منوعات

فيروس كورونا الذي اجتاح العالم، ماذا عن سورية؟ -مقالات مختارة- ملف محدث يوميا

===============================

تحديث يومي في نهاية الملف

فيروس كورونا والمفردة غير السحرية/ صبحي حديدي

برنار بيفو، الصحافي والإعلامي الفرنسي الشهير، اختار طرافة من نوع خاصّ في التعليق على فيروس كورونا الذي يجتاح العالم، بتؤدة تارة وبسرعة جنونية تارة أخرى؛ فغرّد هكذا: “بتنا نعرف على نحو أفضل شخصية فيروس كورونا. إنه معادٍ للرأسمالية (هبوط أسواق البورصة)، وهو يحبّ الذهب (+ 8%)، ومحبّ للبيئة (رحلات طيران أقلّ في السماء)، ونافر من البشر (يكره أن يتبادل الناس الحديث)، وطهراني بيوريتاني (يحول بين البشر والملامسة)”.

بعض الفلاسفة، خاصة أولئك المعنيين بهواجس الجموع والأبعاد الثقافية للاعتلال الكوني، أمثال السلوفيني سلافوي جيجيك؛ ذهب إلى أنّ انتشار الوباء قد أطلق فيروسات إيديولوجية وبائية واسعة النطاق، كانت تعشش في مجتمعاتنا وإنْ في حال سبات: الأخبار الملفقة، نظريات المؤامرة العظامية والارتيابية، انفجارات العنصرية، وانتعاش نزوعات الحظر تحت قناع الوقاية، والمزيد من الحثّ على إغلاق الحدود والفصل بين البشر. وليس أقلّ طرافة من الفرنسي بيفو أنّ جيجيك يلجأ إلى مشهد من فيلم كوينتن ترانتينو Kill Bill، حين تنجح بياتريكس في الإجهاز على الشرير بيل خلال مبارزة تستخدم في ختامها تقنية الضربة الخماسية: “ألا تذكّر هذه الفكرة بأولئك؟ أليست فكرة أولئك الذين يتكهنون حول الكيفية التي سينتهي بها وباء كورونا إلى سقوط الحكم الشيوعي في الصين، شبيهة بهذا؟”؛ يكتب جيجيك.

نقّاد النيو ــ ليبرالية، الجديرة بتسميتها الثانية الملازمة: الليبرالية المتوحشة، لا ينطلقون من أيّ معطى عنصري حين يشيرون بأصابع اتهام عديدة إلى الخيارات التصنيعية القصوى التي اعتمدتها الحكومة الصينية، رغم تأثيراتها المدمرة على البيئة؛ وعلى رأسها عمليات حرق الكربون وما يتسبب به من تلويث وأمراض تنفس وسرطانات رئة في مراحل مبكرة من العمر. الصين هي ورشة العالم الصناعية الأولى، وربع ما يُصنّع في العالم يجري في الصين، وأرقام الوفيات الناجمة عن أمراض التنفس تتجاوز 300 ألف سنوياً.

ومن العجيب أنّ حقائق علمية صلبة أفادت، وتفيد اليوم أيضاً، أنّ الفيروسات القاتلة المستجدة ليست من صنع الطبيعة، ولا ذنب فيها للبقر أو الدجاج أو الخنازير أو الخفافيش أو الأفاعي؛ بل هي من صنع البشر أنفسهم، لأنفسهم، وذلك عبر مواضعات متفاوتة الإيذاء على أصعدة التصنيع والغذاء وتلويث البيئة، قاسمها المشترك الأعظم هو المفردة غير السحرية: الرأسمالية. وفي كتابه “أصول الأيدز” أوضح جاك بيبان جملة جذور رأسمالية، وفي قلبها معطيات استعمارية وما بعد استعمارية، أتاحت ولادة الفيروس وسهّلت انتشاره عالمياً؛ عبر قوى اجتماعية وسياسية واقتصادية واسعة النفوذ وهائلة التأثير.

ولم يكن ينقص المأساة المتعاظمة، التي بات الوباء يخلّفها في أربع رياح الأرض، سوى تدخّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لجهة إقصاء أهل الاختصاص من علماء الفيروسات والأوبئة والوقاية الصحية (تيم زيمر، مدير الأمن الصحي العالمي والدفاع الحيوي في مجلس الأمن القومي الأمريكي)؛ لصالح تعيين أهل الأساطير والخرافات والاستيهامات الدينية (نائبه مايك بنس، صاحب السجلّ الأسوأ في الميدان الصحي حين كان حاكم ولاية إنديانا). ولكي يكتسب المشهد الأمريكي بُعْدَ امتزاج المأساة بالمهزلة، خرج الإعلامي المحافظ راش ليمبو بنظرية مؤامرة تقول إنّ وسائل الإعلام اخترعت (قبل أن يعدّل فيقول إنها ضخّمت) فيروس كورونا بهدف أوّل أعلى هو… تعطيل إعادة انتخاب ترامب لولاية رئاسية ثانية!

وليست مبالغة، والحال هذه، أن يقع اقتصاد السوق ذاته في مآزق متعاقبة إزاء الحدّ من انتشار الفيروس، وبالتالي العجز عن توفير المقاومة الشاملة، فكيف بالوقاية الفعالة؛ وذلك بصرف النظر عن الخدمات المتوفرة في قطاعات الدولة والقطاعات الخاصة على حدّ سواء، وأياً كانت مستويات تقدّم أو تأخّر المؤسسات. في فرنسا كما في إيران، وفي العراق على غرار إيطاليا، فضلاً عن الصين ذاتها قبلئذ؛ ثمة ما ينحطّ ويتسخ ويتلوث في البيئات الكونية الواسعة، قبل تلك المحلية الضيقة في الواقع، حيث تواصل المفردة غير السحرية ممارسة ذلك العنف القاتل، متعدد الأنساق والأسواق و… الفيروسات!

القدس العربي

—————————

“كورونا فيروس”: فيروس الإيديولوجيا/ سلافوي جيجك

ترجمة علاء خزام

كتب الكثير عن وباء الفيروس التاجي. ما الذي يمكنني إضافته كمراقب غير متخصص لا يملك إلا وصولاً محدوداً للغاية إلى البيانات؟ لكن ربما ينبغي أن نسأل أنفسنا السؤال التالي: أين تنتهي البيانات وأين تبدأ الأيديولوجيا؟

لغز أول ظاهر: بعض المناطق تعاني من أوبئة أخطر بكثير من فيروس كورونا، يموت الآلاف من الأشخاص يومياً بسبب إصابات أخرى، فلماذا هذا الهوس بهذا الوباء الأخير؟ لا حاجة بنا إلى العودة إلى وباء 1918-1920، المعروف باسم “الإنفلونزا الإسبانية”، التي أودت بحياة 50 مليون شخص على الأقل: في هذا الموسم وحده، أصابت الأنفلونزا 15 مليون أمريكي، تم نقل ما لا يقل عن 140 ألفاً لتلقي العلاج وتوفي أكثر من 8200.

في الحالة التي تشغلنا هنا، من الواضح أن البارانويا العنصرية تعمل – لنتذكر جميع التخيلات حول تلك النسوة الصينيات العجائز من ووهان، القذرات، اللواتي يسلخن جلود الثعابين الحية ويبلعن حساء الخفافيش… اليوم، ربما تكون المدينة الصينية الكبيرة واحدة من أكثر الأماكن أمانًا في العالم.

ووهان، مستقبلنا؟

هناك مفارقة أعمق بعد تعمل هنا: فكلما كان عالمنا أكثر ارتباطاً ببعضه، استطاعت كارثة محلية إطلاق خوف عالمي وفي نهاية المطاف كارثة. في ربيع عام 2010، نجحت سحابة متأتية من ثوران بركاني بسيط في أيسلندا (اضطراب صغير، في العمق، في آلية الحياة المعقدة على الأرض) في إيقاف الحركة الجوية في معظم أوروبا – تذكير بحقيقة أنه على الرغم من قدرتها المدهشة على تحويل الطبيعة، فإن البشرية ليست سوى نوع واحد من الكائنات الحية على كوكب الأرض.

إذا استطاع انفجار طفيف كهذا أن يكون له تأثير اجتماعي واقتصادي كارثي للغاية، فذلك بسبب تطورنا التكنولوجي (السفر الجوي): قبل قرن من الزمان، كان لانفجار كهذا أن يحدث دون أن يلاحظه أحد. التكنولوجيا تجعلنا، من ناحية، أكثر استقلالية عن الطبيعة، ومن ناحية أخرى، أكثر تبعية لتقلباتها. الأمر نفسه ينطبق على انتشار فيروس كورونا: لو أنه حدث قبل إصلاحات دنغ شياوبنغ، فربما لم نكن حتى لنسمع به.

كيف إذاً سنحارب الفيروس في وقت يتكاثر فيه كشكل غير مرئي من الحياة الطفيلية التي تظل آليتها الدقيقة غير معروفة بشكل أساسي؟ هناك شيء واحد مؤكد: العزلة وجدران جديدة ومواقع حجر صحي جديدة لن تؤدي المهمة. هناك حاجة إلى تضامن كامل غير مشروط واستجابة منسقة على المستوى العالمي، شكل جديد لما كان يسمى فيما مضى الشيوعية.

إذا لم نوجه جهودنا في هذا الاتجاه، فقد تعطي ووهان صورة عن مدينة مستقبلنا. سبق لعديد من الديستوبيات أن تصورت مستقبلاً مشابهاً: البقاء في المنزل معظم الوقت، العمل على أجهزة الكمبيوتر خاصتنا، والتواصل عن طريق الفيديو، ممارسة الرياضة على جهاز في زاوية المكتب، والاستمناء أمام أفلام إباحية واستخدام خدمات توصيل الطعام…

إمكانات يفجرها وقت الفراغ

ومع ذلك، هناك منظور تحريري غير متوقع مخفي داخل هذه الرؤية الكابوسية. يجب أن أعترف أنني فاجأت نفسي خلال الأيام القليلة الماضية وحلمت بزيارة ووهان. تلك الشوارع نصف المهجورة في مدينة كبرى – مراكز حضرية عادة ما تعج بالحركة باتت تشبه الآن مدن الأشباح، ومتاجر أبوابها مفتوحة دون وجود أي زبون، بل شخصاً راجلاً أو سيارة هنا وهناك وأفراداً يرتدون أقنعة بيضاء – ألا تقدّم صورة لعالم غير استهلاكي مرتاح مع نفسه؟

يذكرني الجمال الكئيب للطرق الفارغة في شنغهاي أو هونغ كونغ ببعض أفلام ما بعد نهاية العالم القديمة، مثل فيلم “على الشاطئ”، والتي تظهر مدينة اختفى معظم سكانها – ليس هناك أي تدمير مذهل، بل فقط أن العالم لم يعد في متناول اليد، لم يعد ينتظرنا، لم يعد من اختصاصنا، لم يعد يبحث عنا… حتى الأقنعة البيضاء التي يرتديها عدد قليل من المشاة فهي تؤمن إخفاءً للشخصية مرحباً به وتحرر من الضغط الاجتماعي.

يتذكر كثيرون بيننا الخاتمة الشهيرة للبيان الأوضاعي situationniste الذي أطلقه طلاب عام 1966: “العيش دون وقت فراغ والتمتع دون عوائق”. إذا علمنا فرويد ولاكان شيئاً ما، فهو أن هذه الصيغة – المثال المطلق عن أوامر الأنا العليا، ذلك أن الأنا العليا، كما بين ذلك جيداً لاكان، في جوهره أمر إيجابي بالتمتع، وليس فعل حظر سلبي – هي وصفة للكارثة: إن الرغبة في الملء الكثيف لكل لحظة من الوقت المخصص لنا تنتهي حتماً برتابة خانقة.

تعتبر أوقات الفراغ – لحظات الانحساب، ما كان الصوفيون القدماء يسمونه Gelassenheit (الصفاء)، التحرر” – حاسمة لإعادة إحياء تجربة حياتنا. وربما يمكن للمرء أن يأمل في أن تكون إحدى العواقب غير المقصودة للحجر الصحي بسبب فيروس كورونا في المدن الصينية هو أن يستغل بعض الأشخاص، على الأقل، وقتهم الضائع للتحرر من نشاط مكثف والتفكير بمعنى (لا معنى) أوضاعهم.

إلى جانب العار

إنني مدرك تماماً للخطر الذي أواجهه بنشر أفكاري علانيةً – هل أنني أقوم بإسقاط رؤية نظرية على ضحايا انطلاقاً موقع خارجي، محمي بشكل جيد، وبالتالي إضفاء شرعية بشكل سينيكي على معاناتهم؟ عندما يغادر مواطن ملثم من ووهان منزله بحثاً عن أدوية أو طعام، من الواضح أنه لا يوجد أي فكر مناهض للاستهلاك في ذهنه، بل فقط الذعر والغضب والخوف. أنا أزعم ببساطة أنه يمكن حتى للأحداث المروعة أن تكون ذات نتائج إيجابية غير متوقعة.

اقترح كارلو غينزبرغ Carlo Ginzburg أن شعور المرء بالعار تجاه بلده، كراهيته له، يمكن أن يكون العلامة الحقيقية على انتمائه إليه. ربما سيتحلى بعض الإسرائيليين بشجاعة الشعور بالعار من السياسات التي يتبعها نتانياهو وترامب باسمهم – وليس بالطبع أن يشعروا بالعار من كونهم يهوداً، بل على العكس، العار مما تقترفه السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية في حق التراث الأثمن لليهودية. ربما ينبغي على بعض البريطانيين أن يتحلوا بشجاعة الشعور بالعار من الحلم الأيديولوجي الذي جعلهم يستحقون البريكست.

بالنسبة إلى شعب ووهان، ليس هذا الوقت المناسب للشعور بالعار أو الوصم، بل وقت حشد شجاعته والمثابرة بصبر في نضاله. الوحيدون الذين يستحقون الاحتقار في الصين هم أولئك الذين قللوا رسمياً من الأوبئة بينما كانوا يحمون أنفسهم بشدة، ويتصرفون مثل المسؤولين السوفيات حول تشيرنوبيل حين أكدوا أنه لا يوجد أي خطر في وقت كانوا قد أجلوا فيه على الفور عائلاتهم، وكذلك كبار المسؤولين الذين ينكرون على الملأ ظاهرة الاحتباس الحراري لكنهم يشترون منازل في نيوزيلندا أو يبنون مخابئ في جبال روكي. لكن من يجب عليه أن يشعر بالعار فعلاً هو جميعنا، حول العالم، الذين نفكر في عزل الصينيين.

—————————————————

كورونا ظاهرةً بلاغية/ علي سفر

يشعر الإنسان المعافى من أي مرض، في هذه الأيام، بأنه قاب قوسين أو أدنى من أن يقع ضحية لفيروس كورونا في نسخته الجديدة، التي سُمِّيَت للتمييز عن النسخة القديمة “كوفيد 19″، حتى وإن كانت الاحتياطات التي اتخذها لحماية نفسه من العدوى مثالية ومستوفية لشروط السلامة.

الإلحاح الإعلامي على اقتراب الخطر من أي إنسان، حتى وإن كان في منأىً، لجهة الظروف الصحية وعدم الاتصال مع أي بيئة موبوءة، بات يشبه الهوس بالقيامات الألفية، حيث لا بد للمصابين بالهلوسات من تذكيرنا، بين حين وآخر، باقتراب القيامة وظهور علامات الساعة، وما يترتب على هذا من ضرورات التحاق المرء بمواكب المستغفرين، حتى وإن كان مؤمناً مطمئناً إلى ما فعل! الأمر الذي كانت تستجيب له سينما الكوارث، فتصنع الشركات المنتجة نسخاً متكرّرة من أفلام تروج لتدمير العالم بسيناريوهات مختلفة، تبرز منها الكارثة الفيروسية القاتلة.

وفي عديد من أشكال التنبيهات والإشارات التي يكرّرها الإعلام عن الخطر المحيق بالبشرية من فيروس كورونا، ينساق الإعلاميون إلى استخدام لغةٍ قريبة من لغات الكتب المقدسة فعلاً. ففي العنوان المفزع الذي يجري اختياره، تنام رغبةٌ مضمرةٌ بالإيمان الراسخ بوقوع كارثة فانية من نوع ما، تتكفل بالقضاء على البشر جميعاً، ولا بأس إن كان العنوان بليغاً ليعبّر عمّا سبق، بما أن عناوين الصحف ومقدمات نشرات الأخبار في القنوات التلفزيونية قد حيدت كل الكوارث البشرية من حروب ومجازر، وجعلت من الفيروس مادتها الأولى. وهل ثمّة مناسبة أفضل من هذه لإظهار الثراء القاتم والمفجع للغات البشرية؟

لا تصلح البلاغة للتعبير عن الوباء. وهي لا تصلح أصلاً للاستخدام في اللغة الإخبارية. إذ يحتاج الصحافي عدّة مختلفة عن تلك التي يستخدمها الشاعر والقاص والروائي. وحين يضطر أحد ما للجوء إلى المجاز للتعبير عن هول تأثير المرض الذي يتربص بالبشر، لا بد أن نسأل أنفسنا: أي إحساسٍ بالجمال سيلحق بما هو غير قابل للتجميل؟

أمراض عدّة مرت على البشرية، ولا سيما في الأزمنة التي عايشها من يقرأون ويتابعون أخبار الفيروس، لكنّ أيّاً منها لم يصل الاحتفاء به إلى ما وصل إليه حال كورونا. لن نتذكر هنا إنفلونزا الطيور فقط أو شقيقتها إنفلونزا الخنازير، بل سنتذكر بحسرة أيضاً السارس وإيبولا، وصولاً إلى الإيدز. كانت أمراضاً محبوسة ضمن حيّزها المرضي التقليدي، بينما صار طيف كورونا يجول حول المعمورة كشبح مرعب، يفجر الطاقة اللغوية لدى المتحدثين عنه، كما يفجر أعلى درجات العنصرية تجاه الثقافات المختلفة التي يُحال نشوء المرض إلى عاداتها الخاصة بالمأكل والمشرب. لقد بات طعام الصينيين هو المشكلة. وبدلاً من معالجة التكوين الشاذ للفيروس الذي يمكن أن ينشأ مصادفةً في بيئة مختلفة أيضاً، يجد كثيرون أن المصيبة تفرض عليهم سياق “تظارفٍ” يجعلهم يرفعون لافتةً تنهى الصينيين عن أكل أي شيء.

وفي السياق ذاته، نتذكر تلك الحملات التي تستهدف ثقافات المختلفين، فتضع مأكلهم في واجهة المثالب، وصولاً إلى سحنات الوجوه وشكل العيون؛ أي قباحة تماثل هذه التي تحملها مشاهد استهداف الصينيين في العالم بعبارات “كورونا .. كورونا”، وهي ترافق مرورهم في أي مكان؟.

إدخال المشتبه في إصابتهم بأعراض الفيروس إلى الحجر الصحي أسبوعين لم يعد مستغرباً، ما دام هو الإجراء الأفضل لمحاصرة انتشاره حتى توافر اللقاح المناسب. كذلك لن يكون مستغرباً إيقاف كل الدول، بحكوماتها ومؤسساتها كل الأنشطة التي يمكن أن يجتمع فيها البشر جماعات، ما يؤدي إلى توسع الإصابات. ولكن المستغرب حقاً في كل ما يجري، هو الإصرار على النظر إلى الفيروس مبتوراً عن السياق الذي يحتمل ولادته فيه، وكذلك ولادة فيروسات أخرى تشبهه، وقد تكون أخطر منه. ألا يضعنا هذا في مواجهة تجاهل العالم المتقدم برمته لعدم وجود استراتيجيات حماية تضع في حسبانها مليارات البشر الذين لا يخضعون لبرامج صحية مثالية، تقيهم خطر التعرّض لهذا الفيروس أو ذاك.

لا يمكن حقاً تفسير ارتهان العالم الراهن، على الرغم مما وصل إليه من تقدّم علمي وحضاري، إلى وقوع خلل ما يؤدي إلى ولادة نسخة قاتلة فتاكة من أحد الفيروسات، من دون تخليص هذا العالم المتقدّم ذاته من اعتداده بنفسه، وبقوة حضارته، وثقته بإمكاناته الجبارة في القضاء على كل ما يهدّده.

وفي الآن نفسه، على العالم أن يتخلص من انتهازيته، ونفاقه، وتجاهله الأخطار المماثلة التي يمثلها وجود أنظمةٍ تُبيد شعوبها، يُسكَت عنها بسبب ارتباطها بنيوياً بسياق متواطأ عليه، قوامه نهب مقدّرات الشعوب وثرواتها، من دون أن تستفيد مما تملكه، حتى في بناء خدمات صحية مناسبة. وهذا فعلياً غير ممكن، ما دامت تلك الشرائح الاجتماعية التي تسيطر عليه، وتتحكم بقواه وثرواته وإعلامه أيضاً، لا ترى سوى ذاتها ومصالحها، فتغمض عيونها عمّا يجري في الأقاصي البعيدة، ولا تستنفر قواها لمعالجة الأزمات إلا إن اقتربت منها.

كان من الممكن أن يغضّ العالم الطرف عن كورونا، لو بقي محصوراً بالبؤرة الصينية، حيث سيُقال، في هذه الحالة، لينزع الصينيون شوكهم بأيديهم. ولكنه لسوء الحظ لم يبقَ مجرد أزمة صحية محلية، بل صار أزمة عالمية. ولهذا توجب على الجميع أن يعيدوا حساباتهم، بما أن انتقال المرض بات ممكناً وبأسرع مما توقع كثيرون.

العربي الجديد،

————————————–

فيروس عالمي: «كورونا» وأسئلته الثقافية/ محمد سامي الكيال

أدى انتشار فيروس كورونا إلى كثير من ردود الفعل على المستوى الثقافي والفكري، خاصة في ما يتعلق بطابعه العالمي: الفيروس الذي ظهر في الصين البعيدة، صار مشكلة محلية للعديد من البلدان، على اختلاف ثقافاتها وطبيعة أنظمتها السياسية. وبالتالي يطرح «كورونا» ثقافياً وسياسياً سؤال العولمة مجدداً.

بالنسبة لعديدين يعيد هذا الاعتبار لأهمية فكرة الحدود القومية، فالانفتاح، حسبهم، يصيب المناعة المحلية بعدوى وبائية، تؤدي لتفكك اجتماعي وثقافي، وانهيار اقتصادي، ومع كورونا اكتسبت هذه «العدوى» معناها الحرفي. يؤكد آخرون أن تصاعد المشاكل ذات الطابع العالمي، التي لا تقتصر على الفيروس الجديد، بل تشمل أيضاً قضايا البيئة وأزمات اللجوء والانهيارات المالية، يتطلب إيجاد حلول عالمية، أي المزيد من الانفتاح وتقييد سيادة الحكومات المحلية، وتجاوز التفكير بمنطق الدولة الوطنية.

يطرح كورونا أيضاً قضايا ثقافية وسياسية أخرى: يبدو التمسك بالمساحة الخاصة للفردانية أسلوباً ممتازاً للوقاية من العدوى. اللقاءات في المساحات العامة، تصبح أكثر خطورة، وحول العالم تُلغى أنشطة ومناسبات ذات طابع اجتماعي مهم: عروض مسرحية، مهرجانات شعبية، أعياد دينية، إلخ. تترافق دعوات العالمية إذن بمزيد من النزوع للتقوقع الفردي، بما يلازمه من رقابة وتحكم ذاتيين، وهي سمة أساسية في الأيديولوجيا الليبرالية المعاصرة.

من جانب آخر فإن تقنيات العزل والرقابة والحجر، الضرورية لمواجهة الأوبئة، تعيد الحيوية للمؤسسات الانضباطية التقليدية. إشادة منظمة الصحة العالمية بالإجراءات الصينية شديدة القسوة في التعامل مع الوباء، وإمكانية قيام العديد من الدول باستلهام هذا النوع من الإجراءات، قد يعطي للعالمية، التي يأمل كثيرون بها، طابعاً سلطوياً قوياً.

هذه الأسئلة تجعل وعود الخلاص، التي تحملها النزعة للعالمية إشكالية إلى حد كبير، في حين لا يبدو الميل الوطني الشعبوي انعزالياً، للدرجة التي يظنها بعض اليساريين، فالآليات العالمية الأكثر فعالية تعتمد دائماً على دول وحكومات قوية، وضبط معين للحدود، وتقسيم للعمل على الصعيد العالمي، لا تؤمنه فعلياً إلا الدول الوطنية. فهل النزعة الوطنية الشعبوية هي الأنسب بالفعل للعولمة، خاصة في أوقات الأزمات الكبرى؟ وهل تحمل الدعوات لـ«العالمية»، التي يطرحها بعض المفكرين اليساريين والتقدميين، إمكانات تحررية فعلية؟

العدوى الحميدة

يؤكد الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك أن انتشار فيروس «كورونا»، يطلق العنان لتعميم كثير من الأوبئة السلبية، مثل العنصرية وعزل الأعداء وتصليب الحدود القومية، ولكنه فرصة أيضاً لانتشار عدوى أيديولوجية حميدة: التفكير بمجتمع بديل على أسس التضامن العالمي. كورونا يوجه ضربة للنظام الرأسمالي نفسه، فالتصدي للتهديدات المعولمة بطبعها لا يمكن أن يُترك لضرورات الأسواق، ومحدودية الحكومات المحلية، بل يطرح الحاجة لإجراءات أكثر فعالية، مثل إنشاء نظام رعاية صحية دولي، وإيجاد آليات للتحكم بالاقتصاد العالمي، خاصة في أوقات الأزمة. ما يعيد الاعتبار للمبدأ الشيوعي، ليس بمعناه القديم، ولكن بمعنى إيجاد أشكال جديدة من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي على مستوى كوني.

يمكن توجيه نقد أولي لطرح جيجيك، يتمثل في إغفاله التفكير بالآليات التي ستنتج مشروعاً عالمياً بهذه الضخامة، وطبيعة القوى الاجتماعية التي يجب أن تحمله، بالإضافة لذلك يبدو التعويل على إمكانيات العقلانية الإنسانية مبالغاً به ضمن هذا المنظور. الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية لا تنبني دوماً على التوازن والاتساق التامين، فحالة التأزم الدائم ملازمة للشرط الإنساني تاريخياً، وكثيراً ما فشلت البشرية في التصدي للأزمات الملحة التي تواجهها، ما يؤدي لانهيار منظومات معينة وبروز أخرى، لا تكون أفضل أو أسوأ بالضرورة. دعك من أن التغيير الجذري لا يأتي عادةً عن طريق وعي صحيح، ينوّر أذهان البشر بشكل مفاجئ، بل محصلةً لصراعات طويلة، وتصادم مشاريع فئات اجتماعية متنازعة. اليوتوبيا العالمية، التي يدعو إليها جيجيك، لا تبدو بهذا المعنى أكثر من دعوة خلاصية.

إلى جانب اليوتوبيا التي يبشر بها، ينذرنا جيجيك دائما بتصورات ديستوبية، قد تواجه البشرية في حال لم تهتد إلى الوعي اللازم، أو لم تجد «قادة حقيقيين» يوجهونها إلى الطريق الصحيح: صور المدن المغلقة، والعزلة المفروضة على البشر، التي تأتينا من الصين وعدد من الدول المبتلاة بالوباء، قد تشكّل مصير البشرية المستقبلي.

لا يعوّل جيجيك كثيراً على الحلول الديمقراطية، فالبشر قد لا يعرفون حقاً ماذا يريدون، ويفضّل البحث عن حلول صحيحة، ولكن ربما يفوته أن ما يبدو حلاً عقلانياً، بما يستلزمه من مؤسسات بيروقراطية متضخمة وقرارات سياسية حاسمة، قد يكون مدخلاً لشمولية جديدة، لا يوجد سبيل واضح لمحاسبتها، أو دفعها لتعديل سياساتها. ومعظم أشكال الشمولية برّرت نفسها بضرورات كبرى، تحتاج نمطاً معيناً من العقلانية للتصدي لها. إذا كان جيجيك يرى أن حرياتنا المكتسبة مهددة بسبب اختلال النظام الحالي، فإن الحلول العالمية التي يدعو إليها قد لا تترك مجالاً لأي حريات. وبما أن منظمة الصحة العالمية، التي يطالب بإعطائها صلاحيات أكبر، قد امتدحت الأساليب الصينية لمواجهة انتشار الفيروس، فقد يكون «الحل العالمي» المنشود هو تعميم السلطة الانضباطية الصينية على العالم بأسره. وهذه، للمفارقة، إحدى التصورات الديستوبية التي طالما أنذرنا جيجيك نفسه منها.

العزل بوصفه نموذجاً سياسياً

تقنيات الحجر الصحي، والتحكم بحركة البشر لضمان الحد من انتشار الأوبئة، وإخضاع الأفراد للفحوص الطبية غير الاختيارية، وتجميع البيانات حول أجسادهم وتنقلاتهم، هي من الآليات الانضباطية التأسيسية لسلطة الدولة الحديثة، تندرج تحت «حالة الاستثناء» المشرعنة بالقانون نفسه: يكفل الإطار القانوني حريات الأفراد وحقوقهم، ولكنه يحتفظ للسلطة بالوقت نفسه بالقدرة على سلبهم هذه الحريات، وجعلهم في وضعية «الحياة العارية»، حسب مصطلحات الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين، في حالات استثنائية معينة، مثل الحروب والأوبئة والكوارث الكبرى. يرتبط هذا بمفهوم للمصلحة العامة تحتكره الدولة، وتبرر إجراءاتها الاستثنائية على أساسه. يمكن للمفكرين النقديين تفكيك مشروع الحداثة ببراعة نظرية، ولكن من غير المنطقي المطالبة بالتهاون بإجراءات الوقاية الطبية بحجة انتقاد السلطوية الحديثة. لا تكمن المشكلة في السيادة الاستثنائية الممنوحة للدولة بحد ذاتها، بل في آليات التحكم بهذه السيادة، ومدى ديمقراطيتها. عزل البشر والتحكم بهم يمكن أن يصبح نموذجاً سياسياً عالمياً، ليس فقط لضرورات صحية، بل قد يجد لنفسه مبررات «صائبة» عديدة: الضرورات الاقتصادية، البيئة، مكافحة العنصرية، الحساسيات الثقافية، إلخ. وبما أنه لا توجد حتى الآن آليات ديمقراطية فعالة على مستوى فوق وطني، فإن المطالبة بالحلول العالمية قد تعني أيضاً شرعنة حالة الاستثناء عالمياً.

قدرة البشر على التواصل في الحيز العام لمناقشة قضاياهم الأساسية، بما توفره من شروط ديمقراطية، هي ميزة أساسية في الحداثة، بوصفها مشروعاً متعدد الأبعاد، أمّن الإمكانية لمواجهة السلطات الهائلة والاستثنائية لجهاز الدولة الحديثة نفسه. الاستهانة بالديمقراطية، بحجة ضرورة الحلول العقلانية الكونية، قد تشكل تهديداً لحقوق البشر الأساسية، لا يقل خطورة عن الكوارث الصحية والبيئة والاقتصادية ذات الطابع العالمي.

عالمية الشعبوية

أمام طوباوية الطروحات العالمية، التي يحملها جانب من «اليسار» في عصرنا، يبدو الشعبويون، خاصة اليمينيون منهم، أكثر واقعية: لا تعني العولمة نهاية الأطر الوطنية، أو زوال الحدود بين الدول، والأنظمة الشعبوية لم تزدهر إلا في شرط معولم. تقسيم العمل على صعيد دولي، بالاستناد إلى خصائص الدول المختلفة وطبيعة أنظمتها ومستوى تطورها، هو ما يؤمن الإطار الاقتصادي المعولم الحالي. وبالتالي فإن سلطة الدول الوطنية، التي لم تضعف على الإطلاق، لا تتعارض مع التنسيق على المستوى الدولي. العالمية التي تتطلبها مواجهة الأوبئة والكوارث موجودة بالفعل، وهي تعمل اليوم، بمستوى لا بأس به من التنسيق، عن طريق مزيد من تشديد الرقابة على الحدود، ونصب الحواجز أمام حركة البشر، مع تسهيل حركة الرأسمال، وتصريف الأزمات الاقتصادية والمالية العالمية على حساب الفئات الأفقر. بهذا المعنى قد يكون الإجراء العالمي الأنسب لتطويق انتشار فيروس كورونا هو المزيد من الأنظمة الشعبوية والأوليغارشية.

وإذا كانت العالمية حالياً تعمل عن طريق الدول الوطنية أساساً، فالحل قد لا يكون بالمطالبة بمزيد من التنسيق العالمي، بقدر السعي لاستعادة الديمقراطية في إطار الدولة الوطنية، فهي وحدها ما قد يؤمن حداً من الرقابة على المؤسسات البيروقراطية، التي تملك السلطة الكافية للقيام باجراءات ضخمة مثل، العزل وإغلاق المدن والتحكم بأنماط الحياة، كما أن الديمقراطية قد تحفظ الحد الأدنى من حقوق وحريات البشر، حتى في حالة الاستثناء.

هذا النمط من الديمقراطية أقرب بالضرورة لمصالح الطبقات الأدنى، الأكثر تضرراً من الكوارث العالمية، والتي تخوض حالياً سلسلة من الانتفاضات في عديد من البلدان، للاحتجاج على تدهور أوضاعها العامة. وقد تكون عالمية هذه الانتفاضات، وطابعها الطبقي الواضح، المعنى الأفضل لـ«العالمية» في عصرنا.

٭ كاتب من سوريا

القدس العربي

——————————————-

——————————————-

دولة الأسد العظمى وكورونا التافهة/ غازي دحمان

ينشغل العالم بفيروس كورونا وآثاره المدمّرة على جميع المستويات، أما وزير الصحة لدى نظام الأسد نزار يازجي فيعلن أن “الجيش السوري” طهّر البلاد من الجراثيم! ربما ما يشفع لهذا الوزير أنه لا أحد في سورية يتعامل مع هذا النظام وأركانه بوصفهم مسؤولين يمكن تصديق ما يقولون أو حتى تكذيبه، فهم عدا عن أنهم مفصولون عن الواقع، فإنهم مجرّد واجهات لقوى الاحتلالين، الروسي والإيراني، ينتظرون النشرات التي تصدرها مراكزهم في سورية ليردّدوا ما فيها. أما حكاية الجراثيم، فهي قصة يعرفها السوريون، إذ سبق لرأس النظام وصف المعارضين بالجراثيم، وكلام الوزير يأتي في سياق تهجير جيش عصابات الأسد ملايين السوريين، وجديدهم المليون الذين تم تهجيرهم من أرياف إدلب وحلب وحماة. وبما أن نظام الأسد ينظر إلى هؤلاء أعداء مؤكدين، فإن فعل تهجيرهم يأخذ معنى التطهير بحرفيته.

المثير واللافت أن هذا السلوك يتزامن مع حالة رعب تعم العالم، إلى درجة دفعت رئيس وزراء بريطانيا، بوريس جونسون، إلى تحذير شعبه بأنهم سيفقدون مزيدا من أحبتهم، وأن الأسوأ لم يأتِ بعد. وخرجت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، تصارح شعبها بأن كورونا تحدّ خطير، سيصيب 60% إلى 70% من الألمان (عدد السكان يقترب من الـ100 مليون). وأن تطوير لقاح له سيستغرق وقتاً. وقبلهما خرج رئيس فرنسا، إيمانويل ماكرون، على شعبه، ليخبرهم أن كورونا وباءٌ لا يرحم، وأن فرنسا لا تزال في بداية الأمر. وفي أميركا، تم إعلان حالة الطوارئ لمواجهة تداعيات انتشار الفيروس.

هذه الدول التي يرتجف زعماؤها رعباً، على شعوبهم، من كورونا، متطوّرة، علمياً وطبياً وتقنياً، ولديها إمكانات وخبرات هائلة، ولديها خبرة تاريخية في التعامل مع الكوارث والأزمات، فكيف لمسؤول في سورية التي تصنفها التقارير الدولية في ذيل الدول تقنياً ومعيشياً، والقطاع الصحي فيها شبه معدم، فسورية دولة تعمل بربع طاقتها الطبية، وهذه بالأصل متخلفة، فقبل الحرب، كان السوريون المتوسطون والميسورون يتعالجون في الأردن ولبنان، نتيجة افتقاد الثقة بالطب في بلدهم، وتخلف المعدات والأجهزة الطبية التي لم يكن النظام يسمح بدخولها، لاعتبارات أمنية!

السؤال الأهم: على ماذا يخاف نظام الأسد من الإعلان عن وجود إصابات بفيروس كورونا لديه؟ أن يكون لذلك تداعيات على البورصة وسوق الأسهم في البلاد؟ أم هروب الاستثمارات أو تباطؤ حركتها؟ أم من أجل المحافظة على قيمة الليرة؟ أو ربما لتجنب ارتفاع الطلب على المواد الاستهلاكية وهجوم الناس الذين بالكاد يؤمّنون قوت يومهم، على المولات غير الموجودة والبقالات الفارغة أصلا؟ هل تنطبق، أصلاً، على دولة الأسد، صفة الدولة، وبالتالي احتمال حصول ما يحصل في الدول؟ ومن ثم فهم يخافون من التداعيات.

يتعاطى نظام الأسد مع كارثة كورونا من زاوية وجوب إظهار الصلابة، فليس الأسد الذي واجه “المؤامرة الكونية” من يخرج على الشاشات، متعاطفاً مع الشعب في هذه الكارثة، هو رئيسٌ يخبر بالانتصارات وحسب، وعلى الشعب أن يفهم ذلك، وعليهم أيضاً تقدير هذا الواقع، فهو ليس بخفّة زعماء أوروبا وأميركا المنتخبين بنسبة 50 + واحد، ولا هو رئيس عابر، فترة أو فترتين، هو سليل عائلة حاكمة، وسيورث الحكم لابنه، ثم ما هذه كورونا التي سيخرج الرئيس للإعلان عن عجزه على مواجهتها، وهو الذي واجه ما واجه من قوى وجيوش!

تعوّد نظام الأسد إدارة الأزمات عن طريق أجهزة الأمن والجيش، الاعتقال والاغتيال والتدمير. أما الأزمات الأخرى فليست من اختصاصه، هو يهتم بالأزمات التي تؤثر على الحكم. يتذكّر السوريون أزمة الجفاف التي ضربت منطقة الجزيرة السورية، وكيف أن النظام رفض التكفّل بالمنكوبين، وتأمين مبلغ 25 مليون دولار إسعافية لتأمين حاجات بسيطة للمنكوبين، ورمى المسألة على أكتاف الأمم المتحدة، وهبّ السوريون لمساعدة المنكوبين الذين حطوا رحالهم على أطراف دمشق. لم يعترف يومها بالأزمة إلا بعد أن ضجّت بها المنظمات الدولية ووكالات الأنباء. ويعاصر أغلب السوريين أزمة النزوح، وكيف يسرق نظام الأسد المساعدات التي

تجلبها الأمم المتحدة والمتبرّعون الدوليون.

اعتاد السوريون إدارة الكوارث التي يمرّون بها بأنفسهم، بإمكاناتهم الذاتية، بصبرهم ومهارتهم، بل على العكس كانت أجهزة الأسد تساومهم على الحلول التي يبتكرونها للخروج من أزماتهم. اعتاد السوريون تدبير أمورهم وكأن لا دولة لهم ولا حكومات. لم يكونوا يوماً متطلبين، تكيّفوا مع أقصى الظروف سوءاً، ومرّروا أحلك الأيام بصمت وصبر، وصنعوا من التحدّيات فرصاً لتطوير واقعهم. يعتقد أشقاء كثيرون في دول الجوار أن كون سورية بلداً لا ديون عليه إنجاز يُحسب لحكم عائلة الأسد، ولكن ما لا يعرفه أحد أن السوريين عاشوا في حدود الممكن، ولم يطلبوا من نظامهم لا زيادة في المرتبات ولا تأمين رفاهية وحياة ناعمة لهم.

السوريون اليوم في وضع صعب، بل وضعهم هو الأصعب في العالم، حيث تجتمع عليهم حزمة كوارث، بعد سنوات طويلة من المعاناة والجوع والألم، ويبقى الأمل في قدرة السوريين على مواجهة الكوارث والخروج بأقل الخسائر. ونظام الأسد أعلن عن تعطيل المدارس والجامعات وتخفيض دوام الموظفين، في بلد لم يعلن فيه عن إصابة واحدة، أو عن الاشتباه بأي حالات.. هذه دولة الأسد التي تختلف عن الدنيا كلها.

العربي الجديد

——————————–

فورين أفيرز: فيروس كورونا المستجد أنهى العولمة وكشف عن ضعف أمريكا

هل سينهي فيروس كورونا المستجد العولمة كما نعرفها؟

يرى البرفسور هنري فاريل أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، وأبراهام نيومان المحاضر جامعة جورج تاون، أن الأزمة الحالية تكشف عن نقاط ضعف في السوق لم يكن يعرف أحد أنها موجودة.

ويقولان إن فيروس كورونا المستجد يتشكل بطريقة ستكون امتحانا قويا للعولمة، ففي الوقت الذي تتحطم في سلاسل الإمدادات وتحاول فيه الدول توفير المواد الطبية والحد من السفر فإن الأزمة تدفع على إعادة النظر في الاقتصاد العالمي المترابط. فلم تسمح العولمة فقط بانتشار المرض المعدي ولكنها قوت حالة من الاعتماد المتبادل بين الشركات والدول بشكل جعلها عرضة للصدمات غير المتوقعة.

وتكتشف الشركات والدول اليوم مكامن الخطر التي تعاني منها. ولكن الدرس الحقيقي من وباء كورونا لا علاقة له بفشل العولمة بل كونها هشة رغم منافعها.

فعلى مدى عقود أدت جهود الشركات المستمرة للتخلص من الفائض إلى توليد ثروة غير مسبوقة. ولكن هذه الجهود خفضت من حجم المصادر غير المستخدمة. ففي الأوقات العادية تنظر الشركات إلى هذه المصادر على أنها ضائعة. ولكن وجود موارد غير مستخدمة بكمية كبيرة تجعل النظام هشا في وقت الأزمة. وفي غياب خيارات إنتاجية آمنة فهذا يؤدي إلى تحطم سلاسل الإمداد كما هو الحال في بعض قطاعات الصحة نتيجة لفيروس كورونا. ويتعرض منتجو الإمدادات الطبية لضغوط بسبب زيادة الطلب العالمي مما أدى إلى تنافس الدول فيما بينها على المصادر.

وكانت النتيجة هي تحول في ديناميات القوة بين الاقتصاديات العالمية الكبرى بين تلك التي كانت مستعدة لمواجهة الفيروس من خلال حشد المصادر لأنفسهم أو مساعدة من ليس لديهم وتوسيع تأثيرها على الساحة الدولية نتيجة لذلك. وطالما وصفت العولمة بأنها أدت إلى انتعاش السوق العالمي وسمحت لأصحاب الصناعات ببناء شبكات إمداد مرنة، عبر استبدال مزود أو مكون بآخر حالة اقتضت الحاجة.

وفي كتاب أدم سميث “ثروة الأمم” فقد تكونت ثروات العالم من خلال استفادة التجارة من التوزيع المعولم للأدوار في العمل. فالتخصص أنتج الفعالية التي قادت إلى النمو. ولكن العولمة أدت إلى تبعية متبادلة معقدة. فالشركات التي تبنت شبكات الإمداد العالمية أدت إلى شبكة معقدة من شبكات الإنتاج التي ربطت الاقتصاد العالمي معا، مما سهل إنتاج مكونات منتج معين في عدد من الدول. إلا أن التحرك باتجاه التخصص جعل من عملية الاستبدال أمرا صعبا في بعض الأحيان، خاصة في بعض المهارات أو المنتجات. ومع تحول الإنتاج إلى مستوى عالمي أصبحت الدول مترابطة نتيجة لذلك، لأنه لم يعد باستطاعة دولة بعينها السيطرة على كل البضائع والمكونات التي يحتاجها اقتصادها. ونتيجة لهذا اندرجت الاقتصاديات الوطنية في شبكات التزويد العالمية.

إلا أن انتشار المرض الناجم عن فيروس كورونا كشف عن هشاشة هذا النظام المعولم. فقطاعات معينة من الاقتصاد خاصة تلك التي تملك وفرة كاملة كان لديها القدرة على تجاوز الأزمة بشكل جيد نسبيا. أما الأخرى فربما عانت من إمكانية الانهيار لو منع الوباء دولة واحدة من إنتاج مكون حيوي يستخدم في منتج. فمثلا عبرت شركات تصنيع السيارات في أوروبا عن مخاوفها من نقص الإلكترونيات الصغيرة لأن شركة صناعة مثل إم تي إي أدفانسد أوتوموتيف سليوشنز أجبرت على تعليق الإنتاج في واحد من مصانعها في إيطاليا. وفي زمن آخر كان المصنعون يقومون ببناء مخازن من الإمدادات لحماية أنفسهم في ساعة كهذه. لكن في عصر العولمة، فإن الكثير من التجارات تتبع مقولة تيم كوك، رئيس شركة أبل، من أن التخزين “هو بشكل أساسي شر”.

وبدلا من دفع المخازن عن القطع التي تريدها الشركات فإنها تعتمد على شبكات الإمداد في “الوقت المطلوب”، لكن في وسط الوباء العالمي فإن “الوقت المطلوب” قد يكون متأخرا. وبسبب المشاكل التي تواجه شبكات الإمدادات فقد انخفض إنتاج أجهزة الكمبيوتر المحمولة/لابتوب بنسبة 50% في شباط (فبراير). أما الهواتف النقالة فسينخفض إنتاجها في الربعية المقبلة إلى 12%. ويتم إنتاج البضاعتين بمكونات منتجة من شركات آسيوية متخصصة.

ويقول الباحثان إن المصاعب التي تواجه مصنعي الإلكترونيات تعرقل أيضا الكفاح ضد فيروس كورونا. فالإمدادات الطبية الحيوية مثل الكواشف وهي مكونات رئيسية في معدات الفحص والتي تستخدمها المختبرات للكشف عن فيروس “أر أن إي” في تناقص من مخزون الكثير من الدول. وتسيطر على إنتاج هذه الكواشف شركتان: الشركة الهولندية “أوياجين” التي اشترتها الشركة الأمريكية ثيرمو فيشر سيانتيفك، وروتش لابوراتيرز السويسرية. ولم تكن الشركتان قادرتين على تلبية الطلب المتزايد. وكان النقص سببا في نقص معدات الفحص في الولايات المتحدة والتي وجدت نفسها متأخرة عن بقية الدول في شراء المواد الكيماوية التي تحتاجها.

ومع انتشار الفيروس تجد الحكومات نفسها في وضع سيئ، وحتى قبل انتشار كوفيد- 19 كانت الشركات الصينية تنتج نصف الأقنعة الطبية في العالم. وزادت الشركات من قدراتها الإنتاجية بسبب الأزمة ولكن الحكومة الصينية اشترت كل المنتجات من الأقنعة الطبية في وقت صدرت فيه بعض الأقنعة وأجهزة التنفس إلى الخارج. وكانت الصين بحاجة إليها، ولكن شراءها أدى لعرقلة رد بقية الدول على المرض.

ولم يكن الوضع أحسن للدول الأوروبية، ومنعت روسيا وتركيا تصدير الأقنعة الطبية وأجهزة التنفس. وفعلت ألمانيا نفس الشيء رغم أنها عضو في الاتحاد الأوروبي الذي يمثل “سوقا واحدة” بتجارة حرة لا قيود عليها بين الدول الأعضاء. وقامت الحكومة الفرنسية بعمل بسيط وهو السيطرة على كل الأقنعة الطبية.

واشتكى المسؤولون الأوروبيون من أن تحركات كهذه تضعف التضامن وتمنع دول الاتحاد من تبني إستراتيجية موحدة ضد الفيروس. وتم تجاهل كلامهم. ومن هنا فسياسة إفقار الجار هددت بتصعيد وتعميق الأزمة وخنقت سلاسل الإمدادات العالمية من المواد الطبية الطارئة. وكانت المشكلة أصعب بالنسبة للولايات المتحدة التي تأخرت في تبني رد قوي على الوباء وكان لديها نقص في العديد من المعدات الطبية التي تحتاجها.

ولدى الولايات المتحدة مخزون من الأقنعة الطبية لكن لم يتم تجديده منذ عام 2009 ولا يحتوي إلا على جزء من الاحتياجات التي تريدها. ولم يكن مستغربا أن يستخدم مستشار دونالد ترامب للتجارة بيتر نافارو هذا النقص وغيره وتهديده الحلفاء وتبريره الخروج من اتفاقيات تجارية دولية. وقال إن الولايات المتحدة بحاجة لجلب القدرات الإنتاجية وسلاسل الإمدادات الضرورية للدواء. ولهذا عبرت ألمانيا عن خوفها من محاولة إدارة ترامب شراء لقاح تحت التطوير لمواجهة المرض من الشركة الألمانية واستخدامه في أمريكا. وتفكر بريطانيا بتقديم عطاء مضاد أو منع الولايات المتحدة من توقيع عقد.

وفي الوقت الذي استخدمت فيه إدارة ترامب الأزمة للخروج من الإندماج الدولي، استخدمت الصين الأزمة لإظهار قدرتها على القيادة العالمية. وعانت الصين كأول بلد يضربه الفيروس من ثلاثة أشهر صعبة ولكنها الآن تتعافى في وقت يواجه فيه بقية العالم الوباء. وهذا يمثل مشكلة للشركات الصينية التي عادت للإنتاج ولكنها قد تجد أن الطلب على منتجاتها سيكون قليلا من الدول التي تواجه الوباء. ورغم الأخطاء التي ارتكبتها الصين في البداية وأدت لوفاة آلاف الأشخاص إلا أن الصين تعلمت كيف تواجه الفيروس الجديد خاصة أن لديها مخزونا كبيرا من المعدات ونشرتها واستخدمتها بمهارة.

وفي بداية آذار (مارس) طلبت إيطاليا من دول الاتحاد الأوروبي معدات طبية طارئة لأن النقص في المعدات جعل الأطباء يتخذون قرارات مؤلمة حول المريض الذي يجب إنقاذه، ولم يرد أي بلد عليها. ولكن الصين سارعت لمساعدتها وعرضت بيع معدات التنفس والأقنعة الطبيعة وبدلات وقاية.

وكما قال الخبيران الطبيان راش دوشي وجوليان غوريتز فقد حاولت الصين تصوير نفسها كقائد عالمي يقاتل ضد فيروس كورونا المستجد وتقديم بادرة حسن نية وتوسيع تأثيرها. وهذا يمثل وضعا محرجا لإدارة ترامب التي كانت بطيئة في ردها على الفيروس والتي اعتقدت أن منع المسافرين من أوروبا هو الحل الوحيد للدفاع عن نفسها ضد فيروس دخل الأراضي الأمريكية. وبدلا من أن تكون قائدة تنشر حسن النوايا في العالم لم يكن لدى أمريكا إلا كميات صغيرة من المصادر التي يمكنها تقديمها لبقية دول العالم.

وربما حصلت أمريكا نفسها على كرم الصين. وعرض الميلياردير جاك ما مؤسس علي بابا التبرع بـ 500.000 جهاز فحص وملايين الأقنعة الطبية. وفي الوقت الذي يواجه فيه قادة العالم فيروس كورونا فعليهم مواجهة حقيقة أخرى وهي أن الاقتصاد العالمي لا يعمل بالطريقة التي ظنوا أنه يعمل بها. فالعولمة تعني التخصص في العمل والمهام بين الدول، وهو نموذج خلق فاعلية كبيرة ولكنه حمل معه مكامن ضعف.

وكشفت صدمات مثل كوفيد-19 عن هذه المكامن. فمزود واحد في العالم أو مناطق متخصصة بمنتج معين قد تخلق وضعا هشا أو أزمات، مما يعني كسر سلاسل التزويد. وسيتم الكشف عن هذه المكامن في الأشهر المقبلة. وستكون النتيجة تحولا في السياسة العالمية. فالدول التي تحاول حماية مواطنيها قد تقرر منع التصدير أو السيطرة على الإمدادات الحيوية حتى لو عنى هذا الإضرار بالجيران والحلفاء. ومن هنا فالتراجع عن العولمة يعني أن السخاء سيكون أداة قوية لمن يستطيع القيام بها.

وفي الأزمة الحالية لم تكن أمريكا قائدة في مجال الرد الدولي وتخلت على الأقل عن جزء من دورها للصين. ويقوم هذا الوباء بإعادة تشكيل الجيوساسة والعولمة، ولكن الولايات المتحدة لا تتكيف مع الوضع ولكنها مريضة وتختبئ تحت البطانية.

القدس العربي”

——————————–

كورونا في سوريا

قال الدكتور ريك برينان، مدير الطوارئ لمنطقة الشرق الأوسط في منظمة الصحة العالمية، إن المواد الخاصة بالتحاليل لكشف فيروس كورونا المستجد

https://www.who.int/ar/emergencies/diseases/novel-coronavirus-2019/advice-for-public/q-a-coronaviruses

ستتوفر في شمال غربي سوريا خلال الأسبوع المقبل. وجاء تصريح برينان هذا يوم أمس الاثنين، بعد انتظار دام لأسابيع طويلة في محافظة إدلب، التي لم تحصل أي مشافٍ فيها بعد على المواد اللازمة للكشف عن الفيروس. وكانت منظمة الصحة العالمية قد وفّرت هذه المواد في مناطق سيطرة النظام قبل نحو أسبوعين من الآن، فيما لم تُعلن حكومة النظام حتّى اللحظة عن أي حالة مؤكدة في مناطق عملها.

وقال مصدر طبي خاص للجمهورية، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن «هناك عدة حالات إنتانات رئوية في محافظة إدلب، نجم عن بعضها وفيات كان آخرها وفاة طفل بعمر التاسعة الأسبوع الماضي، إلا أنّ غياب القدرة على إجراء التحاليل المطلوبة حال دون التأكد من كون تلك الحالات مصابة فعلاً بفيروس كورونا المستجد». وأضاف المصدر، الذي يعمل طبيباً في إحدى مناطق إدلب الخارجة عن سيطرة النظام، أنَّ الاستعدادات غير كافية حتى اللحظة، كما أنّ قدرة المنظومة الصحية في الشمال السوري تراجعت للغاية نتيجة تعرضها للاستهداف المباشرة خلال الحملة العسكرية الأخيرة، ونتيجة موجات النزوح الكيبرة جداً.

ويقول الدكتور بشير تاج الدين، مدير البرامج في مكتب الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز) في تركيا، إن «المنظومة الطبية في شمال غربي سوريا تواجه تحدياً خطيراً في الوقت الذي تعاني فيه من نتائج بالغة السوء بسبب التصعيد العسكري، فمن أجل الاستعداد لمواجهة فيروس كورونا المستجد، ومرض COVID 19 الذي ينجم عن العدوى به، يجب زيادة قدرات الكوادر التي تعمل تحت ضغط كبير، ورفع قدرات أجنحة الاستشفاء لتستطيع استقبال مثل تلك الحالات». ويبدو أنّ هناك نقصاً في الإمدادات الطبية في محافظة إدلب وعموم شمال غربي البلاد، وذلك حتى بالنسبة للإمدادات الأساسية، إذ يقول الدكتور تاج الدين للجمهورية إن «هناك نقصاً في وسائل الحماية الخاصة بالعاملين الصحيين والكوادر التي تدير المستشفيات، ومن دون تلك المعدات والإمدادات فإننا قد نواجه خطراً كبيراً بالنسبة للأطباء والممرضين، كما أننا بحاجة لتوسعة في البنية التحتية من أجل مواجهة احتمالات وصول كورونا إلى الشمال السوري. ويضاف إلى ذلك أن غياب القدرة على التشخيص المخبري، في الوقت الحالي، قد يؤدي إلى تأخر التدخل في الوقت المناسب لمواجهة المرض، وتبقى الآليات المتاحة الآن هي رفع الوعي بوسائل الوقاية بين الناس، لتقليل فرص الإصابة».

وكانت مديرية صحة إدلب، العاملة في مناطق محافظة إدلب الخارجة عن سيطرة النظام،  قد أعلنت أول من أمس الأحد عن تجهيز مختبر خاص للكشف عن فيروس كورونا المستجد، وعن أن الكوادر أتمت التدريب على كيفية الكشف عن هذا الفيروس، وبأن المختبر سيوضع في حالة العمل فور وصول المواد اللازمة من منظمة الصحة العالمية. وبانتظار وصولها، فإنه ليس بالإمكان حتى اللحظة تأكيد وجود أية حالة في محافظة إدلب ومناطق ريف حلب الغربي.

أما بالنسبة لمناطق سيطرة النظام، تستمر الإجراءات التي اتخذتها حكومة النظام، والقاضية بتعطيل المدارس والجامعات وإغلاق المقاهي، والحد من التجمعات ومن بينها صلاة الجماعة في المساجد بعد فتوى وبيان من وزارة الأوقاف. وعلى الرغم من هذه الإجراءات، ومن الإعلان عن كشف ست حالات لمصابين بفيروس كورونا في باكستان، كانوا قادمين من سوريا عبر قَطَر، لم يعلن النظام السوري عن أي إصابات حتى اللحظة.

من دمشق، يقول أحد الأطباء، وقد رفض الكشف عن اسمه، للجمهورية: «لم نلحظ كأطباء زيادة غير طبيعية في معدلات الالتهابات الرئوية في المستشفيات الكبيرة، وكما هو معروف فإن أحد أكثر أعراض COVID 19 انتشاراً هي الإصابة بالتهاب رئوي حاد. لكن بالمقابل، وفي ظل التراجع الكبير في عدد الأطباء وتراجع قدرات المنظومة الصحية، قد تكون تلك الفجوات سبباً في عدم الكشف عن الحالات المصابة حتى اللحظة».

ويتخوّف الطبيب على سلامة الكوادر الطبية، نتيجة عدم وجود أي إجراءات حماية جديّة: «أول ما يخطر في بالنا هو ضعف الإمكانات الكبيرة في منشآتنا الحكومية، إذا لا توجد قدرة كبيرة على التعقيم أو القيام باجراءات عزل وفق المعايير الصحيحة، ما قد ينتج عنه تفشي للمرض في حال وصلت تلك الحالات إلى المستشفيات. وقد تمّ تخصيص كل من مستشفى دمشق (المجتهد) ومستشفى المواساة لاستقبال الحالات المشتبه بإصابتها، هذا نظرياً، لكن عملياً لا يوجد أي استعدادات حقيقية حتى اللحظة». عدا ذلك فإن الأوضاع شبه اعتيادية في العاصمة السورية كما أكد الطبيب، الذي أضاف أن الإجراءات التي تم الحديث عنها عبر وسائل الإعلام «هي مجرد محاولة للتصوير لا أكثر، إذ لا توجد أي إجراءات جدية ومعيارية لمواجهة احتمال تفشي الفيروس».

في مدينة حلب، أكّدَ مصدر طبي في مستشفى الجامعة، أكبر مستشفيات المدينة، للجمهورية أنَّ لا زيادة تُذكر في حالات الالتهابات الرئوية في المدينة، ما يعطي مؤشراً على عدم وجود جائحة حتى اللحظة. وعلى الرغم من الشك في عدة حالات، إلا أنه لا توجد إصابات مؤكدة حتى اللحظة. ولا يبدو أنّ أهالي المدينة قلقون من الإشاعات عن إصابات في صفوف الميليشيات الإيرانية والعراقية، إذ يغيب هؤلاء عن المشهد اليومي في المدينة، ويتركّز حضورهم في الأرياف المجاورة التي تمّ تفريغ معظمها من السكان أصلاً.

أما في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية شمال شرقي البلاد، فإنّ الإدارة الذاتية هناك قد اتخذت إجراءات عديدة، منها إغلاق المدارس والمعابر الحدودية والداخلية، التي باتت تستقبل اليوم أهالي المنطقة فقط، في محاولة للحد من الحركة مع الخارج بهدف تجنّب وصول الفيروس إلى مناطقها.

ليس مستبعداً أبداً أن يكون الفيروس قد وصل إلى البلاد بالفعل، وأن يكون التراجع الكبير في قدرة النظام الصحي سبباً في عدم الكشف عنه حتى اللحظة. يُضاف إلى ذلك الاستهتار الذي تظهره حكومة النظام حيال ضرورة اتخاذ تدابير جدية، وإجراء الكشوفات على نطاق واسع، إذا يبدو مستحيلاً أن تخلو سوريا لوحدها، من بين كل دول جوارها، من الإصابات تماماً، وإن كانت جميع المؤشرات المتوافرة تفيد بأن الأمر لم يتحول إلى حالة وبائية في سوريا حتى الآن.

ولعلّ الاستهتار الرهيب يظهر بوضوح في لقاء أجرته قناة إخبارية سورية مع وزير الصحة السوري نزار يازجي قبل أيام، إذ طلبت منه المراسلة توجيه رسالة تطمئن الشعب السوري، فأجاب بأنّ «الجيش السوري طهّر كثيراً من الجراثيم الموجودة على أرض سوريا»، مؤكداً أن القطاع الصحي في سوريا أشبه بالجيش أيضاً. يستغلّ الوزير إذن فرصة الحديث عن كورونا، لتكرار واحد من أكثر الخطابات فاشية ضد معارضي النظام السوري، الذين سبق أن وصفهم رأس النظام نفسه بأنهم جراثيم في أشهر الثورة الأولى.

ويبقى أن كارثة كبرى يمكن أن تحدث في حالة تفشي الوباء في سوريا، إلى مستويات تعجز عن التعامل معها سائر المنظومات الصحية في في مختلف مناطق السيطرة، إذ أدت الحرب التي شنّها النظام على عدد كبير من المناطق إلى تدمير جزء كبير من البنية التحتية الصحية، وإلى تهجير عدد كبير جداً من الكوادر الطبية، فيما يؤدي الإهمال ونقص التمويل الحاد إلى تراجع الخدمات الطبية بشكل مريع.

موقع الجمهورية

———————————

قلق بالغ من تفشي «كورونا» في إدلب… و«الصحة العالمية» تبدأ اختبارات/ فراس كرم

تبدأ «منظمة الصحة العالمية» قريبا إجراء فحوصات في شمال غربي سوريا، للكشف عن فيروس «كورونا»، في وقت يسود قلق بين النازحين والأهالي في منطقة تضم 3.5 مليون شخص دون معدات طبية.

وقال ريك برينان المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية إن المنظمة ستبدأ في وقت لاحق من هذا الأسبوع إجراء اختبارات للكشف عن فيروس كورونا في شمال غربي سوريا الذي تسيطر عليه المعارضة المسلحة. وأضاف أنه يشعر بـ«قلق بالغ» من انتقال الفيروس إلى منطقة دمرت فيها الحرب الأهلية الدائرة منذ فترة طويلة النظام الصحي. وقال برينان لـ«رويترز» أمس: «نأمل أن تكون لدينا الأجهزة والاختبارات في وقت ما من الأسبوع الجاري حتى نتمكن من بدء الاختبارات. نشعر بقلق بالغ. وكل الدول المحيطة لديها حالات موثقة».

وبدأت الحكومة السورية في اختبارات للكشف عن كورونا في باقي أنحاء البلاد رغم أنها لم تبلغ منظمة الصحة العالمية بعد بأي حالة إصابة. وأكدت تركيا الواقعة شمالي سوريا أول حالة إصابة بكورونا الأسبوع الماضي كما أعلن العراق 93 حالة إصابة مؤكدة بالفيروس.

ويعيش أكثر من 3 ملايين سوري في مخيمات الشمال السوري على الحدود السورية – التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة والسلامة الصحية، هاجس الخوف والقلق من وصول فيروس كورونا إلى المخيمات المكتظة بالمدنيين وسط خدمات طبية وصحية ضئيلة وغالباً ما تكون معدومة، الأمر الذي قد يحدث كارثة رهيبة ويزيد ذلك من معاناتهم.

وجال مندوب «الشرق الأوسط» في مناطق الشمال السوري والمخيمات ورصد واقع الحال المعيشي الذي يعيشه السوريين في ظل انتشار فيروس كورونا في معظم دول الجوار.

«فوق الموت عصة قبر» بهذا المثل الشعبي الدارج في سوريا، بدأ أبو أمجد رب أسرة لاجئ من ريف إدلب الجنوبي ويعيش في مخيم دير حسان على الحدود السورية – التركية، يصف مسبقاً المشهد الكارثي الذي قد يطال ملايين السوريين ما إن وصل فيروس كورونا إلى المخيمات العشوائية وسط ظروف إنسانية صعبة ولا تتوفر فيها أدنى شروط السلامة الصحية.

ويضيف أبو أمجد: «هنا في المخيم الذي يؤوي ما يقارب 1000 أسرة يعيشون ضمن خيام أقيمت في مساحات ضيقة للغاية، حيث لا يوجد صرف صحي مناسب ولا خيام معزولة عن بعضها البعض والفسح المتوفرة بين الخيام لا تتجاوز مساحتها 50 مترا مربعا ومخصصة لأكثر من أسرة بحسب توزع الخيام، وهذا حتماً يشكل خطراً كبيراً بسرعة انتشار فيروس كورونا بين الناس ما إن تعرض أي مواطن للإصابة بالفيروس».

حمود أبو ممدوح مدير مخيم الفقراء والمهجرين قرب مدينة الدانا الحدودية، قال: «حتى الآن لم تقدم أي مؤسسة إغاثية أو طبية أي خدمة أو مساعدة للنازحين من مواد تعقيم أو وسائل تنظيف كالصابون وغيره من مستلزمات النظافة التي يحتاجها النازحين في المخيمات، فضلاً عن أنه حتى الآن لم تقم المنظمات الإغاثية والطبية بأي حملة توعية لقاطني المخيم وتقديم التوجيهات والنصائح التي من شأنها المحافظة على الصحة لمواجهة فيروس كورونا». وأضاف: «انتشار فيروس كورونا في أربع محافظات سورية وسط تكتم السلطات هناك، يزيد ذلك من مخاوف انتشاره في مخيمات النازحين شمال البلاد لا سيما أنه حتى الآن توجد بعض المنافذ البرية بين الجانبين وتبادل الزيارات بين الأهالي من كلا الجانبين وهذا يشكل خطرا كبيرا من انتقال الفيروس إلى أي مخيم».

من جهته قال الناشط الميداني مصعب الأشقر بأنه «يستحيل تطبيق شروط السلامة والحد من انتشار كورونا ما إن وصل إلى مخيمات الشمال السوري وسط الاكتظاظ الحاصل في المخيمات أو القيام بإجراءات العزل المنزلي في حال ظهور الأعراض أو انتشار الكورونا، حيث يعيش أكثر من مليوني شخص في خيام بسيطة، لا سيما أن أكثر الخيام تؤوي أكثر من أسرة بسبب النزوح الأخيرة للمدنيين، فضلاً عن أن الحمامات والمراحيض معظمها جماعية في المخيمات».

ويضيف الأشقر أن معظم السوريين في المخيمات ليس بمقدورهم شراء المستلزمات الصحية والوقائية، حيث وصل سعر الكمامة الورقية الواحدة نحو 250 ليرة، بينما يتراوح سعر صابون الأيدي بين 250 إلى 1000 ليرة للقطعة الواحدة. ويبلغ سعر كيس المناديل نصف كيلو غرام نحو 1000 ليرة، ووصل سعر لتر الكحول في الصيدليات إلى 1500 ليرة، بينما أسعار المعقمات تتراوح أسعارها بين 500 ليرة إلى 1000 ليرة سورية للعبوة ذات وزن 250 مل، وحتماً قلة الموارد لدى النازحين وعدم توفر المال لديهم سيشكل ذلك حاجزاً لشرائها مما يعقد احتواء انتشار الفيروس كورونا بين أوساط السوريين ما إن وصل إليهم. (الدولار يساوي ألف ليرة).

من جهته، قال الدكتور عبد الحكيم رمضان منسق الصحة العامة في مديرية صحة إدلب: «حتى الآن لم تؤكد أي حالة في الشمال السوري مصابة بفيروس كورونا، والحديث هنا عن الأعراض السريرية مع وجود قصة مخالطة لأناس قادمين عبر الحدود أو مناطق النظام كون الشمال السوري حتى الآن غير مجهز لتأكيد المرض». وأضاف: «هناك مختبر وبائي في إدلب كوادره مدربة لتقصي المرض لكن للآن كيتات المختبر الخاصة بالمرض لم تصل ومتوقع وصولها خلال أيام قليلة، أي أن المنطقة سيكون فيها مختبر فعال خلال أيام قليلة لكشف المرض وتم تشكيل خلية أزمة أو تاسك فورس بين المنظمات المحلية والدولية ومنظمة الصحة العالمية ومديريات الصحة، وقام الفريق المشكل بوضع خطة استعداد للشمال السوري»، لافتاً إلى أن عمليات المنظمات الدولية تأخذ وقتا في التخطيط والموافقات من مكاتبهم الرئيسية.

وأشار إلى أنه «ضمن خطة الاستعداد سيتم تجهيز 3 وحدات عزل في الشمال السوري للحالات التي تتطلب عناية مركزة، وهذه الوحدات قابلة للزيادة على مستوى عدد الأسرة أو حتى إضافة وحدات جديدة، إضافة لتجهيز عدة وحدات عزل مجتمعي للحالات المتوسطة والخفيفة والتي لا تتطلب رعاية في الوحدات العزل بحيث تضمن استشفاء المرضى وتجاوز المرض بعيدا عن عوائلهم ومتوقع دخول الوحدات العمل بنوعيها قبل نهاية شهر مارس (آذار)».

ويجري العمل بحملة توعية مجتمعية تضمن الوصول لكافة أفراد المجتمع لوضعهم على حقيقة وجدية المرض. ومن جهة أخرى، تم التوجيه من قبل مديرية الصحة لتقليص ساعات العمل في المشافي والمنشآت الصحية في الشمال السوري للعمليات الباردة والعيادات بهدف تقليل الاختلاط قدر الإمكان وتوفير الموارد إلى حين إعلان لحظة الصفر مع تأكيد لأول حالة كورونا، إضافة للدفع باتجاه وقف المدارس والتجمعات وتقليص وقت الأسواق.

كان المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية في أنقرة هيدين هالدرسون حذر كم أن «الأنظمة الصحية الهشة (في سوريا) قد لا تملك القدرة على رصد الوباء والتصدي له».

وقال هالدرسون إن المنظمة لتي لا يمكنها تقديم الخدمات عبر الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة من داخل سوريا، تقدم المساعدة إلى إدلب عبر الحدود التركية.

وترى ميستي بوسويل من لجنة الإنقاذ الدولية أنّ الوضع في إدلب «مهيأ بشكل خاص لانتشار الفيروس»، مشيرة إلى أن «تفشي المرض سيكون كاسحا لدى آلاف الأشخاص الذين تتعرض حالتهم الصحية للخطر أصلاً بسبب نقص الغذاء والمياه النظيفة والتعرض للطقس البارد». وقالت بوسويل إن اللجنة تصب جهودها على «تعزيز التدابير الوقائية» من خلال زيادة الوعي وتوفير الإمدادات الطبية والأدوية اللازمة.

الشرق الأوسط»

————————————

كورونا في سوريا، ومسرح اللامعقول/ هيفاء بيطار

أغلقت الحكومة السورية المدارس والجامعات في سوريا إبتداء من يوم 14 آذار وحتى 2 نيسان لتعقيم الصفوف، وأصدرت قراراً بمنع الأركيلة في المقاهي. وجاء هذا القرار بغتةً إذ أن الإعلام الرسمي السوري أكد مراراً أن سوريا خالية من فيروس كورونا وبأن الحالة الوحيدة التي اشتبهوا أنها مصابة بفيروس كورونا ثبت بعد التحاليل أنها ليست كورونا ! لذا جاءت هذه الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية مفاجئة، لكن ماذا تعني هذه الإجراءات بالفعل؟

حالة صفوف المدارس: بداية أحب أن أشير إلى أهم مدرسة في اللاذقية وهي ثانوية البعث للطالبات في المرحلتين الإعدادية والثانوية. وتقع هذه المدرسة في حي العوينة المكتظ سكانياً، وأهم ما يميزها هضاب الزبالة عند باب المدرسة، ولا أبالغ بكلمة هضاب أبداً، لدرجة أصبحت هضاب الزبالة من جغرافية المشهد، حتى أنني عندما طلبتُ تاكسي قلتُ للسائق أنني أريد الذهاب إلى جانب مدرسة البعث للبنات في حي العوينة فرد للتو: يعني عند حاويات الزبالة ؟ قلتُ تماماً. أصبحت حاويات الزبالة دليلاً للعنوان، ولأنني على احتكاك مباشر مع العديد من المدرسين والطلاب في مدارس اللاذقية فقد أخبروني ما يلي ومن يرغب بالتأكد يستطيع زيارة تلك المدارس:

أولاً: معظم الطلاب يحضرون إلى المدرسة خاصة في الأحياء الشعبية بحالة دوار من الجوع، لدرجة تضطر المُدرسة بالتعاون مع إدارة المدرسة أن يشتروا خبزاً وزيتاً وزعتراً أو لبنة لهؤلاء الأطفال الجياع، ومعظم هؤلاء الأطفال يتناوبون هم وأخوتهم الطلاب أيضاً الدفاتر نفسها والقلم نفسه، لأن لا إمكانية للأهل أن يشتروا لكل ابن دفتراً وقلماً.

ثانياً: معظم الصفوف في مدارس اللاذقية غير مدفأة ولا مُضاءة، وفي الشتاء يبدأ الظلام حوالي الساعة الرابعة والنصف وينتهي دوام الطلاب عند الساعة الخامسة والنصف أي أنهم يقبعون ساعة وأكثر في الظلام وقالت لي إحدى الطالبات: ننزل الدرج خائفين أن نسقط لكن إن كانت الأستاذة لطيفة تنير لنا الدرج بضوء موبايلها.

ثالثاً: الحمامات في المدارس أي المغاسل والمراحيض مروعة في قذارتها وإهمالها لدرجة يمكن إعتبارها مزارع لأخطر أنواع الجراثيم وثمة طلاب يمتنعون عن شرب الماء كي لا يضطرون للتبول في المراحيض، والكثير منهم يُصابون بإلتهاب المجاري البولية بسبب القذارة المقرفة للمراحيض والمغاسل. وهذه القذارة نجدها في معظم المقاهي والمطاعم في اللاذقية ولو بدرجات متفاوته.

لا أعرف معنى تعقيم الصفوف فيما هضاب القمامة على أبواب المدرسة! وحين سألت الطلاب إن كان بعض الأساتذة أو المسؤولين في المدرسة قد نبهوهم للإصابة بفيروس كورونا وكيفية الوقاية منه أجمع كل الطلاب على جواب: أبداً لم يتكلم معنا أحد عن فيروس كورونا لكنهم (بعض المدرسين وإدارة المدرسة) وعظوا الطلاب عن أهمية الليرة السورية وإحترامها والليرة عزتنا الخ ونبهوا الأطفال (الدائخين من الجوع) إلى خطورة التعامل بالدولار (الشو اسمو). وبأن عقوبة من يتعامل بالدولار كبيرة جداً! هل نبالغ إذا وصفنا سوريا بمسرح اللامعقول أو وطن اللامعقول! من أين سيحصل طالب فقير على الدولار! وهو الذي يلهث وراء رغيف الخبز ليسد جوع معدته! ما هذه المواعظ الخُلبية التافهة؟ من يقرر هكذا مواعظ لطلاب فقراء يدرسون على ضوء الشموع في منازلهم ومحرومين من الأكل الصحي الضروري لنمو أجسامهم وعقولهم، يحدثونهم عن عقوبة التعامل بالدولار! يا للعار، يا لاحتقار الطفولة والمراهقة.

جاء قرار إغلاق المدارس والجامعات ومنع الأركيلة مُضحكاً والكل يرى الحشود التي تزيد عن مئتي أو ثلاث مئة سوري محتشدين متلاصقي الأجساد عند باب الأفران أو بانتظار جرة الغاز أو عند أبواب المؤسسات الإستهلاكية حين توزع السكر والرز والزيت النباتي على المواطنين ولكل مادة غذائية بطاقة ذكية! كل شيء مجبول بالذكاء في سوريا ولا يمكنك الحصول على أي شيء إلا بواسطة ذكاء البطاقة الذكية! هؤلاء الحشود كيف ستتعامل معها وزارة الصحة السورية وكيف ستقيها من الكورونا! إذ يكفي أن يكون أحد الأشخاص الواقف في طابور الخبز أو الغاز أو الرز مصاباً بفيروس كورونا حتى يعدي الـ300 مواطن سوري الذي يهدر وجوده بانتظار الخبز والرز والغاز وغيرها من المواد الأساسية.

الأمر المهم أن سوق البالة المركزي وسط اللاذقية يعج بآلاف محلات البالة، وهو عبارة عن زقاق ضيق جداً تتراص دكاكين البالة على جانبيه ولا يمكنك المرور به بسبب الازدحام الشديد للناس والذي ينافس الازدحام على الأفران، ولا أظن أن الدولة السورية قادرة على اتخاذ قرار بإغلاق محلات البالة، وإلا لمشى 80 بالمئة من الشعب السوري عارياً. وثمة إجراءات هامة اتخذتها الدول المتقدمة وحتى لبنان بأن تعوض الراتب كاملاً للعمال الذين يضطرون للعمل كل يوم محتكين بالناس. في سوريا لم تلتفت الحكومة لوضع هؤلاء العمال ولم تطالب أي من العاملين في كل مؤسسات الدولة بتخفيض عمل العاملين فيها أو أن يعملوا من بيوتهم، بقي وضع المصارف ومعظم مؤسسات الدولة كما هو. وبقيت هضاب القمامة في الطرقات والأزقة وعند مداخل المدارس، واستمرت آلاف محلات البالة تشرع أبوابها كي يلبس الفقراء أجمل الماركات العالمية وبأسعار معقولة. الحشود على الأفران والمؤسسات الإستهلاكية التي توزع المعونات للمواطن السوري والحشود في محلات البالة لا يُمكن تعقيمها، بل هي بيئة ممتازة لإنتشار فيروس الكورونا وتحوله إلى وباء. وماذا بعد 2 نيسان! هل ستتعقم المدارس والجامعات فعلاً، في حين تتراكم الزبالة عند مدخلها وينغل الذباب والجرذان، ومراحيضها ومغاسلها قمة في القذارة وغالباً المياه مقطوعة.

التعقيم في سوريا مجرد ديكور، شيء منفصل عن الواقع الحقيقي لشعب يعاني من الإهمال والفقر والجوع والخوف. حياة السوري مع التعقيم الذي أوهمتنا به وزارة الصحة تشبه حكاية الإمبراطور العاري. على الشعب كله أن يمتدح ملابسه ووحده طفل سوري فقير لا يعرف طعم السمك ولا اللحم ولا الفاكهة ويحضر إلى المدرسة بحالة دوار من خواء معدته ليجد نفسه يتلقى وعظاً عن خطورة التعامل بالدولار! وحده الطفل سوري الطالب في صفوف معتمة باردة مخلوعة النوافذ والأبواب يمكن أن يقول: التعقيم كذبة ويكشف عري وزارة الصحة والإجراءات المزعومة للوقاية من الكورونا.

——————————–

الوباء يعمّق مأساة نازحي إدلب

عمّق فيروس «كورونا» مخاوف نازحي إدلب في شمال غربي سوريا، بسبب غياب البنية التحتية الصحية في منطقة تضم نحو 3.5 مليون مدني. وتبدأ منظمة الصحة العالمية قريباً فحوصات للكشف عن «كورونا» في تلك المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة.

ورصدت «الشرق الأوسط» الوضع في الشمال السوري، حيث أعرب نازحون عن قلقهم من وصول الفيروس إلى المخيمات المكتظة بالمدنيين وسط خدمات طبية وصحية ضئيلة، وغالباً ما تكون معدومة جراء غارات طائرات روسية وسورية في الأشهر الماضية، الأمر الذي قد يُحدث كارثة رهيبة.

وقال الناشط الميداني مصعب الأشقر، إنه «يستحيل تطبيق شروط السلامة والحد من انتشار (كورونا) ما إن يصل إلى المخيمات، حيث يعيش أكثر من مليوني شخص في خيام بسيطة، لا سيما أن أكثر الخيام تؤوي أكثر من أسرة».

في موازاة ذلك، تم إغلاق مزارات إيرانية في ريف دمشق «ضمن الإجراءات الاحترازية» من الحكومة السورية، التي بدأت تطهير وتعقيم جميع الأماكن العامة ووسائل النقل في العاصمة لمحاربة «كورونا».

وذكرت مصادر لموقع «روسيا اليوم» أن إغلاق مزاري السيدة زينت والسيدة رقية قرب دمشق، جاء «امتثالاً لقرارات وزارة الأوقاف، وشمل كل الزوار سواء أكانوا سوريين أم غير سوريين».

وتابعت المصادر أنه تم أيضاً اتخاذ إجراءات في بلدتي نبل والزهراء في ريف حلب، التابعتين للنفوذ الإيراني «امتثالاً لتعميم الحد من التجمعات في هذه الأيام التي تفرض على جميع الدول أن تتخذ إجراءات وقائية».

في شأن آخر، فرضت وزارة الخزانة الأميركية أمس، عقوبات على وزير الدفاع السوري علي عبد الله أيوب بسبب دوره في «العنف وانتهاكات» النظام السوري.

الشرق الأوسط

——————————————–

مناعة القطيع .. العِلم والأيديولوجيا/ أرنست خوري

عندما حذّرت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، من أن ما بين 60% و70% من السكان في بلادها قد يصابون بفيروس كورونا، كانت بذلك تحاول إحداث صدمة تُلزم فيها ناسها بفرض الحجر الصحي على أنفسهم. أما حين قال رئيس الحكومة البريطانية، بوريس جونسون، إن “عائلات كثيرة، كثيرة جداً، ستفقد أحباءها قبل أن يحين وقتهم”، فإنما كان بهذا يمهّد لإعلان كبير المستشارين العلميين للحكومة، السير باتريك فالانس، نية المملكة التفرّد (والتحقت بها هولندا أخيراً) عن كل العالم بطريقة مواجهة فيروس كورونا، لا بمنع التجمعات ولا بإغلاق الحدود، بل عبر لعبة قمار موصوفة، تتمثل بتحويل سكان بريطانيا (حوالي 70 مليوناً) إلى فئران تجارب لفرضية علمية قديمة، قلما تجرأ مسؤول سياسي و”بشّر” مواطنيه بأنه سيطبقها عليهم: مناعة القطيع. الفرضية العلمية تلك سهلة: كلما توسعت دائرة انتشار الوباء تصبح هناك مناعة جماعية أوسع لأجيال، على الرغم من أن ثمن ذلك سيكون خسائر هائلة في الأرواح، هي أرواح الأقل قدرة على الصمود، من طاعنين في السن أو حاملي أمراض مزمنة. هكذا، يريد العقل الطبي المفكر داخل الحكومة البريطانية أن يصاب 60% من السكان بالوباء في موجته الحالية، لكي يطوّر الجسم مناعته الخاصة، ولكي لا تعود العدوى بوتيرة أقوى في زيارتها المقبلة في الخريف والشتاء المقبلين، هذا إن خفّت حدتها الفعلية أصلاً، بما أن لا كلام علمياً يؤكد انحسار الفيروس مع ارتفاع درجات الحرارة أو حلول فصلي الربيع ثم الصيف، إلا في خرافات دونالد ترامب التي دحضها العلم للأسف.

قد تكون الفرضية العلمية (مناعة القطيع) صحيحة، لكن المصيبة أنها قد لا تصح مع كورونا، وهو ما كرّره عشرات الأطباء البريطانيين في عرائض نشروها في الصحف البريطانية منذ أبلغنا جونسون ومستشاروه بنواياهم. يقولون إن الجسم لا يتعامل مع كل الأوبئة بالطريقة نفسها لكي يطوّر مناعته الخاصة الجماعية ضدها على السواء، ولا الفيروسات تتشابه في مفاعيلها على الأجسام، لكي تسمح لها بتطوير مناعتها، وإلا لكانت الأجساد حصّنت نفسها ضد كل الأمراض المزمنة.

دع لأهل العلم وحدهم الحيز الطبي الصرف في الموضوع، والذي يترك الحسم في صحّة الفرضية أو خطئها للتجربة وحدها. ما يصعب تركه جانباً هو الجانب الأيديولوجي، السياسي ــ الاقتصادي في نوايا الحكومة البريطانية بترك على الأقل مليون شخص يموتون، من أجل أن يعيش الآخرون. من سيموتون سيكونون طبعاً من العجزة الذين يُنهِكون الميزانية البريطانية المخصصة لـ”خدمة الصحة العامة” (NHS) التي يفعل المحافظون كل ما في وسعهم منذ مارغريت تاتشر لبيعها إلى القطاع الخاص على غرار القطاعات الأخرى التي لم تعد الدولة تملكها. وفي هذه الخلفية من خطة الحكومة شيء من الفاشية التي تحبّذ التضحية بأضعف عناصر المجتمع (المرضى والمعوّقون والطاعنون في السن) بدل إيلائهم الأولوية في الرعاية. لكن حتى لو وضعنا جانباً الخلفية الأيديولوجية، السياسية ــ الاقتصادية تلك، على اعتبار أن موت كثيرين في كارثة كورونا الحالي حتمي، وأمر لا فائدة من إخفائه أو تجاهله في مناقشة مغامرة الحكومة البريطانية في مواجهة الوباء، فإنّ ما يستحيل تجاهله، في هذا السياق، أن بريطانيا من بين أسوأ الدول الأوروبية، والغربية عموماً، في مستوى الخدمات الصحية، في الموازنة المرصودة لها وفي عدد أسرّة المستشفيات وفي يُسر الوصول إلى طبيب وسرعة حجز موعد…

أكثر من يعي سوء أحوال القطاع الصحي في بريطانيا هي الحكومة نفسها قبل أي طرف آخر. هذا يعني أن خطة “مناعة القطيع” تفترض “التضحية” بعدد أكبر بكثير من المليون المفترضين في حال إصابة ما بين 60% و70% من سكان المملكة مثلما يريد حكّامها، لأن قدرة المستشفيات على تقديم العلاج ستكون ضئيلة. يكفي أن نعرف أن عدد الأسرّة المخصصة للحالات الطارئة جداً في بريطانيا هو 6.6 أسرّة لكل مائة ألف شخص. بينما لدى إيطاليا ما نسبته 12.5 سريراً للحالات الطارئة جداً لكل مائة ألف. وعند إلقاء نظرة على حال إيطاليا اليوم لجهة عدد المتوفين بسبب المرض والمصابين به، بضُعف ما تملكه بريطانيا من قدرات صحية، والوضع المماثل الذي ينتظر أن تعيشه المملكة في غضون أسابيع وجيزة (على حد اعتراف بوريس جونسون يوم الاثنين الماضي)، يصبح سهلاً توقع حجم الكارثة المتوقعة من لعبة قمار أيديولوجية ـ علمية.

العربي الجديد

——————————–

تأملات في هشاشة العالم التي “لا تُحتمل”/ سوسن جميل حسن

ليس فيروس كورونا المستجد التهديد الأول الذي كان من الجدير بالبشرية أن تأخذ العبر منه، ولن يكون الأخير، فهل سيغير العالمَ هذا المتطفل على الحياة بجبروته الرهيب؟ أم ستبقى البشرية تعيد نفسها ضاربةً عرض الحائط بكل ما يهدّد هشاشتها التي لا تحتمل؟ الدرس الأول الذي رماه الفيروس في وجه العالم أن الكل متساوون. هنا فقط تطبق العدالة في التوزيع، فكل فرد في هذا الكوكب ينتمي إلى فصيلة الإنسان هو هدف لغزو هذا الجبار، ولا يملك الفرد في مواجهته غير الوقاية منه، الوقاية التي تعني الابتعاد عن الآخر، ليس فقط بترك مسافة أمانٍ بينه وبين ذلك الآخر، بل أن يصبح الآخر الهاجس الدائم في نفسه، وأن تصير حياة الفرد هواجس تتعاظم لتزجّه في دائرة الشك والارتياب من أي شيء، إلى أن تصل به الهلاوس حدّ العزلة القاتلة، عزلة تحرمه حتى عناق طفله الصغير، فأي جبروتٍ وأي طاغوت أكبر وأدهى؟

يمرّ الزمن، في وقتنا الحالي، سريعًا مترعًا بالأحداث التي ربما ستغير مقومات عالمنا تغييرًا دراماتيكيًا لا يمكن التكهن بنتائجه وبمدى دوامه، وهل ستغير هذه الأحداث المتسارعة في نظرتنا إلى الأشياء وتفكيرنا وإعدادنا للمستقبل؟ لا بد أن كل فرد يعيش في هذه اللحظة على كوكبنا المنهك والمنتهك غيّر سلم أولوياته، إلّا قلة ممن وصلوا إلى مستوى العدمية وعبثية الحياة، فهذا الكوكب يمور بكل أشكال الظلم والبؤس والمعاناة والتجبر والاستكبار والاستغلال والحروب المحلية والأوسع، تتصارع فيه المصالح والنزوع إلى السيطرة والحيازة واللعب بمقادير الشعوب الضعيفة الغارقة في مشكلاتها المنهكة التي تبدو مستعصيةً على الحل، في ظل أنظمة قمعية متخلفة مرتهنة، واستباحة المنظومات الدينية والاجتماعية والاقتصادية المستبدة مجالها العام، فماذا يفعل مواطن يعيش في بلاد أنهكتها الحروب والمجاعة والفقر والتشرّد؟ مواطن فقد ثقته بأنظمته الحاكمة المتحكمة في حياته، وبات يشعر بنفسه عاريًا في الصقيع والهجير تحدق به الأخطار من كل صوب، وصارت حياته ودولته مرتهنتين لإرادات خارجية؟

أوروبا بؤرة للوباء العالمي حاليًا، هذا ما قاله الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس. هل سوف تُحدث العقود المقبلة تحولات وتغيرات في الوضع الآمن لأوروبا؟ وهل ستلين وتتعقّل تلك النظرة المترعة بالإعجاب بالنفس والتفوق الأبيض التي باتت تطفو من جديد، وباندفاع على السطح لدى شريحة تكبر من الأوروبيين، التي كانت وراء معظم العمليات الإرهابية التي قام بها متطرّفون أوروبيون تجاه المهاجرين والمسلمين، أو باقي الأقليات في بلدانهم؟ وهل ستبقى أوروبا بالنسبة إليهم محور الكون؟ وفي المقابل، هل سنبقى، نحن المصنفون عالمًا ثالثًا وربما ثالث عشر، نعيد إنتاج تخلفنا وأنظمتنا القمعية وجماعاتنا المتطرفة وإسلامًا يطمس الهوية الإنسانية الحقيقية للإسلام، ويبرز العنف، ويرسل خطاب الكراهية إلى العالم، وإلى بقية شرائح شعوبه، ويريد تطويع المجال العام للبشرية كلها إلى شريعته؟

هذا العالم ينتج أجيالاً تنمو بين الكوارث والانهيارات والأزمات، ولعل كورونا بإنتاجه هذا المرض الهجومي أكبر كارثة مولدة لكوارث أخرى وأزمات وانهيارات. عالم عاش حربين عالميتين أودتا بمئات الملايين، وأطاحتا أنظمة وأنتجتا أنظمة بديلة، وأعادتا تشكيل خريطة العالم عدة مرات، وتبعتهما حرب باردة أمسكت بتلابيب الشعوب والأنظمة والدول، وعاش جوائح وأوبئة حصدت عشرات الملايين، ثم الحروب الجديدة التي تحدثها الصراعات بين القوة الكبيرة التي تسود العالم، أميركا، وبين بقية الدول والأنظمة الصاعدة، خصوصا الصين، وما يلحقه من قتل ودمار وتخريب دول وشعوب ومجتمعات. ولم يرتدع هذا العالم الجبار على الرغم من كل ما حصل من ويلات خلال قرن، ولن يرتدع. عالم مسعور يلهث وحش المال فيه لتأمين مجاله الحيوي، في ظل انهيار البشرية مجتمعة، بسبب الجشع والتغوّل والشراهة إلى الامتلاك والاحتكار والحيازة والسطوة، فأن يبلغ الدّيْن العام على مستوى العالم ثلاثة أضعاف ناتجه لهو أمر كارثي، لن يجعل آلة الحرب تتوقف عن دورانها وطحنها شعوبًا بأكملها وإبادتها دولاً ومحوها من الخريطة العالمية.

هذا العدو الذي يتربص بثمانية مليارات كائن بشري، منفردين ومجتمعين، كشف هشاشتنا البشرية والأخلاقية، إذ في وقتٍ يستبيح الحياة فيه وينزع الحصانة بمنتهى اللامبالاة عن أي كان، فإن النزعة الإجرامية ما زالت تتمكّن من القوى المتحكّمة بمصير العالم، وتدير صراعاتها وحروبها بلا أدنى إحساس بالمسؤولية الإنسانية، حتى أصبحت المناطق المنكوبة بحروبٍ كارثيةٍ، كحالنا في سورية واليمن والعراق وليبيا وغيرها من مناطق مشتعلة في العالم، منسية وخارج اهتمام العالم أمام جائحة كورونا، هاجسه اليوم، لم تعد نشرات الأخبار تأتي على ذكر الآلاف من اللاجئين السوريين المرميين على الحدود بين تركيا واليونان منذ عدة أسابيع في بازار مفتوح بين تركيا وروسيا وأوروبا، ولم تعد حياتهم تعني أحدًا أمام خطر شبحٍ جبارٍ يتبختر بين البشرية يحصد الأرواح، من دون أن تمتلك أي قوة راهنة، مهما بلغ جبروتها ما يؤهلها لمجابهته.

الإنسان، هذا الكائن الجبار المتغطرس القادر على ابتكار الشر واستثماره بأبشع الطرق وأكثرها انحطاطًا، هو أضعف من فيروس لا يمكن رصده إلّا بمجاهر إلكترونية فائقة الدقة، كان يُقال سابقًا إن بعوضةً يمكن أن تقتل إنسانًا مهما تكبر، لكن اليوم فيروس يمكن أن يقتل البشرية إلّا من ينجو بحكم قوانين الاحتمال، فكيف سيستقيم العالم بعد هذه المحنة الشرسة؟ هل سيغير كورونا كل ما راكمته البشرية من نظريات وآراء فلسفية وقوانين عن الحقوق ومنظومات القيم؟ هل ستجبر هذه الأزمة القاتلة جبابرة العالم على إعادة النظر في العلاقات بين الدول والشعوب، وفي قوانين وأساليب ومنظومات الاقتصاد واستبداد رأس المال والاحتكارات، وتحويل العلاقة بين المجتمعات البشرية والدول إلى علاقةٍ تكامليةٍ تقوم على المساهمة من كل البشر في كل بقاع العالم في إنتاج الحياة وحمايتها، وتوجيه الحضارة الإنسانية في طريق أخلاقي، بدلاً من الحروب التي تقضي على الأمن والسلام العالميين، وتجعل من البشرية بؤرًا جاهزة للاشتعال في أي وقت، بينما تقف عاجزةً أمام فيروسٍ ربما لن يكون التحدّي الأخير، بل ستتبعه تحدياتٌ قد تكون أكبر وأفظع؟

لقد أمضت البشرية تاريخها في حالة حرب، ولم تكن فترات السلام إلا فاصلا صغيرا بين حقبة حربٍ وأخرى، حتى صرنا في عصرنا الحالي نعيش بإحساس أن الحرب احتمال قائم باستمرار، بل نتوقعها عند كل نهوض من نومنا، فزاد قلقنا قلقًا، قلقنا الدامغ لنا، بوصفنا بشرا يدركون معنى الموت، وأنه الحقيقة الوحيدة التي تنتظرنا، إنما الموت الحق الذي نتشارك فيه مع كل الكائنات، فلكل كائن حي عمره الطبيعي، أما أن يتحول الموت إلى عدو متربص خلف أبوابنا يحايثنا لحظة بلحظة، فقط لأن العالم تحوّل، بسبب جشع المال والاحتكار والسيادة على العالم، إلى ميدان مستباح لكل الأسلحة التي وصل إليها خيال الشر لدى هذا الكائن المتغطرس المسمّى إنسانًا، فهذا هو الاختبار الحقيقي للبشرية. بعد انحسار جائحة كورونا، هل سيلتفت قادة العالم القوي، أخيرًا، إلى مأساتنا في سورية واليمن وبقية بلدان المشرق المصابة بلعنة العصر، ويفرض الحلول التي تضمن عيشًا كريمًا لملايين الأفراد الذين دمرت الحرب أوطانهم وحياتهم وبدّدتهم في بقاع الأرض، يستثمرون في مزادات بازارات السياسة الرخيصة؟ بات السوري اليوم عاجزًا حتى عن مواجهة خطر كورونا، ليس فقط لأنه خبر الموت، ولم يعد لديه ما يخسر بعد الذي خسره خلال تسعة أعوام منذ انتفض من أجل كرامته، ومضى في طريق امتلاك إرادته وقراره، فهجمت عليه كل الدول الطامعة والطامحة في أن تحقق مطمعًا، بل لأنه يعرف أن بلاده لم تعد كالبلاد، وأن نظامًا يحكمه ما زال يتعامل حتى مع وباء عالمي لا أحد في مأمن منه بمنطق المؤامرة الكونية، وأن الحديث عن هشاشة الموقف في مواجهته يوهن نفسية الأمة.

رجل من السوريين المنسيين العالقين على الحدود التركية اليونانية قال أمام الكاميرا: لا أريد إلّا وطنًا أستطيع أن أعيش فيه مع ابنتي وابني وزوجتي، لأن وطننا محتل من جميع الدول. هذا ما قال بالحرف. لكن السوريين باتوا خارج نشرات الأخبار، وخارج اهتمام العالم، يقارعون الموت بكل أشكاله، واليوم يقارعون كورونا الشرس. إنها هشاشة العالم التي “لا تُحتمل”.

العربي الجديد

——————————–

القاتل الصامت/ فوّاز حداد

بينما كان فيروس كورونا ينتشر في العالم ويتمدّد، مسجّلاً يومياً آلاف الإصابات، مُرفَقَةً باعترافات الدول بالاستعدادات الجارية لمواجهته، والتحذير من أخطاره، بدت غالبية بلدان “الشرق الأوسط” البقعة الآمنة الوحيدة في العالم كلّه، وكأنّ كورونا فيروس صيني أو أوروبي لا علاقة له بالإسلام ولا بالعرب، إلى أن ظهر في ما بعد حِرص حكومات بلداننا السعيدة على عدم الإضرار بسمعتها في مجال صحّة المواطن، وكأنَّ في نفيه شفاء منه – خصوصاً تلك الأنظمة الفاشلة التي حقّقت لشعوبها مقادير هائلة من البؤس – وأقداراً حتمية تدفع إلى اليأس من أي تغيير أو تقدُّم حتى في مجال الوقاية من الأمراض والأوبئة السارية، وأوحت ادعاءاتها البريئة عن تمكّنها من توفير عقامة كاملة من الفيروسات والجراثيم بأنواعها. فالسلطات الإيرانية كانت في حالة إنكار، في حين كان الفيروس يتفشّى في مدنها، أمّا وزارة الصحة السورية فأعلنت بمنتهى الثقة عدم تسجيل أيّة حالة إصابة بفيروس كورونا.

رجّحت معظم بلدان المنطقة مصالحها الاقتصادية والسياسية على مصلحة مواطنيها، كانت على حساب حياتهم، فلم تقم بالاحتياطات الصحية العامّة في مجال احتواء الأمراض المعدية من قبل، وحالياً في مواجهة وباء شامل، فتقاعست عن اتخاذ إجراءات روتينية كحظر السفر، والحجر الصحي، واتباع سياسات التعقيم، والحدّ من التجمّعات، وتأجيل الزيارات للمقامات الدينية المقدّسة.

اعتمدت الصين سياسة “الإنكار” بدايةً، إلى أن انكشف الوباء، ولم يعد بالإمكان التستُّر عليه، وإن أحيلت أسبابه تلميحاً إلى الأميركان، فاتّهمت الجيش الأميركي بأنه ربما جلب فيروس “كورونا” إلى مدينة ووهان الصينية، ليشغلها بفيروس يعطّل اندفاعتها الاقتصادية، ويكلّفها من الخسائر تريليونات الدولارات. مشت إيران على الإيقاع نفسه، فادُعي أن “كورونا” مؤامرة من “الشيطان الأكبر”؛ أميركا، انطلقت على إثرها جوقة اعتبرت موتى العدوى بالفيروس شهداء، لأنهم قضوا حتفهم بسلاح بيولوجي أميركي، ما أحيا نظرية المؤامرة.

شاعت أيضاً موجة من الخرافات، فبدلاً من حظر الزيارات إلى الأماكن المقدّسة، جرى العكس تماماً؛ بترويج زيارة الأضرحة على أنها تشفي الأمراض بالجملة، ما يشمل كورونا ضمناً، بدءاً من ردّ البصر للأعمى، ومنح الكسيح القدرة على المشي… إلى الرجاءات المعروفة، كطلب الشفاعة والإنصاف وردّ الأذى. كما نشطت الدعاوى الطائفية، إلى حدّ الادعاء بأن هذا الفيروس ظاهرة شيعية تستهدف الغالبية السنية، أو حرب سنية تستهدف الشيعة، لتأجيج الصراع الطائفي.

لم يقصر تنظير المتأسلمين الديماغوجيين عن غيرهم في هذا المضمار، بتسويق تفسير مضلّل مضادّ للعلم، فحطّوا من التقدّم الذي أحرزه العالم في مجال العلوم الطبية، لتمكُّن فيروس لا يُرى بالعين المجرّدة، وإنما في المختبرات وبالمجاهر الدقيقة، جعل الغرب الكافر يرتعد هلعاً من الخوف.

يضطرّنا حُسن النية في تعليل الضعف الحكومي، إلى الأخذ بالاعتبار السياسات الصحية الهشّة المعتمدة أساساً في التعامل مع الكوارث، كذلك تضاؤل توافر الخبرة الطبية اللازمة، وانخفاض آليات المبادرة مع غياب الشفافية، وانعدام الإدارة الرشيدة للأزمات. عدا الحروب والنزاعات المسلّحة التي تعيشها المنطقة منذ عقود، ما أضعف البنى التحتية الصحية في العديد من بلدانها، ولم تعد لديها القدرة على احتواء مرض ولا مواجهته.

من جانب آخر، لا يُمكن حجب سوء النية عن الأنظمة الشمولية، خاصة عندما تكون في حالة حرب كالنظام السوري، بحيث لا يمكن تفهُّم تكتّمه على الاعتراف بالفيروس، وتعمُّد عدم التصريح عنه، ما يحيلنا إلى أن الأمور الصحية هي من اختصاص أجهزة المخابرات أيضاً، ولا يمكن الإشارة إليها، لأسباب أمنية! وربما كانت أسباب المنع، الخلاف حول كيفية استغلاله كقاتل صامت يأخذ على عاتقه مئات آلاف الضحايا، أعاقه أن الأعراض باتت معروفة؛ فالنظام الذي قصف المستشفيات والمستوصفات ولاحق براجمات الصواريخ فرق الإغاثة الطبية، وأدار أطباؤه في مستشفياته عمليات الإشراف على تعذيب وقتل المحتجزين المرضى… لن يتورّع عن ترك كورونا يعيث فساداً وقتلاً، آملاً مشاركته الفعالة في إقامة المجتمع المتجانس النظيف من أية معارضة.

