فيروس كورونامنوعات

الفيروس الذي يفتك بالعالم، فيروس العزلة والخوف -متابعة متواصلة ومقالات مختارة-

======================

الجزء الأول من هذه المتابعة على الرابط التالي

فيروس كورونا الذي اجتاح العالم، ماذا عن سورية؟ -مقالات مختارة- ملف محدث يوميا

كورونا الرأسمالية المتأخرة: تفكيك التواصل وعولمة الموت/ صبحي حديدي

في كانون الثاني (يناير) 2017 انتهز الرئيس الصيني شي جين بينغ انعقاد منتدى دافوس كي يعلن خطوات إضافية طموحة لدخول الصين في عباب العولمة الكونية، عبر المشروع الكوني العملاق «حزام واحد، طريق واحد»، أو «مبادرة الحزام والطريق» في التسمية الأخرى. كان عمر المشروع أربع سنوات، لكنه في تلك السنة اكتسب صفة «أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية»، كما يقول توصيفه في الموسوعات التبسيطية؛ وكان مسعاه المركزي هو إحياء طريق الحرير الشهير الذي شهدته عصور التحديث الأولى في القرن التاسع عشر، ثمّ التركيز على شقّ الطرق ومدّ السكك الحديدية وتشييد الجسور وإنشاء مصانع الحديد والصلب ومنشآت الطاقة. كلّ هذا على محاور تجارية ونقدية (تحتسب اليوان الصيني في المرتبة الثالثة بعد الدولار واليورو)، وجيو سياسية (تشمل أكثر من 68 دولة، و65٪ من سكان العالم).

لم تكن تلك أضغاث أحلام، بادئ ذي بدء، ولم يكن الرئيس الصيني يهرف بما لا يعرف لأنّ ما في حوزته من أرقام، يعرفها العالم بأسره فلا أسرار فيها بل العكس هو الصحيح لجهة معايشة البشرية لآثارها ومفاعيلها وعواقبها: الصين، خاصة بعد أن مضى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعيداً في انتهاج الاقتصاد القوموي والانعزالي، باتت مقام العولمة الأوّل والأكبر، وهي اليوم الصانع والصيرفي والمصدِّر والتاجر والمستثمر، العابر للقارات والحواجز والعوائق والأسوار (بما في ذلك سورها العظيم وريث تواريخها وحضاراتها). إنها كذلك، وهذا ما حرص بينغ على تنبيه آخر الغافلين إليه، اقتصاد هائل يجمع نقائض النظام الرأسمالي واقتصاد السوق، إلى اشتركية الدولة والسوق المركزية؛ وبين نقيض ونقيض ثمة منهجيات اقتصادية عليا، تعتمدها قطاعات الدولة والقطاعات الخاصة كلٌّ حسب حاجته، تستأنس بتشخيصات كارل ماركس وماو تسي تونغ لمعضلات الرأسمالية، وكذلك الحلول العلاجية التي اقترحها أمثال فردريش هايك وجون ماينر كينز على الصفّ المقابل.

ذلك لم ينقذ البلد من أوجاع الرأسمالية، أو بالأحرى التيارات النيو ليبرالية، التي امتلكت سريعاً مرونة عالية في الجمع بين النقائض لصالح مجموعات الضغط الممثلة لقطاعات التصدير؛ إلى درجة أنها استأثرت بحصّة الأسد في مبلغ الـ585 مليار دولار الذي أطلقته الدولة على سبيل إنعاش الاقتصاد بعد أزمة 2008 المالية التي هزت العالم. ليس هذا فحسب، بل إنّ تمييزاً جغرافياً في توزيع الحصص الإنقاذية جعل الحكومات المحلية والشركات الخاصة في شرق وجنوب شرق البلاد مركز ثقل لانقسام على صعيد اليد العاملة والصناعة والتصدير.

هذا رأي باحث اقتصادي بارز مثل والدين بيلو، فيليبيني، ناقد مرّ للرأسمالية المعاصرة، يساري التوجه وصاحب مؤلف شهير ذي نفوذ كبير عنوانه «قائم الرأسمالية الأخير: اللاعولمة في عصر التقشف»، ولا يُعرف عنه كره مسبق للتجربة الصينية على أسس عقائدية: «في سنة 2019، ورغم الحرب التجارية المتفاقمة بين الصين والولايات المتحدة، لاح أنّ العولمة لم تشفَ من الأزمة المالية التي وقعت قبل عشر سنوات فقط، بل إنّ الصين أصبحت ورشة العالم بلا منازع، بالنظر إلى تواصلها الهائل مع بقية العالم»، يكتب بيلو.

و«التواصل» كلمة مفتاحية في مناقشة بيلو لهيمنة الاقتصاد الصيني عالمياً، وكذلك مصدر حاسم لمعضلاته؛ فضلاً، بالطبع، عن كونه السبب المباشر لهذا الانتشار الخرافي غير المسبوق لفيروس كورونا المستجد. الأرقام، اللافتة حقاً، تقول إنّ العام 2018 شهد قيام الصين، والصينيين استطراداً، بـ149 رحلة خارج بلدهم، بما يتجاوز أيّ رقم آخر، حتى في الولايات المتحدة؛ وأنّ السياحة الصينية، خارج البلد دائماً، أنفقت 130 مليار دولار خلال العام ذاته. وليس مشروع «حزام واحد، طريق واحد» سوى خطوة كبرى على درب «التواصلية» الصينية، التي تطيّرت منها مراكز أبحاث معنية بمشكلات الجنوب، وأطلقت عليها الكاتبة الهندية أرونداتي روي تسمية «عَمْلَقة المرض». وكان الرئيس الصيني، في خطاب دافوس 2017، قد تفاخر بأنّ الصين «تعلمت السباحة في محيط الاقتصاد الكوني»، وحثّ قادة الدول ومدراء الشركات الكبرى على «التأقلم مع العولمة، وإخماد نتائجها السلبية، وإيصال منافعها إلى جميع البلدان والأمم».

ليس مستغرباً، والحال هذه، أن تتصاعد أصواتٌ محافظة ويمينية متطرفة، وتصاحبها تنظيرات ليبرالية هنا وهناك، تكيل الاتهامات إلى الصين في هذا الانتقال المذهل لفيروس كورونا المستجد؛ حيث تختلط كلمة حقّ يُراد منها الباطل، ويجري إحياء الآراء التي شيطنت الصين واقتصادها لأسباب شتى، معظمها سيء الطوية. ولعلّ بيتر نافارو، صاحب كتاب «الموت بيد الصين: مواجهة الصين»، الذي يحدث أيضاً أنه أحد أبرز المقرّبين من ترامب في ميادين الاقتصاد؛ هو الملهم الأوّل خلف التعبيرات العنصرية التي لجأ إليها الرئيس الأمريكي في الحديث عن «الفيروس الصيني»، وتصنيف الصين في مرتبة «المعتدي الاقتصادي»، بحيث علّق ترامب ميادين فشل السياسات الليبرالية الأمريكية على «مؤامرة صينية». كذلك فإنّ ركود الاقتصاد العالمي الراهن، في أعقاب تفشي فيروس كورونا، ليس ناجماً عن الحجر على الأشغال والأعمال والتصنيع والأنشطة المختلفة، فحسب؛ بل، أيضاً، لأنّ الكثير من الصناعات في الغرب، والإلكترونية منها تحديداً (أبل وفوكسكون خصوصاً) هاجرت إلى الصين عبر تعاقدات ثانوية من جهة أولى، كما اعتمدت على الموادّ وقطع الغيار والأجهزة الصينية من جهة ثانية.

لكن الصين، غنيّ عن القول، ليست مقرّ العولمة الأوحد كي تكون المسؤولة الأولى عن نزعة التواصل التي نقلت الفيروس إلى أربع رياح الأرض؛ وتسببت، استطراداً، في تفكيك التواصل بدل تعزيزه، وفي إشاعة الموت بدل توطيد مجتمع الرفاه والرخاء والأمان، الذي تنبأ فرنسيس فوكوياما بأنه مجتمعاته الغربية سجّلت نهاية التاريخ! ففي مقالة صاعقة، نشرتها مؤخراً مجلة «ذا نيشن» الأمريكية، ذكّرت سونيا شاه بأنّ الفيروسات (التي قفزت من أجساد ضيوفها الحيوانات، حيث لم تكن مؤذية؛ إلى أجساد الآدميين، حيث ألحقت الأذى القاتل)؛ باتت شائعة بصفة متزايدة لأنّ بني البشر يجتاحون الحياة البرية عن طريق قطع الأشجار وتدمير الغابات. 60٪ من الجينات الميكروبية المُمرضة التي ظهرت خلال العقود القليلة الأخيرة مصدرها الحيوانات، والثلث منها مصدره الحياة البرّية.

وتشير «رابطة العالم البرّي» العالمية إلى أنّ مشاريع تدمير الحياة الطبيعية سوف تؤثر على 1700 مكمن للتنوّع البيئي، وعلى حوالي 265 من الأنواع المهددة بالانقراض. في المقابل، تطوّر 800 نوع هجومي اجتياحي، بينها 98 من البرمائيات، و177 من الزواحف، بسبب الانقلابات القسرية في أعراف الحياة البيئية الطبيعية من جهة أولى؛ وكذلك، والحديث جادّ وعلمي هنا، لأنّ الطبيعة تميل إلى «الثأر» من منتهكي قوانينها وتوازناتها!

وكيف، على ضوء رأسمال الرخاء واقتصاد السوق والليبرالية الجديدة أو المتوحشة، يمكن للمرء أن يقرأ وفاة العشرات من المسنين في مراكز الإيواء، على أسرّتهم ومن دون حدّ أدنى من الرعاية أو العلاج، في دول مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا؟ الأيسر، بالطبع، ذهاب البعض إلى اتهام الحيوان بإيذاء الإنسان، ابتداءً من جنون البقر والخنازير والدجاج، وليس انتهاء بالخفافيش والأفاعي وآكلي النمل؛ وثمة كثر يواصلون استيهام مسؤولية كهذه وردّ عقابيلها إلى الحيوان، أو رفعها إلى السماء على سبيل التضرّع والدعاء. الأصعب، بالطبع، ولكن الأكثر صواباً ومنطقاً وانتهاجاً للعلم، أن يتوغل المرء عميقاً في أصول البلوى وجذورها التي تخصّ التعاقد التدميري الوحشي الرهيب بين العولمة والطبيعة، وبين ثقافة تتوخى اتصال الربح لكي تنتهي إلى تكريس عولمة الموت.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

——————————-

الخوف وحده هو المؤكد/ منى رافع

رغم انتشار الهلع على صفحات فيسبوك بعد إعلان وزير الصحة في حكومة النظام السوري، يوم الثاني والعشرين من شهر آذار (مارس) الجاري، عن تسجيل أول إصابة بفيروس كورونا في سوريا، إلا أن الخبر لم يكن مفاجئاً لكثير من السوريين في مناطق سيطرة النظام، بقدر ما كان تأكيداً على المخاوف المنتشرة بينهم، لا سيما مع الإجراءات المتلاحقة التي أعلنها النظام في الفترة الأخيرة، بما فيها إجراءات جاءت قبل ساعات من التصريح عن أول إصابة في سوريا، ومن بينها إعلان مديريات الصحة في عدة محافظات عن تجهيز مشافٍ لاستقبال الحالات المشتبه بإصابتها، وتجهيز بعضها الآخر للحجر الصحي.

وكان وزير الصحة قد قال إن الشابة المصابة قادمةٌ من بريطانيا إلى سوريا عبر لبنان، وإنها موجودة الآن في دمشق، إلا أن تناقضاً في التصريحات الرسمية بخصوصها قد حصل، إذ قال وزير الصحة إنها كانت من ضمن الموضوعين في الحجر الصحي، ليعود مدير صحة ريف دمشق ويقول إنها لم تكن من ضمن المحجورين، كما أنه لم يصرح عن المشفى الموجودة فيها. لكن ما أطلق موجة هائلة من السخرية على وسائل التواصل الاجتماعي، كان إعلان وزير الصحة بعد أقل من ساعة أن المُصابة تتماثل للشفاء. ويمكن بسهولة لمن يتابع تعليقات السوريين في الداخل، بمن فيهم مؤيدون للنظام، أن يرى مدى تدني ثقة عموم السوريين بالنظام وإعلامه ومؤسساته، التي يبدو أنها تسعى لإخفاء كثير من الحقائق التي يعرفها الجميع، مثل كثافة الحركة العسكرية الإيرانية في سوريا، وخطوط تنقلاتها بين سوريا وإيران ولبنان والعراق على نحو لا يتم ضبطه. ولعل انعدام الثقة هذا هو ما دفع النظام للإعلان، عبر صفحة وزارة الداخلية، في الثالث والعشرين من شهر آذار الجاري عن وجوب استقصاء الأخبار المتعلقة بانتشار المرض من المصادر الرسمية فقط، وعن أنه سيتم رصد ومتابعة كل من يقوم بنشر أخبار كاذبة وملفقة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، من شأنها إثارة الخوف والهلع لدى المواطنين، وملاحقتهم واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

موجة إشاعات في حمص

قبل حوالي عشرين يوماً من الآن، كُنّا قد حضرنا أنا وزميلاتي في العمل عزاءً لوالدة إحدى الزميلات، التي أُخبرنا بداية أنها توفيت جراء جلطة دماغية، لكن أثناء التعزية عرفنا أن المرأة السبعينية توفيت نتيجة «ذات الرئة» التي أصيبت بها قبل فترة قصيرة، لتتوفى بعد أيام من وضعها في العناية المركزة. دبّ الهلع فينا نحن اللواتي حضرنا العزاء، وقمنا بمراسم التعقيم والتطهير اللازمين لهكذا أمر، رغم أن ذويها أكّدوا أن المتوفاة كانت خالية من الأمراض، وأن الأطباء أكدوا إصابتها بذات الرئة.

لن نعرف أبداً إن كانت السيدة التي توفيت مصابة بكورونا، أم أنها ذات الرئة فعلاً، حيث لا يوجد حتى الآن أي مشفى أو مركز صحي داخل مدينة حمص لديه إمكانية كشف هذا المرض، رغم إعلان مديرية الصحة مؤخراً عن تجهيز مشفى الوليد لاستقبال الحالات المشتبه بها، وعن تجهيز مركز في حي بابا عمرو للحجر الصحي؛ بل يتردد أن الكشف الدقيق على المرض لا يوجد إلا في دمشق بتكلفة 350 دولاراً، كما ذكر أحد العاملين في مجال الصحة هنا، إضافة إلى أن الإشاعات والمعلومات، التي تتناقلها الألسن وصفحات فيسبوك ومكالمات الأقارب اللاجئين في الخارج هي المصادر الأساسية للمعلومات بالنسبة لأهل المدينة، في ظلّ شح المعلومات من الإعلام الرسمي.

قبل إعلان نظام الأسد المفاجئ عن إجراءات لمنع تفشي المرض، ثمّ إعلانه أخيراً عن وجود إصابات مؤكدة وصل عددها إلى خمسة حتى كتابة هذه السطور، تعالت الأصوات هنا مطالبة بالحديث بشفافية عن حقيقة وجود إصابات في سوريا وعن عددها، وبدأ يظهر، للمرة الأولى، تذمر علني من وجود الإيرانيين الكثيف في البلاد، بينما بلدهم واحدة من البؤر التي عصف بها المرض أكثر من غيرها. كان من غير المألوف أن تجاهر عدة صفحات مؤيدة بالمطالبة بإيقاف الرحلات الإيرانية البرية والجوية إلى سوريا، وعلى وجه الخصوص الرحلات البرية عبر العراق، التي يؤكد أصدقاء قاطنون في دمشق أنها لا تزال مستمرة حتى الآن.

ومع وصول الخوف الكوني إلى سوريا، طالعنا النظام بإقراره تدابير العزل لحماية «مواطنيه» من خطر انتشار المرض، بما في ذلك تأجيل السوقيات للتجنيد واستلام دفاتر خدمة العلم حتى الثاني والعشرين من نيسان. كما أن وزارة الصحة أعلنت أنها طلبت من السفير الصيني في دمشق إرسال فريق طبي إلى سوريا للاستفادة من تجربتها في احتواء كورونا والتدابير التي أجرتها في هذا المجال. وترافق ذلك مع انتشار شائعات عن احتمال تمديد العزل المفروض، وعن احتمال فرض حظر التجول في الفترة القادمة، وهو الأمر الذي تم تنفيذه لاحقاً بشكل جزئي من السادسة مساءً حتى السادسة صباحاً، ما جعل الناس يشعرون بخوف مضاعف من الخطر المحدق بهم، رغم ما أعلنته الأخبار الرسمية عن الإجراءات الوقائية، وعن وجود حالات قليلة حتى الآن.

مؤخراً، طلبتْ إحدى الزميلات أن نحضر لها زجاجة «معقم كحولي»، لأنّه «مقطوع عندهم». بالفعل، أحضرتُ لها ما طلَبتْ. يقال الكثير عن فقدان المعقمات والكمامات وارتفاع أسعارها. والواقع، من حيث ما يمكن معاينته هنا، أن ارتفاع الأسعار حاصل كما في جميع أنحاء سوريا، حيث سعر علبة المعقم الكحولى بسعة 750 مل 3500 ليرة سورية إن وجدت، وسعر خمسين كمامة هو خمسة عشر ألف ليرة، وكل هذه الأسعار تمضي نحو الارتفاع بطبيعة الحال، مع تناقص وجودها في بعض المناطق حسب شدة الطلب عليها، ومنها المنطقة التي تقطنها زميلتنا تلك.

زميلتنا هذه من الطائفة العلوية، وقد يبدو الحديث عن الطوائف في هذا المقام نشازاً أو غير ذي فائدة، لكن ما يدفعني إلى الحديث بهذا الشأن هو واقع أن أكثر الخوف الحاصل هنا هو الخوف من العساكر، لا سيما أولئك الذين يحتكون مع الإيرانيين والعراقيين واللبنانيين، وتحديداً الموجودين حالياً على تخوم إدلب وريفها، وكثيرٌ من هؤلاء من العلويين. من المؤكد، بطبيعة الحال، أن بين هؤلاء العساكر من هم من غير العلويين، لكن ما يحصل جاء نتيجة إشاعة مصدرها أحد العاملين الصحيين في أحد المشافي هنا في حمص، تتحدث عن إصابة بعض العسكريين وذويهم بالفيروس. وبطبيعة الحال لن يصيب المرض أناساً دون غيرهم، لكن الأمر يُحسب بمقدار الاحتكاك مع من يُظنّ بأنهم حاملي الفيروس، ويبقى الكلام كله في إطار إشاعة تتناقلها الألسن، وتنعكس تأثيراً مباشراً على أرض الواقع في ظل غياب الشفافية والمعلومات الموثوقة والمؤكدة.

حتى الآن، نتكلم عنّا نحن الأناس العاديون الذين يعيشون في النور، وتحت ضوء الشمس، أمّا أولئك الذين لم يروا الشمس ولم يلفح وجوههم ضوؤها منذ آماد طويلة، فإن لهم حديثاً آخر.

يوميّاً، كنت أمرّ أمام سجن حمص المركزي، وأمام مقرّ فرع المخابرات الجويّة. ويوميّاً، أحاول أن أتصور ما الذي يحصل خلف أسوار الموقعين، لا سيما فرع المخابرات الجوية، الذي كُتِبِتْ على جدرانه كثيرٌ من الشعارات التي تمجد حب القائد وحرصه على «مواطنيه». لا يمكن لأحد أن يعرف مصير المعتقلين إن، لا قدّر الله، وصل المرض إليهم. وكما طالت الإشاعات المتعلقة بالمرض أهل المدينة، كذلك طالت الإشاعات أهل السجون، ولربما يجدر بالمرء ألا يذكرها طالما أنها غير مؤكدة، وأن يفترض ويدعو أنّ المرض لن يطالهم أبداً، حيث لا عزاء الآن للأسر التي لديها ابن/ة أو زوج/ة أو أخ/ت في المعتقل.

ويتردّد كلام كثير آخر عن وجود إصابات بين المدنيين يجري التكتم عليها، وهم الآن متواجدون في بعض مشافي المدينة، وذلك نقلاً عن عاملين فيها، إضافة إلى إشاعات أخرى عن وجود بعض الإصابات في ريف حمص الشمالي. وأثناء تواجدي هناك منذ فترة قريبة، استطعتُ الذهاب لعدّة صيدليات بحثاً عن كمامات، لأتفاجأ بخلوّ جميع الصيدليات التي زرتها منها، لأن «اللبنانيين» نزلوا وأخذوها جميعاً من الصيدليات، حسب ما أخبرني الناس هناك. ومن المعلوم أن كثيراً من اللبنانيين يأتون إلى مدينة حمص وريفها بشكل متكرر، ومن معابر غير نظامية أحياناً، للتبضع بسبب انخفاض الأسعار مقارنة بالأسعار داخل لبنان. كذلك، تَحدَّثَ عدة أشخاص من ريف حمص الشمالي عن شخصٍ قيل إنه توفي بسبب كورونا، كما تم الحديث عن وضع عائلة في الحجر الصحي المنزلي. ولا يمكن التأكد من  صحة هذا الكلام بأي طريقة، ويبقى كل ذلك في إطار إشاعات لا يجد الناس مفرّاً من تداولها في ظل التعتيم الشديد، لكن ما يمكن قوله أن الناس خائفون جداً، لا سيما مع تدني الرعاية الصحية هناك، وقلة توافر الأدوية والتحاليل العادية والأطباء، إذ يرفض الكثير من الأطباء الذهاب إلى الريف، ما يضطر الأهالي للسفر إلى مدينة حمص عند الحاجة لإجراء تحاليل أو زيارة طبيب مختص غير متواجد لديهم.

لا أحد هنا يثق بالنظام، حتى المؤيدون أنفسهم، إلى درجة أن بعضهم، بما في ذلك بعض الصفحات المؤيدة، يتناقلون مقالات من صفحات معارضة لمعرفة حقيقة الوضع، والوصول إلى معلومات أكثر دقة. كما أنه عند الحديث مع بعض المؤيدين، كان الواحد منهم إذا شعر بالأمان يهمس قائلاً بخوف «إنّ الدولة يستحيل أن تُصرّح عن العدد الحقيقي، وأنّه توجد إصابات كثيرة»، والمتفائل بينهم يقول «إنّي أُفضَّلُ أن تبقى الدولة تكذب علينا، لأنّه لا يوجد لدينا إمكانيات». عند الحديث مع زوجة ضابط في الجيش، قالت بكل وضوح إنها لا تثق بـ «الدولة» لأنهم «لن يقولوا الصدق ببساطة»، وقالت إن أخاها في أوروبا يتصل بها ويخبرها عن أعداد المصابين الحقيقيين. وفي مشهد آخر، أرسلت لنا مسؤولة في مكان عملي، وهي مؤيدة عتيقة للنظام، مقالاً في جريدة عنب بلدي يحكي عن وجود إصابات، وأوصتنا باتخاذ الإجراءات اللازمة. لم يعد خافياً الكذب والتعتيم وإخفاء الحقائق من قبل النظام، وكلّنا هنا نعلم ذلك، وأولنا أنصار النظام. لكن أحداً لا يجرؤ على الكلام، كما أن أحداً لا يعلم على ماذا نحن قادمون في مقبل الأيام بما يخص انتشار المرض. لعل هذا الأمر بالذات ينطبق على أهل الأرض جميعاً، لكن الأكيد، أنّ هذه هي المرة الأولى التي نتفق فيها نحن السوريون، في الداخل والخارج، أنّه ليس لنا في هذه الظروف «غير رحمة الله».

منذ فترة، كنتُ قد عاتبتُ بعض القراء في إحدى مقالاتي لكونهم بعيدين، لكن الزمن له قولٌ آخر دائماً؛ ها هو الوباء الذي فاجأ الجميع بانتشاره، وكأنه يسخر من أهل الأرض كلهم، جعلنا جميعاً على كفتين متوازيتين من الخوف والهلع وشبح الاقتراب من الموت. يحزّ في نفسي قول ذلك، لكن انتشار الوباء وهلع فقدان من نحبهم جعل كثيراً من إنسانيتنا على خطوة واحدة من الترقب والرعب؛ الخوف الآن يسحق المسافات بين من يسكنون سوريا ومن يسكون خارجها، بل بين البشر جميعاً. والأهم، أنه يسحق الاختلافات بين البشر أيضاً، لكن هذا الأمر ليس القاعدة، لن يكون الحزن نفسه إذا ما أصاب المرض من أمعن بالسوريين قتلاً وتهجيراً. وها هم أهل الشمال، لا سيما النازحون منهم، يعيشون الخوف مخاوف، والظلم ظلمات. وحدهم، هم والمعتقلون، المنسيون في فوضى هذه المعمعة الكونية، يملكون تعريفاً آخر للخوف والرعب والموت.

موقع الجمهورية

——————————–

مخاوف من انتشار فيروس «كورونا» شمال سوريا بشكل كارثي

في ظل انتشار فيروس كورونا «كوفيد 19» في معظم أنحاء العالم واعتباره وباءً خطيراً، حذر ناشطون سوريون من خطورة تفشي هذا الفيروس في مناطق المعارضة السورية، لافتقارها إلى أبسط المعدات الطبية اللازمة، ولقلة المشافي بسبب تدمير النظام وروسيا لأكثرها، إضافة إلى الاكتظاظ السكاني، وبدائية العيش في المخيمات، التي لا تتوفر فيها مقومات الحياة الصحية من نظافة وصرف صحي. وقام الدفاع المدني في تلك المناطق إلى جانب بعض المبادرات الأهلية، بالتوعية والتحذير من خطورة هذا الوباء، إضافة إلى قيامهم بأعمال التعقيم.

في هذا الموضوع يؤكد الدكتور عبد الحكيم رمضان، المنسق العام في صحة إدلب التابعة للمعارضة، أنه حتى الآن لم تسجل أي حالة مؤكدة في الشمال السوري، حيث تم عزل بعض الحالات للاشتباه وتم إرسال عينات الدم إلى تركيا لنفي أو تأكيد الإصابة.

التوعية

ويقول رمضان في حديث لـ «القدس العربي» إن أهم ما يمكن أن نقوم به الآن هو التوعية بالدرجة الأولى، «فهي الخطوة الأولى والاخيرة بالنسبة للمخيمات، فالوقاية خير من العلاج، لأن الفيروس إذا انتشر بشكل انفجاري في مناطق ذات كثافة سكانية عالية كالمخيمات سيكون أثره كارثياً، من حيث أعداد الإصابات غير المسيطر عليها». موضحاً أن تركيا تقوم بإعداد مشفيين في منطقة درع الفرات لاستقبال الحالات بإمكانيات محدودة أي حوالي 40 سريراً، معتبراً أن الطريق الوحيد لوصول الفايروس للمناطق «المحررة « هو المعابر والحدود سواء عن طريق تركيا، أو عن طريق النظام، لذلك من ضروري جداً وقف جميع أشكال الانتقال ما بين المناطق، لضمان عدم وصول العدوى للشمال السوري.

ويضيف المسؤول الصحي في إدلب «نسبة هذا الفيروس في حال انتشر بشكل انفجاري فإنه قد يصيب 60-70% من الكتلة البشرية الموجودة ضمن هذه المنطقة، وإن نسبة الوفياة قد تصل لأكثر من 3% وهذا يعني احتمالية وفاة أكثر من 100 ألف شخص، في حال لم يكن هناك إجراءات وقائية شديدة للحد من الانتشار السريع للفيروس، حيث يجب الاهتمام بالفئات العمرية المتقدمة، كون نسبة الوفيات ترتفع بشكل ملحوظ بعد عمر الـ50 سنة من 1.3% لتصل إلى 14.8% بعد عمر الثمانين، في حين أنه لم يتم تسجيل وفيات في الأعمار قبل التسع سنوات».

وحول الإجراءات التي تقوم بها مديرية صحة إدلب التابعة للمعارضة يقول المسؤول الصحي «نقوم بنشر التوعية عبر فرق الصحة المجتمعية لزيارة المخيمات والتجمعات السكنية، والرسائل الدورية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى التوجه لخطباء الجوامع وتحميلهم رسائل حول المرض والوقاية منه ومدى جديته».

عبيدة دندوش مسؤول الصحة والسلامة، يؤكد أنه لحد الآن لم تسجل إصابات مؤكدة، «كانت هناك حالتان وفاة مشتبه بهما، لكن بعد إجراء الفحوصات عبر إرسالها إلى تركيا تبين أن النتائج سلبية، أي أن الوفيات غير ناتجة عن هذا الفيروس، وهناك حالة ثالثة لم تأت نتيجة الاختبار لها بعد من تركيا».

لا جهود عملية

ويؤكد دندوش أنه لم تقم الحكومات»المؤقتة والإنقاذ» في المناطقة المحررة بأي جهود عملية لتفادي تفشي الفيروس لا من حيث الوقاية ولا من حيث تجهيز مراكز حجر، ويضيف في حديثه لـ»القدس العربي» «الجهود الدولية ليست موجودة في المحرر، ولم نشهد تحركاً جدياً من قبل منظمة الصحة العالمية، وهناك أخبار بأن تركيا سترسل مخبراً وبائياً، لكنه للآن لم يصل، ولم تقم تركيا بأي إجراءات في الشمال السوري».

في هذا السياق اعتبر الناشط الإعلامي سلطان الأطرش أن الخطوات المتبعة من قبل حكومتي الانقاذ والمؤقتة لتفادي انتشار الوباء، للآن خجولة والاجراءات غير جادة بالنسبة إلى فض التجمعات والأسواق والأماكن المزدحمة».

ويقول الناشط في حديثه لـ»القدس العربي» «الحجر الصحي هو الخيار الأوحد في ظل ضعف الجهاز الصحي في المنطقه بشكل عام، والنظافة الشخصية واتباع التعليمات التي تصدر عن منظمة الصحة العالمية والتي تنقلها الفرق الصحية للأهالي في منطقة المخيمات»، مضيفاً «الجهود الدولية غير موجودة لحد الآن، هناك وعود من منظمة الصحه العالمية بالتعامل بشكل جدي، حيث تجري محادثات من أجل مواجهة هذا الوباء في حال انتشر ضمن إدلب، أما بالنسبة للجانب التركي فهناك تحرك إيجابي عبر وزارة الصحة والمنظمات الطبية.

كارثة إنسانية

ويرى الأطرش أن كارثة إنسانية ستقع في حال انتشر هذا الفيروس في المناطق المحررة، بسبب الازدحام السكاني الكبير.

من جانبه يرى الصحافي السوري مهند درويش أن ما يعيشه «المحرر» هو حجر صحي طبيعي، فالشمال السوري محجور تماماً عن كل الكرة الأرضية، إذ لا حركة جوية مطلقاً إلى المنطقة، والحركة البرية محدودة جداً ببعض المعابر مع النظام وتركيا تم الحد منها مؤخراً، يضاف إلى ذلك أن لا حركة سياحية في المنطقة، تلك الأسباب هي التي أخرت وصول الفيرس والذي لا ينتقل إلا عبر التماس المباشر مع مصابين».

ويضيف الصحافي درويش في حديثه لـ»القدس العربي»: «لا اعتقد أن هناك خطوات كافية اتبعت من قبل حكومة الانقاذ وحتى المؤقتة، فيما يتعلق بمواجهة الوباء، واقتصرت خطوات تلك الحكومتين على إيقاف المدارس وبعض التعميمات المتعلقة بضرورة المحافظة على أساسيات الوقاية، أما تركيا فقد أوقفت حركة المسافرين من والى سوريا بشكل كامل وهذا أمر مهم جداً لمنع وصول الوباء إلى المناطق المحررة، اذ تعتبر تركيا البوابة الوحيدة منها الى العالم، اضافة إلى ذلك فان الحكومة التركية تقدم خدمة التحليل للكشف عن الحالات المشتبه بها، كما قدمت دورات عدة لاطباء سوريين من أجل أن يتمكنوا من القيام بذلك بأنفسهم».

القدس العربي

—————————-

سورية قد تكون مصدراً لموجة ثانية من كورونا

في ظل انشغال دول العالم بتطويق انتشار فيروس كورونا، حذرت مجلة “فورين بوليسي” في مقال عبر موقعها على الإنترنت من مخاطر ظهور موجة جديدة من الوباء قد يكون مصدرها سورية، جراء المعاناة التي يتكبدها السوريون، لا سيما النازحون منهم.

وجاء في المقال أن من بين كل الأمكنة التي تشهد وضعاً إنسانيا صعبا بالشرق الأوسط، فإن محافظة إدلب شمالي سورية، التي تحولت إلى ما يشبه مخيم لجوء ضخما، تظل مكاناً مقلقاً جداً. وأضاف أن فيروس كورونا ليس تهديداً فحسب للسوريين هناك، بل هو تهديد لمنطقة الشرق الأوسط وخارجها، كما هو الحال بالنسبة للحرب السورية.

ونظرا لأن الفيروس لا ينحصر رغم حظر السفر، وإغلاق الحدود، ووقف التعاملات التجارية، أشار مقال “فورين بوليسي” إلى أن الأمر الذي يدعو للهلع هو أنه في حال انتشار فيروس كورونا في أرجاء إدلب، فمن المرجح أن يعمق معاناة السوريين، ومعهم جيرانهم في لبنان، والأردن، وتركيا، وصولاً إلى روسيا وأوروبا.

وجاء في المقال كذلك أنه على الرغم من الإعلان عن خمس حالات إصابة بفيروس كورونا داخل سورية، حتى حدود أمس الخميس، فمن الصعب القول إن الوباء لن يصل إلى محافظة إدلب، إن لم يكن قد وصل فعلا.

وأضاف أن مصادر انتشار العدوى المحتملة يسهل التعرف عليها، فهنالك عناصر الحرس الثوري الإيراني، ووحدات الجيش التركي، والطيارون الروس، والصحافيون الأوروبيون، فضلا عن العاملين في مجال الإغاثة الإنسانية من مختلف أرجاء العالم.

ورجح مقال “فورين بوليسي” أنه في حال انتشار الوباء واتضاح تسارعه، فإن الوضع في إدلب سيكون مرعباً. ويزيد عدد السكان الإجمالي في الشمال السوري عن 4 ملايين نسمة، نصفهم تقريباً من النازحين والمهجّرين. وبدأ، الثلاثاء، الاختبار المنهجي للفيروس بعد وصول شحنة من 300 اختبار إلى مختبر إدلب، وقد جاءت العينات التي اختبرت سلبية.

العربي الجديد

—————————-

وفاة سوريّ إثر إصابته بفيروس كورونا وسط تكتّم النظام/ عدنان أحمد

بينما تتهم العديد من الجهات النظام السوري بالتكتم على العدد الحقيقي للإصابات بفيروس كورونا، وتحذّر من عواقب ذلك على سلامة المواطنين السوريين، أفادت مصادر محلية بوفاة أحد الأشخاص جنوبي البلاد نتيجة إصابته بالفيروس، في الوقت الذي طالب فيه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، بوقف كامل وفوري لإطلاق النار في جميع أنحاء سورية لدعم الجهود الشاملة لمكافحة الفيروس.

وفي تفاصيل الوفاة، فإن شاباً سورياً أصيب بالفيروس توفي أمس الخميس في محافظة درعا جنوبي البلاد، إثر تدهور حالته الصحيّة في الأيام الأخيرة. ووفقاً لـ”تجمع أحرار حوران” المحلي، فإن الضحية يدعى بسام عبد المنعم الصمادي وينحدر من بلدة صماد بريف درعا الشرقي، وكان محجورا عليه في دمشق منذ عشرة أيام، لسوء حالته الصحيّة إثر مشكلات في التنفس، بعد إبلاغه من جانب مستشفى المواساة بدمشق أنه يعاني من التهاب رئوي، إضافة لكونه مريضا بالسكري، موضحا أن الشاب البالغ 23 عاما عاد براً من لبنان، قبل أسبوعين، عن طريق المعابر الحدودية الرسمية، وتعرض لحجر صحي في دمشق، قبل أن يصل إلى بلدته.

ساءت حالة الشاب الصحية أمس الخميس، وجرى إسعافه إلى مستشفى بصرى الشام شرقي محافظة درعا. وأكد أحد الأطباء المطلعين على حالته، لـ”تجمع حوران”، إصابته بفيروس كورونا منذ زمن، لظهور جميع الأعراض عليه. وأوضح الطبيب، الذي لم يذكر الموقع اسمه، أن كادراً طبياً خاصاً قام بتغسيله بعد وفاته ودفنت جثته، ولم يتم السماح لأحد بالمشاركة في مراسم جنازته، مشيرا إلى أنّ قوة أمنية تتبع للفيلق الخامس فضّت عزاء الصمادي بالقوة، ولم تسمح لأحد بالدخول إلى مدينة بصرى الشام، تخوفًا من انتشار الفيروس، فيما زعمت مستشفى بصرى الشام أنه كان مريضا بالسل.

ويتخوّف الأهالي من انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19)، مع تجنّب نظام بشار الأسد الإفصاح عن العدد الحقيقي للمصابين، وسط تسريبات بشأن إصابة أعداد كبيرة من السوريين بهذا الوباء في ضوء كثافة الإيرانيين في الأراضي السورية، في حين تعمل بعض أجهزة النظام على الإفادة من هذه الأجواء للقيام بعمليات ابتزاز للتجار وأصحاب المحلات التجارية.

دوريات النظام تبتز التجار

وذكر موقع “صوت العاصمة” المحلي، أن دوريات الأمن العسكري والسياسي التابعة للنظام استغلت قرار الحظر المعلن لابتزاز التجار وأصحاب المحلات بمبالغ مالية كبيرة، حيث تتقاضى هذه الدوريات مبالغ مالية بين 100 -250 ألف ليرة سورية (485 دولارا أميركيا)، مقابل السماح لأصحاب المحلات والتجار بفتح متاجرهم ومزاولة مهنهم، خاصة في مناطق ريف دمشق.

وكانت حكومة النظام قد قررت إغلاق جميع الأنشطة التجارية، مع استثناء محلات الطعام والبقالة والصيدليات، على أن يتم إغلاق المحل بالشمع الأحمر في حال المخالفة، والسجن لمدة قد تصل إلى عام كامل. وبلغ عدد المصابين بفيروس كورونا، وفق التصريحات المعلنة، 5 إصابات فقط.

الائتلاف يحذّر من كارثة إنسانية

إلى ذلك، وجّه رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض، أنس العبدة، رسالة إلى المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم، شرح فيها الوضع الصحي في سورية وعلى وجه الخصوص الخطر المحدق بالمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، مطالبا بالإسراع بتطبيق الخطة المتفق عليها مع الحكومة السورية المؤقتة للتصدي لخطر تفشي فيروس كورونا.

وشدّد العبدة، وفق ما نشرت الدائرة الإعلامية في الائتلاف، على أن أي تأخير في تنفيذ الخطة قد يؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة في سورية، لافتا إلى أن الأوضاع في سورية، وعلى الأخص في المناطق الشمالية، مغايرة لبقية العالم، بسبب أعداد النازحين والمهجّرين الكبيرة، وعدم وجود الأماكن الصالحة للسكن أو العزل، إضافة إلى دمار معظم المنشآت الطبية، وذلك بسبب الحملة العسكرية للنظام السوري وروسيا في الأشهر القليلة الماضية.

وأكد على أن النظام يواصل التستر على العدد الحقيقي لحالات الإصابة بكورونا في سورية، لافتا إلى أن عدد حالات الإصابة في دول المنطقة، وانتشار المليشيات القادمة من إيران ولبنان، يجعل الأمر صعب التصديق، داعيا إلى ممارسة الضغط على النظام للسماح بالوصول إلى المعتقلين وتفقد أحوالهم.

الأمم المتحدة تدعو لإخراس البندقية

من جهته، طالب أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، فجر اليوم الجمعة، “بوقف كامل وفوري لإطلاق النار في جميع أنحاء سورية، تماشيا مع القرار 2254، لتمكين الجهود الشاملة لمكافحة فيروس كورونا. ونقلت وكالة “الأناضول” عن بيان أصدره المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دوغريك، أن الأمين العام يدعو أطراف الصراع السوري “إلى دعم ندائه الذي أطلقه الاثنين الماضي بضرورة وقف إطلاق النار في جميع مناطق الصراعات المسلحة في العالم، والتفرغ لمكافحة كورونا”.

وأشار إلى مطالبة المبعوث الأممي الخاص إلى سورية غير بيدرسن، الثلاثاء، بوقف كامل وفوري لإطلاق النار في جميع أنحاء سورية، تماشيا مع قرار مجلس الأمن رقم 2254. ولفت إلى أن المبعوث الخاص شدّد في بيانه على استعداده للعمل مع جميع الجهات الفاعلة ذات الصلة على الأرض، وكذلك مع البلدان الرئيسية التي يمكنها دعم توسيع نطاق العمل للتعامل مع فيروس كورونا وضمان استمرار وقف إطلاق النار. وحتى منتصف ليلة الخميس الجمعة، أصاب كورونا أكثر من نصف مليون شخص حول العالم، توفي منهم ما يزيد على 23 ألفا و700، فيما تعافى أكثر من 122 ألفا.

العربي الجديد

————————

كورونا سوريا: أرواح إدلب المعذبة ستعاقب العالم بموجة ثانية

ضاعفت المجالس المحليّة الخاضعة للمعارضة السورية في ريفي حلب الشمالي والشرقي، من الإجراءات الاحترازية الرامية إلى الوقاية من فيروس “كورونا”، وتزامن ذلك مع حملات توعية انتشرت في العديد من مدن وبلدات المنطقة للتعريف بهذا الفيروس ومخاطر انتشاره.

وأعلن وزير الصحة في الحكومة السورية المؤقتة الدكتور مرام الشيخ أن وحدة تنسيق الدعم تسلمت 600 فحص للكشف عن فيروس “كورونا” من منظمة الصحة العالمية، في سياق المساعي الرامية لمواجهة الفيروس شمال سوريا.

ولفت إلى أن هذه الدفعة الأولى، من 2000 فحص مخبري كانت قد وعدت بها منظمة الصحة العالمية، بالتالي اصبح الأن عدد الفحوص المتوفرة في المختبر بإدلب يكفي ل900 شخص.

وأكد الشيخ أن آخر التقارير التي وصلت من شبكة الإنذار المبكر تم اختيار ثمانية عينات لحالات مشتبهة وكانت نتيجتها سلبية، مطالباً جميع المدنيين بالالتزام بالتدابير الوقائية ومنع التجمعات والبقاء في المنزل ما أمكن.

“فورين بوليسي”

وفي ظل تفشي الفيروس، أورد مقال نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأميركية أن تخلي العالم عن اللاجئين في إدلب في هذه الفترة العصيبة من محنتهم التي فاقمها الخوف من وباء “كورونا”، لن يمر دون عقاب للعالم.

وأوضح المقال للكاتب ستيفن كوك، كبير الباحثين في دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، أن عقاب لاجئي سوريا للعالم سيكون في شكل موجة ثانية من وباء كورونا.

وأضاف أن وباء كورونا سيفاقم قريبا التهديدات المتقيحة في أطول حرب بالشرق الأوسط.

ولفت الانتباه إلى المقالات المنشورة الأسبوع الماضي حول تهديد كورونا للاجئين في العالم والنازحين داخليا، قائلا إن الحياة لهذه الأرواح المعذبة كانت مرعبة في ظل ظروف أقل تحديا من الظرف الراهن، وتساءل عن مدى تفاقم هذا العذاب حاليا، حيث يفتقر اللاجئون والنازحون داخليا حتى إلى الرعاية الطبية الأساسية، ناهيك عن المعدات اللازمة للتعامل مع كورونا.

وأشار إلى أن منظمة الصحة العالمية وحكومات دول العالم تدرك هذه المشكلة، لكن مساعدة الأشخاص الأكثر ضعفاً تأتي في أسفل سلم أولوياتها.

بالتزامن، جدد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، الجمعة، مطالبته ب”وقف كامل وفوري لإطلاق النار في جميع أنحاء سوريا ، تماشيا مع القرار 2254 ، لتمكين الجهود الشاملة لمكافحة “كورونا”.

ودعا الأمين العام في بيان أصدره المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دوجريك، أطراف الصراع السوري “إلى دعم ندائه الذي اطلقه الاثنين بضرورة وقف إطلاق النار في جميع مناطق الصراعات المسلحة، والتفرغ لمكافحة كورونا”.

ولفت أن المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسن شدد الثلاثاء أيضاً على استعداده للعمل مع جميع الجهات الفاعلة ذات الصلة على الأرض، وكذلك مع البلدان الرئيسية التي يمكنها دعم توسيع نطاق العمل للتعامل مع فيروس كورونا وضمان استمرار وقف إطلاق النار.

وكان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، جدد دعوته إلى الالتزام والاحترام للقرارات الدولية والاتفاقات التي تنص على وقف القتل والقصف وتمنح فرصة للحل السياسي، معتبراً أن نداء ومناشدة الأمين العام للأمم المتحدة والمبعوث الدولي الأخيرة لوقف إطلاق النار جاءت متوافقة مع ما يدعو إليه، وهي بالتالي مرحب بها وخطوة في الاتجاه الصحيح.

وأكد الائتلاف أن استمرار النظام باعتقال أكثر من 250 ألف سوري وتعريضهم لخطر العدوى يمثل شروعاً في جريمة إبادة جماعية تجري في وضح النهار ويجب أن تتوقف فوراً بالإفراج عن المعتقلين من دون قيد أو شرط.

المدن

————————

أربع صور من الوباء في سوريا/ قاسم البصري

ظهرت خلال الأيام القليلة الماضية أربع صورٍ متزامنة تقريباً، من مناطق ظلّت طوال الأعوام التسعة الماضية تحت سيطرة النظام السوري، ومن أوساط لم تتمرّد عليه، بل ظلّ أبناؤها مستودعاً بشرياً يستخدمه في حربه المفتوحة على ما تبقّى من السوريين.

الصورة الأولى 

يُقرّر النظام منح «مكرُمة» جديدة لعوائل المقاتلين الذين أُزهقت أعمارهم في معارك الدفاع عن السلطة، وتشمل المكرمة أيضاً أولئك الذين أُصيبوا بإعاقاتٍ دائمة تتجاوز نسبتها 40%، غير أنّها تقتصر على محافظة اللاذقية دون سواها. تسارع الجهات المعنية لاستصدار «بطاقات شرف» من أجل تنظيم الحصول على المُكرمة، التي تتمثّل في إمكانية الحصول على جرّة غازٍ واحدة، ولمرّةٍ واحدة، ليس مجاناً، وإنما بسعرٍ مدعومٍ مماثلٍ لسعرها بموجب البطاقات الذكية.

بهذا تكون قد تعدّدت وتنوّعت المكرمات التي تحصّل عليها أهالي القتلى في صفوف قوات النظام؛ صناديق برتقال ولوحات جدارية وساعات حائط، وأخيراً جرّة غازٍ بسعرٍ مدعوم. يجدر السؤال هنا؛ ألا يعي النظام، بعد سنواتٍ من الحرب ومرارة الفقد، أنّه يُهين أهالي ضحاياه الفقراء بهذه التصرفات!  

الصورة الثانية

يقف العالم على قدمٍ واحدة أمام جائحة كورونا، وينكر النظام السوري، بدايةً، وجود حالات إصابة بالفيروس في البلاد، وتخرج أعلى سلطةٍ طبية في البلاد لتقول إنّ الجيش الذي قضى على الجراثيم لن يعجزه محض فيروس. يستعيد هنا وزير الصحة في حكومة النظام وصفَ بشار الأسد التحقيري للسوريين المناوئين لحكمه على أنّهم جراثيم. انتصرت سوريا الأسد على الجراثيم، وها هي تُعدّ العدة لمواجهة الفيروسات، فاطربوا أيها السوريون!

لاحقاً، يزداد الغمز المحلي والدولي من كتم مؤسسات النظام لأمر الكورونا كما لو أنّه خرقٌ أمني، وتحت ضغط المعلومات التي يسرّبها السوريون إلى وسائل الإعلام من مشاهداتهم اليومية. يستجيب النظام معترفاً بأول إصابةٍ لعشرينيةٍ قادمةٍ من خارج البلاد، دون أن يُفصح عن الجهة التي قدمتْ منها، ليعود ويعترف بعد ذلك بأنها عائدة من بريطانيا، وها هو أخيراً يُعلن وصول عدد المصابين، أمس الخميس، إلى خمس حالات، معتّماً على أيّ تفاصيل تتعلّق بهم.

في الشوارع، تطوف سيّارات البلديات ورجالٌ يحملون مضخاتٍ ترشُّ الشوارع بموادٍ قيل إنها معقّمة، في مشاهد لم نرَ لها مثيلاً في أي بلد؛ في سوريا يعقّمون الهواء حيناً، ويعقمون الشوارع حيناً آخر ببضع أسطواناتٍ صغيرة، كما لو أنّ البلاد بحجم بستان مشمش. يُشبّه روّاد مواقع التواصل الاجتماعي ما يحدث بعملية رشّ المبيدات الحشرية، ويضيفون بأنّ النظام لا يفرّق بين الحشرة والفيروس.

الصورة الثالثة

تتناقل وسائل الإعلام صوراً ومقاطع مصوّرة لمركز الحجر الصحي في بلدة الدوير بريف دمشق. تظهر اللقطات غياباً لأبسط مقومات الحياة، لا الوقاية، عن المركز؛ الماء. فضلاً عن ذلك، يُحجر على كلّ ثمانية أشخاص لا يُعرف بينهم السليم من المصاب في غرفةٍ واحدة، ومن دون أن يحصل البعض منهم على كمّامات، بينما تملأ القمامة أرجاء المكان. الأسوأ من كلّ هذا هو ما يقوله المصابون أنفسهم: «لم يفحصنا أحد». تصل الصور التي ملأت الفضاءات العامة إلى الجهات المختصة، فتدفع بمغسلةٍ جديدة وبعضاً من قطع الصابون إلى المكان، ثمّ لا يتغيّر شيء.

في المقطع المصوّر نفسه، يقول أحد المحجور عليهم في مركز الدوير بأنّهم لو كانوا «دواب» كانت الحكومة ستتعامل معهم بطريقةٍ أفضل.

الصورة الرابعة

نشرت اللجنة الاقتصادية في مجلس الوزراء، على صفحتها في فيسبوك، بياناً تقول فيه إنها حضّرت نفسها لمواجهة وباء كورونا من خلال رصد 100 مليار ليرة سورية. وتضيف اللجنة أنّ هدفها من رصد هذه الأموال هو «ضمان استمرار العملية الإنتاجية للصناعات الغذائية والطبية (المعقمات والمطهرات) في القطاعين العام والخاص، وضمان تقديمها بجودةٍ عاليةٍ للمواطنين وتواتر توريدات المواد الأولية اللازمة للإنتاج بانسيابية».

يغيب عن بيان اللجنة توضيح أنّ ما تقوم به في هذا الإطار لا يندرج تحت أيّ خطّةٍ لمواجهة احتمال تفشّي وباء في البلاد، فالتجار أيضاً حضّروا أنفسهم ورصدوا مبالغ كبيرة للاستثمار في المعقمات والمطهرات التي سيزداد الطلب عليها. هذا نشاطٌ تجاري؛ استثمارٌ مؤكّد الربح في ظلّ الأزمة، وليس أبداً استجابةً حكوميةً طارئة. ربّما تتفوق الحكومة على التجار في هذا المضمار في كونها أكثر انسيابية، كما تورد في بيانها.    

*****

يواصل الإعلام الرسمي ملاحقة عمليات تعقيم باصات النقل الداخلي وتوثيقها بالكاميرا، قبل أن يصدُر قرارٌ بوقفها الكامل عن العمل، كما لا تكفّ شاشة التلفزيون الرسمي عن استضافة «مختصين» يطمئنون الناس بأنّ سوريا ما تزال خاليةً من الكورونا، في حين يُكلّف المراسل شادي حلوة بإهانة المارّة وتقريعهم في شوارع حلب.

أما إجراءات النظام الأخرى، فشملت أولاً إغلاق المدارس والجامعات وتالياً الحدود، فضلاً عن تخفيض أعداد الموظفين في الدوائر الحكومية، ثمّ شُرع أول أمس الأربعاء بتنفيذ قرارٍ بحظر التجوال في عموم مناطق البلاد الخاضعة لسيطرة النظام منذ السادسة مساءً وحتى السادسة صباحاً. كما تسري في البلاد شائعاتٌ عن حظرٍ كاملٍ للتجوال قد يُطبّق خلال الأيام القليلة القادمة. لا تنفي أو تؤكّد ذلك أيّ جهةٍ في النظام، ولا يخرج بشار الأسد، كما فعل باقي الرؤساء في جميع دول العالم، ليشرح الآليات التي ستستجيب من خلالها سوريا للوباء، أو ليجيبنا من أين سيأكل المياومون السوريون، وهم بالملايين، إذا توقفوا عن العمل!

يُدلّل اتّخاذ إجراءات منع التجوال وغيرها على أنّ مستجدّات الوضع الصحي المتعلق بفيروس كورونا المُستجد مغايرةٌ لما يُعلن عنه النظام بشكلٍ رسمي (وهو ما لا نتمناه بطبيعة الحال)، ولكن لا أحد على الأرض يمتلك إمكانية إظهار الحقائق سوى النظام نفسه، من خلال فروعه الأمنية وليس وزارة الصحة، إذ تنقل صحيفة العربي الجديد عن موظّفٍ في منظمة الصحة العالمية قوله إنّهم لا يجرؤون في المنظمة الدولية على إعلان المعلومات المتوفرة لديهم حول حجم انتشار كورونا في سوريا؛ لأنّ ذلك يعني وضع المسؤولين في فرع المنظمة بدمشق على متن أوّل طائرةٍ متجهةٍ إلى بلادهم.

تعيش سوريا الوباء الأسدي منذ سنين طويلة، واللقاح معروف، لكن لا أحد يرغب في تقديمه.

موقع الجمهورية

———————–

الاحتمالات…/ نهلة الشهال

هؤلاء يخاتلون بلا أدنى شك. ينتظرون مرور العاصفة. ولذا، فقرار المصير يُتخذ اليوم: بداية في العقول والنوايا. في القناعات. وبعدها تولد الأفعل والأشكال المطابقة لها.

“هذا عالم لم ينته بعد. و”سيلعبط” قليلاً بعد فترة العزل هذه، ويُظهِر انفجاراً اقتصادياً مؤقتاً ليطمْئِن نفسه. وحدها حركة مواطنية جديدة يحركها فكر قوي وادراك واعٍ يمكنها ان تفتح الطريق امام عالم جديد”(1).

أن نكون على حق لا يكفي! فقد أعلن كل الحكام – حتى ترامب بعدما كابر وعربد – انحيازهم “إلى دولة الرعاية”. هكذا، فجأة. أغدقوا التأكيدات والوعود، وطلبوا مهلة للانصراف إلى العمل، ما أسماه بعضهم “الحرب”، وهي تسمية مرعبة لأنها تضمر تعليق الحقوق العامة كافة، وإجازة استنفارات واستدعاءات شتى، وتبرير الموت. يقولون أن همهم الأول والأخير سيكون صحة الناس وتوفير شروط حياة لائقة لهم: بدءاً من الآن وحتى ما بعد انتهاء الجائحة.

هل لتلك النوايا المعلنة علاقة بالفضيحة التي كشفها الوباء، من قلة توفّر الاستعداد للطوارئ، والنقص في كل شيء لدى بلدان الوفرة. وهي فضيحة بذاتها، ولكنها تخفي ما هو أفدح منها بكثير: لا يمكن بلمح البصر رأب ما دُمّر بعناد وأناة. فقد ألغيت مستشفيات بحالها أو قُلّصت (ما أسموه “دمجاً”)، واختزل عدد العاملين فيها، من أطباء وممرضين يستلزم تأهيلهم سنوات من الدراسة والتدريب، وأنهكوا ودُفعوا إلى اليأس، وأهملت “الأبحاث” التي تخص الصحة العامة لصالح إله التنافس الربحي فحسب الخ.. ولو صحت النوايا المعلنة – فرضاً – فكم من الوقت يلزم لتعويض كل ذلك واللحاق بالمطلوب؟

ثم هل اتعظ حقاً هؤلاء الحكام؟ هل ندموا عما ارتكبوه بإصرار، ودافعوا عنه بصفته “ضرورياً”، متفاخرين بتجاوزهم لأسلافهم السبّاقين إلى هذا النهج؟ صحيح أن التخريب لم يبدأ مع الحكام الحاليين، ولم يبدأ منذ وقت قصير، ولكنه تعاظم بلا توقف.. وكأنه كان يجري جس النبض للانتقال إلى المزيد. وهو – جس النبض ذاك – لم يكن مسالماً، بل ترافق مع قمع مريع ومخططات تهميشٍ وإقصاء، والوضع أمام الأمر الواقع، والكذب والتزوير للوقائع، وإلهاء بما لا حصر له من الحيل، واستنفار غرائز ظُنّ أن “الحداثة” – بقدراتها الإدماجية المهولة وتعاليها المتفوق – قد تجاوزتها ( ومنها “الحرب” على المخْتلفين، من مسلمين أو لاجئين أو ملونين، والحرب على العاطلين عن العمل، الفقراء و”الكسالى”).

