة منهم حياته جراء النوم في العراء، وفقاً لطبيبة الأطفال في منطقة الباب في ريف حلب، هدى حيلاني، والتي قالت إن الأوضاع الصعبة للنازحين جعلتهم يلجأون للتدفئة على الفحم الحجري، والذي يتسبب بالتهاب رئوي حاد، كما تصدر رائحة كريهة تسبب حالات حساسية شديدة تصل إلى الربو التحسسي.

وهذا ما حدث لأطفال النازحة انتصار إبراهيم، والذين يعاني الصغار الأربعة من أمراض تنفسية وسعال شديد، وسلس بولي منذ نزوحهما من معرة النعمان، وإقامتهما مع خمس عائلات أخرى في مستودع في عفرين.

وأصيب طفلا النازحة ولاء هاشم عدة مرات بالتهاب الأمعاء والإسهالات، بسبب المياه غير النظيفة التي يضطرون لشربها مع عدم وجود بدائل في مخيم أطمة الذي يعد من أكبر مخيمات النازحين في الشمال السوري، قائلة لـ”العربي الجديد”، إنها لم تستطع حتى الآن معالجة أطفالها.

وفي إدلب، توقفت 52 منشأة طبية منذ إبريل/نيسان عام 2019، بسبب الاستهداف المباشر وسوء الأوضاع الأمنية، كما يوضح مدير صحة إدلب الدكتور منذر خليل، مبيناً في إفادته لـ”العربي الجديد” أن أكثر من مليون و300 ألف مدني، حسب إحصاءاتهم الرسمية، نزحوا بشكل جماعي، ويعيشون في ظروف سيئة جداً، من دون مياه صالحة للشرب وبلا طعام كاف، ما تسبب في ارتفاع أعداد المصابين بالأمراض المنقولة، بالإضافة للأمراض الناتجة عن التعرض للبرد، لافتا إلى أن 70 منشأة طبية في إدلب تحتاج مساعدات عاجلة لمواجهة هذا العدد الضخم من المقيمين الجدد، والدواء غير متوفر مع إصابتهم جميعاً بنزلات البرد.

بدائل مضنية للنازحين

يشكل الحصول على المياه أزمة كبيرة بالنسبة للنازحين في إدلب وحلب، إذ تبلغ تكلفة تعبئة خزان المياه 2400 ليرة سورية، أي ما يعادل 5.52 دولارات، ولا يكفي الخزان سوى يوم أو اثنين، كما يوضح النازح الثلاثيني رشاد حمدو، المقيم في إدلب، قائلاً إنه لا يمتلك المال للحصول على ما يحتاجه وعائلته من المياه يومياً، ما يجبره على الاكتفاء بـ”غالون” واحد، يحصل عليه بشق الأنفس من بائع الماء المتجول، وهو ما يترك آثاراً سلبية جداً على صحتهم، كما يقول.

أما التدفئة، فتحولت إلى هاجس يؤرق النازحين الذين يعيشون في الصقيع، وخاصة بعد توقف توزيع مادة البيرين (فضلات بذور الزيتون بعد عصره)، والتي كانوا يعتمدون عليها للتدفئة، ما دفع كثيرا من النازحات في المخيمات إلى صعود الجبال القريبة، والبحث في الأحراش للحصول على الحطب لتوفير التدفئة لأطفالهن، وهذا يعرضهن غالباً لخطر إطلاق الرصاص عليهن كون هذه المناطق عسكرية، وفقاً لمصادر التحقيق.

وتتشارك آلاف العائلات النازحة بعدد محدود من المراحيض المتاحة ضمن مراكز الإيواء الجماعي، إذ تجد طوابير النازحين منتظرين فرصة الدخول إلى هذه المرافق، أما في المخيمات العشوائية، فيضطر النازحون لاستخدام الخلاء المكشوف لقضاء حوائجهم، وهو ما يخلق معاناة خاصة للنساء، كما تقول دلال بنش، نازحة من جبل الزاوية، وتقيم حالياً في سلقين بإدلب، وتعمل منسقة لمنظمة زمردة، التي تعمل على تأمين مساكن للنازحين.

————————————————–

قصة نساء السهول السوريات في مخيمات لبنان/ ليلى يمّين

تضع قبعّتها، تتغلغل في السهل مع الأخريات، تمضي نهارها وهي تطرب الجميع بأغانيها، وتعود عند المغرب، يراقبها عصام ويستمع لأغانيها، ينظر إليّ ويقول: “عمري 40 سنة، وصرلي 40 سنة بسمعها عم بتغنّي عنّا بالسهل”.

من بعيد لا يمكننا أن نميّز سوى عدد كبير من قبّعات القشّ المتحرّكة والغارقة بين شتلات اللّوبياء والكوسى. نساء سوريات كثيرات يحصدن سهول البقاع يومياً بفساتينهنّ الملونة وقبّعات القشّ. الشمس تسطع وتخترق أجسادهنّ ورؤوسهنّ، اليوميّات تتشابه، والمحصول يختلف مع تجدد السهل يومياً. تخرج هؤلاء النساء يومياً إلى السهل من ساعات الفجر الأولى، ويعدن إلى مخيماتهنّ عند مغيب الشمس.

أم محمود امرأة في الثمانينات من عمرها. صلبة وقويّة، وبحسب صديقاتها، لا أحد يعمل مثلها: “شغلها نضيف وسريع”. فجر كلّ يوم، تستيقظ أمّ محمود على صوت الآذان، تصلّي، وتتحضّر ليومها في السهل. قبّعتها، وغزّالتها متكئتان على باب خيمتها حيث تعيش مع أبنائها وأحفادها في مخيّم للاجئين السوريين في البقاع. لا تتكلّم أمّ محمود ولا تحبّ أن تتصوّر. تسند يدها إلى خصرها وتحمل غزّالتها باليد الأخرى على كتفها. تتجه يومياً إلى مدخل المخيّم حيث النساء الأخريات تجمّعن في انتظار أن يقلّهن الشاويش إلى السهول. تبقى أم محمود صامتة طوال الرحلة. تصل إلى السهل وهي لا تحتاج أي تعليمات، نظراً إلى خبرتها الطويلة “صرلي 60 سنة بشتغل بالسهل!”. تضع قبعّتها، تتغلغل في السهل مع الأخريات، تمضي نهارها وهي تطرب الجميع بأغانيها، وتعود عند المغرب إلى خيمتها المتواضعة، في انتظار يوم جديد في السهل. يراقبها عصام، مالك الأرض، ويستمع لأغانيها التي تسمع من بعيد، ينظر إليّ ويقول: “عمري 40 سنة، وصرلي 40 سنة بسمعها عم بتغنّي عنّا بالسهل”.

لمحة تاريخيّة

في أواخر الستينات – أوائل السبعينات، بدأت تتوافد يد عاملة سوريّة إلى سهول البقاع. نتيجة الأسعار المختلفة وفرق العملة بين سوريا ولبنان، بدأت ظاهرة “العمالة الزراعيّة الموسميّة”، إذ يتوافد عدد الرّجال وبعض العائلات ليبيتوا في مخيّمات قريبة من السهول المزروعة. في هذه الفترة، كانت المخيّمات أو “الورش” تبقى في المنطقة خلال المواسم فقط، فيما جزء كبير من العمال يعود إلى سوريا بعد انتهاء الموسم في لبنان، علماً أن المواسم في لبنان تنشط في الصيف والمواسم في سوريا تنشط في الشتاء.

في أواخر الثمانينات – أوائل التسعينات تغيّر المشهد. مع الأزمة النقديّة في لبنان، عندما خسرت الليرة اللبنانيّة قيمتها، ازداد عدد اليد العاملة السوريّة وتطوّر ليشمل أعمال البناء إضافةً إلى الأعمال الزراعيّة. مقابل ذلك، ازداد نزوح اللبنانيين من الريف إلى المدينة، بيروت، ما أدّى إلى ضعف كبير في اليد العاملة اللّبنانيّة، فاستطاعت اليد العاملة السوريّة أن تحلّ مكانها خصوصاً أنّ الأجور أصبحت أدنى. هذه الظاهرة أدّت إلى انتقال موسمي للعائلات وليس للرجال فقط، مع استقرار عدد كبير منها في مخيّمات حول السهول. في هذه الحالة كانت الأجور لا تزال مناسبة إذ إنّ عدداً كبيراً كان يلبّي احتياجاته الأساسيّة من طبابة، وأكل ولباس في سوريا، ليعود إلى مخيّمه في لبنان.

اختلف المشهد اليوم، والتركيبة الديموغرافيّة أصبحت مختلفة كلياً، بعد لجوء عدد كبير من السوريين إلى لبنان مع الحرب السوريّة. الانتقال إلى لبنان لم يعد مرتبطاً بالأفراد، بل بعائلاتٍ في إقامةٍ دائمةٍ. وضع هذه العائلات الاقتصادي اختلف اليوم، مع فرق في كلفة المعيشة، فالأجور باتت لا تكفي، وهناك عدد كبير من اللّاجئين لا يستطيعون تلبية احتياجاتهم في سوريا. هذه المرحلة شملت أعمالاً لا تقتصر على الزراعة والبناء شملت فقط بل عدد كبير من المجالات الّتي توازت مع تغيير مجتمعي في طبيعة العمل الّذي لجأ إليه اللبنانيين.

ازدادت اليد العاملة السوريّة في قطاع الزراعة اللبنانيّة بشكلٍ كبير، وأصبحن اللاجئات السوريات جزءاً أساسيّاً منه. تقول سناء (24 سنة) “في سوريا لم نكن نعمل، كنا نملك 10 غنمات حول المنزل، وكان رجالنا (أبي وإخوتي الثلاثة) يزورون لبنان موسمياً ليعملوا في السهل وبعد انتهاء الموسم يعودون إلى سوريا. اليوم، وبعد لجوئنا إلى لبنان، النساء يعملن والرجال لا يفعلون شيئاً”.

“الفعالة”: نساء وفتيات سوريات

معظم العائلات السوريّة المستقرّة في سهول البقاع تعمل في الزراعة بشكلٍ أساسيّ، وتحديداً النساء والفتيات في حين أنّ هذا العمل لا يعتبر لائقاً للرجال. عملهنّ يستمرّ على مدار السنة، مع ضغط خلال “الموسم” في فصلي الربيع والصيف، الذي يبدأ في شهر نيسان/ وينتهي في شهر أيلول/ سبتمبر. في الأشهر الستّة الشتويّة من السنة تعتاش هذه العائلات على مخلّفات “الموسم”. تخبرنا أمان (33 سنة) عن عملها: “نعمل طيلة أيام الأسبوع وخصوصاً في المواسم أي نحو ستة أشهرٍ، وإذا مرضنا نرتاح يوماً او اثنين ونعود مباشرةً إلى العمل”.

فاطمة (15 سنة) بدأت العمل في السهل بعد بلوغها، وكان عمرها 12 سنة. هذه ليست حال فاطمة فقط، بل حال فتيات المخيمات العاملات في الزراعة كلهن. تعمل فاطمة نحو 10 ساعات في النهار وأحياناً أكثر، بحسب معطيات الأرض وضغط الموسم. معظم الفتيات تبدأ أيامهن من صباحاً ولا تنتهي قبل السّابعة مساءً. “بدأنا العمل اليوم من الخامسة صباحاً وانتهينا عند السابعة مساءً. عملنا في اللّوبياء والخيار في أرضٍ تعود إلى مالك، وأحياناً مالكين”. أمّا وتيرة العمل خلال النهار فتختلف بحسب “الأرض” ومعطياتها، وبحسب ما يجب إخراجه إلى السوق. فالبطاطا تنتظر يومين قبل إخراجها، أما اللوبياء فيجب إحضارها مباشرةً من تحت يد العاملات إلى الأسواق، حيث تكون سيارة “البيك آب” الخاصة بالتاجر في انتظارهنّ إلى جانب السهل مباشرةً.

يومياً في الصباح الباكر يأتي الشاويش في سيارة “بيك آب” كبيرة لينقلهنّ إلى السهول بعدما يتمّ إعلامهنّ في الأمسية السابقة عن الوقت الّذي عليهنّ التجمع فيه عند مدخل المخيّم وانتظار وصوله. “يحمّلهن” في السيارة وينقلهن إلى السهول. العدد و”النوعيّة” يختلفان بحسب طلب الملّاكين، وبحسب نوع العمل، فبعضهنّ أفضل في قطاف الخيار، والبعض الآخر الكوسى… وعلى رغم أنّ بعضهنّ يفضّل العمل في نوع معيّن من المحاصيل، إلّا أنهنّ غير مخيرات فعلياً. تقول فاطمة: “أحبّ أن أعمل في مواسم الكوسى، البندورة، الذرة. وأكثر ما أكرهه هو موسم اللفت، إذ يكون شتاء والبرد قارس جداً. لكن لا يمكننا أن نختار ما نريد أن نعمل فيه، فشاويش المخيّم يمنعنا من ذلك، وعلينا القيام بما يطلبه منا من دون الإدلاء بآرائنا”.

أمّا “اليوميّة” أي الأجور فهي ثابتة لجميع نساء المخيمات وفتياته. المبلغ المحدد هو 8000 ليرة لبنانيّة لكلّ خمس ساعات عمل، أيّ نحو 1500 ليرة لبنانيّة في السّاعة أي ما يعادل النصف دولار أميركي مع تراجع قيمة العملة اللبنانية في ظل الازمة المالية والاقتصادية الحادة.

عادةً ما يحصل الشاويش على 2000 ليرة لبنانيّة من كلّ يوميّة، فتعود النساء إلى خيمهنّ مع 6000 ليرة لكلّ خمس ساعات عمل. أمّا إذا كانت إحدى النساء تعيش خارج المخيّم، فهي تحافظ بشكلٍ كاملٍ على 8000. كما أنّ “اليوميّة” يمكن أن ترتفع أيضاً بحسب عدد “الشراحي” (أيّ الصناديق) الّتي تُملأ: لكلّ 6 شراحي يوميّة كاملة أيّ 6000 ليرة إضافيّة. في الأوضاع الاقتصاديّة الحاليّة في البلد، مع حالة اللاجئين السوريين، هذه “اليوميّة” لا يمكن أن تكفي العائلات. تقول وردة (42 سنة) “هناك الكثير من المهتمّين بالعمل، يلي بروح بجيبو غيرو. في فترةٍ طلبنا أن تصبح اليوميّة 8000 ليرة لبنانيّة إلّا أن عدداً كبيراً من السوريين بحاجة إلى العمل، ولهذا السبب بقيت التسعيرة على 6000 ليرة لبنانيّة.”

الشاويش ومالك الأراضي

زرنا البقاع خلال فصل الصيف، في ساعات الذروة في عمل هؤلاء النساء الشاق. أمضيت أيّاماً معهنّ في السهل ولاحظت وجود سلسلة متكاملة وسلّمٍ تراتبيّ يدخل في عمليّة المحاصيل الزراعيّة يومياً في السهل. هناك مالك الأرض، الشاويش، الوكيل، النساء والفتيات، التّاجر، ثم الأزواج… النساء والفتيات يعملن، وأبراج المراقبة حولهنّ لا تكفّ عن إعطاء الأوامر.

عصام رجل أربعينيّ، يملك أحد السهول. ورث عدداً كبيراً من الأراضي عن أبيه الذي ورثها بدوره عن أبيه. بشرته داكنة بسبب تعرّضه الدائم للشمس. يبدأ العمل من الفجر حتى انتهاء الأعمال بعد الظهر أو مساءً. يتابع عمل الأرض يومياً بكلّ تفاصيله، وعند انتهاء كلّ سهل من محصوله، يشغّل عصام “التراكتور”، يشعل سيجارته، ويبدأ تقسيم الأرض من جديد تحضيراً لزراعتها. عند المغيب، ترتاح السهول من العمل، لتبدأ مرشات المياه بعملها لسقي الأراضي. مسؤوليّات عصام لا تتضمّن التعامل مباشرةً مع النساء والفتيات، بل مع شاويش المخيّم. في هذه الحالة، يعلم مالك الأرض، الشاويش، بعدد “الفعالة” المطلوب لحصادٍ معيّن ليأمّنه في اليوم التالي. بعد الخبرة، أحياناً يطلب عصام من الشاويش أشخاصاً معيّنين لمحصول معيّن، إلّا أنّ الشاويش لا يلبّي الطلب دائماً.

عصام يعمل في الأرض مذ كان صغيراً، فكان يراقب جدّه دائماً وبدأ لاحقاً العمل مع أبيه. في فترة عمل جدّه لم تكن هناك عاملات أجنبيّات، ويقول إنّ التوافد بدأ في فترة عمل أبيه أي في السبعينات، وتطوّر تدريجياً إلى أن وصل اليوم إلى انعدام اليد العاملة اللبنانيّة. اللافت في هذا العمل هو عدم وجود أي أوراق تثبت أيّ من اتفاقات عمل. يقول الشاويش إن التفاهمات تحصل شفهياً وليس هناك شيء مكتوب، وكذلك بالنسبة إلى عصام الذي يعتبر أن الأخلاق هي الأساس في التعامل.

أمّا المتابع الأساسي والمراقب لعمل النساء في السهل، إضافة إلى مهمته في عدّ الشراحي الّتي تملأها كلّ عاملة، فهو الوكيل، الموكل بذلك من قبل الشاويش. هو المشرف الأساسي، والمتابع لكلّ الأعمال على الأرض كما أنه يتأكّد من وصول كلّ خيارة إلى الصندوق، وعلى التي أخطأت أن تعود أدراجها. “لا نرتاح. نتوقّف لمدّة خمسة دقائق للراحة ونعود بعدها مباشرةً. المرّة الأولى الّتي نرتاح فيها خلال النهار تكون عند نحو العاشرة صباحاً ولمدّة خمس دقائق فقط. نشرب المياه سريعاً ولا نتوقّف عن عملنا إلّا إذا سمح الوكيل بذلك”، تقول أمان.

ماذا عن وضع النساء في العمل؟

يقول عصام إنّ “العمل مع النساء صعب جداً، فهنّ لا يساعدن أبداً على تسريع المهمّة بل أحياناً كثيرة يماطلن في العمل “لتتْكِيس” ساعاتٍ إضافيّة. أحياناً كثيرة يلجأ إلى الصراخ، فالوكيل لا يقوم بعمله دائماً. وعندما تحتدّ الأمور، خصوصاً عندما تحصل مشكلة شخصيّة مع إحدى النساء، يتدخّل الشاويش مباشرةً. تقول سناء: “المالكون يصرخون دائماً في وجهنا ويتحدثون معنا بلهجةٍ قاسيةٍ. وإذا حصل أي شيء كالضرب أو الاحتكاك الجسدي، عادةً ما نعود إلى المنزل، ونشتكي للوالد أو الأخ الذي يتعامل مع الشاويش الذي يعود بدوره للتعامل مع المالك أو الوكيل. وأحياناً نلجأ مباشرةً إلى الشاويش الذي يصرّ على تفادي الصراخ أو العنف في التعامل”.

وتضيف: “أسباب الصراخ تختلف وعادةً ما تكون لأسبابٍ بسيطة جداً كعدم “التعشيب” بشكلٍ كاملٍ أو “نظيف” (أي إزالة الأعشاب من الأرض وحول الشتلات). نشعر بأنّ كرامتنا قد أهينت في حالات كهذه، ولكننا مجبرون على السكوت والصمود فنحن مضطرّون على العمل، نريد أن نعيش ولا حلّ بديل، وإذا مش عاجبنا منفلّ وما حدا بيسأل عنّا. أمّا خياراتنا في العمل فمحدودة جداً، ولو كان لدينا أي خيار لما كنّا في السهل اليوم”.

يقول الشاويش إنّ المشكلات عموماً تُحلّ سريعاً بالتفاهم والنقاش ويحرص على ألا يتطور الأمر إلى العنف، ويقول إنّ “ذلك لا يحصل أبداً”. هناك نساء يعارضن هذه الفكرة، ويقلن إنّ مالك الأرض يضرب الفتيات أحياناً.

اليوم الأجور التي تحصل عليها العاملات في الزراعة لم تعد مناسبة لظروف الحياة الراهنة، إلا أن موضوع زيادة الأجور غير قابل للنقاش، خصوصاً أن المزارع اللبنانيّ غير محميّ من الدولة اللبنانيّة، وبالتالي فهو يعيش في خطر عجز وإفلاس دائم. الغلاء شمل الأسمدة، الماكينات الزراعيّة، الفيول، اليد العاملة، مقابل بقاء أسعار الخضار والفاكهة كما هي.

ينعكس هذا الموضوع على اللواتي يعترضن على الأجور فيكون الجواب “إذا رحتي منجيب غيرك وأرخص منك كمان”. على رغم من العمل الصعب، هنّ مجبرات على الصمود والسكوت لتأمين أدنى متطلبات العيش، من ضمنها إيجار أرض الخيمة في المخيّم، التدفئة، الطبابة، الأكل. كما أن أحد العوامل الأساسيّة الّتي تلعب دوراً في دفع النساء إلى هذا العمل الشاق، هو امتناع الرجال عن العمل باعتبار أنّ “شغل الأرض للنساء”، فالرّجال يزاولون أعمالاً مختلفة في البناء والنقليات والشركات، ولا فرص لهم في المجالات الزراعية في لبنان.

درج

——————————————————

كراهية النساء واللاجئين في لبنان/فرح البابا

يحمل شهر آذار هذا كثيراً من الرمزية في تواريخه، من الذكرى التاسعة لاندلاع الثورة السورية، إلى ذكرى قوى 14 آذار، وذكرى قوى 8 آذار التي تصادف يوم المرأة العالمي نفسه.