ما تجهله الدول الشمولية أنه إذا كان القاتل الصامت إلى جانبهم، فللضحايا صوت، لن يهدأ إلّا عندما يعلو صوت العدالة.

* روائي من سورية

العربي الجديد

———————————

“كورونا” سوريا: وصل… لم يصل/ أحمد حاج حمدو

فيما تصر وزارة الصحّة السورية، على عدم اكتشافها أي إصابة في البلاد، ثمّة مؤشّرات قوية على تفشي المرض.

“لا كورونا في سوريا لأن الجيش العربي السوري طهّر سوريا من الجراثيم”، بهذه الكلمات ردَّ وزير الصحّة السوري نزار اليازجي، على سؤالٍ وجّهته له صحافية في قناة “الإخبارية السورية”، مطمئناً السوريين إلى أن البلاد خالية من أي إصابات بفايروس “كورونا” المستجد، الذي يتفشّى عالمياً، بينما لم تعلن سوريا حتّى الآن عن اكتشاف أي حالة.

حديث اليازجي وردّه الذي يحمل سذاجة وتبسيطاً، يستغرب أن يصدرا عن وزير صحّة في دولةٍ عدد سكّانها يفوق 23 مليوناً، كما أنّه من الغريب أن يصدرا حتّى عن مدير في إحدى مديريات الصحّة أو مدير مستشفى أو طبيب أو حتّى طالب طب مراهق في مرحلته الدراسية الأولى.

حتّى الآن، كرّر اليازجي وغيره من المسؤولين السوريين نفيهم وصول الفايروس إلى البلاد، على رغم انتشاره في جميع الدول المحيطة، إضافةً إلى وجود سلسلة من الأدلّة المبدئية عن انتشاره.

وعلى الضفاف الأخرى، ما زالت المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية تتخذ إجراءاتٍ رخوة لمنع تفشّي الفايروس، في ظل تكدّس أكثر من مليون ونصف المليون مدني في خيمٍ بدائية ومتلاصقة على الحدود.

    وزير الصحة الدكتور نزار يازجي للإخبارية السورية :

    #وزير_الصحة الدكتور نزار يازجي #للإخبارية_السورية : نتائج التحليل المخبري للحالة المشتبهة بفيروس #كورونا الموجودة بالعزل في مشفى #المواساة سلبية والتحاليل أكدت أن الإصابة هي ذات رئة جرثومية | سلمى عودة

    Gepostet von ‎Alikhbaria Syria الاخبارية السورية‎ am Dienstag, 10. März 2020

بين النفي والتأكيد

فيما تصر وزارة الصحّة السورية، على عدم اكتشافها أي إصابة في البلاد، ثمّة مؤشّرات قوية على تفشي المرض.

يأتي على رأس هذه المؤشّرات، وصول ستة أشخاص يحملون الفايروس إلى باكستان، كانوا آتين من سوريا مروراً بقطر.

وذكر إقليم “السند” جنوب باكستان في إعلانٍ رسمي، أنّ السلطات اكتشفت 9 حالات لأشخاص وصلوا جواً على مراحل إلى العاصمة كراتشي والإقليم وكانوا يحملون الفايروس.

وأوضح الإعلان أن ثلاثة من الواصلين جاؤوا من بريطانيا، في حين أن 6 منهم جاؤوا من سوريا، حيث وزّعتهم السلطات على المستشفيات لتلقّي العلاج.

وفي التفاصيل، فإن الواصلين الستة من سوريا، مرّوا عبر مطار الدوحة من أجل العبور (الترانزيت) وكانوا موجودين داخل سوريا.

إضافةً إلى ذلك، فإن الرحلات الجوية بين إيران التي تعتبر مركزاً لتفشّي لفايروس، والمطارات السورية كانت مستمرّة بشكلٍ طبيعي، قبل تعليقها، ويتعزّز ذلك مع انتشار أعداد كبيرة من العسكريين الإيرانيين في سوريا واختلاطهم بالأحياء المدنية السورية.

هذا الأمر دفع “منظّمة الصحّة العالمية” إلى إصدار بيانٍ مقتضب أكّدت فيه أنّ “هناك دولاً لا تعلن عن وجود فايروس كورونا فيها على رغم انتشاره” من دون أن تذكر أسماء الدول التي تتحدّث عنها.

استجابة رخوة

يوضح طبيب متخصّص بالأمراض السارية، يعيش في العاصمة السورية دمشق، لـ”درج”، إنه تم تخصيص مستشفيين في العاصمة، (المواساة والمجتهد) لاستقبال الحالات المشتبه بها، علماً أن كلا المستشفيين ما زال حتّى الآن يستقبل المرضى والحالات الإسعافية والحوادث وغيرها، ما يعني عدم تجهيز مستشفى مخصّص للمصابين بفايروس كورونا.

داخل هذين المستشفيين، يتم إجراء “فحوصات سريرية” وفقاً للطبيب الذي رفض الكشف عن هويته، إذ يتم فحص حرارته والجهاز التنفّسي ومتابعة حالته، في حين لم تعلن وزارة الصحّة السورية عن مراكز مخصّصة لإجراء تحليل بفايروس “كورونا”، غير أن التحليل “باهظ الثمن”، أي 100 ألف ليرة سورية (ما يعادل 100 دولار أميركي) يتم اللجوء إليه في حال تفاقمت الأعراض.

في مطلع آذار/ مارس 2020، علّقت وزارة الأوقاف السورية خطب وصلوات الجمعة حتى الرابع من نيسان/ أبريل، كما قرر مجلس الوزراء تعليق الدوام في الجامعات والمدارس والمعاهد حتى مطلع نيسان، ووقف النشاطات العلمية والثقافية والاجتماعية والرياضية ومنع تقديم النراجيل في المقاهي والمطاعم.

ومن ضمن القرارات لمكافحة “كورونا” الذي لم يتم الإعلان عن وجوده حتّى الآن، خفض عدد العاملين في القطاع العام بنسبة 40 في المئة، وخفض ساعات العمل.

ثلاثة افتراضات

هناك ثلاثة افتراضات، خلف عدم الإعلان رسمياً عن أي إصابة بـ”كورونا” في سوريا سواء في مناطق النظام أو المعارضة أو حتّى منطقة الجزيرة السورية التي تسيطر عليها “الإدارة الذاتية” الكردية.

الافتراض الأول والأضعف هو عدم وجود أي حالة فعلاً، وتتراجع أرجحية هذا الافتراض بسبب استمرار الرحلات الجوية بين سوريا وإيران حتّى بعد تفشّي الفايروس في إيران، إضافةً إلى وقوع إصابات في جميع الدول المجاورة لسوريا، والروايات التي تحدّثت عنها وسائل إعلام سورية معارضة عن “اعتقال أي طبيب يُفشي معلومات عن انتشار الفايروس في سوريا”.

أما الافتراض الثاني، فهو الامتناع عن الإعلان على رغم تفشّي الفايروس، على رغم أن وجوده في دولةٍ ما لن يسبّب المتاعب لنظام الحكم فيها بعدما أصبح وباءً عالمياً، وانتشر في الدول التي تتمتّع بماكينة صحّية وطبّية متقدّمة.

في المقابل، يبقى الاحتمال الثالث هو الأكثر قرباً من الحقيقة، وهو أن الفايروس موجود ولكن تقنيات الكشف والتشخيص ضعيفة ولا تتيح الوصول إلى الحالات المصابة، فيما يعاني القطاع الصحّي السوري من شبه انهيار بسبب هجرة الكوادر ونقص المعدّات والأدوات الطبّية.

وحذّر المتحدث باسم “منظمة الصحة العالمية” هيدين هالدورسون من أنه “لا يمكن للنظام الصحي الهشّ أن يكون قادراً على اكتشاف  الإصابات بالوباء ومعالجتها”.

مخاوف على النازحين

خلال الحملة العسكرية الأخيرة على إدلب، نزح نحو مليون ونصف المليون مدني نحو مخيّمات عشوائية على الحدود السورية – التركية، في حين تمركز بعضهم في مراكز إيواء ذات كثافة سكّانية مرتفعة.

يقول الطبيب محمد عيسى، وهو مستشار طبّي في “الجمعية الطبية السورية الأمريكية – سامز” لـ”درج”: “حتّى الآن لا يوجد أي حالة مؤكّدة في شمال سوريا، وفي الوقت نفسه لا يمكن تأكيد عدم وجود حالات إصابات”.

بحسب عيسى، لا يوجد مخبر جاهز للتحليل، وجمع الحالات التي تم الاشتباه بها أخيراً كانت تحمل إنفلوانزا الخنازير، وهذا الدواء يتوفّر علاجه.

وأضاف عيسى: “وضعنا خطّة استجابة خاصة بـ”سامز” تقوم على التنسيق مع منظمة الصحة العالمية والمنظمات الأخرى للاستجابة للحالات المشتبه بها، وكيفية التعامل معها، وتأسيس منشآت صحّية ومنشآت عزل للحالات الشديدة والمتوسطّة ومكان استقبالها”.

وقامت الجمعية بحملة توعية للوقاية وتجنّب العدوى والإجراءات اليومية لمنع الإصابة، عبر حلقات متلفزة ومنشورات ومعلومات للسكان المحليين.

وتابع: “سوف نختار 3 منشآت لعزل الحالات شديدة الخطوة إضافة إلى إنشاء مراكز عزل للحالات المتوسطة، أما الحالات التي لا تحتاج إلى مستشفيات فيمكنها عزل نفسها في منزلها”.

تحتوي إدلب على معابر داخلية مع مناطق النظام ومناطق “الإدارة الذاتية”، إضافةً إلى معابر خارجية مع تركيا التي وضعت إجراءات شديدة على الحدود.

بالنسبة إلى الإجراءات المتخذة على الحدود الداخلية لإدلب، يتم إجراء فحوصات أولية للداخلين كالحرارة وأعراض إنفلونزا.

في ما يخص المخيمات، يرى عيسى أن الأمر صعب للغاية، لأن كل خيمة تجتمع فيها أسرة كاملة ومن الصعب العزل داخل الخيم أو اتخاذ إجراءات وقائية في حال وقوع الإصابة، موضحاً أن المخيّمات تمثّل أكبر تحدٍّ للقطاع الطبي شمال سوريا، ولكن يتم العمل على رفع الوعي لدى النازحين وتأسيس مراكز عزل داخل المخيّمات.

ومنذ تفشّي المرض، سارعت مديرية التعليم في إدلب التابعة للمعارضة، إلى تعليق الدوام في المدارس والجامعات حالياً.

كما أعلنت الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرقي سوريا عن إقفال المؤسسات التعليمة والمعابر الحدودية التابعة لها أمام الوافدين إلى المنطقة من غير سكانها.

———————————

كورونا سوريا : في المنطقة الكوردية قلة يأبهون بالفايروس…/ شفان ابراهيم

السائقون غير مهتمين بالفايروس، أما الركاب فكانوا شبه متفقين على عبارة واحدة: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”.

يستغرب السبعيني حسين أوسي سؤالاً حول عدم ارتداء الناس قفازات وكمامات، فيقول “ليس هناك أيّ وباء، وما نشاهده ليس سوى صراع بيولوجي بين أميركا وإسرائيل ضد الصين. أتذكر منذ عشرات الأعوام، أتت أوبئة أكثر قوةً ولم نتأثر، هذا الفايروس ليس أقوى وأسوأ من دخان السيارات ومكبات النفايات ودخان المحارق والمازوت المسرطن، كما أن التجار يتحكمون بسعر الكمامات والقفازات لكي يستغلونا، لن أرتديها وليس هناك أي مرض”.

أكمل أوسي انشغاله وطلب منّا الحديث عن موضوع آخر، قبل أن يتراجع ليقول: “أنتم الصحفيين والكتّاب والسياسيين والمسؤولين كلكم تزرعون الخوف في نفوسنا من هذا المرض”.

جال “درج” في الأسواق وخيمة عزاء وبعض الأفران في مدينة القامشلي، وكان ظاهراً حجم الاستخفاف بالفايروس وإمكان انتشاره أو وصوله. ففي إحدى دور العزاء لا تزال عادة التقبيل والمصافحة وبل المعانقات مستمرة، استفسرنا عن السبب، ضحك البعض وعبس البعض الآخر، ومنهم من تابع حديثه الخاص.

سأل الحاج موسى (61 سنة) شقيق المتوفي: “ماذا تريد مني أن أفعل مثلاً، أعلق لافتة وأكتب عليها “لا تصافح لا تقبل لا تحضن”، توفي شقيقي، والناس يأتون للتعازي، أنتم في الصحافة أطلبوا منهم ذلك هي عادة سيئة واليوم خطيرة لكن تؤخذ بسطحية كبيرة”.

في أحد الأفران في حي قناة السويس، وقف الناس في طوابير طويلة لشراء الخبز، غالبيتهم لم يرتدوا قفازات أو كمامات، بعض النسوة وضعن جزءاً من حجاباتهن فوق أنوفهن، فيما استند كثيرون إلى واجهة الفرن أو الحواجز المخصصة لفرز الإناث عن الذكور،  وتبادلوا التحايا والمصافحات، غير مبالين بالفايروس الذي يطوف في الأجواء.

سألنا وليد (40 سنة) عن سبب عدم أخذه طرائق الوقاية الضرورية، وضع يدهُ على وجه صديقه وقال “10 سنوات من الحرب والقصف ولم نمت، هل سيُميتنا فايروس لا يُرى بالعين المجردة؟”. داخل الفرن كان البائع يرتدي كمامةً وقفازاً وإلى جانبه علبة تعقيم صغيرة، يستعملها بين الحين والآخر “النقود أيضاً تحمل الفايروس”، بينما كان العاملون في الفرن غير مهتمين بالموضوع تقريباً.

وفي سوق القامشلي المركزي، أحد أكبر التجمعات البشرية حيث مختلف المواد التي تحتاجها الأسرة من ثياب ومنظفات ومواد تجميل وطهو وطعام، نسبة المقبلين على محلات بيع المنظفات ضئيلة جداً مقارنة ببقية المحلات. دخل “درج” إلى محل لبيع المجوهرات التقليدية، يقول رافع (35 سنة)، وهو الحاصل على إجازة في علم الاجتماع “بعد قرار إلغاء الاحتفال بعيد النوروز، بلغت خسارتي حداً كبيراً، قبل القرار بأيام اشتريت بضاعة بنحو 10 آلاف دولار، ستبقى غالبيتها من دون مبيع إلى الصيف في موسم الأعراس، إن تم القضاء على الوباء. لا مشكلة المهم أن لا تنتقل العدوى، لكن الإجراءات المتبعة غير كافية، أحمل معي علبة تعقيم وقفازات وكمامات، لكن حركة السوق تجعلنا في خطر دائم”.

ونتيجة الطلب المتزايد على الكمامات والقفازات ارتفع السعر أكثر من 300 في المئة، فسعر الكمامة الواحدة قبل انتشار الفايروس كان نحو 40 ليرة سورية، ويبلغ الآن أكثر من 300 ليرة، وسعر القفازين كان 25 إلى 35 ليرة سورية، وبلغ السعر اليوم 100 ليرة سورية. لكن الغريب في الأمر عدم استعمال الكمامات والقفازات إلا نادراً.

تقول ليلى من حيّ الكورنيش: “اشتريت أربع كمامات فقط، نحن سبعة في المنزل، سيضع كمامة من يخرج فقطـ، لا نستطيع شراء الكمامات والقفازات لجميع أفراد الأسرة”.

عادة ما يتنقل الأهالي عبر سيارات “السرفيس” بين مختلف مناطق المدينة، ولجأت الإدارة الذاتية الكردية كإجراء احترازي إلى توقيف عمل حافلات النقل الداخلي حرصاً على سلامة الأهالي، بيد أن حركة سيارات الأجرة لا تزال مستمرة. بعد أخذ احتياطات الوقاية المناسبة، استقل معد التحقيق ثلاث سيارات أجرة لثلاثة خطوط مختلفة من السوق إلى الهلالية حيث أقصى المنطقة الغربية للمدينة، من السوق إلى قناة السويس في الجهة الشرقية للمدينة، ومن السوق إلى حيّ الكورنيش في جنوب المدنية. السائقون غير مهتمين بالفايروس، أما الركاب فكانوا شبه متفقين على عبارة واحدة: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”. السائق حسين يرى أن” الفايروس ليس سوى تضخيم إعلامي، إذ لم يمت إلا بضعة أشخاص لا غير حول العالم، وليس هناك إحصاء دقيق. كيف سألزم المنزل، أعمل اليوم كي يأكل أبنائي غداً، وهكذا، إذا بقيت في المنزل لن نجد ما نأكله، هذا الفايروس لن يصل إلينا”.

بين النشطاء ومسؤولي الإدارة الذاتية

يعتقد نشطاء وسياسيون أن تأخر إجراءات الإدارة الذاتية الكردية تسبب بخلق حالة لا مبالاة لدى الأهالي، إذ يصف الناشط والإعلامي حسام خليل الوضع بالكارثي، “الأسواق مكتظة بالمارة من دون أي وقاية شخصية، ومع غياب ثقافة الانتماء والالتزام الطوعي بسبب ضعف الإجراءات المتخذة، وعدم شعور المواطنين بوجود هياكل حكم محلية تهتم لمصيرهم، وعدم الاهتمام بما صدر من قوانين وإجراءات، وبذلك يبدو وكأنّ الناس يستخفّون بمصيرهم”.

وكانت الإدارة الذاتية صرحت بأنها تقوم بتوزيع المنشورات وتوجّه عبر وسائل الإعلام المختلفة، أساليب وقاية مختلفة ووسائل التعقيم وما شابه. لكن الناشط والسياسي خالد أمين يُشكك بالخطة الإعلامية المتبعة وينتقد ما وصفه بالتقصير الكبير للإدارة الذاتية على مستوى استخدام الإعلام في ذلك فيقول، “للإدارة الذاتية عشرات القنوات الفضائية والجرائد الورقية والإذاعات وغيرها، ولم نشعر بأيّ أهمية أو جدّية في التوعية، وكأن هذا الإعلام مخصص للتسييس والتوجيه السياسي لا غير”.

الإعلامي بهور رشيد يقول: “ليس لدى الإدارة الذاتية، ولا لدى المستشفى الوطني التابع لهيئة الصحة للحكومة السورية أيَّ إجراءات طبية سليمة للمتابعة، عدا عن عدم توفر الفحوصات اللازمة لمعرفة المصاب، ناهيك بغياب أجهزة التعقيم الحديثة والمستشفيات المخصصة لاستقبال الحالات المصابة”.

وزار “درج” هيئة الصحة التابعة للإدارة الذاتية في قامشلو والتقت الطبيبة رابرين حسن الرئيسة المشتركة لهيئة الصحة التي تؤكد أن “هناك جهوداً كبيرة تبذل لنشر الوعي”. وتضيف: “نعمل بكامل طاقاتنا وإمكاناتنا لتوعية المواطنين بالوباء الذي يتحول إلى خطر حقيقي يداهم المنطقة، وعلى الجميع أن يحموا أنفسهم لحماية غيرهم. ألغينا التجمعات وأغلقنا المدارس والجامعات والمؤسسات التابعة للإدارة الذاتية، وننشر حملات توعية على الإعلام بكثافة وسنقوم بزيادة الحملات الإعلامية حول ذلك”. وترفض حسن الشكاوى والاتهامات حول تقصير الإدارة الذاتية “هناك مشكلة في عدم اهتمام الأهالي بالموضوع ونحاول تسخير الإعلام للتوعية حول خطر الوباء وأهمية أخذ الاحتياطات اللازمة، وبدأنا حملة تعقيم في مؤسسات الإدارة الذاتية، وستكون المرحلة الثانية في الأسواق وأماكن التجمعات والطرق، وربما نطلب حظر التجول حينها. في الوقت الحالي لا نستطيع منع الحركة بين المناطق، لكنه سيكون خياراً قائماً، العالم كله عاجز عن أيّ حل، وفي حال الشك بأي حالة، نرسل عينة إلى منظمة الصحة العالمية التي تعيد إلينا النتيجة خلال 24 ساعة”.

يقول الناشط الحقوقي جكر سلو: “إلى هذه اللحظة ليس هناك أيّ اهتمام شعبي بهذا الوباء، وهو تصرف مخيف، والمطلوب من هيئات الصحة للإدارة الذاتية والحكومة السورية والمنظمات الدولية القيام بدورها للحماية والتثقيف الصحي، لأن الوقاية هي الخطوة الأولى في الحماية بخاصة مع عجز دول عظمى عن حل المشكلة وانتشار الفايروس، وأتمنى الشفافية في الإعلان عن الوضع الحقيقي للفايروس في المنطقة، فالسكوت عن الإصابات كارثة إنسانية تهدد وجودنا ومصيرنا. وأطالب الكتّاب والصحافيين والمثقفين بالعمل على نشر ثقافة إلغاء المصافحة والإبقاء على مسافة جيدة بين المتحدثين”

وحصل “درج” على معلومات خاصة حول إتمام الاستعدادات الخاصة بالمنظمات الدولية، لإجراء تدريبات من بعد، للمسؤولين ضمن المنظمات العاملة في المجال الإنساني، وهو تدريب على إجراءات السلامة والوقاية ضمن أنشطة التوزيعات والمساعدات المقدمة لمكافحة فايروس “كورونا”.

وكان المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، ريك برينان، قال إن المنظمة ستبدأ في وقت قريب إجراء اختبارات للكشف عن فايروس “كورونا” في شمال غربي سوريا، الذي تسيطر عليه المعارضة المسلحة.

وأضاف أنه يشعر “بقلق بالغ من انتقال الفايروس إلى منطقة دمرت الحرب الأهلية الدائرة فيها منذ فترة طويلة النظام الصحي”.

درجات

———————————

وزير التربية السوري “ينظف المدارس”..حبة الكرز فوق كعكة التضليل/ وليد بركسية

تشكل الصور المتداولة لوزير التربية السوري، عماد العزب، وهو “يشرف على تنظيف المدارس بيديه”، حبة الكرز الصغيرة فوق كعكة سياسة التضليل التي اعتمدها النظام السوري في تعامله مع أزمة فيروس كورونا المستجد في البلاد، والتي تراوحت بين إنكار وجود الفيروس في البلاد، إلى اعتباره حرباً بيولوجية تستهدف النيل من حلفاء “الدولة السورية” بعد إنجازات الجيش السوري الأخيرة في ريفي حلب وإدلب.

ونشرت صفحات موالية للنظام صوراً لجولة العزب، الثلاثاء، في مدرسة ببيلا للبنين بريف دمشق. بينما نشرت صفحة وزارة التربية في “فايسبوك” مقطع فيديو له، لم تتجاوز مدته 8 ثواني، بموازة لقاء مصور مع عدد من وسائل الإعلام المحلية إلى جانب محافظ ريف دمشق علاء منير إبراهيم.

وإن كان أسلوب توزيع صور المسؤولين وهم يشاركون في نشاطات مماثلة، أمراً مألوفاً في سوريا الأسد منذ عقود، إلا أن العزب هنا يختلف عن زملاء له شاركوا في نشاطات مماثلة في السنوات الأخيرة، ومن بينهم وزير المالية مأمون حمدان وهو يكنس الشوارع في يبرود أو وزير التجارة الداخلية السابق عبد الله الغربي وهو يتجول بين المخابز من أجل نشر العدالة، لأن تلك المساهمات كانت تهدف إلى تلميع صورة المسؤولين عموماً أمام الرأي العام المحلي ضمن البيئات الموالية، ومحاولة خلق ارتباط جديد بين النظام والسوريين بعد سنوات الحرب وفقدان الثقة بالنظام واهتزاز شرعيته رغم سيطرته العسكرية على مناطق ثارت ضده بعد العام 2011.

ولعل صور العزب تشابه بالتحديد، صور وزير الداخلية السابق محمد الشعار في حلب العام 2018 وهو يعتقل مندوباً بسيطاً في نقابة الأطباء، يتقاضى مبلغ 50 ليرة سورية زيادة على الرسم المطلوب. حيث يشكل المقطعان تمثيلاً حرفياً لسياسة النظام في التركيز على هفوات المواطنين وإلقاء اللوم عليهم في المشاكل التي تحصل في البلاد، بالقول أن السوريين أنفسهم يشكلون عوائق في درب الإصلاح الرسمي، أو أسباباً للمشاكل التي تحصل رغم “تفاني الجهود الرسمية”، والتي يمثلها في حالة العزب، فيروس كورونا المستجد.

يتضح ذلك بالنظر إلى بقية الإنتاجات الدعائية الخاصة بفيروس كورونا والحملات التوعوية التي أطلقتها وزارة الإعلام ومشاركات العاملين في الإعلام الرسمي عبر مواقع التواصل، والتي تقوم جميعها على فرضيتين لا ثالث لهما، بشأن تطور انتشار الفيروس في سوريا. وتقول الفرضية الأولى أن سوريا ستكون الدولة الوحيدة الخالية من المرض في العالم بسبب الإجراءات الوقائية التي اتبعتها “الدولة السورية” في هذا الإطار، بينما تقول الثانية أن البلاد ستنتقل من الواقع المشرق في الفرضية الأولى، لتصبح دولة متأزمة يتساقط فيها المصابون موتى في الشوارع، بسبب عدم وعي المواطنين وعدم التزامهم بنصائح الدولة التي ستكون عاجزة عن احتواء الموقف رغم تحذيرها منه.

والحال أن لوم السوريين على كل ما يحصل في سوريا من انهيار، على كافة المستويات، ليس جديداً، فإعلام النظام الرسمي وشبه الرسمي، اعتمد ذلك الطرح حتى في فترة ما قبل الثورة السورية العام 2011، بتعويم أفكار سامة مفادها أن الشعب السوري غير واع ويحتاج إلى القيادة الحكيمة التي توصله إلى بر الأمان، ما يستوجب الطاعة التامة، وتكرر ذلك بعد الثورة بكثافة، ويمكن تلمسه مثلاً في برامج مثل “قولاً واحداً” الذي قدمته قناة “سما” شبه الرسمية العام 2015، أو برنامج “منقدر” الذي تعرضه قناة “لنا” الموالية منذ مطلع العام الجاري وحتى في الدراما السورية في مسلسلات مثل “الندم” للكاتب حسن سامي يوسف والمخرج الليث حجو، العام 2016، وحتى في قضية انهيار سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الرئيسية، قبل أسابيع.

وبغض النظر عن الاتهامات المتكررة للنظام بإخفاء معلومات حول وجود إصابات بفيروس كورونا في البلاد، قدرتها وسائل إعلام كبرى ومنظمات طبية، بنحو 2400 إصابة على الأقل، وتحديداً بعد حديث السلطات الباكستانية عن أن مصدر بعض الحالات المسجلة في البلاد يرجع إلى أشخاص عادوا مباشرة من سوريا،  فإن النظام استغل فكرة المرض نفسه من أجل تجاوز مشاكله المحلية الأخيرة، والمتمثلة في النقمة الشعبية بشأن انعدام الخدمات الأساسية في البلاد، والتي دفعت سكان محافظة السويداء قبل أشهر للتظاهر بشكل نادر للمطالبة بتحسين الظروف المعيشية.

وتم تعميم مقولات بأنه يجب تأجيل الخوض في نقاشات حول مشاكل البلاد “الثانوية” أمام الوباء نفسه، كما انتشرت مقارنات لـ”الأمان” في سوريا مقابل “حالات الهلع” في “دول الغرب السفيه الفاجر”، التي تسببت بها وفق هذا المنطق الأعوج سياسة الشفافية المعتمدة بين الحكومات وشعوبها. وبالطبع كانت نظريات المؤامرة حاضرة، والتي تحدثت عن كون الفايروس محاولة أميركية لضرب الاقتصاد الصيني الحليف.

ويبدو وكأن النظام يرى بإفصاحه عن حالات المرض في البلاد، أو تقديم معلومات دقيقة بشأنه، مشكلة قد تخلق ضغوطاً إضافية عليه ضمن البيئة الموالية، أو اهتزازاً لصورة النصر على الإرهاب التي روج لها مؤخراً. وبالتالي، تم اعتماد هذا النمط المزدوج القائم على التعتيم حول المعلومات الحقيقية بشأن حالات المرض في البلاد من جهة، ونشر المعلومات الدعائية التي تصور الجهود الزائفة لمكافحة انتشار الفيروس من جهة ثانية، لكسب الوقت وتجهيز سردية محكمة تكمن النظام من التنصل من المسؤولية عندما تخرج الأمور عن نطاق السيطرة، عبر إلقاء اللوم على السوريين أنفسهم.

ويتصرف النظام هنا بمنطق فائض القوة، مدفوعاً بضرورة وجود خصم يعلق عليه النظام كافة مشاكل البلاد، الاقتصادية والخدمية وحتى الصحية، بدلاً من مكافحة أسبابها الحقيقية. وفيما كان “الإرهابيون” و”العصابات المسلحة”، الشماعة التي ألقيت عليها تلك المشاكل خلال السنوات الماضية، بات ذلك متعذراً اليوم مع ترويج النظام لفكرة “انتصاره” في الحرب السورية، ما يستدعي البحث عن عذر جديد، هو المواطنون أنفسهم!

ويعني ذلك أن هؤلاء المواطنين المساكين أصبحوا العائق أمام تقديم النظام لصورته الحضارية ولا بد من تعليمهم على “الانضباط”. وبرز ذلك حرفياً في البرامج الحوارية بشأن الوقاية من كورونا، وبالتحديد البرامج الصباحية “الخفيفة”، التي تعرض هذه الأيام لقطات من الحياة اليومية التي ترصد “أغلاط” المواطنين، ومقارنتها بالتعليمات الرسمية “الحضارية” الخاصة بكورونا. علماً أن النظام فرض عدداً من الإجراءات للحد من انتشار كورونا بموازاة استمرار إنكار وجوده في البلاد، ومنها تعليق الدوام في المدارس والجامعات وإغلاق المساجد والكنائس وتعقيم وسائل النقل العامة.

المدن

———————————–

ماذا يقول علم النفس عن تهافت الناس لشراء ورق المرحاض في زمن كورونا؟

واشنطن: هو مشهد أصبح مألوفا حول العالم، من الولايات المتحدة مرورا بفرنسا وصولا إلى أستراليا… رفوف متاجر السوبر ماركت فارغة من ورق المرحاض نتيجة تهافت السكان المذعورين على هذه السلعة جراء تفشي فيروس كورونا.

لكن ما هو السبب وراء الخوف من نقص امدادات ورق المرحاض الذي سبب فوضى عابرة للثقافات ووصلت الى حد التضارب بين المستهلكين؟

يقول الخبراء إن الجواب يكمن في نظرية الألعاب: “إذا اشترى الجميع ما يحتاجون إليه فقط، فلن يحصل نقص. لكن إذا بدأ بعض الأشخاص في شراء السلع بشكل جنوني فستكون الإستراتيجية المثالية هي أن يحذو الآخرون حذو هؤلاء للتأكد من أن لديهم ما يكفيهم منها”.

لكن هذا لا يفسر ما يحصل تماما، فلا يمكن لورق المرحاض أن يقي من العدوى ولم يحصل حتى الآن تهافت مماثل على سلع رئيسية أخرى مثل الأطعمة المعلبة، لذلك لا بد أن يكون ثمة تفسير آخر.

وقال ستيفن تايلور مؤلف كتاب “ذي سايكولوجي أوف بانديمكس”: “أعتقد أنها قد تكون نتيجة الصور اللافتة التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي لهذه العلب المميزة وقد أصبحت مرتبطة في أذهان الناس كرمز للأمان”.

وأضاف أستاذ الطب النفسي في جامعة بريتش كولومبيا: “يشعر الناس بالحاجة إلى القيام بشيء لحماية أنفسهم وعائلاتهم لأنه لا يمكنهم في سبيل ذلك غير غسل أيديهم وعزل أنفسهم”.

وطرح تايلور نظرية أخرى تتمثل في كره البشر للأشياء المثيرة للاشمئزاز والذي يتصاعد عندما يشعر الناس بالتهديد بالعدوى.

وأوضح: “لذلك أظن أن هذا من الأسباب التي جعلتهم يتهافتون على ورق المرحاض، لأنها وسيلة لتجنب الاشمئزاز”.

** التحكم والسيطرة

اقترح علماء الاقتصاد أيضا أن الناس ربما يحاولون القضاء على خطر واحد يسهل التخلص منه نسبيا بدلا من القيام بشيء أكثر كلفة قد يقلل من الخطر بنسبة أكبر.

وهذا الأمر يعرف بـ”الانحياز إلى انعدام الأخطار”.

وقال فراسات بخاري خبير الاقتصاد الصحي في جامعة إيست أنغليا في بريطانيا: “أعتقد أننا نريد أن نشعر بأننا نمسك بزمام الأمور مع ميزانيات محدودة”.

وأضاف: “لذلك نذهب لشراء شيء رخيص الثمن يمكننا تخزينه ونعلم أننا سنستخدمه على أي حال”.

قد يكون الطعام غير القابل للتلف أكثر كلفة لكنه ضروري للتخزين، لكن إذا لم تكن الوجبات المجمدة والأطعمة المعلبة هي المفضلة بالنسبة إلى الأشخاص، فقد يكون ذلك هدرا لأموالهم في نهاية المطاف، إذ انهم لن يستهلكوها.

ووفقا لتايلور، فإن العديد من السلوكيات التي نراها حدثت أيضا خلال تفشي أوبئة سابقة، بما فيها الإنفلونزا الإسبانية في عام 1918 التي قتلت ما يقرب من 700 ألف أمريكي ودفعت بالمواطنين المذعورين إلى الذهاب للمتاجر والصيدليات لتخزين البضائع.

حتى أن البعض في ذلك الوقت طرحوا نظرية المؤامرة وهي أن يكون الألمان هم من طوروا الفيروس ونشروه. وقد اعتبر البعض أن فيروس كورونا الحالي سلاح صيني وآخرون زعموا أنه سلاح بيولوجي أمريكي، وفقا لمن يوجه الاتهام.

لكن أحد الاختلافات الرئيسية بين الوباء الحالي والأوبئة السابقة هو وجود وسائل التواصل الاجتماعي المستخدمة على نطاق واسع في أنحاء العالم، إذ عندما حدث وباء إنفلونزا الخنازير في عام 2009 كانت هذه الشبكات ما زالت جديدة نسبيا، ويرى تايلور أن لهذا الامر إيجابيات وسلبيات.

وهو قال” “لقد ساهم وجودها في انتشار الصور ومقاطع الفيديو اللافتة في كل أنحاء العالم ما أدى إلى تضخم إحساس الناس بالتهديد وضرورة” التهافت على شراء البضائع وتخزينها.

ومن ناحية أخرى “يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تكون ممتازة للتضامن الاجتماعي، خصوصا إذا كان الشخص في حجر ذاتي”.

فهل نحن متجهون إلى انهيار الترابط الاجتماعي إذا استمر تفشي الوباء؟ يقول تايلور إن التاريخ يجيب “لا” موضحا: “كانت أعمال الشغب والسلوكيات السيئة خلال تفشي الأوبئة السابقة غير شائعة نسبيا، لقد حدثت في بعض الأماكن، لكن الاستجابة الرئيسية كانت اتباع النظام واجتماع الناس وتضامنهم ومساعدة بعضهم البعض وبذل قصارى جهدهم للتعاون كمجتمع واحد”.

(أ ف ب)

——————————–

إيرانيون يقتحمون الأضرحة المقدسة: أنشروا كورونا ليظهر المهدي!

تداول معلقون في مواقع التواصل ووسائل إعلام، مقطع فيديو يظهر حشداً من المحتجين الإيرانيين وهم يطالبون بفتح المراقد الشيعية، بعد إغلاقها كإجراء احترازي للحد من انتشار فيروس كورونا، المستشري في البلاد.

وأظهر التسجيل مجموعة من الإيرانيين وهم يقتحمون ضريح فاطمة المعصومة، في مدينة قم، وهم يهتفون “حيدر، حيدر”، بعد تجمهرهم لأكثر من ساعة أمام باب الضريح قبل اقتحامه. فيما فرقت الشرطة الإيرانية عدداً من المحتجين ووصفتهم بالخارجين على القانون.

    #BREAKING: On order of #Iran’s Ministry of Health, the Masoumeh Shrine which is now hotspot of #CoronaVirus/#COVID19 outbreak in #Qom was closed on Shiite extremists. An hour ago, the Shiite extremists broke its doors to enter there, pray & also to lick its metal poles! pic.twitter.com/EY9EV0Wqrg

    — Babak Taghvaee (B) (@BabakTaghvaee1) March 16, 2020

وقالت الشرطة، أن المحتجين انتهكوا حرمة ضريح فاطمة المعصومة عن طريق كسر جزء من بابه”. فيما قال أحد المحتجين أن “وزارة الصحة تلقت الأوامر من منظمة الصحة العالمية لإغلاق الضريح وأن السلطات يجب أن تمر أولاً على جسد المحتجين قبل أن تغلق الضريح”.

وكان مغردون إيرانيون تداولوا فيديو آخر يظهر تجمهر العشرات من الإيرانيين أمام الضريح نفسه قبل اقتحامه. فيما تداول إيرانيون مقاطع فيديو منفصلة توثق هجوماً مشابهاً على أبواب ضريح الإمام الرضا في مدينة مشهد الواقعة شمال شرقي البلاد. علماً أن وزارة الصحة الإيرانية أعلنت الإثنين عن تسجيل 129 وفاة جديدة بفيروس كورونا المستجد، في أكبر ارتفاع يومي لعدد المتوفين في البلاد منذ بدء تفشيه.

    در پی تصمیم ستاد مقابله با #کرونا برای تعطیلی حرم حضرت معصومه، معترضان با تجمع مقابل آن در حرم را شکستند pic.twitter.com/lq2bJLfnSG

    — ايران اينترنشنال (@IranIntl) March 16, 2020

وكانت السلطات الإيرانية أغلقت الأحد، ضريح الإمام “الرضا” في مدينة مشهد، أغنى عتبة مقدسة في إيران، أمام الحجاج، وطلبت من المواطنين البقاء في المنازل لوقف انتشار فيروس كورونا. وأتى قرار إغلاق الأضرحة بعد أن انتشار مقاطع فيديو تظهر تصرفات غريبة لعدة أشخاص في إيران يلعقون نوافذ الأضرحة في الأماكن المقدسة في قم ومشهد، في إشارة منهم الى التعلق بهذه الأضرحة وإيمانهم أنها لا تنقل العدوى.

وانتشرت قبل أيام دعوات استفزازية من رجال دين إيرانيين، من بينهم رجل الدين المتشدد علي رضا بناهيان المقرب من المرشد الأعلى علي خامنئي، والذي قال في تصريحات لوكالة أنباء “تسنيم”: “وفق الروايات، فإن ظهور الأمراض والأوبئة، ومنها كورونا، هو مقدمة لظهور الإمام المهدي”، ودعى الإيرانيين إلى نشر الفيروس بين الناس، لأن ذلك سيعجل بظهور المهدي، على حد تعبيره.

وقال بناهيان: “من أهم فلسفات كارثة ظهور فيروس كورونا قبل ظهور المهدي، هو أن يفهم البشر ضرورة وجود شخصية لإدارة هذا العالم” وأشار الى أن “العالم يعاني مخاوف واسعة النطاق والعديد من المشاكل الاقتصادية والوفيات، وسيحتاج الناس إلى حكومة دينية يقودها الإمام المهدي”. كما طالب بناهيان الشيعة بمواصلة الدعاء والتضرع لظهور المهدي قبل حلول شهر رمضان.

    المعمم علي رضا بناهيان من المقربين من خامنئي: إنتشار فيروس كورونا مقدمة لظهور الإمام المهدي . pic.twitter.com/PxyZ7b0Hbl

    — محمد مجيد الأحوازي (@MohamadAhwaze) March 14, 2020

وتعتبر إيران من الدول الأكثر إصابة بفيروس كورونا المستجد في العالم إلى جانب الصين وإيطاليا وكوريا الجنوبية، بينما أفادت وسائل إعلام محلية بإصابة عدد من المسؤولين الحكوميين بهذه السلالة، بينهم وزيران.

في ضوء ذلك، دعا عضو البرلمان الإيراني والقيادي البارز في التيار المعتدل، علي مطهري، السلطات في محافظة قم إلى إنزال أشد العقوبات واستخدام القوة ضد “أصحاب الأفكار الجامدة”، الذين اقتحموا مرقد فاطمة بعدما قامت السلطات بإغلاقه خشية تفشي فيروس كورونا المستجد. كما اتهمت وسائل إعلام موالية للنظام الإيراني، أتباع المرجع الديني المتطرف صادق الشيرازي، بمحاولة إشاعة الفوضى والتعدي على مرقد فاطمة المعصومة عبر كسر أحد أبواب المرقد والدخول إليه بالقوة.

ووصفت وكالة أنباء “رجا نيوز”، المحتجين على إغلاق المرقد بأنهم “جماعة صغيرة”، قامت قوات الأمن بالتعامل معهم لإخراج من مرقد المعصومة وإغلاقه من جديد.

    بعد از شکستن درب حرم حضرت معصومه(س) در قم، نوبت به هتک حرمت حرم امام رضا(ع) رسید!

    جماعتی در مشهد، با فریاد حیدر حیدر! و همزمان با عربده کشی و فحاشی!! به سمت خادمان امام رضا(ع) حمله کردند تا به زور وارد حرم شوند.

    امشب حرم‌های مطهر در ایران مورد حمله پیروان #شیعه_انگلیسی قرار گرفت. pic.twitter.com/f5swF6wvMw

    — حاج حیدر (@haj_haydar) March 16, 2020

    بعد از بیست روز چالش، بالاخره حرم معصومه مشهور به دارالشفا به خاطر جلوگیری از شیوع کرونا بسته شد ولی برخی از مردم قم در جلوی حرم تجمع کرده و به بسته شدن آن اعتراض دارند؛ زنجیره شیوع. pic.twitter.com/XdnpXIKogp

    — رضا حقيقت‌نژاد (@rezahn56) March 16, 2020

—————————————————

الطاعون السياسي: من هتلر الى ماو والأسد/ محمد حجيري

مع انتشار فيروس الكورونا المستجد، كان بديهياً أن تكتبَ المنابر والصفحات الثقافية عن تطرق الروايات والقصائد والأفلام إلى الأوبئة ومدلولها وزمنها، وكانت المفارقة أن رواية “الطاعون” للكاتب فرنسي الجنسية، جزائري المولد، ألبير كامو، التي نشرها العام 1948 في زمن الاحتلال الفرنسي وحصدت جائزة نوبل للأدب 1957، شهدت زيادة كبيرة في المبيعات بالتزامن مع انتشار كورونا، لا سيما في إيطاليا، التي تعد بؤرة الفيروس في أوروبا. ورواية “الطاعون” نفسها عرفت انتشاراً واسعاً في اليابان العام 2011 بعد كارثة فوكوشيما النووية التي قامت على إثرها السلطات بفرض حصار على المدينة واخضاعها للحجر الصحي.

واذا ما اختصرنا مضمون الرواية، فهي تبدأ من سؤال في غاية الحدة لكنه من ضمن أسلوب كامو البديع: “ماذا بإمكانك أن تفعل إزاء طاعون يجتاح مدينتك التي أعلنت مغلقة ومعزولة.. لا مغادرين ولا قادمين.. وأنت في حالة ترقب وانتظار”. يروي كامو في طاعونه كيف تحولت مدينة وهران الجزائرية، بحسب تعريف الرواية، “من مدينة وادعة لا همّ لها، إلى سجنٍ حقيقيٍّ لا يدخل إليه ولا يخرج منه أحد، منذ أن قطعت الاتصالات في المدينة أصبح سكانها كالأشباح المتحركة، فصفاتهم التي نقرأها في الشوارع وفي المنازل توحي لنا بأنهم أناسٌ ينتظرون حتفهم، تماماً كالمعتقَل الذي يعلم أنه سيُعدم، لكنه لا يدري متى سيُنفّذ فيه حكم الإعدام”.

والحال أن الحديث عن مضمون “الطاعون” بات مألوفاً، ولا جدوى من العودة إليه بالتفصيل. المهم قراءة الأبعاد التي تتجاوز أحداث الرواية الظاهرة. فمن خلال قراءة الكثير من المطالعات والدراسات حول الرواية “الأسطورة”، يتبين أن كامو بنى أحداثها بطريقة التَّورية والرمزيات والمجازات… فالطاعون عند كامو ليس حقيقياً، كما يتوهم بعض المعلقين. وهران لم تعرف الطاعون في أواخر أربعينيات القرن الماضي، عرفت وباء الكوليرا قبل ذلك التاريخ بمئة عام، وطاعون كامو، بحسب الإجماع النقدي، رمزي ومجازي. ولا علاقة له بالجزائر، بل بأوروبا عموماً، وفرنسا خصوصاً، التي كانت قد اجتاحتها القوات النازية الهتلرية من دون مقاومة تذكر، والجيش الألماني الذي غزا أوروبا بسرعة تشبه تفشي الوباء. بمعنى آخر، الإيديولوجيا في مرات تتحول وباءً قاتلاً وفتاكاً، وهي تذكرنا بـ”الكتب القاتلة”(“كفاحي” نموذجاً) أو الكتب التي تقدسها بعض الجماعات فتكون مصدراً فكرياً للكثير من المجازر والجرائم الجماعية والتطهيرية والعرقية…

الغزوات الكبرى والحروب الإيديولوجية هي الطاعون في مجاز كامو، ولا أحسب أن المجاز في الرواية يحتاج جهداً نقدياً لإبرازه وتبيانه. يقول الطبيب “ريو”، وهو من الشخصيات الرئيسية في الرواية: “ما لم ندركه نتيجة استغراقنا الدائم في ذواتنا، أن الطاعون والحروب تحصد الناس على حين غرة”. وكامو بذاته أوضح مضمون روايته. فقال، في رد على مقال كتبه الناقد رولان بارت، عن الرواية: “رواية الطاعون، التي شئت أن تُقرأ على مستويات عديدة، تحوي مضموناً واضحاً، هو معركة المقاومة الأوروبية ضد النازية”. ففي العام 1955 نشر بارت مقالة حول “الطاعون” تحت عنوان “حوليات وباء: رواية للعزلة”، لكنها لم تعجب الروائي فدخل معه في نقاش أدبي طويل.

وبعيداً من المجازات والكتابات الروائية، إذا تأملنا في الوقائع، ماذا نجد في الصين في زمن ماو تسي تونغ و”ثورته الثقافية”؟ وفي روسيا، وزمن “زوزو” ستالين واشتراكيته؟ وفي كمبوديا بول بوت وثوريته؟ وفي أووربا في زمن أدولف هتلر وعرقيته؟… أيهما أشد فتكاً: الطاعون الإيديولوجي والسياسي والديني؟ أم الطاعون البيولوجي؟ من يقرأ بعض الروايات الصينية (“بجعات برية” نموذجاً)، والتاريخ الصيني، سينتبه إلى أن ماو تسي تونغ، كان أشد فتكاً من الأوبئة و”الموت الأسود”(الطاعون). وفيروس كورونا، مقارنة بأفعال “الرفيق ماو”، ليس أكثر من صداع عابر ينتهي بحبة بنادول. لا يختلف الأمر مع هتلر. حتى الديكتاتور الصغير، أو “السيد الرئيس” بحسب توصيف أدونيس، و”المنتخب” بشار الأسد، تحصد طائراته من المواطنين، بدم بارد، وأمام مجتمع دولي بارد، أكثر بكثير من الكورونا…

ربما علينا أن ننهي هذه العجالة بعبارة الطبيب ريو: “كل منا بداخله الطاعون؛ لا أحد، لا أحد في العالم متحرر منه”.. و”الجميع يعلم أن الأوبئة لها طريقة للتكرار في العالم”. 

المدن

————————————–

لماذا لا يخشى السوريون الكورونا؟ / أدهم حنا

لعل أفضل ما حصل عليه السوريون في خلال أعوام ثورتهم ومآلاتها، ليُظهروا شخصيتهم المتحدية، هي المنخفضات الجوية شديدة البرودة، والآن الكورونا. فقد ظهرت الذات السورية وهي تُعبّر عن دواخلها وآرائها ومخاوفها في تحدٍ وحيد يَظهر في الداخل السوري لما هُم فيه. لا النظام الاجتماعي المهُيمن، ولا السلطة السياسية المتحكمة، بل الطبيعة، أقدارها ومآلات الحياة على هذه الأرض تصلح للتحدي والمعاندة والنقد. الضعف العالمي في مواجهة كورونا عملياً، على مستوى العالم، جعل السوريين مبالغين في التعبير عن ذواتهم في مواجهة الطبيعة، فشعروا بأنهم يتساوون مع مواطني عالم ينتمون إليهم.

عموماً يخضع الظهور السوري في وسائل التواصل الاجتماعي، لمقدار عالٍ من السخرية. السوريون عموماً يميلون إلى السخرية، كإهانة لأنفسهم في الدرجة أولى، وتالياً لمجتمعاتهم، وثالثاً للقَدَر، بوصف المستهدفين بهذه الإهانات متاحين للنقد والتندر والندب من دون عقوبة السلطة. وتمظهر القدر يبدو في الغالب: الطبيعة، وبعدها: الحكومة، لا النظام السياسي، ولا الراعي بالمعنى الحرفي للكلمة، أي الرئيس القائد لكل شيء والذي ينفصل عن الحكومة ما أن تبدو البلاد مثار سخرية ونقد وابتذال. فتبدو الحكومة شيئاً آخر، وضمن المتاح للقول والسخرية والتندر.

تبيئة كلمة الحكومة منذ استخدام غوار الطوشة لها على مستوى الدعابة النقدية، الدعابة المبتذلة، الساذجة البلهاء، مستعيناً بُكتّاب النصوص المسرحية والنقدية الصحافية وغيرها، في الخمسينيات والأربعينيات الذين وجهوا انتقاداتهم للحكومة بوصفها حكومة فرنسا إبان الاستعمار ومراحل الاستقلال المبكر. هذه التبيئة المتاحة أمنت لها السلطة مسرحيات هزلية تتوالى منذ حكم الأسد الأب، وصولاً للابن، لتكون دلالة على نقد لا يستأهل ذكره كمثالٍ حتى.

في مواجهة الكورونا، بدا الراعي بشار الأسد مشغولاً، وضئيلاً في الوقت نفسه، كان صوت الحرب أكثر وضوحاً. الراعي الأسد، المطلق الخالق، لا ينشغل بعقاب الطبيعة لأجساد تحيا معها. أما الحكومة فلا تملك أي قدرات لوجستية لمواجهة أي وباء يتفشى داخل بلاد أنهكتها الحرب. ثم أن طارئاً قد حل على السوريين وبدا مهيباً لحيواتهم فتفاعلوا معه بحرية تامة. كان النظام أسرع في جعل حكومته مسرحية للسخرية. فانتشر مقطع فيديو يظهر فيه الواصلون إلى مطار دمشق، وهم أقل انشغالاً وأكثر بؤساً من أي خوف يصيب إنساناً محاطاً بخوف فيروس ينتشر عالمياً. ويخضعون من دون أي قناعة ظاهرة في وجوههم، لفحص طبي سطحي وهزلي ومسرحي. كان هذا الفيديو انتقاماً للسوريين في الداخل من حياتهم، تفننوا في الكتابة والسخرية عنه كخلق درامي كوميدي لم يتوقف حتى هذه اللحظة. الملاحظة أن النظام لم يمانع هذا ابداً، بل إن الكاميرا التي صُوّر بها الفيديو تبدو رديئة، والسينوغراف رديء وكئيب، إشارة إلى حسٍّ يُرتجى فهمه، في أن كل شيء يبدو عتيماً وقاتماً ومعزولاً. القِدمُ والاتساخ والفوضى في المشهد، عالمُ السوريين الراضين الواثقين الذين لا يصدقون شيئاً من خوف النظام عليهم. وفي مقطع الفيديو لم ينظر أي من المستهدفين في الفحص، للطبيب، بوصفه طبيباً، ولم يحترم أحدٌ منهم يديه المرفوعتين باتجاه رؤوسهم. تسارع الخطى نحو الداخل، نحو الشقاء الأكبر من وعي المستهدف بوجود فيروس من عدمه. هذه المسرحية نالت ما يستحقها من السخرية.

لم يخشَ السوريون الكورونا، هناك بلاهة مجتمعية عامة سببها ما زرعه النظام في مواطنيه. ما يسميه فرويد “الاضطراب التكراري” في الاعتياد الجمعي على تحطم روابط غريزة الحياة في الإنسان وروابطه الاجتماعية، وفي الوعي الجمعي أيضاً، تحقق في سوريا. فدرجات العقاب الذي مورس ضد الأجساد والقتل العشوائي والمُمنهج، جعل السوريين يواجهون الكورونا كدعابة سمجة، من رعاة الطبيعة المجهولين، وليس كخوف كوني، أو كمعنى احتجاجي لحماية الحياة وغرائزها. عنف النظام على الأجساد، والحيوات السورية شبيهة بتجربة الدكتور كوفمان الألماني، الذي طبق برنامج صعق كهربائي على المرضى النفسيين المصدومين من أهوال الحرب العالمية الثانية، لكي يقوم الصعق الكهربائي وآلامه، مقام مشاهد الحرب ومخاوفها وأحزانها لدى الجنود. للنظام باع في هذا، فيبدو كل شيء سهلاً ومتاحاً ومقبولاً، طالما أن النظام لا يُدخل الفرد في تجربة التربية العقابية المتحكمة في الكرامة والحياة. وما الخطأ في أن يكون الدكتور بشار مساوياً للدكتور فوكمان؟

وتخفي الحكومة بسذاجة بيانات المرضى المُصابين، ليس خوفاً من هلع جماهيري، فحتى نوازع الهلع عند السكان تبقى تحت تصرف النظام الأمني، لكن الكورونا ثقل لا يحتاجه الراعي الأسدي. فخزعبلات روحية منطوقة قد تصدر عنه، كافية لإبعاد الفيروس عن ملايين السوريين، مثل جملة تتكرر قالها الأسد جراء طرده وجيشه من لبنان: “سوريا الله حاميها”، أو أن يدفع جمهرة من المؤسسة الدينية لزيارته وتزيينه بحجابٍ ديني ضد الكورونا. المهم أن الراعي بخير. والراعي، بالمعنى الكُلّي الإلهي، سيبقى السوريين عائمين على مزاحهم وموتهم.

الأفضل من هذا كله هو استمتاعهم التعبيري داخل حلقة الندب والسخرية والحزن، لسوء المآل في وجه الطبيعة والكون. هذه الإتاحة مُريحة أكثر من مسلسل درامي ناقد، أو حفلة سخرية سياسية. لكن، حتى الانتفاضة على الله والطبيعة، قد لا تجدي نفعاً، على السوريين أن يكونوا أصحاء رغماً عنهم. إنه التأديب.

——————-

كورونا في سورية/ سوسن جميل حسن

كورونا، الوحش المتغول في حياة البشرية، يثير الرعب والهلع، وتستنفر لمواجهته الحكومات، وتسارع في إقامة غرف عملياتها الخاصة، من أجل وضع الخطط والتكتيكات اللازمة لضمان لجمه عن التفشي، واستباحة الحياة مهدّدًا، من دون أن يقصد، بتعطيل النشاط البشري في كل مجالاته، وضرب الاقتصاد العالمي، فهو بارع في إيقاع الخسارات، وها هو الاقتصاد العالمي يتهاوى هنا وهناك، فكثير كثير من أوجه النشاط والشركات والمؤسسات طاولها التعطيل، وخسرت وتخسر كل يوم جزءًا من أرباحها أمام جبروت “فيروسٍ” لا يمكن تصنيفه كائنا حيا، لكنه إذا ما تسلل إلى الجسم الحي اكتسب حياةً، ويعرف كيف يستغل خلاياه ويسخّرها من أجل تعدّده وتكاثره المريع.

لا أحد في سورية يعرف شيئًا عن واقع كورونا، فسورية منذ تسع سنوات خارج التغطية، وخارج التصنيف، وشعبها خارج حظوظ الحياة. لو تابعنا النشرات التي ترصد خط سير كورونا وتلاحقه كلص يجيد التخفي والتسلل من أكثر الزوايا اطمئنانًا وأمنًا، كأن يصح القول بمن يسطو على حياتهم إن من مأمنه يؤتى الحذر، فإننا سوف نجد أن اسم سورية سقط من هذه النشرات والجداول والخطوط البيانية، ولا أحد يأتي على ذكرها، مع أنها مرشّحة كثيرًا لاستشراء أوبئةٍ كثيرة، وأن كورونا الناشط جدًا في إيران من الطبيعي أن يكون قد وصل إليها.

لكن في سورية موتا رخيصا منذ تسع سنوات، تطلقه حربٌ شرسة، تضافرت فيها قوى الجشع والطمع في العالم، لتأمين مصالحها، متذرّعة مرة بمحاربة الإرهاب، ومرّة بنصرة الشعب السوري في نضاله من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وأخرى ضد المؤامرة الكونية، وغيرها من أجل إقامة دولة الشريعة التي ترى في الإسلام حلاً لكل معضلات التاريخ ومشكلات البشرية، وغيرها الكثير. منذ البداية، لعبت في سورية الدول الإقليمية، الساعية إلى بسط نفوذها وترسيخ موطئ قدم إقليمي لها، على الوتر الطائفي، فعزّزت لنفسها بيئة حاضنة، لتلقف خطابها والسير خلفها، وهي تسعى فقط إلى تأمين مصالحها ومطامعها في المنطقة، حتى لو كان الثمن خراب وطن وتهجير شعبه وتشريد هذا الشعب، وقتلًا لا يفرق بين مدني وحامل سلاح، بين كبير وصغير، بين نساء ورجال، بين أصحاء ومقعدين. النتيجة أن ضحايا الشعب السوري فاق عددهم المليون من كل الشرائح، بين قتيل نتيجة المعارك أو معتقل أو مخفيّ قسرا وميت تحت التعذيب، والمهجّرون من بيوتهم ومدنهم وماضيهم يفوق عددهم نصف الشعب بين نازح ولاجئ. في سورية انتهاكات لحياة البشر ولحقوق الإنسان من كل الأطراف، فالنظام وحلفاؤه انتهكوا، وقوات التحالف المدعومة من أميركا انتهكت، وتركيا والفصائل المدعومة منها انتهكت، وتنظيم الدولة الإسلامية انتهك، فيها اعتداء على المدنيين بشتى أنواع الأسلحة من كل الجهات، وإنْ بنسب متفاوتة، فيها احتلال عسكري سافر ومقنّع تمارس فيه الجيوش أو الفصائل بالنيابة عنها كل أشكال العدوان.

في سورية أزمة نزوح ولجوء وأزمات معيشية متفاقمة باستمرار، حتى إن غالبية الشعب السوري صارت قريبة من خط الفقر أو تحته. في سورية حتى الحقوق الفردية منتهكة منذ عقود، وتفاقم الاعتداء عليها خلال السنوات التسع الماضية. في سورية مأساة إنسانية فظيعة، تكبر وتتضخم بطريقة ورمية، فتأتي على ما تبقى من حياة أمام عيون العالم، وموجة الهجرة أخيرا باتجاه أوروبا نموذج بالغ الدلالة على ضمير عالمي، يعيش حالة سبات، إن لم يكن ميتًا، موجة هجرة ونزوح في ظروف مناخية قاسية، يساوم فيها أطراف النزاع، ويستخدمونهم ورقة ضغط من أجل تحقيق مصالح ومكاسب، إن هي إلاّ اتّجار رخيص بالبشر. منذ بداية الحرب في سورية، لم يتفق العالم على حلّ لهذه الكارثة الإنسانية، ولن يتفق، مادامت المصالح الكبرى هي التي تدير الحروب والأزمات. سعت الدول الكبرى والهيئات الدولية إلى إرسال المساعدات الإنسانية التي كانت بازارًا للفائدة والثراء على حساب حصص سد الرمق لمئات الآلاف العالقة في فضاء منعزل، مستقطع من الجغرافيا والتاريخ، معتبرة أنها قامت بدورها النبيل، في وقتٍ صارت فيه سورية سوقًا للأسلحة القديمة والحديثة والمستحدثة، وميدانًا أو مختبرًا لتجريب السلاح، وصارت مشروع الأحلام المستقبلي للشركات الطامحة في إعادة إعمارها، والكلفة الباهظة التي تتطلبها إعادة الإعمار والأرباح المتوخاة منها سيدفعها الشعب الباقي على قيد الحياة مكرهًا، مثلما دفع ويدفع فاتورة إدارة الحرب الحالية أيضًا.

كورونا يخيف العالم، ويتصدّر نشرات الأخبار، ويدفع البشرية إلى متابعة وترقب الأسواق المالية وحركة الأموال والاستثمارات والأرباح والخسارات، وإحصاء عدد الضحايا منه كل صباح،

ونشر الرقم الجديد، بينما يموت الناس في سورية من دون خسارات لشركات السلاح، وتلك التي تمدّ الحياة بأسباب بقائها في أوقات الحروب والأزمات. الحرب في سورية مربحة، حتى لو كان عدد الضحايا بمئات الآلاف، أو لو فاق المليون، يعني أكثر من مائة ألف ضحية في العام الواحد، إذا أخذنا المتوسط الحسابي معيارًا. ومع هذا، لم يتأثر الاقتصاد العالمي، ولم تتأثر أسواق المال، ولم تفلس شركات، ولم ينهر اقتصاد سوى اقتصاد الشعب السوري، فلماذا تكون سورية في بال إحصاء كورونا؟ ما يهم العالم اليوم المبارزة بين الرئيسين، التركي أردوغان والروسي بوتين، وبين أردوغان وقادة أوروبا في أكبر مأساة إنسانية، تتركّز بشكل سافر ورخيص على الحدود اليونانية التركية. الآلاف على الأرض، يتعرّضون لانتهاك كرامتهم وحياتهم على مرأى من العالم، ولا أحد يسعى إلى حل مشكلتهم، لأنهم صاروا عنوانًا لعملية ابتزاز رخيصة، كل طرفٍ يلوح فيها بأوراق قوته، تركيا تسهّل وصولهم إلى الحدود. واليوم، بحسب مراسل “فرانس 24″، تحاول شرطتها إقناعهم بالذهاب إلى المعابر المائية، حيث سمسرة التهريب ومخاطر عبور المياه، والشرطة اليونانية تلاقيهم بكل أشكال العنف المتاحة لديها، لمنعهم من عبور المعابر الحدودية. والحرب تحصد ما تحصد بتسارع كبير، لصنع وقائع على الأرض، تكون بمثابة أوراق قوة إضافية. صفقة رخيصة بمعايير القيم والأخلاق. ولكن منذ متى يأبه هذا العالم المحكوم بقوى المال والاحتكارات والمطامع بالقيم والأخلاق؟ لو كان كذلك ما ترك الشعب السوري بمفرده يواجه آلة حربٍ هي الأشرس في عصرنا الحالي، لو كان العالم فعلاً أو أنظمته الجبارة تريد الخير للبشرية، وتدافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتدافع أيضًا عن قيم الديمقراطية، كما تدّعي، لما وصل الشعب السوري إلى هذه الحمأة الحارقة من أرض الجحيم الدنيوي. الكل أراد ويريد الاستثمار وكلهم كاذبون، آن لنا، نحن السوريين، أن نفهم هذه الحقيقة، أن نفهم أن العالم كاذب، وأن الحقيقة الوحيدة التي يجب النضال من أجلها أننا شعبٌ من حقه الحياة، وأن لا تركيا ولا إيران ولا روسيا ولا أميركا ولا أوروبا ولا العالم كله معنا، بل يستخدمنا أدواتٍ وعبيدًا ومرتزقة وبيادق تجيد قتل بعضها بعضا. لقد زرعت هذه الحرب اللعينة ما هو أخطر من كورونا في وجدان السوريين، إنها فيروسات الطائفية البغيضة والكراهية والثأرية، وشوّهت قيم الحياة لديهم، وحصدت أكثر ما يستطيع كورونا أن يحصد، ووفرت للمستقبل ما يعطّل أسباب التعايش في وطنٍ، مهما كان شكله، إلى عقود طويلة.

العربي الجديد

——————

وقاية من فيروس الكورونا بمخيمات اللجوء في اليونان والأردن ولبنان وسوريا: ما العمل لمنع انتشار العدوى بفيروس كورونا في مخيمات اللاجئين؟

مخاوف متزايدة من إمكانية انتشار فيروس كورونا الجديد في مخيمات اللاجئين اليونانية والأردنية واللبنانية، وكذلك في مخيمات النازحين بالمنطقة الشمالية السورية. محيي الدين حسين يسلط الضوء على إجراءات هذه البلدان وأيضا تدابير المنظمات الإغاثية في سبيل منع وصول هذا الفيروس والحد من انتشاره في مخيمات النزوح واللجوء المكتظة.

أعربت السلطات اليونانية عن خشيتها من تفشّي فيروس كورونا الجديد في الجزر اليونانية التي تأوي آلاف المهاجرين وطالبي اللجوء. ومع اكتشاف أول حالة إصابة بالفيروس في جزيرة ليسبوس، تزداد المخاوف من إمكانية انتشار كورونا في مخيمات اللاجئين المكتظة في الجزر اليونانية.

فقد أكدت وزارة الصحة اليونانية إصابة امرأة من سكان جزيرة ليسبوس بالفيروس، وأضافت أن عدد المصابين في عموم البلاد بلغ 84 شخصاً بعد تسجيل 11 إصابة جديدة، مشيرةً إلى أن ثلاثة من المصابين أجانب دون أن تحدد جنسياتهم.

وتطرح التطورات الجديدة المتعلقة بفيروس كورونا تساؤلات عن الإجراءات التي تتخذها سلطات الدول التي تأوي اللاجئين للحد من وصول الفيروس إلى المخيمات.

اليونان: مراكز احتجاز مغلقة للاجئين لمواجهة كورونا!

من جانبها أكدت مفوضية شؤون اللاجئين في اليونان عدم تسجيل أي إصابة بين اللاجئين في البلاد حتى الآن. وعن الإجراءات الوقائية للحد من انتشار فيروس كورونا في المخيمات، قال متحدث باسم المنظمة في اليونان إنهم يعملون على البدء بدورات للاجئين حول كيفية الوقاية من الفيروس عبر الاهتمام بالنظافة الشخصية. وأضاف المتحدث أن “الفِرَق الطبية الموجودة في مراكز الاستقبال أيضاً تحاول توفير المزيد من المعلومات (للاجئين) لمنع انتشار الفيروس”.

وتقوم اليونان ببناء مركز احتجاز للاجئين في جزيرة ليسبوس ليحل محل مخيم موريا، أكبر مخيم في الجزيرة، والذي يعيش فيه نحو 18 ألف لاجئ رغم أنه لا يتسع لأكثر من 3 آلاف. كما تنوي الحكومة اليونانية بناء مراكز احتجاز مماثلة في الجزر الأخرى التي تأوي اللاجئين وهي خيوس وساموس وكوس وليروس.

ورغم احتجاج السكان المحليين على بناء هذه المراكز المغلقة، تقول السلطات إنها ستوفر السلامة العامة بشكل أكبر، وتحد من المخاطر الصحية المحتملة. ويؤكد المتحدث باسم الحكومة اليونانية، ستيليوس بيتساس، أن هذه المخاوف تحظى بأهمية خاصة بسبب انتشار فيروس كورونا، وأضاف: “من الواضح أنه يمكن التعامل مع أمور مثل فيروس كورونا بسرعة وفعالية في منشأة مغلقة وليس في منشأة فوضوية مفتوحة تعتبر قنبلة موقوتة صحية”.

لبنان: “خطط طارئة لتعزيز التدابير”

المخاوف من انتشار الفيروس في مخيمات اللاجئين لا تقتصر على اليونان، فملايين اللاجئين يعيشون في الدول المجاورة لسوريا. وانتشار الفيروس في أي مخيم قد يشكل كارثة صحية ويزيد من معاناة اللاجئين الذين يعيشون في مخيمات مكتظة، تفتقر أغلبها إلى الشروط الصحية المناسبة.

ففي لبنان، الذي يأوي نحو مليون ونصف مليون لاجئ،  أعلن وزير الصحة حمد حسن انتقال فيروس كورونا المستجد من مرحلة الاحتواء، إلى مرحلة الانتشار، وهذا ما يزيد المخاوف من إمكانية انتشاره في المخيمات، خصوصاً مع ازدياد عدد حالات الإصابة في لبنان، والتي وصلت إلى 41 حالة.

وترى ليزا أبو خالد، المتحدثة باسم مفوضية اللاجئين في لبنان، أن تفشي كورونا “يشكل تحدياً لا بد من التصدي له من خلال التعاون”، وتضيف لـِ دي دبليو عربية: “تعمل المفوضية مع الحكومة وبالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة الأخرى على وضع خطط طارئة لتكثيف التدابير وتعزيزها في حال انتشار الفيروس على نطاق أوسع في البلاد”.

وعن تدابير الوقاية، تقول أبو خالد إن جهودهم “تنصب على نشر المعلومات الصحيحة وتوعية اللاجئين بهذا الخطر الصحي العالمي”. ومن تلك التدابير، كما تذكر أبو خالد، نشر المعلومات المتعلقة باحتياطات النظافة الشخصية والوقاية، وتوفير موظفين للإجابة عن أي أسئلة لدى اللاجئين حول الفيروس، بالإضافة إلى توفير منتجات النظافة الصحية ومواد التعقيم، فضلاً عن برامج التوعية للاجئين.

ويشير ريني فيلدأنغل، الباحث في “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية”، إلى أن خطر الإصابة بفيروس كورونا لدى اللاجئين، الذين يقيمون في المدن الكبرى، قد يكون أكبر منه مقارنة باللاجئين الذين يعيشون في المخيمات الكبيرة.

ويضيف في حديث لدويتشه فيله: “في مخيم الزعتري بالأردن مثلاً، الخطر أقل لأنه من السهل على اللاجئين الحصول على الخدمات الصحية، أما بالنسبة للاجئين الذين يعيشون في مدن كبرى في لبنان مثلاً، فالخطر أكبر لأنهم غير مسجلين ولا يستطيعون الوصول إلى أي خدمات صحية”.

الأردن: إجراءات وقائية

ويرى المتحدث باسم مفوضية اللاجئين في الأردن، محمد حواري، أن “وجود فيروس كهذا بحد ذاته أمر مقلق”، ويضيف في حديث لـ دي دبليو عربية: “إذا حصلت أي إصابة في تجمعات اللاجئين القريب بعضها من بعض، مثل المخيمات، فإن الانتشار يكون أسرع”.

لكن “ما يدعو إلى الاطمئنان” في الأردن، بحسب حواري، هو أن “المستشفيات داخل المخيمات مهيئة للاستجابة لأي حالة”، ويتابع: “الوصول إلى المستشفيات داخل المخيمات أسهل منه في المناطق الحضرية”.

ويعتقد حواري أن نسبة خطورة انتشار الفيروس في المخيمات “أقل” منها في الخارج، ويوضح: “المخيمات لا يوجد فيها حالات سفر للخارج كما أننا كموظفين في منظمات الأمم المتحدة نخضع لرقابة كبيرة فيما يتعلق بالسفر، وذلك لكي لا ننقل المرض لأي شخص”.

وقد سجل الأردن أول حالة إصابة بالفيروس، كما تم وضع 80 شخصاً قيد الحجر الصحي. ولمواجهة خطر انتشار الفيروس خصصت وزارة الصحة الأردنية رقماً موحداً للطوارئ (وهو 111). ويقول حواري لـِ دي دبليو عربية إن “الرقم يشمل من في المخيمات أيضاً. فعند وجود أي اشتباه يمكن للاجئين الاتصال بالرقم”. كما خصصت الحكومة الأردنية ستة مستشفيات معتمدة لفحص الحالات المشتبه بإصابتها وعزلها.

وعن إجراءات الوقاية يقول حواري إن الإجراءات التي يتخذونها في المخيمات شبيهة بتلك المتخذة خارج المخيمات وعلى رأسها الحملات التوعوية للمحافظة على النظافة الشخصية.

النازحون في شمال سوريا: “الأنظمة الصحية هشة”

ورغم أن سوريا لم تؤكد بعد أي حالة إصابة بالفيروس، إلا أن التقارير -التي تتحدث عن انتشار فيروس كورونا في أربع محافظات سورية “وسط تكتم السلطات” (بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان)- تزيد من مخاوف انتشاره في مخيمات النازحين شمال البلاد.

وقد حذر المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية في أنقرة هيدين هالدرسون من أن “الأنظمة الصحية الهشة (في سوريا) قد لا تملك القدرة على رصد الوباء والتصدي له”. وقال هالدرسون إن منظمة الصحة العالمية -التي لا يمكنها تقديم الخدمات عبر الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة من داخل سوريا- تقدم المساعدة إلى إدلب عبر الحدود التركية.

وترى ميستي بوسويل من لجنة الإنقاذ الدولية أنّ الوضع في إدلب “مهيأ بشكل خاص لانتشار الفيروس”، مشيرة إلى أن “تفشي المرض سيكون كاسحاً لدى آلاف الأشخاص الذين تتعرض حالتهم الصحية للخطر أصلاً بسبب نقص الغذاء والمياه النظيفة والتعرض للطقس البارد”.

وقالت بوسويل إن اللجنة تصب جهودها على “تعزيز التدابير الوقائية” من خلال زيادة الوعي وتوفير الإمدادات الطبية والأدوية اللازمة.

حقوق النشر: دويتشه فيله 2020

—————————-

حتى في الأوبئة تقمع الشعوب/ رشا عمران

لم يحتج الأمر إلى وقتٍ كثير، حتى بدأت شركات التسويق على مواقع التواصل الاجتماعي إعلاناتها الترويجية عن أنواع مختلفة ومتعدّدة من الكمامات العازلة، للحماية من العدوى بفيروس كورونا الذي يبدو أنه سوف يكون ثيمة العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين، أنواع متعدّدة من الكمّامات، بألوانٍ وأشكالٍ متعدّدة، بحيث تتبارى الشركات المنتجة والموزعة لها في طرح المنتج الأكثر إغراءً للمتابعين. والمتابعون، بطبيعة الحال، مرعوبون من هذا الوباء، إذ طغت أخباره في الإعلام وفي “السوشال ميديا” على أخبار الحروب والثورات والأزمات الاقتصادية والصفقات السياسية واللاجئين وتغيرات المناخ والاحتباس الحراري والإرهاب والأعمال العسكرية المضادة له، تلك الأخبار التي شغلت الفضائيات والإعلام بكل فروعه، وشغلت العالم عقداً، استطاع فيروسٌ مجهري تطوّر في جسد حيوان ما، حسب ما يقال، أن ينحّي كل ما سبق، ليصبح هو الترند العالمي الجديد بكل ما يتعلق به، حتى بالتسويق التجاري.

وعلى الرغم من أن الأطباء في العالم نبّهوا من أن الكمّامات لا تفيد للوقاية، ولا تساعد على أن يصبح انتشار الفيروس أقلّ إلا بحدود قليلة جداً، فذلك لا يعني شيئاً لشركات التسويق، فهي قادرةٌ على استغلال هذا الظرف العالمي الحسّاس لصالح دورة رأسمالها، ولا مانع لديها من الكذب على عملائها الذين يقضون أوقاتاً طويلة على وسائل التواصل حالياً لمتابعة أخبار الفيروس، بأن تكتب عن الضرورة القصوى لاقتناء تلك الكمّامات، وعما أثبته الطب من قدرتها على الحدّ من انتشار المرض والوقاية منه، وعن فائدتها في إنقاذ البشرية من الفيروس القاتل. ولكم أن تتخيّلوا الأرباح التي ستحصل عليها تلك الشركات المنتجة والمصنعة للكمّامات، في ظل الهلع الذي أصاب البشر، والذي لا أحد يعرف إن كان يتناسب مع خطورة فيروس كورونا، فعدد ضحاياه ما زال قليلاً، إلا إذا كان هناك ما يخفى عن البشر حالياً، عن خطورته، تجعل التهويل منه نوعاً من التحذير المسبق لما سيأتي به من كوارث قادمة.

على أن الخطورة الكبرى المتعلقة بالمرض، والتي يمكن أن تؤدّي إلى انتشاره بشكل أوسع وأسرع، تكمن في التكتم عنه وإنكار وجوده، وهو ما يحدث للأسف في الدول ذات الأنظمة الأمنية، التي لا استقلالية فيها لهيئاتها المدنية، ولا انفصال عن إرادة النظام الحاكم ورغبته في الصورة التي يريد تقديمها عن البلد، حيث غالباً ما تترافق هيمنة هذه الأنظمة مع مجتمعاتٍ بالغة الفقر والتخلف، ومع منظومةٍ إدارية وصحية متهالكة، ومع فسادٍ مستشرٍ يجعل من الرعاية الطبية لمرضى فيروس من هذا النوع أمراً يشبه المستحيل، عدا عن أن ذلك يمنع منظمة الصحة العالمية من التقدير الحقيقي لحجم انتشار المرض، فكيف يمكن التصديق، مثلاً، أن دولة مثل إيطاليا سجلت أرقاماً كبيرة في عدد المصابين، بينما دولٌ عربية، خصوصاً التي لها علاقاتٌ شبه يومية مع الصين أو مع إيران اللتيْن سجلت فيهما أعلى أعداد وفيات لمرضى كورونا، تعلن خلوها من الإصابات، فيما هي دولٌ لا تُراعى فيها أدنى شروط العناية الصحية قبل الفيروس وفي أثنائه؟ وهو ما نبّه إليه الأطباء في العالم، من أن ثمّة كارثة بشرية سوف تحصل في حال انتشار الفيروس في الدول النامية والفقيرة عموماً، ودول أفريقيا خصوصاً.

مجدّداً، تُثبت الكوارث الطبيعية التي تلحق بالبشرية تدخل السياسة والاقتصاد في كل تفاصيل حياتنا، فوباء أو فيروس مثل كورونا يحتاج إلى شفافيةٍ مطلقةٍ للحد من انتشاره، وهذه الشفافية معدومة في دول الأنظمة العسكرية والفاشية، ليس فقط لدى الأنظمة، بل لدى الشعوب التي تخاف حتى من أمراضها وتخشى الإفصاح عنها، لأنها ببساطة تخشى من التنمّر والإهمال، فهي تدرك، في قرارتها، أنها لن تحظى بالرعاية المطلوبة، وربما تعاقب على إعلانها مرضها، فتتكتم وتصمت، ما يفوّت فرصة كبيرة لمعرفة مدى انتشار الفيروس وأسباب انتشاره، وتعيق محاولات الوصول إلى علاج نهائي له، وهو ما ترحب به سوق الاستهلاك وشركاته العابرة للدول التي تستغل أسوأ الظروف الإنسانية لزيادة أرباحها!

كارثتنا الكبيرة تكمن في البشرية بحد ذاتها، البشرية التي تسير بخطواتٍ ثابتة نحو فنائها وتدمير كوكبها، بسبب الرغبة الهائلة في السيطرة، وتملك القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تستبيح كل شيء، وتستغل كل ما يمكنها استغلاله، ومن يدري قد يكون فيروس كورونا الجديد أحد الأمراض المصنّعة في حروب البشرية غير المعلنة، أو قد يكون انتقاماً من الطبيعة على تنمّر البشر.

القدس العربي

————————-

الدين والسياسة في زمن “كورونا”/ سمير رمان

تحتاج الفيروسات إلى حوامل كي تنتقل بين الناس. ففي الصين، ونتيجة الكثافة السكانية العالية، كان كافياً أن يصاب شخصٌ واحد ليكمل الفيروس مشواره القاتل.

تقول السلطات الإيرانية إنّ الفيروس وصل مدينة قمّ عن طريق شخصٍ كان في مقاطعة ووهان المنكوبة بالوباء (توفي في ما بعد). ومن المدينة المقدّسة في إيران، قم، تولّى حجيج المدينة مهمّة نقله إلى عشرات المحافظات الإيرانية (وكذلك إلى الدول العربية).

تحتل إيران مركزاً متقدماً عالمياً من حيث عدد الإصابات والوفيات الناجمة عن الفيروس كورونا (كوفيد – 19). ونظراً لخطورة الوضع الناشئ في إيران، أعلنت دول عديدة العالم، ابتداء من دول الجوار البري، منع القادمين من إيران من الدخول إلى أراضيها. كما حددت روسيا التواصل مع إيران، وامتنعت عن إصدار كافة أنواع الفيزا. من جانبها، تزعم إيران أنّها تقوم بكلّ ما في وسعها لمكافحة انتشار الفيروس. ولكنّ الإيرانيين أنفسهم لا يصدقون

“تحتل إيران مركزاً متقدماً عالمياً من حيث عدد الإصابات والوفيات الناجمة عن الفيروس كورونا (كوفيد – 19)”

حكومتهم. فالفيروس الذي ضرب مدينة قمّ الإيرانية، بادئ الأمر، هزّ أركان القناعات الدينية عند كثير من الإيرانيين. وهذا الأمر يثير قلق السلطات الإيرانية، الرسمية، والدينية، التي تخشى أن تكون آثار الوباء أشدّ خطورةً من الوباء نفسه.

منذ البداية، بدت الإحصائيات الصادرة عن الحكومة بخصوص كورونا غريبة، فقد ظهر أنّ الإصابات الأولى في إيران كانت مميتة بنسبةٍ تفوق عدة مراتٍ تلك التي في بقية الدول المنكوبة. ومع تواضع الأرقام المعلنة في البداية، بدأت الأرقام تتصاعد بشكلٍ لافت، وسط تشكيك من الأطراف الدولية، وعدم تصديق الإيرانيين أنفسهم الأرقام الرسمية في بلادهم، فهم يعدون أنّ السلطات قدّمت صحة المواطنين قرباناً على مذبح السياسة.

في الأشهر الماضية، شهدت الساحة الإيرانية حالةً من التوتر الشديد. وفي 21 من شباط الماضي، أُجريت الانتخابات البرلمانية، وشكّل مرشحو التيار المتشدد المحافظ غالبية المرشحين المقبولين، وكان كثير منهم غير معروفين لدى غالبية الشعب. ربما تكون السلطات توجّست خيفةً من إمكانية اندلاع أعمالٍ  احتجاجية، فقامت بإخفاء حقيقة مدى انتشار الفيروس عن المواطنين، كي لا يزداد إحجام المواطنين عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع.

وبحلول التاسع عشر من شباط، أيقنت السلطات في طهران أن الإقبال المطلوب على صناديق الاقتراع لن يكون في الحدّ المقبول في كل الأحوال، لهذا قررت الإعلان عن الوفيات،

“ظهر أنّ الإصابات الأولى في إيران كانت مميتة بنسبةٍ تفوق عدة مراتٍ تلك التي في بقية الدول المنكوبة”

واستخدام الفيروس كمبررٍ لتراجع نسبة الاقتراع.

وبالفعل، تبيّن أن نسبة الاقتراع كانت الأدنى في تاريخ الجمهورية الإسلامية (42%). وإذا حذفنا نسبة الموظفين الحكوميين المقترعين، وبقية المواطنين الذي يجبرهم وضعهم الوظيفي على الذهاب إلى صناديق الاقتراع، فإنّ نسبة التصويت ستكون في حدود 25% فقط.

قبل أسابيع، ظهر إيراج هاريرجي، معاون وزير الصحة الإيرانية، في مؤتمر صحفي متلفز التهدئة من روع المواطنين، قائلاً إنّ الوضع تحت السيطرة. وما كاد هاريرجي ينطق بتلك العبارات حتى بدأ يتعرّق بغزارة، وبدا في حالةٍ سيئة، ليعْلَن لاحقاً أنّ التشخيص أظهر إصابته بالفيروس! مرضت أيضاً نائب الرئيس الإيراني لشؤون المرأة والأسرة، معصومة ابتكار، بالإضافة إلى عدد من أعضاء البرلمان. وخضع أكثر من مئة برلمانيّ لاختبار الفيروس، وكانت نتائج أربعة منهم إيجابية.

كيف أمكن حدوث هذا؟ تبدو السلطات في إيران هادئة في تعاملها مع الوباء. ولكن البعض يتساءل: إذا كانت العدوى وصلت إلى قيادات البلاد العليا، فكيف يمكن استبعاد أسوأ السيناريوهات؟ واليوم، مع اعتراف السلطات في طهران بانتشار الفيروس في غالبية المحافظات، فعلى الأرجح أن تكون مستويات انتشار الفيروس قد بلغت حداً قد يخرج عن السيطرة في أيّ لحظة.

الفيروس والمقدسات

تشكل مدينة قمّ التي ظهر فيها الوباء أولاً دولة ضمن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفيها يعيش أكثر رجال الدين احتراماً في البلاد، وتحتوي العديد من المدارس الدينية، وكثير من دور العبادة (المساجد)، والأضرحة التي يحترمها الشيعة.

والقانون لا ينطبق على مدينة قمّ : فعلى الرغم من جميع تعليمات وزارة الصحة لم تغلق المساجد أبوابها، وردّ الملالي على تعليمات وزارة الصحة بأنّ على المؤمنين الحضور إليها، فالمعجزات تحدث في تلك الأماكن وحدها! وهذا ما يصدّقه كثير من المتدينين.

محاولة تعقيم أحد المراقد الشيعية في قم، وقد بدا المرقد خالياً من الزوار (25/2/2020/فرانس برس)

لم تتأخر المعجزات، فالحجاج الذي زاروا مقدسات قمّ نقلوا الفيروس إلى عشرات المحافظات الإيرانية (انتقل بعضها إلى دول عربية مجاورة). فالحجيج اعتادوا التمسح بالمقامات، وتقبيل شبابيك الأضرحة، للتقرب من ساكنيها. ونظراً لضغط الحشود الكبير، فإنّه لا يمكن لأيّ عملية تعقيم أن تتصدى للفيروسات. لم تؤدّ محاولات وضع حواجز شفافة حول الأضرحة سوى إلى انتقال الفيروس إلى أسطحها. كما لم يتم إغلاق المراقد المقدسّة في قمّ، واقتصر الأمر على الإعلان: “نأمل أن يتفهّم الناس أنّ عليهم توخي الحذر”. أُدخل نظام الحجر في قمّ فقط في الأول من آذار. ولو كانت أيّ مدينة أُخرى قد تعرضت لما مرّت به قمّ لكانت أُغلقت تماماً،

“الحجاج الذي زاروا مقدسات قمّ نقلوا الفيروس إلى عشرات المحافظات الإيرانية، ومنها انتقل إلى دول عربية مجاورة”

ومنع الدخول إليها والخروج منها.

هل يستحق الأمر إلقاء ذنب انتشار الفيروس على تشدّد الإيرانيين الديني وحده؟ صحيح أنّ الإسلام في إيران من أهمّ المعتقدات، وكثير من المواطنين لا يصدقون الحكومة الإسلامية، لكنّهم يصدقون بالكامل ما يقوله الملالي. ومع ذلك، يجبر التعامل مع فيروس كورونا متشددي المؤمنين على النظر بطريقةٍ جديدة إلى أصحاب العباءات والعمائم، الذين كانوا يعدونهم، حتى ما قبل تفشي كورونا، مثالاً وقدوة.

الملالي اقترحوا تلاوة آياتٍ معينة من القرآن ليلاً، أو استخدام بعض الوصفات العشبية للعلاج، فأصبحت قمّ “المقدسة” بؤرة ومركز عدوى بفيروس كورونا!

ويُرجع كثير من رجال الدين أسباب المآسي، أو الكوارث الطبيعية، إلى غضب الله، وكثرة ذنوب البشر. يصعب هنا فهم المقاومة الشرسة التي يبديها رجال الدين في مواجهة المسلمات العلمية، حتى عندما يدور الحديث عن حياة البشر.

هنالك أمرٌ آخر: ينتمي الملالي القاطنون في قمّ إلى تلك الفئة العمرية التي يصبح فيها الفيروس شديد الخطورة. كما أنّ غالبية الذي يقصدون قمّ للحجّ هم من المسنين، وبالتالي كانت أغلب الوفيات لمصابين في عمر يتجاوز 70 عاماً. هذا جعل رفض اتباع الإجراءات الضرورية للوقاية، وعدم الرغبة بإغلاق الأماكن المقدسة، بمثابة انتحارٍ جماعي من قبل الملالي، ورغبة منهم في إلحاق الضرر بغيرهم من الناس بشكلٍ مقصود.

تؤدي الشكوك إلى الانقسام، فالفقهاء المعروفون (مثالٌ يقتدي بهم المريدون) يفقدون بالجملة جمهورهم المخلص. حتى أنّ الشكوك بدأت تراود الإيرانيين المتشددين حول صحة تعاليم رجال الدين النافذين. في 28 شباط، ألغيت صلاة الجمعة التقليدية، وهذا تراجع كبير عن البروتوكول المتبع في البلاد.

كورونا في إيطاليا

يختلف تعامل الساسة الإيطاليين مع فيروس الكورونا عن زملائهم في إيران. ففي طهران، حاول الساسة استخدام الفيروس (إخفاء أعداد المصابين قبيل الاقتراع) لدفع المواطنين إلى الذهاب إلى صناديق الاقتراع في البداية، ولتبرير تراجع نسبة التصويت في الانتخابات البرلمانية (بعد ظهور نسب الاقتراع). أمّا في إيطاليا، فقد استغلّ زعماء المعارضة الإيطالية الوباء لتعزيز فرص وصولهم إلى السلطة. في حين تحاول الحكومة استخدامه لإظهار حرصها الشديد على صحة المواطن، وبالتالي البقاء في سدة الحكم.

ينصّ الدستور الإيطالي على أنّ الدولة واحدة، ولكنّ المناطق تتمتع بسلطاتٍ واسعة، بما في ذلك في قطاع الصحة، بعيداً عن المركز. لذلك، أصبح انفجار فيروس كورونا سبباً إضافياً لتوتير العلاقات المتوترة أصلاً بين المركز والمناطق الإيطالية، ومما يزيد الطين بلّةً أنّ مقاطعتي (لامبارديا)، و(فينيتو)، اللتان ضربهما الفيروس، هما من المناطق التي يتحكم فيها حزب “ليغا” اليميني المتطرف.

محيط نافورة تريفي في العاصمة الإيطالية روما فارغاً من السياح نتيجة الخوف من فيروس كورونا (12/3/2020 /Getty)

انضوى حزب “الليغا” لفترةٍ من الزمن في إطار الائتلاف الحاكم. وبفضل ذلك، أصبح زعيمه “ماتيو سالفيني” أحد أشهر الساسة اليمينيين في أوروبا. ولكن قبل نصف سنةٍ، وبسبب الأزمة

“وصف ريكاردو موليناري، زعيم الليغا البرلماني تصريحات رئيس الوزراء عن ضرورة تعزيز رقابة الحكومة المركزية في المجال الصحيّ بـ”الفاشية””

الحكومية، فقد هذا الائتلاف مقاعده الوزارية، ويسعى الآن مستغلاً الوباء للعودة إلى السلطة. يستنكر سالفيني وحلفاؤه إلقاء رئيس الحكومة الإيطالية “كونتيه” اللوم في انتشار الفيروس على قصور الإجراءات التي اتخذها الأطباء في (كوندو)، مطالبين بإلغاء التحقيق الذي بدأ في حقّهم. من جانبه، وصف ريكاردو موليناري، زعيم الليغا البرلماني تصريحات رئيس الوزراء عن ضرورة تعزيز رقابة الحكومة المركزية في المجال الصحيّ بـ”الفاشية”.

وسعياً وراء الحصول على نقاطٍ سياسية، تظهر السلطات المحلية غيرةً غير مسبوقة في سعيها لمواجهة الوباء، الأمر الذي يثير عدم رضا المركز. بالطبع، يمكن فهم الإجراءات المتخذة من قبل السلطات المحلية في المناطق المصابة بالفيروس كـ(لامبارديا)، و(فينيتو)، و(إيميللي – رواني)، غير أنّ بقية المقاطعات التي لم تسجل سوى إصابة، أو اثنتين (وهي موجودة في الحجر) تقوم بالإجراءات نفسها.

يعد حزب “ليغا” انتشار وباء كورونا في المناطق التي تمسك فيها بالسلطة بمثابة فرصةٍ لرفع رصيده الانتخابي الذي تجمدّ عند 32 – 33%، وهي نسبةٌ غير كافية لتشكيل حكومةٍ من لونٍ واحد. طالبت المعارضة بتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم الأحزاب كافة، ولكن من دون رئيس الوزراء الحالي “كونتيه”، للتصدي لخطر فيروس كورونا. إلا أنّ الحكومة، ومع تسارع انتشار الفيروس بوتائر عالية، قامت بخطوةٍ غير مسبوقة على مستوى البلاد بكاملها. ففي

“يعد حزب “ليغا” انتشار وباء كورونا في المناطق التي يمسك فيها بالسلطة بمثابة فرصةٍ لرفع رصيده الانتخابي الذي تجمدّ عند 32 – 33%”

محاولةٍ للحدّ من آثار كورونا على الاقتصاد، وعلى فرصها في البقاء في السلطة، أعلنت الحكومة القائمة تجميد المدفوعات الضريبية، وتجميد دفعات الرهن العقاري لسكان المناطق التي ينتشر فيها الفيروس. وفي الوقت نفسه، أعلنت الحكومة المركزية وقف جميع أشكال الأنشطة الجماهيرية، وطالبت المواطنين التزام منازلهم، وعدم مغادرتها إلا في حالات الضرورة القصوى. في ظلّ انهيار السياحة التي ترفد الناتج القومي الإيطالي بنسبة 5%، تبقى هذه  كخطوات أولية، وستظهر نتائج وتأثير فيروس كورونا على الاقتصاد والسياسة الإيطالية في الأشهر المقبلة، وسيتطلب مواجهتها مزيداً من الإجراءات.

من وجهة نظرٍ سياسية، يحمل فيروس كورونا إمكانيات ومخاطر كثيرة، فهو يمثٍّل فرصةً رائعة لتعزيز دور المدافعين عن صحة المواطنين، ولكنّه يمكن أن يفسد مكانة السلطات الحكومية إن لم تعالج المسألة بالشكل المطلوب. ومن ناحية الموروث الديني، فإنّه يغيّر وسيغيّر كثيراً من التقاليد والمفاهيم الدينية المستمدة من رموز السلطة الدينية. وعلى التوازي، ستتغيّر النظرة المعتادة من المريدين إلى رموزهم الروحية.

ضفة ثالثة

———————————-

الكورونا”.. التحدي الأخطر للفكر/ محمد ناصر المولهي

“الكورونا” قضية العصر، الاسم الأكثر شهرة وإثارة للهلع. كائن غير مرئي يثير الرعب بين المجتمعات، ويخلق نظاما جديدا للعالم، ألغى مهرجانات فنية وتظاهرات ثقافية ومباريات كرة قدم وفعاليات ومؤتمرات. ومازال تأثيره يشتد يوما فآخر. فيما المعركة معه هي معركة فكرية ثقافية لا علمية فحسب.

“الكورونا” الفايروس المستجد الذي ولد في الصين وانتشر كالنار في الهشيم إلى عشرات الدول من آسيا إلى أوروبا إلى أفريقيا إلى أميركا، مازال يشق طريقه، مخلفا تغييرات جذرية، لا فيما هو ملاحظ فقط، بل تغييرات اجتماعية وفكرية وثقافية عميقة.

ليس الكورونا مجرد فايروس، يمكن مجابهته طبيا وعلميا، بل تحول إلى مفهوم جديد عن الإنسان المعاصر، الإنسان الأكثر فردانية، والمفرغ من بعده الأخلاقي والعاطفي، الإنسان المركزي الذي يملك العالم في هاتفه الذكي، الشخص الذي يدور كل العالم من حوله ويوهم نفسه بأنه السيد على عرش نفسه، فيما لا يقبل من يختلف عنه.

هدم الأخلاق

إنها لمفارقة أن تلغي الفلسفة وهم الإنسان بأنه مركز الكون، ليعيد التطور العلمي نفس الوهم وبدرجة أخطر إلى الذوات التي تبني عالمها الافتراضي وتغرق فيه.

بالعودة إلى قضية الكورونا أشار الكاتب المغربي حسن الوزاني في مقال سابق في “العرب” إلى أن هذا الفايروس خلق نمطا اجتماعيا جديدا في الصين مثلا، حيث ازداد الإقبال على تنزيل الكتب الإلكترونية، كما ارتفعت نسبة الإقبال على التطبيقات الترفيهية مثل ألعاب الفيديو بشكل كبير.

إذن الفايروس ليس فقط حالة طبية، وليس مجرد وباء تحول إلى جائحة ترعب الناس، وتذكرهم بوباء الطاعون الذي عانت منه أوروبا وبالحمى الإسبانية التي قتلت ملايين البشر، وغيرها من الجوائح، إذن الفايروس الجديد ليس أكثر خطرا ممن سبقوه، لكن الخطير هو ولادته في عالم أشبه بالقرية، عالم متغير عما كان، عالم يحكمه نظام تواصل متشعب وتقنيات تكنولوجية مرتبطة بكل أجزاء الحياة من الكرت البنكي إلى الهاتف الذكي، وهذا ما جعل التأثيرات كبيرة، وخاصة في تغيير أفكار الناس وبنية مجتمعات.

من أول من تصدوا إلى مقاربة فايروس الكورونا فكريا كان الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني في مقال له بعنوان “الفلسفة والكورونا: من معارك الجماعة إلى حروب المناعة”، حيث ينزل الفايروس الجديد تاريخيا بداية بشرحه أن المرض اختراع أخلاقي خاص “بنا” كبشر، وصولا إلى أن فايروس الكورونا الجديد نزع هذه الأخلاقية.

يقول المسكيني إن “الجسد يبدو بمثابة مجموعة لا متناهية من الأمكنة التي تجمّعت دون سبب واضح في موضع واحد. وكوّنت ‘فردا‘. ولذلك، فإنّ خطورة المرض وطرافته الحادة، إنّما تكمن في كونه شروعاً أخرس في هدم المكان، ومن ثمّ في تعطيل فكرة ‘الفرد‘ من الداخل”.

وفعلا ربما يعطل الفايروس المستجد فكرة الفرد ككيان أخلاقي، ويحوله إلى رقم، أو حالة حيوانية يبقى مشكوكا في أنها حاملة للعدوى، وتؤكد ذلك الإجراءات المتخذة مثلا في المطارات حيث يتعامل مع الناس على أنهم أجسام مشكوك في حملها للفايروس، لا يهم اسمك أو لون عينيك أو بشرتك أو حتى لغتك وابتسامتك ورائحتك، لا تهم أفكارك أو حتى حدود جسدك التي تنتهكها أجهزة قيس الحرارة وغيرها، دون مراعاة لأدنى عامل أخلاقي.

من حق كل الدول حماية نفسها من خطر الفايروس، لكن ألا يمكن خلق منظومة حمائية لا تمس من جوهر الفرد، لا تلغيه، ولا تتعدى على خصوصياته، وتعامله بشكل أخلاقي على الأقل؟

قرأت مثلا في اليمن عبارة تقول “القبض على مشتبه بإصابته بالكورونا”، الخبر بمعزل عن صحته من عدمها، يكفي أن نتأمل عنوانه، “القبض” كأنه مجرم أو كائن عدو، إنه السقوط الأخلاقي الكبير.

المفارقات التي ولدت مع العدو الجديد كثيرة، لكنه فعلا نجح في زعزعة فكرة الفرد الأخلاقي، وجعلها نموذجا حيا متجسدا، كما كسر مفهوم المجتمع الحضاري المعاصر، وخلق نظما استهلاكية جديدة، والأخطر أنه خلق ثقافة جديدة، أو هو أعاد إحياء ثقافة مقبورة، هي ثقافة الخوف، الخوف من الآخر بشكل خاص، واستعادة النزعة الأنوية في درجتها الصفر في حدود الجسد المجرد.

والجديد أن هذا “العدو” نشأ اليوم في واقع وبيئة مختلفين عن تلك التي نشأ فيها “أجداده” من الفيروسات القاتلة، لقد نشأ في ظل تطور تكنولوجي مهيب، وتطور طبي كبير، ولكنه وجد بيئة فكرية وثقافية أكثر خصوبة، هي بيئة الفرد المركزي، هذا الفرد الذي ظهر في مواقع التواصل مثلا في صور سيلفي مع الكمامات، فرد آخر مختلف عن “أجداده”، فرد مفرغ تقريبا من الأخلاق القديمة المشتركة، فرد يمكن تحويل ملامحه بسهولة مثلما يفعل تطبيق الفوتوشوب. فالفيروس إذن يتعامل أكثر مع أفراد افتراضيين، ولا يمكننا ان نجزم إن كان هذا لصالح الإنسان أو ضده. فهذا مدعاة كبرى لتفكير أكثر دقة وشجاعة في الفرد ومآلاته وهو ما يكشفه مقال فلسفي آخر حول الفايروس كتبه الفيلسوف سلافوي جيجك.

معركة ثقافية

من أهم المقاربات الفلسفية التي تناولت قضية الكورونا ما كتبه الفيلسوف والناقد السلوفيني سلافوي جيجك في مقال مميز بعنوان “كورونا: الفيروس الأيديولوجي”.

يبدأ جيجك بالتذكير بالسحابة البركانية التي انطلقت من آيسلندا ربيع سنة 2010، لتوقف حركة الملاحة الجوية في كامل أوروبا، يربط المفكر بين هذه الحادثة وبين الكورونا، معتبرا أنه  “على الرغم من قدرة البشرية الهائلة على تغيير الطبيعة، فإن هذه البشرية ليست سوى نوع واحد من الكائنات الحية على كوكب الأرض”، ولكن المفارقة التي يطرحها هو أنه “كلما زاد التواصل في العالم اشتد الخوف أكثر”، إنه عالم الإنترنت الذي ارتبط فيه شرق الأرض بغربها، ملايين الناس يتواصلون اليوم من خلال الإنترنت، وهو ما جعل كما ذكرنا في بداية المقال، العالم كقرية، ولذا فما انتشر من ووهان الصينية ليس الفايروس فحسب، بل ما هو أخطر منه، إنه الخوف.

ويتفق تقريبا المسكيني مع جيجك في مسألة الخوف، حيث جاء في مقال المسكيني تفسير للخوف أن “أنفسنا خائفة بشكل ‘ما-بعد-حديث‘؛ أي الخوف من مساحة الوباء غير المرئية المختبئة في أجساد الآخرين التي تحوّلت فجأة إلى دوائر حيوانية تنفث عناصر العدوى”.

ويذهب جيجك إلى تحليل الفراغ الذي حل بمدن كثيرة، فرغت شوارعها وتعطلت كليا عن الحركة، معتبرا في ذلك نوعا من الجمالية فـ”المدن التي تبدو الآن مثل مدن الأشباح، والمتاجر ذات الأبواب المفتوحة ولا يوجد بها عملاء، أو مشاة أو سيارة هنا وهناك، والأفراد ذوو الأقنعة البيضاء – ألا يقدمون صورة لعالم غير مستهلك يريح نفسه؟”. كما يقر بأن الأقنعة البيضاء صارت فرصة للتخفي وخلق هويات مجهولة خالية من الضغوط الاجتماعية، بينما الحجر الصحي فرصة بدوره لمراجعات فكرية، يقول “على الأقل، سيستغلون وقتهم في الخمول للإفراج عن نشاط مكثف والتفكير، وليس الشعور بحالهم”.