هل مرد كلام هؤلاء الحكام اليوم، خشيتهم من المحاسبة على ما تَكشّف، وهي مؤجلة إلى حين هدوء العاصفة، كما يَفترض بعض حسني النية؟ هؤلاء يتناسون قدرات المجموعات الحاكمة على الالتفاف والكذب، وعلى تغليف الوقائع بالمبررات، وعلى الزجر والقمع العنيفين.

حسناً، ليس الآن وقت الجدال، ولكنه سيأتي، أليس كذلك؟ أم أنه يُخطَّط لإلغاء نقاش الخيارات والأولويات، تلك السابقة والأخرى اللاحقة. دفْنها ربما تحت ركام الشعارات المتباهية بكاريزما القائد، وبالقرارات الصائبة، وبالنجاحات، وباللحمة الوطنية، وبتعاضد الناس “الرائعين”.. عساها تُنسي تلك الصور المريعة في عواصم “متحضرة”: عجزة يموتون وحيدين متروكين في أسرّتهم داخل دور رعايتهم، مرضى لا تتوفر لهم أماكن في المشافي ولا العناية التي أملوا بها، عشرات آلاف الموتى.. حتى الآن. واختفاء ملحوظ للمشردين والمتسولين واللاجئين والمعدمين. أين هم؟ أين يقيمون اليوم، ماذا يأكلون، وكيف يستخدمون الحمّامات المكتظة بالضرورة، ومن يستجيب لنقلهم إلى المشافي..

ثم تجهد منظمة الصحة العالمية لتوفير ملياري دولار ل”مساعدة البلدان الفقيرة في المحنة”! بينما يخرج ترامب من معطف الدولة التي يتولى حكمها ألفي مليار دولار (وهو رقم خيالي) لمساعدة المؤسسات الأمريكية المتعثرة، والشرائح السكانية التي تواجه كارثة. وهو بات يؤيد “مخطط أوباما للصحة للجميع” (Obama care) الذي بنى أمجاده على التهجم عليه وإدانته. أما قمة العشرين التي عقدت جلسة طارئة “بالمراسلة”، فقررت بث 5 آلاف مليار دولار “في الاقتصاد العالمي” لمواجهة الانهيارات الاقتصادية الجارية.

ملياران للبلدان الفقيرة مقابل كل هذا الفحش للأغنياء؟ ما يعني أنه ما زال المنطق نفسه مستمراً. والاقتصاد العالمي هو ذاك القديم الذي نعرفه، والمأزوم أصلاً حد الإفلاس الصريح (في نهاية 2019، بلغ حجم الديون العامة في العالم 253 ألف مليار دولار، ما يعادل 322 في المئة من الدخل العالمي الخام). وبالمناسبة، فهؤلاء هم أنفسهم من يعظون البلدان الفقيرة، ويوبخون ويعاقبون بلداً كاليونان، بينما هم يتجاوزون كل المعايير.

المؤكد أن أرباح هؤلاء الأباطرة لا تأكلها النيران، ولا يمحوها توقيف العمل والإنتاج الذي تسبب به كورونا. بل هم يحصون “خسائر أرباحهم” ليس إلا.. هذا فيما لو سجلوا خسائر حقاً، بينما تتهافت الخزائن العامة على دعمهم وإنقاذهم. وفي الحقيقة، تتسبب هذه “الأزمات” بتعميق الفروقات الاجتماعية، أي بمزيد من تركيز الثروات بين أيدي قلة قليلة، ومزيد من إفقار الفقراء والطبقات الوسطى: في بلد كإسبانيا مثلاً ضربته الأزمة الاقتصادية لعام 2008 بشكل عنيف، سجُّل بعد ذلك بعشر سنوات، أي في 2017، تضاعف لمرتين، مقارنة ب2008، في عدد الأغنياء غنًى فاحشاً، حيث صار 50 في المئة من الدخل المحلي الخام بيد 0.4 في المئة من السكان. وهكذا في كل العالم، وبسيناريوهات مختلفة ولكن متقاربة. ومذاك لم يتغير شيء في هذا الاختلال المريع في النظام العام للقطاع المصرفي، وفي طريقة إدارة المخاطر المالية، وظل العالم كله يعيش على حافة الهاوية، حتى وصل “كورونا” من حيث لا يدري أحد..

فلماذا يجب الاستماتة في إنقاذ نظام مالي واقتصادي (وأخلاقي) متداعٍ بهذا الشكل. هل ستعاد اليوم – وعلى نطاق أوسع بكثير – جريمة 2008، حين جرى إنقاذ البنوك المضارِبة وصناديق القروض والائتمان، بواسطة المال العام، وقيل بعدها أنه لا موازنات متوفرة للصحة والتعليم وتقاعد الشغيلة وسائر الخدمات والمشاريع الحيوية، والتي تهم كل الناس؟ كل الناس، بما فيهم شعوب البلدان الفقيرة المعتادة على الموت من الجوع والعطش وتلوث الماء والأوبئة والأمراض والحروب، والتي ترى الأغنياء هلعين لأن، مثلهم، يموتون بالآلاف كل يوم.

سيحاولون محو كل ذلك، والعودة عن وعودهم، والإمعان فيما سبق لهم فعله، فيما هم معتادون عليه. سيحاولون حملنا على النسيان، واستعادة صحتنا بدوران الآلة الجهنمية التي لا تترك وقتاً للتفكير والإرادة. وسيلجؤون هذه المرة إلى تدابير وإجراءات سياسية وبوليسية بحجج شبه ميتافيزيقية، باعتبار طبيعة الداء الذي فجّر الفقاعة الكبيرة. فهل سيتركهم الناس، كل الناس، يفعلون؟

وأما لو حدث أنْ عادت الغفلة واستحكمت، فحينها لا يمكنُ في مرة قادمة لا مواجهة أخوات كورونا، ولا أية صعوبة أقل من كورونا بكثير أو قليل..

قرار المصير يُتخذ اليوم: بداية في العقول والنوايا. في القناعات. وبعدها تولد الأفعال والأشكال المطابقة لها.

______________

1- أخر تغريدة صدرت هذا الصباح من عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي ادغار موران

السفير العربي

——————————–

شهادات خاصة لمواطنين عرب في الولايات المتحدة وأوروبا.. هكذا تبدو الحياة في بؤر “كورونا

حسن سلمان

تتزايد المخاوف من فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، بعدما نجح هذا الوباء بعزل ثلث سكان العالم، حيث أصاب أكثر من نصف مليون شخص، وحصد أرواح 23 ألفا، كما غيّر نمط حياة البشر على كوكب الأرض، في وقت بدأ فيه الخبراء بالتساؤل عن مستقبل النظام العالمي الحالي وطبيعة الحياة بعد أزمة كورونا التي كشفت هشاشة النظام الصحي في العالم، بعد عجره عن استيعاب الأعداد الكبيرة من المصابين بالفيروس.

في التحقيق التالي، تسلط “القدس العربي” الضوء على أوضاع الجالية العربية المقيمة في دول باتت تشكل بؤرا لفيروس كورونا، عبر شهادات خاصة لعدد من المواطنين العرب المقيمين في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية.

إيطاليا.. الموت مرّ من هنا

في العاصمة الإيطالية روما، تقضي الروائية نجوى بن شتوان جلّ وقتها في القراءة والكتابة ومشاهدة الأفلام، فهي لا تخرج إلا نادرا لشراء الدواء والمواد الغذائية الضرورية.

وتقول لـ”القدس العربي”: “عُدت إلى روما في الأول من آذار/مارس، ولم يكن هناك أي إجراءات للعزل الصحي أو الفحص في المطار، سوى جهاز عام لقياس درجة الحرارة للمسافرين القادمين إلى البلاد. لكني عزلت نفسي في المنزل لمدة أسبوعين. كان لدي أعراض أنفلونزا وخشيت أن أكون مصابة بوباء كورونا، لكن هذا القلق تبدد لاحقا بعدما تأكدت من عدم الإصابة بالفيروس. والآن أنا ملتزمة بالحجر الصحي الذي فرضته الحكومة، ولا أخرج من المنزل إلا نادرا لزيارة السوبر ماركت أو الصيدلية القريبين من منزلي”.

وتشكّك بن شتوان بالأرقام التي أعلنتها الحكومة حول عدد الإصابات بفيروس كورونا، مشيرة إلى احتمال وجود تكتم حول العدد الكبير للموتى وخاصة شمال البلاد، حيث يبدو الوضع كارثيا.

وتضيف “قبل أن تتحول إيطاليا إلى بؤرة للفيروس تفوق الصين، لم يكن هناك جدّية من الناس، كما أن الدولة تأخرت في إعلان حالة الطوارئ واتخاذ إجراءات عاجلة للحد من انتشار الفيروس القاتل. الآن هناك حجر صحي في جميع أنحاء البلاد، والحكومة تفرض حظر تجوال وتمنع التنقّل بين المدن، وقامت بإغلاق المناطق الحيوية وإيقاف الدراسة، والحياة متوقفة عموما في البلاد”.

لكن هذه الإجراءات غير كافية للحد من انتشار الفيروس، فالمرض ما زال يتجول في الخارج. تقول بن شتوان “هناك خوف كبير وتخبّط بين الناس وخاصة لدى كبار السن الذين يفضّلون البقاء في المنازل. والخوف ناتج عن الخشية من الإصابة وليس بسبب الوعي. لأن عدد الإصابات والوفيات يزداد. ورغم الدعم الطبي الذي تتلقاه إيطاليا من بعض الدول كالصين وروسيا، إلا أنه ثمة عجز كبير في القطاع الصحي. كما أن الكمامات اختفت من الصيدليات وأسعارها باتت مرتفعة جدا”.

وتحذّر من تداعيات الأزمة على الجوانب الأخرى وخاصة على الصعيد الاجتماعي والنفسي “فالناس لن يصبروا على بعضهم بعضا في المنازل لمدة طويلة، في ظل وجود أطفال وعائلة كبيرة العدد، وخاصة أن الناس في إيطاليا معتادون على الحياة والخروج من الإطارات كلها، فكيف بحجبهم الآن في إطار واحد؟”.

وباتت إيطاليا الدولة الأولى في العالم بعدد الوفيات الناجمة عن وباء كورونا، حيث توفي 8000 شخص حتى الآن، وتجاوز عدد الإصابات بالفيروس 80 ألفا، إلا أن أنجيلو بوريلي، مدير وكالة الدفاع المدني، المسؤولة عن جمع بيانات فيروس كورونا، اعتبر أن العدد الحقيقي للإصابات قد يتجاوز 600 ألفا.

نيويورك.. أين ورق التواليت؟

حالة ذعر وقلق كبيرة يعيشها سكان نيويورك حاليا، وخاصة بعدما تحولت مدينتهم لبؤرة وباء فيروس كورونا في الولايات المتحدة الأمريكية، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها السلطات لاحتواء الوباء.

خوري: “إذا لم تصل المساعدات الفيدرالية للعائلات الأمريكية في الوقت المناسب، فسيكون الوضع سيئا”

وكما هي العادة في الحروب والكوارث في العالم، فإن الناس يقبلون بكثافة على المواد الغذائية والاستهلاكية. يقول عصام خوري (كاتب وصحافي) لـ”القدس العربي”: “في البداية لم يكترث الناس كثيرا بالتحذيرات ولم يلتزموا بارتداء أقنعة الوجه (الكمامات)، ولكن أغلبهم الآن يضعون كمامات. المدينة مغلقة بالكامل، وهناك هناك حالة ذعر وقلق كبيرة، تدفع الناس للإقبال بشكل كثيف جدا على استهلاك المواد الغذائية والطبية. حتى أن ورق التواليت لم يعد متوفرا في المتاجر، كما أن مادة الكحول المعقم فُقدت من الصيدليات لبضعة أيام، وارتفعت أيضا أسعار بعض المنتجات، قبل أن تتدخل الحكومية لتدارك الأمر ومعاقبة الأشخاص الذين يرفعون الأسعار لأكثر من عشرة في المئة”.

لكن عدد الكمامات يتناقص باستمرار وأسعاره مرتفعة جدا، وهذا ما يؤرق الناس والسلطات أيضا، يقول خوري “إذا لم تصل المساعدات الفيدرالية (الفا دولار لكل عائلة) في الوقت المناسب، فسيكون الوضع سيئا. ورغم تدخل الجيش لبناء مراكز طبية، حيث تم توفير حوالي ألف غرفة طبية لاستقبال المرضى، لكنها ليس كافيا لمدينة كبيرة مثل نيويورك، وخاصة أن عدد الإصابات بفيروس كورونا فيها تجاوز 31 ألفا”.

على الصعيد الشخصي، لا يواجه خوري أي مشكلة “فمكتبي قريب من المنزل وهذا يساعدني كثيرا في العمل، ويؤمن لي -كصحافي- هامشا بسيطا للحركة. ولكن المشكلة تتعلق بالناس الذين توقف دخلهم، وخاصة أن نيويورك مدينة غالية ومن الصعب جدا عليهم تأمين إيجار منازلهم”.

ويضيف “المدينة مشلولة عموما. فهي تعتمد على المترو في حركة التنقل، ونادرا ما ترى أشخاصا داخل عربات المترو، لأنهم -ببساطة- يخشون العدوى بفيروس كورونا. ورغم الجهود التي تبذلها السلطات لتعقيم محطات وعربات المترو، إلا أن هذه الإجراءات غير كافية للحد من انتشار العدوى، وخاصة أن وسائل النقل تعتبر وسطا ملائما جدا للإصابة بالفيروس”.

وتحتل الولايات المتحدة حاليا المركز الأول عالميا من حيث عدد الإصابات بفيروس كورونا، والذي بلغ 83 ألفا، توفي منهم أكثر من 1200 شخص.

وكانت منظمة الصحة العالمية حذرت من تحول الولايات المتحدة إلى بؤرة عالمية للفيروس، مشيرة إلى أن عدد الإصابات فيها قد يتجاوز أوروبا التي تشكل حاليا البؤرة الأساسية للفيروس.

ألمانيا.. تمتّع بالشمس وابتعد عن الآسيويين!

في شارع العرب ببرلين (زونين آليه)، يتجوّل بسام داوود (ممثل ومخرج مسرحي)، للتمتع بأشعة الشمس، فهو كأغلب سكان العاصمة الألمانية، لا يلتزم بتعليمات الحظر الصحي في البلاد.

ويقول داوود لـ”القدس العربي”: “هناك أكثر من ألف إصابة بفيروس كورونا في مدينة برلين، لكن المدينة لم تصب بالهلع، فالحياة مستمرة، صحيح أن السلطات ألغت الكثير من الفعاليات والأنشطة وأغلقت أماكن تجمع ومطاعم، ومنعت وجود الناس في الأماكن المغلقة، ولكن الوضع يختلف كليا في الشوارع، فالناس موجودون بكثرة لشراء الطعام والمواد الاستهلاكية، وهم يخرجون للتمتع بأشعة الشمس في الحدائق، ولكن ليس بتجمعات كبيرة، فقد تجد أحيانا تجمعا صغيرا لبعض الأصدقاء. ونستطيع القول إن الناس يمارسون حياتهم الطبيعية قدر الإمكان ضمن الظروف المتاحة، كما أن وسائل النقل ما زالت تعمل بشكل طبيعي”.

ويضيف “الألمان عموما يلتزمون بتعليمات الحجر الصحي، ولكن بنسب متفاوتة حسب المناطق ومرجعيات كل شخص وثقافته. ففي شارع زونين آليه مثلا تجد حركة ونشاطا أكثر -نسبيا- من المناطق الأخرى، ونستطيع القول إن العرب أقل التزاما بالتعليمات من الألمان، فقد تجد بعضهم في المحال التجارية، كما أن الشباب الألمان أقل التزاما من الشيوخ، فهم يرتادون الحدائق بكثرة، وخاصة في ظل وجود شائعات تؤكد أن الفيروس يصيب الشيوخ أكثر من الشباب”.

وتبدو السلطات الألمانية أقل تشددا من جيرانها الفرنسيين فيما يتعلق بتشديد إجراءات الحظر الصحي، رغم أن البلاد تحتل المرتبة الخامسة عالميا بعدد الإصابات، بواقع 43 ألف إصابة، توفي منهم حوالي 240 شخص.

ويقول داوود “الإجراءات الصحية التي اتخذتها السلطات الألمانية ليست كافية، طبعا يمكن اعتبار إغلاق أماكن التجمعات والمسارح والمطاعم وغيرها قرارات جيدة، لكن كان يفترض أن تشدد السلطات الحظر أكثر – مثلما حدث في إيطاليا وفرنسا – ليتم منع التواصل بين الناس خلال هذين الأسبوعين على الأقل، حتى تظهر أعراض المرض لدى الناس”.

ويضيف “هم يكتفون فقط بمطالبة الناس بالحد من حركتهم، ولكن الحركة في الشارع مستمرة. وإذا صعدت إلى وسائل النقل (المترو والحافلات) ستجد عددا كبيرا من الناس، ويمكن ببساطة أن تنقل العدوى للناس أو تتلقاها من أحدهم”.

لكن الألمان لا يختلفون كثيرا عن نظرائهم في الدول الغربية، فهم يقبلون بنهم على المواد الطبية والغذائية، يقول داوود “منذ أسبوعين تم الحديث عن إمكانية إغلاق البلاد، ومن حينها هناك حالة هجوم على الشراء وخاصة ورق التواليت والمواد المعلبة والمعكرونة والرز وغيرها، كما أن المواد الكحولية المعقّمة مفقودة الآن، وتضطر للانتظار عدة أيام لاقتنائها”.

كما يشير إلى وجود “فوبيا” حاليا لدى الألمان من الأشخاص ذوي الملامح الآسيوية، فـ”في بداية الأزمة تم اضطهاد الأشخاص القادمين من شرق آسيا والحاملين للملامح الصينية كاليابانيين والكوريين وغيرهم، كما تم تجنّبهم في وسائل المواصلات. فذات مرة صعدت للمترو وكان هناك شخص يحمل ملامح شرق آسيوية يجلس وحده، لأن الناس – ببساطة- لم يصعدوا إلى المقصورة التي يجلس فيها. وفي إحدى المرات، كان هناك فتاة صينية تحمل لافتة تقول بالإنكليزية “أنا لست فيروسا!”.

وتعوّل ألمانيا في محاربة الوباء على إمكانياتها الاقتصادية الكبيرة ونظامها الصحي المتفوق على بقية الدول الأوروبية. كما أنها قررت أيضا الاستفادة من التجربة الصينية، حيث أعلنت السلطات عن بناء مستشفى ضخم أمام قاعة المعارض في العاصمة الألمانية، يتسع لألف سرير لمرضى فيروس كورونا.

فرنسا.. كيف تُقنع الناس بعدوّ غير مرئي؟

لطالما شكلت مدينة ستراسبورغ رمزاً للصراع الألماني الفرنسي بوصفها عاصمة لإقليم الألزاس المتنازع عليه تاريخياً، لكنها تعتبر اليوم رمزاً للتعاون بين البلدين، حيث يتم نقل عشرات المصابين منها يوميا لتلقي العلاج في مستشفيات ألمانية، بعدما باتت إحدى البؤر الرئيسية لفيروس كورونا في فرنسا، التي تحتل المرتبة السابعة عالميا، بعدد إصابات يتجاوز 29 ألفا.

غير أن الألزاسيين “ما زالوا غير مقتنعين بوجود خطر غير مرئي قد يحول حياتهم إلى جحيم، رغم أن شركائهم في المدينة من مهاجرين ولاجئين، كانوا أكثر تحسساً حيث بدا عليهم الاستعداد المبكر للعزل المحتمل فتقاطروا جماعات جماعات إلى المتاجر الكبيرة وأفرغوها من المواد الأساسية التي تمكنهم من الصمود أطول مدة في حال تم فرض إجراءات أقسى”، هذا ما يؤكد الشاعر والإعلامي علي سفر.

ويقول سفر لـ”القدس العربي”: “الإحساس بالهلع لم يصبح حالة عامة هنا، ربما بسبب حالة التضامن والتكافل السائدة في فرنسا عموماً، ولكن ثمة خوف من ضعف الإمكانيات في الإقليم، حيث نكبت فيه مدينة مولوز بعدد كبير من الإصابات نسبياً ما جعل منطقة “الشرق الكبير” التي يقع فيها الإقليم تحوز المرتبة الثانية في فرنسا لجهة عدد الإصابات!”.

ويضيف “هذا الأمر كان مادة الحديث اليومي في وسائل الإعلام المحلية والوطنية، وقد نال الأمر حصة في إجراءات الرئاسة الفرنسية حيث أُمرت قيادة الجيش بوضع كافة وحداتها الطبية في خدمة المدينة المنكوبة، وما برحت تنقل المصابين من مشافي مولوز إلى أقاليم أخرى ومدن أوروبية قريبة!”.

وكانت السلطات الفرنسية أرسلت قطارا سريعا مجهّز طبياً إلى منطقة الشرق الكبير لمساندة المستشفيات المحلية الرازحة تحت عبء الحالات شديدة الخطورة، حيث قام بنقل مصابين بفيروس كورونا وتوزيعهم على بعض المستشفيات في الغرب الفرنسي.

بلجيكا.. الحياة في زمن كورونا أشبه بما قبله

لم يتأثر البلجيكيون كثيرا بأزمة كورونا، فهم عادة لا يفضلون الخروج من المنزل الا للقيام بأنشطة محدودة كالرياضة والتسوق، وبالتالي هو معتادون أساسا على الحجر الصحي.

ياغي:

ويقول الصحافي المقيم في بروكسل، كزناف ياغي لـ”القدس العربي”: “المجتمع البلجيكي منغلق بشكل عام، والناس هنا لا يتحدثون كثيراً مع الغرباء (الأشخاص الذين لا يعرفونهم)، كما أنهم لا يخرجون من المنزل الا للتسوق او ممارسة الرياضة، ولذلك لن يحسّ المواطن البلجيكي بفارق كبير في ظل الحجر الصحي الذي تفرضه الحكومة بسبب كورونا. ولكن يهتم فقط بانعكاس أزمة كورونا على الاقتصاد، وهو ما سينعكس سلبا على حجم ادّخاره السنوي”.

ويضيف “الحياة شبه طبيعية الآن. إذ لم يحصل تزاحم على المواد الغذائية كما لم تخف حركة الناس في الشوارع، وهو ما دفع الحكومة لحظر التجمعات في الشوارع ومساءلة من يخالفون حظر التجوال. والآن بدأت تظهر قوانين أكثر صرامة كالعقوبات والغرامات المادية. وبعد هذه الإجراءت المشددة، بات أغلب المواطنين مقتنعون بضرورة الالتزام والمكوث في البيت، والخروج فقط عند الحاجة، وأخذ مسافة متر او اكثر عند التسوق او في اي مكان عام”.

وما زال عدد الإصابات بفيروس كورونا في بلجيكا “مقبولا” قياسا بالدول الأوروبية الأخرى، حيث أصاب الفيروس 6235 شخصا، توفي منهم 220، لكن وزارة الصحة البلجيكية تؤكد أن هذه الأرقام قد تكون أقل من الواقع نظرا للتأخر في الإبلاغ عن الحالات الجديدة.

القدس العربي

—————————-

بعد تفشي فيروس “كورونا” المستجد… هل يهدد فيروس “هانتا” العالم؟/ لوسي حبيب

في الوقت الذي لا يزال العالم يواجه شراسة انتشار فيروس كورونا المستجد أو ما بات يُعرف باسم “كوفيد-19″، ووسط الإجراءات الصارمة التي اتخذتها دول العالم للمساهمة في الحد من انتشار هذا الوباء الذي ضرب العالم في الصميم وشل الحركة الاقتصادية في شتى اصقاع الأرض. ها هو فيروس “هانتا” يطل بوجهه الشنيع ليزيد الطين بلّة ويجعل الأمور أكثر تعقيداً وأكثر سوءاً. وقد سجلت اول حالة وفاة في الصين بحيث انتقل لها عبر فأر. الأمر الذي أثار تساؤلات جديدة حول انتشار هذا الفيروس. وقد تصدر فيروس هانتا أبرز المواضيع المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية فان فيروس هانتا  ليس جديداً، حيث ان عدداً من حالات الانتشار سجلت حول العالم في السابق، منها في باناما عام 2000، وفي الولايات المتحدة الأمريكية عام 2012. بالإضافة إلى تسجيل حالات في الأرجنتين عام 2019. ويعرف هذا الفيروس في أمريكا باسم “فيروس العالم الجديد”، بينما يعرف في أوروبا وآسيا باسم “فيروس العالم القديم”.

فما هو هذا الفيروس؟ وكيف ينتقل؟ وما هي اعراضه؟ وهل من سبل لعلاجه والوقاية منه؟

وفقا لمركز مكافحة الأوبئة والوقائية منها في أمريكا، فإن فيروس هانتا هو من عائلة الفيروسات التي تنشر عبر القوارض التي تحمله وتعمل على نشره في ما بينها من خلال البول والفضلات واللعاب. كما ان فيروس هانتا ينتشر على نوعين هما الأكثر شيوعاً في العالم. أحدهما في القارة الأميركية وهو المسؤول عن متلازمة فيروس هانتا الرئوية. والثاني في أوروبا الذي يؤدي الى الحمى النزفية المصاحبة للمتلازمة الكلوية.

وتتشابه اعراض فيروس هانتا مع أعراض الإنفلونزا الى حد كبير منها:

– حمى مفاجئة تستمر لمدة 3 أو 4 أيام

– ألم حاد في الرأس

– ألم حاد في العضلات والأطراف

– احمرار في الحلق

– سعال حاد

– اختلال في النظر وحساسية تجاه الضوء

وفي حال تفاقم المرض أو إهمال الإصابة بالفيروس، فقد تزداد حدة الأعراض مع بروز أعراض أخرى منها ألم في المعدة، اضطراب في الكلى والدورة الدموية.

ينتقل فيروس هانتا بين القوارض عينها، حيث تنتقل جزيئات الفيروس من البول أو البراز أو اللعاب في الهواء وتصيب الإنسان. وفي بعض الأحيان، قد ينتقل هذا الفيروس الى الإنسان عندما يتعرض للعض من قبل إحدى القوارض المصابة به.

بالإضافة الى أنه قد ينتقل في حال لمس الإنسان مكاناً ملوّثاً بفضلات القوارض المصابة، ولمس فمه أو أنفه. أوفي حال تناول طعاماً ملوّثاً بهذه الفضلات. وحتى الساعة لم تشر أي دراسات الى امكانية انتقال الفيروس من شخص إلى أخر.

من هم الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس؟

بيّنت الدراسات المختلفة ان الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بفيروس هانتا، هم الأشخاص العاملون في مجال الزراعة والغابات والحدائق، إذ يكونون أكثر عرضة للتعامل مع القوارض التي قد تحمل هذا الفيروس.

كيف يتم علاج فيروس هانتا؟

لا يوجد من علاج او لقاح محدد لفيروس هانتا حتى الساعة وفق ما كشفت المكتبة الوطنية للطب في الولايات المتحدة الأميركية، ولكنها أشارت الى إمكانية معالجة المرضى المصابين بالفيروس من خلال مدّهم بالأوكسجين الصناعي في قسم الرعاية المركّزة في المستشفى.

————————–

فورين بوليسي: فيروس كورونا أسوأ فشل استخباري في تاريخ أمريكا.. أسوأ من بيرل هاربر و9/11

إبراهيم درويش

ناقش مايكا زينكو في مجلة “فورين بوليسي” أن فيروس كورونا هو أسوأ فشل استخباري في تاريخ الولايات المتحدة. وقال إنه فشل أسوأ من هجمات اليابان على بيرل هاربر في الحرب العالمية الثانية وهجمات القاعدة في 11 أيلول (سبتمبر) 2001.

وبدأ بالإشارة لمقابلة أجراها مرة مع نائب مدير شركة في واشنطن عمل لمدة طويلة سابقا في المخابرات، وسأله عن المخاطر التي تثير اهتمامه: “أي شيء يثير قلقك؟” وأجاب بدون تردد: “فيروس معد بدأ في مكان ما بالصين وانتشر بسرعة”.

وشرح نائب المدير التنفيذي الذي لشركته فروع في شرق آسيا الخطوات الوقائية التي اتخذتها الشركة لاحقا للتخفيف من أثر الفيروس. ومنذ بداية انتشار فيروس كورونا المستجد في كل أنحاء العالم تذكر زينكو حساب المخاطر الدقيق الذي قدمه هذا المسؤول، مقارنة مع القادة السياسيين الذين ينقصهم الإنضباط للقيام بتقييم روتيني للمخاطر التي تلوح بالأفق، وهناك عدد قليل جدا منهم من يستطيع إعداد الخطط الضرورية الطارئة.

والأندر من بين القادة هو القائد الذي يستطيع التنبؤ مقدما والتحديد بدقة الخطر الأكبر مقدما ويطور وينفذ خطة لمواجهته. ويكفينا القول إن إدارة دونالد ترامب فشلت بالكامل في بالتعامل بجدية مع التحذيرات المتكررة من المجتمع الأمني حول انتشار فيروس كورونا وتطوير رد وطني واسع ومبادرات تتناسب مع التهديد المتوقع.

ولدى الحكومة الفدرالية وحدها السلطة والمصادر لقيادة القطاع العام والمساهم ممن له علاقة لمواجهة الضرر المتوقع الذي يمثله الفيروس. ولسوء الحظ قام المسؤولون في إدارة ترامب بإصدار سلسلة من الأحكام التي قللت من مخاطر كوفيد- 19. واتخذوا قرارات رفضوا فيها التحرك بما يقتضيه الوضع الطارئ وهو ما عرض أمريكا للخطر وجعلها أقل أمنا.

وباختصار يقول زينكو إن إدارة ترامب جرّت كارثة مفاجئة على الشعب الأمريكي. وعلى خلاف المفاجآت الإستراتيجية السابقة من بيل هاربر والثورة الإيرانية عام 1979 وهجمات 9/11 ، فالأزمة الحالية جلبت معها لامبالاة وتجاهلا.

ففي الوقت الذي أشارت فيه لجنة التحقيق في هجمات 9/11 إلى مسؤولية إدارة رونالد ريغان إلى إدارة جورج دبليو بوش، فإن الأزمة الحالية هي مسؤولية الإدارة الحالية في البيت الأبيض.

ففي الفصل الثامن من تقرير لجنة 9/11 تحت عنوان” كان النظام يرمز للأحمر” واقتبس من مدير “سي آي إيه” السابق جورج تينيت والذي تحدث عن إشارات عدة نقلتها المخابرات، صيف 2001 عن حتمية هجوم في داخل الأراضي الأمريكية.

ورغم التحذيرات والجهود المحمومة من مسؤولي مكافحة الإرهاب، إلا اللجنة توصلت قائلة: “ليست لدينا إلا أدلة قليلة عن إرباك الحكومة لتقدم المؤامرة، ولم يعد هناك وقت”.

وفي الأسبوع الماضي نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أشارت فيه للتحذيرات التي قدمها المجتمع الاستخباراتي إلى البيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) بشأن فيروس كورونا. ولم تترك التحذيرات إلا أثرا قليلا على المسؤولين البارزين في الإدارة، والذين تأثروا بقرار دونالد ترامب المتكرر عن الفيروس، بدءا من 22 كانون الثاني (يناير) “نحن مسيطرون وبشكل كامل، وهو شخص جاء من الصين وقد وضعناه تحت الرقابة وكل شيء سيكون على ما يرام”.

ومع مرور الوقت، فإن هناك ملامح واضحة عن أسلوب قيادة ترامب والتي أدت إلى تدهور الوضع الذي يواجه أمريكا بسبب فيروس كورونا. الأول هو أنه عندما يؤمن بشيء، حتى لو كان غير صحيح وقائم على معلومات خاطئة، فسيظل متمسكا برأيه الأول.

وعادة ما يتسم القادة بالغرور ولديهم ثقة زائدة بالنفس. وبالنسبة للكثيرين منهم، فوصولهم إلى أعلى منصب في البلد دليل على حكمتهم. إلا أن القادة الأذكياء عادة ما يبحثون عن النصيحة ويقبلون النقد ويغيرون مواقفهم، وبالنسبة لترامب فهو يفتقد لكل هذه القدرات.

الملمح الثاني، أحكام ترامب لها خاصية العدوى والانتقال وإصابة تفكير وسلوك كل مسؤول أو مستشار يتصل بحامل الحكم الأول. ويحيط ترامب نفسه بأشخاص يستطيعون التفكير ويتصرفون بناء على هذا، إلا أن تعليقاته سيئة السمعة يمكن نقلها وإعادة إنتاجها من القادة العسكريين والأمنيين ورجال الأعمال البارزين، وأي شخص لا يقلد ما يقوله الرئيس مثل الببغاء، يتم عزله أو يتم تسريب معلومات أن عزلهم بات قريبا، كما في التقارير الأخيرة عن عدم تحمل الرئيس، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية أنطوني فوشي.

الثالث، عادة ما تلوث الأحكام الخاطئة والفقيرة للرئيس كل أجهزة صناعة القرار في الحكومة الفدرالية وبدون مقاومة أو مساءلة منطقية لها. وفي العادة ما يقود المؤسسات الفدرالية أشخاص يعتقد البيت الأبيض أنهم قادرون على تنفيذ السياسات. وكان هؤلاء المسؤولون لديهم هامش من الإستقلالية ولكن ليس في عهد ترامب.

وحتى المنظمات غير الحزبية مثل الأمن القومي والمخابرات باتت مليئة بأشخاص يدعمون البيت الأبيض بدلا من تميزهم بالخبرة والتجربة التي يحتاجها هذا العمل للوقوف أمام القرارات المثيرة للقلق. ونتيجة لهذا فقد فشل النظام بإعلام الرئيس رغم الإشارات الحمراء التي كانت تتردد.

وفي نفس تقرير “واشنطن بوست” نقلت ما قاله مسؤول لم يكشف عن هويته: “ربما لم يتوقع ترامب هذا، إلا أن الكثير من المسؤولين في الحكومة كانوا على معرفة بالوضع لكنهم لم يستطيعوا إخباره، رغم أن الإشارة التي كان يرسلها النظام كانت حمراء”.

فبعد استنتاج ترامب أن الفيروس لن يمثل تهديدا على الولايات المتحدة، فلن يغير رأيه مهما قال له المسؤولون من الإستخبارات أو خبراء الصحة وعلم الأوبئة. وقال مستشار الأمن القومي السابق هنري كيسنجر مرة: “لقد حذرتموني ولكنكم لم تقنعوني”.

ولكن رئيسا لا يقنعه إلا حدسه من الصعب إقناعه. وفي النهاية سيكون انفصام البيت الأبيض وعدم لا مبالاته في المراحل الأولى من انتشار وباء فيروس كورونا من أكثر القرارات كلفة التي قام بها أي رئيس في تاريخ أمريكا الحديثة.

وكان لدى المسؤولين تحذيرات واضحة حول التقدم والنقاط الحيوية لاتخاذ قرار، وأنه يجب تحضير البلاد. و”يجب علينا ألا ننسى الطريقة التي ضيعوا فيها هدايا بعد النظر أو سبب الإهمال: وكان ترامب منذ البداية مخطئا ولهذا قررت الدائرة الضيقة حول نشر أخطائه وكلامه الخطابي وتطبيق سياسات غير دقيقة، وحتى اليوم فستدفع أمريكا الثمن ولعقود قادمة”.

القدس العربي

——————————

إيكونوميست: الأنظمة العربية تتسابق لاستغلال “كورونا” وزيادة قمعها

قالت مجلة “إيكونوميست” في عددها الأخير، إن كوفيد- 19 منح الدول العربية فرصة لزيادة القمع ضد سكانها والتجسس عليهم وتوسيع صلاحيتها.

وأضافت: “لو صدقنا الأرقام الرسمية فإن كوفيد- 19 لم يضرب بعد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشدة كما في بقية العالم. وباستثناء إيران فإن الفيروس قتل حوالي 100 شخص في كل المنطقة، مقارنة مع آلاف الضحايا في أوروبا. ومع ذلك اتخذ القادة العرب إجراءات متطرفة للحد من انتشاره وفرض منع التجول وأغلقت المحلات التجارية وحجرت مدنٌ بالكامل”.

وتعلق المجلة: “هذا تصرف حكيم، فدول مثل إيطاليا وإيران أخّرتا التحرك مما أدى لتدفق الحالات ولكنه مثير للقلق”. والسبب هو أن الأنظمة في المنطقة طالما لعبت على “مخاوف الناس لتبرير حكمها الديكتاتوري”.

وأعلنت معظم الحكومات حالة الطوارئ، مما سمح للحكام بالحكم عبر المراسيم، مع أن معظمهم يفعل هذا من قبل، ونشر القوات المسلحة. ففي مصر مثلا، أُرسل الجيش للقيام برش المناطق بالمطهرات. وفي الأردن، يحرس الجيش الساحات العامة ويساعد على فرض منع التجول والتأكد من عدم خروج الناس من بيوتهم. وعندما لم تكن السلطات المدنية في إيران قادرة على التعامل مع الوضع، حاول الحرس الثوري الدفع باتجاه قيود لها علاقة بالفيروس.

وفي بعض الدول الأوروبية خرج الجيش إلى الشوارع. إلا أن الأنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لن تخفف من قبضتها على المجتمع مع تقهقر الأزمة. كما أن هذه الأنظمة تمارس القمع بطريقة لم نرها في الغرب.

واحتجزت المغرب أشخاصا لنشرهم الشائعات. وحذر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قائلا: “من ينشرون الأخبار الزائفة ستتم ملاحقتهم”. وحدد الأردن عدد الصحافيين المسموح لهم بالخروج ونقل الأحداث حتى قبل تسجيل أي وفاة. ومنعت مصر صحافية من صحيفة “الغارديان” البريطانية بعدما نقلت معلومات لدراسة أعدها علماء أوبئة في كندا، والذين قالوا إن انتشار المرض في مصر أوسع مما تحدثت عنه الحكومة.

ويعتمد العرب على الإذاعات التي تديرها الدولة والتي تقدم أخبارا غير دقيقة وبيانات مثيرة للتساؤل إلى جانب بيانات وزارات الصحة. وحتى في إسرائيل التي تعتبر فيها الصحافة حرة، فهناك مخاوف من تجاوز حكومة بنيامين نتنياهو الخط الأحمر وممارسة الرقابة، خاصة أنه أمر جواسيسه بالتنصت على الهواتف النقالة لتحديد حركة المصابين بالفيروس.

ويخشى بعض الإسرائيليين من إساءة استخدام هذه السلطة. ويتهم نتنياهو وحلفاؤه باستخدام انتشار الوباء كمبرر لتأخير محاكمته بقضايا فساد، وكذا البقاء في السلطة لمدة أطول مع استمرار المفاوضات لتشكيل حكومة. وتقول يوهانا بليسنر من معهد إسرائيل للديمقراطية: “يحاول جهده لاستغلال الفرصة التي قدمها فيروس كورونا”.

وفي مناطق أخرى، تم الترحيب بالإجراءات القوية لمنع انتشار الفيروس، حيث أصبح هاشتاغ أعلنوا حالة الطوارئ على تويتر من الأكثر متابعة في المنطقة.

وبحسب مركز استطلاعات إبسوس، فنسبة 98% من الأردنيين يعتقدون أن حكومتهم تقوم بعمل “جيد” أو “جيد جدا”. وهم راضون عن السلطات الجديدة التي تسمح للملك بمصادرة ممتلكات خاصة أو اعتقال أي شخص يهدد النظام العام ومراقبة ما ينشر في الصحافة.

 وحتى الناشطون المعادون للحكومة يدعمون الإجراءات الصارمة. وقال مغربي: “أحيانا ما تتصادم حقوق الإنسان واحتياجات الصحة العامة”.

 كما أن التباعد الإجتماعي يعني توقف التظاهرات المعادية للحكومات كما في الجزائر ولبنان والعراق، والتي تلاشت في الوقت الحالي. كما يتعاون الأعداء في المنطقة، حيث ينسق الفلسطينيون والإسرائيليون لمحاربة العدو المشترك. وعرضت الكويت والإمارات المساعدة على إيران.

لكن الهدوء قد لا يطول؛ لأن الوباء ضرب النظام الاقتصادي في المنطقة، خاصة السياحة والتحويلات المالية، فيما أثّر انهيار أسعار النفط على موارد الحكومات، مما أثر على القطاع الخاص.

وفي الوقت نفسه تشكك منظمة الصحة العالمية بالأرقام القادمة من الحكومات في المنطقة. فعدم وجود فحص كاف يعني أن الأرقام أعلى من تلك التي تعلن عنها الحكومات، كما أن الأنظمة الصحية ليست مجهزة للتعامل مع حالات واسعة. وربما ندمت حكومات المنطقة على ما أنفقته لتعزيز قواتها العسكرية وشراء الأسلحة أكثر من الاهتمام ببناء المستشفيات والإمدادات الطبية وتحسين الوضع الصحي.

القدس العربي

————————–

بلومبيرغ نيوز: “كورونا” أسكت ساحات الاحتجاج في العالم العربي.. فهل انتهى الربيع العربي الثاني؟

هل سرق فيروس كورونا الزخم من الربيع العربي؟ يرى بوبي غوش في مقال نشره موقع “بلومبيرغ نيوز” أن هذا حدث بشكل واضح فالساحات المضطربة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باتت هادئة في وقت يبحث فيه الناشطون عن الخطوات القادمة.

وتساءل الكاتب إن كان فيروس كورونا سيعمل للربيع العربي ما فعلته الثورات المضادة والمسلحة ضد الربيع الأول؟ فقد سكتت يوم الجمعة الساحات لأول مرة منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2019. وأتعبت التظاهرات في العراق الحكومة لمدة ستة أشهر ولكنها توقفت الأسبوع الماضي عندما استجاب المنظمون لما هو محتوم من تداعيات الوباء.

وكان قرار الناشطين العراقيين متأخرا أياما عن خطوة الحراك الجزائري بإنهاء تظاهرات الجمع التي بدأت في 20 آذار (مارس) مطالبة بتغيير بنية السلطة في الجزائر، أي بعد عام. وفي لبنان يبدو أن الخوف من الفيروس كان السبب الذي أوقف التظاهرات المحاربة للفساد، مع أنها قاومت حملات الاستفزاز من عناصر حزب الله.

ويعلق غوش أن الربيع العربي الثاني كان يحقق نجاحات عندما ضرب الفيروس ضربته. ففي السودان والجزائر نجح المتظاهرون بإنهاء حكمي عمر البشير وعبد العزيز بوتفليقة العجوز. وفي العراق استقال رئيس الوزراء عادل عبد المهدي ورئيس الوزراء المكلف محمد توفيق علاوي. أما في لبنان فخرج سعد الحريري من الحكم ويبدو خليفته حسان دياب في وضع ضعيف بعد فترة قصيرة من تعيينه. وأنجز كل هذا بعدد قليل من الضحايا، فالهجمات على المتظاهرين العراقيين أدت لسقوط 700 متظاهر، وفي السودان قتل 100 شخص على يد قوات أمنية.

وعلى خلاف اليمن وسوريا وليبيا لم تشهد أي من هذه الدول حربا أهلية دموية. ولكن في الخرطوم وبغداد وبيروت والجزائر فالشعور بأن المهمة لم تنجز لا يزال ظاهرا. وبقي النظام السياسي في كل هذه البلدان في محله وبيد النخبة التي لا يثق بها المتظاهرون ويريدون التخلص منها. ولهذا السبب تواصلت تظاهرات الحراك كل جمعة، بعد خروج بوتفليقة من السلطة والانتخابات المشكوك في نزاهتها والتي جلبت أحد وزرائه لمنصب الرئاسة، عبد المجيد تبون.

وحتى الأسبوع الماضي كان العراقيون يواصلون الضغط على عبد المهدي، الذي ليس إلا رئيسا لحكومة تصريف الأعمال. وبدت مظاهر عدم الاستقرار في السودان عندما نجا رئيس الوزراء عبد الله حمدوك من محاولة اغتيال. ويخشى الناشطون الذين ينتظرون مرور عاصفة الوباء من أن التنازلات التي أجبروا السياسيين على تقديمها قد تختفي؛ فربما استخدمت الأنظمة الحاكمة الفيروس كغطاء للعودة إلى حالة الوضع القائم.

وربما استطاع رئيس الوزراء المكلف في العراق عدنان الزرفي تأمين الحكومة، رغم ما تبدو عليه من عيوب تجعله مثل علاوي غير مقبول للمتظاهرين، مثل التعامل مع مؤسسة فاسدة والجنسية المزدوجة. وربما استطاع دياب استخدام المساحة التي يقدمها الفيروس للتفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على حزمة إنقاذ منه. وهناك مخاوف من تراجع جنرالات السودان عن تعهداتهم المشاركة بالسلطة مع المدنيين.

وبالنسبة للمتظاهرين، فالتحدي هذه المرة من التباعد الاجتماعي هو الحفاظ على التواصل والدافعية ومواصلة الضغط على الحكام. وستكون الأسابيع المقبلة بمثابة امتحان لقدرتهم على تكييف حركاتهم مع مجموعة من الظروف الاستثنائية. وعليهم التعلم من جين شارب، الباحث السياسي الأمريكي الذي يتمتع بمتابعة واسعة من الجماعات السياسية بعيدا عن ولاءاتها السياسية، من المعارضين السياسيين إلى جماعات حماية البيئة. فرسائل شارب التي نظر فيها لحركات اللاعنف تحدثت عن 198 شكلا من أشكال المقاومة، وكانت ضرورية للمتظاهرين العرب الشباب الذين قادوا الربيع العربي ولا تزال تلهم الجيل الثاني من المحتجين العرب.

وتكيف أتباع شارب الآخرون مع توصياته والتحديات التي يمثلها فيروس كورونا على حركاتهم. وكما ناقش كل من جوناثان بيكني وميرندا ريفرز من المعهد الأمريكي للسلام فهناك عدد من أشكال الاحتجاج من العرائض على الإنترنت (هونغ كونغ) والتظاهر على الإنترنت (إسرائيل) وقرع الأواني في ساعة محددة لإظهار عدم الرضى على الحكومة (البرازيل)، فيما وضعت الناشطة غريتا ثونبرغ ومن معها صورا لأنفسهم يحملون شعارات ويستخدمون هاشتاغات مثل “إضراب من أجل البيئة على الإنترنت”.

لكن الاحتجاج على الإنترنت لديه محدوديته لأن النقاش حول الفيروس بات يسيطر على كل شيء في الوسائل الرقمية. وتزايد عمليات التضليل على الإنترنت جعل من تويتر وفيسبوك أقل تأثيرا عما كانا عليه أثناء الربيع العربي الأول. وإلى جانب هذا أصبحت الحكومة أكثر ذكاء في مراقبة الفضاء على الإنترنت وقمع المعارضة. فقد مرر المغرب قانونا جديدا لمحاربة الأخبار الكاذبة، يقول الناشطون إنه يحتوي على بنود قد تخرق حرية التعبير والحق في التظاهر.

ويعرف المتظاهرون أن النشاط الرقمي يمكن في أحسن الحالات أن يبقي على حركاتهم في عين الرأي العام، فلم تقم حركة على الإنترنت حتى الآن بالإطاحة بنظام. وفي فيديو نشره المتظاهرون هذا الأسبوع وعدوا أن “الثورة ستعود”. وعند العودة فأمامهم عمل لاستعادة الزخم الذي أخذه منهم فيروس كورونا.

القدس العربي

—————————-

مكافحة الجائحة العالمية كدعاية للطغيان

حظي النجاح الذي حققته الصين، المكان الذي شهد اكتشاف فيروس كوفيد 19، بالتعامل مع الأزمة بشعبية كبيرة، ليس لدى الأنظمة الدكتاتورية فحسب، بل لدى نخب محسوبة على اليسار والليبرالية، وقد أدى هذا النجاح لانقلاب كبير من حالة اتهام الصين بالتسبب في نشر الفيروس عالميا، إلى حالة معاكسة أصبحت فيها الصين مثالا عالميا لكيفية التعامل المذهل في سرعته ونجاعته، مما مكّن بكين من النهوض من الحضيض الذي لحق بسمعتها في العالم، لتقود حملة علاقات عامة كبرى تعتبرها أنموذجا، ليس في التقنيات الطبية ولكن كنظام سياسي أيضا.

كان من الممكن طبعا، لنظام شموليّ مثل الصين، أن يفشل فشلا ذريعا لو تعامل مع أزمة فيروس كورونا المستجد بالطريقة نفسها التي يتعامل فيها مع مجمل القضايا السياسية الأخرى، من طريقته القمعية في مواجهة المنشقين والمعارضين، إلى أسلوبه في مواجهة المطالبات الديمقراطية لمواطني هونغ كونغ، وصولا إلى الأسلوب الهمجي الذي تعامل فيه مع أقلّية الأويغور المسلمين، الذين نُسيوا تماما في ظل أزمة كورونا الحالية، ولا يعلم أحد ما الذي تصرف النظام الصيني مع المعتقلين منهم الذين تقدرهم مصادر عالمية بمليون رجل وامرأة.

يتصدّر الأسباب التي جعلت بكين تغيّر أسلوبها الشموليّ في التعامل مع ظاهرة كورونا بسرعة نسبية هو أن لهذا الوباء تأثيرا هائلا على الاقتصاد الصينيّ، وهو عصب السلطة الأكبر، وبالتالي فإن الكذب والتجاهل والإخفاء، كما أصرت نظم كوريا الشمالية وإيران ومصر على التصرّف، سيؤدي إلى كارثة أفظع مما يستطيع الحزب الشيوعي الصيني أن يتحمّل، وقد تؤدي هذه الكارثة إلى تداعيات سياسية لا قبل للحزب وأدواته الأمنية على تحمّلها.

السبب المهم الثاني هو أن الصين كانت قد خضعت لتجربة وباء سابق من جنس الفيروسات التاجيّة نفسها، هو فيروس سارس، الذي ظهر أيضا عام 2002 في الصين، ورغم أنه كان أقل خطورة حيث أدى إلى مقتل قرابة 800 شخص في جميع أنحاء العالم، فقد راكمت الصين حينها خبرة كافية في التعامل معه، فأغلقت أسواق الحيوانات التي اعتقدت أن الفيروس انتقل منها إلى البشر، ولكن هذا الفيروس، مثله مثل فيروس ميرس، الذي اكتشف عام 2012 في العديد من دول الشرق الأوسط، لا ينتقلان بين البشر بالسهولة نفسها التي ينتقل بها فيروس كوفيد 19.

إضافة إلى مراكمتها لهذه التجربة السابقة، ولخبرات وتقنيات طبية متقدمة، ولإدراك قيادتها للخطورة الكبرى التي شكلها فيروس كورونا المستجد على الاقتصاد، وبالتالي على النظام السياسي الحاكم، فقد ساعدت السلطات الصينية إمكانيات الدولة الماليّة غير المحدودة، وقدراتها اللوجستية الهائلة، وغياب أي محاسبة تشريعية أو قضائية أو إعلامية لأي إجراءات تقوم باتخاذها، ووجود يد عاملة كثيفة، وتقنيات علميّة وتكنولوجية كبيرة، وكلّها أمور تختص بها الصين ويصعب أن تنطبق على كوريا الشمالية، التي طلبت سرا مساعدات من دول عديدة لتزويدها بمعدات مكافحة الوباء رغم ادعائها عدم وجود أي حالة مرض لديها، أو إيران التي يتحدث مرشدها الأعلى علي خامنئي الذي اضطرت منظمة الصحة الإيرانية لتكذيب تصريحه بوجود فيروس مخصص جينيا لاستهداف الإيرانيين، أو مصر التي تعلن إرسال مساعدات لدول أخرى لكن من المشكوك أن تستطيع مساعدة نفسها.

القدس العربي

——————————–

كورونا والأدب/ ستيفان كوشلين

ترجمة عبده حقي*

ما الذي يتبقى عندما تضرب جائحة ما، ويغرق المجتمع في المعاناة والقلق؟ الأدب ومزيجه من الحلم والقوة. هذه نظرة عامة عن موضوع واعد منذ اليونان القديمة.

في الذكرى الستين لوفاته كان ألبير كامو محفوفا ببعض الشموع، وزيارات حميمية لقبره في مقبرة لورمارين. ولكن بعد انفجار فيروس كورونا مؤخرا، تم تكريم مؤلف رواية «الطاعون»، وهذا في رأيي شيء مرفوض ومبالغ فيه قليلا! أجل لقد ارتفعت مبيعات رواية «الطاعون». هل يجب أن نكون سعداء، لأن الأدب يساهم في التخفيف من رعبنا، كما لو أننا نبحث عن أجوبة لقلقنا؟ دعونا نجيب فورا على هذا السؤال. لا يقدم ألبير كامو أي استجابة طبية فحسب، ولكن هناك شيء أفضل من ذلك، إنه حقيقة الشر في مواجهة الشر.. ما هو موجود بشكل أعمق بدواخلهم.. إنها قوتهم.

عودة ألبير كامو

تذكرنا مدينة ووهان الصينية، التي انفلت منها فيروس كورونا، بمدينة وهران الخيالية عند ألبير كامو: شوارع مهجورة وحرارة مفرطة تضرب السكان.. سفن تقفل عائدة، العزل، أكوام من الجثث، الطبيب لي وينليانغ الذي نشر وأذاع التحذيرات والإنذارات.. الطبيب الذي هزت وفاته الصين، تتشابه حالته مع شخصية الدكتور ريو في رواية كامو. لا وجود لمنحى سياسي عند هذا الكاتب الفرنسي العظيم، ولا حتى منحى سوسيولوجي لمدينة وهران، ولا لمزيد من الدراسات حول العلاقات بين الجزائريين والفرنسيين. تبحر وهران مثل شبح في هذا الكتاب الشعري الطافح بالسخرية.

«يبدو أن الطاعون قد استقر بشكل مريح في ذروته الوبائية، وأنه جلب لضحاياه موظفا جيدا ومثاليا يقوم كل يوم بعمله بدقة وانتظام». يذكرنا هذا بحصيلة الجنازات في قنواتنا الإخبارية. لقد سمحت جائحة الطاعون عند كامو، بوضع صور مثيرة ومحببة.. الدكتور ريو والصحافي رامبرت «السعيد جدا بحياته»، ولكنه سجين مدينة لا يعيش فيها، أو الموظف الصغير في البلدية جوزيف غراند.. بملابسه غير المتناسقة، المسؤول عن الإحصائيات، الذي يحلم بكتابة رواية. هذه مجرد نماذج بالطبع كما هو الحال في العديد من قصص الكوارث.

عندما كتب روايته الشهيرة «الطاعون» في عام 1942 مكث ألبير كامو في محافظة شامبون سورلينيون.. كان مصابا بداء السل ويبصق الدم. وقد أجبره هذا الداء على الذهاب إلى سانت إتيان من أجل الخضوع للعلاج. كان على علم بأن ضباط الشرطة الفرنسية قد اعتقلوا العديد من اليهود في قرية في أوفيرن، لذلك نزح إلى مدينة ليون وهو متأبط مخطوطته تحت ذراعه. تولدت عن وباء الطاعون وأزمة كامو الشخصية وتداعيات الحرب، استعارة للدلالة على الاحتلال والهمجية النازية وخلق ذريعة لإثارة المقاومة، لقد اغترف كامو موضوعه من نبع التراث الإغريقي.. الملك أوديب حيث يصف سوفوكليس مدينة طيبة، التي ابتليت بالموت الأسود. «المدينة بأكملها مليئة بعبق البخور المشتعل وهدير الأناشيد والرثاء» وأوديب يتأوه منذ السطور الأولى.

طيف إدغار ألان بو

نحن نهتف.. نصلي.. نأمل عبثا في صد الشيطان، من الوثنية إلى العصر المسيحي لطالما «أنشد وكتب» الشعراء والروائيون عن الوباء، وهو منفذهم للتحدث بشكل أفضل عن الله، ومساءلة الإيمان .. أولئك الذين ترعرعوا في ظل روحانيات الأولمب، أو من الكتاب المقدس المروع (عند كامو موعظة الأب باتيلوكس في صمت مطلق تبقى أحد اللحظات البارزة في الرواية) «الخوف من السنة الألف» حيث هاجس الشيطان يسكن النصوص المقدسة التي سيتناولها الأدب، ويرى بوضوح – ضرورة البيع – الجمال والنفس الذي يمكن أن يستخلص منه.

في القرن التاسع عشر جعل ما يسمى بالأدب «القوطي» من الألم الملغز، علامة بارزة بخباياها المعتمة، وريفها المصاب، حيث ينتصب الدير المنقذ. في «قناع الموت الأحمر» لإدغار بو (1842) يغلق الأمير على نفسه في الفضاء الخلفي من ديره، معتقدًا أنه قد نجا من اللعنة، التي حلت بالأراضي المجاورة، ثم استغرق في الفسق والملذات.. آخر جولة شرف قبل الموت القاسي. لقد ألهب هذا الموضوع القصص بشكل جيد للغاية، لأن من شروطه أن يكون إدغار بو في القيادة، ولكن لا تزال هناك مشكلة إذا ما أخذنا في الاعتبار ما قاله هيتشكوك: «كلما كان الشرير ناجحا كان الفيلم أفضل».