بعد مرور ما يقارب ستة أشهر على اندلاع الانتفاضة اللبنانية المستمرة حتى اليوم، تجلّت كل هيكليات وأنظمة القمع على سائر الفئات الاجتماعية في أوضح أشكالها. يأتي هذا الانكشاف بعد نضال دام سنوات لتكسير هذه الهيكليات، والتفكير في البديل العادل للجميع. وبعد انقضاء اليوم العالمي للمرأة في لبنان، وبعد كل التحركات النسائية والنِسوية خلال الانتفاضة، ومع كل ما حملته الأشهر الأخيرة من عنصرية وكراهية للـ«أجانب»؛ لا يسعني سوى أن أرى النظام الأبوي والعنصرية تجاه اللاجئين كوجهين لعملة واحدة.

الأصل وكلّ الشواذ تحته

يشبه النظام الابوي كراهية اللاجئين من ناحية تأصيل أو رسم صورة للشخص الأساسي، ثم كل من هم تحته كنسخة غير كاملة عنه. فالرجل هو الأساس في النظام الأبوي، والمرأة والمثليون والعابرون يظهرون كأنهم الشواذ عن الصورة الأصلية؛ تماماً كما تهيمن الهوية اللبنانية على جميع الجنسيات الأخرى في لبنان، من خلال سيطرتها على الموارد، وفي بعض الأحيان السيطرة الحرفية على حياة حملة بعض الجنسيات الأخرى. تحديداً، الخطاب الفوقي تجاه السوريين، الذي كان متواجداً أصلاً قبل الثورة والحرب السورية، قد يكون أبرز تجليات هذه الفوقية التي تحمل الاعتقاد السائد بأن اللبناني مميز من بين جميع أبناء البلدان العربية الأخرى. لقد كبرنا على سماع التهكّمات العنصرية على العمّال السوريين، بالمقدار نفسه من التهكمات الذكورية على النساء والأفراد غير النمطيين، إلى درجة يُمكننا معها اعتبار هذين النوعين من الفوقية والكراهية جزءاً أساسياً من الثقافة اللبنانية المتجذرة في النظام السياسي والاقتصادي القائم على استغلال العمّال الأجانب، السوريين منهم بالأخصّ، الذين بنوا لبنان بعد الحرب، وعلى استغلال عمل النساء المنزلي.

اختزال الأزمات إلى كلمة أو نكتة

في الآونة الأخيرة، ومنذ عدّة سنوات، أصبح روتين حياة اللبنانيين متمركزاً على سماع الخطابات التي تلخّص جميع مشاكل لبنان وانهياراته المتراكمة في كلمة واحدة: السوريون في لبنان. تماماً كما تُلخَّص المشاكل الأسرية من قبل المنظمة الدينية بـ: المرأة، وتحرّرها الزائد بالطبع. وطبعاً، توظَّف اللغة لتنسف تاريخ تسع سنوات، لتأخذ صفة اللاجئ وتستبدلها بالنازح، كي تضفي لمسة «الوكالة الذاتية» المزيفة، إذ أنّ هذه الصفة تعني القدوم إلى لبنان بملئ الإرادة بحثاً عن فرص العمل، أو الوظائف المسروقة كما يسمّيها اليمين اللبناني ممثّلاً برئيس الجمهورية ورئيس تيّاره، وبالعرّاب اللبناني لهذا «النزوح» بواسطة حزبه المقاوم.

من جهة أخرى، تُستَخدم اللغة لتكريس القمع من خلال النكات والمزاح الذي يهدف لتغليف العنصرية والذكورية بغطاء من الفكاهة. فعند ذكر حقوق النساء، لطالما نسمع نكتة «أصبح على الرجل أن يطالب بحقوقه من المرأة»، فيما يواجَه السوريون واللبنانيون الذين يطالبون بالعدالة بنكتة «فلنؤمّن حقوق اللبنانيين من السوريين».

تقييد النشاطية السياسية

يُعاد إنتاج هذين النوعين من القمع من خلال خلق منظومات جديدة، تُحدّد المواضيع والقضايا المسموح التكلّم عنها، وترسم خطوطاً حمراء على كلّ المواضيع الأخرى. فيقال للنساء إنّ قضيّتهنّ ليست أولوية حالياً، لأنّها ليست قضية محبوبة أو ذات شعبية في المجتمع، ممّا سيُبعد كثيراً من الحلفاء المحتملين للمجموعة، وقد يساهم في شرخ الأصوات «المعارضة» للسلطة، باعتبار أنّ القضية تتضمّن المساس بالقوانين الطائفية والأمور العائلية، وهذه ما لا يحبّذه الرجال، أي الشخص اللبناني الأساسي. بالطريقة نفسها، تتجنّب المجموعات مناقشة الأزمة السورية لتفادي الوصول إلى قرار بأخذ مواقف مؤيدة أو معارضة لأحد الأطراف المشاركة في الحرب، ومن ثم تفادي السؤال الأكبر عن الموقف تجاه السلاح اللبناني المشارك، وذلك بُغية عدم استبعاد الأشخاص المشجّعين لمشاركة حزب الله في الحرب السورية، أو المؤيدين لسلاحه كسلاح المقاومة الرسمي، أو الأشخاص الذين لا يتضامنون مع اللاجئين السوريين لكنهم موافقون على أغلب القضايا الأخرى، للمحافظة على علاقات جيدة مع الجميع، وعلى سمعة الشمولية التي تتسع للجميع. هكذا يتم إخماد هذه القضايا والمطالب بحجّة الحفاظ على التحالفات «الاستراتيجية»، لكن على حساب المواقف المبدئية الواضحة والالتزام بالعمل للوصول إلى العدالة الاجتماعية، ليأتي الإصرار على توحيد الجبهات على حساب الأشخاص الذين أصبحوا مُعلَّبين في تابوهات جديدة لا يجوز الاقتراب منها.

قمعٌ يساري بذريعة سياسات الهوية

في الحالتين، تُختزل هذه النضالات إلى سياسات هوية يمكنها الانتظار حتّى تحقيق المطالب الاقتصادية، باعتبار أن المطالب الاقتصادية منفصلة تماماً عن المطالب الأخرى التي تسمّى اجتماعية، وباعتبار أنّ الانتفاضة قائمة على مبدأ الترحيب بالجميع، الذين قد لا يكترثون كلّهم بقضايا الأقليات. وكما يقال للنساء إنّ حقوقهنّ ونضالهنّ نابع من الغرب المستعمر، كذلك يرسم الإعلام اللبناني والجهات السياسية اللاجئين المعارضين لنظامهم بصورة عملاء للغرب المتآمر، الذي ساعدهم على المساهمة في تدمير بلدهم من خلال الثورة، بالإضافة إلى اتّهامهم بالبقاء في لبنان رغبة بالحصول على المساعدات الدولية، والتآمر لتدمير الحضارة اللبنانية بدل العودة إلى بلدهم والمساهمة في عملية إعادة إعماره، التي لم تبدأ أصلاً، والتي لن تطال مشاريع سكن اجتماعي هي بالضبط ما يحتاجه اللاجئون. وطبعاً، ما يجمع هاتين المقاربتين هو الطبقية المبطّنة، التي تفترض أنّ من لا ينتمي إلى الجنسية اللبنانية، ومن ليس رجلاً لبنانياً، لا يعاني من أزمات الاقتصادية بل تقتصر مشاكله على أزمات هويّاتية.

قمعٌ ليبرالي عبر تسطيح النضال

بقدر ما يكره الليبراليون والليبراليات النظام الأبوي الطائفي، نرى كثيرين منهم كارهين للنساء اللواتي لا يُرِدنَ التحرّر عبر الخطوات التي يقدّمونها لهنّ، بالأخصّ فيما يتعلّق باللباس والتحرّر الجنسي. هكذا تنتقل ملكية جسد المرأة من الرجل إلى التيّار الليبرالي، الذي يكرّس نفسه حارساً للحركة النِسوية، لتقرير من هي نِسوية بما فيه الكفاية، ومن لا تزال تقمع نفسها بالإضافة إلى قمع النظام الأبوي: إن كنتِ ما تزالين تريدين ارتداء الحجاب، فأنتِ لست نِسوية؛ وإن كنتِ لا تريدين نشر «ثقافة حقوق الإنسان» عبر مهاجمة النساء المتدينات، فأنتِ منافقة. يتشابه هذا مع خطاب «التنمية» الليبرالي السائد في المنظمات غير الحكومية التي تعمل مع اللاجئين، التي تفرض نفسهاً وليّاً على السوريين لتنمية مجتمعاتهم، من خلال حملات «إنسانية» تسعى إلى «تثقيفهم» وتوعيتهم حول مخاطرهم على أنفسهم: إن كنتم تريدون الاستفادة من الخدمات الطبّية، عليكم التوقّف عن الإنجاب؛ إن كنتم تريدون الاندماج مع المجتمع المُضيف، عليكم تعلّم مهارات معيّنة كي تتشابهوا معهم، وعليكم مناصرة هذه القضايا الاجتماعية. هذا بالإضافة إلى أن إدانتهم للنظام السوري بسبب انتهاكاته المتكرّرة لحقوق الإنسان تأتي مصحوبة بالرفض التامّ لإنصاف السوريين في لبنان، وحتّى مصحوبة أحياناً بالتعبير الصريح عن ضرورة إعادتهم إلى سوريا، باعتبار أن لبنان عليه أن يكون للّبنانيين أوّلاً.

في الحالتين، لا تُسأَل النساء ولا يُسأَل السوريون عن آرائهم، ويتم تسكيتهم بحجّة عدم إدراكهم لمصلحتهم، وتسطيح نضالاتهم وقضاياهم عبر خطاب الفردية، الذي يلقي اللوم على هذه الفئات باعتبارها مساهمة في قمع نفسها، ويعتبر القمع نابعاً من جهلها بدل أن يكون نابعاً من البنى السياسية واليمينية.

فرح البابا: نسوية من بيروت

موقع الجمهورية

——————————————

أبي الذي مات لاجئاً وضاع قبره/ عبد السلام الشبلي

ربما لا يجدر بنا الكتابة عن الأموات كي لا تتألم أرواحهم في تذكرنا القاسي لأيامهم الأخيرة، لكن أبي حالة خاصة، سيكون من الصعب الاستمرار في كتمان معاناته في قلبي طوال العمر، خصوصاً أن ما عاشه خلال سنواته الأخيرة، لاجئاً، ربما سأعيشه طوال عمري القادم وسأموت عليه.

مع اقتراب كل عام جديد، نتهيأ في عائلتنا لإحياء ذكرى وفاة أبي، التي دخلت عامها الرابع مع بداية 2020، لتخبرنا أن العمر يمضي عكس قطار الذكريات الذي يتوقف عند محطة الموت، تلك التي تجمّد كل الحكايات التي نملكها مع المتوفى لتصبح غُرزاً عالقة في أدمغتنا التي تأبى أن تذوبها.

اعتاد أبي خلال سني عمره على رحيل أبنائه العشرة. كان لا يمضي عام دون أن يودع واحداً منهم إلى غربة جديدة يقصد بها رزقه الذي كان قد انقطع من بلدنا سوريا، نتيجة القساوة التي كنا نعانيها مجتمعياً واقتصادياً، في دولة كان كل ما فيها منهوب لصالح الفئة الطاغية.

كان يجلس على كرسيه الذي أتذكره تماماً، مُدّعياً أنه غير معني برحيل فلذة جديدة من فلذات كبده لتصارع الحياة في غربتها، ضامراً دموعه داخل نظرته القاسية التي عرفتُ ضرورتها متأخراً، مكتفياً بنهي أمي البكّاءة عن العويل على أولادها، طالباً منها أن تدعو الله بأن يوفقهم. كانت تلك المواقف تتكرر بشكل شبه سنوي في منزلنا، فإخوتي التسعة وأنا، جميعنا سافر مغترباً، وأبي بصلابته كان يلجأ إلى الله سراً ليوفقنا. كان ذلك أول لجوء حقيقي لأبي.

طوى والدي سِنيَّ عمره حالماً بعودة قريبة لأولاده ليكونوا من حوله مجدداً، أقنعهم بالزواج، الذي اعتقد أنه سيكون بداية لعودة استقرارهم في البلد، لكنهم خذلوه مضطرين، فاغتربوا بعائلاتهم الجديدة معلنين أن الحياة لم تعد ممكنة في شامنا التي كانت، كلما زاد بنا العمر، تضيق بأرضها علينا.

لم تختطفنا الحرب. حين جاءت كان أبي أكثر الآباء فرحاً في سوريا، فبحكم طبيعة الإنسان وغريزته، اطمأن أبي أن أولاده لن يصيبهم مكروه بحكم اغترابهم وهجرتهم. كان فرحه ناقصاً، لأنه لا يستطيع أن يكون معهم، ويحتمي بهم، وهو الكهل الذي وصل إلى سنٍ لم يعد فيه قادراً على احتمال الإهانة، إلا أنه كان مستعداً لأن يبقى لوحده طوال الوقت، شرط أن لا يحدث لأولاده مكروه.

أتذكره حين قال لي، وأنا أعد حقيبتي للسفر خارج البلاد هارباً من احتمال اعتقال، ومطروداً من الجامعة لأني خالفت أحلام الأستاذة الشبيحة نهلة عيسى في أن أكون مثلها، فحقدت عليَّ مُقسِمةً أنها ستسلمني لأقرب فرع أمني حين تراني: «سنهرب جميعاً في القريب العاجل لأننا نواجه قتلة لا يمكن مقارعة إجرامهم».

أتذكر ضحكتي التي أكدت له أنها أشهر فقط وسنعود جميعاً، لنحتفل بالنصر، وأتذكر نظرته اليائسة من أحلامي الوردية، التي أصبحت يائسة بدورها بعد ذلك بسنوات قليلة.

لم يكن أبي قادراً على وداعي، تركني لأخرج صامتاً، حاملاً حقيبتي وأحلامي، دون أن أعي ما قاله لي، أو أعتقد أنه سيذكرني به بعد أشهر قليلة حين اضطرتني ظروف الحرب لأن أخرجه وأمي من البلد، بمساع حثيثة من إخوتي الذين خافوا على أهلهم فقرروا أنه لا بد من النجاة بهم.

قابلتُهُ في مطار القاهرة، كان منكسراً دون بكاء، يمشي بتثاقل خطوات العمر، يتوقف ليرتاح دون أن يحصل على راحته الحقيقية، يتفرج على البلاد الجديدة التي لم يفكر يوما بالمجيء إليها، وهو الذي كان يعتقد أن زيارة لدمشق هي أعظم الغايات، وأن حجاً إلى الكعبة سيكون فضلاً من الله لا يوازيه فضل.

لم يعتد أبي على الغربة، كان يشعر يومياً أن شيئاً ما قد فرض عليه، يلومنا كل يوم على المصير الذي ألقيناه فيه، طالباً العودة إلى مسقط رأسه حمص، وهو الذي لا يعرف أن حمصَ كانت تُدكّ يومياً في ذلك الوقت، وأن ما في عقله عنها لم يعد إلا كومة أحجار مدمرة لمدينة صارت غريبة عن أبنائها.

لم يتابع أبي أخبار الثورة والحرب التي تبعتها بعد ذلك، وهو الذي كان يجلس يومياً ليمارس عادته في مشاهدة نشرة أخبار الثامنة والنصف مساء. ربما لم يعد يجد نفعاً في الأخبار. كان يفضل أن يجلس بهدوء كي يبتعد عن كل ما يؤذيه نفسياً، خصوصاً أنه صار من الآن فصاعداً لاجئاً يحمل كرتاً أصفر يشبه الأيام الصفراء التي نعيشها، يعيش في منزل مُستأجر، ولا يعرف لهجة المصريين التي يسمعها من شرفة المنزل.

كان إحساسه بالغربة عميقاً، يضمر جسده كل يوم. لا يشاهد من البلاد التي أتاها غير الشارع الذي سكن فيه، يسترق السمع إلى الباعة الجوالين، محاولاً إضفاء المرح على بعض حياته عبر تقليد لهجتهم دون أن يُتقنها، أو يعرف معنى كلمة مثل «روبابيكا» التي ينادي بها باعة الأشياء المستعملة في الشوارع المصرية.

تمضي السنوات، ويمرض أبي قبل سنة من موته. كانت الوعكة التي أذنت ببداية النهاية. صحيحٌ أنه لم يمت حينها، لكنه خسر الكثير من نفسه في المستشفى التي عومل فيها على أساس أنه لاجئ، فوُضِعَ في غرف الدرجة الثانية، وأُهمل حتى وصل إلى حافة الموت، وأنقذه صراخي في وجه الأطباء الذين خافوا من الفضيحة فنقلوه إلى غرفة أفضل، ومعاملة أكثر إنسانية.

عاد أبي إلى المنزل بعدها. كان يشعر للمرة الأولى أن الحياة هنا أكثر صعوبة، خصوصا وأن أبناءه العشرة، الذين ادخرهم لمثل هذه الأيام، لم يستطيعوا أن يأتوا إليه في مصر، التي صارت تحتاج لتأشيرة دخول لا يمكن الحصول عليها للسوريين.

كان المرض يأكل من جسده، إلى أن جاءت تلك الساعة التي لم يعد هناك ما يؤكل فيها، ليأكل الموت روحه بعد 23 يوماً من المعاناة في مستشفى لم يكن يستطيع التفاهم فيه مع مراقبيه في العناية المركزة بسبب اللهجة المحكية التي خانته مجدداً.

مات أبي ودُفن في ليل بارد من ليالي يناير القاسية. لا شواهد للمقابر هنا، هي أرقام توضع للموتى المدفونين في مقابر المسلمين العمومية.

وُوري الثرى، ومنحنا حارس المقبرة رقماً لكي نزور القبر فيه كلما أردنا، محذراً إيانا ألا نأتي فرادى لأن المقبرة تمتلئ بالبلطجية في كل الأوقات.

أخبرتُ صديقاً لي قبل أيام أني أريد زيارة قبر أبي، أخذني بسيارته، دخلنا المقبرة التي امتلأت بآلاف القبور، مضيتُ إلى الحارس الذي تغير خلال الأعوام الماضية عن الذي استقبلنا أول مرة، سألته عن الرقم فأشار بيديه أنه لا يعرف، مكملاً ببرود أن عليَّ البحث.

مشيتُ قليلاً بين القبور. الأرقام ضائعة عن الكثير منها. لا أحد يكترث بالموتى هنا، لاعتقاد أن الذين باتوا تحت الأرض هم أكثر راحة من الذين فوقها.

بحثتُ لساعة من الزمن، يئستُ من إيجاد القبر الذي تمنيت أن أراه، لأكتب على أحجاره «هنا يرقد أبي الذي مات لاجئاً».

موقع الجمهورية

————————————–

من إدلب إلى دمشق ومروراً بمطار دبي… ثلاثة مشاهد عن التماس الأمل/ زينة قنواتي

“إننا محكومون بالأمل. وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ”

– سعد الله ونوس

المشهد الأوّل: إدلب

ترفع هالة سماعة الهاتف لتحدثني اليوم أيضاً من إدلب، وبشيء من الأمل، بعد أن عانت النزوح مع أربعة أطفال وزوج، تقول إنهم جميعاً يحتاجون صبرها وثباتها، كي يكونوا أقوياء ليوم آخر.

تخبرني بأنها اليوم ترى شمساً خلف الغيوم الملبدة، وبأنها ستصحب أطفالها نحو المرج القريب كي يلعبوا، وسوف يأكلون بعدها فلافل من الدكان القريب، وسوف يأملون أن يمر يوم آخر بسلام، وأن يكونوا بمنأى عن أي قصف مفاجئ أو استهداف عسكري.

هالة التي نزحت من مدينة سراقب نحو مدينة الباب مع عائلتها، لا تتمكن من النوم ليلاً، تستيقظ مرات عديدة وهي تصرخ: سراقب… سراقب… سراقب…

تبكي بحرقة على مدينة مفقودة، تقول إنها أضاعت مدينتها وطفولتها وبيتها، وتأتي صور منزلها المنهوب لتكمل الفاجعة. لكنها اليوم تبحث عن الأمل في نزهة قصيرة، في حاجة الجميع لها، وفي القدرة على الاستمرار والنهوض.

تجد النساء في إدلب أنفسهن اليوم أقوى وأمتن عندما يقفن معاً، ويتبادلن الحكايا والمُصاب، ويبدو أن المصيبة الجماعية تخفف من حدة الصدمة، وتؤمّن بعض المداواة لجروح لا يمكن أن تلتئم قريباً.

سمر هي جارة هالة التي تُعنى بأبناء أخيها الثلاثة بعد وفاته. بدأت تبحث لهم عن مدارس جديدة كي يبدؤوا حياة مستقرة. سمر دقت أبواب الجارات جميعاً في مدينة الباب حولها، كي تسأل عمّن يحتاج غطاء، قبعة أو ملابس صوفية، وبدأت تلبي طلبات الحياكة، وتحصل على دخل محدود تؤمن به ما يمكن من خبز أو حاجات يومية بسيطة.

سمر التي نهضت للتو من تهجيرها القسري الأخير، تعلمت أن تشغل وقتها، وأن تحمل أملاً بمستقبل أفضل، بحياة مستقرة ومنزل وعائلة. يبدو أن الأمل يمكنه أن يتسرب من أحلك الأماكن ظلمة.

“دفنت عائلتي بأكملها في قبر واحد”… من مشهدية الغوطة الشرقية إلى واقع إدلب

أخشى أن أقترب من عمر أقول فيه إنني قضيت نصفه خارج دمشق

اليوم الأوّل في مخيم للاجئين في ألمانيا… كان أشبه بالعقوبة العسكرية

أرسلت لي صور منزلها “المعفش” بحرقة… “تمت سرقة كل شيء. لم يبقَ هناك منزل لنا”، قالت.