مقال جيجك ينتهي برفض التمييز الذي استشرى مؤخرا، خاصة ضد الصينيين، حيث يوجه كلامه بشكل مباشر إليهم قائلا إنه “ليس هذا هو الوقت المناسب للشعور بالخجل، بل هو الوقت لحشد شجاعتهم والمثابرة بصبر في نضالهم”. الأشخاص الذين يجب أن يخجلوا كما يقول “هم في جميع أنحاء العالم، ممن يفكرون في عزل الصينيين”.

في إطلالة سريعة على ما يروج في مواقع التواصل، نجد الكثير من المثقفين والكتاب والمبدعين العرب يتحدثون بدورهم عن فايروس الكورونا الذي وصل إلى عدد من البلدان العربية، الكثير منهم انتهج السخرية، وهي سلاح هام، حتى وإن أنكره بعضهم، فالسخرية تبقى وسيلة دفاعية في غاية الأهمية.

هناك تحليلات كثيرة، منها خاصة ما يتعلق بـ“المؤامرة الكونية”، وأخرى تقارب المسألة من باب اقتصادي أو سياسي، تنوعت آراء المثقفين، منهم حتى من سخر من الثقافة نفسها، معتبرا أنه يمكن مقاومة الفايروس بالرقص. في إشارة إلى ما راج في السنوات الأخيرة حول مقاومة الإرهاب بالثقافة والفن. وهذا من باب الجهل، حيث الثقافة والفكر هما باب الدفاع الأول في مواجهة الجوائح.

لا يمكن مواجهة جائحة بحجم الفايروس المستجد من دون ثقافة، الثقافة هي الباب الأول الذي من خلاله يمكن التصدي للآثار النفسية والاجتماعية التي هي أكثر عمقا وخطورة من الآثار الطبية.

وربما كسب الفايروس الجديد في جولة أولى من “المعركة” الثقافية التي يخوضها، حيث تسبب في إلغاء تظاهرات ثقافية في شتى أنحاء العالم، مثل معرض لندن أو مهرجان البحر الأحمر للسينما بالسعودية، وإمكانية إلغاء معرض أبوظبي، لكن هذا الجندي المجهول وغير المرئي، سيفشل في النزال الطويل وبتكاتف المثقفين والفنانين، وبمواجهة جماعية مسؤولة وواعية، والأهم من هذا كله تحترم الفرد وتصون حرمته الفكرية والجسدية.

لا يمكن مواجهة جائحة بحجم الفايروس المستجد دون ثقافةلا يمكن مواجهة جائحة بحجم الفايروس المستجد دون ثقافة

العرب

—————————————

الوضع مرعب..ماذا لو وصل “كورونا” إلى إدلب

يبذل المجتمع الدولي جهوداً حثيثة لمنع انتشار فيروس “كورونا” في إدلب شمال غرب سوريا، في ظل الأوضاع الكارثية التي تعيشها المنطقة جراء أشهر من الاشتباكات العنيفة بين قوات النظام السوري المدعومة روسيا، وفصائل المعارضة الموالية لتركيا.

وقد ساعد توقف القتال، إثر اتفاق بين أنقرة وموسكو، في توجه المجموعات الإسعافية إلى المنطقة التي تعتبر آخر معقل لفصائل المعارضة في سوريا.

وقال المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية هيدن هالدورسون إن سوريا لم تؤكد بعد أي حالات إصابة بالفيروس المستجد، لكن “أنظمتها الصحية الهشة قد لا تملك القدرة على اكتشاف وباء”.

وخطر تفشي المرض في سوريا مرتفع جداً، خاصة في شمال غرب سوريا، حيث يوجد ثلاثة ملايين شخص محاصرين في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة. وقد وعدت الولايات المتحدة بتخصيص 108 ملايين دولار لمساعدة المدنيين في إدلب، إثر زيارة لمسؤوين ِأميركيين هي الأولى من نوعها للمنطقة.

وأكد هالدورسون ل”فرانس برس” أن منظمة الصحة العالمية مضطرة لمساعدة المتضررين عبر الحدود، لأنها غير قادرة على تقديم الخدمات من الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة السورية.

وقال إن عمليات “تدريب العاملين في المجال الصحي تتم بالتوازي مع تجهيز مختبرات في كل من إدلب وأنقرة لتشخيص الفيروس بشكل آمن”.

 وعلى الرغم من توقف القتال في إدلب، إلا أن المخاوف من تجدده لا تزال قائمة. وقال ميستي بوسويل من لجنة الإنقاذ الدولية إن الوضع في إدلب “مهيأ بشكل خاص لانتشار” الفيروس، محذراً من كارثة يمكن أن تطال آلاف الأشخاص بسبب نقص الغذاء المياه وبرودة الطقس.

وذكر مسعفون ل”فرانس برس”، إن المساعي جارية لتوفير مكان للحجر الصحي للحالات المحتملة، كإجراء وقائي، وسط تحذيرات من نقص أدوات الكشف عن فيروس كورونا بسبب ارتفاع تكاليفها.

————————————-

هكذا تُكافح الكورونا/ مهند الحاج علي

وصل المسافرون من إيران، وهو بلد موبوء بفيروس الكورونا. لكن الفاحصين في مطار رفيق الحريري في بيروت، لم يفحصوا حرارة المسافرين بالكامل، بل اختاروا عدداً قليلاً منهم على عجل. أليس هذا دليلاً على استهتار بصحة الناس؟

بيد أن احتواء خطر الفيروس يتطلب إجراءات فوق العادة. ربما لهذا السبب قررت إيران كسر الجرة التخوينية-التكفيرية، وطلب قرض بخمسة مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، للمرة الأولى منذ عام 1962. لماذا تحتاج مكافحة الفيروس إلى هذا المبلغ الهائل للمكافحة؟

النموذجان، الصيني، وهو الأقدم والأكثر فاعلية، والإيطالي، وهو الأبطأ والأكثر اتساعاً، يُوفران نافذتين حيال كيفية التعاطي مع هذا الوباء العالمي.

وفقاً لتقرير لمنظمة الصحة العالمية في 28  شباط (فبراير) الماضي، نشرت مجلة “ساينس ماغازين” مقتطفات منه، أطلقت الصين “جهوداً للاحتواء هي الأكثر طموحاً وهجومية وسرعة في التاريخ”. ربما الأكثر شراسة من هذه الإجراءات أو الجهود كان إغلاق ووهان والمدن القريبة منها في المحافظة، أي أن خمسين مليوناً وُضعوا في حجر صحي جماعي.

في مقابل هذه الجهود، ووفقاً لمقابلة إذاعية لصحيفة “نيويورك تايمز”، نفذت السلطات الصينية حملة أوسع نطاقاً شملت مسألتين، الأولى الفحص، والثانية هي التحري عن الاتصال. في القضية الأولى، نشرت السلطات الصينية نقاطاً لفحص حرارة المارة في الأحياء وفي مرائب السيارات وأمام المصانع وفي الشوارع الأساسية. وهنا، كانت الإجراءات الاحترازية قاسية، لا بل غير إنسانية وفقاً للبعض. إذا أظهر الفحص حرارة عالية بعض الشيء دون اكتمال العوارض الأخرى، يُنقل المريض المشتبه به سريعاً الى أماكن حجز مُخصصة لمن لم تُثبت إصابتهم بالمرض. حتى لو كان المريض المشتبه به طفلاً، يُؤخذ من عائلته للتأكد من إصابته او عدمها. وفي حال تبينت إصابة الطفل أو أي فرد بالغ في العائلة، بفيروس الكورونا، تُوضع العائلة بأسرها في الحجر الصحي ولا يُسمح لها بمغادرة المنزل. استخدمت هنا الحكومة الصينية تطبيق “وي تشات” للدردشة، من أجل تصنيف الناس كمصابين أو مشتبه بإصابتهم، ومراقبة تحركاتهم. التطبيق يُشبه الواتس أب لناحية انتشاره، مع فارق أن “وي تشات” يُستخدم للدفع وفيه بيانات كل الناس، وبالتالي من السهل مراقبة تحركاتهم من خلاله.

في المسألة الثانية، كلما شخصت السلطات الصينية مصاباً بالفيروس، فتح العامل الصحي تحقيقاً مُفصلاً وطويلاً لمعرفة شبكة الأشخاص الذين اتصل بهم جسدياً، لناحية الاختلاط. هل صافح أحدهم أو تواجد في المكان ذاته معهم؟ أي مطاعم أو مقاهي ارتادها وفي أي أوقات. التحقيق شامل، ويؤدي الى تصنيف دائرة المشتبه بهم، ومعرفتهم من خلال التطبيق عينه وتحركاتهم المرصودة فيه. وبالتالي يُبدل تصنيف الشخص الذي احتك بالمريض الى مشتبه به، ويُبلغ عبر التطبيق بحالته وبالقيود الجديدة على حركته. ومن أجل ضمان تطبيق القيود على الحركة بشكل فاعل، عُين مسؤولون محليون لمتابعته والتأكد من تطبيقه بشكل صحيح في كل منطقة على حدة. وتولت السلطات تنفيذ عمليات تطهير للأماكن العامة للحد من انتشار الفيروس.

تقف هذه القيود والاجراءات الشمولية وراء نجاح الصين في الحد من الارتفاع الحاد في الإصابات بين الناس، وتتجه الى احتواء سريع للفيروس بعد تلكؤ في الأسابيع الأولى نتيجة المخاوف من الانعكاسات الاقتصادية.

كوريا الجنوبية حذت الحذو نفسه، وتتجه إيطاليا الى إجراءات مشابهة. الخوف هو على انتشار الفيروس في الدول النامية، وهي، كلبنان مثلاً، غير قادرة على توفير الإمكانات المطلوبة لمواجهة المرض. هل بإمكان لبنان المُفلس مالياً وسياسياً الذي فشل في إدارة سجونه لضعف الموارد، أن يضع آلافاً في مراكز الحجر الصحي ويُطعمهم يومياً لأسابيع؟

أقل الايمان كان فحص الوافدين الى المطار، وهو لم يحصل، ولا بد أن نحصد نتائجه.

———————————–

الكوكب المريض: الاقتصاد العالمي تحت صدمة “كورونا

تناولت دراسة تحليلية لاتحاد المصارف العربية، فيروس كورونا الجديد وتأثيره على الاقتصاد العالمي، لفت فيها الأمين العام لاتحاد المصارف العربية وسام فتوح، إلى أن الوباء الحالي أضر العالم كله من الصين إلى الولايات المتحدة الأميركية مروراً بالشرق الأوسط وأوروبا، حيث أن اعتماد العالم على الصين أضر بمجموعة واسعة من القطاعات الاقتصادية حول العالم، أبرزها النقل البحري والطاقة والمنتوجات الغذائية وسلاسل القيمة في قطاع التكنولوجيا.

وقال فتوح: تعتبر الصين ثاني قوة اقتصادية في العالم. وتشير أرقام صندوق النقد الدولي أن الناتج المحلي للصين يبلغ حوالى 14 تريليون دولار. ما يمثل نسبة 16 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي. كما أن حصة الصين من الصادرات السلعية تبلغ حوالى 2.5 تريليون دولار. ما يزيد عن 12 في المئة من إجمالي الصادرات السلعية للعالم. وفي هذا المجال، حذّر صندوق النقد الدولي من أن الفيروس قد ينعكس سلباً على نمو الاقتصاد العالمي عام 2020، موضحاً أن الأمر يتوقف على قدرة الصين على احتواء انتشاره. ومن المتوقع أن يكون تأثير هذا الفيروس على الاقتصاد العالمي أكبر من الفيروسات السابقة، وذلك لسرعة نمو الاقتصاد الصيني وعلاقته التجارية العميقة مع الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص، ومع العالم بشكل عام.

وتابع فتوح: لقد خفضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD توقّعاتها لنمو الاقتصاد العالمي بنصف نقطة مئوية، إلى 2.4 في المئة، وهو أدنى مستوى منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008. مع الإشارة إلى إن المنظمة اعتمدت في توقعاتها أن يتراجع تفشي فيروس الكورونا خلال العام الحالي. إلا أنها حذّرت من أن تزايد انتشاره سيؤدي الى إعادة خفض التوقّعات بشكل أكبر. ففي حال استمر تفشي الفيروس لمدة أطول وأصبح أكثر قوة، فمن المتوقع ان ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 1.5 في المئة فقط، ودخول اقتصادات منطقة اليورو واليابان في الركود.

الاستثمار الأجنبي

وتوقعت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، بحسب فتوح، أن يؤثر تفشي وانتشار فيروس كورونا سلبا في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي، موضحة أن انتشار الوباء الذي يراوح بين الاستقرار على المدى القصير والاستمرار على مدار العام، سيكون الضغط النزولي على الاستثمار الأجنبي المباشر بين ناقص 5 في المائة إلى ناقص 15 في المائة، مقارنة بالتوقعات السابقة التي رأت نمواً هامشياً في اتجاه الاستثمار الأجنبي المباشر للفترة 2020 -2021. وسوف يتركز الأثر على الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول الأكثر تضررا من الوباء، على الرغم من أن صدمات الطلب السلبية والأثر الاقتصادي لاضطرابات سلسلة العرض سيؤثران في آفاق الاستثمار في دول أخرى.

وقال: لقد أثر فيروس كورونا “الوباء” على حركة النفط العالمية، وخفّض الطلب على مصافي التكرير الصينية بشكل خاص. وأثار تفشي فيروس كورونا حالة من الهلع بين الدول المنتجة للنفط، التي تعتمد بشكل خاص على نمو الاقتصاد الصيني وبالتحديد أعضاء منظمة أوبك المصدرة للنفط. فقد أدت الإجراءات الوقائية التي اتخذتها الصين للحد من انتشار الكورونا، وبالتحديد تلك المتعلقة بوسائل النقل الجوي والبري والنهري، إلى انخفاض كبير في واردات النفط، لأن الصين هي أول مستورد للنفط وثاني مستهلك له عالمياً.

تراجع النفط

وبناء على ذلك، خفضت منظمة الأوبك توقعاتها للنمو العالمي في الطلب على النفط خلال العام 2020. وأعلنت أن إنتاجها هبط بشكل حاد في شهر كانون الثاني. كما أعلنت المنظمة بأنه من المتوقع أن ينمو الطلب العالمي على النفط خلال العام 2020 بمقدار 990 ألف برميل يومياً، بانخفاض 230 ألف برميل يومياً عن توقعاتها السابقة. ونظراً للاعتماد الشديد لبعض الدول العربية على صادرات النفط والغاز، من المتوقع أن يكون تراجع أسعار المنتجات المتصلة بالبترول أبرز القنوات لانتقال تأثيرات فيروس كورونا إلى المنطقة.

وأدى انتشار الفيروس في الصين الى تراجع أسعار النفط بشدة، حين هبط سعر نفط برنت من 68.90 دولار للبرميل في 1 كانون الثاني إلى 50.5 دولار في 28 شباط. ويرجع ذلك في جانب كبير منه إلى الانخفاض الكبير في الطلب من الصين، التي عمدت إلى اغلاق منشآت الإنتاج لاحتواء انتشار الفيروس. ونشير هنا إلى أن الطلب على النفط في الصين يمثل 14 في المئة من الطلب العالمي. كما توقعت وكالة الطاقة الدولية أن ينخفض الطلب العالمي على النفط بمقدار 435 ألف برميل يومياً خلال الربع الأول من عام 2020، وهو أول انكماش فصلي في أكثر من عشر سنوات. كما من المتوقع أيضا أن ينخفض الطلب العالمي على النفط خلال عام 2020 بحوالى 365 ألف برميل يومياً.

السيارات

وتابع فتوح: أصاب الوباء ضرراً كبيراً في صناعة السيارات في الصين وحول العالم، حين قررت شركات تصنيع سيارات عالمية وقف الإنتاج بمصانعها في الصين، بسبب تفشي فيروس كورونا. وتشير الإحصاءات الى أن مقاطعة “هوبي” الصينية والتي هي الأكثر تضرراً من تفشي الفيروس، يتم فيها إنتاج نحو مليوني سيارة سنوياً في نحو 10 مراكز إنتاج، وهو ما يُعادل نحو 8 في المئة من إنتاج السيارات في الصين. ومقاطعة “هوبي” أهم مركز في الصين لإنتاج المركبات التجارية الصغيرة بعد مقاطعة غوانغدونغ. وتشير المعلومات إلى أن توقف إنتاج السيارات غير منحصر حالياً في مقاطعة “هوبي” فحسب، بل امتد إلى مقاطعات اخرى. وتجدر الإشارة إلى أن الصين تمثل سوقاً مهمة جداً بالنسبة لشركات صناعة السيارات الألمانية بشكل خاص”.

—————————

كذبة مريحة/ د. ابتهال الخطيب

منذ أن بدأت أخبار وباء الكورونا في الانتشار مثيرة الذعر حول العالم أجمع، بدأ الشارع العربي الإسلامي بالإشارة إلى العقوبة الإلهية المتضمنة في هذا الوباء. يرتفع هذا التفسير إلى سطح الآراء مع كل حدث ذي طبيعة تخريبية يقع في موقع جغرافي ما معروف بابتعاده عن المواقع الإسلامية أو بارتباطه ببعض المشكلات السياسية مع المسلمين. حين تضرب المصائب غير المسلمين، هو عقاب من الله على «شركهم»، وحين يكون هناك ضحايا من المسلمين هو «أضرار جانبية» لا مناص من وقوعها، وحين تضرب المصائب المسلمين هو اختبار من الله لهم، وأحياناً هي عقوبات كذلك على عصيانهم. المصائب دوماً إشارات إلهية تحمل أحكام الرب العقابية أو الاختبارية لخلقه على الأرض، إلا أن الفرق الواضح في التعامل مع المصائب التي تقع في «دور الكفر» عن تلك التي تقع في «دور الإسلام» يتجلى في أن الأولى يتم تناولها بنوع من التشفي، وكأن الخالق قد انتقم للمسلمين من أعدائهم مرسلاً لهم كوارث تشكل دلالات على موقف الخالق منهم، في حين أن الثانية يتم تناولها على أنها نوع من التحذير المرسل رحمة بالمسلمين، وكأن الخالق يرسل رسالات تنبيهية لقوم يود أن ينير لهم طريق الصواب من خلال هذه الإنذارات التحذيرية المبكرة.

بكل تأكيد، ليس هذا هو رأي كل رجالات الدين المسلمين، فقد ظهر عدد من الآراء التنويرية الجيدة التي تشير إلى خرافية هذا التفكير، بل ونفاق تشكيله من حيث وزنه بميزانين مختلفين حسب دين المنكوبين. فقد ظهرت آراء تشير إلى أن الحياة دار اختبار والآخرة دار عقاب وإن وقعت عقوبات وجزاءات في الدنيا أحياناً، وأن تحميل كل ما يحدث محمل موقف إلهي عقابي هو موقف خطر يتطلب تصدي المنطقيين له حين تعاملهم مع حالات فزع العامة. رغم ذلك، لا يمكن إغفال انتشار هذا التناول الخرافي لأحداث النكبات في الشارع العربي الإسلامي العام، وذلك إما بالفهم العقابي للنكبة لغير المسلمين أو بالفهم الاختباري لها بالنسبة للمسلمين. هذا التوجه بكل تأكيد يبعث على كثير من الراحة، ليس فقط من حيث إشفائه للغليل تجاه غير المسلمين أو تجاه المسلمين «العصاة»، ولكن كذلك من حيث إيجاده تبريرات وتفسيرات لهذه النكبات العشوائية التي هي، رغم كل تفسيراتها العلمية، لا شك تقع أحياناً كثيرة بشكل جزافي بلا مبررات أو مسوغات أو حتى نهايات كاثارتيكية، محملة الإنسان فوق طاقته من حيث قبول لا منطقيتها تلك، ما يتطلب خلق حالة تبريرية أو تفسيرية مريحة لهذه النكبات. واقعية أن نكبات الحياة مثلها، دون معنى حقيقي لها وبلا هدف سام ينهيها، هي واقعية قاسية جداً على عقولنا بدائية التطور.

أحد أقربائي هو مشجع عتيد لكرة القدم، وهو دوماً حين يلعب فريقه مباراة مهمة، يدعو ويترجى الله ويبسمل ويحوقل ويقرأ المعوذات ويصلي على النبي وآله حتى يفوز فريقه، ولطالما بهرتني طريقة تفكيره الظريفة تلك: ما الذي يجعله يعتقد أن الله سيقف مع فريقه ضد الفريق الآخر، كلاهما يتكون من شباب من ذات المنشأ والدين والجلدة، فما الذي سيجعل الرب يتجاوب مع قريبي عن كل الذين يدعون للفريق الآخر؟ خطرتني أدعية وصلوات قريبي وأنا أقرأ فزع الشارع العربي الإسلامي ودعاءه وتفسيراته، لماذا يا ترى لا يزال الشارع العربي الإسلامي يجنح لمثل هذه التفسيرات رغم وجود نظائرها العلمية المنطقية، ورغم أنها تبدو ثأرية طفولية لأبلغ حد؟ ما الذي يدفع بنا إلى الاعتقاد بأن الله هو دوماً في صفنا، فما يقع لنا هو اختبار وما يقع على غيرنا هو انتقام؟ الشارع العام، وأقصد به الشارع بتنوعه بما فيه مثقفوه، يجنح عموماً للمبالغات والعاطفية واللامنطقية، إلا أن هذا التوجه التفسيري للنكبات أصبح أقدم حتى من أن يحتمل التبرير بعاطفية وسذاجة الشارع بعمومه، لقد شاخ هذا التفكير كثيراً حد الفكاهة، تحول كليشيهاً سخيفاً في زمن لا تُفَوِت النكبات فيه أحداً، فما الذي يجعلنا نصر، كعامة، أن الله معنا دوماً، منكوبين أو متفرجين من بعيد؟

أستمع حالياً لعدد من الندوات المسجلة للدكتور خزعل الماجدي حول موضوع الأسطورة، وهي ندوات تستحق المناقشة والتحليل لاحقاً، إلا أن فكرة سيطرة الأسطورة، حتى في وقتنا الحالي، والتي ناقشتها هذه الندوات، بدت -بمناسبة الاعتداد بالإشارات الغيبية السماوية- وكأنها رسالة غيبية تأتيني إبان تفكيري في الموضوع. لن يعجب د. الماجدي ربطي السطحي هذا، فالدكتور يشير إلى أن الأساطير هي مواد محترمة بالنسبة لأصحابها، ولم تكن تحمل المعنى الذي نتداوله حالياً لكونها خرافات، فالفرق بين الأسطورة والخرافة يفترض أن يكون واضحاً تماماً. رغم ذلك، أنا عاجزة عن إزاحة عيني عن الفكرة الأسطورية، لكون الطبيعة تحابي المؤمنين الصادقين، والقابعة خلف تبريراتنا للكوارث الطبيعية والإنسانية ومدى سذاجتها في القالب الذي نصوغها فيه. نحب الأساطير، مريحة، تبريرية، كاثارتيكية، مشكلتها الوحيدة التي لا نريد أن نعترف بها هي أنها غير حقيقية.

القدس العربي

—————————————

كورونا: الصين تتهم الجيش الاميركي بإدخال الفيروس الى أراضيها

يواصل فيروس كورونا المستجد تسجيل وفيات وإصابات حول العالم وتداعيات كبرى، وطالبت منظمة الصحة العالمية كافة الدول “بالإصرار والصمود” في المعركة ضد هذا الوباء العالمي.

ومنذ كانون الأول، سجلت 127 ألف إصابة في 115 بلداً ومنطقة بينها 4687 وفاة، فيما بقيت الدول الأكثر تضرراً الصين (80793 حالة بينها 827 وفاة وشفي أكثر من ثلاثة أرباعها)، إيطاليا (12462 اصابة بينها 827 وفاة)، إيران(10075 اصابة بينها 429 وفاة)، كوريا الجنوبية (7869 اصابة بينها 66 وفاة)، فرنسا (2281 بينها 48 وفاة).

وفي تصريح صادم قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، تشاو لي جيان، في تغريدة، “إن الجيش الأميركي ربما جلب فيروس كورونا إلى مدينة ووهان الصينية، التي كانت الأكثر تضرراً بالفيروس”.

وسأل جيان:”متى ظهر المرض في الولايات المتحدة؟ كم عدد الناس الذين أصيبوا؟، ما هي أسماء المستشفيات؟”، مضيفاً: “ربما جلب الجيش الأميركي الوباء إلى ووهان، تحلًوا بالشفافية! أعلنوا بياناتكم! أميركا مدينة لنا بتفسير”.

وسجلت الصين أقل عدد من حالات الوفاة بفيروس كورونا منذ بدء إعلانها بشكل يومي عن حالات العدوى قبل سبعة أسابيع. وقالت لجنة الصحة الوطنية إن البلاد تجاوزت ذروة تفشي وباء فيروس كورونا. وأعلنت اللجنة الوطنية للصحة في الصين تسجيل 11 حالة، خلال الساعات ال24 الماضية.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، منع السفر من وإلى الدول الأوروبية ابتداء من ليل الجمعة ولمدة 30 يوماً. وقال: “الحظر لن يشمل بريطانيا أوالأميركيين الذين يمرون عبر الإجراءات المناسبة”.

وذكرت المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها إن عدد الإصابات بفيروس كورونا في الولايات المتحدة إرتفع إلى 1264 وإن عدد الوفيات زاد إلى 36.

وأوضح ترامب أنه “ليس قلقاً من التعرض لفيروس كورونا بعد أن تناول العشاء الأسبوع الماضي مع الرئيس البرازيلي جاير بولسونارو الذي أثبتت الفحوص إصابة مساعده الإعلامي بالفيروس”.

وأغلقت إيطاليا الحانات والمطاعم والمتاجر (باسثناء المحلات الغذائية والصحية). وأغلق مطار روما وستقلص الرحلات الدولية في مطار فيوميتشينو انطلاقا من 17 آذار/مارس.

وقفزعدد الوفيات بواقع 189 حالة في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة ليصل إلى 1016 أي بزيادة نسبتها 23 في المئة. وارتفع العدد الإجمالي لحالات الإصابة في إيطاليا، إلى 15113 بعدما سجل 12462 أي بزيادة نسبتها 21.7 في المئة. وهذه أكبر زيادة يومية في عدد الحالات منذ اكتشاف التفشي في 21 شباط.

وقال معهد “روبرت كوخ للأمراض المعدية”، إن عدد الإصابات في ألمانيا ارتفع إلى 1567 حالة، فيما سُجلت ثلاث وفيات.

وستغلق إيرلندا المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية اعتباراً من الجمعة وحتى 29 آذار/مارس. وأغلقت سيريلانكا مدارسها أيضا لعطلة مدرسية تمتد ثلاثة أسابيع. كما أغلقت براغ حدودها أمام مواطني 15 دولة بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا.

وقررت السلطات التركية إغلاق المدارس الابتدائية والثانوية لمدة أسبوع اعتبارا من 16 آذار وإغلاق الجامعات لمدة ثلاثة أسابيع بسبب فيروس كورونا.

وفي بيان رسمي كشف رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو وزوجته صوفي، أنهما انعزلا بنفسيهما بعد أن أصيبت صوفي بأعراض تشبه الإنفلونزا وأجري لها اختبار للكشف عن فيروس كورونا.

وكثف رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إجراءات مكافحة فيروس كورونا، وانتقل إلى ما يسمى “بمرحلة التأخير” التي تشمل اتخاذ إجراءات أكثر صرامة تهدف إلى إبطاء تفشي الفيروس.

وقال جونسون “نحن الآن نصل إلى المرحلة التالية هذه ليست مجرد محاولة لاحتواء المرض بقدر الإمكان ولكن لتأخير تفشيه”.

عربياً أعلنت السعودية، تعليق سفر المواطنين والمقيمين مؤقتاً إلى عدد من الدول التي ظهر فيها خطر انتشار فيروس كورونا، كما تم تعليق حركة المسافرين عبر المنافذ البرية جميعها مع الأردن مع استمرار السماح بالحركة التجارية والشحن، ومرور الحالات الإنسانية والاستثنائية.

وأفتت هيئة كبار العلماء في السعودية، بحرمة الصلاة في المسجد على المصابين بفيروس كورونا.

وأمهل العراق مواطنيه الموجودين في إيران 4 أيام للعودة إلى بلادهم قبل إغلاق الحدود بشكل كامل.

وأعلنت وزارة الصحة الإماراتية تسجيل 11 إصابة جديدة، ليرتفع عدد الإصابات إلى 85 حالة. واتخذت دول عربية أخرى إجراءات أيضاً لمنع تفشي الوباء منها تونس والجزائر ومصر.

———————————-

لماذا يهاجم «كورونا الجديد» الرجال والمسنين أكثر من النساء والصغار؟/  د. وفا جاسم الرجب

المرض الغامض أصاب أكثر من 95 ألفاً في 66 دولة

انقضى شهران على وصف مسؤولي الصحة في الصين لفيروس غامض ينتشر في مقاطعة هوبي، بينما سجلت حتى بداية الثالث من مارس (آذار) الجاري إصابة حوالي 95000 شخص في 66 دولة بفيروس «كورونا» الجديد، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

– إصابات متفاوتة الشدة

ومثل عديد من الحالات التنفسية الأخرى، يمكن أن تختلف إصابة الفيروس المسمى «كوفيد 19» (COVID – 19) على نطاق واسع بين المرضى. ووفقاً لأحدث وأكبر مجموعة من البيانات حول تفشي فيروس «كورونا» الجديد الصادرة في 17 فبراير (شباط) من قبل المركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها، فإن الغالبية العظمى من الحالات المؤكدة تعتبر خفيفة، وتتضمن معظمها ما بين أعراض شبيهة بالبرد، والالتهاب الرئوي الخفيف.

أما نسبة 14 في المائة من الحالات المؤكدة فكانت «شديدة»، تشمل الالتهاب الرئوي الخطير وضيقاً في التنفس، بينما كان 5 في المائة من المرضى الذين تأكدت إصابتهم بالمرض يعانون من فشل في الجهاز التنفسي وصدمة إنتانية، أو فشل في أجهزة متعددة، وهو ما تسميه الوكالة «حالات حرجة» يحتمل أن تؤدي إلى الوفاة. وما يقرب من 2.3 في المائة من الحالات المؤكدة لم ينتج عنها الوفاة.

ويعمل العلماء على فهم سبب إصابة بعض الأشخاص بالفيروس أكثر من غيرهم. ومن غير الواضح أيضاً لماذا يبدو أن فيروس «كورونا» الجديد – مثله مثل فيروسي «سارس» (SARS) و«ميرس» (MERS) – أكثر فتكاً من فيروسات «كورونا» الأخرى التي تنتشر بانتظام بين الناس كل شتاء، وتسبب عادة أعراض البرد.

وتقول أنجيلا راسموسن، عالمة الفيروسات في كلية «ميلمان للصحة العامة» بجامعة «كولومبيا» الأميركية: «أعتقد أن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً حقاً لفهم الأسس البيولوجية التي تجعل بعض الناس يمرضون أكثر من الآخرين».

– المعرضون للإصابة

> كبار السن والمرضى هم الأكثر عرضة لأشكال شديدة من «كوفيد 19». بشكل عام، تشير أحدث البيانات المستقاة من الصين من تحليل لحوالي 45000 حالة مؤكدة، إلى أن الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بأعراض حادة من «كوفيد 19» هم أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة، وكبار السن.

وفي حين أن أقل من 1 في المائة من الأشخاص الذين كانوا يتمتعون بصحة جيدة ماتوا بسبب المرض، فإن معدل الوفيات للأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب والأوعية الدموية كان 10.5 في المائة. وكان 7.3 في المائة من مرضى السكري، وحوالي 6 في المائة من أولئك الذين يعانون من مرض تنفسي مزمن، أو ارتفاع ضغط الدم، أو السرطان. وثبت أن 2.3 في المائة من الحالات المعروفة كانت قاتلة، وأن المرضى الذين تبلغ أعمارهم 80 سنة أو أكثر، هم الأكثر عرضة للخطر، ويموت نحو 14.8 في المائة منهم.

> قلة إصابات الأطفال؛ حيث قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، الأسبوع الماضي، إن الوفيات حدثت في كل فئة عمرية باستثناء الأطفال دون سن التاسعة، وبصفة عامة «نرى حالات قليلة نسبياً بين الأطفال». أما ليزا جرالينسكي، عالمة الفيروسات بجامعة «نورث كارولاينا» في تشابل هيل، فتقول إن هذا النمط يختلف في شدته مع تقدم العمر عن نمط تفشي فيروسات آخر، ولا سيما وباء إنفلونزا عام 1918 الذي كان معدل الوفيات بسببه مرتفعاً عند الأطفال الصغار، وفي الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و40 عاماً.

– الأسباب

لا يعرف العلماء ما يحدث بالضبط في الفئات العمرية الأكبر سناً؛ لكن استناداً إلى الأبحاث التي أجريت على فيروسات الجهاز التنفسي الأخرى، فإن الخبراء يعتقدون أن تحول الإصابة بفيروس «كورونا» إلى الأسوأ يعتمد على استجابة الشخص المناعية. يقول ستانلي بيرلمان، اختصاصي أمراض الفيروسات والأمراض المعدية لدى الأطفال في جامعة «أيوا»: «إن استجابة الجسم الحي المضيف أكثر أهمية من الفيروس نفسه. ولأسباب غير واضحة تماماً، قد يعاني بعض الأشخاص – وخصوصاً كبار السن والمرضى – من خلل وظيفي في أجهزة المناعة التي تفشل في الحفاظ على الاستجابة (أي ردة الفعل) لمسببات أمراض معينة».

وقد يتسبب هذا في استجابة مناعية غير منضبطة، مما يؤدي إلى الأفراط في إنتاج الخلايا المناعية وجزيئات أخرى، والتي تؤدي إلى زيادة في إنتاج السيتوكين (cytokine) الذي يحفز هجرة الخلايا المناعية إلى الرئة. وحينذاك يمكن أن يتحول الالتهاب الموضعي إلى التهاب واسع النطاق في الرئتين، مما يؤدي إلى آثار تشمل جميع أعضاء الجسم. كما يمكن أن يحدث هذا أيضاً إذا كان الفيروس يتكاثر بشكل أسرع من استجابة الجهاز المناعي؛ بحيث يتعين عليه حينئذٍ اللحاق بالفيروس لاحتوائه، وهو موقف قد يؤدي أيضاً إلى خروج الدفاع المناعي عن السيطرة. كما يقول بيرلمان.

وقد عكف كثير من الأبحاث على دراسة الأسباب التي تسبب الفشل التنفسي الناتج عن التهاب شامل للرئتين – التي تسمى أيضاً متلازمة الضائقة التنفسية الحادة (ARDS) – التي يمكن أن تحدث بسبب الإصابة بفيروسات «كورونا» وغيرها من الإصابات. ومع ذلك، لا يزال الباحثون لا يعرفون كيف يحدث بالضبط، ناهيك عن كيفية معالجته.

– إصابات الرجال والنساء

قد يكون الرجال أكثر تأثراً بـ«كوفيد 19» من النساء. من النتائج المثيرة للاهتمام في البيانات الجديدة التي صدرت في الأسبوع الماضي، أنه على الرغم من أن أعداداً مماثلة من الرجال والنساء قد أصيبوا بفيروس «كورونا»، فإن مزيداً من الرجال يموتون بسبب المرض. وكان معدل وفيات الذكور 2.8 في المائة، و1.7 في المائة للنساء.

عند اندلاع «سارس» عام 2003 في هونغ كونغ، على سبيل المثال، مات حوالي 22 في المائة من الرجال المصابين، مقارنة بحوالي 13 في المائة من النساء. وفي تحليل للعدوى بفيروس «كورونا» بين عامي 2017 و2018، توفي حوالي 32 في المائة من الرجال، وحوالي 26 في المائة من النساء.

ويعتقد أن يكون لهذا الاختلاف علاقة بحقيقة أن الجين لمستقبلات «ACE – 2» الذي يستخدمه كل من فيروس «كورونا» الجديد و«سارس» لدخول الخلايا المضيفة، موجود على كروموسوم «إكس» (X) الأنثوي.

إذا كان هناك نوع معين من البروتين الذي يجعل الناس أكثر عرضة للإصابة بالفيروس، فيمكن للإناث تعويض ذلك؛ لأن لديهن نسختين من كروموسوم «إكس»، في حين أن الرجال سيكونون عالقين بنسخة واحدة فقط. كما قد يكون لهرمون الإستروجين آثار وقائية لدى النساء أو قد يكون الرجال أكثر عرضة ليكونوا مدخنين، وبالتالي فإن رئاتهم قد تعرضت بالفعل للخطر.

– الأعراض

تتطور الأعراض من يومين إلى 14 يوماً بعد التعرض للفيروس. وفترة حضانة المرض هي مقدار الوقت من التعرض للفيروس إلى ظهور الأعراض. ويقدر المسؤولون أن ذلك يستغرق حوالي خمسة أيام، ولكن هذه الفترة قد تكون قصيرة لمدة يومين، وقد تطول حتى 14 يوماً. «كوفيد 19» هو مرض يصيب الرئتين بشكل رئيسي، و90 في المائة من الناس يصابون بالحمى، بينما يصاب 70 في المائة منهم بسعال جاف وتعب.

وقد يكون لدى كبار السن فترة حضانة أطول قليلاً، إذ أشارت دراسة أولية نشرت في 29 فبراير في medRxiv.org، إلى أن الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 40 عاماً يظهرون أعراضاً بعد ستة أيام، بينما تظهر الأعراض لدى الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن الأربعين والأصغر عمراً، بعد أربعة أيام.

الشرق الأوسط

———————–

النكران.. أسلوب النظام السوري لمعالجة كورونا/ نور عويتي

لا يزال النظام السوري حتى اليوم ينفي وجود أي إصابة بفيروس “كورونا” ضمن مناطق سيطرته، ويحاول أن يطمئن المدنيين في الداخل بأن نظامه الصحي على أتم الاستعاد للتعامل مع هذا الوباء.

وبدا غريباً عدم تسجيل أي إصابة بالفيروس في سوريا، رغم الرحلات اليومية بين طهران ودمشق، والتي لم تتوقف بعد إعلان انتشار الوباء في إيران وكانت مستمرة خلال فترة إنكار نظام طهران لحجم الإصابات لديه.. إضافةً إلى التواجد الإيراني العسكري والمدني الكثيف في مختلف مناطق سيطرة النظام السوري.

مقاطع مصورة تنتشر على وسائل إعلامية موالية تؤكد على جاهزية المشافي لأي طارئ وعمليات فحص المسافرين الوافدين عن طريق المطار. لكن الحقيقة في مكان آخر. يبدو ان السلاح الوحيد الذي يملكه النظام لمواجهة هذا الوباء هو الإنكار؛ أما منظومته الصحية، فهي عاجزة تماماً عن التعامل مع “كورونا”.

قبل أيام، اعتقل النظام السوري الدكتور سامر الخضر، مدير مستشفى “المجتهد” في العاصمة دمشق، على خلفية تصريحه بظهور أول إصابة ب”كورونا” في المشفى الذي يديره؛ وتم إجباره بعدها على الظهور على وسائل الإعلام الحكومية لينفي الخبر، ويبرر ما نشره سابقاً عن الموضوع بأنه كان مجرد اشتباه بإصابة أحد المرضى ب”كورونا”، ولكنه أخطأ بالتشخيص.

وبالتزامن مع اعتقال الخضر، أصدر النظام تعليمات سرية إلى المشافي، بخصوص التعامل مع فيروس كورونا؛ وقال مصدر ل”المدن” من داخل أحد المشافي بالعاصمة دمشق: “أول تلك التعليمات هو  إجبار الأطباء والممرضين على التعامل مع كافة المرضى الذين ظهرت عليهم أعراض الكورونا على أنهم مصابون بالتهاب رئوي حاد، وتسجيل حالة الوفاة للمصابين بتلك الأعراض على أنهم  توفوا بسبب فشل رئوي أو بسبب السل”.

وقد أثّر سعي النظام لإنكار الواقع على الحالة الصحية للكادر الطبي، يقول المصدر: “هناك ممرضتان شقيقتان تعملان في المشفى التي أعمل بها، ظهرت عليهما أعراض الكورونا بعد إشراف إحداهما على  مريض إيراني، وماتت إحداهما إثر ذلك، وسجل سبب الوفاة بأنه فشل رئوي حاد. ورفضت إدارة المستشفى أن تجري لشقيقتها تحليل الكورونا، لتقرر هي بأن تحجر على نفسها داخل منزلها بشكل طوعي، خوفاً من أن تتسبب بنقل العدوى”.

وبحسب المصدر نفسه فإن التعليمات الجديدة ترفض إجراء أي تحاليل تخص فيروس “كورونا” داخل المستشفيات السورية، ويقول: “هناك عدد كبير من المسافرين يقصدون المستشفى لإجراء فحوص الكورونا، ومن ضمنهم مجموعة من الطلاب السوريين العائدين من إيران عن طريق المطار، الذين تم فحصهم بمؤشر الحرارة في المطار، وظهرت لديهم أعراض ارتفاع الحرارة، وتم تحويلهم لإجراء فحوص طبية للتاكد من سلامتهم؛ إلا أن إدارة المستشفى رفضت إجراء التحاليل لهم، متحججة بعدم وجود عينات من فيروس كورونا لديها، وعدم إطلاع كوادرها على كيفية إجراء هذا النوع من التحاليل. وتم تحويل هؤلاء الطلاب إلى اللجنة الصحية المختصة بفيروس كورونا في وزارة الصحة، التي لا نعرف حتى اليوم أين مراكزها ولم نسمع عن آلية عملها”.

وبدلاً من اتخاذ إجراءات تضمن للكوادر الطبية عدم إصابتهم بالفيروس، تم اتخاذ بعض الإجراءات الغريبة، التي من شأنها أن تزيد من احتمال انتقال العدوى. أغربها بحسب المصدر، منع ارتداء الكمامات داخل المستشفى بشكل قطعي. فهناك تعليمات تمنع الأطباء والممرضين في المشفى من ارتدائها، إلا بحالة واحدة، داخل غرفة العمليات الجراحية.

ويقوم الطبيب والطاقم المساعد بالتوقيع على أوراق لتسلم الكمامات، ويتوجب عليهم تسليمها فور الانتهاء من العمل الجراحي. وقد رفض عدد كبير من الأطباء الانصياع للتعليمات المتعلقة بالكمامات، إلا أن الإدارة بررت ذلك بأن تلك هذه الإجراءات تمنع الهدر، فمخزون الدولة من الكمامات قليل، بالإضافة إلى أن ارتداء الكمامات طيلة الوقت يثير نوعاً من الرعب عند المرضى المتواجدين في المستشفى، وقد يتسبب بنشر إشاعات حول انتشار الفيروس.

الواضح أن حكومة النظام السوري لا تتعامل بجدية مع  خطر “كورونا”، ولم تسعَ لضبط حدودها الجوية والبرية والبحرية للحد من انتشاره، بل اكتفت فقط ببعض الإجراءات الشكلية، المحصورة بمطار دمشق الدولي، أما الحدود البرية فلم تتخذ فيها أي إجراءات.

وفي بداية آذار/مارس، تم إرجاع حافلة سورية مليئة بالركاب كانت متوجهة إلى لبنان عن طريق معبر المصنع الحدودي، وذلك للاشتباه بإصابة راكبة ضمن الحافلة بالفيروس. وعلى الرغم من انتشار الخبر، إلا أن وزارة الصحة السورية لم تقم بأي إجراءات لفحص ركاب تلك الحافلة والتحقق من سلامتهم، وإنما عادوا من الحدود السورية بشكل طبيعي، دون أي تدابير وقائية تذكر.

لكن يبدو أن حالة نكران “كورونا” التي يعيشها النظام السوري وأجهزته الإعلامية لن تدوم طويلاً، وقد اتخذت حكومة النظام السوري الأحد قراراً بتعليق الزيارات والرحلات مع دول الجوار العراق والأردن، أفراداً ومجموعات بما فيها السياحة الدينية لمدة شهر، والدول التي أعلنت حالة الوباء لمدة شهرين. كما قررت جراء الحجر الصحي الاحترازي لمدة 14 يوماً للقادمين من هذه الدول للتأكد من سلامتهم، علماً أن الفيروس انتشر في معظم الدول التي يقصد سكانها سوريا باستمرار منذ فترة طويلة.

المدن

—————————–

إمام الجامع الأموي: “حبة البركة” علاج الكورونا

تناقل ناشطون سوريون مقطع فيديو لإمام الجامع الأموي توفيق البوطي، يقلل فيه من شأن فيروس كورونا، لأن تمزيق الوحدة الوطنية وباء أخطر لا يمكن علاجه، حسب تعبيره.

وفي المقطع الذي أثار سخرية واسعة، أشار البوطي إلى أن “حبة البركة” التي تحدث عنها النبي محمد هي دواء للكورونا وأن “كل ما في الأمر أن عليك أن تحسن تصنيعها واستثمار هذه المادة الدوائية بأسلوب علمي تقني متطور”.

وفيما تنتشر هذه النوعية من الأوهام الدينية في دول الشرق الأوسط عند الحديث عن “كورونا”، تأخذ الأمور في سوريا منحى أكثر فكاهة، عندما يربط التلفزيون الرسمي، المرض، بأجندات استخباراتية ونظريات مؤامرة، وصولاً إلى حديث البوطي، عن أمراض أسوأ من “كورونا”، مثل الإرهاب والتطرف وإلغاء الآخر وتمزيق الوحدة الوطنية وخدمة أهداف الصهيونية.

وتساءل سوريون عن معنى هذا الربط غير المنطقي، بينما أشار آخرون إلى ضرورة إقحام التشبيح في أي خطاب ضمن سوريا الأسد، حتى لو كان الأمر يخص خطبة دينية يوم الجمعة، وتحدث آخرون عن الطريقة التي يوظف بها النظام خطبة يوم الجمعة في الجامع الأموي بدمشق لبث رسائله السياسية، علماً أن توفيق البوطي هو ابن رجل الدين محمد سعيد رمضان البوطي، الذي قتل في تفجير العام 2013، وكان معروفاً بمواقفه الموالية للنظام السوري.

وتنفي وزارة الصحة في حكومة النظام، أي إصابات بفايروس “كورونا” في البلاد، فيما يتخوف السوريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من احتمال تستر سلطات النظام على حالات مصابة بالفيروس، خصوصاً في ظل تفشي المرض في الدول المحيطة بسوريا، كما باتت إيران، الحليفة للنظام، والتي تسير رحلات جوية منتظمة إلى دمشق، ثاني أكثر الدول تسجيلاً للإصابات بالمرض بعد الصين.

وأعلنت وزارة الصحة السورية الأسبوع الماضي، أول حالتين “يشتبه في إصابتهما” بفيروس كورونا المستجد، وتمت مراقبتهما في مستشفى “المجتهد” بالعاصمة دمشق بعد عودتهما من إيران، لكن الوزارة عادت ونفت إصابتهما في بيان رسمي نادر بشأن المرض.

———————–

مع كورونا.. أدب الأوبئة ونهاية العالم يعود للواجهة/ نجيب مبارك وسارة عابدين

تنشر “ضفة ثالثة” مساهمتين للزميلين نجيب مبارك وسارة عابدين تتعلقان بجانب من التداعيات التي ترتبت على تفشي فيروس كورونا في أرجاء العالم أخيراً، فيما يمكن اعتباره أشبه بملف خاص يتطرق إلى موضوعين متصلين من حيث المبنى والمعنى؛ الأول كيف تناول الأدب موضوع الأوبئة عموماً، والثاني كيف تراءت نهاية العالم من وجهة نظر مقاربات أدبية مختلفة ارتباطاً بالأوبئة

 (المحرّر)

كيف تناول الأدب موضوع الأوبئة عموماً؟/ نجيب مبارك

خلال الأيام الماضية، رصدت وسائل الإعلام إقبالاً كبيراً من الإيطاليين على شراء وقراءة روايتي “الطاعون” لألبير كامو و”العمى” لخوسيه ساراماغو، والسبب هو الانتشار السريع لفيروس كورونا المستجدّ الذي يجتاح إيطاليا حالياً، وهو وباء حصد في أسابيع قليلة أرواح المئات حول العالم. إنّ هذه العودة المحمومة لقراءة ما يسمّى “أدب الأوبئة” ليست وليدة اليوم، فهي تتكرَّر تاريخياً كلّما حلَّ وباء جديد في مكان ما من العالم، والإنسان بغريزته ميّال إلى البحث عن وقائع أو حالات مشابهة في التاريخ، ليستلهم منها وسائل عملية للوقاية أو لمواجهة الوباء في حال فشلت حكومته في ذلك. وهذه ظاهرة تدفعنا إلى التساؤل: كيف تناول الأدب موضوع الأوبئة عموماً؟ وهل تنبّأت الرواية من قبل بوباء يُشبه فيروس كورونا الحالي؟

من الموت الأسود إلى أدب الديستوبيا

يعيش العالم هذه الأيام تحت تهديد الإصابة بعدوى فيروس كورونا المستجدّ، وسط مخاوف من أن يتحوّل إلى “موت أسود” جديد يفتك بالملايين من السكان، إذا فشلت البشرية في محاصرته والقضاء عليه، أو فقدت السيطرة نهائياً أمام انتشاره السريع. إنّ مصطلح “الموت الأسود” يشير عادةً إلى وباء الطاعون الذي اجتاح أنحاء أوروبا بين عامي 1347 و1352 وتسبّب في وفاة ما لا يقلّ عن ثلث سكّان القارّة. وكان الرّواة الدنماركيون والسويديون هم أوّل من استخدم هذا المصطلح، وقد تكرّس مع إصدار كتاب “الموت الأسود في القرن الرابع عشر” للطبيب الألماني يوستوس هيكر في عام 1832، والّذي لقي صدى كبيراً، خاصة أنّه تزامن مع انتشار وباء الكوليرا في أوروبا. وقبل صدور هذا الكتاب بسنوات قليلة، كانت ماري شيلي، التي كتبت رائعة “فرانكنشتاين”، قد أصدرت رواية بعنوان “الرجل الأخير” عام 1826، وهي تحكي قصّة رجل يعيش في عالم مستقبلي اختفى منه البشر بسبب الأوبئة، وقد سبق لشاعر فرنسي اسمه جان بابتيست كوزان دي غرانفيل أن أصدر قصيدة نثرية ملحميّة بالعنوان نفسه عام 1805، وهي تعتبر في نظر الكثيرين أوّل عمل حديث في أدب الديستوبيا.

أما بالنسبة لما يسمّى “أدب الأوبئة”، فقد انتشرت الروايات حول الفيروسات والأوبئة على نطاق واسع خلال القرنين الماضيين. وهناك عدد كبير الأمثلة: من الشهادات الحقيقية لدانيال ديفو في “مجلة الطاعون” إلى الأعمال الكلاسيكية الحديثة، مثل “الطاعون” لألبير كامو أو “الحب في زمن الكوليرا” لغابرييل غارسيا ماركيز. وقد ازدادت شعبية هذه الروايات المهووسة بالأوبئة الفتاكة منذ مطلع خمسينيات القرن العشرين، في فترة تأجُّج المخاوف من نهاية العالم بسبب احتمال نشوب حرب نووية بين القوّتين العظميين. وعموماً، تحكي هذه الروايات حول الأوبئة التي قد تهدّد البشرية إمّا عن انتشار مرض غير معروف في الماضي أو عن أحداث تعقب تفشّيه، وقد يأتي المرض إمّا من فيروسات متحوّلة أو متطوّرة من مرض معروف، أو من فيروسات أنشأها العلماء (عمداً أو عن طريق الخطأ)، لكن في أغلب الأحيان لا يتمّ تحديد مصدر أو منشأ المرض، ما يمنح الحبكة مزيداً من الغموض.

“عيون الظلام” تتنبأ بفيروس كورونا؟

مع ظهور فيروس كورونا قبل أسابيع، عادت بقوّة إلى الواجهة بعض روايات الأوبئة القديمة، لأنّه تبيّن للجميع أنّ هذا النوع المستجدّ من الأنفلونزا ليس أقلّ فتكاً من تلك الأوبئة المتخيّلة. من هذه الروايات، مثلاً، رواية الكاتب الأميركي دين كونتز «عيون الظلام». صدرت هذه الرواية في عام 1981، وفضلاً عن كونها رواية من روايات الرعب، فأحداثها تتشابه مع أحداث الواقع الراهن بشكل مثير للدهشة. إذ رغم أنها كُتبت قبل 39 عاماً فإنها تفاجئ كلّ من يطالعها بقدرتها الرهيبة على التنبؤ بالمستقبل، إذ تتحدّث عن فيروس ينطلق من مدينة ووهان الصينية (كذا!)، ويتفشّى سريعاً بشكل خارج عن السيطرة، وهو بالضّبط ما حدث منذ أكثر من شهر، مع ظهور فيروس كورونا في هذه المدينة الصينية تحديداً، قبل أن ينتشر خارج الحدود ويصير خطراً عالمياً متنامياً. وقد اشتهر الكاتب الأميركي دين كونتز دوماً برواياته التي تحمل طابع التشويق والغموض، وتمزج أحياناً بين الرعب والفانتازيا والخيال العلمي، وصنّفت بعض أعماله في قائمة نيويورك تايمز لأعلى الكتب مبيعاً، وهو يبلغ من العمر 74 عاماً، وأصدر حتّى الآن أكثر من 80 رواية. ومن غرائب الصّدف أنّ المختبر الذي تتحدّث عنه روايته، يقع على بعد 22 كيلومتراً فقط من مركز تفشّي فيروس كورونا المستجدّ.

ما علاقة الأوبئة باللغة؟

ربما تكون رواية “نهاية العالم” قريبةً أيضاً مما يحصل هذه الأيام مع فيروس كورونا، وهي رواية كتبها عبقري الرّعب ستيفن كينغ عام 1978. في هذه الرواية، تبدأ نهاية العالم من شيء تافه وبسيط مثل الإنفلونزا لكنّها ليست إنفلونزا عادية، إذ تمّ تعديل هذا الفيروس في المختبرات العسكرية السرّية ليصبح سلاحاً بيولوجياً فتاكاً. تصف الرواية خطوة بخطوة كيف ينهار المجتمع ويصبح شبيهاً بغابة، وكيف يرتقي النّاس المحصَّنون ضدّ المرض إلى مرتبة الآلهة الصغيرة. تتميّز شخصيات الرواية بالمناعة والصّلابة، مثل أغلب شخصيات ستيفن كينغ، على الرّغم من تهديد الإنفلونزا القاتلة الّتي اجتاحت العالم، بحيث يصعب عليهم التهرب طويلاً من المواجهة: فرض الحجر الصحي، وقوع خروقات أمنية وتزايد الاعتقالات، ثم أخيراً سطوة غريزة البقاء الّتي لا تسمح بالنّظر إلى الحياة في شموليتها، وإنّما تركّز على الحلول الفردية الّتي تفرض على الشّخص التفكير في النجاة بجلده أوّلاً، حتّى ولو كان ذلك على حساب جميع البشر.

إنّ “أدب الأوبئة” يمثّل انعكاساً حقيقياً لهشاشة الإنسان، وهو لا يقلّ أهمية عن أي نوع آخر من الأدب الحقيقي. نجد هذا مثلاً عند رائد الخيال العلمي هـ. ج. ويلز في روايته الشهيرة «حرب العوالم»، حينما تخيّل هبوط مركبات تقودها كائنات فضائية متطوّرة، تستعمر الأرض وتستعبد الناس وتجرّدهم من كلّ ممتلكاتهم، بفضل أسلحتها المتقدّمة التي تهزمت بها الجيوش البشرية وتدمّر العمران. لكن، حين يئس الناس واستسلموا للعبودية، حدث ما لم يتوقّعه أحد: بدأت تلك المخلوقات في الهلاك بصورة مفاجئة، وأخذت تتساقط الواحد تلو الآخر من تلقاء نفسها. وبعد البحث والتقّصي اتّضح أنّ المخلوقات الفضائية لم تكن لديها مناعة ضدّ الجراثيم الأرضية، الأمر الذي أدّى إلى إصابتها بأمراض غير معروفة في مجالها الحيوي البعيد، إذ ليست لديها مناعة تحميها على كوكب الأرض. أيضاً تحضر الديستوبيا مراراً في أعمال الكاتبة الكندية مارغريت أتوود، وهو ما نجده مثلاً في روايتها الشيّقة، وغير المعروفة بشكل غريب، “كريك وأوريكس”. وفيها تصف الدّمار إثر طاعون أهلك البشرية، حيث يعيش الناجي الوحيد من البشر في الغابة، ويتطلّع كلّ يوم إلى أنقاض مدينة عظيمة، وأثناء ذلك يتساءل عن معنى وجود الأطفال، وما هو شكلهم، لأنه لا يستطيع تخيُّلهم على الإطلاق. وهنا تطرح أتوود سؤالاً عميقاً بخصوص الهوية الإنسانية: ما علاقة الأوبئة باللغة؟ وتحاول الإجابة عنه بوضوح وألمعية من خلال أحداث هذه الرواية.

“أدب الأوبئة” يمثّل انعكاساً حقيقياً لهشاشة الإنسان . نجد هذا مثلاً عند رائد الخيال العلمي هـ. ج. ويلز في روايته الشهيرة «حرب العوالم»

أخيراً، لقد ألهم هذا النوع من الأوبئة الكثير من الأدباء، وكتّاب الخيال العلمي بشكل خاص، من بينهم مثلاً جورج ر. ستيوارت في رواية “بقايا الأرض”، وهي تصف عالماً خالياً من البشر بعد أن فتك بهم فيروس غريب. ومن الإصدارات الحديثة أيضاً، رواية “إقفال” لجون سكالزي، وهو آخر الكتّاب الكبار في هذا النوع من الأدب، وهي تحكي عن فيروس تظهر أعراضه على شكل إنفلونزا بسيطة، يشبه فيروس كورونا الحالي، إذ يصيب واحداً في المئة فقط من السكان، لكنّه لا يؤدّي إلى الموت وإنّما يشلّ ويجمّد حركة المصاب ويتركه مستيقظاً واعياً، بحيث يصير غير قادر على الاستجابة لأيّ محفّز. من هنا تبدأ رواية بوليسية تجري أحداثها في فضاء مرعب، كما هي الحال اليومَ في مدينة ووهان الصينية.

*****

نهاية العالم برؤى أدبية مختلفة.. من بوكاتشيو حتى ساراماغو/ سارة عابدين

في الوقت الذي ينتشر فيه فيروس كورونا حول العالم ويهدد العديد من الأرواح، نعود إلى ما أنتجه الأدب من أعمال تتحدث عن اجتياح الأوبئة للعالم، وتوقعات الروائيين الخيالية التي ربما تتطابق بشكل ما مع ما يحدث في العالم في وقتنا الحاضر، إذ تعتبر فكرة انتشار الوباء أو قرب نهاية العالم من الثيمات الممتعة التي تجذب القراء مع قدر كبير من الإثارة.

“ديكاميرون” لجيوفاني بوكاتشيو، 1353

“ديكاميرون”، وتعني الأيام العشرة باللغة اليونانية، هي مجموعة من القصص كتبها المؤلف الإيطالي جيوفاني بوكاتشيو في القرن الرابع عشر، وهي عبارة عن 100 حكاية يرويها 10 شباب يحتمون في فيللا منعزلة خارج فلورنسا هربا من الموت الأسود “الطاعون” الذي كان يصيب المدينة.

في الوقت الذي كتب فيه بوكاتشيو “ديكاميرون” كانت إيطاليا تعاني من أزمة هائلة بسبب انتشار الطاعون. شهد بوكاتشيو تفشي الوباء وتأثر شخصيا بسبب موت والده وزوجته، واستغرق منه الأمر 6 سنوات لكتابة القصص التي تنوعت بين الحب والمأساة والإثارة الجنسية ودروس الحياة.

يقضي الشباب 14 يوما في تلك الفيللا المنعزلة، ويروي كل منهم قصة كل ليلة. قدمت القصص في شكل دراما إذاعية مكثفة مدتها 30 دقيقة عام 1945، بالإضافة إلى الفيلم المكسيكي “عام الطاعون” الذي عرض عام 1980، وأخرجه المخرج المكسيكي فيليب كازالز، وكتب السيناريو الخاص به الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز. وفي عام 2016 قدمت الرواية على شكل دراما مسرحية مدتها 60 دقيقة. القصص متوفرة بطبعة عربية بترجمة المترجم الراحل صالح علماني.

“مجلة الطاعون” لدانيال ديفو

“مجلة الطاعون” رواية للكاتب الإنكليزي صاحب “روبنسون كروزو” دانيال ديفو، وهي توثق وتسرد تجارب رجل واحد عام 1665، عندما هاجم الطاعون لندن. يعتبر هذا الطاعون آخر طاعون هاجم لندن بعد سلسلة طويلة من الأوبئة المتقطعة التي نشأت في الصين عام 1331، العام الأول لظهور الطاعون في العالم.

 عرضت الرواية تجارب شاهد عيان للأحداث في ذلك الوقت، وقد بذل ديفو جهدا كبيرا لتدقيق المعلومات، وتحديد الأحياء والشوارع والمنازل، التي وقعت فيها الأحداث، بالإضافة إلى نشر جداول أرقام الخسائر ومناقشة مصداقية الحكايات التي تلقاها الراوي من أصحابها. أثار العمل جدلا كبيرا حوله بسبب قراءته في البداية كعمل غير روائي، واعتبار ديفو مجرد محرر للعمل التوثيقي وليس مؤلفه، لكن بحلول ثمانينيات القرن الثامن عشر تم قبول الرواية ضمن تصنيف الرواية التاريخية.

 تحكي الرواية قصصا مرعبة عن أشخاص سجنوا في منازلهم لأن أحد أفراد أسرتهم أصيب بالمرض، حيث تغلق الأبواب تماما ويرسم عليها من الخارج صليب أحمر. كانت هذه الطريقة في عزل المرضى، تجعل الأصحاء محاصرين حتى الموت، لوجودهم مع أشخاص محملين بالمرض.

 قضت اللوائح وقتها بوضع حارس أمام كل منزل موبوء حتى لا يغادر أصحابه، لكن بالرغم من ذلك تمكن بعض الأشخاص من الفرار عبر أبواب مختلفة في المنازل أو عن طريق رشوة الحارس ليتركهم يهربون.

“قناع الموت الأحمر” لإدغار آلان بو

في هذه القصة التي كتبها الكاتب الأميركي إدغار آلان بو عام 1845 يصيب المرض المعروف باسم الموت الأحمر البلد المتخيل ويتسبب في موت ضحاياه بسرعة وبشاعة. يقررالأمير بروسبيرو إغلاق بوابات قصره لصد المرض متجاهلا ما يعصف بالأرض خارج قصره. بعد عدة أشهر يستضيف في قصره بعض الضيوف في غرف القصر الملونة بألوان فردية. الغرفة في أقصى الشرق ملونة باللون بالأزرق، تليها الغرفة الأرجوانية، ثم الغرفة الخضراء والغرفة البرتقالية والغرفة البيضاء والغرفة البنفسجية والغرفة السابعة والأخيرة سوداء، توجد فيها ساعة من خشب الأبنوس. عندما ترن الساعة يكون صوتها عاليا ومشتتا بحيث يتوقف الجميع عن الحديث، وتتوقف الأوركسترا عن العزف. في منتصف الليل يظهر ضيف جديد يرتدي زيا يشبه الكفن، وقناعا يشبه الجثة ليهاجم الضيوف ويقتلهم واحدا تلو الآخر.

 تعتبر “قناع الموت الأحمر” قصة رمزية تنطوي على مفاهيم فلسفية عن عجز البشر عن الهروب من قبضة الموت، مهما بلغ ثراؤهم أو سرية أماكن احتمائهم، وتؤكد على ذلك عبر معاقبة الأمير بروسبيرو بالموت بسبب اعتقاده أن ثروته قادرة على إنقاذه. تمثل غرف القصر المصطفة سلسلة مراحل الحياة التي تمتد من الولادة إلى الموت والغرفة السوداء تمثل النهاية المشؤومة والساعة تذكر الأحياء بالموت دائما حتى يموت الجميع في نهاية الأمر.

“الطاعون” لألبير كامو

 تحكي تحفة ألبير كامو الروائية عن انتشار الطاعون والرعب والمعاناة التي رافقته أثناء اجتياحه للجزائر في أربعينيات القرن الماضي. نشرت الرواية عام 1947 وهي قصة متخيلة عن مدينة وهران الجزائرية، التي يصل الطاعون إلى سواحلها دون سبب واضح، وتبدأ الفئران في المدينة في الموت بطريقة مروعة. بعد أن تموت كل الفئران يبدأ الناس بالمرض بالطاعون الأسود الذي اجتاح أوروبا في العصور الوسطى، لكن المسؤولين يرفضون الاعتراف بذلك، ويستمر الناس في الموت، ويتم عزل المدينة عن بقية العالم.

 يتحول الناس في المدينة إلى الجنون، ويخبرهم الكاهن أن الطاعون هو عقابهم على آثامهم. يتحصن الناس ببيوتهم، وتعلن الأحكام العرفية بسبب تدهور الأحوال في المدينة. تمتلئ المقابر بجثث الموتى. تتحول كل المباني الكبيرة والفنادق بوهران إلى مستشفيات، ويتحور المرض وتزداد قدرته على العدوى. يموت الكاهن بعد اعترافه باهتزاز إيمانه بعد مشاهدته لمشاهد موت الأطفال.

 في نهاية الرواية يتراجع الوباء ويبدأ السكان في الاحتفال. تفتح أبواب المدينة لجمع شمع الناس بعائلاتهم. تحمل الرواية بين سطورها العديد من التأويلات بداخل الحكاية متمثلة في أفكار الكرم والبطولة والحب والاتصال المتبادل بين البشر، ويمكن قراءتها عبر أزمنة مختلفة دون أن تفقد جمالياتها.

“المنصة” لستيفن كينغ

 نشرت الرواية عام 1978، وهي تقدم صراع الخير والشر المستمر في كل العصور، مع صورة حية لنهاية العالم، يمكن أن تكون صالحة لكل وقت، وترسخ فكرة الحرب البيولوجية التي تعززها نظرية المؤامرة، للقضاء على البشر.

 تبدأ الرواية في قاعدة نائية للجيش الأميركي، حيث يتم إطلاق أحد سلالات مرض الإنفلونزا المختلق بطريق الخطأ. يصيب المرض تشارلز كامبيون فيهرب مع زوجته وابنته إلى تكساس، لكن الجيش يتمكن من العثور عليه، وينشر المرض بالفعل قبل القبض عليه ووضعه بالحجر الصحي. يبدأ المجتمع في الانهيار ويتوقف القانون ويموت الناس بسبب العنف وليس فقط المرض.

 يتوجه بعض الناجين إلى الأم أبيغيل، وهي سيدة مسيحية قديسة تبلغ من العمر 108 أعوام، تتحدث عن الرب وقوى الخير، يتشكل مجتمع جديد مهيأ لمواجهة الخير والشر بأبعاد توراتية، خاصة مع صعود مجتمع مواز آخر يحكمه “فلاج” الذي يمتلك قوة عسكرية، ويستخدم التعذيب والإعدام لفرض سيطرته. في نهاية الرواية تتصاعد الأحداث بين مجتمع الأم أبيغيل ومجتمع فلاج الذي أصبح يهدد المجتمع الروحاني للأم.

 تنتهي الرواية بتساؤل حول ما إذا كان الجنس البشري يمكنه التعلم من أخطائه، مع جواب غامض ومقتضب هو “لا أعرف”.

“العمى” لخوسيه ساراماغو

نشرت رواية “العمى” للكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو عام 1995، وتدور حول مرض غامض ينتشر بسرعة بين البشر، يصفه ساراماغو بالعمى الأبيض، ويصف الأعراض في الصفحات الأولى من الرواية. تقوم الحكومة بعد ذلك بترتيب الحجر الصحي داخل مستشفى مهجور للأمراض العقلية. يتتبع الكاتب الأحداث المروعة لمجموعة من المصابين بقيادة زوجة الطبيب المصاب الأول بالمرض، وهي الشخص الوحيد الذي احتفظ بقدرته على الإبصار. بمجرد أن تزداد الأعداد داخل الحجر الصحي، تنهار الأخلاق والنظم الاجتماعية، ومع ذلك يظل هناك بعض الأشخاص الذين يحاربون من أجل مصلحة الجميع.

 يعتبر العمى في الرواية مرادفاً للجهل وعائقا أمام الفهم، خاصة عندما يشعر الأطباء بالحيرة تجاه المرض وسبب انتشاره. ربما تكون الرواية كئيبة لكنها بالرغم من ذلك مثيرة تتخللها قصة حب وقصة أمل، مع حضور كبير لروح الدعابة في طريقة السرد، ليحقق ساراماغو ذلك المزيج النادر من السحر والخيال والواقع، بالإضافة إلى نهاية سعيدة تعيد الأمل إلى القارئ بعد كل تلك الأحداث المرهقة.

ضفة ثالثة

——————

من التعاويذ الأشورية الأولى إلى «كوليرا» ماركيز: الأدب في زمن كورونا/ محمد ناصر الدين

في اللحظة التي ينتشر فيها فيروس كورونا بسرعة فائقة ويحوّل مدناً بأسرها مثل ووهان الصينية إلى مدينة للأشباح، ويترصد زائري المقامات الدينية وطالبي التبرك والمغفرة في تعداد أنفاسهم وخفقات صدورهم، لم تغِب الأوبئة والأمراض المستشرية يوماً عن أدب الدين والدنيا، من التعاويذ الأشورية الأولى (بالماء قم بتعزيمة/ إيريدو/ احمل اليه مبخرة وشعلة/ بحيث أن شيطان الوباء القائم في جسد الإنسان/ كالماء يتسرّب خارجاً)، إلى سِفر التثنية حيث يتهدد يهوه شعبه المختار بـ «السلّ والحمّى والبرداء والالتهاب والجفاف واللفح والذبول، فتتّبعك حتى تفنيك،… وبقرحة مصر والبواسير والجرب والحِكّة حتى لا تستطيع الشفاء»، إن هو عصى أوامر الرب، مروراً بالتراجيديات الإغريقية والمخيال الإسلامي والعربي الذي وصف فيه نبي العرب الطاعون بـ «وخزة الجن»، وصولاً إلى الأعمال الحديثة العظيمة حول أدب «الوباء»، من «طاعون» كامو إلى «كوليرا» ماركيز، وفانتازيا ساراماغو المدهشة في تحويل العمى إلى وباء معدٍ. الإنفلونزا لم تأخذ بعد مكانها في الأدب مثل الطاعون والزهري والكوليرا والجدري، لكن عزيزي القارئ الذي يحتاج لقليل من العزلة في زمن الوباء، استمتع مع فنجان من اليانسون الساخن بما سنعرضه في «كلمات» من باقة للأدب في زمن «كورونا».

أوديب مَلِكاً

(القرن الخامس قبل الميلاد ـــــ سوفوكليس)

في قلب الأساطير الإغريقية، سيتّخذ مفهوم الوباء بُعده الأسطوري والأدبي. في «أوديب ملكاً»، يجعل سوفوكليس من الطاعون الذي يهاجم مدينة طيبة نقطة الانطلاق التي يشرع منها أوديب في استكشاف قدره. في مواجهة الوباء الذي يتهدّد المدينة، ينتدب أوديب قريبه كريون إلى عرّافة الإعصار في معبد دلفي، لكن الجواب الذي أعطي باسم الإله يشير صراحة إلى وجوب طرد قاتل الملك لايوس، الأب البيولوجي لأوديب، من أجل إنقاذ المدينة. وفقاً لخطة الإله، يكتشف أوديب أنه هو نفسه قاتل أبيه. في أعمال سوفوكليس، لا يقتصر الطاعون على كونه الذريعة التي ستسمح لقدَر أوديب بأن يتحقّق، إنما هو استعارة للعنف واللعنة التي تنتشر في المدينة بطريقة معدية كعقابٍ يستوجب كفّارة عظيمة على قدْر الذنب.

مقطع من «أوديب ملكاً»

(ترجمة عبد الرحمن بدوي):

كريون: ها هو الجواب الذي أعطي باسم الله. إن المولى فوبوس يأمرنا أمراً صريحاً بأن نطهّر النجاسة التي في هذا البلد، وألا ندعها تنمو حتى تصير غير قابلة للعلاج.

أوديب: نعم، ولكن كيف نطهّر أنفسنا منها؟ وما طبيعة هذا الداء؟

كريون: بطرد الجناة، أو بإرغامهم على أن يدفعوا القتل بالقتل، لأن الدم الذي يتكلم عنه هو الذي يُحدث الاضطراب في مدينتنا.

أوديب: لكن أين هم؟ أنّى لنا أن نعثر اليوم على أثر مشكوك فيه لهذه الجريمة العتيقة؟

كريون: إن الإله يقول إنهم في مدينتنا هذه. وما يبحث عنه المرء يَجِدْه؛ وما يُهمله، يُفْلِت.

التراث العربي والإسلامي

(القرن السادس ـ القرن الثالث عشر- الجاحظ، ابن الرومي، الثعالبي، السيوطي)

في قلب التراث العربي والإسلامي، لن يلتزم المؤلّفون حصراً بالمسار الوعظي الداعي إلى استخلاص العبر من الأمراض والأوبئة التي رسمها القرآن في الآية التي تتناول البلاء المسلّط على آل فرعون: «فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ» (الأعراف، ١٣٣)، إنما سنلمس الكثير من الفانتازيا (يقول بورخيس بأن الأدب الديني هو مصدر عظيم للفانتازيا) في المرويات حول الأوبئة مثل الطاعون الذي وصفه الرسول العربي بأنه «وخزة تصيب أمتي من أعدائهم من الجنّ» كما في قصة حزقيل التي يوردها السيوطي في «الدر المنثور». وسنرى شاعراً فذّاً مثل ابن الرومي يجعل من الجدري مادة استيتيقية قبل «أزهار الشر» (وقد تم ربط العنوان بالمرض لما لكلمة mal من دلالة بالفرنسية) لبودلير بقرون. العقل التفكيكي العربي الأبرز، أبو عثمان الجاحظ المشايع للعباسيين لا يتورّع عن استخدام الطاعون للطعن سياسياً على بني أمية، وفي لفتة عبقرية أخرى، يربط الجاحظ بروح علمية موضوعية بين الأوبئة وتقلبات المناخ في تناوله لحمّى الأهواز.

منتخبات من التراث العربي والإسلامي في العلل والأمراض:

قصة حزقيل

(السيوطي، الدر المنثور)

كانت قرية يقال لها داوردان قريبة من واسط، فوقع فيها الطاعون، فأقامت طائفة وهربت طائفة، فوقع الموت فيمن أقام وسلِم الذين أجلوا، فلما ارتفع الطاعون رجعوا إليهم، فقال الذين بقوا: اخواننا كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا سلمنا، ولئن بقينا إلى أن يقع الطاعون لنصنعن كما صنعوا. فوقع الطاعون من قابل فخرجوا جميعاً، الذين كانوا أجلوا والذين كانوا أقاموا وهم بضعة وثلاثون ألفاً، فساروا حتى أتوا وادياً فسيحاً فنزلوا فيه وهو بين جبلين، فبعث الله إليهم ملكين، ملكاً بأعلى الوادي وملكاً بأسفله، فناداهم: أن موتوا فماتوا. فمكثوا ما شاء الله، ثم مر بهم نبي يقال له حزقيل، فرأى تلك العظام فوقف متعجباً لكثرة ما يرى منهم، فأوحى الله إليه أن ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمعت العظام من أعلى الوادي وأدناه حتى التزق بعضها ببعض كل عظم من جسد التزق بجسده، فصارت أجساداً من عظام لا لحم ولا دم، ثم أوحى الله إليه أن ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً فاكتست لحماً، ثم أوحى الله إليه أن ناد أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي فبعثوا أحياء. فرجعوا إلى بلادهم فأقاموا لا يلبسون ثوباً إلا كان عليهم كفناً دسماً، يعرفهم أهل ذلك الزمان أنهم قد ماتوا، ثم أقاموا حتى أتت عليهم آجالهم بعد ذلك.

ابن الرومي في وصف الجدري

(الديوان، ص ١٢٢):

عبثت به الحُمّى فورَّد جسمهُ/ وَعَكُ الحُمّى وتلهبُّ المحرورِ

وبدا به الجدري فهو كلؤلؤٍ/ فوقَ العقيق منضَّد مسطورِ

ونضاه بنثرهِ فجاء كعصفرٍ/ قد رُشَّ رشاً في بياض حريرِ

الآن صرت البدر إذ حاكى لنا/ كَلفَ البدور مواضع التجديرِ

فكخمرةٍ رُشَّت على تفاحةٍ/ أثرٌ يلوح بخدّك المجدورِ

فكأنه ورق المصاحفِ زانهُ /نقط وشَكْلٌ في خلالِ عُشورِ

الثعالبي في وصف الحمّى ومرض الطحال

(ثمار القلوب في المضاف والمنسوب):

حمى الأهواز: قال الجاحظ: قصبة الأهواز مخصوصة بالحمّى الدائمة اللازمة؛ قتّالة الغرباء، على أن حُمّاها ليست إلى الغريب بأقرب منها إلى القريب… ولو كان في العالم ما هو شرٌّ من الأفعى والجرّارات لما قصرت قصبة الأهواز عن توليده وتلقيحه. وبليّتها أن من ورائها سباخاً، ومناقع مياه غليظة، وفيها أنهار تشقّها مسايل كُنفهم، ومياه أنهارهم ومتوضآتهم، فإذا طلعت الشمس فطال مقامها وطالت مقابلتها لذلك الجبل قبل الصخرة التي هي في الجرارات، فإذا امتلأت يبساً وحرارة، وعادت جمرة واحدة، قذفت ما قبِلت من ذلك عليهم، وقد تحدث تلك السباخ وتلك الأنهار هواءً فاسداً يفسد كلَّ شيء يشتمل عليه ذلك الهواء.

طحال البحرين:

في خصائص البلدان عن ثقات التجّار الذين نقّبوا في البلاد: من أقام في البحرين مدّة رَبَا طِحاله، وانتفخ بطنه قال الشاعر:

«ومن يسكن البحرين يعظُم طحالهُ/ ويُغبَط بما في بطنه وهو جائعُ».

الجاحظ في الطعن بالطاعون على بني أمية

(الحيوان ١١٩/٦):

وقد كانت الطواعين تقع كثيراً فتصير تواريخ، كطاعون عمواس، وطاعون العذارى، وطاعون الأشراف وغيرها. ولما ملك بنو العباس رفع الله ببركتهم الطاعون والموتان الجارف عن بني آدم، فإنها كانت تحصد فيهم حصداً، وفي ذلك يقول العماني للرشيد:

قد أذهب الله رماحَ الجِنِّ/ وأذهبَ التعليق والتجنّي

يريد أن ما كان بنو مروان يفعلونه في مطالبة الناس بالأموال، وتعذيب عمّال الخراج بالتعليق والتجريد، قد ذهب.

الحيوانات المصابة بالطاعون

(القرن السابع عشر-جان دو لافونتين)

بعد قرون، يستعيد جان دو لافونتين الطاعون في إحدى حكاياه حول الحيوانات. يشير لافونتين إلى نهر البرزخ، وهو نهرٌ على حدود مملكة الموتى يتعذّر عبوره من دون دفع ثمن ما، ليتم ذكر الطاعون بالاسم في السطر الرابع، وبجملة مقتضبة «الطاعون (بما أنه يجب تسمية الأشياء بأسمائها)/ داءٌ اخترعته السماء في غضبها/ لعقاب جرائم الأرض». من أجل إنقاذ شعبه، يقترح الأسد التضحية بالمُذنب الأكبر من بين الحيوانات. إنه الحمار، الذي ستتم إدانته أخيراً بسبب استقامته الزائدة. يرمز الوباء في قصيدة لافونتين إلى الفساد في السياسة والحكم والإدارة وما يرتبط بها من الكذب والتزلف والنفاق: «موضعك من القوة أو الضعف/ سيجعل أحكام المحكمة بيضاء أو سوداء».

«المسرح والطاعون»

(١٩٣٨، انتونان ارتو)

في هذا النص المنشور في «المسرح ونقيضه»، يجعل انتونان ارتو من الطاعون طاقة إيجابية. يتحول الوباء إلى نوع من الخلاص، حين يتسبب لدى المريض بانهيار كل مرتكزاته المرجعية. القديس اغسطينوس هو أيضاً يقارن المسرح بالطاعون، معتبراً الأخير يفتك بالجسم بينما يفتك الأول بالأعراف. يقول أرتو: «إذا كان المسرح الأساسي أشبه بالطاعون، فالأمر لا يتعلق بكونه معدياً، بل لأنه مثل الطاعون هو نوع من التجلّي، من التظهير، من الدفع إلى الخارج لخلفية من القسوة المستترة تتموضع بواسطتها فوق إنسان أو شعب معين كل الاحتمالات الشريرة للذهن. مثل الطاعون، وُجِد المسرح للإفراغ الجماعي للدّمل. إنه دعوة للروح لهذيان يستثير كل طاقاتها. إن فعل المسرح هو كفعل المرض تماماً في آثاره المفيدة، حين يدفع البشر إلى رؤية حقيقتهم كما هي، وحين يُسقط الأقنعة فإنّه يكشف الكذب، والوهن والدناءة والمكابرة. إن فِعل المسرح الحق يلوي الجمود الخانق للمادة الذي يهيمن على المعطيات الأكثر وضوحاً للحواس، وحين يظهّر للأفعال الجماعية قوتها القاتمة وقدرتها المخفية، فإنه يدعوها لأن تأخذ مقابل القدر موقفاً بطولياً ومتعالياً لم تكن لتظهره لولا هذا الفعل».

«الطاعون»

(١٩٤٧، البير كامو)

في هذا العمل العظيم، يجعل كامو من الوباء الذي يحوم فوق مدينة وهران آليغوريا للحرب. النص الذي نُشر مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية يردّد دونما شك أهوالها لا سيما المرتبطة بمعسكرات الإبادة النازية: في وصف المدافن الجماعية، والجثث المنقولة إلى المقابر بواسطة عربات الترامواي المنحرفة عن مسارها، وتحوّل البشر إلى أرقام، فإن مناخ معسكرات الإبادة يحضر بقوة. يسائل النص ردة الفعل الإنسانية أمام حضور الشر، مذكِّراً أن الأوبئة مثل الحروب، توقظ الغرائز الأكثر بدائية في الإنسان. في هذه الرواية، يستبسل البعض في قتال الوباء ومساعدة المرضى، بينما ينسحب البعض الآخر، أو ينهمك فريق ثالث في استغلال الفوضى والبلبلة المنبثقة من حضور الوباء.

حتّى بعدما اعترف الدكتور ريو أمام صديقه بأن حفنة من المرضى المتفرّقين قد ماتوا بالطاعون، من غير إنذار، فإن الخطر في رأيه ظلَّ غير حقيقي. إذا كان المرءُ طبيباً، كوَّن بكل بساطة رأياً عن الألم، وكان أوسع خيالاً من سواه. وإذ نظر الطبيب من النافذة إلى بلدته التي لم تتغير، شعر بتقزز خفيف إزاء المستقبل الذي يسمونه قلقاً. وكان يحاول أن يجمع في فكره ما يعرفه عن هذا المرض، وكانت هناك أرقام تطفو في ذاكرته، فيقول لنفسه أن الطواعين الثلاثة التي عرفها التاريخ قد كبّدت البشرية زهاء مئة مليون نسمة. لكن ما مئة ومليون نسمة؟ إن من يشترك في الحرب لا يكاد يعرف ما عسى يعنيه رَجلٌ ميت. ولمّا لم يكن للرَجل الميت أي وزن إلا حين يُرى ميتاً، فإنّ مئة مليون جثة منتشرة عبر التاريخ ليست إلّا دخاناً في المخيلة. وكان الدكتور يتذكر طاعون القسطنطينية الذي ذهب ضحيته في يوم واحد، على ما يقول بروكوب، عشرة آلاف شخص. وعشرة آلاف ميت تؤلف خمسة أضعاف عدد الحضور في دار كبيرة للسينما. إن ما ينبغي عمله هو هذا: يُحشد الناس عند مخارج خمس دور للسينما، ويقادون إلى ساحة في المدينة، فيُعمَد إلى إماتتهم بالجملة، وإذ ذاك يتضح الأمر بعض الشيء. سيكون بالإمكان على الأقل وضع وجوه معروفة على هذا الركام المغفل. على أنّ ذلك مستحيل التحقيق طبعاً، ثم من ذا الذي يعرف عشرة آلاف وجه؟ (ترجمة سهيل إدريس).

«الحب في زمن الكوليرا»

(١٩٨٥، غبرييل غارسيا ماركيز)

الأوبئة المعدية ثيمة أثيرة في المنجز الأدبي لساحر ماكوندو. «لطالما أحببتُ الأوبئة»، هذا ما صرّح به ماركيز في مقابلة لجريدة «لوموند» الفرنسية عام ١٩٩٥، مستذكراً الطاعون في «في ساعة نحس» (١٩٦١)، و«وباء النسيان» في «مائة عام من العزلة» (١٩٦٧)، والكوليرا في «الحب في زمن الكوليرا» (١٩٨٥). رغم أن الوباء ليس الثيمة المركزية في العمل المذكور الذي يروي قصة حب في مدينة استوائية، إلا أن الكوليرا تشكل نسيجاً داخلياً للرواية التي تحولت إلى فيلم سينمائي، نسيج يرسم الحائك الماهر عليه فضاءً من الاستعارات. يغرم فلورنتينو أريثا بالفاتنة فرمينا داثا في حقبة مليئة بالندوب ومصاعب الحب، إلا أن القدر سيجعل من فرمينا زوجة لأوربينو جوفينال، الطبيب الذي يقاتل الكوليرا. الحب الذي يكنّه فلورنتينو لفرمينا «يزداد كثافة كلما اقتربنا من الموت» حتى يهزِم المريض كما تفعل الكوليرا. مثل الفيروس، يغزو شبق الحب جسده دون قدرة على التملص منه. عند ماركيز كما عند أرتو، الوباء قيمة إيجابية تسمح للعواطف الخارقة بأن تتطور. إن كان ماركيز يستحضر الخوف أو الحذر تجاه الآخر كعوامل محتملة لنقل المرض، فلإظهار أن وردة الحب يمكن أن تنبت بكل جلالها من تُربة قاتمة. نستذكر المقطع الأخير للسفينة المحاصرة بين شاطئين تعمّهما الكوليرا، سفينة تحمل العاشق فلورنتينو وحبيبته التي ظفر بها أخيراً:

والنتيجة التي وصل إليها «القبطان» بعد سلسلة من الشتائم، هي أنه لا يجد سبيلاً للخروج من ورطة راية الكوليرا التي أدخلوا أنفسهم فيها. استمع إليه فلورنتينو اريثا من دون أن يطرف له رمش. ثم نظر عبر النافذة إلى دائرة أجهزة الملاحة، وإلى الأفق الرائق، وإلى سماء كانون الأول التي لا تشوبها غيمة، وإلى المياه المواتية للإبحار إلى الأبد وقال:

فلنتابع قدماً، قدماً، قدماً، ونرجع إلى لادوردا ثانية. ارتعشت فيرمينا داثا، لأنّها تعرّفت إلى الصوت القديم المضاء بنعمة الروح القدُس؛ ونظرت إلى القبطان: كان هو القدر. لكن القبطان لم يرها، لأنه كان غارقاً في قدرة فلورنتينو أريثا الرهيبة على الإلهام. وسأله:

– أتقول هذا جادّاً؟

فقال فلورنتينو اريثا:

– منذ ولدت لم أقل كلمة واحدة غير جدّية.

– نظر القبطان الى فيرمينا داثا ورأى في رموشها البريق الأول لصقيع شتوي. ثم نظر إلى فلورنتينو اريثا، بتماسكه الذي لا يقهر، وحبّه الراسخ، وأرعبه ارتيابه المتأخر بأن الحياة، أكثر من الموت، هي التي بلا حدود. سأل:

– إلى متى تظن بأننا نستطيع الاستمرار في هذا الذهاب والإياب الملعون؟

كان الجواب جاهزاً لدى فلورنتينو اريثا منذ ثلاث وخمسين سنة وستة شهور وأحد عشر يوماً بلياليها. فقال:

– مدى الحياة. (ترجمة صالح علماني)

«العمى»

(١٩٩٥، خوسيه ساراماغو)

في نوع من الفانتازيا الجامحة، يتحول العمى في رواية ساراماغو إلى وباء معدٍ، واللحظة التي يضرب فيها الوباء عيون كل الأشخاص هي بمثابة الحجر الذي يسقط في البحيرة لتتمركز حوله كل دوائر الحبكة من بعدها. على منوال كافكا الذي يتحول غريغور سامسا في روايته «المسخ» إلى صرصار، نشهد في «العمى» تحول مجتمع بأكمله إلى عميان، ليركز ساراماغو على خلية مجهرية في هذا المجتمع، مؤلفة من الطبيب الأعمى وزوجته المبصرة الوحيدة التي تمثل التضامن الإنساني واستثناء الرؤية-الأمل في الرواية، وسط العمى الجماعي الذي ببراعة يرشدنا ساراماغو إلى أنه يقود إلى التوحش والغرق والقذارة والتلوث والعفن والتفسخ والموت:

«كل الصور في الكنيسة قد غطّيت أعينها أيضاً بلصاقات بيض، وعُصبت أعين التماثيل بقماشة بيضاء ربطت حول رؤوسها، أما الرسومات فقد طُليت أعين من فيها بطلاء أبيض […] إني أتخيل ذلك الشخص يدخل إلى هنا من عالَم العميان، ذلك العالم الذي إذا ما عاد إليه فسوف يعمى. أتخيل الأبواب المغلقة، الكنيسة المقفرة، الصمت. أتخيل التماثيل، الرسومات، إني أراه ينتقل من واحدة إلى الأخرى، يصعد المذابح، يربط العصابة البيضاء ويعقدها عقدتين كي لا تنفك أو تنزلق، يضع فوق أعين الرسومات طبقتين من الطلاء الأبيض كي يجعل الليل الأبيض الذي يغرقون فيه كثيفاً، لا بدّ أن ذلك القسّ قد ارتكب أسوأ تدنيس للمقدّسات في كل العصور والأديان، إنه الإنسان الأكثر عدلاً وتطرفاً، يدخل إلى هنا ليعلن أن الله الكلّي القدرة ليس جديراً بأن يرى. لم يُتح لزوجة الطبيب أن ترد، فقد سبقها إلى الكلام شخص ما بجانبها. ما هذا الكلام الذي أسمع، من أنتِ؟ عمياء مثلك قالت. لكني سمعتك تقولين إنك تستطيعين أن تري. هذه مجرّد طريقة في الكلام من الصعب التخلي عنها، كم مرّة سأردد هذا القول؟ وما هذا الكلام عن عصابات فوق أعين الصور. هذه هي الحقيقة. وكيف عرفتِ ذلك ما دمتِ عمياء. ستعرفه أنت أيضاً إذا ما فعلت كما فعلتُ أنا، فاذهب إليها والمسها بيديك. فاليدان هما عينا الأعمى. ولماذا فعلت ذلك. لأني أعتقد أنه كي نصل إلى ما وصلنا إليه فلا بدّ من وجود شخص ما آخر أعمى. وتلك القصة عن قسّ الأبرشية الذي عصَبَ أعين الصور، إني أعرفه جيداً، فهو لن يقوى على فعل شيء كهذا. أقول لك مقَدماً أنتَ لا تعرف ما يستطيعه الناس، عليك بالانتظار، أن تمنحهم الوقت، فالزمن هو الذي يحكم، الزمن هو المقامر قبالتنا على الجانب الآخر من الطاولة، وفي يده كل أوراق اللعب، وعلينا أن نحزر الأوراق الرابحة». (ترجمة محمد حبيب)

ملحق كلمات

============================

—————————————

تحديث 15 أذار 2020

——————————————–

هل هناك أحد يخفي كورونا؟/ فاطمة ياسين

تعلن منظمة الصحة العالمية، قبل أيام، مرضَ كورونا جائحة عالمية، وتوضح أن ذلك لا يعني أنه أصبح داءً متمكّناً وخارجاً عن السيطرة، وإنما مرضاً منتشراً على رقعة جغرافية واسعة تغطي قارات العالم. وقد أعلنت دولٌ كثيرة عن تسجيلها حالات إصابة بالفيروس، وحالات وفاة بسببه، ربما كان أكثرها في الصين وإيطاليا وإيران. وشدّدت منظمة الصحة على أن مواجهة هذا الفيروس العابر للحدود تتطلب جهوداً حكومية، وإجراءات احترازية جماعية، تتضمن عزل المصاب أو المشكوك بإصابته.. لم نطالع إعلاناً عن حالاتٍ مصابةٍ بالفيروس الخطير في دول عديدة من بينها سورية، على الرغم من أن كل الدول المحيطة بها، والمتداخلة بحركة تنقل معها، قد أعلنت عن إصاباتٍ. وفي إيران، حيث ينتشر الفيروس طولاً وعرضاً حتى أصاب مسؤولين على عدة مستويات، قبل أن يعلن عن موت عضو في البرلمان وعضو في مجلس تشخيص النظام، بعد الإصابة بالفيروس الجديد. وسط كل هذه الفوضى الصحية تلتزم المنصّات الإعلامية التابعة للنظام السوري الصمت.

يتخذ النظام دور الكائن المعقم العصي على كورونا، على الرغم من كل ما نعرفه عن سلوكيات مرافقه الصحية ومستوياتها المتدينة، ووسائل إعلامه التي تتعامل مع الجائحة كأنها طُرفة، وتتقمّص أحياناً دور الواعظ الحكيم، فتوزع إرشادات الوقاية، في إشارة إلى الخلو التام من المرض، على الرغم من أن حركة النقل في مطاراته لا تنقطع فيها الطائرت الإيرانية عن التدفق بكثافة، مع كل التحذيرات العالمية لتنفيذ إجراءات الحد من انتشار المرض. ولكن على العكس، فوزير الصحة لدى النظام اعتبرها فرصةً للتأكيد على فعالية الجيش في مكافحة “الجراثيم”، من دون أن يلفت أحد نظره إلى أن كورونا هو فيروس، وأن الأمر جدّي، وليس مناسبةً لإعلان الولاء.

أقام العالم مباريات رياضية عديدة مهمة من دون جماهير، كما تم تأجيل معظمها، والقرار المستفز هو الذي اتخذه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بوقف الرحلات القادمة إلى بلاده من أوروبا، عدا بريطانيا التي لا يعتبرها أوروبية، على الرغم من التثبت من إصابة وزيرة الصحة فيها بالمرض، في حين أن صحيفة تشرين التي يصدرها النظام السوري تعرض خبراً عن ارتفاع مؤشر دمشق للأوراق المالية بسبع نقاط (!)، وسط أخبار الهلع العالمي، وانخفاض مؤشرات أسواق المال، وإفادات وكالات الأنباء التي تنقل أخبار انتقالات الفيروس السريعة.

حساسية النظام الإعلامية ضد نشر الأخبار حالة مزمنة، وكأن المعلومات سلاحٌ خطيرٌ يتم التعامل معه بحرص وسرّيةٍ وتكتم محموم، مهما بلغت درجة أهمية نشر المعلومة. ونحن هنا نتحدث عن حالةٍ غير عادية، تتطلب تعاملاً شفافاً وصادقاً مع الجمهور، مع تحديثٍ آنيّ للمعلومة يبنى عليها فرض إجراءاتٍ على مستوى الدولة، ولكن هذه الدولة ما زالت تعيش عهدها الخشبي في السبعينيات، عندما كانت تمتلك قناة تلفزيونية واحدة ومحطة راديو يتيمة، تمرّر عبرهما فقط ما تريد للمواطن أن يعرفه. وكما كانت في السابق تتستر على أوبئة موسمية ضربت سورية، كالكوليرا والسل، وحصدت أرواح المئات، تمارس الآن اللعبة ذاتها بالاختفاء وراء ترف نقل أخبار انتشار كورونا في الجوار، وكأنها تعيش في كوكب بعيد.

في مرحلة مبكرة من عمر هذه الدولة المتكتمة، والتي تفرض الصمت على أبنائها، كَسَرَ الشاعر المتمرّد ممدوح عدوان حدة هذا الصمت، وتحدث في مؤتمر خاص لما كانت تسمى الجبهة الوطنية التقدمية، بجرأة نادرة، لم يعتد النظام أن يشهد مثلها فقال: الأنظمة السياسية كذابة لذلك لا يصدقها (الشارع)، لا يصدِّق بياناً عن معركة بعدد الشهداء، ولا يصدّق حتى درجات الحرارة القصوى والصغرى. الإعلام كمعبّر عن السلطة يكذب أيضاً، أنا أشتغل في إعلام أخجل منه لأنه يكذب بهذا المقدار، يكذب بدرجة الحرارة، يكذب بإخفاء الكوليرا، وهل هناك أحد يخفي الكوليرا؟

اليوم وبعد أربعين عاماً على صرخة الشاعر تلك، نجدنا نسأل: هل هناك أحد يخفي الكورونا؟

العربي الجديد

———————————————

الجحيم المستمر: وفي آذار سوريا التاسع حلّ كورونا/ يوسف بزي

بلاء البشرية بوباء كورونا، أتى حدثاً منفرداً على دول ومجتمعات “طبيعية”. بدأ فيها حالة ناشزة في سيرتها اليومية، ونافرة فوق مشاكلها وهمومها وهواجسها السياسية أو الاقتصادية والاجتماعية. خطر استثنائي غير معتاد في سياق المخاطر التي تكيفت معها: حوادث السير، جرائم القتل الفردية، انهيار ثلجي، سقوط طائرة، غرق سفينة، انهيار مبنى على سكانه، حريق غابات، إعصار عنيف، أو حتى وقوع زلزال..

هناك، في المجتمعات “الطبيعية” ثمة معايشة متوازنة مع حقيقة الموت. بل ثمة غلبة للحياة بكل متاعبها وصخبها وقلقها. هناك ثمة “غد أفضل” مأمول، وربما في متناول اليد. ويحدث أن نرى منسوباً معقولاً من الوئام الاجتماعي، من حضور للحب، وللتسامح والتعاطف. منسوب من الطمأنينة السياسية، إذا صح التعبير. وبالتأكيد هي موصوفة كمجتمعات “طبيعية” لتوافر الكرامة لمواطنيها وحقوق إنسانية أساسية غير معرضة للانتهاك، مصانة دستوراً وأعرافاً وقيماً أخلاقية. بعبارة أخرى هي بلاد “مستقرة”.

فوق كل هذا، مغالبة الحدث الطارئ أو مواجهة الكوارث العارضة، وإدارة الأزمات، إنما هي “فرصة” تُمتحن فيها جدارة الدولة وأجهزتها كما جدارة النظام السياسي والاجتماعي وقيمه ومعتقداته وسلوكه العام.

أما نحن، أهل البلاد المنكوبة والمجتمعات المريضة والدول الفاشلة، فبلاؤنا بوباء كورونا جاء تتويجاً لكوارث متلاحقة ومترافقة مع بعضها البعض، على مثال العقاب التوراتي. فاجتماع الحقارة السياسية

والفساد الاقتصادي والاضطرابات والحروب والانهيار الأخلاقي عدا انحطاط الدولة ومؤسساتها، مع جائحة مثل “كورونا”.. ليحيلنا كل هذا إلى كابوس يُضاف فوق كوابيسنا، ويرخّص حياتنا فوق رخصها الأول، ويحطمنا فوق حطامنا السابق، في مشهد قيامي (أبوكاليبسي) أشبه بأزمان الطواعين وأهوالها.

وعلى نحو عياني لما نحن فيه، سنجد مئات الآلاف من اللاجئين محشورين ومتكدسين في مخيمات بائسة، تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط الصحية. وتنعدم فيها القدرة على الحماية الشخصية أو الخصوصية الفردية. وتفتقر إلى مقومات النظافة العامة والبيئة الملائمة للعيش الكريم، وللأمن الغذائي وللطبابة والعناية. تتسم بالفقر المدقع والحاجة الدائمة للوقاية من المرض. هؤلاء نُكبوا بالتهجير وبضياع أرزاقهم وأموالهم ومواردهم، ومعظمهم فقدوا أفراداً من عائلاتهم أو حتى معيلهم وراعيهم، فكثر أيتامهم وأراملهم وتفاقم عجزهم وعوزهم. وقبل هذا، خسروا بلادهم وذاقوا الذل والهوان وانتهكت كرامتهم.. مشردين بائسين في بلدهم وفي منفاهم. هؤلاء الذين تعرضوا للاضطهاد السياسي، الجسدي والمعنوي، ولأهوال الحرب وصدماتها، وحُشروا في الفقر وسوء التغذية، وأُخرجوا من أرضهم، وتكاثرت بينهم الأمراض وانهالت عليهم مصائب لا تُحصى، إلى حد الاختناق باليأس.. يقفون اليوم عراة بلا حماية أمام جائحة كورونا.

وإذ نرى العالم كله يواجه فيروساً لئيماً، كحدث استثنائي وطارئ يجمع البشرية في مصابها، على صورة استنفار أنظمة الاستشفاء، وإجراءات التعقيم وحظر التجول أو التجمع، وإقفال الفضاءات العامة، والإجراءات في المطارات ووسائل النقل، واستنفار الأطقم الطبية، وتقارير أعداد الإصابات والوفيات اليومية، والحملات الإعلامية والميدانية.. فهناك أيضاً صورة أخرى خاصة بنا، في مخيمات اللاجئين وخارجها: صورةُ مضاعفةِ الجحيم والرعب والموت.

هناك في العالم سبب واحد وموت واحد. وهنا عندنا أسباب كثيرة وموت أكثر.

أن نُبتلى بمجرم كبشار الأسد، بجيش البراميل المتفجرة والصواريخ الكيماوية والمجازر وقصف المستشفيات واغتيال الأطقم الطبية، بعصابات مخابرات التعذيب والتنكيل والإعدامات الجماعية والاغتصاب والتوحش السادي. أن نُبتلى باحتلالات ميليشيات مذهبية تستبيح البشر والحجر والزرع. أن نُبتلى باحتلالات جيوش القسوة الأجنبية والقتل اليومي والمهانة الوطنية. أن نبتلى بجماعات التكفير والذبح والتعصب القاتل.. أن نُبتلى بغياب الرحمة والعطف وانعدام الوئام الاجتماعي وبعداء “الدولة” لمواطنيها.. أن نُبتلى بفقدان البيت والأمان وفقدان الأحبة والأصدقاء.. أن نبتلى بالفقر المدقع وضياع المستقبل وتبدد الأمل، إلى حد فقدان الرغبة بالحياة. وفوق كل هذا مصائب لا تُحصى، فردية وجماعية، في هذه الحروب المتناسلة منذ تسع سنوات.. ثم يأتي “امتحان” بلاء كورونا!