بينما في النوع الوبائي ليس هناك شرير. الشر يبقى غير مرئي.. ينتشر بدون شخصية. ليس بوسعك أن تكرهه.. إنك ترغب في عقابه، تطلق عليه الرصاص ليخترق جسده… من دون شك أن هيتشكوك قد قرأ للروائي القوطي برام ستوكر، الذي كتب أحد أجمل الروايات عن الوباء ورعبه. ولد برام ستوكر عام 1847 في دبلن، وكان طفلا مريضا، وقلقا بسبب القصص الرهيبة التي حكتها له والدته على ضوء الشموع.. عن اجتياح الكوليرا في أيرلندا، في بداية القرن التاسع عشر، تلك الجائحة التي نجت منها والدته.

عاش الصبي وسواس الموت والعدوى، لدرجة أن جميع أعماله الروائية صارت كما لو أنها مصابة بالعدوى، ولكن من أجل إغراء القراء كان الكاتب بحاجة إلى شخصية شريرة حقيقية جدًا. كانت لديه فكرة عبقرية عن تشخيص الوباء من قبل رجل مصاص الدماء، رجل مثل البلاء.. دراكولا الذي تتسبب عضته في تلويث دماء ضحاياه. بعد قرن من الزمان سيعطي فرانسيس فورد كوبولا لهذا البطل الشرير والمغري، رؤية أكثر دقة، وذلك بالإشارة إلى الجنس ومرض السيدا. لقد أحرق جثة برام ستوكر. تقول الشائعات أنه مات بمرض الزهري، ملوثا حتى في قبره!

ملاذات روائية أخرى

طبعا سيختفي فيروس كورونا يومًا ما، لكن العدوى الأدبية ليست على وشك الاختفاء وهذا شيء مستحسن كثيرًا. ومن صدف البرمجة الثقافية أن ثلاثة أعمال رائعة ستهز الأخبار الثقافية قريبا . فقد أعادت مؤسسة «لوبوان» نشر رواية «العمى» لخوسيه ساراماغو التي نشرت في عام 1995، والتي تحكي عن وباء العمى cécité الذي أصاب سكان إحدى المدن البرتغالية، حيث جل السكان فقدوا أبصارهم. التفاهة («إنه العمر» يقول طبيب لمريض في سن معين) ويحاول طمأنته («لا بل لديك التهاب في العينين فقط») ما يفسح المجال للقلق ثم إلى الأنانية والعنف عندما يضرب الطاعون بشكل عشوائي، لقد استحوذ الذعر على المجتمع برمته، الطبيب بدوره يغرق في الظلام.

رواية ساراماغو المدهشة

يأتي بعض الرجال للبحث عن رجل، تسألهم زوجته. «إلى أين أنتم ذاهبون؟ لم يجيبوها وأمروا زوجها بالخروج من السيارة، لكنها جعلتهم يعتقدون أنها عمياء أيضًا، وقد قادتهما ممرضتان إلى منفى خاص بالمعتوهين، حيث قررت الحكومة حجر ضحايا المرض الغامض. كانت الزوجة أقوى من الممرضتين فهي لم تكن ترى سوى العنف والأوساخ، والبحث عن كبش فداء لكل منهما ــ ثم من بعدي الطوفان ــ «إهدئي! قال الطبيب. في زمن الوباء ليس هناك مذنبون، بل الجميع ضحايا. تمدنا رواية ساراماغو الحاصلة على جائزة نوبل للآداب برواية مرعبة، مكتوبة بأسلوب جميل وصارم، من دون أن يأخذ القارئ نفسا في حوار، حيث لا يوجد أبطال، بل تعطى الأهمية لأدوار، الوزير، الطبيب، السائق، الطفل، الذين يقدمون أعمالا بسيطة. الدولة كلها «أبرد الوحوش الباردة» كما قال نيتشه الذي سحق الفرد.

العدوى حسب جيرارد مايس

جو الدهشة نفسه يعبر الإضمامة الرائعة التي نشرها جيرارد ماسيه، بلغة أنيقة ودافئة، يقدم لنا من خلالها ثلاثة أطباء في كفاحهم ومعركتهم ضد العدوى. يطرح النص أسئلة مرعبة: «كيف مات البحارة بسبب الكوليرا؟» أو: «ماذا نفعل مع نفاياتنا وفضلاتنا؟». يقول كيف إن هوس الصحة والنظافة يعذبان الإنسان.. إنها مواقف دقيقة ينقشها الكاتب تانيزاكي الشمولي عند الطبيب «سيلين» العنيف والقذر، حسب رأي أحد مرضاه، ولكن بحثًا عن النقاء الذي كرّس له الروائي ماسيه العديد من الصفحات القوية. يمزج المؤلف ذكرياته ويتحدث عن النبيذ والغابات دائمًا بعمق هذه الرائحة والهوس بالنظافة.

الترجمة الفرنسية الأولى لنص لدراغو جانكار

يخشى الكاتب أن تؤدي بسترة Pasteurisation العالم إلى كارثة، وإلى مطاردة الكائن الغريب النتن، كما هو الحال في الكتاب الرائع الثالث الذي سيظهر خلال الشتاء المقبل «الهروب الاستثنائي ليوهانس أوت» الكاتب السلوفيني دراغو جانكار. نُشرت هذه الرواية عام 1978 التي وصلت إلينا مؤخرا في ترجمتها الفرنسية. كان جانكار البالغ من العمر 72 عامًا نجل أحد معارضي النازية الذي ذاق عذاب سجون الديكتاتور اليوغسلافي المارشال تيتو. تدور أحداث هذه الملحمة في العصور الوسطى التي دمرها وباء الطاعون، والتي يبدو أن يوهانس أوت المغامر الغامض، حاول أن يجليها لأعين السكان المهووسين بالشيطان. إنه كتاب جميل يتراوح بين رواية القصص وكرسي القس.. مليء بالأعياد والنبيذ والمواكب وهو قصيدة للطبيعة، والمسافر الهارب الذي يترك خلفه أثرًا لامعًا مثل النجم، هنا بكل سحره، حتى إلى قرارة الهاوية ما يزال هناك الوهج يتألق.

Avec le coronavirus, une épidémie… de littérature Par Stéphane Koechlin

القدس العربي

تحميل رواية الطاعون ترجمة سهيل ادريس

https://cdn.frenchpdf.com/wp/2019/01/07054106/ataon-albir-kamo-FrenchPDF.pdf

أو من الرابط التالي،

https://foulabook.com/book/downloading/516877860

أو من ترجمة د. كوثر عبد السلام البحيري

https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%B9%D9%88%D9%86-pdf#

——————————

في كل الأرض… هؤلاء الشجعان يبعثون الأمل بمواجهة كورونا

يلقى أولئك الموجودون على خط المواجهة في مكافحة جائحة فيروس كورونا، من العاملين الصحيين إلى الموظفين العموميين التقدير، نظير عملهم الذي لا يكل.

وكشفت الأزمة الكثير من نماذج أظهرت روحاً استثنائية في العمل، وبراعة في التعامل مع الأزمة التي تجتاح الأرض.

فيما يلي قائمة من هؤلاء في جميع أنحاء العالم. وتبقى هذه القائمة مفتوحة دائماً وعاجزة عن الإحاطة بكل الشجعان الذين يمدون يد العون اليوم وغداً.

الأطباء

طلب طبيب مجهول من مستشفى برنسيسا، في العاصمة الإسبانية مدريد من الإسبان كتابة رسائل إلى آلاف الأشخاص الذين نقلوا إلى المستشفى ويعانون من حالات خطيرة جراء الوباء.

وطالب الطبيب المواطنين، بالكتابة إلى هؤلاء المرضى، وإخبارهم قليلاً عن حياتهم وتشجيعهم على مواصلة القتال. وسرعان ما انتشر نداء الطبيب على وسائل التواصل الاجتماعي. ووصل الأسبوع الماضي، أكثر من 30 ألف رسالة، وزعت على المرضى بالمستشفيات في جميع أنحاء مدريد.

المتطوعون

في مدينة ملبورن الأسترالية، بدأت مجموعة متطوعين خدمة توصيل مجانية للمنازل، تهدف إلى تقديم ألف وجبة مطبوخة منزلياً للمعزولين.

وفي سومرست في إنكلترا يقدم الطاهي جوني بورنيت، أيضاً وجبات الطعام للأشخاص المعزولين أو الضعفاء. وقال “أعرف أنّ الكثير من الناس معزولون لذا قلت لمديري سآخذ إجازة من دون أجر وأبدأ بإطعام أكبر عدد ممكن من الناس”.

عمال البلديات

وسواس النظافة الشخصية يدفع الناس إلى مزيد من التخلص من أي فضلات خوفاً من المرض. لكن هناك عمالاً ما يزالون يواصلون مواجهة الخطر، ومنهم عمال النظافة الذين يجمعون ملايين الأطنان من القمامة كل يوم في العالم، وخصوصاً أنّ تجهيزات حماية العاملين متفاوتة من بلد إلى آخر.

كذلك عمال رش المعقمات الذين يجوبون الشوارع يومياً في محاولة لتقليل فرص وجود الفيروس القاتل.

ذوو الاحتياجات

ذوو الاحتياجات الخاصة في العالم يحتاجون دائماً لمجتمع يحترم وجودهم ولا يعزلهم. لكن في العزل الصحي المفروض على الجميع، يجب ألا يشعر هؤلاء بأنّ لغة التواصل تخص الأصحاء فقط.

المغرّد القطري محمد البنعلي دعم جهود بلاده في مواجهة الوباء، محولاً تعليمات وزارة الصحة إلى لغة الإشارة وبثها على وسائل التواصل الاجتماعي لخدمة الصم والبكم.

الأطفال

يزيّن الأطفال في جميع أنحاء إيطاليا أحياءهم برسائل التفاؤل. ومنها العبارة الشهيرة “كل شيء سيكون على ما يرام” إلى جانب الرسوم، واللوحات، والملاءات المعلقة على الشرفات تنتشر في جميع أنحاء إيطاليا لإعطاء الأمل خلال الأزمة.

بالإيطالية: كل شيء سيكون على ما يرام (فرانس برس)

الفنانون

تبث الأماكن الثقافية من دور الأوبرا إلى قاعات الحفلات الموسيقية العروض على الإنترنت كتسلية، ومنها أنسيين بلجيك في بروكسل، وحفلات افتراضية في نيويورك.

في هذه الأثناء، كان عازف البيانو الألماني إيغور ليفيت، يقيم حفلات موسيقية يومية مباشرة من منزله، خلال الأيام القليلة الماضية، لإبقاء معنويات الناس في حالة عالية.

جلبت الشرطة في شوارع ألغايدا في جزيرة مايوركا الإسبانية ابتسامة للسكان المحليين – ثم العالم – حيث تم بث مقطع على “تويتر” لضباط يغنون أغنية تقليدية ويرقصون ويعزفون على الغيتار.

وفي تونس، يحيي عازف القانون دالي التريكي حفلة يومية على الهواء، من خلال صفحته الخاصة على “فيسبوك”، والصفحات الداعمة له.

الفنيون

يجهد الفنيون في العالم في تحويل الخدمات الصحية أكثر رقمية. إذ تسعى الحكومات لإعطاء أحدث النصائح عبر الإنترنت، وتقديم المزيد من الخدمات رقمياً لتخفيف الضغط على أطباء الخط الأمامي.

الخبازون

تنفس الفرنسيون الصعداء في جميع أنحاء البلاد، عندما سمح للمخابز الفرنسية البالغ عددها 30 ألفاً بالبقاء مفتوحة.

كذلك الأمر في كل الدول التي يحضر الخبز على موائدها اليومية. بعضها تحظر البيع المباشر للزبائن تخفيفاً من الازدحام الذي قد ينشر العدوى، ما يجعل المخابز تشتغل ليلاً، ويزيد العبء على العاملين.

شركات مبادرة

في حين ارتفع سعر المعقمات التي تشتد الحاجة إليها، تصرف عدد من الشركات بسرعة في الأسابيع الأخيرة للحفاظ على حركة التوريد.

من بينها شركة Verdant Spirits البريطانية، والتي بدأت تزويد العاملين في مجال الرعاية بالمعقمات بسعر التكلفة.

خياطات الكمامات

بالإضافة إلى معقم اليدين، هناك نقص عالمي في الكمامات. وفي بولندا، قامت الخياطات بصنع الكمامات بدلاً من الملابس الداخلية.

وفي مبنى صغير بالقرب من مخيم موريا للاجئين في جزيرة ليسفوس في اليونان، تطوعت أربع نساء أفغانيات بوقتهن، لخياطة الكمامات لسكان المخيم، في سبيل حمايتهم من الفيروس.

وفي الأردن، تبرعت شركة “سختيان” الدولية بمواد أولية، وسيتكفل مصنع “سدني” للألبسة في مدينة العقبة، بإنتاج مليون كمامة طبية لصالح وزارة الصحة الأردنية.

باعة الكتب

مع إغلاق المكتبات وتجنب العديد من الناس المتاجر، يجد بائعو الكتب المستقلون طرقاً ريادية في توصيل الأدب إلى الجماهير.

في لندن، تطلب مكتبة من الأشخاص إخبارهم بالكتاب الأخير الذي استمتعوا به، ثم اقتراح قراءة أخرى.

قدم بائع كتب مستقل طابعاً بريدياً مجاناً على جميع الطلبات، كرسم بريدي، إضافة إلى حزمة من خمسة كتب من اختياره، لمن لديه المزيد من الوقت للقراءة.

مخترعون

يتوقع الأيرلندي كولين كيوغ، الذي تتضمن وظيفته اليومية، إرسال طابعات ثلاثية الأبعاد عبر العالم حتى يتمكن رواد الأعمال المحليون من بناء أجهزتهم الخاصة، أن يكون لديهم جهاز تهوية مفتوح المصدر في أيدي عمال الخطوط الأمامية قريباً.

وقال كيوغ “سنبدأ اختباره في أيرلندا الأسبوع المقبل. آمل ألا يضطر أحد إلى استخدامه على الإطلاق. ولكن هناك شكل من أشكال نظام التهوية أفضل من عدم وجود نظام تهوية”.

وفي إيطاليا، تلقت شركة إيزينوفا المتخصصة في الطباعة ثلاثية الأبعاد، اتصالاً من صحيفة بريشيا التي أطلقت نداء استغاثة من جانب مستشفى في مقاطعة لومبارديا، يسأل عما إذا كان من الممكن طباعة صمامات بالأبعاد الثلاثية.

أنجزت “إيزينوفا” أول نموذج لصمام تبيّن في نهاية المطاف أنّ طباعته ليست بتلك البساطة.

وأوضح مهندس في شركة إيزينوفا التي عادة ما تنتج أجهزة استشعار للزلازل وقطع غيار للدراجات الهوائية “طبعنا أربعة نماذج أولية، وجلبناها إلى المستشفى، وقالوا لنا إنها تعمل بصورة جيدة بعدما اختبروها على مرضى مع نتائج ممتازة، وقالوا لنا إنها رائعة. نحتاج إلى مائة قطعة منها”.

مبادرون

قام مواطن ألماني في العاصمة الألمانية برلين؛ مهتم بدعم المحال التجارية والشركات الصغيرة المغلقة حالياً من مطاعم وحانات ومتاحف محلية، بالمبادرة لإنشاء موقع على شبكة الإنترنت،  يمكّن الأشخاص من شراء قسائم دون الحصول على السلعة أو الخدمة، ثم يجري الاستفادة منها بعد انتهاء الأزمة.

ملاك العقارات

يعاني القطاع الفندقي وشركات تأجير الشقق في العالم أزمة لا تخفى على عين. وقبل أن تسمي منظمة الصحة العالمية كورونا بالوباء، كان مالكو الفنادق بعيدين عن أداء دورهم. لكن مع حلول الجائحة، بدأت تتسع مبادرات مالكي العقارات، لتحويل الفنادق إلى أماكن حجر صحي.

في البرتغال، قدّم بعض الملاك سكناً مجانياً للعاملين الصحيين الذين يخشون تعريض العائلات للفيروس.

وفي المملكة المتحدة، أعلن مدافع مانشستر يونايتد وإنكلترا السابق غاري نيفيل، أنه سيفتح فنادقه مجاناً للعاملين الصحيين في الخط الأمامي لأزمة كورونا.

الروبوتات…أيضاً

وفقاً لبيان صحافي صادر عن المفوضية الأوروبية، تم نشر روبوت التعقيم الذاتي القيادة لشركة Blue Ocean Robotics، والمجهز بالأشعة فوق البنفسجية، الذي يمكن أن يعقم ويقتل  الفيروسات والبكتيريا، منذ فبراير/ شباط في جميع المقاطعات الصينية للمساعدة في مكافحة الفيروس.

العربي الجديد

————————–

الصين ليست مستقبل العالم/ بشير البكر

تريد الصين إقناع العالم بأنها سيطرت على وباء كورونا، وكفّت، منذ حوالي أسبوعين، عن تصدر أرقام الإصابات والوفيات الكارثية. وباتت إيطاليا وإسبانيا في المقدمة، على الرغم من أنهما تمتلكان نظامين صحيين على قدر عال من الجودة. وتعتمد خطة الصين حتى الآن على كبح انتشار الفيروس بالاعتماد على نظام العزل الصارم الذي يشمل البشر والأماكن، ومنع أي اتصال. وإلى حينه، لا توجد وسيلة لفحص مصداقية الأرقام التي قدمتها وتنشرها بكين كل يوم عن عدد الإصابات والوفيات، بل هناك مصادر طبية غربية على صلة بمكافحة الوباء تشكك بكل ما يصدر عن الصين من أرقام.

وعلى الرغم من التشكيك في الأرقام الصينية، لا أحد ينكر أن نظام العزل الشامل الذي جرى تطبيقه هناك بصرامة قد أثبت جدواه، في حين تأكد أن تفشي الوباء في بعض دول أوروبا يعود إلى التراخي في التصدّي للوباء. والمسؤولية هنا جماعية، تنسحب على الحكومات والأفراد. ولو أن إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا سارعت، منذ شيوع أخبار المرض في الصين، إلى إجراءات استباقية، لما وصل الحال إلى ما هو عليه اليوم. وتتحمّل هذه الحكومات مسؤولية أخرى في أنها لم تسارع إلى توعية الرأي العام، ولذلك تفشّى الوباء بهذه السرعة، حتى بات يهدّد بالخروج عن السيطرة في إيطاليا، البلد الأوروبي الأول الذي انتقلت إليه العدوى من الصين في أواسط يناير/ كانون الثاني الماضي، حين توفي سائح صيني وزوجته في أحد فنادق روما. ومن يعود إلى الصحافة في ذلك الوقت يجد مقالات ربطت وفاة السائحيْن بظهور الفيروس القاتل في الصين. واللافت أن الحكومة الإيطالية لم تأخذ الأمر بجدّية، على الرغم من توسع رقعة الوباء في منتصف فبراير/ شباط الماضي.

وقد يكون الأسلوب الصيني نجح في احتواء الهجمة العنيفة للفيروس، إلا أنه ليس المثال الذي يُحتذى، فهناك أساليب أخرى لا يتم الحديث عنها، ومنها الكوري الجنوبي والياباني. وهذان البلدان قريبان جغرافياً من الصين، وفيهما نسبة عالية من كبار السن. وهناك أيضا المثال الألماني، حيث تمكّن هذا البلد من تقليل نسبة الوفيات بصورة كبيرة، ولم يلجأ إلى إجراءات العزل الصارمة أو منع التجول. ويعود الفضل في ذلك إلى متانة النظام الصحي، والالتزام الذاتي لدى الشعب الألماني الذي اتبع الإرشادات الحكومية. والدرس الألماني لا يفيد فقط في الرد على الحالة الصينية، بل يصلح لأن يتعظ منه رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، الذي كانت ردود فعله في مواجهة الوباء بعيدة عن العقلانية والحسّ الإنساني. وينسحب هذا على الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي ألغى قانون الرعاية الصحية المعروف بـ”أوباما كير”، لصالح شركات التأمين الصحي الخاصة، وبرّر قراره بأنه يزيح عن كاهل الحكومة عبئا كبيرا. ويظهر اليوم الخطأ الكبير الذي وقع فيه الرئيس الذي كرّس القسط الأكبر من الموازنة للدفاع، ويتبين أن الصحة مسألة في صلب الدفاع عن سلامة البلد الذي يرشّحه الخبراء ليكون بؤرة الوباء المقبلة. وعليه، سيكون ترامب أول الخاسرين، وسيتبخّر حلمه بولاية رئاسية ثانية، إذا صدقت التقديرات المتشائمة حول تطورات الموقف الصحي في الولايات المتحدة.

مناعة الجنس البشري اليوم بالميزان، ويمكن استخلاص درس أساسي من المحنة الحالية، أن شرط مواجهة الأوبئة هو حماية البيئة التي دمّرها البشر عن طريق الحروب الاقتصادية الوحشية التي لا تنشد غير الربح، وهذا ما يعبر عنه، صراحة، النموذج الصيني الذي كشف القناع عن إمبريالية أخطر من الإمبرياليات السابقة، لأنه عابر للحدود بكل مشكلاته وأمراضه. الصين التي تصدّر الصناعات الرخيصة، تصدر كل عدة سنوات نوعا قاتلا من الأنفلونزا. .. هذا البلد لا يمكن أن يكون قدوة لأحد.

جميع حقوق النشر محفوظة 2020

العربي الجديد

———————-

إدغار موران: كورونا كشف أن العولمة ترابُطٌ فاقدٌ التّضامنَ

دافيد لو بايي وسيلفان كوراج

إدغار موران عالم اجتماع وفيلسوف فرنسي من مواليد سنة 1921. مفكّر تقدّمي مناهض للعولمة وله مواقف مساندة للقضيّة الفلسطينيّة وداعمة للثورات العربيّة. صاحب مؤلّفات كثيرة، منها: النقد الذاتي (1959)؛ ماي 1968: الفجوة (1968)، مؤلّف مشترك؛ مدخل إلى الفكر المركّب (1990)؛ الحبّ، الشّعر، الحكمة (1997)؛ الجامعة، أيّ مستقبل؟ (2003)، مؤلّف مشترك؛ الثقافة والبربريّة الأوروبيّة (2005)؛ أين يسير العالم (2007).

هنا ترجمة خاصة لحوار أجرته معه المجلّة الفرنسيّة، L’Obs، عدد 18 مارس/آذار 2020، تطرّق فيه إلى جائحة كورونا وأعرب خلاله، من بين أمور أخرى، عن أمله بأن يُعِينُنا الحَجرُ الصّحيّ على أن نَشرع في القضاء على ما يُسَمِّم نمطَ معيشنا.

الدّرس الرّئيس من أزمة كورونا

(*) في هذه المرحلة، ما هو الدّرس الرّئيس الّذي يمكن استخلاصه من وباء “فيروس كورونا المستجِدّ”؟

 تكشِف لنا هذه الأزمةُ أنّ العولمة هي ترابُطٌ وتشابكٌ فاقدٌ التّضامنَ. فممّا لا شكّ فيه أنّ مسار العولمة قد نتج عنه توحيدٌ تقنيّ- اقتصاديّ شمِل كوكبَ الأرض. بيد أنّ العولمة لم تُحرِز تقدّما في مجال التّفاهم بين الشّعوب. فمنذ بدء هذا المسار، في تسعينيات القرن المنصرم، سادت الأزماتُ الماليّة واشتعل فَتيلُ الحروب. وقد أفرَزت المخاطرُ المُحدِقة بالأرض- ونقصد البيئة، والأسلحة النّوويّة والاقتصاد غير المنظَّم- مصيرا مشتركا بين البشر. غير أنّ البشر لم يَعُوا بهذه المخاطر. وجاء هذا الفيروس ليجعل هذا المصيرَ واضحا جليّا بصورة فوريّة ومأساويَّة. فهل سَنَعي بهذا في نهاية المطاف؟ وها نحن نشهد اليوم – في غياب التّضامن الدّوليّ، والمؤسّسات المشتركة الهادفة إلى اتّخاذ تدابير تكون في حجم الوباء المُستَشري- أُمَماً تنغلق على نفسها انغلاقا أنانيّا.

(*) تحدّث الرّئيس ماكرون في خطابه عن خطر “الاِنطِواء القوميّ”…

“يُنبِئُنا فيروسُ كورونا المستَجِدّ بأنّه يتعيّن على البشريّة جمعاء أن تُعيد البحث في طريق جديد من المحتَمَل فيه أن يتخلّى عن العقيدة النّيوليبراليّة لغاية التوصّل إلى اتّفاق سياسيّ اجتماعيّ بيئيّ جديد”

لأوّل مرّة، نحن إزاء خطاب، بأتَمّ معنى الكلمة، لرئيس دولة. فكلمتُه الّتي ألقاها لم تَدُر فحسب على الاقتصاد والمؤسّسات، ولكنّها اتّصلت أيضا بمصير الفرنسيين جميعِهم. فقد شملت المرضى ومن يُسْدُون الخدمات الطبيّة، وخَصّت كذلك العمّالَ الّذين حُمِلُوا على البطالة بصفة مؤقّتة. وأرى أنّ تلميحه إلى أنموذج التّنمية الّذي ينبغي تغييرُه يُمثّل إعلانا لضربة البداية. غير أنّ التَّرياق الشّافي من الانطِواء القوميّ ليس هو الاِنطِواء الأوروبيّ، بما أنّ أوروبا أضحت عاجزة عن أن تتوحّد على هذا الأمر، بل سبيل التّعافي هو بناء أشكال من التّضامن الدّوليّ. وهذا ما شرع فيه بعدُ الأطبّاءُ والباحثون من كافّة القارّات.

(*) ما هي التّغييرات الّتي ينبغي إجراؤها بحسب رأيكم؟

يُنبِئُنا بحَزمٍ فيروسُ كورونا المستَجِدّ بأنّه يتعيّن على البشريّة جمعاء أن تُعيد البحث في طريق جديد من المحتَمَل فيه أن يتخلّى عن العقيدة النّيوليبراليّة لغاية التوصّل إلى اتّفاق سياسيّ اجتماعيّ بيئيّ جديد (New Deal). ومن المفتَرَض أن يساهم هذا الطّريقُ الجديدُ في الحفاظ على الخدمات العموميّة وتعزيزها، على غرار المستشفيات، بعد أن جرى تقليصُها بصورة عبثيّة منذ سنوات في أوروبا. ونتوقّع أن يُعالِجَ هذا الطريقُ الجديدُ آثارَ العولمة من خلال إنشاء مناطقَ غير مُعَولمة من المحتَمَل أن تحافِظ على وجوه أساسيّة من الاكتفاء الذَاتيّ.

(*) وما هي هذه “الوجوه الأساسيّة من الاكتفاء الذّاتيّ”؟

قبل كلّ شيء، لا بدّ من تحقيق الاكتفاء الذّاتيّ غذائيّا. ففي حِقبة الاحتلال الألمانيّ، كانت لدينا زراعة فرنسيّة متنوّعة قد مَكّنت، دون أن نبلُغَ مرحلة المجاعة، من إطعام السكّان رغم النّهب الألمانيّ. واليوم، وجب أن نعيد تنويع المحاصيل الزّراعيّة. وفي المقام الثاني، يأتي الاكتفاء الذّاتيّ في القطاع الصحّيّ. ففي أيّامنا هذه، نجد العديد من الأدوية المصنوعة في الهند والصّين، ونوشك أن نصير إلى نقص فادح فيها. وينبغي علينا أن نعيد توطينَ كلّ نشاط حيويّ بالنّسبة إلى كلّ أمّة من الأمم.

(*) هل تُفَاقِمُ العولمة الأزمة الصحيّة لتجعلها أزمة شاملة؟

هذا ما حصل بعدُ. عندما قرّر “بوتين” الإبقاء على المستوى نفسه من إنتاج النّفط الرّوسيّ، أدّى هذا إلى انخفاض في الأسعار في المملكة العربيّة السّعوديّة والولايات المتّحدة الأميركيّة حيث تُوشِك ولاية “تكساس” أن تواجه مصاعب جَمّة، وقد تفضي بـ”ترامب” إلى خسارة الانتخابات الرّئاسيّة. وتشمل حالةُ الهَلعِ القطاعَ الماليّ أيضا، وهو ما يَنجُم عنه انهيارُ الأسواق الماليّة. إنّنا لا نتحكّم في هذه التّفاعلات التَّسلسُليّة. فالأزمة الّتي تسبَّب فيها فيروسُ كورونا المستجِدّ، تُفاقِم الأزمةَ العامّةَ الّتي تعاني منها البشريّةُ وقد اجتاحَتها قُوًى غيرُ خاضعة لأيّة سيطرة.

(*) إذا قارنّا هذا الوباء بالإنفلونزا الإسبانيّة الّتي ظهرت سنتي 1918-1919، والّتي تكتّمت عليها السّلطاتُ آنذاك، إذ أحكمت فعليّا تنفيذَ قانونِ الصّمت، فإنّ الحكومات قد توخّت اليوم الشّفافيّة… أليس هذا أثر إيجابيٌّ للعولمة؟

إبّان تفشّي الإنفلونزا الإسبانيّة، لم يُرَد أن يكون السكّان، وبالخصوص الجنود في ساحة القتال،

“الأزمة الّتي تسبَّب فيها فيروسُ كورونا المستجِدّ، تُفاقِم الأزمةَ العامّةَ الّتي تعاني منها البشريّةُ وقد اجتاحَتها قُوًى غيرُ خاضعة لأيّة سيطرة”

على علمٍ بهذه الكارثة. ومثلُ هذه الشّفافيّة المنعدمة، أصبحت اليوم مستحيلةً. فحتّى النّظام الصّينيّ لم يستطع محاصرةَ المعلومة بمعاقبة البطل الّذي سارع إلى دقّ ناقوس الخطر. لقد مكّنتنا شبكاتُ التّواصل الاجتماعيّ من أن نكون على بيّنة من استشراء الوباء في العالم بلداً بلداً. بيد أنّ هذا لم يُؤدّ إلى إطلاق مبادرة تعاون تُجسَّمُ في أعلى مستوًى. وما حدث هو فحسب الشّروع في تعاون دوليّ عفويّ جَمَع باحثين وأطبّاء. ونجد الآن منظّمةَ الصحّة العالميّة، وعلى غرارها منظّمة الأمم المتّحدة، عاجزتين عن توفير وسائل للمقاومة تفيد منها الدّول الأكثر فقرا.

(*) “لقد عدنا إلى زمن الحرب”- هذه الجملة أضحت تُذكَر غالبا لوصف الوضع في إيطاليا وفرنسا. لقد عشتم هذه الفترة. بماذا توحي إليكم هذه المقارنة؟

في ظلّ الاحتلال، شهدنا ضروبا من الحَبْس والحَجْر، وظهرت المعازِلُ. ولكنّ الاختلاف الكبير مع ما يجري اليوم، يكمن في أنّ العدوّ هو الّذي كان يفرض إجراءات الحَجْر على النّاس، في حين أنّها اليوم تُفرَضُ ضدّ العدوّ، ونعني الفيروسَ. فخلال أشهر معدودات من الاحتلال الألمانيّ، بدأت تظهر تقييداتٌ على الحصص التّموينيّة. ونحن اليوم، لم نبلغ هذا المستوى، حتّى وإن كنّا نرى بداية ظهور لحالات من الهَلَع. ولكن إذا استمرّت هذه الأزمةُ، فإنّ الحدّ من عمليّات نقل البضائع على المستوى الدّوليّ، يجعلنا نتوقّع العودةَ إلى نظام توزيع الحصص التّموينيّة. ويقتصر التّشابه على هذا الأمر، فنحن لا نخوض النّوع نفسه من الحرب.

(*) لأوّل مرّة منذ سنة 1940، تُغلَق المدارس والجامعات…

نعم، ولكن في تلك الحقبة، كان الإغلاق مؤقّتا، إذ عمّت حالةُ الفوضى بفرنسا في منتصف شهر جوان/حزيران، أي في بداية العطلة المدرسيّة، وفي شهر أكتوبر/تشرين الأوّل أعِيد فتحُ المدارس.

(*) ما عسانا ننتظر من الحَجْر: الخوف؟ الِارتِيابُ الّذي يسود بين الأفراد؟ أو خلافا لهذا، ننتظر تطويرَ علاقات جديدة مع الآخرين؟

نعيش اليوم في مجتمع تدهورت فيه البنياتُ التّقليديّة المجسّمة للتّضامن. ويتمثّل أحدُ أكبر

“إذا استمرّت هذه الأزمةُ، فإنّ الحدّ من عمليّات نقل البضائع على المستوى الدّوليّ، يجعلنا نتوقّع العودةَ إلى نظام توزيع الحصص التّموينيّة”

المشاكل في استعادة أشكال التّضامن بين الأجوار والعمّال والمواطنين. ومع التحدّيّات الّتي نواجهها، أرى أنّ أشكال التّضامن ستقوى أكثر بين الأولياء والأطفال الّذين أصبحوا لا يذهبون إلى المدرسة، وستتمتّن بصورة أشدّ بين الأجوار. فضلا عن هذا، ستتأثّر إمكاناتُ الاستهلاك بالنّسبة إلينا جميعا. وعلينا أن نُحسِنَ توظيفَ هذه الحالة حتّى نُعيدَ النّظر في النّزعة الاستهلاكيّة، ونعني: الإدمانَ و”الاستهلاكَ المُخدِّر”، وتسمُّمَنا النّاجمَ عن سلع غير نافعة حقّاً، وحتّى نتخلّصَ من الكمّ لفائدة الكيف.

الحجر الصحي يعيدنا إلى ذواتنا

(*) من المُحتمَل أن تتغيّر كذلك علاقتُنا بالزّمن..

نعم. فبفضل الحَجْر الصحّي والزّمن الّذي استعدناه -إذ لم يَعد مُقَطَّعا، مَحسُوبا بدقّة، فهو زمن يُفلِتُ من تلك الحلقة المُفرَغة: المترو، الشّغل، البيت – فإنّنا نستطيع أن نستعيد ذواتنا، وأن نتدبّر احتياجاتنا الحقيقيّة، وأقصد هنا: الحبَّ والصّداقة والحَنان وشِعرَ الحياة.. فقد يعيننا الحَجرُ الصحيّ على أن نشرعَ في القضاء على ما يُسمّم نمط معيشنا، وفي فهمِ أنّ العيش بامتلاء، معناه أن نجعل “الأنا” جَذْلى، ولكنّها تكون دوما في صُلب “النّحن” المتنوّعة.

(*) أخيرا، وعلى سبيل المفارقة، هل يمكن أن تكون هذه الأزمة شِفاءً؟

كنتُ شديدَ التأثّر وأنا أشاهد نسوة إيطاليّات يتغنّين، من شرفات بيوتهنّ، بنشيد الأخوّة: “إخوة

“كنتُ شديدَ التأثّر وأنا أشاهد نسوة إيطاليّات يتغنّين، من شرفات بيوتهنّ، بنشيد الأخوّة: “إخوة إيطاليا” (Fratelli d Italia). علينا أن نستعيد مرّة أخرى تضامنا وطنيّا لا يكون منغلقا وأنانيّا”

إيطاليا” (Fratelli d Italia). علينا أن نستعيد مرّة أخرى تضامنا وطنيّا، لا يكون منغلقا وأنانيّا، وإنّما هو مُنفَتح على مصيرنا المشترك “فوق هذه الأرض” الّتي تجمعنا… قبل ظهور الفيروس، كان البشر كلّهم من جميع القارّات يعانون من المشاكل نفسها: تدهور المحيط الحيويّ، وانتشار الأسلحة النّوويّة، والاقتصاد غير المنظّم الّذي يكرّس انعدام العدالة بأنواعها. هذا المصير المشترك قائم، ولكن، بسبب هذا الخوف الّذي استبدّ بالعقول، فإنّه بدلا من أن نَعِيَ بوحدة مصيرنا، فإنّ هذه العقول تتحصّن بضرب من الأنانيّة الوطنيّة أو الدّينيّة. وبطبيعة الحال، من اللّازم وجود تضامن وطنيّ، وهذا أمر ضرويّ. غير أنّنا إذا لم نفهم أنهّ من الواجب وعيُنا بوحدة مصير البشريّة، وإذا لم نبلغ مستوى متقدّما في تضامننا، وإذا لم نغيّر من فكرنا السّياسيّ، فإنّ أزمة البشريّة ستتفاقم حتما. إنّ رسالة الفيروس واضحة. وبئس المصير إن كنّا لا نريد الإصغاء إليها.

رابط المقال:

https://www.nouvelobs.com/art/f403e5b5-3339-403b-9bd0-83a3923fb0f6

المصدر: المجلّة الفرنسيّة، L’Obs، عدد 18 مارس/آذار 2020.

ترجمة: محمّد الشّيباني، معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة.

ضفة ثالثة

——————–

إيمانويلي كوتشا: الفيروس يحرِّرنا بشكل كبير

سونيا فور وأناستاسيا فيكران

بعد نجاح كتابه “حياة النبات” (2016)، الذي أعاد فيه الاعتبار لحياة النباتات، يواصل الفيلسوف الإيطالي، إيمانويلي كوتشا، تأمّلاته بخصوص اختلاط وتحوّل الكائنات الحية، في إصداره الأخير “تحوّلات”، الذي يقدّم فيه أطروحة لافتة للنظر بقدر ما هي مُطمئِنة: جميع الكائنات الحية، من البشر إلى النباتات، مروراً بالجراثيم، تشترك في حياةٍ واحدة لا بداية لها ولا نهاية، تنتقل من شكل إلى آخر، ومن عصر إلى آخر، وتواصل مسيرتها منذ قرون طويلة، ولا تنتمي لأيّ كائن في الواقع. ومبعث التفاؤل في هذه الأطروحة هو أنّها، حين تصف استمرارية الحياة، تضع الإنسان في موقعه المناسب: إنّه مجرد عربة للحياة من بين عربات أخرى كثيرة، بحيث أن ولادته ليست بداية، بقدر ما أن موته ليس نهاية.

بمناسبة ما يعانيه ويواجهه العالم حالياً بسبب تفشّي فيروس كورونا، نقترح في ما يلي ترجمة لآخر حوار مع الفيلسوف الإيطالي إيمانويلي كوتشا:

(*) أنت من الذين يشتغلون على الروابط بين الأحياء، ماذا ألهمك فيروس كورونا؟

كلُّ فيروس يثير فينا القلق: إنّ حياته هي تحويل (قاتلٌ في بعض الأحيان) لحياة الآخرين. إنّه دليل على أنّ الحياة التي نعتبرها ملكاً لنا ليست هي حياتنا: يمكن أن تصبح في أيّ وقت حياةَ كائن آخر، حتى لو كان بعيداً عنّا بيولوجيّاً وتشريحياً، وهو ما يقوم به الفيروس، الذي بإمكانه أن يستقرّ  في أجسادنا ويصبح سيّدها.

الفيروس هو دليل على التغيُّر الذي يطرأ على كلّ حياة، كما لو أنّ هذا التغيّر كان موجوداً

“المستقبل مثل الفيروس، هو القدرة على تنمية حياةٍ لا تخصّنا، إنّه مرض حميد يُجبر الأفراد والسكّان على تغيير أنفسهم، وعدم الاستمرار في الوضع نفسه إلى الأبد”

بشكل منفصل عن الكائنات الحيّة: بهذا المعنى، فهو أفضل مثال عن المستقبل. إنّ المستقبل، مثل الفيروس، هو القدرة على تنمية حياةٍ لا تخصّنا، إنّه مرض حميد يُجبر الأفراد والسكّان على تغيير أنفسهم، وعدم الاستمرار  في الوضع نفسه إلى الأبد. لهذا السبب، لا يحتاج المستقبل أن يوجد مثل الماضي، أي مثل نصبٍ تذكاري: إنّه هذا الواقع المتناهي الصغر، تماماً مثل فيروس كورونا، الّذي يمكنه أن يسبّب أزمة لإنجازات قرونٍ عدّة من التطوّر التقنيّ الهائل، وتهديداً لحياة كوكب بأسره في أيّ لحظة.

كلُّ فيروس، وخصوصاً فيروس كورونا، يعلّمنا ألّا نقيس قوّة الكائن الحيّ على أساس أجهزته البيولوجية، الدماغية والعصبيّة. كما أنّه يكسر نرجسيتنا الغريبة: منذ حقبة الأنثروبوسين ونحن نستمرُّ في تأمُّل عظمتنا، ولو بشكلٍ سلبي، ونعظِّم من شأن قدراتنا الخبيثة والمدمّرة، ولسان حالنا يقول :”انظروا كم نحن أقوياء”. تُذكِّرنا الفيروسات بأنّ لدى أيّ كائن القدرة على تدمير الحاضر وتأسيس نظامٍ غير معروف، وغير متوقّع. أخيراً، يكشف لنا فيروس كورونا أنّ الحياة تسخر من الحدود، ومن الكيانات السياسية، ومن التمييز بين الأجناس، وأنّها تمزج وتربط بين الجميع. إنّه يساهم في تحرُّرنا بشكل كبير.

(*) هل تعتقد أنّ ما يميّز الحياة هو التحوُّل؟ ما تعريفك للحياة؟

التحوُّل هو الاستمرارية بين جميع الكائنات الحيّة الحالية، الماضية والمستقبلية: جميعها تشترك في الحياة نفسها. اُنظر إلى أيّ كائن حيّ: إنّه بالضرورة تحوَّل من حياة سابقة هي الّتي أنجبته. إنّه الحياة السابقة نفسها، لكنّها استطاعت أن توجد في مكان آخر، وبشكلٍ مختلف. وهذه الاستمرارية ليست فقط نتيجة التوالد داخل النوع نفسه، ولكنّها أيضاً ما يربط بين جميع أشكال الحياة. وحسب داروين، كلّ نوع من الأنواع هو تحوّلٌ لنوع سابق: كلُّ الأنواع لها الحياة الواحدة نفسها التي تنتقل منذ قرون من نوع إلى آخر، من عصر إلى آخر، وتستمرُّ في القيام بذلك إلى الأبد. كلُّ واحد منّا هو حياة الآخرين: هذا هو التحوُّل. أنا حياة قذفَتها أمّي خارج جسدها، وأُجبرتُ على العيش بشكل مختلف عنها. لكنّني أيضاً حياة الرئيسيات التي انقذفت خارج النوع، أنا حياة الفيروس الموجود بداخلي، وسأصير قريباً حياة النباتات التي ستتغذَّى على جسدي.

(*) هذه الاستمرارية في الحياة تتحدّى فكرة الولادة باعتبارها بداية؟

يُنظر إلى الولادة على أنّها بداية مطلقة وعملية فردية، بينما هي مَمرٌّ يقود الحياة نفسها من

“حسب داروين، كلّ نوع من الأنواع هو تحوّلٌ لنوع سابق: كلُّ الأنواع لها الحياة الواحدة نفسها التي تنتقل منذ قرون من نوع إلى آخر، من عصر إلى آخر”

شكل إلى آخر، من نوع إلى آخر. الحياة التي نحن عليها، والتي نعبِّر عنها كانت موجودة قبلنا، كانت هي حياة آبائنا، وحياة أجدادنا، تنحدر في ممرٍّ دائم يصل حتّى بداية الحياة على هذا الكوكب. وفي هذا الممرّ يتواصل الفرد مع النّوع، ومع الأرض، ويقوم كلُّ واحد منهم بتحويل الآخر. لهذا السبب لا يوجد شيء أكثر شمولية من الولادة: بلّوط، فُطر، قطّة، جُرثومة، كلّها كائنات محدَّدة بالولادة. كلّ طفل هو جسمٌ فَرَض تحوّلاً على مادّته الأصلية، كلّ كائنٍ وُلِدَ في جسم آخر: أن يولد المرء لا يعني أنّه قادر على فصل تاريخه عن تاريخ العالم. الولادة بهذا المعنى هي مسلسلُ هجرةِ الحياة، نحن أنفسنا نسمح لذاتٍ أخرى أن تهاجر في داخلنا، أو نسمح بمرور نَفَسٍ قادم من مكان آخر، ومتّجهٍ نحو مصائر أخرى. كلّ ولادة هي استمرار للصفائح التكتونية. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ الولادة من المحرَّمات. ثقافتنا يهيمن عليها الرجال، أولئك الّذين لم تُتح لهم فرصة إنجاب الحياة. ربّما لهذا السبب نحن مهووسون بالموت، بينما هناك القليل من الأبحاث والأدبيات عن الولادة، لأنّها ما تزال تشكّل لغزاً.

(*) على هذا المنوال، ألا يمكن اعتبار الموت نقيضاً للحياة؟

الموت شرنقةٌ تسمح للحياة بالانتقال من نوع إلى آخر. إنّه يفتح للأجسام المنذورة لحياة إنسانية باباً نحو أشكالٍ أخرى من الحياة، بمعنى أنّ هذا الجسم سيصبح لسوء – أو لحسن الحظّ – وجبةً للدّيدان والبكتيريا والفطريات، وأنّ هذه الحياة ستتحوّل في أجسام أخرى.

(*) هل ستكون الحياة هي نفسها في جسد إنسانٍ، وفي جسدِ دودةٍ، أو زهرة؟ هذا أمر مذهل!

لكنّه أمر يحرّرنا أيضاً. مهما حدث، ستستمرُّ الحياة معي، أو من دوني، وذلك على الرغم من إخفاقاتي. الأمر لا يتعلّق بي فقط، إنّها الحياة الماضية والمستقبلية ما يعبُر من خلالي، مثل قوّة أرضية. أنا لا يزعجني هذا الأمر كثيراً!

(*) هل تعتقد أن للأكل أهمية بالغة في تحوُّل الحياة. كيف يكون ذلك تعبيراً عن الكونية؟

أكثر ما يثير البهجة في تجربة الأكل هو: نحن نعيش الحياة نفسها التي للكائن الذي نتغذَّى

“ثقافتنا يهيمن عليها الرجال، أولئك الّذين لم تُتح لهم فرصة إنجاب الحياة. ربّما لهذا السبب نحن مهووسون بالموت، بينما هناك القليل من الأبحاث والأدبيات عن الولادة، لأنّها ما تزال تشكّل لغزاً”

عليه. إنّ رابط القرابة بين جميع الكائنات الحيّة هو من أسُس علم البيئة في القرن الثامن عشر. في البداية، تسبَّب ذلك في فضيحة كبرى، لأنّه تضمَّن فكرة حرب الجميع ضدّ الجميع. وكانت الطريقة الوحيدة لتحييد هذه الحرب هي ترجمة الظّاهرة من خلال الديناميكية الحرارية: الأكل مقابل الطاقة. لكن هذه الاستعارة لا تقول إنّنا نأكل الأحياء فقط، ولا يمكننا أن نأكل غير الأحياء. في كلّ مرّة نأكل فيها، نفكّر في الهويّة المطلقة لحياة الآكِل والمأكول. هذا لا يعني فقط أنّ هناك شيئاً حيّاً في الطماطم. الحقيقة هي أنّ الطماطم توجد بداخلي، وبالتالي فإنّ مجال المشاركة ليس طاقيّاً فحسب، بل ميتافيزيقيّاً أيضاً. فِعلُ الأكل هو فعلُ تكاثرِ للأحياء ومشاركةٍ كاملة للحياة. يختفي كائنٌ ما، لكنّه لا يختفي تماماً، لأنّه يسمح للحياة بمواصلة مسارها.

(*) هل يعني هذا نقداً شديداً للنّباتيين والمدافعين عن الحيوان؟

مكافحة التعصُّب للنوع تصلح في حالة عدم وجود الأنواع، لأنّ كلّ نوع هو مزيج وخليط من الأنواع الأخرى. وبالتالي، لا يمكن اعتبار الإنسان أكثر جدارة من باقي الكائنات الأخرى، لأنّه لا وجود للإنسانية، فهذه الأخيرة مجرّد “فرانكنشتاين” مركّب من كائنات حيّة أخرى. إنّها حالةُ تجميعٍ مؤقّتٍ لحياةٍ هي نفسها موجودة في كلّ مكان. لذلك يحقّ للبشر أن يأكلوا كلّ شيء، مثلما للفيروس الحقّ في تدمير كلّ شيء. ورغبةً في تجاوز المركزية البشرية، وسَّع البعض مجال الحقوق الممنوحة للإنسان لتشمل جميع الحيوانات. لكنّ الدفاع عن الحيوان هو في الواقع إشكالٌ “إنساني، مفرط في إنسانيته”. إنّنا نُجرِّم فعلَ الأكل الّذي هو مصدر الحياة. لهذا نجد، في العمق، لدى أنصار الحيوان مفهوماً بورجوازيّاً للحياة، ومُفرطاً في اللّيبرالية. على كلّ واحد أن يبقى في الحدود الخاصّة به، ولا يمسّ الآخرين. إنّ الرؤية المبنية على فكرة ملكية الحياة وهويّتها الصارمة والمحدَّدة هي عكس فكرة التحوُّل التي أدافع عنها.

(*) إذا كانت حياتنا لا تملك أيّ ميزات “فردية أو حصريّة”، كما كتَبت، فكيف نتلمّس طريقنا، وما هي الفلسفة التي علينا أن نخلقها من دون الاستعانة بمفهوم “الأنا”؟

القول بأنّ الحياة ليست شخصيّة لا يعني عدم وجود الأنا. فالحياة هي بالضرورة فريدة بالنسبة لكلّ واحد منّا. لكنّ أساس هذه الأنا غير محدَّد، ولا يتطابق مصدرُها مع شكلها. الأنا مجرّد عَرَبة، شيء يحمل شيئاً آخر غيرَه بشكلٍ دائم. لنأخذ مثالاً ملموساً: كلُّ منّا هو ابنٌ أو ابنة شخصٍ آخر. أنا هو جسدُ أمّي. أنا هو أمّي، حرفياً، بعد أن تمَّت مضاعفتي، وأُجبرتُ على العيش خارج جسد أمّي، وبشكلٍ مختلف عنها. إنّ هذا التناقض هو الّذي يخلق الفردانية والتميُّز. وهو قد يفسّر أيضاً سبب صعوبة الحياة، ولماذا نعيش في وضعٍ حَرج للغاية: لقد تمّت برمجتي لأعيش حياة والدتي، وليس حياةً أخرى. لأنّ الفرد وُلِدَ من حادثٍ طارئ. يجب أن نوسِّع هذه التأمّلات لتشمل إنسانيتنا: ما نسمّيه الأنواع هو مجموعة من الحوادث الّتي سمحت بتمييز هؤلاء التّوائم السيامية، الّذين هم الآدميون، عن باقي الرئيسيات والفيروسات والفطريات… لقد ابتعدنا عنها كثيراً، ورسمنا خطوطاً مختلفة، لكنّنا نمثّل الحياة نفسها.

(*) في كثير من الأحيان، يقال “إنّ بيتنا يحترق” للتحذير من تغيّرات المناخ. ولكن، حسب رأيك، البيت ليس صورة عَمَلية للحديث عن هذه الحياة المشتركة. لماذا؟

بل إنّها صورة خطيرة! يقوم علم البيئة على أساسٍ أبويّ لا بدّ أن نبتعد عنه الآن. أن نفكّر في

“الحياة هي بالضرورة فريدة بالنسبة لكلّ واحد منّا. لكنّ أساس هذه الأنا غير محدَّد، ولا يتطابق مصدرُها مع شكلها”

البيت كنظامٍ مثالي ومطلق ليس أمراً جميلًا للغاية. صحيح أنّ البيت يضمُّ تعايشاً سلميّاً بين الأفراد – وليس دائماً، مرّة أخرى -، ولكنّه، بحكم تعريفه على الخصوص، أداةُ استبعاد: أنا في البيت والآخرون في الخارج. مصطلح “إيكولوجيا” نفسه يستند على هذه الصّورة [لقد تمّت صياغته عام 1866 من طرف عالم الأحياء الألماني، إرنست هيكل، من خلال الكلمة اليونانية “أويكوس”، التي تعني “البيت”.

تاريخياً، كان أوّل من أراد أن يفكّر في مجموع الأنواع الحيّة على الأرض هو كارل فون ليني (1707-1778) ، في زمنٍ كان يُعتقد أنّ الأنواع ثابتة. في الواقع، لم تكن توجد في هذا العالم الثابت قرابة بين الأنواع، لهذا فإنّ وجهة النظر الوحيدة التي بإمكانها أن تحضن جميع الأحياء كانت هي الرب. ولا يمكن للمرء أن يلوم علماء الطبيعة آنذاك، لأنّه لم يكن بإمكانهم أن يتصرّفوا خلاف ذلك: فالربّ، باعتباره أباً للجميع، أجبرهم على تصوّر العالم على أنّه بيت يديره ويحكمه هذا الأب. لكن هذا هو المتخيّل الأبويّ حرفياً: البيت عبارة عن فضاء، بحيث لكلّ شخص فيه فائدة ومكانة محدَّدة. إنّ علم البيئة هو العلم الذي يتصوَّر أنّ الأحياء منذورين للبقاء في البيت إلى الأبد. بينما نحن في الواقع نتنقلّ باستمرار  من خلال احتلالِ حياةِ وأجسادِ الآخرين، ولهذا السبب يجب أن نشطب كلمة “إيكولوجيا” ونفضّل عليها استعمال متخيّل المدينة. نحن في حاجة الآن إلى “إبسن” في مجال البيئة ليشجب أهوالَ الأسرة والحياة المنزلية.

(*) أنجزت الحوار سونيا فور، وأناستاسيا فيكران، ونشر في جريدة “ليبيراسيون” الفرنسية يوم 13 آذار/ مارس 2020.

ترجمه عن الفرنسية: نجيب مبارك.

ضفة ثالثة

————————

الحركة”البقائية”:أغنياء أميركا يستعدون لسقوط النظام!/ دانيال ويلكوفسكي

يحمل فيروس كورونا المستجد أضراراً كبيرة على حياة الدول الاقتصادية والاجتماعية، بدأت تظهر بوضوح في المشهد الأميركي مؤخراً، ناهيك عن ضحايا المرض الرئيسيين. ويتوقع الخبراء الاقتصاديون فقدان أكثر من خمسة ملايين مواطن أميركي عمله قبل نهاية السنة الحالية، وأكبر المتضررين أصحاب الدخل المحدود، الذين باتوا يقلقون على تأمين قوت يومهم ودفع الإيجار.

ولن ينجو ميسورو الحال من الخسارة، فتنخفض قيمة استثماراتهم في البورصة انخفاضاً لم تشهد البلاد مثله منذ الأزمة المالية العالمية سنة 2008. وعلى الصعيد الاجتماعي، يزيد مكوث العائلة داخل البيت، من دون خروج أفرادها للعمل أو الدراسة أو الترفيه. الحالة النفسية العامة تزداد سوءاً وتعقيداً.

في ظل هذه المؤشرات الخطيرة ثبتت صحة المثل العربي: مصائب قوم عند قوم فوائد.

إذ سجّلت بعض الشركات الأميركية أرباحاً كبيرة في الفترة الأخيرة، مثل شركة جلعاد للعلوم التي تنتج دواءً تجريبياً لمعالجة كورونا. كذلك ساهم تفشي الفيروس في صعود حركة فكرية تسمّى ب”البقائية”، وكانت تُعتبر متشددة وموضع تهكم المجتمع الأميركي في الماضي القريب.

الحركة البقائية غير منظمة وليس لديها مؤسسات أو قواعد تضبط أتباعها، الذين يطلقون على أنفسهم اسم “البقائيين” أو “المعدين”. يتدرب هؤلاء على المهارات اللازمة للبقاء على قيد الحياة، في حال انهار النظام الأميركي بشكل كامل وتألّب المجتمع على بعضه البعض، وتشمل هذه المهارات الصيد والزراعة والإسعاف الأولي والدفاع عن النفس وغيرها، كما يحرص البقائي على تخزين كميات كبيرة من المواد الأساسية في بيته تحسباً لنهاية الحضارة الأميركية.

اتخاذ بعض الإجراءات الاحتياطية، مثل تخزين كمية من المواد الأساسية تكفي لمدة شهر، أمر عقلاني جداً وقد أثبتت ذلك تجربة الحجر المنزلي في زمن كورونا. ولكن ما يميّز البقائي هو قناعته بالسقوط الوشيك والكامل للدولة، ما يضطره إلى عيش حياته بالطريقة التي تتناسب مع هذا السيناريو البعيد الاحتمال.

وبالإضافة إلى التدرب على المهارات البقائية، يشتري أجهزة تنقية مياه، ومولدات كهرباء، ودراجة نارية لسهولة التنقل بها وتوفيرها البنزين، والسلاح والذخيرة، وقد ينتقل إلى منطقة تتوفر فيها سبل العيش والحماية، والمكان المفضّل عند البقائيين هو شمال غرب الولايات المتحدة لأراضيها الجبلية الواسعة، ومصادر مياهها الكثيرة، وقوانينها اللينة في مجال اقتناء السلاح، التي تسهّل بناء ترسانة شخصية في البيت.