ولكنها تؤكد بأنها مستعدة أن تعود إليه ولو بقي فيه جدار واحد فقط. سمر تريد أن تموت في سراقب، في مساحة من الأرض تُسمى بيتها، في مكان غرست فيه ثمار جهدها، فأقامت بيتاً دافئاً.

المشهد الثاني: دمشق

تنتظر ليلى وفادية وسحر وسناء، لقاءهن الأسبوعي مساء الأربعاء، كي يتبادلن صور الأحفاد والأبناء المسافرين في منافٍ مختلفة.

ليلى: “مو معقول حفيدتي شو حلوة وذكية، صح أخذت عيون أمها الألمانية الزرق، بس بالذكا طالعة لابني”.

فادية: “يا حبيبتي يا سُها، مو عاجبها شي كل يوم بتدقلي عم تبكي بتقلي ما عندها رفقات ولا حدا بيحكي معها، عنصرية فظيعة، مانها مبسوطة بالجامعة ولا بالسكن، كل يوم قلبي بيتقطع عليها”.

سحر: “الصبح حكاني إياد ساعة، إله خمس سنين ما بيقطع نهار من دون ما يتصل، إذا يوم واحد غاب مدري شو بصرلي. قلب الأم دليلها، هداك اليوم تأخر بالتليفون حسيت حالي رح جن، اتصل فيني بعدين طلع علقان بمحطة القطار قال في هجوم إرهابي، ممنوع يتحركوا. صار يضحك ويقلهم أنا جاي من سورية ما في شي بخوفني”.

سناء: “الحمد لله بناتي التلاتة مع بعض صاروا ببيت واحد، رلى سحبتهن كلهن لعندا، بس باقي فارس لحاله بغير مقاطعة، الله يجمعهم يا رب، بس بدي ياهن يكونوا مع بعض، الله لا يفرقهن متل ما فرقنا”.

ينقطع التيار الكهربائي فجأة.

يبدأن بارتداء معاطفهن، وتقول سحر: “يالله كل وحدة عَ بيتا هي قطعوا الكهربا، حاجة تقعدوا وتتذكروا، ما حدا سائل فينا”.

يضحكن جميعاً ويغادرن، وتبقى سناء وحدها في المنزل، تفكر ببناتها الثلاث وبابنها الوحيد. تتمتم: “الله لا يفرقهن متل ما فرقنا. الله يجمعهن ويجمعنا”.

تمسح كل منهن دمعة صامتة في الطريق إلى البيت، وتبدو دمشق مدينة سوداء حالكة.

لا شيء يبعث الأمل كما يبعثه لقاء يوم الأربعاء المسائي، لأربعة أمهات من دمشق.

المشهد الثالث: مطار دبي

تشتري نور المقيمة في الإمارات تذكرة حقيقية لن تستعملها، لم يبقَ لديها سوى أمل وحيد بلقاء والدتها المريضة، قبل أن تغادر الأم إلى كندا عند ابنها الأكبر، عليهما أن تلتقيا في منطقة العبور في مطار دبي، حيث تتوقف الأم لساعتين هناك في طريقها إلى كندا، وحيث تدخل نور المنطقة ذاتها بتذكرة سفر لن تستعملها.

ساعتان فقط بعد سبع سنوات فائتة، وربما سبعة أخرى، أو ربما لن يكون هناك مرة أخرى.

تعود نور أدراجها بعد اللقاء دون شعور كافٍ بالامتلاء، تقول إن هذا اللقاء لم يكن كافياً وبأنها الآن تشعر بألم أكبر.

تمسح نور دموعها سريعاً في الطريق لإحضار أولادها الثلاثة من المدرسة. لا تخبر أحداً عن سرها، عما يمكن أن تبذله مرة ثانية كي تلتقي أمها.

خاتمة

تنقسم الرحلة السورية إلى عدة فصول وطبقات، البعض يعيش حرباً ضارية، البعض يعيش حياة آمنة، البعض لا زال يبحث عن حياة يريدها. ويتسرب الأمل من مكانٍ سحري ما، كي يبقوا جميعاً هنا.

أولئك الذين لم يتسرب إليهم الأمل، استسلموا سريعاً. أولئك اختاروا الرحيل.

رصيف 22

——————————————

رحلة تفصيلية بطعم البارود على طريق دمشق ـ حلب

«الشرق الأوسط» تنطلق من «دوار الموت» إلى العاصمة السورية

باستثناء لوحة حجرية تحتفي باتفاق التآخي بين مدينتي حلب السورية وغازي عنتاب التركية، لم يبقَ في دوار الليرمون شيء من دون آثار للقصف والغارات… وحتى الرصاص متوسط العيار. بضع كلمات، تشير إلى توقيع «اتفاق التآخي» في عهد محافظ حلب الأسبق أسامة عدي عام 2005 في وقت بلغت فيه علاقات دمشق بأنقرة شهر عسل سرعان ما تبدل جذرياً بعد ربيع 2011.

بعض الشظايا، عطلت المرور على مساحة واسعة من الدوار الرئيسي شمال حلب. تكمل شاحنة صغيرة مغلقة تهشمت واجهتها بقذيفة صاروخية إغلاق ما بقي من المستديرة الواسعة. وعلى رصيف الطريق الصاعدة شمالاً، تميل شاخصة طرقية زرقاء اللون جراء إصابة عارضتها المعدنية. بقيت الإشارات صامدة رغم كل ما جرى في منطقة تعد خط تماس. تشير الشاخصة إلى تركيا والحمام وجنديرس وعفرين وأعزاز وتل رفعت، وهي مناطق باتت خارج سيطرة الجيش السوري منذ سنوات. لكنها تستحضر أياماً من الرخاء الاقتصادي وحركة انسيابية كانت تقود إلى غازي عنتاب في رحلات يومية نشطت بعد توقيع اتفاق التجارة الحرة بين البلدين ورفع القيود على حركة الأفراد بالاتجاهين.

إنها الساعات الأولى صباحاً بعد الإعلان رسمياً عن انسحاب الفصائل المسلحة من دوار الليرمون وظهرة عبدربه وكفر حمرا وحيان وحريتان وعندان بالتوازي مع انسحابات أخرى على المحور الغربي للمدينة باتجاه جمعية الزهراء ومحيطها. نسمات باردة تلفح الوجوه رغم أشعة الشمس المخادعة. صمت مهيب يقطعه من حين لآخر مرور عدد قليل من السيارات المدنية، شقت طريقها بحذر على طريق الإياب المقبلة من الشمال إلى حلب، وقد تحولت إلى ممر بالاتجاهين بسبب إغلاق طريق الذهاب المزروعة بمخلفات حربية تحتاج إلى جهد هندسي.

شقت السيارات، ومعظمها لصناعيين وأصحاب بيوت غابوا عنها منذ 9 سنوات، طريقاً صعبة جراء الحواجز البيتونية وانعطافات إجبارية باتجاه طرق ترابية موحلة من محيط دوار شيحان إلى الليرمون. محظوظون من وصلوا إلى هذا الدوار في هذا التوقيت المبكر. لا يخلو الأمر من المغامرة، خصوصاً أن مئات المنشآت والورشات الصناعية لم يتم مسحها بشكل كامل خلال تلك الساعات. مرت تلك السيارات على حواجز ضخمة للجيش السوري التي تشكل جزءاً من ذاكرة الحرب في حلب. متاريس ترابية فتحت فيها مسارب للعبور باتجاه طرق فرعية سارت عليها السيارات.

يلوح مدنيون بأيديهم إلى عدد قليل من الجنود السوريين وقفوا على طرف الطريق للتدقيق في هويات الداخلين. السرعة في انسحاب الفصائل فرضت إجراءات مستعجلة في معالجة قذائف وعبوات وألغام لم تنفجر بعد. بعض المباني ومعظمها شبه مدمر منع الاقتراب منها بانتظار تفتيشها. في الأفق حجم دمار هائل يبدأ من الأبنية التي يتحصن فيها الجيش السوري جنوب الدوار وتشكل خط مواجهة مع الفصائل المسلحة المتمترسة في ظهرة عبدربه وصالات الليرمون، فيما تدل عشرات القذائف المنغرسة في أسفلت طريق الكاستيلو المتعامدة من جهة الشرق مع الليرمون على اشتباكات عنيفة مرت على المنطقة. نبتت أعشاب خضراء على طرفي الرصيف، فيما انتشرت شظايا معدنية صغيرة على مسافات واسعة من الطريق المقطوعة بشاحنتين مدمرتين تشكلان متراساً ضخماً على بعد مئات الأمتار من الدوار.

آثار المعارك تبدو أكثر وضوحاً باتجاه قصر العدل (غرب). أبنية مدمرة على مد النظر بالاتجاه الغربي. بقايا آليات تعطلت أو أصيب سائقوها ولم يكملوا طريقهم، أحد البلدوزرات باتجاه ظهرة عبدربه تحول إلى ما يشبه التمثال، وقد أتى الصدأ على أجزاء كثيرة غطت على لونه الأصفر.

مشهد يستوقف العابرين شمالاً في رحلة اكتشاف ما بقي من مصانعهم ومزارعهم في كفر حمرا وحريتان خصوصاً. نظرات ذهول لا تخفيها الابتسامات الصفراء وإلقاء التحية على الجنود الذين أخذوا بتنظيم المرور ومرافقة مصورين صحافيين وصلوا للتو إلى تلك المنطقة.

بدت واجهة المباني من ساحة الليرمون باتجاه الجنوب شاحبة منهكة. مئات البراميل المملوءة بالأتربة شكلت سداً منيعاً أمام أي خروقات للمسلحين. تلقت المنطقة آلاف القذائف والهاونات على مدى سنوات. يقول أحد أصحاب الورش الصناعية وقد ترجل من سيارته مذهولاً من حجم الدمار: «كل شيء يتعمر المهم رجعنا. الحمد لله على سلامتكم».

على بعد مئات الأمتار من متراس آخر بين صالات الليرمون وكفر حمرا، بقايا بناء ضخم كان أحد أهم مولات حلب قبل الحرب. تحول «مول كارفور» الذي شكل ملتقى العائلات الحلبية قبل الحرب إلى خراب. آثار غارات جوية تظهر على طبقاته العليا فيما حوّل المسلحون أقبيته إلى مقرات لهم. على مدخله الرئيسي متاريس ضخمة مملوءة بالرمل. وفي داخله شعارات لألوية مسلحة محلية وأخرى لمسلحين جاءوا من درعا وريف حمص الشمالي ضمن تسويات عام 2018. تتكرر الصور بمصفوفات متتالية ومتشابهة بين تخريب وتدمير ونهب للمصانع التي شكلت العمود الفقري لاقتصاد المحافظة.

بحسب أرقام رسمية، استعادت الحكومة السورية أكثر من 1600 منشأة ومصنع خلال العملية العسكرية الأخيرة تتوزع بين أرياف حلب الشمالية والغربية والجنوبية، وهي تشكل 40 في المائة من القطاع الصناعي السوري.

بعض المصانع والورشات تم تأمينها في الزربة ومحيطها (جنوب)، ضمن عملية تأمين طريق دمشق – حلب. الإعلان عن تأمين الطريق في 14 فبراير (شباط)، شكل التطور الأهم في عملية عسكرية انتقلت إلى ريف المحافظة الغربي ثم الشمالي وفرضت تقهقراً متسارعاً للفصائل المسلحة.

– من المعرة إلى حلب

يروي الأوتوستراد من معرة النعمان إلى مدخل حلب بعض حكايا 9 سنوات من الحرب. مسافة لا تتعدى 80 كلم تصطف حولها عشرات القرى والبلدات الوادعة بين ريفي إدلب وحلب الجنوبيين. أعلن الجيش السيطرة على المعرة في 28 يناير (كانون الثاني) الماضي. تاريخ شكل نقطة انطلاق للجيش بدعم جوي روسي لاستعادة منطقة مترامية الأطراف حتى الوصول إلى مدنية حلب عبر الأوتوستراد السريع الذي بات يعرف بـ«إم 5».

لا دمار واسعاً على امتداد الأوتوستراد الذي يشكل جزءاً من ذاكرة السوريين وأهالي المنطقة الشمالية خصوصاً. غطاء نباتي أخضر يكاد لا ينتهي يبدد آثار المعارك وأصوات اشتباكات في العمق الغربي باتجاه جبل الزاوية وأطراف سراقب الغربية. تفرض لوحات طرقية سوداء اللون حضورها وسط تلك اللوحة الساحرة لسهول وهضاب تريح أعين الناظرين، لوحات تظهر سيطرة الفصائل على كامل المنطقة، فيما استثمرت «جبهة النصرة» لوحة عملاقة كانت فيما مضى تعلن ترحيب حلب بالضيوف إلى شعار الجبهة بلون أبيض على خلفية سوداء.

لم تتضرر الطريق جراء المعارك. دمار كبير في مدن مررنا بها خصوصاً خان شيخون ومعرة النعمان. مدينتان بدتا شاحبتين دون أي مظهر مدني، وحدها الحواجز العسكرية للجيش تتوزع على مسافات قريبة نسبياً على طول المسافة بين شمال حماة وحتى مدخل حلب. عند بلدة حيش، جنوب المعرة تمنع نقطة تركية إكمال المرور على الأوتوستراد تفرض على الجميع انعطافاً ضمن طريق فرعية ضمن بساتين الزيتون قبل العودة إلى الأوتوستراد. يلوح العلم التركي من مسافة بعيدة بالطريقين الذهاب والإياب يقابلها على بعد عشرات الأمتار حاجز للجيش السوري يدل العابرين على قلتهم بتحويل طريقهم عن النقطة.

الزربة وكفرجوم وكفرناها وأبوشيلم وخان العسل، بلدات تتوزع على طول الأوتوستراد داخل الحدود الإدارية لحلب. روائح البارود تملأ الجو باتجاه كفرناها جنوب غربي حلب. أصوات عربات مدرعة تسير على طرق فرعية قرب الأوتوستراد تشير إلى الاقتراب من جبهات القتال. لا سيارات مدنية تعبر الطريق؛ بضع فانات مغلقة يقودها جنود وعربات عسكرية تسير بسرعات كبيرة، ينعطف بعضها غرباً نحو كفرناها وخان العسل وأخرى باتجاه محور الأتارب و«الفوج 45». على بعد كيلومترات قليلة، يظهر حجم دمار رهيب في ضاحية الأسد والراشدين في دلالة على عنف معارك بعضها يعود إلى سنوات مضت، فيما تعطي متاريس ضخمة على محيط أكاديمية الأسد للهندسة العسكرية شعوراً بالرهبة لما عاشته المنطقة طيلة سنوات.

المرور أمام الأكاديمية ثم منيان إلى الطرف الغربي من الطريق، يعلن بالفعل أن طريق حلب باتت آمنة باتجاه دوارها الواسع المعروف بـ«دوار الموت»، باتجاه دمشق ثم حدود الأردن في وقت لا تزال فيه المعارك تدور حول سراقب، في صراع على الطريق الأخرى المعروفة بـ«إم 4» بين حلب واللاذقية.

الشرق الأوسط

————————————————

تواطؤ أوروبي ضد اللاجئين على الحدود التركية اليونانية/ فراس حاج يحي

، إن لم تتحرك دول العالم الحر للشروع بحل سياسي عادل في سوريا، سيبقى هؤلاء الملايين في تركيا، وفي سوريا على الحدود التركية قنابل موقوتة لا يعلم أحد متى ستنفجر

ما زالت الصور والفيديوات المؤلمة تصل من الحدود التركية- اليونانية حيث لاجئون عالقون بأسوأ الظروف، تحاصرهم المعاملة اللاإنسانية من حرس الحدود والشرطة وخفر الساحل اليونانيين.

وجل ما تفرزه هذه المشاهد صدمة لكل عامل وناشط في الحقل الحقوقي والإعلامي، فيسأل، هل هذا نموذج حقوق الإنسان والحرية التي نناضل لأجلها؟ وهل هذه هي القيم الإنسانية التي تتبناها الأنظمة الديموقراطية الأوروبية؟ إنها ازدواجية معايير أوروبية مستهجنة حيال أزمة اللجوء السوري بحسب الدولة التي يلجأون إليها، فهذه الدول تطالب بحقوقهم عندما يكونون بعيدين من حدود القارة الأوروبية، وتعتبرهم خطراً يجب التصدي له بكل الوسائل عندما يطرقون أبوابها. ولم يتوقف الموقف الأوروبي المتناقض عند هذا الحد من اللامعقولية بل تعداه إلى مكافأة الحكومة اليونانية والتعبير عن دعمها بما يقوم به من انتهاكات بحق هؤلاء اللاجئين، فالمهم ألا يصلوا إلى الأراضي الأوروبية، بأي وسيلة وطريقة كانت، فهل الغاية تبرر الوسيلة؟

كيف بدأت الأزمة؟

يعتقد البعض أن الأزمة الحالية بدأت إثر إعلان الحكومة التركية في 27 شباط/ فبراير الجاري أنها لن تمنع طالبي اللجوء والمهاجرين من مغادرة الأراضي التركية للوصول إلى الاتحاد الأوروبي، ليصل المئات إلى جزر بحر إيجه، ويصل الآلاف منهم وبينهم سوريون إلى الحدود البرية بين اليونان وتركيا.

ولكن ما تعتبره الدول الأوروبية خطراً بوصول آلاف اللاجئين إلى أراضيها سبق هذا التاريخ بكثير، وهو نتيجة طبيعية لسياسة الاتحاد الأوروبي في تعاملها مع الملف السوري سياسياً، وذلك عبر تخليها عن دورها ومسؤوليتها الدولية بوقف الحرب التي يشنها الحلف الروسي- الإيراني- السوري ضد المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد، وجمع مئات الآلاف من المناهضين لحكم الأسد في شمال سوريا، على الحدود السورية- التركية ومع تقدم قوات النظام أصبح حلم هؤلاء الوصول الى أوروبا هرباً وخوفاً من سيطرة الأسد والعودة إلى رحمته.

يأتي ذلك في غياب أفق لحل سياسي شامل وعادل للمسألة السورية، بعدما تراخت دول الاتحاد الأوروبي في الدفع به عبر مسار جنيف بما تملكه من قوة سياسية وديبلوماسية في مجلس الأمن، يضاف إلى ذلك وجود أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون سوري مقيمين في تركيا وقسم لا بأس به منهم لن يعود الى سوريا في حال استكمل نظام الأسد إحكام قبضته على كامل التراب السوري، وبهذا يصبح قسم كبير من هؤلاء مشاريع مهاجرين يحلمون بحياة جديدة في أوروبا.

أمام هذه الأسباب جاء الانفجار الكبير الذي ولد هذه الأزمة متمثلاً بانطلاق الحملة العسكرية الروسية الأخيرة مطلع العام الحالي للسيطرة على محافظة ادلب، ونزوح أكثر من مليون ونصف المليون مدني سوري باتجاه الحدود التركية، مع فقدان الأمل لدى ملايين السوريين من تحرك دولي لإيقاف المجزرة المفتوحة بحقهم منذ 9 سنوات، فاختار كثيرون منهم مغادرة تركيا، ومن نزح إلى الحدود يحلم بدخول تركيا ومنها إلى أوروبا.

الموقف التركي

تركيا التي يقيم فيها ما يزيد عن 3 ملايين سوري، والتي تستضيف العدد الأكبر منهم، تخشى من موجة لجوء جديدة آتية من إدلب لقرابة مليون ونصف المليون سوري هجروا خلال شهرين بعد العملية العسكرية الأخيرة للأسد وحلفائه. وبذلك تعتقد الحكومة التركية أنها تتحمل عبء المسألة السورية على عاتقها نيابة عن المجتمع الدولي، وتخشى من وصول هذه الأعداد الجديدة الكبيرة من السوريين الى تركيا، وما سيحمله ذلك من انعكاسات على الداخل التركي، وبخاصة حكومة “حزب العدالة والتنمية” إثر غليان الشارع التركي بعد مقتل عشرات الجنود الأتراك شمال غربي سوريا بنيران قوات الأسد وحلفائه.

لذا كان قرار الحكومة التركية الضغط على الاتحاد الأوروبي عبر الدفع بعشرات آلاف اللاجئين إلى الحدود مع اليونان أملاً بانتزاع تنازلات منه، للوفاء بالالتزامات المالية التي تم الاتفاق عليها عام 2016، وللحصول على دعم سياسي وربما عسكري أوروبي أكبر في مواجهة الطموح الروسي في سوريا، وربما وصولاً إلى منطقة آمنة على طول الحدود التركية- السورية بعمق 30 كلم، لاحتواء هؤلاء اللاجئين وتشكيل حاجز بشري بين أكراد تركيا وأكراد سوريا.

يحرص الاتحاد الأوروبي على منع وصول موجة لجوء جديدة إلى أراضيه شبيهة بأزمة عام 2015. وفي هذا السياق، صرّحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين بأن الاتحاد سيقدم لليونان “كل الدعم اللازم” لمساعدتها على مواجهة تدفق اللاجئين، متابعة أن “من يسعون إلى اختبار وحدة أوروبا سيخيب أملهم”، لافتةً إلى أن الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود “فرونتكس” مستعدة لمساعدة أثينا على نشر قوات على الحدود.

وزير الداخلية  الألماني هورست زيهوفر، أعلن في تدوينة له بالعربية، أن “حدود أوروبا ليست مفتوحة أمام اللاجئين من تركيا”. وجاء الموقف ذاته من فريدريش ميرتس، من حزب ميركل الذي قال: “يجب إرسال إشارة واضحة للاجئين في تركيا أنه ليس هناك جدوى من القدوم إلى ألمانيا… لا يمكننا استقبالكم هنا”.