هذا هو جحيمنا الخاص، جحيم سوريا. وهذا ما يخرجنا عن العالم السوي ومشهده المريض اليوم.

على هذا النحو يستمر الاستثناء السوري، لعنة ونكبة مستمرتان، عقاباً يمارسه نظام آل الأسد تحطيماً وقتلاً بلا رحمة لتلك الـ”سوريا” التي أرادت ذات آذار أن تلاقي المستقبل، أن تفتح باباً للحرية وللكرامة، أن تبدأ السير نحو دولة لمواطنيها، نحو مجتمع موفور الكرامة والأمان والرعاية، مجتمع حكم القانون ومبدأ المساواة.

كان الحلم أن تصير سوريا، ببساطة، دولة “طبيعية”، تغلب عليها معاني “الحياة” بمتاعبها وصخبها وقلقها ومرحها ودموعها وضحكاتها، وتشعر أنها جزء من العالم، وتشاطره حتى المشاهد الأليمة أو القصص البطولية والإنسانية في مواجهة وباء كورونا أو غيره من الكوارث التي لا راد لها.

ما حُرم منه السوريون طوال عقود، وعوقبوا عليه منذ تسع سنوات، منذ التظاهرة الأولى والهتاف الأول، هو أن يكونوا “مواطنين” تقف همومهم عند مساءلة الحكومة في تقصيرها أو تقاعسها بحمايتهم من مرض أو أزمة. أن يبدو “كورونا” منغصاً لعيشهم واستقرارهم، وحدثاً طارئاً على عاديات يومياتهم ومخالفاً لنمط عيشهم، لا أن يأتي وكأنه شقاء إضافي.. نزولاً أكثر في طبقات جحيمهم.

في ذكرى ذاك الربيع المغدور، ومع كل الألم المخزون في نفوسنا، ليس للسوريين سوى مشاطرة العالم مآسيه وإبداء التعاطف صوناً لإنسانيتنا، لمعنى ثورتنا، عسى أن يبادلنا هذا العالم – في لحظة وعيه بوحدة المصير البشري – خيراً وعطفاً وخلاصاً من بلائنا.

تلفزيون سوريا

—————————————-

فيروس يحاصر النظام العالمي/ حسام كنفاني

بات العالم يعيش خلف أبواب مغلقة، ممكن أن تلخص هذه العبارة الحالة التي وصلت إليها الأمور في دول كثيرة، بعد اجتياح فيروس كورونا البلاد والعباد، من دون القدرة، حالياً، على الحد من انتشاره. ربما لم يشهد العالم، منذ الإنفلونزا الإسبانية في عام 1918، هذه الحالة من الهلع العام، والانتشار الكبير للفيروس. حتى عند انتشار فيروسات سارس وإنفلونزا الطيور وإنفلونزا الخنازير، لم تصل خطورتها إلى مدى الوباء العالمي الذي لم يضرب البشر فحسب، بل هو في طريقه إلى القضاء على الاقتصادات والنظام العالمي الذي بات محاصراً.

النظام العالمي بأشكاله المتعددة بات على شفير الانهيار، فالنظام المالي الرأسمالي، وتبعاته من حرية التجارة والاحتكارات، لم يعد بإمكانها الاستمرار في ظل التحولات التي يشهدها العالم، وحالة الإغلاق التي تعيشها الدول. وهذا النظام قد يكون الضحية الأولى لكورونا في الأشهر المقبلة، بعدما بدأت الدول تخرج الأموال من احتياطاتها النقدية لتغطية الخسائر الكبيرة التي منيت بها الشركات، الكبيرة والصغيرة على حد سواء. فالإغلاق ما عاد يقتصر على البشر، بل حتى على بضائع عديدة، بعدما أثبتت الدراسات العلمية أن الفيروس يتنقل على الأسطح، ويمكن أن يبقى عليها 24 ساعة، ما يعني أنه يمكن أن يدخل عبر السلع وليس البشر فقط.

العولمة كنظام نظّر له الأميركيون كثيراً، واعتمدوه في مواجهة الاتحاد السوفييتي السابق، في طريقها إلى الاندثار، فالعالم لم يعد قرية صغيرة، واللكزيس وشجرة الزيتون، بحسب ما اعتمد توماس فريدمان في تبسيطه العولمة، لم يعد بإمكانهما الالتقاء. العالم اليوم بات قرى مغلقة على نفسها، تحاول الاعتماد على ما لديها من مقومات للصمود في وجه الفيروس المستجد. الأمر قد يكون متفاوتاً بين دولة وأخرى، بحسب معايير التقدم، لكن الأمر سيكون أصعب على دولة دون أخرى.

إلى الآن لم نر تأثير الفيروس على السياسات العالمية، والتدخل في الدول الذي كان سائداً قبل انتشار الفيروس، لكنه بلا شك سيكون له تأثير في مقبل الأيام، بعد حالة التقوقع التي اتخذتها الدول، ومحاولتها النجاة بنفسها فقط في مواجهة الجائحة العالمية. قليلة هي إلى اليوم مبادرات التكافل بين الدول، بعدما باتت معظم الدول بحاجة إلى مساعدات، إلى حد ما، وخصوصاً تلك التي تعيش في الأساس وضعاً اقتصادياً صعباً.

العزل العالمي اليوم مرتكز على الدول الغربية والشرق الأوسط، بعدما كان بداية في الصين ودول شرق آسيا، والتي تقول إنها تمكنت من مواجهة الجائحة والتغلب عليها. غير أن انعدام الشفافية لدى كثير من الحكومات في تلك المنطقة، وخصوصاً الصين، يثير شكوكاً حول حقيقة الإعلانات المتتالية عن تراجع الإصابات، وما إذا كانت فعلية أو محاولة لإنقاذ البلاد من الانهيار الذي وصلت إليه بفعل توقف الصناعات والتصدير. الأمر الذي يبقي على حالة التشكيك من الدول الغربية بالإجراءات الصينية، ويحول دون عودة الحركة التجارية معها إلى ما كانت عليه.

حال الإغلاق العالمي الحالية في طريقها إلى التصاعد، والدول التي لم تتخذ مثل هذه الإجراءات، تبدو ذاهبة إليها في مقبل الأيام، رغم المخاطر الاقتصادية التي قد تنجم عنها، غير أنه لم يعد هناك خيارات كثيرة في المواجهة، فهذا الفيروس الذي لا يمكن أن يرى بالعين المجرّدة، فرض حصاراً على العالم لم يسبق له مثيل، وبات في طريقه لإسقاط النظام العالمي، بانتظار ظهور ملامح أي نظام بديل سيحلّ محله.

العربي الجديد

——————————————-

سلافوي جيجيك: كورونا آخر مراحل الرأسمالية/ سعيد محمد

يقول الاقتصادي الفرنسي توماس بيكتي في كتابه «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» بأن الفجوة الاقتصادية بين الأثرياء وبقيّة البشر ما لبثت تتسع في معظم فترات العصر الرأسمالي، ولم تعتدل سوى مرتين: خلال الحربين العالميتين. قبله، كان الأميركي فريدريك جيمسون أهم ناقدي الرأسماليّة المعاصرة قد اعترف أيضاً بالإمكانيّة اليوتوبيّة للكوارث الكبرى، حين تجد البشريّة نفسها في مواجهة حقيقة أن الجميع يبحر في وجه العاصفة في ذات المركب المثقوب.

سلافوي جيجيك (1949)، نجم روك الفلسفة في الإعلام الغربي، والمشغول هذه الأيّام بكارثة الكورونا، لم يتأخّر عن طرح الفكرة مجدّداً: قد يكون الفيروس العجيب اللحظة الحاسمة التي ستقضي على المنظومة الرأسمالية الفاجرة بعد أن يجد الجميع – وبثمن باهظ من آلاف وربما ملايين الإصابات – أن العالم لم يعد بإمكانه المضي بأدواته وطرائقه القديمة، وأنّ ثمّة تغييراً جذريّاً ينبغي أن نقدم عليه كمجموعة بشريّة. وبالطبع عند جيجيك ــ كما دائماً ـ يجب أن ننتقل إلى الشيوعيّة.

شيوعيّة جيجيك ـــ مهما غلّفها بأوراق ماركسيّة حمراء ـــ ليست حتماً الشيوعيّة الجذريّة بالمفهوم الكلاسيكي، بل هي نوع ملطّف هلاميّ غير محدد المعالم، يخضع لنظريّة الأواني المستطرقة، وبالتأكيد ليس عنيفاً ولا ثورياً، ويبدو أقرب إلى مهدئ أعصاب تتناوله البشريّة بعدما وصلت الرأسماليّة إلى نهاية الطريق، ومن النّوع الحنون الذي يتقبله مستهلكو الإعلام الغربي ــ المحكومون بالليبراليّة ــ واليساريون البرجوازيّون: قاطرة ماركس تقول بأن محطة التاريخ التالية بعد استنفاد الرأسماليّة لنفسها ستكون الشيوعيّة ـ اليوتوبيا. إذن، فلينزوِ كلّ منا في معزله المنزلي الذاتي مع أكوام من ورق التواليت والمنظفات والباستا، بينما نتابع على الهواء مباشرة وقائع وصول القطار إلى محطته التالية: يوتوبيا نهاية التاريخ. جيجيك يسمي تلك المحطة (الحتميّة) «الشيوعيّة»، مستفيداً بالطبع من الاستفزاز الثقافي الذي تحمله اللفظة في العقل الغربي بعد مئة عام من البروباغندا المضادة للمشروع الاشتراكي – بتجاربه المتعددة – ليستقطب جمهوره الأثير: طلبة الجامعات الغربيّة المراهقون المتمردون حكماً على كل سلطة أبويّة.

منذ نشر أوّل كتبه بالإنكليزّيّة في 1989 وفي عشرات المحاضرات والنقاشات الاستعراضيّة التي قدّمها عبر العالم، تجنّب جيجيك دوماً تقديم أيّ توصيف محدد للبديل الذي يطرحه في مواجهة التأزّم الثقافي والاجتماعي والاقتصادي للرأسماليّة المتأخرة. مستفيداً من قدرته الاستثنائيّة على الإمتاع والمؤانسة، والتّلاعب بالمصطلحات والسخريّة، هو قادر على الثرثرة لساعات من دون أن يقول شيئاً. في عزلته ـ متاهته الاختياريّة هذه الأيّام، وهو مهدّد شخصياً بالكورونا سواء لانتمائه لمجموعة عمريّة ليس بمقدورها تحمّل أعراض المرض (71 عاماً)، ويعاني من أمراض تنفسيّة مزمنة، ترافقاً مع منع السفر، وإلغاء معظم الأنشطة والمحاضرات العامة، بدأ يزيح النقاب أخيراً في مقالات أسبوعيّة ينشرها له موقع تلفزيون «روسيا اليوم» (بالإنكليزيّة) عن ملامح نظام جديد لما بعد الكورونا.

ويا ليته لم يفعل. شيوعيته الموعودة ليست بعد كل هذا الوقت سوى فاشيّة دوليّة جديدة، نوعاً من إمبرياليّة بلا عنوان بريدي محدد، إمبرطوريّة معولمة على نسق تهويمات أنطونيو نيغري ومايكل هاردت في ثلاثيتهم المشهورة «الإمبراطوريّة»، وبيروقراطيّة فوق السيادات المحليّة أشبه بمنظمة الصحة العالميّة وقد منحت صلاحيّات شرطيّ العالم، فكأننا صحونا فجأة لنجد أنفسنا على متن سفينة فضائيّة في مسلسل «حرب النجوم»: لا ندري كيف انتهت الرأسماليّة ووصلنا إلى الدولة الفاشيّة العابرة للكواكب، ولا نعرف تحديداً من يتّخذ القرار النهائيّ وراء الكواليس، على الأقل في منظمات الأمم المتحدة لدينا فكرة ما بشأن ذلك.

بالتأكيد، انعطافة كورونا تمتلك كلّ المؤهلات لتكون نقطة تحوّل في مسار التاريخ، ولم نكن ـ كمجموعة بشريّة ـــ أقرب إلى الاعتراف بفشل النظام العالمي الحاليّ وعجزه البنيوي عن التعامل مع الأقدار منا اليوم. لكنّ الإطار النظريّ للانتقال نحو الإطار البديل، يوتوبيا الحقبة التالية، بحاجة لأكثر بكثير من تهريج جيجيك وفاشيته المستحدثة. في الحقيقة، هذا السلافوي العجوز جزء أساس من «القديم» الذي يواجه الموت، ولم يعد لديه – من متاهة عزلته الأخيرة – ما يقدّمه للعالم الجديد الشجاع الذي لم يولد بعد.

——————————————-

التفكير في زمن كورونا/ رشيد بوطيب

يهدّد فيروس كورونا بالعودة بالبشرية إلى عالم الضرورة الذي اعتقدنا لزمن أنّنا تخلّصنا منه، أو أننا نتحكّم فيه بشكل مطلق، كما يُهدّد بانهيار بنيان الأبرتهايد، الذي يقسّم البشرية بين من يملك تاريخاً ومن يعيش خارجه، بين جنوب فقير وشمال غني، بين من يملكون ومن لا يملكون.

هل يحق لنا أن نفكر في كورونا فلسفياً؟

يقول الفيروس الجديد الشيء الكثير عن انفصام عرى العلاقة بين الإنسان والطبيعة، ويقول أكثر عن انفصامها بين الإنسان والإنسان، وعن أيديولوجية استهلاكوية، تتلاعب بالمصير البشري، وما يُخيف في كلّ ذلك أنها تحوّلت إلى نوع من الديانة المعاصرة. بل حتى الذين يدينون بآلهة قديمة، لا يدينون بها إلّا من خلال اللغة والفكر والتصوّرات والرموز والأشكال الحياتية التي تُؤسّس لها هذه الديانة الجديدة، سواء كانوا واعين بذلك أم غير واعين.

سيكون لانتشار فيروس كورونا تأثير على تصوّراتنا واعتقاداتنا، ولربما سيكون أول أمر يدفعنا لإعادة النظر به هو تصوّرنا عن الحرية الفردية، بل إن هذا الفيروس وانتشاره، كما سيعبر الفيلسوف الأخلاقي ميشيل ديبويي، إلى جانب التغيّرات المناخية، يؤكّد بأننا نعيش في العالم نفسه، وأنه لا يمكننا تجاوز مخاطره إلّا مجتمعين، وأكثر من هذا، فإن الفيروس برأيه “يعيد الطبيعة إلى مركز اللعبة”. لكن هل ستقبل الرأسمالية في نسختها النيوليبرالية بذلك، هي التي اختزلت علاقتنا بموضوعات العالم في الحرب والملكية والاستهلاك؟ أم لربما سترغمها الطبيعة على ذلك؟

يكتب ميشيل سير في “العقد الطبيعي” (1990)، وفي نوع من الرؤيوية، كما لو أنه يكتب عنّا اليوم: “لقد أصبحنا، بحكم تحكُّمنا المفرط في الطبيعة ضعفاء أمامها، حتى إنها تهدّدنا هي بدورها لتسيطر علينا. فمن خلالها ومعها وداخلها نقتسم القدر نفسه. وأكثر من كوننا نملكها، ستملكنا هي بدورها، كما في القديم، عندما كنّا نخضع للضرورات الطبيعية، لكن مع فارق نوعي: في الماضي، كان الخضوع محلياً، أمّا اليوم فسيكون عالمياً. لماذا ينبغي لنا، منذ الآن، البحث عن التحكّم في تحكّمنا؟ لأن تحكّمنا لم يعد منضبطاً ولا مقنّناً، ويتجاوز هدفه، بل أصبح ضد الانتاج. لقد انقلب التحكّم الخالص على نفسه”.

وفي لغة هيدغرية، يمكننا أن نقول: “يتوجّب على الفانين بدءاً وباستمرار، البحث عن جوهر السكن. يتوجّب عليهم أن يتعلّموا في البدء كيف يسكنون”. (مقالته “البناء، والسكن والتفكير”، 1951). ولربما يتوجّب عليهم بدءاً أن يتعلّموا ما هو أكثر من ذلك، كيف يقتسمون سكنى العالم مع الآخرين، وبلغة أخرى، كيف يتجاوزوا وثنية المكان.

هذا ما سينتبه إليه سلافو جيجك، وإن بعيداً عن هيدغر، وهو يتساءل في مقال حول فيروس كورونا (“حلمي عن ووهان”، صحيفة “دي فيلت” الألمانية، 22. 01. 2020): “لماذا هذا الهوس بفيروس كورونا اليوم، وقد عرفت مناطق من العالم فيروسات أكثر خطورة والآلاف من البشر يموتون يومياً بسبب أمراض أخرى؟”، لكن إذا وافقناه الرأي في مشروعية هذا السؤال، فإننا لا نقتسم رأيه الذي يقول بحاجتنا إلى “شيوعية جديدة” من أجل تجاوز هذا التدمير الرأسمالي المستمر للعالم، لأن الشيوعية هي الأخرى، ابنة العقل الديكارتي الذي يقوم على التحكّم والتملّك، كما وصفه ميشيل سير.

سينشر آجامبن في اليومية الشيوعية “المانفستو” (عدد 26 فبراير، 2020) مقالاً حول الفيروس الجديد بعنوان: “حالة الاستثناء التي أثارها طارئ غير حقيقي”، وفيه يعتبر الفيلسوف الإيطالي بأن الأمر يتعلّق بفيروس أخطر قليلاً من أنفلونزا عادية، وأنّ الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإيطالية مبالغ فيها، بل هي نتيجة لنية مبيّتة، تهدف إلى توسيع مدى السيطرة على المواطنين والحد من حريتهم.

إنّ مقاله يذكّرنا بما كتبه في “حالة الاستثناء”، الذي ظهر بُعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، مؤكّداً أن حالة الاستثناء التي يتمّ فيها تعليق العمل بالدستور أو القانون، أضحت حالة دائمة، وليست استثنائية، إذ حسب آجامبن، فبعد استهلاك سردية الإرهاب كسبب لاتخاذ إجراءات فوق أو خارج القانون، فإنّ اختراع فيروس جديد، يمكن أن يوسّع من مدى السيادة بشكل يتجاوز كل حدود. لكن المقارنة هنا بعيدة عن الواقع، فصناعة الإرهاب موجّهة، ومتحكّم فيها، وهو ما لا يمكن أن نقوله عن فيروس كورونا.

وفي الواقع، فإن الأمر في رأينا، أكبر من مجرّد حالة استثناء عادية، ونظرية آجامبن لن تسعفنا لفهم هذه الظاهرة الجديدة ولا تلك الظواهر الأخطر التي تنتظرنا في المستقبل، والتي لن تهدد فقط بإلغاء السياسة. بل سنكون مضطرّين هذه المرّة، ومن هنا فصاعداً، أمام حالات الاستثناء القادمة، إلى أن نضع الطبيعة وحقوقها، وليس السيادة، فوق القانون، وفوق حقوق البشر أو بالأحرى حقوق السوق.

إن الطبيعة تجبرنا اليوم على أن نصغي لها في تواضع، وأن نختار بين الوجود أو التملّك.

العربي الجديد

—————————————-

الدين والسياسة في زمن “كورونا”/ سمير رمان

تحتاج الفيروسات إلى حوامل كي تنتقل بين الناس. ففي الصين، ونتيجة الكثافة السكانية العالية، كان كافياً أن يصاب شخصٌ واحد ليكمل الفيروس مشواره القاتل.

تقول السلطات الإيرانية إنّ الفيروس وصل مدينة قمّ عن طريق شخصٍ كان في مقاطعة ووهان المنكوبة بالوباء (توفي في ما بعد). ومن المدينة المقدّسة في إيران، قم، تولّى حجيج المدينة مهمّة نقله إلى عشرات المحافظات الإيرانية (وكذلك إلى الدول العربية).

تحتل إيران مركزاً متقدماً عالمياً من حيث عدد الإصابات والوفيات الناجمة عن الفيروس كورونا (كوفيد – 19). ونظراً لخطورة الوضع الناشئ في إيران، أعلنت دول عديدة العالم، ابتداء من دول الجوار البري، منع القادمين من إيران من الدخول إلى أراضيها. كما حددت روسيا التواصل مع إيران، وامتنعت عن إصدار كافة أنواع الفيزا. من جانبها، تزعم إيران أنّها تقوم بكلّ ما في وسعها لمكافحة انتشار الفيروس. ولكنّ الإيرانيين أنفسهم لا يصدقون

“تحتل إيران مركزاً متقدماً عالمياً من حيث عدد الإصابات والوفيات الناجمة عن الفيروس كورونا (كوفيد – 19)”

حكومتهم. فالفيروس الذي ضرب مدينة قمّ الإيرانية، بادئ الأمر، هزّ أركان القناعات الدينية عند كثير من الإيرانيين. وهذا الأمر يثير قلق السلطات الإيرانية، الرسمية، والدينية، التي تخشى أن تكون آثار الوباء أشدّ خطورةً من الوباء نفسه.

منذ البداية، بدت الإحصائيات الصادرة عن الحكومة بخصوص كورونا غريبة، فقد ظهر أنّ الإصابات الأولى في إيران كانت مميتة بنسبةٍ تفوق عدة مراتٍ تلك التي في بقية الدول المنكوبة. ومع تواضع الأرقام المعلنة في البداية، بدأت الأرقام تتصاعد بشكلٍ لافت، وسط تشكيك من الأطراف الدولية، وعدم تصديق الإيرانيين أنفسهم الأرقام الرسمية في بلادهم، فهم يعدون أنّ السلطات قدّمت صحة المواطنين قرباناً على مذبح السياسة.

في الأشهر الماضية، شهدت الساحة الإيرانية حالةً من التوتر الشديد. وفي 21 من شباط الماضي، أُجريت الانتخابات البرلمانية، وشكّل مرشحو التيار المتشدد المحافظ غالبية المرشحين المقبولين، وكان كثير منهم غير معروفين لدى غالبية الشعب. ربما تكون السلطات توجّست خيفةً من إمكانية اندلاع أعمالٍ  احتجاجية، فقامت بإخفاء حقيقة مدى انتشار الفيروس عن المواطنين، كي لا يزداد إحجام المواطنين عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع.

وبحلول التاسع عشر من شباط، أيقنت السلطات في طهران أن الإقبال المطلوب على صناديق الاقتراع لن يكون في الحدّ المقبول في كل الأحوال، لهذا قررت الإعلان عن الوفيات،واستخدام الفيروس كمبررٍ لتراجع نسبة الاقتراع.

وبالفعل، تبيّن أن نسبة الاقتراع كانت الأدنى في تاريخ الجمهورية الإسلامية (42%). وإذا حذفنا نسبة الموظفين الحكوميين المقترعين، وبقية المواطنين الذي يجبرهم وضعهم الوظيفي على الذهاب إلى صناديق الاقتراع، فإنّ نسبة التصويت ستكون في حدود 25% فقط.

قبل أسابيع، ظهر إيراج هاريرجي، معاون وزير الصحة الإيرانية، في مؤتمر صحفي متلفز التهدئة من روع المواطنين، قائلاً إنّ الوضع تحت السيطرة. وما كاد هاريرجي ينطق بتلك العبارات حتى بدأ يتعرّق بغزارة، وبدا في حالةٍ سيئة، ليعْلَن لاحقاً أنّ التشخيص أظهر إصابته بالفيروس! مرضت أيضاً نائب الرئيس الإيراني لشؤون المرأة والأسرة، معصومة ابتكار، بالإضافة إلى عدد من أعضاء البرلمان. وخضع أكثر من مئة برلمانيّ لاختبار الفيروس، وكانت نتائج أربعة منهم إيجابية.

كيف أمكن حدوث هذا؟ تبدو السلطات في إيران هادئة في تعاملها مع الوباء. ولكن البعض يتساءل: إذا كانت العدوى وصلت إلى قيادات البلاد العليا، فكيف يمكن استبعاد أسوأ السيناريوهات؟ واليوم، مع اعتراف السلطات في طهران بانتشار الفيروس في غالبية المحافظات، فعلى الأرجح أن تكون مستويات انتشار الفيروس قد بلغت حداً قد يخرج عن السيطرة في أيّ لحظة.

الفيروس والمقدسات

تشكل مدينة قمّ التي ظهر فيها الوباء أولاً دولة ضمن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفيها يعيش أكثر رجال الدين احتراماً في البلاد، وتحتوي العديد من المدارس الدينية، وكثير من دور العبادة (المساجد)، والأضرحة التي يحترمها الشيعة.

والقانون لا ينطبق على مدينة قمّ : فعلى الرغم من جميع تعليمات وزارة الصحة لم تغلق المساجد أبوابها، وردّ الملالي على تعليمات وزارة الصحة بأنّ على المؤمنين الحضور إليها، فالمعجزات تحدث في تلك الأماكن وحدها! وهذا ما يصدّقه كثير من المتدينين.

لم تتأخر المعجزات، فالحجاج الذي زاروا مقدسات قمّ نقلوا الفيروس إلى عشرات المحافظات الإيرانية (انتقل بعضها إلى دول عربية مجاورة). فالحجيج اعتادوا التمسح بالمقامات، وتقبيل شبابيك الأضرحة، للتقرب من ساكنيها. ونظراً لضغط الحشود الكبير، فإنّه لا يمكن لأيّ عملية تعقيم أن تتصدى للفيروسات. لم تؤدّ محاولات وضع حواجز شفافة حول الأضرحة سوى إلى انتقال الفيروس إلى أسطحها. كما لم يتم إغلاق المراقد المقدسّة في قمّ، واقتصر الأمر على الإعلان: “نأمل أن يتفهّم الناس أنّ عليهم توخي الحذر”. أُدخل نظام الحجر في قمّ فقط في الأول من آذار. ولو كانت أيّ مدينة أُخرى قد تعرضت لما مرّت به قمّ لكانت أُغلقت تماماً، ومنع الدخول إليها والخروج منها.

هل يستحق الأمر إلقاء ذنب انتشار الفيروس على تشدّد الإيرانيين الديني وحده؟ صحيح أنّ الإسلام في إيران من أهمّ المعتقدات، وكثير من المواطنين لا يصدقون الحكومة الإسلامية، لكنّهم يصدقون بالكامل ما يقوله الملالي. ومع ذلك، يجبر التعامل مع فيروس كورونا متشددي المؤمنين على النظر بطريقةٍ جديدة إلى أصحاب العباءات والعمائم، الذين كانوا يعدونهم، حتى ما قبل تفشي كورونا، مثالاً وقدوة.

الملالي اقترحوا تلاوة آياتٍ معينة من القرآن ليلاً، أو استخدام بعض الوصفات العشبية للعلاج، فأصبحت قمّ “المقدسة” بؤرة ومركز عدوى بفيروس كورونا!

ويُرجع كثير من رجال الدين أسباب المآسي، أو الكوارث الطبيعية، إلى غضب الله، وكثرة ذنوب البشر. يصعب هنا فهم المقاومة الشرسة التي يبديها رجال الدين في مواجهة المسلمات العلمية، حتى عندما يدور الحديث عن حياة البشر.

هنالك أمرٌ آخر: ينتمي الملالي القاطنون في قمّ إلى تلك الفئة العمرية التي يصبح فيها الفيروس شديد الخطورة. كما أنّ غالبية الذي يقصدون قمّ للحجّ هم من المسنين، وبالتالي كانت أغلب الوفيات لمصابين في عمر يتجاوز 70 عاماً. هذا جعل رفض اتباع الإجراءات الضرورية للوقاية، وعدم الرغبة بإغلاق الأماكن المقدسة، بمثابة انتحارٍ جماعي من قبل الملالي، ورغبة منهم في إلحاق الضرر بغيرهم من الناس بشكلٍ مقصود.

تؤدي الشكوك إلى الانقسام، فالفقهاء المعروفون (مثالٌ يقتدي بهم المريدون) يفقدون بالجملة جمهورهم المخلص. حتى أنّ الشكوك بدأت تراود الإيرانيين المتشددين حول صحة تعاليم رجال الدين النافذين. في 28 شباط، ألغيت صلاة الجمعة التقليدية، وهذا تراجع كبير عن البروتوكول المتبع في البلاد.

كورونا في إيطاليا

يختلف تعامل الساسة الإيطاليين مع فيروس الكورونا عن زملائهم في إيران. ففي طهران، حاول الساسة استخدام الفيروس (إخفاء أعداد المصابين قبيل الاقتراع) لدفع المواطنين إلى الذهاب إلى صناديق الاقتراع في البداية، ولتبرير تراجع نسبة التصويت في الانتخابات البرلمانية (بعد ظهور نسب الاقتراع). أمّا في إيطاليا، فقد استغلّ زعماء المعارضة الإيطالية الوباء لتعزيز فرص وصولهم إلى السلطة. في حين تحاول الحكومة استخدامه لإظهار حرصها الشديد على صحة المواطن، وبالتالي البقاء في سدة الحكم.

ينصّ الدستور الإيطالي على أنّ الدولة واحدة، ولكنّ المناطق تتمتع بسلطاتٍ واسعة، بما في ذلك في قطاع الصحة، بعيداً عن المركز. لذلك، أصبح انفجار فيروس كورونا سبباً إضافياً لتوتير العلاقات المتوترة أصلاً بين المركز والمناطق الإيطالية، ومما يزيد الطين بلّةً أنّ مقاطعتي (لامبارديا)، و(فينيتو)، اللتان ضربهما الفيروس، هما من المناطق التي يتحكم فيها حزب “ليغا” اليميني المتطرف.

انضوى حزب “الليغا” لفترةٍ من الزمن في إطار الائتلاف الحاكم. وبفضل ذلك، أصبح زعيمه “ماتيو سالفيني” أحد أشهر الساسة اليمينيين في أوروبا. ولكن قبل نصف سنةٍ، وبسبب الأزمة

الحكومية، فقد هذا الائتلاف مقاعده الوزارية، ويسعى الآن مستغلاً الوباء للعودة إلى السلطة. يستنكر سالفيني وحلفاؤه إلقاء رئيس الحكومة الإيطالية “كونتيه” اللوم في انتشار الفيروس على قصور الإجراءات التي اتخذها الأطباء في (كوندو)، مطالبين بإلغاء التحقيق الذي بدأ في حقّهم. من جانبه، وصف ريكاردو موليناري، زعيم الليغا البرلماني تصريحات رئيس الوزراء عن ضرورة تعزيز رقابة الحكومة المركزية في المجال الصحيّ بـ”الفاشية”.

وسعياً وراء الحصول على نقاطٍ سياسية، تظهر السلطات المحلية غيرةً غير مسبوقة في سعيها لمواجهة الوباء، الأمر الذي يثير عدم رضا المركز. بالطبع، يمكن فهم الإجراءات المتخذة من قبل السلطات المحلية في المناطق المصابة بالفيروس كـ(لامبارديا)، و(فينيتو)، و(إيميللي – رواني)، غير أنّ بقية المقاطعات التي لم تسجل سوى إصابة، أو اثنتين (وهي موجودة في الحجر) تقوم بالإجراءات نفسها.

يعد حزب “ليغا” انتشار وباء كورونا في المناطق التي تمسك فيها بالسلطة بمثابة فرصةٍ لرفع رصيده الانتخابي الذي تجمدّ عند 32 – 33%، وهي نسبةٌ غير كافية لتشكيل حكومةٍ من لونٍ واحد. طالبت المعارضة بتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم الأحزاب كافة، ولكن من دون رئيس الوزراء الحالي “كونتيه”، للتصدي لخطر فيروس كورونا. إلا أنّ الحكومة، ومع تسارع انتشار الفيروس بوتائر عالية، قامت بخطوةٍ غير مسبوقة على مستوى البلاد بكاملها. ففي

محاولةٍ للحدّ من آثار كورونا على الاقتصاد، وعلى فرصها في البقاء في السلطة، أعلنت الحكومة القائمة تجميد المدفوعات الضريبية، وتجميد دفعات الرهن العقاري لسكان المناطق التي ينتشر فيها الفيروس. وفي الوقت نفسه، أعلنت الحكومة المركزية وقف جميع أشكال الأنشطة الجماهيرية، وطالبت المواطنين التزام منازلهم، وعدم مغادرتها إلا في حالات الضرورة القصوى. في ظلّ انهيار السياحة التي ترفد الناتج القومي الإيطالي بنسبة 5%، تبقى هذه  كخطوات أولية، وستظهر نتائج وتأثير فيروس كورونا على الاقتصاد والسياسة الإيطالية في الأشهر المقبلة، وسيتطلب مواجهتها مزيداً من الإجراءات.

من وجهة نظرٍ سياسية، يحمل فيروس كورونا إمكانيات ومخاطر كثيرة، فهو يمثٍّل فرصةً رائعة لتعزيز دور المدافعين عن صحة المواطنين، ولكنّه يمكن أن يفسد مكانة السلطات الحكومية إن لم تعالج المسألة بالشكل المطلوب. ومن ناحية الموروث الديني، فإنّه يغيّر وسيغيّر كثيراً من التقاليد والمفاهيم الدينية المستمدة من رموز السلطة الدينية. وعلى التوازي، ستتغيّر النظرة المعتادة من المريدين إلى رموزهم الروحية.

العربي الجديد

——————————————

“كورونا” سلافوي جيجك… إعادة اختراع الشيوعية

يواكب الفيلسوف السلوفيني أو “الروك ستار” اليساري، سلافوي جيجك كل ظاهرة في العالم ويكتب عنها بطريقته وتشعباته واسقاطاته النفسية والمعرفية.. في ظاهرة الكورونا نشر مجموعة من الآراء، ترجم بعضها الى العربية، يقدّم رؤيته للأبعاد الإيديولوجية لقضية انتشار فيروس كورونا في الصين و(بدرجة أقل) حول العالم. ويطلق عناوين مثل “الكورونا كفرصة للتحرّر والديمقراطية ومناهضة الاستهلاك”، و”كورونا ضربة للرأسمالية قد تعيد اختراع الشيوعية”، ويعدد مجموعة من الأسباب التي تجعله يقول “ألا يشير هذا كله بوضوح إلى الحاجة الملحة لإعادة تنظيم الاقتصاد العالمي بطريقة لا يبقى فيها تحت رحمة آليات السوق؟ نحن بالطبع لسنا بصدد الحديث عن شيوعية على الطراز القديم، وإنما عن شكل من أشكال التنظيم العالمي، يستطيع التحكم بالاقتصاد وإدارته، وبإمكانه كذلك تقييد سيادة الدول القومية في حال استلزم الأمر. كانت الدول قادرة على القيام بذلك على خلفية الحرب في الماضي. نحن اليوم، كلنا، نقترب فعلياً من حالة حرب طبية”. ذهب إلى أنّ انتشار الوباء قد أطلق فيروسات إيديولوجية وبائية واسعة النطاق، كانت تعشش في مجتمعاتنا وإنْ في حال سبات: الأخبار الملفقة، نظريات المؤامرة العظامية والارتيابية…  وتحدث عن “بارانويا عنصرية” تعمل على تأجيج الهوس بفيروس كورونا المستجد COVID-19 في حين يموت الآلاف كل يوم بسبب أمراض معدية أشد سوءا. ويعتقد أولئك الذين يميلون إلى تصديق نظريات المؤامرة أن الفيروس سلاح بيولوجي يستهدف اقتصاد الصين. وقِلة من المراقبين يذكرون، ناهيك عن كونهم يواجهون، السبب الأساسي وراء تفشي الوباء.

في قراءة الكورونا يقدم جيجك اسقاطات سينمائية (انتقد الكاتب صبحي حديدي جانباً منها) وثقافية، انطلاقاً من أكثر من فيلم، وأكثر من نظرية… يقول جيجك “يذكرني الجمال الكئيب للطرق الفارغة في شنغهاي أو هونغ كونغ ببعض أفلام ما بعد نهاية العالم القديمة، مثل فيلم “على الشاطئ”، والتي تظهر مدينة اختفى معظم سكانها – ليس هناك أي تدمير مذهل، بل فقط أن العالم لم يعد في متناول اليد، لم يعد ينتظرنا، لم يعد من اختصاصنا، لم يعد يبحث عنا… حتى الأقنعة البيضاء التي يرتديها عدد قليل من المشاة فهي تؤمن إخفاءً للشخصية مرحباً به وتحرراً من الضغط الاجتماعي”. ويذهب جيجك إلى تحليل الفراغ الذي حل بمدن كثيرة، فرغت شوارعها وتعطلت كليا عن الحركة، معتبرا في ذلك نوعا من الجمالية فـ”المدن التي تبدو الآن مثل مدن الأشباح، والمتاجر ذات الأبواب المفتوحة ولا يوجد بها عملاء، أو مشاة أو سيارة هنا وهناك، والأفراد ذوو الأقنعة البيضاء – ألا يقدمون صورة لعالم غير مستهلك يريح نفسه؟”. يضيف “تعتبر أوقات الفراغ – لحظات الانحساب، ما كان الصوفيون القدماء يسمونه Gelassenheit (الصفاء)، التحرر” – حاسمة لإعادة إحياء تجربة حياتنا. وربما يمكن للمرء أن يأمل في أن تكون إحدى العواقب غير المقصودة للحجر الصحي بسبب فيروس كورونا في المدن الصينية هو أن يستغل بعض الأشخاص، على الأقل، وقتهم الضائع للتحرر من نشاط مكثف والتفكير بمعنى (لا معنى) أوضاعهم”…

نقطة أساسية ذات مغزى حقيقي يذكرها جيجك وهي أن الطبيب الصيني لي وينليانغ، الذي كان أول من اكتشف وباء الفيروس التاجي الحالي ومورست ضده الرقابة من قبل السلطات الصينية، كان بطلاً أصيلاً من أبطال عصرنا، كان رد فعل الدولة الصينية على هذه الإدارة للوباء متوقعاً وكان أفضل من لخصه تعليق الصحافية المقيمة في هونغ كونغ، فيرنا يو: “لو كانت الصين تعلي من شأن حرية التعبير، لم يكن هناك أزمة فيروس كورونا”. و”سوف تتكرر مثل هذه الأزمات طالما أن حرية التعبير والحقوق الأساسية للمواطنين الصينيين غير محترمة”…

على أن مقالة جيجك ومثل كل مقالاته، تشهد تعليقات ومطولات في الصحف والمواقع الالكترونية، فهو قادر اثارة الجدل في كل المواضيع.

 ملحق كلمات

 ————————————-

كيف تراقب وكالات التجسس الأميركية “كورونا” في إيران والصين؟/ سامي خليفة

أثار المسؤولون الأميركيون تساؤلات علانية حول دقة أرقام الإصابات بفيروس كورونا المستجد، التي أبلغت عنها دول مثل الصين وإيران وكوريا الشمالية، خصوصاً أن بيونغ يانغ، على سبيل المثال، والتي تنفق على الرعاية الصحية أقل من أي مكان آخر في العالم، لم تبلغ عن أي حالات إصابة بالفيروس حتى تاريخه.

المخابرات الأميركية

ونظراً لخطورة الموضوع، تكشف شبكة “سي إن إن” الأميركية، عن استخدام دوائر المخابرات الأميركية قدراتها الفريدة لمراقبة الدول الأجنبية لتتبع انتشار وباء كورونا المستجد وتحديد ما إذا كانت الدول صادقة بشأن مدى تفشي المرض.

يوفر مكتب مدير المخابرات الوطنية ووكالة المخابرات المركزية تدفقاً ثابتاً من المعلومات الاستخبارية للجان المراقبة في الكابيتول هيل، ما يمنح لجان المخابرات في مجلس النواب ومجلس الشيوخ جلسات إحاطة يومية وتحديثات حول انتشار الفيروس. وتركز التحديثات بشكل أساسي على عدد تلك الحالات وما إذا كانت تتطابق مع ما يُبلّغ عنه علناً.

استخبارات طبية

يقول جيمس كلابر، المدير السابق للاستخبارات الوطنية الأميركية، في حديثٍ مع “سي إن إن”، أن معظم المعلومات التي تتدفق من مجتمع المخابرات حول الأزمة الحالية يأتي من فرع غير معروف لوكالة المخابرات الدفاعية يُسمى “المركز الوطني للاستخبارات الطبية”. وهو عبارة عن مجموعة فريدة تجمع بين الخبرة الطبية واسعة النطاق والمتقدمة مع جمع المعلومات الاستخبارية والتقييمات.

للحصول على الصورة الأكثر دقة لكيفية تأثير الفيروس التاجي على بلد ما، يستخدم محللو الاستخبارات مجموعة متنوعة من الأدوات، وأبرزها الذكاء البشري وذكاء الإشارات وصور الأقمار الصناعية. وتُرسل التقييمات من مجتمع المخابرات أيضاً للرئيس دونالد ترامب ونائبه مايك بنس الذي يقود الحرب ضد الفيروس.

خندقان في قم

أظهرت صور الأقمار الصناعية التي نشرت يوم الخميس الماضي، حفر خندقين طويلين في مقبرة في مدينة قم الإيرانية. ما يشير إلى أن انتشار فيروس كورونا أصبح مشكلة خطيرة أكثر مما يعترف بها المسؤولون الإيرانيون.

الصور الفضائية نشرتها أول مرة صحيفة “نيويورك تايمز” وتظهر عمليات حفر جزء جديد في مقبرة تقع على الحافة الشمالية لمدينة قم. ويعود تاريخ الحفر إلى شهر شباط المنصرم عندما حُفِر خندقان طويلان طول كل منهما 100 ياردة.

كشفت مقاطع الفيديو التي نشرتها “بي بي سي” الفارسية، أن عمالاً يرتدون ملابس واقية زرقاء يحملون الجثث ويدفنونها، بينما صرح أحد شهود العيان بما يلي: “تم دفن أكثر من 80 شخصاً في هذا الخندق حتى الآن، لكنهم يعترفون بـ 34 حالة وفاة فقط”.

من جهته، شرح جيفري لويس، الباحث في معهد ميدلبري للدراسات الدولية، هذا الفيديو للشبكة الأميركية قائلاً: “أظهر مقطع الفيديو عمال يرتدون ملابس واقية من ضحايا كوفيد-19. وقد سمحت صور الأقمار الصناعية لنا توثيق الفيديو، ونحن نعلم أن هذه اللقطات ليست قديمة، بل لقطات لضحايا هذا الوباء”.

وتؤكد الشبكة الأميركية، في هذا السياق، إن قدرات الأقمار الصناعية الاستخباراتية الأميركية تفوق بكثير قدرات الشركات التجارية. لذا من الآمن افتراض أنها توصلت إلى النتيجة ذاتها. وقد قام الخبراء بتحليل الصور جنباً إلى جنب مع منشورات وسائل التواصل الاجتماعي ومواد مفتوحة المصدر لتحديد أن عدد الوفيات لا يُبلّغ عنه.

أدوات جديدة

تُعتبر إيران، حسب الشبكة الأميركية، مصدر قلق خاص بسبب موقعها المركزي في آسيا والشرق الأوسط، وكونها جهة للحجاج الدينيين والعمال المهاجرين، الذين يسافرون بعد ذلك إلى بلدانهم الأصلية. كما أن القوات الإيرانية متورطة بشدة في الحرب السورية ما يزيد من تدهور نظام الرعاية الصحية في البلاد.

وفي لبنان المجاور، حيث تمتلك إيران نفوذاً كبيراً من خلال حزب الله، والذي أرهقته الاحتجاجات قبل انتشار الفيروس. ويتحرك مقاتلو الحزب ذهاباً وإياباً بين لبنان وسوريا حيث يساعدون إيران على دعم نظام الرئيس بشار الأسد.

في دول مثل إيران وكوريا الشمالية، حيث يكون جمع المعلومات البشرية من خلال الجواسيس أكثر صعوبة، تعتمد وكالات الاستخبارات، كما تكشف “سي إن إن”، على أدوات أخرى، مثل إشارات الاستخبارات (عملية جمع المعلومات الاستخباراتية عن طريق اعتراض الإشارات، سواء تلك المتعلقة بالاتصالات البعدية بين الناس والتي تُعرف باستخبارات الاتصالات، أو بالإشارات الكهربائية غير المتعلقة مباشرة بالاتصالات البعدية). وقد ساعد انتشار وسائل الإعلام الاجتماعية بتوفير أداة حاسمة للمحللين الذين يستخدمون كوكبة تدفقات البيانات لخلق صورة أكثر اكتمالاً.

المدن

———————————

كورونا..ما بعد الكابوس/ ساطع نور الدين

متى ينتهي هذا الكابوس؟ هل سينتهي فعلا، كما يقولون، بعد أسابيع أو أشهر أو أكثر؟ هل تمتلك البشرية القدرة على الصمود والبقاء؟ وما هو عدد الضحايا الذي سيحصده الفيروس القاتل من أصل ثمانية مليار نسمة، يتقاسمون اليوم وللمرة الاولى في تاريخ الوجود الانساني على كوكب الارض شعوراً واحداً بالخوف على المصير، بعدما كانوا حتى الامس القريب، يتمتعون بإحساس موحد بالتفوق على جميع من سبقهم من شعوب وحضارات وثقافات..

لا أحد يجرؤ حتى الآن على السؤال عما يمكن ان يحصل إذا ما فشل الطب الحديث وخبراته وكفاءاته وأدويته وأدواته في مواجهة التحدي. الثابت ان ذلك القطاع يعمل بأقصى طاقته، في مختلف أنحاء المعمورة. والواضح أن تلك الطاقة تتقدم بأشواط على أداء القطاعات الاخرى، لاسيما القطاع السياسي الذي إخترقه الفيروس وتسلل الى القصور الملكية والرئاسية والمقرات الوزارية والنيابية، ليحقق ما عجزت عنه فيروسات شقيقة سابقة، إكتفت بالعامة من الناس، من دون القادة والمسؤولين. 

الثقة كبيرة برجال ونساء العلوم الطبية الحديثة وتجاربهم وخبراتهم وإكتشافاتهم الباهرة، التي لن تعجز عن وقف ذلك الغزو الرهيب، وتدميره على نحو ما فعلت في غزوات عديدة سابقة ومشابهة. لكن ما هو الوقت الذي ستستغرقه تلك المهمة؟ وما هو الثمن الانساني، الاقتصادي، الاجتماعي، الذي سيدفعه العالم بأسره، من أقوى دوله الى أضعفها، من أرقى شعوبه وأغناها الى أشدها فقراً وتخلفاً.

ثلاثة أشهر فقط، على بدء الغزو الفيروسي، فرضت تغييراً جذرياً للحياة على كوكب الارض، الذي كان يبدو مثل قرية عالمية مفتوحة، فتحول بين ليلة وضحاها الى معازل ومحاجر مسيجة بالابراج والحواجز والاسلاك الشائكة، تفوح منها روائح التعقيم، ويرتدي سكانها ثياباً أشبه ببذات رواد الفضاء، ويتواصلون بلغات جديدة، أهمها الاشارات والرموز الخارجة من المستشفيات والمستوصفات والمختبرات الطبية، ويتضاربون على رغيف خبر، ويتنافسون على مادة للتنظيف او التعقيم.   

تبدل سلوك البشر في مختلف القارات والبلدان، كأن ثمانية مليار إنسان على موعد مع يوم القيامة، أو مع حرب جرثومية أو نووية مدمرة..أو على الاقل على شفير مجاعة كبرى. إنقلبت قوانين العمل، وإرتبكت قواعد الاتصال، وإنقطعت وسائل النقل. صارت الطائرة بؤرة فيروسية مميتة، بات المطار موقعاً موبوءاً، يذكّر بالمرافىء البحرية التي كانت سفنها تنقل في القرون الماضية الاوبئة والامراض الفانية، لمدن وشعوب وإمبراطوريات.

اليوم، كل شيء يسير عن بعد، من وراء حاجز او كمامة، أو من خلال شاشة. الإتصال الجسدي الذي كان حتى الامس القريب، عنواناً للإنفتاح او التباهي او التنوع، صار محرماً. مجرد لمسة أو نظرة، أو عطسة طبعاً، يمكن ان تؤدي الى الهلاك. الفرد المنعزل، المنطوي على نفسه، المتوجس من الآخر، الغارق في القلق، هو الفرد الطبيعي، القادر على البقاء ، على العيش في أضيق بقعة جغرافية ممكنة لا تزيد مساحتها عن بضعة كيلومترات مربعة، على التكاثر الذي ينقطع يوماً بعد يوم عن مغزاه الطبيعي، على العمل من دون الحاجة الى إلتقاء الانفاس أو التعابير او الضحكات او الدمعات الاخرى.

ترى هل هذا هو المستقبل الذي حددته الطبيعة، وقررت فرضه بالاكراه، مستخدمة ذلك الفيروس القاتل؟ أم هو التطور المنطقي الذي تستدعيه وسائل الاتصال والتواصل العصرية القادرة على تحويل الشاشة الى سبيل وحيد للآخر، وعلى تحويل الطائرات المسيّرة والرجال الاليين الى بدائل إلزامية. ما تحققه شركات التكنولوجيا المنتجة لهذه الوسائط والآلات من أرباح ومكاسب مادية تفوق الخيال، وتتعدى كل ما يذكر عن أرباح تحققها الآن الشركات المنتجة للمواد الغذائية أو لادوات التنظيف والتعقيم مثلا.

لا، ليس يوم القيامة هو الذي يقترب. هو يوم آخر، تولد فيه كائنات بشرية تستخدم وسائط التنقل عبر الاثير،من دون الحاجة الى وسائل النقل التقليدية التي ثبت خطرها، وتستفيد من أدوات الانتاج الحديثة، من تكنولوجيات العصر وبرامجه المذهلة، لتصيغ عقداً إجتماعياً جديداً، يكمل العقد الذي صاغته الثورة الصناعية في القرن الماضي، ويتوج إنتصار الثورة التكنولوجية التي تلتها، ويبدع في الاقتصاد والثقافة والفن، ويبتدع كيانات مصغرة تعيش داخل فقاعات، وتكتفي بالتفاعل عن بعد.. بإعتباره السبيل لحفظ النوع البشري ولصون كوكب الارض.

المدن

————————————

في هجاء «كورونا»…/ حازم صاغية

قبل أن تكون قاتلة، هي جرثومة مُهينة. لنتذكّر وقتاً غير بعيد، استعاد فيه شبّان الثورات العربيّة وشابّاتها بيت أبي القاسم الشابيّ:

«إذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلا بدّ أن يستجيب القدر».

كانوا يقولون إن في وسعهم أن يفعلوا أي شيء. أنّهم، هم أيضاً، بروميثيوسيّون، يسرقون النار من الآلهة ويعطونها للبشر فتكون حضارة.

«كورونا» جعلتهم يصرفون وقتاً طويلاً وهم يغسلون أيديهم. يبحثون عن سوائل تطهير. أين الصابون؟ خزّنوا ورق التواليت. المهمّ أن نكون معقّمين. أن نتنصّل من العالم.

«كورونا» قالت لنا إنّ السقف منخفض، وعلينا أن نخفض الرأس أكثر. جرحتْ نرجسيّة البشر واعتدادهم بذواتهم. أكّدت لهم هشاشة العالم الذي صنعوه، وأنّ إنجازاتهم في العلوم والطبّ قابلة للتفادي. قالت لمن ظنّوا أنّ العالم بلا حدود: اجلسوا في البيت. العالم هو البيت.

بانقضاض «كورونا»، انقضّ علينا جانب معتم من إنسانيّتنا، جانبٌ يتململ كلّما أضاءت هذه الإنسانيّة. مقابل سعيها للتوحيد والتوسّع، يكشّر العزل عن أنيابه. مقابل اتّجاهها إلى نزع السحر عن العالم يهاجمنا السحر. مقابل الافتخار الإنسانيّ، تُذلّنا الطبيعة.

والوباء، أي وباء، ربّما كان أقلّ الفرسان الأربعة، هو والموت والحرب والجوع، قدرة على التوقّع، وحيال ما يصحبه من غموض نزداد انغلاقاً على وحدتنا. التواصل الذي يبدأ بالمصافحة، ومنها ينشأ التعارف والمعرفة، وربّما الصداقة والودّ، يستدعي الزجر. حتّى يدك نفسها إذا ما ضلّت وصافحت غدتْ عدوّاً لك لا بدّ من تطهيره.

التواصل، عبر المطارات والمرافئ، سبب للهلع. السفر ضارّ. الانتقال ممنوع. وسائل النقل العامّ، التي تناضل الشعوب لامتلاكها، لعنة. الحدود وحدها تستحقّ التقدير، خصوصاً متى كان الوافدون عبرها مهاجرين ولاجئين وغرباء بصفة عامّة. الأفكار القروسطيّة حيال الأجانب المصابين بالأمراض تنبعث رافعة عالياً سيف الحماية، وكاسرة، بقوّة الإغلاق والتسوير، اعتداد المدن الكوزموبوليتيّة. أمّا أن ترفض حضارتنا العقاب ونبذ الآخر، فتردّ عليه «كورونا» بالعزل والحجر بوصفهما إجراءً وقائيّاً لا سبيل إلى تجنّبه. الرحمة لا مكان لها: كبار السنّ وذوو المناعة الضعيفة أمرهم لله. الموت بلا غسل ولا تكفين نصيب من يموت.

بسبب «كورونا» تتعرّض السياسة للتسريح. الآن كلّنا واحد و«لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». ثمّ إنّنا في مواجهة الموت، فلا تصرفوا جهدكم على التوافه. ما من شيء يستحقّ الجهد، فيما الأشياء والأنظمة كلّها سواسية حيال «كورونا». أدوات الاعتراض وأمكنته، كالساحة والحشد، مصدرٌ لتفشّي الوباء. نعم، عودوا إلى البيت، فما ينفع ليس سوى حالات الطوارئ والحكم العرفيّ. وفي هذه الغضون يستطيع «الأخ الأكبر» الذي يعالج أحوالنا الاستثنائيّة أن يفعل ما يشاء متذرّعاً بـ«كورونا». ألا ترون أنّها حرب كغير الحروب، تعطّل كلّ شيء حَرفيّاً، وتُشَنّ، من دون جيش، وفي وقت واحد، على قارّات وشعوب ودول بأكملها.

الوعي التآمري يغدو في أشدّه، لا سيما الموجّه منه إلى أميركا التي انتدبها القدر لهذه المهمّة. الوعي العنصري كذلك: اللهمّ أبعدْ عنّا الاحتكاك. فلتُكسر اليد التي تمتدّ إلينا بالمصافحة. ركّزوا على النظافة والروائح. أقيموا الحواجز والجدران. المصاب بيننا باضطراب الوسواس القهري (OCD) حكيمنا الذي عرف مبكراً أنّ الكارثة في طريقها إلينا. أنّ أزمنة الحرّيّة والخيار مجرّد وقت ضائع يستعجل حلولها.

الاقتصادات فلتُدمّر قطاعاً قطاعاً. المسرّحون الذين يعرّضون صفوف البطالة فليتكاثروا. الصين التي كانت تُذكر بوصفها صاحبة الاقتصاد الثاني في العالم، صارت مستشفى يعجّ بالمكممين. إيطاليا، جوهرة الكون، معزولة عن الكون. وإذا طال الزمن بـ«كورونا»، فسيدفع الأفقر والأضعف بيننا الكلفة الأعلى. هؤلاء، بوصفهم الأشدّ معاناة لاحتجاب أجهزة الدولة أو لتفكّكها، ولانهيار أنظمة الحماية الاجتماعيّة والصحّيّة، سيكونون الضحيّة الأولى. وفي بلداننا خصوصاً، حيث المخيّمات واللاجئون والألم الفائض، قد تأتينا «كورونا» على شكل فيضان.

ولسوف ننشغل، في ظلّها، بتاريخ الفيروسات القاتلة، والمقارنة بينها، عن كلّ انشغال. ذاك أنّ أمر اليوم هو التعرّي من الزوائد والإضافات: فلتكن الرياضة من دون جمهور، والطفولة من دون ملعب، والسينما من دون صالة، والأكل من دون مطعم، والقهوة من دون مقهى، واللهو من دون ملهى. بل ليكن الحبّ من دون تماسّ. إنّ أصول الأشياء وتقشّفها الأوّل أو عذريّتها الأولى هي العبادة الراهنة. أمّا الفرار من هذه الكآبة فممنوعة على من كانوا يفرّون بالسفر من الحروب؛ لأنّ السفر متعذّر. النظام مطلق ومغلق.

شيء من بداية العالم إذن مقرون بشيء من نهايته. أمّا نحن فيقتصر تدخّلنا في مجريات حياتنا وموتنا على تعقيم أيدينا وانتظار الدواء – المعجزة من المختبرات.

المشكلة عالميّة والحلّ قوميّ، إن لم يكن بيتيّاً. هكذا يقال. لكنّ من يقولون ذلك يغفلون عن رؤية التعاون الدولي بين حكومات العالم ومختبراته، وعن صيغ قانونيّة جديدة لا بدّ أن تنبثق من هذه التجربة. يتجاهلون أيضاً أولئك الشجعان حول العالم، من أطبّاء وطبيبات وممرّضين وممرّضات، الذين يتصدّون للوباء. أمّا أن ينتج عن القسر والاضطرار عالم جديد أفضل، فلا يغدو كونه عزاءً وتخفيفاً لآلامنا. ذاك أنّ الحرّيّة هي وحدها ما ينتج الأفضل، و«كورونا» نظام عُبودي لا يستحقّ منّا إلا الغضب.

الشرق الأوسط

—————————–

ملف الترا صوت عن الفيروس كورونا

https://www.ultrasawt.com/%D9%85%D9%84%D9%81%D9%91-%D8%AE%D8%A7%D8%B5-%D9%81%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%B3-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7-%D8%B5%D9%88%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7-%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%AA


===================================

===============================

تحديث 19 أذار 2020

—————————————-

مونولوج فيروس

ترجمة: نائلة منصور

أعزائي البشر، أَخرِسوا كل نداءات الحرب المثيرة للضحك؛ وأخفِضوا نظرات الانتقام الموجهة ضدي؛ وأطفِئوا هالة الذعر التي تحيطون بها اسمي. منذ العمق الجرثومي للعالم، نشكل نحن الفيروسات المُتصَّل للحياة على الأرض، فمن دوننا لم تكونوا لتروا الحياة أبداً، ليس أبعد من الخلية الأولى على كل حال.

نحن أجدادكم بقدر ما أنَّ الحجارة والطحالب أجدادكم، وأقرب إليكم من القرود حتى. نحن في كل مكان حيثما تتواجدون، وحيثما لا تتواجدون كذلك. هذا شأنكم إن لم تعودوا ترون في هذا الكون إلا أشباهكم! ولكن توقفوا قبل أي شيء عن ترديد أنني أنا من أقتلكم. لن تموتوا جراء فعلي على أنسجتكم، بل بسبب غياب عناية أشباهكم من البشر. لو لم تكونوا مفترسين فيما بينكم، كما كنتم مع كل ما هو حيّ على هذا الكوكب، لكان ما يزال لديكم أسرّة كافية وممرضون ومَنَافِس تتجاوزون بها ما أُلحِقُهُ بِرئاتكم من أضرار. لو لم تزربوا عجائزكم في مصحّات للموت، والأصحاء منكم في أقفاص من الباطون المسلح، لما وصلتم إلى هنا. لو لم تغيروا كل الامتداد الخصيب حتى البارحة، الغني بفوضاه والمأهول بعالم، بل بعوالم لا منتهية، لو لم تحولوه إلى صحراء شاسعة لزراعة أوحدية من الشيء نفسه وبكميات أكثر، لولا كل ذلك لم أكن لأنطلق في غزوتي الكوكبية هذه إلى حلوقكم. لو لم تصبحوا كلكم، من أول لآخر القرن الماضي، نسخاً مكررة لشكل واحد لا يعولّ عليه من الحياة، لما كنتم تتحضرون للموت مثل ذباب في الماء المحلىّ لحضارتكم. لو لم تجعلوا بيئاتكم فارغة إلى هذا الحد، شفيفة إلى هذا الحد، مجردّة إلى هذا الحد، صدقوني ما كنت لأتنقل بسرعة مركبة هوائية. لم آت إلا لأنفذ العقاب الذي قررتم به ضد أنفسكم. عذراً، ولكن بحسب علمي أنتم من أطلق تعبير «أنتروبيسين»1. لقد استحوذتم على شرف الكارثة، الآن ها هي تكتمل وقد فات أوان الاستنكاف عنها. الأكثر نزاهة بينهم يدركون أحسن إدراك أن لا حليف ومتواطئ معي إلا تنظيمكم الاجتماعي، وهوسكم الجنوني بكل ماهو كبير وما يلحق بالكبر من اقتصاد، وبتمسككم المتعصب بـ «السيستم». وحدها السيستمات «هشّة». ما بقي يعيش ويموت. لا هشاشة إلا فيما يتوخى المراقبة، وما يتوخى التوسع والاستكمال العالي للأشياء. انظروا إليَّ جيداً: لستُ إلّا الوجه الآخر للموت السائد. 

توقفوا إذاً عن لومي واتهامي ومحاصرتي. توقفوا عن هذا الرعب الشالّ. في كل ذلك شيءٌ طفولي. أقترح عليكم أن نقلب النظرة: هناك ذكاء من جوهر الحياة نفسها. لا حاجة لأن نكون «ذوات فاعلية» حتى نمتلك ذاكرة أو استراتيجية. لا حاجة لأن نكون أصحاب سيادة حتى نقرر. فالجراثيم والفيروسات أيضاً يمكنها أن تقلب الدنيا وتقعدها. لِتروا فيّ إذاً منقذكم وليس حفّار قبوركم. لكم ألا تصدقوني، ولكني أتيت لأوقف الآلة التي لم تعودوا تجدون مكبحها. جئت لأعلق هذا النظام الذي كنتم رهائنه. جئت لأبيّن غرابة  وشطط ما نعتقده «طبيعياً». أترون كيف أني أستطيع أن أحني لغة وذهن حاكميكم: «توكيلنا للآخرين غذائنا وحمايتنا وقدرتنا على العناية بإطار حياتنا كان جنوناً»… «لا حدود للميزانية، فالصحة لا تقدر بثمن»2. انظروا كيف أعيدهم لكم إلى مقامهم الحقيقي، بؤساء ووضيعين! انظروا كيف يدينون أنفسهم ليس فقط كأناس دون وزن أو نفع، بل كمؤذين! لستم في أعينهم إلا حامل إعادة إنتاج سيستيمهم، أي أنكم أقل من عبيد. حتى الهيدرية وحيدة الخلية تُعامَل أفضل مما تُعامَلون.

ومع ذلك احذروا من أن تحملّوهم وزر المعاتبات وتجريم تقصيرهم أو اتهامهم بالفوضى وقلة الكفاءة، فذلك يعطيهم اهتماماً لا يستحقونه. بدل ذلك، اسألوا أنفسكم كيف أمكن أن تدعوهم يحكمونكم بهذه السهولة. الإسهاب في مديح فضائل الخيار الصيني مقابل الخيار البريطاني، أي الخيار الامبراطوري السانن للقوانين مقابل المنهج الدارويني الليبرالي، إنما يدلل على عدم فهم أي منهما؛ هول الخيار الأول وهول الخيار الثاني. منذ عصر كيسني3 لا يزال «الليبراليون» ينظرون نظرة حسد إلى الامبراطورية الصينية. هم أشقاء سياميون، أن يحجر عليكم الأول لمصلحتك ويحجر عليك الثاني لمصلحة المجتمع، فكلا الخيارين يسحقان السلوك الوحيد غير العدمي: أنّ يعتني المرء بنفسه، وبمن يحبهم، وبما يحبه عند من لا يعرفهم. لا تدعوا الفرصة لأولئك الذين قادوكم إلى الهاوية كي يدّعوا أنهم سيخرجونكم منها: لن يفعلوا إلا تحضير جهنم أكثر اتقاناً وقبراً أكثر عمقاً، وإن استطاعوا يوماً سيرسلون دوريات الجيش إلى العالم الآخر.

الأحرى بكم أن تشكروني، لولاي كم كان سيمر من الوقت وأنتم تعتبرونها «ضرورية»، كل هذه الأشياء التي لا تتم مساءلتها والتي يتقرر فجأة تعليقها؟ العولمة، المسابقات، سير الطيران، محددات الميزانيات، الانتخابات، عروض المنافسات الرياضية، ديزني لاند، صالات اللياقة الرياضية، أغلب المخازن، المجلس الوطني، المدارس المثكننة، التجمعات الضخمة، الأعمال المكتبية الأساسية، كل تلك الاجتماعيات السكيرة، والتي ليست إلا الوجه الآخر للوحدة القلقة في عوالم المدن الميتروبوليتانية: إذاً كل ذلك لم يكن ضرورياً حين ظهرت «حالة الضرورة». اشكروني على اختبار الحقيقة القادم في الأسابيع المقبلة: ستسكنون أخيراً في حياتكم الخاصة، دون الألف منفذ التي تهربون منها عبرها، بما لها وما عليها، والتي تسند ما لا قوام له ليقوم. من غير أن تدركوا، فإنكم لم تعيشوا يوماً في وجودكم. كنتم بين كراتين التنقل دون أن تقيموا وتمكثوا حقاً. من الآن فصاعداً ستعيشون مع أقاربكم، وستسكنون في بيوتكم، وستتوقفون عن وجودكم في الترانزيت باتجاه الموت. قد تكرهون أزواجكم، وستقرفون ربما من أولادكم. ستعتريكم الرغبة بتدمير إطار حياتكم اليومية. الحق أنكم لم تعودوا في العالم، ضمن حواضر الفصل والعزلة هذه. لم يكن عالمكم قابلاً للعيش في أي حال إلا بشرط الهروب دون توقف. كان ينبغي إفناء النفس بالحركة والتسليّ لشدة ما أتى به القبح على حياتكم. أصبحت الحياة الشبحية هي القاعدة. كل شيء أصبح شديد الفعالية حتى أضحى بلا معنى. اشكروني لكل ذلك وأهلاً وسهلاً بكم على الأرض!

بفضلي، ولأجل غير مسمى، لن تعملوا ولن يذهب أطفالكم إلى المدارس، ولكنها لن تكون عطلة، بل على العكس تماماً: العطلة هي تلك المساحة التي ينبغي تأثيثها بأي ثمن بانتظار العودة المرتقبة إلى العمل. ولكن في هذه الحالة، التي تنفتح أمامكم بفضلي، ليست تلك المساحة بمحدودة، إنها نعيم واسع. أنا «أعطلّكم عن العمل». لا شيء ينبئ بأن العالم السابق سيعود، فربما يتوقف كل ذلك العبث المربح والمدرّ للمال. طالما أن لا أحد يدفع لكم، أهناك أكثر طبيعية من ألا تدفعوا آجار بيوتكم؟ لمَ يدفع مستحقات المصرف من لم يعد بإمكانه العمل بكل الأحوال؟ في النهاية، أليس من قبيل الانتحار أن نعيش حيث لا يمكننا أن نزرع جنينتنا الخاصة؟ من ليس لديه المال لن يتوقف عن الأكل. اشكروني: فأنا أضعكم في مواجهة المحكّ الذي ينظم حياتكم ويخيّركم بين الاقتصاد أو الحياة. الكرة في ملعبكم الآن، والرهان رهان تاريخي، إما أن يفرض عليكم حكامكم الحالة الاستثنائية أو أن تخترعوا حالتكم الخاصة. إما أن تتمسكوا بالحقائق المستجدّة، أو تخبؤوا رؤوسكم تحت الطاولة. إما أن تُحسِنوا استثمار الوقت الذي أعطيكم إياه الآن لتتصوروا العالم القادم بدءاً من دروس الانهيار الجاري، أو أن يتجذر هذا الانهيار. ستتوقف الكارثة حين يتوقف الاقتصاد. الاقتصاد هو الضرر الكارثي. هذا كان محض فرضية الشهر الماضي، لكن الفرضية الآن أضحت واقعاً. لا أحد يجهل كلفة صد هذا الأذى، من شرطة ومراقبة وبروباغندا ولوجستيك وعمل عن بعد.  

في مواجهتي، لا تستلموا لا للذعر ولا للإنكار. لا تستسلموا للهستيريا البيوسياسية. ستكون الأسابيع القادمة رهيبة، مثقلة ومتوحشة. ستُفتح أبواب الموت على مصاريعها. أنا المنتج الأشد ضرراً للإنتاج الضار. جئت لأقود العدميين إلى العدم. لن يكون الظلم في العالم صارخاً بعد الآن. إنها الحضارة ما أتيتُ لدفنه، وليس أنتم. أولئك الذين يودون أن يعيشوا عليهم أن يتخذوا عادات جديدة، عادات خاصة بهم. سيكون في تجنبي فرصة لإعادة اختراع تلك العادات، في «فن المسافات» الجديد هذا. قريباً لن يخضع فن السلام لأي أتيكيت بعد أن كان البعض لا يرون، بسبب حَوَلِهم، أن ذلك السلام وذلك الأتيكيت هو الشكل المجسَّد للمؤسسة. لا تفعلوا كل ذلك «من أجل الآخرين»، أو «من أجل السكان»، أو «من أجل المجتمع»، بل افعلوا ذلك من أجل أهلكم. اعتنوا بأصدقائكم وأحبتكم، وأعيدوا التفكير معهم، وبكامل إرادتكم، بالشكل العادل للحياة. أقيموا «بؤراً» للحياة الخيّرة، وسّعوها، وحينها لن يكون بمقدوري شيء تجاهكم. هي ليست دعوة للعودة المعممة للانضباط، ولكنها دعوة للعودة إلى «الانتباه»؛ ليست دعوة إلى إنهاء دِعة العيش وهناه، بل دعوة لإنهاء «الإهمال». ماذا بقي لي لأذكركم بأن الخلاص يكمن في كل بادرة؟ أن كل شيء موجود في التفاصيل؟ كان عليَّ أن أدرك أن البشرية لا تطرح على نفسها إلا الأسئلة التي لم يعد بالإمكان عدم طرحها.  

1. الأنتروبيسين هو مفهوم يمكن أن يترجم بـ «عصر الإنسان» كمعادل «للعصر الجليدي» أو «العصر الحجري»، ويعني العصر الجيولوجي في عمر الأرض حيث للإنسان الأثر الأكبر عليها.

2. يقتبس الكاتب هاتين الجملتين من خطاب الرئيس ماكرون بتاريخ 12 آذار الحالي حين توجه إلى الشعب الفرنسي بخصوص الاجراءات الطارئة المتعلقة بمواجهة كورونا.

3. كيسني Quesnay هو طبيب واقتصادي فرنسي من القرن السابع عشر.

ظهر هذا المقال، غير الموقَّع، في موقع Lundimatin الفرنسي بتاريخ 16 آذار 2020.

موقع الجمهورية

—————————-

أيام الكورونا/ بكر صدقي

تراجعت كل العناوين السياسية، في أولويات الرأي العام، ليتصدر فايروس لا يرى بالعين المجردة اهتمامات الناس والحكومات ووسائل الإعلام في كل مكان. الخطر الوجودي الذي يشكله الانتشار السريع للعدوى (بمتوالية هندسية كما يقول الخبراء) في عالم مفتوح بعضه على بعض، خلق ديناميات اجتماعية غير مسبوقة يتصدرها، بطبيعة الحال، ارتفاع الطلب على الوقاية والحماية من العدوى القاتلة. فخلال بضعة أشهر بلغ عدد المصابين مئتي ألف وزاد عدد من مات منهم على ثمانية آلاف شخص من عدد من البلدان المنكوبة بالوباء.

ارتفاع الطلب على الحماية يعني الرضوخ لتدابير قاسية تحد من حرية الحركة وتفرض قواعد سلوك صارمة. إنها باختصار حالة طوارئ مطبقة بتشدد غير مسبوق، وصل في بلدان كإيطاليا وفرنسا إلى حظر التجول إلا لأسباب قاهرة. هذا يعني استسلاماً طوعياً لتدابير استثنائية لا يعرف أحد كم يمكنها أن تمتد في الزمن. ربما هذا ما دفع المفكر الإيطالي جورجيو آغامبن إلى التقليل من شأن الوباء واعتباره لا يختلف كثيراً عن الكريب العادي. جاء كلام آغامبن في منتصف شهر شباط، أي قبل فرض الحجر الصحي الشامل على كامل الأراضي الإيطالية بفترة. فقد تغلب نزوعه التحرري على المخاوف الوجودية التي يثيرها الوباء، فاتهم تلك الجهات السلطوية التي اغتنمت الفرصة لفرض مزيد من القيود على الناس، بدعوى حمايتهم.

والحال أن التدابير الوقائية تتسق فعلاً مع النزعات السلطوية المتفاقمة في بلدان عديدة، كما مع النزعات العنصرية الكارهة للاجئين والأجانب. فأول ما تبدأ به السلطات هو وقف الرحلات الجوية مع البلدان التي تفاقم فيها انتشار الوباء، إضافة إلى فرض قيود صارمة على الرحلات البرية والبحرية أيضاً. أي أن الدول القومية تنغلق على ذاتها، مانعةً الدخول والخروج عبر الحدود، بعد عقود من العولمة الواعدة و«قريتها الكونية الصغيرة».

هذه مفارقة جديرة بالتوقف عندها. ففي الوقت الذي استعاد فيه الناس، مرغمين، إحساسهم بالانتماء إلى الجنس البشري ووحدة المصير، أمام عدو لا يميز بين الأعراق والثقافات والأديان واللغات، ولا بين الطبقات الاجتماعية أو الميول السياسية أو المعتقدات الأيديولوجية أو الميول الجنسية، تراهم يغلقون على أنفسهم ـ طوعاً ـ أبواب بيوتهم، وينظرون بتوجس إلى كل «غريب» من خارج الأسرة الصغيرة المضطرة للعيش في مسكن واحد، ناهيكم عن التوجس من كل غريب من مدينة أخرى أو بلد آخر باعتباره مصدر عدوى محتملاً.

بدأت أولى الاختبارات على لقاح واعد، لكن الخبراء يتحدثون عن ثمانية أشهر قبل إقرار استخدامه من قبل العموم. هذه فترة طويلة جداً من شأنها تكريس عادات سلوكية استثنائية أساسها الخوف من «الفايروس التالي». أي أن التدابير الوقائية التي سيعتاد عليها الناس من المحتمل أن تتحول إلى سلوك طبيعي ثابت. لا مصافحات، بعد الآن، ولا اختلاط بالبشر، ولا حرية تنقل بين المدن والبلدان والقارات. تعقيم كل ما يدخل البيت من «الخارج» حيث الخطر المتربص الذي لا نراه بالعين أو ندركه بالحواس.

السياحة تحولت إلى مخاطرة، وارتياد السينما أو المسرح أو ملاعب كرة القدم باتت مغامرة يتحمل مسؤوليتها كل شخص. وماذا عن التسوق وتبادل النقود الورقية والسلع؟ عليكم باستخدام البطاقات المصرفية بدلاً من النقود. ولماذا لا نخبز خبزنا في البيت بدلاً من المخاطرة بشرائه من السوق مصدر الخطر؟

إلى ما قبل ظهور فايروس كوفيد ـ 19 في مدينة يوهان الصينية، كانت التأملات المستقبلية المتشائمة تتحدث عن سطوة التكنولوجيا الحديثة على مختلف مناحي الحياة، وعن زيادة الضبط والتحكم التي سيخضع لها الناس بحكم انتشار استخدام وسائل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. مع الوباء الجديد أضيف عامل آخر إلى القيود التي ستفرض على الفرد هو عامل الوقاية من الأوبئة. ولا شك أن الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على مواجهة التحديات الوجودية التي تفرضها أوبئة من نوع كورونا من الخبراء المعرضين للخطأ.

هل نحن، إذن، على أعتاب تحول كوبرنيكي في علاقتنا بالعالم ورؤيتنا له؟ هل انتهى عصر الليبرالية «السعيد» إلى غير رجعة؟ هل نعود القهقرى إلى عالم بدائي لكنه، في الوقت نفسه، خاضع لـ«حكومة عالمية» من «الخبراء» في الطب والتكنولوجيا وعلم الجينات والذكاء الاصطناعي؟ أم أن الانغلاق القومي في العالم الواقعي والانفتاح الكوني في العالم الافتراضي هو ما سيشكل أسس عالم الغد؟ هل انتهى مفعول الأيديولوجيات التي كانت تحرك ملايين البشر في سبيل مثل يوتوبية لتحل محلها أيديولوجيا وحيدة قائمة على الذعر؟

وماذا بشأن ثورات الشعوب التواقة إلى الحرية والعدالة والكرامة؟ هل انتهى ذلك جميعاً وعاد الناس إلى التمسك بغريزة البقاء رائزاً متفرداً يدفعهم للخضوع طوعاً لعبودية أشد من كل نسخها في العصور السابقة؟

هذا أكثر ما يثير الأسى، أعني أن يتخلى الناس طوعاً عن حريتهم ويخضعوا لمتطلبات حرب، حقيقية كانت أو وهمية، ضد شبح مخيف أنتجته الطبيعة.

كاتب سوري

القدس العربي

——————————

في بلاغة المقارنة بين الأسد وفيروس كورونا/ علي سفر

ليس ترفاً أو “فضاوة بال” أن يقوم سوريون بتشبيه فيروس كورونا (كوفيد 19) برأس النظام بشار الأسد! فقد فعل الفيروس بالبشر خلال مدة وجيزة لجهة القتل وتعطيل الحياة ومنع التواصل، شيئاً مشابهاً لما فعله ديكتاتور سوريا وداعموه بالشعب السوري، لهذا فإنه من الطبيعي أن يجد هؤلاء في قصة الفيروس مناسبة لإعادة الحديث عن مآسيهم، وإن بشكل ساخر.

المقارنة بين فيروس كورونا وبين الأسد تبدو إلى الآن غير متكافئة بين المُشبه وبين المُشبه به، فالأول عرضي وطارئ، بينما الثاني مُؤسس له ويمارس أفعاله عبر سبق إصرار وترصد!

كما أن سياق الإجراءات العالمية حيال الفيروس مازال حتى اللحظة يحاذر المساس بالقيم الديموقراطية، فقد فرض انتشار فيروس كورونا على الناس حول العالم حالياً القيام بعزل تطوعي لمحاصرة انتشاره، تحول مع الوقت ومع تراخي الغالبية في تطبيق الإجراءات إلى عزل إجباري ملزم بقوة عربات الجيوش ورجال الشرطة الذين باتوا حاضرين عند محطات النقل في المدن الأوروبية!

وقد كتب كثيرون عن أن ما يفرضه حضور الفيروس والإجراءات المضادة له بات يهدد مدنية المجتمعات المتحضرة، ولاسيما جزئية الحريات فيها، لهذا تجد الرئيس الفرنسي ماكرون ومثله عدد من زعماء العالم يتحدثون عن إجراءات الحماية عبر فرض الطوارئ، دون استخدام عبارات القسر والزجر الفاقعة، رغم الإشارة إلى أن الفرنسيين الآن باتوا في حالة حرب!

السوريون الذين تابعوا ردود فعل الأوربيين الذين أصيبوا بالهلع فسارعوا إلى المتاجر للتبضع بشكل محموم، سخروا في تعليقاتهم من الأمر وضاهى بعضهم بين حالتهم كشعب منكوب بحاكم قاتل، قام بذبح وتجويع وتشريد مواطنيه، وبين تعاطي الحكومات الأوروبية مع مواطنيها!

وفي المحصلة كانت هذه المقاربة تقودهم للسخرية من حالهم وواقعهم عبر استدعاء صورة الأسد بالتقابل مع صورة الفيروس!

المقارنة الساخرة مسألة تتعدى حقاً أغنية طريفة أو صورة كوميدية هنا أو منشور على فيس بوك هناك. إنها في جوهرها محاولة جدية عبر أدوات بلاغية لإيصال رسالة للعالم؛ أي لمن هم خارج حدود المذبحة السورية، لتنبيههم إلى أننا عشنا ومازلنا نعيش ما تقاسونه حالياً بسبب فيروس كورونا، ولكن بفارق وحيزٍ زمني مدته تسع سنوات ممتلئة بموت وآلام واعتقال وتهجير ونزوح ولجوء مستمرين دون توقف!

سابقاً كان الممانعون العرب مؤيدو نظام الأسد يأخذون على السوريين الثائرين أنهم قالوا في سياق غضبهم من هول ما يتعرضون له من جرائم؛ إن إسرائيل أفضل من نظام الأسد! ولكن ما لم يستوعبه هؤلاء المعترضون أن البلاغة تقتضي مقارنة الأسوأ المحكي عنه لتثقيل حجم أفعاله السيئة في عقول من يستمعون، بمن هو أشد سوءاً منه، وبموجب هذه الآلية العفوية في التفكير يصبح نظام الأسد أشد قبحاً وإجراماً من إسرائيل القبيحة والمجرمة، وبهذا يذهب النبض العفوي إلى عدم منح البراءة للاثنين من دم السوريين والفلسطينيين!

البلاغة هي الأداة اللغوية الأهم في سياق المرافعات والمجادلات وغير ذلك من نصوص متداولة بين البشر، واللجوء لألعاب التشابيه اللغوية كان في العصور الماضية السبيل الأساسي لإضفاء أقصى معاني التهويل ضمن سياق توصيل الرسائل بين البشر، طالما أن الأخبار تنتقل عبر اللغة، وكذلك يقوم على عاتقها كل تواصل ممكن بين الناس!

ولكن وبعد كل هذا الاجتهاد هل كانت هذه الرسائل البليغة تصل للمرسل إليه؟

أم أنها كانت تضيع في ضباب صنعته بعض وسائل الميديا التي تواطأت مع المجرمين القتلة ضد أحلام وطموحات السوريين، فغرزت فيها فزاعات وأشباح داعش والنصرة المخيفة والمرعبة للعالم كله بعد تاريخ دموي صنعه الجهاديون حول العالم وتعامت عن وجه حقيقي مختلف للثورة صنعه ثوارها الأوائل!

من المؤسف أن السوريين وبعد تسع سنوات من قيام ثورتهم، التي تداعت قوى عالمية وإقليمية ومحلية لمنع نجاحها، إضافة إلى ظروف الصراع المحلية ونشوء التيارات المتطرفة التي حرفت

من جرب كارثة حكم عائلة الأسد بالتأكيد لن يقلل من مآسي الآخرين! فهل تبقى رسائل السوريين ضائعة، وهل يبقى العالم أصم وأعمى وأخرس عن مآسيهم؟!

مساراته، باتوا منسيين بأحلامهم وطموحاتهم، لا يتم تذكر أحوالهم إلا حين يتم التفكير بأخطار لجوئهم إلى الدول الأخرى! ما يؤشر فعلياً إلى أن أياً من الرسائل التي اشتغلوا عليها وأرسلوها إلى العالم كله لم تصل أبداً، بدليل أن كارثتهم مستمرة، ويتم إذكاء نيرانها بدعم من روسيا وإيران وصمت دولي فادح عن جرائم النظام، يقزم المأساة إلى أزمة لجوء ولاجئين!

المقارنات الساخرة لدى السوريين لم تر في كارثة فيروس كورونا مجرد قصة مرض ومرضى، بل إنها تشير إلى تحسسهم للخطر الكبير الذي يكتنف انتشار العدوى بين البشر، فهي تهدد وجود الجميع، كما هدد ويهدد استمرار حكم الأسد لسوريا كينونة وحياة السوريين، وهم بهذا يتقدمون من حيث الالتقاطة الإنسانية على غيرهم!

فمن جرب كارثة حكم عائلة الأسد بالتأكيد لن يقلل من مآسي الآخرين! فهل تبقى رسائل السوريين ضائعة، وهل يبقى العالم أصم وأعمى وأخرس عن مآسيهم؟!

تلفزيون سوريا

—————————-

كورونا أم اللاجئون.. أيهما أخطر؟/ وداد نبي

العزلة أمر صعب للغاية، فنحن كبشر نحتاج إلى بعضنا البعض أكثر مما كنا نتصور. وبناء على هذه الفكرة لا يمكننا فصل مشكلة الكورونا عن مشكلة اللاجئين العالقين اليوم على الحدود اليونانية، حيث يتعرضون لشتى أنواع الظلم والعزل.

في الوقت الذي يمتد فيه شبح فيروس كورونا في كل مكان في العالم، وتغلقُ معظم الدول حدودها وتوقف الطيران فيما بينها، بحيث يمكن القول أن العالم بأكمله يدخل عزلة إجبارية تزيد من حالة العداء والخوف والحدود الفاصلة بينها وبين الشعوب الأخرى. في هذا الوقت، تظهر عدة بوادر إنسانية ملفتة للغاية، تجعلنا نفكر بأهمية التضامن بين الشعوب، وخاصة في هذه اللحظات الحرجة.

منذ أسبوع أرسلت الصين التي انطلق منها فيروس كورونا في ديسمبر العام المنصرم، شحنة من الأقنعة الطبية إلى إيطاليا كتعبيرٍ عن دعمها للحالة الصعبة التي يعاني منها الإيطاليون اليوم، البلد الأوروبي الأكثر تضرراً وتأثراً بالفيروس. وكان ملفتاً جداً وجود عبارة الفيلسوف الروماني سينيكا مطبوعة على المساعدات في الشحنة المرسلة: “نحن أمواج من ذات البحر، وأوراق من ذات الشجرة، وأزهار من نفس الحديقة”.

في هذه العبارة شيء أكثر بكثير من قصيدة شعرية، فهي تبدو كرسالة تأكيد قوية، تقول أن مصير البشرية مترابط، وأن نجاة أي شعب من الشعوب لايمكن أن يكون بشكل فردي، وإن كان من نجاة فهي جماعية ولا بد. ولذا لاقت مشاهد الفيديو القادمة من إيطاليا، التي يظهر فيها الإيطاليون وهم يغنون من شرفات منازلهم رغم الحجر الصحي المفروض عليهم، ترويجاً وتضامناً كبيرين من قبل بقية الشعوب في العالم، حيث احتفى الجميع مع الإيطاليين برغبتهم بالاستمرار والتواصل الإنساني رغم كل الظروف الصعبة.

اللاجئون السوريون في لبنان: الوقائع بعيداً عن الترويج/الشعبوية(1)

31 آب 2016

كما أنهُ ظهر للجميع، وبشكل واضح، أن العزلة أمر صعب للغاية، وأننا كبشر نحتاج إلى بعضنا البعض أكثر مما كنا نتصور. وبناء على هذه الفكرة لا يمكننا فصل مشكلة الكورونا عن مشكلة اللاجئين العالقين اليوم على الحدود اليونانية، فمنذ أسبوعين ظهر كاريكاتير في صحيفة ألمانية تدعى هاندل بلات، حيث يظهر الكاريكاتير رجلاً كبيراً بالسن  يسمّى “أوروبا”، يحاول الدفاع عن غرفته ضد هجومين، الهجوم الأول هو فيروس كورونا والهجوم الثاني من اللاجئين العالقين على الحدود اليونانية.

هذا الكاريكاتير كان مثيرا للاشمئزاز، خاصة عندما ننظر إلى الصور الحقيقية، مثل تلك التي تظهر اللاجئين بعد تعرضهم للضرب، وتجريدهم من ملابسهم  من قبل حرس الحدود اليونانيين، حيث تم إعادتهم إلى المنطقة الحدودية شبه عراة، أو صور رجال الإنقاذ اليونانيين الذين يحاولون منع القوارب من الرسو، حيث يتم اصطياد اللاجئين كما لو كانوا كلاب خطيرة ومصابة بداء الكلب، كما يدفع الاتحاد الأوروبي والدول الأخرى أموالاً حتى هذه اللحظة للحكومة اليونانية لمنع الناس اليائسين من الوصول إلى حدود أراضيهم.

هذه المشاهد وغيرها دفعتني للتفكير أن اللاجئين هم زومبي هذا العصر، هم أخطر من فيروس كورونا، هم الذين سوف يبتلعون أوروبا كغول الحكايات.

لهذا إن التضامن لا يتجزأ، ولا يمكن أن نتضامن مع بعضنا بسبب الفيروس ولا نتضامن مع بعضنا حين يكون هناك آلاف العائلات مهددة بالموت والغرق بسبب الحروب والفقر، ما يعني أن جميع أشكال التضامن مطلوبة جداً في اللحظة الراهنة، سواء التضامن لأجل منع  انتشار الفيروس أو التضامن مع آلاف اللاجئين العالقين على الحدود اليونانية.

والتضامن هنا ليس مطلوباً فقط من الدول الأوروبية أو من الغرب فقط، إنما مطلوب أيضا من الدول العربية، وتحديداً من السعودية ودول الخليج التي تتمتع باستقرار ورخاء نسبيين، تجعلها قادرة أيضاً على المشاركة مع أوروبا في إنقاذ مصير آلاف العائلات العالقة على الحدود، فالتضامن وحده الذي يمكن أن ينقذ مصير البشرية من الهلاك الذي تسير إليه، بسبب التقوقع والعزلة وانتشار الأفكار القومية والعنصرية والتشدد الديني والإيديولوجي.

يحتاج العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تكاتف الجهود لإنقاذ مصير البشرية من الغرق المحتم، حيث لابد لنا جميعاً من إدراك معنى عبارة الفيلسوف الروماني: “نحن أمواج من نفس البحر وأوراق من نفس الشجرة وأزهار من نفس الحديقة”.

————————–

لا اكتراث بـ”كورونا” في شوارع دمشق والنظام غائب/  ريان محمد

خرج مؤيد عبد القادر (38 عاماً) من منزله، بعد أن مضى على تطبيقه حجراً صحياً ذاتياً لنحو أسبوع، متخذاً جميع الاحتياطات الصحية، فوضع الكمامة والقفازات الطبية، وتوجه إلى المخبز القريب من منزله في دمشق لجلب الخبز وبعض المواد التموينية، لكن المشهد كان صادماً له، بحسب تعبيره لـ”العربي الجديد”.

وأضاف عبد القادر”وجدت الحركة في الشوارع شبه اعتيادية، إن لم أقل إنها قد ازدادت في مثل هذا الوقت من اليوم، وغالبية الناس لا تضع كمامات، وهناك أشخاص يصافحون بعضهم البعض، وهناك من يبصق في الشارع”.

ويبدو أن أكثر المشاهد التي أثارت عبد القادر، هو الطابور الطويل أمام المخبز، حيث يقف عدد كبير من الأشخاص ملاصقين لبعضهم البعض، وكان من بينهم رجل يسعل بشدة دون أن يضع منديلا أو يده أو ثنية مرفقه، وآخر استخدم منديلاً ورماه في الأرض، دون أن يوجد أحد ينبههم أو يرشدهم أو يبعدهم عن الناس.

وأضاف عبد القادر “عقب هذا المشهد قررت أن أشتري ربطة خبز بـ100 ليرة سورية، وهو ضعف ثمنها، من أحد باعة الخبز المنتشرين بمحيط المخبز، لكن عندما رأيتهم كيف يضعون الخبز على الأرض، توجهت لشراء ربطة خبز سياحي بـ400 ليرة من محل بيع المواد الغذائية”.

اقــرأ أيضاً

الجوع يفاقم أزمة اللاجئين السوريين عند الحدود اليونانية-التركية

ويبدو المشهد في العاصمة السورية دمشق شاذاً عن كثير من عواصم العالم وحتى الدول المجاورة، ففي حين تعيش تلك العواصم حالة من الحجر الصحي، تبدو الحياة طبيعية في دمشق، فالإزدحام ذاته في وسائل النقل العام والأسواق، في حين لا تلحظ في الشوارع أي نشاط للكوادر الصحية، فيما يخص عمليات منع تجمع الناس أو التعقيم العام، بحسب مراسل “العربي الجديد”.

وتبدو محال بيع المواد الغذائية من أكثر الأماكن ازدحاماً، بحسب حديث كمال إبراهيم (53 عاما)، الذي قال لـ”العربي الجديد” “لو كنا سنصاب بفيروس كورونا، فزيارة قصيرة إلى السوبرماركت كفيلة بذلك، حيث هناك ازدحام شديد، في ظل غياب تام لوسائل الوقاية أو التعقيم”.

وأضاف “والازدحام الأكبر في العيادات الخارجية على اختلاف اختصاصاتها في المشافي العامة، كما شاهدت ذلك بالأمس عندما اصطحبت ابني إلى أحد المشافي العامة، ودون وجود أي وسائل وقاية للناس، في حين كان الكادر الطبي يرتدي كمامات وقفازات، ويتم مسح الأرض كل ساعة أو أكثر”.

من جانبها، تشعر جمانة مراد (27 عاماً)، موظفة في شركة تجارية وسط دمشق، بالقلق من نسبة اللامبالاة التي تشهدها في طريقها إلى العمل، مضيفة لـ”العربي الجديد”، “أدعو الله كل يوم أن لا يكون هناك مصاب في دمشق، لأن النتيجة ستكون كارثية، يكفي أن يمر في أحد أسواق دمشق الرئيسية، لينقل العدوى إلى مئات أو آلاف السكان خلال 24 ساعة”.

كما تحدثت جمانة عن وجود “نسبة كبيرة تستخف بالوباء، ولا تتعامل بأي نوع من المسؤولية تجاه اتباع سبل الوقاية”، عازية ذلك إلى اعتقادها بعدم وجود خطر حقيقي، في ظل الإعلان الرسمي عن خلو سورية من أي إصابة كورونا”.

اقــرأ أيضاً

أهالي القامشلي السورية يشتكون من رداءة الخبز: بطعم الشقاء

وكانت وسائل إعلام سورية محلية نقلت عن رئيس مجلس الوزراء التابع للنظام عماد خميس قوله، خلال جلسة استثنائية للجنة عقدت أمس الأربعاء، “إن حجم الخطر الذي يواجهه العالم أبعد مما هو لوباء معين، ولا يخفى على أحد انتشار حالات من الفوضى في العديد من الدول نتيجة هذه الظاهرة، وهذا يعتبر أصعب من الوباء ذاته، لذلك لجأت الحكومة السورية إلى اتخاذ قراراتها بحكمة وبشكل تدريجي، وباشرت بأخذ الاحتياطات على كافة الأصعدة، وقد تصل الأمور إلى منع التجوال لو كان هناك حالات إصابة”.

العربي الجديد

—————————————

مخيم الركبان بلا مساعدات طبية:قنبلة موقوتة إذا وصل كورونا

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بمواجهة تفشي فيروس كورونا، يجد نحو10 آلاف مدني من سكان مخيم الركبان الواقع عند نقطة التقاء الحدود السورية/الأردنية، في عمق بادية حمص، أنفسهم وحيدين من دون أي تدابير احترازية لمواجهة الجائحة العالمية.

وما زاد من مخاوف الأهالي، إغلاق النقطة الطبية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف)، الأربعاء، وهي الواقعة داخل الحدود الأردنية والمخصصة لاستقبال أطفال ونساء المخيم، وهو ما أكده رئيس المجلس المحلي في مخيم الركبان محمد درباس الخالدي.

وقال الخالدي ل”المدن”، إن إغلاق النقطة الطبية، سيزيد من معاناة السكان، وتحديداً النساء اللواتي يلدن بشكل غير طبيعي “عملية قيصرية”، محذراً من أن النساء قد يواجهن الموت، في حال بقيت النقطة الطبية مغلقة، في الوقت الذي تغلق فيه الأردن حدودها.

وتابع: “وكأن الحصار الذي يفرضه النظام السوري، وروسيا على المخيم، لا يكفي للأهالي، ليأتي القرار الأخير بإغلاق النقطة الطبية ليزيد من نسبة المعاناة”.

وأكد الناطق باسم هيئة العلاقات العامة والسياسية في المخيم شكري الشهاب ل”المدن”، أن النقطة أُغلقت كإجراء احترازي أردني ضد انتشار فيروس كورونا. وأوضح أن النقطة تبعد عن المخيم نحو 10 كلم، وتقوم آليات تابعة للجيش الأردني بنقل المرضى من أطفال ونساء بعد تجميعهم بنقطة طبية داخل المخيم، ومن ثم يتم إعادتهم بعد تلقيهم العلاج.

وحول البدائل الطبية، أكد الشهاب خلو المخيم تماماً من الأطباء، حيث يتواجد عدد من المتدربين على الأعمال التمريضية، في نقطتين طبيتين، لتقديم خدمات طبية بالحد الأدنى، معبراً عن استغرابه من إغلاق النقطة الطبية، رغم الحاجة الشديدة لها.

بالمقابل أشار إلى حالة من القلق تسود المخيم خوفاً من انتشار فيروس كورونا، مؤكداً عدم توفر أي أدوات طبية، من معقمات وأقنعة واقية، لمواجهة الفيروس.

ويرزح مخيم الركبان تحت وطأة حصار شديد من قبل النظام السوري، الذي يمنع وصول المواد الغذائية إلى داخل منطقة التنف، التي يتواجد فيها المخيم، وتفرض الحواجز العسكرية مبالغ مالية كبيرة لقاء عبور عدد من الشاحنات المحملة بالغذاء والخضار.

وعلمت “المدن” أن سكان المخيم يعانون راهناً من فقدان مادة الطحين، ويتهمون النظام السوري بمنع إدخال هذه المادة الأساسية لزيادة الضغط عليهم، ودفعهم إلى مغادرة المخيم نحو مناطق سيطرته، في حين لم يسجل المخيم وصول أي مساعدات أممية منذ ما يزيد عن نصف عام.

وقبل إعلان روسيا عن فتح ممرات آمنة نحو مناطق النظام، كان عدد النازحين في داخل مخيم الركبان يتجاوز 45 ألفاً، وبقي منهم في الوقت الراهن نحو 10 آلاف، من الرافضين لدخول مناطق النظام.

وتخضع منطقة التنف (المنطقة 55) لسيطرة التحالف الدولي، وتنتشر فيها فصائل تابعة ل “الجيش السوري الحر”.

المدن

——————————

الصحة العالمية:كورونا عدّو البشرية..والاصابات أكثر من 200 ألف

اجتازت حالات الإصابة بكورونا المستجد عتبة ال200 ألف إصابة في العالم، علماً ان هذا الرقم لا يعكس سوى جزء من الحالات الفعلية لأن عدداً كبيراً من الدول لا تقوم بالفحوص المطلوبة، فيما إرتفع عدد الوفيات الى أكثر من ثمانية آلاف.

وفيما توقعت الأمم المتحدة أن تزيد أزمة الوباء عدد العاطلين عن العمل في العالم ليصل إلى 25 مليوناً، أعلنت “الأونيسكو” أن أكثر من 850 مليون شاب في العالم، اي نحو نصف عدد التلاميذ والطلاب، اضطروا الى البقاء في منازلهم من دون إمكان التوجه الى مؤسساتهم التعليمية بسبب الوباء.

وصنّف مدير عام منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، الفيروس بأنّه “عدو للبشرية”. وقال في مؤتمر صحافي إنّ “هذا الفيروس يمثّل تهديداً غير مسبوق. ولكنّه يمنح أيضاً فرصة غير مسبوقة لكي نحتشد ضدّ عدو مشترك، عدو للبشرية”.

أوروبياً باتت مدينة أوفار في وسط البرتغال أول مدينة يخضع سكانها للحجر الصحي في البلاد، وسط توقعات بأن يعلن الرئيس البرتغالي حال الطوارئ لتوسيع هذا التدبير إلى سائر الأراضي البرتغالية.

وعلّقت ألمانيا برنامج إستقبال لاجئين سوريين مع تركيا بسبب إغلاق الحدود مع الاتحاد الأوروبي لوقف تفشي الفيروس.

 وفي بريطانيا قالت وزارة الصحة أن عدد الأشخاص الذين أكدت الاختبارات إصابتهم بفيروس كورونا إرتفع إلى 2626 حالة. وأوضحت الوزارة أن الحالات زادت بواقع 676 شخصاً مقارنة بيوم الثلاثاء.وأعلنت بريطانيا 71 حالة وفاة بالفيروس حتى الآن.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب إغلاق الحدود مع كندا أمام الحركة “غير الأساسية”، مشدداً على أن النشاط التجاري لن يتأثر بهذا الإجراء. ويضاف هذا القرار إلى منع ترامب غالبية المسافرين الآتين من أوروبا والصين ومناطق أخرى من العالم من دخول الأراضي الأميركية بسبب انتشار الفيروس.

ولا زالت إيران تعاني، وتجاوز عدد الوفيات الأربعاء، الألف، فيما دافع الرئيس حسن روحاني عن تعامل حكومته مع الوباء رغم عدم فرضها إغلاقاً شاملاً. وقال إن “الحصيلة الاجمالية للوفيات ارتفعت الى 1135 وفاة من بين 17361 إصابة منذ ظهور المرض أول مرة قبل شهر”.

وقال روحاني: “البعض يتساءلون لماذا لا تتدخل الحكومة، ولكنني أعتقد أننا تدخلنا بشكل كبير”، مضيفاً “لقد أنجزنا أشياء عظيمة (من بينها) إجراءات لم تتخذها دول أخرى”.

ولم تفرض ايران اغلاقاً كاملاً، وانتشر الفيروس في محافظات البلاد ال31. ولم يعلًق العديد من المسؤولين الإيرانيين على عدم فرض إغلاق كامل، إلاّ أن رئيس بلدية طهران بيروز هاناتشي قال إن “الإقتصاد قد لا يحتمل كلفة الإغلاق خاصة في ظل العقوبات الأميركية القاسية”.

وأكد نائب وزير الصحة علي رضا رئيسي أن “الوباء يمكن أن يستمر اكثر من شهرين في حال واصل الناس السفر خاصة خلال العطلات”. وقال في مؤتمر صحافي: “الجميع باتوا يعلمون الآن بالمرض، والغريب أن هناك اشخاصاً لا يأخذونه على محمل الجد”.

وأضاف “إذا ساعد الناس نستطيع السيطرة عليه، والا فلنتوقع أن يطول هذا الأمر أكثر من شهرين”، مشيراً الى أن “طهران مليئة والناس يتنقلون في سياراتهم رغم تحذيرهم من هذا الأمر”.

 وبلغ المرض درجة خطورة غير مسبوقة في كيان الإحتلال الإسرائيلي، وأعلنت وزارة الصحة أن “عدد حالات الإصابة المؤكدة بالفيروس قفز 40 في المئة إلى 427 حالة في الساعات الأربع والعشرين الماضية، وتوقعت زيادة أكبر مع تنفيذ عمليات فحص جماعي”.

وقالت وزارة الأمن الداخلي إن “إغلاقاً قسرياً تنفذه الشرطة قد يطبق قريباً في مختلف أرجاء البلاد”.

ولم تسجل أي حالات وفاة في إسرائيل لكن وثيقة لوزارة الصحة بتاريخ 17 آذار/مارس أبلغت العاملين في الصحة والقائمين على عمليات دفن الموتى بتعليمات تتعلق بالتعامل مع أي حالة وفاة تحدث.

وعربياً قالت الإمارات إنها ستمنع دخول الأجانب باستثناء الدبلوماسيين والمقيمين في حين علقت السعودية العمل في معظم قطاعها الخاص لمكافحة فيروس كورونا.

وسجلت الكويت 12 حالة إصابة جديدة بينها ست حالات لمواطنين كويتيين ولمقيم أميركي ومقيم إسباني كانوا جميعاً في بريطانيا. وبهذا يرتفع العدد الإجمالي للإصابات في دول مجلس التعاون الخليجي الست لأكثر من 1100 حالة.