القارئ، وخصوصاً الذي عاش تجربة الحرب أو انهيار النظام في بلده، قد ينظر إلى البقائية كأنها حركة فكرية منطقية. ولكن عليه أن يأخذ في الحسبان أنه لا يوجد أي مؤشرات الآن تشير الى قرب سقوط النظام الأميركي، بل تتصف الحياة السياسية الأميركية، مع وجود مشاكلها الكثيرة، بالتداول السلمي للسلطة حسب رغبة المصوتين، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات الرئيسية، وكل هذه العوامل تعزز الاستقرار. بينما يكمن الخطر الحقيقي على النظام الأميركي في تقويض هذه الركائز الوطنية تدريجياً، من خلال انتشار الفساد وتقديم المصالح الخاصة على المصلحة العامة.

لذلك لا تعبّر البقائية عن هشاشة النظام الأميركي بقدر ما تكشف هواجس الفرد البقائي الشخصية. البقائي هو الذي يخاف من انهيار قيمة العملة، ما يؤدي إلى إدخال المجتمع في حالة فوضى، لذلك يخزّن كميات كبيرة من قطعة الخمس قروش لاعتقاده أن التركيبة المعدنية لهذه القطعة بالذات ستجعلها ثمينة عند نهاية الحضارة الأميركية. ربما يعاني هذا النوع من البقائي من ضغوط مالية في حياته اليومية. والبقائي هو الذي يخاف من هجوم كيماوي شامل، لذلك يشتري بزات واقية وحبوباً ضد الإشعاع، وربما تشكّل الهموم الصحية مصدر قلق له عادة. والبقائي هو الملتزم بدينه المسيحي التزاماً شديداً، الذي يؤمن بقرب قيام الساعة، يضم التحضير الروحي إلى المادي في قائمة تجهيزاته ليوم القيامة.

للحركة البقائية أشكال متعددة، لكن الفئة التي تمتلك النفوذ الأكبر هي البقائيون المليارديرات، أكثرهم أصحاب شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون.

قيّم ريد هوفمان، المؤسس المشترك لموقع “لينكد إن” الضخم، أن أكثر من نصف المليارديرات في وادي السيليكون قد اشتروا الملاجئ، إمّا في منطقة نائية في أميركا أو في بلد آخر، خوفاً من نهاية الحضارة الأميركية، حسبما قال لمجلة “نيويوركر” عام 2017. “مروحيتي دائماً فيها بنزين، وعندي قبو محصّن تحت الأرض يعمل على نظام تنقية الهواء” صرّح صاحب بنك استثماري في المقال نفسه.

هاجس البقائيين المليارديرات هو ثورة الطبقة الكادحة عليهم لسببين: الأول تطويرهم الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يحل محل المواطنين العاديين تدريجياً في سوق العمل، وأبرز مثال على ذلك بداية ظهور السيارات ذاتية القيادة في المشهد الأميركي، ما يهدّد لقمة عيش سائقي سيارات الأجرة والشاحنات وعائلاتهم. والسبب الثاني زيادة تفاوت الثروة بين الطبقة الثرية وبين عامة الناس، الذي وصل الى درجات خيالية وبات يسبب استياءً شعبياً واسعاً.

وإذا كان التطور التكنولوجي أمر حتمي، فهناك حلول تخفف من آثاره السلبية، مثلا توفير التدريب المهني لمساعدة الناس على تغيير مهنهم قبل أن يفقدوها. ولكن بدلاً من ذلك، يمعن البقائيون المليارديرات في التجهيزات لإنقاذ أنفسهم في حال سقط النظام الأميركي، كما لا يهتمون بمعالجة أزمة تفاوت الثروة، متجاهلين أن أعمالهم وأرباحهم هي مصدر المشاكل التي يخافون منها.

“مبيعاتها كل أسبوع تساوي مبيعات شهر”، صرّح مؤخراً صاحب شركة مختصة في المستلزمات البقائية لموقع “ويرد” تعليقاً على إقبال الناس على بضاعته في ظل انتشار كورونا. حاله هذا التاجر هو حال أصحاب الشركات المماثلة. تزداد شعبية البقائية مع كل كارثة تصيب الولايات المتحدة، ويبدو أن أزمة كورونا ستدفع المزيد من المواطنين إلى حضن هذه الحركة الفكرية، التي تفضّل الاستعداد لسقوط البلاد، على المساهمة في حل عيوبها.

المدن

—————————-

كورونا:الولايات المتحدة الأولى بالإصابات..وترامب يرتكب”خطأً تاريخياً

تسارعَت وتيرة تفشي فيروس “كورونا” المستجدّ في الولايات المتحدة، حيث ارتفع عدد المصابين إلى أكثر من 85 ألفاً لتتصدر أميركا دول العالم في عدد الإصابات.

وكشفت أرقام منصة “روي لاب” التي تقدم لحظة بلحظة آخر إحصائيات “كورونا” أن حالات الإصابة بالفيروس في الولايات المتحدة ارتفعت إلى 85612، في حين سجلت الصين حتى التوقيت نفسه 81 ألفا و299 مصاباً. وبذلك تفوق الولايات المتحدة الصين، في عدد الإصابات لأول مرة منذ انتشار الفيروس، أواخر العام الماضي، وفق ما أظهرت الأرقام.

أما حالات الوفاة فقد بلغت في الولايات المتحدة ألفا و179، فيما وصلت في الصين إلى 3 آلاف و287.

ويخضع نحو نصف الولايات المتحدة حالياً لأوامر بالبقاء في المنازل، في محاولة للحد من انتشار الفيروس الذي تخنق تبعاته الأنشطة الاقتصادية، وتطلق موجة من التسريح للعاملين.

وفي وقت تبذل فيه السلطات الأميركية جهوداً كبيرة لمواجهة تفشي فيروس كورونا المستجد، أعلنت عن تقديم تسهيلات بشأن تأشيرات العمل والزيارة لأراضيها، للأجانب العاملين في القطاع الصحي. وخصت بالذكر أولئك الذين يعملون في مجال مكافحة جائحة “كوفيد-19”.

وشهدت ولاية نيويورك أكبر عدد من الوفيات والمصابين بالمرض على مستوى البلاد. وقال حاكم نيويورك آندرو كومو، الذي حذر من قبل من نقص متوقع في أسرة المستشفيات وأجهزة التنفس الصناعي، إن عدد الوفيات في الولاية بلغ 385 ارتفاعا من 285 في اليوم السابق.

اتصالات

وبعد أن تجاوزت الإصابات في الولايات المتحدة مجموع الإصابات في الصين وإيطاليا، بؤرتي الفيروس في آسيا وأوروبا، قال الرئيس الأميركي دوناد ترامب إنه تحدث مع نظيره الصيني شي جين بينغ وناقشا “بتفصيل كبير” وباء فيروس “كورونا”.

وكتب ترامب عبر “تويتر”: “لقد مرت الصين بالكثير وأصبحت على دراية كبيرة بالفيروس.. نحن نعمل معا بشكل وثيق”.

وقال الرئيس الصيني شي جين بينغ إنه أجرى اتصالا هاتفياً مع نظيره الأميركي، أكد فيه أن بلاده تتعامل ب”شفافية وصراحة” في ما يتعلق بفيروس “كورونا”، مطالبا الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات “عملية وفعالة” لحماية أرواح المواطنين الصينيين الموجودين على أراضيها، حسبما نقل عنه التلفزيون الصيني الرسمي.

وأضاف شي جين بينغ أنه أبلغ ترامب بأن التنسيق الصيني الأميركي “هو الخيار الوحيد الصحيح”، مؤكداً أن بكين كانت “صريحة وشفافة” بشأن وباء كورونا، في رد ضمني على اتهامات ترامب.

ويشكل هذا الإعلان بادرة تهدئة بعد أيام من تبادل الاتهامات بين واشنطن وبكين حول المسألة. وأكد شي أيضاً وفق قناة “سي سي تي في” العامة أن “الصين مستعدة لمواصلة تبادل المعلومات والخبرات مع الولايات المتحدة من دون تحفظ”.

وكشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه يعدّ مع الرئيس الأميركي ودول أخرى، “مبادرة جديدة مهمة” لمواجهة فيروس كورونا المستجد.

وكتب ماكرون على تويتر إثر محادثة هاتفيّة مع نظيره الأميركي “نقاش جيد جداً مع دونالد ترامب”. وأضاف “نحضر مع دول أخرى، للأيام المقبلة، مبادرة جديدة مهمة”، في مواجهة أزمة كوفيد-19.

وفي السياق، أعلن الرئيس الأميركي خلال مؤتمره الصحافي اليومي حول تطورات الفيروس أن السبب الرئيسي وراء تصدر بلاده في عدد الإصابات بكورونا في العالم، يعود لتسريع وتيرة الفحوص.

وقال ترامب:”أعتقد إنه ينبغي أن نشيد بفحوصاتنا”، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة أجرت “العديد من الاختبارات لم تجرِها أي دولة في العالم”.

وأكد أن الحزمة الاقتصادية المقدرة ب2 تريليون دولار تهدف لدعم المواطنين الأميركيين بما في ذلك دفع الرواتب، لافتاً إلى أن “هناك مستشفى على متن سفينة تابعة للبحرية تصل السبت إلى ميناء نيويورك”، التي وصفها ببؤرة الفيروس”.

وأضاف “احرزنا تقدمًا كبيرًا ضد كورونا وسوف نهزمه، وهدفنا استنباط الحلول وليس استعراض المشاكل فقط”.

“نيويورك تايمز”

والثلاثاء قال الرئيس الأميركي إنه يرغب بإعادة فتح الاقتصاد الأميركي والسماح له بمزاولة أنشطته المعتادة قبل حلول عيد الفصح، والذي سيكون موعده في الــ 12 من نيسان/ أبريل، أي بعد أقل من 3 أسابيع من الآن.

إلا أن صحيفة “نيويورك تايمز” وفي تقرير نشرته بعنوان “اقتراح ترامب بعودة الحياة في أميركا سيكون خطأً تاريخياً” وترجمته “المدن”، انتقدت دعوة ترامب الى اعادة الحياة الى طبيعتها في الولايات المتحدة في غضون أسبوعين ونصف الاسبوع بعد إغلاق النشاطات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد بسبب “كورونا” الذي يصفه ترامب بتغريداته قبل اتصاله بالرئيس الصيني ب”الفيروس الصيني”.

وأوضحت الصحيفة أن إقتراح ترامب في حال تنفيذه، سيكون خطأً تاريخياً وقد يؤدي الى “إنفجار العدوى بالفيروس” في أرجاء الولايات المتحدة كافة وستعجز المستشفيات عن علاج مرضى الفيروس وسترتفع أعداد الوفيات بشكل كبير.

ونقلت “نيويورك تايمز” نصيحة عن خبراء في المجال الصحي بتمديد الإغلاق الحالي لكافة النشاطات والإبتعاد الإجتماعي شهراً إضافياً لإبطاء تفشي الوباء بالتزامن مع تكثيف الاختبارات الطبية وتزويد الأطباء بمعدات إضافية لمعالجة المرضى. وأشار الخبراء إلى أن تخفيف القيود الاقتصادية والاجتماعية الآن سيجعلنا نستعد لموجة جديدة من العدوى والتي ستتطلب حملة صحية جديدة لمحاربتها.

ووضعت الصحيفة نموذجاً يعتمد على الاصابات المتوقعة مقارنةً مع المدة الزمنية، وتوقعت من خلاله ان يصاب نحو 126.5 مليون أميركي بفيروس “كورونا” بين كانون الثاني/يناير وأواخر تشرين الأول/ أكتوبر (مع امكانية تسجيل ذروة بالاصابات بنحو 37.8 مليون شخص في 5 حزيران/ يونيو)، متوقعة وفاة اكثر من 1.3 مليون شخص بفعل الفيروس وشفاء 125 مليوناً اخرين.

ونقلت الصحيفة عن علماء للأوبئة وجهة نظر تقول: رغم حماس بعض الناس إلى عودة الحياة الى طبيعتها تدريجيًا الا أن هذا الامر محفوف بالمخاطر طالما أن الفيروس يتفشى بقوة وطالما أننا غير محميين منه بعد بشكل جيد.

وقالت إن التباعد الاجتماعي لا يزال مفيداً بطريقتين: الأولى باستخدام عامل الوقت لدعم المستشفيات واختبار العلاجات، والثانية تخفيف نشر حالات العدوى على فترة زمنية أطول بحيث لا يصبح نظام الرعاية الصحية الأميركي مثقلاً بعدد كبير من المرضى.

وأضافت “نيويورك تايمز”: مهما فعلنا سيكون أثر إغلاق النشاطات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية مدمراً بشكل هائل أكثر من فترة الكساد الكبير في العام 1929 عندما بلغ معدل البطالة في أميركا 25 في المئة. الا أن الازمة الاقتصادية الناتجة عن كورونا قد تصل بمعدل البطالة إلى 30 في المئة، بحسب رئيس البنك الفدرالي في سانت لويس جيمس بولارد.

المدن

——————————

عندما طاردتني الشرطة الفرنسية/ وليد بركسية

قد لا تختلف الحياة في الريف الفرنسي خلال الحجر الصحي وإجراءات منع التجول، عن حالتها في الأيام العادية، باستثناء بعض التفاصيل البسيطة كإغلاق بعض المحلات القليلة المتوفرة، أو تعذر الوصول إلى نهر السين للتنزه على ضفافه والتمتع بالطبيعة لساعات والتقاط الصور للبجعات الجميلات ونشرها في “أنستغرام”.

منذ أواخر العام 2018 أقيم في بلدة فيرنون في منطقة النورماندي الفرنسية، ليس بعيداً من باريس في الواقع. أحب العزلة التي يوفرها المكان لي، لكنني هذه الأيام أفتقد الرحلات المنتظمة إلى العاصمة للقاء الأصدقاء والاستئناس بالحضور البشري الذي لا أصادفه في الريف سوى بأعداد قليلة ومن مسافة بعيدة غالباً. ورغم أن درجة العزلة في الحجر الصحي لم تختلف كثيراً، إلا أن هذه الأيام “الهادئة” سجلت أول احتكاك لي بالشرطة الفرنسية، فقد طاردني عنصران في الشارع من أجل إبراز التصريح الخاص بالخروج من المنزل.

حسناً، يجب علي الاعتراف بأن كلمة المطاردة تحمل شيئاً من المبالغة حتى بالنسبة لي كشخص يفضل الدراما على الحياة الحقيقية، ويفضل الخيال على الواقع لدرجة أعتقد معها أن الرب نفسه، لو كان موجوداً بالطبع، لا يمتلك الخيال الكافي لجعل الحياة مثيرة حقاً مثلما ينبغي أن تكون عليه، بأن يوفر المياه النقية للكوكب من دون كآبة فصل الشتاء وبأن تكون البوكيمونات حيواناتنا الأليفة فعلاً، بدلاً من القطط والكلاب وأسماك الزينة وعصافير الجيران المزعجة.

والحال أن المطاردة لم تكن أكثر من توقف سيارة الشرطة بجانبي، وإهمالي لها بالكامل لجهلي بأن أولئك الأشخاص اللطيفين الذين يقودون سيارة لا تحيط بها تلك الهالة المخيفة من البؤس والعنجهية والهمجية التقليدية في الشرق الأوسط، هم من الشرطة. أكملت سيري وأنا أتمتع بالشمس وأستمع لبريتني سبيرز وهي تغني “Criminal”، قبل أن ألاحظ أن رجلين يركضان ورائي لعدة أمتار ويوقفانني وهما يضحكان. وأخبراني أنهما دورية تراقب حظر التجول المفروض في البلاد حالياً لمكافحة انتشار فيروس كورونا المستجد.

تحدثنا بالانجليزية لأنني لم أتقن الفرنسية طوال هذه الفترة من حياتي في فرنسا. أعطيتهم تصريح الخروج من المنزل وأخبرتهم أنني لم أميزهم كأفراد من الشرطة لأن صورة الشرطة في ذهني مرتبطة بقوات الأمن في الشرق الأوسط. لم يكن خروجي من المنزل إجرامياً مثل مازالت بريتني سبيرز تغني في رأسي وأنا أحدثهما، كنت متجهاً إلى السوبر ماركت فقط، وهي واحدة من الرفاهيات في زمن الحجر الصحي، يا لها من حياة مثيرة فعلاً. تمنيا لي وهما يضحكان أن أقضي وقتاً ممتعاً في السوبر ماركت، وقدما لي معقماً ليديّ وانصرفا، تمنيت لهما السلامة بالمقابل.

في الوقت نفسه، كان مقطع فيديو ينتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لدورية من الشرطة توقف أحد المدنيين في دمشق لمخالفته تعليمات حظر التجول المسائي الذي طبق للمرة الأولى مساء الأربعاء حتى فجر الخميس. وبالطبع تم اقتياد المواطن المسكين من قبل الشرطي يونس إلى “الفرع” من أجل “معالجة وضع المواطن”. ورغم أن الفرع المقصود في الفيديو ليس سوى “فرع المرور” على الأغلب، إلا أن الكلمة بحد ذاتها تشكل بحد ذاتها سبباً كافياً للشعور بالخوف، أو استذكاره، لارتباطها بتاريخ طويل من العلاقة المرعبة بين السوريين وبين الأفرع الأمنية، حيث تجري الاعتقالات التعسفية وعمليات التعذيب والاستجواب والإذلال والقمع.

وفيما أصبح الشرطي يونس، نجم السوشيال ميديا السورية، لساعات قليلة على الأقل، مع تأليف مئات النكات حوله، بوصفه رمزاً لقوى الأمن السورية التي تتحكم بجميع مفاصل الحياة في سوريا منذ عقود، كرر كثيرون العبارة التي وردت في الفيديو “بهدوء يا يونس” وهم يتندرون لأن المواطن المسكين الظاهر في الفيديو، قد يعتقل ويقتل بدم بارد لكن بهدوء وبلا جلبة، لأن المرحلة الجديدة تتطلب اللباقة والتهذيب. وكتب أحد المعلقين على سبيل المثال: “أقصر قصة رعب تختصر بكلمتين. بهدوء يا يونس”.

وإن كانت المطاردة التي تخيلتها وأنا أتصور نفسي المجرم الجذاب الخارج عن القانون والـ”Bad Boy” الذي وقعت بريتني سبيرز في حبه وغنت له “He is a villain by the devil’s law”، مبالغة لا يمكنني للأسف المجادلة في صحتها، فإن ما يذهب إليه السوريون من مقاربات، ليس شططاً في الخيال، بل هو الواقع المظلم الذي لا يحتاج كثيراً من الشرح، ويعرفه كل من عاش في سوريا أو زارها لفترة وجيزة.

وهنا، انتشرت صور لانتشار دوريات الشرطة في مناطق سورية مختلفة بعد حظر التجول في البلاد: عربات مدرعة تبدو أقرب لمصفحات تتجه إلى جبهات الحرب، بدلاً من كونها دوريات تحاول العمل من أجل مصلحة الناس في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها الكوكب. وذلك ليس غريباً في بلد اعتبرت فيه السلطة شعبها عدوها الأول، وقامت منذ العام 2011 بحرب ضد الشعب نفسه من أجل قمعه إثر مطالبته بالحرية والديموقراطية والإصلاح السياسي والاجتماعي.

المدن

——————————-

لبنان العنصرية في زمن “كورونا”: حظر تجوّل استنسابي وطرد وضرب/ باسكال صوما

الجديد اليوم هو ذهاب المنطق العنصري إلى أقصاه بحيث يحاول البعض الايحاء بأنّ “السوري” تحديداً اللاجئ مرشّح لحمل المرض أكثر من اللبناني.

“يحق للسوريين التجوّل بين التاسعة والحادية عشرة صباحاً فقط”، هكذا قال شرطيّ في بلدية عبرين (منطقة في شمال لبنان) لحسين (شاب سوري)، حين أوقفه فيما كان عائداً من بيت أهله إلى بيته. لكنّ الأمر لم يتوقّف عند حظر التجوّل الاستنسابي هذا، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير كما يروي حسين الذي يعيش في لبنان منذ عام 2004 ويعمل في إحدى الشركات. يقول حسن لـ”درج”: “عند الثالثة والنصف من بعد ظهر 25 آذار/ مارس، اضطررت إلى التوجه إلى بيت أهلي الذي لا يبعد أكثر من 5 دقائق من بيتي، لأنني احتجت إلى المال، في ظل الظروف الراهنة والتعبئة العامة المفروضة بسبب تفشي “كورونا”. في طريق العودة، أوقفني شرطي البلدية، وسألني أين كنت، وأخبرني أنه يمنع على السوريين التجوّل إلا بين التاسعة والحادية عشرة قبل الظهر. حاولت أن أفسّر له أنني كنت مجبراً على الخروج. لكنه لم يتوقف، بل طلب مني أن أوقف السيارة وطلب أوراقها، وحين اعترضت، ما كان منه إلا أن صفعني بقوّة على وجهي. رفعت زجاج السيارة حتى لا يضربني، فحاول فتح الباب، وحين لم ينجح، كسر المقبض. خفت، فهربت منه، ذهبت إلى البيت وركنت السيارة، وصعدت إلى السطح لأختبئ. فلحق بي، وهدد زوجتي بحرق سيارتي في حال لم أحضر إليه”.

يتابع حسين: “حين نزلت من السطح، انهال عليّ رجال الشرطة وبدأوا يضربونني بشكل عنيف. حاولت أن أشرح لرئيس البلدية أنني هربت إلى السطح حتى لا تكبر المشكلة. فكان نصيبي صفعة إضافية من الشرطي”.

في النتيجة، طُلب من حسين مغادرة بيته وعبرين نهائياً مع عائلته خلال ساعة واحدة، فلجأ إلى أخته التي تعيش مع عائلتها في منزل من غرفة واحدة، ويمكن تخيّل ما قد يعنيه وجود عائلتين (كل عائلة من 6 أفراد) في غرفة واحدة في زمن “كورونا” هذا. حسين الآن بلا مسكن ولا ملجأ، لأنّ شرطياً ما اعتبر أنّ بإمكانه التحكّم بمصائر الناس، وتحديد ساعات تجوّلهم وفق جنسياتهم أو وفق مزاجه.

يقول أحد جيران حسين في عبرين الذي شاهد الحادثة إنّ ما حصل كان مروّعاً ولا يصدّق، مؤكداً أنّ الشاب “آدمي” ويعيش في المنطقة منذ وقت طويل، ومسالم ولا يزعج أحداً، مستغرباً التعرّض له ولعائلته بهذه الطريقة.

وبالعودة إلى حظر التجوّل الاستنسابي الذي قرر شرطي البلدية أو ربما بلدية عبرين فرضه عبر مفوّضها السامي (الشرطي)، فهو إجراء في الحد الأدنى عنصري، وهو طبعاً مخالف لقرار مجلس الوزراء الذي سمح للناس بالتنقّل عند الضرورة إلا بين السابعة مساءً والخامسة صباحاً، ولم يضع تحديداً بين سوري ولبناني. فهل تحاشى مجلس الوزراء الاشارة صراحة الى التمييز بين جنسيات العابرين وترك الأمر لسلطات محلية تمارس الخطاب التمييزي الذي تبناه جزء كبير من أهل السلطة بحق اللاجئين؟

إنه نفس المنطق الذي كان سبق أن حمّل اللاجئين مسؤولية تراجع الاقتصاد وخراب البيئة وتدهور الكهرباء وهي طبعا مواقف لا تمت للحقائق والأرقام والوقائع بصلة لكنها خطاب اعتمدته شريحة واسعة من السياسيين للتمترس خلفها لتبرير فشل سياسي واقتصادي انكشف بوضوح في انتفاضة 17 تشرين الأول/اكتوبر الماضي.

الجديد اليوم هو ذهاب المنطق العنصري إلى أقصاه بحيث يحاول البعض الايحاء بأنّ “السوري” تحديداً اللاجئ مرشّح لحمل المرض أكثر من اللبناني.

يضاف الى المنطق هو التصرف الأمني الخطير بضرب وتهديد وطرد شخص فماهي الصلاحية القانونية الممنوحة لشرطي في إيقاف السيارة وضرب الناس أو تهديدهم في بيوتهم، بمؤازرة من إدارته وأصدقائه.؟؟

يتّجه حسين الآن إلى تقديم شكوى لتحصيل حقه، بعدما ضُرب وأهين وطُرد من منزله مع عائلته، عسى ألا تخضع هذه الشكوى بدورها للمنطق العنصري والاستنسابي ذاته. و”درج” يمتنع عن ذكر اسم حسين الكامل ولا اسم الشرطي حفاظاً على سلامة حسين وحقّه في الادعاء والحصول على العدالة.

ما حصل مع حسين، ربما يحصل في مناطق وأحياء كثيرة أخرى، فهناك من لا يتخلّى عن عنصريته حتى حين تكون حياته وسلامته ومستقبله مهددة بمرض لا يرحم أحداً.

من نافل القول إن من حق الجميع بصرف النظر عن الجنسية أو العرق التنقل والعيش بأمان والحصول على الغذاء و الطبابة، لكن هناك في لبنان من يحاول أن لا يفوّت أي مناسبة من دون التذكير بسلسلة من الاجراءات والمواقف العنصرية التمييزية التي يجري اعتمادها.

فعلى رغم لا دستوريتها، لا تزال بلديات عدة في لبنان تتبنى قرارات  بحظر تجوّل المقيمين السوريين فيها، وممارسات أخرى كمنعهم من السكن أو العمل بشكل استنسابي ومن دون وجه حق. يفعلون ذلك رغم كل التقارير والاستنكارات الدولية فهم يبدو أنهم ينعمون بتغطية كبرى من قبل جهات أساسية في السلطة تبارك مثل هذه الممارسات.

عن قصة حسين وقصص كثيرة تحدث الآن فيما نحن في حجورنا ننتظر الموت أو النجاة، توضح الباحثة في الشأن اللبناني في “منظمة العفو الدولية” سحر مندور لـ”درج” أنه “في الظروف العادية، قبل زمن “كورونا” كان السوريون وبخاصة اللاجئون منهم يتعرّضون لأشكال عدة من التمييز، إن كان على مستوى الأوراق الرسمية، إضافة إلى مضايقات منها انتهاك حقوقهم عبر الإعادة القسرية إلى سوريا. ومع وصول “كورونا” والهلع الذي يرافقه نرى استسهالاً في التمييز ضد الفئات الأكثر هشاشة والأكثر ضعفاً ولعل اللاجئين السوريين هم الأكثر هشاشة، لا سيما مع وجود عدد كبير منهم في مخيمات وسط ظروف صعبة وغير مجهّزة، فكيف يكون الأمر مع كورونا؟”.

وتطالب مندور في هذا الإطار، المجتمع الدولي بدعم المنظمات لمساعدة السوريين في لبنان ومنحهم حقهم في الطبابة والإقامة الآمنة في هذه الظروف الصعبة، ومناهضة كل أشكال التمييز والكراهية ضدهم التي من بينها منعهم من التجوّل، مؤكدة أن ظروف لبنان الاقتصادية لا تبرر أبداً ما يمكن أن تتعرّض له الفئات الهشة، وعلى الدولة حمايتهم من الانتهاكات، فالمخاوف التي نعيشها بسبب “كورونا” قد تجعل الناس يبررون تصرفات عنفية وعنصرية كثيرة، من باب الخوف أو الهلع أو الإشاعات.

درجات

————————

أكبر مخيم للمهاجرين في أوروبا: صرف صحي وقمامة و”كورونا

أثارت حالة مؤكدة بمرض كوفيد-19، المخاوف من تفشي المرض في المخيم، حيث لا يحظى اللاجئون بالرعاية الطبية الملائمة

في كل مساء، يجمع فرهاد وبناته الثلاث الفروع الجافة المتساقطة من كروم الزيتون التي تملأ السهول المحيطة في مخيم موريا، أكبر مخيم للاجئين في أوروبا. أصبح جمع العيدان الجافة لإضرام نيران شحيحة نشاطاً معتاداً للعائلة كل مساء. تعتبر الفتيات الصغيرات هذا النشاط بمثابة لعبة، لكن فرهاد يعلم أنهم يحتاجون إلى الدفء في الليل الذي قد تنخفض درجات الحرارة فيه إلى ما دون الصفر.

قال فرهاد، “عندما وصلت إلى اليونان، لم أكن أتوقع أبداً أن تكون الأوضاع بهذا السوء. تعيش بناتي في معاناة. الجميع هنا يعانون. لا نملك سوى أغطية قليلة ولا كهرباء ولا أحد يسمعنا ولا مكان آخر نلجأ إليه. أنفقت كل ما أملك من أجل المجيء إلى هنا”.

تحول مخيم موريا الواقع على جزيرة لسبوس اليونانية الذي كان من المقرر في بداية عام 2015 أن يكون مركزاً لتسجيل اللاجئين الوافدين إلى أوروبا، إلى مخيمٍ مكتظٍ يوصف باستمرار بأنه بمثابة “الجحيم”. وقد تجاوز عدد سكان المخيم راهناً العشرين ألف نسمة، أيّ سبعة أضعاف قدرته الاستيعابية. ينتظر اللاجئون، الفارون في معظمهم من الاضطرابات في الشرق الأوسط، وعوداً غير مؤكدة بحياة أفضل بينما ينظر في طلبات لجوئهم من خلال نظام بيروقراطي.

لا كهرباء بصفة مستمرة في المخيم، والمياه النظيفة متقطعة، ولا وجود أصلاً للمياه الساخنة. تفيض حاويات النفايات بالقمامة التي تغطي الشوارع الموحلة، ولا يتوافر في المخيم سوى المراحيض المتنقلة أو دورات المياه الخرسانية غير المضاءة. وتنفجر أنابيب الصرف الصحي مرة أسبوعياً على الأقل، متسببة في سيل من الفضلات البشرية التي تشق طريقها عبر المخيم قبل أن تصب بفعل الجاذبية في جدول قريب.

والآن، أثارت حالة مؤكدة بمرض كوفيد-19، المخاوف من تفشي المرض في المخيم، حيث لا يحظى اللاجئون بالرعاية الطبية الملائمة. سيتسبب الاكتظاظ والأوضاع المزرية في انتشار المرض سريعاً، وربما يستغرق الأمر ساعات من الوقوف في الطوابير المصطفة لزيارة أحد الأطباء القلائل في المخيم. وبمجرد أن يصلوا إلى الطبيب، تكون الإمدادات الطبية والأدوية قد باتت محدودة. علماً بأنه توفي سبعة أشخاص في المخيم، من بينهم رضع، منذ أيلول/ سبتمبر 2019.

وقالت أسماء، التي وصلت إلى جزيرة لسبوس في طوافة كبيرة مع 50 لاجئاً غيرها في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، “أصعب ما في مخيم موريا هو رؤية أطفالي يعانون. مرضت اثنتان من بناتي لأشهرٍ، وتوقف ابني عن الكلام، وأخشى من أنه قد يؤذي نفسه. في الليل، ننام أنا وزوجي وأطفالي متلاصقين داخل الخيمة حتى نشعر بالدفء”.

يركض كثير من الأطفال، الذين يشكلون حوالى ثلث سكان المخيم، وهم يرتدون نعالاً مكشوفة في أقدامهم. بينما يرتدي البالغون نعالاً بلاستيكية رخيصة أو أحذية رياضية مقلدة بمقاسات كبيرة للغاية أو أخرى بمقاسات صغيرة يقومون بثني حافتها عند الكعب حتى يمكنهم فرد أصابعهم داخلها. تنشب معارك في بعض الأحيان على الثياب أو أكياس النوم المتبرع بها، وتفتش بعض العائلات في القمامة عن كارتون وورق مقوى لِوضعه بين خيامهم أو على الأرض الباردة الرطبة. وفي المساء، تملأ الأمهات زجاجات بلاستيكية كبيرة بماء ساخن حتى يلتف حولها أطفالهن ليشعروا بالدفء، وهو تصرف ضئيل من أجل راحة أبنائهن في مكانٍ يُجرد فيه الوالدون من استقلالهم الذاتي.

تضيف أسماء، “كنت أعلم أنني سأموت إذا بقيت في أفغانستان، لكنني هنا أموت شيئاً فشيئاً كل يوم”.

على رغم الظروف المأساوية في مخيم موريا، يواصل المهاجرون الفرار من أوطانهم بسبب العنف أو الفقر. ففي غضون أيامٍ من إعلان تركيا الأخير بأنها لن تمنع اللاجئين بعد الآن من محاولة الوصول إلى أوروبا، توافد آلاف اللاجئين على الحدود، وأصبحوا الآن محاصرين على الحدود الشمالية التركية ما بين مواجهة مميتة مع الشرطة اليونانية -المسلحة بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي- التي تحول دون مرورهم والأتراك الذين يمنعونهم من العودة. وقد هاجم أيضاً السكان المحليون اليائسون على جزيرة لسبوس قوارب المهاجرين والصحافيين والعاملين في الإغاثة.

ينظم سكان المخيم بانتظام مسيرات في الشوارع المحيطة حاملين لافتات تشجب أوضاعهم. لكن التظاهرات باتت أكثر فوضى وعنفاً بعد نشوب حريق هائل في المخيم أودى بحياة أم وطفلها العام الماضي. ونشرت الشرطة اليونانية راهناً المئات من قوات مكافحة الشغب، للتصدي للنزاعات التي تتزايد حدتها، لكن سرعان ما سحبت الحكومة تلك القوات في غضون أسابيع وذلك بعدما أصيب عشرات المواطنين والضباط خلال الاشتباكات.

سألت فرشته، وهي شابة أفغانية، خلال أحد الاحتجاجات التي اندلعت في مطلع هذا العام، “هل تعلم لماذا لا يزال العالم صامتاً؟”، مضيفةً، “لم أكن أتوقع هذا في أوروبا. الناس يعانون. الناس يموتون”.

هذا المقال مترجم عن vice.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

https://www.vice.com/en_us/article/bvg3za/raw-sewage-mountains-of-garbage-and-the-coronavirus-the-devastating-conditions-inside-europes-largest-migrant-camp

درج

——————————–

كيف يؤثر كورونا على النزاعات في الشرق الأوسط؟

فقط عندما بدا أن الأمور لا يمكن أن تسوء أكثر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خرج فيروس “كورونا” الجديد “كوفيد-19” إلى المسرح العالمي.

وتمر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأزمات وجودية متتالية، مع موجات الثورات منذ بداية الربيع العربي، وظهور صراعات جديدة كنتيجة مباشرة وغير مباشرة للثورات، وقرب انهيار بعض الأنظمة وعودتها للحياة بشكل أو بآخر، بالإضافة إلى الصراعات القائمة على اللغة والهوية والمعتقدات السياسية التي دفعت معظم المنطقة إلى حافة الانهيار.

وفي بداية عام 2020، بدت الأمور كئيبة للغاية؛ حيث كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك تركيا وإيران، على وشك الحرب تقريبا. وكانت الضربات الأمريكية التي قتلت الجنرال الإيراني “قاسم سليمان” بمثابة تذكير بمدى هشاشة الوضع الأمني في المنطقة.

ولو اندلعت الحرب، لم تكن لتبقى إقليمية فقط، ولكن من شبه المؤكد أنها ربما كانت تنبئ بحرب عالمية. وكانت التداعيات التي لا رجعة فيها ستؤثر مباشرة على أوروبا، وأجزاء أخرى من آسيا وأفريقيا.

ويمكن القول إن التأثير العالمي للصراع السوري سيبقى حاضرا لفترة طويلة؛ حيث تستمر أزمة اللاجئين التي أعقبت ذلك في التأثير على السياسة الأوروبية إلى أجل غير مسمى.

ولم تفسح تلك الأزمة المجال فقط لكراهية الأجانب وإحياء النزعة القومية عبر أوروبا، (وفقا لاستطلاعات مختلفة: 1 من كل 4 أوروبيين أصبح قوميا)، ولكنه قسم أوروبا من الداخل.

ويعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مجرد قصة ترمز إلى الاتحاد الأوروبي بأكمله، الذي يجد نفسه في مشكلة خطيرة.

وخلقت نزاعات أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مثل الأزمة الليبية، مزيدا من الانقسامات داخل أوروبا الغربية، الذي تجلّي في التنافس والخلافات بين فرنسا وإيطاليا.

ولا يوجد نظام إقليمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولدى الحوكمة العالمية ووكالاتها، مثل الأمم المتحدة، سجل سيئ في كل صراع تقريبا في تلك البلدان. ويؤكد كل من هذه العوامل على الهشاشة الحالية للمنطقة وسط انتشار “كوفيد-19”.

ولن تتراجع ​​أي من النزاعات الجارية أو تختفي ببساطة في ظل وجود جائحة “كوفيد-19”. وفي الواقع، فإن طبيعة المنطقة وعدم القدرة على السيطرة على مسار الأمور فيها توحي بأن تفشي الفيروس سيجعل هذه الصراعات والقضايا ذات الصلة أسوأ بكثير.

وفيما يلي التأثيرات المحتملة للوباء على تلك النزاعات:

    التصعيد العسكري

بالرغم من الفشل التام للمبادرات العالمية التي يقودها المجتمع الدولي في أي من النزاعات الإقليمية الرئيسية، مثل سوريا واليمن وليبيا، كانت هناك ولا تزال العديد من المبادرات غير الحكومية أو شبه الحكومية على مستويات متعددة.

وقد خلقت هذه المبادرات “مسارات” مفيدة في توفير مساحة للحوار بين الأطراف في بعض المناطق الأكثر تضاربا. وكانت معظم هذه “المسارات” إما برعاية أو إدارة المنظمات الأوروبية بالتوازي مع المنظمات الإقليمية.

وتعد أوروبا حاليا مركزا لوباء كورونا. لذلك، ستركز معظم الجهود الأوروبية، وجميع آلياتها، على حماية مواطني الاتحاد الأوروبي ومعالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي ستبقى في المستقبل المنظور.

ويترك هذا فراغا في جميع مسارح الصراع الرئيسية، حيث سيتم استبدال الحوار بمزيد من التصعيد العسكري. ويمكننا أن نتوقع أن يستخدم كل جانب هذه الفرصة للسعي لتحقيق أقصى تقدم عسكري في ظل الأزمة.

    تزايد الأزمة الإنسانية

وسيؤدي التصعيد العسكري غير المحدود إلى تعميق الأزمات الإنسانية التي لا تحتمل أصلا. هناك عامل آخر مقلق وهو ظروف ميمات اللاجئين في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وفي أماكن مثل إدلب وطرابلس وصنعاء والحديدة، تئن الناس بالفعل تحت ما يشبه الحصار بسبب الأعمال العدائية المستمرة.

وكانت هناك تحذيرات عديدة صادرة عن مختصين أن تفشي “كوفيد-19” في أي من هذه المناطق سيكون كارثيا؛ خاصة أن هؤلاء الذين يعيشون في هذه الظروف هم في خطر أعلى بسبب ضعف الجهاز المناعي بالفعل والمشاكل الصحية الأخرى.

وكان أحد الشعارات الرئيسية لثورات الربيع العربي “إسقاط النظام”. وفي معظم البلدان، لا يعمل “النظام” أو لم يعد يعمل. ولا تقدم الدول الرعاية الصحية والتعليم لمعظم مواطنيها. ولا يوجد شيء مثل العقد الاجتماعي، الذي هو أمر ضروري لربط المواطنين بالدولة.

وعبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تتزايد بسرعة المساحات غير المحكومة؛ حيث لا تملك الدولة سيطرة مباشرة وتملأها الجهات الفاعلة من غير الدول. وعندما تفشل الدولة في حماية مواطنيها من جائحة الفيروس التاجي، أو تكون غير قادرة على توفير الرعاية الصحية لمواطنيها الأكثر ضعفا، فإن ذلك من شأنه أن يدمر أي شعور بالانتماء للدولة.

وسيعود الناس بالتأكيد إلى أقاربهم وأسرهم وقبائلهم للحصول على الدعم. وتزدهر الجهات الفاعلة من غير الدول في مثل هذه المواقف، حيث يمكنها سد فجوة الحوكمة.

ردا على ذلك، ستحاول الدولة إضفاء الطابع الأمني ​​على القضية. وسيتم تطبيق خطوات مثل مزيد من المراقبة والقيود على حقوق الإنسان تحت شعار احتواء الفيروس.

وكلما حاولت الحكومات الإقليمية إضفاء الطابع الأمني ​​على استجابتها للفيروس، ستظهر مساحات أكثر غير محكومة. وستؤدي زيادة المساحات غير المحكومة إلى خلق مزيد من الصراعات بين الجهات الفاعلة من غير الدول وحكومات الدول.

    الفجوة الاجتماعية والاقتصادية

وستزيد الجائحة من تعميق الفجوة الاجتماعية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وستكون الطبقات المتوسطة والطبقات الأدنى هي الأكثر تضررا.

ويعني عدم قدرة معظم الحكومات على ضخ حزم إنقاذ اقتصادية ضخمة للأفراد والشركات المحلية والقطاعات الاقتصادية الرئيسية أن جميع السكان سيعانون.

وكانت معظم الصراعات في المنطقة نتيجة لهذه الفجوة الاجتماعية الاقتصادية الآخذة في الاتساع. ويعد الربيع العربي مثالا رئيسيا في هذا الصدد.

وفي حين تسيطر جائحة “كوفيد-19” على الصورة، تتعرض الاقتصادات المحلية لضربة رئيسية أخرى. وبما أن معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعتمد بشكل كبير على الاقتصاد العالمي، فإن الانهيار الوشيك سيعني ركودا مزدوجا. لذلك، فإن ربيعا آخر أو ثورة إقليمية أخرى في طور التكوين.

وسوف يسلط تفشي الفيروس الضوء على عدم كفاءة معظم دول وممالك منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وإذا كان التاريخ يمثل أي مؤشر، فبمجرد الكشف عن عدم كفاءة وفساد النخب الحاكمة، سيكون من الصعب للغاية إعادة الأمور إلى نصابها.

————————-

فورين أفيرز: هذا هو الخطر الحقيقي لوباء كورونا

يتعرض العالم بأسره منذ مارس/آذار 2020 لشرّ لا يستطيع أحد التعامل معه أو التنبؤ بمساره بشكل دقيق، كما لم يستطع أي أحد إلى الآن توقع إلى متى قد تستمر تلك الجائحة.

لا يجب النظر إلى التداعيات الاقتصادية لجائحة فيروس”كورونا” على أنها مشكلة عادية يمكن للاقتصاد الكلي حلها أو تخفيفها، وإنما يمكن للعالم أن يشهد تحولًا جوهريًا في طبيعة الاقتصاد العالمي.

صدمة العرض والطلب

تتجلى الأزمة المباشرة في العرض والطلب، إذ ينخفض ​​العرض لأن الشركات تغلق أو تخفض ساعات العمل لحماية العمال من الإصابة بـ”كوفيد-19″، ولا يمكن لأسعار الفائدة المنخفضة أن تعوض النقص في العمال الذين لن يعملوا، تخيل مصنعًا تم قصفه أثناء الحرب، مهما انخفض سعر الفائدة فإنه من المستحيل أن يعوض نقص الإمداد في اليوم أو الأسبوع أو حتى الشهر التالي.

تفاقمت صدمة الإمدادات بسبب انخفاض الطلب العائد لحقيقة أن الناس محصورون في أماكنهم، والعديد من السلع والخدمات التي كانوا يستهلكونها لم تعد متاحة.

إذا أغلقت الدول وأوقفت حركة الطيران، فلن يؤدي أي قدر من الطلب وإدارة الأسعار إلى جعل الناس يسافرون، وإذا كان الناس خائفين أو ممنوعين من الذهاب إلى المطاعم أو الفعاليات العامة بسبب احتمالية الإصابة بالعدوى، فقد يكون لإدارة الطلب تأثير ضئيل للغاية.

تحول الاقتصاد للاكتفاء الذاتي

يواجه العالم احتمالية تحول عميق تتجلى في العودة إلى الاقتصاد الطبيعي أي اقتصاد الاكتفاء الذاتي، لكن هذا التحول هو عكس العولمة. وبينما تنطوي العولمة على تقسيم العمل بين الاقتصادات المتباينة، فإن العودة إلى الاقتصاد الطبيعي تعني أن الدول سوف تنغلق على نفسها.

هذه الحركة ليست حتمية، لأنه إذا تمكنت الحكومات من السيطرة على الأزمة الحالية أو التغلب عليها في غضون الأشهر الستة أو السنة المقبلة، فمن المرجح أن يعود العالم إلى مسار العولمة، حتى لو تمت مراجعة بعض الفرضيات التي قامت عليها، مثل سلاسل الإنتاج الممتدة التي يجري فيها التوصيل في وقته بالكاد.

ولكن إذا استمرت الأزمة، فقد تنهار العولمة. وكلما طال أمد الأزمة، وطالت العقبات أمام التدفق الحر للأشخاص والسلع ورأس المال، كلما أصبحت الحالة أكثر طبيعية.

سوف تتشكل مصالح خاصة لدعم الوضع، وقد يؤدي الخوف المستمر من وباء آخر إلى تحفيز الدعوات لتحقيق الاكتفاء الذاتي الوطني، وهكذا يمكن أن تتكامل المصالح الاقتصادية والمخاوف الصحية المشروعة.

حتى المتطلبات التي تبدو صغيرة -مثل أن يحتاج دخول الشخص للدولة إلى تقديم شهادة صحية مع جواز السفر والتأشيرة- ستشكل عقبة في طريق العودة إلى الطريقة المعولمة القديمة، بالنظر لملايين الناس الذين يسافرون عادة.

قد تكون عملية التفكك هذه، في جوهرها، مشابهة لتفكك الإمبراطورية الرومانية الغربية إلى عدد كبير من الأراضي المكتفية ذاتيًا بين القرنين الرابع والسادس.

وفي هذا النوع من الاقتصاد، يتم استخدام التجارة ببساطة لمبادلة السلع الفائضة مقابل أنواع أخرى من الفائض الذي تنتجه الأراضي الأخرى، بدلاً من تحفيز الإنتاج المتخصص لمشترٍ غير معروف.

وكما كتب عالم التاريخ “فرانك وليام ولبانك” في “تراجع الإمبراطورية الرومانية في الغرب”: “على امتداد الإمبراطورية المُفككة بأكملها، كان هناك ارتداد تدريجي إلى الحرف صغيرة النطاق التي يعتمد فيها الاستهلاك على ما تنتجه الأيدي، حيث يتم تصريف الإنتاج للسوق المحلية وللطلبات المحددة في الجوار”.

عدم التخصص ميزة

في الأزمة الحالية، يتمتع الأشخاص الذين لم يصبحوا متخصصين بالكامل بميزة، فإذا كان بإمكانك إنتاج طعامك الخاص، وإذا كنت لا تعتمد على الكهرباء أو المياه التي توفرها الشبكات العامة، فأنت لست فقط في مأمن من الاضطرابات التي قد تنشأ في سلاسل الإمداد الغذائي أو توفير الكهرباء والمياه؛ بل إنك أيضًا في مأمن أكبر من الإصابة بالعدوى، لأنك لا تعتمد على الطعام الذي أعده شخص آخر قد يكون مصابًا، ولا تحتاج إلى تورط أفراد، قد يكونون مصابين أيضًا، لإصلاح أي شيء في منزلك. كلما قلت حاجتك للآخرين، كلما أصبحت أكثر أمانًا وأفضل.

كل شيء كان ميزة في الاقتصاد شديد التخصص يصبح الآن عيبًا، والعكس صحيح.

الخطر الحقيقي: التفكك الاجتماعي

لن يكون الدافع وراء الانتقال إلى الاقتصاد الطبيعي هو الضغوط الاقتصادية العادية وإنما مخاوف أكثر جوهرية، وهي الأمراض الوبائية والخوف من الموت.

لذلك، يمكن أن تكون التدابير الاقتصادية القياسية جزءًا من الحل؛ إذ يمكنها (ويجب عليها) توفير الحماية للأشخاص الذين يفقدون وظائفهم وليس لديهم ما يلجؤون إليه والذين غالباً ما يفتقرون حتى إلى التأمين الصحي.

عندما يصبح هؤلاء الناس غير قادرين على دفع فواتيرهم، فإنهم سيخلقون صدمات متتالية، من عمليات إخلاء المساكن إلى الأزمات المصرفية.

ومع ذلك، ستكون الخسائر البشرية للمرض هي التكلفة الأكثر أهمية والتي قد تؤدي إلى التفكك المجتمعي. ويمكن لهؤلاء الذين تُركوا بلا أمل أو عمل أن ينقلبوا بسهولة على أولئك الذين هم في وضع أفضل.

هناك حوالي 30% من الأمريكيين ممن لديهم ثروة صفرية أو حتى سلبية، وإذا خرج المزيد من الناس من الأزمة الحالية بدون مال ولا وظائف ولا رعاية صحية، وإذا أصبحوا يائسين وغاضبين، فمن المتوقع انتشار مشاهد مثل هروب السجناء في إيطاليا مؤخرًا، أو النهب الذي أعقب إعصار كاترينا في نيو أورلينز في عام 2005.

وإذا اضطرت الحكومات إلى استخدام القوات شبه العسكرية أو العسكرية لقمع أعمال الشغب أو الهجمات على الممتلكات، فقد تبدأ المجتمعات في التفكك.

وبالتالي، ينبغي أن يكون الهدف الرئيسي (وربما الوحيد) للسياسة الاقتصادية اليوم هو منع الانهيار الاجتماعي.

يجب على المجتمعات المتقدمة ألا تسمح للمسائل الاقتصادية -ولا سيما ثروات الأسواق المالية- بأن تعميهم عن حقيقة أن أهم دور يمكن أن تلعبه السياسة الاقتصادية الآن هو الحفاظ على الروابط الاجتماعية قوية تحت هذا الضغط الاستثنائي.

—————————-

كيف يغير كورونا الحسابات الجيوسياسية لأمريكا؟

لسنوات، عززت طهران جهودها لتطوير التكنولوجيا النووية والجيوش الميدانية للجماعات المسلحة الموالية في جميع أنحاء الشرق الأوسط مما أثار الفزع والغضب بين قادة المنطقة ومسؤولي واشنطن، ولكن يوجد الآن سبب آخر للخوف لأولئك الذين يخافون ويحتقرون إيران.

لا علاقة للشيء الأكثر رعبا الذي يخرج من إيران الآن بأهداف النظام في طهران. أصبحت إيران مع اقتصادها ونظام الرعاية الصحية الذي عطلته عقود من العقوبات بؤرة في الشرق الأوسط لوباء “كورونا”. ويراقب جيران إيران كيف أن دولة تمددت لفترة طويلة في العالم العربي لم تكن قوية بما يكفي لمساعدة نفسها.

لا شك أن تفشي الفيروس في الشرق الأوسط لم يكن ليصبح بهذا السوء إذا كانت إيران بدون العقوبات، ولا تزال إدارة “دونالد ترامب” عازمة على متابعة العقوبات بالرغم من الضرورة الإنسانية لمساعدة البلدان التي تكافح ضد الوباء.

تفتقر إيران للعديد من الأجهزة والكوادر الصحية. ومن الصعب تمييز الآثار التي فرضتها العقوبات عن غيرها التي لا تقل خطورة. على سبيل المثال كم عدد الأطباء المحتملين والمتخصصين في الرعاية الصحية الذين غادروا إيران على مر السنين إلى بلدان أخرى سعيا للحصول على فرصة أفضل؟ ولو بقوا على أمل حياة مزدهرة لهم ولعائلاتهم، كم عدد الأرواح التي كان يمكن أن ينقذوها الآن؟

ومع ذلك، عندما تقوم بحساب الأضرار الناجمة عن العقوبات، فإن الخلاصة هي أن إيران وجيرانها، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ، يواجهون خطرًا أكبر حتى مع وجود نظام اقتصادي فعال. ويمثل ذلك حقيقة جيوسياسية جديدة.

إن إبقاء الدول ضعيفة مع تكتيكات مثل العقوبات والحروب بالوكالة، هو نهج قياسي للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه قائمة طويلة من الأعداء على مر السنين، وهذا الأمر يمثل الآن تحديا رئيسيا للأمن الدولي بدلاً من تحقيقه لمكاسب جيوسياسية محتملة ضمن بعض الاستراتيجيات العظمى.

لم يعد بمقدور الولايات المتحدة والقوى العالمية الأخرى النظر إلى العالم كنوع من رقعة الشطرنج حيث تقوض الدول المتنافسة بعضها البعض في سعيها للحصول على المكاسب مثل الأسواق والموارد الطبيعية. حيث تحتاج جميع الدول، بغض النظر عن طبيعتها، إلى أن تكون قادرة على تطوير القدرات للتعامل مع الأزمات العابرة للحدود مثل الوباء الحالي.

إن تفشي الفيروس غير مسبوق ولكن لا يمكن التنبؤ به. وقد حذر باحثو الصحة العامة منذ فترة طويلة من أن خطر تفشي الأمراض المعدية يزداد في جميع أنحاء العالم. يساعد التحضر والهجرة والأسواق المترابطة ومقاومة المضادات الحيوية ومجموعة من العوامل الأخرى في خلق بيئة مناسبة لانتشار أمراض مثل “كورونا” وبهذا النوع من الشراسة المفاجئة التي شهدناها في الأشهر الأخيرة.

إن تفرد حجم وتأثير “كورونا” لا يمكن إنكاره، لكن المشكلة الأساسية التي يمثلها للحكومات ليست جديدة. توجد معضلات مماثلة في شكل تهديدات عابرة للحدود مثل الاتجار بالبشر والإرهاب والانتشار النووي وتغير المناخ.

ومثل الأوبئة، تتحدى هذه الأنواع من التهديدات المفاهيم التقليدية للأمن القومي لأنه لا توجد دولة واحدة تنتجها، ولا يمكن لأي دولة أن توقفها بمفردها. والأهم من ذلك، أن الأمل الوحيد للتصدي لمثل هذه التهديدات هو التعاون الفعال بين الدول ذات القدرات العالية. وهذا يعني أن البلدان ذات الاقتصادات السليمة وأسواق العمل والحكومات لابد أن تكون قادرة على حشد الموارد وإدارة المنافع العامة بشكل فعال.

يسلط الصراع المستمر بين واشنطن وطهران الضوء على مفارقة الدول التي تسعى إلى إضعاف أو شل بعضها البعض بينما تحتاج إلى التعاون أكثر من أي وقت مضى.

لكن منطق التخلي عن التنافس الجيوسياسي يمتد إلى دول أخرى أيضًا.

تمثل كل الطاقات والموارد التي تنفقها الهند وباكستان في مواجهة بعضهما البعض حول كشمير الآن موارد ضائعة في معركة وجودية ضد “كورونا”. وعلى سبيل المثال فإن أي هجوم قد تطلقه موسكو على أوكرانيا يفتح الطريق أمام العدوى لتصل عبر الحدود الروسية.

لا يعني هذا أن “كورونا” سيسمح للدول بترك خلافاتها جانبا. لن تتلاشى الخصومات والأعمال العدائية بسبب الوباء، لكن الجهود المنسقة لإضعاف الدول بشكل منهجي لم يعد من الممكن اعتبارها حوكمة مسؤولة من قبل القادة الوطنيين.

لقد عفا الزمن على الاستراتيجيات الجيوسياسية العدائية البحتة مثل التي تتبعها الولايات المتحدة ضد إيران. يعترف الكثير من صانعي السياسة في واشنطن بالفعل بهذا من حيث المبدأ، ولهذا السبب تختار الولايات المتحدة التعاون مع باكستان بدلاً من مواجهة دولة “لها تاريخ في دعم الإرهاب” ونشر تكنولوجيا الأسلحة النووية.

وتعتبر العلاقة بين الولايات المتحدة وباكستان نموذجا للعلاقة المعقدة. فلا يمكن اعتبارهما حلفاء أو أعداء. ومنذ عام 2002، قدمت الولايات المتحدة لباكستان أكثر من 33 مليار دولار من المساعدات، وهو مبلغ خصص الكثير منه لمكافحة الإرهاب. لكن على مر السنين اشتكى المسؤولون العسكريون الأمريكيون مرارًا وتكرارًا من أن باكستان تساعد “طالبان” والجماعات المسلحة الأخرى التي تهاجم القوات الأمريكية في أفغانستان.

من جانبهم، عبّر القادة الباكستانيون عن غضبهم من مئات الغارات الأمريكية بطائرات بدون طيار في بلادهم على مر السنين وغيرها من الإجراءات الأمريكية المرفوضة بالنسبة لهم. ربما لا يوجد شيء يوضح الطبيعة المشحونة للعلاقة أكثر من حقيقة أن الغارة الأمريكية عام 2011 في باكستان التي قتلت “أسامة بن لادن” حدثت بدون تعاون باكستاني.

تكشف النظرة الصادقة للعلاقات الأمريكية الباكستانية عن وجود دولتين تشتركان في الأعمال العدائية والمصالح المشتركة في نفس الوقت. ولكن بالرغم من العديد من المشاكل الخطيرة، ظلت ثلاث إدارات أمريكية متتالية حتى الآن ملتزمة بالتعامل مع باكستان. والسبب بسيط إن جعل باكستان عدواً صريحاً هو أخطر بكثير من جعل باكستان شريكاً صعباً ضد تهديد الإرهاب العابر للحدود.