في 1 آذار/ مارس 2020، قرّر “مجلس الأمن القومي الحكومي” اليوناني تعليق الاستفادة من نظام اللجوء لمدة شهر للأشخاص الذين عبروا الحدود بشكل غير منتظم، وهو إجراء ليس له أساس قانوني أو مبرر. كما عززت الحكومة اليونانية حدودها بالشرطة والجيش والقوات الخاصة، وطلبت مزيداً من الدعم من “الوكالة الأوروبية للحدود وخفر السواحل” (فرونتيكس)، فيما اعتبر رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس أن الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا للحد من الهجرة بات في حكم “الميت”، متهماً تركيا بأنها تساعد على تدفق آلاف المهاجرين على الحدود.

 واقع مرير على الحدود وانتهاكات

أمام هذه التجاذبات السياسية بين تركيا من جهة واليونان والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، تحولت قضية اللاجئين العالقين بينهما إلى ورقة ضغط وابتزاز سياسي متبادل، تنافي المبادئ الإنسانية والأعراف الدولية، لترتكب القوات اليونانية انتهاكات بحق هؤلاء اللاجئين لا تعد ولا تحصى لعل أبرزها بحسب منظمتي “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”:

– أعلنت اليونان أنه من تاريخ 2 آذار ستجري قواتها المسلحة مناورات بالذخيرة الحية بالقرب من حدود إفروس البرية وبحر إيجه. وتجمع آلاف الأشخاص على الحدود البرية والبحرية لتركيا مذ أعلنت السلطات التركية، في 28 شباط، أنها ستتوقف عن منع الناس من العبور هناك.

– إطلاق الأمن اليوناني قنابل الغاز من دون تمييز على الحشود لمنعهم من العبور، واستخدم خراطيم المياه والقوة المفرطة  لتفريق اللاجئين والمهاجرين متسبباً بحالات اختناق، وانتشرت صور توثق آثار الضرب الذي تعرضوا له على يد الأمن اليوناني بعد تجريدهم من ملابسهم وطردهم.

–   في 2 آذار، انتشر فيديو في وسائل التواصل الاجتماعي يظهر على ما يبدو رجلاً سورياً من حلب يقول إنه قُتل برصاصة مطاطية أطلقها حرس الحدود اليوناني أثناء محاولته العبور إلى اليونان بصورة غير منتظمة، فيما أصيب لاجئ سوري آخر بقنبلة غاز استهدفت عينيه ليفقد البصر على اثرها ويعاد إلى أهله في مدينة غازي عينتاب التركية.

– في حادثة أخرى صورتها الكاميرات وتحدثت عنها قناتا “بي بي سي” و”الجزيرة” وغيرهما من وسائل الإعلام، شوهد حرس السواحل اليونانيون وهم يطلقون النار في البحر قرب زورق مهاجرين، ويدفعونه، وهم يحاولون إجباره على العودة إلى تركيا باستخدام قارب سريع يحمل على ما يبدو رجالاً ملثمين.

– ظهرت تقارير مفزعة عن أعمال عنف أهلية ضد العاملين في المجال الإنساني، والصحافيين، والمهاجرين، وطالبي اللجوء في ليسبوس منذ 29 شباط.

– يمنع بعض السكان المحليين الحافلات من نقل الوافدين الجدد إلى مرفق النقاط الساخنة الحكومي لطالبي اللجوء والمهاجرين، بينما أفاد ناشطون محليون بأن رجالاً يحملون مضارب وسلاسل يتجمعون في الشوارع المؤدية إلى مخيم موريا للاجئين. في 1 آذار، اشتعل حريق مفتعل في منشأة مهاجرين خالية في الجزء الشمالي من الجزيرة، بحسب عاملين في المجال الإنساني شاركوا معلومات على وسائل التواصل الاجتماعي. ودمر حريق مستودعاً تستخدمه مجموعة غير حكومية في جزيرة خيوس في 2 آذار.

هذه لمحة صغيرة عن الانتهاكات بحق هؤلاء اللاجئين الذين دفعتهم الحروب والدمار للهروب من النزاع والاضطهاد في بلادهم، للبحث عن طريق إلى حياة جديدة وبدل أن تكون حماية أرواحهم وضمان سلامتهم أولوية لدى المجتمع الدولي تحولت مأساتهم الى ورقة على طاولة الابتزاز والاتفاق السياسي. ولكن يبقى الأهم الانتهاك اليوناني الجسيم للمعاهدات والمواثيق الدولية المتعلقة باتفاقية الأمم المتحدة للاجئين، الذي تتحمل مسؤوليته الحكومة اليونانية التي استخدمت المادة 78(3) من معاهدة أداء الاتحاد الأوروبي في هذا الصدد، “وهذا البند يسمح باتخاذ تدابير موقتة من قبل المجلس، بناءً على اقتراح من المفوضية وبالتشاور مع البرلمان الأوروبي، في حالة مواجهة واحدة أو أكثر من الدول الأعضاء لحالة طوارئ تتميز بتدفق مفاجئ من مواطنين من بلدان ثالثة”. إلا أن ذلك لا ينفي الحق المعترف به دولياً والمتمثل في طلب اللجوء ومبدأ عدم الإعادة القسرية والذي تم تأكيده أيضاً في قانون الاتحاد الأوروبي. كما أن الحكومة اليونانية تخالف اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بوضع اللاجئ وقانون اللاجئين في الاتحاد الأوروبي التي وقعت وصادقت عليهما، وبذلك “لا توفر أي أساس قانوني لتعليق تلقي طلبات اللجوء، كما يعترف “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” و”ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي” بالحق في طلب اللجوء.

وأمام هذا الجرح المفتوح المسمى سوريا والذي سيبقى ينزف دماً ولاجئين، إن لم تتحرك دول العالم الحر للشروع بحل سياسي عادل في سوريا، سيبقى هؤلاء الملايين في تركيا، وفي سوريا على الحدود التركية قنابل موقوتة لا يعلم أحد متى ستنفجر وإلى أي مدى ستتحمل هذا الضغط اللامعقول الممارس بحقها، فإن بقيت مكانها ينتظرها الموت قصفاً، وإن فكرت بالرحيل للبقاء تقابلها حدود مغلقة ومعاملة لا إنسانية مهينة، في عالم نعرَّفه بالعالم المتحضر.

درج

==========================

تحديث 21 أذار 2020

—————————–

منفيون على ضفاف البوسفور/ مهنّد الحاج علي

أصبحت اسطنبول ملاذاً لعدد كبير من الجاليات العربية، ولكن الأساليب الكوزموبوليتانية في المدينة تُحدث أيضاً تغييراً لدى هذه الجاليات.

“إسطنبول تجمع نساء الجاليات العربية احتفاء بيوم المرأة العالمي”، هذا ماورد في العنوان الرئيس لـمقال نشرته مؤخراً وكالة الأناضول عن لقاءٍ عُقِد في الآونة الأخيرة في المدينة التركية وضمّ عشرات النساء السوريات والفلسطينيات والمصريات.

يختزل العنوان الدور المتنامي الذي تؤدّيه اسطنبول في المشهد السياسي والثقافي العربي. فمنذ الانتفاضات العربية في العام 2011، استقطبت المدينة جاليات كبيرة من بلدان عربية كبرى، وقد غادر هؤلاء أوطانهم بسبب الأنظمة القمعية أو الأجواء السياسية والاقتصادية غير المستقرة. تُقدّم اسطنبول مساحة مدنية لأشكال مختلفة من الحراك السياسي وأمثلة عدّة عن التفاعل العربي. وبات مئات آلاف السوريين والعراقيين واليمنيين والليبيين والمصريين واللبنانيين يشكّلون جزءاً من النسيج الاجتماعي للمدينة. تستضيف اسطنبول حضوراً عربياً جامعاً له حياته الخاصة.

تُشير أحد التقديرات إلى أن نحو 700000 عراقي يعيشون في تركيا، ووجهتهم المفضّلة هي اسطنبول. تضم المدينة خمس مدارس عراقية من أصل 27 مدرسة في مختلف أنحاء البلاد. ويُقيم عشرات آلاف المصريين واليمنيين والليبيين في اسطنبول حيث أنشأوا مدارس ووسائل إعلام ودور نشر. اسطنبول هي اليوم الوجهة الأساسية لأبناء العالم العربي، متخطّيةً بكثير الدور الذي أدّته القاهرة في خمسينيات القرن العشرين، وبيروت في الستينيات والسبعينيات.

تعتبر الدول العربية المتخوّفة من التأثير التركي، ومنها مصر، أن اسطنبول تشكّل اليوم مقرّاً للفروع العربية المتعددة لجماعة الإخوان المسلمين، وأنها تسعى إلى زعزعة استقرار الدول المعارِضة للجماعة، وكذلك استقرار المنطقة بكاملها. لكن هذه النظرة إلى العرب في اسطنبول وإلى دورهم في الميدانَين السياسي والثقافي في المنطقة صحيحة في جزء منها فقط، وهي غير مكتملة. هذا فضلاً عن أن هوية المدينة الكوزموبوليتانية وتجاربها الحضرية المتنوّعة تطبع أيضاً سلوكيات الجاليات العربية المقيمة هناك.

اسطنبول اليوم هي فعلاً معقل للإخوان المسلمين. تستثمر الدولة التركية في فروع الجماعة وتُقدّم لها الدعم، والأهم من ذلك، تسهّل الجهود الآيلة إلى تنظيم هذه الفروع وتمثيلها. وتشهد عشرات المحطات التلفزيونية، ومعظمها على صلة بفروع الإخوان المسلمين، على التشجيع التركي لهذه المجموعات. حتى القرارات المهمة داخل فروع الجماعة تؤخَذ في المدينة التركية. قبل فترة وجيزة مثلاً، نشر موقع “الأمناء” الاكتروني أن حزب الإصلاح، أي فرع الإخوان المسلمين في اليمن، قام بالتصويت في اسطنبول للقيادي صالح باتيس أميناً عاماً جديداً للحزب. وقد تعرّض باتيس المقيم في اسطنبول للانتقادات من معارضي النفوذ التركي في المنطقة بسبب روابطه مع تركيا.

تجسّد اسطنبول الدور الناشئ الذي تضطلع به تركيا في المنطقة. وقد ظهر ذلك في التدخلات العسكرية التركية في ليبيا وسورية، وكذلك من خلال النفوذ السياسي الذي تمارسه تركيا في مختلف أنحاء المنطقة. ومن هذا المنظار، تسعى الحكومة التركية إلى التأثير في المواقف والسلوكيات في العالم العربي عن طريق الجاليات التي تستضيفها على أراضيها. العام الفائت، أنشأ العرب في تركيا اتحاد الجاليات العربية الذي يدعم حزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد. ويرأسه إسلاميٌّ ليبي وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنه “قائد الأمة الإسلامية”. ويسعى الاتحاد إلى تنظيم العلاقات بين العرب والمجتمعات المضيفة، وإلى التنسيق مع الحكومة التركية.

واشتمل الدور التركي المتوسّع في المنطقة أيضاً على سياسات ثقافية أعادت ربط جزء كبير من الأقليات التركمانية في المنطقة بجذورها التركية. ويقع في صلب هذا المجهود تحوُّل اسطنبول إلى مركز تعليمي. قدّمت الدولة التركية آلاف المنح الدراسية إلى طلاب تركمان من العالم العربي، وكذلك إلى طلاب عرب بصورة عامة، لتشجيعهم على الدراسة في تركيا. وكانت لهذه الجهود تداعيات سياسية في المنطقة. ففي لبنان مثلاً، يُثير إحياء الهوية التركمانية (والبعد القومي فيها) حساسية مع الجالية الأرمنية في البلاد. واليوم، كلما عبّر الأرمن عن احتجاجهم على الدور التركي في الإبادة التي تعرضوا لها، مثلاً، يبادر التركمان إلى الرد عليهم علنا.

لكن، في حين حاولت الحكومة تسهيل حراك الإخوان المسلمين، ضغطت ضد الجهود الهادفة إلى تعزيز وجود الإسلاميين العرب. لقد أحدثت المدينة أحياناً تغييراً لدى المنفيين العرب، ولاسيما الإسلاميين منهم. تتخطّى أعداد العرب مليون نسمة، لكنهم لايقتصرون فقط على الإسلاميين. فهم يضمّون أيضاً تروتسكيين وليبراليين وأشخاصاً من اقتناعات سياسية أخرى، أو أشخاصاً ليست لديهم أي انتماءات سياسية على الإطلاق. وقد كان لهذا الطيف من التجارب تأثيره على مجموعات الإخوان المسلمين التي تعمل في أجواء محافظة ومضبوطة، ويقضَّ مضجعها في بعض الأحيان.

ينقل مصطفى المنشاوي، في كتاب جديد بعنوان “الخروج من جماعة الإخوان المسلمين: الفرد والمجتمع والدولة” (Leaving the Muslim Brotherhood: Self, Society, and the State)، روايات عن أعضاء هجروا التنظيم ومجتمعه بعدما اختبروا الحريات الاجتماعية في اسطنبول. أسامة السيد، وهو باحث مصري مقيم في اسطنبول، ينظر أيضاً في تأثير المدينة على الإخوان المسلمين. ففي حين أن هناك أشخاصاً تركوا جماعة الإخوان المسلمين وأصبحوا أكثر علمانية، يدرس السيد مجموعة كبيرة مترددة لاتزال في منطقة رمادية في مايتعلق بموقفها من الإخوان. وقد دفع تأثير اسطنبول بالأعضاء الأكثر التزاماً إلى عزل أنفسهم. بعبارة أخرى، وضعت المدينة المتديّنين المحافظين في موقف دفاعي، فيما يحاولون تجنّب التجارب المدينية التي غالباً ماتتعارض مع تفضيلاتهم.

وفي موازاة الجهود الثقافية الإسلامية والمدعومة من الحكومة، يعمد المفكّرون العرب إلى ترجمة الآداب التركية. ومن الأعمال التي ينكبّون على ترجمتها مؤلّفات الروائي أورهان باموك التي تتخذ من اسطنبول مسرحاً لأحداثها، وتلقى رواجاً باللغة العربية. في هذه الكتب، المدينة هي مكانٌ للتسامح واكتشاف الذات، وهما سمتان مهمتان في نظر مجتمعٍ عربي يجد نفسه في فترة تأمّل وإعادة تقييم بعد الانتكاسات التي واجهها في أوطانه.

في البداية، كان عامل الاستقطاب الذي جذب العرب إلى اسطنبول ناجماً بصورة أساسية عن الثقافة الشعبية، ولاسيما المسلسلات التلفزيونية التركية الناجحة التي جرت دبلجتها إلى اللغة العربية. ففي نظر عدد كبير من المشاهدين، سرعان ماأصبحت معالم اسطنبول وقصورها مرادفاً لقصص الحب. وفي العقدَين الأخيرين، توافد العرب بأعداد كبيرة إلى المواقع التي صُوِّرت فيها هذه المسلسلات. وقد جاء هذا التأثير على حساب السينما المصرية التي عانت في الأعوام الأخيرة من قمعٍ غير مسبوق في مصر، ومن إغلاق عدد كبير من المساحات الثقافية في البلاد.

في تموز/يوليو الماضي، وصل الممثل التركي بوراك أوزجفيت إلى بيروت بدعوةٍ من أحد المتاجر في مركز تجاري لبناني، وقد دفع المتجر مبلغاً كبيراً من المال لاستقدامه. أحاط به مئات المعجبين. وبدأ بعضهم بالصراخ، في حين أُغمي على آخرين، وسرعان ماحطّمت الحشود واجهة المتجر الأمامية والموجودات في الداخل. وتمكّن عناصر قوى الأمن من مساعدة الممثل على الخروج من المكان. في المقابل، يمكن أن يدخل حسين فهمي، وهو أيقونة من أيقونات السينما وبمثابة آلان دولون المصري في الثمانينيات والتسعينيات، إلى مركز تجاري لبناني اليوم من دون أن يثير اهتماماً كبيراً. لم تعد القاهرة المنارة الثقافية للعالم العربي. حلّت اسطنبول مكانها.

ليست حادثة أوزجفيت عارِضاً من عوارض النفوذ الثقافي المتنامي لتركيا وحسب، بل تنمّ أيضاً عن المحدوديات التي تعترض قدرة الحكومة التركية على السيطرة على تأثير اسطنبول. والحال أن أوزجفيت العلماني لايعكس المثل العليا المحافظة التي ينادي بها الإخوان المسلمون أو أردوغان. صحيح أن التأثير الثقافي لاسطنبول يعود بالفائدة على تركيا عمومًا، لكنه يترك أيضاً بصمته الفارقة على العرب المقيمين فيها.

مركز كارينغي للشرق الاوسط

—————————–

من رعب الحرب إلى رعب الحدود السورية التركية: حاولنا الهرب إلى الحياة فطاردنا الموت على الطريق/ زهير الشمالي

“كلفتني هذه الرحلة حياة ولدي خالد، حياته التي صمدت في وجه القصف والحصار منذ 2011، مات على الحدود وضاع دمه ولم يعرف من قتله”. هذا ما ترويه لنا نسرين (49 عاما) بالقرب من الحدود التركية السورية، عن “رحلة” التهريب التي أقدمت عليها بحثا عن حياة جديدة توقفت عند الحدود بسبب وقوعها بين براثن المهربين الذين تشبه وعودهم خطوطا كتبت على الماء، رغم التحذيرات الكثيرة التي سمعوها، إذ يقول أبو خالد (زوج نسرين): “لقد حذرونا من كذب المهربين وعدم الثقة بهم، لم يكن لدينا أي بديل. أردنا فقط الخروج بأية طريقة أو ثمن من هنا، لكن لم نعلم أننا لن نطول عنب تركيا، بل ستزداد معاناتنا”.

نسرين وعائلتها هُجّرت من منزلها في الغوطة الشرقية (تم إخلائها بتاريخ آذار 2018) إلى شمال سوريا حيث استأجرت وزوجها محمد وأولادها الثلاثة قريبا من بلدة سلقين عند الحدود السورية التركية.

يعاني معظم قاطني المنطقة من ظروف معيشية صعبة كصعوبة الحصول على سكن ومصدر رزق بسبب انعدام حركة العمل والوضع الأمني المزري في شمال سوريا (تحت سيطرة هيئة تحرير الشام)، الأمر الذي دفعها وعائلتها، للبحث عن حياة وبديل أفضل في تركيا، إذ تقول نسرين (أم خالد) بخيبة أمل وحسرة على الماضي “بعد نقلنا بالباصات الخضر الى الشمال السوري، انتقلنا للعيش في بيت من غرفتين صغيرتين بتكلفة 100 دولار (50.000 ليرة سورية) شهريا، لم يكن لدينا الكثير من المدخرات أو أيّ وسيلة لكسب الرزق والاستمرار في العيش، لذا قرّرنا الخروج والسفر إلى تركيا، أو هذا ما كنّا قد خططنا له”.

لم تكن الأمور معقدة في البداية، فقد كان من السهل جداً العثور على شخص يعنى بأمور التهريب إلى تركيا وبأسعار مختلفة، “بعد أن عقدنا العزم للرحيل، قرّرنا الرحيل واتفقنا مع أحد المهربين لإيصالنا إلى الطرف الآخر من الحدود” كما تقول أم خالد.

تعتبر القرى الحدودية شمال سوريا مكانا مؤقتا لمئات العائلات التي تستقر لفترات متفاوتة قد تصل إلى شهر أو أكثر في محاولتها العبور إلى الطرف التركي. العديد من العائلات حاولت قطع الحدود أكثر من عشر مرات ولم تتمكن من ذلك، بينما تمكنت عائلات أخرى من قطعها من المحاولة الأولى، حسب قول المهرب توفيق (31 عاما)، الذي التقينا به في مكتبه في قرية الدانا شمال إدلب، ويتخذ من مدينة حارم مكانا للسكن والعمل.

تصف أم خالد تجربة التهريب من الحدود، وفي عينها حسرة على ما حصل ويأس من الأيام القادمة في ظلّ القصف المستمر على شمال سوريا: “اجتمعنا في نقطة تسمّى خربة الجوز مع عدد من العائلات، وانطلقنا مع غروب الفجر، وكان من المخطّط أن يطول المسير لساعة أو ساعتين على الأكثر”.

تكمل نسرين حديثها بعد تحضير القهوة لنا وكرم ضيافتها رغم الوضع الصعب الذي  تعاني منه العائلة والتجربة المريرة التي عاشتها “مشينا طوال الليل في ظلام دامس، لم يسمح لأي أحد أن يشعل حتى سيجارة خوفا من أن تترصدنا مناظير الجندرما التركية. كان بكاء الأطفال وهمس العائلات فيما بينهم بصوت منخفض لا ينقطع، مع صوت المهرب وأوامره للجميع بالسكوت وكم أفواه الأطفال، محذرا أنّ أمرنا سيكشف، طبعا عدا عن السباب والشتائم”.

تتابع قائلة: “كانت تلك الليلة مظلمة جداً، كنّا نمشي ببطء وحذر بين الجبال والأشجار، نصعد تلّة وننزل أخرى. وعندما وصلنا إلى أقرب نقطة من الحدود، سمعنا صرخة مفاجئة، وبعدها إطلاق نار. كل الناس بدأت بالركض، لم أعرف ما أفعل حينها، كان اثنين من أولادي بجانبي، أمسك يدهم مع والدهم، فيما كان خالد قد اختفى في الظلام والفوضى”.