ومنعت قطر وسلطنة عمان دخول الأجانب. وفرضت مسقط حظراً على سفر المواطنين إلى الخارج.

——————————–

وباء العزلة يوحّد العالم ويقول: أنا العولمة الجديدة/ محمد أبي سمرا

لم نعد نميّز بين أيام الأسبوع وساعات النهار والليل، ولم يعد ضرورياً التمييز بينها أصلاً في حياة فقدت إيقاعها ومواقيتها، إلا البيولوجية منها.

وقتٌ وفير، سائلٌ أو متجمد، بلا تعرجاتٍ ولا نتوء، أو حلزونيٌّ مستدير، ولا فرق إن كان أفقه مرئياً أم بلا أفق. وقتٌ مسطحٌ معلّق وموقوف، أملسُ ومقطوع اليدين، ضريرٌ وعقيم…

كالحياة التي صارت شبحيةً كالعابرين القليلين في الشوارع وعلى الأرصفة، كوجوه العابرين، كحركاتهم الضئيلة، كالتحيات المستريبة المرجأة، كالمسافة الموبوءة بين شخصين شبحيين.

وفتك الوباء بالأصوات والكلمات، بالنطق بالكلمات التي جفّت من جذورها، فصرنا نبتلعها في عزلاتنا، ولا نقوى على تبادلها إلا صامتةً على شاشاتٍ زجاجية.

وفي خطواتنا الشبحيّة الخائفة على رصيف، لم تعد أبصارنا تتصفح وجوه العابرين المنكّسة مثل وجوهنا وأبصارنا إلى الأرض، لا لنبصر الأرض، بل ليظل العابرون مثلنا أشباحاً أو شبحيين.

****

هل اكتملتْ جنة تواصلنا الافتراضي أخيراً؟

هل صارت هذه الشاشات الزجاجية نوافذنا الوحيدة على عالم أبكم؟

وحياتنا السابقة على هذه العزلة المنزلية، هل صارت حلمَ يقظةٍ قديم، كمن عرفناهم طوال سني أعمارنا، واختفوا مثلنا، أو غرقوا في الصمت والقطيعة؟

نحادثهم أحياناً عن بعد، لكن كأنما نحادث ظلالاً، أو أشخاصاً من زمن ما قبل الطوفان.

حتى جنّة التواصل الافتراضي هذه لم تعد مسكونة سوى بالوباء الطوفانيّ الذي وحّد العالم، كما لم يتوحدْ أبداً من قبل.

فعالم ما قبل الطوفان الوبائي كان يتهيأ لطور جديد من عولمته: الخوفُ والريبة من العولمة، وارتدادُه عنها وعن إزالة الحدود. ورعبُه من اختلاط البشر المتذرّرين، من انسيابهم بين البلدان والقارات، من فرارهم من بلدان البؤس والحروب، فتبتلع بعضَهم البحارُ دون حلمهم المستحيل بالخلاص من البؤس والحروب.

****

هذا كله انتهى، قال الوباء فجأة.

وقال: هيا استريحوا. لا حاجة لجهودكم كلها، ولا لملحمة تواصلكم وتخالطكم.

أنا العولمة ونقيضها – قال الوباء – فهيا اعتزلوا في بيوتكم. أنا ملاك العولمة وخوفكم منها، وسوف أملؤكم خوفاً صافياً، بل رحيق الخوف الصافي، حتى في عزلاتكم.

وقال أيضاً: ما لكم وما عشتموه قبلي. لقد صار هباءً وصار سدىً. ما سميتموه التواصل الاجتماعي والتخالط الاجتماعي، وبابل العلاقات واللغات، في ذلك الانسياب المادي المباشر، انتهى وصار من ذكريات عالمكم القديم.

ثم قال: هيا إلى العزلة، إلى التباعد الاجتماعي، إلى نوافذ تواصلكم اللامادي، إلى شاشاته الزجاجية الخرساء. ثوراتكم وانتفاضاتكم تلك التي ما زلتم تبحثون لها عن أسبابٍ وأفقٍ وأسماء، انسوها وتفرغوا لمساكنة الخوف في عزلاتكم الانفرادية.

وقال أخيراً: كل ما تمسسه أيديكم صار مسكوناً بالريبة، بالرعب. حتى الثياب، ثيابكم، صارت عدواً يتربص بكم، مثل كل شي في عالمكم المادي القديم.

***

في هذه العزلة أتخيّل أن بشر هذا الكوكب يستجيبون نداء أحدهم المجنون عبر الشاشات الزجاجية الخرساء: هيا اخرجوا من هذه العزلات الوبائية إلى الشوارع. غنوا، ارقصوا، وتعانقوا.

قد يخيف خروجكم وغناءكم ورقصكم وعناقكم الوباء، أو يكون مشهدكم الوداعي للحياة على هذا الكوكب.

المدن

———————

أديان في مواجهة كورونا: محاربة الشذوذ الجنسي والأفلام القذرة/ مروة صعب

أديان في مواجهة كورونا: محاربة الشذوذ الجنسي والأفلام القذرة اللجوء إلى الماورائيات لم ينهه تقدم الطب والعلم (Getty)

سواء أكانوا يؤمنون بالله أو لا يؤمنون، يحتاج العلماء والأطباء الالتفات إلى المعتقدات الدينية المؤثرة بقوة في السلوكيات الرئيسية، وخصوصاً في المجتمعات الملتزمة دينياً، وفي أوقات التعامل مع الأوبئة. فالمعتقدات والممارسات التقليدية والدينية على صلة وثيقة بالثقافة الغذائية والصحية. وهذا ما يظهره التنوع العرقي والثقافي بين المجتمعات، ويشكل عاملاً أساسياً في إضعاف مواجهة الأوبئة عبر التاريخ.

إيبولا أفريقيا

تاريخياً،  يعد تفشي مرض إيبولا الفيروسي في غرب إفريقيا، والذي يصيب المجتمعات في غينيا وليبيريا وسيراليون مع حالات احتوائه في نيجيريا ومالي والسنغال، أكبر تفشٍ معروف منذ اكتشاف الفيروس عام 1976. والمجتمعات الإسلامية والمسيحية هناك تتكاثر تفسيراتها الدينية للوباء. فقيل إن إيبولا عقاب من الله على انغماس البشر في أنشطة مثل الزنا والشذوذ الجنسي. وذكرت دراسة سابقة أجراها الباحثان هيوليت باري وهيوليت بونّي ادعاءات مماثلة لدى المعالجين الروحانيين التقليديين في أوغندا. وهم اعتمدوا علاجاً من الوباء جرح أجسام المصابين وفركها بمستحضرات نباتية. وقد أصيب المعالجون بالعدوى، ونقلوها إلى مرضاهم.

واللجوء إلى الماورائيات لم ينهه تقدم الطب والعلم، فالثقافات الشعبية غالباً ما  تربط البلاء  بالماورائيات. وليس بمستغرب استدعاء العرافين والمعالجين الروحيين للعلاج.

عِناد وتصلب دينيان

وعلى ضوء انتشار  الفيروس كورونا (كوفيد 19) المستجد في مختلف دول العالم، نشهد انقساماً واضحاً على مستوى الوعي حيال كيفية تعامل الأديان مع الفيروس المعدي.

ففيما توصي منظمة الصحة العالمية تجنب  التجمعات  والتوقف عن أي نشاط ٍ يتسبب بنقل الفيروس، وصولاً إلى إعلان حالة الطوارئ في الدول الموبوءة، استمر فتح المساجد في لبنان وإقامة صلاة الجماعة حتى الجمعة الأخيرة،  رغم مرور 24 يوماً على تسجيل أول حالة  في البلاد. وتخطى عدد المصابين بالفيروس الستين لإقرار دار الإفتاء باختصار خطبة الجمعة إلى أن لا تتجاوز دقائق عشر، قبل أن تعلقها تماماً يوم السبت 14 آذار.  وهذا ما أغضب مجموعة “شباب صيدا المسلم” الذين رأوا أن القرار جائر، ولا مثيل له على مر العصور. ودعت المجموعة “إلى رفض هذا القرار والذهاب إلى المساجد  والصلاة في أوقاتها، ولو على الأبواب. وإلا سوف نذهب للوقوف أمام دار الإفتاء والمطالبة بالتراجع عن هذا القرار بشتى الوسائل السلمية.” وأعلن البطريرك الماروني الراعي مار بشارة بطرس الراعي الجمعة 13 آذار تعليق التجمعات في الكنائس على أن يتابع المؤمنون الصلاة في كافة المناسبات في منازلهم.

وتصر بعض دور العبادة  في بعض الدول حول العالم على  إصدار قرارات تتعارض مع توصيات منظمة الصحة  العالمية. فقالت الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية قبل أسبوع إنها ستواصل تقديم  المناولة  على طريقتها التقليدية: الخبز المنقوع بالنبيذ من الكأس نفسه لجميع الحاضرين في  الكنيسة. وفي بلغاريا تسير الأمور على النحو ذاته، بعدما أعلن البطريرك الأرثوذكسي أن الكنائس ستظل مفتوحة لجميع الخدمات والطقوس من دون الخوف من الإصابة بفيروس الكورونا. وقال فاسيلي بانيسكو المتحدث باسم  الكنيسة الرومانية الأرثوذوكسية: “الكنيسة ليست في حجر صحي لأنها تنتمي  إلى المسيح، وليس لأي سلطة أرضية”. وفي باكستان  رغم الإعلان عن 23 إصابة  بكورونا، تستمر  حتى اليوم إقامة صلاة الجمعة مع استبدال الخطبة بنصائح حول اتخاذ الاجراءات الاحترازية. وهذا ما فعله الشيخ باقر زيادي في كاراتشي، موجهاً إرشاداته لمصلين محتشدين بالمئات.

وفي بلجيكا تركت الفدرالية للمركز الإسلامي والكاتدرائية حرية اتخاذ القرار إزاء فتح المساجد والكنائس أو إغلاقها،  شرط الالتزام بالشروط الاحترازية. وعليه يتوزع المسلمون في بلجيكا على المساجد لتجنب الاكتظاظ وليس هناك قرار بوقف صلاة الجماعة  حتى الآن. أما الكاتدرائية فقد اتخذت القرار بتعليق إقامة الطقوس الدينية في الكنائس.  وفي تونس أصدرت وزارة الشؤون الدينية بياناً دعت فيه الأئمة إلى عدم إطالة خطبهم وصلواتهم وتقليص  وقت خطبة الجمعة إلى عشر دقائق.

واستهجن رواد مواقع التواصل الاجتماعي إقفال الحرم المكي أمام شعيرة العمرة، فيما توقفت شعيرة الحج الأعظم لدى المسلمين، بسبب الطاعون عام 1814 وبسبب الكوليرا عام 1883.

دين وخرافات

مواجهة الوباء محكومة بكيفية النظر لمسبباته. فإذا نظر إليه على أنه تتويج لأسباب ماورائية، عقاب من الله أو عمل أرواح شريرة، فإن خط التفكير هذا يمكن أن يجعل من الصعب فهم  سبب انتشار مثل هذا الوباء. يقول القس  باستور ريك ويلز، عبر قناة TruNews أنه يعتقد أن الله أرسل الفيروس لتطهير الخطيئة: “روحي تشهد على أن هذا وباء حقيقي قادم على الأرض. والله على وشك تطهير الخطيئة من هذا الكوكب”. ويلقي ويلز باللوم على “الفجور الجنسي” و “القذارة على التلفزيونات والأفلام” باعتبارهما مرتبطان بالفاشية. وهو يعتقد أن المسيحيين المخلصين ليسوع محصنون ضد الفيروس. ويعتبر أن “حكومة الصين الشيوعية الملحدة” هي سبب إصابتها بالفيروس. ويقول الحاخام الإسرائيلي مئير مزوز  إن انتشار فيروس كورونا حول العالم سببه الشذوذ الجنسي ومسيرات المثليين “ضد الفطرة والطبيعة، والله ينتقم منا بسبب ذلك”. ويتساءل مسلمون إن كان كورونا من علامات يوم القيامة. فيما يواصل بعض رجال الدين نشر  وصفات الشفاء من الوباء،  آخرها اكتشاف علاج عالم الدين الإيراني  عباس تبريزيان الذي نصح متابعيه عبر قناته على تلغرام بعلاج جديد  للكورونا  يقضي بدهن فتحة الشرج بزيت البنفسج  قبل الخلود إلى النوم.

—————

الاتحاد الأوروبي: روسيا تنشر معلومات كاذبة حول كورونا

أفاد الاتحاد الأوروبي بأن الإدارات المعنية في مؤسساته لاحظت تزايداً في تدفق المعلومات المغلوطة والكاذبة المتعلقة بوباء فيروس كورونا المستجد.

وكشفت وثيقة للاتحاد الأوروبي، أن وسائل الإعلام الروسية لجأت إلى حملة تضليل كبرى ضد الدول الغربية، بقصد التهويل من أثر فيروس كورونا وخلق حالة من الذعر ونشر أجواء عدم الثقة، حسبما نقلت وكالة “رويترز”.

وجاء في الوثيقة الموقعة بتاريخ 16 آذار/مارس الجاري: “هناك حملة تضليل كبرى من وسائل الإعلام الروسية والجهات المؤيدة للكرملين في ما يتعلق بفيروس كوفيد-19”. وأضافت الوثيقة، التي صدرت عن خدمة العمل الخارجي الأوروبي التابعة للاتحاد: “الهدف النهائي لحملة التضليل التي يقوم بها الكرملين، هو تضخيم الأزمة الصحية العامة في الدول الغربية، بما يتماشى مع إستراتيجية الكرملين الأشمل التي تحاول تدمير المجتمعات الأوروبية”.

وبحسب وسائل إعلام أوروبية، أشار المتحدث باسم الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية، جوزيب بوريل، الى أن المؤسسات الأوروبية رأت منذ بداية الوباء تصاعداً في الحملات المغرضة المتعلقة به، حيث “هناك أطراف خارجية منها روسية، موجودة في روسيا أو موالية للكرملين تقف وراء كل هذا”.

إلى ذلك، أوضح بيتر ستانو، أن إدارة العلاقات الخارجية في الاتحاد تتابع ما يتم ترويجه سواء في شبكات التواصل الاجتماعي أو وسائل الاعلام التقليدية من معلومات بشأن “كوفيد 19″، مضيفاً: “لدينا وحدة خاصة مهمتها التعرف على المعلومة الخاطئة، تحديد مصدرها وتفنيدها ونشر المعلومات الصحيحة على موقع خاص”.

ويتعاون الأوروبيون في مجال ضبط وتفنيد المعلومات الخاطئة مع جهات عديدة، مثل حلف شمال الأطلسي “ناتو” ومجموعة الدول السبع، وكبرى شركات التكنولوجيا المعنية. لكن المؤسسات الأوروبية لا ترى فائدة من الحوار مع الروس، الذين ينكرون باستمرار تورطهم في ترويج أي معلومات خاطئة، على حد تعبير ستانو.

والحال أن الكرملين نفى، الأربعاء، ما ورد في وثيقة الاتحاد الأوروبي. وقال ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين للصحافيين أن “المزاعم لا أساس لها ومنافية للمنطق”، واعتبر أن هناك افتقاراً لأمثلة بعينها أو صلة بمنفذ إعلامي محدد في وثيقة الاتحاد الأوروبي. وقال: “نتحدث مرة أخرى عن مزاعم لا أساس لها ومن المرجح في الوضع الراهن أن تكون ناجمة عن هوس عدائي تجاه روسيا”.

وتجري المفوضية الأوروبية حواراً مكثفاً مع شركات الانترنت، التي وقعت معها مدونة سلوك العام 2018، في محاولة للتصدي للحملات المغرضة سواء بشأن “كوفيد 19” أو أي أمر آخر. كما ناشد الاتحاد الأوروبي مستخدمي الانترنت التأكد من مصادر المحتويات التي يطالعونها ويشاركونها.

وقال ستانو: “من ينشر أو يشارك معلومات غير مؤكدة أو موثوقة المصدر يجب أن يعي أنه يتلاعب بحياة الآخرين”.

وذكرت الوثيقة أن الحملة الروسية، التي تدفع بالأخبار المزيفة في الإنترنت، بالإنجليزية والإسبانية والإيطالية والألمانية والفرنسية، تستخدم تقارير متناقضة ومربكة وخبيثة لجعل من الصعب على الاتحاد الأوروبي التواصل حول استجابته للوباء. وسجلت قاعدة بيانات متخصصة للاتحاد الأوروبي ما يقرب من 80 حالة تضليل حول الفيروس منذ 22 كانون الثاني/يناير الماضي.

واللافت أن الوثيقة تضمنت أمثلة مباشرة حول حالات التضليل، بعكس الادعاءات الروسية. وقالت أنه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كانت شبكة “روسيا اليوم” التي تمولها الدولة هي المصدر الإخباري الـ12 من حيث شعبية بشأن الفيروس، بين كانون اثاني/يناير ومنتصف آذار/مارس، استناداً إلى كمّ الأخبار التي تمت مشاركتها.

ورفضت الوكالة الأوروبية للخدمات الاقتصادية والاجتماعية، التعليق مباشرة على التقرير، لكن متحدثاً باسمها قال أن “الاتحاد الأوروبي على اتصال بغوغل وفايسبوك وتويتر ومايكروسوفت من أجل مناقشة انتشار المعلومات المضللة حول تفشي كورونا”.

ولم تنجح وسائل الإعلام الروسية في أوروبا في الوصول إلى الجمهور الأوسع، لكنها توفر منبراً للشعبويين المناهضين للاتحاد الأوروبي وتستقطب النقاش، كما أظهر التحليل الذي أجرته جماعات الاتحاد الأوروبي والجماعات غير الحكومية.

ومن أبرز القصص المضللة التي اعتمدتها الأخبار الزائفة الروسية، الحديث عن أن الفيروس من صنع الإنسان وأنه انتج كسلاح بيولوجي من قبل الدول الغربية، لكن دراسة نشرتها مجلة “نيتشر” العلمية، الثلاثاء وتناقلتها وسائل إعلام أميركية، وشارك فيها باحثون من جامعات أدنبرة وكولومبيا وسيدني وتولين، لم تجد أي دليل على أن الفيروس تم صنعه في مختبر أو هندسته بأي شكل آخر. وتم التوصل لتلك النتيجة بعدما حلّل العلماء بيانات تسلسل الجينوم العام لفيروس كورونا المستجد والفيروسات ذات الصلة.​

ونقلت صحيفة “فاينانشال تايمز” معلومات عن أنباء مزيفة ابتكرتها روسيا في إيطاليا، ثاني أكثر الدول تضرراً في العالم، وزعمت أن الأنظمة الصحية لن تكون قادرة على التأقلم وأن الاطباء سيختارون من يعيش أو يموت بسبب نقص الأسرّة. كما تبادلت المنطقة الاقتصادية الأوروبية معلومات مع سلوفاكيا حول انتشار الأخبار المزيفة التي تزعم أن رئيس وزراء البلاد، بيتر بيليغريني، مصاب بالفيروس، وتقول أنه ربما يكون قد نقل العدوى إلى آخرين في القمم الأخيرة.

———————-

هكذا يكون الحجر الصحي في سوريا الأسد!

تداولت صفحات موالية للنظام السوري، صوراً لـ”مركز حجر صحي” في منطقة الدوير قرب العاصمة، يتواجد فيه السوريون القادمون إلى البلاد من الخارج.

وأثارت الصور غضباً واسعاً بين صحافيين وناشطين موالين للنظام، بسبب الحالة المزرية للمكان الذي بدا أقرب لمركز اعتقال من دون أي تجهيزات طبية أو تدفئة، فيما تتناثر حقائب وحاجيات المتواجدين في المكان على الأرض.

وبحسب المعلومات المتداولة، يضم المركز حالياً 134 شخصاً وصلوا إلى سوريا من طهران، في وقت سابق من الأسبوع الجاري، عبر مطار دمشق الدولي. كما أظهرت الصور تراكم القمامة في ممرات المركز بالإضافة إلى تلوث الأرض بالمجمل بما في ذلك دورات المياه، مع غياب واضح لأي كادر طبي يفترض وجوده.

وتناقلت الصفحات الموالية بياناً جاء فيه: إلى وزارة الصحة، شكوى وصلتنا. هذا هو الوضع في مركز الحجر الصحي في الدوير بريف دمشق. تم الحجر على 134 شخصاً قادمين من طهران الى دمشق في منطقة الدوير في سكن طلائع البعث. الحجر الأشبه بالسجن. لا يوجد أي شرط من شروط الحجر الصحي. لا توجد مياه ساخنة، لا توجد حمامات مجهزة. غرف 15 تخت. نقص بالمخدات، حرامات المعونة. قسم من الغرف لا يوجد فيه صوبيات او تدفئة بالرغم من البرد الشديد. مياه المغاسل باردة لا يوجد صابون. لا يوجد غازات ولا سخانات ولا أدوات مطبخ. لا يوجد إطعام جيد. الأطفال أصبحت تبكي من الجوع. وجبات طعام باردة. لا يوجد دكان نستطيع شراء المستلزمات الضرورية منها. حقيقة كنا في إيران ملتزمين بالحجر كل شخص وعائلة في منزلهم منذ اكثر من شهر. واليوم بسبب برودة الجو وعدم وجود تدفئة أصبحنا معرضين للمرض والكريب. المركز غير مجهز أبداً أبداً”.

وهذه ليست المرة الأولى التي يسخر فيها السوريون في مواقع التواصل من تعامل سلطات النظام مع الوباء القاتل، وخصوصاً استخدام البلديات التابعة له، أدوات بخ الحشرات لمكافحة الفيروس.

واللافت أن الصور تكذّب بشكل قاطع تصريحات مسؤولي النظام حول كونه “منتجعاً” وبأنه يضم كافة الخدمات الطبية. كما أن الصور تتناقض بشكل كلي مع صور أخرى نشرتها وكالة أنباء النظام “سانا” قبل نحو أسبوع، وادعت أنها لمركز الحجر الصحي في الدوير، ومع استبعاد وجود أكثر من مركز للحجر الصحي في الدوير، اتهم معلقون الوكالة بالتزوير ونشر المعلومات الكاذبة.

————————

حين قال المؤذن “حيّ على الصلاة” خارج المساجد/ غالية العلواني

بينما سمح العالم الذي تسوده العولمة بوجود نطاق واسع من المرونة فيما يتعلق بالهوية الإسلامية أو المسيحية، سلط فيروس كورونا، الآن أكثر من أي وقت مضى، الضوء على صدعٍ قديم قدم الدهر بين المتدينين والمناهضين للأديان

في سياق التفشي الشرس لفيروس كورونا، شق الدين طريقه إلى صدارة المناقشات العالمية المفزعة في الوقت الراهن. وليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة، فمن الطبيعي أن تجد هذه العقائد الدينية نفسها في مواجهة مع وباء فيروسي على عدة مستويات.

تتمثل أبرز تلك المواجهات في التجمعات الكبرى للأجساد البشرية خلال إقامة الشعائر والطقوس في الديانات الرئيسية، سواء من خلال اصطفاف المسلمين للصلاة كتفاً إلى كتف في أحد المساجد أو من خلال التناول الجماعي في الكنائس لرقائق الخبز التي من المفترض أن ترمز إلى جسد يسوع المسيح.

ففي مختلف أنحاء العالم، ومؤخراً لِحُسن الحظ في الشرق الأوسط أيضاً، أغلقت الكنائس والمساجد أبوابها، بل أقدمت المساجد على القول بعد الفراغ من الأذان، “صلوا في بيوتكم”، أو بدلاً من قول “حَيَّ عَلى الصَّلاةِ” كما هو معتاد في الأذان للصلوات. فضلاً عن أن السّعوديّة حظرت السّفر، ما منع ملايين المعتمرين من الدخول إلى الأماكن المقدّسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة. وألقى البابا فرنسيس صلاة أنجيلوس في بث مباشر عبر شبكة الإنترنت هذا الأحد، بدلاً من ساحة القديس بطرس بالفاتيكان في روما.

بيد أن الأمر الأشد ترويعاً من حظر التجمعات الكبيرة، هو المعضلة النفسية بين المعتقدات الدينية واليقينيات العلمية، التي سلّطت الضوء على الفجوة الأزلية العميقة بين مجموعة المواقف والآراء المختلفة التي تتبناها المذاهب الدينية المتطرفة من جهة والفلسفات الانتقائية الحديثة من جهة أخرى.

يُعزى ذلك إلى أن الشخص المتدين وجد نفسه فجأة عند مفترق طرق. فمن ناحية، يوصي خبراء الطب بالإبعاد أو التباعد الاجتماعي، وهو الخيار المنافي تماماً لواقع التجمع في الأماكن المقدسة المُخصصة للعبادة. ومن ناحية أخرى، كيف للمرء أن يجتهد في الصلاة من أجل الحماية من هذا الوباء، إذا كانت الأديان منذ الأزل تشترط أن تؤدى الصلوات في كنف أماكن العبادة اللائقة لضمان قبولها واستجابتها؟ وإذا كان الله هو مخلصنا الوحيد من هذه الأوبئة، فما الذي سيفعله حين نغلق هذه الأماكن المقدسة، ونمنع كثيرين من التفاني في عبادته؟

أثارت قرارات إغلاق المساجد والكنائس والمعابد في جميع أنحاء العالم ردود فعل متفاوتة. فقد شعر كثيرون بالغضب الشديد عند إغلاقها، في الوقت الذي يرون أن الحاجة تشتد للغاية لطلب الرحمة والعافية من الرب، في حين أعرب آخرون عن شعورهم بخيبة الأمل إزاء التأخر في اتخاذ قرار إغلاقها. وبينما سمح العالم الذي تسوده العولمة بوجود نطاق واسع من المرونة فيما يتعلق بالهوية الإسلامية أو المسيحية، سلط فيروس كورونا، الآن أكثر من أي وقت مضى، الضوء على صدعٍ قديم قدم الدهر بين المتدينين والمناهضين للأديان. ولكن ربما كان الأمر الأكثر أهمية، هو ذاك الصدع بين المتدينين والمتطرفين.

لعل النقطة الأولى التي أظهرت عمق الفجوة بين الفئتين، هي مدى تأثير إيمانهم؛ هل يمدهم إيمانهم بالله، أو ببعض القديسين أو الأنبياء أو ما شابه ذلك، بالقوة الكفاية للتصدي لفيروس مدمر وهزيمته سواء اقتصر ذلك عليهم فقط، أو على كبار السن من أفراد عائلاتهم؟ يكمن الصدع بين التطرف والتقوى في الإجابة على هذا التساؤل إما بنعم أو لا. فبين أولئك المختبئين في منازلهم وهم يتلون القرآن ، وأولئك الذين يلعقون الأضرحة في إيران، أصبح الانقسام الذي تشهده العقيدة الإيمانية أكثر وضوحاً على الإطلاق، وكذلك الخوف الناشئ عن رؤية التطرف رؤى العين. وهذا لا يعني أن هذه الفجوة لم تكن موجودة دوماً، جُلّ ما في الأمرِ أنها أصبحت الآن حتمية.

على الرغم من السهولة والمتعة الشديدة التي قد تنطوي على نشر مقاطع فيديو لبعض المتعبدين المتطرفين الذين يظهرون وهم يتحدون هذا المرض شديد العدوى، فقد آن الأوان لكي ندرك أن ذلك لم يعد كافياً للنأي بأنفسنا عن هذه الحقائق الواقعة. مؤكد أننا إذا لم نكن قد تعلمنا أي شيء، فعلى الأقل أظهر لنا معدل انتشار فيروس كوفيد-19 جلياً أننا نعتمد بشدة على الالتزام بالإجماع من جانب كل إنسان على وجه الأرض داخل أي حدود يقيم فيها، بحماية أولئك المعرضين للخطر (مثل كبار السن أو الأفراد أصحاب المناعة الضعيفة). وهذا يعني أن الاستهزاء بأولئك الذين يتبنون ميولاً متطرفة قد يؤدي في المقابل إلى عواقب متطرفة.

عندما تضرب القناعات أعماقاً أبعد من الخوف، فإن أولئك المحرومون من ممارساتهم العقائدية سوف يتبنون ردود فعل حادة، وسوف يجدون طرقاً مختلفة لتلبية احتياجاتهم. ففي كوريا الجنوبية، ثمة طائفة شبه كنائسية تسمى “كنيسة المسيح في سينتشيونجي” تقع في مدينة دايجو، يُقال إنها المسؤولة عن تفشي الفيروس في كوريا الجنوبية، بسبب حضها أتباعها على الاجتماع في جلسات سرية صغيرة للعبادة على الرغم من الجهود التي تبذلها الحكومة لفرض الحجر الصحي.

بينما في إيطاليا، تنظم الجماعات الكاثوليكية المتدينة اجتماعات سرية مع قساوسة في سراديب الموتى بروما عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال التواصل الشفهي، وبالرغم من إقامة الكثير من تلك الفعاليات، ما زال يتعين على السلطات الدينية احتواء هذه الظاهرة.

أما في الهند، فقد أقيمت فعالية كبيرة لشرب “بول البقر” خلال عطلة نهاية الأسبوع، نظمها رئيس منظمة “هندو مهاسابها” الهندوسية سوامي تشاكراباني، الذي جمع المئات من الأشخاص وأقنعهم بأن فيروس كوفيد-19 هو فيروس ينتقم من أولئك الذين يتناولون اللحوم.

في حين كانت مدينة قُم المقدسة في إيران، والتي تستقبل عادة نحو 20 مليون حاج شيعي سنوياً، نقطة الانطلاق وأصبحت الآن مركزاً لتفشي الفيروس في إيران؛ فقد سُمِح لآلاف الحجيج بإعمار الأضرحة المحيطة بمدينة قُم حتى آخر لحظة. ومجدداً تأصل المنطق وراء ذلك في العقيدة: كيف يمكن أن يجتاح المرض أقدس الأماكن في الدولة بأكملها؟ من منطلق ديني، ما دلالة ذلك بالنسبة للمتعبدين وآلهتهم؟

إذاً، الفكرة هي أنه حتى عندما تكون الأفكار المتطرفة بعيدةً كلَّ البعد عن مخيلتنا، فإنها تضرب بجذورها في مخاوف حقيقية للغاية، مخاوف لا يمكننا تجاهلها لمصلحتنا. ففي الأوقات العصيبة تجنح غرائز البقاء إلى القوالب الفكرية وغالباً ما تتحول الأوضاع للأسوأ. ولذا من الأهمية بمكان في مثل هذا الوقت أن نضع الحدّ الفاصل بين التفضيلات الدينية والمواقف المتطرفة والقرارات التي قد تؤثر على سلامتنا جميعاً. ويتعين على الحكومات، بينما تلتزم بقواعد الحجر الصحي الصارمة، أن تجد السبل اللازمة لاستيعاب أولئك الذين يحتاجون إلى الإصلاح الروحي والتوصل إلى حلول توافقية معهم، إذ لم يعد الوقت الآن مناسباً لتأجيج المزيد من التطرف.

وقد قدمت شبكة الإنترنت مؤخراً، من بين العديد من الفوائد الهامة الأخرى، خلال هذا الحجر الصحي العالمي يد العون للأديان المنظمة في كل مكان. إذ تبثّ الأسر المتدينة الموسيقى الدينية والصلوات والعظات الدينية مباشرة على اليوتيوب، فضلاً عن البث المباشر لقنوات كنائس على الإنترنت. فهل يمكن أن تُقدم الأديان والطوائف الموجودة في الشرق الاوسط على فعل ذلك أيضاً؟

—————————

الثقافة تتقهقر في مواجهة كورونا.. وتقرع ناقوس الخطر/ أبو بكر العيادي

الآن وقد عمّ الخطر على الجميع، وباتت أغلب الشعوب المصابة بالكورونا خاضعة لرقابة القوة العامة، التي فرضت حظر التجول وأرغمت الناس على لزوم بيوتهم لا يغادرونها إلا للضرورة القصوى، صارت أوقات الفراغ لديهم بحجم الكون، وهنا تكمن المشكلة. كيف سيزجي كل فرد وقت فراغه، وبماذا سيشغله؟

لا حديث اليوم في شتى أصقاع المعمورة إلا عن الكورونا، ولكنه حديث يختلف فحواه، وسبل التصدي له من مكان إلى آخر بحسب طبيعة الشعوب ومستوى تقدمها. فقد قابلناه في بداية ظهوره، نحن العرب، كسوط عذاب صبّه الله على الصينيين لاضطهادهم مسلمي الإيغور.

ولما انتقل إلى أوروبا واصلنا تفسير ذلك الوباء الصيني المتنقل بكونه نقمة من الله على الكفار والعلمانيين. وحتى عندما تحول الوباء إلى جائحة عالمية، بقينا محافظين على تلك المرجعية الميتافيزيقية، ورفضنا توخي الاحتياط اللازم، بل إن بعضنا لا يزال يتحدى قوانين الحجر ويصر على صلاة الجماعة.

أما في السّرّ فهم يدعون الله أن يهدي “الكفرة” إلى إيجاد ترياق لهذا الفايروس الفتّاك، وفي الأقل لقاح لتوقّي شروره، لأن هذا الغرب “الكافر” يؤمن بالعلم ويجلّ العلماء، ويسعى على قدم وساق لإيجاد دواء ينجي العالم بأسره، دون استثناء.

وظيفة التعليم

في هذه الأثناء، تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي خبرين، أحدهما حقيقي، والثاني طرفة، وإن كانت لا تنأى كثيرا عن الواقع. يقول الأول إن الشعوب البريطانية أقبلت على الأكشاك والمكتبات، تشتري محتوياتها من الكتب والمجلات والدوريات بنهم، حتى أفرغتها.

وأما الثاني فيقول إن شعب تونس هبّ إلى الأسواق والمحلات التجارية يفرغها من الثوم والدقيق والمعكرونة وسائر المواد الغذائية… وشتان بين شعب سوف يشغل أوقاته بالقراءة، وشعب لا همّ له سوى التفكير في ما يملأ بطنه. صحيح أن ثمة من العرب من وجد في الحجر الصحي فرصة لقراءة ما تراكم في مكتبته من مؤلفات، ولكن نسبتهم ضعيفة قياسا بالسواد الأعظم الذي لا يقرأ، لأنه لم يعوّد نفسه على المطالعة، ولأن المنظومة التعليمية فشلت في ترغيبه في القراءة.

والقراءة التي نعنيها لا تقتصر على القصص والروايات والأشعار، على أهميتها، وإنما تلك التي تواكب عصرها، وتأخذ من كل شيء بطرف، وحتى أكثر من طرف بحسب ميول كل شخص وقدراته، لكي يحوز الفرد ثقافة عامة تؤهله لفهم واقعه ومجتمعه والعالم ومستجداته، دون أن يحصر نفسه في مجال معين، كالفن أو الرياضة، أو السياسة… أي أن يكون مواطنا بأتم ما في الكلمة من معنى.

لقد أهملت شتى الأنظمة التربوية في العالم العربي مهمتها الأولى، أي تكوين مواطنين ومواطنات يحملون ثقافة عامة متينة، وآثرت إعداد التلاميذ إعدادا أقرب إلى التكوين المهني، بغرض تهيئتهم لوظيفة أو عمل إثر نهاية دراستهم، بموافقة ضمنية من أولياء يدفعون كل مرتخَص وغال لأجل حصول أبنائهم على شهادة تضمن لهم المركز الاجتماعي اللائق.

وكان ذلك منطقيا في بداية الاستقلال، حيث احتاجت أغلب الأقطار إلى من ينهض بدولة ناشئة، وإدارة شؤونها، وتسيير منشآتها، لوضعها على المسار التنموي الصحيح. ولكن مع تفاقم سوق الشغل، واستشراء البطالة، ظهر تنافس غير شريف في أغلب الأحيان للحصول على وظيفة بأي ثمن.

وبغض النظر عن السبل التي يتوصل بعضهم بواسطتها إلى الشهائد العلمية، فإن المدرسة في عمومها لم تعد منطلقا لتكوين ثقافي يساعد التلميذ على معرفة جذوره وأصوله وتراثه، والانفتاح على العالم لاكتشاف إسهاماته الحضارية، وإبداعاته الفكرية والأدبية، بل باتت منصّة للحصول على وظيفة أو مهنة. أي أن كثيرا ممن يتخرجون أو ينقطعون عن التعليم في هذه المرحلة أو تلك لا يعرفون الفارابي وابن رشد، ولا امرئ القيس وطرفة، ولا أفلاطون وأبي قور ومونتاني، ولكنهم بارعون في استعمال السمارتفون، وتحميل تطبيقاته، وابتكار وسائل متطورة لفك شيفرات القنوات التلفزيونية، والتنصل من دفع معاليم الاشتراك.

هذا الهوس بخلق مهنية مبكرة أدى إلى ترك عناصر التعليم الأساسية، كاللغة والعلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا والفنون الجميلة. ووقع التركيز في موازاة ذلك على عناصر ظرفية، كتدريس الإنجليزية منذ الأقسام الابتدائية، ليس حبّا في الأدب الإنجليزي أو المسرح الإليزابيثي، بل أملا في أن يضمن التلاميذ مستقبلهم.

ولا تزال المناهج تتغير على ضوء متطلبات السوق، ولا أحد يستطيع أن يتكهن بالمؤهلات المهنية التي ستفرضها سوق الشغل في الأعوام القادمة.

الثقافة العامة

الحق أن الوضع الذي ذكرناه لا تختص به الدول العربية وحدها، بل يشمل حتى بعض البلدان المتقدمة، كفرنسا مثلا. ففي بداية العصر المعلوماتي مطلعَ السبعينات، رأى القائمون على الشأن التربوي في فرنسا ضرورة تعليم طلبة الهندسة برمجة فورتران، وكانت لغةَ المعلوماتية آنذاك، ولكن سرعان ما نابت عنها لغاتٌ برمجية أخرى.

أي أن الخبراء الذين يرغبون في تعليم أطفال اليوم استعمالَ الراقنة المعلوماتية، قد يُفاجَؤون بتغييرها بوسائط أخرى في الأعوام المقبلة، كتوسّل المستخدم بالصوت في توجيه الآلة والإبحار في الشبكة.

وقد يُفاجَأ الدّاعون إلى تعلم اللغات، الإنجليزية بخاصة، ببرمجيات صوتية مدمجة في الهواتف الجوالة، تجعل ممارسة اللغة لاغية، باستثناء استعمالها لغايات ثقافية.

وقد لاحظ أحد الخبراء الفرنسيين أن الشبان المتخرجين في الهندسة يلاحظون فور التحاقهم بمؤسسة من المؤسسات أن المعارف التي تلقوها في الجامعة أو المعاهد العليا لا تفيدهم في شيء، وأنهم يتمرسون بمهنتهم عندما يواجهون الواقع، يستثنى من ذلك الطلبة الذين تلقوا تكوينا مهنيا.

والإجابة في رأيه بسيطة، وهي أن المؤسسات لا تنتخب منتدبيها حسب معارفهم ولا مهاراتهم، وإنما بحسب الميزات الأصلية التي تشهد بها مسيرتهم المدرسية، وهي ميزات تستند إلى قدرات التلاميذ لا محالة، ولكنها تستند أيضا إلى ثقافتهم العامة. هذه الثقافة العامة، التي تتأتى أساسا من قراءة أمهات الكتب، هي التي أشاد بها الجنرال ديغول في فصل “القيادة” من كتابه “نحو جيش محترف”، إذ كتب يقول “إن مدرسةَ القيادةِ الحقَّ هي الثقافة العامّة. بفضلها يتمكن الفكر من أداء دوره بنظام، ويميز الجوهري من الزائد، ويسمو إلى الدرجة التي تبدو فيها المجموعات خالية من مخاطر الفروق. ما من قائد بارز إلا وكان له ميل إلى التراث وإحساس بالفكر الإنسانيين. في عمق انتصارات الإسكندر المقدوني نجد دائما أرسطو…”.

كاتب تونس

العرب

——————————–

كورونا 19: تخبط دولي واختناق اقتصادي

كشف وباء كورونا قصور السياسات الدولية الفردية والجماعية الراهنة في التصدي له، وفاقم من أزمة الاقتصاد الدولي الذي يعاني أصلًا من تداعيات السياسات الحمائية.

مع منتصف مارس/آذار (2020)، تجاوز عدد الحالات المؤكدة للمصابين بالمرض الذي يُسبِّبه فيروس كورونا المستجد، أو كورونا 19 (Covid-19) المئة والستين ألفًا. أغلب الإصابات سُجِّلت في الصين، التي يُعتقد أنها منبع المرض؛ ولكن عددًا من الدول الأخرى أعلن عن عدة آلاف من الحالات، مثل: إيران، وكوريا الجنوبية، وإيطاليا، وإسبانيا، والولايات المتحدة، وألمانيا. ولأن أغلب دول العالم التي أعلنت عن إصابات، وقد قاربت 160 دولة، لا يقوم بفحوصات منهجية وواسعة النطاق للسكان، يعتقد علماء الأوبئة أن حجم الإصابات عبر العالم يفوق مئات الآلاف.

في 13 من مارس/آذار، أعلنت منظمة الصحة العالمية، المنظمة الدولية المسؤولة عن مراقبة الأوبئة وتنسيق جهود دول العالم لمكافحتها، أن مرض كورونا 19 أصبح بالفعل وباء عالميًّا. وكانت المنظمة ترددت في تبني مثل هذا الإعلان تجنبًا لإطلاق حالة عالمية من الهلع، بدون أن يعفيها ذلك من الانتقاد. في اليوم التالي، أكدت المنظمة أن أوروبا أصبحت بالفعل بؤرة لانتشار للوباء (epicenter)، مثلها مثل الصين وإيران.

في 14 مارس/آذار، وبعد استخفاف وارتباك استمر لأسابيع، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حالة الطوارئ القومية لتسهيل إجراءات الحكومة الفيدرالية في مواجهة الوباء. وقد جاءت هذه الخطوة بعد يوم واحد فقط من نشر تقدير لمديرة الصحة العامة في ولاية أوهايو، التي قدَّرت أن عدد الإصابات في الولاية تجاوز ربما المئة ألف إصابة؛ بالرغم من أن رقم الحالات المؤكدة عبر الولايات المتحدة لم يكن تجاوز الأَلْفَي حالة بكثير.

إنسانيًّا، أدى الوباء حتى منتصف مارس/آذار إلى وفاة الآلاف من البشر. أغلب الوفيات سُجِّل في الصين؛ ولكن دولًا أخرى، مثل إيران وإيطاليا، تسجل هي الأخرى أعدادًا متزايدة من الوفيات كل يوم. ولأن بعض الدول لا تكترث بإجراء فحوصات على من أظهروا أعراضًا شبيهة بأعراض كورونا 19، فلابد أن أعداد الوفيات أكبر بكثير مما أُعلن حتى الآن.

اقتصاديًّا، تتزايد المؤشرات على أن الوباء يدفع الاقتصاد العالمي إلى ركود لا يقل فداحة، إن لم يزد، عن الركود الذي ولدته أزمة 2008 المالية-الاقتصادية. بتراجع عجلة الإنتاج الصينية، وتراجع الطلب عبر العالم، يُتوقع أن يجر الاقتصاد الصيني، باعتباره قاطرة رئيسة للاقتصاد العالمي، العالم معه إلى الركود. ولكن الصين ليست وحدها.

ثمة دول أُغلقت كلية أو بصورة شبه كلية، ولأجل غير محدد، مثل: الكويت، وأوكرانيا، وتشيكيا، وفرنسا. كما أن حركة الأعمال والتجارة والطيران والسياحة عبر العالم أُصيبت في مقتل. ولترافق الوباء مع انخفاض كبير في أسعار النفط، تبدو الدول المنتجة للنفط وكأنها مقبلة على سنوات عجاف. وربما يؤشر الانهيار الفادح، خلال الفترة بين 10 و13 مارس/آذار، في أسواق المال العالمية، إلى أزمة اقتصادية متفاقمة وطويلة المدى. 

أي وباء هذا؟ كيف فاجأ العالم بهذه الصورة المرعبة؟ ومن أين جاء؟ لماذا تتباين سياسات الدول المختلفة في مواجهته؟ وكيف يؤثر سلوك دولة ما على دول العالم الأخرى وشعوبها؟ وإلى أي حد يمكن للمجتمع الإنساني مكافحة الوباء والحد من مخاطره في الشهور القليلة المقبلة؟

سريع وفتاك

طبقًا للغارديان البريطانية (14 مارس/آذار 2020)، ظهرت الحالة الأولى من مرض كورونا 19، بمدينة ووهان الصينية، في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2019، أي قبل شهر كامل من الإعلان الصيني الرسمي عن ظهور المرض. وفي نهايات ديسمبر/ كانون الأول 2019، كما هو معروف، اعترفت السلطات الصينية بوجود مرض مُعدٍ خطير، يصيب الجهاز التنفسي، في ووهان ومحيطها، وذلك بعد ضغوظ داخلية وخارجية تعرضت لها بيجين. كما احتاج الأمر عدة أسابيع أخرى، قبل أن تبدأ السلطات الصينية فحوصات منهجية في منطقة انتشار الوباء وللمشتبه بإصابتهم، ويتضح حجم انتشار الوباء في الصين، ومخاطره القاتلة، وسرعة انتقال الفيروس الكبيرة نسبيًّا.

المؤكد الآن أن هذا مرض يتسبب به فيروس من نوع كورونا لم يسبق التعرف عليه من قبل. هناك العديد من أصناف الكورونا المعروفة لعلماء الفيروسات، أغلبها لا يتسبب سوى بإصابات لا تتعدى ما يُعرف بنزلة البرد العام. خلال العقدين الماضيين، شهد العالم بروز صنفين جديدين من الكورونا، تسبب الأول في مطلع القرن بما يُعرف بمرض سارس (SARS)، والثاني، بعد ذلك بسنوات قليلة، بمرض ميرس (MERS). يُعتقد أن منبع الأول كان الصين، ومنبع الثاني كان العربية السعودية؛ وأن كليهما انتقل من الحيوانات إلى الإنسان. امتاز سارس بسرعته المتوسطة في الانتشار، وتسببه في موت ما يقارب 7 بالمئة من المصابين؛ بينما كان ميرس أشد وقعًا، مع معدل انتشار أبطأ بكثير.

في المقابل، يبدو أن كورونا 19 لا يقل قدرة على القتل من سارس، ولكنه أسرع انتشارًا بدرجات ملموسة. بكلمة أخرى، لم يُعرَف هذا الصنف من كورونا، كما سابقيْه، من قبل؛ وهو ما يعني أن البشرية لم تكتسب أي مستوى من المناعة ضده. ولكن، وبخلاف سابقيه، يتمتع كورونا 19 بسرعة انتشار فائقة وبأثر قاتل كبير في الوقت نفسه. فما مصدر هذا الفيروس؟

إنْ أُخذت المعرفة المتعلقة بفيروس الإنفلونزا، الذي يتسبب هو أيضًا بإصابة الجهاز التنفسي، وسبق أن أحدث أكثر من موجة وبائية منذ مطلع القرن العشرين، في الاعتبار، فالأرجح أن فيروس كورونا المستجد قد تطور في الحيوان. وبالرغم من أن معرفتنا بهذا الفيروس لم تزل محدودة، يعتقد قطاع من علماء الفيروسات أن كورونا 19 وُلد ربما في الخفافيش، ومنها انتقل للإنسان في الصين، حيث بدأ انتقالًا بطيئًا بين البشر، بدون حتى التسبب بأعراض مرضية واضحة، إلى أن تأقلم وراثيًّا وأصبح أكثر قدرة على الانتشار وأكثر أثرًا في إحداث المرض.

فيروس إنفلونزا 1918–1920، الذي يُقدَّر بأنه قتل ما يزيد عن العشرين مليونًا من البشر، وعُرف بالإنفلونزا الإسبانية (H1N1)، يُعتقد أن مصدره الأول كان حظيرة خنازير بكنساس، ومنها انتقل الفيروس للإنسان، محدثًا وباء قاتلًا في الولايات المتحدة وأوروبا، وعدد آخر من دول العالم. وكذلك كان وباء إنفلونزا 1968 (H2N3)، الذي ظهر للمرة الأولى قرب حظيرة خنازير في تايوان. علميًّا، تلعب حيوانات، مثل الخنازير، وبعض الحيوانات البرية، والطيور المهاجرة، دور حاضنة للفيروسات؛ حيث يمكن أن يمر نوع ما من هذه الفيروسات بما يُعرف بالتحور الجيني، الذي يفضي إلى ولادة صنف مستجد من هذا الفيروس. ولكن عوامل أخرى لابد أن تتوفر قبل أن ينتقل الفيروس الجديد للإنسان، أو الحيوان، ويصبح قادرًا على الانتشار والتسبب في المرض.

الحديث، الذي ألمح إليه ناطقون صينيون وإيرانيون، بأن كورونا 19 لم يكن سوى فيروس وُلد في مختبر أميركي للحرب البيولوجية، وأن الأميركيين هم من نشر المرض، ليس عليه دليل واحد، ويدحضه انتشار الفيروس بأمريكا وعجز الإدارة الأمريكية عن السيطرة عليه. فمنذ بدايات المعرفة بسلوك هذا الفيروس أصبح واضحًا أنه سريع الانتشار وأنه في سبيله لإحداث وباء عالمي. وليس ثمة شك في أن كورونا 19، وبعد أسابيع فقط من تسجيله للمرة الأولى، بدأ في توليد أزمة صحية عالمية، ليس للصين وإيران وإيطاليا وحسب، ولكن لمعظم دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة كذلك.

يهاجم كورونا 19 الجهاز التنفسي، محدثًا أعراضًا شبيهة بالإنفلونزا الموسمية، ولكن الخطر يبدأ عندما يمتد الفيروس من أعلى الجهاز التنفسي إلى الرئتين، محدثًا التهابًا رئويًّا حادًّا. حتى الآن، وفي ضوء المعرفة المحدودة بالفيروس، يبدو أن الأطفال وصغار السن هم الفئة الأقل عددًا بين المصابين، وأن كبار السن، سيما من هم فوق السبعين، ومن لديهم أمراض مزمنة خطيرة مسبقة، هم الأكثر عرضة للإصابات شديدة الوطأة أو المفضية إلى الوفاة.

ويتعلق التفسير الوحيد المتاح حتى الآن لهذا التفاوت بالتفاوت في كفاءة جهاز المناعة. ولكن لابد أن يمر زمن قبل التعرف الأدق علميًّا على سلوك الفيروس واستجابات الأفراد المختلفة للمرض الذي يتسبب به.

إن أُخذت الأرقام الصينية في الاعتبار، يبدو أن كورونا المستجد يُحدث موت ما لا يزيد عن 2 بالمئة من المصابين به. ولكن الأرقام الإيرانية والإيطالية تفيد بنسبة موت أعلى بين المصابين، ربما تصل إلى ما يزيد عن 5 بالمئة. ولكن، حتى إن أُخذ رقم 2 بالمئة مقياسًا، تظل نسبة القتل بفعل كورونا 19 أعلى بعشرين مرة من الإنفلونزا الموسمية، التي تقتل ما يقارب 400 ألف إنسان في العام.

بصورة عامة، يتماثل زهاء 80 بالمئة من المصابين بالفيروس للشفاء بدون الحاجة لدعم طبي. بين العشرين بالمئة الآخرين تتفاوت درجات المرض بين الأعراض شديدة الوطأة، والحاجة لرعاية طبية فائقة، والموت. وإن وضعت درجة الانتشار السريعة في الاعتبار، فلابد أن تمثل هذه الأرقام تحديًا هائلًا للمجتمع الإنساني، ولمؤسسة الدولة على السواء.

الدولة والوباء

ثمة عدد من العوامل التي تحدد طبيعة استجابة مؤسسة الدولة الحديثة للوباء، منذ بدأت المعرفة العلمية للأوبئة في التراكم في بدايات القرن العشرين. ولا يختلف التفاوت في تعامل دول العالم خلال الأشهر الأربعة الأولى لوباء كورونا المستجد عن تصور الدولة لأوبئة سابقة في القرن الماضي.

يعتبر الوباء، أولًا، مناسبة للتمرد على الحكم وفقدان مؤسسة الدولة الحديثة قدرتها على التحكم؛ وتلعب تيارات المعارضة لسياسات الدولة تجاه الوباء دورًا رئيسًا في تحديد طبيعة استجابة الدولة للوباء. مثلًا، تجاهلت الدولة الصينية وباء كورونا المستجد لعدة أسابيع؛ ولكن الأصوات المعارضة لسلوك الدولة الصينية ومقاربتها للوباء سرعان ما أجبرت بيجين على الاعتراف بطبيعة الوباء وحجمه. في الوقت نفسه، لم تتوان الدولة الصينية عن اتخاذ إجراءات صارمة لتوكيد سيطرتها على شعبها وإنفاذ سياستها الوبائية.

مصر، أيضًا، لم تعلن عن إقفال المدارس والجامعات كإجراء لمواجهة الوباء، الذي اتخذته عدة دول أخرى من قبل، إلا بعد أن أُطلقت حركة مطالبة بهذا الإجراء من قوى معارضة، وجدت استجابة سريعة من عموم المصريين. وقد أظهرت إدارة ترامب استهتارًا بالوباء طوال أشهره الأولى؛ ولما أدرك الرئيس الأميركي أن سياساته للتعامل مع الوباء قد تقوِّض حظوظه الانتخابية أعلن حالة الطوارئ وبدأ اتخاذ إجراءات جذرية.

وتعتبر العواقب الاقتصادية للوباء المحدِّد الرئيس الثاني لسلوك الدولة، لكنها تواجه معضلة الموازنة بين ما ينجم عن الوباء عادة من آثار إنسانية، تتعلق بالموت والفقدان والوحدة والمرض الشديد، فتضطر إلى التشدد في الإجراءات الحمائية كي تمنع انتقال الفيروس، وآثار اقتصادية، تتعلق بعجلة الإنتاج والتبادل التجاري وتراجع موارد الدولة.

لمواجهة وباء ما، سيما الوباء الفيروسي، يمكن للدولة أن تبادر إلى اتخاذ إجراءات جذرية وشاملة، بما في ذلك منع الحركة والسفر والتجمع وعزل مدن أو مجتمعات بأكملها، انتظارًا لنجاح العلماء في التوصل للقاح يقي من المرض، طالما أن ليس ثمة علاج ناجع للأمراض الفيروسية عمومًا. وتُتخذ مثل هذه الإجراءات القاسية عادة بغضِّ النظر عن الآثار الهائلة على عجلة الإنتاج والاستهلاك والتبادل ومعدلات النمو الاقتصادي والانخفاض في مستوى إيرادات الدولة.

في المقابل، يمكن أن تضع الدولة الأثر الاقتصادي للوباء على رأس جدول أولوياتها، وتُنحي الأثر الإنساني إلى مرتبة ثانية. بمعنى، أن تلجأ الدولة إلى أدنى مستوى ممكن من الإجراءات المقيِّدة، لتجنب الخسائر الاقتصادية، وإفساح المجال بالتالي لانتشار المرض إلى أن يتولد ما يُعرف بمستوى مناعة القطيع (herd immunity)، بغضِّ النظر عن العواقب الإنسانية للوباء. في حالة كورونا المستجد، الذي تفوق درجة تفشيه مستوى السارس وتقل عن الحصبة، مثلًا، لابد من انتشار المرض بين 60 بالمئة من السكان قبل أن يكتسب مجتمع ما درجة مناعة كافية لانحسار الوباء ورفع مستوى قدرة الدولة على السيطرة على الأزمة الصحية، سواء توفر اللقاح المناسب أو لا.

هناك تقديرات يأن هذه هي السياسة التي تبنتها الصين وإيطاليا وإيران في الشهرين الأولين من الوباء، وهي ذاتها المقاربة التي حددت طبيعة استجابة حكومة بوريس جونسون في بريطانيا وإدارة ترامب في الولايات المتحدة. لكن لما بدأت الآثار الإنسانية في التفاقم وتصاعدت الضغوط السياسية، لجأت الصين وإيطاليا وإيران وفرنسا لاتخاذ إجراءات مقيِّدة واسعة النطاق. دول أصغر وأكثر ثراء، مثل الكويت وقطر، لم تتردد من البداية في تبني مقاربات جذرية للحد من انتشار الوباء، مع اتخاذ التدابير لمعالجة الاختلالات الاقتصادية الناتجة.

أما العامل الثالث، فيتعلق بكفاء أجهزة الدولة وتوفر المقدرات الضرروية للتعامل مع الوباء. تتفاوت قدرات دول العالم، بما في ذلك الدول الأكثر تقدمًا علميًّا واقتصاديًّا، في التعامل مع الأوبئة وتوفير الخدمات الصحية، مثل فحص المشتبه بهم، وتجهيز المعازل الطبية، وعدد الأَسِرَّة وغرف العناية الفائقة، وإتاحة وسائل وأدوات علاج المرضى. ألمانيا، مثلًا، الأكثر اهتمامًا بالخدمات الصحية بين دول الاتحاد الأوروبي، سجلت ما لا يزيد عن موت واحد بالألف بين المصابين، وهي النسبة الأقل لوفاة المصابين في أنحاء العالم الأخرى.

ويُعتقد أن مستوى الخدمات الصحية الفقير هو السبب الرئيس خلف نسبة الوفيات العالية في إيران وإيطاليا، وأن مخاوف بريطانيا والولايات المتحدة من إغراق مؤسسة الخدمة الصحية وكشف عجزها أمام الرأي العام، دفعت الدولتين لاتباع سياسة متراخية في التعامل مع الوباء ومحاولة تأجيل ذروة انتشار الفيروس إلى أشهر الصيف حيث يتراجع الضغط على منظومة الخدمات الصحية. من جهة أخرى، هناك تقديرات بأن إدراك دول، مثل مصر وإيران، لضعف خدماتها الصحية وعجزها عن التعامل مع الوباء كان الدافع الرئيس خلف انتقائها للأخبار المطمئنة عن انتشار الوباء في بلادها طوال شهور؛ بل والفشل في التكفل بالمشتبه بإصابتهم بالمرض وعدم إجراء الفحوص إلا في نطاق ضيق ومحدود.

آمال معقودة

ثمة أمل يحدو مجتمع علماء الأوبئة بأن يكون فيروس كورونا 19 بين الفيروسات التي تتأثر بدرجة حرارة الطقس، مما قد يؤدي إلى انحسار، وليس بالضرورة اختفاء، الوباء مع دخول موسمي الربيع والصيف. ولكن، ليس هناك حتى الآن ما يؤكد هذا التوقع، سيما أن سلوك أصناف كورونا المعروفة سابقًا أظهر تفاوتًا في تأثر الفيروس بالمناخ، وأن الفيروس لم يزل ينتشر في مناطق مثل دول الخليج والمغرب العربي، حيث بدأت درجات حرارة الجو في الارتفاع بالفعل.

الآمال الأخرى في مواجهة الوباء معقودة على جهود العلماء في التعرف على دواء مناسب لتقليل شدة الإصابة، طالما أن ليس ثمة دواء للقضاء على الأمراض الفيروسية كلية، وتطوير لقاح فعَّال لحماية الأكثر عرضة للإصابة أو الأضعف قدرة على تحمل المرض بين البشر. والواضح أن معظم هذه الجهود محصورة بمجتمع علماء دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وبدرجة أقل باليابان والصين، وهي الدول الأكثر تقدمًا علميًّا، والأكثر ثراء، والأكثر اهتمامًا بالبحث العلمي أصلًا. تركيا، التي قطعت خطوات في مجال المنافسة العلمية، كانت الوحيدة بين دول الصف الثاني التي قامت شركة طبية فيها بطرح أجهزة كشف عن المرض، تعطي نتائج سريعة نسبيًّا وبمستوى ثقة عال.

ثمة دواء طورته شركة أميركية من قبل لعلاج كورونا سارس، بالحد من تكاثر الفيروس في الجسم، وبالتالي حماية المصابين من تفاقم المرض. وتجري الآن تجربته على مرضى كورونا المستجد للتعرف على مدى فعاليته. كما تبذل فرق من العلماء في بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة جهودًا حثيثة لتطوير لقاح فعال، للوقاية من المرض. ولكن، ولأن تطوير اللقاح وتجربته يأخذان زمنًا طويلًا، فليس ثمة من يتوقع طرح اللقاح قبل ربيع أو صيف العام المقبل، 2021. وحتى عندما يبدأ إنتاج اللقاح بصورة تجارية، فمن غير المتوقع أن يصبح متوافرًا لكافة دول العالم بصورة متساوية.

حتى ذلك الحين، ينبغي للعالم، ربما، رؤية الدروس الضرورية التي يطرحها هذا الوباء.

خطر الأنظمة الأحادية والقومية الإقصائية

يكشف الأول من هذه الدروس عن عدم جاهزية المجتمع الدولي ومنظماته المتخصصة للتعامل مع وباء قاتل وسريع التفشي، مثل كورونا المستجد. تفتقد منظمة الصحة العالمية، كما الأمم المتحدة، منظمتها الأم، المقدَّرات الكافية لتوفير المساعدات الضرروية والسريعة للدول غير القادرة على التعامل مع الوباء. كما أن المنظمة لا تملك سلطة الضغط على الدول للكشف عن مستوى انتشار الوباء فيها وكيفية مكافحته. ففي الوقت الذي كان الجميع يعرف أن الصينيين لا يقولون الحقيقة، كان الناطقون باسم المنظمة يشيدون فيها بالصين وجهودها. ولا تملك المنظمة كذلك السلطة على فرض التعاون بين الدول، ولا بين دوائر علماء الدول المختلفة، أو على تنسيق جهودها.

أما الدرس الثاني، فيتعلق بالموجة القومية الجديدة، التي أوصلت أنظمة حكم قصيرة النظر، تتبنى سياسات تكتسي بثوب المصالح الحصرية للأمم، إلى الحكم، كما في هنغاريا، وبولندا، والولايات المتحدة، وبريطانيا. حملت توجهات العولمة الجامحة، التي سيطرت على السياسة والاقتصاد العالميين منذ ثمانينات القرن الماضي، الكثير من الظلم لشعوب وفئات اجتماعية مختلفة، وهددت البيئة وسلامة الكوكب الذي يعيش عليه ومنه البشر. ليس في هذه المآخذ على عقود العولمة من شك ولكن ردَّ الأنظمة القومية الجديدة على تجاوزات العولمة بإقفال الحدود، والتمييز بين البشر، وفرض القيود العمياء على الحركة والتجارة، والانسحاب من أطر التعاون الدولي والإقليمي، مثَّل ويمثِّل خطرًا على المجتمع الإنساني برمَّته.

ثمة تطور في وسائل الاتصال والانتقال والحركة لا يمكن تجاهله، ولا علاقة مباشرة به بسياسات العولمة الاقتصادية. يضاعف هذا التطور من مخاطر الأوبئة والإضرار بالبيئة على الأمم والشعوب وعلى المجتمع الإنساني ككل؛ ولا يمكن مواجهة هذه المخاطر بدون تعاون وثيق بين الأمم والشعوب. ما أظهره وباء كورونا المستجد أن التهديد الجيوستراتيجي للوباء لا يقل عن التهديد العسكري؛ وإلا فكيف يمكن تحوُّل الصين، القوة الاقتصادية والتجارية الهائلة، إلى منبع لانتشار فيروس بالغ الخطر على كافة البشر، وتحول إيران إلى منبع لتفشي الوباء في كل محيطها، والدور الذي لعبته إيطاليا في انتقال المرض إلى دائرة جوارها الأوروبي.

أما الدرس الثالث، فيرتبط بالمخاطر الهائلة للصمت على الأنظمة الديكتاتورية، القمعية، المناهضة للحريات والشفافية. تمثل هذه الأنظمة، على الدوام، تهديدًا داهمًا لشعوبها وجوارها والعالم بأسره. ولكن خطر هذه الأنظمة يزداد بأضعاف لا حد لها في مواجهة الأزمات العابرة للحدود. كشفت أزمة وباء كورونا 19 عمَّا يعنيه غياب الشفافية، ونزعة نظام حكم الحزب الواحد الرافض للأصوات المخالفة للرواية الرسمية كما هو سائد في الصين، لأمن العالم كله. ولم يتخذ نظام حكم ديكتاتوري، كما النظام المصري، إجراءات توقف سفر العشرات من المصابين بالمرض لجواره ولدول العالم الأخرى، في الوقت الذي كان يؤكد أن الوباء لم يتفشَّ في مصر بعد، أو أن عدد المصابين به لم يزل محدودًا.

إن يكن لهذا الوباء من تداعيات، فهي إبراز الحاجة إلى شروط جديدة لمتطلبات العيش المشترك، بما تعنيه للتعاون الدولي، ولما تفرضه المسؤولية الإنسانية الواحدة للوقوف في مواجهة الأنظمة الديكتاتورية والتسلطية التي أظهرت أن خطرها يتجاوز شعوبها إلى بقية دول العالم.

مركز الجزيرة للدراسات

—————————-

=================================

=============================

تحديث 21 أذار 2020

———————————-

كورونا الذي يخرسنا/ عمر قدور

لا صوت يعلو على صوت المعركة. الرئيس الفرنسي كرر كلمة المعركة مرات في خطابه قبل أيام وهو يطالب المواطنين بعدم مغادرة بيوتهم إلا للضرورة القصوى، ومسؤولون غربيون آخرون قالوا كلاماً مشابهاً. ماكرون نفسه، قبل يوم من خطابه “الحربي”، كان قد قال إثر تصويته في الجولة الأولى من الانتخابات البلدية أنه مسؤول عن صحة المواطنين وعن العملية الديموقراطية معاً، ليلغي بعد الجولةِ الأولى الجولةَ الثانية من الانتخابات. قرار المضي في الجولة الأولى، رغم الفيروس الذي راح يتفشى في فرنسا، لم يلقَ احتجاجاً سياسياً منظماً، واقتصر انتقاده على أفراد سخروا منه على وسائل التواصل الاجتماعي. لا نعلم ما إذا كان ذهاب أكثر من 40% من الناخبين إلى صناديق الاقتراع زاد في نسبة تفشي الوباء، فهذا ليس وقت تساؤلات من هذا القبيل؛ إنه وقت التضامن مع السيستم الموجود، وقت التسليم المطلق بأن النخبة الحاكمة ستفعل أقصى ما يمكن لإنقاذ رعاياها.

في إيطاليا وإسبانيا المجاورتين، حيث شهدنا أول تسارع في انتشار كورونا أوروبياً، لا نسمع انتقادات موجهة لنهج الحكومتين، أو تأخرهما في التعاطي الجدي مع بدء انتشار الفيروس، مع أن المثال الصيني كان معبّراً جداً في قسوته. هو وقت الوحدة والتضامن، الوقت الذي لا يضع فقط قيادات أوروبية خارج دائرة النقد، بل يُظهر حتى ترامب للمرة الأولى منذ انتخابه رئيساً للولايات المتحدة بجمهورييها وديموقراطييها. في زمن أقل خطورة، كنا لنشهد على الأرجح تحركاً ديموقراطياً لمساءلته عن محاولة شراء الحق الحصري لإنتاج لقاح محتمل من مختبر ألماني، لكن في زمن كورونا من السهل تجاوز هذه “التفاصيل”، والديموقراطية الإنكليزية العريقة قدمت مثلاً بتجاوز دعوة رئيس وزرائها إلى اعتماد سياسة “مناعة القطيع” التي تضحّي بلا رحمة بالفئات الأقل مناعة.

بالتأكيد هناك فارق جوهري بين معارضة غربية في أنظمة ديموقراطية، تعلّق نشاطها المعتاد في مواجهة خطر يتهدد البلاد، وبين أنظمة لا تسمح أصلاً بوجود معارضة لها. الفارق نفسه نجده في روح التضامن العام ضمن البلدان الديموقراطية، حيث تنطلق هذه الروح من الاعتبارات الإنسانية “كما في أي مكان آخر” وتزيد عليها بذلك المران الطويل على كون المواطن مسؤولاً، أو بالأحرى تزيد بكونه مواطناً مع ما لهذه الكلمة من مدلولات اجتماعية وحقوقية.

إن الامتناع عن السياسة، بوصفها صراعاً مستمراً في الفضاء العام، يختلف عن منع السياسة من قبل نظم ديكتاتورية أو استبدادية وسيطرة الأخيرة على الفضاء العام بأكمله. لكننا، رغم هذا الفارق الجوهري، لا نستطيع تجاهل أثر الوباء الذي أدى إلى تخلي نخب سياسية غربية مع عموم المواطنين عن الحق في السياسة، بتعليق هذا الحق مؤقتاً، والاستنكاف الطوعي عن ممارسة الحق يستند إلى ثقة اضطرارية بالسلطة، وإن كانت المآخذ عليها السابقة للوباء لا تبرر الثقة المستجدة.

في الأصل، قبل ظهور كورونا، كانت الديموقراطيات الغربية في أزمة، وجزء منها عدم الثقة المعمم بالنخب السياسية الحاكمة. انعدام الثقة أوصل في العديد من البلدان إلى سدة القيادة أحزاباً ورؤساء نُظر إليهم كطفح عابر في مسيرة الديموقراطية، والبعض منهم وصل إلى السلطة تجنباً للأسوأ لا حباً به. من سخريات القدر “أو سخريات كورونا” أن تصبح هذه القيادات نفسها في موقع القيادات التاريخية، وأن يُسلَّم لها “ولكفاءاتها التي لم يُعترف بها من قبل على نطاق واسع” بالتصدي لأكبر خطر وجودي معاصر. بالطبع، الحديث عن دول ذات مؤسسات راسخة لا تخضع لأمزجة الحكام، من دون أن نبخسهم قدرتهم على اتخاذ قرارات مصيرية مؤثرة في أوقات حرجة، خاصة مع التعليق الفعلي للديموقراطية.

على صعيد أوسع، يتمنى كثر حول العالم لو يتم تعليق وتأجيل السياسات الدولية المعبّرة عن صراع المصالح، بهدف تعاون جميع الدول لما فيه مصلحة البشرية. المفارقة هنا هي المطالبة بحدود أكثر انغلاقاً بدواعي السيطرة الوطنية على تفشي الوباء، وفي الوقت نفسه المطالبة بمنتهى الانفتاح العلمي والتقني عبر الحدود وتأجيل الصراعات والمنافسات الدولية. هي مفارقة لا تخلو من السياسة فحسب، بل تجمع التناقضات؛ ثمة التوجس من الآخر، والارتياب في أنه لا يقوم بواجبه جيداً إزاء انتشار الوباء، وثمة تعويل على استثارة التضامن الإنساني الذي لم يسبق البرهنة على وجوده كما هو مأمول الآن.

كأننا نرى تمريناً عالمياً سريعاً على ما يفعله الخوف، فالسياسة في الدول التي تحترمها هي أول ضحايا الخوف المعمم. الفرد هو من يتخلى طوعاً عن وصفه ككائن سياسي، ليتنازل إلى مستويات أدنى تتعلق بوصفه كائناً بيولوجياً يصارع من أجل البقاء. انبعاث الوطنية، في دول تجاوزتها، تعبير اجتماعي عن المحنة ليس إلا، أي أنه يتضمن التكافل أكثر من أي معنى سياسي معهود، ومن المبكر الحديث عن آثار مديدة للانغلاق الوطني رغم تحفز دعاة الانغلاق لاستغلال المناسبة الحالية.

لعل ما لمسناه متسارعاً من آثار الخوف يقدّم لنا دليلاً مؤسفاً على نظم ديكتاتورية واستبدادية تقوم أساساً على صناعة الخوف، فما هو طارئ غربياً أصيلٌ في بلدان حُرمت من السياسة طوال تاريخها الحديث. مع التأكيد على أن ما يُسكت صوت السياسة غربياً هي قوة طبيعية قاهرة مؤقتة، فإننا نرى ونعيش ذلك الخوف الإنساني المشروع، وهذا من دواعي فهم وتفهّم من لم يعيشوا سواه طوال حيواتهم والتضامن معهم.

كأننا اليوم في عالم ليس فيه شعوب بالتعريف السياسي، عالم من الجزر البشرية المنعزلة والخائفة، عالم من الانتظار المفعم بالقلق، تعاود بعده شعوب مسيرتها “الناطقة”، وربما بأثر رجعي تتحرى من خلاله نواقص مسؤوليها وأخطاءهم، في حين تبقى أقوام أخرى في صمتها القسري. اليوم، يبدو العالم مقفراً وموحشاً وهو مستنكف عن السياسة، إنه عالم مقفر وموحش إذ يشبه ما كنا عليه دائماً.

المدن

—————————

كورونا، حرب جديدة في دمشق/ سلوى زكزك

يكتسح فيروس كورونا شاشات الأخبار ومواقع شبكات التواصل الاجتماعي  وكأنه يغزوها فيصيبها في مقتل، يتجاوز الشاشات ليحضر بقوة بين الناس، في البيوت وفي الغرف الضيقة وفي المطابخ والمدارس ومراكز العمل وصولاً للأسواق والأمكنة العامة والطرقات والمشافي.

في المصعد تتردد الأصابع بالضغط على رقم الطابق المراد الوصول إليه، الجميع يحتاج لمغامر يُبادر لضغط زر الإقلاع. يتردد السوريون بخجل في إعلان عدم رغبتهم بالتقبيل ولا حتى بالمصافحة. البعض يُحيي ملوحاً بيديه من بعيد والبعض الآخر يرمي قبلات طائرة في الهواء، والبعض يحافظ على عاداته بالحضن والتقبيل المبالغ به في حالة نكران معلنة.

في البداية تعامل غالبية السوريين مع الخبر بالسخرية أو باللامبالاة، قالوا إنهم موتى منذ سنين تسع، ولن يزيد فيروس سخيف من مآسيهم المتعددة والتي تبدو مستمرة دونما توقف أو تباطؤ. لكن الوضع تغير بعد القرار الرسمي بتعطيل المدارس والجامعات وبتقليص ساعات دوام العاملين في القطاع العام والخاص وفي البنوك والشركات والمؤسسات المالية، وذلك اعتباراً من الخامس عشر من آذار وحتى الثاني من نيسان. أوقف هذا القرار كل النشاطات الجماعية من مباريات رياضية أو رحلات المسير أو الندوات والمحاضرات والاجتماعات العامة، حتى أن القرار أُلحق بتأكيد على وقف الصلوات الجماعية في المساجد والكنائس، واستكمل رجال الدين التعليمات بحيث دعوا إلى التقليل قدر الإمكان من المشاركة بالجنازات وبالتعازي. كما  دعا الأطباء والمسؤولون الصحيون الى التقليل من عدد مرافقي المرضى، لدرجة وصل الأمر بالبعض إلى الدعوة إلى حملة عنوانها “خليك بالبيت”  حفاظاً على السلامة وتجنباً للعدوى. تلاها حملة عنوانها “نحنا قدها” تقدم النصائح والتوعية والخدمات الممكنة للناس الذين اختاروا عزلاً طوعياً أو أن سنهم المتقدم أو إصابتهم بأمراض مزمنة دعتهم لتجنب أي اختلاط وامتنعوا عن مغادرة بيوتهم حرصاً على سلامتهم وأملاً بالتخفيف من أية إصابة محتملة ولو برشح عادي قد تتضاعف آثارها وتجعل من إصابتهم فرصة محتملة تهددهم بالخطر بسبب ما يعانون منه من أمراض تجعلهم عرضة للإصابة المباشرة أو الأكيدة بفيروس الكورونا  ومضاعفاته التي قد تكون مميتة لهم.

وعلى الرغم من أن الجائحات الخطرة عادة ما تترافق بحالات هلع شديدة تدفع الأفراد للتخزين المبالغ به وخاصة للأدوية والمواد الغذائية والمعقمات ومواد التنظيف، إلا أن الحركة التسوقية في دمشق كانت باردة بشكل عام، ماعدا بعض المناطق المزدحمة مثل مساكن برزة وجرمانا، اللتين شهدتا مبالغة في زحف الأفراد وخاصة إلى المخزنين الكبيرين فيهما (مول قاسيون ومول جرمانا ). وتقول سيدة (لا تريد الإفصاح عن اسمها) تسكن في جرمانا بأن مول جرمانا شهد ازدحاماً مرعباً يوم السبت، فرغت بعده الرفوف من المواد الأساسية، وتقول إنها رأت بعينها فواتير البعض التي وصلت إلى ما فوق المائة ألف ليرة، وهو مبلغ كبير في سورية تعجز الغالبية عن أن تملكه، وإن توفر لها، لا يمكنها إنفاقه دفعة واحدة لحاجتها لمبالغ كبيرة لإنفاقها في مناح حياتية متعددة.

نقلت سيدة أخرى على صفحتها على الفيس بوك معاناة سائقي التكسي الذين يعانون من قلة الطلب على خدماتهم، بسبب قرار الغالبية بالجلوس بالبيت، أو بسبب نقص السيولة الذي يعتبر سمة عامة للسوريين، وقد قال أحد السائقين والذي قرر ارتداء الكمامة للوقاية قدر الإمكان من الاختلاط بالركاب بأن الراغبين باستقلال سيارة أجرة كانوا يعدلون عن الطلب إليه للتوقف لنقلهم إلى وجهتم فور رؤية الكمامة، توجساً من إصابته بالكورونا أو من وساوسه حسب توصيفهم في ظل ترد شبه عام للوعي الصحي وفي ظل ثقافة شعبوية تعوّم مفاهيم التوكل والقدرية والتردد والعزوف عن تنفيذ أية تعليمات وقائية كائناً من كان مصدرها، إضافة لفقدان الثقة بكافة الإجراءات الرسمية. كما أشار إلى شكوى سائق آخر من روائح الكحول والمعقم الذي يسكبه الركاب على أيديهم وأجسادهم للوقاية، مما يسبب له الاختناق نظراً لإصابته بالتحسس المزمن. ويضع بعض سائقي الحافلات العامة الكمامات على وجوههم ومن لا يحتمل بقاءها على وجهه يترك المقعد الملاصق له مطوي الظهر وفارغاً كي يخفف قدر الإمكان من التقارب الشديد مع راكب قد يكون مصاباً.

وقال لي أحد المعارف مُعلقاً على حال السوريين بعد قرارات التعطيل واتساع انتشار فيروس كورونا وتوصيفه كجائحة عالمية، بأن لا شيء تغير في أحوال السوريين سوى أنهم انتقلوا من خطاب “الله يفرّج” لخطاب “الله يتلطف”!! مشيراً إلى أن البؤس وضيق ذات اليد وتعثر النمو الاقتصادي والأمان النسبي بقي على حاله لكن الخطاب يتبدل لمراعاة الظروف المستجدة.

اللافت في تعامل السوريين مع جائحة فيروس كورونا هو الازدحام الخانق على الأفران العامة والخاصة، حتى خبز السندويش شهد طلباً زائداً عليه، وكذلك الكعك الحلو والمالح والتوست وكافة أنواع المعجنات. ويسعى السوريون بشكل دائم لتخزين الخبز، لأنه ملحهم وقوتهم اليومي ولأن الفوز به يتطلب وقوفاً طويل الأمد في طوابير لشرائه، حتى أفران خبز السكري شهدت تزايداً بعدد طالبي الخبز وبازدياد الكميات المطلوبة وخاصة أن مرضى السكري يرغبون بتخزين الخبز في ثلاجاتهم ومن ثم الاستسلام للحجر الطوعي بعد أن اطمأنوا إلى توفر الخبز القابل للعيش فترة طويلة والصالح للمشاركة مع أي مادة غذائية أخرى لتتحول المادتان إلى وجبة كافية.

ولابد من الإشارة إلى نفاذ مادة الكحول الايتيلي من الأسواق والتي تم التوجيه بأنها المادة الأكثر توفيراً للوقاية وللأمن الصحي. وقد شهدت الصيدليات ازدحاماً خانقاً أيضا للحصول على الكحول وعلى المعقمات الشخصية وعلى الأدوية للأمراض المزمنة وأدوية التهابات الأطفال وخافضات الحرارة والكمامات. وقد وصل سعر الكمامة الواحدة إلى ثلاثمائة وخمسين ليرة بعد أن كانت تباع بخمسين ليرة فقط، هذا بالإضافة إلى ارتفاع فجائي وسريع بأسعار الخضراوات والفواكه وخاصة الليمون والحمضيات والبطاطا لزيادة الطلب عليها، خاصة لما أشيع عن فوائدها الطبية وعن إمكانية تخزينها.

وإن استقبل السوريون أخبار فيروس الكورونا بالسخرية وبترويج الفكاهات والنكات وبتحويل كلمات الأغاني الشعبية مثل الدلعونا إلى كلمات تناسب وتعاصر انتشار فيروس كورونا، إلا أن السخرية المُرة أيضاً طفت على السطح وانتشرت بخيبة وبمرارة، خاصة حيال إجراءات الحماية المطلوبة والضرورية في خضم حاجات يومية لا يمكن للسوريين تلبيتها دونما الانتظام في طوابير لا تؤمن السلامة لأحد، لابل تهدد السلامة الشخصية بشكل مباشر، مثل الوقوف في طوابير للحصول على مخصصات الرز والسكر والمواد التموينية المخفضة والتي تباع حصراً في المؤسسات العامة الاستهلاكية وكذلك الوقوف في طوابير لاستلام الرواتب الشهرية من الصراف الآلي. هذا عدا عن الازدحام في المشافي العامة، رغم أن حالات عديدة لجأت للمشافي بدافع الهلع فحسب ومع مرافقة عددية كبيرة من الأهل أو الأصدقاء أو الجيران، مما فاقم من حالات الازدحام ومن تعثر تأمين سرعة الفحص والتشخيص وتقديم الإسعافات أو المساعدات الطبية اللازمة.

أما الأطفال فقد تعاملوا مع قرار العطلة وكأنه مكافأة لهم، لدرجة أن طالباً قال لمديرة مدرسته الجديدة: (أنت أحلى مديرة بالعالم ع وجهك إجت كل العطل!). أما ذوو الطلاب فقد شعروا بمسؤولية مضاعفة، تفرض عليهم البقاء في المنزل مع أطفالهم وإن اضطروا لأخذ إجازات طويلة من العمل ومحاولة تعويض ما سيترتب من نقص علمي لأن الدراسة توقفت وبالتالي فإن إعطاء المنهاج كاملاً خرج عن دائرة التحقق.

وقد أخبرتني إحدى الأمهات أنها فكرت بالسفر إلى قريتها لأن الجو أنظف وبيت القرية أوسع، لكنها خافت من الانتقال بالحافلة الضيقة والتي لا يراعي فيها أحد شروط السلامة العامة، عدا عن أن أجرة التنقل باتت مكلفة ومرهقة جداً والبيوت في القرية خالية من التدفئة والمونة.

هذا وقد سعى بعض الأساتذة لدعم طلابهم بدروس عبر الانترنت. أما أهالي طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية فقد نظموا زيارات الأساتذة الخصوصيون لأبنائهم لتقديم الدعم اللازم والمراجعة الشاملة والواجبة للمنهاج متضمناً كل الدروس التي لم تُعطى لهم، في محاولة لتعويض كل ما خسروه في الصفوف بسبب قرار العطلة قبل وقت الانقطاع الطبيعي.

ينتظر السوريون\ات بلهفة وقلق انحسار جائحة فيروس كورونا، ليعودوا إلى أعمالهم التي توقفت لتتوقف أرزاقهم معها، وليخففوا من الأعباء المالية الطارئة لتأمين السلامة الشخصية وشراء الأدوية والكحول والمعقمات، وليشعروا أن عبئاً جديداً قد انزاح عن صدورهم المثقلة بالخوف والحرمان والنقص شبه الدائم والمتفاقم لأساسيات حياتهم اليومية في كافة مناحيها. مازال البعض متأملاً بقدرة خارقة تُنقذهم، متجاهلاً فرضية الانتشار والخطورة الفائقة للوباء المرعب، بينما تتصاعد مخاوف المختصين وخاصة الجسم الطبي والعقلاء من لحظة انفلات للفيروس لن يقدر حينها أحد ولا بأية مقدرة من القضاء عليه أو لجمه. أما مجمل السوريين\ات فيتأملون بحل خارق أو بضربة حظ تُنقذهم من وباء الكورونا.

كاتبة سورية

—————————

كورونا يصل لمعتقلات سوريا والنظام يتكتم.. وفيات وحالة خوف من تفشٍّ أكبر للفيروس يهدد حياة الآلاف

    عشرات الوفيات ورعب في السجون

    إصابة بين عناصر المخابرات العسكرية

    تحذيرات من تفاقم الوضع

    وضع مأساوي في مشفى اللاذقية

    احتواء الأخبار وليس المرض

    انتقادات وسخرية

يبدو أن الوضع في سوريا يتفاقم ويتجه نحو الأسوأ فيما يتعلق بانتشار فيروس كورونا، بعدما استطاع الفيروس الوصول إلى داخل معتقلات النظام السوري مهدداً حياة آلاف المعتقلين هناك.

وذكرت مصادر خاصة لـ”عربي بوست” أن فيروس كورونا الجديد أو كوفيد-19، أصاب العشرات من المعتقلين في 3 سجون تابعة للنظام، والتي يشارك في إدارتها وحمايتها ميليشيات تابعة للحرس الثوري الإيراني مباشرة.

عشرات الوفيات ورعب في السجون

وذكر مصدر في سجن “عدرا المركزي”، أن هناك حوالي 200 حالة وفاة بين المعتقلين من مختلف أقسام السجن الأكبر في سوريا، وهو سجن مدني مختص بسجن السوريين في قضايا متنوعة منها، ويضم أيضاً معتقلي الرأي وسياسيين.

وأوضح المصدر أن أعراض المرض ظهرت على عدد آخر من المعتقلين، وأنه لم يتم عزلهم حتى الآن مما ينذر بانتشار الفيروس في مختلف أرجاء السجن ويهدد ذلك بوقوع كارثة إنسانية ما لم تسارع الجهات المسؤولة عن إدارة السجن بعزل المصابين وتخصيص أجنحة خاصة بهم.

وقال إن المعتقلين في السجن حالياً يعيشون حالة من القلق والذعر والخوف من انتشار فيروس كورونا في السجن، وبالمقابل حذرت القوات الأمنية وإدارة السجن المعتقلين من أي تمرد أو فوضى، ووعدت بتطويق انتشار الفيروس.

إصابة بين عناصر المخابرات العسكرية

وكشف مصدر خاص داخل مشفى “المزة 601” العسكري، في العاصمة دمشق، فضل عدم الكشف عن اسمه خوفاً من الملاحقات الأمنية، وصول 12 عنصراً من المخابرات العسكرية التابعة للنظام السوري، الذين يعملون ضمن “الفرع 235” بمنطقة القزاز في العاصمة دمشق، في ساعة متأخرة من ليلة الأربعاء 18 مارس/آذار، مصابين بفيروس كورونا الجديد.

وأضاف المصدر أن العناصر المصابين وصلوا إلى قسم الإسعاف بحالة صحية متردية للغاية، ونقلوا بعدها إلى قسم خاص أنشئ مؤخراً لمعالجة المصابين بفيروس كورونا داخل المشفى الوسط تشديد أمني وطبي.

وأوضح المصدر أن هؤلاء المصابين ضمن العناصر الأمنية المسؤولة عن إدارة الفرع والزنازين، وبالتالي هناك احتمالية كبيرة لنقلهم الفيروس بين المعتقلين المحتجزين في ظروف صحية سيئة حيث لا عناية طبية ولا نظافة ولا تهوية ولا غذاء مناسب.

ويعتبر الفرع 235 أو ما يسمى عند السوريين “فرع فلسطين” التابع للمخابرات العسكرية للنظام في دمشق، من الأجهزة الأمنية ذات السمعة السيئة في تعاملها مع المعتقلين وتحديداً الموقوفين سياسياً، والذي شهد مئات الوفيات للمعتقلين خلال السنوات الماضية بسبب انتشار أمراض جلدية وتنفسية معدية، فضلاً عن الموت نتيجة الجوع والعطش، حسب ما ذكر مئات المعتقلين الذين أخلي سبيلهم بموجب صفقات تبادل أسرى للنظام ومعتقلين مدنيين سابقاً.

تحذيرات من تفاقم الوضع

وكانت منظمة هيومان رايتس ووتش قد حذرت يوم 16 مارس/آذار، من انتشار الفيروس بين المحتجزين والنازحين. ووصفت المنظمة وضع هؤلاء بـ”الكارثي” في سوريا التي تضم أعداداً هائلة من كلا الفئتين.

وذكرت المنظمة عشرات آلاف المحتجزين يقبعون في السجون السورية. اعتُقل الكثير منهم تعسفياً بسبب مشاركتهم في احتجاجات سلمية، أو بسبب التعبير عن رأي سياسي معارض.

وضع مأساوي في مشفى اللاذقية

بينما في مشفى اللاذقية الوطني، حشر عشرات المصابين بفيروس كورونا ضمن مستودع أرضي تم تجهيزه مؤخراً ليكون مركزاً للحجر الصحي للمصابين، وسط تشديد أمني كبير ومنع أي زيارات.

وقالت مصادر في مدينة اللاذقية منهم عاملون في مشفى اللاذقية الوطني، إن لجاناً من مديرية الصحية في اللاذقية وأخرى من المشفى قامت في الأسبوع الماضي بإفراغ المستودع الخاص بالمعدات المستهلكة في المشفى وتجهيزه بمعدات بسيطة من أسرة وأجهزة، مع عزل ما لا يقل عن 3 مصابين لتلقي العلاج بواسطة كادر خاص من المشفى.

احتواء الأخبار وليس المرض

وبالرغم من خطورة الموقف وتفاقم الوضع، لم يعلن النظام السوري وجود أي حالات إصابة بفيروس كورونا الجديد، رغم إعلانه أكثر من مرة الاشتباه ببعض الحالات التي أظهرت التحاليل سلبيتها.

تقارير إعلامية محلية وعالمية تحدثت، نقلاً عن مصادر طبية وشهود عيان، عن مئات الإصابات المنتشرة في دمشق، والتي يصر النظام على إنكار وجودها.

وبحسب مصادر، فإن النظام السوري يتبع سياسة “الإنكار واحتواء الأخبار” حول انتشار فيروس كورونا الجديد.

وذكرت المصادر أن بعض الحالات التي تذهب للمستشفيات يكون عليها أعراض متطابقة بالفعل مع أعراض فيروس كورونا الجديد. لكن الأطباء يتعاملون معها دون ذكر حقيقة الأمر للمريض بل يخبرونه أن الحالة هي دور إنفلونزا.

ومع مرور الوقت يمكن أن تتدهور حالة المريض ويصل إلى الموت دون معرفة حقيقة ما أصيب به. أو في المقابل تتحسن الحالة بشكل طبيعي ليتم إخبار بعض هؤلاء أن تشخيصهم الفعلي هو فيروس كورونا الجديد، لكن يُطلب منهم عدم الحديث إلى محيطهم حول إصابتهم بالفيروس.

انتقادات وسخرية

أظهر مقطع فيديو مصور من داخل العاصمة السورية دمشق سقوط رجل على الأرض وسط المارة، مثيراً شكوكاً بإصابته بفيروس كورونا، في وقت لا يزال فيه نظام بشار الأسد يقول إن الأراضي السورية لم تسجل أية إصابة بالفيروس، الأمر الذي أثار قلق منظمة الصحة العالمية من إخفاء الحقائق.

يُظهر الفيديو رجلاً وقد سقط أرضاً بجانب شجرة، بينما اقترب منه اثنان من عناصر الشرطة، أما الرجل الذي كان يصور الفيديو فكان يقول إنه لن يقترب من جسد الشخص لأي سبب كان، مشيراً بذلك إلى مخاوفه من أن يكون الرجل مُصاباً بفيروس كورونا.

بعد الحادثة وصلت سيارة للإسعاف إلى المكان ونقلت الرجل المغشي عليه، وقالت صفحة “شاهد من قلب الحدث” إنه تم تعقيم المكان فيما بعد.

https://www.facebook.com/watch/?v=239104073912463

ونشر نشطاء وإعلاميون يوم الثلاثاء 18 مارس/آذار، صوراً للكوادر الطبية في حكومة النظام والتي تقوم بأعمال الوقاية من فيروس كورونا الجديد. ولاقت الصور سخرية من الشارع السوري حول كيفية تنفيذ الإجراءات عبر رش مبيدات حشرية وليست معقمات.

وانتشرت أيضاً فيديوهات في منطقة الدوير بريف دمشق لحجر صحي أعدته وزارة الصحة مؤخراً، والذي من المفترض أن يكون مكاناً لإقامة المصابين أو المشتبه بإصابتهم بفيروس كورونا، حيث أظهرت الصور حالة المكان “السيئة للغاية”.

التصريحات الرسمية قالت إن المركز يحوي 134 شخصاً، جرى الحجر عليهم بعد وصولهم إلى سوريا عبر مطار دمشق الدولي قادمين من إيران.

———————

كورونا سوريا:الحجر الصحي رفاهية مستحيلة لأهالي دمشق/ نور عويتي

رغم استمرار مسلسل النكران، إتخذ النظام السوري بعض الإجراءات الاحترازية والوقائية لمنع انتشار فيروس كورونا داخل مناطق سيطرته؛ إجراءات تتسم باللا جدية، ومن الممكن وصفها بأنها إجراءات شكلية، تسعى لطمأنة الشارع السوري والتماشي مع الأزمة العالمية لا أكثر.

وعلق النظام السوري الدوام في كل من الجامعات والمدارس لمدة أسبوعين، تمتد من 14 آذار ولغاية 2 نيسان، ليقوم خلال هذه العطلة بتعقيم الوحدات الدراسية والمنشآت التابعة لها. ولكن يبدو أن تلك الإجراءات تم تطبيقها لأهداف ترويجية فقط ولا تهدف لحماية الطلاب والعاملين في القطاع التعليمي.

وقال مصدر من داخل السكن الجامعي لطلاب جامعة دمشق ل”المدن”، إن “إجراءات الوقاية الصحية التي طبقت في المدينة الجامعية متدنية جداً، حيث لم يتم إخلاء وحدات السكن بشكل كامل خلال عملية التعقيم، ولم يتم تنظيف الغرف والممرات والحمامات المتسخة قبل بدء العملية، التي اقتصرت على رش مواد معقمة فوق أكوام من القذارة والأوساخ”.

وأضاف أنه “لم يتم تصليح الأعطال في الحمامات المشتركة، مما يجبر عدداً كبيراً من الطلاب إلى استخدام حمام واحد، ولم يتخذ أي إجراء لتقليص عدد الطلاب في الغرف، حيث يقطن في الغرفة الواحدة ما بين  ثلاثة إلى ستة طلاب، وهو عدد كبير للغاية يجعل من فكرة الحجر الصحي فكرة غير مجدية.. قمنا بالتواصل مع دائرة اتحاد الطلبة وعرضنا عليهم كل هذه المشاكل، لكنهم تعاملوا مع مخاوفنا باستخفاف وسخرية، وعندما ازدادت حدة النقاش، تم تهديد البعض منا بالطرد من المدينة الجامعية”.

كما قام النظام السوري بتعقيم المرفقات العامة ووسائل النقل العام، إلا إن عدداً من الناشطين رصدوا هذه العملية بمقاطع مصورة بينت أن المواد المستخدمة للتعقيم ليست سوى مبيدات حشرية تقوم ببثها سيارات تابعة للبلديات، واعتاد أهل الشام على رؤيتها في مدينتهم، وهي تنشر البخار المبيد للحشرات بشكل موسمي.

وللحجر المنزلي الذي يعتبر حجر الزاوية لمكافحة تفشي جائحة كورونا. فقد انتشرت حملة “خليك بالبيت” وأمر إعلام النظام المواطنين الالتزام بمنازلهم لتجاوز الأزمة، على غرار ما يحدث في معظم دول العالم؛ ولكن هذا الإجراء لم يقترن بما يلزم من إجراءات لتنفيذه؛ فلم تتوقف عجلة الحياة العملية في دمشق، واكتفى النظام بتخفيض ساعات العمل للموظفين ضمن دوائره الرسمية لمدة أسبوعين، وتعليق تسجيل الدخول إلى الدوام باستخدام البصمة لمدة شهر.

تعديل دوامات القطاع العام لم يميز بين القطاعات الرئيسية التي لا يمكن التخلي عنها لهذه المدة، وبين القطاعات التي يمكن أن يتم تعطيل العمل فيها من دون أن تتأثر مصالح الدولة والناس. كما أن النظام لم يتخذ أي إجراء لتقليص عدد الموظفين الكبير داخل دوائره، الذين يؤدون أدواراً متطابقة، ولم يكترث بأن التجمعات التي يخلقها ضمن دوائره قد يكون لها دور كبير بانتشار المرض، ولم توجه أي تعليمات للشركات الخاصة بتخفيض الدوام أو تعلقيه.

اليوم، تبدو الحياة في دمشق طبيعية، يتجول الناس في الشوارع بغرض التسوق، ويجلسون في المقاهي التي لم يصدر أي قرار بإغلاقها، واكتفى النظام فقط  بمنع تقديم الأراكيل فيها. وقال مصدر من دمشق ل”المدن”، إن “المحلات التجارية والمولات لم تقفل، بل إن الأسواق انتعشت وهي تشهد ازدحاماً مضاعفاً بسبب العطلة الاحترازية للمدارس والجامعات، وبسبب إقبال الناس على شراء هدايا لعيد الأم. وتبقى المراكز التجارية في الخدمة لساعات متأخرة، فتقفل عند الساعة العاشرة ليلاً، وأما المطاعم والمقاهي فهي تشهد إقبالاً وتجمعات كبيرة، وبعضها يبقى في الخدمة حتى الساعة الرابعة فجراً”.

وفي الوقت الذي أطلقت حكومة النظام حملة للحجر الطوعي، فإنها لم تقم بتأمين مستلزمات المواطنين والشروط التي يجب أن تقترن بهذا الحجر؛ فبعض السوريين يشعرون بالذعر ويرغبون بالالتزام بالحجر ولكنهم رغم ذلك لم يتمكنوا من ذلك، لأنهم مجبرون على العمل لتأمين مستلزمات عائلاتهم.

وقال مصدر من دمشق ل”المدن”، إن “الحجر المنزلي بالنسبة لنا هو نوع من أنواع الرفاهية التي يصعب على المواطن السوري تحقيقها، فنحن نعيش بظرف اقتصادي سيء للغاية، وإن توقفنا عن العمل لأسبوع واحد فإننا سنعجز عن تأمين احتياجاتنا الغذائية الرئيسية، وإن استمر الحال فإننا لن نتمكن من دفع إيجار البيت الذي نسكن فيه وسنصبح بلا مأوى.. نعم أنا خائف من الفيروس، ولكن كيف لي أن أقوم بحجر نفسي؟ هذه رفاهية نحن نعجز عن تحقيقها”.

وعلى الرغم من أن الحكومة أصدرت قرارات بزيادة حجم باقات الإنترنت بشكل مجاني هذا الشهر، لتشجع الطلاب على البقاء في المنزل، إلا أنها لم توفر الكهرباء وفي أغلب المناطق السكنية في دمشق يتم قطع الكهرباء بنظام مداورة، أربع ساعات بلا كهرباء تليها ساعتان من الكهرباء؛ لتبدو معادلة الحجر الصحي مستحيلة التطبيق في سوريا.

—————————-

غسل الأيدي من العالم/ روجيه عوطة

ليس غسل الأيدي حالياً مجرد فعل عادي، فهو، وبعدما صار من إجراءات الوقاية من فيروس كورونا، تغير إلى فعل لازم، بحيث نسيانه، أو التغاضي عنه، أو الإحجام عن الإقدام عليه، قد يؤدي إلى “الكَورَنة”، ولاحقاً، إلى الموت بوصفه احتمالاً. بالتالي، غسل الأيدي غدا فعلاً ينقذ من منية جائزة، أو من مذهب إليها، ولهذا، تغير معناه، أو بالأحرى استقر على تمامه.

فاتحة هذا التمام أن غسل الأيدي، ولأنه ينجي من الموت، فهو حياله بمثابة فعل خلاصي، وليست بُغيته طرده سوى لأن طرده هنا يساوي النأي عن رجائه. هذا الرجاء، ومثلما بات معروفاً، يساوي كل الأشياء من حولنا، العالم بأسره، بحيث، وما أن نمسه بأيدينا، حتى نسرع إلى غسلها. فيطرد الغسل موتنا بجعلنا ننأى عن ذلك العالم، عن عالمه، بإبعادنا عنه، وهذا، بلا أن ينقلنا، أو يعدنا بالإنتقال إلى عالم مغاير، بل إنه يبقينا داخل العالم اياه، وفي الوقت نفسه، يضعنا على مسافة منه.

لذا، الخلاص، في هذا السياق، ليس كاملاً، بل إنه يديم علّته، الأمر، الذي يحمل على تكرار الركون إليه مرة تلو المرة من أجل أن يكتمل، وهذا، ما لا يمكن أن يحصل بالطبع. ففعلياً، ليس هناك غسل قاطع، أي لمرة واحدة وأخيرة، إلا غسل الموتى ربما، باعتباره من شعائر النقل إلى الدنيا الأخرى، إلى الآخرة، أي أنه ينجي من العالم، وبالفعل نفسه، يحمل إلى سواه.

على أن الغسل، وحين يتكرر، فليس لأنه، كفعل خلاصي، غير مكتمل، ليس بسبب هذا فحسب، بل لأن العالم، الذي يدور فيه، هو عالم متمدد، إذ ينبسط بأغراضه من كل حدب وصوب، وفي كل حدب وصوب. بتمدده هذا لا يتوقف عن الوصول إلى أيدينا، وبالتالي، لا نتوقف عن غسلها منه. غسل الأيدي من العالم يحوله، بدايةً، إلى مشكلة، أو مهمة، كنا قد انخرطنا فيها، لكننا، ولأنها عويصة الحل، عدنا وانسحبنا منها. بالغسل، ننتهي من مسؤوليتنا حيال العالم كمشكلة ومهمة، من مسؤولية حله. وعلى هذا النحو، يسمح لنا الغسل أن نغدو بلا علاقة مع هذا العالم كلما بلغ ايدينا، فصحيح اننا نقف داخله، الا ان هذا لا يعني اننا مورطون فيه.

من هنا، يغدو العالم نفسه كأنه مجموع من الآثام، التي نتطهر منها. إذ صار كناية عن مأثم، يعمد إلى تدنيس أيدينا، وتوسيخها، ولهذا، نسرع إلى غسلها لكيلا يبقي آثاره عليها. لكن، هذه الآثار لا تزول سوى لتأخذ محلها من جديد، والسبب أن مأثمها ذاك، لسنا نحن الذي نرتكبه، بل أنه هو، وإذا صح التعبير، الذي يرتكبنا. بمعنى أنه هو الذي يبلغنا، نظراً إلى تمدده، الى إحاطته بنا في أثناء وقوفنا داخله. فلا يمكننا أن نحجر أنفسنا عنه، فحتى خلال الحجر الذي نُلزَم به الآن، فإنه ينوجد عبر أغراضنا، لا بل أن إثارته لنا تزداد بواسطتها.