يجب على الولايات المتحدة تطبيق نفس المنطق على علاقتها مع إيران ومع كل دولة أخرى. إن كتاب اللعب القديم للولايات المتحدة، الذي يعتمد على تقويض واستعداء الأمم على أمل أن تتغير أو تنهار، يشكل الآن مخاطر تفوق أي أمل في الفوائد المستقبلية.

قد يرغب المسؤولون الأمريكيون في تغيير طبيعة وسلوكيات حكومة معينة، لكن هناك طرق لمتابعة ذلك بطريقة سلمية.

لا تستطيع الولايات المتحدة تحمل المخاطر التي تشكلها الخلافات التي لا نهاية لها والتي تترك دولاً مثل إيران غير قادرة على أن تكون شريكة عند الحاجة. وسيكون من الحكمة جعل هذا الدرس المبكر لوباء “كورونا” مبدأً حاكماً جديدا في السياسة الأمريكية.

———————

17 كاتباً عربيا يشهدون على لحظة العزلة التاريخية في “عالم كورونا”

المثقف أصبح مطيعا في زمن الخوف… العالم في حال من التفكك أمام العدو الجديد

عبده وازن

يعيش العالم اليوم لحظة تاريخية حرجة مع انتشار فيروس كورونا، لحظة تضع حضارتنا الحديثة وما بعد الحديثة، امام أسئلة شائكة حول جدوى التقدم العلمي والتكنولوجي وحول انفجار الثقافة المعلوماتية وقيام زمن العولمة. أُطلقت قبل اعوام مقولات مثيرة مثل “نهاية التاريخ” و”موت الحداثة” وسواهما وأحدثت جدلاً ما زال مفتوحاً ولم يؤدّ إلى حال من اليقين، بل هو زاد من واقع الإضطراب الذي يشهده العصر الحادي والعشرون. ولعل حلول فيروس كورونا الخطير قلب النظريات التفاؤلية والأفكار اليوتوبية وأعلن مفهوماً آخر للتاريخ. الحروب والاوبئة والكوارث الجيولوجية اجتاحت الأرض والبشرية على مر العصور وحصدت ما لا يحصى من الضحايا. الآن في القرن الحادي والعشرين يجتاح الأرض والبشرية وباء رهيب فاجأ العلماء والمختبرات والمصانع النووية التي كان يظن البشر أنها أخطر ما يُحدق بهم. وحّد وباء كورونا العالم والقارات مؤكداً أن القرية الصغيرة التي قالت بها العولمة غير قادرة فعلاً على الصمود في وجه هذه الجائحة المرعبة. هذه القضية أثارتها “اندبندنت عربية” مع كتّاب وفكرين عرب، طالبة منهم أن يقدموا شهادات حول هذه اللحظة التاريخية الحرجة. بعضهم استجاب واعتذر بعضهم امام فداحة الكارثة الراهنة.

12

ماذا يقول المثقفون العرب عن عزلة الكورونا؟

سيادة الهيمنة: محمد بنيس (شاعر وناقد مغربي)                                                                                    

هذه أيام قاسية، لا شك. أحياناً، يبدو لي أننا لم نستطع، حتى الآن، أن نقدّر خطورة وباء فيروس “كورونا”. بل ليس لدينا من الإمكانيات ما يكفي لمعرفة الواقع، حتى ندرك ما نحن فيه. لذا، فأنا أعيش في قلق كبير هذه اللحظة. هو قلق يتركني في العراء. أنا منعزل في البيت، مثل غيري، في البلاد التي قررت حكوماتها فرض العزلة على الأفراد ومنعهم من مغادرة البيوت. وحيدان في البيت، زوجتي وأنا. وابننا هو الذي يمدّنا، من بعيد، بما نحتاج إليه.

لكن لي في هذه الأيام حيوية تكاد تكون متواصلة. أتتبّع الأخبار وأتبادل مع بعض الأصدقاء والمعارف رسائل وفيديوهات عن الفيروس والعدوى، يتم الحصول عليها من جهات مختلفة. معلومات مؤكدة وأخرى زائفة، كلها تهجم على الواتساب. وفيديوهات الفكاهة والتسلية تعبّر عن السمو في التعامل مع العزل ولزوم البيت والأمل في تجاوز المحنة. على هذا النحو، أتفرغ في هذه الأيام لما أكتب، كما أتفرغ للقراءة، قراءة الشعر والأدب والفكر ومصاحبة الفنون. حياتي اليومية في العزلة ثقافية، وفيها أترك الإحساس يقظاً بما يحدث، وأحتمي بالسؤال عن أسباب ما يحدث. أعلم أن خارج البيت مآسيَ في نواح مختلفة من الحياة العامة. هناك مأساة المرضى العاجزين عن الوصول إلى المستشفيات، مأساة الفقراء الذين أصبحوا من دون دخل، مأساة اللاجئين الذين يحملون أعباء الغربة والحرمان والموت، مأساة عمال وموظفين مسرّحين من العمل، مأساة مؤسسات صغرى تتعرّض لصدمات لا شك أنها ستؤدي إلى وقف نشاطها. وأفكر في العائلة وفي أقرباء أعرف أنهم يعيشون في أيامهم العادية وضعية صعبة. أفكر في الأصدقاء، أكاتب الواحد وأهاتف الآخر، حتى أطمئن. وفي كل وقت من اليوم، أعود لأحيّي هيئة الأطباء والممرضين وجميع الساهرين في العالم على المرضى. أفكر في هؤلاء وأولئك، وأتضامن.

من هنا، فإن جائحة الفيروس تنذر بالدمار. بل إن بلداناً عربية، تعيش في حالة حرب منذ سنين، سيكون الواقع فيها أعتى مما سيؤول إليه الأمر في البلدان الأخرى. قلقي كبير، لأنّ ما سيحصل في حياتنا ستكون نتائجه مضاعفة. طبعاً، أنا ملاحظ، وعند هذا الحد أتوقف. أما العلماء في الميكروبات والبيولوجيا، أو المتخصصون في الاقتصاد والاجتماع، على الأقل، فمن المفروض أن تكون لديهم قراءة أدق للمعطيات، لكن نتائجها لن تختلف، في ما أعتقد، عمّا يلاحظه الأدباء والفنانون.

لذا أنظر إلى واقع الوباء في العالم بما هو إنذار بالدمار. نظرة لا مبالغة فيها لما يحدثه فيروس “كورونا” في البشرية، اليوم، أي منذ بداية انتشار الوباء. دمار غير اعتيادي، لا نقدّر فداحته. ولكنه كان منتظراً بالنسبة إلى جميع المعارضين لسيادة الهيمنة، كما تتجلّى في طغيان العولمة ومنطق ما بعد الحداثة. كتابات عدّة بهذا الشأن صدرت عن علماء في الغرب، منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، وصرخات منظمات الدفاع عن البيئة تصاعدت، كما توالت إنذارات أطلقتها طائفة واسعة من الكتاب والمبدعين في العالم. فوجود هذا الوباء، وانتشاره بالسرعة التي تم بها، وعموميته عبر جهات الأرض، هي من نتائج العولمة وما استتبعها من هيمنة قيم ما بعد الحداثة.

على أننا لم يكن لنا نصيب ريادي في مثل هذه المواقف، لأنّ العالم العربي يعيش وضعية مزدوجة. فهو، من ناحية، يزيد تشبثه بالزمن الديني، الذي يضاعف اعتماد القدرية في فهم وشرح الوقائع، ويرسّخ أكثر فأكثر الثقافة الغيبية في النظر إلى أحواله وفي معالجة حتى أبسط ما يعيش. وهو، من ناحية أخرى، أصبح مستسلماً لهيمنة الغرب، أو منبهراً بمظاهر حياة الاستهلاك. أما في الحياة الثقافية، فإنّنا نمر بمرحلة يتضاءل فيها التمسك بقيم الوعي النقدي، وينتصر التخلي عن الطموح في إنشاء حوار مع العالم. لذا، لم تعد النخبة العربية مهيّأة للجهر بقول “لا” في قضايا تظل بعيدة منها ولا تشارك في صياغتها ولا في التداول بشأنها. منها، إشكالية فرض الغرب قيم حداثته، باعتبارها قيماً كونية، ولا بد لنا من أن نقبل بها ونعتبرها الحقيقة والمرجع، ومنها انفجار الثقافة الرقمية بكل ما تحمله من استبداد ثقافة الإعلام والاستهلاك.

بالتأكيد أن البشرية ستنتصر على الفيروس، لكن بأي ثمن؟ منذ بداية الألفية الثالثة، عرف العالم أزمات واستطاع أن يتخطاها، على أن الانتصار الذي حقّقه ظل مؤقتاً، لأن الأسباب بقيت في مكانها. ولا أعرف حجم الدمار الذي سيسفر عنه الفيروس الحالي بعد الخروج من الأزمة. ثم إنه من الصعب التكهن بإمكانية أن يكون ثمة في العالم رد فعل نقدي، رافض، لسياسة العولمة ومؤثر، كما كان الشأن بالنسبة إلى ما حدث في الغرب بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. وعلى الرغم من وجود حركات معارضة، فإنّ معطيات عدّة تغيرت مع بداية التسعينيات، أي بعد أن أصبح العالم يعيش بين أسوار العولمة والثقافة الليبرالية المتعددة الأوجه، في السياسة كما في الحياة العامة. من قبل، كان حضور اليسار قوياً بوعيه النقدي وبمواقفه ونضالاته، أما الآن، فنحن في زمن اليمين، بل اليمين المتطرف، الذي يفاقم الخضوع لرأسمال المال والعنصرية ورفض الاعتراف بالآخر والمساواة معه.

وباعتقادي أنه لن يظهر في العالم العربي وعي نقدي جديد، أساسه السؤال، كما كان الشأن من قبل، في الخمسينيات أو السبعينيات. كل ما يحدثه الوباء اليوم سيصبح مجرد واقعة حلّت وارتحلت. للأسف، نحن خارج العالم.

إعادة تعريف جديدة: شكري المبخوت (روائي وناقد تونسي)

أمام حالة الهلع والخوف الغريزي من الموت، تسلّم أمرك للدولة وقراراتها، تصبح مواطناً صالحاً أي طيّعاً يستبطن المراقبة والضبط والأوامر، فيتشبّث بها على انّها خشبة النجاة. يتوقّف الحسّ النقدي والريبة من صور التحكّم جميعاً. فأنت أمام ضرب من الحيوانية المدجّنة، تألف اقتيادك راضياً مرضياً إلى العزل والنبذ والحظر وقطع الحركة والاتصال عنك، حفاظاً على جسدك وبقائك.

لم يعد لخطابك نفع يُذكر، إذ صارت آلة إنتاج هذا الخطاب ذاته مهدّدة بالزوال. فقدتَ صفة الحيوان الناطق الجوهرية لتعرّف نفسك من جديد: إنسان خائف. تدريب جديد على إعادة تعريف الذات والآخر والسلطة. سلّمت إنسانيتك وكرامتك وذاتك، طوعاً أو كرهاً إلى خطاب الدولة ليعيد رسم الحدود ومجال التحرّك وضبط النشاط، حتى صرتَ تتساءل عن دلالة حريتك نفسها بحدودها البيولوجية. صار البديهي المألوف في حياتك كالغذاء والدواء موضوع تشكيك ومراجعة. كنتَ وحدك أمام خوفك بادئ الأمر ولكنّ عزلتك مكّنتك من أن ترى مداك الحقيقي بقدر ما ترى هشاشة الكائن المتجبّر: مدن كاملة مغلقة، مليار من البشر في عزلة خانقة.

في قمّة تطوير أنظمة التواصل وأجهزة الاتصال والثورة المعلوماتية، تجد نفسك معزولاً وحيداً تتأمّل الفراغ. وفي قمّة التطوّر التكنولوجي والطبي، ترى البشرية تصارع شبحاً لا ينتمي حتى إلى الكائنات الحية، فليس للفيروس خلايا تنشطر لتتكاثر، بل يقتات منك ليكون وينمو. ذهب في وهمك أنّ الإنسانية بذكائها قد سيطرت على كل شيء وأخضعت الطبيعة وانتصرت عليها، لكنك تكتشف أنّ هذه العقيدة المتحكّمة فينا، الداعية في كثير من الأحيان إلى الزهو والعجب بقوّة الإنسان وجبروت عقله تحتاج في أدنى الحالات إلى جرعة من النسبيّة والشكّ.

صار القريب والحبيب والصديق والغريب والجيران والأغيار أعداء محتملين، بل صرتَ أنت نفسك عدوّاً لنفسك لو فكّرت في أن تدعك عينيك أو أن تدلّك أنفك من دون احتياط. أصبحت مصدراً للموت وأصبحتَ تهدّد حياتك بنفسك.

ليس المشهد قاتماً تماماً. صور ومشاهد كثيرة تقول إنّ هذا الإنسان الخائف الذي يواجه حدوده البيولوجية هو نفسه جبّار شديد. يصنع الحياة وهو في قلب المأساة. لم يفقد الأمل في الحياة ولا أضاع القدرة على الاعتراف وما زال منه شعوره بالتضامن البشري.

في إيطاليا التي تحمل إرثاً من حبّ الحياة و”الدولتشي فيتا” وأهدت أوروبا نهضتها الجديدة، يقف الأشخاص في شرفات بيوتهم يملؤون الشوارع الخالية بعد منع التجوال أغاني وموسيقى وضحكاً وفرحاً ويتواصلون من خلالها. فلا شيء يقف أمام غريزة الحياة. نحتاج فقط إلى العودة إلى عفويتنا واندفاعنا وما صنعناه بثقافتنا لنواجه الأشباح الخارجة من خفايا الطبيعة، مثل الفيروس اللعين.

في يوهان البؤرة الأولى للفيروس، وقف الجنود الصينيّون صفَّيْن لتحيّة الأطباء الذين انتصروا على الشبح وهم يغادرون المستشفى تحيّة عسكرية. وفي بعض المدن، يخرج الأفراد في ساعة معلومة ليغنّوا للعاملين في المجال الصحي، شاكرين. فقد أصبحوا هم جنرالات حرب من أجل البقاء على الرغم من أنّ رأس المال والخصخصة ووصايا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ظلّوا لعقود، محمولين بانتصار الليبرالية المتوحّشة، يدعون إلى التقشّف والتخلّي عن الخدمات الاجتماعية غير المربحة.

سينتهي هذا الوباء كغيره من الأوبئة التي عرفتها الإنسانية عبر التاريخ. ستكون خسائره وآلامه التي سيخلّفها أقلّ من غيره ولا شكّ. سيبكي الناس أحباباً وأعزّاء على قلوبهم بكاءً مرّاً. لكن السؤال الأهمّ بعد هذا كلّه: هل تثوب الإنسانية إلى رشدها والدول إلى مواطِن القوة التي صنعتها أي الصحة والتعليم والبحث العلمي، فتنفق عليه ما يجب إنفاقه بعد أن سدرت في غيّها أسلحةَ دمار وجيوشاً عرمرماً وتدميراً للبيئة ومنطقَ ربحٍ لا يحكمه إلاّ مبدأ مراكمة رأس المال إلى ما لا نهاية؟

رؤيتان متباعدتان: سعد البازعي (ناقد سعودي)

من المعتقل “الكوروني”، أكتب متشبعاً بالقلق والترقب بالأخبار والإشاعات والآمال. ما الجديد الذي يمكن أن يُضاف إلى آلاف التعليقات والمشاهدات والاكتشافات التي تمطرنا يومياً من كل وسائل الإعلام والتواصل؟ حتى المشاعر والرؤى الشخصية أقرب إلى أن تتوافق مع ما يشعر به أو يراه الآخرون.

الأمر الواحد الذي يشكّل قاسماً مشتركاً بين عددٍ كبيرٍ من ردود الأفعال هو علاقة الأزمة الحالية بالعولمة. وحول هذا الأمر، ينقسم المحللون: نحن أمام وضع يؤكد أثر العولمة، يقول البعض، مؤكدين مقولة “القرية الصغيرة” وما إليها؛ في حين يرى آخرون أنّنا أمام حالة تفكّك أوصال تجعل العالم بعيداً من الترابط الذي كان بمثابة حقيقة مسلّمة قبل أشهر قليلة. “كورونا” أكد ترابط المصائر و”كورونا” أكد تباعدها. الخطر الواحد وانتقاله السريع من بلد إلى آخر، أكد أن الصين وبريطانيا أقرب ممّا تقوله الجغرافيا، والبحث عن علاج أو لقاح مسعى عالمي مشترك ومجال لتبادل الخبرات. لكن على الجانب الآخر، هناك من يرى هشاشة ذلك الترابط، قابلية العولمة للكسر، استجابتها السريعة للانحسار أمام فيروس: أليس الفيروس، في نهاية المطاف، هو ما يتهدّد شبكة الإنترنت التي تربط العالم منذ تسعينيات القرن الماضي؟! هو فيروس يهدّد البشر هذه المرة ويؤكد أنّ إنترنت العلاقات الإنسانية أكثر هشاشة واستجابة للانفصال ممّا كنّا نظن. فجأة أغلقت الحدود، وفجأة توقّف التواصل السياحي. فجأة، صار العالم ليس قرية صغيرة وإنّما قرى كثيرة متباعدة أو جزراً لا تكاد إحداها ترى الأخرى.

رؤيتان متباعدتان، لكن يبدو أنّ في كل منهما حقيقة. الاتصال متحقّق والانفصال متحقّق. الأمر يعتمد على أيهما تتكّئ الرؤية، ومن أي الزوايا تنطلق. في تقديري أنّ أزمة “كورونا” أكدت ترابط العالم أكثر ممّا أكدت تباعده. قابليته للانفصال حقيقة قائمة، لكن كثيراً من وجوه التواصل لا تزال قائمة أيضاً: شبكات الاتصال والنظام الاقتصادي العالمي والإعلام والتعاون العلمي، كل ذلك لم يتأثر. لكن “كورونا” أكدت الهشاشة، القابلية للانفصال وأنّ التواصل على الرغم من متانته واستمراره مهدّد باستمرار. الحقيقة هي أنّ كل حالات الانفصال مؤقتة: أسبوعان أو ثلاثة، شهر، شهران. لا أحد يتحدث عن قطيعة. هل تعود الأشياء كما كانت؟ هناك من يرى استحالة ذلك، لكني أرى قابلية الناس والأشياء لنسيان أو تناسي ما حدث، فكم من كوارث تشبه “كورونا” نُسيت أو توارت عن الاهتمام وعادت الحياة لتمارس نسيانها، لا لتنسى ما حدث فحسب وإنّما لتنسى أنها نسيت، فتنهمك في ما كانت فيه. لعل تلك مهنة الحياة: أن تنسى.

الإنسان أمام عدو جديد: عبد الحميد أحمد (كاتب إماراتي)

أمام الكارثة المفاجئة كالأوبئة والأعاصير والزلازل وغير ذلك ممّا تحدثه الطبيعة، يلجأ الانسان إلى الخبرة التاريخية يستنجد بها. وفي هذه الخبرة، الكثير ممّا تراكم عبر الزمن وصار جزءًا من المعرفة والعلم ومنه على سبيل المثال، الحجر والعزل الصحي وقطع خطوط انتقال الوباء، ما أسعف الصين

التي داهمها كوفيد-19، فاستطاعت بقوة العزل والحجر محاصرة الوباء الى درجة القضاء عليه. واليوم، نرى دول العالم تسير في الاتجاه ذاته بعد أن عجز العلم حتى الآن من أن يسعف الإنسان.

 يحضرني هذا الخاطر وأنا أتأمل عجز الانسان أمام الطبيعة وكبرياء هذا الإنسان وغروره وهو ينتج أسلحة الدمار الشامل والأسلحة البيولوجية وغيرها، مدّعياً حماية نفسه من عدو هو إنسان آخر، فيما الطبيعة لا تزال تشكّل أكبر تحدٍّ له ولا يستطيع إزاءها شيئاً .

مع ذلك، فإنني أؤمن بقدرات العلم والإنسان الخارقة حين يوجه هذه القدرات في الاتجاه الصحيح. وهكذا، فإن العلم أسهم ولا يزال في تطوير حياتنا وإسعادنا وهو ما سيصنعه من دون شك مع هذا الوباء الجديد، ولكن حتى يحدث ذلك، لن يسعفنا سوى خبرتنا الإنسانية التي أعتبرها جزءًا من تقدمنا العلمي والبشري وليست عالة عليه.

ختاماً، فإنه لا شك أن العالم قبل كوفيد -19 لن يكون مثل العالم بعده وسنرى تغييرات في موازين القوى الاقتصادية مع بروز القوى التي تملك إلى جانب قوتها الاقتصادية رصيداً أكبر من الأخلاق والتاريخ مقابل القوى التي رصيدها من الأخلاق أقل، وكذلك سنرى على صعيد الأفراد والمؤسسات تحوّلاً بوتيرة أسرع نحو الاعتماد على التكنولوجيا، بخاصة لجهة الشبكة العنكبوتية واستخداماتها المختلفة.

كأننا في فيلم خيالي: ليانة بدر (كاتبة فلسطينية)

_ سيناريو غير مسبوق، كأنّنا في فيلم خيال علمي خرافي يلفت النظر لاعتماده حبكة تزداد خطورة تدريجاً، مطيحة بكل التكهنات المعتادة. فالشرير لا يغيّر دوره، والضحية لا تعرف ماذا تفعل للنجاة منه. حتى ليوشك أن يخطر في بالنا بأنه من المحتمل رؤية كائنات فضائية تطير ثم تهبط في رقعة ما بين أناس بشريين في أية لحظة.  لقد أدمنّا قبلها أفلام الخيال العلمي ورواياته التي تنافست على بث المزيد من الإثارة في الحبكة. نتأملها أو نقرأها بعين حيادية، تراقب ما يمكن للخيال والعلم فعله. أما الآن؟ فنحن في وسط المومعة كما يُقال. السيناريو واقعي. وواقعي جداً. فأي حبكة نعيشها الآن؟ الفيروس وهو مخلوق مجهري يبدأ السيطرة على البلدان ورفع الحصانة عن مواطنيها واحداً واحداً. كل بلد وكل قارة وكل شاردة وواردة في الكرة الأرضية. إنه وحده من يحدّد نسبة الفرح والسعادة أو الاكتئاب والحزن وكميات الشقاء ومواصفات تحويل الجنة الى جحيم، وبالعكس . للمرة الأولى، ننظر إلى وضع وجودي، يجعل وجود الجنس البشري على المحك. نحاكم أنفسنا على التهاون الذي قمنا به سواء تجاه الطبيعة أو تجاه أنفسنا التي رضخت لتلك القوى النيوليبرالية المتوحشة التي تتحكّم بالعالم. فهذا المرض هو ابن العولمة التي سهّلت التنقل الحر بين البلدان، وهو من كشف الإهمال والاستهتار وقلة العناية في المجال الصحي لدول العالم التي تحكمها الشركات المتعددة الجنسيات. فقد استطاع النظام العالمي الجديد لجم محاولات التغيير الجماعية التي حرّكت الكوكب قبل عقود. وما إنشاء الهيئات غير الحكومية إلاّ لإخفاء مسؤولية الدول عن المواضيع الخطيرة التي تمسّ الإنسان كالبيئة والصحة والتعليم. وكأنّ هذه الهيئات ستكون بديلاً عن خدمات الدول الملزمة ببقاء أفرادها. “الكورونا” امتحان للحضارة البشرية في تنوعاتها، وهو أيضاً الكشف السافر عن إهمال السلطات في اتخاذ التدابير الوقائية، وحماية شعوبها سواء بتوفير العلاج الأساسي أو متابعة الأبحاث العلمية. تلك التي كانت وما زالت المسؤولة عن مصير الكائن البشري بدلاً من ميزانيات التسلّح والتجارة. هذا هو الرعب الساطع الذي تعيشه البشرية الآن. نعيش الآن أسرى النظام الاقتصادي المتوحش. نظام شعاره تدمير ممنهج وغير مسبوق للبيئة والطبيعة. إبادة للنباتات والحيوانات وجميع الكائنات التي لا تستفيد منها السوق. إنه انهيار المصفوفة إذاً. فهل نشهد تكملة السيناريو على الرغم من أنّ القصة بائسة والعواقب مهولة والحبكة مملّة. وهل تعاود البشرية شجاعتها وقدرتها الذكية على اختراع حلٍّ لمشكلة من هذا النوع؟

في صلب اللحظة الراهنة: طالب الرفاعي (كاتب كويتي)

لم يكن أكثر أفلام هوليوود تشاؤماً ليتوقع سناريو ما هو دائر الآن على كوكب الأرض. فمن دون سابق إنذار، انكشفت عورات العالم المتقدم والمتأخر، وراحت دولٌ كثيرة، بما فيها دول عظمى، تتخبط في قرارات صحية ومالية واجتماعية وعسكرية، لا تعلم إلى أين ستأخذها.

بهدوء وخلسة، انبعث فيروس “كورونا”، وبهدوء وخلسة، راح ينتشر منتقلاً من بلد إلى بلد، ومن قارة إلى قارة، ليواصل رعبه الصامت بانتقاله من شخص إلى آخر.

بعيداً من فكرة المؤامرة، كأن العالم يعيش أيام حربٍ كونية، يجتمع بعدّته وعتاده، وآخر ما توصّل إليه عقله وعلمه وفكره وأمواله ومصانعه وأسلحته، هو في جهة، ومجاميع فيروس ميت، في الجهة المقابلة! لكن على جبهة العالم، وفي السر والعلن، هناك حروب دائرة. حروب طاحنة ستنتهي حتماً بميلاد عهد جديد. مؤكد ستكون هناك خسائر بشرية هائلة، ولكن متى كان أهل الحروب يلتفتون إلى أعداد الموتى؟ لذا البشرية في بداية نِزال مخيف على حلبة الأرض، وما زلنا في الجولة الأولى. مؤكد ستعبر البشرية هذا النِزال بخوف ورعب وألم وموت. لكنّه سيتمخّض عن ميلاد لحظة تاريخية جديدة ومنتصرة، بحيث يؤرخ لما قبل “كورونا” وما بعده. أوضح ملامح الصراع ستكون حول من سيتزعّم العالم، الصين أو أميركا، خلال القرن الواحد والعشرين والثاني وربما الثالث. وكيف سيتقاسم غنائم الحرب مع باقي المنتصرين.

هناك عالم جديد يتخلق من رحم مأساة “كورونا”، عالم بسادة جدد، وفهم جديد لمعنى القوة والعظمة، سادة يرسمون خرائط العالم. لن يكون هناك استعمار ومستعمر، لكن سيكون هناك احتلال، عبر تحالفات جديدة ومناطق نفوذ مالية اقتصادية ونظام مالي جديد.

ستضع الحرب أوزارها، وتبلع الأرض ضحايا “الكورونا”، وسيطلُّ وجهٌ جديد للعالم وعملة جديدة، سواء بقي الدولار الأميركي أو ذهب. وسيكون هناك نظام سفر مختلف، ستُلغى على أثره كل تأشيرات جوازات السفر التي نحمل، وستأتي بدلاً عنه تأشيرات جديدة بشروط جديدة لدول أوروبا وأميركا والصين، يصعب الحصول عليها لشعوب العالم الفقيرة، مما يسهم أكثر في استعبادهم.

عالم جديد يتخلق في رحم اللحظة الراهنة، وليس أقل من التفكير: كيف تراه العالم الجديد سينظر إلى الشعر والقصة والمسرح والرواية واللوحة والفيلم السينمائي، وكيف سينظر إلى الكاتب؟

المستقبل الذي ينتظرنا: واسيني الأعرج (روائي وناقد جزائري)

نعيش زمناً شديد الغرابة. الناس يموتون بالمئات، بل بالآلاف، ومع ذلك تجد من يبرر ذلك بمختلف الحجج التي تنم عن جهل كبير وكأن الأمر لا يمس إلا الآخرين، وينسى أن النار تشتعل عند قدميه، وربما فيه. لا أعتقد أن العالم سيكون بعد كورونا مثلما كان قبلها. لقد بينت الحداثة في نموذجيتها الغربية حدودها ومآزقها أيضاً. وبيّن عالم السوق الذي افترض تحرير التجارة كرهان لسعادة الإنسان، حدوده وانكساراته بل وانهياره. القرية الصغيرة التي أصبحها العالم، ليست قرية سلع وتحرر جمركي، ولكنها أيضاً قرية أمراض أصبحت تسافر بلا حدود، حيث لا قوة تمنع الفيروسات المخبرية أو الطبيعية من أن تعبر الحدود عبر الطائرات، عبر التجارة الحرة نفسها، عبر الهواتف الذكية، عبر العلاقات الدولية المستجدة. عندما نتأمل ما يحدث من حولنا في أوروبا تحديداً، نرى إيطاليا وإسبانيا وبدرجة أقل فرنسا، تعيش تراجيدية غير مسبوقة، كل بلد يواجه قدراً قاتلاً وحده، وكأنه لا وجود لشيء اسمه الاتحاد الأوروبي في صيغه التضامنية الدنيا. إننا بصدد فيروس مجهري قاتل، يعيد اليوم هيكلة العالم كلياً بما في ذلك النظم المستقرة والخاصة بكل بلد. تغول القطاع الخاص مثلاً بوصفه المنقذ للحياة الجديدة، وتمدده نحو كل مناحي الحياة، ما في ذلك النشاطات الاستراتيجية، وتراجع نظام الدولة كفاعلية، السكك الحديدية، شركات الطيران، مؤسسات إنتاج الطاقة وغيرها، هي مقدمة لحالة إفلاس أكيد إذا لم تتدخل الدولة، ولا حق للدولة في التدخل وفق قوانين الاتحاد الأوروبي. الذي يفلس يباع أو يموت، هو منطق السوق.

في هذه الفترة، تغير الخطاب الرسمي، وأوروبا لم تخرج من أزمة كورونا، الحديث عن التأميمات أصبح موضوع الساعة في فرنسا مثلاً، وهو ما يتنافى مع القوانين المتفق عليها أوروبيا. لن تقبل بروكسيل بذلك. ستحدث اضطرابات في النظام الأوروبي قد تؤذي إلى خلخلته والتفكير في نظام أخر غير المعمول به اليوم الذي أظهر فشله وإخفاقه في مسألة بسيطة هي التضامن. لا تضامن أوروبياً حتى إنسانياً. كان على إيطاليا انتظار الصين الجريحة من الفيروس لتتمكن من الاستفادة من المساعدة. العالم العربي في هذا السياق يعيش على هامش منكسر وكأنه ليس فقط خارج التاريخ، ولكنه خارج التفكير العاقل الذي يقدم المصلحة الصحية على كل الأولويات الأخرى. لا إعلانات عربية رسمية عن عدد المصابين أو الأموات. لا حقيقة علمية بل ولا انشغال حقيقياً. أجهل خبر سمعته في بعض وسائل الإعلام العربية هو أن العرب محظوظون كثيراً بتسجيل أقل الإصابات بوباء كورونا فيروس، وهو ما لم تتمتع به أمم أخرى لا في أوروبا، ولا في آسيا، ولا في إفريقيا. السبب الطبي هو أن العربي محقن بأشعة الشمس داخلياً مما لا يسمح للفيروس بأن يعيش طويلاً. الشمس هي وسيلة مهمة من وسائل المناعة الحقيقية والدائمة التي يجب المراهنة عليها، ليس فقط في مجال الطاقة ولكن أيضاً في المجال الطبي. العرب يملكون خزاناً من الدواء لا يملكه غيرهم.

وسبق أن سمعت في فيديوهات وصلتني من الجزائر، تونس، المغرب، بلدان الخليج، يؤكد أصحابها أنه تم اكتشاف الدواء المضاد لكورونا فيروس، ويعتمد على وسائل بسيطة، مضغ زهرة القرنفل أو عود النوار بالتسمية الشعبية، بعد الصلوات الخمس. وفي كل تناول، ينصح صاحب الفيديو، بفتح الفم والاستنشاق عميقاً حتى تدخل الرائحة إلى الحنجرة فيموت الفيروس في ثوان معدودة وآخر يصرح بأن الدواء في حوزته وهو لا مخبر له وأنه سيعلن عن النتائج قريباً وهكذا. المشكلة ليست في هذا، سنقول إنها دروشة أو تعبير شعبي عن حاجة لدواء يجب تخيله في ظل غياب العمل المخبري، لكن الخطر الأكبر الذي لا يمكن قبوله عندما يأتي مسؤول عربي ويفسر قلة الحالات في العالم العربي، بكثافة الحرارة والأشعة التي يمتصها الجسد العربي التي تحميه من عوارض الأمراض الفتاكة، وبالنظام الغذائي المبني على التمر والحليب وزيت الزيتون، والثوم، والتين. فهي أدوية طبيعية تمنح الجسد قوة غير موجودة في الجسد الغربي. طبعاً لا يحتاج الأمر إلى كبير تعليق عن درجة الجهل المستشري.

الفيروس أعاد العرب إلى حجمهم الحقيقي دولياً. فقد بدا كأنهم خارج مدارات العصر. لا شفافية لهم حتى في الأمراض التي تفتك بالآلاف يومياً ولا أحد يعرف عنهم شيئاً. في ظل غياب أية إجراءات وقائية أو احترازية. المصابون يعدون اليوم بالآلاف بسبب التجمعات الطبيعية كالمولات، والمساجد حيث تقام صلوات الجماعة والجمعة تحديداً، جيد أنها أغلقت أبوابها، للضرورة أحكام. على الرغم من ردود فعل الكثير بعض فقهاء التخلف الذين يرفضون الغلق بحجة أنها بيوت الله وبيت الله لا يغلقه البشر. ولو قرأوا قليلاً لعرفوا أن عمر بن الخطاب، أوقف أمراً شرعياً منصوصاً عليه في القرآن وهو حد قطع اليد في عام الرمادة بسبب المجاعة ومرض الطاعون. ألا يدفع هذا كله إلى التفكير ووضع رجل الدين في مكانه الطبيعي. الوحيد القادر على الإفتاء في مثل هذه الظروف هم الأطباء، ولا دخل أبداً لرجال الدين في عالم لا يعرفون تفاصيله. العالم يستدعي العقل لحل أكبر معضلة في القرن التي جعلت الحلم الأوروبي والعالمي ينهار كلياً. حلان يرتسمان اليوم في الأفق: تغيير النظم كلياً والتوجه نحو أنظمة جديدة، أو الاستمرار في نهب خيرات الأمم لرفع اقتصادات الدول المتقدمة المتضررة من الفيروس. هو بالضبط السؤال الذي سيحكم فترة ما بعد كورونا فيروس. وإذا كان الحل الثاني هو الأقرب إلى قوى استعمارية لا ذاكرة لها إلا النهب والاستعباد، تظل البشرية في جزئها الإنساني، الأكثر ضعفاً من حيث التأثير، تحلم بعالم آخر. يوتوبيا؟ نعم. وإلا سيكون العالم بلا يوتوبيات حقيقية؟

عالم يزداد قبحاً: خالد خليفة (روائي سوري)

لن يسألنا أحد عن رأينا في شكل الحياة التي نريدها، ولن يسألنا أحد، العالم يزداد قبحاً ويغيب الجمال كلما تقدم العلم، وليس صحيحاً بأن العالم يحتاج إلى كل هذه الكمبيوترات السريعة، وهذه الموبايلات في نسخها المتعددة كل سنة، ليس صحيحاً بأن سعادتنا كبشر تتطلب منا سيارة تسير بسرعة مئتي كيلو متر في الساعة، ماذا سنفعل في الوقت الذي وفرناه من كل هذه الأشياء؟ لاشيء.

الشركات والرأسماليات في مراحل تطورها الأخيرة حسمت الخيار باتجاه تخريب الحياة وإنتاج نسخ جديدة من مفاهيم السعادة والحق والجمال. أعتقد بأن هذه النسخ ستسود لكن الطبيعة لن تصمت، ستعبر عن ذاتها وتنتقم شر انتقام من كل متجاهلي قوانينها الأزلية.

 أشعر بأنني كل يوم أزداد عبودية وجهلاً وليس صحيحاً مايشاع بأننا أكثر علماً ومعرفة حتى بوجود الغوغل الذي يعرف كل شيء.

ثقافة السوق في مواجهة الإنسان: جريس سماوي (شاعر ووزير ثقافة أردني أسبق)

لعل هذه اللحظة التاريخية التي نمرّ بها تضعنا أمام سؤال يتعلق بمستقبل الإنسان ومستقبل الكوكب. فلقد عصفت بالعالم حوادث وتحديات جمّة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية التي شكلت ملامح العالم الجديد بصورته الحالية. ومرّ العالم منذ القنبلة النووية على هيروشيما وناغازاكي بأحداث أقتربت قليلاً أو كثيراً من نقطة الصفر على تقويم ساعة يوم القيامة الذي وضعه العلماء ليقيسوا من خلاله اقتراب العالم من نقطة الخطر أو ابتعاده عنها. أبتدأ التقويم عام  1947باقتراب العالم من نقطة الصفر أي الخطر بإحدى عشرة دقيقة ثم أصبحت عام  1953دقيقتين فقط لتصبح دقيقتين ونصف الدقيقة في يناير(كانون الثاني)2017.

لقد حدثت أخطار عديدة منذ انتهاء الحرب، وعوضاً عن أن يصبح العالم عالماً متصالحاً خالياً من الحروب والأوبئة والتلوث، تسابقت الدول الكبرى نحو التسلح وتقاسم مناطق النفوذ وتخلت الدول التي تقود العالم عن التزاماتها في معاهدات تختص بالحفاظ على المناخ ومنع التلوث وتفوّقت في تطوير الأسلحة والصواريخ والحروب وإثارة النزاعات والتدخل فيها ودعم الإرهاب واستثماره الى أن وصل ميزان العالم إلى اختلال أخلّ بدوران الكوكب وإيقاعه وحركته وإيقاع البشر على سطحه. الحضارة الإنسانية التي وصلت إلى أوجها في الوصول إلى الكواكب وتحليل الذرة من أجل سباق التسلح وتفوّق القوة تعجز الآن عن مجابهة فيروس لا يرى بالعين المجردة. وفي خضم صعود الليبرالية الجديدة في صورتها الاقتصادية المتوحشة وفتح العالم كله كمناطق نفوذ لها في ما يعرف بعولمة الاقتصاد وعبور رأس المال متخطياً حدود الدول عبر الشركات العابرة القارات، كان لا بد للعالم أن يعاني من تراجع برامج الأهتمام بالإنسان وبرامج تطوير الرعاية الصحية وحزم الأمان الاجتماعي والمحافظة على البيئة والمناخ أي الحفاظ على الإنسان.

هل يبقى العالم على هيئته نفسها بعد فيروس كورونا؟ لا أعتقد ذلك. سوف تتراجع العولمة لصالح الدول الوطنية وتتراجع الشركات العابرة القارات لصالح الاقتصاد الوطني في كل دولة وسوف تتغير كثير من السلوكيات التي عاشها العالم لأمد طويل. أتساءل هل سيبقى النقد الورقي مثلاً مهيمناً على سوق المال أم يستعاض عنه بالكامل بالنقد الافتراضي والدفع عن طريق الإنترنت؟ وهل سيسمح العالم لتغول الرأسمالية العالمية والليبرالية الجديدة التي عصفت بالعالم بالاستمرار بالسيطرة على مقدرات الدول الأقل حظاً في هذا العالم؟

لا بد أن يفكر العالم من جديد في إعادة إنتاج بعض المفاهيم الاشتراكية وتطبيقها وخصوصاً تلك التي تتعلق بالتأمينات الطبية والرعاية الصحية لأفراد المجتمع وحزم الأمان المجتمعي وضمان التقاعد والشيخوخة ومواجهة الكوارث البيئية والأوبئة إذ إن أنظمة الاقتصاد الرأسمالي تبقى عاجزة في هذا الإطار. لقد أقصت ثقافة السوق المتوحشة الثقافة الأصيلة للإنسان، ومال الناس إلى شبق التسوق والاستهلاك، وبات الاتجاه نحو الفنون والثقافة والشعر من الكماليات بعد أن كانت جزءاً أصيلاً من وجدان الناس في ما مضى، وتراجع دور المثقف المبدع بعد أن كان دوره قيادياً وأصيلاً في ما مضى.

أعتقد أن الثقافة ستعود لتأخذ موقعها الريادي في المجتمعات. لكن هل ستكون هذه الثقافة هي نفسها تلك الثقافة التقليدية التي عهدناها أم ننتظر ثقافة جديدة تعبر عن المرحلة وتكون بحجم ما هو متوقع من طموح إنساني؟ لا بد أن هذه الأزمة ستضعنا جميعاً أمام مسؤوليات جديدة في ما يتعلق ببرامج الرعاية الوطنية والتضامن الاجتماعي لكل دولة والدعم المتبادل بين الدول وتبادل الخبرات والخيرات أيضاً.

الآن يبحث العالم عن علاج لهذا الفيروس، ولا يهم من يكتشف هذه العلاج فالمسألة هي إنقاذ البشرية وهذا قياس سينسحب في المستقبل على مستقبل العلاقات بين الدول أي أننا أمام مرحلة لا بد من أن تقوم دول العالم بالبحث عن أسس ومواثيق جديدة لصيانة السلام العالمي والمحافظة على الكوكب وأخذ الأخطار المحدقة بالعالم على محمل الجد، وهذا مدعاة أيضاً إلى أن تبدأ شعوب العالم، ولعلها ستفعل، في أن تفكر جدياً وملياً عندما تذهب إلى صناديق الاقتراع لأنها من خلال ذلك ستنتخب من سوف يحميها ويحمي مستقبل أبنائها من خلال وضع القوانين والتشريعات والاتفاقيات العالمية التي تؤمّن لها العيش الآمن وتحافظ على السلم العالمي وليس من يؤجج فيها نزاعات الفكر القومي الشوفيني وبالتالي ما يحتاجه العالم في المرحلة القادمة هو الحفاظ على الكوكب وحمايته وإعادة النظر في هذا الصخب من أجل إتاحة مساحة للهدوء وإعادة انتظام إيقاع دوران الكوكب الذي نحب من أجل أن نبتعد عن ساعة الخطر في تقويم ساعة يوم القيامة.                              

لحظة فارقة: هالة البدري (روائية مصرية)

ربما تكون هذه اللحظة التي نمر بها الآن في العالم كله لحظة فارقة في عمر الإنسانية. حين أصبحنا فجأة نتشارك هذا الهم الذي لا يفرق بين دولة غنية ودولة فقيرة. ربما تكون بالنسبة إلي اكتشافاً لدرجة الاتصال الذي تجمعنى كفرد كإنسان بكل الأفراد على مستوى الخلية الواحدة التي نتشاركها منذ خرج سيدنا آدم من الجنة وزرع بذرته التي نتشاركها الآن في حواء، فقد وضعنا الموقف الحالي وجهاً لوجه أمام هذا الإدراك البسيط الذي نتجاهله كل يوم. والذي قد يكون قادراً على الكشف عن جوهر نبعنا الصافي كبشر لنا أصل واحد. متفائلة بقدرة الإنسان على المقاومة والبقاء والنجاة من الوحش الذي ربما نكون قد صنعناه بأيدينا حين حولنا حياتنا لمحض تجارة وقد ندرك الآن أن نجاتنا لن تكون أبداً نجاة للأغنياء وحدهم على حساب الفقراء الذين يخدمونهم. النجاة هنا تجبر الجميع على أن تكون جماعية أو لا نجاة على الإطلاق.

التقدم العلمي ضرورة قصوى والعلم هو السبيل الوحيد للنجاة، المتعلم عرف على الفور كيف يطبق التعليمات لكن غير المتعلم غسل يديه ثم ذهب لصلاة الجماعة التي ستنقل ببساطة الفيروس للمصلين وأسرهم كلهم بلا استثناء. نحن في معركة مع الطبيعة التي تحاول الانتصار بكل أدواتها وهذا لا يتعارض مع الإيمان بأي حال من الأحوال لأن ناموس الحياة جبل على الهدم والبناء، الحياة والموت. ثقتي في جوهر الإنسان هي التي تدعوني للتفاؤل، نحن محظوظون لأننا في زمن يسهل فيه تبادل المعلومات. كانت قرى بكاملها تحرق بأهلها حين دخلها الطاعون. وقفة لنتعلم كيف ننجو جماعة.

سوف ينتهي التاريخ: عبده خال (روائي سعودي)

هكذا استشعر، والانتهاء الذي قصدته هنا، انتهاء الأحادية، ليس هناك واحد إلا الله، وسنته قائمة على التعددية، سوف تنتهي أحادية القوى المسيرة لشؤون العالم…

حتماً سيعبر فيروس الكورونا ومع عبوره سيحدث تجدد في كل شيء، وأهم أنواع التجدد أن لا تكون أميركا هي رأس العالم، ستنبت رؤوس عدة، فكما ولدت – أميركا- من رماد الحرب العالمية الثانية سوف يتوالد من رحم فيروس كورونا رؤوس عديدة ليس هذا على المستوى السياسي فقط، بل ستشمل التغيرات العديد من حقول الحياة التي كنا نعيش في داخلها، وربما تكون العولمة أحد تلك الضحايا إذ ثمة مناداة صارخة تطالب بعودة القومية وسوف تنكفئ دول أوروبا – تحديداً- على ذاتها مع إغلاق حدودها وفتحها بتأشيرة مستقلة، لتؤمن على نفسها من انتقال الأوبئة وكذلك النازحين والارهابيين.

وإذا كانت زيارة الفيروس ستكون ثقيلة، ومكث شهوراً إضافية، فالعالم سوف ينشغل بتوسيع المقابر من خلال استقطاع الأراضي وتحفيز صانعي التوابيت على سرعة وكثافة الإنتاج .

هذه ليست مزحة !

فهذا الفيروس أدخل العالم إلى نفق ضيق مظلم، وطالبه بأن يفتح عينيه ! نعم وصل التقدم الحضاري والتقني إلى مراحل متقدمة كنتاج للصوصية وسرقة الثروات، وحياكة المؤمرات، وتصنيع الأسلحة لقتل الإنسان لأخيه الإنسان، حضارة أنانية قائمة على مقدرة التوثب للقهر والاستعباد، كانت الديمقراطية أملاً، فإذا بالدول المتحضرة تكشف عن وجهها، لم يكن الأخضر إلا استعادة الماضي القريب، تحضّر أرضيته الإقطاعيين، فقد تنبهوا أن الزمن لم يبتعد كثيراً، فجل الدول الخاضعة لجبروت المتحضرين لم يكونوا إلا عمال تراحيل ليس لهم إلا بذل الجهد طوال اليوم مقابل (خبزة) تسد الرمق… وفي هذه الإقطاعيات كانت سياسة فرق تسد هي الحاضرة، فانتشرت الحروب وتقاطر النازحون واللاجئون والفقراء… ودمرت الدول وسرقت خيراتها، وتبجحت الحضارة بالإنسانية وهي أبعد ماتكون علية تلك الراية البيضاء.

هل فيروس كورونا نتاج دعاء أممي… من قبل الدول المستضعفة في الأرض؟

لا أريد تبسيط الأمر بهذه الصورة الغيبية وإنما أردت الوصول إلى فكرة السيطرة أو البحث في أن تكون الرأس الوحيدة التي تدبر شؤون العالم… وفي هذا السياق لا استبعد أن يكون الفيروس ولد من رحم حلم السيطرة الدائمة، فالفيروس مخلق – كما يقال- من أجل القضاء على من أراد رفع رأسه أمام الرأس الكبيرة… بهذا هل كنا نعيش في حياة العصابات… والفتوة؟

أشعر بأنني سأمضي بعيداً عن الإجابة عن سؤال، ما الذي سيكون عليه العالم بعد كورونا، حقاً في مخيلتي عشرات السيناريوهات التي يمكن لها أن تطبق في واقع سيكون هو قائداً لكل دولة بعيداً عن زمن الفتوة والذي أرجوه أن لا نعود إلى زمن الإقطاعيين الجدد .

سوف أوفر أفكار تلك السيناريوهات لأسئلة الأصدقاء الذين يزوروني بطلب أن أكتب عما أتوقع، فيكفي هذا الاستطلاع الذي تجريه – ياصديقي- أن أقول سوف ينتهي زمن الأحادية وإن بقي فهذا يعني أن ذعر فيروس كورونا لم يكن إلا هوجة إعلامية أو رسائل سياسية مخلّقة صنعتها القوى الكبرى المتصارعة لقيادة العالم .

القرية الصغيرة والمصح الكبير: أحمد علي الزين (روائي وإعلامي لبناني)

العولمة حولت العالم إلى قرية صغيرة وجعلته على قطعة معدنية أيضاً صغيرة تحملها في جيبك، وتتباهى في القول “العالم في جيبي”، اليوم أصبح هذا العالم بقاراته الخمس مصحاً كبيراً، بسبب الخفة التي تعاطت بها الدول مع الكوارث المحتملة، والتي هي سبب أساس في حدوثها لما اقترفته من جرائم بحق هذا البيت الكبير الذي هو الأرض… فكل عظمة هذا الدول المتنافسة على نهب ثروات الأرض، بدت هشة. أمام عدو غامض وفتاك ويتنقل بحرية كاملة بين الدول والقارات يخطف الأرواح، ويثير الهلع، كأننا أمام نهاية العالم .

آمل في أن ينتبه الكبار لهشاشتهم، وهشاشة أسلحتهم الفتاكة التي قد تصدأ أمام جرثومة غامضة.

تنفق بعض الدول ما يقارب 70 في المئة من ميزانياتها على الحروب وعلى أدوات الحروب، ونتائجها الكارثية. بحيث تتحول إلى صناعة كاملة بدءاً من طلقة الرصاص وصولاً إلى السلك الكهربائي في إعادة البناء، وغالباً شركات التدمير تقوم بمهام إعادة البناء!

في القرن الماضي قتلت هذه الدول في حربين كبريين عالميتين وحروب صغيرة ما يقارب أربعمئة مليون، وفتكت الأوبئة برقم مماثل، وقتلت ما يقارب المئة مليون في اختبارات الحروب المتنقلة في العالم خلال سنوات قليلة مضت وتواصل حروبها بزخم، وتختبر طيرانها وأسلحتها الفتاكة من العراق إلى سوريا إلى فلسطين إلى ليبيا، إلى هنا وهناك، في الوقت الذي تجتاح الكوكب جرثومة قاتلة، وباء آخر، لا يفرق بين دولة عظيمة وأخرى أقل عظمة، بين مدينة نيويورك وآخر قرية منسية في الكوكب، بين جادة الشانزليزيه الباريسية وبين شارع سوريا في باب التبانة الأكثر فقراً في طرابلس لبنان، بين جائع وبين مسرف يحرق ثروته في لاس فيغاس. بين نظام مستبد وآخر ديمقراطي، بين عدوين أو صديقين بين حبيبين أو متخاصمين بين مؤمن بالمهدي ومؤمن بالمسيح المخلص، بين مؤمن بالمادية التاريخية ومقتنع بالعدم .

هذه الدول التي تنفق آلاف المليارات على حروبها وعلى تصنيع أدوات القتل وشرائها وتتسابق في التسلح النووي والجرثومي وتتباهى في عروضها العسكرية في أعيادها الوطنية، لم تجد مستشفياتها الآن قناع تنفس ينقذ حياة الملايين المهددين بالموت كما يحدث في إيطاليا التي أصبح جسمها الطبي يقوم بدور الطبيعة البكر في الانتقاء بعد أن فاق عدد المصابين الذين بحاجة لأجهزة تنفس عدد هذه الأجهزة، والمفارقة العجيبة أن الصين التي انطلق منها هذا الوباء كانت الوحيدة التي لبت نداء إيطاليا، ووصلت طائرتها الأولى محملة بالعتاد الطبي والكوادر، أما البقية وأعظمها شأناً تسابق الوباء في استحداث مشاف ومعدات وكوادر طبية من دون الالتفات إلى عبثية حروبها المستدامة وطرح سؤال وجودي، من نحن وماذا نفعل ولماذا نواصل القتل منذ آلاف السنين وإلى أين نمضي!

في الجهة الأخرى تنفق أموال طائلة على بناء دور العبادة؟ وهذا شأن لا نجادل فيه وليس اعتراضاً بل سؤال.

جائحة أحرجت التقدم العلمي: عبد الله العليان (كاتب عماني)

لا شك أن هذا الفيروس الصغير الحجم، الذي لا يُرى بالعين المجردة (كورونا)، أذهل العالم بقدرته على التحدي والصمود والانتشار الكبير، أمام مواجهة الحرب المضادة لهزيمته، أو وقفه، وفي كل قارات العالم، كما أنه أحرج القدرات العلمية والبحثية المعاصرة، التي كانت تدعي أنها استطاعت أن تقدم للإنسانية، الكثير مما لم تخطر على بال الإنسان علمياً من قدرات الطب على مواجهة  الأمراض، أو وسائل الوقاية العلمية، وأن عصر العلم ـ كما يدعون ـ والتقدم التكنولوجي، لم يعد يقف شيء أمامه من حيث التصدي له بسبب البحوث الكبيرة التي اطلع بها العلم الحديث، من حيث التطورات المذهلة التي كانت تتباهى أنها حققت انفجار العلوم في كل المجالات، لكن كل هذه الأقوال والوسائل، أصبحت في المحك الحقيقي، بعد عجزها وفشلها، أمام هذا الفيروس المخيف أقرب إلى الشبح الذي كنا نسمع عنه، من جداتنا، عن الأشباح المخيفة التي تجتاح العالم، أو كما ما تورده أفلام الخيال العلمي في عصرنا الراهن، فهذا الفيروس أستطاع أن يغزو الكون كله دون أن تقف أمامه علوم أو تكنولوجيا، يصل للتحدي، مما جعل شوارع روما، وباريس، ولندن، ونيويورك، وبكين، والكثير من المدن في العالم خالية، ويحصد عشرات الآلاف إما القضاء عليهم، أو مرضى، أو تم الحجر عليهم، بسبب الاشتباه بمرضهم، إضافة إلى مئات الملايين في دول العالم، تم إبلاغهم بالجلوس في بيوتهم، إلى أن تنتهي هذه الجائحة الخطيرة، التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ!

ولهذا أصبح الكلام عن التقدم العلمي الكبير، الذي لا يقف أمامه أي عائق، مجرد رأي، أو أصبح كلاماً بلا دليل، بعد عجزه، وفشله، وسقوطه أمام فيروس. قال عنه بعض علماء طب إنه ليس بهذه القدرات المذهلة التي يحملها وهذا هو الأمر الغريب في تحدي مقاومته من دول العالم، وهو كذلك التحدي الجديد المقبل. فالحضارة الإنسانية، أصابها غرور القوة، وجنون تقدم الوسائل التكنولوجية، لكن ما فعله هذا الفيروس، يجعل المراجعة والاعتراف بضحالة الإمكانيات، التي يعتقدون بأنها وصلت إلى مستويات الإعجاز في المخترعات وتقدم علوم الطب.

أما ما يقوله البعض عن هذا أن الفيروس مؤامرة من الصين ضد الولايات المتحدة أو العكس من الولايات المتحدة ضد الصين، فهذا هروب من الاعتراف بفشلهم أمام تحدي فيروس كورونا. فالأمراض الوبائية، تمر بين عدة عقود وأخرى، أو أحياناً بين قرون وأخرى، ولذلك يتم تسميتها بأسماء تقترب من الحالة المرضية التي ظهرت فيها، وربما في القرون الماضية، ونتيجة عدم التواصل البشري بين الشعوب قديماً، فإن هذه الإمراض، بقيت محدودة في البيئة التي انتشر فيها هذا الوباء، أو بحكم التواصل بين الشعوب المتجاورة فينتشر… وكما سمعنا من بعض كبار السن، قبل أربعة عقود، عن ظهور مرض (الطاعون) في الجزيرة العربية، وحصد آلاف من الوفيات، وربما أكثر بحسب بعض التقديرات التي تم الحديث عنها، في ظل غياب العلاج الكافي لمثل هذه الأمراض التي تظهر. والإشكالية الغريبة في ما صدر من بعض الجهات والمؤسسات، عن هذا الوباء الخطير(كورونا) فاق كل التصورات والتوقعات، أمام العلوم الحديثة.

فهناك فروق كبيرة بين وباء الطاعون ووباء كورونا، أما مما قيل ويقال عن هذا الفيروس الوبائي، كبعض الاستنتاجات والفرضيات أنها تتحدث عن مخططات ومؤامرات كانت سبباً لهذا المرض، وأن الخلافات السياسية، أو الصراعات الاقتصادية بين الدول الكبرى، تم إسقاطها على هذا الوباء، في ظل هذه الصراعات القائمة، وكتصوير الأمر كمؤامرة لا تقبل الجدل من هذه الدولة على تلك، أوكأن هذا الوباء من صنع البشر، ومن مخططاتهم، وليس مرضاً وبائياً مثل الكثير من الأمراض الطبيعية! وهذا للأسف كلام لا يعطي دليلاً أميناً لهذا الوباء، الذي يعتبر واحداً من الأوبئة التي مرت على البشرية ـ كما أشرنا ـ منذ فجر التاريخ، فالعقل لا يقبل مثل الكلام الخرافي أو الأوهام ـ إن توخوا أو توهموا الصدق لمثل هذه الأقوال ـ فالولايات المتحدة، عن لسان بعض السياسيين، اتهمت الصين، بالسعي للإضرار بمصالحها الاقتصادية، وربما يكون هذا الوباء إحداهما، مع تبادل التهم بينهما، والصين من جانبها اتهمت الولايات المتحدة بنشر هذا الوباء في الصين، من خلال الجنود الأميركيين المقيمين في القاعدة العسكرية الأميركية، ودول أخرى، أيضاً اتهمت دولاً بعينها بنشر هذا الوباء، وهذه كنتيجة من نتائج الخلافات السياسية، فالمسألة تحولت إلى كلام خارج الوعي والعقل، في تقييم هذا المرض الوبائي، وكأن الحروب الباردة عادت من جديد، وبرز الإعلام كسلاح مساند وفق التوجهات الأيديولوجية، لكل طرف من الأطراف.