تتابع أم خالد بصوت خافت ووجهها اليائس يمعن في الأرض مما جرى لها ولولدها في رحلة الرعب التي عاشتها “تم نقلنا إلى خيمة حيث تم عزل النساء والرجال، اعتقدت حينها أن خالد في قسم الشباب، لم أعرف ما حصل له حتى عودتي إلى سوريا في اليوم التالي. وبعد اتصالنا بالمهرب الذي اعتقدنا أنه وصل إلى تركيا مع خالد، أخبرنا (المهرّب) بالفاجعة”.

يقول توفيق الذي يعمل في مجال التهريب منذ عدة سنوات، بعد أن كان يعمل على أحد سيارات النقل الداخلي في إدلب، أنّ معظم المهربين يكذبون على الناس ويعرضونهم/ن للمخاطر في رحلة محكوم عليها بالفشل، بعد إغرائهم بالتكلفة الرخيصة والطرق المختصرة والسهلة وصولا إلى تركيا، فـ “عدد كبير من القاطنين في مناطق شمال سوريا من سكانها المحليين انخرطوا في أعمال التهريب وأصبحوا سماسرة”.

أصبح هذا المجال كما يقول توفيق بالعامية “شغلة يلي مالو شغلة”، فمن “من النادر أن ترى أُناسا ثقة لا تضخم الأمر، وتشرح للناس صورة الوضع كاملا وما ينتظرهم/ن خلال رحلة التهريب إلى تركيا”، حسب تعبيره.

وهذا ما حصل مع نسرين التي أكدت عدم صحة المعلومات التي أوردها المهرب الذي تعاملوا معه  قبل المضي بالرحلة.

تقول سارة كيالي، باحثة سوريا في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتحقّق في انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في سوريا في منظمة هيومن رايتس ووتش “أنه خلال سنوات الحرب الأخيرة تمّ استغلال الناس بشكل كبير من قبل تجار البشر بشكل مادي واستغلال حاجتهم للعبور إلى تركيا مقابل تعريضهم إلى مخاطر كبيرة أودت بحياة العديد منهم برصاص حرس الحدود التركي أثناء محاولتهم العبور إلى تركيا”.

تضيف كيالي “يتحتم على الدول الحدودية مع سوريا أن تفتح حدودها للمدنيين الهاربين إلى مناطق آمنة، وعدم تركهم على الحدود ليصبحوا ضحية لجشع المهربين وتجار البشر”.

يقول توفيق في حديثه عن المخاطر التي يتعرّض لها مع الناس الذين يعبرون بهم إلى الحدود، بأنّ “بعض الحالات يتم فيها إطلاق النار من الطرف التركي على قوافل الناس، رغم الاتفاق الشفهي الذي يتم بين المهربين والعناصر المرتشية من الجندرما التركية، بحيث يتم لتنسيق عبور القوافل، لكن تتغير في بعض الأحيان، ويؤدي الى تغيّر الاتفاقات أو الخلاف بين الطرفين إلى القبض على قوافل التهريب”.

ويتابع قائلا: “هذه طريق تهريب وليست طريق عبور شرعي من البوابة. هذا ما أقوله للناس حين يأتون لي، أقول سيكون هناك مسير لعدّة ساعات وطريق صعب، دون زيادة أو نقصان، إضافة إلى احتمال الإيقاع بنا من الجندرما أو عبورنا سالمين، كل شيء وارد ومحتمل في هذه الرحلة”. بهذه الكلمات شرح توفيق شكل الإطار العام للرحلة والمخاطر التي من المتوقع مواجهتها لكافة زبائنه.

بسبب كثرة الدوريات الأمنية على الحدود من الطرف التركي، يتبع توفيق بعض الحيل  لتجاوز الدوريات مثل “تقسيم الناس إلى قوافل متعددة بمعدل ثلاثين شخصا في كلّ قافلة، تذهب كل قافلة في طريق مختلف، بحيث يتم الإمساك بالبعض والبعض الآخر يعبر بسلام إلى الطرف التركي، ويتم إعادة المحاولة مع الذين تم الإيقاع بهم بعد عدة أيام، وهكذا نعاود المحاولة كل مرة”.

في نيسان 2019 وثقت الشبكة السورية لحقوق الانسان مقتل 422 مدنيا منذ اندلاع الثورة السورية (منهم 76 طفلا دون الثامنة عشر، و38 امراة)، خلال عمليات تهريب البشر بواسطة سلاح الجندرما التركية، إضافة إلى خلافات وصلت إلى الاقتتال والاشتباك بالأسلحة بين الفصائل المدعومة من تركيا لبسط سيطرتهم على طرق التهريب التي تعتبر أحد مصادر الدخل الرئيسي للعديد من الفصائل المقاتلة شمال سوريا التي (حسب توفيق) تنخرط في عمليات التهريب وتتقاضى رشاوي للسماح لعبور قوافل المهربين إلى تركيا.

لكن في حال أراد الناس العبور من سوريا الى تركيا من المعابر الرسمية، يتوجب عليهم الحصول على جواز سفر وأوراق ثبوتية أخرى تختلف باختلاف الهدف من زيارة تركيا.

وحسب موقع معبر باب الهوى الحدودي على الأنترنت يتوجب الحصول على موافقة من الطرف التركي للدخول عبر البوابة الحدودية إلى تركيا، وذلك تحت شروط عدّة من بينها أن يكون العبور: ترانزيت، طالب دراسي في تركيا، لم شمل، موافقة طبيب، إضافة إلى بنود أخرى. وكل من تنطبق عليه الشروط، يحق له أنّ يقدم للحصول على طلب للعبور بشكل شرعي إلى داخل الاراضي التركية.

لكن توفيق يقول لنا أنه قام بإدخال العديد من الأشخاص بدون أوراق ثبوتية أو بجواز سفر منتهي الصلاحية إلى تركيا عبر معبر باب الهوى الحدودي. يقع المعبر قرب مدينة سرمدا الحدودية شمال غرب سوريا، ويعتبر البوابة الرئيسية لحركة عبور قوافل المساعدات والناس من سوريا إلى تركيا وبالعكس.

بدوره، نفى المدير السابق لمعبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، أحمد براد (35 عاما) في حديثه معنا عن طريق الهاتف، أيّة أخبار لعمليات تهريب أو عبور غير نظامي من المعبر، عازيا ذلك إلى التشديد الكبير على المعبر من الجانبين السوري والتركي، ومؤكداً أنه يتم ضبط أعداد كبيرة من حاملي الأوراق المزوّرة الذين يحاولون العبور إلى تركيا من سوريا عبر المعبر، إذ “يوجد تدقيق وإجراءات كثيرة من الجانبين السوري والتركي، خصوصاً للعابرين من الطرف السوري الى تركيا، بحيث يتم أخذ بصمات اليد وصور للوجه والتأكد من صحة الأوراق، سواء كانت فيزا أو تصريح عبور”. وفق قول براد.

ويوضح المدير السابق للمعبر “العديد من الأشخاص تحت التحقيق بتهم تزوير أوراق رسمية والاتجار بالبشر والتحايل عليهم مقابل مبالغ مالية طائلة للعبور بشكل غير شرعي إلى تركيا”.

يتعارض كلام مدير معبر باب الهوى مع تأكيد توفيق أنه “يوجد حتى الآن أشخاص نقوم بالتعامل معهم داخل المعبر لإدخال الناس إلى تركيا مقابل مبالغ تصل أحيانا إلى 5000$ ومتوسط سعر يقدر بـ 3500$”.

لكن أصرّ مدير معبر باب الهوى في نفيه لأي حركة عبور غير شرعي ضمن المعبر مؤكداً “أنّ إدارة المعبر تقوم بما عليها لضمان سلامة ونزاهة العبور وخدمة الناس، والطرف التركي هو المسؤول عن إجراءاته الخاصة بالعبور البري للسوريين بعد أن يقطعوا الطرف السوري، وليس لدينا أي تدخل بالإجراءات التي يقومون بها”.

لا يزال التهريب بشكل عام مشكلة صعبة الحل، ويصعب السيطرة عليها في ظل الوضع السياسي والعسكري الدولي وعدم الاستقرار في المنطقة كلها.

وهذا ما كان عليه الحال بالنسبة لحليمة (42 عاما)، والتي تعمل أحيانا في الخياطة لإعالة أطفالها الثلاثة، وهي من مهجري مدينة حلب. فقدت حليمة زوجها بعد القصف الذي طال حي الفردوس في حلب الشرقية في خريف عام 2016، وتعرّضت ابنتها باسمة لبتر قدمها اليسرى نتيجة القصف.

عند لقائنا مع حليمة، كانت تستعد للمضي في رحلة تتوقع أن توصلها إلى مكان تعيش فيه مع أولادها بسلام. اتفقت مع أحد المهربين لإيصالها إلى تركيا، بعد عدم تمكنها من الحصول على إذن أو أي استجابة من إدارة معبر باب الهوى لإدخال ابنتها باسمة (١١ سنة) إلى تركيا للحصول على علاج وتركيب قدم اصطناعية، حيث تقول: “حزمنا أمتعتنا وانطلقنا بعد الاتفاق مع أحد المهربين من نقطة قريبة من مدينة حارم الحدودية مع تركيا (شمال غرب سوريا، وتعتبر جزءا من ريف إدلب الشمالي الغربي) بعد أن طمأننا المهرب أنّ رحلتنا لن تطول وسنصل بعد ساعة من المشي لنكمل طريقنا بالسيارة إلى الأراضي التركية”.

تتابع حليمة وصف رحلة الوصول إلى الحدود التركية “كان ابني الكبير محمد صاحب الخمس عشرة عاما يساعد باسمة على المشي، وحملت مع ابنتي الكبيرة رزان أمتعتنا الشخصية مع قافلة من الناس بلغت حوالي المائة شخص، مشينا في ظلام الليل في أرض زلقة وطين وأشواك، على عكس ما أخبرنا به المهرب من سهولة الطريق وقصره. كل شيء كان كذبا، لكننا أكملنا المسير وكلنا أمل أن نصل في نهاية المطاف إلى تركيا، لكن مع الأسف لم تصل رحلتنا إلى تركيا. قبض علينا حرس الحدود وضربوا كل الرجال محاولين معرفة من هو المهرب الذي يقود القافلة، لكن دون جدوى الحصول على جواب”.

تقول حليمة أنّه تم نقلهم بسيارات عسكرية واحتجازهم في خيمة كبيرة قرب معبر اليمضية مع عائلات أخرى كان قد تم القبض عليها في وقت سابق من الليلة نفسها، إذ “كانت الخيمة في وضع مزري، وكأنه تم وضعنا في بؤرة من القذارة والأوساخ، كانت الرائحة لا تطاق، وبكاء الأطفال مستمر طول الليل إلى أن طلع الصباح، حيث تم جمعنا وأخذ بصمات الجميع، بعدها قادونا سيراً إلى معبر اليمضية الحدودي في سوريا”، وفق قولها.

قرية اليمضية ملاصقة للحدود التركية قرب بلدة يلدا من الطرف التركي، وتعتبر معبرا غير رسمي، تسمح فيها تركيا للفصائل المقاتلة والأطباء وبعض المدنيين بالعبور تحت شروط معينة حسب قول توفيق.

تتابع حليمة “عدت بعدها الى نقطة البداية، إلى المنزل المهدّم الخالي من مقومات المعيشة، حيث القصف والدمار والموت في كل مكان ولا نعرف ما ستؤول إليه المنطقة وما تحمله لنا الأيام القادمة”.

من جهتها، أكدت سارة كيالي المتحدثة باسم هيومن رايتس ووتش، أن اللوم والعبء  يقع على المجتمع الدولي للضغط على الدول لإنقاذ الهاربين من الوضع الأمني المزري في شمال سوريا عوضا عن تركهم للاستغلال والموت على الحدود.

تقبع حليمة ونسرين وآلاف العائلات السورية شمال سوريا تحت قصف عنيف غير قادرين على الهرب من آلة القصف الهمجية للنظام السوري والروسي في ظل إغلاق الحدود واستهداف العائلات التي تحاول الهرب من سوريا إلى تركيا بحثا عن حياة آمنة بعيدة عن القهر والموت.

(اسم مستعار لصحفي سوري، خريج كلية الحقوق من جامعة حلب، يعمل في مجال الصحافة الالكترونية والمطبوعة مع عدد من الوكالات الأجنبية التي تعنى بالشأن السوري. كان يعيش بين تركيا والشمال السوري لحظة إنجاز هذا التحقيق)

ينشر هذا التحقيق الصحفي في ختام مشروع سوريا في العمق، بالشراكة مع المنظمة الدولية لدعم الإعلام ومؤسسة الغارديان فاونديشن ومؤسسة شبكة الصحفيات السوريات وموقع حكاية ما انحكت.

شبكة الصحافيات السوريات

—————————-

اللاجئون السوريون أداة للمقايضة/ مصلح مصلح

لم يكن السوريون الذين انساقوا وراء خدعة فتح الحدود التركية – الأوروبية من قبل السلطات التركية بحاجة لكل هذا العنف المفرط، الذي واجهتهم به قوات حرس الحدود اليونانية، ليكتشفوا مقدار التحول الذي أصاب الطابع الإنساني لمفهوم اللجوء القائم على أولوية الانتصار لكرامة الإنسان لصالح الانتصار لمصالح الأحزاب الحاكمة، كما ردود فعل ناخبي أحزاب المعارضة المتطرفة التي تنافسها على السلطة.

بددت اتفاقية تبادل اللاجئين بين الجانب التركي والأوروبي 2016 أي فرصة ممكنة لآلاف السوريين بالانتقال إلى البر الأوروبي، بعد أن تبين لهم أنها مقصورة على عدد لا يتجاوز الثلاثين ألف لاجئ سنويًّا، يفترض أن يكون قد مر جزء كبير منهم في محنة الإقامة في معسكرات اللجوء في الأراضي اليونانية، التي تشبه الإقامة فيها إلى حد كبير محنة العيش في المعازل الكبرى.

لطالما اتسم تطبيق حق اللجوء أو الحماية الإنسانية للذين يعانون من خطر الاضطهاد أو التهديد المباشر لحياتهم، التي كفلته لهم اتفاقيات جنيف الأممية لعام 1951، بالتأرجح بين النزعة الإنسانية والنزعة السياسية، ذلك أنه وراء كل قرار إنساني يتعلق بقضية اللاجئين ثمة موقف سياسي إيجابي أو سلبي من نوع ما.

دلت أزمة اللاجئين الأخيرة التي اندلعت على الحدود التركية اليونانية، التي تراشق فيها مسؤولو البلدين تهم تحويل قضية اللاجئين من قضية إنسانية خاصة بحق الحصول على الحماية إلى قضية ذات بعد سياسي أو نفعي تتعلق بتحقيق المزيد من المكاسب الاقتصادية أو السياسية؛ على دور الفاعل الروسي في حدوثها، حيث استمات في محاصرة الجانب التركي بأعداد غفيرة من لاجئي إدلب، بقصد دفع أروغان لتحويل تلك الأزمة إلى الجانب الأوروبي. ومن ثم المسارعة للجلوس على طاولة المفاوضات لفرض إملاءاته على الجميع: إعادة تعويم الأسد، والتعهد بتمويل إعادة تمويل ما دمرته آلة حربه الجهنمية.

نجح أردوغان إلى حد كبير في إفشال مخططات بوتين المتعلقة بتوظيف قضية اللاجئين السوريين لصالحه. وبدلًا من أن يفسح له المجال ليستأثر بنعمة الجلوس على طاولة الأوروبين الخائفين من بعبع اللاجئين سبقه للجلوس على مائدة الكبار، وإن كان عبر دائرة البث التلفزيوني المباشر. حيث لم تقتصر نجاحاته على تحصيل مبلغ الـ 125 مليون يورو التي تبرعت بهن المستشارة الألمانية ميركل، ولا بإعادة التفاوض على نسب الرسوم الجمركية مع الاتحاد الأوروبي، وإنما تجاوزتها بالحصول على دعم سياسي منقطع النظير لوقفته الشجاعة في وجه الضامن الروسي المتنمر.

في شهادته أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأمريكي، في معرض الإضاءة على الظروف التي دفعت المشرعين الأمريكيين لإقرار قانون قيصر الخاص بمحاسبة نظام الأسد، أشار رائد الصالح، رئيس منظمة القبعات البيض: “بأنه لم يأت هنا ليطالب بأية مساعدات إنسانية لضحايا اللجوء الأسدي، وإنما جاء ليطالب بإزالة جميع الأسباب التي ما تزال تمكن الأسد من الاستمرار بتهجيرالمزيد منهم”.

أثبتت حقائق الأمر الواقع أن قضية اللجوء السوري ليست سببًا من أسباب الطبيعة، بقدر ما هي شرط ملازم لكل عدوان أسدي مدعوم بطائرات موت الاحتلال الروسي، التي كلما تحركت لتجسيد مبدأي وحدة الأراضي السورية وسيادة الأسد المطلقة عليها، كلما أفضت بطريقها إلى دفع مزيد من السوريين إلى مخيمات اللجوء في مغارب الأرض ومشارقها. وبدون توفر إرادة دولية فاعلة، قادرة على خلق منطقة آمنة في عمق الأراضي السورية، فإنه لا أمل في إخراج قضية اللجوء السوري من دائرة التوظيف السياسي الرخيص القائم على المقايضة، إلى دائرة الاعتراف الإنساني القائم على حق السوريين الرافضين للعيش تحت ظل حكم الأسد بالعيش في قراهم وبلداتهم بكرامة.

الترا صوت

=========================

ملفات الحرب والنزوح والخراب: جدران الصفقات والآلام المتشابهة من إدلب إلى اليونان/ براء صبري

الأكيد ان المعركة السورية بدأت بالانطواء أكثر في حدود جغرافية البلد الذي عايش الصراع لعقد تقريباً. لم تعد لتلك المعركة تداعيات دولية كبرى، ولا اهتمام لدول كانت تملك بعض الرغبة في التدخل. تحولت المعركة إلى معركة على أرض البلد، وبضريبة محلية لصالح بعض الجهات القليلة المتنافسة على النفوذ فيها. لكن، مع هذه الحقيقة المرة ما زالت بعض القضايا تملك عصا موسى في إيقاظ الغرب على أن إحدى كوارث القرن الواحد والعشرين ما زالت في أوجها وتحتاج منها لفعل شيء ما للتخفيف عنها، وهذه العصا تتمحور حول ملفين لا ثالث لهما، وهما ملف اللجوء إلى أوروبا وملف الدواعش الأجانب! الملف الثاني استطاعت تلك الدول التهرب من مواجهتها، وتحويل المسؤولية عنها إلى القوات المحلية في شرق الفرات وإلى المحاكم العراقية في بغداد، بتنسيق واسع، وبسرية، وعروض لا بأس بها. أما الملف الأول أي ملف اللاجئين فقد تحول إلى مرحلة الخمول بعد الاتفاقية التركية الأوروبية 2016 حول اللاجئين، ولكنها بقيت واحدة من أوراق تركيا القليلة ضد أوروبا. ورغم التصريحات المستمرة لتركيا وتهديدها دول غرب أوروبا باللاجئين خلال السنوات الماضية إلا أنه لم يكن هناك تصور من احتمال تنفيذ هذا التهديد مجدداً بعد ما حصل في العامين 2015 و2016.

لكن، ببساطة فُتحت حدود تركيا على أوروبا بعد أن صُدمت تركيا بقوة هجوم النظام السوري عليها في إدلب. جرد فتح الحدود، وتلك الصور الآتية من الحدود التركية اليونانية المصطلحات المعنية بحقوق اللاجئين في العالم المتحضر من الكثير من الحقائق التي تتشدق بها، وكشفت للعالم مدى عوز الناس، ومدى اتساع الألم السوري الذي لا ينفع معه سياسة غض النظر عن الأزمة، وسياسة تحاشي الانخراط في عملية البحث عن حل له ديمومة لقضية مريرة كالصراع في سوريا من الدول ذات الثقل كباريس ولندن وواشنطن ونسبياً برلين.

أرضية الأزمة

خلال الشهرين الماضيين بدأ النظام السوري، وبدعم واسع من السلاح الجوي الروسي، عملية قضم جديدة للأرض في شمال غرب سوريا. هذا الهجوم الجديد، والمتمحور على رغبة النظام في توسيع مناطق سيطرته، وبالتحديد التأمين التام للطريقين الدوليين أم 4 وأم 5 الواصلين بين حلب واللاذقية وبين حلب ودمشق هما لب القضية. يبحث النظام بين الفينة والثانية عن تعزيز سيطرته على قواعد التحرك بين المحافظات. هذا بالذات ما يظهر في شرق الفرات أيضاً حيث يعمل النظام على تعزيز وجوده حول مطار القامشلي، وحول المناطق الحدودية لمنطقة منبج والرقة. وعلى الأكثر جاءت محاولة الروس الوصول إلى معبر سيمالكا الحدودي مع إقليم كردستان العراق كجزء من الهدف ذاته. ومن المهم فهم ان إغلاق معبر اليعربية في وجه دخول المساعدات الإنسانية إلى شرق الفرات من قبل الروس جاء كنتيجة طبيعية لمعرفة الروس بأن الأمريكان مترسخين في تلك البقعة الجغرافية، ولن يسمحوا على المدى المنظور وجود منافسين لهم هناك.

التقدم الذي حققه النظام في شمال غرب سوريا حوّل الحرب إلى مواجهة مباشرة بين القوات التركية من جهة والنظام السوري من جهة ثانية. هذا الصدام الذي بدأ وصل لدرجة من الحرارة هاجم النظام السوري فيها نقاطا عسكرية تركية بشكل مباشر، وأوقع خسائر في صفوف الجيش التركي في المنطقة. لم تعد هناك حرب بالوكالة بين الطرفين. أصبحت الحرب مباشرة بين الطرفين! كان البعض يتحدث عن احتمال ان تدخل تركيا في حرب مع الروس أيضاً، وهو ما لم يحدث بعد أن طالب الرئيس التركي من بوتين تحييد ذاته عن المواجهة، وبعد فهمه أن المواجهة مع الروس هي مواجهة لا طاقة لتركيا لها بعد الفواتير الكبيرة التي دفعتها بعد إسقاطها لطائرة روسية قبل أربع سنوات.