في الحجر، جاذبية هذا العالم تتضاعف، أغراضه ومناظره تشدنا نحوها، وها نحن حين نمضي إليها، نحسب أننا نتناولها. لكن، وفي هذه اللحظة بالذات، تكون قد تناولتنا سلفاً. لهذا، يكاد غسل أيدينا منها لا يودي سوى إلى غسل الأيدي من أجلها، من أجل أن تكون هذه الأيدي نظيفة حين تمسكها. وبهذه الطريقة، غسل الأيدي، الذي يبغي الانتهاء من ارتكاب العالم، يبدو تنقية لهذه الأيدي لكيلا تلطخ هذا العالم حين يرتكبها.

في الواقع، هذه الشقلبة تنطوي على ضرب من التمني لشيء محدد، وهو أن يتمسك العالم بنا في أثناء غسل أيدينا منه، كمشكلة، ومهمة، ومأثمة، أي ألا يتركنا، ويشتغل من دوننا. مرد هذه الأمنية أن ذلك الغسل، وعلى كل معانيه، يبرز كوقوف ضد العالم مقابل النظام، الذي يحذر منه، من التعامل معه على أساس أنه بيئة خاضنة للفيروس، بيئة منتفضة عليه. فعندما يطلب منا هذا النظام أن نغسل أيدينا من العالم، فلكي نعينه في حربه عليه، في إخماده له. فعلياً، هو لا يطلب منا هذا مباشرةً، إنما مواربةً عبر حضّنا على الحياد حيال حربه، على البقاء في منازلنا، وانتظارنا انتصاره، وخلال ذلك، نواظب على غسل أيدينا، على عزل العالم، وعلى الإظهار له، وكلما مسّيناه، بأننا لا نرغب فيه، بل نسرع إلى التطهر منه. طبعاً، هذا الحياد ليس سوى إعلان موقف واضح من العالم، وهو المشاركة في اعادة ضبطه. لهذا بالتحديد، ما علينا، ونحن نهمّ إلى الغسل، سوى أن نتمنى تلك الشقلبة: في حين أننا نغسل أيدينا من العالم، يودي بنا ذلك إلى غسلها من أجله، من أجل يستمر في التمدد إليها.

ما على أيدينا أن تتطهر من العالم، ما عليها أن تتركه. النظام يريد هذا. إذ إنه، أساساً، وقبل الكورونا، يقوم بتحطيم اقتدارنا اليدوي، يقوم بتحطيم صلتنا اليديوية بالعالم. ما علينا فعل ذلك البتة، ففي حال كان ثمة شيء ما، لا بد من التأكيد عليه في المرحلة الراهنة، فهو الإيمان بالعالم، بعلاقتنا معه، بكونها تمر بأجسادنا، تبدلها، وتستوي بها. متدينون أم ملحدون، كان يردد فيلسوف راحل، “نحتاج إلى الإيمان بهذا العالم”، بعالمنا.

المدن

—————————

ليس لدى”الكورونير”من”يكارنه”/ أحمد عمر

نجا آسيوي مسكين من الموت في أم الدنيا والسيارات المصرية تفرُّ منه فرارها من الأسد أو فرارها من حفتر، وتهمُّ بدعسه، والسائقون يطردونه، فذكّرني المسكين الضلّيل، بفيلم هندي قديم، وهو أول فيلم رأيته في حياتي عنوانه “صداقة”، وهو عن صحبة بين أعرج وأعمى، يفقد الأعمى في أحد المشاهد عكازه، ويغني “داري مي جو” أي ضاعت عصاي، وعصاه عينه، فعميَ مرتين!

أخبرونا أن نظام البراميل يقتل المصابين، أو يقتل طائفة منتخبة منهم، ولا مدعاة للقسم والحلفان، فالنظام كان وما زال يقتل الأصحّاء فلمَ يبخل على المرضى وتكلفة الكمامة أغلى من الرصاصة؟ هو يدمِّر الحاضنة الشعبية ومحضونها. الصحِّة تاج على رؤوس الثوار لا يراه إلا النظام. لقد أعدم أمّة بكاملها أو نصفها على الأقل. أخبرني طبيب أنَّ النظام كان يقتل المصابين بالإيدز أول ظهوره، وعُزّزت شهادة الطبيب بشهادة أحد الموالين الساخرين. المشكلة هي أن الكورونا ينتشر ويتفشى باللمس، بينما كان سلفه الصالح ينتشر باللمس أيضا، لكن بعد تبديل حرف فيه، أو هو لمس بعضو الذرية.

لا أستطيع أن أدّعي أني سعيد بمعرفة فيروس الكورونا، لكنَّ النفس أمّارة بالسوء، والشماتة ليس من المروءة، والشماتة هنا هي بالذات، فالكورونا تداهم الكوكب، وسمعت النّواحة تنشد: مع كورونا هلَّت البشاير.

الكورونا فيروس غير عنصري وشامل وارتوازي، وقد واسى السوريَّ، وعطف عليه، فلم يعد موظفو المطارات يخافون منه وحده، فهم يتوجسون من الصيني، أو كان كذلك أول تشريقة الوباء، أو ممن يسمّون بأصحاب الملامح الآسيوية من غير حزام ناسف. عطسته هي الناسفة. ولم يكن موظفو الحدود يضعون الكمامات خوفاً من السوري، بل كانوا يعتقلونه من غير كمامات، بل إنَّ المطارات نفسها أُغلقت، وجثمت الطائرات في أعشاشها، مثل طيور معدنية على بيض الرحلات.

لقد رُفّع هذا الفيروس ملكاً متوجاً، رُفّع ترفيعاً أسرع من السيسي الذي صار مشيراً في غمزة عين عاشقة، لقد أمسى الفيروس قائد القارات السبع، إسكندرها الصيني، إمام العالم، الفظيع الركن، المشير المشيب، القائد الضرورة، راعي الكمامات والكمامين، ملك ملوك آسيا وأوربا وأفريقيا. وفرض الإقامة الجبرية على قارة أوربا المدللة، وبعض قارة آسيا، وهو يزداد قوة وشباباً، ليس الوحيد لكنه الأفضل.

السيد الفيروس أندى من السيسي وأكرم من الأسد، لأن مدة حجر الكورونا هي ثلث مدة حجر السيسي الإدارية التي تبلغ 45 يوماً، وهي مدة دوَّارة مثل قرص الساعة. إيران أفرجت عما يقرب من مليون سجين إفراجاً مؤقتا، بينهم السياسيون، توفيراً للاقتصاد، وتوقّياً من فشاء المرض، ستعيدهم في حال العثور على لقاح، وهذا أمر يطول، سنة أو سنتين. الأسد لم يفرج عن أحد، ولا السيسي، لأنهما موظّفان لمحاربة الإرهاب. ووجدتُ أنَّ سجون إيران سجون فارهة وكبيرة وللسجناء أسرّة وطعام!

لقد جعلنا الكورونا بلا دين تقريباً وبلا دنيا أيضاً، فلا دين الحداثة، ولا دين الأصالة. ودين الحداثة كرة القدم، ودين القدامة الدينُ القيّم. لا جمعة للمسلمين ولا موعظة لأصحاب الأحد، الديمقراطية مؤجلة، وعندنا هي محرَّمة منذ عرفناها.  الكورونا سيكون الصوت الوحيد في الانتخابات العربية القادمة، أو على الأقل الصوت المعطل.

أمس كان عندي موعد مع محام عربي في المانيا، منعني زميله من الدخول، وخرج المحامي واعتذر، ومدَّ يده ليصافحني فلم أجد بدّاً من مصافحته، وخطر لي أن أقول له: “لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك”، لم أكن أريد أن يصافحني، فوصيَّة كليب للزير سالم بكلمات أمل دنقل هي: لا “تصافح”، ولو منحوك الذهب/ أترى حين أفقأ عينيك/ ثم أثبت جوهرتين مكانهما/ هل ترى؟ / هي أشياء لا تشترى”، وكان أمل دنقل أشدُّ ثأراً من الزير سالم نفسه، فثأر الزير ثأر أخ، وثأر أمل دنقل ثأر وطن.

تعلمتُ مثل غيري طريقة لبس القفازات، وهي تحتاج إلى معلم، وتدربتُ أياماً على غسل اليدين حتى أصبحت ماهرا فيه وتقشَّر جلدي، وحمل بعضهم قارورة الكحول في جيبه، لكن لا ينصح بشربها، فهي لا تطهِّر الأمعاء. قابيل قتل هابيل بحجرة وليس بعطسة، لو كان مصاباً بالكورونا لعطس في وجهه وسُجلت الجريمة ضد مجهول. المطربة الخليجية أحلام وضعت كمامة من الألماس، ونحن لا نعثر على كمامة ورقية!  قبل فترة أعلن تلفزيون عربي عن برنامج للذين أسرفوا على أنفسهم، عنوانه “الملكة” لكنهم امتنعوا عن بثِّه بعد حلقتين، بسبب استعلائه وبذخه، ربما غارت زوجات الملوك من البرنامج!

تقول الموعظة: أنت في خوف المرض في مرض. لا يستطيع أحد أن يوصي بعنوان كتاب ” دع الكورونا وابدأ الحياة”، الصحيح: دع الكورونا وابدأ الحجر الصحي، فالخوف شامل. أغلب المياه في ألمانيا كلسية، هم يشربون مياهاً معدنية، إذا بدأ الحجر قد ترمي علينا الطائرات الألمانية الطعام والماء، ربما نأكل أرانب الحديقة مثل أهل الغوطة، سيعاني العالم، “ليذيقهم بعض الذي عملوا” وليذيقهم بعض معاناة الغوطة وغزّة.

هل نقدِّم الساعة في الانقلاب الشتوي القادم، أم إنَّ الساعة اقتربت كثيراً وتقدّمت من غير خيل ولا ركاب. هناك شائعات عن عودة الدواعش تضامناً مع الكورونا، وتنافساً معها، الدواعش كتبوا على باب الكهف: سنعود بعد قليل ونقطع دابر الكورونا.

لا أحد يحفل بالدواعش، ولا بالثورة السورية التي مرّتْ ذكراها التاسعة سربا، فالكورونا على الأبواب وعلى النوافذ ومن فوق الحيطان، وهو يفتك بالشيوخ وكبار السنِّ. لو ظهر السيسي في خطاب كورونا، لقال: “كده، أيوا صحيح، خلال شهر واحد ح امسك البلاد كده”. لا يهمه وباء، لعله سعيد به، فلطالما اشتكى من كثرة النسل، هو مذعور من الإخوان، الإخوان أشدُّ عليه من الكورونا.

ليس عند معظم السوريين مال يخزنِّون به الطعام، الجميع ضعاف ومفقرين، شباباً وشيباً، وهم مقصيّون ومخصيّون. ووجدت بعد تفكير أنَّ الزجاجة وراء الأسد كانت سائل تعقيم، وأنَّ الوباء قد وحَّد العالم في الخوف، وفرَّقهم في الحبِّ. وقعت أكبر هجرة جماعية على كوكب الأرض، فثمة نزوح عالمي إلى محاجر التواصل الاجتماعي. شحَّ نصيبنا من الصدق والصداقة، وكان بطلا الفيلم الهندي؛ أعمى وأعرج.

الأعمى هو الغرب الراكض نحو الهاوية، والشرق هو الأعرج المتعثر بعكازته.

المدن

—————————

لماذا نخاف كثيراً من فايروس “كورونا”؟

الأزمات الوجودية مهمة لتصفية الذهن والتفكير بوضوح؛ فهي غالباً ما تقنع السياسيين بالقيام بإصلاحات كبيرة ومؤلمة لكنها ضرورية، وذلك لأنها ترغمهم على قبول فكرة عدم وجود خيار آخر وأنهم إذا فشلوا في ذلك فلن تُهدم مسيرتهم المهنية فحسب بل بلادهم أيضا

المشاعر بطبيعتها يصعب التعبير عنها بكلمات، لذا يُعد وصف حالة القلق التي تنتاب الجميع الآن، تحدياً كبيراً.

إن مجرد وصف البشر بأنهم خائفون من فايروس “كورونا” الذي يجتاح العالم الآن لا يوفي المشكلة حقها. لأن كلمة “خائف” ليست قوية أو دقيقة بما يكفي للتعبير عن درجة الخوف التي يشعر بها البشر الآن.

علامات القلق في كل مكان سواء، تمكنك رؤيتها في أوجه ركاب المترو عندما يسعل أحد أو في عيني سائقة “أوبر” التي ترمقك من فوق قناع الوجه عبر مرآة الرؤية الخلفية. يمكنك أن تستشفها من ردود الفعل الهائلة وغير المتناسبة والمؤذية التي تقوم بها بعض المجتمعات وسنناقش هذه النقطة في ما بعد.

لأوضح لكم هذا من البداية: أنا لا أقول أن لا أسباب كافية ومنطقية للقلق، فهناك عدد وفيات وإصابات هائل. لكن الأدهى من ذلك، أن معدل الإصابة يتسارع ما يعني أن هذا الوباء العالمي لم يصل إلى ذروته بعد.

جاءت استجابات حكومات الصين والولايات المتحدة الأميركية وإيران وإيطاليا متخبطة فالبعض حاول الكذب بشأن مدى تفشي المرض ومعاقبة من يفضحونه. وفي مثل هذه الأوقات، يرغب الناس بالطبع بل ويتوقعون إلى أن تكون لديهم حكومة عقلانية تستند إلى الحقائق وجاهزة بكاملها لحمايتهم. لكن الأميركيين يفتقرون إلى أحد هذه العناصر الآن.

تعمل إدارة ترامب الآن بأقل عدد ممكن للأعضاء (هل يمكنك ذكر أسماء وزراء الأمن الداخلي، والصحة والخدمات الإنسانية أو رئيس الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ؟)، بل إن الرئيس عام 2018 أقال الفريق المعني بالاستجابة للأوبئة.

لذا فالوضع يثير الرعب حقاً ولا أريد أن يُفهم من مضمون كلامي أن إيلون ماسك كان محقاً عندما غرد قائلاً، “الذعر من فايروس كورونا حماقة” (على رغم أن الذعر بالفعل لا يفيد) أو أن ترامب ربما كان على شيء من الصواب عندما قال إن فايروس “كورونا” خدعة من “الحزب الديموقراطي”. فهذه هي الحماقة بعينها.

لكن ما أقصده هو أن حجم رد الفعل العالمي لفايروس “كورونا” يشير إلى أن ثمة شيئاً غريباً يحدث.

أولاً، نحن -البشر- نجونا مما هو أسوأ من ذلك من دون هلع. ولا أقصد الكوارث القديمة مثل الموت الأسود (الطاعون) الذي قضى على نحو 200 مليون شخص في العصور الوسطى. بل أتحدث عن فايروس العوز المناعي البشري “الإيدز” (الذي كانت نسبة الوفاة جراء الإصابة به 100 في المئة أي أعلى من فيروس كورونا بنحو 95-99 في المئة) وفايروس “سارس” وإنفلونزا الخنازير، إضافة إلى الإنفلونزا الموسمية التي أودت بحياة 80 ألف شخص، بين عامي 2017 و2018 في الولايات المتحدة الأميركية وحده. أما كوفيد-19 فتسبب في وفاة حوالى 75910 أشخاص في العالم كله. هذا إلى جانب حوادث المرور التي تتسبب في مصرع حوالى 1.25 مليون شخص سنوياً لكنها في الوقت ذاته لا تؤثر كثيراً -سواء بالإيجاب أو السلب- في سلوكيات البشر.

ومع أنه من المرجح ألا يصاب معظم البشر بهذا الفايروس وأن معظم من يصابون به سيشفون (بفرض أنه لن يتحور)، تتعامل الشعوب والحكومات مع الأمر بطرائق مبالغ فيها.

وبعض ردود الأفعال سخيف وغير مفيد، مثل ارتداء أقنعة جراحة مسامية ورطبة (تسبب ذلك قطعاً في نقص عالمي في الأقنعة) أو حمى الشراء الناتج عن الذعر والتهافت على شراء زبدة الفول السوداني ومناديل المرحاض وغيرها وكأنهم يستعدون لنهاية العالم وهو سلوك يطلق عليه الألمان شراء الفئران (Hamsterkauf).

ومن جهة أخرى، استغل الغوغائيون والمؤمنون بنظرية المؤامرة هذا الفايروس لمصلحتهم حتى أن موسوعة “ويكيبيديا” أنشأت صفحة لمتابعة هذه الخرافات المنتشرة. وعلى رأس هذه الخرافات، خرافة أن الصين طورت هذا الفايروس للقضاء على تظاهرات هونغ كونغ أو لإخضاع الإيغور، أو خرافة أن الفايروس جزء من مخطط للتحكم بعدد سكان العالم بدعم من بيل غيتس الشريك المؤسس لشركة “مايكروسوفت”، أو خرافة أن الفايروس صُمم في مختبر كندي للأسلحة البيولوجية (لا بد أن هذه هي المرة الأولى التي يُلقى فيها باللوم على كندا بسبب شيء عدائي ربما منذ عملية سرقة شراب القيقب عام 2012).

على رغم سخافة ردود الأفعال كالأمثلة التي ذكرناها، بدأت هذه الأفعال التأثير في حياتنا وفي الاقتصاد بطرائق بالغة الضرر، فضلاً عن أنها لا تفيد أبداً في مكافحة الوباء، فكما قال فريد زكريا الكاتب في صحيفة “واشنطن بوست”، يستغل الشعبويون هذا المرض لتكثيف هجماتهم على الهجرة، فأكثر من 10 في المئة من سكان العالم الآن في حالة من العزل الإجباري. فقد ألغت إيطاليا القداس في الكنائس وألغت آيرلندا مسيرات يوم القديس باتريك وألغت طوكيو مهرجان الكرز السنوي. أما إسرائيل التي تعد واحدة من أكثر الدول حرصاً على حدودها، فقد تبنت سيناريو فيلم “حرب الزومبي العالمية” (World War Z) وفرضت حجراً صحياً لمدة 14 يوماً على كل من يدخل البلاد من أي بلد كان. هذه الإجراءات من شأنها تضييق الخناق على الأنشطة الاقتصادية الحيوية على المدى القصير وقد تدمر سلاسل الإمداد العالمية على المدى البعيد.

لكن ما الرابط الذي يفسر كل هذه المبالغات التي تتنافى مع العلوم الطبية والمنطق؟ أعتقد أن لهذا السؤال ثلاث إجابات بسيطة.

الإجابة الأولى هي أن فايروس “كورونا” جديد ولا نراه بأعيننا وأحياناً يكون فتاكاً، كما أنه لا يزال غامضاً إلى حد كبير،  فلا تكمن المشكلة في أنه لا يزال أمامنا الكثير لاكتشاف لقاح، بل في أننا لا ندرك حجم المشكلة التي نواجهها، فنحن لا نعرف على وجه التحديد مدى خطورة المرض أو العدد الفعلي للأشخاص المصابين. (هذه المشكلة الأخيرة ناتجة جزئياً عن نقص يثير الحيرة في أدوات الفحص في الولايات المتحدة الأميركية وفي العالم كله)، وكما قال لي مايكل باركون الأستاذ الفخري للعلوم السياسية بجامعة سيراكيوز في رسالة عبر البريد الإلكتروني: الطبيعة الخفية والغامضة لهذا العدو تجعله أكثر إثارة للرعب وبيئة خصبة للتفسيرات وأساليب العلاج الخيالية.

ثانياً، يثير فايروس “كورونا” الرعب أكثر من غيره لأنه يجسد المشكلات التي كانت بالفعل تسبب قلقاً شديداً للعالم كله وهي بالتحديد: العولمة، والهجرة الجماعية، والاعتماد المتبادل بين الدول. هذه هي القضايا التي يلعب على وترها ترامب وغيره من الشعبويين منذ سنوات والتي لاقت صدى لدى الكثير من الناخبين الذين يشعرون بأنهم يواجهون قوى لا يفهمونها وليس بمقدورهم السيطرة عليها. ونظراً إلى ظهور “كورونا” من الصين -هدف ترامب المفضل- وانتقاله عبر المسارات التي خلقتها العولمة لنقل البضائع والخدمات والأفراد، أصبح الفايروس يمثل كل ما يخشاه ويبغضه الشعبويون. هذه الحقيقة جعلت من الفايروس “تجسيداً وإثباتاً للمخاوف من العالم الخارجي ومن الآخر التي تسيطر على ترامب وأتباعه”، على حد قول باركون.

السبب الثالث للرعب الذي يثيره “كورونا” هو الشعور بالذنب الذي ينتاب الذين يرون أنه ربما بدأت الطريقة القاسية التي تتعامل بها البشرية مع عالم الطبيعة -بدءاً من حرق الكربون لقرون عدة وحتى سنوات من فرط استخدام المضادات الحيوية- في تدمير المحيط الحيوي، فقد ظل هذا الدمار لعقود طويلة مجرد مشكلة مجردة لا نشعر بها. لكن في السنوات الأخيرة ومع اجتياح الحرائق الغابات وتغير المناخ الذي أصبح أكثر حرارة ورطوبة وتطرفاً، أصبح من المستحيل تجاهل هذه المشكلة. يشعر كثر بأننا أفسدنا الأنظمة الطبيعية وأننا سندفع ثمناً باهظاً لذلك. ويغذي فايروس “كورونا” هذا الشعور، إذ يبدو وكأنه عقاب لا مفر منه. كما قال باركون “نحن نعيش في عالم يعج بأفكار نهاية العالم” أو كما قال لي أحد أصدقائي “حتى لو لم يقضِ علينا هذا الفايروس، فالأمر غير مهم لأن الفايروس المقبل سيفعل أو ربما الذي يليه”.

ومع أن هذا الخوف المتفشي قد يدفع البشر إلى التخبط والتصرف بطرائق غريبة، إلا أن له جانباً إيجابياً. ألفت كتاباً منذ سنوات أناقش فيه فكرة أن الحكومات لا تتعامل مع التحديات الكبرى المهددة للحياة إلا عندما لا تجد مناصاً من ذلك، فالأزمات الوجودية مهمة لتصفية الذهن والتفكير بوضوح؛ فهي غالباً ما تقنع السياسيين بالقيام بإصلاحات كبيرة ومؤلمة لكنها ضرورية، وذلك لأنها ترغمهم على قبول فكرة عدم وجود خيار آخر وأنهم إذا فشلوا في ذلك فلن تُهدم مسيرتهم المهنية فحسب بل بلادهم أيضاً.

قد يكون “كورونا” من تلك الأزمات الدافعة للتغيير، وإن لم يكن كذلك، فالفايروس المقبل أو الذي يليه سيكون كذلك. لكن حتى الآن لا دليل على أن قادتنا يدركون النتائج الصحيحة ويعترفون بالحجم الحقيقي للمشكلة ويتعاونون بطريقة تتسم بالشفافية والفعالية والتنسيق. وهذا أكثر ما يثير خوفنا.

هذا المقال مترجم عن  foreignpolicy.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط هنا

درج

——————————–

في ضوء تراخي جامعة الدول العربية عن مواجهة وباء كوفيد-19، إضافةً إلى الكثير من المسائل الأخرى، هل لايزال ثمة فائدة تُرجى من هذه المنظمة؟/ مايكل يونغ

مروان المعشر | نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ووزير خارجية الأردن الأسبق (2002-2004)

إذا ما أثبت وباء كوفيد-19 شيئاً فهو أن عالمنا بات مترابطاً ومُعتمداً على بعضه البعض أكثر من أي وقت مضى. وهذا يعني أنه لم يعد في مقدور أي بلد على حدة أن يكون فعّالاً في مجابهة التحديات التي غالباً ما أضحت إقليمية ودولية. أما بالنسبة إلى جامعة الدول العربية، فإن ميثاقها صُمِّم بحيث تبقى هذه المنظمة هشّة بنيوياً، عبر تضمينه بنداً ينص على أن كل القرارات يجب أن تُتّخذ بالإجماع. كما أن الميثاق يتبنى تعريفاً ضيّق الأفق حيال مسألة سيادة كل دولة. كل هذا يعني أن المنظمة نادراً ما تمكّنت من لعب أي دور بنّاء، سواء إزاء قضايا سياسية على غرار منع حرب 2003 على العراق، أو مسائل صحية ككوفيد-19، أو معظم المسائل الأخرى.

والحال أن جامعة الدول الغربية هي من مخلفات فكر القرن العشرين، وبالتالي فهي عاجزة عن التعامل والتصدي لتحديات القرن الحادي والعشرين. وهذا يعني، وهنا الأهم، أنه في ضوء تحوّل العديد من هذه التحديات إلى قضايا إقليمية وعالمية، بات لزاماً التعاطي مع هذه المسائل خارج أطر الهياكل الإقليمية الشكلية. لذا، تحتاج الدول الأعضاء في الجامعة إلى امتلاك الإرادة السياسية لتغيير الميثاق وإعادة صوغ المنظمة بطريقة جذرية وعميقة. وما لم يحدث ذلك، ستواصل جامعة الدول العربية التركيز في الغالب على إصدار البيانات بدلاً من حل المشاكل الحقيقية.

حازم صاغية | كاتب ومحلل لبناني

وباء كوفيد-19 مثال آخر على لاجدوى جامعة الدول العربية. فهذه المنظمة لم تتمكّن قط من وقف أي حرب بين الدول الأعضاء ولا أي حرب أهلية داخل أي بلد عربي. كما أنها فشلت في إقامة أي شكل من أشكال التعاون الاقتصادي الملموس بين الدول العربية، ولم تعزز أي مجهود عربي دولياً. هذا علاوةً على أنها لم تحسّن صورة العالم العربي عالمياً (على الرغم من أن هذه الصورة في نظر معظم العرب قد تبدو أحياناً أكثر أهمية مما هي في الحقيقة).

إن مشكلة الجامعة البنيوية هي حصيلة أربعة أنواع من القصور والعيوب: أولاً، أن مصر لم تعد “قائدة” العالم العربي. وثانياً، أن درجة التفكّك داخل العديد من البلدان العربية تجعل من أي جهد عربي مشترك مجرد أوهام باذخة. وثالثاً، أن الصراعات العربية- العربية في اليمن وسورية وليبيا وأماكن أخرى أهم بكثير من المصالح المشتركة بين العرب. رابعاً، وأخيراً، أن إيران تدخّلت بنجاح في قايا يُفترض أنها شؤون عربية، وحصدت بعض التحالفات المكينة والوازنة.

الآن، حين نضع كل هذه العوامل في سلة واحدة، يبدو من الغباء توقّع وجود أي أمل في هذه المؤسسة البائسة.

فولكر بيرتس | مدير ورئيس مجلس إدارة المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، برلين

كمنت مساهمة جامعة الدول العربية الأساسية حتى الآن للحد من انتشار وباء كوفيد-19 في إلغاء القمة العربية التي كانت مقررة في آذار/مارس 2020. لكن الواقع أنه يمكن مُسامحة المراقبين الذين يشتبهون بوجود أسباب أخرى للتخلي عن القمة في الذكرى الـ75 لميلاد الجامعة. وعلى أي حال، ليس هناك الكثير مما يمكن الاحتفاء به في كلٍّ من الهدف العام للمنظمة- تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني- وفي طبيعة ردودها على الأزمات، على غرار الوباء الراهن.

هل يجب الإبقاء على هذه الجامعة؟ أجل، حتما. إذ من الأفضل وجود منظمة إقليمية تسمح بالقليل من التنسيق، بدلاً من لا شيء. ثم: في مرحلة ما، قد يّعيد القادة العرب إطلاق جامعة الدول العربية لتكون مؤسسة أكثر فعالية، على غرار الاتحاد الأفريقي. بيد أن أي إصلاح يتطلّب أكثر من مجرد إطلاق مبادرة من لدن الأمانة العامة للجامعة: إذ مثلها مثل أي منظمة إقليمية، ليس في وسع جامعة الدول العربية أن تكون جيّدة إلا بمقدار ما تسمح به الدول الأعضاء.

مركز كارينغي للشرق الاوسط

—————————–

كورونا في قلب حرب النفط/ قاسم البصري

فشلت المحادثات التي انطلقت في السادس من آذار (مارس) الجاري بين مجموعة الدول المُنتجة والمُصدرة للنفط (أوبك) وروسيا، أو ما يُعرف بـ« أوبك+»، في التوافق على تخفيضٍ جديدٍ لحجم الإنتاج، بمقدار 1.5 مليون برميل يومياً لمدة ثلاثة أشهر. وكان الهدف من التخفيض الذي اقترحته السعودية في المحادثات هو الحفاظ على أسعار النفط قريباً من 50 دولار أميركي للبرميل، وذلك لمواجهة تداعيات موجة جديدة من انخفاض الطلب على النفط وتراجع الإنتاج العالمي، بعد تفشّي وباء كورونا والشلل الذي ألحقه بالأسواق العالمية، لا سيما في الصين، أحد أكبر مستوردي النفط في العالم.

وقد جاء الاجتماع في إطار التنسيق المستمر بين دول أوبك وروسيا منذ العام 2017 لتخفيض الإنتاج وتقاسم الحصص النفطية، من أجل الحفاظ على مستوى أسعار النفط في ظلّ الانخفاض على الطلب وزيادة حضور الولايات المتحدة الأميركية كمُنتِج مهم للنفط في الوقت الحالي، وذلك بالاعتماد على النفط الصخري. أما السبب الذي أدى إلى فشل المحادثات، فهو رفض روسيا للاقتراح الذي تقدّمت به دول أوبك، وإصرارها على الحفاظ على حجم الإنتاج دون نقصان.

لم يتأخر الرد السعودي على رفض روسيا، وجاء تصعيدياً ومخالفاً للتوقعات، حيث قررت الرياض الاستغناء عن سياسة تخفيض الإنتاج، لتتحول إلى إغراق الأسواق العالمية بالنفط الخام، وذلك رغم الركود الاقتصادي الذي خلّفه وباء كورونا. وتضمّنت قرارات المملكة زيادة إنتاجها حتى يصل إلى مستويات قياسية، ستبلغ في نيسان (أبريل) المقبل 12.3 مليون برميل نفط يومياً، لتعود في وقتٍ لاحقٍ للإعلان عن نيتها الوصول إلى 13 مليون برميل لزيادة حصتها السوقية. فضلاً عن ذلك، منحت الرياض تخفيضاتٍ للدول المستوردة بين 6 و8 دولارات للبرميل الواحد من أجل تشجيعها على الاستيراد.

بالإضافة إلى التخفيضات التي أعلنت عنها السعودية، وبالتزامن مع حدة انتشار وباء كورونا، هبطت أسعار النفط إلى معدلاتٍ كبيرة، حيث خسر البرميل قرابة 60 بالمئة من قيمته خلال أيامٍ معدودة، ليصل سعره أمس الخميس (19 آذار/مارس 2020) إلى أقل من 21 دولار، ومن ثمّ عاود الارتفاع صباح اليوم الجمعة بشكلٍ طفيف حتى وصل سعره إلى حدود 25 دولار.

أعقبت فشل المحادثات والقرارات السعودية مجموعةٌ من التصريحات التصعيدية، وسلسلة من مشاهد فرد العضلات بين موسكو والرياض، إذ أعلنت السعودية أنها مستعدة لمعركة طويلة بشأن مستويات الإنتاج والحصص السوقية. وأوضح أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لعملاق النفط السعودي أرامكو، أن تكاليف الإنتاج لدى «أرامكو» من بين الأدنى في العالم، ولذا فهي قادرة على مواجهة انخفاض أسعار النفط والاستمرار في إنتاج 12 مليون برميل يومياً في المتوسط لمدة عامٍ كامل لتباع بأسعارٍ قريبة من 27 دولار للبرميل، مشيراً إلى أن أرامكو ستسحب 300 ألف برميل يومياً من مخزونها الضخم، للوصول إلى ذلك المعروض القياسي المُقرّر في نيسان (أبريل) المقبل، من غير أن يؤدي ذلك إلى مزيدٍ من الإنفاق.

وتلا التصريحات السعودية إعلانٌ إماراتيٌّ عن قرارٍ برفع الإنتاج تزامناً مع الخطوة السعودية، ليصل إلى 4 ملايين برميل نفط يومياً، بزيادةٍ مقدارها مليون برميل، لتبدو دول الخليج في موقفٍ صلب وموحّد في وجه روسيا. كما أعلنت الإمارات أيضاً عن مواصلة الجهود للوصول بشكلٍ أسرع إلى حجم إنتاج 5 مليون برميل يومياً.

أما روسيا، فشدّدت على تشبّثها بقرارها حيال عدم الموافقة على خفض الإنتاج، وفق استراتيجيةٍ يُراد منها إيصال رسائل اقتصادية وسياسية، ليس فقط لدول أوبك، بل للولايات المتحدة الأميركية أيضاً. وتحاول موسكو من خلال موقفها المتعنّت إخراج النفط الصخري الأميركي من المنافسة في الأسواق، بعد أن باتت الولايات المتحدة في طليعة الدول المنتجة، ذلك أنّ انخفاض الأسعار سيعني شلل القطاع النفطي الأميركي، بسبب غرقه بالديون، والكلفة العالية التي يتطلبها النفط الأميركي، وهو ما يحول دون قدرته على مجاراة أسعار النفط الحالية. كما يعوّل الجانب الروسي أيضاً على الاستفادة من خفض أسعار النفط في ترسيخ حضوره في الأسواق بحيث يتعذّر الاستغناء عنه، وإجبار الولايات المتحدة نتيجة ذلك على إعادة النظر بالعقوبات التي تفرضها على الاقتصاد الروسي، والمتصلة بضم روسيا لشبه جزيرة القرم وتدخلها العسكري في سوريا.

يأتي ذلك في وقتٍ اعتبر فيه الرئيس دونالد ترامب أنّ انخفاض أسعار النفط يصب في المصلحة الأميركية، لأنه بوسع الولايات المتحدة شراء كمياتٍ كبيرة من الخام بأسعار قليلة، وزيادة الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، وهو ما سينعكس بشكلٍ إيجابي على الأسواق والمنتِجين الأميركيين، غير أنّ توسع تفشي وباء كورونا وما ترتّب على ذلك من آثار على تراجع الأنشطة الاقتصادية على مستوى العالم، دفعه للتحذير من أنّ اقتصاد الولايات المتحدة سوف يتجه نحو الركود.

يُفهم من تصريحات دونالد ترامب أنّه لم يعد من الممكن اعتبار الولايات المتحدة طرفاً رابحاً من خفض أسعار النفط. وبخلاف ذلك، صار يتوجب على الولايات المتحدة دعم قطاع النفط المُتعثّر لمواجهة انخفاض الأسعار، أو الاستسلام أمام المُنتجين التقليديين في روسيا والخليج مبكراً، والقبول بخفض الإنتاج والتخلي عن الموقع الريادي الذي وصلت إليه الولايات المتحدة خلال العقد الأخير كأكبر منتجٍ للنفط، وهو ما يعني ضمناً فسح المجال أمام روسيا للتمدّد أكثر في أسواق أوروبا وشرق آسيا، أو التخفيف من حدة العقوبات المفروضة على موسكو في سبيل إعادة الأمور إلى ما قبل أزمة النفط الحالية.

من سينتصر؛ السعودية أم روسيا؟

لدى كلٍّ من الطرفين، السعودي والروسي، مجموعةٌ من أوراق الضغط التي يحاول من خلالها كلٌّ منهما إجبار الآخر على التراجع، كما يحاول كل طرفٍ منهما استغلال نقاط ضعف الطرف الآخر. من جهتها، تعوّل السعودية على الدعم الأميركي والإبقاء على موقف موحّد داخل كارتل دول أوبك في مواجهة روسيا، كما تعوّل أيضاً على انخفاض تكلفة إنتاج النفط لديها مقارنةً بروسيا. وتريد السعودية أن توصل رسائل إلى موسكو وباقي المنافسين بأنها لا تزال تتربع على عرش سوق النفط العالمي، ولا يمكن تجاهل قراراتها. أما نقطة الضعف الأبرز لدى السعوديين، فهي الخسائر الطائلة التي لحقت بسهم أرامكو بعد انخفاض الأسعار وأزمة كورونا، وقد ينعكس ذلك، ليس فقط على مكانة أرامكو في سوق الأسهم، بل على خطط ومشاريع ولي العهد محمد بن سلمان، الذي بنى ما يُعرف بـ«رؤية 2030» بشكلٍ أساسي على سهم أرامكو، إذ قد يُضطر إلى اتباع سياساتٍ مالية تقشفية تمسّ بالسعوديين، أفراداً وشركات.

أما روسيا، فهي تتسلح في هذه المواجهة النفطية بعدة مزايا؛ منها انخفاض كلفة نقل النفط، كونها تعتمد على الأنابيب، وذلك بخلاف السعودية، التي تستخدم الناقلات البحرية، وتستغرق شحناتها وقتاً أطول حتى تصل إلى المستوردين. كما تعوّل روسيا على تنوّع اقتصادها، وعدم اعتماده على النفط بالقدر نفسه الذي تعتمد عليه الموازنة السعودية، ولذا جاءت التصريحات الروسية مشدّدةً على أنّه بوسع موسكو الحفاظ على مقدار الإنتاج الحالي من النفط لمدة عشر سنوات دون أن تتأثر بانخفاض الأسعار، وذلك بالاعتماد على الصندوق الاحتياطي الذي راكمته خلال العقد الأخير، الذي وصل إلى 550 مليار دولار، ويمكن لموسكو أن تستخدم 20 مليار من هذه الاحتياطيات سنوياً للتعامل مع أزمة انخفاض الأسعار. 

كان انتشار وباء كورونا هو المُسبب الأول لتراجع أسعار النفط هذا العام، نتيجة تراجع الطلب وتعطّل عمليات الإنتاج والنقل حول العالم، وهو الذي دفع أيضاً إلى جولة جديدة من مباحثات أوبك+ مطلع هذا الشهر للاتفاق على تخفيض الإنتاج، ولكنّ الأمر ما لبث أن تحوّل إلى حرب أسعارٍ آلت إلى مزيدٍ من التراجعات في سعر برميل النفط، ليعود الكورونا بعد انتشاره المتسارع والهائل في شهر آذار (مارس) إلى تعميق هذه التراجعات بشكلٍ لم يعد محتملاً بالنسبة للمصدرين، وذلك بعد أن شلّ الوباء اقتصادات الدول والشركات وأسواق المال حول العالم. لقد باتت الخسائر الهائلة في قطاع النفط وباقي القطاعات الاقتصادية في هذه الأيام أكبر بكثير من الحدود التي تخيّل كل طرفٍ أنه قادرٌ على تحمّلها في أعقاب فشل المفاوضات، فهل يؤدي ذلك إلى تراجعٍ عن جولة الحرب هذه لأنّ كورونا أقوى من روسيا والسعودية مجتَمعتين؟ لا يبدو أنّ الوقت مناسبٌ لحرب بوتين وبن سلمان (المدعوم ترامبياً) في هذه المرحلة العصيبة التي يمرّ بها العالم، وذلك ليس تحسّراً على أسعار النفط المرتفعة، ولكن على الأقل من أجل شعوبهم وشعوب باقي الدول التي تعيش من عوائد النفط.

—————————

فيروس كورونا يهدد الشمال السوري.. احتمالات مفتوحة على الكارثة/ مصطفى ديب

حملت الأيام الأخيرة من شباط/فبراير الفائت فصلًا جديدًا من فصول أزمة فيروس كورونا بعد تفشّيه في عددٍ من الدول الأوروبّية، حاصدًا أرواح أكثر من ألف إنسان في إيطاليا وحدها خلال أيامٍ قليلة، لتكون أوروبّا، وفقًا لمنظمّة الصحّة العالمية، البؤرة الجديدة للفيروس الذي طاول أيضًا دول أمريكا اللاتينية، تزامنًا مع إعلان الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب السبت 14 آذار/ مارس الجاري، حالة الطوارئ في الولايات المتّحدة الأمريكية بهدف مواجهة الوباء الذي قدّر عدد من المسؤولين الأمريكيين وصول عدد المُصابين به في ولاية أوهايو وحدها إلى مئة ألف مُصاب.

تطوّرات مثيرة دفعت دول العالم للزجّ بكامل ثقلها لمواجهة كورونا، واستنفار كافّة قدراتها أيضًا للحدّ من انتشاره. ولكنّها، قبل ذلك كلّه، أبرزت السؤال التالي: ماذا بشأن الأماكن الخالية أو المجرّدة من إمكانيات مواجهة الفيروس والوقاية منه، كمناطق النزاع والحروب مثل الشمال السوريّ الخاضع لسيطرة المعارضة، أي أجزاء من محافظة إدلب وريف حماة الغربي وريف اللاذقية الشرقي وريف حلب الغربي.

اتّخذت المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة المسلّحة خلال الأيام الماضية إجراءات استثنائية شملت إغلاق معابرها مع مناطق سيطرة قوّات سوريا الديمقراطية “قسد”، ومناطق سيطرة ميليشيات النظام، بالإضافة إلى إغلاق معابرها الحدودية مع تركيا كخطوةٍ أوّلية الهدف منها الوقاية من الفيروس في بقعة جغرافية يشهدّ قطاعها الطبّي نزيفًا متواصلًا منذ أكثر من عام، أي أنّ معركة مؤسّساتها الصحّية ضدّ “كورونا”، في حاله انتشاره في المنطقة، لن تكون متكافئة بفعل ضعف الإمكانيات الطبّية، إذ قُدِّرت نسبة عجز القطّاع الطبّي في الشمال بأكثر من 80 بالمئة.

ووسط المخاوف المُتصاعدة من “كورونا”، واستمرار دول كثيرة حول العالم بالعمل على عزل نفسها وشلّ الحياة الاجتماعية مؤقّتًا للحدّ من تفشّيه؛ يبدو أنّ سكّان محافظة إدلب شمال غرب سوريا، بالإضافة إلى المؤسّسات والمنظّمات الصحّية العاملة في المنطقة، قد انتقلوا من مرحلة المراقبة إلى مرحلة انتظار الفيروس، وذلك تزامنًا مع دعوات متزايدة لمنع التجمّعات الكبيرة، وإغلاق المدارس والجامعات، وإلغاء الأنشطة الدينية أيضًا، في محاولة لكسب الوقت والعمل على تحديد الآلية أو الكيفية التي سيجري من خلالها التعامل مع الوباء المُميت في حال وصوله إلى المنطقة التي جرّدتها روسيا وميليشيات الأسد من إمكانياتها الطبّية.

فالمنطقة التي كانت هدفًا لحملة عسكرية برّية وجويّة على مدار 13 شهرًا، منذ شباط/ فبراير 2019، وحتّى آذار/مارس الجاري؛ ساءت فيها أحوال القطاع الطبّي، وتفاقمت أزمته بفعل استهداف الطائرات الحربية الروسية والطائرات التابعة لنظام الأسد للمستشفيات والمرافق الطبّية بشكلٍ مُباشر، في ظلّ ضعف التمويل وانقطاع الجزء الأكبر منه منذ سيطرة هيئة تحرير الشام على إدلب وريف حلب الغربيّ، ممّا جعل القطاع الطبّي قريبًا دائمًا من الانهيار.

منذ شباط/فبراير 2019، وحتّى تاريخ وقف إطلاق النار في آذار/مارس الجاري، استهدفت طائرات النظام وحليفه الروسيّ 96 منشأة طبّية، وتقلّصت عدد المستشفيات والمراكز الصحّية في المنطقة بفعل سيطرة ميليشياته على أجزاء واسعة منها، بدءًا من ريف مدينة حماة الشمالي، وأرياف مدينة حلب الجنوبية والغربية، وريف إدلب الجنوبيّ والشرقيّ، بالإضافة إلى عددٍ من المُدن الكبيرة، كخان شيخون ومعرّة النعمان وسراقب. وعلى الرغم من مُحاولات المؤسّسات الطبّية نقل معدّاتها في المناطق المشتعلة إلى المنطقة الحدودية، إلّا أنّ نسبة ما تمّ نقله لا تتعدّى الـ 25%، وذلك بسبب استحالة نقلها أثناء سير المعارك، واستهداف الطائرات للطرق السريعة، أو بسبب تدمير المنشآت الطبّية قبل نقل معدّاتها، كما هي حال منشآت قلعة المضيق وقرية الشريعة ومستشفى الحواش ومركز قرية المستريحة ومركز قرية قسطون.

وكانت المنشآت الطبّية المُستهدفة مُسجِّلة ضمن الآلية الإنسانية لتجنّب النزاع التي يرعاها مكتب الأمم المتّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA الذي شارك إحداثياتها مع القوّات الروسية كمحاولةٍ لمنع استهدافها، غير أنّ ما حدث هو العكس تمامًا، إذ تعرّض ما نسبته 80% من المؤسّسات الطبية المدعومة من منظّمة الصحّة العالمية، والجمعية الطبّية السورية الأمريكية “سامز” للاستهداف المُباشر، منها مستشفيات كفرزيتا، ترملا، نبض الحياة/ حاس، كفرنبل الجراحي، الأمل لجراحة العظم، الشامي الجراحي/ أريحا، الإيمان/ جبل الزاوية، الإيمان للأطفال والنساء/ أورم الكبرى، الهدى/ ريف حلب الغربيّ، وغيرها.

لا تبدو حال المنشآت الطبّية في المناطق البعيدة عن خطوط التماس أفضل، إذ تعاني ومنذ فترة طويلة من انقطاع الدعم وشحّ الوقود، عدا عن النقص الحاد في عدد الأطباء والكوادر الطبّية أيضًا، حيث قُدّر عدد الأطباء العاملين في بقعة جغرافية صغيرة تكتظّ بنحو 4 ملايين إنسان مُهجّر بـ 600 طبيب، وهو ما لا يتوافق مع المعدّل العام الذي تفترضه منظّمة الصحّة العالمية، أي وجود 13 طبيبًا و45 ممرّضًا وقابلة لكلّ 10 آلاف نسمة، ممّا يعني أنّ البلدان التي لديها أقلّ من 23 فردًا عاملًا في القطّاع الطبّي للعدد نفسه من السكّان، لن تكون قادرة على تحقيق معدّلات التغطية الواقعية للتدخّلات الرئيسية في الرعاية الصحّية الأولية. وبالتالي، كيف ستتمكّن المنشآت والمؤسّسات الطبّية من التعامل مع حالات طارئة كفيروس كورونا إن وصل؟

يؤرّق هذا السؤال القطّاع الطبّي في الشمال السوري، والذي يبحث جاهدًا عن إجابات له قبل أن يفوت الأوان ويقع الفأس في الرأس في منطقة صغيرة تكتظّ بالبشر بشكلٍ لا تبدو معه أي إجراءات متعلّقة بالعزل والحجر الصحّي ذات فائدة، لا سيما في مخيمّات اللاجئين التي تضمّ أكثر من مليون ونصف مُهجّر.

 الترا صوت

—————————–

 تشريح العزلة.. بورتريه لرجل خائف ووحيد/ ميزر كمال

إنه الخوف، الخوف من الآخر، الخوف من الاقتراب، الخوف من اللمس، الخوف من أكثر التفاصيل الإنسانية جمالاً ولطافة: لكي ننجو علينا أن نحافظ على الحياة من ممارسة أسبابها.

“من الممكن أن يكون كل شخص في هذا العالم يشعر بالذعر من الشخص الآخر”.

جون ستاينبك

****

إننا وحيدون على أية حال، وخائفون. قلت هذا وأنا أسير في أزقة حي “جيهانغير” الخالية من المارة والسائحين على غير العادة، الحي الذي يعد أشهر أحياء مدينة إسطنبول، تظنُّ حين تسير فيه أنَّ ساكنيه لم يدخلوا إلى بيوتهم منذ زمن بعيد، فالحياة هناك تنبض مثل قلب لاعب كرة القدم. أنَّى التفتَّ ترى الوجوه والضحكات، وتسمع الموسيقى تتسرب من البنايات العالية، والحانات العتيقة، والمقاهي العامرة بالرواد والعاشقين.

لكن هذا تغير كثيراً وسريعاً، بعد الأخبار المؤكدة عن تفشي فيروس”كوفيد- 19″في المدينة، ووجود إصابات عَدّادها بدأ يرتفع بشكل يومي، ومشاهدات الناس وما يسمعونه من أخبار المدن الأخرى والبلاد المجاورة والبعيدة أيضاً، التي يفتك بها المرض، ويشيِّعُ فيها الأحياء الأحباء. البلاد التي تحتفي نوافذها بالانتظار، والشوق إلى الطُرِق واللافتات، وخطى الذاهبين إلى الحياة والعائدين منها.

إنه الخوف، الخوف من الآخر، الخوف من الاقتراب، الخوف من اللمس، الخوف من أكثر التفاصيل الإنسانية جمالاً ولطافة. لكي ننجو علينا أن نحافظ على الحياة من ممارسة أسبابها. كيف يمكن لهذه الغرابة أن تستحوذ على يومياتنا، وكيف لهذا الهاجس أن يكون طريقتنا في البقاء، بينما يتسرب الوقت من أعمارنا كما يتسرب الرمل من بين الأصابع.

لقد خبرت هذا الخوف مسبقاً، خوف الآخرين من الآخرين، ومشيت في الشوارع الخالية، ووقفت كثيراً أمام تلك النوافذ الحزينة، وتحسستُ طويلاً وحدة المدينة، وانتظرت بكلِّ البكاء على مداخل صمتها الرهيب. لكن، كان ذلك بسبب الحرب، بسبب الرصاص والوشايات وأعين الجنود الخائفين، فكانت العزلة حينها ملاذ المتشبثين بالحياة، كما يتشبث اليتيم بعباءة أمه في زحمة العابرين.

أنا الذي نجوتُ من الحرب، أخافُ من الجموع، أخافُ من الجنودِ الواقفينَ على رؤوسِ الطرقات، ومن الطرقات أيضاً، أخافُ من النوافذِ حينَ تتسللُ منها أصواتُ الطائرات، وأخافُ من سيارات الإسعاف، والأطباء، أخافُ من العَلَمِ، والنشيدِ الوطني، ونشرات الأخبار، أخافُ من الخيمةِ، والمنظمات الإغاثية، أخافُ من الهلالِ الأحمر والصليب الأحمر، واللافتاتِ السوداءِ على الجدران، وأخاف من الجدران. أنا الذي نجوتُ من الحرب، أخافُ من الحقائب، وجوازات السفر، والمطارات. أنا الذي نجوت، أخاف من الرحيل.

في 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2014 وصلت إلى إسطنبول، خارجاً من الجحيم، أو قادماً من العراق، لا فرق في ذلك. كانت السماء فضية، والشوارع يبللها المطر، وأنا، كنت شارداً في انعكاسات الضوء على اللافتات والنوافذ، أحمل حقيبةً وحيدة، والكثير من الذكريات والانكسارات وتجارب النزوح. وكانت خدوش الحرب وهزائمها واضحة عليَّ، كأنني هندي أحمر نجا من معركة “الركبة الجريحة”.

الحياة في إسطنبول سريعة جداً، وحديثة على من هم مثلي، نحن القادمين من البلاد البطيئة، والرديئة. الحياة هنا تمشي كعارضة أزياء على منصة طويلة، وترقص السالسا والسوينغ والتانغو، وتعزف الغيتار على قارعة الطريق، وتَسْكر في الحانات، وتصلي في الجوامع، وتتسول في الشوارع، وتسرق في الأحياء الشعبية، الحياة هنا تفعل كل شيء، وتفتعل كل شيء، الحياة هنا مثل متاهة “لونغليت هيدج”، لم أخرج منها بعد.

ربما كان عليَّ ألاّ أُعوّد نفسي، وألاّ أُدرّبها على النسيان. لم أنس في الحقيقة، لكنني كنت أتناسى كلما سنحت فرصة لذلك. والفرص هنا كثيرة جداً، كنت أخلق حياةً مستعارة، اقترف فيها الفرح، وأُغنّي، وأَمشي في البلاد الجميلة، كما يمشي نورسٌ جنوبي على ضفاف الشمال الشاسعة. آكل الروبيان على سواحل القرن الذهبي، كسائحٍ جاء يكتشف البلاد على طريقته، وألتقط الصور. لكنَّ صوتاً ما كان يلكُزني في كل مرة، صوتٌ ينهض من الأعماق، يقول لي: ولكنَّك الغريب، جئتَ منفياً إلى هذه البلاد، جئتَ مكسوراً، ومصاباً بداء الحرب وأصوات الرصاص، تمشي فتتعثر بحبال خيمة نُصبَتْ على خوف في العراء، تحملق في المعالم القديمة فتشبُّ في عينيك أعمدة الدخان.. تتصاعد من أحياء المدن التي حرَّقتها المدافع والصواريخ، تصغي لعازفة الكمان في شارع الاستقلال، فيشقُّ مسامعك صوت طفلة على “جسر بزيبز” (1)، وهي تبحث خائفةً عن أُمّها بين الحشود الهاربة من الموت..تجلس في المقهى، فيطردك أبٌ يفترش أرصفة بغداد منذ أن سلب الغزاة بيته ومدينته..تلتقط صورةً لسور القسطنطينية، فتحجب السورَ عنك بوابةُ الرمادي التي شوَّه الرصاص ملامحها..تقف على جسر البوسفور، فتكاد أن تسقط من أعلى لشدَّةِ الانفجار الذي ضرب جسر الورّار فقطَّع أوصاله..تدخل جامع السلطان أحمد، فيشعل دمك صوت المؤذن في جامع الشيخ عبد الجليل..تتجول في أسواق إسطنبول القديمة، فتشمّ رائحة القرنفل و”الطُرْشي” في نهاية شارع الأطباء، أشهر شوارع الرمادي القديمة، وتسمع صاحب “البَسْطَة” عند باب جامع الرمادي الكبير ينادي: “حاجة بألف.. حاجة بألف.. حاجة بألف” أنّى يممتُ ستلاحقك الذكريات والرائحة.

السماءُ فضيةٌ هذه الليلة، وكئيبة، تترهلُ على رؤوس البنايات العالية، البنايات التي تقف طوال الوقت واجمةً وعالية، البنايات التي تشبه قلبي هذا المساء، قلبي الذي يشبه البنايات العالية التي تقف واجمةً ووحيدة، قلبي الفضّي الكئيب، المريض بالحنين والأغنيات الضائعة، إنَّه يزعجني الآن، ويؤلمني، إنَّه ثقيلٌ في صدري مثل ورمٍ خبيث، وباردٌ كقطعةٍ من جليد، آه يا قلبي الفضي الكئيب، يا قلبي المريض بالحنين والأغنيات الضائعة، يا قلبي الثقيل مثل ورمٍ خبيث، والبارد كقطعةِ جليد، يا قلبي المحكوم بالموت.

المدن تشبهنا، عندما نحزن ونمرض ونخاف، نتكئُ على جدار العزلة، وتتكئُ هي عليه أيضاً، نلوذ بالصمت، وتلوذ به كذلك، أستطيع تحسس ذلك وقراءته في مدينة إسطنبول، أعرف حزنها في البنايات العالية والواجمة، والدروب الخالية، ونظرات القطط والكلاب التي تفتقد مداعبة المارة، أعرفه من شرود المارة القليلين، واستعجالهم للاختفاء، أعرفه من صوت النوارس وكأنها تنادي على الناس أن لا تختبؤوا.

لكنَّه الوباء. ذلك الوحش الذي ينبش في أنقاض حيواتنا وينتشل منها ذكرياتنا القديمة عن الوحدة، وخوفنا من الفناء القريب والمفاجئ. الوحش الذي يستدعي حذرنا وريبتنا من الآخر، ويؤثث عزلتنا بالصور الغائمة عن المدن والبلاد، ويُعيد ترميم جدار حزننا العالي، الذي نعمل على هدمه لبنةً لبنة. الوحش الذي يحيط بنا ولا نراه، ونشعر بوجوده لكننا نعجز عن طعنه بثأرنا، يغرس خنجره الحاد في إدراكنا، ويهبنا نذوراً للعزلة والخوف.

______________

1 -جسر خشبي صغير يوصل محافظة الانبار ببغداد، تكدس عليه ألاف النازحين بعدما منعوا من دخول العاصمة أثناء هربهم من تنظيم داعش ومن المعارك الحربية. وقد استمرت المأساة لاشهر بدءاً من أيار/مايو 2015.

السفير العربي

===========================

================================

تحديث 22 أذار 2020

————————

لقاح كورونا: “الجيش العربي السوري”!/ صبحي حديدي

الأرجح أنّ من المحال العثور، حتى إذا بحث المرء في أربع رياح الأرض، على وزير صحة من طراز شاغل الحقيبة الحالي في حكومة النظام السوري، لا يعتبر فيروس كورونا جرثوماً، فحسب؛ بل يبشّر السوريين بأنّ جيش النظام “طهر الكثير من الجراثيم الموجودة على أرض سوريا”، ولهذا لا إصابات بفيروس كورونا في سائر أنحاء البلد.

القاصي والداني يعرف، في المقابل، أنّ البلد على حدود مشتركة مع ثلاثة بلدان لا تخفي وجود إصابات على أرضها، العراق ولبنان والأردن؛ وأنّ إيران، البلد الأوّل في المنطقة والثالث عالمياً من حيث أعداد الإصابات والوفيات، تجمعه علاقات سياحة دينية كثيفة مع مواقع مختلفة في سوريا، وله قوّات عسكرية مرابطة في البلد تقاتل إلى جانب النظام. ولا فائدة تُرجى من مساجلة الوزير الهمام حول الفارق بين الفيروس والجرثوم، أو التشكيك في معلوماته عن هذا اللقاح الإعجازي الجديد الذي يُدعى “الجيش العربي السوري”؛ فالنظام الذي يكذب حتى في نشرة الأحوال الجوية، كما ذكّرنا ذات يوم الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان، كيف له أن يصدق كورونياً!

فات الوزير، مع ذلك، أن يكافئ تضامن “الحرس الثوري” الإيراني مع النظام باقتراحٍ علاجي لا نظير له ولا سابق، مثل إرسال عيّنات من اللقاح العبقري ذاته إلى حكومة آيات الله في طهران، على سبيل وقاية آلاف المواطنين الإيرانيين الذين تفتك بهم الكورونا المستجدة، قبل تطهير الأراضي الإيرانية من الفيروسات كافة. وإذا جاز واجب التضامن المطلق مع الفاجعة الرهيبة التي يعيشها الشعب الإيراني اليوم، فإنّ شرّ البلية لا يجبّ حقّ تفضيح هذا النظام السوري الذي يفرّخ هذا الوزير؛ فالسخرية هنا أقرب إلى أضعف الإيمان في مواجهة مقدار فظيع من الابتذال العلمي والطبي الذي ينطوي، أيضاً، على استهتار طائش بمخاطر هائلة تمسّ ملايين السوريين.

إلى هذا، فشل الوزير في التعمية على حقيقة إحصائية ساطعة تفيد بأنّ وزارته لم تكن تملك أيّ جهاز لتحليل الإصابة بالفيروس في بدء انتشاره عالمياً، وأنها اليوم أيضاً لا تملك سوى جهاز واحد وحيد مقرّه دمشق؛ الأمر الذي يعني أنّ المعرّض للإصابة في حلب أو حمص أو اللاذقية، فما بالك بأبناء القامشلي ودير الزور والرقة، يتوجب أن يسافر إلى العاصمة لإجراء التحليل؛ على ما يحمله أيّ ترحال بين المحافظات السورية من مشاقّ ملحمية وعوائق عصية، إذا توفّر السفر أصلاً.

مأساوي، كذلك، في ظلّ الدولة الفاشلة التي يديرها النظام السوري منذ عقود، أن تصبح جائحة الكورونا مناسبة لارتفاع جنوني جديد في أسعار المواد الأساسية، والغذائية في المقام الأوّل؛ ليس لأنّ غريزة التخزين الاحتياطي تقترن عادة بشروط استثنائية مثل الأوبئة والحروب، بل لأنّ ضوابط التسعير غائبة أو منعدمة، واستغلال المواطن قائم على قانون شرعة الغاب. الأمثلة مذهلة: الكيلوغرام من الأرز 1800 ليرة سورية، والسكر 600، ولحم الغنم 8500، ولحم العجل 7500، والفروج الحي 1500، والسمن النباتي 1500، ولتر الزيت النباتي 1300…

الكورونا مناسبة، أيضاً، لانحدار إعلام النظام إلى حضيض أكثر تدنياً في تجميل صورة السلطة، وتبرير القباحات المختلفة، وإحالة فشل الحكومة إلى العقوبات الاقتصادية، وإشاعة نظريات المؤامرة حول استهداف الحليفين الصيني والإيراني (ولا أحد، بالطبع، يتساءل عن سرّ توفير الحليف الروسي!)؛ بل الشماتة في ما تعانيه دول غربية مثل إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة، عقاباً لها على معاداة النظام. صحيفة “الوطن”، التي يملكها تمساح الفساد وابن خال النظام رامي مخلوف، طالبت العالم بثلاثة إجراءات: رفع العقوبات كاملة، وخروج جميع “القوات الاحتلالية غير الشرعية”، ومنح النظام “تعويضات عاجلة من الدول التي قادت ودعمت الحرب”!.

هنا، أيضاً، فات الجهبذ الذي سطّر تلك الإجراءات أن يضيف إليها شرطاً: إلزام منظمة الصحة العالمية، والبشرية جمعاء، باستيراد اللقاح العبقري الإعجازي، إياه: “الجيش العربي السوري”!.

القدس العربي

—————————-

جائحة كورونا ووباء الأسدية/ يوسف بزي

النكتة السوداوية المنتشرة اليوم، تقول التالي: في الساعة العاشرة صباحاً كان عدد المصابين بفيروس كورونا في كوريا الشمالية إصابة واحدة. لكن في الساعة العاشرة وخمس دقائق كان عدد المصابين صفراً. وهكذا على مدار اليوم، يظهر مريض ويختفي.

ففي بلاد يحكمها طاغية، لا يجوز أن يظهر أي ضعف. لا يجوز انكشاف أي وهن في الأمة. هي منتصرة دائماً، قوية وجبارة. لا مرضى فيها ولا شائبة.

قبل الثورة السورية، كان النظام الأسدي يحبذ التماهي مع نموذج الكوري الشمالي. الديكتاتور المحبوب من عشرات الملايين، القائد الملهم، الذي ينتخبه شعبه ببصمة الدم. منتصر دوماً وأبداً على الصهيونية والإمبريالية.

وعلى شاكلة عدّاد المرضى في النكتة الكورية، كان عدّاد الذين لا ينتخبون الأسد، أو المعارضين، أي “الخونة”. هؤلاء المصابون بفيروس الأفكار المنحرفة. فبلاد الأسد منيعة، صلبة لا تشوبها شائبة. تملك دوماً العلاج لأي خطأ أو انحراف أو حتى مرض، أكان مرضاً بيولوجياً أو سياسياً. علاج ناجع وفوري: الاستئصال.

هنا كانت الأسدية تتماهى مع المثال الستاليني، والماوي، الذي وصلت ذروته مع تجربتي بول بوت (“الخمير الحمر” في كمبوديا) وكيم إيل سونغ وذريته في كوريا الشمالية. فالاستئصال عمل يومي، صوناً لصحة الدولة والنظام والأمة، ومناعتها.

وعلى طريقة “الحجر الصحي” (الكرنتينا)، كانت العقيدة الأمنية والعسكرية التي اعتنقها النظام الأسدي، ابتداء في العزل والتطهير داخل الحزب، ثم في قلب الدولة بعد الاستيلاء عليها، وصولاً إلى تحويل البلاد كلها إلى معزل وحجر تخضع فيه إلى إجراءات حالة الطوارئ، الأبدية. عقيدة لديها جواب واحد لأي “مرض”: الاستئصال.

وقد أثبتت سياسة “الحجر الصحي”، الذي لا علاج فيه سوى الاستئصال، نجاعته الكبيرة في شباط 1982، بمدينة حماة وبلدات ومدن أخرى.

ثم إن العالم كله والسوريين جميعهم، يعرفون تماماً ما حدث منذ آذار 2011 وحتى اليوم، مع أقصى ما يمكن من استئصال شامل تم تطبيقه في سوريا، على نحو لا تستطيعه أي جائحة وبائية أو كارثة طبيعية.

المفارقة في النكتة الكورية والحقيقة السورية، أن الفيروس أو المرض يستدعيان عادة غريزة تحدي الموت، مقارعته والتغلب عليه. المرض محفز للبحث عن العلاج، والرد عليه هو طلب الشفاء. لكن هنا، العلاج أو الدواء هو الموت نفسه. قتل المريض، التخلص منه.. لا محاربة المرض أو أسبابه. مواجهة خطر الموت يتحول إلى ممارسة للقتل ولتعميم الموت، تحت شعار “الحفاظ على الأصحاء”.

هكذا نظام يصير هو مصدر الموت، هو الجائحة القاتلة.

في الأسابيع الأولى لانتشار “كورونا”، أبى النظام السوري أن ينافسه فيروس مجهري على سلطة الموت، فأنكر تقريباً وجوده، وراح يكابر إزاء خطره. خصوصاً أن أي مصارحة شفافة، تتطلب في المقابل أن يعلن سياسة صحية واضحة في مواجهته. هذا ما يستجلب “مسؤولية” ليس بقادر عليها تماماً.

بالطبع، لم يدم الإنكار طويلاً. لكن التأخر كان ثمنه انتشار صعب الاحتواء. فتحول النظام إلى سياسة الكذب والتعمية والادعاء. سياسة الغموض كما سياسة تزوير الحقائق. فالمنظومة الاستشفائية متداعية، الاقتصاد شبه منهار، الميزانية شبه مفلسة، البنى التحتية مدمرة تقريباً. الإمكانيات في حملات الوقاية والتعقيم وإنشاء المعازل، بالغة الضعف.

ليس النظام السوري من يقبل الإقرار بالضعف أو العجز. لذا، إخفاء الحقيقة مبدأ دائم، ولو كان الثمن مضاعفة أعداد الضحايا، وانتشار المرض فاتكاً بالناس. الموت للناس ولا المذلة للنظام.

وعلى هذا النحو ابتلي السوريون بموتين: الموت الذي يقترفه النظام عمداً أو عن إهمال أصيل فيه، والموت الآتي من “كورونا”. ويتم هذا بالتأكيد في بلد سمته الأولى “الصمت”، ففي جمهورية الخوف هذه لا أحد يرفع صوته، أو يعترض أو يحتج. هذا يندرج في خانة الخيانة وبث الوهن في نفسية الأمة.

ليست مهمة الهزيمة بحرب العام 1967 طالما أن النظام لم يسقط. وليست مهمة خسارة الحرب عام 1973 لأن النظام أيضاً لم يسقط. ليس مهماً الإدقاع والفقر وفشل التنمية والحصار الخانق والقمع الوحشي طوال الثمانينات والتسعينات إذا كان هذا يديم النظام. ليس مهماً موت مئات الآلاف وخراب سوريا كلها واحتراقها طالما النظام صمد ولم يسقط. ليس مهماً أن لا يبقى من النظام شيئاً سوى قدرة القتل والتدمير، طالما الأسد يسكن القصر. ليس مهماً أن تقع سوريا بأسرها تحت الاحتلالات.. المهم أن يحمل الأسد لقب “الرئيس”.

في “سوريا الأسد” معيار النجاح والفشل، الانتصار والهزيمة، الشفاء أو البلاء، ليس أبداً تجنب الموت. بل إكثاره. الموت يكرس الصمت، يستأصل الخطر: الأعداء والمرضى والمتململين. الموت هو حبة الدواء الوحيدة التي يملكها النظام. وهو إذ يواجه “كورونا”، فقط كاضطرار لحفظ مقومات النظام. وربما يستثمره كسلاح سياسي، للمزيد من انصياع الرعايا له، ولتعميق حاجتهم له. سيلعب دور “الدولة” بحدود ما يؤمن مناعته وتسلطه.

هكذا، كورونا هو في سوريا مكسب سياسي للأسد وموت مضاعف للسوريين.

تلفزيون سوريا

————————–

في حضرة “كورونا”/ بسام يوسف

بعيداً عن وجه هذه المأساة، وعن وجه هذا الرعب الذي يلف أرضنا بعد ظهور الفيروس اللغز “كورونا”، وبعيداً عن قراءة الساسة والاقتصاديين وعلماء الفيروسات، وبعيداً عن كل هذا، ثمة سؤال آخر، سؤال قد كان منذ أن وعى الإنسان وجوده على هذه الأرض، وما يزال السؤال نفسه يُطرح دائماً: هذه البشرية إلى أين تمضي؟

اليوم، في مطلع العقد الثالث من الألفية الثالثة، يبدو أن الصراع محتدم بين جهتين: جهة مستبدة تحكم شعوبها بالعسف والظلم، وهي تجاهد لكي تكون القوة العظمى، وجهة أقل عسفاً وظلماً على شعوبها، لكنها متوحشة وعمياء، وهي تجاهد لتبقى القوة العظمى، وبين هاتين الجهتين تُطحن البشرية طحناً.

وبين هاتين الجهتين ثمة ضحية رئيسة: إنها العدالة، حلم البشرية الذي ما انفكت تسعى إليه، وتكافح من أجله؛ لأن العالم بدونه سيبقى عالماً مفتوحاً- على اتساعه- للدمار والموت.

عندما أُسدل الستار على مقتلة الحرب العالمية الثانية “1945”، طُويت معه صفحة الاستعمار التقليدي التي كانت على صدرها بريطانيا وفرنسا، ولقد تكرس وجود قوتين جديدتين: قوة شيوعية اشتراكية يتزعمها الاتحاد السوفييتي، وقوة رأسمالية تتزعمها الولايات المتحدة الأميركية. وعلى هذا دخل العالم كله إلى الثنائية القطبية التي حكمته ما يقارب نصف قرن.

وما كانت تلك الحرب لتتواضع؛ فتتمخض عن قطبيها فقط، فقد تفردت وتمخضت عن ظهور نظام عالمي، كانت أهم واجهاته: هيئة الأمم المتحدة التي وجدت- بحسب المعلن- لتسيير وتنظيم العلاقات الدولية، التي أعطت خمس دول كبرى ما عرف بحق النقض “الفيتو”VETO”، وتكرمت؛ فأعطت النظام النقدي العالمي- الذي تكرس عبر مؤسسات نقدية عالمية جديدة، مثل: صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي وحواشيهما واستطالاتهما التي هي دبابات سيطرة الدولار وحصونه- ما به تكرس تحكم الرأسمالية في العلاقات الاقتصادية العالمية، بينما حاول القطب الثاني الذي يقوده الاتحاد السوفييتي الذهاب باتجاه آخر هو الاقتصاد الموجه (الاشتراكية)، حيث الدولة تملك البشر كافة، وتملك كل وسائل الإنتاج.

وما كان في ممكناتهم ولا في خططهم أي أهمية للخمسة والخمسين مليون إنسان، أولئك الذين فتكت بهم تلك الحرب، ولم يكن في ممكناتهم ولا في خططهم أدنى أهمية للمدن المدمرة، ولا للبشر الهائمين على وجوههم بين خراب بيوتهم ومدنهم وروائح أوطانهم، وما كان في ممكناتهم ولا في خططهم توشيح ملامح العالم الجديد بأحلام من تعبوا ومن جاعوا ومن ضحوا؛ لأن القوتين المنتصرتين قد كانتا مشغولتين بالإيغال أكثر فأكثر في حرب السيطرة على هذا العالم.

إن أميركا التي لم تطلها الحرب مباشرة، ولم تُدمر مدنها، والتي بقي اقتصادها قوياً لكي “تتمرشل” به على أوربا المنهكة. أما الاتحاد السوفييتي الذي أدخله عماء الأيديولوجيا والاستبداد في صراع تحدي السيطرة؛ فمد ظلال دباباته الثقيل على شعوب وبلدان ما كادت تخرج من تحت صليل الأسلحة والجنازير. أوربا المنهوكة والمنتهكة وحدها قد حاولت أن تتلمس وجهاً آخر، هو الوجه الذي استخلصه الأوربيون من دمار مدنهم وجثث ضحاياهم، ومن عمق فلسفتهم وآفاق أدبهم ورهافة موسيقاهم.

ولم يطل الأمر كثيراً؛ إذ ما وزن خمسة العقود في مسار التاريخ، حتى انهار أحد القطبين؛ فانتقل العالم بعدها إلى القطبية الأحادية، حيث تمتلك دولة واحدة في هذا العالم معظم النفوذ الثقافي والاقتصادي والسياسي، الذي هو حصاد امتلاك القوة العسكرية الأكبر؛ فتعززت الجلافة بالتفاهة.

هذا هو وضع العالم الراهن، الجيوسياسي والاستراتيجي، فالهيمنة الأميركية في المجال العسكري والتقني حقيقة لا نقاش فيها، والليبرالية والليبرالية الديمقراطية تسيطر على العالم، وهي التي تملي معاييرها على مختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والمعلوماتية، وعلى تفاصيل سلوك البشر وثقافتهم وحتى ماذا يرتدون وكيف ينامون.

ومع ذلك، وقد يكون بالرغم من ذلك، فقد بدأت ظواهر تفكك هذه الأحادية القطبية، تحديداً في زاويتها الاقتصادية والصناعية؛ لأن بلداً لم تطله الحرب العالمية الثانية عميقاً، إضافة إلى أنه يمتلك مساحة جغرافية شاسعة وعدد سكان هائل، قد استطاع أن يصبح البلد الأول في العالم بنموه الاقتصادي ودخله القومي، إنه الصين ذاك البلد الذي باستعباده ما يزيد عن مليار إنسان، استطاع أن يغزو العالم اقتصادياً، والذي أيقظ الخوف الأميركي من فقدان الهيمنة العالمية؛ فبدأ سباقاً محموماً آخر نحو السيطرة يفرض وقائعه على البشرية.

على هذا، بعد الاستناد إلى الجغرافيا والتاريخ والحقوق، من الطبيعي أن تكون أوربا الطرف الأضعف في هذا الصراع؛ لأن القيم التي تكرست في المجتمعات الأوربية بعد كارثة الحرب العالمية الثانية، لا تسمح باستعباد مواطنيها (على غرار الصين)؛ كي تحقق دخلاً قومياً مرتفعاً، وليست في موقع الولايات المتحدة التي يشكل النهب والهيمنة وتحكمها بمنظومة النقد العالمي جزءاً مهماً من دخلها وقدرتها على تكريس تفوقها العسكري.

هكذا تتراجع ثقافة الحرية والديمقراطية وقيم الإنسان بين منهجين في الصراع الدائر للسيطرة على العالم؛ فيطل التوحش والقمع والاستعباد؛ ليعيد رسم حياة البشر ومصائرهم.

إنه زمن بارد وساكن، زمن العالم هذا الذي تتسيد واجهته شخصيتان، مثل بوتين، وترامب، يتفاصحان ويعلنان بالفم الملآن عن وجه العالم القادم، دون أن يتجرأ أحد، ولا أن يتمكن أحد من ملء أفواههما بالحجر أو بالفراغ. إن ترامب يعلن متفاخراً: أنه سيكون شرطي هذا العالم. فهو لا يهمه إلا أن يقبض من الآخرين؛ فليس هناك معيار لسياسته الخارجية سوى معيار ما يقبضه. وبوتين الذي صرح بحضوره وتاريخه: إن زمن الديمقراطية انتهى. واستطاع أن يكرس نفسه زعيماً إلى الأبد في بلد لم يتخلص من الأبدية إلا منذ عقود، وهو الذي أعلن أيضاً: إن نموذج العالم أحادي القطب انتهى. وهو يستلهم من حليفه الصيني كيف تدار المجتمعات؛ لتكتمل اللوحة.

قد لا يكون كورونا منتجاً قد تم إطلاقه عمداً من مخابر ما لغايات اقتصادية وسياسية كما يتبنى بعضهم، لكنه بالتأكيد سيكون محل استثمار سياسي واقتصادي وأمني.

إن كورونا يعزز سيطرة الحكومة الصينية على شعبها، ويحاول ترامب أن يستثمره اقتصادياً بأسرع وقت بينما تقف أوربا ضائعة … وتظهر ميركل زعيمة أقوى اقتصاد أوربي؛ لتناشد المجتمع الألماني أن ينتبه؛ فالخطر القادم لا تقل فداحته عن خطر الحرب العالمية الثانية، ولتحاول أيضا أن تنقذ شيئا من ضمير الإنسانية المنتهك.

وعود على بدء، لابد أن نبدأ ونختم بالقول: إن البشرية المضطربة التي تعيش الرعب، والتي تدفع ثمن غياب العدالة، سواء أكان هذا العالم بقطب واحد أم باثنين أم بعشرة أقطاب، ستظل الحروب تطحنه مالم يتوضأ بالعدالة، عدالة الأرض دائماً لا عدالة السماء.

تلفزيون سوريا

————————-

كورونا الشرق الأوسط: الجائحة والأنظمة

كان ظهور فيروس كورونا المستجد وسرعة انتشاره المذهلة في جميع أنحاء العالم مناسبة لانكشاف أنساق مختلفة من تقصير الدول والخدمات الطبية وأنظمة الضمان الصحي في بلدان متقدمة او نامية على حد سواء. لكن انقلاب الفيروس إلى جائحة انطوى في بلدان الشرق الأوسط على خصوصيات كثيرة بعضها بالغ الخطورة، مثل نقص الأدوية ومعدات التحليل والبنى التحتية في المشافي والمصحات، وكذلك تخلّف السلطات المركزية عن توفير احتياجات الطوارئ المختلفة في حدودها الدنيا، والعجز عن تلبية حاجة الأسواق من المواد الغذائية الأساسية. أما أغرب هذه الظواهر، وليس أقلها خطورة، فهو جنوح بعض الأنظمة العربية في سوريا ومصر مثلاً إلى نكران ظهور الإصابات لأسباب شتى في طليعتها احتقار حياة المواطن وغطرسة الاستبداد.

————————-

في عالم ما بعد كورونا لا مكان للعولمة ولا عزاء فيه للعربي خاصة المشرد/ إبراهيم درويش

عندما بدأ العالم يعرف عن فيروس كورونا المستجد في الأيام الأخيرة من عام 2019 لم يتوقع أحد أنه سيقوم بتشكيل العام الذي كان سيبدأ، ولم تمر سوى ثلاثة أشهر إلا وقد بلغت حالات الوفيات تسعة آلاف شخص والأعداد مرشحة للزيادة.

واتخذت كل الدول في العالم الإجراءات الضرورية من تقييد السفر ووقف الرحلات وإغلاق المدن والحجر الكامل ومنع التجمعات العامة. والغيت كل المناسبات الرياضية والثقافية والمسارح ودور السينما. وفي الوقت نفسه تسابقت الدول في تعزيز البحث وإجراء التجارب لتطوير لقاح لمواجهة الفيروس غير المرئي والذي تحولت بؤرته من ووهان في الصين إلى إيران ثم إيطاليا التي باتت المركز الأول له بعد تسجيلها آلاف الإصابات ومئات الوفيات اليومية.

 ترامب والفيروس الصيني

وأثار انتشار الفيروس أسئلة حول استعداد الدول لمواجهة وباء عالمي على هذه القاعدة، وفيما إن كان تساهلها أو تعاميها عن خطورته سببا في انتشاره الواسع، وهذا واضح من الموقف الأمريكي، حيث قضى الرئيس دونالد ترامب شهر كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) وهو يقلل من شأن الفيروس وأن الولايات المتحدة مستعدة وجاهزة لمواجهته ليعود ويتخذ إجراءات منع السفر من الصين ومن أوروبا التي استثنى منها بريطانيا ثم أضافها لاحقا بعدما تبين أن هذا البلد أصبح مركزا لانتشار الفيروس. وعاد يوم الخميس إلى تحميل الصين مسؤولية انتشار الوباء عالميا حيث أصر هو ومسؤولو إدارته على تجاهل اسم الفيروس العلمي وتسميته بـ “الفيروس الصيني” كما كشفت صور التقطها مصور صحيفة “واشنطن بوست” لملاحظاته وقد بدا الشطب فيها لكورونا واستبداله بالصيني كما ورد في تقرير الصحيفة (19/3/2020). وفي السياق نفسه أطلق وزير خارجيته مايك بومبيو اسم “فيروس ووهان” على كورونا لتأكيد مصدره الصيني. ومثلما خاضت الولايات المتحدة والصين حربا تجارية تخوضان اليوم حربا كلامية حول مصدر الفيروس.

الصين ترد

ففي تقرير لمجلة “تايم” (18/3/2020) قالت فيه إن الحكومة الصينية باتت تقدم نفسها على أنها واحة أمان وأخذت آلتها الدعائية تركز على أن الحالات الجديدة التي سجلت في الصين مصدرها أجنبي وليس محليا، في وقت أعلنت فيه عن تصفير الحالات في ووهان. كما وبدأت تقول إن المصدر للفيروس هو أمريكا بعدما أكد وزير صحتها أن مركز انتشار الفيروس كان من الأسواق التي تبيع الحيوانات البرية الحية. بل وأعلنت وكالة الأنباء الصينية عن قرب صدور كتاب يصور المعجزة الصينية في مكافحة الفيروس تحت قيادة شي جينبنغ. وفرض الفيروس حضوره على الأسواق المالية التي زادت خسائرها أكثر بعد الحرب المتهورة التي شنها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع روسيا حول أسعار النفط. وبات المحللون الاقتصاديون يتحدثون عن كساد اقتصادي عالمي فيما دفعت فيه الحكومات باتجاه دعم الاقتصاد وتخفيض سعر الفائدة وتمرير حزم مساعدات طارئة لمنع انهيار شركات وخسارة الناس أعمالهم.

انهيار العولمة

وطرح فيروس كورونا واقعا جديدا على العالم حيث بات المحللون يتحدثون عن نظام عالمي جديد في مرحلة ما بعد كورونا وانهيار للعولمة كما نعرفها، من ناحية التخصص في الوظائف والأعمال وتقسيم المهام بين دول العالم وما يقتضي ذلك من حرية حركة الناس والبضائع وسلاسل إمدادات وشبكات تصنيع مترابطة فيها بينها. فقد جعلت العولمة اقتصاد العالم معتمدا على بعضه البعض بحيث لم تعد ولا دولة لديها القدرة على الهيمنة، وأي ارباك أو ارتباك في شبكات الإمداد في مكان ما من العالم يعني تأثرا للسوق بشكل عام. وفي مقال نشره موقع “فورين أفيرز” (16/3/2020) أشار فيه كل من الباحثين هنري فاريل وأبراهام نيومان إلى أن الأزمة الحالية كشفت عن نقاط ضعف في السوق لم يكن يعرف أحد أنها موجودة. وأضافا أن فيروس كورونا يتشكل بطريقة ستكون امتحانا قويا للعولمة، ففي الوقت الذي تتحطم فيه سلاسل الإمدادات وتحاول فيه الدول توفير المواد الطبية والحد من السفر، تدفع الأزمة إلى إعادة النظر في الاقتصاد العالمي المترابط. فلم تسمح العولمة فقط بانتشار المرض المعدي ولكنها قوت حالة من الاعتماد المتبادل بين الشركات والدول بشكل جعلها عرضة للصدمات غير المتوقعة. وطالما تم الحديث وبإيجابية عن دور العولمة بانتعاش السوق العالمي وسماحها لأصحاب الصناعات ببناء شبكات إمداد مرنة، عبر استبدال مزود أو مكون بآخر حالة اقتضت الحاجة. وفي كتاب أدم سميث “ثروة الأمم” فقد تكونت ثروات العالم من خلال استفادة التجارة من التوزيع المعولم للأدوار في العمل. فالتخصص أنتج الفعالية التي قادت إلى النمو. ولكن العولمة أدت إلى تبعية متبادلة معقدة. ومع تحول الإنتاج إلى مستوى عالمي أصبحت الدول مترابطة نتيجة لذلك، لأنه لم يعد في استطاعة دولة بعينها السيطرة على كل البضائع والمكونات التي يحتاجها اقتصادها. ونتيجة لهذا اندرجت الاقتصاديات الوطنية في شبكات التزويد العالمية. إلا أن انتشار المرض الناجم عن فيروس كورونا كشف عن هشاشة هذا النظام المعولم. وبالمحصلة كشفت صدمات مثل كوفيد-19 عن هذه المكامن. فمزود واحد في العالم أو مناطق متخصصة بمنتج معين قد تخلق وضعا هشا أو أزمات، مما يعني كسر سلاسل التزويد. وسيتم الكشف عن هذه المكامن في الأشهر المقبلة. وستكون النتيجة تحولا في السياسة العالمية. فالدول التي تحاول حماية مواطنيها قد تقرر منع التصدير أو السيطرة على الإمدادات الحيوية حتى لو عنى هذا الإضرار بالجيران والحلفاء. ومن هنا فالتراجع عن العولمة يعني أن السخاء سيكون أداة قوية لمن يستطيع القيام بها. وفي الأزمة الحالية لم تكن أمريكا قائدة في مجال الرد الدولي وتخلت على الأقل عن جزء من دورها للصين التي سارعت بتقديم المساعدة إلى إيطاليا وغيرها من بؤر الانتشار. ويقوم هذا الوباء بإعادة تشكيل الجيوساسة والعولمة ولكن الولايات المتحدة لا تتكيف مع الوضع، فهي مريضة وتختبئ تحت البطانية.

انهيار المجتمعات

وناقش برانكو ميلانوفيتش في “فورين أفيرز” (19/3/2020) مخاطر تحول العالم بسبب كورنا إلى اقتصاد الاعتماد على النقس بدلا من العولمة. وقارن بين أثر كورونا المدمر والتفكك الذي أصاب الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرنين الرابع والسادس، التي تحولت إلى إمارات صغيرة بأسواق مكتفية بذاتها وتخدم الحاجيات اليومية ولا تقوم على الإنتاج الضخم. وحذر من أن العالم سيشهد تحولا في طبيعة الاقتصاد الذي ستتأثر به شبكات الإمدادات بسبب نقص العمالة وإغلاق الشركات أبوابها لحماية عمالها من الإصابة بكوفيد-19. وقال إن العولمة قد تنجو لو استطاعت الدول السيطرة على الفيروس في غضون عام وإلا فستحل محلها اقتصاديات وطنية بشبكات إمداد محلية تحاول حماية مواطنيها ومنعهم من الإصابة بالمرض. فكلما طال أمد الأزمة كلما ظهرت المعوقات أمام حركة الناس والبضائع والرأسمال، وسيتحول الوضع الجديد إلى حالة عادية، فالمصالح الخاصة التي ستظهر ستحاول الحفاظ عليه. كما أن المخاوف من ظهور وباء جديد قد يفتح الباب أمام دعوات للاكتفاء الذاتي على الصعيد الوطني. وحذر الكاتب من انهيار النظام المجتمعي نظرا للصدمات التي تصيب الناس من ناحية فقدان الوظيفة والراتب وعدم القدرة على دفع الفواتير. كل هذا سيكون وصفة للغضب والحنق بشكل يعيد إلى الذاكرة صور النهب في نيو أورليانز بعد إعصار كاترينا عام 2005. وفي حال لجأت الحكومات إلى الميليشيات المسلحة لقمع أعمال الشغب أو هجمات على الممتلكات مثلا، فعندها ستبدأ المجتمعات بالتفكك.

أنظمة صحية هشة

ضمن هذا السيناريو القاسي تبدو الدول الضعيفة التي تملك أنظمة صحية هشة وغير جاهزة لمواجهة وضع ينتشر فيه الفيروس على قاعدة واسعة منشغلة اليوم بمحاولة منع المرض وتأخير ظهوره وهذا هو حال الدول الافريقية التي لا تملك أنظمتها الصحية العدد الكافي من الأسرة في غرف العناية المكثفة لمعالجة أعداد من المرضى، وحتى جنوب افريقيا التي تملك أحسن الأنظمة الصحية في القارة كما ورد في تقرير لصحيفة “الغارديان” (20/3/2020) حيث استعرض المخاطر التي تواجه دول القارة التي تعاني من الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية، فهي وإن تعلمت من دروس فيروس أيبولا في الفترة ما بين 2004- 2006 إلا أنها تفتقر للأنظمة الصحية الفعالة. والأمر نفسه يصدق على دول شمال افريقيا القريبة من بؤر انتشاره في أوروبا، حيث لجأت تونس والجزائر والمغرب لسياسات حماية وإغلاق تام بعد ظهور حالات جلبها قادمون من إيطاليا أو فرنسا. وأشار تقرير في موقع “المونيتور” (18/3/2020) إلى أن النظام الصحي في شمال افريقيا يعاني من حالة ضعف حرجة. ورغم توفر الخدمات الصحية إلا أن فعالية تشخيص كوفيد-19 تختلف من المدن إلى الأرياف. ومن هنا ستحدد الخلافات بين المدينة والريف ومستويات الفقر في شمال القارة الافريقية طريقة انتشار الفيروس. ففي أوروبا ساعدت عمليات العزل الذاتي على تشويش انتشار الفيروس، إلا أن تطبيق هذا الأسلوب في دول شمال افريقيا ذات المستويات المتدنية من الدخل سيكون صعبا خاصة لمن يعتمدون على العمل اليومي. ومثل القارة الافريقية فالشرق الأوسط يواجه فيروس كورونا فوق الحروب الأهلية والمجاعات التي يعاني منها وهو ما أدى إلى إغلاق معظم دول المنطقة ومنع الصلوات حيث تغيرت عادات الصلاة وطريقة الأذان لأول مرة منذ قرون، وبات المسجد الحرام والأقصى مغلقان أمام المصلين. وقالت مجلة “إيكونوميست” (21/3/2020) إن الأذان لم يكن قابلا للتغير إلا عندما حل كورونا الذي لم يربك الحياة الاقتصادية والاجتماعية بل وأشكال العبادة القديمة. وتواجه السعودية مخاطر من استمرار إغلاق الحرم المكي وإلغاء الحج بحيث ستكون ضربة روحية واقتصادية، ذلك أن موسم الحج يمثل ثاني مورد بعد النفط الذي انهارت أسعاره. وتحكمت مصر بأخبار الفيروس وهاجمت “الغارديان” و”نيويورك تايمز” رغم أن معظم الحالات الأولى التي سجلت في أمريكا ودول عربية كان مصدرها سفن سياحية في النيل. وتحركت متأخرة حيث سجلت وفيات وأعداد إصابات جديدة.

وترى صحيفة “واشنطن بوست” (17/3/2020) أن توقف النشاطات الاقتصادية سيترك أثره الفادح على المنطقة التي يعاني فيها المواطنون من مصاعب الحياة وغياب الاستقرار السياسي والنزاعات المستمرة. وحطم عقد من الاضطرابات التي أعقبت الربيع العربي اقتصاديات تعاني من المشاكل قبل أن يحطم فيروس كورونا الأسواق الدولية. وفي الوقت نفسه زادت حرب أسعار النفط التي شنتها السعودية والتي جاءت نتاجا لفيروس كورونا وانهيار الطلب على النفط من الأسعار بشكل هدد اقتصاديات دول المنطقة. فيما تستمر الحروب في سوريا واليمن وليبيا التي لم تعلن عن إصابات بالفيروس لكن ملايين من سكانها يعانون من الفقر والجوع مما يعرضهم للإصابة بالمرض. وهناك ملايين منهم يعيشون في ظروف بائسة في المخيمات والتجمعات في البلدان التي انتشر فيها الفيروس بسرعة. ففي سوريا هناك مليون نازح يعيشون في خيام مقامة على الطين أو بنايات مهجورة وقد يتسبب انتشار وباء كورونا بكوارث في منطقة هي مدمرة أصلا. وتقول صحيفة “نيويورك تايمز” (19/3/2020) أن السلطات الصحية تنصح الناس في أنحاء العالم بغسل الأيدي والتباعد الاجتماعي لكن في المخيمات هناك القليل من الماء هذا إن وجد، وقد يصل عدد من يعيشون في خيمة واحدة إلى 12 شخصا. ويعتقد الأطباء السوريون بأن الفيروس دخل المخيمات، حيث الوفيات والأمراض تحمل سمات التفشي. ولكن رد الفعل الدولي كان بطيئا أو منعدما. ولم توصل منظمة الصحة العالمية معدات الفحص اللازمة لفيروس كورونا للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة في شمال غرب سوريا بالرغم من أنها أوصلت أول دفعة للحكومة السورية قبل أكثر من شهر. ولا يقتصر الخوف على سوريا بل وغزة التي يعيش فيها مليوني فلسطيني بدون خدمات صحية فاعلة وكذا في اليمن التي نزح فيه 3.6 مليون نسمة بسبب الحرب التي تسببت بأكبر كارثة إنسانية في العالم. وكذا في العراق وليبيا التي يحتشد فيها لاجئون من دول الصحراء في ظروف قاسية. ولا تنسى السجون كما تقول صحيفة “واشنطن بوست” (20/3/2020) التي تنتشر فيها الأمراض مثل النار في الهشيم.

 القدس العربي

 ——————————-

لبنان على مشارف “الانتشار السريع” وسوريا “صندوق أسود”/ رلى موفّق

لم يسبق أن كان “الكوكب” بأسره، كبيره وصغيره، في حرب وهمية وبلا هوادة، مع عدو زاحف كاسر، ومتوحش، يُردي في طلائع معاركه مئات الآلاف، والمرشحة لبلوغ الملايين، من الإصابات، وآلاف الوفيات التي تجعل العالم وكأنه مقبرة مفتوحة في انتظار “لقاح” يُنقذ البشرية من الشر المستطير.

لبنان القابع في إحدى زوايا هذا العالم، الذي يُطفئ محركاته تباعاً، يُواجه بـ”اللحم الحيّ” الوباء الآخذ بالانتشار. ومع هبوط ظلام كل يوم تتسمّر العيون على “النشرة الرسمية” التي تحوّلت عداداً للارتفاع المطرد في نسبة الإصابات وما تنطوي عليه من خطر موتِ من افترسهم الفيروس القاتل. والعدد المعلن يُلامس 190 إصابة و4 وفيات و5 حالات شفاء، لكن العبرة في ما هو غير مُعلن!.

ولأن لبنان يُشبه “الاستثناء” في تاريخه الذي يُطفئ شمعة المئة عام، وفي جغرافيته المحكومة بجوار تراوده دائماً فكرة “مدّ اليد عليه” وواقعه السياسي الذي لم يسترح يوماً من “مآزق مصيرية” ها هو اليوم يواجه “الكورونا” وحيداً، متروكاً، بلا سند ولا معين، لأسباب معقدة ترتبط بتموضعه الإقليمي.

ففي “زمن الكورونا” الذي أملى على الإدارة الرسمية للبلاد إعلان حال التعبئة العامة (أقل من حال الطوارئ) وإقفال المطار والمعابر البرية والموانئ البحرية تتزايد المخاوف في بيروت من أن تُفسد السياسة عدّة المواجهة مع الوباء الذي تقهقرت أمامه دول “العالم الأول” وتئن أوروبا وقبلها الصين وبعدها الولايات المتحدة من ضراوته القاتلة.

فرغم المحاولات الحثيثة الجارية في لبنان لـ”إبطاء” تفشي “كورونا” بعدما خرج من مرحلة الاحتواء إلى الانتشار، ثم بدأ بالخروج عن السيطرة، فإن المتابعين على طريقة “الترصد السياسي-الصحي” لإجراءات الحكومة سجّلوا مجموعة من الإخفاقات التي جعلت خطوات المواجهة متأخرة، استلحاقية وقاصرة.

ففي الملاحظات أن الاكتفاء بالإعلان عن حال “التعبئة العامة” سنداً إلى قانون الدفاع جاء إجراءً هشاً لم يرقَ إلى مستوى إعلان حال الطوارئ، ما حال دون منع التجوّل وأربك القوى العسكرية والأمنية التي اقتصر دورها على منع التجمعات. والاقتناع السائد أن تفادي الإعلان عن حال الطوارئ يعود لأسباب سياسية-أمنية كون إجراء من هذا النوع يُعلي سلطة الجيش اللبناني، الأمر الذي تجنّبته السلطة السياسية وتفاداه “حزب الله” الذي يريد الحفاظ على حرية حركته. لكن إجراءات “التعبئة العامة” أظهرت-بعد اختبارها-أنها قاصرة، بدليل اضطرار السلطات السياسية لمعاودة مناشدتها الناس للبقاء في منازلهم، وتعاظم المخاوف من “تسرّب” حالات اختلاط تُطيح بأي إجراءات وقائية، وتزيد احتمالات اللجوء إلى “منع التجوّل” بشكل صريح أو عزل مناطق بأمها وأبيها.

وواقعاً، بدت الدوافع السياسية لتجنب إعلان حال الطوارئ، مشابهة للتردّد الذي حكم سلوك السلطة حين أبدت “ممانعة” في وقف الرحلات من الدول الموبوءة وإليها تفادياً لوقف خط طهران-بيروت مما سمح تالياً بإبقاء خط روما-بيروت مفتوحاً حتى “الخمس دقائق الأخيرة” من قرار وقف الملاحة في مطار رفيق الحريري الدولي وقفل المعابر البرية والبحرية، فيما تتزايد الشكوك حول الشفافية التي تمارسها السلطة المعنية حيال تتبّع حركة الوافدين من الدول الموبوءة، مما شكّل “قنبلة موقوتة” بدأت تتطاير شظاياها إلى حد تسجيل إصابات “وباء محلي” نتيجة الاختلاط. فالتراخي منذ البداية، ولأسباب ربما أمنية وطائفية-مذهبية، جعل مسألة “الحجر الذاتي” بلا طائل بدليل الانتشار المفاجئ في أكثر من منطقة للفيروس “المستورَد”.

وما يزيد من منسوب المخاوف، حالة التعتيم والتكتّم في بعض المناطق المحسوبة على نفوذ “حزب الله”، وهو ما انفجر سجالات إعلامية تسببت بدعاوى قضائية ضد نشطاء مدنيين وإعلاميين تحدثوا عن “حقائق مخفية” ومخيفة على مؤسسات صحية تابعة لـ”الحزب” كمستشفى “الرسول الأعظم” إضافة إلى إقامته لمراكز حجر صحي لعناصره الآتين من إيران في سوريا قبل مجيئهم إلى لبنان، وما شابه من معطيات ملتبسة فاقمت من القلق.

ولم يكن عابراً أن وزير الصحة حمد حسن، المحسوب على “حزب الله” انتقل في توصيفه للواقع الخطير من القول “لا داعي للهلع” إلى القول “انتهى الدلع” كتعبير عن أن الفيروس القاتل خرج من الحظيرة ولم يعد في الإمكان إلا السعي لـ”إبطاء” انتشاره.

المشكلة أن ثمن التباطؤ الحكومي في اتخاذ الإجراءات لملاقاة الوباء الذي وصفته منظمة الصحة العالمية بـ”عدو البشرية” سيكون باهظاً، وليس أقل من انهيار الجهاز الصحي اللبناني، استناداً إلى توقعات بـ”انفجار كوروني” على غرار ما يحدث في دول أخرى.

وتتجلى مظاهر التباطؤ بالتأخر في تجهيز المستشفيات الحكومية (8 مستشفيات في المناطق) في الوقت الذي كان المستشفى الوحيد (مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت) يقترب من بلوغ قدرته الاستيعابية، وبتردّد المستشفيات الخاصة، في بادئ الأمر، في الانضمام إلى جهود مواجهة فيروس كورونا، قبل أن تلتحق أربعة منها أخيراً إلى الخطة الوطنية عبر إجراء الفحوص وتخصيص كل واحد منها أقل من 20 غرفة للعلاج.

ويكمن القلق في أن القطاع الصحي اللبناني برمته، الحكومي والخاص، لا يمكنه تأمين أكثر من 12 ألف غرفة كحد أقصى، مما يجعله عرضه للانهيار، في حال تفشي الكورونا بطريقة دراماتيكية وعلى النحو الذي تشهده بعض دول العالم، وسط اقتصار المساعدات على معونات محدودة من الصين وفرنسا وغياب لرعاة لبنان التاريخيين، أي المجتمعَين العربي والدولي، إذ بدا متروكاً بعدما كان قرر الافتراق والارتماء في حضن المشروع الإقليمي المناوئ للشرعيتين العربية والدولية، وسيتم الاعتماد على قرض البنك الدولي البالغ 40 مليون دولار، وعلى مصادر تمويل داخلية، ستكون خجولة إزاء الأزمة، في حال انفلاتها.

والمسألة الأكثر إثارة وخطراً في سلوك الائتلاف الحاكم في لبنان وإجراءاته، برزت في إدارة الظهر لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين والسوريين بذريعة أنها من مسؤولية المنظمات الدولية المعنية، والاكتفاء بِحثّ تلك المنظمات على الاهتمام بأكثر من مليون ونصف مليون نسمة يقيمون على الأراضي اللبنانية، ويُشكل خطر تسلل “الكورونا” إلى مخيماتهم زلزالاً إنسانياً تطاول حممه اللبنانيين، ومُحَفِّزاً على إظهار النَفَسِ العنصري لدى شرائح واسعة من اللبنانيين تجاه اللاجئين.

فالإجراءات التي اتُخذت في إطار التعبئة العامة في البلاد لم تلحظ خططاً عملية في شأن مخيمات اللاجئين المنتشرة في الجهات اللبنانية الأربع، خصوصاً أن المعابر البرية مع سوريا، الشرعية وغير الشرعية، كانت مشرّعة حتى اللحظة الأخيرة قبل إعلان حال التعبئة العامة، في حين توقعت منظمة الصحة العالمية انفجاراً للوباء المميت في سوريا التي تعيش حالة إنكار.

ففيما الميليشيات الإيرانية تصول وتجول بالآلاف في سوريا، وفيما الحملات الدينية الإيرانية متواصلة إلى “مزار السيدة زينب” في دمشق، يقول النظام السوري أن لا إصابات لديه، ويُدرج قراره بإغلاق المدارس والجامعات أولاً، ومن ثم المطاعم وصالات الرياضة وأماكن التجمع الأخرى، ضمن الإجراءات الوقائية، فيما الاعتقاد السائد هو أن النظام، الذي يفتقد إلى الشفافية، يتكتّم على الحقائق التي ربما تكون مُرعبة في بلاد تُعاني انهياراً للسلطة المركزية وأزمات في مختلف الميادين، ولا يمكن التعامل مع واقع البلاد إلا بوصفها صندوقاً أسود.

ويكفي التمعّن في لغة وزير الصحة السوري نزار يازجي، الذي اعتبر أن “الجيش السوري طهَّر سوريا من العديد من الجراثيم ولا توجد حالة من الفيروسات التاجية في الوقت الراهن” قاصداً بذلك المعارضين لنظام بشار الأسد، لتوقع الحال الذي ستكون عليه مناطق نفوذه، وخصوصاً تلك التي استعاد السيطرة عليها، والتي كانت انتفضت في وجهه ويعيش أهلها ثانية تحت نير الخوف والقهر والعوز، واليوم “الفيروس” الفتّاك.

————————–

كورونا.. الوباء في زمن العولمة/ حسام أبو حامد

خلقت العولمة سوقاً دولية مزدهرة، وبنى المصنعون سلاسل توريد مرنة عن طريق استبدال مورد أو مكون بآخر عند الحاجة، وأصبحت الثروة الوطنية جزءاً من الثروة العالمية، وظهر تقسيم عالمي للعمل، ودفع التخصص باتجاه كفاءات أكبر وتحقق نمو مطرد.