ما  أود طرحه، أن الحضارة العالمية في موقف عصيب، فهذا الفيروس قلب الطاولة على الحضارة الحديثة، ذلك أن فشلها أمام هذا الوباء، يجعلها تحديات كبيرة وخطيرة، قد لا تخطر على بال، إذا ما كانت القدرات العلمية عاجزة عن مواجهة التحدي الخطير من كورونا!

عجز الاستيعاب: قاسم حداد (شاعر بحريني)

لستُ قادراً. على استيعاب ما يحدث. لكأن آلهة تعبث ببشر أمضوا أعمارهم يعبدون.

كلامنا عن التخلف والتقدم يبقى في حدود العجز. لكي ننظر الآن إلى خريف العالم.

ينهار كل شيء ويصير سديماً. لعل خلقاً يبدأ بلا آلهة ولا أديان ولا مذاهب.

الآن، على من يؤمن بالغيب ألا يغيب.

ليست لحظة تاريخية، إنها كونية، لكي نرى فضيحة الذي يذهب إلى الكواكب، مخلفاً العطب في هذه الأرض.

لم أعد راغباً في ازدياد.

أمام أسئلة جوهرية: بشير مفتي (روائي جزائري)

يجب الاعتراف أن المخاوف والشكوك في مسألة التقدم العلمي والتكنولوجي ليست بالجديدة، فالعديد من الكتاب والمفكرين وحتى السياسيين ذوي التوجه اليساري بالخصوص ظلوا باستمرار يطرحون أسئلة على مزاعم التقدم العلمي وقدرته على حل مشكلات البشرية ونقلنا إلى “عالم جديد أفضل”  بحسب عنوان رواية لألدوس هكسلي، لكن الهيمنة والغلبة ظلت للخطابات المتفائلة، والتي كانت تتوافق مصالحها مع المصالح الرأسمالية التي بلغت كما نبه إلى ذلك عديد من الفلاسفة أوجها في السنوات الأخيرة، وصارت منفصلة عن البعد الإنساني والتضامن والشراكة، فالرأسمالية المتوحشة هي صورة من الأنانية التي لا تقبل المشاركة، ولا تهتم بضحاياها ولا بمن يموتون في سبيل هيمنتها على العالم حتى لو كان عدد الضحايا هو الأكبر وعدد الذين تقصيهم من منافعها ومباهجها هو الجزء الأكبر من البشرية.

وضع فيروس كورونا كوفيد 19 البشرية جمعاء أمام أسئلة مفصلية وجوهرية. لقد استطاع الفيروس الانتشار بفضل سياسة العولمة، التي جعلت العالم قرية صغيرة يمكن التنقل فيها بسرعة مدهشة وبصورة يومية، ولهذا استطاع الوباء الانتشار في كافة مناطق العالم بنفس سرعة تنقل البضائع والبشر، التي تعتبرها العولمة من ميزاتها المشرقة، بينما كان الوباء في السابق ينتشر في منطقة محددة ثم يموت فيها لغياب وسائل النقل التي تحد من انتشاره. لقد كشف أيضاً هشاشة الأنظمة الصحية حتى في الدول الحداثية المتقدمة، بينما لا نستطيع أن نتحدث في دولنا عن وجود أنظمة صحية من الأساس، ولقد كان الاعتقاد السائد في الغرب، أو عند الشعوب الغربية، أنهم يعيشون في دول تستطيع حمايتهم من أي داء أو وباء يمكن أن يعترض طريقهم أو يهدد حياتهم.

لقد أعاد كورونا إلى الواجهة فكرة المصير البشري المشترك، على الرغم من التمايزات والصراعات بين القوى العظمى وهزال الدول المتخلفة، إلا أن فكرة وجود عدو مشترك يعني في النهاية أن البشرية كلها تعيش نفس التهديد وتسعى إلى حل ينقذ الجميع.

منذ فرض الحجر الصحي ولو بشكل نسبي في الجزائر، حيث كما في بقية الدول لم يؤخذ التهديد بشكل جدي في البداية، وكأن هنالك تعويذة تجعل الفيروس يتوقف في بلدان من دون أخرى. ثم سرعان ما تبين الخطر من خلال ظهور الحالات والوفيات من جراء الإصابة به، لقد شعرت فجأة بالقلق والخوف، القلق بشكل خاص لأن بلدي غير مهيأ أصلاً لمثل هذه الكوارث، ومنظومته الصحية غير مستعدة لمقاومة وباء من هذا النوع، والخوف من أن نفقد في مثل هذه الكوارث ناساً نحبهم، ولقد أصبت بنوع من الوسواس القاهر، وانتقلت من حالة السخرية من الوباء – كنوع من المقاومة والدفاع بالضحك- إلى هذا الإحساس المخيف بأن الكارثة ستحل وستكون لها نتائج وخيمة، مع تمنيات أن لا يحدث شيء من هذا القبيل، ويتم اختراع لقاح سريع يشفي المرضى من هذا العدو المخيف.

لقد وضعت لنفسي برنامجاً لقراءة بعض الأعمال الروائية الكبيرة الحجم مثل رواية بولانيو “2966” أو بول أوستر “1234”  أو “متحف البراءة” لباموك، ولكن أغلب الظن لن أقرأ إلا القليل، أما الكتابة فهي تحتاج إلى عزلة اختيارية وليس إلى عزلة مفروضة، واضطرارية، فهذه العزلة تجعلك تشعر بالسجن وليس بالحرية، هي عزلة تفرض عليك إيقاع حياة مرتبك، قلق، متوجس، ففي كل لحظة تجد نفسك تطل على شاشة التلفزيون أو النت لتشاهد ما يستجد من الأخبار، تريد أن تعرف التطورات وماذا يحدث بالضبط…الخ

ولا أدري لماذا أصبت بنزلة برد في هذا الوقت بالذات، على الرغم من أن الصيدلي طمأنني على أن الفيروسات الأخرى مستمرة ولا يوجد فقط كورونا، وهذا جعلني أقبع في البيت، أنتظر انتهاء الوباء لتنفس هواء حياة جديدة.

سباق الموت والثروة: أحمد شهاوي (شاعر مصري)

بالنسبة لي كانت سنتا 2019 و2020 هُما الأسوأ في حياتي، فأنا عشتُ سنة 19 وقد أصابتني جائحةٌ لم أتوقعها أبداً، هي لي بَلِيَّةٌ وتَهْلُكَةٌ ودَاهِيَةٌ، حاولتُ كتابتها في كتابي الشعري “ما أنا فيه”، وما زلتُ أواصلُ كتابتها، ولا أدري هل ستتواصلُ معي هذه الجائحة وتستمر عاماً آخر أو أعواماً، المؤكَّد أنني لا أعرفُ لها مدى  أما سنة 2020 التي استبشرتُ خيراً بإيقاعها المُغري، وأنا أنطقها، وكذا بجمالها الآسر، وهي مكتوبةٌ على الورقة أمامي، فهي سنةٌ جائحةٌ أي جَدْبة وغبراء وقاحلة، وتنذر بالفقر والفاقة، وربما الجُوع والحرمان، الحرمان من كل شيء، وفي المقدمة الحرمان من حرية التنقُّل والسفر والعيش، وأنا رجلٌ جوابُ آفاقٍ، ودوماً ما تحملني الريحُ، كأنَّني حِصانٌ قلق. ومثلي لمْ يعْرِفْ سَنَةً جَائِحَةً مِثْلَ هَذِهِ السَّنَةِ، فلم أعش النكبات والاجتياحات، لكنَّني عشتُ هزيمة 67، والاجتياح الإسرائيلي لبيروت في 1982 ميلادية، وضياع ما تبقَّى من فلسطين في مؤامراتٍ متتاليةٍ عربية وغربية، واحتلال العراق للكويت في الثاني من أغسطس (آب) 1990 ميلادية، واجتياح الإخوان وحُكمهم مصرَ في أكثر التجارب سوءاً، وما زالت شجرتي تُسقَى بماء الاستبداد. أعرفُ أنها تجربةٌ قاسيةٌ وصعبةٌ أن لا تكلِّم أحداً، وأن تظلَّ رهينَ البيت، ذلك البيت الذي أحبُّه وأتمنى أن لا أبارحه، وأنا أساساً “رجل بيت”، لكن لا بد من ملامسة يد الحرية خارجه، والاستمتاع بمفاتن الدنيا التي تحبها، والذهاب إلى المكتبات، وشراء الصحف الورقية “التي صرتُ أرشُّها؛ كي لا تكون حاملةً لأي فيروس، حتى تتبللَ ولا تعودَ صالحة للقراءة”، صرتُ أشكُّ في الحارس والبقال، ومن يغسل سيارتي، أحمل معي معقماً لأرشَّ المفاتيح ومقابض الأبواب والمصاعد، وألغيتُ مواعيد لي مع الأطباء، ومن الأصل لديَّ هوس بغسل اليدين فزاد هوسي هوساً، فلم أعد أخرج، وطلبت إجازةً من عملي في الأهرام؛ كي لا ألتقي صديقاً أحبه، وسأضطر إلى مصافحته أو معانقته، وهناك بالطبع من سيلمس سيارتي أو ملابسي غير مُتعمِّد، كأنها القيامة “يَومَ يَفرّ المَرء من أَخيه وَأمّه وَأَبيه وَصَاحبَته وَبَنيه لكلّ امرئ منهم يَومَئذ شَأنٌ يغنيه” (سورة عبس:34-37). الأسوأ أنني صرتُ أشكُّ في نفسي، كلما جفَّ حلقي، أو داهمني صداعٌ، أو ارتفعت درجة حرارتي، قلت إن الفيروس حلَّ داخلي، فلقد نفد البرتقال من دكان البقال بسببي، وكذا الكحول والمُعقِّمات من الصيدلية بسببي، الوضع كارثيٌّ لشاعرٍ مثلي يعيش بالخيال، ودوماً ما يرى الموت يطرق الأبواب، وأنا لستُ من “الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ”. فمثلي يحبُّ ألا يموتَ هكذا بسبب فيروس جائحٍ لا يستطيعُ أن يراه أحدٌ، ظهر فجأةً بسبب أطماع البشر، وتجار السياسة، والأوغاد ممن يتسلون بإفناء نفوس الأبرياء. ولا شك أنني انشغلتُ بما تركه لنا الأسلافُ من كتبٍ كثيرةٍ عن الأوبئة صارت من التراث، لكن ما زال فيها ما يصلح أن يتبع كعلاج ناجع، كتب لابن أبي الدنيا، وتاج الدين السبكي، والتلمساني، وأبي المظفر السرمري، والزركشي الشافعي وابن حجر العسقلاني، وجلال الدين السيوطي، وزين الدين القادري، والأنطاكي الحنفي، وابن المبرد، وسواهم من الفقهاء والعلماء الذين انشغلوا بأدب الأوبئة أو بدفع الوباء والطاعون وكشفه والاحتراز من شروره وجواز الفرار منه. وإذا كانت الجائحة (في اصطلاح الفقهاء): ما أَذهب الثمرَ أَو بعضَه من آفةٍ سماوية، فإن هذه الآفة من فعل البشر، خصوصا أصحاب الرؤوس الكبيرة، التي تتناطح في سباق الموت والثروة، ومثلي وغيري ضحايا لها.

عادات حياة جديدة: سمير درويش (شاعر مصري)

في البداية كنت أتصور أن الحياة ستسير بشكل عادي، وأن كورونا ستكون مادة إعلامية نتابعها عن بعد، كما كنا نفعل مع أنفلونزا الطيور والخنازير. لم أكن أتصور أنه يمكن أن أعطس في كم الجاكيت وأتجنب لمس الأشياء من حولي، مثل المقبض الذي يتدلى فوق الرؤوس في مترو الأنفاق، أو العمود المعدني الذي أستند إليه عادة، لكن الأخبار المتواترة جعلتني أتعود على فعل هذه الأشياء وأكثر منها، فكلما ذهبت إلى المرحاض لأغسل يدي بعد الأكل، أتذكر -تلقائياً- أنه يجب أن أستمر في دعك كفيَّ لمدة 20 ثانية! ولا أخفيك أنني أقرأ بانتظام كل الرسائل، وأستمع إلى كل الفيديوهات، التي تصلني على الخاص من أصدقاء صفحتي، لشرح طرق الوقاية من الفيروس… فـ(العمر مش بعزقة) كما نقول في مصر! أنا أعيش في شبه عزلة قبل كورونا؛ كان يمكن كسرها في أي لحظة بحسب المستجدات، لكن بعد كورونا أصبحت أعيش في عزلة إجبارية، توقفت عن ممارسة رياضة المشي اليومية، وأصبحت لا أخرج إلا لقضاء أمور ملحة، مثل شراء الأشياء الضرورية من سوبرماركت قريب من بيتي، كما أن هاجس الإصابة يتلبسني باستمرار، فأصبح السعال العادي، أو العطس، يقلقني، على الرغم من أنني مريض جيوب أنفية تاريخي، وهذه الأشياء اعتيادية بالنسبة لي، صحيح أنني لا أردُّ يداً تمتد لمصافحتي، وأقول لنفسي إن العمر واحد والرب واحد، لكنني أتمنى -في سري- لو لم يمد أحد يده للمصافحة، وعلى كل حال أصبحت أتجنب هذا مع أصدقائي، هم يضحكون ويسخرون من إحجامي عن المصافحة، لكنني أرى أن ذلك أصوب لي ولهم. لم أر مريضاً بالكورونا، لكنني أتابع أخبارها من شبكة الإنترنت، وأصاب بالفزع من الأعداد التي تذاع عن حالات الإصابة والوفاة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا خاصة، لكن صديقة مقربة أخطرتني -اليوم- أن قريباً لها احتجز بالمستشفى لاشتباه إصابته بالكورونا، إنها تقترب إذن! صحيح أن صديقتي أخبرتني أنها لم تخالط المريض ولا أي فرد من أسرته، لكن الشبح يقترب! حجزت تذكرة للسفر خارج مصر، فتوقفت رحلات الطيران بعدها بيومين، لا أعرف ما الذي سيحدث، أنا أترقب مثل كثيرين، صحيح أن إجراءات الحكومة هنا متأخرة بعض الشيء، لكنها تمضي في الاتجاه الصحيح، شكلياً هذا مطمئن، لكن المقلق أن مستوى النظافة في شوارع مصر متدنٍّ، مما يجعلها ساحة مناسبة لانتشار الأوبئة، لكن الأمور تحت السيطرة حتى الآن، وأتمنى أن تستمر حتى ينتهي هذا الكابوس على خير.

اندبندنت عربي

————————–

الشمال السوري في مواجهة كورونا – نظام الأسد/ حسن النيفي

مع الانتشار السريع لجائحة كورونا (كوفيد 19)، ووقوف معظم حكومات العالم عاجزة عن إيجاد السبل والوسائل التي يمكن من خلالها تحاشي التداعيات الإنسانية والاقتصادية لتمدّد هذا الوباء، ترتفع أصوات عديدة من هنا وهناك، مناشدة بتوحيد الجهود الدولية لمواجهة هذا الموت الزاحف نحو التهام البشرية بطريقة تكاد أن تكون هي الأقوى فدحاً بعد الكارثة الوبائية التي اجتاحت إسبانيا عام 1918، وفي هذا السياق ذاته تأتي الدعوة التي أطلقها المبعوث الدولي الخاص إلى سورية السيد (غير بيدرسون) يوم الثلاثاء في الرابع عشر من الشهر الجاري، مناشداً جميع الأطراف المتصارعة في سورية إلى وقف القتال فوراً، وإيلاء الأهمية لمواجهة الخطر الذي يحمله انتشار فيروس كورونا.

وعلى الرغم من أهمية دعوة بيدرسون، فإن الفحوى المأمول منها يبقى مقترناً بمدى فاعليتها على مستوى الواقع، أو من خلال معايير استجابة الأطراف المتصارعة لتلك الدعوة، ولعل هذا ما دفع الكثيرين للاعتقاد بأن دعوة بيدرسون تأتي في سياق شعوره بواجبه الوظيفي الذي يملي عليه ذلك، طالما اكتست دعوته صيغة التعميم، كما في دعواته المماثلة السابقة التي كانت تنطلق على إثر كل فاجعة تلمّ بالسوريين.

هشاشة ثقة السوريين بدعوة بيدرسون، وبقية الدعوات الأخرى التي تصدر عن الكيانات العالمية، غالباً ما تكون مشفوعة بتجارب سابقة رسّختْ مقداراً كبيراً من خيبة الأمل بقدرة ونجاعة الدور الموهوم للمؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، التي غالباً ما وقفت عاجزة، بل مخذولة أمام (زعران العالم وبلطجيته)، فها هو بوتين يعطّل (14 مرة) قرارات  صادرة عن الأمم المتحدة، كان من شأنها لو وجدت طريقها إلى التنفيذ، أن تضع حدّا لمأساة السوريين، أضف إلى ذلك أن ثمة قناعة لدى معظم السوريين باتت تتعزّز يوماً بعد يوم، بضمورٍ شبه كلّي للضمير العالمي المنبثق من المعين القيمي للإنسانية، بمقابل تسيّد كامل لمنطق المصالح والهيمنة وتقاسم النفوذ.

ليست نزعةً تشاؤميةً – إذاً – أنتجتها سنوات متتالية من المعاناة، بل هي وقائع يعيش السوريون مفرداتها بكل قسوة ومرارة، فمنذ نهاية تشرين الثاني 2019 حتى بداية شهر آذار 2020، نزح مليون مواطن سوري من إدلب وشمال حماة وغربي حلب، بفعل آلة القتل والدمار الروسية الأسدية الإيرانية، وأمضوا أشهُر الشتاء القاسية في العراء يبحثون عن خيمة تقيهم الموت من البرد، ومعظمهم يعيشون الآن في مخيمات عشوائية لا تتوافر فيها أدنى مقوّمات الحياة، فهؤلاء – بالتأكيد – ليسوا معنيين بدعوة السيد بيدرسون، كما أنهم ليسوا معنيين أيضاً بضرورة تقديم الدعم اللازم لهم من أجل الوقاية من تمدّد فيروس كورونا، ولو كان السيد بيدرسن يعنيهم بذلك لدعا قبل كل شيء إلى حقهم في العودة إلى بيوتهم، ذلك أن سبل الوقاية داخل المخيمات تكاد تكون مستحيلة، في ظل انعدام أبسط الخدمات، إذ كيف يمكن لأحدهم أن يغسل يديه أو يستحم وهو لا يجد ماء صالحاً للشرب، وكيف له أن يتحاشى الاكتظاظ البشري وفي الخيمة الواحدة تأوي أكثر من عائلة، فضلاً عن ندرة الغذاء والدواء ووسائل النظافة الأخرى.

أمّا دعوة بيدرسون للإفراج الفوري عن المعتقلين السوريين في السجون، والكشف عن مصير المغيبين، لدواعٍ إنسانية، بغية تحاشي تسلل فيروس كورونا إلى زنازينهم، فقد استبقها بشار الأسد بإصدار مرسوم عفو عام، شمل عدداً من الجرائم القضائية، إلّا أنه كان حريصاً – كما هو مُتوَقعٌ – على ألّا يشمل هذا العفو المعتقلين الذين سُجنوا بسبب مناهضتهم لبطشه وإرهابه، علماً أن ما يلاقيه المعتقلون في السجون من شقاء يومي، يفوق بكثير المخاوف التي يشعر بها الناس حيال كورونا.

في موازاة الدعوة الأممية لوقف كل أشكال الحرب، وعلى وجه الخصوص، الحرب في سورية، تشير معظم المعطيات على الأرض، إلى أن خوف العالم من استمرار كارثة كورونا لن يعفي السوريين من مواجهة خطر استمرار الحرب التي تستنزف دماءهم طيلة سنوات مضت، إذ أوضحت موسكو في العشرين من الشهر الحالي، أنها ليست معنية بأية مسؤولية حيال السوريين من خطر كورونا، وأن مواجهة هذا الوباء هي مسؤولية عالمية، علماً أن روسيا كانت معنيّة على الدوام بقتل السوريين وتهجيرهم، ما يوحي بأن احتمال انتشار كورونا في سورية لن يغيّر في استراتيجية الروس الحربية على الأرض السورية، ولعلّ هذا ما دفع قوات الأسد إلى الاستمرار في عملية القضم المستمر للبلدات والقرى في جنوب إدلب، وكان آخرها خلال الشهر الجاري، اقتحام قريتي (البريج – معرة موخص)، فضلاً عن الاستهداف المدفعي المستمر لبلدات وقرى جبل الزاوية وريف حلب الغربي.

وموازاةً مع استمرار الحشود التركية في إدلب، وإقامة نقاط مراقبة جديدة، تقوم قوات النظام باستجلاب ميليشيات طائفية بأعداد كبيرة، معظمها من فصائل (العباس – الرضوان)، لتنتشر في بلدة (العيس) في ريف حلب الجنوبي، وعلى مقربة من طريق حلب اللاذقية، كما يقوم قسم من الميليشيات المذكورة بالانتشار في ريف سراقب.

اللافت للانتباه أن تدفق الميليشيات الطائفية المذكورة إلى خطوط التماس ،جاء بعد الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الروسي (سيرغي شويغو) إلى دمشق، يوم الإثنين 13 آذار الجاري، ولقائه برأس النظام، تلك الزيارة التي جعلت البعض يعتقد أنها ربما حملت رغبة روسية ضاغطة على النظام للحفاظ على الهدنة، في حين تؤكد معطيات ميدانية أخرى، أن زيارة شويغو إلى دمشق إنما تبارك زج ميليشيات إيرانية على الجبهات، بسبب احتمال مواجهة مقبلة مع القوات التركية والفصائل المقاتلة التي تنسق مع أنقرة، لأن بوتين ما يزال مصرّاً على اجتياح إدلب، وكامل ريفي حماة وإدلب، وهو في هذا المسعى، آثر الاستعانة بتلك الميليشيات لسببين، أولهما إشراك إيران من جديد، واسترضاؤها بحضور ميداني، بعد أن تم تقليص دورها في الفترة الأخيرة، وخاصة أثناء قمة (بوتين أردوغان) في الخامس من الشهر الجاري، وثانيهما عدم ثقة بوتين بقدرات جيش النظام على مواجهة محتملة قد تحصل من جديد مع القوات التركية والفصائل المتحالفة معها، فهل سيكون السوريون في مواجهة حرب مزدوجة لكورونا والأسد معاً؟.

تلفزيون سوريا

—————————————————–

الديمقراطية في زمن الكورونا/ رضوان زيادة

مع مرور العالم بأزمة في النظام الصحي لم يشهد لها التاريخ القريب مثالا في انتشار فيروس كوفيد 19 في كل دول العالم تقريبا وارتفاع نسبة الوفيات إلى ما يفوق 18620 شخصا مع ازدياد عدد الوفيات في كل دقيقة بل لحظة، يبدو السؤال مشروعا اليوم حول الفرق بين صمود النظام الصحي في الدول الديمقراطية كإيطاليا والولايات المتحدة وبين الدول التسلطية كما في الصين وسوريا وغيرها، بالتأكيد ديمقراطية النظام السياسي ليس عاملا وحيدا للمقارنة هنا، فبقدر ما فشلت إيطاليا نجحت كوريا الجنوبية بشكل مثير، أما تقييم الصين فما يزال مختلفا عليه باتجاه رصد الحالات النهائية.

أطلق سيفل وزملاؤه نظرية تقوم على أنه “لكي تتطور الدول الفقيرة اقتصادياً ينبغي عليها أن تصبح ديمقراطية”، فقد نمت الديموقراطيات الفقيرة بسرعة توازي على الأقل سرعة نمو الأوتوقراطيات الفقيرة وتفوقت عليها في الأداء تفوقاً كبيراً حسب معظم مؤشرات الرفاهية الاجتماعية، كما تفوقت هذه الديمقراطيات كثيراً في مجال تجنب الكوارث. وهو موضوع المقال هنا، أي لماذا تتفوق الديمقراطيات في الإجابة على الكوارث الصحية وعلى رأسها اليوم كورونا مقارنة مع الأنظمة التسلطية.

يناقض سيفل ورفاقه النظرية القائمة على أسطورة “التنمية أولاً” التي نادى بها من قبل سيمور مارتن ليبسيت معتبرين أن هذه النظرية أدت أولاً إلى تخليد الاستبداد، كما أنها أعطت مبرراً حقيقياً للغرب لمساندة الحكومات الاستبدادية التي كانت خارج سيطرة الاتحاد السوفييتي ليحول دون تحولها إلى شيوعية، وكتبرير قائم على أن الحكم السلطوي يخلق بنية اقتصادية وصناعية قوية في بيئة اجتماعية وثقافية هشة. بيد أن السجل الاقتصادي السيئ للحكومات العسكرية في دول أميركا اللاتينية والحكومات الدكتاتورية في أفريقيا والدول الشيوعية في أوروبا الشرقية وآسيا أسقط الهالة النظرية التي أحاطت بنجاح بعض الأوتوقراطيات في شرق آسيا خاصةً في سنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان وحديثاً الصين، فارتفاع نسب الفقر إلى درجة السقوط في المجاعة والإخفاق في السيطرة على نسب البطالة والفشل الصحي المتمثل في انتشار الأمراض الوبائية والجائحة جعل الكثير من الباحثين ينتهون بعد مقارنة طويلة بين الدول الديمقراطية ذات الدخل المنخفض وبين نمو الدول ذات الدخل المنخفض وتحكمها حكومات سلطوية إلى أن الديمقراطيات ذات الدخل المنخفض قد نمت بالمتوسط بسرعة توازي سرعة نمو الأوتوقراطيات ذات الدخل المنخفض خلال الأربعين سنة الماضية، كما أن متوسط معدلات نمو الدخل الفردي في الديمقراطيات الفقيرة كان أعلى بخمسين في المائة من مثيلاته في الأوتوقراطيات الفقيرة، فالبلدان التي اختارت الطريق الديمقراطي مثل جمهورية الدومينيكان، والهند ولاتفيا وموزامبيق والسنغال قد سبقت نظيراتها الأوتوقراطية مثل أنغولا، وجمهورية الكونغو، وأوزبكستان، وزيمبابوي، وتصبح الأفضلية هذه أكثر وضوحاً عندما ينتقل النقاش من معدلات النمو إلى المقاييس الأوسع للرفاهية من حيث قياس المؤشرات الاجتماعية مثل متوسط الأعمار المتوقعة، وتوفير ماء الشرب النقي، ومعدلات التعليم، وناتج الغلال الزراعية، ونوعية الخدمات الصحية العامة.

وبذلك يمكن القول بثقة إن الفرضية القائمة على جدلية “التنمية أولاً”، والتي تزعم أن الديمقراطية ستتبع آخر الأمر التقدم الاقتصادي، وبالتحديد حين يصل مستوى الدخل إلى المستوى المتوسط مما يدعم بناء الطبقة الوسطى، وهو بدوره سيجعل عددا متزايدا من المواطنين رفيعي الثقافة يطالب بمشاركة سياسية أكبر وهو ما سيقود في النهاية إلى تحول ديمقراطي ناجح، هذه النظرية منيت بفشل ذريع لأن عددا محدودا جداً فقط من هذه الدول السلطوية قد استطاع بلوغ مستوى الدخل المتوسط من بينها إسبانيا والبرتغال واليونان والتي يعود تحوّلها الديمقراطي إلى أسباب أوسع بكثير من تأثير نخبة طبقتها الوسطى، وهذا يعني أن الدول ذات الأنظمة السلطوية لم تفشل فقط في تحقيق المشاركة السياسية وبناء المؤسسات الدستورية المستقرة وإنما فشلت أيضاً في تحقيق النمو الاقتصادي الذي تتذرع به من أجل عدم تحقيق الديمقراطية.

يعيد سيفل ورفاقه ذلك إلى عدد من الأسس المفاهيمية الرئيسية أولها لأن الديمقراطيات الفقيرة تتفوق في أدائها على الحكومات السلطوية لأن مؤسساتها تخول اقتسام السلطة مما يشجع على الانفتاح والتكيف، فتأثير القواعد الشعبية على النخب الحاكمة ينعكس بشكل جلي في تحسين البرامج الاقتصادية والتنموية لأن العلاقة قائمة على المحاسبة والمساءلة وليس على المحسوبية الضيقة التي تعطي حافزا ضئيلا لذوي السلطة في التركيز على رفاهية المجتمع، فالميّزة التنموية تتحقق في الديمقراطية اعتباراً من مبدأ المراجعة والموازنة Checks and balances أي مراجعة كل مؤسسة من مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية للأخرى بغية الوصول إلى نقطة موازنة لخدمة المصالح العامة.

أما الأنظمة السلطوية فإن الاحتكار السياسي غالباً أو دائماً ما يتحول إلى احتكار اقتصادي مما يضعف المنافسة والابتكار وهو ما يشلّ في النهاية الفعالية الاقتصادية.

صحيح أن الصين تمكنت من السيطرة على الفيروس لكن ثمن ذلك كان باهظا على المستوى الاجتماعي والإنساني وبسبب غياب الشفافية وانعدام الإعلام الحر لا نعرف بالضبط ماذا جرى ويجري في الصين ما قبل المرض وما بعده مما يمنعنا من بناء صورة كاملة ويؤكد الفرضية بأن الديمقراطيات تبقى الأفضل في الرد على الكوارث الصحية رغم فجاعة ما يجري اليوم في إيطاليا وإسبانيا.

تلفزيون سوريا

—————————–

الفيروسات ونهاية العولمة/ سلطان العامر

العولمة هي رحم الجوائح والأوبئة. فإن كانت التحوّرات الجينية التي تُنتِجُ لنا فيروسات شديدة الفتك والتفشي ظواهرَ بيولوجية؛ فإن قدرة هذه الفيروسات على التحوّل لأوبئة وجوائح مرتبط بشكل وثيق بالخصائص السياسية والاقتصادية التي تخلقها العولمة. فالجسيمات الصغيرة من نوع فيروس كورونا كائنات «عولمية» بامتياز: لا تعترف بحدود، ولا طبقات، ولا قوميات، ولا أعراق، ولا أديان؛ وتنتقل عبر خطوط التجارة والتنقل السريعة والمعقدة التي تمثل قلب العولمة. والعولمة لا تلد الجائحة فقط، بل، في حالات كثيرة، تموت أثناء وضعها. فالعلاقة بين العولمة والجوائح جدلية بالمعنى الهيغلي للكلمة: فالأولى بما تمثله من تسهيل وتحفيز وتسريع وتكثيف لحركة البشر وتنقلهم عبر الحدود تسهّل من تفشي الأمراض وانتشارها وتحويلها إلى جوائح. وبالمقابل، عندما «يتعولم» المرض، تبدأ الدول بتشديد الحدود وتضييق حركة البشر وتقييدها وتبطئتها، أي تعطيل أهم ركن من أركان العولمة. وهذه العلاقة- وإن بدت مؤقتة، وضرورية- تعرّي بشكل فاضح «الطبيعة غير العادية، غير المستقرة، المعقدة، وغير الموثوقة، والمؤقتة للنظام الاقتصادي» كما تَحدَّثَ قبل قرن من الزمان الاقتصادي الشهير جون مانيارد كينز. 

فبعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، والتي راح ضحيتها ما يقارب العشرين مليون إنسان، كتب كينز كتاباً بعنوان التبعات الاقتصادية للسلام منتقداً المعاهدات التي أسفر عنها مؤتمر باريس للسلام، وهي المعاهدات التي أصبحت الأساس للنظام العالمي الذي لم يصمد لفترة طويلة، إذ قضت عليه الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، والتي راح ضحيتها ما يقارب الثمانين مليون إنسان. يبدأ كينز كتابه بملاحظة عن النفس البشرية، إذ يقول: «لعلّ من الخصائص المميّزة للإنسان قدرته الهائلة على التكيّف مع الظروف». ذلك أن هناك قلّة في عهده «يدركون بحقّ الطبيعة غير العادية، وغير المستقرة، والمعقدة، وغير الموثوقة، والمؤقتة للنظام الاقتصادي الذي عاشته أوروبا الغربية في نصف القرن الماضي». وهذا «النصف قرن» هو الفترة التي نسميها نحن اليوم «الموجة الأولى للعولمة»، وهي الفترة التي بدأت تقريباً من منتصف القرن التاسع عشر وتعرضت لضربة قاضية مع الحرب العالمية الأولى، لتعلن موتها مع الكساد الكبير الذي هزّ الأسواق العالمية مع بداية الثلاثينات الميلادية. وهي فترة «عولمة» لأن فيها ما في العولمة من سِمات عامة: تقدم علمي وتقني يدفع باتجاه مزيد من التعاظم في التجارة المشتركة بين أطراف العالم، ومزيد من التعاظم في حركة رأس المال، ومزيد من التعاظم في حركة البشر عبر الحدود. إنها فترة نشر كيابل التلغرام في أرجاء المعمورة، وبناء شبكات سكك الحديد، وشقّ قناتي السويس وبنما، وتصنيع السفن البخارية الضخمة والسريعة. في الفترة من 1879-1914، غادر ما يقارب 36 مليون إنسان أوروبا- استفادت بلدانهم التي هاجروا منها بعدم تحمّل أعبائهم، والبلدان التي هاجروا إليها بتحريك الاقتصاد فيها، أو هكذا ظنّ البعض حينها.

إلا أن كينز عندما يصف «نصف القرن» هذا يستعير أوصافاً نوستالجية مثل «إلدورادو الاقتصادية»، «اليوتوبيا الاقتصادية»، «الزمن السعيد». وفي فقرة مطولة يصف الحياة فيه بالتالي:

    كم كان ذلك العصر مرحلة استثنائية من التقدم الاقتصادي في تاريخ الإنسان، والذي انتهى في أغسطس من عام 1918! صحيح أن الجانب الأعظم من الشعب كان يعمل بكدح ويعيش في مستوى متدنٍ من الراحة، إلا أنهم كانوا بشكل معقول راضين بحالهم. كما أن أي امرئ يمتلك مستوى فوق المتوسط من الشكيمة والإصرار يستطيع الفرار إلى الطبقات المتوسطة والعليا حيث تمنحه الحياة، بتكلفة وعناء قليلين، ملذات ومتعاً ومؤناً تتجاوز تلك التي كان يتنعم بها أقوى ملوك العصور الأخرى. يستطيع أي شخص يقطن لندن، وبينما هو يحتسي كوبه الصباحي من الشاي على فراشه، أن يطلب بالهاتف منتجات متنوعة من كافة أركان الأرض، بالكميّات التي يراها ملائمة، ولا يساوره الشك بأنه سيجدها قريباً على عتبة منزله.

صحيح أن هذه النظرة الوردية لذلك العصر تعترف بوجود طبقية، وإن كانت ترى الطبقات مفتوحة تسمح لأفرادها بالصعود لأعلى، إلا أنها نظرة أوروبية جدّاً. ذلك أنه قد غاب عن كينز الاعتماد الكبير لصاحبنا محتسي الشاي في لندن على الاستعمار والعبودية والحروب والإستغلال وسلسلة طويلة، غير مسبوقة في التاريخ البشري، من المظالم. وحتى نقدم صورة غير أوروبية لهذا النظام العالمي، لنأخذ مثال صناعة القطن، التي مثلت قلب تلك العولمة الأولى، ولننظر إليها من عدة زوايا جغرافية. ففي مطلع القرن التاسع عشر، كان القطن يزرع ويحصد في الولايات الجنوبية في أميركا، في أراض تم الاستيلاء عليها من السكان الأصليين، وبواسطة يد عاملة سوداء تُخطَف وتُستعبَد من القارة الأفريقية. بعدها يتم تصديره إلى مصانع النسيج في بريطانيا بشكل رئيسي، أكبر مصنّع للأنسجة في العالم آنذاك، وكذلك إلى الولايات الشمالية في أميركا، أو فرنسا بدرجة أقل. في هذه المصانع المتقدمة تقنياً في قدراتها الإنتاجية، تشرف على العملية الإنتاجية يد عاملة كانت إلى فترة قريبة مكونة من مزارعين وفلاحين من رجال ونساء وأطفال، ويتم تشغيلها في ظروف استغلالية. وبعد إنتاج المنتجات القطنية يتم تصديرها بواسطة سكك الحديد والسفن البخارية إلى المستهلكين في كافة أرجاء العالم، خصوصاً في المناطق الخاضعة للاستعمار البريطاني في أفريقيا وآسيا، والتي تم تدمير الصناعات القطنية التقليدية فيها. ولا تكتفي هذه الصناعة العالمية بأن تعتاش على نهب الأراضي، والعبودية، واستغلال العمالة، والاستعمار، بل إنها تتسبب في حروب وأزمات اقتصادية داخلية، فبعد أن تسببت زراعة القطن والعبودية المرتبطة به بنشوب الحرب الأهلية الأميركية، انتقلت المصانع في أوروبا إلى مصر، والهند والبرازيل، لاستيراد القطن، ولتغطية هذا الطلب تم تحويل قرابة 40٪ من الأراضي الخصبة في مصر لزراعة القطن. لكن في أقل من عشرين سنة، وبعد نهاية الحرب الأميركية وانخفاض أسعار القطن، غرقت مصر في الديون، وأعلنت إفلاسها، واحتلتها بريطانيا.

بدأت هذه الصناعة القطنية الهائلة عديمة الرحمة تتآكل بطرق متنوعة ومختلفة مع الاقتراب من الحرب العالمية الأولى وما تلاها. ففي نهاية القرن التاسع عشر، تسللت من المكسيك مجموعة من الخنافس تسمى «بول ويفيل» إلى ولاية تكساس في الجنوب الأميركي. هذه الخنافس تعتاش على القطن، وتتكاثر بسرعة هائلة تجعل مجموعة صغيرة منها قادرة على إلحاق أضرار كبيرة ودائمة على حقول القطن. انتشرت هذه الخنافس في كامل الجنوب الأميركي، مما جعلها تدمر زراعة القطن هناك وتلعب دورا كبيرا في الهجرة الكبرى للسود من الجنوب إلى الولايات الشمالية. في الشمال الأميركي وفي أوروبا، لعبت الحركات العمالية واليسارية دوراً كبيراً في تحسين ظروف العمال ورفع أجورهم، ما أدى إلى رفع أسعار المنتجات وفتح المجال للتجار خارج أوروبا لدخول هذه الصناعة والاستحواذ عليها تدريجياً فيما بعد. ولعل الضربة الأخيرة للهيمنة البريطانية، والأوروبية، على هذه الصناعة، جاءت من حيث انطلقت، من الهند، وذلك عندما أعلن غاندي مقاطعة المنتجات البريطانية، وأهمها القطن، ودعى الهنود لحياكة ملابسهم بأنفسهم، في حركة تحررية انتهت باستقلال الهند من بريطانيا.

لم تكن الخنافس والحركات اليسارية والتحررية والمناهضة للعبودية هي وحدها العوامل التي قضت على تلك الموجة العولمية، فبالإضافة لهذه القوى القادمة من «الخارج»، كانت هناك علل داخلية، بنيوية، دفعت بالنظام كله للتهاوي، هذه العلل هي التي انتهت به إلى الحرب العالمية الأولى، وبعدها الكساد الكبير، وهي نفسها العلل التي هيأت المناخ لتفشي انفلونزا عام 1918، والتي عرفت حينها بالإنفلونزا الاسبانية، والتي أصابت في بضعة شهور ثلث سكان الكرة الأرضية، وقتلت أكثر بكثير من العدد الذي قتلته الحرب العالمية الأولى، وكانت واحدة من تلك الجوائح التي تسببت بقتل أمها- العولمة- أثناء ولادتها.

*****

يكاد يكون من المسلّم به اليوم، في الأوساط العلمية والعامة، أن نسبة كبيرة من الأمراض تنتج عن وتنتقل بواسطة جسيمات صغيرة جداً لا ترى بالعين المجردة كالبكتيريا والفيروسات. هذه النظرية تسمى بـ «النظرية الجرثومية للأمراض». وقبل قرن ونصف من الزمان، عانى المدافعون عنها كثيراً لإثبات صحتها مقابل نظريات أخرى منافسة لها. من بين هذه النظريات المنافسة، كانت هناك نظريات تركز على العوامل الوراثية لانتقال المرض، وأخرى تركز على العوامل البيئية، وغيرها تركز على العوامل الأخلاقية. هاتان الأخيرتان كانتا سائدتين في الأوساط الثرية والطبقات العليا في الولايات المتحدة في نهاية القرن التاسع عشر، ومنها خرجت حركة «المعقمين»، التي رأت أن تنظيف المنازل من الأوساخ والقاذورات سيقود للنقاء الأخلاقي وسيقضي على انتشار الأمراض وتفشيها لدى الطبقات الفقيرة، وهي الحركة التي تركت أثراً كبيراً في تأسيس ومأسسة الصحة العامة في أميركا.

في الستينات والسبعينات من القرن التاسع عشر، وبعد التجارب الناجحة التي أجراها كل من لويس باستور وروبرت كوش، والتي قوّت من النظرية الجرثومية، زادت ثقة الأطباء والعلماء بقدرة العلم على الوقاية من الأمراض ومعالجتها. في عام 1889-1890، انتشر أول وباء للإنفلونزا في النظام العولمي الذي وصفناه سابقاً، مسبباً أول تحدّ للمجتمع العلمي والطبي حديث الولادة آنذاك. كان الارتباك والانقسام كبيرين، فمن الأطباء من اعتبر المرض إنفلونزا، ومنهم من اعتبره حمى ضنك، ومنهم من اعتبر أعراضه محصورة ومحددة، ومنهم من اعتبرها عامة ومتفشية وتشمل كل أجزاء الجسد. وهذا الخلاف يعود في جزء كبير منها لخلاف حول علّة المرض. ففي تلك الفترة لم تكن الفيروسات معروفة، ولم تُعرَف إلا في ثلاثينات القرن العشرين، ذلك أن التقنية المتاحة قبل ذلك لم تسمح لأنصار النظرية الجرثومية بالتعرّف على الفيروسات. وهذا الأمر وضعهم في مأزق أمام تطبيق نظريتهم على الإنفلونزا كما طبقوها على الأمراض التي تسببها البكتيريا، لكون البكتيريا أكبر حجماً ويمكن التعرف عليها بتقنيات ذلك الزمان. هذه الصعوبة التي واجهها أنصار النظرية الجرثومية فتحت الباب لأنصار النظريات الأخرى لمهاجمتهم واقتراح تفسيرات أخرى لسبب الإنفلونزا، كظروف متعلقة بالبيئة المحيطة، ومشاكل في الهواء، وغيرها. وبسبب هذه الخلافات النظرية حول علّة المرض، تم اقتراح العديد من العلاجات والأدوية.

في السنوات اللاحقة لوباء إنفلونزا 1889-1890، تقوّت ونمت النظرية الجرثومية للأمراض واستطاعت أن تكشف عن كثيرٍ من الجسيمات المسببة للعديد من الأمراض، واحتلت مكانها المهيمن في المجتمع الطبي، لكن بقيت الإنفلونزا معضلة لم تتم الإجابة عليها، ولم يتم التعرف على الجسيم المسبب لها رغم كثرة المحاولات والاقتراحات. ومع ذلك، كانت الحركة في أوروبا وأمريكا وغيرها من الأماكن حثيثة باتجاه تحمّل مسؤولية الصحة العامة، وذلك عبر بناء المختبرات البحثية والمستشفيات والمرافق المتعددة، بالإضافة لسنّ التشريعات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية المتعلقة بالصحة العامة. كانت الثقة عالية جداً بقدرة العلم والمؤسسات على منع تفشي الأمراض، بما في ذلك الإنفلونزا، الذي رغم أنه لم يعرف الجسيم المسبب له، إلا أن الإجراءات الوقائية كانت كافية لردع تفشيه وانتشاره.

هذه الثقة والمؤسسات والمعرفة العلمية تم امتحانها في 1915-1916 عندما تفشّت الإنفلونزا مرة أخرى. في أميركا، كانت ردّة الفعل الفورية تركّز على نصح المواطنين بالطُرُق التي تمنع انتقال العدوى عبر تحميل المسؤولية للشخص السليم بعدم الاختلاط بالمصابين، وللشخص المصاب بعدم نشر العدوى لمن حوله. وكمثال على الإجراءات المشددة في منع الاختلاط ونشر المرض، نشرت النيويورك تايمز خبراً في 13 كانون الثاني (يناير) 1916 بعنوان تقديم 465 شخصاً للمحاكمة لنشرهم الإنفلونزا، نقلت فيه عن منسوب لمديرية الصحّة قوله «سيكون من المستحيل طبعاً أن تجبر مديرية الصحة كل شخص على ارتداء الكمامات… لكننا نأمل أن نعطي درساً لكل أولئك الحمقى من المخالفين بأن يبقوا جراثيمهم لأنفسهم. لو كان بمقدورنا القبض على الجرثومة نفسها لفعلنا، لكن طالما قام المخالفون بنشر الكثير منها فإن أقل ما يمكننا عمله هو اعتقال أولئك المثقلين بها وتغريمهم». وفي مقالة أخرى ظهرت على الصحيفة نفسها في نهاية كانون الأول (ديسمبر) من عام 1915، نُشرت النصائح التالية لتفادي المرض: «تفادى منشفة المكتب، لا تتنفس من خلال فمك، لا تكن بصّاقاً، احرص على التهوية…». هذه التجربة منحت النخبة المشرفة على الشؤون الصحية مزيداً من الثقة بقدرتهم على احتواء تفشي الأمراض المُعدية. تضاعفت هذه الثقة أضعافاً كثيرة مع دخول الولايات المتحدة للحرب العالمية الأولى عام 1917، ذلك أن الحرب هيأت لهذه النخبة فرصة للدفع بمزيدٍ من الإصلاحات والإنفاق والبرامج، مما جعل الثقة كبيرة بأنهم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، قادرون على التحكم بالأوبئة والأمراض المعدية، وواثقون بشدّة بأن مستقبلهم، إن لم يكن مستقبل البشرية، سيكون متحرراً من الأوبئة.

*****

في 28 يونيو من عام 1914، اغتال الانفصالي البوسني غافيرلو برنسيب ولي عهد إمبراطورية النمسا، في حادثة مثّلت البداية الرسمية لاندلاع الحرب العالمية الأولى، والتي بدورها مثّلت نهاية الموجة الأولى للعولمة. وعندما نقول إن الحرب مثّلت نهاية العولمة، فإننا نقصد ذلك بكلا المعنيين المتضمنين للنهاية. فهي، من جهة، مثّلت نهايتها، بمعنى أنها تسبّبت في إنهائها؛ وهي، من جهة أخرى، كانت نهايتها القصوى. مثل بالونة الهواء التي تنتفخ وتنتفخ لتصل ذروتها في اللحظة التي تنفجر فيها. فالحركة الدولية للبشر والبضائع والمعلومات المُتجاهِلة للحدود والعابرة لها وصلت مداها الأقصى مع الحرب ومتطلباتها وجبهاتها المتعددة. أي أنها، بما تمثله من حالة قصوى من حالات العولمة، أصبحت البيئة المفضّلة للجوائح.

هناك خلاف بين الباحثين حول نشأة الفيروس المسبب للإنفلونزا الإسبانية وطريقة انتشاره، وأكثر النظريات إقناعاً هي التالية: مع تزايد القتلى في الحرب، رأت بريطانيا في عام 1917 استقدام مجموعة من اليد العاملة من الصين لسد حاجة الأعمال اليدوية وغير العسكرية للعمالة، ونظراً لكون الصين محايدة في بداية الحرب، فإن الاستقدام تم بطريقة ملتوية وبموافقة شبه رسمية، حيث تم تكليف مجموعة من الوكلاء باستقدام عمالة من المناطق الشمالية في الصين المتاخمة لميناء ويهايوي، الذي كان مستعمرة بريطانية. قبل تكديس عشرات الآلاف من العمالة في هذا الميناء، كان هناك وباء جديد قد انتشر في المناطق الشمالية الصينية في شهر نوفمبر 1917. التقارير الأولية اعتبرته «طاعوناً رئوياً»، وهو نوع من الطاعون البكتيري الذي ينتشر بين البشر عبر الرذاذ المصاحب للعطاس والسعال، مشابه للطاعون الذي كان منتشراً في المناطق نفسها قبل سبعة سنوات. ضغطت الوفود الأوروبية الموجودة في الصين على الحكومة الصينية من أجل اتخاذ تدابير تحدّ من انتشار الطاعون، لكن الحكومة كانت تصرّ على أن المرض ليس «طاعوناً رئوياً» بقدر ما هو موجة حادة من الإنفلونزا الموسمية المعتادة، الأمر الذي لم يتقبله الأوروبيون واعتبروه سلوكاً معتاداً من «التخلّف» الصيني. بعد عدة محاولات لمعرفة طبيعة المرض من عدة أطباء وباحثين، لم يتم إثبات أنه طاعون رئوي، ووجدت عدة إلماحات لتشابهه مع الإنفلونزا الموسمية.

العمال الصينيون المتكدسون بالآلاف في ميناء ويهاوي قدموا من هذه المناطق الشمالية التي كان هذا المرض منتشراً فيها. ولأجل نقلهم إلى فرنسا، كانت أسلم الطرق هي نقلهم بالبحر إلى فانكوفر في كندا، ومن هناك يعبرون القارة بواسطة القطار إلى الساحل الشرقي حيث يبحرون من ميناء هاليفاكس في كندا إلى فرنسا. وبسبب وجود مخاوف كندية من هروب العمال الصينيين واستقرارهم في كندا، تم وضع فرقة حراسة كندية لمرافقتهم وتسليمهم للميناء الآخر، وتم منع الصحف الكندية من نشر أي خبر عن الموضوع، في الوقت التي كانت الصحف تنشر فيه أخبار الوباء المنتشر في شمال الصين ذلك الوقت.

بعد اندلاع الحرب، تم اختيار مرفأ فرنسي صغير شمال فرنسا اسمه إيتاب ليكون مقرَّ معسكرٍ تدريبيٍ بريطاني ومعبراً للجنود المتجهين إلى ساحات القتال المختلفة، والجرحى القادمين منها. كانت سمعة هذا المعسكر سيئة جداً، وكان مشهوراً بقذارته واكتظاظه بالجنود والجرحى بمعدل يومي لا يقل عن مائة ألف جندي، بالإضافة للحيوانات، من دجاج وخنازير وخيول وأوز وبط، وحاويات غاز ضخمة لها قدرة على إحداث طفرات جينية. في آخر سنة 1917 وبداية سنة 1918، بدأت تصل بعثات من العمالة الصينية إلى مجمّع خاص بالعمالة الصينية بجانب المعسكر. انتقل الفيروس منهم إلى الجنود في المعسكر، ومع انتشار الجنود في الجبهات والحركة الكبيرة في مرفأ إيتاب بدأ الفيروس بالانتقال إلى كل مكان. هذه كانت الموجة الأولى للإنفلونزا الإسبانية، التي استمرت من شهر آذار (مارس) إلى تموز (يوليو). ولم تلفت هذه الموجة الانتباه، وكثير من المنخرطين في المجال الصحي اعتبروها موجة متكررة، وإن كانت أشدّ، من الإنفلونزا الموسمية.

في منتصف الصيف، تحوّر الفيروس المسبب للإنفلونزا جينياً ليصبح معدياً ومميتاً بشكل كبير جداً، وبدأ بضرب ثلاثة أماكن مختلفة من العالم في أسبوع واحد. في 10 آب (أغسطس) انطلقت باخرة من مرفأ بوليماوث في بريطانيا إلى ميناء فريتاون، عاصمة دولة سيراليون الحالية في غرب أفريقيا. في تلك الفترة كان هناك عدد من حالات الإنفلونزا المنتشرة في بوليماوث، وعندما وصل طبيبان لتفحّص المرفأ، كانت الباخرة المتجهة لفري تاون قد أقلعت وعلى متنها مجموعة من الجنود المصابين بالفيروس الجديد. عندما رست الباخرة في فري تاون، انتشر الفيروس في الميناء، وبين أهالي المدينة، وبين السفن الأخرى. في 22 آب (أغسطس) وصلت سفينة إلى ميناء بريست في فرنسا الذي يستقبل الجنود الأميركيين المشاركين في الحرب، كان على متنها أشخاص مصابون بالفيروس، لينتشر الفيروس بينهم ومن خلالهم إلى بقية أوروبا. في 27 آب (أغسطس)، وصل الفيروس أميركا بواسطة ثلاثة أشخاص وصلوا إلى ميناء بوسطن، ليصيبوا خلال بضعة أيام أكثر من ألفي جندي في مقاطعة البحرية الأميركية. في 3 أيلول (سبتمبر) أُصيب أول مدني في بوسطن، ومنها إلى بقية أميركا.

ولأن الجائحة انتشرت وقت الحرب العالمية الأولى، فإن أغلب الدول المتقاتلة كانت تُخضِعُ التقارير والإحصاءات عن الإصابات للرقابة، ما عدا إسبانيا التي كانت محايدة في تلك الحرب. وبسبب نشر إسبانيا لأرقامها، بدا الأمر لمن حولها أن المرض متفش فيها أكثر من غيرها، ولهذا تمت تسمية الجائحة بالإنفلونزا الإسبانية. في الولايات المتحدة، أُغلقت الجامعات، الاحتفالات، المسارح، الألعاب الرياضية، المناجم، والمؤسسات العامة والسياسية وغالب ما فيه تجمّع بين الناس. تعاظم عدد الموتى، وأُصيب المجتمع العلمي والطبي بصدمة كبيرة أمام عجزهم عن التعامل مع الوباء. والأوبئة، مثلها مثل الثورات والحروب، تُظهِرُ الناس على حقيقتهم: فمنهم من يسعى لخلاصه الفردي، ومنهم من يضحي للآخرين، ومنهم من يتنفع من الأزمات. ففي الولايات المتحدة، هبّ الكثير من الأميركيين لمساعدة منظمات كثيرة، كالصليب الأحمر، واتُّهِمَت قطاعات معينة بالتكسّب من الوباء: مثل باعة الورد الذين ازداد الطلب عليهم بسبب كثرة الموت، وكذلك حفاري القبور والعاملين في القطاع الصحي. وكما أن الوباء استدعى أفظع نظريات المؤامرة والتبشير بنهاية العالم، فهو أيضاً، بعدم تمييزه بين الأعراق والأديان، استدعى كثيراً من النقد للتقسيمات والعنصريات القائمة.

انتشر الفيروس في كل أرجاء المعمورة، وأصاب تقريباً 500 مليون إنسان، أي ثلث سكان الأرض حينها، وقتل عُشر هؤلاء المصابين، أي ما يقارب الخمسين مليون إنسان. أكثر الوفيات كانت في الهند، حيث مات ما يقارب 17 مليون إنسان، تليها الصين بما مجموعه 8 مليون إنسان. قتل الفيروس شخصيات شهيرة في ذلك الوقت، مثل الفيلسوف ماكس فيبر، وأيضاً جدّ الرئيس الأميركي الحالي واسمه فريدريك ترمب. عادةً تصيب الإنفلونزا الصغار والكبار، لكن هذا الفيروس كان يحصد من متوسطي الأعمار، ومن الرجال خصوصاً، عدداً كبيراً. في الولايات المتحدة وحدها، التي انطلق منها، والتي كان مسؤولو الصحة العامة فيها في قمّة ثقتهم بقدرتهم على منع حدوث جوائح وأوبئة، قتل الفيروس ما يقارب 675 ألف إنسان في بضعة أشهر. وحتى نفهم هول هذا الرقم، فإن مجموع القتلى الأميركيين في كلا الحربين العالميتين اللتين استغرقتا سبعة سنوات من القتال في جبهات متعددة هو 533 ألف.