نجح النظام في التقدم، وخسرت المعارضة مناطق ذات أهمية، ودخل النظام إلى ثاني أكبر مدن المحافظة واستولى على مساحة لا بأس بها من الأراضي التي تحتوي على قرى وبلدات في ريفي حلب وإدلب. وأمن نسبياً الطرق الدولية لصالحه. هذه المواجهات تركت النقاط العسكرية التركية المعنية بمراقبة تنفيذ اتفاق وقف الإطلاق تحت حصار قوات النظام، وعززت موقف هيئة تحرير الشام المتطرفة على حساب باقي اللاعبين المحليين في ما تبقى من مناطق المعارضة في المحافظة بعد أن ارتفع الاعتقاد بعدم قدرة تركيا وعدم جديتها في ردع النظام واستعادة الأراضي التي خسرتها المعارضة الأيام الفائتة. اعتمد النظام السوري وروسيا على حجة أن الأتراك يتحاشون وضع حد للقاعدة في إدلب وعدم قدرتهم على وقف الهجمات الجوية على قاعدة حميميم العسكرية. وهو ما يبدو أن الأتراك كانوا يعتقدون أن النظام لن يجرؤ على تجاوز نقاطهم العسكرية. كل ما سبق أسس لبداية مأساتين جديدتين أولها للنازحين في شمال غرب سوريا ثانيهما للاجئين في تركيا على حدود اليونان. للتذكير بالطبع أن الحدود مع بلغاريا غير منشودة من قبل اللاجئين اليائسين منها.

جدران عالية

مع مرور الوقت، ونتيجة القتال الطويل، وفقدان الثقة بالاتفاقات المتجددة بين تركيا وروسيا، تتجدد أزمة النازحين واللاجئين في شمال غرب سوريا وفي غرب تركيا. سبب القتال بنزوح ما يقارب المليون شخص في شمال غرب سوريا إلى المناطق الشمالية من محافظة إدلب، ووقف الكثيرون في مخيمات النزوح المجاورة للجدار الحدودي العالي بين تركيا وسوريا. لم يكن للاتفاق الأخير بين بوتين واردوغان أي دور في تشجيع النازحين الجدد بالعودة إلى المناطق التي نزحوا منها، وكان لسان حالهم يقول: “هذا الاتفاق يشبه كل الاتفاقات الفاشلة السابقة المبرمة بين الطرفين”.

بعيداً عن تلك الحدود فتحت تركيا حدودها للاجئين المتواجدين على أراضيها باتجاه اليونان وبلغاريا. جاء الفتح بعد عجز تركيا مع غرورها الطويل ضد أوروبا من كسب دعم حقيقي غربي في صراعها الجديد. راقبت الدول الغربية بنوع من الرضا انخراط تركيا في معارك مع النظام السوري بعد ظهور الرئيس التركي مراراً وهو يحضن بوتين. حاولت تركيا سابقاً ابتزاز الغربيين بمدى قوة العلاقة الروسية التركية. وعززت صفقاتها العسكرية والتجارية على أسس مضادة لتحالفاتها المديدة مع الغرب هذا الابتزاز. كانت الضربات الأخيرة التي وجهها نظام دمشق بدعم روسي للجيش التركي والرد التركي عليها عبارة عن توضيح غربي غير مباشر لأنقرة عن مدى فشلها في علاقاتها مع الروس. كان هناك شيء من الشماتة ضد أنقرة، ولم تفد محاولات جيفري المُتهم بالموالاة للسياسات التركية في الشرق الأوسط في دفع كل القادة العسكريين في البنتاغون إلى فتح الأيادي من جديد لتركيا. وإن ساهم الرجل القريب جداً من أجندة تركيا بدوره في وقف نزيف التدهور في العلاقات بين الطرفين. وإن كان هذا التدهور لصالح تركيا أكثر منها لصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الآخرين في الشرق الأوسط.

مع فتح الحدود وصل الكثير من اللاجئين وبجنسيات مختلفة إلى الحدود التركية اليونانية. وعبر البعض منهم بحر إيجة بقوارب مطاطية في تكرار مبسط لأزمة اللاجئين التي ظهرت في 2015-2016 والتي سببت الكثير من التغيرات السياسية في دواخل الدول الأوروبية، وحصلت في نهايتها تركيا على اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي كسبت بعض المزايا المالية والمعنوية منها. لكن، وبمشهد مشابه للجدار الحدودي الواقف في وجه النازحين السوريين في شمال غرب سوريا كانت الشرطة اليونانية وحرس الحدود البرية والبحرية عبارة عن جدران لا يمكن الانسلال منها، وكان سوط الجنود اليونانيين على ظهور الراغبين بالعبور رسالة واضحة عن مدى الرفض اليوناني المدعوم غربياً لفكرة فتح الحدود مجدداً للاجئين. ولم يكن لزيارة الرئيس التركي الذي يتهم الغربيين بعدم الإنسانية، ويتناسى إغلاقه المحكم لحدوده في وجه النازحين السوريين أي نتيجة حتى اللحظة. وهناك حديث عن احتمال ظهور اتفاق جديدة تحصل فيها تركيا لمزايا جديدة مقابل وقفها تدفق اللاجئين، وضبطها لحدودها من جديد.

اليونان التي لا تشبه ذاتها

لم تكن اليونان خلال السنوات الخمس الماضية بهذا الشكل من العدوانية تجاه اللاجئين. كانت اليونان المُثقلة بالديون حينها مرتعا مريحا للاجئين خلال مرورهم بها للوصول إلى الغرب الأوروبي. كانت اليونان شعبياً أيضاً تنظر بتعاطف إلى اللاجئين، وكان النفحة اليسارية المُناصرة للاجئين واضحة في المخيلة العامة لسكان الدولة التي كافحت الكثير للوقوف على قدميها مع تضرر الاقتصاد، وانهيار الميزانيات.

برحيل حكومة تسيبراس اليسارية التي كابدت الكثير من الألم حتى استطاعت غلق ملف الانكماش الاقتصادي في اقتصاد البلد، والتحول بنجاح إلى مرحلة تسديد الديون، والنمو البطيء، ارتفع جدار جديد بين اليونان والشرق. حكومة يمينية جديدة وصلت إلى أثينا في صيف 2019. هزيمة حزب سيريزا في الانتخابات البرلمانية وانتصار حزب “الديمقراطية الجديدة” برئاسة كيرياكوس ميتسوتاكيس يعتبر هزيمة للاجئين وانتصارا لإغلاق البلاد. يعتقد حزب الديمقراطية الجديدة وزعيمها “الأمير” بأنه كلما أظهرت البلاد عدوانية تجاه اللاجئين كلما كسبت ثقة الغرب الأوروبي، كلما تلقت بنوك البلاد مساعدات أكبر. الاعتقاد هذا فيه شيء من الحقيقة، حيث بدأت الدول الأوروبية تكثيف زياراتها لليونان، وتحدثت عن حزمة دعم مالي جديد، وعن خطط لسحب 1500 طفل من الجزر. وهو جوهر المتغير في الغرب الذي بدأ يحاول التهرب من مواجهة المشاكل ذات البعد الإنساني والدولي والحقوقي بإبقائها بعيداً عن حدودها الرسمية. هذا الاعتقاد لدى من يسميه تسيبراس بـ “الأمير” لترفعه وغروره ينافي في شيء كثير منه منطق المخيلة العامة في اليونان، ويحاول القفز على حقيقة رحابة صدر البلاد العتيقة للآخرين. تفكير مرحلي لن يفيد سوى في تشويه صورة البلاد، وتشتيتها بين خرائط الغرب والشرق، ولن يساهم في زيادة دفع الدول الغربية للانخراط في الوصول إلى حل وسطي للحرب في سوريا بل وسيزيد من تهرب الغربيين من لعب دور ما في الوصول إلى حل للحرب السورية التي أنهكت الجميع.

شمالاً أكثر لم تحدث أي صراعات على الحدود مع بلغاريا. البلد المعروف بعدوانية معظم ساسته للاجئين لم يكن مكانا يفكر فيه الكثير من اللاجئين بالمغامرة. أسلاك شائكة، ونقاط عسكرية، ودوريات، وعصا غليظة، واتهامات بالسلب، كلها جزء من ما يعرفه اللاجئون عن حدود بلغاريا. هذه العدوى تحولت إلى الحدود مع اليونان هذه الأيام بكل أسف.

منطقة آمنة

يعتقد اللاجئون أن الحدود البرية مغلقة، والمرور منها صعب حالياً، وينتظرون تحسن الطقس للمرور عبر البحر من جديد إلى الجزر القريبة، لكن ما تحدثت عنه منظمة العفو الدولية عن رغبة يونانية بوضع جدران عائمة للفصل ولوقف التدفق جزء من وضوح الصورة لمدى انغلاق العالم على بعضه رغم مانشيت “العالم قرية صغيرة”.

تركيا بدورها تبحث عن مكاسب. وقف القتال بالتوافق مع روسيا يعزز موقف الغرب الأوروبي ويدفعها لدفع تركيا لسحب اللاجئين، وسحب ورقة الضغط التي لم تعد لها أثر يذكر مع تشديد اليونان لحدودها وتغير ملامحها المعتادة. المكاسب المُبتغاة تتمحور حول الدعم المالي المستمر لتركيا، وحول رغبة تركيا في منطقة آمنة تقوم بتوطين من تريد من السنة السوريين فيها. هذه المنطقة في جزء واضح منها برنامج للتغيير الديمغرافي. تعمل حكومة أنقرة على توسيع منطقة التغيير الديمغرافي للوصول إلى شرق الفرات حيث نزوح من نوع آخر سببه الاحتلال التركي لمناطق ذات تنوع قومي ومناطق ذات اغلبية كردية بحتة كعفرين القريبة من إدلب.

هذا السجالات بين الأطراف التي تبحث عن مكاسب لكل شيء لم يكن إلا سوط على ظهر اللاجئين والنازحين. هؤلاء لم يعد لهم جسور للمرور إلى مناطق للاستقرار. أصبح التوازنات والخلافات ومن ثم التوافقات هي من تحتم بوصلتهم. ليس من المستبعد مشاهدة الشرطة التركية في قادم الأيام وهي تسحب اللاجئين من الحدود مع اليونان، وليس من المستبعد أيضاً ورود الأخبار عن مقتل نازحين على الحدود السورية التركية برصاص تركيا التي تظهر نفسها على أنها داعمة للاجئين في وجه أوروبة، وليس من المستبعد رؤية كيف أن الغرب الأوروبي يرشي اليونانيين والبلغاريين وحتى الأتراك بمزايا في مقابل وقف اللاجئين وتركهم يعانون مصائرهم السوداء، بالضبط كما هو الحال في مراكز ايوائهم في الجزر اليونانية، أو مخيمات اللاجئين في معظم دول الجوار السوري، وفي مخيمات النزوح داخل سوريا من شمال غرب سوريا إلى الحسكة حيث النازحين الفارين من غزو تركيا للمنطقة قبل أشهر.

القدس العربي

مسألة اللاجئين والنازحين في مسارات الأزمة والتسوية في سوريا/ معن طلّاع

ما لم توجد معالجة دولية موضوعية ومتوافقة مع القانون الدولي ومتطلبات التماسك الاجتماعي والاستقرار؛ فإن مسألة اللاجئين والنازحين السوريين ستبقى خاضعة لمنظور روسيا وحليفيها، النظام وإيران، وهو ما يعني غياب العوامل الدافعة للاستقرار، وتثبيت التغيير الديمغرافي الناجم عن الصراع.

مع دخول الثورة السورية في عامها التاسع، ووفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لا يزال هناك أكثر من 6 ملايين و700 ألف لاجئ سوري في العالم (حتى يونيو/حزيران 2019)، وأكثر من 6 ملايين ومئتي ألف سوري من النازحين داخلياً (حتى أغسطس/آب 2019) ويحتاج أكثر من 11 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية في سوريا، ولا يزال الوضع الإنساني في شمال شرق سوريا وفق تعبير المفوضية “مزرياً”، حيث يحتاج الآن ما يقدر بنحو مليون و650 ألف شخص إلى المساعدة الإنسانية، (حتى سبتمبر/أيلول 2019)(1). كما تشير إحصائيات منسقو الاستجابة في الشمال السوري إلى نزوح قرابة مليون سوري من حماه وإدلب وريف حلب جراء المعارك التي شهدتها تلك المحافظات خلال الأشهر الأولى من عام 2020(2). ومع تعاظم حجم هذا الملف وتداعياته وتبعاته الأمنية والاجتماعية المتوقعة؛ تتزايد الأسئلة السورية الملحة حول هذا الملف وموضعه وأهميته في الصراع السوري، ومدى حضوره في الأولويات السياسية للأطراف الفاعلة في الشأن السوري، وإدراك دوره ومآلاته في سياق سيناريوهات اشتداد الصراع أو سيناريوهات التسوية ومساراتها.

سياقات النزوح واللجوء

تنوعت أدوات النظام في قمع الحراك الثوري منذ لحظاته الأولى؛ اتضح أن مقاربة العنف الممنهج هي المقاربة “الأنجع” بمنظوره؛ وقد عانت الحواضن المجتمعية للثورة من هذه المقاربة مما دفع قسما كبيرا منها، وفي ظروف متعددة وبأشكال مختلفة، إلى اللجوء والهجرة نحو أماكن أكثر أمناً واستقراراً.

وقد مرت هذه المقاربة بعدة مراحل؛ إذ ابتدأت بمرحلة العقاب الجماعي   المستندة على شن حملات أمنية وعسكرية للسيطرة على الموقف الميداني في مناطق الحراك (لعل أبرز مثال عليها النزوح القسري لأهالي جسر الشغور في الفترة الممتدة من مارس/آذار إلى ديسمبر/كانون الأول 2011). ثم انتقل النظام إلى مرحلة “التطهير المكاني” التي تزامنت مع قيام القوى الثورية المسلحة بإخراج القوات الأمنية للنظام من مناطقها، الأمر الذي دفع النظام إلى الزج بمزيد من القوات العسكرية لقمع الحراك وهو ما بدأ في محافظة حمص عبر تهجير أحياء بابا عمرو والسباع والخالدية وعشيرة وكرم الزيتون والرفاعي والبياضة والسبيل ووادي العرب ومنطقة جوبر والسلطانية وأحياء كرم الزيتون والرفاعي والبياضة ووادي العرب وحي السبيل.  أما المرحلة الثالثة فتم تأطيرها بالتزامن مع تبلور “مفهوم سوريا المفيدة”، فقد تم تأطير هذه المرحلة كأداة من جملة أدوات تحقيق الاستراتيجية الإيرانية في سوريا المعروفة بــالحفاظ على “سوريا المفيدة”، ويمكن تسجيل بدء هذه المرحلة مع حملة حزب الله وقوات النظام على مدينة القصير في مايو/أيار 2013(3)، لتنتقل بعدها سياسة التهجير إلى مناطق تسيطر عليها المعارضة في محيط العاصمة كداريا والمعضمية والزبداني الواقعة ضمن سوريا المفيدة.  وفي سياق تلك المراحل كانت دينامية “اتفاقيات الإخلاء” تحدث أثراً واضحاً في معدلات الهجرة والنزوح(4).

عقب التدخل الروسي في أواخر سبتمبر/أيلول 2015 الذي استند على استراتيجية تطويع الجغرافيا واستثمارها سياسياً في تحسين موازين الصراع؛ استطاع الفاعل الروسي عبر قوته الجوية واستناده إلى الميليشيات الإيرانية أن يخرج مدينة حلب الشرقية من معادلات الصراع المحلي، ونجم عن ذلك تهجير قرابة 150 ألف مدني من أحياء المدينة؛ ذهب 75% منهم إلى ريف حلب الغربي ومحافظة إدلب، بينما توجه 25% منهم إلى ريف حلب الشمالي(5).

وفي ديسمبر/كانون الأول 2018، وإثر تعثر مؤتمر الحوار المنعقد في سوتشي في تحقيق هدفه وتكريس الحل السياسي الذي ترتجيه موسكو بعدما ثبتت جل مناطق الصراع إبان قضمها لحلب الشرقية عبر اتفاقيات خفض التصعيد؛ عاد النظام مجدداً لاستراتيجية القضم الاستراتيجي لتلك المناطق، منطقة تلو أخرى، إذ شن نظام الأسد، وبدعم روسي، أعنف هجوم بري وجوي على منطقة الغوطة الشرقية التي تحتوي على 400 ألف محاصر منذ عام 2012.  وتجاوز عدد المهجرين والنازحين من الغوطة الشرقية أكثر من 80 ألف شخص (حتى تاريخ 9 فبراير/شباط 2018)(6). كما أن هناك ما يزيد عن 52 ألفاً يحتمون في تسعة ملاجئ جماعية في ريف دمشق يتم تزويدهم بإمدادات الطوارئ والمساعدة الصحية؛ وقد تتبعت مجموعة “منسقو الاستجابة في الشمال السوري” مصير قرابة 50 ألف نازح، وأوضحت أنهم توزعوا بنسبة 59% في إدلب و6% في حماه و25% في محافظة حلب(7).

وعلى مسافة قريبة من الغوطة الشرقية تقع منطقة القلمون الشرقي ومنها الضمير، والناصرية، والرحيبة، والقطيفة، وفي 19 أبريل/نيسان 2018 وافقت الفصائل العسكرية في القلمون على بنود اتفاق مصالحة مع روسيا، قضى بتسليم السلاح الثقيل الضخم، وتهجير آلاف المدنيين الذين لا يريدون المصالحة مع نظام الأسد باتجاه مناطق الشمال السوري؛ وقد تم تهجير قرابة 5 آلاف وثلاثمئة شخص،  وبذات السياق هجر قرابة 9 آلاف وثلاثمئة شخص من جنوب دمشق إلى  إدلب، كما هجّر النظام قرابة 35 ألف و600 نازح من ريف حمص الشمالي، في الفترة بين 7 و 18  مايو/أيار 2018،  وبعد ريف دمشق وحمص، توجهت قوات النظام وحلفائه جنوباً، وسيطرت على المناطق المحررة فيها، لتهجر قرابة 10 آلاف و700 من درعا والقنيطرة، بالفترة الممتدة بين 15 إلى 31 يوليو/تموز 2018، ممن غادروا إلى شمال سوريا(8).

ومنذ معارك إدلب وريف حلب الأخيرة وخلال الفترة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2019 حتى توقيع الاتفاق الروسي التركي في 5 مارس/آذار 2020 نزح حوالي مليون و410 أشخاص(9)، وتوزعوا على المخيمات في مناطق درع الفرات و”غصن الزيتون” إضافة للقرى والبلدات الآمنة. (انظر الشكل المجاور رقم 1).

 وفي يناير/كانون الثاني 2020 سُجّل نزوح حوالي 464 ألف و800 شخص في جميع أنحاء سوريا(10).

شكل رقم 1 الشكل رقم 1: وجهة النازحين من نوفمبر/تشرين الثاني 2019 حتى مارس/آذار 2020

أما فيما يتعلق بالأرقام الخاصة بتوزع اللاجئين السوريين في دول الجوار فقد بلغ عدد اللاجئين في تركيا 3 ملايين و600 ألف لاجئ، بينما كانت لبنان هي الدولة الثانية من حيث عدد اللاجئين السوريين حيث يوجد بها 929 ألف لاجئ، كما لجأ الى الأردن 662 ألف لاجئ، وأخيراً إقليم كردستان في العراق حيث يوجد به 245 ألف لاجئ (انظر الشكل 2).

شكل رقم 2 الشكل (2): توزع اللاجئين السوريين في دول جوار سورية

 أما بخصوص توزع اللاجئين في أنحاء العالم فقد حصلت ألمانيا على الحصة الأكبر من اللاجئين حيث ضمت 770 ألف لاجئ، بينما ضمت جمهورية مصر131 ألف والسويد 122 ألف لاجئ، وكندا 40 ألف لاجئ، والولايات المتحدة 16 ألف لاجئ. (الشكل 3)(11).شكل رقم 3 الشكل (3): توزع اللاجئين السوريين في بعض دول العالم

العملية السياسية وملف اللاجئين والنازحين

منذ اندلاع الثورة السورية وتحولها إلى صراع متعدد المستويات، يركز المجتمع الدولي في تعاطيه مع الملف السوري -باستثناء صرخات الاستجابة والنداء للملف الانساني من قبل الأمم المتحدة ومنظماتها- على محورين:

     تركز الأول حول ضرورات احتواء الأزمة وتداعياتها والحؤول دون زعزعة الاستقرار في المنطقة وهذا ما عزز منهجية “إدارة الأزمة” والتحكم في موازين الصراع بما تمليه خرائط المصالح الأمنية الاقليمية والدولية ومتطلبات التحكم في موارد الصراع واتجاهاته.

     أما المحور الثاني فكان على مستوى المنظمات والدوائر السياسية المعنية بالملف الإنساني، وتركز حول السبيل الأفضل لمساعدة السوريين ومعالجة الأزمة الإنسانية نظراً لآثارها وتداعياتها على مستوى الاستقرار الإقليمي(12).