خيارات السوق فرضت اعتمادا متبادلا، واحتضنت الشركات سلاسل التوريد العالمية، ما أدى إلى ترابط شبكات الإنتاج التي أصبح الاقتصاد العالمي أسيرا لآلياتها، بحيث أن مُنتجاً معيناً أصبح يصنّع في عشرات البلدان، فبصرف النظر عن نوع وطراز السيارة فإنها اليوم تتألف من قطع تأتي من 35 بلدا، وقبل شرائنا للهاتف المحمول ليصبح قيد استخدامنا له تعبر مكوناته المختلفة 15 بلدا. ومع عالمية الإنتاج أصبحت الدول، أكثر اعتماداً على بعضها بعضاً، في ظل عدم تمكن دولة من السيطرة على جميع السلع والمكونات التي يحتاج إليها اقتصادها، وتم دمج الاقتصادات الوطنية في شبكة عالمية واسعة من الموردين.

كان سقوط جدار برلين في أواخر ثمانينيات القرن الماضي البداية لتوحيد النظام الاقتصادي العالمي، وتغيّرت الصين بعد ماو تسي تونغ، الذي طويت برحيله صفحات الكتاب الأحمر، رغم استمرار الحزب الشيوعي الصيني كمنظومة سياسية وإدارية أحكمت قبضتها في إدارة البلد. إلا أن الصين تخلّت عن الشعارات الأيديولوجية، وركّزت على الأعمال والتجارة والتوجيه بعيداً عن السياسة، محلياً ودولياً، وطوّرت رأسمالية خاصة بها، قدمت أقل كلفة إنتاجية، مما دفع بالشركات الصناعية الكبرى لتصنيع أغلب القطع اللازمة في هذا البلد، الذي أصبح منطلق سلسلة إنتاج ممتدة على مستوى العالم، وهو ما أدى إلى انخفاض كبير في أسعار المنتجات الاستهلاكية، ونجحت على مدار عقدين كاملين في خفض معدلات التضخم، وتحقيق النمو الاقتصادي، وتحرك الصينيون ومنتجاتهم وأموالهم إلى كل مكان، وأصبح اقتصادها الثاني عالميا، ليمثل عند اجتياح فيروس كورونا 17% من الناتج المحلي الإجمالي في العالم، واعتمدت صناعة الأدوية العالمية على الصين في 80% من إنتاجها.

وبعد رواج العولمة في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية سبيلا وحيدا للتقدم يأتي فيروس كورونا ليكشف هشاشة العولمة، ويقلب الموازين العالمية معيدا دولا كاملة عقودا إلى الوراء، وقافزا بأخرى إلى المقدمة؛ تلك التي يمكن أن تحسن توظيف “سياسات الاستفادة من الكوارث”.

أسهم تكتم الصين طويلا على الوباء، في أن يقطع كورونا الكرة الأرضية كلها قبل أن يستعد العالم للمواجهة. الكارثة الكونية جعلت الأصوات تتعالى مطالبة بأوسع تعاون بدل العمل الانفرادي. لم يفعل وباء عالمي في تاريخ البشرية ما فعله كورونا، ورغم أن ضحاياه لا تزال بالآلاف، مقارنة بمئات الآلاف الذين خلّفتهم، منفردة، حرب أو وباء اجتاح هذا التاريخ، لكن لم يسبق لوباء أن اجتاح العالم بأسره، وبالسرعة نفسها، ولم تغلق الحروب، بما فيها حربان عالميتان، الحدود وتمنع التواصل بين البلدان والقارات. المفارقة أن الوباء المعولم جعل العزل أمراً واقعاً بدءاً من الدوائر الجغرافية الأكبر وصولاً إلى الأصغر.

كورونا والعولمة الهشة

في السنوات الثلاث الماضية، تباطأت معدلات التبادل التجاري، وحجم التجارة الدولية، في ظل مناخ من العداء المتصاعد بين القوى الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة والصين، وهو ما اقترن بتراجع الطلب على المواد الأولية، وتراجع أسعار البترول. ووفّر تفشي فيروس كورونا، المناخ الأكثر مناسبة لتسعير هذا الصراع، الذي يشهد العالم مزيدا من فصوله. وفي هذا الإطار، تبدو الحكومات أقل قدرة على استيعاب التداعيات الاقتصادية لهذه الأزمة، وأدواتها أقل تأثيراً. فلم تسمح العولمة بالانتشار السريع للأمراض المعدية، فحسب، بل عزّزت الترابط العميق بين الشركات والدول، مما يجعلها أكثر عرضة للصدمات غير المتوقعة، ويتكشف اليوم مدى ضعف الشركات والدول في مواجهة الأزمة.

مع كورونا انهارت أهم سلاسل الإمداد، وسارعت الدول لتكديس إمداداتها الطبيّة، وحظر التنقُّل والسفر، وباتت الأزمة تُحتِّم إعادة تقييم شاملة للاقتصاد العالمي المتداخل. وتسبب الافتقار إلى بدائل التصنيع الآمنة في انهيار سلاسل التوريد، كما حدث في بعض القطاعات الطبية والصحية نتيجة لفيروس كورونا الجديد. ففاجأ ارتفاع الطلب منتجي الإمدادات الطبية الحيوية، مما أدى إلى منافسة بين الدول على الموارد. النتيجة: تحول في ديناميكيات القوة بين اقتصادات العالم الرئيسة، كشفت عن هشاشة النظام المعولم، بعد انهيار عديد من القطاعات الاقتصادية. وبعد أن اعتمد المصنّعون على تكوين مخزون من الإمدادات لحماية أنفسهم في الأزمات، اعتمدوا في عصر العولمة على سلاسل التوريد التي تنهار اليوم في ظل وباء عالمي يمنع مورداً واحداً في بلد ما، من إنتاج مكون حاسم ومستخدم على نطاق واسع. ومنذ منتصف يناير/ كانون الثاني خلق كورونا فوضى حقيقية في سلاسل إمداد الصناعات العالمية، فتقطعت سلاسل الإمداد الصناعي في العالم بين الدول والقارات، وتوقفت حركة الطيران والسفر، وأغلقت بعض الدول حدودها.

كورونا والتضامن العالمي

الديناميكيات الاقتصادية للعولمة تُهدِّد بتصاعد الأوضاع وتعميق الأزمة، مع عرقلة سلاسل الإمداد الخاصة بالمستلزمات الطبية العاجلة. حيث يمكن لمزود الخدمة الوحيد، أو مناطق محددة في العالم تختص بمنتج واحد فحسب، أن يتسببوا في هشاشة مفجعة في أوقات الأزمات بانهيار سلاسل الإمداد، ليعرقل التذبذب في الإنتاج مكافحة الفيروس المستجد، فالإمدادات الطبية الحرجة مثل «الكواشف»، التي تستخدمها المختبرات للكشف عن الحمض النووي الريبي الفيروسي، نفد مخزونها في العديد من الدول، ولم تتمكن شركات إنتاج الكواشف، وعلى رأسها «كياغن» و«روش» العالميتين من مواكبة الزيادة غير العادية في الطلب على منتجاتهما. وقد أدى النقص إلى تأخير إنتاج معدات الاختبار في الولايات المتحدة، التي تجد نفسها مضطرة للانتظار مع دول أخرى، لشراء المواد التي تحتاجها.

وحتى قبل تفشي الفيروس أنتج الصينيون نصف الأقنعة الطبية في العالم، وكثّف مصنّعوها إنتاجهم نتيجة للأزمة، لكن الحكومة الصينية اشترت فعلياً كامل إمدادات الأقنعة في البلاد، بينما استوردت، أيضاً، كميات كبيرة من الأقنعة وأجهزة التنفس من الخارج. ومن المؤكد أن الصين كانت بحاجة إليها، ولكن نتيجة زيادة الشراء، كانت هناك أزمة عرض أعاقت استجابة الدول الأخرى للمرض. حظرت روسيا وتركيا تصدير الأقنعة الطبية وأجهزة التنفس. وفعلت ألمانيا الشيء نفسه، على الرغم من أنها عضو في الاتحاد الأوروبي، الذي من المفترض أن يكون له «سوق واحدة» تسمح بتجارة حرة بين الدول الأعضاء. واتخذت الحكومة الفرنسية الخطوة الأبسط المتمثلة في الاستيلاء على جميع الأقنعة المتاحة.

وباستثناء الصيدليات ومحلات البقالة، فإن إيطاليا في حالة إغلاق كامل، وسط انتشار سريع للفيروس، فأغلقت المدارس والجامعات والمطاعم، كما ألغيت مباريات كرة القدم، ولا يُسمح إلا بالسفر الضروري للغاية. وكان من المفترض أن ترسل دول الاتحاد الأوروبي للإيطاليين بعض الإمدادات الحيوية، بناء على طلبهم، لكن ذلك لم يحدث. إجراءات الدول الأوروبية المنفردة تقوض التضامن وتمنع الاتحاد الأوروبي من اعتماد نهج مشترك لمكافحة كورونا.

تسييس إدارة دونالد ترامب للمرض ساهم في التأخر في تبني استجابة متماسكة للوباء في الولايات المتحدة، التي تفتقر إلى العديد من الإمدادات التي تحتاج إليها، إذ لم تجدد مخزونها الوطني من الأقنعة منذ عام 2009، ولديها جزء صغير، فقط، من الكمية المطلوبة. ولم يكن مفاجئا أن يستغل المستشار التجاري للرئيس دونالد ترامب، بيتر نافارو، هذا النقص، لتهديد الحلفاء، وتبرير الانسحاب الإضافي من التجارة العالمية، بحجة أن الولايات المتحدة بحاجة إلى “إعادة قدراتها التصنيعية وسلاسل التوريد للأدوية الأساسية”.

هناك تحول في سياسة التضامن العالمية، فبما أن صحّة وسلامة المواطنين على المحك فقد تُقرِّر العديد من البلدان، أن تحظر الصادرات أو تُصادر إمدادات ضرورية للخارج، حتى إن عنى الأمر إلحاق الضرر بدول حليفة أو جارة لها. وحتى اللحظة لم تكن الولايات المتحدة هي القائد في الاستجابة العالمية لفيروس كورونا الجديد، وبدا أنها تتنازل عن دورها لصالح الصين، التي استطاعت السيطرة على انتشار الوباء. يعيدُ كورونا تشكيل الجغرافيا السياسية للعولمة، والبقاء لمن يستطيع التكيف.

قيّد كورونا حركة النقل، وأقفل المدارس، وألغى الأنشطة الرياضية والفنية والثقافية، وأربك الاقتصاد العالمي، وأجبر الناس على الحجر الذاتي، ويشهد العالم اليوم تراجعاً ملحوظاً في التعاون الدولي متعدد الأطراف، على عكس التعاون الدولي في عام 2009، حيث اجتمعت الاقتصادات الكبرى مع الاقتصادات الصاعدة، في إطار “مجموعة الـ 20″، لأخذ التدابير اللازمة لمواجهة الأزمة. ولا يمكن إغفال تأثير تراجع التيار الوسطي المتبني للعولمة وللتعاون متعدد الأطراف على الساحة الدولية، وصعود التيارات القومية والانعزالية، في تشكيل المناخ المتوتر والاستقطابي الذي يهيمن على التفاعلات العالمية حالياً، ويعيق التعاون في الأزمة الحالية.

هل وضع كورونا حدا للعولمة؟

لأول مرة في التاريخ الإنساني يشترك العالم، البلدان المتقدمة والنامية، في حالة طوارئ لمواجهة عدو واحد، ومع اتساع رقعة انتشار الفيروس، فإن الحاجة أصبحت أكثر إلحاحاً لأن تنسّق الدول الجهود فيما بينها لمواجهة كلفة هذه الأزمة على المستوى الأهم والأكثر كلفة، وهو المستوى الإنساني.

غيّر هذا الفيروس العالم بالفعل، وتحت وطأته تتداعى تكتلات سياسية واقتصادية، تغلق الحدود، وتمنع حرية تنقل الأشخاص بين البلدان، والحريات والحقوق الفردية باتت مهددة مع ضرورات الحجر الصحي، وتستمر بالتمزق الروابط التجارية، ويتعثر الانسياب السلس للسلع والبضائع والخدمات بين الدول والقارات، ويبدو أن الوباء يبدد ما بنته العولمة خلال عقود من الزمان.

يعتقد البعض أن أزمة كورونا ستحدّ من العولمة، وستضعف المنطق الذي يستند إليه دعاة الانفتاح الاقتصادي، وإزالة الحدود التجارية بين الدول، وستقوي دعاة الانغلاق التجاري والاقتصادي أمثال الرئيس ترامب، والتيارات الشعبوية المناوئة للاجئين والتي تطالب بتعزيز سلطة الدولة، والتركيز على الاحتياجات الاجتماعية المحلية على حساب حرية الأفراد والتعاون بين الدول.

البعض الآخر يعتقد أن العولمة لا تزال منتصرة، حتى لو لم تحل المشاكل العالمية، في ظل عدم وجود حكومة عالمية، واستمرار وجود دول ذات حدود، وحكومات تقوم، في كل حالة محددة، بحل المشاكل العالمية على مستواها، وتتواصل بطريقة ما وتساعد بعضها البعض، وأن ما يحدث اليوم إن هو إلا تمرين عالمي لتحديد مدى استعداد الدول للسيطرة على حدودها، ومدى تطور النظام الطبي أو تخلفه، ومدى السرعة التي يمكن بها أن تحدد الدولة بؤر انتشار الفيروس. أما على صعيد التكامل الصناعي والخدمي الذي كان قائماً على سياسة اختيار دول التصنيع بناءً على رخص الكلفة، فسيتغير، وسيتيح المجال لدعاة توطين الصناعات ومكوناتها لتنفيذ السياسات الحمائية في الصناعة، وستعيد الشركات والصناعات التفكير في سلاسل إمداداتها، وستضع في الحساب المخاطر المترتبة على ذلك، إلى جانب حساب كلفة إنتاج المكونات والمواد الأساسية.

كورونا عربياً

يصنف مؤشر أمن الصحة العالمي دول العالم إلى ثلاث فئات: مستعدة جدا، متوسطة الاستعداد، وضعيفة. ويستند المؤشر في تصنيفه إلى عدة معايير منها: القدرة على الكشف المبكر عن المرض، وإمكانية منع انتشاره، وسرعة الاستجابة في علاج المصابين، والطاقة الاستيعابية للنظام الصحي. ولم تتضمن الفئة الأولى أي دولة عربية.

زحف الفيروس إلى البلدان العربية، مهددا اقتصادها ومجتمعاتها، مما أوجب الاستعداد للتعامل معه بهدوء وشفافية، ووضع خطط محددة لإدارة الأزمة، حتى لا تكون تداعيات الموقف أخطر من المرض نفسه، لكن منظمة الصحة العالمية شكت من عدم شفافية بعض الدول العربية في التعامل مع المرض. وفي ظل التقصير الحكومي، وغياب الشفافية، واللجوء للإنكار والتطمين الزائف، وكأن كورونا قضية أمن دولة، استمرت عدم ثقة المواطنين بالحكومات، وتم إيجاد مصادر بديلة غير رسمية لتقصي الحقائق تمثّلت في وسائل التواصل الاجتماعي، وتعليقات المستخدمين، في فضاء يخال الواحد منا أن الجميع فيه أصبحوا أطباء ومختصين بعلم الأوبئة، انخرطوا في بازارات الوصفات والعلاجات.

ورغم أن الوباء هزأ من اختلافاتنا الدينية والقومية، تم تسيس المرض، وجرى تبادل الاتهامات، وتم النظر إلى المرض على خلفية الأزمة الخليجية، أو حالة الاستقطاب السني- الشيعي التي تعصف بالمنطقة، أو نظر إليه بوصفه عقابا إلهيا ضد تلك البلاد التي تحارب المسلمين (خلّصت الصين جميع مواطنيها من الوباء دون تفرقة). وبعد أن وصل الوباء إلى بلاد المسلمين، جرى الانتقال من نظرية العقاب الإلهي إلى نظرية المؤامرة.

تحت ضغط القلق من المستقبل لا يضع انتشار الشائعات حول كورونا الأمور في حجمها الطبيعي، مما يهدد بتفشي هيستيريا جماعية تهدد أفراد المجتمع وتوازنهم النفسي.

ومهما كانت خطورة الإصابة بالوباء كبيرة في حد ذاتها، فإن طرق التعامل السيء معها، وما يرافقها من شائعات، قد تكون أشد خطرا، حين تهدد الروابط الاجتماعية، وتطلق العنان لشكل خفي من حرب أهلية يتوخى معها الجميع الحذر من الجميع، ويصبح هاجسهم الوحيد هو أخبار المرض على حساب غيرها من أمور اجتماعية وسياسية لا تقل أهمية.

رغم مرارة التجربة الحالية غير المسبوقة التي يمر بها العالم، ومنه عالمنا العربي، إلا أنّها فرصة لأن تتمسك الشعوب بحريتها، وبحقها في المعرفة، وللمطالبة بأنظمة صحية أكثر تطوراً وفعالية، وبنظام عالمي أكثر تضامنا وإنسانية.

ضفة ثالثة

———

كورونا.. العنصرية لم تأت من العدم/ لارا عبود

نشرت جامعة كاليفورنيا الأميركية “باركلي” مؤخراً على حسابها في “أنستغرام” أن من ردود الفعل الطبيعية مع انتشار فيروس كورونا “القلق والشعور بالعجز و… والزينوفوبيا: خوف من الغرباء خاصة تجاه الأشخاص من آسيا…”. وفي الحقيقة، فإن الخوف من الآسيويين انتشر ليس فقط في أميركا أو أوروبا، بل إن حالات من العنف تجاههم والتنمّر عليهم سجلت في لبنان والأردن، وسجلت حالات العنصرية أيضاً داخل الصين ضد سكّان ووهان من الصينيين أنفسهم.

لكن هذا لا يمنع من القول إن العنصرية تأخذ شكلاً راسخاً وقوياً في الثقافة الغربية والأميركية على وجه الخصوص، كأنها جزء أصيل ولا يتجزأ من التفكير بالآخر في هذه المجتمعات. ورهاب الأجانب والقوالب النمطية العنصرية القائلة بأن الشعوب الأخرى تسبّبت في الفيروس بسبب طبيعة أكلها أو قلّة نظافتها، خطاب قديم في هذه الثقافة.

لكن أخبار الفيروس تضخم شكلاً محدّداً من أشكال التعصّب، يسمى بـ “رهاب الصين”، وهو عداء ضدّ الصينيين أو الناس من أصل صيني أو الثقافة الصينية، والرئيس الأميركي بنفسه يستخدم في تصريحاته تعبير “الفيروس الصيني”، ولا يخفى الاستخدام السياسي لهذا الرهاب بالطبع.

تحاول إدارة ترامب تحويل الصين إلى كبش فداء، مما أبعدَ الخطاب العام عن كيفية فشل الإدارة في إعداد البلاد بشكل كاف لهذا الوباء وتأخّرها في مواجهته. وفي تصريحات معادية للأجانب مليئة بالأخطاء الواقعية والتضليل، دافع السناتور الجمهوري جون كورنين عن استخدام ترامب لعبارة “فيروس صيني”، وقال “الصين هي المسؤولة عن الثقافة حيث يأكل الناس الخفافيش والثعابين والكلاب وأشياء من هذا القبيل”.

لا يشير الجمهوريون إلى “فيروس صيني” لمجرّد تسليط الضوء على الأصول الجغرافية للفيروس بل لإلقاء اللوم على مجموعة معينة، ولهذا اللوم عواقب سلبية في الولايات المتحدة حيث بدأ الآسيويون والآسيويون الأميركيون يواجهون التمييز والهجمات اللفظية في الأماكن العامة.

في أمريكا، يمكن لمس العنصرية ضدّ الصينيين في تاريخ البلاد السياسي، فعلى سبيل المثال، وقّع الرئيس تشيستر ألان آرثر (رئيس أميركا ما بين (1881-1885) ما يعرف بـ “قانون الاستبعاد الصيني” لعام 1882، الذي حظر هجرة العمال الصينيين إلى الولايات المتحدة مدّة عشرة سنوات. كان الغرض من القانون استرضاء مطالب العمال الأميركيين، وتهدئة المخاوف السائدة بشأن الحفاظ على” نقاء العنصر الأبيض”؛ وهذا ليس بعيداً عن التقييد الذي صنعه دونالد ترامب على هجرة الطلاب والعلماء الصينيين منذ عام 2018.

غير أن رهاب الأجانب متشابك مع خطاب الصحة العامة لفترة طويلة جداً في أميركا وأوروبا أيضاً، فقد تساوى الخطاب العلمي العارف مع الشعبي الجاهل في ربط الأمراض المعدية بالمجموعات السكانية التي ينظر إليها بأنها “الغرباء”، ونذكر مثالاً ما جرى في أوائل القرن العشرين من تقييد الهجرة في مدينة نيويورك بسبب الاعتقاد بأن الآخرين يحملون الجراثيم، وساهمت تلك الروابط المتخيلّة بين الجراثيم والأميركيين من أصول مكسيكية وصينية وأفريقية في حالة من الفصل العنصري.

وفي السنوات الأولى لانتشار “فيروس نقص المناعة المكتسبة”، أشارت الأصابع إلى المهاجرين الهايتيين، مثلاً في جمهورية الدومينيكان، وأنفقت المؤسسات الكثير من الأموال والطاقة في سبيل حظر الهايتيين وإغلاق الحدود عندما كان هناك تفشّي الدفتيريا من 2014-2017؛ أموال كان يمكنها أن تُصرف على اللقاحات بدلاً من العنصرية.

اليوم انقلبت العنصرية على الإيطاليين، فأصبحوا هم “غرباء” أوروبا، قوطعت مطاعمهم وأنديتهم في لندن وباريس لتذكّرنا بالمقولة الأميركية العنصرية ضدّ المهاجرين منهم “ومتى كان الإيطاليون بيضاً”، وهؤلاء أنفسهم حين بدأ انتشار كورونا قاموا بمقاطعة المطاعم الصينية في روما وميلانو وتسبّبوا في إغلاق الكثير منها.

بالعودة إلى تغريدة “باركلي” التي ذكرناها أول المقال، وهي واحدة من أبرز جامعات العالم اليوم، فإن ما تقوله الجامعة أن لا بأس من العنصرية اليوم، وإنها “طبيعية” لأنها تظهر نتيجة الخوف من الفيروس. لكن هذا غير صحيح، لأن رهاب الأجانب لا يخلق من العدم، بل يكشف ما خبزته الثقافة الغربية وأطعمته لأفرادها من زمن طويل.

————————————

أهالي إدلب غير مبالين بالوقاية من كورونا/ عبد الله البشير

ينقسم الأهالي في مدينة إدلب السورية بين الخوف والحذر من فيروس كورونا الجديد “كوفيد -19” واللامبالاة، وسط حالة من قلّة الوعي تتعلق بكيفية الوقاية من الفيروس.

في مدينة إدلب، التي باتت رقعة جغرافية مكتظة بالسكان بعد حملات عسكرية متتالية دفعت بأهالي بعض مدن وبلدات المحافظة إلى التوجه إليها، يقول الناشط الاعلامي المقيم فيها عامر العلي، إن المشكلة لا تتعلق بالخوف الكبير من الفيروس بحد ذاته بل بقلة وعي السكان، مؤكداً أن “هناك نوعا من اللامبالاة بين الكثير من الناس في المدينة، وقلة هم الذين يتخذون التدابير الوقائية”.

ويقول العلي لـ”العربي الجديد”: “قلة هم الأشخاص الذين يتعاملون مع الموضوع بحذر وخوف، والمصيبة ليست فيروس كورونا بحد ذاته بل قلة وعي الأهالي بمخاطره، خصوصاً في بقعة جغرافية صغيرة تسيطر عليها قوات المعارضة، حيث يعيش فيها نحو خمسة ملايين شخص، علماً أنها لا تتسع لنصف هذا العدد. فالتجمعات هائلة وفي حال تفشي الفيروس، ستكون كارثة تفوق أي كارثة تمر بها أي دولة”. يضيف أن “عوامل الحماية والوقاية من الفيروس قليلة جداً”.

ويناشد العلي منظمة الصحة العالمية بضرورة التدخل السريع في الشمال السوري، خصوصاً في إدلب، كون الدول المتقدمة التي لديها قدرات هائلة وإمكانيات طبية متطورة تعاني من انتشار الفيروس. ويختم قائلاً: “في حال تفشي الفيروس بين السكان هنا في إدلب، فإن القذائف وصواريخ الطائرات التي كانت تسقط علينا، أقل وطأة منه على الرغم من وحشيتها إذ كان يمكننا الهروب منها”.

وتحاول بعض الجهات، خصوصاً الدينية في المدينة، التقليل من مخاطر كورونا بين المدنيين، مع دعواتها للصلاة في المساجد كما حدث يوم الجمعة، حيث أقيمت الصلاة في مساجد المدينة، مع محاولتها تجاهل دعوة الأطباء والجهات الصحية للناس بضرورة أخذ الحيطة والحذر.

وعن هذه المشكلة، يقول أبو حمزة (36 عاماً) لـ “العربي الجديد”: “نحن شعب متدين وديننا لا يتعارض مع العلم أبداً. المزعج أن بعض الجاهلين بالدين هنا يشيعون بين الأهالي أنه لا داعي لوقف المصافحة وأن الأقدار بيد الله، والوضوء كاف، محاولين التلاعب بعقول الناس. ومن وجهة نظري هذا تضليل وتعارض مع ديننا الذي أمرنا بالنظافة والأخذ بالأسباب، فعلينا أن نحمي أنفسنا وعائلاتنا. والنصائح التي يقدمها الأطباء يجب أن تتقدم على الشائعات التي يبثها هكذا أشخاص”.

في المقابل، يوضح النازح خطيب الذي يقيم في بلدة كفرتخاريم، أنه توجه إلى مدينة إدلب لشراء بعض الحاجيات، قائلاً لـ “العربي الجديد”: “لم ألمس هذا الحذر من موضوع كورونا. كل شيء على طبيعته في المدينة المكتظة بالناس. صادفت بعض الأشخاص يرتدون كمامات، لكنهم قلة. يوم أمس، صادف عيد الأم وكانت المدينة تعج بالمارة. في كفرتخاريم حيث أقيم، لا يوجد مظاهر حقيقية للوقاية من كورونا، والأهالي يمارسون حياتهم كباقي الأيام العادية”.

وكان مدير صحة إدلب الطبيب منذر الخليل قد أوضح في تسجيل مصور نقلته المديرية عبر صفحتها على فيسبوك، أن الحالات الأربع الموجودة في مستشفى أطمة، والتي ظهرت عليها أعراض منها ارتفاع درجة الحرارة، أخذت منها عينات لتحليلها مخبرياً ومعرفة ما إذا كانت مصابة بفيروس كورونا أم لا، مضيفاً أنه خلال الأيام القليلة المقبلة، سترسل منظمة الصحة العالمية جهازاً للتحاليل الخاصة بالفيروس، داعياً الأهالي إلى الإلتزام الكامل بتعليمات الوقاية.

وكانت مديرية التربية والتعليم في إدلب اتخذت قرارا بتعليق الدوام في المدارس للطلاب فقط ولمدة أسبوع بهدف الوقاية من فيروس كورونا، بينما لم يتوقف الدوام في الجامعات والمعاهد بالمحافظة.

—————–

ريشة على رأس أميركا/ باسل طلوزي

هي أميركا التي يحق لها ما لا يحقّ لغيرها، وبائيًّا حتى، فمن يجرؤ على منع مواطن أميركي من دخول بلاده؟ ومن ذا يجازف بتسديد ماسح حراري إلى جبين مسافر أميركيّ في مطارات العالم كلها؟

أميركا خط أحمر، وعلى أصحاب الخطوط “ما دون الحمراء” أن يفكّروا مليًّا قبل اتخاذ قرار بإضافة أميركا إلى لائحة الدول المحظور السفر إليها، أو الممنوعة طائراتها من الهبوط في مطاراتهم، بصرف النظر عن تجاوز عدد المصابين بكورونا في ولاياتها حاجز الثلاثمائة، فليس مهمًّا الرقم هناك، حتى لو ضاهى الأرقام الصينية، بل المهمّ أن يصاب العالم خارج أميركا بالعمى الطوعي عن هذه الأرقام، على قاعدة أنه “ليس هناك عالم خارج أميركا أصلًا”.

على الدوام، ثمّة من يضع أميركا جانبًا عند أي قرار. وهنا يقفز إلى ذهني مشهد مدرسي قديم، عندما كان يؤمر تلاميذ الصف بالانخراط في حملة نظافةٍ شاملة، فقد كان الأساتذة يسحبون بعض التلاميذ من أكمامهم جانبًا، برفق بالغ، ثم يختفي هؤلاء التلاميذ تمامًا عن “الحملة”. والأمر ذاته ينطبق على أميركا اليوم، إذ سحبت جميع الدول التي اتخذت قرارات الحظر الوبائي أميركا جانبًا، على الرغم من أن أعداد المصابين فيها أضعاف دول أخرى شملها الحظر.. ألأن على رأسها ريشة فعلًا؟

الغريب في أمر الفرز هذا أنه يشمل دولًا يفترض أنها أقل خشية من أميركا. أفهم أن ترتعد دولنا نحن والعالم الثالث من مجرد التفكير في حظر أميركا، ولكن أن تشاطرنا الخوف دول أوروبية فهذا ما لم تهضمه غدة الرعب في جسدي، والمبرّر واحد: “ممنوع إغضاب أميركا”، أو “أميركا خارج الحسابات”. أي أن على العالم أن يحل معضلاته من دون زجّ أميركا في معادلاته ونقاشاته، فلها من الحصانة ما يتجاوز دبلوماسيّيها إلى شعبها ذاته. لا يهم أنها غير محصّنة ضد كورونا، بل المهم أنها محصّنة من الحظر والتفتيش والمسح، محصّنة ضدّ العالم برمّته، والجواز الأميركي يخوّل حامله غزو العالم وتجاوز حواجزه. يحق لأميركا أن تدخل بجنودها وأوبئتها وصلافتها، حتى لو كان الدخول بمواطن واحد، لأن الواحد يمثّل الدولة كلها. وفي المقابل، يحظر على دول العالم أن تقاطع أميركا لأن “المقاطعة” حقّ أميركي بحت، فهي من يحق لها أن تقاطع، وإلا اعتبرت المقاطعة “وقاحة” من وقاحات العبيد.

لنعترف أن أسطورة “السوبرمان” الأميركي لم تعد خيالًا يمور في أذهان عباقرة “ديزني لاند”، بل تشعّبت الأسطورة لتشمل الكرة الأرضية، ولعلّ الخشية أن ثمّة خضوعًا عالميًّا مفروغًا منه، ومطويًّا ربما في اللاوعي الجمعي، يجعل من أميركا “استثناء” دائمًا حتى ولو كان العالم برمّته على مشارف هاويةٍ لا تحتمل الاستثناءات، فما الضير لو اختفى كورونا من العالم كله، وبقي متفشّيًا في أميركا وحدها؟ أليس “المريض الأميركي” مغايرًا لـ”المريض الإنكليزي” أو الآسيوي أو العالمي؟

لا جدال أن على رأس أميركا ريشة تميزها عن الآخرين. ذلك مفروغ منه، حتى وإن كانت ريشة من فروة رأس هنديّ أحمر من ضحايا أميركا سابقًا، أو من رأس ياباني محروق في هيروشيما، أو من جلد طفل عراقيّ ممزّق، فلها وحدها الحق في استثمار “إكسسوارات” ضحاياها لتذكّر العالم أن قائمة الضحايا لم تنته بعد، وأن كورونا هو “ألطف” مصير ينتظره قياسًا بالمصائر التي ترسمها، أو بالخطوط الحمراء التي تضعها لمن يتجرّأ يومًا على لمس “ريشتها”.

العربي الجديد

————————

كورونا .. هل يبالغ العالم؟/ فاطمة ياسين

مع قراءة هذا المقال يكون مجموع المصابين بفيروس كورونا قد تجاوز مئتي ألف مصاب، في قارّات العالم الخمس، مع تركيز آسيوي في الصين وإيران وكوريا الجنوبية، وحالة متوسعة في أوروبا، تتصدّرها إيطاليا، ونِسب أقل في أفريقيا وأميركا الجنوبية.. لا تكفّ الحكومات عن المناشدة للبقاء في المنازل وحصر الاحتكاك مع الآخرين، والتركيز على التعقيم والتطهير أو الغسل المتكرّر، وتطورت المناشدة إلى أوامر شديدة اللهجة بعدم التجول والتنقل مطلقًا، ثم أغلقت بلدان كثيرة منافذها البرية والبحرية والجوية، وتوقفت عن استقبال أو إرسال مزيد من الناس. وتحولت نشرات الأخبار إلى الاهتمام بالفيروس الجديد، وما تركه من آثار على الحياة العامة في مجالات الرياضة والثقافة والسياسة والاقتصاد.. وللتأكيد على جدّية الأمر وجسامة تأثيره، قالت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، إن الفيروس سيصل إلى ما نسبته سبعون بالمئة من الألمان. وكان رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، دراميًا، حين نبه البريطانيين لأن يستعدّوا لفقدان أشخاص عزيزين على قلوبهم. وكرر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ظهوره على الشاشات خلال الأسبوع الأخير، مشددًا على توخي الحذر وعدم الخروج، ففرنسا أمام “حرب صحية”. وخضع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بنفسه لفحص كورونا، بعد أن قِيل إنه خالط وفدًا تبينت إصابة أحد أفراده لاحقًا. واقترح ترامب استخدام دواء الملاريا لمعالجة كورونا “فإذا لم ينفع فإنه لن يضرّ”!

لم تكن المعلومات التي نشرها الطبيب الصيني، لي وين ليانغ، في منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي، عن مرض غريب وخطير، كاذبة، فقد تعرّض بعد ذلك الطبيب للاستدعاء من الشرطة، ووقع تعهدًا بعدم نشر الإشاعات، ثم مات بفم مغلق بعد إصابته هو نفسه بفيروس كورونا بعد حوالي شهر. كان اكتشاف الطبيب مقدمة لما بات ورشةً عالميةً لإجراءات عزل وتعقيم، ساهمت فيها دول أعضاء في مجلس الأمن.

الانتشار الواسع للفيروس، والسلوك العصابي للسلطات في محاولة قمع انتشاره، أحدثا ردّات فعل تفسيرية متطرّفة، وجعلا الأجواء مناسبة لظهور نظريات تآمر، في ظل نقص معلومات كثيرة عن نشأة الفيروس وتاريخه، وضعف المعرفة بالنظريات التطورية، أو عدم الإيمان بها أساسًا، فاستندت المجتمعات إلى ثقافاتها وقصصها الإثنية والدينية، وأعطت ظهور الفيروس شكلًا قصصيًا، تلعب فيه المؤامرات والمبالغات دورًا فعالًا، بدأت من الشارع، متبنية نظريات تقليدية بسيطة، كالعقاب أو الابتلاء، ثم تغيرت النظريات بتغير المؤسسات التي تروّجها أو تلك التي تصدقها، فتعقدت لتغدو نظرياتٍ عن حرب سياسية واقتصادية، تستخدم البيولوجيا مسبقة التوجيه..

كل ما حصل أو يمكن أن يحصل من هرج ومرج عن خطورة الفيروس وإجراءات محاصرته، هو نتيجة لخطاب الحكومات وممارساتها في بلدانها، فهل كان ذلك واجبًا أم مبالغًا فيه بشكلٍ أعطى فرصة لرواج هذه الروايات وأوجد بيئة ازدهارها؟

يمكن لتصريحاتٍ متشائمة من قادة الدول أن تسبب هلعًا في الشارع، وسلوكيات مجنونة تشيع أخطارًا جماعية غير معروفة النتائج. وهناك في المقابل كوارث أخرى مهولة الحجم والتأثير، اعتاد العالم على وجودها، ولا يُحرّك حيالها ساكنًا، كالجوع المنتشر في بقاع كثيرة، ويحصد آلاف الأطفال سنويًا، أو مشكلات الدخل المنخفض الذي يجعل بلدانًا بحالها عرضةً لسوء التغذية والتنشئة غير السليمة للأطفال، وغير ذلك الكثير.. فكيف يأخذ العالم، بإجراءاته المتزمتة، هذا الكورونا على محملٍ مبالغ فيه من الجد، ولم يصل مجموع من توفّوا نتيجته إلى عشرة آلاف نسمة، وهو رقم يمكن أن يحصده الجوع في يوم؟ نتمنّى السلامة للجميع، لكن في ظل الخوف من هذا الفيروس وحالات الترقب والانتظار، تتزاحم النظريات والتفسيرات، ويبدو أن كل شيء مرهون بالمختبرات الطبية، انتظارًا للقاح أو لدواء سحري سريع، وعندها يمكن أن يتوقف كل هذا الركام من الحوار ليعود العالم إلى طبيعته في انتظار الأزمة القادمة.

العربي الجديد

—————-

على هامش الجائحة/ حسام كنفاني

في ظل جائحة كورونا التي تضرب العالم منذ نحو ثلاثة أشهر، ومع المتابعات اليومية للأخبار التي تصف هول الفاجعة على العالم، إضافة إلى ما يتم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات على هامش هذه الجائحة.

لعل الملاحظة الأولى هي عمومية فكرة “نظرية المؤامرة”، إذ إنها ليست حكراً على مواطني الدول العربية، والذين يبرعون دائماً في ربط كل الأحداث المحلية والعالمية بهذه النظرية، بل هي ممتدة في أرجاء الكوكب، فبعض المواطنين في بريطانيا، على سبيل المثال، مقتنعون بأن هذا الفيروس مؤامرة صينية – روسية، لضرب الدول الغربية، ويجادلون بأن الاقتصاد الصيني اليوم تعافى بشكل تام (رغم أن لا دلائل على ذلك)، وأن روسيا تكذب في ما يتعلق بالإصابات لديها، وهي أقل تأثراً بالفيروس. آخرون يؤكدون بأن اللقاح موجود لدى الصين، وهي تنتظر الوقت المناسب لمساومة الغرب عليه مقابل مكاسب كبيرة. قد لا يكون مستغرباً أن يكون الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، شخصياً مؤمن بهذه النظريات، وخصوصاً أنه بدأ بإطلاق اسم “الفيروس الصيني” على كورونا. وعلى الرغم من أنه لم يصرح حتى الآن بنظرياته، لكنها قد تأتي في مقبل الأيام على شكل تغريدة تفاجئ العالم.

للعرب نظرياتهم المؤامراتية أيضاً حول الفيروس، لكنهم لا يوجهون الاتهام للصين أو روسيا، بل للولايات المتحدة وإسرائيل، فتلك الطبيبة المصرية – الأميركية خرجت في تسجيل مصوّر وأدلت “بنظريتها العظيمة” حول المؤامرة الأميركية لإيهام البشر بوجود هذا الفيروس لدفعهم إلى المزيد من الاستهلاك، داعية المصريين إلى عدم الامتثال للتعليمات الصحية وتجاهل الفيروس. المشكلة أن هذا العته وجد من يصدّقه في الأوساط العربية عموماً، وليس المصرية فقط، وتمت مشاركة الفيديو أكثر من 13 مليون مرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يؤشر إلى قناعة متبلورة بالمؤامرة، وهو ما قد ينعكس مزيداً من الاختلاط والإصابات لاحقاً.

الملاحظة الثانية مرتبطة بالسلوك الاجتماعي الذي بدأ بالتغير منذ إطلاق التوصيات العامة بعدم المصافحة والاختلاط والابتعاد قدر الإمكان عن التجمعات. مع الوقت، والذي يبدو أنه سيكون طويلاً، ستتحول هذه الإرشادات إلى سلوك بشري عام. فاليوم، كثيرون منا باتوا يستنكرون مشهد مصافحة في الشارع، أو حتى على التلفاز، ولو كان ضمن مسلسلات وأفلام سابقة لعصر كورونا، ما يعني أن شكلاً جديداً للتحية في طريقه إلى التكون. الأمر نفسه بالنسبة إلى التجمعات، التي لم تعد تتخطى ثلاثة أفراد، هذا في حال استطاع هؤلاء الأفراد التجمع، الأمر الذي سيطول مع الوقت. أما غسل اليدين، ورغم أننا كنا نقوم به قبل كورونا، إلا أنه سيتحول إلى هاجس مع الوقت، فبعد لمس أي شيء في المنزل أو خارجه، تجد نفسك تلقائياً متوجهاً إلى أقرب صنبور مياه لغسل يديك عشرين ثانية أو أكثر.

الملاحظة الثالثة تتعلق بشكل النظام العالمي. لا شك في أننا نشهد انهيار المنظومة العالمية السابقة، وانغلاق الدول على نفسها، في مشهد لم يتكرر في السابق، حتى إبّان الحربين العالميتين. من غير المعلوم كيف سيكون عليه الشكل الجديد للنظام العالمي، لكنه بالتأكيد سيكون مختلفاً عما كنا معتادين عليه في السابق، من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والعلاقات بين الدول، مع ظهور بوادر انهيار الاتحادات.

جائحة كورونا اليوم تغير شكل الحياة بالمجمل، ويمكن أن تكون مؤسساً لمرحلة تاريخية جديدة، كما كانت الحربان العالميتان مؤسستين لأنظمة عالمية جديدة، فما بعد ظهور كورونا من المؤكّد أنه لن يكون كما قبله.

العربي الجديد

———————

الوباء والمال العام/ سلام الكواكبي

عمل فريق بحثي من المركز الوطني للبحوث العلمية في فرنسا منذ 2003 على دراسة ومحاولة مقاومة فيروسات، أحدها كورونا، وذلك إثر انتشار وباء سارس حينها. وقد انطلق هذا البرنامج بدعم مالي كبير من الاتحاد الأوروبي، لتحاشي عامل المفاجأة إن تطوّر الوباء القادم من أقصى آسيا باتجاه القارة القديمة.

وكان الهدف بسيطاً نظرياً، ويتمحور حول كيفية استباق تحولات فيروسٍ غير معروف بعد. وكان الحل، في نظر الباحثين، بسيطاً نظرياً أيضاً، ويتمثّل في محاولة دراسة مجمل الفيروسات المعروفة، لكي تتكون لديهم معرفة عميقة وممكنة التطبيق على الفيروسات الجديدة، خصوصاً طرائق ترقّب تبدلاتها، وهي التي يأتي منها الخطر. ويقول المتخصصون إن هذه الأبحاث تحتاج وقتا طويلا وجهودا هائلة وصبرا مديدا وأموالا طائلة، كما أن نتائجها متأخرة عموماً. وبالتالي، لا يمكن برمجتها مسبقاً، نظراً للتبدلات الطارئة على العنصر المدروس، وكما المفاجآت التي يمكن أن تعترض طريق البحث، والتي يعرفها جيدا من يعملون في مثل هذه المخابر الدقيقة.

إذاً، برامج البحوث هذه طويلة الأمد، للوصول غالباً إلى الترياق الشافي. ويجب أيضا أن تكون مستقلة عن المخابر الدوائية التي، وإن استثمرت أموالاً طائلة في البحث العلمي، إلا أنها تستهدف حتما الربح، وبالتالي يمكن لها الاستعاضة عن دراسة ما لا يدرّ مباشرة الوافر من المال، للتركيز على ما يمكن له أن يكون مصدر ربح سريع. والأمثلة عديدة في حقل التجارب التي تحققها هذه المخابر. كما أن بعضها وصل إلى الحصول على علاجات متقدّمة لأمراض مزمنة، إلا أنه احتفظ بها في خزائن سرّية بانتظار الانتهاء من مخزونٍ لدواء سابق لا يجوز تجارياً إغفال تصريفه.

البحث العلمي المستقل اللازم إذاً هو في أمسّ الحاجة إلى المال العام. وبالتالي، من يضع المال في مثل هذه الأبحاث من المفترض به مبدئياً ألا ينتظر مردوداً مباشراً، ولا حتى في المدى المتوسط، بل هو يستثمر في إطار رسم سياسة سكانية صحية على مدى عقود، وبرؤية شاملة، هدفها تحسين المستوى المعيشي للناس بكل أشكال هذا التحسين من اقتصادية وتعليمية وثقافية وصحية. وفي إطار العمل الأوروبي المشترك، توصل باحثون فرنسيون كثيرون، في معهد باستور الباريسي المتخصص، كما في مخابر علمية حكومية متميّزة في المدن الأخرى، إلى نتائج مهمة منذ السنة الثانية لبدء أبحاثهم. والنتائج الهامة لا يمكن لها أن تعني إيجاد الترياق، بل على الأقل تشخيص نوعية الفيروس المدروس وتبدلاته.

المعضلة الأساسية في هذا الحقل تتمثّل في استثمارات ضخمة محلية وإقليمية، تتحرّك في أوقات عصيبة، مرتبطة بانتشار وباء أو ما شابه، وبعد الأزمة، والتي تترافق مع الجهل بإمكانية عودة الوباء، تتراجع هذه الاستثمارات وتصل إلى حدود النسيان والإهمال. وفي حال سؤالهم، يتذرّع المسؤولون بأنهم حريصون على أموال دافع الضريبة، وفي حال ظهور فيروس جديد، تسارع الجهات العامة نفسها إلى الضغط على الباحثين، لإيجاد مصلٍ فوري.

لا يمكن للعلم أن يعطي نتائج سريعة بناء على الطلب، وكذلك لا يمكن له أن يعمل في ظل الحالة الطارئة. هذه قاعدة يُجمع عليها جميع من يعمل في هذا الحقل، ولا يتفق عليها أغلب من يمسك موقع المسؤولية السياسية في الدول الغربية. وكما تُعتبر هذه القاعدة أساسية في العلوم التطبيقية، فهي لا تختلف كثيراً في ما يتعلق بالعلوم الإنسانية. وخلال العشريتين الماضيتين، برز تراجع كبير في المبالغ المخصصة حكومياً للبحث العلمي بعيد المدى والمردود. وقد أدّى ذلك إلى بروز دور القطاع الخاص المالي والإنتاجي في تمويل البحوث العلمية. وكما تمت الإشارة إليه، فالتمويل الخاص، مهما كان منهمكاً في مسار المسؤولية الاجتماعية، إلا أنه، في نهاية المطاف، يسعى إلى تحقيق مردود مادي أولاً ومعنوي ثانياً من استثماره في مجالات العلوم كافة.

لقد تنبه الساسة الغربيون خصوصاً، في ظل أزمة الوباء المتفشّي، إلى النقص البنيوي في حقل البحوث الذي لطالما عرفت بلادهم بتقدّمها لصفوفه. وبدا من خلال مفاجأة وباء كورونا مدى الخسائر الإنسانية والاقتصادية الجمّة التي ستتأتّى عنه. وبعيداً عن أية نظرية فاشلة في إيجاد مؤامرة فيروسية محبوكة بطريقة بوليوودية، تناقلتها وسائل التواصل، ويصدقها بعضهم ويروّجونها، ستشكل هذه الأزمة منعطفاً تاريخياً يُعاد النظر من خلاله إلى أسس وممارسات رأسمالية عدة، اعتقد الليبراليون الحتميون بأفضليتها.

وإن فشلت سابقاً، على مستوى التطبيق، النظريات الاقتصادية والفلسفية المعادية للرأسمالية المتطرّفة في إيجاد بدائل إنسانية، ستنجح التجربة الوبائية، والتي نجمت وستنجم عنها خسائر بشرية ومادية فادحة، في دفع الجميع إلى إعادة تقييم الأداء في القطاع الصحي، كما البحثي. وسيُعاد النظر في تقليص دور الدولة الذي تبينت أهميته، وفضحت الأزمة هذه نقص الاعتماد عليه في السنوات الماضية، ففي القطاع الصحي، يلعب المال العام الدور الأساس في المحافظة على إنسانية رسالته. وفي القطاع البحثي، لا مفرّ من تعزيز دور المال العام في برامج البحوث الهادفة إلى إيجاد حلول مشتركة لجميع فئات البشر ومكوّناتهم.

العربي الجديد

——————-

كورونا .. مسافة أمان ضرورية/ المهدي مبروك

مع انتشار الوباء بشكل سريع ومريع، أصبح أحد الإجراءات الوقائية الأكثر رواجا بين الخلق هو مسافات الأمان التي يرسمها الأفراد كلما التقوا في فضاء واحد، وعلامات الذعر بادية على الجميع. لا أحد يحرص على الاقتراب من الآخر للسلام أو الكلام إلا لماماً. اختفت الحميمية والوشوشة والهمس حتى بين أعضاء الأسرة الواحدة. إذا دفعت الضرورة إلى مغادرة البيت، تحوط الجميع: إشارات وقفازات ومواد معقمة، وكثير من مشاعر الهلوسة التي تلازمهم حينا من الدهر.. طوابير يقف فيها الأفراد في سلاسل مفكّكة بينها مسافة. في المصانع والمعامل التي ظلت مفتوحة، على ندرتها، يزاول العمال أشغالهم متباعدين، أو يؤدّون ذلك من وراء حواسيب تعدّدت وظائفها بغير حساب.

جرت الأمور قبل ذلك في مفارقة شديدة التعقيد، غزيرة الدلالة. كان الترابط والتشابك قد رافقتهما حالة من “التجاسد”، أي اقتراب الأجساد من بعضها بعضا. مدارج الملاعب، قاعات المسارح، تظاهرات الاحتجاج وكرنفالات الفنون. انهارت المسافة ماديا ورمزيا بين الأفراد والجماعات، أجساد كتلة تتحرّك لا نميز بينها إلا بعسر. اخترعت البشرية التقنيات والتطبيقات والمنظومات الإعلامية المعقدة لتبين الأجساد عند الاقتضاء. ومع ذلك، صاحب ميلاد “الثقافة الجماهيرية” أو “مجتمعات الجماهير”، منذ الخمسينيات تقريبا، تفريد متسارع، أي مسارات تميز الفرد وإكسابه خصوصية جوهرية، يستحيل بعدها ردّه إلى تطابق مع الجماعة.

كانت المجتمعات، إلى وقت قصير، تتباهي بمكسبين وتفتخر بهما، حتى غدا ذلك علامة تجارية دالّة على امتلاك الحداثة والانتماء إليها، الدولة الوطنية والارتباط بالعالم في الوقت نفسه، من خلال الانخراط في الشبكات التي وفّرتها التقنيات: شبكات التواصل، شبكات الطرقات، شبكات التجارة، شبكات التعلم، إلخ. لم يعد من الممكن أن تنعزل المجتمعات، وقد صار العالم قرية، إلا إذا كان هذا الخيار عنادا، عادة ما تدفع الأنظمة والبلدان ثمنه باهظا، حيث يتم إخراجها من دائرة العالم وشبكاته، وتقدم كوريا الجنوبية حالة مثلى لهذا السلوك. لقد أصبحت المجتمعات مرتبطة ماديا ورمزيا، حتى غدت كيانات الانتماء الفردية والجماعية: دولة، قبيلة، أسرة، كلها تغدو لزجة ومائعة. انهارت الحدود وتكشفت أنسجة الشبكات التي تلفنا، فلا نستطيع النجاة من أحابيلها.

ظل وباء الكوليرا محصورا في قارة آسيا خلال كامل القرون الوسطى، ولم يصل إلى أوروبا إلا أواخر القرن التاسع عشر، وكان ذلك ناجما عن بطء حركة النقل بين الدول. وما أن تطورت وسائل النقل، حتى امتطت الفيروسات والجراثيم تلك البواخر والطائرات السريعة، وسبقت حركة الهواء وانشترت في أرجاء الكون. في العقود الأخيرة، استفادت الجراثيم والفيروسات من هذه القرية الكونية، وغدت أكبر مستثمر من إزالة الحدود، ولربما هي مدينة للمنظمة العالمية للتجارة في جهدها لإزالة الحدود تلك. ويجعلنا الدفع باتجاه هذه الفرضية قاب قوسين أو أدنى من أطروحة المؤامرة التي همست بها الصين، على خلفية توتر تجاري بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية.

ظلت الدولة لدى “العولميين” قمعية تحدٍّ، مهما كانت ليونتها، أما الحدود فكانت مرادفا لكراهية الأجانب. ينكر هؤلاء وجود مواطنين، وينشد هؤلاء تناسل أفراد متذرّرين يتجولون، من أجل اقتناء السلع والأفكار أيضا التي تنشد إفناء الدولة باعتبارها قيداً، غير أن فيروس كورونا داهمنا ودفعنا إلى الركض باتجاه أحضان الدولة الوطنية، بل ها هو يعيد حشرنا في مجموعاتٍ ضيقة، أهمها العائلة. وعرّى الفيروس هشاشة الأنظمة الصحية الوطنية، حتى داخل الدول التي كانت تفاخر بقدراتها العلمية والصحية والبحث العلمي، فقد تبين أن أنظمة التوقي والحذر والتخطيط واليقظة الاستراتيجية كلها تتهاوى أمام الفيروس، وقد غدا على كل شيءٍ قديرا.

هل نشهد “نهاية التاريخ” والعودة إلى ما قبله، حيث نركن إلى عهود حجرية، يكفّ فيها الإنسان من الاقتراب إلى شبيهه خوفا، وإذا ما تم تهديده، هرع إلى حضن أهله؟ تلك هي مسافة الأمان التي نعيد رسمها، وقد غدت الدولة الوطنية أمة منقذة.

تبدو العولمة المنتصرة هذه الأيام ذلولة، وفيروس كورونا يصيبها في مقتل، فلا ينجدها أحد. العلم عجز، الأمن أخفق، وكل الحيل انهارت. قد تجد البشرية علاجا في الأشهر المقبلة. ولكن مسافات الأمان ستكون ضرورية، حتى لا تعاد أخطاء العولمة القاتلة: محو الحدود، غطرسة رأس المال واستهتاره بالدولة الوطنية، علاوة على تدميره الطبيعة، والصراعات المدمّرة من أجل التسلح. مسافات الأمان ضرورة، حتى لا ترتطم البشرية برخام الألم القاتل.

العربي الجديد

——————–

كورونا.. أطروحتان في الفلسفة وفي الاقتصاد!/ علي عامر

(1) أطروحة في الفلسفة

مقدمّة نظريّة

ابتكر الاقتصادي، بول باران، مقولة الفائض، ومنها اشتق أفكاره حول القطاع الثالث. وجاء بول سويزي في أعماله المنفردة، أو أعماله المشتركة مع باران، مكمّلاً ومتمماً لتلك الأطروحة، مختلفاً معها في بعض الجزئيّات. سمير أمين كذلك لم يكن غائباً عن هذا النقاش، بل وقدّم إسهاماته وإضافاته.

تشرح مقولة الفائض، وهي مقولة اقتصاد – سياسيّة، في إطارها العام المستند على النقد الماركسي للاقتصاد السياسي، كيف ساهم تعاظم امتصاص فائض القيمة والربح المترافق مع تنامي المركزة والتركيز والاحتكار، في تطوير القطاع الثالث، حين عجز القطاعان؛ الأوّل المختص بإنتاج السلع الاستهلاكيّة، والثاني المختص بإنتاج السلع الرأسماليّة (السلع اللازمة لعمليّة الإنتاج)، عن استيعاب مزيد من الاستثمار، لعدم توفّر طلب فعّال كافٍ، أي لعدم توافر قدرة شرائيّة في السوق قادرة على استهلاك السلع الناتجة عن توسيع الاستثمار، ما يثبّط نمو القطاع الأوّل، الذي سيثبِّط بالضرورة نمو القطاع الثاني، الذي يرفد العمليّات الإنتاجيّة في الأوّل.

كان الحل بالنسبة للنظام الرأسمالي امتصاص هذا الفائض في قطاع ثالث غير إنتاجي، يتمركز في يد الدولة، توظفّه لتطوير المجالات غير الإنتاجيّة، مثل العسكر، والأمن، والإعلام، وغيرها.

تطوّر القطاع الثالث، ودوره في تطوير الإعلام، بالترافق مع نمو هيمنة الرأسمال المالي والصوري، شكلا الأساس المادي لنشوء عصر الصورة. كيف ذلك؟ ما العلاقة؟

تعتقد الماركسيّة أنّ البناء التحتي المتمثّل في التشكيلة الاقتصاديّة الاجتماعيّة، ومستوى تطوّر وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج، يشكّلان الأساس الذي يحدد البناء الفوقي المتمثّل بالثقافة والفكر والفن والدين والحق والفلسفة، وأنّ البناء الفوقي ليس مجرّد انعكاس، بل يؤثّر بدوره ويساهم في تغيير البناء التحتي. فإذا نما القطاع المالي في البناء التحتي، إذا ما اشتدت هيمنة الرأسمال المالي (الرأسمال الربوي غير المنتج) على الرأسمال الحقيقي (الصناعة والزراعة)، انعكس ذلك في عقول البشر جميعاً – آخذاً بعين الاعتبار الطبيعة المعولمة للاقتصاد السياسي – على شكل هيمنة للصورة على الواقع. إذا ما هيمن القطاع الافتراضي على الحقيقي في البناء التحتي، انعكس ذلك في هيمنة العوالم الافتراضيّة على العالم الحقيقي في عقول البشر، وبالتالي في أنماط سلوكهم وحياتهم. ومن هنا لاقى ظهور وسائل التواصل الاجتماعي رواجاً سريعاً ومعولماً عند بني البشر، حيث شكلّت العوالم الافتراضيّة تناغماً أيديولوجيّاً مع الواقع الاقتصادي الجديد لحياتنا. كما شكّل هذا الوضع أساساً لنمو مجموعة من الأبحاث الفلسفيّة، التي تعالج قضيّة هيمنة الصورة، والافتراض على الحقيقة والواقع، منها: المصطنع والاصطناع لجان بودريار، وكتاب مجتمع الاستعراض لغي ديبور، وكتاب الرمز والسلطة لبيير بورديو.

كورونا وصورة كورونا، كورونا والذعر منه!

في مقال للفيلسوف الإيطالي، جورجيو أغامبين[1]، يشير إلى التناقض بين بيان المجلس القومي الإيطالي للبحوث NRC، الذي ينفي وجود وباء كورونا في إيطاليا، ويخفف من خطورة المرض وأعراضه من جهة، ودور السلطات الرسميّة والإعلام في خلق حالة ذعر في إيطاليا وفي العالم، بحيث وخلال فترة قصيرة جداً، نجح الذعر متعاضداً مع التدبيرات الحكوميّة (الإغلاقات والحجر وتعليق الحياة اليومية) في تخليق تغيّرات جذريّة على أنماط حياة ملايين من البشر حول الكوكب. وينظر أغامبين إلى هذه التناقض، من خلال سياق سلطوي مستمر، يحاول تعزيز حالات الاستثناء والطوارئ، ودفعها من هامش الاستثناء إلى مركز العادي واليومي، شارحاً علاقة ذلك بتبرير العسكرة، فالاشتباه في حالة واحدة موجودة في مبنى ضخم، كفيلة بتوفير كافّة التبريرات لأذرع الدولة لأمننة البناء وعسكرته، آخذاً بعين الاعتبار الطبيعة المعولمة لانتشار المرض، ونشر الذعر، والتدابير الوقائيّة والعلاجيّة، فنحن نتحدث إذاً عن تعميق مستويات أمننة حياة البشر وعسكرتها، بعد أن فقد الإرهاب قدرته على تخليق الذعر المعولم، ومنح التبريرات الكافية للقبول بكل أشكال تقييد الحريّة والرقابة والضبط والسيطرة. يمكن وصف الحالة على أنّها مقايضة بين الأنظمة والشعوب، إذ توفّر الأنظمة السلامة، وتصادر مقابلها الحريّات. ولتقديم عروض السلامة تضطر الدولة دائماً إلى اصطناع الخوف والذعر.

يمكن أن نحاول قراءة أطروحة أغامبين وتصوّره، من خلال عدّة مناظير، أو باراديغمات نظريّة مختلفة.

فإذا ما استعرنا باراديغم ميشيل فوكو[2]، الذي سبر آليّات السلطة لتعزيز الضبط والرقابة، وتعميق أنظمة التأديب والإخضاع ضد الشعوب، والتي تأتي على شكل ممارسات فيزيائيّة، مثل العسكرة، والأمن، والسجون، والإبادة، وممارسات أيديولوجيّة بأدوات مختلفة، مثل الإعلام، والكتابة، والسينما، والتعليم الرسمي، والتي تساهم في إعادة إنتاج الجماهير المنضطبة والخاضعة، بل تصل إلى مستوى استعمار اللاوعي الفردي والجماعي، بحيث يذهب الفرد، أو الجماعة، نحو الخضوع والانضباط بكامل إرادته ورغبته، بعد إخضاع إرادة الأفراد الأصيلة بالحريّة والانعتاق لمجموعة معقدة من عمليات التزييف والتزوير؛ يمكن النظر من خلال هذا الباراديغم إلى تعظيم الذعر من كورونا على أنّه محاولة سلطوية لإعادة إنتاج وعي – ولا وعي خائف يرتمي في حضن الأنظمة مستجدياً الحماية الصحيّة والجسديّة.

نرى ضرورة فهم أطروحات ميشيل فوكو حول هيمنة السلطة الأيديولوجيّة، وأطروحة غامبين حول حالة الاستثناء[3]، وتطبيقاتها في معالجة ظاهرة كورونا، من خلال المقدمّة النظريّة لهذه المقال. باختصار شديد: تطوّر الاحتكار والتمركز أدّى إلى تطوّر الفائض الذي أدّى إلى تطوّر القطاع الثالث، الذي منح الدولة قدرات وموارد أعلى لإعادة إنتاج الهيمنة الاجتماعيّة، كما رآها فوكو، وتعميق حالة الاستثناء ودفعها من الهامش إلى المركز اليومي والعادي، كما رآها أغامبين. ومن الجهة الثانية، ما كانت الفجوة بين الذعر من كورونا، وحقيقة المرض وآثاره، لتكون بهذا الحجم الفائق، قبل أن نلج في عصر الصورة وموت الواقع، وانتقال مصدر الحقيقة من الواقع إلى الصورة، فالذعر صنع الإعلام، أي الصورة، وهو يتفوّق بمستويات عالية جداً عن ظاهرة كورونا، كما هي على أرض الواقع، كمرض ذي أعراض متوسّطة، لا تزيد أعداد ضحاياه خلال عدّة أشهر عن عدّة آلاف على مستوى كوكب الأرض، وهذا رقم بسيط جداً.

يتوقّع هذا الإطار النظري أن تساهم الأزمة البيولوجيّة المعولمة “كورونا” في تعزيز التدابير الأمنية والتفتيشيّة والرقابيّة، وتقييد الحركة والحريّات، ودفعها إلى مستويات تفوق تلك المستويات التي تبعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر. كما يتوقّع إعادة إنتاج شرعيّة الأنظمة المحليّة المهترئة وشرعية النظام العالمي، تلك الشرعية التي تزعزعت تحت وقع سلسلة من الاحتجاجات والاضرابات والمسيرات والحراكات منذ انفجار الأزمة الماليّة العالميّة لعام 2008. ويتوقّع أخيراً أن تساهم هذه الأزمة في تعميق الخوف الفردي والجماعي، وتطفيل البشريّة (من طفل) في محاولة لتشكيل أيديولوجيا تخترق الفرد والجماعات، والوعي واللاوعي، مفادها أنّ الطريق الوحيد لحماية الجسد والصحّة هو الاتباع الحريص لتعليمات النظام!

قبل أن ننتقل إلى الجزء الثاني من المقال، دعونا نرمي البصر من منظور جدلي آخر: نمو الاحتكار والتمركز يزيد من حدّة الاحتراب القومي والطبقي، لذلك تلجأ الشركات الاحتكاريّة الكبرى إلى توظيف أجهزة الدولة في فرض الهيمنة الفيزيائية والأيديولوجيّة على الشعوب، كحرب استباقيّة من القلّة ضد أغلبيّة سكّان الكوكب، لنزع فتيل أي حراك ثوري قبل أن يبدأ. وكلما زاد ضبط الدول للشعوب، زادت تكاليف الضبط، فزاد الإفقار والجوع والبطالة، فعاد الفتيل الثوري يلعلع في صدور الغلابة، وهكذا في دائرة طويلة لا تنتهي إلّا بالخروج من الرأسماليّة.

(2) أطروحة في الاقتصاد

كورونا؛ اللاعب الاقتصادي الجديد

تنبأ نورييل روبيني في العام الماضي[4]، بأزوف ركود عالمي عظيم في عام 2020. وتنال تنبؤات ودراسات روبيني اهتماماً ملحوظاً من الاقتصاديين ودوائر صنع القرار العالميّة، وذلك بعد الصيت الذي حازه إثر نجاحه في التنبؤ الدقيق بالأزمة الماليّة العالميّة لعام 2008. يعاضد هذا التنبؤ حشد كبير من الاقتصاديين والباحثين، ومنهم طلال أبو غزالة، عبر سلسلة لقاءات على فضائيّة روسيا اليوم، وخاصّة لقاءه في التاسع عشر من كانون الثاني/يناير الماضي[5]. يتزامن انتشار الوباء أيضاً مع وصول الحرب التجاريّة السياسيّة بين الولايات المتحدة الأميركيّة والصين مستويات جديدة في العام الماضي؛ اندلاع أزمة هاواوي والجيل الخامس، والصراع الدبلوماسي الحقوقي على القوانين العالميّة التي تنظم الحقوق الملكيّة والفكريّة وبراءات الاختراع، والحروب الاقتصاديّة والتجاريّة المختلفة بين الدولتين، أو ربما بين محورين معولمين.

ضمن تلك المعطيّات، أدّى ظهور وباء كورونا، في عام 2020، إلى فتح الباب على أطروحات عدة تعاملت معه على أنّه وباء تم اختلاقه وتصنيعه في مختبرات بشريّة.

في الأطروحة الأولى، تم اتهام أجهزة المخابرات السريّة للولايات المتحدة بتصنيع هذا الوباء ونشره، كجزء من الحرب النفسيّة والاقتصاديّة على الصين، وتداول بعض السياسيين والكتاب هذه الأطروحة.

فصباح العكيلي، محلل سياسي عراقي، ظهر في الخامس من شباط/فبراير لهذا العام، في مقابلة على فضائيّة الاتجاه، معلناً أنّ فيروس كورونا هو حرب بيولوجيّة أميركيّة ضد الصين، وتم نشره بذبابات إلكترونية، نشرتها السلطات الرسميّة الأميركيّة في الصين عام 2015. أمّا سعود الشهري[6]، فيدّعي أنّ كورونا مخطط ماكر يهدف إلى التحصيل المادي لا غير، لذلك سيستهدف الفيروس الدول الغنيّة فقط، تلك التي تستطيع شراء اللقاح. تبع حسين صقر هذه الموجة، معتقداً أنّ وباء كورونا هو جزء من حرب تجاريّة بيولوجيّة نفسيّة توجهها الولايات المتحدة ضد الصين، ويرى أنّها امتداد لتاريخ من الحروب البيولوجيّة المصطنعة، مثل إيبولا، وزيكا، وسارس، وإنفلونزا الخنازير وإنفلونزا الطيور، والجمرة الخبيثة، وجنون البقر، التي تمثّل سلسلة من المؤامرات التي حبكتها الولايات المتحدة لتهديد وإبادة البشر[7].

تكتسب هذه الفرضيّات المؤامرتيّة مبررها من حقيقة أنّ اقتصاد الصين قائم في جزء كبير منه على التبادل الخارجي، وأنّ الصين دولة ذات التعداد السكاني الأعلى، وبالتالي فإنّ زرع فيروس في أحد مناطقها سيقود بالضرورة إلى الانتشار في كل أنحاء الصين بسبب الكثافة، كما أنّ الذعر العالمي من الوباء سيشكّل صدمة قويّة لاقتصاد قائم بالأساس على التبادل مع العالم الخارجي.

الأطروحة الثانية تعتقد أنّ وباء كورونا انتشر من مختبر عسكري بيولوجي صيني سرّي، إذ يشير د. إيرام رزفي إلى مجموعة من الصحف العالميّة[8]، التي حاولت ربط فيروس كورونا بمختبر عسكري صيني سرّي[9]. ويعتقد د. رزفي بإمكانيّة انخراط معهد ووهان للعلم الفيروسي في أبحاث عسكريّة تطبيقيّة لفيروس كورونا، مشكلاً مصدر انتشار المرض نتيجة خطأ بشري/ أو نظامي.

كما من الممكن إحالة الوباء إلى مخطط حاكته النخبة العالميّة – الأوليغارشيّة، التي تهيمن على اقتصاديّات العالم، في محاولة منها لتجنّب انفجار اقتصادي مالي محتوم في عام 2020، عبر تثبيط الاقتصاد العالمي، ما يسهّل إدارته وإعادة هيكلته، باحتواء الأزمة قبل اندلاعها، خاصّة أنّ مثل هذا الوباء، بقدرته على العدوى السريعة، سيمنع التجمهر والاحتجاجات الجماهيريّة الضخمة والمليونيّة، كتلك التي جابت ميادين العالم الرئيسيّة في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.

ويمكن القول إنّ كورونا كان جزءاً من خطّة موجهة انحرفت عن مسارها، فارتدت على الدولة التي هندستها، أو انتشرت خارج حدود الدولة الهدف.

على كل حال، لا يمكن التنبؤ أبداً بالتبعات الاقتصاديّة في ظل المعطيات الحاليّة التي تتغيّر تغيراً ديناميكيّاً، كما لا يمكن الوصول إلى براهين عينيّة تثبت نظريّة المؤامرة، أو تنفيها. علماً أنّه في حال التسليم بنظريّة المؤامرة، فإنّ الجهة التي صممت الفيروس ليست بالضرورة هي الجهة الأكثر استفادة من هذه الأزمة البيولوجيّة المعولمة، كما أنّها ليست بالضرورة في وقاية شاملة منه، ولا توجد أيّ ضمانات بأن تكون النتائج والتبعات في تطابق مع المخططات والغايات. الأزمات العالميّة هي أزمات من جهة، وهي فرص من جهة ثانية، يستطيع من خلالها الأقدر، والأقوى، والأكبر، والأسرع، والأذكى، تعزيز مواقعه العالميّة، أكان حديثنا على مستوى تنافس داخل اقتصاد محلي، أم على مستوى إعادة اقتسام أسواق العالم. وفي كل الحالات، فإنّ مثل هذه الأزمات المعولمة عادةً ما تعيد إنتاج النظام الرأسمالي، مع تعميق الفجوات الطبقيّة والقوميّة، وتعزيز التمركز والاحتكار، وتقليص أعداد الطبقات الوسطى، وخروج المنافسين الأضعف من السوق، وارتفاع البطالة، وتعاظم الفقر والجوع، ما لم تتوافر الشروط الذاتيّة القادرة على استثمار هذه الأزمات، لبناء وتعزيز الاحتجاجات الاجتماعيّة ضد النظام الرأسمالي المعولم، في لحظة أراد سلافوي جيجك[10] اعتبارها لحظة شيوعيّة عالمية، وذلك في مقال له بعنوان: “نهاية العالم كما نعرفه”، حيث يستبصر فيه أنّه وبالرغم من قدرة فيروس الوباء العالمي على تظهير الفيروسات الأيديولوجيّة الكامنة في مجتمعاتنا، مثل العنصريّة والارتياب والذعر، ونظريّات المؤامرة، والإشاعات المغرضة، فإنّ قدرته على تهديدنا جميعاً كبشر، يمكن النظر لها كأرضيّة مهمة لإعادة الاعتبار للنضال الشيوعي الأممي، وتوحيد نضالات البشر ضد النظام الرأسمالي العالمي، مع تجنّب المحاولات السلفيّة لاستعادة النموذج الشيوعي السابق كما هو.

لننزل من سماء النظريّات والمؤامرة والذعر والارتياب والضبط والسيطرة إلى الأرض.

يعالج بين هيللر[11] ظاهرة الوباء، بمنطق أكثر عمليّة وأبسط، فهو يرى أنّ محاولات التخفيف من وطأة الوباء، عبر إبراز انخفاض نسب العدوى والوفاة، مقارنة بأمراض أخرى، مثل الإيدز، والانتحار، أو مقارنة أعراض الوباء الجديد بأعراض الإنفلونزا العاديّة، هي محاولات يقودها اليمين العالمي، مثل نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، الذي يعتبر أحد دعاة مكافحة التهويل عندما يتعلّق الأمر بأزمات الصحة العامّة. كتب بنس في خضم ترشحه للكونغرس عام 2000: “بالرغم من هستيريا الطبقة السياسيّة والإعلام، فالتدخين لا يقتل!”. وأضاف: “التغيّر المناخي العالمي أسطورة” و”انبعاثات ثاني أكسيد الكربون تحدث بشكل تلقائي في الطبيعة”.

وفي تعليله لميل اليمين العالمي إلى مكافحة التهويل تجاه الأوبئة والكوارث، يرى هيللر أنّها ليست إلّا محاولة للإفلات من التكاليف الاقتصاديّة التي ستقع على كاهل الحكومة، فهي مساومة إذاً بين نفقات الحكومات من جهة، وحياة البشر وصحتهم الجسديّة من جهة ثانية.

*****

على الصعيد الشخصي، سألتزم الحذر، وألتزم بالتدابير والتعليمات الطبيّة والصحيّة، وسأقاوم الخوف والذعر، وسأُبقي عيني وأذني مفتوحة على وسعها.

* كاتب فلسطيني من نابلس.

هوامش:

[1] Agamben, Giorgio. 26, Feb, 2020. The state of exception provoked by an unmotivated emergency. Translated by: positions. http://positionswebsite.org/giorgio-agamben-the-state-of-exception-provoked-by-an-unmotivated-emergency/?fbclid=IwAR15Gm9QVWgy4EXVfkyaj6DFk2w-8g_tAVZ_dKuZaX8xTjcBAKrTkdQKoXc

 [2] فوكو، ميشيل. 1994. المعرفة والسلطة. ترجمة: عبد العزيز العيادي. المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت، لبنان.

[3] أغامبين، جورجيو. يناير 2015. حالة الاستثناء؛ الإنسان الحرام. ترجمة: د. ناصر إسماعيل. مدارات للأبحاث والنشر.

[4] روبيني، نورييل. 6/10/2019. تشريح الركود القادم. ترجمة علي عامر. الحوار المتمدن. http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=651637

[5] أبو غزالة، طلال. 19/1/2020. الحلقة الأولى من برنامج: “العالم إلى أين؟”. روسيا اليوم. https://www.youtube.com/watch?v=qheYyqOnePE

[6] الشهري، سعود. 2/2/2020. كورونا أكذوبة القرن. الوطن. https://www.alwatan.com.sa/article/1035474/-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8/%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D8%A3%D9%83%D8%B0%D9%88%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%86

[7] صقر، حسين. 3/2/2020. صحيفة الثورة السوريّة اليوميّة.

[8] Washington Times, New York Post, Wion, Asia Times, etc.

[9] Rizvi, Iram. 4, March, 2020. Is Corona Virus’s Outbreak linked to modern day biological Warfare. The policy times. https://thepolicytimes.com/is-corona-virus-outbreak-linked-to-modern-day-biological-warfare/

[10] Zizek, Slavoj. 12/2/2020. The End of the World as We Know it. WELT. https://www.welt.de/kultur/article206269547/Corona-Epidemic-The-End-of-the-World-As-We-Know-It.html

[11] Hillier, Ben. 2, March, 2020. Coronavirus: a disaster of capitalism’s making. Red Flag.

ضفة ثالث

—————–

“كورونا”في العالم العربي: المرحلة الثالثة.. والفيروس يدخل غزة

حذر منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في فلسطين، جيمي ماكغولدريك، من أن وصول فيروس “كورونا” إلى قطاع غزة “قد يكون مخيفا نتيجة الاكتظاظ السكاني ومحدودية النظام الصحي”.

وقال ماكغولدريك، في تصريح: “إننا قلقون حاليا في ما يتعلق بغزة، إنها منطقة معقدة، بسبب الحصار طويل الأمد والقيود المفروضة التي تصعّب الأمور”.

واعتبر أن وصول الفيروس إلى القطاع سيحوله إلى “ما يشبه الحاضنة عندما يعلق الناس ضمن منطقة مكتظة بالسكان”.

وتابع: “النظام الصحي يعاني من نقص في التمويل وشح في الموارد والأجهزة، كما أن مسيرات العودة قد وضعت عبئاً كبيراً على القطاع الصحي الضعيف أصلا”.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، الأحد، عن اكتشاف أول إصابتين، بفيروس كورونا في قطاع غزة، لحالتين قدمتا من باكستان الأسبوع الماضي.

وقال وكيل الوزارة، يوسف أبو الريش، إن المصابيَن يتواجدان في مركز للحجر الصحي، في مدينة رفح (جنوب) منذ عودتهما الخميس، ولم يدخلا قطاع غزة.

وأعلنت وزارة الصحة السعودية تسجيل 48 إصابة جديدة بكورونا، ليرتفع العدد الإجمالي في المملكة إلى 392، حسب ما أفادت به الوكالة الرسمية (واس).

وقامت الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي برفع السجاد من الحرمين الشريفين، وذلك ضمن خططها الاحترازية لمنع وصول فيروس كورونا الجديد إلى المسجد الحرام والمسجد النبوي.

وفي الإمارات أفادت السلطات الصحية بتسجيل 13 إصابة جديدة بكورونا ليصل إجمالي الإصابات إلى 153.

وفي الدوحة أعلنت وزارة الصحة العامة القطرية تسجيل 11 إصابة جديدة بكورونا ليرتفع الإجمالي إلى 481.

وفي الكويت، فرضت السلطات حظراً جزئياً للتجوال من الخامسة عصراً إلى الرابعة فجراً، فيما أعلنت وزارة الصحة أن إجمالي الإصابات بفيروس كورونا في البلاد وصل إلى 188 حالة، معلنة أنها ستتخذ الكثير من القرارات الجريئة للحد من الفيروس.

وأعلنت وزارة الصحة العمانية، الأحد، عن تسجيل 3 حالات إصابة جديدة بالفيروس لمواطنين مرتبطين بالمخالطة لقريب مصاب عائد من السفر إلى إحدى دول الخليج.

أما في العراق فأعلنت قيادة شرطة النجف، عدم استقبال زوار من أنحاء العراق، لإحياء ذكرى المبعث النبوي التي تصادف الأحد في المحافظة، جراء مخاوف من تفشي فيروس كورونا.

وحتى الأحد، سجل العراق 233 إصابة مؤكدة بفيروس كورونا منذ ظهور أول حالة في 24 شباط/ فبراير، بينها 20 وفاة، و53 حالة تعافٍ.

وفي سوريا، لا يزال النظام السوري متستراً على وجود أي اصابات بالفيروس، وقال وزير الصحة التابع للنظام نزار يازجي أن نتائج جميع الاختبارات التي أجرتها مختبرات الصحة العامة حتى هذه اللحظة كانت سلبية ولم تسجل أي إصابة.

وأعلنت وزارة الصحة المصرية، السبت، تسجيل حالتَي وفاة و9 إصابات جديدة بفيروس كورونا.

وأوضحت الوزارة في بيان، أنه بهذه الحصيلة الجديدة يرتفع إجمالي مصابي كورونا في البلاد إلى 294، توُفّي منهم 10، فيما تماثل للشفاء 41.

وفي الجزائر، أعلنت السلطات أن هناك ارتفاعا في عدد الإصابات بالفيروس، وانتشارا في أكثر من 17 ولاية من بين 48، فيما دخلت البلاد المرحلة الثالثة من تفشي الفيروس، وأعلنت وزارة الصحة الجزائرية عن 139 إصابة مؤكدة بالفيروس، بينها 15 وفاة.

والمرحلة الثالثة في انتشار فيروس كورونا وفق منظمة الصحة العالمية، هي ما قبل الأخيرة، وتعني اتساع رقعة انتشاره في البلاد بشكل يستدعي إجراءات مشددة، مثل الحجر الصحي العام.

وفي تونس، إرتفع عدد الوفيات إلى ثلاث بسبب “كورونا”، وأكدت السلطات أن المرحلة صعبة والجهود المبذولة لمنع تفشي الفيروس كبيرة.

—————————-

كورونا إيران:هل سرب الاميركيون فيروساً خاصاً بالجينات الإيرانية؟

قال المرشد الإيراني علي خامنئي الأحد، إن عرض الولايات المتحدة لمساعدة إيران في مكافحة وباء فيروس كورونا المستجد “أمر غريب”.

وأضاف في خطاب بثه التلفزيون الرسمي لمناسبة العام الإيرانية الجديد، أن “الأميركيين عرضوا مرات عديدة مساعدة إيران على احتواء الفيروس. وبخلاف حقيقة أن هناك شكوكاً أن أميركا هي التي أوجدت هذا الفيروس… فعرضهم غريب بالنظر إلى أنهم يواجهون نقصاً في سبل مكافحتهم للفيروس”.

وتابع: “إيران لديها القدرة على تخطي أي أزمة بما يشمل تفشي كورونا”. وخاطب الإدارة الأميركية قائلاً: “أنتم متهمون بإنتاج هذا الفيروس، لا أعلم مدى حقيقة هذا الاتهام، وفي حال صحة ذلك فهل هناك عاقل يطلب منكم المساعدة؟ لن يثق أحد بكم ليتلقى مساعداتكم، لأن الأدوية التي سترسلونها يمكن أن تكون ملوثة بفيروس يبقى دائماً”.

واتهم خامنئي واشنطن بإنتاج “فيروس خاص لإيران” قائلاً: “قيل لنا إن جزءاً من الفيروس صنع خصيصاً لإيران بناء على جينات إيرانية”، مضيفاً أن الهدف من إرسال أطباء أميركيين “ربما يكون استكمال المعلومات ومشاهدة الآثار التخريبية للفيروس الذي أنتجوه”.

وتعاني إيران من صعوبات في مواجهة كورونا، خصوصا على صعيد شح الإمكانيات والمستلزمات الطبية والصحية، وتعزوها إلى العقوبات الأميركية المفروضة عليها. وأعلن المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية كيانوش جهانبور الأحد، تسجيل 129 حالة وفاة جديدة، و1028 إصابة جديدة بفيروس كورونا خلال الساعات ال24 الأخيرة.

وبذلك يرتفع إجمالي عدد الوفيات بالفيروس في إيران إلى 1685، وإجمالي عدد المصابين إلى 21638، فضلا عن تعافي 7913 شخصاً. وتصدرت محافظة طهران، قائمة الإصابات الجديدة بتسجيل 249 مصاباً جديداً، تلتها محافظة أصفهان بـ8، ثم محافظة يزد ب82 إصابة جديدة.

وعزا رئيس منظمة الأغذية والأدوية الإيرانية، محمد رضا شانة ساز سبب تراجع وفيات كورونا خلال اليومين الأخيرين، إلى تغيير بروتوكول علاج المصابين، مشيرا إلى إستبدال أدوية بأخرى خلال الأيام الأخيرة. وأضاف أنه “في حال لم يكن المصاب بكورونا يعاني من أمراض أخرى قبل الإصابة، وتم تحديد إصابته بالفيروس سريعاً، فلا يمكن أن يفقد حياته”.

وفيما راجت السبت، أنباء عن إنتاج إيران لدواء لعلاج فيروس كورونا، نفى رئيس منظمة الأغذية والأدوية صحة ذلك، وقال لوكالة “إيسنا”: “لا نحن ولا أي دولة في العالم نمتلك أي دواء مؤكد لعلاج كورونا. الدواء المستخدم هو نفسه المتوفر في العالم، والمواد الأولية لهذا الدواء بدأت تدخل البلاد، ومن المقرر إنتاجه من قبل إحدى الشركات المتخصصة في مجال إنتاج الأدوية المستخدمة ضد الفيروسات، وتوزيعه في الأسواق يستغرق من ثلاثة إلى عشرة أيام بعد استيراد المواد الأولية”.

من جهته، أعلن وزير الصحة سعيد نمكي أن مشروع المسح الطبي في مواجهة كورونا شمل حتى اليوم 32 مليوناً و792 ألف شخص، مشيراً إلى استدعاء 145 ألف شخص منهم إلى المراكز الصحية لفحص حالاتهم الصحية بشكل أدق، وإحالة عدد منهم إلى المستشفيات. وأضاف أن “الوضع أصبح أفضل من قبل بكثير، وأوضاع بعض المحافظات باتت أكثر استقراراً”.

لكن التحسن هذا لم ينعكس على سجون إيران. وشهدت سجون عديدة أعمال شغب، واحتجاجات من قبل السجناء، خوفاً من وصول فيروس كورونا. وأكد موقع “إيران إنترناشونال” أن تفشي المرض بشكل كبير في جميع أنحاء المدن الإيرانية، زاد من قلق السجناء وأسرهم مما دفع بعضهم للهرب.

ففي الساعات الماضية، وقعت اشتباكات في سجن بارسيلون في مدينة خرم آباد، غربي إيران، ما أسفر عن مقتل سجين واحد على الأقل على يد ضباط السجن، وهروب نحو 23 سجيناً، وفقاً لبيانات الحكومة، كما وقعت أعمال شغب داخل سجن مدينة أليغودرز في المحافظة نفسها.

وأكد حميد كشكولي، قائمقام سجن أليغودرز إن احتجاجات السجناء تحت السيطرة، وأن ما حدث خطوة غير قانونية أثارت مخاوف المواطنين.

تأتي هذه الاحداث بعد أيام من إعلان المتحدث باسم السلطة القضائية في إيران أن خامنئي سيعفو عن حوالي 10 آلاف سجين، بينهم سجناء سياسيون، بمناسبة العام الإيراني الجديد. وكانت إيران أعطت إجازة لأكثر من 70 ألف سجين خوفاً من تفشي فيروس كورونا داخل السجون.

——————-

كورونا… المستقبل يبدأ الآن/ أحمد ناجي

 الماضي الذي نعرفه انتهى ولن يعود، والمستقبل يتشكل الآن. مثلما نؤرخ للعالم بما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها، سيشكل انتشار وباء الكورونا انحناءة حادة في مسار التاريخ، لا نعلم هل ستكون قفزة للأمام، أم سقوطاً للأسفل.

أعادتنا الكورونا للحظة قديمة، وفي الوقت ذاته وضعتنا في قلب تحديات المستقبل.

اللحظة القديمة تنتمي لإنسان ما قبل الحرب العالمية الثانية، حيث الأوبئة والأمراض الفتاكة، والإنسانية التي تحبو لفهم عالمها. بعد الحرب العالمية الثانية تشكل عالم جديد ينهض على عمودين؛ الأول هو ما عرف بميثاق حقوق الإنسان، كدستور ومرجعية أخلاقية لتصرفات الأفراد والمؤسسات. والثاني السيادة المطلقة للعلم كسلاح النصر، الذي جلب القنبلة الذرية وأوصل الإنسان إلى الفضاء.

لأكثر من نصف قرن عشنا في هذا العالم وبتلك القواعد، يتنافس على السيادة معسكر شرقي ومعسكر غربي. ثم انتصر المعسكر الغربي، وبسطت الليبرالية هيمنتها، فوقفنا في الصحراء العارية متوهمين أننا على متن السفينة تايتانك، نستمتع بحقوقنا “الأساسية” وحريتنا “الفردية”، نلتقط السيلفي وننظر لصورنا المعالجة بعشرات الفلاتر كأنها حقيقة وجودنا.

نزعتنا “الكورونا” من كل هذا، لتضعنا في ما تسميه الحكومات الآن بحالة الطوارئ، وبلغة الفلاسفة “حالة الاستثناء”. حيث تُعطل القوانين الطبيعية، وتُنزع الحريات الأساسية مهما كانت قدسيتها. فملايين البشر ليس لديهم الحق في الحركة أو مغادرة منازلهم، كذلك الحق في الاجتماع والتنظيم، بل يمتد الاستثناء إلى حق الملكية المقدس في محراب الليبرالية. فإسبانيا أممت عدداً من المستشفيات الخاصة للصالح العام، والدول الرأسمالية العتيدة تعرف أنها تتجه نحو هذا المسار، فتحاول تأجيله بتدخلات محدودة في السوق، من قبيل تخفيض أسعار المحروقات، أو حزم دعم عيني ومادي للصناعات الصغيرة والمتوسطة. كلها حلول مسكنة تصلح لأسبوعين أو شهر على أقصى تقدير.

يخبرنا ترامب أكثر الحكام الوحوش تفاؤلاً بأن الأزمة قد تستمر حتى شهر أغسطس، بينما ماما ميركل المعروفة بصرامتها صرحت بأن الأمر سيستغرق عاماً. وبالتالي فما نشهده الآن لن يكون “حالة استثناء” بل مرشح للاستمرار شهور وربما أكثر من عام. الدكتور “ايزيكل مانويل” أستاذ سياسات الصحة العام وفريقه من جامعة “بنسلفانيا” نشروا مقال في “النيويورك تايمز”  تحدثوا فيه أن الأمر ليس موجة وستعبر، والحجر الصحي الذي دخله العالم لمدة أسبوعين حالياً، قد يجعل بالفعل أرقام الاصابات تنخفض مؤقتا، لكن سترتفع وسنعود لمنازلنا مرة آخرى، وهكذا في موجات كل الغرض منها تقليل سرعة انتشار الفيروس حتى الوصول إلى لقاح وتجريبه والتأكد من فعاليته.

هذا الوضع الفريد، سيجبر المجتمعات الانسانية والدول والحكومات على تعديل سياستها، بل وإعادة برمجة البشر بقيم ومعايير جديدة، تشمل وداع ثقافة السلام بالأيدي والأحضان، العودة إلى استعمال البلاستيك، العمل من المنزل، التدريس عن بعد، الاعتماد على الفيسبوك والشبكات الاجتماعية في التواصل بين البشر.

ينتظر البشر العودة لحياتهم الطبيعة، لكن ما من عودة. فحتى بعد السيطرة على الوباء ستكون ثقافة العمل والتدريس والعلاقات الاجتماعية قد تغيرت تماماً.

إذا انتهى هذا الفصل الدراسي والجامعات والمدارس تعتمد على التدريس عن بعد، فبالتأكيد سيتجه المزيد من الطلبة إلى التعليم عن بعد في المستقبل وستتوسع الجامعات في هذه الاستراتيجة موفرة كل مصاريف المباني وقاعات المحاضرات وغيرها. كذلك في ثقافة العمل، يشكو ملايين البشر حالياً من عملهم من المنزل، لكن إذا تجاوزنا هذه الأزمة وبينما يستمر العمل، فسيكون السؤال لماذا نذهب إلى مكاتبنا بالأساس، بينما كل ما نفعله في المكتب هو ارسال الايميلات والرد على ايميلات ثم مناقشة ما هو في الايميلات في اجتماعات.

أما التحدي الأكبر فيقبع في قلب العملية السياسية، فما نشهده ليس حرباً بين العلم والفيروس. وعلى عكس ما يتم ترويجه ليس العلم بحيادي، بل هو منتج من منتجات الظرف السياسي لكل بلد. ونظرة سريعة حولنا يمكن أن نشاهد كيف تتجه كل دولة (على الأقل الدول الكبرى) لانماط علاجية مختلفة للتعامل مع الفيروس بما يتناسب مع شرطها السياسي. فخطة الصين التي اعتمدت على العزل وحصار مدينة ومقاطعة كاملة، رفضتها كوريا الجنوبية، واعتبروها لا تتانسب مع تقاليد الجمهورية الديموقراطية، وبدلا منها اعتمدوا على خطة أساسها أولوية حياة البشر ومكافحة المرض بغض النظر عن التكلفة الاقتصادية، فشملت الخطة استخدام كل التكنولوجيا المتاحة خصوصا ما يعرف “Big data” لحصار المرض، ففور الكشف عن حالة ما يتم تحليل كل معلوماته الشخصية والأماكن التي زارها من خلال هاتفها، وبالتالي الوصول لكل من كانوا في المكان ومراجعة حالتهم. وفي الوقت ذاته التوسع في إجراء اختبارات الكشف عن الفيروس لكل الحالات المشتبه فيها. كوريا الجنوبية هي أكثر دولة في العالم أجرت اختبارات فحص، ولذا فلم تشمل خطتهم قرارات بالعزل أو الحجر الصحي لمدن كاملة. على الجانب الآخر فدول مثل أميركا وأوروبا فرضت الحجر الصحي على الجميع ليس فقط لأنه الخيار العلمي للوقاية بل ببساطة لأنه الخيار الأقل من ناحية التكلفة الاقتصادية، وذلك بعدما تأخروا لأسابيع في اتخاذ التدابير الصحية اللازمة وإعلان الطوارئ خوفا على انهيار الأسواق التي انهارت بالفعل.

تحت حالة الاستثناء لا تمتلك المعارضة السياسية، ولا الجماهير مناقشة القرارات السياسية. فكل قرار سياسي يٌقدّم على أنه “رأي العلم”. أي محاولة للاختلاف والاعتراض تصبح خروجاً عن الإجماع الوطني في مواجهة الطاعون، مخاطرة تعرض حياتك وحياة الملايين للموت. أي قرار سياسي خطأ من قبل القيادات يصبح “فعلنا ما بوسعنا في إطار الإمكانيات المتاحة”.

سولافوي جيجك وعدد من منظري اليسار مع ذلك يبدون أكثر تفائلاً، فالكارثة الوبائية تسلط الضوء على كل المشكلات التي حذروا منها. فالسوق الحرة أمام مثل هذه الأزمات تصبح غير قادرة على التصرف، بل تصبح عبئاً ضاغطاً، وبدلا من التفكير في الإنفاق الصحي والمتضررين من الوباء، نصبح مضطرين للإنفاق على السوق وحمايتها من الانهيار الذي حدث بالفعل وسيستمر في الحدوث. أفكار مثل ضرورة التضامن العالمي، والحق في التأمين الصحي يصبح لا مجرد أحلام اشتراكية، بل حلولاً منطقية لكارثة نعيشها ستكمل معنا بقية العام، وستليها موجات متتالية.

لكن هذا التفاؤل اليساري منبعه إفتراض الرشادة في الأنظمة السياسية الحاكمة. وهي فرضية لا تتناسب إطلاقاً مع لحظتنا الحالية، حيث نشهد صعود شبح اليمين العفن، وهم مستعدون لاتخاذ قرارات في بلدان مثل بريطانيا من نوع “مناعة القطيع” ليصاب ثلاثة أرباع الشعب ويموت 4% منه، حتى لا نغلق الأسواق، ونخسر الجنيهات.

على العكس فالكورونا ليس شرطاً أن تحيي الأفكار الاشتراكية والتضامن الإنساني، فمثل هذه الأوقات مناسبة كذلك لنشر فوبيا الخوف من الأجانب والمهاجرين، وصعود اليمين، وانحياز الناس للحكومات القوية الصارمة، وقبول الأفراد للتنازل عن حقوقهم الأساسية. ونشاهد حالياً نمو موجة الشغف بالنموذج الصيني وصرامته الإدارية والتعامل مع الأزمة. بل أن الظرف الوبائي سوف يساهم في تعطيل الحياة السياسية بكل تأكيد. فلا انتخابات، ولا اجتماعات، ولا وسيلة حتى لمعرفة الحقائق من خلال الصحافة والإعلام.

كتب فالتر بنيامين ذات مرة  “الدرس الذي تلقننا إياه سيرة المقهورين يفيد بأن “حالة الطوارئ” التي نعيش في ظلها هي القاعدة. علينا أن نتوصل إلى مفهوم للتاريخ يتوافق مع هذه الحالة. حينها تتجلى أمام أعيننا مهمتنا في فرض حالة الطوارئ الحقيقية؛ وبذلك يتحسن موقفنا في محاربة الفاشية”. بالتالي فالحلم بلحظة تأسيسية جديدة لعالم ما بعد الكورونا، كما يبشرنا جيجيك هو من قبل أوهام انتظار المخلص أو نهاية العالم أو قيادة مملكة الله. فالمستقبل يحدث الآن، وما نعيشه من حالة استثناء سيتحول لقواعد المستقبل.

———————-

أنطون تشيخوف الطبيب: عندما يكون الحجر الصحي ترفًا/ عماد الدين رائف

يستغل بعض الكتاب والأدباء فترات العزل أو الحجر الصحيين كي يزيدوا من إنتاجهم. منهم من يغوص في أكداس الكتب، التي تنتظر سنوات وقتها للقراءة، بعضهم يعكف على إنهاء مشاريع بحث أو كتابة كان قد بدأها ثم أهملها تحت وطأة متطلبات الحياة اليومية،لكنه يجد متسعًا من الوقت الملائم لها متى ما انعدمت الحياة الاجتماعية وبات رهين غرفة أو غرفتين.

إلا أن ذلك ليس قاعدة وعكسه كذلك، فالمزاج يلعب دورًا حاسمًا، والضغط النفسي يزيد من حدة العزل، وقد يخرج كاتب بلا شيء. لكن في المقابل، يغدو العزل نفسه بنظر البعض ترفًا لا يُنال، وتلك كانت الحال مع القاص الروسي أنطون تشيخوف، الذي كان قدره أن يكون طبيبًا، لا يعفى من العمل أيام الأوبئة والجوائح.

ولد أنطون تشيخوف في أسرة صاحب متجر بقالة متواضع، في بلدة تاغانروغ، الواقعة جنوب روسيا القيصرية، سنة 1860، وبعد ربع قرن باتت قصصه محل إعجاب الكتاب والنقاد، وفتحت أمامه أبواب الشهرة الأدبية، فنشر على صفحات كبريات الصحف، وفاز بجائزة بوشكين للكتابة القصصية… وكان الهدف من وراء النشر الحصول على بدل مادي ولو قليل كي يؤمن احتياجاته من جهة، وكي يعين عائلته من جهة أخرى. بطبيعة الحال، كانت طريقه لتغدو شاقة لو بقي في بلدته النائية، لكن درب العلم حملته إلى موسكو، التي قصدها ليدرس الطب. يقول في رسالة له إلى عمه ميخائيل، في 31 كانون الثاني/ يناير 1885: “أحرزُ تقدمًا في مهنة الطبّ شيئاً فشيئاً. أعاين المرضى بشكل مستمر. أنفق روبلاً واحداً على المواصلات. لديّ العديد من الأصدقاء، بالتالي لدي العديد من المرضى، لكن عليّ أن أعالج نصفهم من دون أي مقابل، أما الآخرون فيدفعون لي أربعة أو خمسة في مقابل الكشف الصحي الواحد. يمكنني أن أخبرك، من دون قلق، أنني لم أغد غنيًا بعد، وأنا بحاجة إلى وقت طويل لتحقيق ذلك، لكنني أتدبر أموري، ولا أحتاج شيئًا، وطالما أنا على قيد الحياة ستكون عائلتي بخير على الصعيد المالي. ابتعت أثاثًا جديدًا، واستأجرت بيانو بحالة جيدة، وعندي خادمان.

أقيم أحيانًا بعض الحفلات المسائية التي تعزف فيها الموسيقى ويرافقها الغناء. لا ديون عليّ الآن ولا أنوي أن أقترض من أحد شيئًا. منذ فترة ليست بعيدة، كنت أشتري اللحوم والبقالة على دفتر الديون، إلا أن ذلك الزمن قد ولى، وبتّ أدفع نقدًا مقابل جميع مشترياتي. أما الحال في المقبل من الأيام فلا يمكن التكهن بها، وهكذا، ليس هناك ما أشكو منه”.

في الميدان

 يقول تشيخوف في رسالة إلى الناشر ألكسي سيرغييفيتش سوفورين (1834 – 1912)، في رسالة مؤرخة في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 1889، أرسلها من موسكو: “أؤمن، بطيب خاطر، بزديكاور (البروفيسور نيقولاي فيودوروفيتش زديكاور. 1815 – 1897)، الذي كان قد تنبأ بالكوليرا. كان هذا الرجل العجوز من ذوي الخبرة. أنا أرتجف مقدمًا الآن.. فبعد كل شيء، خلال تفشي الكوليرا، لن يحصل واحدنا على الكثير، ولن يكون نصيبنا مثل نصيب شقيقنا أسكيليبوس (إله الطب في الميثولوجيا الإغريقية). سيعلنون الأحكام العرفية في روسيا، وسيلبسوننا الزي العسكري، وسيرسلوننا إلى أماكن الحجر الصحي لنعمل… سنقول وداعًا لسهرات ليالي السبت، وللفتيات وللمجد!”.

وكان قد تناقش مع سوفورين بشأن الأوضاع الصحية في بلاده، يقول في رسالة مؤرخة في 17 كانون الثاني/ يناير: “أسيأتي الطاعون إلينا كذلك أم لا؟ لا يمكنني أن أقول شيئًا محددًا. إن تفشى الطاعون، لن يكون مخيفًا كثيرًا، ذلك لأن السكان والأطباء معًا، اعتادوا منذ فترة طويلة على الموت القسري والزيادة في أعداد الوفيات ، جراء الخانوق والتيفوئيد. نحن، حتى من دون الطاعون، بالكاد يعيش عندنا أربعمئة طفل من كل ألف، حتى سن الخامسة. وفي القرى والبلدات، وفي المشاغل والشوارع الخلفية، لن تجد أي امرأة بصحة سليمة. سيكون الطاعون رهيبًا، بحيث سيظهر بعد شهرين أو ثلاثة أشهر بعد التعداد السكاني العام، وسيفسر الناس الطاعون على طريقتهم، سيهاجمون الأطباء، وسينقلون العدوى إلى الآخرين. وبالنتيجة يحصل الأسياد (الإقطاعيون) على المزيد من الأراضي. الحجر الصحي غير جاد. يمنحنا لقاح هافكين (عالم الأوبئة فلاديمير أندروفيتش هافكين. 1860 – 1930) بعض الأمل، لكن للأسف، لا يحظى هافكين بشعبية في روسيا، كما يقال: على المسيحيين أن يحذروا منه لأنه يهودي”.

أما كيف كانت حاله أثناء تفشي الوباء في روسيا، فلم ينتظر طويلا إذ اجتاح البلاد وباء الكوليرا واصطحب معه مجاعة (1891 – 1892)، فأودت هذه الجائحة بملايين الأرواح، يقول في رسالة بتاريخ 16 تموز/ يوليو 1892 إلى صديقته المقربة المغنية والممثلة ليديا ستاخييفنا ميزينوفا (1870 – 1939): “لا يمكنني المغادرة إلى أي مكان. لقد عيّنوني بالفعل طبيبَ كوليرا في أراضي المقاطعة، من دون راتب. ما هو مطلوب مني عمله أكثر من طاقتي. أجول مسافرًا بين القرى والمصانع وأتحدث عن الكوليرا هناك. غدا لدي مؤتمر صحي في سيربوخوف. أنا أحتقر الكوليرا، لكنني مضطر إلى أن أخاف منها كالآخرين. بطبيعة الحال لا وقت لدي للتفكير في الأدب. متعب أنا ومنزعج بطريقة جهنمية. لا مال لدي، ولا يوجد وقت، ولا حتى مزاج لكسب المال. الكلاب تنبح بعنف، هذا يعني أنني سأموت بالكوليرا… أعطوني 25 قرية لأعالج سكانها، ولم يعطوني مساعدا واحدًا. لن أتمكن وحدي من فعل ذلك، سأبدو مثل أحمق كبير. تعالي إلينا، ستضربيني جنبا إلى جنب مع الفلاحين”. 

———————————-

كورونا تعزل مليار نسمة.. وأرقام كارثية في إيطاليا

تسارع تفشّي فيروس كورونا المستجد وفي آخر إحصاء توفي أكثر من 12 ألف شخصاً  في 164 بلداً ومنطقة منذ بدء انتشار الوباء.