*****

هناك عدّة دراسات نُشِرَت عن التبعات الاقتصادية والسياسية للجائحة، بعضها ركّز على آثارها السياسية المباشرة من إعاقة حضور الرئيس الأميركي ودرو ويلسون توقيع الاتفاقيات الأخيرة للسلام بعد الحرب، والتي كان من الممكن أن تكون نتائجها مختلفة على العلاقة مع ألمانيا وعلى احتمالية نشوب حرب عالمية أخرى، وبعضها ركّز على تأثير المرض على مواليد تلك السنة، وكيف أن مستواهم التعليمي والاقتصادي كان أقل من غيرهم من الأجيال التي سبقتهم والتي تلتهم. وهناك من حاول معرفة الآثار الاقتصادية الكبرى على المجتمع ولاحظ أن الجائحة تسببت بانخفاض كبير في الناتج المحلي والاستهلاك، جاعلاً منها مكافئة في تأثيرها للأحداث الكبرى المصاحبة لها، كالحربين العالميتين والكساد الكبير. إلا أنه على الرغم من القوّة الهائلة التي كشفت فيها هذه الجائحة قصور معرفة الإنسان وهشاشة وضعه العام، إلا أنها سرعان ما تم طيّ ذكراها. فبالمقارنة بالأحداث الأخرى -من حروب وأزمات اقتصادية- فإن الإنفلونزا الإسبانية نالت حظّاً قليلاً من التخليد والتذكر. وكثيراً ما تبدأ الكتب والأبحاث القليلة التي تناولتها بالتأكيد على النقص الهائل في المكتبة الإنسانية عن تناول هذه الحادثة بالبحث والتقصي.

إلا أن ما يهمنا هنا هو هذا الدور الذي تلعبه مثل هذه الأحداث في رفع الغطاء عن «طبيعية» النظام الاقتصادي الذي نعيشه، وتعريته بشكل فاضح تبرز عيوبه الهيكلية ومظالمه الكامنة للكثير، والأهم من ذلك تورطه. فلا يمكن فهم انتشار هذه الإنفلونزا بدون القرارات والسياسات والشبكات التي نُسِجَت وكُوِّنَت بغرض زيادة أرباح ورفاهية قلّة من البشرية، ولا يمكن فهم العجز أمامها بدون اجتماع إزالة الحواجز الصحية الرسمية، باسم تسهيل حركة السوق، مع الغرور العلمي التقدمي المؤمن بقدراته الاستثنائية على تخليص البشرية من الأوبئة.

إن الظروف الحالية التي نعيشها استثنائية من زوايا متعددة، لعلّ أهمها: أنها استثنائية في قدرتها على تسهيل التفكير في الوضع القائم بشكل أكثر نقدية وأقلَّ استسلامية.

سلطان العامر هو كاتب سعودي مقيم في الولايات المتحدة، ومرشح لنيل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة جورج واشنطن.

موقع الجمهورية

——————————

الموت القادم من الشرق/ مزن مرشد

يصرّح الصينيون بتفاخر، إنّهم يأكلون كل شيء له أربعة أرجل باستثناء الطاولات، وكل شيء يسبح باستثناء القوارب، وكل شيء يطير ماعدا الطائرات، بما في ذلك الأنواع النادرة والغريبة التي يعتقدون بقدراتها العلاجية المفترضة ومنها مثلاً الأجنّة البشرية. الموت القادم من الشرق

لكن هذا النوع من المأكل يشكل خطراً على صحة الإنسان، فوفق المصادر الطبية فإن 70٪ من الأمراض المعدية الجديدة تأتي من الحيوانات البرية، والأسواق هي الأماكن المثالية لانتقال الفيروسات إلى البشر.

العديد من الأوبئة الفيروسية الأكثر شدّة في السنوات الأخيرة جاءت من الصين، والمرجّح إنّها انتقلت من الخفافيش تحديداً، وبالتالي فإنّ الثدييات الصغيرة ستكون خزان الفيروس، ولكن هذا لا يعني أنّه ينتقل مباشرة إلى البشر، إذ إنّ بعض الآراء ترى إنّ الثعبان يمكن أن يكون هو الوسيط بين الفيروس والبشر.

بدأ وباء سارس، الذي قتل ما يقرب من 650 شخصاً في الصين في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وأتى من حيوان الزباد، وهو حيوان ثديي صغير قريب من الدجاج، كان يمكن للمرء رؤيته في أسواق كانتون جنوب الصين بالرغم من حظر استهلاكه قانونياً.

أمراضٌ مميتة، لا تستجيب للأدوية، ومن الصعب إيجاد اللقاحات لها، تأتي دائما من الصين، وتنتشر سريعاً في ظل تطوّر وسائل النقل وسرعتها، ويصرّ الصينيون على الاستمرار بعاداتهم الغذائية رغم كل شيء.

اليوم تتحفنا الصين بفيروس جديد، ينتمي إلى ذات فصيلة الفيروسات التاجيّة، أي نفس عائلة فيروس السارس، ولكن هذه المرة بانتشار أسرع، وتفشٍّ أسرع، فترتفع حمّى الخوف، وترتفع معها موجة الحديث عن خطورة هذا الكورونا واتّساع رقعة الإصابة عبر الكوكب، وعن ازدياد أعداد المصابين والوفيات حول العالم، تتسارع الدول في فرض تعاليم صارمة تفرضها على مواطنيها، وتُعزل مدن بكاملها عن الخارج، وبالطبع هذا أمر محمود لحماية الأصحاء من الإصابة ولحصر انتشار الفيروس عن توغّله في مناطق جديدة، فالفيروس مثله مثل أيّ كائن حيّ، إذا حرم من الأجساد المضيفة وسبل الحياة سينحصر وينتهي مع الوقت.

في الواقع لا يخيفني وضع هذا الوباء العالمي في الدول المتقدمة مهما كان تفشّيه ممتداً، فهذه الدول قادرة على تقديم العناية الكافية لشعوبها، وعلى فرض إجراءات الحجر المناسبة وتقديم الرعاية الخاصة للمصابين.

لكن خوفي الحقيقي يكمن هناك، في دولنا العربية، وخاصة في بلدي سوريا، صاحبة الأرقام القياسية بالتعتيم، فلا ينقص مواطنيها موتاً جديداً يضاف إلى قائمة موتهم اليومي.

حتى اللحظة تعلن السلطات السورية خلوّ البلاد من الفيروس، في حين تأتي الأخبار من الداخل بزيادة عدد الوفيّات بالالتهاب الرئوي الحاد، وكلنا يعلم أنّ كورونا يصيب الرئة ويؤدي إلى الالتهاب الرئوي الحاد، ولكن يبقى الإصرار الحكومي بأن لا كورونا في سوريا.

بالكاد تُقنع هذه الصورة المتفائلة للغاية المتلقّين خارج الدوائر الرسمية، فإنّه من غير المعقول ألّا تتأثر سوريا بالمرض رغم الاحتكاك اليومي مع القادمين من إيران، المصدر الرئيسي لانتشار الفيروس في الشرق الأوسط.

بالإضافة إلى الآلاف من رجال الميليشيات، الذين تمّ حشدهم إلى جانب قوّات النظام، ولا ننسى بالطبع العدد الكبير الذي ترسله طهران إلى سوريا في مجموعات الحجاج، إلى المقام الشيعي الأول في دمشق “السيدة زينب”.

كيف يمكننا أن نتصوّر إنّ كورونا لم يتجذّر في دمشق على الأقل عندما يواصل الإيرانيون القدوم والذهاب إلى السيدة زينب؟ الموت القادم من الشرق

لا يخفى على أحد هزالة العناية الطبيّة في سوريا، خاصة بعد تسع سنوات طوال من الحرب، دُمّرت خلالها معظم البنى التحتية، وفاق عدد الجرحى القدرة الاستيعابية للمشافي في مناطق النظام، في حين قضى القصف الحربي على معظم المشافي الميدانية وغير الميدانية في المناطق التي خرجت عن سيطرته، ناهيك عن أن الإنفاق الحربي أكل مقدرات الدولة كاملة ولم يترك أي هامش لتعزيز القطاع الطبي في البلاد، بالإضافة للفساد والسرقات المستفحلة في سوريا ما قبل الحرب وخلالها، فكيف ستواجه السلطة الكورونا هذا، إلا بالإنكار وترك المواطنين لرحمة ربهم، وليمت من يَمُت فالحكومة تصر على روايتها، الإنكار، التعتيم، والتجاهل

في حادثة لا أنساها أثناء عملي في التلفزيون السوري بداية الثورة، كانت درعا تشتعل وباقي المحافظات السورية تهتف “يا درعا حنا معاكي للموت”، وعلى الفضائية السورية يعرض البرنامج الوثائقي القيم “التكاثر عند ذبابة الفاكهة”.

ليفانت

—————————-

وباء كورونا وإعادة التفكير في سياسات الطوارئ/ عز الدين التميمي

مع البدء بفرض سياسات الطوارئ والحجر الصحي، على خلفية الانتشار السريع والمخيف لفيروس كورونا، الذي صنفته منظمة الصحة العالمية كجائحة، بدأت بعض الأصوات تخرج منتقدة تلك السياسات، ومستعينة بمقولات نظرية رائجة، ضد “سياسات الطوارئ” التي تتخذها الدولة، بما لها من دلالات اجتماعية وسياسية وأمنية.

مع مرور الوقت على انتشار الوباء، تتبين حقيقة أنه وعلى عكس ما يشير إليه هؤلاء، فإنه لا يمكن فهم فرض حالات الطوارئ وإجراءات منع التجول، باعتبارها جزءًا من سياسات الضبط والسيطرة، التي تتبعها الدول. ولكن على العكس، فإنها تبدو في حالة مكافحة الأوبئة جزءًا من المسؤولية الاجتماعية للدولة، التي تحاول في عدة أمثلة التخلي عنها.

هناك فكرة بدأت تتبلور في خطاب بعض الأنظمة والأوليغارشيات الحاكمة، بأن الوباء جزء طبيعي من  الحياة، التي لا بد لها من الاستمرار. بدأت تلك المجادلة من المقارنة السطحية بين ضحايا الأمراض الموسمية وبين ضحايا وباء كورونا المستجد، ثم وصلت إلى إشعار الناس بأن انتشار العدوى شبح لا مفر منه، وسيقتل حتمًا جزءًا صغيرًا من أبناء المجتمع. ولا أدق كمثال من خطابي بوريس جونسون في بريطانيا ودونالد ترامب في الولايات المتحدة. خطابات تُبعت بتصريحات بعض الأثرياء الأمريكيين، التي أثارت جدلًا في وسائل الإعلام، تقول إنه لا يجب أن “نسمح” للمرض بأن يدمر عجلة الاقتصاد.

في لبنان، ضغط الشارع على السلطات من أجل فرض حالة الطوارئ، بينما تعنتت الحكومة أول الأمر، وفي البرازيل، شهدنا في الأيام الماضية دورًا أكبر تلعبه العصابات  لفرض منع التجول من أجل مكافحة الوباء، وفي بريطانيا وأمريكا، يبدو أن هناك تعمدًا في إبطاء الإجراءات والسياسات الوقائية التي يطالب بها عدد من المواطنين، لردع الوباء. وهي أمثلة تشير إلى انقلاب في معنى حالة الطوارئ، في السياق الذي نعيش فيه.

كما أن الأنظمة الأكثر استبدادًا، والتي تسيطر بالمطلق على كل المؤسسات بما فيها الإعلامية والطبية، تميل بوضوح إلى إنكار وجود حالات، أو التقليل من شأن الخطر، من خلال التكتم عليه. ففي مصر مثلًا، حيث يحكم واحد من أكثر الأنظمة استبدادًا في تاريخ المنطقة، وحيث تعيش البلاد أصلًأ في حالة طوارئ، فإن الخطاب الرسمي وللمفارقة، يقلل من أهمية موضوع الوباء، ويؤخر في فرض إجراءات “الطوارئ” التي يُفترض أنها مفروضة بدون سبب أصلًا، من سنوات.

صحيح أن الدول الحديثة تستفيد من فرض ما يطلق عليه جورجيو أغامبين حالة الطوارئ، وتكتسب أقوى أنواع شرعيتها من خلال التلويح بالفوضى، كما تبين مقولات نظرية عديدة دأب أصحابها على نقد السلطة الحديثة، لكن هناك مستوى، لا يمكن إغفاله، وهو الشرط الأساسي لفكرة النظام، سواء السياسي أو الاقتصادي، أي الاستقرار، الغاية النهائية لأي نظام.

فعندما تخرج تلك “الظروف الاستثنائية” عن السيطرة، تصبح  الوظيفة الوجودية للدولة، استعادة الوضع القديم، المتوازن، أو فرضه على الناس، وتطبيع الحياة من جديد لا الاستثمار فيما طرأ. وإن كان هناك ما يوازي بروبغاندا الرعب التي تصدرها بعض الأنظمة ضد الإرهاب أو اللاجئين، فهو بروبغاندا الطمأنينة التي تصدرها بعض الأنظمة، عندما تفقد القدرة على السيطرة على ظرف غير معهود. وإن كان التهويل بشأن الإرهاب يشي بشيء، فهو يشي بأن هذا “التهديد” تحت السيطرة، إلى درجة يمكن استثماره فيها، أما بروبغاندا الطمأنينة في حالة الوباء، فإنها تشير على الأرجح إلى فقدان السيطرة.

وفي هده الحالة أيضًا، لا يمكن إنكار أن الخاسر الأكبر غالبًا من توقف الحياة خارج المنازل، خاصة في الدول التي تتوفر على أبسط الضمانات لحقوق المواطنين، ليسوا الفقراء أو الناس العاديين، بقدر ما هي الأوليغارشية الاقتصادية، التي تسيطر على الأنظمة السياسية حتى في بعض الدول الديمقراطية، وتحاول استعادة توازنها من خلال “تطبيع الوباء”، لا من خلاله الإقرار باستثنائيته أو بكونه حالة طارئة. كما أن مصالحها تتقاطع مع الرؤساء المتلهفين لإنهاء فترة ولايتهم بـ”أرقام مقنعة” اقتصاديًا.

تستفيد الدولة بالتأكيد من الخوف، ومن ممارسة أنماط من “الأمننة” (Securitization)، والتهديدات الوجودية، لكن هذا كله يبقى مشروطًا بقدرتها على إدارة تلك المخاوف، وهو ما لا يبدو واضحًا في بعض الحالات، من بينها انتشار فيروس كورونا، كوباء عالمي.

هنا وإن كان ممكنًا استلهام طروحات ماكس فيبر، فإنه يجدر بنا القول إن الدولة، تقوم في جزء واسع من خطابها الأمني والدعائي، لا فقط على احتكار العنف، ولكن أيضًا على احتكار الخوف، أو بمعنى ما احتكار مصادره. وهي تشعر بتهديد ما، من كل خوف لا يجيء من خلالها.

لقد حددت نقود الدولة الحديثة شكل المعرفة الاجتماعية المعاصرة بالتأكيد، ولا يمكن اعتبار أن ما أنتجه علماء الاجتماع والإنسان والسياسية والفلاسفة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أقل قيمة أو دورًا من مجمل المنجز العلمي والمعرفي قبله. بما هو مراجعة شاملة ونقدية للعلم والحداثة وما أنتجته من طموحات ومخاوف وأدوات وافتراضات. لكن ما لا يجب أن نغفله، نحن المتحمسون لنقد الدولة وأدوات الضبط، أن هذا النوع من النقد، نشأ في هامش الرخاء الذي حققه العلم، وحققته الدولة نفسها واكتسب شرعيته من خلاله. وربما يهتز هذا النوع من النقد، عندما تهتز تلك الحالة من الرخاء.

الترا صوت

————————-

ألبير كامو حول كورونا.. المعاناة عشوائية وذلك أبسط ما يمكن قوله/ ريناس مللي

كتب آلان دي بوتون، صاحب كتاب “قلق السعي إلى المكانة”، هذا المقال في النيويورك تايمز، مستعيدًا رواية “الطاعون” التي تعدّ واحدة من أهم روايته.

في كانون الأول من عام 1914 بدأ ألبير كامو بالعمل على قصة تدور حول تفشي مرض من غير الممكن السيطرة عليه، انتقل من الحيوان إلى الإنسان وانتهى به المطاف لقتل نصف سكان بلدة عادية في مدينة وهران على الساحل الجزائري.

نُشرت رواية “الطاعون” في عام 1947، وقيل مرارًا إنها الرواية الأوروبية الأعظم في مرحلة ما بعد الحرب. يبدأ الكتاب بأجواء من الحياة الطبيعة، فسكان المدينة مشغولون بحياة متمحورة حول المال وشوائبه، ومع تطور الأحدث يسود الرعب. يصادف الراوي وهو الطبيب ريكس، جرذًا ميتًا، لتتكرر هذه المصادفة مرارًا، وسرعان ما يكتشف تفشي الوباء في وهران، لينتقل هذا الداء من مواطن إلى آخر، ناشرًا الهلع في شوارع المدينة.

من أجل كتابة هذا العمل، كان على كامو الانغماس في تاريخ الأوبئة. كان عليه أن يقرأ عن الموت الأسود الذي سبّب مقتل ما يقارب الخمسين مليون شخص في أوروبا خلال القرن الرابع عشر، والطاعون الإيطالي عام 1630، عابرًا سهول لومباردي وفينيتو، موديًا بحياة 280،000 شخص، كما أنه بحث في الطاعون العظيم الذي ضرب لندن سنة 1665، بالإضافة إلى الطاعون الذي قضى على الساحل الشرقي للصين خلال القرنين الثامن والتاسع عشر.

لم يكتب كامو عن وباء واحد بشكل خاص، ولم تكن كذلك كتابته موجهة، كما افترض البعض، لتكون قصة مجازية عن الاحتلال النازي لفرنسا. كان سبب انجذاب كامو الى هذا الموضوع نابعًا من إيمانه بان ما نسميه وباء هو الحوادث التاريخية الحقيقية، التي تمثل تكثيفًا لشرط عالمي مسبق، وأمثلة درامية لقاعدة دائمة: مضمونها أن الإنسان غير منيع ضد الإبادة العشوائية في أي زمن، وبغض النظر عن سبب حدوثها إن كان بفعل فيروس أو حادث، أو بسبب فعل بشري ما.

لم يكن لسكان وهران القدرة على تصديق ما يجري، على الرغم من موت ربع المدينة، استمروا بتخيّل سبب ما سيمنع إصابتهم بهذا الوباء. فهم بشر معاصرون يمتلكون الهواتف والطائرات والجرائد، والمؤكد أنهم لن يموتوا مثل بؤساء لندن في القرن السابع عشر، أو كانتون في القرن الثامن عشر.

تقول إحدى الشخصيات: “من المستحيل أن يكون هذا طاعونًا، فجمعينا يعرف أنه تلاشى في الغرب”، ليضيف كامو: “نعم الجميع يعرف، ماعدا الأموات”.

يعتبر كامو أنه لا وجود للتقدم في التاريخ عندما يتعلق الحدث بالموت، ولا يوجد لدينا مفر من ضعفنا. أن نكون على قيد الحياة كان وسيبقى دائمًا حال من الضرورة، حقيقة هي حالة من “الظرف الأساسي” الحتمي. وخلال الطاعون او عدم وجود الطاعون، هناك دائمًا وباء، بحال قصدنا بالوباء الاستعداد الدائم للموت المفاجئ، بسبب حدث مباشرة على تغير حياتنا ودفعنا لتفقد معانيها.

هذا ما قصده كامو حين تحدث عن الحياة ” اللاعقلانية “، وأنه بإدراكنا لهذه “اللاعقلانية” نكون غير متجهين نحو اليأس، بل نحو ترجيديا كوميدية من الخلاص، أو تليين القلب، مبتعدين عن الأحكام الأخلاقية متجهين نحو البهجة والامتنان.

لم يكن الطاعون محاولة لإثارة الذعر فينا، لأن الذعر ليس سوى رد فعل لدرء الخطر، لكن إذا كان الخطر بدوره ظرفًا قصير المدى نتمكن في نهايته من العودة إلى الأمان. لكن الأمان صعب التحقق في ظرف الطاعون، لهذا يقترح علينا كامو أن نحب إخوتنا البشر الملعونين، وأن نعمل بدون أمل أو يأس لتقليل المعاناة. فالحياة مأوى أكثر من كونها مستشفى.

عندما وصل الوباء إلى ذروته حيث كان يموت 500 شخص في الأسبوع، قام القس الكاثوليكي المدعو بانيموكس بإلقاء خطبة تدعي أن الطاعون ما هو إلا عقاب من الله. لكن بالنسبة للطبيب ريو، الذي رأى موت طفل أدرك بشكل أدق أن المعاناة توزع بشكل عشوائي وعبثي، ببساطة غير عقلانية، وذلك أبسط ما قد يقال بحقها.

عمل الطبيب على سماع معاناة من حوله بلا كلل، لم يكن ذلك بطولة، ويقول ريو: “لم يكن كل ذلك عن البطولة”، و يضيف: “قد تبدو فكرة سخيفة، لكن الطريقة الوحيدة لمقاتلة الطاعون هي الأخلاق”. فتسأل أحد الشخصيات ما هي الأخلاق، فيجيب الطبيب: “أن أقوم بعملي”.

اختفى الطاعون في النهاية بعد أكثر من سنة، واحتفل سكان المدينة بنهاية المعاناة، وعادت الحياة إلى ما كانت عليه، أما الطبيب ريو “فقد علم أن تدوينه للأحداث لم يكن بمثابة قصة انتصار نهائية”، وأكّد كامو “أنها بلا شك قصة توثيق لما كان يجب أن نقوم به، وما يجب أن يتم فعله في مواجهة هذا النوع من الذعر”. ويكمل إن الطاعون “لا يموت”، بل إنه “ينتظر بفارغ الصبر في غرف النوم والسراديب والسراويل والمناديل والأوراق القديمة”.

استطاع كامو مخاطبتنا في أزمنتنا، ليس لكونه عرّافًا ساحرًا قادرًا على إدراك ما لم يعرفه علماء الأوبئة، لكن لأنه استطاع تخمين الطبيعة الإنسانية. عرف، ما لم ندركه “أننا جميعًا نمتلك هذا الطاعون في داخلنا، لأنه لا وجود لأحد، لا أحد، منيع في هذا العالم”.

 —————————

العزل في زمن كورونا وبحث الديمقراطية عن جمهور/ وائل قيس

شهدت الخارطة العالمية ملحمة شعبية بلغت ذروتها في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي، بعدما انتفضت الشعوب على المستوى العالمي، واستمرت في زخمها حتى ما بعد بداية العقد الجديد قرابة شهرين، قبل أن تتوقف بعد إعلان منظمة الصحة العالمية تحوّل فيروس كورونا الجديد (كوفيد-19) إلى جائحة، وحث جميع الدول على تفعيل المزيد من إجراءات السلامة إلى أن وصلت مرحلة الحجز المنزلي لحصر أعداد المصابين.

اليوم مع اتخاذ الدول المزيد من الإجراءات المشدّدة بالتعاون مع المنظمة الأممية التي خصصت جميع مواردها للتحذير من التجمعات العامة أو عدم الخروج من المنزل إلا عند الضرورة القصوى، وفرض القيود على مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي محذرةً من نشر معلومات مضللة قد تثير الشك لدى الآخرين تحت طائلة العقوبات القانونية؛ وفي دول أخرى أعيد فرض قوانين الطوارئ بحجج مختلفة تشرعنها الدساستير المنصوص عليها، الأمر الذي أدى في نهايته لتعطيل الحراك الديمقراطي في وقت واحد عالميًا.

الصين تعيد استنساخ تجاربها القمعية لمكافحة الفيروس 

قبل انتشار الفيروس بأقل من عام كانت بكين في طريقها لفقدان السيطرة على جزيرة هونغ كونغ بعد الحراك الديمقراطي الذي شهدته الجزيرة لمنع حكومة بكين المركزية من تقييد الحريات المدنية والاقتصادية فيها بحكم اتفاقية “دولة واحدة ونظامين”، كان من ضمن تأثير الاحتجاجات الأسبوعية التي شهدتها هونغ كونغ منذ حزيران/يونيو الماضي فشل بكين لا فقط بعدم إمكانية السيطرة عليها، بل استمرار المظاهرات في إطارها السلمي إلى  أن سجلت أول إصابة مطلع شباط/فبراير الماضي ما عطّل حركة الاحتجاجات.

فشلت بكين خلال الأشهر الماضية باحتواء احتجاجات هونغ كونغ، حتى في اللحظة التي حاولت فيها استنساخ تجربتها مع أقلية الإيغور في أقليم شينغيانغ، بفرض المزيد من الإجراءات التي تقيّد الحريات العامة، وغززت رقابتها مع الحدود الإدارية التي تربط الجزيرة مع البر الصيني، ما جعل تصنيف الجزيرة على مؤشر الحريات الاقتصادية يتراجع للمركز الثاني أمام سنغافورة، هذا فضلًا عن اعتمادها، ما قبل انتشار الفيروس، على الذكاء الاصطناعي لمراقبة المواطنين والأقاليم مستنسخة تجربة “الأخ الأكبر” في رواية 1984 لجورج أورويل.

لم تجد الصين الكثير من العناء لمكافحة الفيروس باستنساخها لتجاربها السابقة مع هونغ كونغ أو شينغيانغ، فالإجراءات التي بدأتها الصين بمنع المواطنين من التنقل بين المدن أو الأقاليم ونشر أفراد الجيش والشرطة في الشوارع مرورًا إلى مرحلتها القصوى بالحجر المنزلي، رغم أنها حققت النتيجة المطلوبة بدليل أنه يجري الترويج لخطة بكين الصحية عبر عديد المواقع الغربية، ودفع بدول تحولت بؤرة لتفشي الفيروس في أوروبا باللجوء لتجربتها، حتى أن بعض التقارير الصحفية تحدثت عن توبيخ الأطباء الصينيين للمسؤولين الإيطاليين بسبب عدم لجؤهم لتجربة بكين.

هل تتحمل بكين المسؤولية الإخلاقية لانتشار الفيروس؟

يتشابه تعاطي بكين مع المراحل الأولى لانتشار الفيروس على أراضيها مع حوادث سواء تاريخية أو معاصرة في تعاطيها مع الأوبئة على مر التاريخ؛ كانت مدينة هامبورغ تتمتع بحكم مستقل داخل الإمبراطورية الألمانية في القرن الـ19، نظرًا لامتلاكها ثاني أكبر ميناء في أوروبا مما جعل التجار يسيطرون على إدارة شؤونها الخاصة، وكانوا سببًا بتفشي وباء الكوليرا فيها بعدما قاموا بإخفاء وصول الوباء من روسيا لأن الحجر الصحي للحفاظ على مصالحهم التجارية، ومن حيثُ أن الوباء كان قد اختفى من أوروبا باستثناء روسيا القيصرية، فقد خلف في المدينة ما يقارب 10 آلاف حالة وفاة، وكان من الأثار التي خلفها جعله هامبورغ ألمانية أكثر بعدما كانت أكثر استبدادية بسبب سياستها المتأثرة بروسيا.

وفي حالة ثانية معاصرة، لا يمكن تجاهل الدور السلبي للسلطات المحلية الإيطالية في تعاطيها مع إدارة إقليم لومبارديا، عندما تجاهلت السلطات المحلية تأجيل مباراة نادي أتلانتا الإيطالي مع فالنسيا الإسباني على ستاد سان سيرو بحضور 40 ألف متفرج في إطار مسابقات دوري أبطال أوروبا عشية اليوم التالي للإعلان عن أول إصابة، أو عدم تقديم مقترح إقامة المباراة بدون جمهور، لاحقًا بعد عودة النادي الإسباني إلى مدينته أعلن عن إصابة 35 بالمائة من لاعبي الفريق، فضلًا عن إصرار اليمين الإيطالي على ممارسة الحياة بشكل طبيعي.

يمكننا سوق عديد الأمثلة على الجوانب الأخلاقية التي تتحملها حكومة بكين في انتشار الفيروس، واحد منها تحذير الخبراء الصينيين في وقت سابق العام الماضي من انتشار فيروسات تاجية قد تنتقل عبر الخفافيش مع وجود احتمالية متزايد لانتشاره في الصين، وأشار الخبراء في دراستهم إلى أنه خلال العقدين الماضيين انتشرت ثلاثة فيروسات تاجية أدت لوفاة عشرات الآلاف من الأشخاص بعد إصابتهم بها، علمًا أن انثنين من هذه الفيروسات كان مصدر نشأتهما الصين، حيثُ طالب الخبراء بالاستعداد لمواجهة الفيروسات التي ممكن أن تظهر مستقبلًا.

من هذا الجانب لا يمكننا نفي تحمل الصين مسؤولية أخلاقية في انتشار الفيروس بسبب عدم إعلانها عن أول حالة مما حوله لجائحة أوقفت العالم عن الحركة، ويأتي ذلك من جانب إخفائها انتشاره على أراضيها لأكثر من ستة أسابيع، لم يتصرف النظام الشيوعي بطريقة حاسمة لاحتوائه عند اكتشاف الطبيب لي وينليانغ لأول إصابة العام الماضي، خشيةً من التأثير سلبيًا على صراعها الاقتصادي العالمي مع واشنطن، بل قام على عكس ذلك بقمع جميع الأصوات التي حذرت من انتشار فيروس يشبه متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس).

تحاول بكين في المرحلة الراهنة التكفير عن أخطائها بتقديم الدعم الطبي واللوجستي للدول التي تعاني من الفيروس، كما الحال مع كمبوديا وإيطاليا ودول الكتلة الشرقية، وقامت كذلك الأمر بتقديم 20 مليون دولار لمنظمة الصحة العالمية في إطار الجهود المبذولة لمكافحته، بينما لا تزال دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تحاول جاهدة الحد من انتشاره بشكل واسع، لكن على الجانب الآخر يصف كلايف هاميلتون موقف بكين الراهن دوليًا بأنه “إعادة كتابة لتاريخ” الفيروس التاجي، والتي يوضحها جوليان كو بأنه سينظر إليها في المستقل بدرجة “أقل قسوة في ضوء إخفاقات الحكومات الأخرى في الاستجابة بفعالية” لمكافحته.

العالم  يستنسخ التجربة الصينية لمكافحة الفيروس

تستوجب حالة قبول الإجراءات الصحية من قبل الجميع رغم أن فرضها من قبل السلطات المحلية على المستوى العالمي جاء بالقوة دراسة خاصة تفسر الأسباب التي أدت بسكان العالم للرضوخ لأوامر السلطات المحلية رغم أنها تجاوزت القوانين الدستورية في بعضها، وظهور مخاوف من تعزيز الديكتاتوريات السياسية والعسكرية قبضتهم في الحكم، فضلًا عن الساسيين أصحاب الميول الاستبدادية الذين سيسعون لإضعاف المؤسسات الديمقراطية في بلادهم.

كان انتشار الفيروس ثقيلًا على الخارطة العالمية مع فرض المزيد من القيود على الحريات الشخصية للحد من انتشاره، فقد رصدت وكالة الأنباء الفرنسية مطالبة أكثر من ثلاثة مليارات شخص في ما لا يقل على 70 بلدًا ومنطقة بملازمة منازلهم تحسبًا من انتشاره، مع اتخاذ المزيد من الإجراءات بإيقاف حركة الملاحة الجوية، يمكن القول إن العالم توقف عن النبض، باستثناء الصراعات العسكرية التي تشهدها منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتنامي المخاوف من انتشار الإصابة في مخيمات اللاجئين المعزولين عن العالم إلا من أنفسهم لدرجة عدم السيطرة عليه.

يقول المؤرخ البريطاني ريتشارد إيفانز إنه عندما حاولت السلطات المحلية سواء في بريطانيا عام 1832 أو نابولي 1884 فرض الحجر الصحي والعزل بسبب تفشي وباء الكوليرا، قُوبلت بموجة من أعمال الشغب بسبب تدخل السلطات المحلية بشؤون الناس الخاصة، لكننا اليوم نطالب السلطات المحلية بالتدخل لمكافحة الفيروس وفرض المزيد من الإجراءات القانونية، مرجعًا ذلك لأن الناس في الوقت الراهن يقبلون بنصائح الأطباء.

لا ينفي إيفانز وجود اختلافات مثيرة للاهتمام في تعاطي الدول مع الجائحة العالمية، فهو يرى أن استجابة بريطانيا للفيروس لم تخرج عن التقاليد باعتمادها على العمل التطوعي والليبرالية وعدم تدخل الدولة رغم الضغوط الهائلة التي فرضت على الحكومة، في حين عند النظر لدول أوروبية أقوى مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، نجد أن الحكومات مطالبة من المواطنين بفرض المزيد من القيود، ما يدل على وجود فوارق كبيرة في التقاليد والثقافة السياسية، حتى في الصين على سبيل المثال كان من السهل فرض القوانين والقيود.

يعطي حديث إيفانز صورةً شبه كاملة عمّا يحصل اليوم في طريقة التعاطي الشعبي مع الفيروس، ويمكن ملاحظة عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي يروج متابيعها لهاشتاغ “خليك بالبيت” بجميع لغات العالم الحية، ومحاولة نشر مواد مجانية مختلفة لتحفيز الآخرين على البقاء في المنزل، استجاب الجميع للقيود التي فرضتها السلطات الرسمية باستنساخ التجربة الصينية، توقفت خارطة الاحتجاجات العالمية عن تحديث نفسها، وتحولت بدلًا من ذلك إلى خارطة تحدث يوميًا أعداد الوفيات والإصابات وأخر التعميمات الصحية، ما يضع الديكتاتوريات والقادة السياسيين في خانة الفائدة من الجائحة العالمية على المستوى المحلي.

يحضر في هذه الصيغة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، أحد أهم الرموز الشعبوية الفاشية في الاتحاد الأوروبي، باتخاذه سلسلة من القرارات تحت ذريعة الطوارئ الصحية التي يكفلها القانون المجري، كان أخرها تمرير تشريع ينتظر موافقة البرلمان المجري ليُمنح بموجبه سلطات طوارئ واسعة يستطيع فيها حكم البلاد لفترة طويلة، كما أنه من بين التوقعات التي نشرتها الصحف الغربية أن يقوم الرئيس ترامب بتأجيل موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضين بالأخص بعد اقتراب الديمقراطيين من تثبيت اختيارهم على نائب الرئيس السابق جون بايدن لمنافسته.

على أرض الواقع ارتفعت ثقة الفرنسيين بالرئيس إيمانويل ماكرون إلى 51 بالمائة بعدما كانت تحت نسبة 50 بالمائة لمدة عامين تقريبًا، بينما ارتفعت ثقة الفرنسيين بالحكومة إلى 54 بالمائة بسبب الطريقة التي استجابت فيها الحكومة الفرنسية لمكافحة الفيروس، حتى ما قبل فرض القوانين المشددة كانت الحكومة الفرنسية تواجه أزمة غير مسبوقة بسبب حركة السترات الصفراء الاحتجاجية الرافضة لحزمة القرارات المرتبطة بنظام الرعاية الصحية وحقوق العمال، لكن مع انتشاره تراجعت جميع المطالب أمام الالتزام بالقوانين لمكافحته.

وفي الحالة التشيلية يواجه المحتجون خطر خسارة مكاسبهم التي حققوها في احتجاجاتهم اليومية منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لكن مكاسب التشيليين تواجه خطر خسارتها بعد تأجيل البرلمان التشيلي الاستفتاء الشعبي على إعادة كتابة الدستور من 26 نيسان/أبريل إلى 26 تشرين الأول/أكتوبر، ومع إعلان الرئيس سبستيان بينييرا المزيد من القيود التي تحد من الحريات العامة بدأت السلطات المحلية بإزالة الرسوم الفنية للمحتجين من ساحة بلازا إيطاليا بالعاصمة سانتياغو مركز الاحتجاجات الرئيسي، خطوة وصفها عالم الأنثروبولوجيا نيكو سيلفا بأنها “غير مسؤولة قد تحفز المحتجين على العود إلى الساحة” مجددًا.

ديمقراطيات هشة أم ديمقراطيات كاملة؟

رصدت وكالة الأنباء الفرنسية مطالبة السلطات المحلية على مستوى العالم لأكثر من ثلاثة مليارات شخص في ما لا يقل على 70 بلدًا ومنطقة ملازمة منازلهم تحسبًا من انتشار الفيروس، مع اتخاذ المزيد من الإجراءات بإيقاف حركة الملاحة الجوية، يمكن القول إن العالم توقف عن الحركة، باستثناء الصراعات العسكرية التي تشهدها منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتنامي المخاوف من انتشار الإصابة في مخيمات اللاجئين المعزولين عن العالم إلا من أنفسهم لدرجة عدم السيطرة عليه، ما يجعلنا أمام فرضية أنه حتى الدول التي يعيش مواطنيها في نظام حكم ديمقراطي كامل ليست إلا “ديمقراطيات هشة”.

يمكننا خلال جولة سريعة على ملخصات الإجراءات التي فرضتها الدول لمكافحة الفيروس أن نلمس لجوء جميع السلطات الحاكمة لتفسير صارم للدستور من أجل فرض قوانين الحجر سواء الصحي أو المنرلي، فالدساتير المكتوبة بحسب ما يرى جون سي.كالهون يوجد لها العديد من المزايا أثبتت أنها كتبت كـ”أداة للتصديق على توسيع نطاق سلطة الدولة وليس العكس”، فقد “أثبتت فكرة ربط السلطة بسلسلة دستور مكتوب أنها مجرد تجربة نبيلة فاشلة، كما ثبت أن فكرة وجود حكومة مقيدة للغاية هي طوباية جدًا”، لذلك “يجب إيجاد وسائل أخرى أكثر جذرية لمنع نمو الدولة العدوانية”.

يعطي هذا التفسير للدساتير المكتوبة التي لجأت إليها الحكومات العالمية لمكافحة الجائحة صورةً عما يمكن توقعه لعالم ما بعد فيروس كورونا، إذ يرفض عالم الاجتماع إيريك كلينينبرغ الفكرة القائلة بأن الفيروس قد يعزز من الحكومات الاستبدادية، لأننا في مرحلة تواجه فشل النظام الاجتماعي المعمول به في الأسواق “بشكل كارثي”، في مقابل زيادة تفضيل “سلوكيات الذات”، وسيؤدي الألم الذي سيتسبب به الفيروس لإعادة التفكير بالهوية والأشياء التي نحترمها، وقد يساعد على المدى البعيد باكتشاف “نسخة أفضل عن أنفسنا”.

وهو تفسير يتوافق في عرضه مع وجهة نظر الكاتبة سونيا شاه التي تتوقع أن تكون أفضل السيناريوهات المحتملة إجبار المجتمع على قبول القيود المفروضة على ثقافة المستهلك الجماعية، على اعتبار أنها الثمن المنطقي الذي ندفعه لحماية أنفسنا من الأمراض المعدية والكوارث الطبيعية مستقبلًا، مشيرةً إلى أن المجتمع أشبع رغباته طوال العقود الماضية بالتعدي على المزيد من أراضي الكوكب بالأنشطة الاصطناعية لإجبار الأنواع البرية على الاحتماء بالأجزاء المتبقية من الموائل القريبة من البشر، بمعنى إمكانية الذهاب لتقليص الأنشطة الصناعية والحفاظ على موائل الحياة البرية، في مقابل تعزيز النقاش في قضايا الرعايا الصحية.

في حين تتوقع الكاتبة كاثرين مانغو وارد قضاء الفيروس على الحواجز الاصطناعية التي تحولت بدون انتقال حياتنا بشكل كببر إلى الإنترنت، إذ أنه على الرغم من أن الأشياء لن تصبح افتراضية بالكامل، لأن الأجيال القديمة النافذة التي تتعامل مع البيروقراطيين الحذرين لا تزال غير قادرة على استيعاب أدوات الإنترنت المفيدة، والتي تعتقد أنها كانت ستستمر لسنوات لولا حدوث الأزمة، لكن عند دراسة الشركات تجارب العمل عن بعد سيكون من الصعب حرمان الموظفين من هذه الخيارات، حيثُ أن العمل من المنزل لا يتطلب إلا تحميل تطبيق أو اثنين والحصول على موافقة المدراء.

على جانب آخر من هذه التفاسير، يبرز موقف المفكر السلوفينيي سلافوي جيجك من الجائحة العالمية، على اعتبار أن الحجز الصحي المبرر على أسس علمية وطبية قد يساعد على انتشار فيروس “التفكير بمجتمع بديل، يتخطى حدود الدولة القومية، مجتمع يحقق نفسه في أشكال التعاون والتضامن العالميين”، بمعنى أننا سنكون مجبرين على إعادة “اختراع للشيوعية” تعتمد على “الثقة في الشعب والعلم”، معتبرًا أن أحد المفارقات الساخرة على توحيدنا ودفعنا للتضامن العالمي تجلّت “بشكل أوامر صارمة لتجنّب التواصل والاحتكاك مع الآخرين، بل حتى العزلة الذاتية”.

ويرفض جيجك فكرة تحكم الدولة بطريقة أفعالنا في مقابل وجوب تعلمنا “التحكم بذواتنا وضبطها”، وفيما يظهر إمكانية أن يكون “الواقع الافتراضي المساحة الوحيدة الآمنة”، وأن تصبح حرية التحرك في الفضاء العام تقتصر “على بضع جزر معزولة يملكها شديدو الثراء”، فإنه علينا في المقابل عدم نسيان أن مصطلحي “فيورس/فيروسي” مرتبطين بشبكة الأنترنت، لذا ما علينا رؤيته الآن عودتنا إلى “المعنى الأصلي والحرفي للمصطلح: العدوى الفيروسية تعمل جنبًا إلى جنب في كلي البعدين: الواقعي والافتراضي”، لذلك يرى بأن التهديد الذي تتعرض له قيمنا التحررية يجب أن يقابل بتغيير جذري لأنه الوحيد القادر على إنقاذنا.

العزل أولى مراحل نشوء الأنظمة التوتاليتارية

سجلت خارطة الاحتجاجات على المستوى العالمي ما يزيد على تنظيم 60 حركة احتجاج في شباط/فبراير الماضي، على أن مطالب المحتجين كانت مختلفة في عاملين أساسيين، أولًا أن جميع الاحتجاجات لم تخرج عن الإطار العام للمساواة الاجتماعية، والدفاع عن الحريات السياسية والمدنية، والتعددية الجنسية والثقافية، ومكافحة العنصرية والعنف ضد المرأة والأزمة المناخية.

وثانيًا طريقة تعاطي السلطات المحلية مع الاحتجاجات، إذ أنه بينما كانت قوات الأمن العراقية تفتح الرصاص على المحتجين السلميين في العاصمة بغداد، كان الآلاف يحتشدون  مدينة بريستول الإنكليزية أمام أنظار أفراد الشرطة البريطانية للاستماع إلى كلمة ناشطة المناخ السويدية غريتا تونبرغ التي انضمت إليهم للمشاركة في “أيام الجمع من أجل المستقبل” الأسبوعية.

هذا جانب آخر تتحمل مسؤوليته بكين لما كان لها من عدم إعلانها عن الفيروس أثرًا سلبيًا على خارطة الاحتجاجات العالمية مما سمح بإيقافها، تقول حنة أرندت “إن يكذب المرء إزاء العالم أجمع، أمر لا يعقل حدوثه بلا عاقبة إلا إذا تضافرت كل ظروف التسلط التوتاليتاري”، تراجعت الاحتجاجات العالمية أمام انتشاره المتسارع، فيما تكافح منظمة الصحة العالمية لإيجاد حلول جذرية لاحتوائه، إلا أن ذلك لا يمنع من إشارة بعض التقارير إلى مواجهتها انتقادات بسبب الإطراء الذي كالته لبكين في مكافحة انتشار الفيروس.

قدمت الصين للنظام التوتاليتاري العالمي فرصةً لم يكن يتوقعها عندما حجبت المعلومات الصحيحة المرتبطة بانتشار الفيروس في بداية الأمر، بعدما فشلت الحكومات المحلية في كبح غضبة الشارع لديها، تلاشى خلاف أنقرة مع الاتحاد الأوروبي بسبب أزمة اللاجئين على الحدود مع اليونان وبلغاريا، واستخدمته موسكو ذريعة لإصدار قانون يمنع التجمعات لأكثر من خمسة آلاف شخص بعد دعوات المعارضة للتظاهر احتجاجًا على مشروع التعديلات الدستورية الذي يتيح للرئيس بوتين البقاء بالسلطة حتى 2036، وفي هايتي غير معروف أين وصلت الأمور مع المحتجين الذين يطالبون برحيل الرئيس جوفينيل مويز المدعوم من واشنطن بسبب تردي الحياة الاقتصادية وقضايا الفساد المتهم بها.

مثّل مقترح الحجر الصحي أو المنزلي فرصة استطاعت استثمارها الأنظمة العالمية في مواجهة غضبة الشعوب، إذ تشير أرندت لحاجة الأنظمة الشمولية بطبيعة الحال إلى “ظروف خاصة تكون فيها الجماهير مفتتة ومتشظاة، منها إلى غياب مجتمع يتشكل من الجماهير”، وهو ما يمكن مقارنته بصعود حزب العمال الاشتراكي الوطني الألماني النازي بزعامة أدولف هتلر، وما قابله من صعود للحزب الشيوعي السوفييتي بزعامة جوزيف ستالين في موسكو، حيثُ أن الاثنان يعتبران نموذجًا للأنظمة الشمولية.

تستطيع هذه الأنظمة أن تتسلق هرم السلطة عبر تشكيل “مؤسسات سياسية جديدة كليًا، بعد أن تكون قد دمرت كل التقاليد الاجتماعية، والتشريعية والسياسية القائمة في البلاد”، ذلك أن السياسة “التوليتارية تشاء تحويل الجنس البشري إلى شعاع فاعل ومعصوم لقانون، يصير الناس، إذ يدفعونه بأجسادهم، خاضعين له سلبًا”، من حيث أنهم يقومون “بقذف المواطنين ثم يأخذونهم في مسار الطبيعة أو التاريخ بغية تسريع الحركة فيها، وعلى هذا فإنهم لا قبل لهم سوى أن يكونوا منفذي القانون الذي يلازم الحركة أو يكونوا ضحاياه”، إذ أنه في النهاية تنظر أرندت إلى مرحلة عزل المواطنين عن بعضهم على أنه أولى مراحل الأنظمة الشمولية التي يغيب فيها أي حقوق مطلقة للآخرين.

الترا صوت

————————–

الحياة في ظل كورونا.. طمأنينة أقل عزلة أكثر

إعداد: سارة يونس ومصطفى ديب

منتصف كانون الأوّل/ ديسمبر من العام الفائت 2019، كانت الصين على موعدٍ مع حرب مفاجأة، بدت فيها الطرف الأضعف في مواجهة عدوٍّ غير مرئيّ، ينفرد بفرض وتبديل خطوط وقواعد الاشتباك معهُ، كيفما يشاء، ومتى أراد. سريعًا، استنفرت السلطات الصينية كافّة قدراتها لمواجهة العدوّ الجديد، فيروس كورونا، الذي أخذ يتفشّى بسرعة قياسية، في الوقت الذي كانت فيه أعداد ضحاياه مستمرّة بالارتفاع بشكلٍ مخيف.

في ضوء ذلك، وفي موازاة إجراءات العزل التي حوّلت مُدنًا صينية كاملةً إلى مدن أشباح، تمامًا كما هو حال عدّة مُدن حول العالم بعد أن عمّ الوباء؛ يصير السؤال عن أحوال الناس في بؤر انتشار الفيروس ومُحطيها، سؤالًا ملحًّا: كيف يمُضي البشر أيامهم مُحاطين بخطرٍ يتهدّد حياتهم؟ كيف تعاطوا مع الأمر؟ مع التهويل الإعلاميّ؟ في هذه المادّة، يروي طلّاب من جنسيات مختلفة حكاياتهم وتجاربهم مع الوباء في الأيام الأولى لانتشاره.

المرأة ضعيفة.. لكنّ الطبيبة قوية

لولا انفجار فيروس “كورونا” لكان عيد الربيع لعام 2020 مهرجانًا استثنائيًا. ولكنّ هذا الوباء أو الكارثة الفادحة، تمكّن من محاصرة الجميع. وكما يقول النشيد الوطنيّ لجمهورية الصين الشعبية: “حان الوقت الأخطر بالنسبة إلى الأمّة الصينية”. الوقت المقصود هنا لا يقتصر على فترةٍ بعينها بل يشمل الفترة الحالية أيضًا، أي فترة التي ينتشر فيها الوباء.

وطني مريض؛ إنّه يعيش صراعًا صعبًا، وكلّنا مرتبطون بالوطن ارتباطًا وثيقًا. حتّى أعداد المُصابين نفسها والأخذة بالارتفاع يوميًا، كان لها أثرًا مُباشرًا عليّ، لأنّ الأمر لم يكن مجرّد انعكاس في منحنى لنمو أسي فقط بل هو أيضًا منحنى حزن متسارع وألم أبناء وطني الذين يُحاربون الموت. وأنا كنت شاهدة على هذا النموّ الأليم.

والداي طبيبان. كنت أتصوّر أنّنا سنجتمع لقضاء عطلة طويلة الربيع سويًا، وأنّ اجتماعنا هذا سيكون بداية لسنة صينية جديدة وجيّدة. ولكن في ليلة رأس السنة الجديدة، تلقّى أبي إشعارًا من رؤسائه يُفيد بأنّه مطلوب بسبب المحنة الراهنة. سارع أبي ودون أي تردّد لتلبية النداء هو والطاقم الطبّي الأوّل الذي توجّه نحو المعركة ضدّ الوباء. كانوا يتناوبون على العمل 24 ساعة في اليوم، عند نقطة الخروج السريع لإجراء الفحوصات للمارّة. هناك، لا أحد يعرف ما هي حالة الشخص التالي؛ هل هو مصاب؟ أو مصاب مشتبه به؟ لا أحد يعرف!

أبي في الأربعينيات من عمره. خلال حديث معه عبر مكالمة فيديو، عرفت أنّ وجباته الثلاث (مكرونة) فورية، ويشرب الماء البارد – على الرغم من أنّ شرب الماء الساخن عادة من عادات الصينيين – بسبب نقص اللوازم والمؤون اليومية. حتّى أنّ ملابسه الواقية تمزّقت بعد ارتدائها مرّات متعدّدة. وفي الوقت نفسه تلقّت أمّي اشعارًا للالتحاق بالعمل الذي كان زيارة المنازل للتحقّق من الإصابات وعزل العائدين من مدينة ووهان، عبر اختبار درجة الحرارة.

هناك مثل صيني يقول: المرأة ضعيفة، ولكنّ الأم قويّة. ولكنّني حينما رأيتها مرتدية ملابس الأطباء البيضاء أدركت أنّ المرأة ضعيفة، لكنّ الطبيبة قويّة. أمّا عندما عاد والداي إلى المنزل بعد شهر من الخدمة، شعرت أنّهما ليسا أبطالي وحدي فقط، لأنّ والداي هما صورة صغيرة عن مجموعة من الأطباء والممرّضين الصينيين أولئك الذين خاضوا حربًا من دون بارود، كانوا فيها ملائكة لم تتوانى عن إنقاذ الأمّة الصينية، إذ كانوا مندفعين نحو المواجهة، على الخطّ الفاصل بين الموت والحياة.

*زي واي يونغ، طالبة صينية في بكين.

أن توضع في الحجر الصحيّ يعني أنّك تقريبًا.. مُصاب بالفيروس

بحلول إجازة السنة القمرية، يتغيّر كلّ شيء في الصين، باعتبار أنّ رأس السنة هو الحدث الأعظم الذي يستعدّ له الصينيون ولعدّة أشهر. بالنسبة لي، وجدت في الأمر فرصة لزيارة المدن التي لم أزرها بعد، وكانت الوجهة الأولى هي شنغهاي. تواصلت مع صديق لي هناك لترتيب الزيارة، وهنا كانت المفاجأة، حينما أخبرني بأنّ الناس تهرب من المدينة التي طالها الخوف كما هو حال ووهان. في الوقت ذاته، وصلني إشعار من الجامعة مفاده البقاء في المنزل وموافاتهم بحالتي الصحّية يوميًا، حينها عرفت أنّ الوضع تأزم وخرج عن السيطرة.

أوّل شيء خطر لي حينها هو السفر والهروب، ولكنّني تراجعت لسببين، الأوّل عدم سماح الدول التي سأقصدها بالدخول باعتباري قادم من الصين، والثاني هو أنّ الطريق إلى المطار محفوف بالمخاطر. هكذا بقيت في الصين، في المجمع السكني الذي يشاركني السكن فيه طالب دكتوراه من العراق برفقة امرأة وثلاثة أولاد. كان الخوف يسيطر على العائلة برمّتها، حيث امتنعت الأمّ عن مغادرة البيت حتّى في أسوأ الحالات. أمّا الأب، فقد كان يمتنع عن الأكل مع ابنه من نفس الطبق، خشية أن يكون حاملًا للفيروس، وينقله لأولاده.

في الثامن من شباط/ فبراير أبلغوني من الجامعة بأنّ هناك حالة مشتبه بها في السكن المجاور لي، وبأنّها تخضع الآن للفحوصات الطبية. اتصلت بصديقي العراقيّ الذي يفصله عن المُصاب ثلاثة طوابق فقط، وحاولت مواساته من خلال التأكيد على أنّ الحالة مشتبه بها وليست مؤكّدة بعد، غير أنّ الجامعة أكّدت لي أنّ الحالة مؤكّدة.

أن توضع تحت الحجر الصحيّ يعني أنّك، تقريبًا، تحمل الفيروس. الحراسة تتعامل معك على أنّك مصاب. وضعوا طاولة أمام الباب ليضعوا عليها الطعام، يُنادى للمحجور ليأخذ حاجياته، ثمّ يبدؤون بتعقيم المكان بعد دخوله. في ذلك الوقت تدخّلت الحكومة العراقية وأجلت صديقي العراقيّ. شعرت بالحزن، لقد صنع منّا “كورونا” عائلة مترابطة. وبرحيله هو وأبنائه أيضًا، ودون عودة، أصبحت وحيدًا. ولكنّني كنت أطمئن عليهم دائمًا لأنّني كنت أثق أنّ إصابتي مرتبطة بهم، إن كانوا بخير يعني ذلك أنّني أيضًا بخير.

انتهت مدّة الحجر، 14 يومًا، ولم يظهر عليّ أي أعراض. كنت أريد أن أشارك فرحتي مع كلّ شخص أعرفه، ولكنّ الوصول إليهم لم يكن متاحًا. في النهاية، مرّت الأزمة بسلام، الأيام العصيبة انتهت، والأخبار هنا بدأت تستقرّ، وحالات الشفاء تتزايد أيضًا، وبسماح الجامعة لنا بالخروج، شعرنا بالطمأنينة. واليوم عادت الحياة إلى طبيعتها، مع بعض الإجراءات الأمنية والصحّية ولكن قريبًا سوف ينتهي الأمر. 

* مرتضى الرحبي، طالب يمني يدرس في الصين.

شعرتُ بأنّ منطقتنا ماتت رسميًا..

سمعت لأوّل مرّة عن انتشار الفيروس من والدتي التي تعيش في روسيا. كنّا في منتصف احتفال رأس السنة الصينية ولم نستطع حتّى أن نتخيّل أنّنا بعد يومين سنسمع عنه من مرشدي مدرستنا. في ذلك الوقت كان الجميع في مزاج العطلة، وقد صُدمنا عندما تلقينا مثل هذه الأخبار. لحسن الحظ جاء ردّ فعل إدارة الجامعة سريعًا، وقُدِّمت لنا تعليمات للوقاية ن الوباء. كان علينا أن نبدأ ارتداء الأقنعة، وكانت حركاتنا محدودة للغاية أيضًا. ولكن بهذه الوسائل، ما زلنا بصحّة جيّدة، وحرمنا الجامعي هو مكان أشعر فيه بالأمان حتّى هذه الساعة.

أسوأ ما في الأمر أنّه تم إغلاق جميع المتاجر تقريبًا، ولم نتمكّن أيضًا من الخروج أكثر من مرّتين في الأسبوع فقط، ولكن مع ذلك كان لدينا متطوّعون أحضروا لنا الطعام وجميع الأشياء الضرورية. على الطرف الآخر كانت والدتي وما زالت قلقة للغاية، لكنّني أحاول أن أطمئنها وأقنعها بأنّني في أمان هنا. وأنا أعتقد ذلك حقًّا. حصلت مؤخّرًا على بعض الأغراض، وأُتيحت لي الفرصة لاستذكار وطني الأم، والذي آمل حقًّا ألّا يتأثّر بالفيروس.

ولكنّنا هنا، في الصين، لا نزال نكافح معًا ونأمل أن يتحسّن الحال. قبل أسبوعين مثلًا، شعرت بأنّ منطقتنا ماتت رسميًا، ولكنّ الربيع جاء، وعادت الحياة أيضًا. بدأت المتاجر في العمل مرّة أخرى، ويمكنني أن أرى الأشخاص الذين يسيرون بحرّية في الشوارع. لدي شعور بأنّ عزلتنا وخوفنا سوف ينتهيان قريبًا.

* أليكس تارنتايفا: طالبة روسية تدرس في الصين.

البقاء في الحجر الصحيّ مرهق للغاية..

في عطلة الشتاء هذه، قرّرت البقاء في الصين. كانت لدي الكثير من الخطط، بما في ذلك التمعّن في مناظر شتوية جميلة جديدة في مدينة شيان، ومقابلة الأصدقاء الصينيين، والسفر حول الصين. ولكن للأسف، جاءت أنباء حول انتشار فيروس جديد. رغم ذلك، لم أشعر بالذعر، لأن بؤرة الانتشار كانت بعيدة جدًا عنّي. وحتّى عندما ظهر أوّل مصاب في شيان، لم يكن هناك أي ذعر، لأنّ إدارة الجامعة اتّخذت كلّ التدابير اللازمة لحماية جميع المقيمين في حرم الجامعة.