من جهة عملياتية؛ لم تلحظ القرارات الدولية المعنية بالشأن السوري السياسية منها والإنسانية أي حديث عن ملف اللجوء والهجرة باستثناء البند 14 من القرار 2254 الذي أكد على “تهيئة الظروف المواتية للعودة الآمنة والطوعية للاجئين والنازحين داخلياً إلى مناطقهم الأصلية وتأهيل المناطق المتضررة وفقاً للقانون الدولي”، ويحث القرار بذات البند الدول الأعضاء على تقديم المساعدة في هذا الصدد”(13). كما غاب نقاش هذا الملف خلال كل جولات التفاوض في جنيف وأستانة باستثناء جدولة شكلية على أجندة جولة أستانة 10 بتاريخ 30 يوليو/تموز 2018 حيث تضمنت بند (بدء محادثات لعودة اللاجئين والنازحين) لكن دون صدور أي نتيجة عن ذلك(14). والجدير بالذكر أن هذه الجولات (أستانة وجنيف) رافقتها عدة حملات تهجير. (للتفصيل انظر الجدول التالي)(15):

            المنطقة التاريخ

1          حمص القديمة     5 مايو/ أيار/ 2014

2          داريا       26 أغسطس/آب 2016

3          قدسيا والهامة     14 أكتوبر/تشرين الأول 2016

4          المعضمية           19 أكتوبر/تشرين الأول 2016

5          خان الشيح وزاكية            28 نوفمبر/تشرين الثاني 2016

6          التل       2 ديسمبر/كانون الأول 2016

7          حلب      15 ديسمبر/كانون الأول 2016

8          وادي بردى          29 يناير/كانون الثاني 2017

9          حمص – الوعر     18 مارس/آذار 2017

10        اتفاق المدن الأربع            13 أبريل/نيسان 2017

11        الغوطة الغربية (بيت جن)   29 ديسمبر/ كانون الأول 2017

12        الغوطة الشرقية   24 مارس/آذار 2018

13        القلمون الشرقي 19 أبريل/نيسان 2018

14        جنوب دمشق      3/ مايو/أيار 2018

15        ريف حمص الشمالي        7 مايو/أيار 2018

تأثر ملف “اللجوء والنزوح” بالانحرافات والاستعصاءات التي شهدتها العملية السياسية لا سيما بعد التدخل الروسي الذي حاول التأثير على بوصلة مسار جنيف سواء بمسار أستانة أو عبر التحكم به من خلال إعادة تعريف الحل السياسي واختزاله بلجنة دستورية تم طرحها في مؤتمر الحوار في سوتشي وتم تبنيه من قبل الأمم المتحدة؛ حيث شكل انتفاء مرحلة “الانتقال السياسي” من أجندة العملية السياسية نقطة نكوص في حلحلة ملف اللجوء والنزوح، ومما ساهم في تعقيد مداخل الحل عدة أمور -هي بمجملها نتاج التدخل الروسي- وهي:

    إخراج المعارضة (السياسية والعسكرية والمدنية) من العديد من المناطق الاستراتيجية؛ ومحاصرة المناطق المتبقية بخيارات لا تتجاوز ثنائية “الرضوخ، التهجير”، وهذا ما كان بدرعا والقلمون والغوطتين وجنوب دمشق وريفي حمص وحماه.

    تحول إدلب من ثقل عسكري نوعي لبيئة مليئة بالتحديات الصعبة، وستبقى مجالاً للأهداف العسكرية الروسية تحت عدة ذرائع مما يفاقم إشكاليات هذا الملف ويزيد من تحدياته.

وعليه وبحكم تطورات المشهد السوري واختلاف درجة التأثير للفاعلين لصالح التسيد الروسي، لا تزال الغايات الأمنية والعسكرية تفرض نفسها وغياب مداخل الحل السياسي عن ميادين النقاش والتفكير الدولية، لا سيما في ظل الانكفاء الأمريكي وسياسات الوقاية الذاتية المتبعة من الدول الأوربية؛ وهذا كله أجل ويؤجل تحدي العودة الكريمة والطوعية للاجئين والنازحين السوريين.

معوقات العودة

تبين الأرقام المرصودة لعام 2019 عن عودة حوالي 480 ألف نازح إلى مناطقهم في عموم المحافظات السورية من أصل 6 ملايين و200 ألف نازح، أكثرهم عاد إلى درعا ثم إدلب وحلب(16). وفيما يتعلق بعودة اللاجئين فقد سجل لبنان العدد الأكبر لعودة اللاجئين من بين جميع دول الجوار السوري. وبحسب بيان صادر عن الأمن العام اللبناني، في مارس/آذار2019، بلغ عدد السوريين الذين عادوا 172 ألفا و46 لاجئاً سورياً منذ عام 2017، حيث يتم تنسيق العودة بين الأمن العام اللبناني والنظام السوري(17). ومن جهة أخرى أوضح مركز إدارة الدفاع الوطني في روسيا عن عودة 256 ألف لاجئ خلال النصف الأول من عام 2019 إلى سوريا عبر المعابر البرية مع لبنان والأردن(18). أما في تركيا فأعلن الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان أن 365 ألف سوريٍ عادوا إلى ديارهم ومنازلهم في مناطق “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع السلام”(19)، وفي ألمانيا عاد 13 لاجئا إلى الأراضي السورية ضمن برنامج العودة الطوعية الذي يشجع على عودة اللاجئين مقابل ألفي يورو(20).

في حين تطرح العديد من منظمات المجتمع المدني رؤيتها الوطنية لملف اللاجئين والنازحين  بما يسهم في التماسك الاجتماعي والاستقرار في سوريا(21)؛ يصر النظام على مقاربته الوحيدة في هذا السياق ضمن ما أسماه “المصالحة” والتي تتكلم في بنودها عن التهجير أكثر من العودة(22)؛ لكن مع مضي النظام في توسيع سيطرته العسكرية، شُهدت عودة لبعض النازحين دون توفر أي ضمانات، سواء أكانت أمنية أم متعلقة بسبل العيش أو الاستجابات المحلية؛ ومرد ذلك عدة أسباب منها ما يتعلق بانعدام الأمل والأفق السياسي أو ما هو مرتبط بالضغوط المعاشية والأمنية التي يتعرض لها النازحون واللاجئون في البيئات المستضيفة(23).

وهنا نموذجان لعودة النازحين واختبار ادعاءات النظام في تقبل عودتهم؛ النموذج الأول في ريف دمشق (التي أعاد النظام السيطرة عليها مطلع 2018) والثاني حلب الشرقية (التي تمت السيطرة عليها عام 2016).

فبالنسبة للأول أي ريف دمشق، فحتى يناير/كانون الثاني 2020 عاد ما مجموعه 35 ألفا و500 شخص جلهم عاد من بلدات الريف ذاته وقسم عاد من مدينة دمشق. وبخصوص حلب الشرقية (التي تمت السيطرة عليها عام 2016) فحتى ذات التاريخ، عاد قرابة 56 ألفا و500 شخص أغلبهم من بلدات ريف حلب(24). ويمكن تفسير هذه الأرقام المتدنية بأمرين، الأول عدم قدرة النظام على توفير الأسباب الموجبة للعودة خاصة فيما يرتبط بالاستجابات الطارئة وما تستلزمه من إجراءات تضمن التعافي المبكر للمناطق الخارجة من معادلات الصراع(25)، والثاني مرده إلى عدم رغبة النظام أساساً في عودة من يعتبرهم “مناهضين لسلطته” خلال سنوات طويلة.

لقد أثقلت حركة النزوح في المناطق المستضيفة في سوريا على البنية التحتية المحلية وعلى الهياكل الإدارية(26)، وإذا ما ربطنا تأثر الواقع الأمني بملف العودة عموماً، فإنه سيحيلنا إلى تلمس وقياس:

    قدرة الاستجابة المحلية للهياكل الإدارية الناشئة على مواجهة التحديات الأمنية التي أفرزها هذا الملف.

    ومدى ارتباط الاستقرار الأمني بفعالية الأدوار التي يلعبها “القطاع الأمني”، الذي تأثر بتعدد أنماط الحكم الأمني في سوريا من جهة، وتفاوت الأداء الحكومي فيها من جهة ثانية.

ففيما يتعلق بالمناطق التي يسيطر عليها النظام (والتي تزداد مساحتها)، لا تزال الأسئلة المرتبطة بملفي عودة اللاجئين والنازحين والاستجابة المحلية تشكل تحدياً رئيسياً للفاعلين المحليين، وتساهم إلى جانب التردي في الواقع الأمني العام في تشكيل مناخ داعم لعدم العودة؛ ويزداد هذا التحدي عمقاً مع غياب سياسات الإصلاح والتغيير الأمني، إذ تؤكد معظم التقديرات والتحليلات وجود عدة أسباب تقف وراء التدفق المحموم لحركة النزوح والتهجير(27).

الأول: فإضافة إلى تدهور الواقع الأمني، فإن أول هذه الأسباب شيوع إحساس لدى عموم السوريين بانسداد الأفق وانعدام الأمل بخلاص قريب، أو على الأقل بتحسن الوضع الأمني واستعادة حياة عامة قوضت مقوماتها. كما يساهم عجز الفاعلين المحليين، عن توفير أبسط مستلزمات العيش، في تعزيز مقاربات الهجرة لا العودة، حيث لا غذاء ولا كساء ولا قدرة على فرض سياسات عامة تحسن خدمات الماء والكهرباء والخدمات التعليمية والصحية فضلا عن فقدان فرص العمل(28).

الثاني: ويرتبط بهاجس معظم الشباب بضرورة الهروب من العنف والاقتتال لا سيما مع حملات التجنيد الإجباري والاحتياط التي تجبرهم “قانونياً” على أن يكونوا في خضم هذا الصراع خصوصاً بعد صدور المرسوم 104 لعام 2011، ما دفع عوائل كثيرة لمغادرة سوريا خشية استدعاء أبنائهم إلى الخدمة الإلزامية أو الاحتياط، إضافة إلى تكرس قناعة عدم جدوى تحصيلهم العلمي مع غياب الإمكانات المرجوة لممارسة اختصاصاتهم عملياً. والأهم شيوع حالة قلق وخوف عامة من انحسار شروط الأمن والسلامة(29).

أما فيما يرتبط بمناطق سيطرة المعارضة، فنجد أنه كان من الطبيعي أن تؤثر البيئة الأمنية غير المستقرة على ثبات هياكل الحوكمة المحلية (المعني الأساسي في عمليات الاستجابة)، وعلى حركة العودة خاصة بعد أن تعددت حالات التهجير، حيث تتفاوت درجات الاستقرار الأمني في مناطق سيطرة المعارضة بحكم حجم وطبيعة وتعدد القوى العسكرية المسيطرة وطبيعة علاقاتها فيما بينها؛ وطبيعة القوى المهددة لأمن المجتمعات المحلية ناهيك عن العوامل المهددة لأمن المجتمع المحلي والتي تتنوع بين عوامل ذات طبيعة أمنية واجتماعية واقتصادية (30).

سيناريوهات ومآلات

بطبيعة الحال يرتبط ملف العودة بمحددين رئيسيين؛ أولها متعلق بالرؤى الدولية والاقليمية لهذا الملف ومدى التقاطع أو التعارض في هذه الرؤى، وثانيها متعلق بالسيناريوهات المتوقعة للملف السوري ودرجة تأثره بملف العودة الذي سيكون عاملاً مهماً في معادلات الاستقرار والسلام (الضرورات الاجتماعية والاقتصادية).

الأول فيما يتعلق بالرؤى الدولية والإقليمية: ففي حين تحمّل موسكو المعارضة والدول الداعمة لها (وعلى رأسهم الولايات المتحدة) كامل المسؤولية في عرقلة العودة (31)؛ فإنها لم تنجح في تحقيق غايات ما أسمته “البرنامج الروسي لعودة اللاجئين” والذي يطمح لعودة مليون لاجئ إلى قراهم وبلداتهم وذلك من خلال “تأسيس لجنة في كل من لبنان والأردن وتركيا، للتنسيق والمتابعة مع الجانب الروسي في سبل العودة وآلياتها. حيث أبلغت موسكو الدول المعنية في المنطقة أنها نسّقت مع النظام السوري، وأنّ لديها ضمانات بعدم التعرض للعائدين إضافة لإنشاء مراكز لاستقبال اللاجئين وتوزيعهم وإيوائهم(32).

 فبعد قرابة العامين ونيف على طرح هذا البرنامج، ورغم تأكيدات وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف بأن معدلات العودة لم” تكن كبيرة”(33)، فإن الإحصاء الروسي يحصي عودة 577 ألف لاجئ سوري من الأردن ولبنان منذ شهر يوليو/تموز 2018، ( قرابة 182 ألف من لبنان، قرابة 400 ألف من الأردن)، ولكن دون تبيان آلية الإحصاء التي يغلب عليها سمة إحصاء الدخول عبر المعبر الحدودي أكثر من سمة حركة عودة اللاجئين(34).

وتدلل المعطيات المتعلقة بالحركة الروسية العسكرية المستمرة ومؤشرات العودة المنخفضة على أن الرؤية الروسية لهذا الملف تتمحور حول غايتين سياسيتين؛ الأولى عدم جعل هذا الملف معطلاً لسير الهندسة الروسية تجاه إعادة تشكيل الحل السياسي وفق منظورها، وبالتالي عدم جعله استحقاقاً سياسياً وشرطاً لازماً للاستقرار؛ والغاية الثانية تتمثل في كيفية استثمار هذا الملف وما يعنيه من تحد أمني واجتماعي على البيئات المستضيفة، وجعل مسار حل هذا الموضوع مرتبطا بشرعنة نظام الأسد من جديد. وكلتا الغايتين تعتبر هذا الملف تحدياً لحكومة النظام بدلاً من اعتباره استحقاقاً سياسياً وشرطاً لازما للاستقرار.

أما فيما يتعلق بالرؤية الدولية التي يمكن توضيحها من خلال ما يعرف “بالمجموعة المصغرة حول سوريا” (الولايات المتحدة الأمريكية؛ بريطانيا، فرنسا، المملكة العربية السعودية؛ مصر؛ الأردن)، والتي حددت أن أي انخراط في استحقاقات الانتقال السياسي -سواء إعادة الإعمار أو العودة الطوعية والآمنة- مرتبط بإنجاز عملية سياسية بإشراف الأمم المتحدة في جنيف. وتنفيذاً لهذا الأمر لا تزال سياسية العقوبات الاقتصادية الضاغطة على النظام مستمرة بهدف دفعه للانخراط في العملية السياسية، وإنجاز اتفاق سياسي وفق قواعد القرار 2254، وعلى رأس هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الاوروبي.

قد تبدو هذه الشروط الدولية “شروطاً موضوعية” لضمان تنفيذ القرارات الدولية المعنية بالشأن السوري، إلا أن تراجع اهتمام هذه الدول وتجاهلها لما يتم من عمليات تهجير، واكتفاءها بالإدانات (لا سيما وأن انخراطهم في الملف بات محكوماً بمنهجية محاربة تنظيم الدولة سابقاً ومحاصرة طهران حالياً)، إنما يبعث بمؤشرات أن هذه الشروط هي واجهة تخفي سياسة عرقلة مقصودة للآليات الروسية، وتأزيم تدخلها العسكري والسياسي والاقتصادي في سوريا فحسب، دون وجود أي حل سياسي في الأفق؛ أي استمرار التنافس على المكسب السياسي، بما لا يفسر جهود المنظمات الدولية المعنية بشؤون اللاجئين إلا أنها من باب الاستجابة الطارئة.

وفيما يتعلق بتركيا؛ فهي طبقت منذ بداية الثورة السورية سياسة الحدود المفتوحة مع اللاجئين السوريين مما ساهم في وصولهم الى القارة الأوربية، وأعادت إغلاق الحدود مع سوريا في 2015 بعد الاتفاق مع الاتحاد الأوربي على تمويل الاتحاد الأوروبي للمشاريع المتعلقة باللاجئين في تركيا، مقابل إيقاف تركيا لتدفق اللاجئين إلى أوروبا(35)؛ ثم بدأت الحكومة التركية بعد دخولها العسكري في سوريا وسيطرتها على مناطق “درع الفرات” وعفرين ومنطقة تل أبيض ورأس العين، بالمطالبة بمنطقة آمنة في سوريا لعودة اللاجئين السوريين في تركيا إليها، واعتبرت أنقرة أن تشكيل “منطقة آمنة” في سوريا يسرع عملية العودة الطوعية للاجئين السوريين من تركيا. ووفقاً للإحصاءات التركية، فإنه “بفضل الأجواء الآمنة التي تشكلت عقب عمليتي درع الفرات، وغصن الزيتون في شمال سوريا، عاد 354 ألف سوري بشكل طوعي إلى هذه المناطق”. كما أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أن 74 ألف مدني سوري عادوا إلى المناطق التي حررتها عملية “نبع السلام” شمالي سوريا(36). وبالتزامن مع إعلان أنقرة “التزامها” مبدأ “عدم ترحيل” أي مهاجر نظامي(37)؛ فإنها تطمح إلى إعادة توطين 3 ملايين لاجئ سوري ضمن “المنطقة الآمنة” التي تحاول الدفع بإنشائها شرق الفرات، من خلال استمرار المحادثات مع واشنطن(38).

وتشهد العلاقة الأوروبية التركية في هذا الملف توترات واضحة لا سيما بعد نزوج قرابة مليون سوري جراء العمليات العسكرية الأخيرة في الشمال السوري والضغط على تركيا لفتح الحدود؛ وبحكم ما اعتبرته أنقرة تجاهلاً لهذا الملف وتداعياته، فتحت السلطات التركية حدودها مع اليونان أمام اللاجئين السوريين وهو ما زاد التوتر. وفي حين لا تبدو مؤشرات انفراج في هذا الملف، تستمر محاولات الدعوة لعقد اجتماعات تركية مع بعض دول الاتحاد الأوروبي لمناقشة قضية المهاجرين، حيث تعتبر أنقرة “أن مسألة اللاجئين وسوريا وإدلب تعد اختبار إرادة وقيادة للاتحاد الأوروبي أكثر من تركيا، وعلى الاتحاد القيام بمسؤولياته”(39).

عموماً يتضح أن الرؤى الدولية والإقليمية تجاه ملف اللاجئين والنازحين -وإن اكتست بعدا إنسانيا في السياسات والخطابات- لا تعدو أن تكون ورقة ضغط سياسي يمارسها الجميع لتحقيق مقاربات سياسية وأمنية. ولا يزال الملف أسير تفاهمات سياسية لم تتوفر الظروف السياسية لنضجها.

الثاني ارتباط ملف العودة بالسيناريوهات المحتملة: في ظل المشهد السياسي الذي دخل مجدداً مرحلة الاستعصاء -بعد جولتين من اجتماعات اللجنة الدستورية- فإن السيناريوهات المحتملة تنحصر في الآتي:

    سيناريو استمرار   تعطيل مسار العملية السياسية والاستمرار بعمليات التشكل الأمني الآخذة بالتبلور في أكثر من منطقة. فشمال شرق سوريا بات منطقة نفوذ أمريكية تحاول واشنطن إعادة إنتاج صيغة حكم محلي فيها غير مهددة لأمن تركيا، وبنفس الوقت تمنع النظام وحلفاءه من الاستفادة من موارد تلك المنطقة، وتستمر في محاصرة وتقويض الوجود الإيراني. وهناك أيضا شمال غرب سوريا (مناطق سيطرة المعارضة في إدلب وريف حلب) التي تشهد اشتباكات مستمرة ومحاولة بلورة تفاهم أمني مؤقت بين أنقرة وموسكو حول إدارة الطرق البرية.  هذه العمليات وإن بدت تنحو باتجاه تشكيل حدود أمنية قابلة للتحول إلى حدود سياسية، إلا أن عدم توافر بيئة تفاوض أمريكية روسية جدية، سيساهم في تعزيز صيغ لمصلحة تجميد الصراع؛ وبالتالي سيبقى ملف العودة مؤجلاً خاصة في ظل تزايد موجات اللجوء والنزوح وسينحصر التعاطي معه بسياسات استيعاب النازحين وتحسين الأوضاع القانونية للاجئين في بلاد اللجوء.

    سيناريو تحقق الرؤية الروسية القائم على غلبة النظام وإنجاز حل سياسي من داخل أطره، وتحويل الاستحقاقات السياسية لمرحلة ما بعد الصراع إلى “تحديات حكومية غير مستعجلة” ومرتبطة بمقدار قبول المجتمع الدولي بشرعية نظام الأسد؛ وبالتالي فإن ملف العودة وما يستلزمه من برامج عودة كريمة وآمنة وطوعية ستكون غائبة كلياً وبالتالي سيؤثر ذلك على معايير الاستقرار التي منها التوافق السياسي والتماسك الاجتماعي وإعادة الشرعية وتأهيل الدولة لإعادة الإعمار.

في ظل هذه السيناريوهات ومع استمرار غياب سياسات معالجة موضوعية وفق القانون الدولي ومتطلبات التماسك الاجتماعي والاستقرار؛ يبدو أن مسألة اللاجئين والنازحين خاضعة للمنظور الروسي (وحلفائه النظام وإيران) الذي يجهد لتحويل الاستحقاقات السياسية إلى تحديات حوكمية غير مستعجلة، وبالتالي استمرار عدم مراعاة العوامل الأمنية والاجتماعية الدافعة للاستقرار. ولعل نظرية “المجتمع المتجانس” (التي طرحها بشار الأسد في منتصف عام 2017 في دلالة على أن ما تبقى في سوريا هو القسم المتجانس) تدلل على عدم رغبته بعودة من وقف ضده سنوات، وبالتالي الاتجاه نحو تثبيت التغيير الديمغرافي الناجم عن الصراع، وهو ما سيبقي عوامل الصراع متأججة.