 وخضع أكثر من 900 مليون شخص حول العالم، من روما الى نيويورك مروراً بباريس، لعزلة في بيوتهم في عطلة نهاية الأسبوع على أمل الحد من انتشار الفيروس.

أغلب هؤلاء(حوالي 600 مليون في 22 بلداً) يخضعون لقرارات غلق اجباري، على غرار فرنسا وإيطاليا، فيما يخضع البقية إلى حظر تجول (على غرار بوليفيا) وحجر (مثل المدن الكبرى في أذربيجان وكازاخستان) أو دعوات غير إلزامية لعدم مغادرة المنزل (على غرار إيران).

وفي الولايات المتحدة، قررت ولايات كاليفورنيا ونيويورك ونيوجيرسي وإلينوي وبنسلفانيا ونيفادا إيقاف الأنشطة غير الضرورية، رغم استبعاد الرئيس دونالد ترامب فرض حجر عام حالياً في كامل البلاد.

بذلك، يشمل التوقف أكبر ثلاث مدن في البلاد، نيويورك ولوس أنجلس وشيكاغو، ويلتزم سكانها البالغ عددهم حوالى 100 مليون شخص منازلهم.

وسجلت إيطاليا السبت عدداً قياسياً جديداً من الوفيات في 24 ساعة بلغ 793، ما يرفع الحصيلة الإجمالية الى 4825 وفاة في شهر واحد، وفق ارقام الدفاع المدني.

كذلك، أحصت السلطات الايطالية 6557 اصابة جديدة بالوباء في عدد قياسي آخر يثير القلق. وسجل العدد الاكبر من الوفيات (546) في منطقة لومبارديا إضافة الى نحو نصف المصابين الجدد.

وتستعد إيطاليا، لتعزيز إجراءاتها في مواجهة انتشار المرض. وستغلق كل الحدائق والمحميات أمام الجمهور في عطلة نهاية الأسبوع على أن تفرض قيوداً أخرى لدفع الإيطاليين إلى البقاء في بيوتهم.

وقرّرت بريطانيا إغلاق مقاهيها ومطاعمها وصالات السينما والمسارح، وسط تحذيرات من أن يؤدي التأخّر في اتخاذ تدابير قاسية، إلى سيناريو مشابه لما حصل في إيطاليا. ووسط التزاحم والتهافت على التسوق حثّت بريطانيا المواطنين، على التحلي بالمسؤولية عند شراء المواد الغذائية، والتوقّف عن تخزينها، حتى يكون لدى العاملين في مجال الصحة ما يكفيهم، في أثناء التصدي لتفشي فيروس كورونا.

وفي ألمانيا، سجّلت السلطات قفزةً في عدد الإصابات، بعد تسجيل 2705 إصابات في يوم واحد. كذلك في إسبانيا، تخطّت الوفيات ال1300 حالة والإصابات قاربت الـ25 ألفاً.

وقالت المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية سيبيث ندياي الجمعة، إن “حالة الإغلاق على مستوى البلاد التي أعلنها الرئيس إيمانويل ماكرون الاثنين الماضي لمدة لا تقل عن 15 يوماً، ربما يتعين تمديدها”.

وشددت المدن الفرنسية السبت، التدابير لمواجهة تفشي الفيروس في البلاد مع إستمرار إرتفاع معدلات الإصابة والوفيات. وقرر عمدة مدينة نيس كريستيان استروسي إغلاق المتنزه الشاطئي بالمدينة التي تقع على البحر المتوسط، في إطار حالة الإغلاق العام في البلاد.

ويواصل عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا في فرنسا الصعود بصورة حادة، ووصل إلى 10 آلاف و 995 إصابة مؤكدة. وتم تسجيل 372 حالة وفاة بالفيروس.

وحذرت الشرطة الفرنسية الركاب الذي يعتزمون التوجه لمحطات السكك الحديدية في العاصمة باريس السبت والأحد من إجراءات صارمة على خلفية حالة الإغلاق العام، بسبب تفشي فيروس كورونا.

من جهتها، فرضت تركيا حظر تجوّل جزئياً، على المواطنين الذين تتجاوز أعمارهم 65 سنةً، والمصابين بأمراض مزمنة، على أن يبدأ سريانه اعتباراً من منتصف ليل السبت، وذلك في إطار إجراءات مكافحة انتشار فيروس كورونا. وقالت وزارة الداخلية، إن تفاصيل الحظر “ستعلن لاحقاً”.

وفي وقت سابق، علقت تركيا الرحلات الجوية مع 46 دولة، وحظرت النزهات وحفلات الشواء، في وقت يزداد عدد الإصابات بالفيروس في البلاد إلى مثليه تقريباً على نحو يومي.

————————-

كورونا سوريا:الاصابات في الشمال قد تتخطى المليون/ حسن فحص

لم يكن ينقص الرئيس الايراني حسن روحاني سوى انتشار فيروس كورونا واقترابه ليكون “وباءً” في ايران لتكمل دائرة الحصار حوله من القوى والاطراف التي لم تعد تحتمل بقاءه على رأس السلطة التنفيذية، خصوصا وان هذا الاطراف حملت روحاني وحكومته وادارته مسؤولية الازمات الاقتصادية التي واجهتها البلاد وفاقمت ازمة الثقة بين النظام وقيادته من جهة والشعب الايراني من جهة اخرى.

وازمة روحاني قد لا تقتصر على ما يواجهه في الداخل، بل تضافر ضده ايضا الموقف الامريكي المتشدد من النظام الايراني، والذي لم يكتف بالانسحاب من الاتفاق النووي والعودة الى فرض سلسلة من العقوبات الاقتصادية الخانقة وغير المسبوقة، بل ايضا رفض اي امكانية للتعاون مع الحكومة الايرانية في مواجهة ازمة مكافحة الوباء المنتشر، حتى في تلبية دعوة بعض الاطراف الدولية لرفض جزئي للعقوبات بما يسمح للحكومة بالاستعانة بالجهود الدولية واستيراد ما تحتاجه من وسائل تساعد على مكافحة هذا الوباء.

فالانتقادات الداخلية لروحاني وادارته لم تتراجع على الرغم من الازمة التي تمر بها ايران جراء الوباء والبحث عن سبل مواجهته، وقد رفع من وتيرتها ما يمكن تسميته بـ”التخبط” الذي ظهر في القرار التي اتخذتها الحكومة والمواعيد التي عينها روحاني نفسه للخروج من هذه الازمة، فضلا عن الارباك الذي اصاب ادارات الدولة في التعامل مع هذه الازمة.

الا انه لا يمكن القول ان روحاني كان مطلق الحرية لاتخاذ القرارات التي تساعد على التصدي لازمة الكورونا، فهو لم يكن قادرا على اتخاذ قرار بفرض “الحجر الصحي” حتى على العاصمة طهران واعلان منع التجول والاقفال في جميع المؤسسات الرسمية والخاصة والقطاعين العام والخاص، فمن جهة يدرك ان الحكومة التي يرأسها غير قادرة على تنفيذ المرحلة الثانية ما بعد اعلان الطوارئ والاقفال، لانها تتطلب إجراءات تتعلق بتأمين احتياجات السكان الغذائية والمعيشية، اي رصد ميزانية مالية لتلبية هذه الاحتياجات، وهو أمر خارج قدرات الحكومة في ظل الأزمات الاقتصادية والعقوبات وتراجع المردود المتواضع لبائعات النفط التي مازالت تخرج من ايران عبر الالتفاف على العقوبات الامريكية، فضلا عن ان روحاني اكتشف ان القرار الاستراتيجي في مواجهة هذه الازمة والازمات الاخرى التي تفجرت بوجه حكومته لا يقع في دائرة صلاحيات السلطة التنفيذية، بل في دائرة صلاحيات السلطات العليا بما فيها المؤسسة العسكرية وتحديدا مؤسسة حرس الثورة التي عملت على تقديم نفسها على أنها المبادر الوحيد والجدي في التعامل مع هذه الازمة، من خلال اعلان التعبئة العامة والحرب المفتوحة مع الوباء بغطاء مباشر من الموقف الذي اعلنه المرشد الاعلى الذي كلف قائد اركان القوات المسلحة الجنرال محمد باقري الاتي من حرس الثورة بتشكيل غرفة عمليات لمواجهة هذا الوباء.

فالاجراءات التي قامت بها المؤسسة العسكرية، سلبت من الحكومة وروحاني اخر ما يمكن ان تراهن عليه على المستوى الشعبي، فبالاضافة الى تراجع الثقة الشعبية بمؤسسات النظام، ها هي الان تفقد ما تبقى من ثقة بالحكومة، ما يعني ان الهامش الذي سبق لروحاني وحكومته ان وظفته لابعاد الاتهامات عنها بالعجز عن معالجة الازمات قد ضاق وتراجع الى الحد الادنى، على الرغم من ادراك المجتمع الايراني ان تراجع الثقة ليس سوى نتيجة طبيعية وحتمية لتراجع الثقة بين الحكومة وقيادة النظام ومؤسساته الماسكة بمفاصل الامور والقرار. وهو ما ينعكس على فعالية وانتاجية مؤسسات الدولة والنظام في التعامل مع هذه الازمة كما حصل مع غيرها من الازمات السابقة والازمات التي ستلي.

قد يكون اللجوء الى الاستعانة بالمؤسسة العسكرية في الكوارث والازمات الطبيعية والانسانية مسوغا، وهو ما لجأت له الكثير من الدول في التعامل مع انتشار فايروس كورونا، الا ان ما يثير الخشية في الازمة الايرانية ان الاستعانة بالمؤسسة العسكرية تأتي في ظل عدم خضوع هذه المؤسسة لقرارات السلطة التنفيذية، فالرئيس لا يملك اي تأثير عليها، وقرار الاستعانة بها جاء من سلطة أعلى دستوريا من السلطة التنفيذية، اذ تعتبر هذه السلطة المرجعية العليا لهذه المؤسسة. من هنا فان الاجراءات التي تقوم بها هذه المؤسسة قد تأخذ بعدا مختلفا عن سواه في الدول الاخرى، وقد يضاف الى الاجراءات التي اتخذتها في مواجهة ازمة الاعتراضات وموجة التظاهرات التي شهدتها ايران نهاية العام الماضي بعد قرار رفع اسعار الوقود.

قد ساهم ازمة فايروس كورونا باستكمال حلقة الحصار على روحاني بعد الخروج منها والانتهاء من احتوائها، وقد تؤسس لمرحلة جديدة من المواجهة بين السلطة التنفيذية وبقية مؤسسات النظام، وتحديدا مع البرلمان الجديد الذي لم يبدأ بعد مهماته الرسمية التي تأجلت بسبب انتشار الفايروس، وقد تذهب الامور الى ادراج موضوع “استجواب” الرئيس روحاني امام البرلمان على اجندة اعمال النواب. الامر الذي قد يفتح الامور على تطورات داخلية تسحب من روحاني ما تبقى له من صلاحيات وقرارات لصالح الرؤية التي خاض التيار المحافظ معركته السياسية والانتخابية على اساسها مؤخرا، اي نحو مزيد من التشدد على اعتبار ان ايران تمر في معركة مفتوحة مع “العدو” وهنا الادارة الامريكية برئاسة دونالد ترمب، وقد تسمح هذه المعركة بابقاء روحاني في موقعه من دون الحاجة الى الدخول في انتخابات مبكرة لم تنضج بعد ظروفها الموضوعية التي تسمح للتيار المحافظ باستعادتها، وتبعد الحاجة الى استخدام الذراع الامنية لمواجهة موجة محتملة من الاعتراضات الشعبية هي بغنى عنها في هذه المرحلة. حتى الساعة لم يتم الإعلان رسمياً عن أي حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد في سوريا على ضفتي النظام والمعارضة رغم الوضع السيئ في الجهتين.

وأكدت مديرية الصحة في مدينة عفرين السورية، وفاة مريض في أحد مستشفيات المدينة الواقعة بريف حلب الشمالي، وأنه مشتبه في أن تكون وفاته بسبب إصابته بفيروس كورونا.

وقال مدير المكتب الطبي في عفرين، الطبيب أحمد حاجي حسن، لوسائل إعلام محلية، إن “المتوفى كان يبلغ من العمر 55 سنة، وكان يعاني من نزلة تنفسية وسعال حين حضر إلى المشفى بعد شعوره بارتفاع حرارة جسده، لكنه توفي بعد أخذ عيّنة دم، وإرسالها إلى تركيا، وما زلنا بانتظار وصول تأكيد أو نفي حول إصابته بالفيروس من عدمه”.

وأوضح الحسن أنه “إذا تأكد تسجيل إصابة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، سيتبع ذلك عشرات الإصابات في مناطق عديدة، خصوصاً في مخيمات النازحين”.

وأصدرت نقابة “أطباء الشمال المحرّر” بياناً أكدت فيه إغلاق المدارس والجامعات التي لا تزال مفتوحة، وإغلاق المقاهي والمطاعم باستثناء شراء الوجبات لتناولها خارج المطاعم، وإيقاف صلاة الجماعة والزيارات الاجتماعية، والسفر غير الضروري.

ونشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريراً أشارت فيه الى إن هناك مليون نازح يعيشون في الشمال الغربي لسوريا في خيام مقامة على الطين أو بنايات مهجورة، لافتة إلى أن إنتشار وباء كورونا قد يتسبب بكوارث في المنطقة المدمرة أصلاً.

وقالت الصحيفة: “طبعا يمكنك أن تنسى غسل الأيدي وإبقاء مسافة اجتماعية، وهو ما تنصح به السلطات الصحية في أنحاء العالم، لكن في المخيمات، هناك القليل من الماء إن وجد، وقد يصل عدد من يعيشون في خيمة واحدة إلى 12 شخصاً”.

وذكرت الصحيفة أن الأطباء السوريين يعتقدون أن الفيروس دخل إلى المخيمات، حيث الوفيات والأمراض تحمل سمات التفشي، لكن رد الفعل الدولي كان بطيئاً أو منعدماً، بحسب أكثر من 12 خبيراً وأطباء سوريين، مشيرة إلى أن “منظمة الصحة العالمية لم توصل معدات الفحص اللازمة لفيروس كورونا للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة، بالرغم من أنها أوصلت أول دفعة للحكومة السورية قبل أكثر من شهر”.

وقال مدير مستشفيات الجمعية الطبية السورية الأميركية في المنطقة محمد غالب التناري: “نحن لدينا حالياً حالات متشابهة وتوفي لدينا بعض الأشخاص، ولا نستطيع التأكد إن كانت هذه حالات كورونا أم لا”.

وأشارت الصحيفة إلى أن الأطباء في المنطقة يقدرون بأن حوالي مليون قد يصابون بالفيروس في محافظة إدلب، وأن حوالي 100 إلى 120 ألف منهم سيموتون، وأن 10 آلاف سيحتاجون المساعدة بأجهزة التنفس، لافتة إلى أن هناك 153 جهاز تنفس في المحافظة الآن.

وقال ممثل منظمة الصحة العالمية في سوريا نعمة سعيد عبد ل”رويترز”، إن “عدداً كبيراً من السكان مهددون في مخيمات اللاجئين والمناطق العشوائية على مشارف المناطق الحضرية الكبيرة”. وأضاف “إذا أخذنا السيناريو الذي حدث في الصين أو حتى إيران، فإننا نتوقع إكتشاف عدد كبير من الحالات، ونحن نستعد وفقاً لذلك”.

بدورها قالت مسؤولة الشؤون السياسية في الأمم المتحدة روزماري ديكارلو ل”رويترز”، إنها “سمعت من مصادر على الأرض عن احتمال أن يترك فيروس كورونا أثراً مدمراً في سوريا”.

ويبدو أن المناطق التي يديرها الأكراد غير مقتنعة أيضاً بإجراءات النظام، وقال رئيس المجلس المدني لمحافظة دير الزور غسان اليوسف إنهم “اتخذوا قراراً بإغلاق كل المعابر مع المناطق الخاضعة لسيطرة النظام”، مشيراً إلى مخاوف من انتقال الفيروس من المنطقة التي تسيطرعليها الحكومة غربي نهر الفرات خاصة الخاضعة لسيطرة المليشيات الشيعية وتدعمها إيران وينتمي أفرادها لبلدان يتفشى بها الفيروس”.

ومنعت الإدارة الكردية الانتقالات بين البلدات الواقعة في المنطقة اعتباراً من السبت كما يبدأ حظر تجول من الاثنين.

——————————–

كورونا إيطاليا : الـ “بيلّا تشاو” في مواجهة “فاشية الفايروس”/ عبدالله أمين الحلاق

البيلا تشاو تصدح من شرفات المنازل ويغنيها كثيرون بصوت واحد في أحياءهم. ربما هي إشارة إلى فاشية من نوع جديد تصعد مؤخراً إلى جانب قوى واحزاب فاشية تستثمر في ما يحصل وتضخ خطابات الكراهية يومياً، إنها “فاشية الفايروس” او “الهولوكوست الكوروني” الذي تشهد له عملية إرساله جثث ضحاياه إلى المحارق

الجنائز تقام بدون معزين في ايطاليا خوفاً من انتشار الفايروس

كلما ازدادت حدة ودرجة وسرعة انتشار فايروس مرض “كوفيد19” في العالم، ازداد الوضع سوءاً في إيطاليا بشكل خاص، وأصبح أكثر جنائزية في بلد كان حتى شباط الماضي واحداً من دُرر بلدان هذا العالم على الصعيد الثقافي. ليس فقط لأن “التكافل العالمي” في مواجهة هذا التهديد هو في أسوأ حالاته اليوم، في ظل انشغال كل بلد بمكافحة المرض على صعيده “الوطني” وهو ما قد يكون “مفهوماً”، ولكن أيضاً لأن إيطاليا صارت البؤرة والبلد الأكثر معاناة من هذا الفايروس في العالم بعد الصين، تشهد لذلك أرقام الإصابات والوفيات المتضخمة يومياً، مع حالات شفاء ترتفع أيضاً لكن بشكل خجول.

ما حصل قد حصل! لا جدوى الآن من مساءلة الإيطاليين حكومتهم على تأخرها وتقصيرها في إعلان حالة الطوارئ وفي إعلانها كل إيطاليا منطقة محمية. بدت الحكومة الإيطالية منذ البداية وكأنها تخوض تجربة في غير محلها، مع سلسلة إجراءات “بالقطّارة” خلال شهر واحد، وحيث الموت هو النتيجة حتى الآن، والأرجح أن حكومة جوزيبي كونتي ستدفع ثمن هذا التأخر من رصيدها وشعبيتها في الانتخابات المقبلة. خارج موضوع الحسابات السياسية وسلوك النخبة السياسية في البلاد، تمكن مشاهدة مظاهر كثيرة في البلاد وخصوصاً في إقليم لومبارديا في الشمال الإيطالي، مظاهر وتحركات يبدو كل منها مؤشراً إلى كيفية تعاطي المجتمع مع المرض ومع نكبته به.

ابتكر الإيطاليون طرقاً ووسائل مختلفة في طريقة تعاملهم مع الجائحة، ومحاولات بث الطمأنينة وخصوصاً في مرحلة ما قبل الحجر الصحي العام الذي أُعلن قبل حوالي عشرة أيام. في بداية تفشي المرض في البلاد وفي إقليم لومبارديا بشكل خاص (عاصمته ميلانو)، قام شبان وشابات إيطاليون بحملة حملت عنوان: Tutto andrà bene، أي “كل شيء سيكون على ما يرام”، في محاولة لضخ جرعة من الأمل والتفاؤل بتجاوز الأزمة والحد من الخوف الذي بدأ يخيم على البشر هنا، ووُزعت ملصقات في الشارع تحمل تلك العبارة، كما ألصق بعضها على واجهات المحلات والمطاعم والبارات والمكتبات ومداخل الأبنية. من المؤكد أن الزمن الكوروني الراهن قد سبق وتخطّى مبادرات مثل هذه الآن، لسببين رئيسيين: أولهما لأن التحرك نحو أي مبادرة جماعية بات بحكم المستحيل اليوم تبعاً لإجراءات حظر التجول الحالية (والضرورية) في البلاد، والثاني لأن الكثيرين فقدوا الثقة بأن “كل شيء سيكون على ما يرام” في القريب العاجل، بالنظر إلى حجم قوافل الإصابات والموت اليومي حالياً.

معظم “القتلى” هم من المسنين، و98% من ضحايا الفايروس هم ممن تجاوزت أعمارهم الـ 65 عاماً بحسب أرقام “إدارة الحماية المدنية الإيطالية” وهي جهة رسمية تقدم إحصاءات يومية للإصابات والموتى والمتعافين. تمتلئ غرف العناية الفائقة بهؤلاء المسنين في وقت يُعالج فيه آخرون، ممن لم تظهر عليهم أعراض أو ظهرت عليهم أعراض خفيفة، في منازلهم. يسيطر الخوف على المسنين بشكل أساسي وخصوصاً مع تدفق الأخبار اليومية عن سقوط أقران لهم في السنّ في كافة أنحاء البلاد، وغالباً ما يعيش هؤلاء في عزلة مضاعفة نتيجة القوانين الجديدة التي شملتهم وشملت غيرهم من مختلف الأعمار من جهة، ونتيجة انتمائهم إلى أكثر الفئات ضعفاً وأقلها قدرةً على مقاومة الفايروس من جهة ثانية. هكذا، كان شفاء “الجدة ألما” من فايروس “كوفيد 19” وهي سيدة من مقاطعة مودينا في الشمال الإيطالي تبلغ من العمر 95 سنة، كان حالة تستدعي الاحتفاء بها باعتبارها أكبر المسنين الذين تم شفاؤهم من المرض حتى الآن في إيطاليا، علّ ذلك يبعث بعض الدفء في أوصال مسنين آخرين يعيشون عزلتهم بصمت وترقّب.

مدينة البندقية

وعلى صعيد هذه الفئة العمرية بالتحديد، وكما هو الحال في مبادرة من نوع “Tutto andrà bene ” من ناحية الإمكانية، كان التواصل مع المسنين بالمعنى الشخصي والعائلي متاحاً أكثر قبل إعلان الحجر العام  في البلاد، وقد تناقلت صفحات التواصل الاجتماعي في بداية آذار الجاري، رسالة من حفيدين يقفان في الشارع أمام شرفة جدهما في مدينة بولونيا، يوم عيد ميلاده، وهما يرفعان لافتة كتب عليها: “جدنا العزيز، لقد اشتقنا لك. تمنينا أن نكون معك في يوم عيد ميلادك، لكنّ هذا الفايروس مستبد ولا يمكن المزاح معه، وهو لا يتساهل مع الأحضان والقبلات، لذلك نحن نلوح لك بيدنا من بعيد، وعندما سينتهي كل شيء سوف نتقابل مرة ثانية ونحتفل معاً من الغداء وحتى العشاء”. 

مشهدية الأعلام الوطنية وعزف غناء النشيد الوطني الإيطالي من على شرفات المنازل وبشكل جماعي، هي طريقة جديدة ابتكرها الإيطاليون للتواصل فيما بينهم اليوم، حيث الخروج من المنزل لغير الضرورات بات امراً يعاقب عليه القانون بغرامة مالية، وحيث مسافة الأمان الفاصلة بينهم على أبواب السوبرماركت والتي يمنع الدخول إليها لأكثر من شخصين، مهما كان حجمها واتساعها. النشيد الوطني وأغنية “بيلا تشاو” الآتية من زمن يساري إيطالي قاوم فيه الإيطاليون فاشية موسوليني، تبدو بدورها شعاراً يعاهدون فيه أنفسهم على تجاوز الكارثة.

البيلا تشاو تصدح من شرفات المنازل ويغنيها كثيرون بصوت واحد في أحياءهم. ربما هي إشارة إلى فاشية من نوع جديد تصعد مؤخراً إلى جانب قوى واحزاب فاشية تستثمر في ما يحصل وتضخ خطابات الكراهية يومياً، إنها “فاشية الفايروس” او “الهولوكوست الكوروني” الذي تشهد له عملية إرساله جثث ضحاياه إلى المحارق في مقبرة San Cataldo Di Modena. سيارات الجيش تمر في موكب جنائزي وهي تحمل جثامين لأشخاص قتلهم فايروس كورونا المستجد، تمهيداً لإحراقها كإحدى طرق الحد من انتشاره، من دون حتى أن يتاح لذوي الموتى توديعهم، حرصاً عليهم من إصابة محتملة.

وعلى صعيد هذه الفئة العمرية بالتحديد، وكما هو الحال في مبادرة من نوع “Tutto andrà bene ” من ناحية الإمكانية، كان التواصل مع كبار السن بالمعنى الشخصي والعائلي متاحاً أكثر قبل إعلان الحجر العام  في البلاد، وقد تناقلت صفحات التواصل الاجتماعي في بداية آذار الجاري، رسالة من حفيدين يقفان في الشارع أمام شرفة جدهما في مدينة بولونيا، يوم عيد ميلاده، وهما يرفعان لافتة كتب عليها: “جدنا العزيز، لقد اشتقنا لك. تمنينا أن نكون معك في يوم عيد ميلادك، لكنّ هذا الفايروس مستبد ولا يمكن المزاح معه، وهو لا يتساهل مع الأحضان والقبلات، لذلك نحن نلوح لك بيدنا من بعيد، وعندما سينتهي كل شيء سوف نتقابل مرة ثانية ونحتفل معاً من الغداء وحتى العشاء”. 

مشهدية الأعلام الوطنية وعزف وغناء النشيد الوطني الإيطالي من على شرفات المنازل وبشكل جماعي، هي طريقة جديدة ابتكرها الإيطاليون للتواصل فيما بينهم اليوم، حيث بات الخروج من المنزل لغير الضرورات أمراً يعاقب عليه القانون بغرامة مالية، وحيث مسافة الأمان الفاصلة بينهم على أبواب السوبرماركت والتي يمنع الدخول إليها لأكثر من شخصين، مهما كان حجمها واتساعها. النشيد الوطني وأغنية “بيلا تشاو” الآتية من زمن يساري إيطالي قاوم فيه الإيطاليون فاشية موسوليني، تبدو بدورها شعاراً يعاهدون فيه أنفسهم على تجاوز الكارثة.

البيلا تشاو تصدح من شرفات المنازل ويغنيها كثيرون بصوت واحد في أحيائهم. ربما هي إشارة إلى فاشية من نوع جديد تصعد مؤخراً إلى جانب قوى وأحزاب فاشية تستثمر في ما يحصل وتضخ خطابات الكراهية يومياً، إنها “فاشية الفايروس” او “الهولوكوست الكوروني” الذي تشهد له عملية إرساله جثث ضحاياه إلى المحارق في مقبرة San Cataldo Di Modena. سيارات الجيش تمر في موكب جنائزي وهي تحمل جثامين لأشخاص قتلهم فايروس كورونا المستجد، تمهيداً لإحراقها كإحدى طرق الحد من انتشاره، من دون حتى أن يتاح لذوي الموتى توديعهم، حرصاً عليهم من إصابة محتملة.

البيلا تشاو تصدح من شرفات المنازل ويغنيها كثيرون بصوت واحد في أحياءهم. ربما هي إشارة إلى فاشية من نوع جديد تصعد مؤخراً إلى جانب قوى واحزاب فاشية تستثمر في ما يحصل وتضخ خطابات الكراهية يومياً، إنها “فاشية الفايروس” او “الهولوكوست الكوروني” الذي تشهد له عملية إرساله جثث ضحاياه إلى المحارق في مقبرة San Cataldo Di Modena. سيارات الجيش تمر في موكب جنائزي وهي تحمل جثامين لأشخاص قتلهم فايروس كورونا المستجد، تمهيداً لإحراقها كإحدى طرق الحد من انتشاره، من دون حتى أن يتاح لذوي الموتى توديعهم، حرصاً عليهم من إصابة محتملة.

درج

——————————–

هل الأنظمة الاستبدادية أكثر قدرة على مكافحة الوباء؟/ غالية العلواني

عندما يلي الخطابات الواثقة التي يلقيها السياسيون أحداثاً مأساوية في أغلب الأحيان، يُترك المواطنون في البلدان الشمولية يصارعون مشاعر انعدام الأمن والأمان، مع ترسخ مفهوم أن “البقاء للأقوى” لديهم

بلغ عدد الحالات المصابة بفايروس “كورونا” ذروته ليصل إلى 500 ألف حالة في ووهان وحدها، وهي المدينة الصينية التي كانت بؤرة للفايروس الذي انتشر في العالم أجمع. اليوم، تعلن السلطات الصينية عن حالة إصابة واحدة فقط خلال يومين، مُعزية ذلك إلى التدابير السريعة والصارمة التي اتخذتها لتنجح في “تسطيح منحنى الإصابة بالفايروس، وخفض سرعة الانتشار، بمعنى أن تحدث الإصابات على مدة زمنية أطول”. عند مقارنة هذه التدابير بالاستجابة البطيئة في إيطاليا وغيرها من الدول، يُثار سؤال قوي عن تعنت الأنطمة الحكومية ومدى فرصة نجاحهم في مكافحة الأوبئة الفيروسية.

عادةً ما توصف التدابير الاستبدادية بأنها قاسية، لكنها سريعة وشاملة وفعّالة، فهي تعتبر تدابير مُثلى أثناء اجتياح الوباء حين لا يتسع الوقت للاستجابة السريعة أو “الديموقراطية” في ما يتعلق بحريات المواطنين. فقد شهدت الصين إجراءات مثل إجبار الأفراد على إخلاء الشوارع، وترك منازلهم، وتدابير المراقبة الشاملة، ومعسكرات الحجر الصحي الجماعية، وجميعها قد يراها العالم قاسية للغاية، لكن في خضم حالة الهلع وزيادة عدد الوفيات، بات كثر منهم الآن على اقتناع تام بضرورة مثل هذه الإجراءات. في حقيقة الأمر، هل علينا التخوّف من الأنظمة “الأضعف” وإدراتها البطيئة والمتساهلة وغير الفعّالة خلال تفشي مثل هذه الأوبئة مستقبلاً؟

الخداع والفساد

من الصعب ادعاء أن التدابير الصارمة غير الإنسانية، مثل تلك التي طبقتها الحكومة الصينية، “غير فعّالة” في التصدي لتفشي الفايروس، إلا أنني أرى أن هناك إجراءات مصاحبة لتلك التدابير تتخذها الأنظمة الاستبدادية وتعتبر أكثر خطورة، إذ تعمل في اتجاه مضاد لتقوّض أي فاعلية ناتجة عن التدابير المتخذة. أكثر هذه الإجراءات تأثيراً: القمع والخداع وتكتم الحكومة وإرباك المواطنين ونشر الذعر على نطاق واسع، أو في حالات أخرى: نشر الجهل وإتاحة المجال لعدم الالتزام بتدابير السلامة. كما قد تتسبب إجراءات مثل قمع المُبلغين عن الفساد والنشطاء، وترويج الشائعات والمعلومات المُضللة في ضرر أكبر مما قد تنقذه “التدابير الصارمة”. الواقع أن السرية والاستبداد في حالة الصين، هما السبب وراء تفشي “كورونا” في أنحاء العالم بتلك الطريقة في المقام الأول.

في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أُجبر الدكتور لي وين ليانغ على الاعتراف كذباً بأنه روج الإشاعات بعد مرور ثلاثة أيام من محاولته تحذير العالم من اكتشافه مرض كوفيد-19. وتوفى في شباط/ فبراير بعد إصابته بعدوى الفايروس من أحد المرضى. وأغلقت السلطات في اليوم التالي مباشرةً “مركز شنغهاي السريري للصحة العامة”، الذي أعلن عن جينوم فايروس “كورونا” ودمرت نتائج الاختبارات والعينات تماماً. وفي شباط من العام الجاري، نشرت الممرضتان ينغ شان زينجغ ويان شين، خطاباً في المجلة الطبية البريطانية “ذا لانسيت”، تحذران فيه من النقص الشديد في الإمدادات الطبية في ووهان، إلا أنهما أُجبرتا على التراجع عما نشرتاه، بعد أيام قليلة. كما أسكت النظام الحاكم، على نحو متوقع، الصحافيين المستقلين والنشطاء والمحامين ممن كانوا يبثون آخر مستجدات فايروس “كورونا”، وشمل ذلك كل من لي زهوا، وفان بين، وشين تشوشي، الذين تعرضوا جميعاً للاعتقال.

تكررت الأحداث ذاتها في إيران، ولكن على نحو أكثر خطورة مع بنية تحتية صحية غير مؤهلة بسبب العقوبات الاقتصادية الحادة التي تخضع لها البلاد. فقد قمعت الحكومة خلال الأسابيع الأولى من التفشي أي أخبار عن الفايروس، وواصلت إنكار خطورته على الشعب الإيراني. كما استمر رجال الدين بدعوة الحجيج إلى مدينة قُم الشيعية المُقدسة حتى أصبحت المنطقة أكبر بؤرة للعدوى في إيران بأكملها. اليوم، أُصيب المزيد من كبار المسؤولين الحكوميين (إضافة إلى الكثير من المؤسسات الدينية) بمرض كوفيد- 19 وهو رقم كبير مقارنةً بأي دولة أخرى في العالم. حتى يومنا هذا، ما زالت الأكاذيب تتداول عن أعداد المصابين، مع مقاطع فيديو سربها بعد كاشفي الفساد على موقع “تويتر” توضح حالات وفاة وعدوى غير مسجلة. ازداد انعدام الثقة في الحكومة حتى أن بعض المواطنين يطالبون بتولي قوات حرس الثورة الإسلامي المقاليد وتطبيق الحجر الصحي بأنفسهم، وهم القوات التي سحقت الاحتجاجات المناهضة للحكومة منذ بضعة أشهر!

انتقالاً من إيران إلى لبنان، بدأ الكثير من المواطنين اللبنانيين فرض الحجر الصحي على أنفسهم، قبل أن تعلن الحكومة حالة الطوارئ بوقت طويل. فبعد أشهر من الانتفاضة المرهقة على خلفية الانهيار الاقتصادي المُحدق، مُني كثيرون بالهزيمة بسبب المحصلة النهائية التي آلت إليها الأمور، وهي تشكيل “حزب الله” حكومة يرأسها رئيس الوزراء الجديد، حسن دياب.

وعندما تفشى الوباء في إيران، وتأكدت الحكومة من عدم اتخاذ أي قرارات من شأنها أن تضر بأنصار إيران لأطول فترة ممكنة؛ بما في ذلك السماح للبنانيين بالطيران ذهاباً وإياباً بين لبنان وإيران، إلى أن هبطت آخر طائرة في لبنان قبل إقفال المطار. أدى ارتفاع مستويات عدم الثقة والسأم من النظام إلى إصابة اللبنانيين بالهلع على رغم تتبعهم أعداد المصابين المنخفضة نسبياً التي تعلنها وزارة الصحة. حين يحاول المرء أن يجد مبررات تُفسر مخاوفهم، فأول شيء قد يخطر في بالك هو: “بالفعل هذه الأرقام تبدو منخفضة ولكن بالتأكيد، لا تأخذ هذه الإحصاءات لأعداد المصابين في الحسبان أعداد الشيعة المنتمين لحزب الله الذين يُخفون تعرضهم للإصابة بالمرض… ومن يدري، ربما تصل أعدادهم إلى المئات أو حتى الآلاف؟”. وعلى رغم عدم وجود دليل يثبت صحة هذه الفكرة بعد، فإنها تستند إلى تخمين منطقي إلى حد ما، وهو أن قادة “حزب الله” يفضلون الكذب حول أعداد المصابين بدلاً من الاعتراف بأن إيران، التي يفترض أنها الفارس المُخلص للبنان، هي في واقع الأمر حصان طروادة الذي حمل الوباء لها. ازداد انتشار تلك الشائعات المفزعة بينما ينشئ الحزب مستشفيات خاصة سراً، تعالج آلاف المرضى المصابين بفايروس “كورونا” في الوقت الراهن، بما في ذلك مقاتلو “حزب الله” العائدين من سوريا.

تُعد سوريا أحد الأمثلة الواضحة على ذلك في مستويات عدة، فقد أُغلقت المدارس والمساجد وحُظرت الفعاليات العامة، وتأجلت الانتخابات البرلمانية. لكن المسؤولين لم يعترفوا بعد بوجود حالة إصابة واحدة بالفايروس في البلاد. كما أصبح وزير الصحة السوري مصدراً للسخرية، عقب تداول تصريح له حول فايروس “كورونا”، وما إذا كانت الوزارة ستعلن عن تسجيل أي حالات إصابة، ليرد قائلاً “الحمد لله، الجيش العربي السوري طهر كتير من الجراثيم الموجودة على أرض سوريا”. وكان للتباهي المستمر بعدم وجود حالات إصابة على الإطلاق تأثير مزدوج؛ إما الذعر المنتشر بين الأفراد الذين يضعون في الحسبان أن أسوأ احتمال قد يكون مروعاً، في ظل نظام الرعاية الصحية المتهالك والمُثقل بالأعباء القائم بالفعل في سوريا، أو الإنكار التام واستمرار الحياة بصورة طبيعية بين من يصدقون النظام فعلياً، وسيؤدي كلاهما إلى عواقب مروعة في حالة تفشى مثل هذا الوباء الفيروسي عالي الخطورة.

بين التقنيات السيبيرانية وأنظمة الحكم الاستبدادية

لن نخوض كثيراً في غياهب نظرية المؤامرة، فليس من الصعب أن نتخيل أن الحكام المستبدين كثيراً ما استغلوا “الكوارث” على مر التاريخ؛ وقد يعني ذلك أي إجراءات تُتخذ خلال الحروب، والكوارث الطبيعية، والهجمات الإرهابية، والانهيارات الاقتصادية، والآن تفشي وباء فايروسي على مستوى العالم، وهو ما أظهر لاحقاً وجههم الحقيقي ورغبتهم في اتخاذ المزيد من الإجراءات القمعية وفرض الرقابة الصارمة. ولا يعني هذا أنهم يقررون تطبيق هذه الإجراءات لحظياً؛ فقد وضعت هذه المخططات مسبقاً، كل ما في الأمر أن الكوارث الكبرى توجد الفرصة المثالية لتنفيذها.

وفي ظل تفشي مرض كوفيد-19، شاهدنا بالفعل إقدام الصين على تفعيل قاعدة بيانات حكومية على نطاق الدولة، تتضمن معلومات حول الأفراد، ظلت تطورها لسنوات، متذرعةً بانتشار الفايروس. والآن تراقب الطائرات المُسيّرة المواطنين الذين يخالفون قواعد الحجر الصحي أو لا يرتدون الأقنعة. وبات لزاماً حالياً على كل مواطن صيني أن يُدخل أرقام هويته الوطنية في برنامج يربطه بنظام تتبع يستند إلى تقنيات المراقبة فائقة التطور التي تراقب رحلات السفر، وأماكن الإقامة في الفنادق، وشراء الأدوية من الصيدليات، والمواقع، بل وحتى مراقبة المحادثات المتعلقة بفايروس “كورونا”. تأتي هذه التدابير المرعبة في إطار شراكة بين الحكومة وشركات الاتصالات الكبرى، من بينها شركة الصين للاتصالات “تشاينا تليكوم” التي وضعت نظام تقييم قائماً على الترميز اللوني، لتحديد هوية المرضى استناداً إلى مستويات المخاطر التي نواجهها. وقد وصف هذا النظام بأنه “داتا لوياثان” الصيني، وهو نظام شمولي قائم على جمع البيانات، لا يختلف عما يحدث في الشرق الأوسط، وإن كان أكثر تطوراً. كان النظام في الأساس مخصص لمراقبة إقليم شينجيانغ ومنطقة التبت فقط، التي لا يتجاوز عدد سكانها 1.8 في المئة من سكان الصين، بيد أن مرض كوفيد-19 قدم للسلطات الصينية فرصة تطبيق هذه الإجراءات في أغلب أنحاء البلاد على طبق من فضة.

تعد إسرائيل ثاني دولة تتبع هذا النوع من الإجراءات الاحترازية، وذلك عندما صادقت الحكومة في 15 آذار على العمل بقوانين “حالة الطوارئ” التي يمكن بموجبها أن يتنصت جهاز الأمن العام الإسرائيلي “شاباك” على هواتف الإسرائيليين الذين كانت نتائج تحاليلهم لفايروس كورونا إيجابية حتى يتسنى له تعقب حركة الفايروس في البلاد. بينما يتلقى الأشخاص الذين تواصلوا مع مص

ظلت الأنظمة الشمولية لأعوام تدعم هياكل فرض سيطرتها على الدولة تحت مسمى “الأمن”، ولهذا غالباً ما تبرر الإجراءات القمعية التي تفرضها بدعوى مواجهة “التهديدات الأمنية” ومتعللةً “بحماية الشعب”. وتستخدم أموراً مثل: التصدي “للإرهابيين” و”العصابات المسلحة” و”التهديدات التي تتوعد الأمن القومي” و”خطر تفكك وحدة الشعب” وما يشبهها، لتبرير الممارسات القمعية العنيفة ضد التظاهرات السلمية وآليات المراقبة الصارمة التي تفرضها والاعتقالات التي تحصل بناءً على منشورات على “فايسبوك”، والقائمة تطول. وفي حالة مرض كوفيد-19، يواجهنا وضع فريد يجمع بين التهديدات الداخلية والخارجية، ما يمنح الدولة الفرصة المطلقة لمضاعفة هذه الإجراءات.

ولا يعني هذا عدم جدوى تلك الإجراءات بوجود النوايا الحسنة. فقد تعلمت تايوان، التي تتباهى بتسجيل 100 إصابة فقط وحالة وفاة واحدة، درساً كبيراً من وباء سارس (متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد) عام 2003، وأعادت تشكيل هياكلها الصحية الأساسية بعد تلك النكبة. تحتوي المطارات في تايوان على مقاييس حرارة مدمجة وتطلب من المسافرين الإبلاغ عن خط سيرهم خلال السفر وحالتهم الصحية باستخدام أكواد كيو آر (رموز استجابة سريعة). فبعد أن حذر خبراء تايوانيون عائدون من الصين في كانون الثاني/ يناير من احتمال تفشي الوباء، اتخذت السلطات تدابير سريعة للغاية، وأصبحت تايوان أول دولة تفرض الحظر على الرحلات الجوية من ووهان وإلها، وحظرت أيضاً تصدير الكمامات. وبفضل تعقب الحالات وتفحصها باستمرار، بالإضافة إلى نظام التأمين الصحي الذي يشمل 99 في المئة من السكان، يمكن القول إن تايوان هي النموذج الأمثل على التعامل الصحيح مع الوباء.

ترجع خطورة تلك الإجراءات في ظل الأنظمة الديكتاتورية إلى أن حدتها لا تتراجع بشكل جليّ، مثلاً هل ستعود الأمور في الدولة إلى “مجراها الطبيعي” بمجرد انتهاء هذه الأزمة؟ وماذا عن احتمال حدوث موجات ثانية من انتشار الفايروس؟ وماذا عن احتمال أن تستخدم هذه الأنظمة الرقابية باعتبارها وسائل للوقاية حالياً، بدلاً من إيجاد حلول سريعة؟ ماذا عن القول إن هذا لحمايتنا، لمجرد الاطمئنان، أليس هذا صحيحاً؟ وبمجرد تنفيذ هذه التدابير، سيكون من الصعب للغاية حملهم على التراجع عنها، وستنهال علينا المبررات من كل صوب.

الصحة العقلية

لطالما عرف من يعيشون بيننا في ظل أنظمة استبدادية أن ما تعلمناه في المدارس عن الموضوعية البحتة للأرقام والعلوم يمكن أن يصبح ببساطة محل سخرية شديدة وانتقاد حاد، إذا ما تطلب الأمر، ليتماشى مع أهواء من في السلطة. وفي غياب المنظمات الرقابية والهيئات القضائية المستقلة والصحافيين المستقلين، إضافة إلى أجواء الرعب التي تلوح في الأفق، تُسحق مشاعر الحماسة والابتكار والتضافر والثقة بشكل ممنهج. وعندما يلي الخطابات الواثقة التي يلقيها السياسيون أحداثاً مأساوية في أغلب الأحيان، يُترك المواطنون في البلدان الشمولية يصارعون مشاعر انعدام الأمن والأمان، مع ترسخ مفهوم أن “البقاء للأقوى” لديهم، تماماً مثل الضحايا الذين يتعرضون للعنف المنزلي منذ فترة طويلة. إذاً، هل الأنظمة الاستبدادية هي الأقدر على التعامل مع الأزمات الصحية؟ ربما الإجابة الصحيحة هي نعم، مثلما يكون الطبيب الفصامي هو الأقدر على إدارة مصحة للأمراض العقلية.

درج

———————

“كورونا” والحاجة الى مواجهة “توحش” الزعماء الشعبويين/ مصطفى إبراهيم

دعوات الأمم المتحدة لمواجهة الوباء تبدو رسائل جافة وهي شاهد على ضعف مؤسسات جيرت وفق مصالح الدول الرأسمالية، وسطوتها وازدواجية سياساتها، وظلم الدول الفقيرة التي تزداد فقراً

لست مندهشاً من الخطاب المرعب الذي وجهه رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون، الذي قال فيه “استعدوا لفراق أحبائكم”، وبدت كلماته أشد وقعاً وخطراً من فايروس “كورونا” نفسه، إذ كشف مدى الشعبوية والأنانية المسيطرتين على زعماء الدول العظمى في التعامل مع الفايروس وقضايا شعوبهم والقضايا الكونية، وتتنكرهم لمبادئ التعاون الدولي.

جملة واحدة تكفي لبث الذعر والترهيب والموت من الخوف، جونسون قال: “قمنا بما يمكننا عمله لاحتواء هذا المرض، تحول المرض إلى وباء عالمي، وستزداد أعداد المصابين بشكل كبير، الرقم الحقيقي للمصابين أكبر، والحكومة تدرس إلغاء التجمعات الكبرى مثل الأحداث الرياضية”.

في عالم يتحكم به ترامب وجونسون وبوتين ونتانياهو، لم يعد من مكان للتعامل مع الأزمات العالمية عابرة القارات بالتعاون والأخلاق الإنسانية المشتركة، بل تعرف العلاقات بين الدول بطابع نفعي أناني، وحصار شعوب دول فقيرة تتحكم بها أنظمة ديكتاتورية تحاصر نفسها بسرقة موارد شعوبها بالقمع وانتهاك حقوق الإنسان وأنظمة صحية فاشلة وفاسدة، وغياب السياسات والتدابير الصحية والإعلامية للقضاء على الأمراض المتفشية والمزمنة.

في ظل ذلك، يبدو الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بإعلانه الحرب على فايروس “كورونا”، كأنه يجدف عكس التيار أو يصرخ في بئر عميقة.

غوتيريش طالب الدول بأن تتحمّل مسؤولية التأهب للعمل وتكثيفه والتوسع فيه، عبر تفعيل نظم الاستجابة لحالات الطوارئ وإحداث زيادة كبيرة في قدرات الفحص ورعاية المرضى، ومن خلال تجهيز المستشفيات وضمان أن تتوفر فيها المستلزمات والعاملون اللازمون.

وأضاف أن جائحة “كورونا” تبرز الترابط الأساسي بين أسرتنا البشرية، مشيراً إلى أن جهود الأمم المتحدة، و”منظمة الصحة العالمية”، استُنفرت تماماً، وباعتبارنا جزءاً من أسرتنا الإنسانية، نحن نعمل على مدار الساعة وطيلة أيام الأسبوع مع الحكومات ونقدم الإرشادات الدولية، ونمد يد العون للعالم في مواجهة هذا التهديد.

إن أكثر الفئات ضعفاً هي الأشد تضرراً، لا سيما كبار السن، وأولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة، وأولئك الذين لا يحصلون على رعاية صحية يعوّل عليها، وأولئك الذين يعيشون في فقر أو تهميش.

ودعت رئيسة المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ميشيل باشليه الحكومات التي تلجأ إلى إجراءات إقفال مناطق وفرض حجر صحي لمكافحة “كورونا”، إلى ضمان احترام حقوق الإنسان.

ورأت أن على عمليات الإغلاق والعزل وغيرها من الإجراءات لاحتواء انتشار كورونا ومكافحة تفشيه يجب أن تتم بشكل يتوافق تماماً مع معايير حقوق الإنسان وبما يتناسب مع تقييم الخطر، وأن يتم تجنب أي تداعيات غير مقصودة من الإجراءات المتعلقة بفايروس “كورونا” على مصادر رزق المتأثرين.

سياسات ترامب وجونسون وبوتين وغيرهم تظهر لا سيما الإدارة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي بخاصة المتنفذة فيها أي فرنسا وألمانيا، والشركات عابرة القارات وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمهيمنة في العالم، وقد قوضت معايير العدالة، وجميع هؤلاء يعملون بطريقة مباشرة وغير مباشرة على تقويض أسس نظام التعاون الدولي الذي وضعت معاييره تلك الدول وتمت ترجمته في الإعلان العالمي لحقوق الانسان والاتفاقيات الدولية.

سعت تلك الدول إلى إضعاف منظمات الأمم المتحدة التي لم تعد تستطيع الانتصار للمعايير التي وضعتها لاحترام حقوق الإنسان والتنمية والمساعدات الإنسانية، وعلى سبيل المثال ما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية من محاولات لإنهاء وكالة الامم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” أو ما تمسى “الرباعية الدولية بفرض الحصار على قطاع غزة” منذ أكثر من عقد من الزمن. وقد يكون لهذا فوائد في منع تسلل “كورونا” إلى غزة المحاطة بالجدران والطائرات والمدافع الإسرائيلية.

دعوات الأمين العام للأمم المتحدة ومفوضة حقوق الإنسان تبدو رسائل جافة وهي شاهد على ضعف مؤسساتها التي جيرت وفق مصالح الدول الرأسمالية، وسطوتها وازدواجية سياساتها، وظلم الدول الفقيرة التي تزداد فقراً، وهي بذلك تساهم في انتشار العنف و”الإرهاب”، وأصبح التعاون الدولي يهدف إلى زيادة هيمنة تلك الدول، وليس لحماية حقوق الإنسان واحترام الكرامة الإنسانية المتأصلة فيه.

وتدعو مؤسسات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية إلى إعمال معايير الحجر الرسمي والمنزلي ووضع أدلة للتعامل مع تلك الحالات ومنع التعذيب والتداعيات البدنية والنفسية والآثار المترتبة عليها.وفي هذه الحالة تكون آليات التعامل النفسي مع حالات الاحتجاز والحجر، المعضلة أكبر من تلك الإجراءات والتدابير، على أهميتها. وذلك في ظل غياب الموارد الاقتصادية لتلك الدول العاجزة عن توفير الحد الأدنى من العيش الكريم لمواطنيها وتعاني الاحتلال والحصار كما في الحالة الفلسطينية. يقدّم ذلك مثالاً صارخاً للهشاشة بخاصة في قطاع غزة حيث 60 في المئة من السكان يعملون في قطاع الخدمات، ما يهددهم بالجوع والعوز، في ظل حال الطوارئ وقطع أرزاقهم، فالسلطة الفلسطينية قائمة على المساعدات الدولية، ولا توفر أي نظام ضمان اجتماعي يوفر لهم الحماية الاجتماعية.

يضاف إلى ذلك عجز السلطة عن توفير المستلزمات الصحية والطبية والمختبرات والخبرات العلمية البحثية.

“كورونا” يكشف زعماء العالم المتنفذين والمتحكمين بمصير البشرية والتخلي عن التعاون الدولي ومساعدة الدول الفقيرة، ولا يمكن لتلك الدول إيقاف انتشاره من دون تعاون دولي، فالقضاء عليه يتم من خلال توفير اللقاحات والدواء التي لا تستطع دول كثيرة توفيرها.

القضاء على “كورونا” يكون بتعاون دولي يحترم معايير الأمم المتحدة ومنظماتها بإعمال الحق في الصحة، من طريق توفير الرعاية الصحية الأساسية وسياسات وتدابير وقائية دولية تحمي الناس من تغول زعماء شعبويين يحكمون العالم وفق مصالحهم، وينشرون الظلم والفقر والعنف وفايروسات الكراهية والحقد وتدهور الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

في ظل التوحش الذي يمارسه الزعماء الشعبويون الرأسماليون تجب مواجهة هدم منظمات الأمم المتحدة وتعزيز التعاون الدولي من خلالها.

وبات من الضروري تشكيل لوبيات حمائية لديمومة عملها وفقاً لمعاييرها التي أقيمت من أجلها في مساعدة جميع الشعوب وفقاً لمبادئ حقوق الإنسان، وإصلاح تلك المنظمات من الفساد وتغول موازين القوى وإعادة الاعتبار وتعزيز ثقة الشعوب الفقيرة فيها، في مواجهة الدول الغنية التي سيطرت على إداراتها وشبهات الفساد التي تحيط بمسؤولين كبار ينفذون سياساتها.

درج

——————————

عن الافتتان بالصين بوصفه هلعاً/ حازم صاغية

قد يكون سابقاً لأوانه الإسراف في التكهُّن المستقبلي عن عالم ما بعد «كوفيد 19» أو «فيروس كورونا». مع ذلك، فبعض سلوكنا ومواقفنا اليوم قد يتدخل في رسم هذا المستقبل، قريباً كان أم بعيداً. من هذا السلوك ظهور إعجاب مستجد، وأحياناً من غير تحفظ، بالصين.

هنا، لا بد، بداية، من ملاحظتين للتوضيح:

الأولى، أن أحد أسوأ ما أشاعته الكارثة الأخيرة – الراهنة كان انفجار العنصرية حيال الصينيين (مآكلهم التي يأكلونها منذ آلاف السنين، تعبير «الفيروس الصيني»…)، وهو ما ردّت عليه الصين بلغة تآمرية ومضحكة (الجيش الأميركي هو السبب).

الثانية أن ما تقدمه الصين من أفكار وعلاجات هو (تعريفاً) جزء مما يحتاج إليه العالم، وجزء من إسهامه، والقدرات الهائلة لبلد كالصين تجعلها بالضرورة صاحبة أفكار وعلاجات (وأدوات وقائية) بالغة الأهمية وقد تحتاج إليها أي دولة.

لكن هذا الإعجاب بالطريقة الصينية، القائمة على السيطرة والضبط والتحكم، يبقى لافتاً. حتى بعض النيوليبراليين، لا الليبراليون فحسب، الذين يؤكدون حرصهم على الحرية والخيار الإنساني أولاً، شاركوا في محفل الإعجاب هذا. أعينُهم بدت شاخصة إلى شيئين: خفض عدد الإصابات، و«النجاح الاقتصادي» الذي يتوقعونه للصين بعد «كوفيد 19». الحرية والخيار، بالنسبة إلى هؤلاء، احتلا أسفل قائمة الأولويات.

استغراب هذا الإعجاب كان ليقل قليلاً لو أن المعجبين ربطوا ذلك بحالة الاستثناء الراهنة. لو أنهم مثلاً قالوا: في حالة الاستثناء، تجوز الإجراءات الاستثنائية. أما التعامل مع الاستثناء كقاعدة، بل كنموذج للتقليد، فهذا شيء آخر.

ومفهومٌ أن يصدر الافتتان بالصين عن بيئات توتاليتارية الهوى، تحب الحكم بالأوامر، والعيش في ظل استثناء دائم يغدو هو القاعدة، خصوصاً أن الوجه الآخر لهذا الموقف هو نقد الديمقراطيات الغربية التي «لا تعبأ إلا بالربح»، و«لا تعبأ بالإنسان». لكن هذا الموقف، حين يصدر عن بيئات غير توتاليتارية، يكون تعبيراً آخر عن الهلع: نريد الحل الآن. لقد ظهر في الصين فجيئونا به من الصين. هكذا تُبنى المواقف والآراء على ضوء ما ورد في آخر نشرة أخبار، أو آخر إحصائية حول الموضوع.

والهلع مُعدٍ، تعريفاً، لا سيما حين يستثير الخوفُ فينا تكوينَنا القطيعي، وكلما زاد الخوف والعجز عن التحكم بمصدر الخوف زاد تأثيره القطيعي علينا.

لكن الهلع أيضاً، وبطبيعته، يلازمه النسيان، بما فيه نسيان ما نعرفه جيداً: هل الآن الوقت الصالح لتذكر أن الصين محكومة بحزب واحد منذ 70 سنة، أو لتذكر «ساحة تيان أن مين»، أو أوضاع مسلمي الإيغور فيها، أو أهل التيبت، أو معاناة هونغ كونغ؟ ليس بين المعجبين بالنموذج الصيني من سيتذكر أو يترجم تلك التجارب المُرة إلى قتلى ووفيات.

والحال أن حكاماً كثيرين في عالمنا اليوم يستثمرون في هذا الهلع، أحدهم بنيامين نتنياهو (وهو نيوليبرالي اقتصادياً) يريد لمكافحة «كوفيد 19» أن تحذو حذو مكافحة الإرهاب، بما في ذلك التنصت على الهواتف الجوالة للمصابين.

ومما يُنسى أيضاً تحت وطأة الهلع أن الحلول التكنوقراطية والأداتية لا يُطمأن إليها حتى حين «تنجح». إن الكلفة المستقبلية على حرياتنا وقدرتنا على التحكم بحياتنا ستكون، والحال هذه، كبيرة جداً.

ثم إن المصاب بالهلع يتثبت على نموذجه الخلاصي الأوحد. إنه لا يتحمل ترف المقارنة بتجارب أقل قسرية من دون أن تكون بالضرورة أقل نجاحاً، كما في كوريا الجنوبية أو سنغافورة أو تايوان أو هونغ كونغ. فكرة الفحوصات الطبية المعممة والجهاز الطبي المتماسك الذي يتكامل عمله مع سائر أنشطة الدولة والمجتمع تبدو كماليات يطردها الهلع المستعجل. وهذا كله يفترض بالتأكيد دوراً رعائياً للدولة ومستوى محتملاً من القسر.

كذلك فطالب الخلاص لا يسائل المخلّص؛ فأن يكون حكام الصين قد عرفوا بالأمر قبل أسابيع وتكتموا عليه، وبالتالي عززوا انتشاره، فهذا ليس وقته الآن. وحدهم الذين يتعاملون مع المسألة من دون هلع، أو الذين هم أقل هلعاً، هم الذين يضيفون كلما تحدثوا عن حكام الصين تعبير: «إذا صدقناهم».

أغلب الظن أن الجهد الذي قد ننفقه على المطالبة بعولمة أوسع نطاقاً، وأكثر عدلاً في توزيع المكاسب والرفاه، وأكثر توكيداً على عالمية الحاكمية والقوانين، سيكون أنبل من المطالبة بأنظمة قومية متشددة «تعمل لصالحنا» من وراء ظهورنا، أو من فوق رؤوسنا.

وأغلب الظن أيضاً أن هذه اللغة تبقى أكثر شبهاً بمن ينسبون أنفسهم إلى الديمقراطية والليبرالية، حتى لو أصابهم حالياً الافتتان بالصين. بيد أن ذلك يستدعي، أولاً بأول، أن نضع الهلع جانباً.

——————–

التباعد الاجتماعي.. هل بات الوسيلة الأفضل لكبح جماح كورونا؟/ محمد أبو رزق

مع الانتشار السريع لجائحة فيروس كورونا المستجد لجأ كثير من الدول الموبوءة، التي وصل إليها المرض، إلى تطبيق ما يعرف بـ”التباعد الاجتماعي”، بمعنى أخذ مسافة بين الأشخاص أثناء تعاملاتهم اليومية داخل البيوت وخارجها.

ويعد التباعد الاجتماعي من التدابير الخاصة لمنع انتشار الفيروس، رغم الآثار الاجتماعية السلبية التي ستنتج عنه بسبب ابتعاد أفراد بعضهم عن بعض وانقطاع التواصل لفترات قد تطول.

منظمة الصحة العالمية سارعت إلى اتباع استراتيجية جديدة بدلاً من” التباعد الاجتماعي”، وهي “التباعد الجسدي”، بمعنى عدم مصافحة أي من الأقارب بعضهم لبعض، أو الأشخاص داخل العائلة الواحدة.

المنظمة طالبت، ضمن توصياتها لمنع تفشي الفيروس، الناس في مختلف دول العالم بالبقاء في البيوت والتواصل عبر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بدلاً من اللقاءات أو الحديث عن قرب ولو حتى بمسافة.

ونصحت المنظمة من هم في منازلهم والمطبقون لـ”التباعد الجسدي” بممارسة الرياضة والاهتمام بالصحة العقلية، والتوقف عن التدخين في الحجر الصحي الذاتي للوقاية من فيروس كورونا.

وينتشر الفيروس اليوم في أكثر من نصف دول العالم، لكنَّ أكثر وفياته وحالات الإصابة الناجمة عنه هي في إيطاليا والصين وإيران وكوريا الجنوبية واليابان.

وسجل العالم، حتى كتابة هذه السطور، أكثر من 300 ألف شخص مصاب بالفيروس حول العالم، ووفاة 11 ألفاً و850 شخصاً.

تجربة ناجحة

وطبقت كل من بريطانيا وأستراليا منهج “التباعد الاجتماعي” لمواجهة الفيروس، إذ أكد مستشارون للحكومة البريطانية أنه ربما تكون هناك حاجة إلى استمرار إجراءات التباعد الاجتماعي عاماً لتخفيف الضغط على الخدمات الصحية في ظل تفشي فيروس كورونا.

وفي وثيقة نشرت الجمعة الماضي، للمجموعة العلمية الاستشارية للطوارئ البريطانية، فإن الحكومة قد يتعين عليها المناوبة بين الفترات التي تفرض خلالها مزيداً من القيود أو تخففها.

كما فرض رئيس الوزراء الأسترالي، سكوت موريسون، الأحد (22 مارس)، التباعد الاجتماعي، وفرض عمليات الإغلاق في المناطق التي يتفشى فيها كورونا المستجد.

كذلك، وجدت صحيفة “الغارديان” أن التباعد الاجتماعي يقلّل من نسب انتشار الفيروس، إذ يعد الإسراع في تنفيذه عاملاً مهماً في خفض نسبة انتشاره من ذروته إلى ما بين 50 و60%.

كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى انخفاض في نسبة الوفيات ما بين 30 و45%، وفق الصحيفة.

أستاذ الصحة النفسية جميل الطهرواي، يؤكد أن تطبيق “التباعد الاجتماعي” أو “الجسدي” بات مهماً في هذا التوقيت الخطير الذي تمر به دول العالم، الذي يشهد انتشار فيروس كورونا المستجد بشكل سريع، خاصة بسبب الاختلاط بين الناس.

ويحتاج تطبيق “التباعد الاجتماعي” بين أفراد المجتمع العربي والخليجي والأسرة الواحدة، وفق حديث الطهراوي لـ”الخليج أونلاين”، إلى وقت، خاصة أن الثقافة العامة والعادات والتقاليد تبعد تحقيق هذا المصطلح بشكل كبير.

ويجب على الإنسان العاقل تطبيق التباعد بين الأفراد، وحتى داخل الأسرة الواحدة، حتى يتم تخطي الفيروس، رغم الآثار السلبية الناتجة عن ذلك، ولكنها سرعان ما سيتم تداركها بعد انتهاء الأزمة، والحديث للطهراوي.

ويضع أستاذ الصحة النفسية عدداً من النصائح للأشخاص لنجاح “التباعد الاجتماعي” داخل المنازل، وهي ممارسة الهوايات بشكل فردي للأشخاص، كالرسم، والقراءة، وإيجاد وسائل للترفيه داخل المنزل.

مبادرات عالمية

وأمام الأهمية الكبيرة من اتباع نصائح منظمة الصحة العالمية في التباعد الاجتماعي، بدأت شركات عالمية كبرى في الترويج لهذا المنهج، بهدف حث الناس على التباعد الجسدي، وتجنب الزحام، لوقف انتشار الفيروس.

ووضعت العلامات التجارية الشهيرة صوراً لمشاركتها في الدعوة للتباعد الاجتماعي، مثل “بيبسي” التي صممت شعاراً جديداً جعلت من خلاله علامتها التجارية مرتدية “كمامة” طبيبة، وكتبت تحتها “أنقذ نفسك من كوفيد – 19”.

كذلك اختارت شركة ماكدونالدز الأمريكية أن تأتي العلامة التجارية الخاصة بها مقطوعة من المنتصف؛ علامة على التباعد، وهو نفس ما فعلته شركة “ماستر كارد” العالمية التي قامت بفصل العلامتين الملونتين بالأصفر والأزرق، وتحت كل منهما وضعت جزءاً من اسمها.

إجراءات صارمة

ستيوارت نيل، من المعهد الملكي البريطاني، يرى أن التدابير الخاصة بالابتعاد الاجتماعي تشمل العمل عن بعد من البيت، وتنظيم الاجتماعات المهنية من خلال الفيديو، وتجنب استخدام مواصلات النقل العام إلا في حالات الضرورة.

وينبغي تنفيذ “التباعد الاجتماعي”، حسب ما نقل موقع أخبار أوروبا عن نيل، اليوم الأحد، بمنطقية وروح عقلانية، وترك مسافة بين الشخص والآخر في حالة الخروج من المنزل.

كما تقول كاليبسو تشالكيدو، من جامعة إمبريال كوليدج في لندن: إن “تطبيق التباعد الاجتماعي يعتبر جهداً مجتمعياً للحيلولة دون انتقال العدوى، وهذا من شأنه أن تكون تكلفته الاقتصادية كبيرة، فهناك دائماً مقايضات”.

أما وزير الأشغال العامة والإسكان الأردني الأسبق ورئيس جامعة “جدارا”، محمد عبيدات، فيرى أن التجارب في ممارسة “التباعد الاجتماعي” في دول العالم أثبتت نجاعتها في مكافحة فيروس كورونا المستجد.

ولنجاح هذه التجربة وكبح جماح الفيروس يقول عبيدان، في مقال له بصحيفة الدستور الأردنية، نشر السبت (21 مارس)، إنه يجب اعتماد منهج التباعد الاجتماعي والعزل المنزلي، واتخاذ إجراءات صارمة لاستكمال ذلك من خلال تطبيق القانون وقرارات مرتبطة به.

وفي مسألة ثقافة “التباعد الاجتماعي” يضيف عبيدان: “حان الوقت للإيمان المطلق بأن ترك المسافة الآمنة بين الناس تمنع انتشار الفيروس؛ كما أن التباعد يحصل بوقف المناسبات الاجتماعية للأفراح والأتراح؛ والأهم من ذلك وقف ثقافة التقبيل والتحضين وحتى السلام باليد مؤقتاً ،والاكتفاء بالإيماء بالسلام عن بُعد”.

وفي حالة تطبيق “التباعد الاجتماعي” في الدول الخليجية والعربية، ينصح المختصون باتباع عدد من الطرق للتواصل مع الآخرين لكسر الجمود وإدخال نوع من المرح، أولها المحادثات الهاتفية بالصوت والصورة، وعدم الصمت مدة طويلة.

كما يوصي المختصون بإشراك الأصدقاء حول اختيار أفلام أو مسلسلات معينة لحضورها في وقت متزامن، والتجمع حول اختيار ألعاب افتراضية واللعب مع الأصدقاء بشكل مشترك.

كما يجب على الأشخاص المطبقين لمنهج “التباعد الاجتماعي” البحث عن الأفكار الغريبة عبر الإنترنت، للخروج من أجواء الجلوس الطويلة.

————————-

نتائجه وخيمة.. “كورونا” يضع العالم على عتبة الركود الاقتصادي

بعد أن أصاب أكثر من ربع مليون إنسان في نحو ثلاثة أشهر، وجعل حكومات جميع دول العالم تتخذ خطوات قاسية لمواجهته، يقترب فيروس “كورونا” المستجد من جعل العالم يمر بركود اقتصادي يخلف دماراً كبيراً على جميع الدول والشعوب.

وحتى إعداد هذا التقرير أصاب كورونا أكثر من 307 آلاف حول العالم، توفي منهم أكثر من 13 ألفاً، أغلبهم في إيطاليا والصين وإيران وإسبانيا وكوريا الجنوبية وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة.

في آخر تقاريرها (الأحد 22 مارس 2020)، توقعت وكالة “ستاندرد آند بورز جلوبال” أن يشهد العالم خلال 2020 ركوداً اقتصادياً مع تصاعد انتشار وباء كورونا، وتراجع النمو الاقتصادي بشكل حاد، بسبب تقلبات الأسواق وزيادة الضغط على مستويات الائتمان.

وقالت الوكالة إن التقديرات ترجح أن يسجل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي نسبة تتراوح ما بين 1% و1.5% خلال 2020، مع احتمالات بالمزيد من التصاعد في المخاطر.

وأوضحت أن البيانات الصينية الأولية تشير إلى أن اقتصاد البلاد قد تضرر بشكل أكبر مما كان متوقعاً، ولكن هناك مؤشرات إلى بداية استقرار مؤقت، في حين تسير أوروبا والولايات المتحدة بنفس الاتجاه، بحسب التقرير، الذي أشار إلى أن “القيود المتزايدة على التواصل بين الناس قد تؤدي إلى تدهور الطلب في مختلف القطاعات”.

وأفادت الوكالة أن تسارع انتشار فيروس كورونا المستجد بشكل كبير، وتفاقم تأثيره الاقتصادي بصورة حادة، يبقي البيانات الاقتصادية المتوفرة محدودة، لكن الأرقام الأولية التي أعلنتها الصين لشهري يناير وفبراير كانت أسوأ بكثير مما كان متوقعاً.

الأمم المتحدة تحذر

الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قال إن الركود الاقتصادي العالمي في ظل تفشي فيروس كورونا أصبح شبه مؤكد، وربما بمعدل قياسي.

وحذّر غوتيريش، في مؤتمر صحفي عقده في نيويورك يوم الخميس (19 مارس الجاري)، من أن يتسبب الفيروس بوفاة ملايين الأشخاص ما لم تعزز حكومات الدول جهودها للسيطرة على انتشاره.

وبيّن غوتيريش أن “الأمم المتحدة تواجه أزمة صحية عالمية لا مثيل لها في تاريخها البالغ 75 عاماً، وهي أزمة تنشر المعاناة في أوساط البشرية، وتؤثر على الاقتصاد العالمي، وتقلب حياة الناس. والركود الاقتصادي العالمي أصبح شبه مؤكد، وربما بمعدل قياسي”.

وأضاف: “ذكرت منظمة العمل الدولية للتو أن العمال في جميع أنحاء العالم يمكن أن يخسروا ما يصل إلى 3.4 تريليونات دولار من الدخل بحلول نهاية 2020”.

وأردف: “هذه، قبل كل شيء، أزمة إنسانية تتطلب التضامن (..)، وتتطلب إجراءات سياسية منسقة وحاسمة ومبتكرة من الاقتصادات الرائدة في العالم”.

وأوضح الأمين العام: “إننا نشهد وضعاً غير مسبوق، ولم تعد القواعد العامة تنطبق، كما لا يمكننا اللجوء إلى الأدوات المعتادة في مثل هذه الأوقات غير العادية. يجب أن يتناسب إبداع الاستجابة مع الطبيعة الفريدة للأزمة، ويجب أن يتناسب حجم الاستجابة مع حجم الأزمة”.

وأكمل: “يواجه عالمنا عدواً مشتركاً، نحن في حالة حرب مع فيروس”، مضيفاً: “إذا ما سمح للفيروس بالانتشار مثل حرائق الغابات، فسوف يقتل الملايين، لا سيما في المجتمعات الأكثر ضعفاً”.

خبراء ومصارف يتوقعون الركود الاقتصادي

مصرف “بنك أوف أمريكا” من بين المصارف الكبرى التي توقعت حدوث “ركود اقتصادي”؛ من جراء تفشي فيروس “كورونا” المستجد.

يتحدث المصرف الأمريكي في تقرير له نشره مؤخراً أن الفيروس أدى إلى تسريح آلاف العمال، واضطر آخرون للعمل من المنازل وتراجعت بورصات العالم، ومن بينها بورصة “وول ستريت”، التي سجل مؤشرها قبل أيام أسوأ جلسة منذ عام 1987.

تقول الخبيرة الاقتصادية في “بنك أوف أمريكا”، ميشيل ماير: إن “الركود” الاقتصادي “حدث بالفعل” في الولايات المتحدة، وتوقعت “ثلاثة شهور قاسية” قادمة.

البنك توقع تراجع الناتج المحلي الإجمالي 12% خلال الربع الثاني من العام الجاري، بعد أن كان قد زاد 0.5% خلال تلك الفترة من العام الماضي.

وأضافت ماير: “هناك وظائف ستُفقَد، وسُتدمر ثروات وسوف تنخفض الثقة”، مشيرة إلى أن نحو 3 ملايين عامل سيفقدون وظائفهم خلال هذه الشهور الثلاثة.

وتوقعت الخبيرة أيضاً أن يرتفع معدل البطالة إلى 6.4% بحلول يوليو القادم، أي ضعف المعدل الذي سُجِّل في فبراير الماضي وبلغ 3.5%.

وتابعت: “سيأتي الخلاص إذا كانت هناك استجابة سياسية قوية لتعويض فقدان النشاط الاقتصادي ولضمان نظام مالي سليم”، وقالت إنه رغم أن الأضرار ستكون كبيرة فإنها ستكون قصيرة الأجل.

صدمة مادية للاقتصاد العالمي

مصرفا “غولدمان ساكس” و”مورغان ستانلي” تحدثا أيضاً عن ركود عالمي بسبب الفيروس.

وأكدا أن ما يغذي حدوث هذا الركود هو تفشي الفيروس في أوروبا والولايات المتحدة، والأضرار التي لحقت بالاقتصاد الصيني.

وبينما توقع “مورغان ستانلي” أن يتراجع النمو 0.9% هذا العام، توقع “غولدمان ساكس” انخفاضه بمعدل 1.25%.

وتوقع خبراء الاقتصاد لدى “مورغان ستانلي” استجابة سياسية للأزمة، لكنهم أكدوا أن تداعيات كورونا ستؤدي إلى صدمة مادية للاقتصاد العالمي.

المصرفان أيضاً توقعا انتعاشاً اقتصادياً في النصف الثاني من العام الجاري.

من جانبه قال روجر داو، الرئيس والمدير التنفيذي لجمعية السفر الأمريكية، إن الاقتصاد الأمريكي تكبد خسائر بلغت 800 مليار دولار حتى الآن، منها 355 ملياراً في مجال صناعة السيارات وحدها.​

ما هو الركود الاقتصادي؟

الركود الاقتصادي هو أزمة اقتصاديّة تحدث عادة عند انخفاض المؤشرات الاقتصادية بشكل كبير لمدة متواصلة؛ ستة أشهر على الأقل.

وتشتمل هذه المؤشرات الاقتصادية على خمسة أشياء هي: الدخل، والعمالة، والتصنيع، ومبيعات التجزئة، وإجمالي الناتج المحلي.

وهناك عدد من الأسباب الكامنة وراء حدوث أزمة الركود الاقتصادي، أبرزها انحسار ثقة المستهلكين بالأعمال التجاريّة؛ مما يقلل من الطلب عليها، ويقود لتفاقم مشكلة البطالة.

ومن الأسباب أيضاً ارتفاع معدلات الفائدة والأسعار، ما يقلل من القدرة الشرائيّة، وانهيار البورصة وسوق الأسهم نتيجة لفقدان الثقة، وانخفاض مبيعات المساكن وانخفاض أسعارها؛ ما يؤدي للتقليل من قيمتها.

وأيضاً من الأسباب التباطؤ في طلبات التصنيع، وإزالة القيود المفروضة على نسب القروض، وخفض الأجور، مما يدفع لتسريح العمال، وارتفاع قيمة أسعار أسهم الإنترنت، أو أسهم المنازل بشكل يفوق المعتاد، وانتظار الناس انخفاض الأسعار للبدء بالشراء.

نتائج الركود الاقتصادي

يعود الركود الاقتصادي بعدد لا حصر له من النتائج، فعلى الرغم من الفترة القصيرة التي يمتد خلالها، فإن آثاره مدمّرة.

ومن أكثر الآثار المؤثرة على المدى البعيد، تفاقم البطالة بشكل كبير جداً، إضافة للضرر الحاصل على الأسر من ناحية القدرة على الادخار، أو حتى التمتع بمستوى معيشة مناسب؛ نظراً لما يخلّفه من انخفاض في مستوى المعيشة، وانخفاض مستويات الصحة والرفاهية للأفراد.

وتشمل آثاره حصول ضرر للمؤسسات والشركات، خاصّة الشركات الصغيرة، ويظهر هذا في انخفاض معدلات التدفق النقدي لها، وفقدان العملاء، والمستهلكين، وانخفاض الطلب على منتجاتها وخدماتها، إضافة للانحدار الكبير في ميزانيتها، الذي يؤدي لتسريح العمال والموظفين.

—————————–

لقاح كورونا.. الصين تبدأ تجارب سريرية ودول أخرى تواصل اختباراتها

بدأت الصين تجارب سريرية للقاح لفيروس كورونا المستجد، في حين يتسابق علماء آخرون في الولايات المتحدة وألمانيا وروسيا ودول أخرى على ابتكار اللقاح، وسط توقعات بأن تستمر التجارب لنهاية العام.

وقال موظف مشارك في المشروع الذي تموله الحكومة اليوم الأحد “بدأ المتطوعون للمرحلة الأولى من التجارب في تلقي اللقاح”، مضيفا أنه سيجري اختبار المشاركين، الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و60 عاما وجميعهم قادمون من منطقة ووهان، في ثلاث مجموعات، وإعطاؤهم جرعات مختلفة.

وبدأت الجهود الصينية لإنتاج لقاح في 16 مارس/آذار الجاري، في اليوم نفسه الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة بدء التجارب لتقييم لقاح محتمل في مدينة سياتل، ويتوقع أن تستمر حتى نهاية العام.

وفي ألمانيا، قال رئيس شركة كورفاك، فرانتس فارنر هاس، أمس إن المصابين بكورونا من الممكن أن يحصلوا على لقاح الخريف القادم، مضيفا أنه بعد “التقدم الذي أحرزه علماء الشركة، فإن التجارب السريرية لهذا اللقاح ستنطلق الصيف القادم”.

وكشف المعهد الاستشفائي الجامعي في مارسيليا بفرنسا أمس أن التجربة السريرية أكدت فعالية عقار هيدروكسي كلوروكين المستخدم لعلاج الملاريا في شفاء المصابين بفيروس كورونا، وأن تأثير هذا العقار يعززه عقار أزيثروميسين الذي يسرع في الشفاء.

وتعليقا على الأنباء الفرنسية، كتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تويتر قائلا إن “تناول مادتي هيدروكسي كلوروكين وأزيثروميسين معا، يحمل فرصة حقيقية ليكون أحد أكبر مغيري قواعد اللعبة في تاريخ الطب”، داعيا الجهات المعنية لطرح هذا الدواء في الأسواق فورا.

وبالتوازي، يعمل علماء في روسيا على اختبار ستة لقاحات مضادة لفيروس كورونا، بحسب ما أعلنت الحكومة مؤخرا. 

وكانت منظمة الصحة العالمية أعلنت يوم الأربعاء الماضي “تجربة تضامن”، وهي دراسة بمشاركة دول عدة لتحليل أدوية غير مجربة من أجل تسريع البحث عن العلاجات المحتملة للفيروس.

وقد أكدت دول مشاركتها بالتجربة، وهي الأرجنتين وكندا وفرنسا وإيران والنرويج وجنوب أفريقيا وإسبانيا وسويسرا وتايلند وإندونيسيا والبحرين.

من جهة أخرى، أعلن ترامب في تغريدة اليوم أن شركات فورد وجنرال موتور وتسلا منحت الموافقة للبدء بتصنيع أجهزة تنفس ومعدات معدنية أخرى، ودعا هذه الشركات إلى الإسراع، كما طالب مديريها بإثبات كفاءتهم.

    Ford, General Motors and Tesla are being given the go ahead to make ventilators and other metal products, FAST! @fema Go for it auto execs, lets see how good you are? @RepMarkMeadows @GOPLeader @senatemajldr

    — Donald J. Trump (@realDonaldTrump) March 22, 2020

المصدر : الجزيرة + وكالات

———————-

==============================

=============================

تحديث 23 أذار 2020

———————————-

النظام السوري وفيروس كورونا.. حالة إنكار تهدد أكثر من مئة ألف معتقل/ سامر القطريب

ناقوس الخطر يقرع في سوريا مع تحول فيروس كورونا المستجد ومرض “كوفيد-19” إلى وباء عالمي، وتسجيل معظم دول الجوار إصابات بالفيروس، إلا أن النظام السوري كان مصرًا على خلو البلاد المشرعة أمام السياحة الدينية القادمة من إيران والميليشيات الإيرانية، من فيروس كورونا الذي قتل الآلاف في إيران، وأجبر طهران على إطلاق سراح آلاف المعتقلين من سجونها. قبل أن يعلن يوم الأحد عن أول حالة إصابة.

 يهدد تفشي الفيروس المعتقلين في سجون نظام الأسد، حيث لم يتخذ النظام أي إجراءات وقائية في معتقلاته المكتظة والتي يموت فيها المعتقلون بأهون الأمراض إن نجوا من عمليات القتل تحت التعذيب، ورغم نكرانه المستمر لوجود أي حالات باستثناء واحدة، أصدر النظام قرارات بإغلاق الجامعات والمدارس والمطاعم وبعض مركز الخدمة، وإلغاء التجمعات والأحداث الثقافية والرياضية.

رئيس فريق منظمة الصحة العالمية للوقاية من الأخطار المعدية عبد النصير أبو بكر، قال إنهم قلقون من عدم إبلاغ نظام الأسد عن إصابات بكورونا، وتوقع “انفجارًا في الحالات”. وأضاف أبو بكر في وقت سابق، في مقابلة مع شبكة CNN الأمريكية، إن “معظم هذه البلدان لديها حالات باستثناء سوريا واليمن، ونحن كمنظمة الصحة العالمية، نشعر بالقلق بعض الشيء، لأن الدول التي قد لا تكون لديها حالات هي ذات (أنظمة) صحة ضعيفة ونظام مراقبة ضعيف”.

وأوضح المسؤول في منظمة الصحة العالمية: “في حالة سوريا.. أنا متأكد من أن الفيروس ينتشر لكنهم لم يكتشفوا الحالات بطريقة أو بأخرى. هذا هو شعوري، لكن ليس لدي أي دليل لإظهاره”، وتابع: “عاجلًا أم آجلًا، قد نتوقع انفجار حالات”، مشيرًا إلى أن “غالبية حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد في الشرق الأوسط تتعلق بالسفر إلى إيران”.

الأمراض تقتل المعتقلين

بحسب قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان فإن هناك ما لا يقل عن 129973 شخصًا لا يزالون قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري لدى قوات النظام السوري منذ اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011 وحتى كانون الأول/ديسمبر من العام 2019.

وحول التهديد الجديد الذي يشكلة فيروس كورونا المستجد على المعتقلين، يقول فضل عبد الغني مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لـ “ألترا صوت”، إن “النظام السوري منفصل عن الواقع وهو ينكر وجود إصابات بفيروس كورونا، وذلك جزء من سياسة النظام، الذي يقول إنه لم يقصف المدنيين بالسلاح الكيماوي ولم يعتقل الأطفال، وفيما يخص وباء كورونا يحاول أن لا يكشف أن النظام الصحي في سوريا متهالك”.

ويشدد عبد الغني على أن المعتقلين تحت خطر حقيقي بسبب الفيروس، بسبب اختلاطهم مع عناصر الأمن والضباط  الذين يقدمون لهم الطعام، وجميعها تعتبر أدوات لنقل الفيروس، ويتابع قائلًا: “خاصة أن النظام ينكر تسجيل إصابات بالتالي لم يتخذ أي احتياطات، والاحتياطات التي يمكن أن يتخذها تتعلق بحاشيته وقياداته الأمنية وعائلة الأسد، أما المعتقلين فهم آخر ما يهم النظام. في الحال الطبيعية عندما يمرض المعتقل يتعذب وقد يموت تحت المرض”.

ويشير إلى أن نسبة الوفيات بسبب سوء الظروف الصحية في المعتقلات تتجاوز الـ 70 بالمئة، فـ”عندما يمرض معتقل هناك إمكانية لنقل العدوى إلى مئات المعتقلين. وثقنا أسلوب الاكتظاظ في سجون الأسد كأسلوب للتعذيب، حيث لكل معقتل مساحة لا تتجاوز 70 سم للفرد الواحد، وتضم الزنزانة حوالي 25 شخصًا على الأقل، إذا أصيب واحد من المعتقلين فإن النظام لن يحجره صحيًا لأنه لا يكترث. لا يوجد عناية ولا عزل، الخطر سينتقل للمعتقلين، كما أن النظام لن يفرج عن أي معتقل”، رغم أن “النظام الإيراني رغم توحشه مع شعبه فقد أطلق سراح الآلاف”.

ويضيف عبد الغني أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان طالبت كما هو مذكور في تقرير الذكرى السنوية للثورة السورية، بإطلاق سراح المعتقلين وخاصة معتقلي الرأي والموقوفين الذين لم تصدر أحكام بحقهم وهم بالآلاف، ويلفت إلى أنه أحد مطالبهم الأساسية، كما طالبت الشبكة بزيارة اللجنة الدولية للصليب الأحمر للمعتقلات، وبعد بضعة أيام أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية بيانًا حول ذلك. ويشير عبد الغني إلى أنه “يعتقد أن المطالبات لن تؤدي لنتيجة لأن النظام لا يكترث بها وبعلاقته مع القانون والمجتمع الدولي”. ويتساءل: “هل الروس والإيرانيون سيمارسون ضغوطًا؟ لا أتوقع، ينتظر المعتقلون مصيرًا أسود وتهديدًا حقيقيًا للآلاف منهم. نحن مع بقية المنظمات الدولية نحمل المسؤولية للنظام وروسيا التي تحميه وعلى المجتمع الدولي، وندعو لضغط دولي لمنع انتشار كورونا في سوريا، الذي يعني انتشاره في المنطقة/ لذا نأمل بتحرك قريب”.

إما إطلاق سراح المعتقلين أو إجراءات وقائية

ما زال ملف المعتقلين عقدة صعبة الحل، في جميع الاجتماعات والاتفاقات الدولية والإقليمية حول سوريا، إذ يستغل نظام الأسد الملف لاستخدامه في أي مفاوضات مقبلة. وتوضح فدوى محمود عضو “عائلات لأجل الحرية” في حديثها لـ “ألترا صوت”، أنه إما أن يطلق النظام سراح المعتقلين تعسفيًا في سجونه أو أن يتخذ إجراءات حقيقية لمنع انتشار الفيروس بينهم. وتضيف أن “فيروس كورونا كارثة تنتظر حدوثها لآلاف المعتقلين، وأكثر من 100.000 شخص اختفوا قسرًا هم عرضة للخطر، وكثير منهم محتجزون في زنازين تحت الأرض وفي مراكز الاحتجاز التابعة للنظام، حيث يحتاج المعتقلون إلى التناوب على النوم لأنه لا توجد مساحة كافية للجميع للاستلقاء دفعة واحدة”.

وتبين أنه “قد تم بالفعل توثيق مجموعة من المشاكل الصحية على نطاق واسع بسبب الظروف المروعة، بما في ذلك السل والجرب. مما لا شك فيه أن المعتقلين يعانون من سوء التغذية وأنهم يتعرضون للتعذيب بانتظام. كما أن الأطباء والمنظمات الطبية لا يمكنهم الوصول إلى مراكز الاحتجاز هذه”.

يصر نظام الأسد على أنه لا توجد إصابات بكورونا باستثناء واحدة في سوريا، على الرغم من وجود الآلاف من المليشيات الأجنبية وحضورها الكثيف في مناطق سيطرته، وعلى الرغم من بيان رسمي من لبنان يؤكد أنه في 2 من آذار/مارس الجاري، تم منع دخول حافلة قادمة من سوريا للاشتباه في أن بعض ركابها مصابون بالفيروس.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن عشرات آلاف المحتجزين يقبعون في السجون السورية. اعتُقل الكثير منهم تعسفيًا بسبب مشاركتهم في احتجاجات سلمية، أو بسبب التعبير عن رأي سياسي معارض. وأضافت أن التعذيب والإعدامات يتسببان بمقتل الآلاف من المحتجزين لدى النظام السوري، لكن السجناء يموتون أيضًا بسبب الظروف المروّعة في السجون. وقد قابلت “هيومن رايتس ووتش” محتجزين سابقين وصفوا ظروفًا في زنازينهم انتهكت حقوقهم في الصحة والحياة وارتقت إلى حد المعاملة اللاإنسانية أو المهينة.

وأشارت المنظمة إلى أن بقية دول العالم تتخذ إجراءات وقائية واسعة النطاق لمنع انتشار الفيروس. ورغم إعلان النظام اتخاذ عدد من الإجراءات التي تهدف إلى أن تكون وقائية، لكن بالطبع لا تصل هذه التدابير إلى الأشخاص الأكثر عرضة، بحسب المنظمة.

وأصدر نظام الأسد مؤخرًا قرارًا بإغلاق الأسواق والأنشطة التجارية والخدمية والثقافية والاجتماعية باستثناء مراكز ومحلات بيع المواد الغذائية والتموينية والصيدليات والمراكز الصحية الخاصة والمنشآت الخدمية، وقبل ذلك أعلنت حكومة النظام تعليق الدوام في الجامعات والمدارس، وتأجيل انتخابات “مجلس الشعب” ومنع دخول القادمين من الأردن ودول الجوار.

كما أعلن النظام إيقاف حافلات النقل الداخلي في حلب وحمص واللاذقية وطرطوس حتى إشعار آخر، وهي محافظات تنتشر فيها الميليشيات الإيرانية واللبنانية وكلا البلدين يشهدان تفشيًا لفيروس كورونا وفقدان للسيطرة عليه.

وكانت وكالة سمارت قد نقلت عن مصادر طبية خاصة الجمعة، أن 33 شخصًا بينهم طبيب وممرض وممرضة أصيبوا بـ فيروس “كورونا” في مدينة حلب، وسط تكتم من حكومة النظام  وإجراءات أمنية مشددة، وذلك بعد علاجهم وتعاملهم مع عناصر من الميليشيات الإيرانية.

الترا صوت

———————–

كورونا.. الديمقراطية بين قوسين/ خضر الآغا

يتم الحديث بكثرة عن احتواء الصين، إلى حد كبير، لوباء كورونا، ويتم إرجاع ذلك إلى الدكتاتورية الصينية. في الصين يتم اتخاذ القرار مركزيًا ويتم الالتزام به إرغاميًا، شأن الدكتاتوريات حول العالم. لا شركات تحكم وتتحكم وتقرر ـ بناء على مصالحها الخاصة ـ مستقبل شعب بأكمله، ولا تحالف رأسمال قادر على وضع الخطط الاستراتيجية واختراقها وقت الحاجة كما في الدول الرأسمالية، ولا برلمان يمكن أن يعطل أعمال الحكومة… ويتخذ بعض أعداء الديمقراطية من هذا النهج الصيني في احتواء الأزمة سببًا مبررًا لامتداح الدكتاتورية، وهجو  الديمقراطية عبر تبيان عجز الأنظمة الديمقراطية عن الاستجابة للأحداث الكبرى، لا سيما بعد تفشي الوباء بمستويات قياسية في أوروبا، أكثر الدول ديمقراطية في العصر الحديث.

ثمة تصريحات لمسؤولين صينيين تقول إن أوروبا والولايات المتحدة غير قادرين على احتذاء النموذج الصيني نظرًا لمستويات اتخاذ القرار المعقدة هناك، وكانت منظمة الصحة العالمية أشادت مرارًا بالـ”المعجزة” الصينية في احتواء الوباء قاصدة عبر ذلك حث باقي الدول على نهج المنهج الصيني ذاته، ضمن معرفة المنظمة بتعقيد اتخاذ القرار في الدول الديمقراطية.

نحن نعرف أن في الأنظمة الدستورية حول العالم ما يسمح للحكومات بوضع الديمقراطية بين قوسين في حالات الحروب والكوارث والأوبئة. الوضع بين قوسين هو نوع من تعليق الأمر، أو تنحيته جانبًا بسبب إعاقته إجراءات سريعة وحاسمة، ثم العودة عن ذلك ريثما تنتهي الأزمة. وضع الديمقراطية بين قوسين ليس عملًا منافيًا للديمقراطية، بل في صلبها فهو يستند إلى الدستور. المشكلة تكمن في أن الكثير من الأنظمة التوليتارية اتخذت من هذا المبدأ الدستوري ذريعة لوضع الديمقراطية ليس بين قوسين فقط، بل تحت الأقدام العسكرية، في سوريا مثلًا نعيش منذ العام 1962 في حالة الطوارئ تحت يافطة أن البلد في حالة حرب مع إسرائيل، على الرغم من أن أكثر نظام حمى عدوه هو النظام السوري. وهذا الأمر ذاته حدث في ألمانيا النازية وغيرها… ما جعل اتخاذ هكذا قرار مشوبًا بالتطاول على الديمقراطية، على الرغم من أن ذلك يدل على ضعف النخب السياسية الحاكمة في البلدان الديمقراطية ولا يدل على ضعف الديمقراطية ذاتها. ففي الأنظمة الديمقراطية الحديثة ثمة تغوّل للرأسمال وللشركات الأمر الذي جعل من النخب الحاكمة ليست معبرة عن مصالح الشركات فقط، بل منفذة لمصالحها، لذلك تخرج القرارات الحكومية، وقت الأزمات والكوارث والأوبئة، بمراعاة شديدة لمصالح الشركات، الأمر الذي يجعل قراراتها متباطئة ومرتبكة.

في تصريح للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل اعتبرت أن الحكومة تتخذ بعض الإجراءات غير الديمقراطية من حظر تجول وحجر منزلي، لكنها اعتبرت ذلك ضروريًا لمواجهة الوباء، وقد بدا في لهجتها نوع من الاعتذار عن وضع الديمقراطية، ولو نسبيًا، بين قوسين. لكن ردة الفعل كانت بمطالبتها بمزيد من الصرامة في هذا الإجراءات، الناس لا يريدون التنازل عن الديمقراطية حيث لا بديل إنسانيًا واجتماعيًا وسياسًا لها، لكنهم يريدون وضعها بين قوسين لمواجهة الوباء، وهذا عمل  دستوري.

المشكلة ليست في الديمقراطية، بل في تحكم الشركات ورأس المال بالمجتمع من جانب، وبالديمقراطية التمثيلية التي تضع إي قرار يمكن اتخاذه على محك الناخبين وقدرته على حشدهم من جانب آخر. الديمقراطية، حتى الآن، هي الوصفة الناجحة للبشر، لكن المشكلة في نخب حاكمة ضعيفة ومرتهنة للرأسمال ولصندوق الانتخابات.

العلاج يكمن في الأنظمة السياسية وليس في الديمقراطية كمبدأ وطريقة حياة. لكن، قبل هذا وذاك، نعرف أن عموم البشر لا يفكرون الآن لا بهذا ولا بذاك، بل بإنهاء هذا الوباء وبعد ذلك، ليكن ما يكون.

الترا صوت

————————-

الكورونا في الساحل السوري: إعلان الإصابات أمن قومي سوري!/ حازم مصطفى

ما هي حقيقة كورونا في سوريا؟ هل يخفي النظام الإصابات حقا؟ ولم؟ وحتى لو أراد إخفائها فهل يسطيع؟ وما حال المشافي السورية اليوم؟ هل هي مجهزة وقادرة على التعامل مع الأزمة بعد سنوات حرب طويلة استنزفت هذا القطاع بشكل شبه كلي تقريبا؟ وكيف يتعاطى الشعب السوري اليوم مع أقوال الحكومة من جهة ومع مخاطر الفيروس من جهة أخرى… أسئلة يحاول هذا التحقيق الإجابة عليها من داخل سوريا.

رغم التعميم الصادر بوقف وإغلاق جميع أنواع التجمعات البشرية، ومنها التعازي، فإن تعزية وزير الدفاع السوري اﻷسبق، العماد علي حبيب، في منطقة “صافيتا”، حتى ساعة كتابة هذه المادة، ما تزال تستقبل المعزّين من وزراء ومسؤولين في حزب البعث والحكومة ومواطنين وتقدم القهوة المرّة والشاي لهم في مبرّة القرية.

أولاد الوزير اﻷسبق هم من اﻷطباء والمهندسين الذين يفترض معرفتهم وإدراكهم التعليمات الحكومية بمنع التجمع بكافة أشكاله وخطورة مثل هذه التجمعات واحتمال تسببها بكارثة حقيقة على المحيطين. لكن على ما يبدو فإن عدم التصديق والسخرية والهزء ما تزال سمة الشارع السوري في الساحل وربما غيره في سوريا، رغم الكوراث التي من الممكن أن تحصل في البلاد في حال انتشر فيروس الكورونا المستجد (COVID-19).

وعلى ما يبدو فإن الشرطة المحلية ليس لديها السلطة الكافية لإغلاق هذه التعزية، في حين أنها تدخلت في مناطق مختلفة لمنع تعازي أخرى وتجمعات كما حدث في منطقة بانياس، فقد أغلقت عزاءاً في قرية “بستان الحمام” (ريف بانياس) قبل نهايته بيومين، في حين انبرى بعض اﻷهالي إلى إلغائها طوعياً كما فعلت عائلة الدكتور المهندس “باسم علي” وأخوته في مدينة طرطوس نفسها التي  أعلنت عن تقبلها العزاء بوفاة والدتهم عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي حرصاً “على سلامة المحبين المعزين و إيمانناً بمشاعرهم الصادقة النبيلة تجاهناً والتزاماً منَّا بالقرار الأخير الصادر مساء 17 آذار 2019 “.

إلا أن استمرار تعزية وزير الدفاع اﻷسبق، ليست وحدها التي استمرت بحضور المجاميع العددية الكثيرة، فهناك غيرها من تعازٍ استمرت وتجمعات امتدت، خاصة بعد إغلاق التجمعات على اﻷفران لتظهر بعدها طوابير على مادة الخبز لدى المعتمدين، كما أن حركة الأسواق والشوارع والتجمعات تضاءلت نسبتها ولكنها لم تختلف تماماً من شوارع الساحل ومناطقه، كما مناطق سوريا اﻷخرى الذي تبدو استجابته حتى اﻵن للتعليمات الحكومية والصحية أقل من المتوقع إلى درجة “تهديد” الحكومة للناس بفرض حظر تجول إجباري في قادم الوقت في حال عدم الاستجابة للحجر الصحي الطوعي، وهو ما فعلته عشية عيد اﻷم في 21 آذار.

تكذب الحكومة السورية أو لا تكذب؟

بعد طول تلكؤ ووسط تشكيك كبير أعلنت وزارة الصحة عن أول إصابة بسبب فيروس كورونا المستجد (COVID-19). وقبل هذا الإعلان وبعده، كان التشكيك والتكذيب سيد الموقف لدى الشارع السوري وعلى منصات التواصل الاجتماعي بين مصدّق لأقوال الحكومة ومكّذب لها، ولكل فريق أدلته منها أدلته الاستنتاجية والعقلية بعيدا عن التأكيدات الرسمية.

يقول المكّذّبون أنه باعتبار أن سوريا لم تغلق حدودها مع الجوار حتى فترة كان الفيروس قد انتشر فيها في كل من لبنان والعراق واﻷردن، فهناك احتمال قوي لوجود إصابات تخفيها الحكومة ووزارة الصحة، إضافة إلى استقبال مطار دمشق الدولي عشرات الرحلات الجوية من طهران المصابة بالفيروس بكثافة وغيرها،  دون إجراء فحوصات دقيقة، فإن الاحتمال يرتفع، ومن طهران وصلت آخر طائرة قبل إغلاق المطار وكان على متنها 140 راكباً عبر شركة أجنحة الشام ونُقِل جميع ركابها إلى مركز الحجر الصحي في الدوير (قرب دمشق) الذي كانت له قصة هو اﻵخر عبر نشر مجموعة صور عنه توضح الوضع المتردي فيه لجهة قدرته على القيام بوظيفة الحجر الصحي الصحيحة بغياب أية تجهيزات وبوجود ازدحام خانق فيه.

وفي غياب ثقة متبادلة بين الحكومة والشعب، فإن شكوكاً كثيرة انتابت اﻹعلان السوري إصابة واحدة فقط، يقول أحد الشباب المتابعين لحكاية ما انحكت بدقة: “بدأ الفيروس بالانتشار منذ حوالي شهر متسبباً بذعر عالمي، ومنظمة الصحة العالمية ترسل توصيات لكل الدول لبدء إجراءات الوقائية والتوعية، لكن ما حدث أن  المؤسسات في سوريا قامت فقط بالنفي المستمر بدلاً من حملات التوعية المكثفة. ولو أن لدى الشعب ثقة بمؤسساته، ولو أن هذه المؤسسات تحترم نفسها ما كان وضع البلد على ما هو عليه”، ويتابع الشاب متسائلاً: “ما سر النعوات التي غطت الفضاء اﻷزرق وكلها نعوات لأناس ماتوا هذا الشهر بـ “التهاب رئوي”؟ (لكن ورداً على هذا الحديث لا يتم ذكر أسباب الوفيات بهذا الشكل على النعوات أبداً)، المنطق يقول أن إيران التي خرج منها مئات الأشخاص المصابين بالفيروس إلى كل دول الخليج والسعودية ولبنان وسوريا، دون القول بالتأكيد أنها نظرية المؤامرة الشهيرة لدى الكل، ولكن لنفترض أن اﻷمر جهل بانتشار الفيروس وعدم وجود كودات التحليل إلا مؤخراً، إلا أن المؤسسات السورية لم تقم بإجراء احترازي كوضعهم في الحجر الصحي قبل إعطائهم حرية التحرك بالبلد بين المدنيين وفي الأسواق”.

إلا أن هذا الكلام ترد عليه طبيبة اختصاصية في اﻷمراض التنفسية هي الدكتورة “ليلى العلي/ اسم مستعار”، التي تؤيد فكرة أنه لا يوجد إصابات فتقول: “من المهم معرفة أن الالتهاب الرئوي ذو أنواع كثيرة، وكل عام يصاب فيه في فصل الشتاء مئات اﻷشخاص، منهم من يتماثل للشفاء ومنهم من يموت، ويختلف العدد تبعاً للسجل المرضي لكل شخص، وعمره، وضغط دمه ومعالجاته السابقة، إضافة إلى اختلاف الزمر النسيجية والدموية وطرق الغذاء وأمور أخرى كثيرة، والكورونا أحد أنواع الالتهاب الرئوي له وحده سبعة أنواع منها نوعين اثنين خطيرين والجائحة الرئيسية موجودة في المنطقة منذ العام 2012، وحالياً هناك أجهزة خاصة في مخبر الوزارة المركزي زودتها بها منظمة الصحة العالمية، وعند وفاة أي شخص بالالتهاب الرئوي، فإنه يلف بالنايلون أو بأي وسيلة تمنع انتقال العدوى إلى الجوار أثناء الحمل والنقل، ولكن مصابي الكورونا عند وفاتهم يجب إما حرق جثثهم أو وضعها في توابيت مصنوعة من الرصاص المانع لانتقال العدوى، وعدم وجود مشيعين، وفوق ذلك على المرافقين ارتداء الملابس الواقية من التلام