خاتمة

لا شك أن ملف اللاجئين والنازحين السوريين يعد من أثقل الملفات من حيث تداعياته الإنسانية والاجتماعية والأمنية، ومن حيث حركته المتسارعة في ظل ما تشهده سوريا من سيناريوهات إعادة التشكل الأمني وتضارب الرؤى بين الفاعلين الرئيسيين. ومما يزيد من هذا الثقل هو التغييب التام لأجندة وبرامج العودة الكريمة وما تستلزمه من استجابات حكومية وأمنية مستعجلة؛ وهذا ما سيكون له أثر استراتيجي على معادلات الاستقرار والسلام في سوريا، فطالما أن هذا الملف لا يزال ينظر له كورقة تحسين شروط بين الفاعلين الإقليميين والدوليين فإنه سيتحول لتحد غير مستعجل، الأمر الذي يتطلب تضافر جهود منظمات المجتمع الدولي والإقليمي والمحلي وتشكيل ضغط ملح على الفاعلين للنظر إليه كاستحقاق سياسي؛ حيث لا يمكن أن تقوم دولة جديدة  أو نظام حكم جديد في سوريا  طالما أن أكثر من نصف الشعب مهجر ونازح.

معن طلّاع

باحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية.

مراجع

    انظر صفحة سوريا في موقع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020):  https://2u.pw/YA2Hc

    SYRIAN ARAB REPUBLIC Recent Developments in Northwest Syria Situation Report No. 9 – As of 26 February 2020.

    التغير الديموغرافي في سوريا، تقرير نشره موقع نصح، تاريخ 28 نوفمبر/ تشرين الثاني2016، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/4tylK

    يمكن ترتيب اتفاقيات الإخلاء حتى عام 2017 وفق الشكل التالي: تلكلخ (يونيو/حزيران 2012)، حمص القديمة (مايو/أيار 2014)، الحجر الأسود (يوليو/تموز 2015)، الزبداني (سبتمبر/ أيلول 2015)، حي القدم (ديسمبر/كانون الأول 2015)، قريتي قزحل وأم القصب (يوليو/تموز 2016)، داريا (أغسطس/آب 2016).

    التغيير الديمغرافي والتهجير القسري في سوريا (حمص- دمشق وريفها – حلب وريفها)، عن وحدة تنسيق الدعم، 20 يونيو/حزيران 2016، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/uDXcd

    سوريا: عدد الفارين من الغوطة تجاوز 80 ألفا خلال هذا الشهر، موقع أخبار الأمم المتحدة، 28 مارس/آذار2018، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/hi4Rv

    التهجير القسري من الغوطة الشرقية – الإصدار الثاني، وحدة تنسيق الدعم، 13إبريل/نيسان 2018، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/n8BHy

    كم عدد السوريين المهجرين في 2018؟ قناة الجسر الفضائية، 17 ديسمبر/كانون الأول 2016، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/qxLmH

    وتوزيعهم على الشكل التالي: محافظة حلب قرابة 408 آلاف و900، ومن محافظة إدلب قرابة 632 ألف و500. للمزيد انظر: عنب بلدي، بيانات توضيحية لنتائج الحملة العسكرية على شمال غربي سوريا، 08 مارس/آذار 2020، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): http://bit.ly/3d0hkQj

    حيث سجلت أكبر حركة نزوح في محافظة إدلب وبلغت حوالي 320 ألفا و600 نازح (منهم 297 ألفا نزحوا من داخل إدلب و23 ألفا و500 نزحوا من حلب)، فيما تم تسجيل ثاني أكبر حركة نزوح في حلب بحوالي 132 ألفا و600 نازح، ( منهم 86  ألفا ومئة شخص قادمون من داخل حلب، و46 ألفا و400 نازح من إدلب)، كما تم تسجيل حركة نزوح في الشهر الأول من عام 2020 في محافظة الحسكة بحوالي 4 آلاف و900 نازح، (منهم 3،700 نزحوا داخل المحافظة بينما انتقل الباقي من محافظة حلب). أما في محافظة الرقة فقد نزح إليها حوالي 3،400 شخص، واستقبلت محافظة اللاذقية حوالي 1300 نازح من محافظات حلب وحمص وطرطوس وحماة. وفي محافظة ريف دمشق، أفادت التقارير بحوالي 100 تحرك للنازحين داخلياً 2020.

Humanitarian response, IDP and Spontaneous Returnee Movements – 31 January 2020, http://bit.ly/2QhfTTH

    المصدر السابق.

    مجموعة نقاشية عقدها الباحث مع مجموعة من الباحثين والمهتمين بشأن اللاجئين والنازحين عبر السكايب حول تموضع ملف اللاجئين السياسي وأسباب تعثر حله، تاريخ 28 فبراير/ شباط 2020.

    انظر قرار مجلس الأمن رقم 2254 لعام 2015 الصادر بتاريخ 18 ديسمبر/كانون الأول 2015، البند رقم 14 صفحة رقم 5.

    وحددت بنود جدول أعمال الاجتماع كالتالي؛ منطقة خفض التصعيد في إدلب والمخاطر والخروقات المتعلقة بها، وملف المعتقلين ومجموعة العمل الخاصة بها، واللجنة الدستورية، وملف عودة المهجّرين الذي تطرحه روسيا؛ للمزيد انظر: “أستانة-10” بطعم “سوتشي-2″، موقع المدن، تاريخ 30 يوليو/تموز 2018، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/RrsNF

    الجدول من إعداد الباحث

    Humanitarian response, IDP and Spontaneous Returnee Movements – 31 January 2020, http://bit.ly/2QhfTTH

    “عربي21” ترصد بالأرقام عودة اللاجئين الطوعية إلى سوريا، موقع عربي 21، تاريخ 7 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/rESkA

    في موسكو تمت جلسة هيئتي أركان التنسيق المتعدد الوزارات لروسيا وسوريا بشأن عودة اللاجئين إلى الجمهورية العربية السورية، موقع وزارة الدفاع الروسية، تاريخ 10 يونيو/حزيران 2019، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/p77su

    تركيا تكشف أعداد السوريين العائدين إلى المناطق التي وفرت الأمن فيها، ترك برس، 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/9j7X9

    ألمانيا: ولايتان تكشفان عن عدد اللاجئين العائدين طوعاً إلى بلدانهم ونسبة السوريين منهم، موقع عكس السير، تاريخ 17 فبراير/ شباط 2020، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/2slwC

    الانتقام والقمع والخوف: واقع السوريين العائدين إلى مناطق سيطرة النظام السوري، تقرير صادر عن الرابطة السورية لكرامة المواطن، وعُقد مؤتمر صحفي للاطلاع على نتائج دراسة قامت بها الرابطة تستطلع به آراء عينة من العائدين. (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://tr.agency/news-63383

    للتوضيح: في اتفاقية “المصالحة” مع مدينة الضمير مثلا؛ نصت الاتفاقية على ” تسليم عناصر المقاومة السلاح الثقيل والمتوسط، على أن يتم تسليم لوائح الراغبين بالخروج إلى “جرابلس” في الشمال السوري  وتم تحديد مواعيد الخروج بدءا 19من / 4/2018 وحتى 23/ 4/2018؛ وأوضحت الوثيقة أن إخراج الراغبين سيتم تحت إشراف الشرطة العسكرية الروسية والهلال الأحمر ومخابرات النظام السوري، مشيرة إلى أنه يحق لكل عنصر حمل سلاحه الفردي مع ثلاثة مخازن ممتلئة. للاطلاع على الوثيقة انظر: “زمان الوصل” تحصل على وثيقة اتفاق تهجير أهالي “الضمير”، زمان الوصل، تاريخ 17/4/2018، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/8Kn0D

    مجموعة نقاشية عقدها الباحث مع مجموعة من الباحثين والمهتمين بشأن اللاجئين والنازحين عبر السكايب حول تموضع ملف اللاجئين السياسي وأسباب تعثر حله، مرجع سابق.

    لتتبع حركة عودة النازحين انظر الإحصائيات التي يقدمها مكتب الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/dxsa9

    ويقصد بالتعافي المبكر سلسلة من الإجراءات التي تتخذها “الحكومة” بعد الصراع مباشرة، تضمن من خلالها تحقيق الأمن وحرية التنقل والحركة؛ وإصلاح البنية التحتية الأولية والتعافي الاقتصادي والاجتماعي.

    للاطلاع على تلك الأعباء انظر: في الانتقال إلى الدولة الآمنة: آليات استعادة الاستقرار في سوريا، ملف صادر عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 10 أغسطس/آب 2015، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://goo.gl/tp8aH4

    قال فيليبو غراندي المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين اليوم (الجمعة) إنه من “المبكر جدا” الحديث عن عودة اللاجئين إلى سوريا لأن الوضع هناك ما زال غير آمن ومحفوفا بالمخاطر، انظر: مفوض اللاجئين: سوريا ما زالت خطيرة على عودة اللاجئين، موقع الجزيرة، تاريخ: 9 مارس/آذار 2018، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://goo.gl/aaCNLq

    كريستين هليبرغ:”أسباب لجوء السوريين”، موقع قنطرة الإلكتروني، تاريخ 28 سبتمبر/أيلول 2015، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://goo.gl/scVnf2

    أكرم البني: “عن دوافع هجرة السوريين إلى الغرب”، موقع جريدة الحياة الإلكتروني، تاريخ 16أكتوبر/تشرين الأول 2015، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://goo.gl/McWDv2

    أيمن دسوقي: ” المجالس المحلية وملف الأمن المحلي: دورٌ مطلوب لملف إشكالي “، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ 2 يناير/ كانون الثاني 2017، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/kWtfX

    أوضح البيان الختامي للقاء رئيس المركز الوطني لقيادة الدفاع في روسيا العماد أول ميخائيل ميزنيتسيف، ووزير الإدارة المحلية في حكومة نظام الأسد حسين مخلوف حول عودة المهجرين السوريين إلى سوريا، أن المشكلات التي تعيق تطبيق مبادرة عودة المهجرين من وجه النظر الروسية، تتلخص بالنقاط التالية: عدم تحقيق الاستقرار والأمن من قبل فصائل المعارضة بعد محاولة الجانب الروسي إقامة ممرات إنسانية، وجود وحدات عسكرية تابعة لدول أجنبية ضمن الأراضي السورية مما يساعد على إطالة أمد النزاع وعدم تهيئة الظروف للعودة الآمنة، وجود دعم “مصطنع” للظروف اللاإنسانية من قبل المنظمات في مخيمات اللاجئين، تهيئة الولايات المتحدة الأرضية لتأجيج المنظمات من أجل الحفاظ على عدم الاستقرار في سوريا.

    أمين محمد حبلا: “هل ينجح الروس بإعادة اللاجئين السوريين؟” الجزيرة نت، 27 يوليو/تموز 2018، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/iqjoO

    هذا ما أقر به وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف خلال لقاء صحفي مشترك مع نظيره الأردني أيمن الصفدي في الأردن، 19فبراير/ شباط 2011، حيث قال: ” إن المركز الروسي الأردني المشترك، الذي تم تشكيله قبل عدة سنوات في عمان بهدف تسهيل عودة اللاجئين السوريين، قد حقق إنجازات ملموسة، ولو لم تكن كبيرة”، للاطلاع على التصريح، انظر روسيا اليوم، 19 فبراير/شباط 2020، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/MqAmp

    البيان المشترك للهيئتين التنسيقيتين الوزاريتين الروسية والسورية حول المشكلات التي تعيق تطبيق مبادرة عودة المهجرين إلى أماكن إقامتهم المختارة، موقع وزارة الدفاع الروسية، مرجع سابق. (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020) https://bit.ly/3ak3YMM

    Gerry Simpson: “Repatriation” of Syrians in Turkey Needs EU Action”, Human Rights Watch,7/11/2019. https://2u.pw/SEhbs

    تركيا: إنشاء “منطقة آمنة” يسرع عودة اللاجئين السوريين، موقع روسيا اليوم، 19 ديسمبر/ أيلول 2019، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/jKxpg

    المصدر السابق.

    أردوغان يقترح إعادة توطين 3 ملايين لاجئ سوري في المنطقة الآمنة شمال سوريا، موقع روسيا اليوم، 18 ديسمبر/ أيلول 2019، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/sM6WH

    قمة تركية أوروبية في إسطنبول لبحث أزمة الهجرة :أنقرة تسعى لتعديل اتفاقية 2016 مع أوروبا وتتعهد “بمحاسبة” اليونان، الشرق الأوسط، 11 مارس/آذار  2020، (تاريخ الدخول: 24

مارس/آذار 2020):

https://2u.pw/l8Cfr

=====================

قوات النظام السوري تنهب ممتلكات المناطق التي سيطرت عليها بإدلب
إدلب: تقوم قوات النظام السوري والميليشيات المدعومة من قِبل إيران بنهب المنازل والممتلكات في المناطق التي سيطرت عليها مؤخرا بمحافظة إدلب.
وبحسب معلومات من مصادر محلية موثوقة، فإن قوات النظام السوري تواصل نهب المنازل في المناطق التي سيطرت عليها بمنطقة خفض التصعيد في إدلب.
ويظهر في مشاهد منشورة من قِبل عناصر النظام على وسائل التواصل الاجتماعي، قيام قوات الأسد وداعميه بسرقة أبواب ونوافذ المنازل وأسلاك الكهرباء وأدوات المطابخ.
وتقوم قوات النظام السوري بجمع الممتلكات المسلوبة وسط القرى، ليتم نقل المسروقات عبر شاحنات كبيرة.

وتنقل قوات النظام وداعموه الأغراض المسروقة إلى حلب ودمشق، لبيعها بأسعار زهيدة.
بأسلوب انتقامي من مجتمعات بأكلمها..
قوات #الأسد وميليشيات #إيران تواصلان عمليات “التعفيش” والنهب في ريف #إدلب
إليك التفاصيل 👇#تلفزيون_سوريا @syriastream pic.twitter.com/RYel9TMjZO

— تلفزيون سوريا (@syr_television) March 31, 2020

عناصر ميليشيا أسد يستغلون هدوء الجبهات ويستكملون "تعفيش" معرة النعمان#TeleOrient pic.twitter.com/G9rdd0cnTG

— TeleOrient (@TeleOrient) March 31, 2020

وفي 5 مارس، أعلن الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين توصلهما إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في إدلب اعتبارا من 6 من الشهر نفسه.
وجاء الاتفاق على خلفية المستجدات في إدلب إثر التصعيد الأخير الذي شهدته المنطقة، الذي بلغ ذروته بمقتل 34 جنديا تركيا أواخر فبراير/ شباط الماضي جراء قصف جوي لقوات النظام السوري على منطقة “خفض التصعيد”.
وإثر ذلك أطلقت تركيا عملية “درع الربيع” ضد قوات النظام السوري في إدلب.

جيش الأسد
تعفيش البلد #حماة الوطن يقوموا بتعفيش بيوت الناس
التعفيش يعني (السرقة)
حماة الوطن قادمون #
اللهم عليك بهم pic.twitter.com/zJa8juGe21

— نجم الدين (@NjmAldeen7) March 30, 2020

من انجازات مليشيات الاسد
تعفيش وسرقة املاك المدنيين في مدينة كفرنبل pic.twitter.com/7ZrjlyMt9f

— Mohammed Shaheen (@abrahem545610) March 24, 2020

تقرير: عمليات #النهب الواسعة التي تقوم بها قوات #النظام_السوري والإيراني في #إدلب وما حولها تهدد عودة #النازحين وتزرع الأحقاد الدينية
تسجيل عمليات نهب لقرابة 30 منطقة منذ نيسان 2019 حتى الآن، وهي تشكل #جريمة حرب#سورياhttps://t.co/8EVlPWFgzj

— Syrian Network (@snhr) March 31, 2020

(الأناضول)
القدس العربي


سوريا: جهات حقوقية توثق 30 عملية نهب واسعة بهدف عرقلة عودة النازحين/ هبة محمد
دمشق – «القدس العربي»: لا يزال النظام السوري، يواصل خرقه للهدنة المبرمة بين الرئيسين الروسي والتركي، شمال غربي سوريا، وسط تغاضٍ روسي واضح، عن القصف المدفعي وتعبئة القوات والميليشيات الداعمة للنظام، على محاور ريف إدلب، في اتجاه القرى الخارجة عن سيطرته، وذلك في وقت وثقت فيه مصادر حقوقية جريمة حرب جديدة تضاف إلى سجل النظام السوري الحافل بالجرائم، تمثلت بتوثيق عمليات نهب 30 منطقة، قامت بها قوات النظام السوري والإيراني في إدلب وما حولها، بهدف عرقلة عودة النازحين وزرع الأحقاد الدينية.
ميدانياً، قصفت قوات النظام أمس الثلاثاء، مواقع في ريفي إدلب الشرقي والجنوبي، شمال غربي سوريا، حيث رصد المرصد السوري لحقوق الإنسان قصفاً صاروخياً نفذته قوات النظام على مناطق في قرية آفس الواقعة في ريف سراقب شرق إدلب ومناطق أخرى واقعة بجبل الزاوية جنوب إدلب، فيما استهدفت الفصائل بالقناصات عنصرين في قوات النظام على محور الفطيرة بجبل الزاوية، وسط معلومات تؤكد مقتلهما.
وجاء الاستهداف بعد هدوء حذر ضمن عموم منطقة خف التصعيد، وذلك مع دخول وقف إطلاق النار الجديد يومه الـ 26 على التوالي، في الوقت الذي لا يزال القصف الجوي متوقفاً بشكل كامل خلال الفترة هذه.
وقالت مصادر محلية وحسب شبكة «بلدي نيوز» إن قوات النظام السوري المتمركز في مدينة سراقب في ريف إدلب، قصفت بالمدفعية الثقيلة بلدة آفس في ريف إدلب الشرقي، يوم الثلاثاء، في سياق سياستها الرامية إلى إفشال الهدنة.
في غضون ذلك، قالت مصادر متطابقة ان القوات التركية استقدمت رتلاً عسكرياً جديداً نحو مواقعها في محيط إدلب، حيث دخلت عشرات الآليات العسكرية صباح الثلاثاء عبر معبر كفرلوسين الحدودي.
وبذلك، يرتفع عدد الشاحنات والآليات العسكرية التي وصلت منطقة «خفض التصعيد» خلال الفترة الممتدة من الثاني من شهر فبراير/شباط الجاري وحتى الآن، إلى أكثر من 5490 شاحنة وآلية عسكرية تركية، تحمل دبابات وناقلات جند ومدرعات وكبائن حراسة متنقلة مضادة للرصاص ورادارات عسكرية، فيما بلغ عدد الجنود الأتراك الذين انتشروا في إدلب وحلب خلال تلك الفترة أكثر 10100 جندي تركي.
وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لـ»القدس العربي»، إن عمليات نهب واسعة قامت بها قوات النظام السوري والإيراني في إدلب وما حولها، بهدف عرقلة عودة النازحين وزرع الأحقاد الدينية.
وقال فضل عبد الغني، مدير الشبكة، إنهم وثقوا، هرب ما يزيد من 98 % من المواطنين السوريين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، عند تقدم قوات النظام السوري والإيراني نحوها وعلى الرغم من موجات البرد القارس، وعدم توفر الخيام والمقومات الأساسية للحياة نجد أن السكان يقررون الفرار؛ لأن كل الصعوبات والتحديات التي سوف يلاقونها هي أقل ضرراً بكثير من الوقوع في قبضة النظام السوري وحلفائه.
استعرض المتحدث تقريرا صادر عن الشبكة، يشير إلى أن عميات النهب الواسعة التي وقعت لا يمكن أن تتم بمعزل أو دون انتباه قادة الجيش السوري والقوات الروسية، مشيراً إلى أنَّ هذا النَّهب هو جزء من الدخل الشهري لقوات النظام السوري والإيراني والروسي، ولهذا وحسب التقرير يتم التغاضي عنه على هذا النحو الصارخ، حيث تبلغ عمليات النهب حدَّ تفكيك النوافذ والأبواب وتجهيزات الصرف الصحي وأسلاك الكهرباء، والغالبية العظمى من جيش النظام السوري من أعلى القيادات وحتى العناصر على علم بهذا النهج، وذكر التقرير أن عمليات بيع الممتلكات تحدث بشكل علني في مناطق يسيطر عليها النظام السوري وحليفاه الإيراني والروسي، وتظهر في هذه الأسواق كميات من المفروشات وتجهيزات كهربائية، وأدوات زراعية، وماشية.
وسجل تعضر قرابة 30 قرية وبلدة من ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي وريف حلب الغربي لعمليات سطو ونهب للممتلكات، نفَّذتها قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية الموالية له.
وتحدث عبد الغني عن قوانين سنَّها النظام السوري تُشرعن السيطرة على الممتلكات بعد نهبها، حيث أشار إلى أن النظام السوري يستخدم عبر هيمنته المطلقة على أجهزة الدولة كافة بما فيها مجلس الشعب، يستخدم مجلس الشعب لتشريع قوانين تُشرعن الجريمة وتبرر عمليات النهب وتغلفها في صورة قوانين، وطالب عبد الغني لجنة التحقيق الدولية المستقلة بتوثيق عمليات النهب التي تقوم بها قوات النظام السوري بالتعاون مع الميليشيات الإيرانية، وإصدار تقرير أو بيان خاص يدين تلك العمليات ويوضِّح خطرها على عودة النازحين واللاجئين، كما قدم توصيات إلى كل من المفوضية السامية لحقوق الإنسان والمبعوث الدولي إلى سوريا والمجتمع الدولي، وطالب النظام السوري بالتوقف عن القصف العشوائي وإرهاب السكان وتشريدهم، وملاحقة عمليات النهب الواسعة التي تقوم بها قواته وإيقافها، ومحاسبة مرتكبي هذه الانتهاكات.