في البداية أغلقوا جميع البوابات باستثناء واحدة، ومنعوا دخول الغرباء ثمّ نُشرت تعليمات دقيقة حول كيفية التصرّف لمواجهة الوباء. اضطّررنا حينها إلى ارتداء الأقنعة والابتعاد عن الأماكن المزدحمة، وتجنّب الاجتماع مع بقيّة الطلّاب وغسل اليدين بانتظام. تمّ تنفيذ كل هذه التعليمات بسرعة كبيرة، وطُلب منّا أن نقدّم تقريرًا عن حالتنا الصحّية بشكل يوميّ، لا سيما درجة الحرارة، وذلك عبر تطبيق خاصّ.

في تلك الفترة، وبعد اكتشاف أوّل حالة إصابة قريبة منّا، سمعت أنّ الحكومة الروسية اتّخذت قرارًا بإجلاء الطلّاب والسياح الروس من مدينة ووهان، لكنّني لم أشعر أنّني أريد السفر، حتّى عندما كان ذلك مُتاحًا. أمّا والداي، فقد كانوا يتّصلون بي يومًا ويطلبون منّي العودة إلى المنزل، ولكنّي قرّرت البقاء في الصين، لأنّ فرصة الإصابة بالوباء أثناء الرحلة كانت عالية جدًا. لقد أرسلوا لي بعض الإمدادات، لكنّني للأسف لم أستلمها بعد بسبب الحجر.

البقاء في الحجر الصحيّ مرهق للغاية. لا يُمكنك الذهاب إلى أيّ مكان، لأنّ جميع المتاجر والمطاعم كانت مُغلقة، باستثناء سوبرماركت واحد. كما أنّ نافذة واحدة فقط في مقصف الحرم الجامعي الخاص بنا، كانت لا تزال تعمل. ولكن، لأكون صادقة، كان الطعام مثيرًا للاشمئزاز! في النهاية، من المهمّ جدًا تسليط الضوء على ردّة الفعل السريعة لإدارة الجامعة التي كلّفت متطوّعين من أجل الذهاب إلى السوبرماركت، لأنّه لم يكن مسموحًا لنا بالخروج أكثر من مرّتين في الأسبوع.

الآن، بات الوضع أفضل بكثير. ليس هناك المزيد من القيود على الخروج (لدينا مهلة زمنية محدّدة: ساعتان فقط) والمطاعم عادت للعمل مرّة أخرى. ولكنّ الحجر الصحيّ داخل الحرم الجامعي لم ينتهي بعد بشكلٍ كامل، ولهذا السبب لا تزال عملية التعليم تتمّ عبر الانترنت. أتمنى لكم جميعًا أن تبقوا في أمان. إذا كانت هناك إصابة في مدينتك، فالرجاء اتّباع الإرشادات أعلاه، فهي تُساعد حقًا.

* كايت كوندرشينا، طالبة روسية تدرس في الصين

تعد هذه الشهادات تجربة ضئيلة مقارنة بحجم انتشار فيروس كورونا وكارثيته التي أرخت بظلالها على كل الكوكب. لكنها تبقى روايات لتجارب هامة وقعت حقًا ولن يمحى أثرها بسهولة من وعي أصحابها، تمامًا كمزقع فيروس كورونا في وعي البشر التاريخي جمعيًا.

—————————

=====================================

تحديث 28 اذار 2020

——————————————-

كورونا الاستبداد والليبرالية/ عمر قدور

تنقل لنا الأخبار القادمة من سوريا أفضل وأتفه تمثيل لسلطات الاستبداد، صور سيارات الإطفاء التي “تعقّم” الشوارع وقرارات حظر التجول منذ المساء حتى الصباح، ثم في النهار مشاهد الأجساد المتراصة للحصول على ربطة خبز. سلطة الأسد ستستغل المناسبة لتكون بين الموقعين على رسالة إلى الأمم المتحدة تطالب برفع العقوبات الغربية عن الدول المتضررة منها، بزعم تحسين قدراتها على مواجهة كورونا، مع التذكير بما دأبت عليه حتى الآن من انعدام الشفافية إزاء هذا الملف أسوة بنهجها الدائم إزاء جميع الملفات، وبصرف النظر عن جدوى العقوبات مع هذا النوع من السلطات.

طهران، المعنية أيضاً برفع العقوبات، طردت منظمة “أطباء بلا حدود” التي كانت تنوي إنشاء مستشفى لمعالجة المصابين بسعة خمسين سريراً، وهذا رقم ليس زهيداً جداً مع شكوى جميع الدول من نقصان أجهزة التنفس الضرورية. من جهة أخرى، لم تتلكأ القيادة الإيرانية في استغلال الوباء سياسياً، بتوجيه اتهامات لواشنطن بخوض حرب بيولوجية ضدها، على الرغم من تفشي الوباء في الولايات المتحدة وصولاً إلى تصدرها قائمة الدول من حيث عدد الإصابات.

في الصين، اقتصر مؤخراً الإعلان عن الإصابات القليلة الجديدة على أولئك العائدين من الخارج، وعلى العالم كله الاقتناع بأن السلطات قد استطاعت محاصرة المرض داخلياً بموجب إجراءاتها الديكتاتورية جداً. على العالم الذي شهد تعتيم تلك السلطات على الوباء حتى أصبح عالمياً أن يصدّق اليوم “الأسطورة” الصينية في احتوائه، بل أن يقتدي بها، والاقتداء ينسحب ضمناً على النموذج الديكتاتوري الصيني الذي ينبغي أن يثير الإعجاب بوصفه صانعاً النهضة والنمو أثناء سنوات من تراجع الاقتصاديات الغربية، وقادراً على حجْر الصينيين كما لا تستطيع فعله الأنظمة الديموقراطية.

يتوجب علينا أيضاً تصديق الأرقام التي تعلنها موسكو، وبموجبها ليست قادرة فقط على احتواء المرض بل على مساعدة الآخرين، من دون أن نتوقف عند الأخبار التي تشير إلى عدم ملاءمة 80% من المعدات التي أرسلتها إلى إيطاليا، وذلك ما يحدث مع شحنات من الكمامات التي ترسلها الصين على سبيل المساعدة وهي غير مطابقة للمواصفات الصحية. كنا قد شهدنا نموذجاً آخر مشابهاً للاستغلال الإعلامي البشع، فمجموعة الأطباء الكوبيين التي ذهبت إلى إيطاليا من أجل المساعدة استهلت وصولها بلقطة تذكارية تحمل فيها صورة ضخمة لفيدل كاسترو، ومن المرجح أن تكون الصورة قد رافقت الفريق أثناء عمله في أفريقيا من قبل.

بالتأكيد الوضع في الديموقراطيات الغربية لا يمكن وصفه بالمثالي، فالأنظمة الصحية الغربية توالي انكشافها أمام ظرف استثنائي يعصف بها كالسيل. الشفافية الموجودة في هذه الدول تتيح إظهار نواقصها أو عجزها، وهو ما يحاول أعداء الديموقراطية استغلاله لصالح أنظمة الاستبداد والديكتاتورية. لكن، بعيداً عن ذلك الاستغلال الوضيع في مؤداه وتوقيته، يجب الانتباه إلى أن غالبية نخب اليمين والوسط الحاكمة في الغرب لم تتحرك على نحو استباقي جيد لمواجهة الوباء بعد افتضاح التكتم الصيني عليه.

بدرجات مختلفة، وبقصر نظر شديد، غلّبت الحكومات الغربية العامل الاقتصادي على معايير الصحة والسلامة العامة. في فرنسا مثلاً، ظهر قبل يومين تباين في الأرقام المعتمدة إحصائياً وتلك المعلنة من قبل جمعية الأطباء العامين، السبب هو طلب السلطات الصحية من المواطنين مراجعة أطبائهم العامين لتخفيف الضغط عن المستشفيات التي تعاني في الأصل نقصاً في الكادر الطبي والتمريضي، والنقص ثمرة عقود من تراجع الاهتمام بهذا القطاع الذي كان نموذجاً ساطعاً. في الجوار الألماني حيث النقص أقل، خاصة في الكادر التمريضي وفي أجهزة التنفس والإنعاش، سنرى نسبة منخفضة من الوفيات بالمقارنة مع العدد المعلن من الإصابات. مع عدم جهوزية البنية الصحية، تلكأت كافة الحكومات الغربية تقريباً في اتخاذ إجراءات وقائية ومن ثم سياسات مواجهة أكثر ديناميكية، كي تحافظ على النشاط الاقتصادي المعتاد، ولم تستفد الدول التي تأخر فيها ظهور الوباء من العبرة التي قدّمتها الدول الأسبق منها.

إن تحليلاً سريعاً للبيانات الإحصائية يظهر ارتفاع نسب الإصابة إلى عدد السكان في العديد من الدول الغربية مثل الولايات المتحدة التي قفزت بسرعة إلى صدارة الترتيب العالمي وتنذر بتدهور دراماتيكي، وفي دول أوروبية قليلة السكان مثل بلجيكا والنمسا والسويد وسويسرا وهولندا، بينما يدل التباين في نسبة الوفيات على الكفاءة السابقة للنظام الصحي وأحياناً على مدى عدالته. ما يثير الانتباه بقوة أن الحكومات الغربية عموماً لم تعتمد استراتيجية مواجهة متكاملة، سواء مجتمعة أو منفردة، ووجه النقد الذي يمكن توجيهه إليها هو عدم التضحية اقتصادياً لإنقاذ أكبر عدد ممكن من حيوات السكان. التضحية الاقتصادية المبكرة كانت لتسمح، فضلاً عن الإجراءات المتأخرة، بإعلان حالة تعبئة صحية، تُستنفر فيها الطواقم الطبية والتمريضية من العاملين والمتقاعدين، ويتفرغ بعض الشركات استثنائياً لإنتاج اللوازم الطبية وخاصة توفير الاختبارات الخاصة باكتشاف المرض وتقليص الفجوة الهائلة بين عدد أجهزة التنفس الموجودة والطلب الطارئ عليها. ما لم تُقدم عليه الحكومات الغربية كان يمكن أن يقدّم للعالم النموذج الأصدق والأفضل، وما لم تفعله ربما كان ببساطة يتطلب قيادات أعلى إحساساً بمسؤولياتها الإنسانية، إذا لم نقل أشدّ تحسساً لوصفٍ إبتُذل بوفرة وهو الحديث عن المسؤولية التاريخية.

رغم كل الانتقادات التي بدأت تُوجه في الغرب لأداء الحكومات، يبقى الأمل منعقداً على المخابر الغربية في اكتشاف علاج مؤقت يسبق اكتشاف اللقاح ما لم تحدث مفاجأة عظمى. لننسَ ما يشبه الطرفة التي أطلقها رئيس الوزراء الروسي قبل أيام، بتصريحه أن بلاده تعكف على اختبار ستة لقاحات، فالرقم يدل على الاستهتار لا الجدية، والمخابر التي لها باع في هذا النوع من الصناعة معروفة عالمياً وعددها لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة. الفجوة ليست فقط بين المستوى الغربي المتقدم للأبحاث ونظيره في دول لم تتخلص من إرثها الديكتاتوري أو الاستبدادي، هي أيضاً في الديموقراطيات الغربية بين وجود مراكز صحية هي الأهم في العالم إلى جانب أنظمة صحية عامة ليست على السوية ذاتها.

لو لم يظهر أسوأ ما في أنظمة الاستبداد بدءاً من التكتم الصيني على الوباء، وأسوأ ما في الديموقراطيات الغربية بتأخر التعاطي الجاد مع الوباء، لما كنا اليوم أمام أرقام من المصابين تتصاعد بنسب مهولة كل يوم وعلى مدار الساعة. الأسوأ لم نصل إليه بعد بحسب ما تنذر تصريحات من هنا وهناك، لكن الأسوأ على المدى البعيد أن المؤشرات الحالية لا تعِد الناجين بأن عالم ما بعد كورونا سيكون قد استخلص درساً إيجابياً مما قبله.

المدن

————————————

«تسونامي» الوباء يقترب من صدور السوريين تعليمات لمستشفيات دمشق بـ«دفن أسباب الوفاة مع الجثامين»/ إبراهيم حميدي

وصول «كورونا» إلى سوريا، يعني الكثير. ثقل الوباء في هذه البلد يختلف عن غيره. قد يكون تسلله إلى أراضي هذه البلاد المنكوبة، أكثر وطأة من أي بلد آخر. لا بيوت يبقى فيها كثير من السوريين ولا مستشفيات يلجأون إليها، بل خيمة إذا كانوا محظوظين. هنا، لسيارات الإسعاف معنى آخر ودور آخر. إنها بلاد منقسمة إلى 3 «مناطق نفوذ»، تهيمن فيها بطريقة أو أخرى 5 جيوش. بلاد عانت من الحرب طيلة سنوات. كانت تنتظر إشارات السلام، فإذا بطقوس الوباء تقترب رويداً رويداً من عنق البلاد وصدورهم وحناجرهم.

الموعد السري القاتل لـ«تسونامي كورونا»، هو في مايو (أيار) المقبل. ينتظر السوريون بقلق وهم حفاة وعراة. إلى حين ذلك، الحديث في دمشق عن هذا الفيروس دقيق وحساس. يجري الإعداد لـ«معركة الحسم» معه. لكن، الوفيات المتداولة شفوياً، هي بسبب «الالتهاب الرئوي». «كورونا» لم يدخل في القاموس الرسمي، سبباً للوفاة بعد.

في سوريا، تتراكم سلسلة من الأسباب تجعلها تقيم على حالة نادرة في التعاطي مع هذا الوباء:

أولاً، لم تعد الحكومة تسيطر على كامل أراضيها. منطقة فيها ثلثا سوريا ومعظم المدن الكبرى تدار من دمشق، لكن بنفوذ روسي وإيراني بقوتيه الخشنة والناعمة. الثلث الآخر، تدير معظمه الإدارة الذاتية الكردية تحت مظلة التحالف الدولي بقيادة أميركا في شرق الفرات وفصائل معارضة بدعم الجيش التركي وأدواته «التتريكية» بوسائل عسكرية وخدماتية في شمال سوريا وشمالها الغربي.

ما يجمع «الدول الثلاث في الدولة الواحدة»، هو تدهور القطاع الصحي. في مناطق الحكومة، هاجر الأطباء هرباً من الملاحقات أو الخدمة الإلزامية أو بحثاً عن حياة جديدة أو أنهم بقوا لكن في إطار العمل العسكري. وفي المناطق الخارجة عن سيطرتها، دمرت مستشفيات بغارات سورية وروسية وتراجعت قدرات البنية التحتية التي أقامتها مؤسسات مدنية سورية وغربية.

ثانياً، بالنسبة إلى مؤسسات الأمم المتحدة، العمل متاح قانونياً في دمشق باعتبار أن الحكومة هي ممثل البلاد، حسب المنظمة الدولية، وليس في مناطق المعارضة. لكن إقامة مؤسسات الأمم المتحدة في العاصمة السورية، جعلها «أسيرة» قرار الحكومة ومعطياتها وخطابها في السنوات السابقة. منعكسات ذلك، بدأت تظهر أكثر لدى بدء الإعدادات لمواجهة «كورونا».

ثالثاً، استعادت الحكومة السورية معظم النقاط الحدودية والمطارات، لكنها لا تزال بعيداً عن أن تكون جميعها في عهدة دمشق. هناك نوافذ مع العراق وتركيا لا تزال تحت سيطرة الإدارة الكردية أو فصائل معارضة. كان هناك قرار دولي سمح بتمرير المساعدات الدولية عبر الحدود، لكن عدد البوابات المرخصة، قلص بإرادة روسية في بداية العام الجاري، وهو بانتظار التمديد في منتصف العام الماضي. هذا يضيف تعقيدات راهنة.

رابعاً، خروج أكثر من نصف الشعب السوري من بيوتهم. أكثر من 6 ملايين لاجئ في دول الجوار وخارجها والباقي في مخيمات مكتظة في مناطق مختلفة في البلاد. وهناك أيضاً، نازحون في مناطق الحكومة.

خامساً، وجود أزمة اقتصادية تصاعدت في الأشهر الأخيرة جراء طول الحرب والعقوبات الخارجية، إضافة إلى تدهور سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي ليصل إلى 1200 ليرة مقابل الدولار، بعدما كان 46 ليرة في 2011. ويثير انقطاع الكهرباء ساعات طويلة قلقاً إضافياً في المنشآت الطبية.

سادساً، عقوبات أميركية وأوروبية على مؤسسات حكومية وشخصيات نافذة أو رجال أعمال بسبب دورهم في الحرب وقرب تطبيق «قانون قيصر» الذي أقره الكونغرس الأميركي نهاية العام الماضي، الذي يعاقب أي جهة أو شخص بسبب المساهمة في إعمار سوريا. أيضاً، تستمر العزلة السياسية على دمشق وتغيب سفارات معظم الدول الغربية والعربية عنها.

أمام هذا الواقع، سارع كل طرف إلى «تسييس» الحرب على «كورونا». موسكو قادت مع بكين ودمشق حملة لرفع العقوبات عن دمشق. إلى الآن، لم تغث الصين سوريا بطائرة فيها معدات طبية كما فعلت مع إيطاليا. واشنطن ودول غربية بدأت حملة لإطلاق السجناء ووقف النار لـ«محاربة الوباء». أما الأمم المتحدة، فهي منقسمة. العاملون في دمشق يميلون إلى رأي الحكومة. يقودون حملة لـ«رفع العقوبات»، لكنهم لا يخوضون حواراً لدفع الحكومة كي تكون شفافية في التعاطي مع الوباء. عملياً، تدفع هذه المؤسسات إلى المساهمة في معالجة وباء غير موجود رسمياً. قبل أيام حصل اجتماع تنسيقي في دمشق لمؤسسات أممية، غاب عنه كبار المسؤولين السوريين. جرى تكرار المطالب نفسها، لكن من دون حوار يتضمن الوصول إلى ضمانات وتأكيدات بوصول المساعدات إلى جميع الأراضي السورية وقبول تقديمها عبر المعابر الحدودية، إضافة إلى شمول ذلك بإيصال المعدات عبر نقاط التماس إلى مخيم الركبان قرب الحدود الأردنية الذي يضم 45 ألفاً ومناطق شمال غربي سوريا أو شمالها الشرقي، حيث يقيم ملايين السوريين معظمهم نازحون.

لكن ماذا عن الواقع الصحي في سوريا؟ حسب تقرير داخلي للأمم المتحدة وبحث أعده «برنامج أبحاث النزاعات» التابع لكلية لندن للاقتصاد الممول من الخارجية البريطانية، يمكن رسم الصورة الآتية:

– نقاط الدخول

تأثرت المعابر الحدودية بوضوح بتفشي الوباء، مع اتخاذ سوريا والدول المجاورة عدداً من الإجراءات الاحترازية. وأعلن عن وقف الرحلات الجوية إلى مطار دمشق الدولي، مع فرض إجراء حجر صحي إجباري على القادمين من دول بعينها. وأجرت وزارة الصحة فحصاً للعابرين من نقاط عبور برية ومطارات دمشق واللاذقية والقامشلي قبل إغلاقها.

ومنذ 26 يناير (كانون الثاني)، أعلنت الإدارة الذاتية عن إغلاق معبر فيشخابور- سيمالكا البري غير الرسمي أمام جميع صور حركة المرور غير الطارئة، مع استثناء يوم واحد في الأسبوع للحالات الإنسانية. وفي 23 مارس (آذار)، أعلنت الإدارة الذاتية إلغاء هذه التصاريح وإغلاق المعبر لأجل غير مسمى.

حالياً، غالبية الحدود البرية إلى داخل سوريا مغلقة، مع بعض الاستثناءات المحدودة (من الأردن وتركيا ولبنان)، أمام الشحنات التجارية وشحنات الإغاثة وحركة العاملين بالمجال الإنساني والمنظمات الدولية.

وأفادت الأمم المتحدة بفرض بعض القيود على نقاط العبور داخل سوريا، بما في ذلك نقطتا الطبقة والتايهة شمال شرقي البلاد، حيث تنتشر فرق طبية لإجراء عمليات مسح ويجري فرض قيود على حركة المدنيين والسلع والشاحنات. وذكرت تقارير عن تقييد حركة الدخول والخروج في تل عبيد أمام التجار والعاملين بالمجال الإنساني والإداري. وأغلقت نقطة عبور شانان في الرقة، وكذلك أبو زندان وعون أدات (شمال ريف منبج). ورغم التوجيهات الرسمية، وردت أنباء عن بعض الحركة العشوائية حول بعض نقاط العبور، حسب تقرير أممي.

– صورة عامة وذعر

هناك ذعر بدرجات مختلفة وإقبال على شراء الحاجات في دمشق وإدلب والقامشلي. داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، يجري توفير أكثر السلع الأساسية من جانب عدد محدود للغاية من الهياكل الاحتكارية ذات الصلة بمؤسسات حكومية. ويجري دعم أكثر السلع الأساسية وإتاحتها فقط من خلال تلك المنافذ. هناك صفوف من المواطنين في كل مكان للحصول على الحاجات الأساسية، بينما تبدو الأسواق مرهقة. وتسود حالة حادة من الذعر مع إسراع الجميع لشراء وتخزين الإمدادات. ويحمل هذا الأمر صعوبة بالغة نظراً لأن غالبية الأفراد يعيشون على دخل يومي.

ولا يقف وراء حالة الذعر تلك غياب المعلومات، وإنما حقيقة أن الناس ليس أمامهم خيار آخر. في الشوارع، تبدو الحركة طبيعية، لكن المتاجر أغلقت أبوابها جبراً. والمؤكد أن الاستمرار على هذا النحو سيخلق تداعيات اقتصادية بالغة الخطورة، خصوصاً أن معدلات الفقر في سوريا تفوق 80 في المائة.

ارتفعت أسعار الخبز في سوريا كغيره من الحاجات. وحدث نقص في سلع أساسية (بنسب تتراوح بين 10 في المائة و15 في المائة) وكذلك في أدوات التعقيم والحماية الشخصية؛ مثل أقنعة الوجه والقفازات ومطهر اليدين التي ارتفعت أسعارها بنسب بلغت 5000 في المائة.

تشير تقديرات بعض المصادر إلى أنه في سوريا بأكملها فقط 12 ألف سرير في المستشفيات. ووصل إلى دمشق منذ يومين ألف جهاز اختبار، لكن لا تتشارك الحكومة معلوماتها مع أي جهة حتى الآن. وأكدت مصادر في دمشق أنه «لم يجرِ تخصيص أي موارد لمكافحة كورونا بسبب معاناة الموازنة من الإفلاس». وترفض الحكومة إشراك المؤسسات الدولية في جمع المعلومات وإحصاءات أعداد العاملين بالمجال الصحي. وفي الوقت ذاته، فإن الأشخاص الذين يعانون أعراض الفيروس يخشون الذهاب إلى المستشفيات. وبالتأكيد، يحمل هذا المستوى من الخوف تداعيات خطيرة على صعيد أعمال العنف والتصعيد.

يتوقع خبراء دوليون في دمشق أن يصل الوباء إلى ذروته داخل سوريا في مايو (أيار) أو يونيو (حزيران). لكن حالياً، يجري الحديث عن الالتهاب الرئوي، وليس «كورونا»، تجنباً لإثارة مسألة الاستجابة الحكومية. وتفرض الحكومة حظر تجول جزئياً، لأنه في حال تسبب الفيروس في سقوط المئات أو الآلاف من الوفيات، فإن هناك قلقاً في دمشق من «منعكسات ذلك على الاستقرار للافتقار إلى القدرة على الاستجابة جراء تداعي منظومة الرعاية الصحية والتداعيات الاجتماعية والاقتصادية المروعة التي سيخلفها الوباء، في وقت أصبحت فيه قدرة البلاد على تحمل أي ضغوط إضافية محدودة للغاية»، حسب مسؤول غربي في دمشق.

يقول «مركز أبحاث النزاعات» إن العدد الأقصى لحالات الإصابة بالفيروس التي يمكن خضوعها للعلاج بصورة في سوريا يصل إلى 6500 حالة. ويضيف: «بمجرد تجاوز عدد الحالات المسجلة الحد المذكور البالغ 6500 حالة، من المتوقع انهيار نظام الرعاية الصحية مع الحاجة اللازمة لاتخاذ القرارات الترشيدية، مع توقعات بارتفاع المعدل الإجمالي للوفيات بما لا يقل عن نسبة 5 في المائة بين الحالات المصابة».

يضاف إلى ذلك، وجود نقص كبير في الوعي العام بمخاطر الفيروس، مع نقص كبير موازٍ في الموارد، وتدهور واضح ومستمر في الأوضاع العامة، الأمر الذي يجعلها معرضة وبشدة لمخاطر تفشي الوباء الفتاك على نطاق كبير تتعذر مواجهته أو تحمله.

– مناطق الحكومة

فرضت الحكومة مجموعة من الإجراءات الوقائية. في 24 مارس، أعلنت فرض حظر تجول ليلي بحلول مساء اليوم التالي. وأعلنت إغلاق جميع المدارس والجامعات والمعاهد حتى 2 أبريل (نيسان) 2020 على الأقل. كما جرى تعليق صلاة الجمعة والتجمعات داخل المساجد وجميع الفعاليات والتجمعات الكبرى وإغلاق جميع المطاعم والمقاهي والأندية الليلية والأندية الرياضية والثقافية. وقلصت مكاتب القطاع العام ساعات العمل بها وفرضت الحكومة تقليص قوة العمل الموجودة بالمكاتب إلى 40 في المائة.

في 22 مارس، أطلقت الحكومة السورية حملة تعقيم في المدارس والسجون والأماكن العامة، مثل المتنزهات ووسائل النقل العام بالمدن الكبرى والسفن التي ترسو بالموانئ. وجرى إرجاء الانتخابات البرلمانية من 13 أبريل حتى 20 مايو. وفرضت الإدارة الذاتية الكردية حظر تجول على المواطنين، بجانب إغلاق المدارس والجامعات والمعاهد.

وأعلنت دمشق عن 5 حالات إصابة مؤكدة فقط بـ«كورونا». لكن كثيراً من المؤشرات يوحي بأن الفيروس أكثر انتشاراً من ذلك بكثير داخل البلاد قياساً إلى الأوضاع في الدول المجاورة يشارك بعضها في العمليات العسكرية في سوريا. وقال المركز: «تواجه إيران تفاقماً كارثياً في أعداد حالات الإصابة بالفيروس، في وقت تشارك فيه بقوات عسكرية في سوريا. حتى وقت قريب للغاية كان الآلاف يتحركون ذهاباً وإياباً بين سوريا والعراق عبر مطار دمشق أو عبر قواعد عسكرية إيرانية في سوريا، خصوصاً في دير الزور الواقعة شرق البلاد، قرب الحدود مع العراق». ولوحظ أن دمشق قررت قبل أيام وضع أكثر من 100 شخص بالحجر الصحي بعد وصولهم من طهران.

الإعلان عن وجود إصابات أخذ منحى تدرجياً. في البداية اتخذت دمشق الإجراءات الوقائية قبل الإعلان عن إصابات. وكان لافتاً أنه بالتزامن مع نفي دمشق وجود مصابين أعلنت باكستان بداية الشهر، أن 7 أشخاص قادمين من سوريا تأكدت إصابتهم بالفيروس. وفي 24 مارس، أعلنت بغداد عن حالتي إصابة لشخصين جاءا من سوريا. وقال «مركز أبحاث النزاعات»: «هناك أدلة شفهية مهمة من داخل مناطق تخضع للسيطرة الحكومية حول وجود أفراد تظهر عليهم أعراض حادة للفيروس بعضهم توفي بالفعل. وهناك ارتفاع حاد في الوفيات الناجمة عن عدوى رئوية والالتهاب الرئوي بين مرضى تتجاوز أعمارهم 60 عاماً، ظاهرة قائمة عبر أرجاء مختلفة من البلاد». ونقل عن شخصين في «مستشفى المجتهد» في دمشق أنهما تلقيا «أوامر شفهية» من ضباط بالاستخبارات بدفن هذه القصص مع الموتى وعدم دق أي أجراس خطر» عبر وسائل الإعلام.

– مخيمات ولاجئون

هناك 71 ألف شخص لا يزالون مشردين بلا مأوى في شمال شرقي البلاد و15 ألفاً موزعون في مآوٍ جماعية، إضافة إلى مائة ألف يعيشون في 4 مخيمات للإيواء. وبالتنسيق مع الجهات الصحية، وضعت منظمة الصحة العالمية خطة للتوعية بمخاطر «كورونا» في المخيمات والملاجئ الجماعية. وجرى توزيع مواد المعلومات، والتعليم والاتصالات ذات الصلة بتعزيز النظافة الشخصية على نطاق واسع داخل المخيمات والمرافق المدعومة، وتم تقاسمها مع السلطات بغية تعميمها على نطاق أوسع. كما جرى توسيع نطاق التعزيز والتوعية بشأن النظافة العامة داخل المخيمات.

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) حذرت من أن مئات آلاف الأشخاص في شمال شرقي سوريا يواجهون مخاطر متزايدة بالإصابة بـ«كورونا» بسبب انقطاع إمدادات المياه.

ومنذ عدة أيام، أوقفت محطة مياه العلوك لإمدادات المياه في رأس العين، المدينة الواقعة على الحدود السورية – التركية والخاضعة لسيطرة تركيا وفصائل سورية مدعومة من أنقرة، ضخ المياه إلى المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الكردية السورية. وأكد «المرصد» أن انقطاع المياه قررته تركيا.

وتؤمن محطة العلوك المياه لنحو 460 ألف نسمة، بينهم سكان مدينة الحسكة ومخيم الهول للنازحين، حيث يقيم الآلاف من عائلات عناصر «داعش». وأسفرت ضغوط عن إعادة تشغيل المحطة. لكن الإدارة الكردية حذرت من أن المناطق الخاضعة لسيطرتها غير مجهزة بشكل كافٍ لمواجهة احتمال انتشار الوباء. وقال الجنرال مظلوم عبدي قائد «قوات سوريا الديمقراطية»، التي يدعمها التحالف الدولي بقيادة أميركا، إن «خطر انتشار الفيروس لدينا وارد جداً. لهذا قامت الإدارة باتخاذ عدة إجراءات مهمة من أجل مكافحة انتشار هذا الفيروس»، داعياً السكان إلى عزل أنفسهم في المنازل.

– «الكارثة الحقيقية»

للوضع الإنساني في «مثلث الشمال» في إدلب وبين أرياف حماة وحلب واللاذقية، حالة خاصة، بسبب الاكتظاظ البشري، حيث يقيم 3.5 مليون سوري معظمهم نازحون، وكان مسرحاً للعمليات العسكرية قبل وقف النار بموجب تفاهم روسي – تركي، إضافة إلى وجود تنظيمات مدرجة على قائمة مجلس الأمن بأنها «إرهابية».

منذ بداية العام، نزح أكثر من مليون مدني وهناك 60 ألفاً يعيشون في الحقول المفتوحة والمدارس والمساجد. وجرى إغلاق 62 منشأة صحية على مدار الشهرين الماضيين. كما فقد كثير من عمال الرعاية الصحية حياتهم أو أجبروا على الفرار خشية على أعمارهم. ونتيجة لذلك، لا يوجد في هذه المناطق أكثر من 166 طبيباً و64 منشأة صحية، من الذين يعملون بالحد الأدنى من البنية التحتية الممكنة بقدرات متدنية للغاية، حسب «برنامج أبحاث النزاعات». وقال أحمد المنظري، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في شرق المتوسط: «بدأ اختبار الحالات المُشتبه في إصابتهم بالفيروس في شمال غربي سوريا منذ يومين بعد وصول شحنة من 300 اختبار إلى أحد شركاء المنظمة. وسيصل 600 اختبار إضافي إلى المختبر في إدلب، ومن المقرر وصول شحنة من 5000 اختبار إلى مدينة إدلب الأسبوع المقبل. وتم توزيع معدات الوقاية الشخصية بالفعل على 21 مرفق رعاية صحية، كما تم شحن معدات وقاية شخصية إضافية للعاملين الصحيين في مدينتي إدلب وحلب هذا الأسبوع».

وتعاني المنظمات الصحية السورية غير الحكومية مع مديرية الصحة في إدلب من نقص مزمن في عدد الموظفين مع قلة التمويل. وقال الدكتور منذر خليل، رئيس المديرية الصحية في إدلب، إن «احتمالات تفشي فيروس كورونا مرتفعة للغاية» وسط مخاوف من كارثة. وحذر خليل من صعوبة أن تعمل خطة الاستجابة الطارئة بفاعلية كاملة في غياب الدعم الكامل من الجهات المانحة الدولية، وذلك بسبب تدهور قدرة المرافق الصحية الوطنية، ونقص الممرضين المدربين، ونقص وحدات العناية المركزة والتعطل المستمر لشبكات المياه والكهرباء، والحركة المستمرة للمواطنين النازحين داخلياً، مع عدم قدرة كثير من الناس على التكيف مع الضغوط الاقتصادية الناشئة عن العزل الذاتي مع تعليق الأنشطة الاقتصادية.

وتنظر منظمات المجتمع المدني في شراء أطقم الاختبار من الأسواق التركية، نظراً لانعدام الثقة مع دمشق. ودشنت حملات توعية مع تطوير كثير من استراتيجيات الاستجابة الأخرى التي تستكمل جهود مديرية الصحة في إدلب والمنظمات الصحية غير الحكومية الأخرى حيال مكافحة الوباء. كما قام عناصر «الدفاع المدني» بتعقيم مخيمات وأماكن مدمرة مستفيدين من وقف النار الذي قام وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو بزيارة دمشق التقى خلال الرئيس بشار الأسد لتأكيد تثبيتها حالياً.

الشرق الأوسط

————————————-

سوريا وأسئلة كورونا/ محمد ديبو

نتأمل تداعيات هذا الزلزال الكبير الذي ضرب مركبنا الأرضي ككل، لتتوحد البشرية للمرة الأولى، ربما في تاريخها كله، حول عدو واحد. ومع ذلك، لن نعدم أن نجد من يسعى لاستغلال هذا الفيروس لمأرب شخصية ودنيئة بما يدل على أن الوعي البشري لا زال قاصرا عن التفكير بالعالم وطنا للجميع، وبالبشرية كلها أسرة واحدة، أسرة تتعاضد معا لتتخلص من كوابيسها مجتمعة، لا من كابوس الكورونا فحسب

حين وقفت أمام سوبر ماركت “ريفي” في العاصمة الألمانية برلين يوم ٢٤ فبراير، متأملا الإجراءات الجديدة المتخذة ضد وباء كورونا، حيث بات هناك حارس يرتدي كفوفا في يديه ويضع كمامة، ينظم الدور أمام الباب ويمنع دخول أي أحد قبل خروج أحد من الداخل، واحد يدخل مقابل واحد يخرج كي لا يجتمع عدد كبير داخل السوبر ماركت، فيما طابور الناس يتزايد خارجا، حيث يلتزم كل منهم بما يقال له، ثم يعود ليترك مسافة متر على الأقل بينه وبين الذي يليه.. كان أول ما تذكرته، حين كانت أمي ترسلني في الطفولة لأقف أمام باب المؤسسة الاستهلاكية للحصول على حصة أسرتنا الشهرية من السكر والرز، حيث أقف في طابور طويل يتدافع فيه الناس تدافعا يمنعني من الوصول إلى البائع، ما يدفع أمي للحاق بي بعد يئسها من إمكانية تحصيلي “تمويناتنا” كما كانت تسميهم.

ما أتذكره عن سوريا في تلك الأيام، أن الناس كانت تعيش خوفا يوميا من فقدان الأشياء وعدم وجودها في اليوم التالي. وحين نقول فقدان الأشياء، فلا نعني بذلك الأشياء الترفيهية، بل الأشياء المتعلقة بحياة المواطن اليومية، مثل السكر والرز والطحين، حيث كان المواطنون تنازلوا طواعية منذ زمن طويل عن الحلويات والفواكه، إلى درجة أن من كان يجلب إلي بيته مادة مثل الموز في تلك الأيام، كان يعتبر غنيا في عرفنا، وهذا كان حال جيراننا الذين كان أباهم يعمل في الجمارك، حيث نراهم يأكلون البيض والموز وبعض الفواكه فيما نحن تقف على الدور لنحصل على سكر “نسفه سفا”، لتكون هذه حصتنا الوحيدة من حلويات الطفولة!

بين زمة ثمانيات القرن الماضي وأزمة كورونا اليوم، سيعيش السوريون خلال مسار الثورة السورية وتعرجاتها أهوالا قادمة من يوم الحشر، أهوال تبدو معها تخوفات العالم بأسره اليوم، على الرغم من قوتها ورعبها ومدى تهديدها البشرية جمعاء، وكأنها بروفة اعتادها السوريون الذين عانوا هذا الحجر الذي يقوم به الناس اليوم طواعية لإبعاد المرض عنهم، فيما عاناه السوريون قسرا وموتا واعتقالا، حجر يضاف له الكيماوي والموت جوعا والخوف والتهجير، وهو ما دفع أهالي كفر نبل الذين عوّدنا على السخرية المرة، ليس من أحوالنا فقط، بل من أحوال العالم الذي أسقطوه من أفكارهم وحساباتهم منذ زمن بعيد، ليتكتبوا عبارة مرة الدلالة والتساؤلات: “أيها العالم الذي أتعبه أسبوع من الحجر… تذكروا من يعانيه منذ تسع سنوات”، لنكون أمام أسئلة مرة فعلا: لماذا لم ينتبه الحاكمون لهذا العالم إلى هول ما يحصل في العالم من كوارث في مناطق أخرى، من أفغانستان إلى سورية والعراق ومالي والقارة السمراء واليمن وليبيا؟ ولما لم ينتبه البشر، إذا كان الحاكمون مشغولون بمصالحهم، إلى معاناة البشر في مناطق أخرى؟ هل يجب دائما أن تصيبنا الكارثة حتى ننتبه لما يحصل حولنا؟ لماذا صرفت ملايين الدولارات وترليوناتها على سباقات التسلح فيما البشرية عاجزة عن تصنيع لقاح يقي البشر، وهو لقاح تقول الدراسات أنه كان يمكن استخلاصه عبر استباق حدوث الكارثة التي تجتاحنا اليوم، لو صرفت الأموال على مراكز البحث العلمي المتخصصة بهذا النوع من الفيروسات، بدلا من صرفها في الحروب والتوسع وسباقات التسلح، التي تقف عاجزة اليوم عن فعل أي شيء في حرب البشرية كلها ضد الفيروس، بما يعني أن العالم مقبل على تحولات كثيرة وكثيفة وعميقة، تحولات لا يمكن التنبؤ بها اليوم، نظرا لأننا لا زلنا جميعا في مرحلة الصدمة، نتأمل تداعيات هذا الزلزال الكبير الذي ضرب مركبنا الأرضي ككل، لتتوحد البشرية للمرة الأولى، ربما في تاريخها كله، حول عدو واحد. ومع ذلك، لن نعدم أن نجد من يسعى لاستغلال هذا الفيروس لمأرب شخصية ودنيئة بما يدل على أن الوعي البشري لا زال قاصرا عن التفكير بالعالم وطنا للجميع، وبالبشرية كلها أسرة واحدة، أسرة تتعاضد معا لتتخلص من كوابيسها مجتمعة، لا من كابوس الكورونا فحسب. وهذا ما يدل عليه، الصراع بين شركات الدواء على التنافس على صناعة الدواء، لا لوضعه في خدمة البشرية، بل لاحتكاره وتكديس المزيد من الربح!

فيما يخصنا سوريا، لا شك أن وقع الجائحة أكبر وأعظم علينا من بقية العالم، إذ رغم أن السوريين يعانون القهر والموت منذ سنوات، ورغم أنهم في حجر إجباري، سواء في سورية أم دول الجوار أم على الحدود اليونانية أم في بلدان اللجوء حيث يعانون التهميش والعنصرية التي باتت تتكاثر كتكاثر كورونا نفسها، إلا أنهم الأقل حماية في مواجهة الفيروس، نظرا لفقرهم وعدم قدرتهم على شراء أبسط مستلزمات الحياة، ناهيك عن كون القطاع الصحي بات مستنزفا بالكامل، على طرفي الصراع، ففي جهة المعارضة لم يترك النظام وحماته الروس والإيرانيين والميليشيات المقاتلة إلى جانبها أي مشفى أو نقطة طبية إلا وقصفوها في حرب انتقام واضحة وعلنية أمام صمت العالم الذي يحتاج اليوم إلى كل ممرض وطبيب، حيث بات هؤلاء الذهب الذي ينبغي حمايته والاستحواذ عليه في الأزمة، فيما كانوا يسكتون عن قتلهم في الأمس! وفي مناطق النظام، حيث الفساد والرشوة من جهة والعقوبات الاقتصادية من جهة أخرى، يفتكون جميعهم بالجسد الصحي الضعيف والمتهالك أيضا جراء الحرب، والذي يزيد الطين بلة، وجود حكومة يعرف الجميع كذبها، لذا لا يمكن تصديقها في أي رقم تصدره.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار، التفات كل حكومات العالم إلى تأمين حاجات دواخلها الوطنية المتهالكة والخائفة بفعل الفيروس، فلنا أن نتوقع أن لا يد ممدودة للسوريين اليوم، ما لم نسعى نحن بأنفسنا لتنظيم أنفسنا عبر مبادرات فردية ومدنية علها تخفف مصابنا ومصاب أهلنا السوريين، فهل نفعل؟

جكاية ما انحكت

————————————–

إجراءات سورية جديدة لمواجهة كورونا… و40 جندياً إلى الحجر؟/ عدنان أحمد

اتخذت سلطات النظام السوري مزيداً من الإجراءات لمنع تفشي وباء كورونا في البلاد، وسط أنباء عن إصابة جنود من جراء الاختلاط مع المليشيات الإيرانية، فيما استنكر الائتلاف الوطني المعارض تأخر منظمة الصحة العالمية في تقديم الدعم للحكومة السورية المؤقتة، وتزويدها بالمعدات الضرورية لتطبيق التدابير الوقائية اللازمة لمنع تفشي الفيروس.

وقررت حكومة النظام مساء الجمعة، منع تنقل المواطنين بين المحافظات في جميع الأوقات اعتباراً من يوم الأحد المقبل، وحتى إشعار آخر، وذكرت وكالة أنباء “سانا” الرسمية أن “القرار استثنى الفعاليات التي تتطلب طبيعة عملها التنقل على الصعيد الصحي والغذائي”، ليضاف التدبير الجديد إلى حظر التجول الذي أعلن الأربعاء الماضي، ويبدأ من السابعة مساء وحتى السادسة صباحا.

كما أعلنت الحكومة تعليق العمل في جميع الوزارات والجهات التابعة لها حتى إشعار آخر، وطلبت تقليص أعداد العاملين المداومين في الجهات التي يكون من الضروري استمرار العمل فيها إلى أدنى حد ممكن، وإغلاق الأسواق والأنشطة التجارية والخدمية والثقافية والاجتماعية، باستثناء مراكز بيع المواد الغذائية والصيدليات والمراكز الصحية، كما أعلنت تمديد عطلة المدارس والجامعات حتى منتصف شهر إبريل/نيسان المقبل.

وحذرت “لجنة الإنقاذ الدولية” الثلاثاء الماضي، من تحول سورية إلى مركز لتفشى فيروس كورونا، بسبب سنوات الحرب وتدمير المرافق الصحية.

في غضون ذلك، ذكرت وسائل إعلام محلية أن ما يقارب 40 عنصرا من الفرقة الرابعة بجيش النظام، نقلوا إلى الحجر الصحي في ريف دمشق بعد التأكد من إصابتهم بفيروس كورونا، وأن المشفى العسكري أحال 8 عناصر في 19 مارس، إلى المشفى الوطني في القطيفة للإقامة في الحجر الصحي، بعد إجراء التحاليل الطبية التي أكَّدت إصابتهم بالفيروس، وأن قرابة 30 عنصراً ممن اختلطوا بهم خلال الأسبوع الماضي نقلوا إلى المشفى ذاته، بعد التأكد من إصابتهم.

ويتردد أن العناصر المصابين كانوا يؤدون خدمتهم العسكرية في كلية المدفعية في الراموسة جنوب غرب حلب، وأنهم أصيبوا بالفيروس بعد اختلاطهم بعناصر من “الحرس الثوري” الإيراني داخل كلية المدفعية.

وتحدثت مصادر إعلامية محلية عن استمرار تدفّق المليشيات الإيرانية عبر العراق إلى مناطق سيطرة النظام السوري برغم إعلانه رسميا عن إغلاق الحدود مع العراق. وحسب المرصد السوري لحقوق الانسان، فقد دخلت خلال الساعات الماضية 10 شاحنات مغطاة ترافقها سيارات عسكرية لـ”الحرس الثوري الإيراني” إلى مدينة البوكمال شرقي دير الزور، قادمةً من العراق.

من جهته، انتقد الائتلاف الوطني السوري المعارض تأخر منظمة الصحة العالمية والجهات الدولية المانحة عن تقديم الدعم للحكومة السورية المؤقتة، وتزويدها بالمعدات الضرورية لتطبيق التدابير الوقائية اللازمة لمنع تفشي فيروس كورونا.

وشدد بيان للائتلاف على ضرورة التواصل مع الأمم المتحدة والدول الصديقة والمنظمات الدولية، لحثّها على دعم الحكومة السورية المؤقتة في تطبيق التدابير الوقائية، وخاصة في ظل الأوضاع الصعبة التي يواجهها المدنيون نتيجة الانتشار الكبير للمخيمات، وعدم وجود الأماكن الصالحة للعزل المنزلي أو التباعد الاجتماعي، إضافة إلى النقص الكبير في المنشآت الطبية بعد دمار معظمها.

وقدّم وزير الصحة في الحكومة المؤقتة إحاطة حول الوضع الصحي في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، ونتائج الاختبارات التي أجريت على عدد من المرضى المشتبه في إصابتهم بفيروس كورونا، مشيرا إلى إنشاء ثلاث وحدات عزل في إدلب، و28 وحدة عزل مجتمعي، إضافة إلى تعقيم الأسواق، وإطلاق حملات توعية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وكانت وزارة الصحة في حكومة النظام قد أعلنت تسجيل خمس إصابات بفيروس كورونا، ووفقاً لمدير صحة ريف دمشق، فإنه لا يوجد حالياً في مشفى الزبداني للعزل الصحي سوى إصابة واحدة من الحالات الخمس التي أعلن عنها، بينما بقيت ثلاث حالات معزولة في فندق المطار لعدم ظهور أعراض عليهم، وإجمالي عدد المحجور عليهم وصل إلى 150 شخصاً منهم 55 شخصاً في الدوير، وهم الداخلون إلى البلاد بطريقة غير شرعية من لبنان، و14 في فندق المطار وهم باقي ركاب الطائرة التي قدمت من العربي الجديد

———————————————

كورونا وإبادة المسنين/ بيار عقيقي

لم تطرح أزمة فيروس كورونا أسئلة وجودية في بداياتها، وهذا ليس مطلوباً على كل حال، بل اقتصر الأمر عملياً على محاولة فهم الوباء، وكيفية تفشيه ومواجهته. منطقياً، لا يمكن التفكير بغير ذلك. لاحقاً تحوّل الموضوع إلى طرح أسئلة وجودية من نوع “لمن نمنح الأولوية في العلاج، لمسنّ أم لشاب؟” بذريعة عدم توفّر أدوات طبية كافية لعلاج جميع الحالات. هذا النوع من الأسئلة شرّع الأبواب أمام موضوع غريب، كان ينقصه الفوهرر أدولف هتلر أو الاستعماريون الأوروبيون في القرون الوسطى، لإعطاء نصائحهم في كيفية إبادة البشر، وهو “التضحية بالمسنّين عالمياً من أجل عالم أكثر شباباً”. ربما يكون السؤال الأهم: كيف تحوّلت البشرية، وهي تعاني من فيروس جماعي يغزوها، من فكرة “مواجهة الوباء” إلى فرضية “التضحية بكبار السنّ” في بضعة أسابيع؟ وهل يعني هذا أنه يمكن تطوير منطق “الإبادة” في حال واصل الوباء تفشّيه، ثم انتقاء فئات أخرى، عمرية أو عرقية أو إثنية، للتخلّص منها بغية إفساح المجال لآخرين في البقاء على قيد الحياة؟ حسناً، هل القيم الإنسانية، المفترض أن تكون أرستها سلسلة طويلة من التحركات العالمية من ثورات واحتجاجات عمالية ودروس الحروب المتلاحقة، يجب أن تنكسر أمام فيروسٍ ما بحجّة عدم توفر العلاج، وبالتالي منح الحقّ لقلّة بالتحكّم بمصير فئات محدّدة؟

هل يمكن تصوّر أن يتحول العالم، وبفعل الممارسة الديمقراطية، المفترض أن تطوّر النظرة إلى الإنسان، باعتباره فردا غنيّا يُحيي الكوكب، ويمهّد في العقود والقرون اللاحقة لغزو كواكب جديدة، إلى مطالب بـ”الانتقاء البشري” مهما كانت الأسباب؟ ألم يكن من الأجدى وضع حدّ لتمويل صناعة الأسلحة مثلاً، والانصراف إلى تحقيق التنمية وتأمين الطعام والطبابة والتعليم لكل إنسان على الكوكب؟ وإذا كان صعباً تطبيق مفهوم التنمية الشاملة، من قال إن التخلّص من فئات سكانية أمر سهل؟ أما الأسوأ فهو وجود من يتحدّث “بثقة” إعلامياً لترويج نظرية “الإبادة”، ربما حين تطاوله عملية الفرز التي ينادي بها قد يبدّل رأيه.

لم تصل البشرية إلى هذه المرحلة من تاريخها فقط لأن هناك من يظنّ أنّ في وسعه تحديد مصائر البشر، بل لأن البشر أبدوا رغبةً في البقاء على قيد الحياة، من الكهوف والمغاور إلى المدن والأرياف. وليس منطقياً أنه في وقتٍ يسعى فيه كثيرون إلى شرح فداحة الجرائم بحق الإنسانية في أي مكان في الكوكب، وعدم تصنيفها “أمرا عاديا واجبا حصوله”، يأتي من يظنّ نفسه قادرا على تحديد حق الحياة والموت لمطلق فرد، في زمنٍ ألغت فيه دول عدة قانون الإعدام من أحكامها القضائية.

عليكم فقط تخيّل فكرة لو أن من يتحدث بمنطق الإبادة كان حاكماً فعلياً في بلاده، وتحت سيطرته جيوش وقوى أمنية واستخباراتية، ما الذي كان سيفعله؟ هل سيضع المسنين في معتقلات أو غرف غاز مثلاً، أو تركهم يموتون جوعاً أو إهمالاً؟ تخيلوا فقط لو أن أحدهم كانت لديه القدرة على تطبيق أفكاره حالياً، كيف كان العالم ليُصبح، وكيف كنا قد انتقلنا من محاربة الوباء إلى محاربة المجرمين الذين يفكرون بمثل هذا التفكير، ولكان العالم قد دخل حربه العالمية الثالثة كما يروّج بعض عشاق “نظرية المؤامرة”.

البقاء على قيد الحياة لا يعني قتل آخرين. لسنا في حربٍ على كمية محدّدة من المياه أو الطعام، ولسنا مشرّدين في صحارى وبرارٍ فارغة، بل بتنا على مشارف نهضة علمية ـ تقنية، قادرة على تأمين الطعام والتعليم والطبابة لكل البشر. وكل من يقول إن العديد البشري بات أكبر من قدرة الكوكب على استيعابه، فليضحِّ بنفسه من أجل الآخرين إثباتاً لنظريته. وإذا كان من أمرٍ تجب مواجهته عالمياً، بعد القضاء على فيروس كورونا، فهو منطق أبطال الإبادة، لا نريد هتلر آخر في الجوار.

العربي الجديد

——————————–

كورونا: شجرة العائلة/ أحمد عمر

سمعت عشرات التقارير، وقرأت مئات الكهانات الصحافية، عن فيروس الكورونا، منها أنه سليل عائلة الإيبولا ذات الحسب والنسب وقلة الشرف، وذُكِر السارس أيضاً، وقيل إنَّه فيروس الكتروني تحوّل إلى فيروس حيوي، وهذا الرأي يشبه أفلاماً عن كائنات تمّ تخليقها في المخابر، فجعلت تطالب بحقها في الحياة، وهي قصة فيلم “رجل المائتي عام” الذي مثلّه الكوميدي روبن ويليامز.

الفيروس يذكِّر بفرانكنشتاين، وسلالته المتوحشة، ومن معطف فرانكنشتاين خرجت كل المخلوقات الخيالية المتوحشة، وعنوان الرواية الثاني، هو: إله النار الجديد.

فرانكنشتاين رواية كتبتها الكاتبة الإنجليزية ماري شيلي (1797-1851)، تروي قصة فيكتور فرانكنشتاين، وهو عالم شاب يختلق مخلوقًا غريبًا في تجربة علمية مخبرية غير تقليدية. بدأت ماري شيلي بكتابة القصة عندما كان عمرها 18 عامًا، ونشرت الطبعة الأولى من الرواية دون إعلان هويتها في لندن في 1 كانون الثاني من عام 1818، وهي في العشرين من عمرها. يتحدث الوحش إلى خالقه فيكتور فرانكنشتاين قائلًا: (يجب أن أكون أبوك آدم، لكني بدلًا من ذلك صرت إبليسك)!.

شاع أيضاً أنَّ سبب المرض هو أكل لحم الخفاش، ورأيت في فيلم وثائقي، نسرَ الغابات العملاق وقد اصطاد خفاشاً، فحاول أكله ثم ازدراه، فلحم الخفاش لا يُشتهى. وقيل إنَّ سبب الوباء أكل لحم القرد، ولحم الفئران، ولا خلاف كثيراً، فالخفاش قرد يرتدي عباءة، والخفاش فأر طائر يلبس قفطاناً أسود!

الصينيون أتباع عقيدة كونفوشية أخلاقية، عملية، لم تنتشر خارج الصين، وهم قوم يبيحون كل شيء طعاماً. ورأيت فيلماً وثائقياً لأتباع نظرية داروين الغربية، يأكلون لحم قرد حيٍّ حُبس أسفل المائدة، وفي المائدة فتحة حُبستْ بها رأسه، باشر الأكَلَة فتحَ رأس القرد بساطور، وراحوا يأكلون لحمه حياً، وهو يستغيث، وكان حريّاً بهؤلاء ألا يأكلوا لحم أبيهم القرد حسب النظرية. ورأيت فيلماً آخر لصينين يأكلون لحوم البشر، ويعلّبونه، وذكر التقرير إنه للتصدير أيضاً.

يمكن أن أتذكر أفلاماً لا حصر لها عن المخلوقات التي خرجت من معطف ماري شيلي، على سبيل المثال، فيلم “سيمون”، الذي مثلّ بطولته آل باتشينو. سيمون مخلوق رقيق، لكنها فراشة الكترونية، ووثن أيضاً، وفيلم “البريداتور”، الذي مثّل بطولته أرنولد شوارزينغر.

تبدأ حياة جديدة غالباً بعد كل جائحة ووباء، لنذكر قصة النبي نوح عليه السلام، وقصص الأنبياء الذين أرسل الله على أقوامهم التي أنكرتهم الرجز وحجارة من السماء، فأصبحوا في ديارهم جاثمين. المفاسد التي ارتكبتها الأقوام والتي تستوجب النوازل الكبرى كثيرة، وقد صنعها الإنسان المعاصر بيده في المخابر، إنه كان ظلوماً جهولا. وفي رواية “الحرافيش” لنجيب محفوظ، تبدأ دورة حياة جديدة مع عاشور الناجي، كأنه آدم الخليقة في الحارة، بعد وباء نجا منه، درويش هو نظير إبليس في الحارة وشريرها، ولن ينقضي الشرّ على الأرض. طمح الغرب، وعلى رأسه أمريكا إلى الفردوس الأرضي، فرأيناه يمرض مرضاً قاتلاً.

 عمل الغرب كثيراً لصناعة الفردوس، وشهير كتاب “نهاية التاريخ”، وكل فردوس له جحيم، مثل سوريا، وإيطاليا الآن. رؤيا الفردوس الأرضي غيبية “علمية”، تشبه الغيبية الدينية التواكلية، هدفها التقدم السريع نحو الفردوس العلمي المنظم الذي يعيش فيه الإنسان كالطفل في تناسق تام مع الطبيعة، وكأنه آدم قبل السقوط وقبل أن يكتسب معرفة الخير والشر، فالتقدم العلمي صار هدفاً بذاته بغض النظر عن العائد المعرفي والإنساني، أو السعادة والبؤس المجتلبين.

وهاهوذا ترامب يطمح إلى توظيف الكورونا لدورة رئاسية جديدة، أما السيسي والأسد، فيسعيان إلى مزيد من الأغاني والأناشيد والدعاية السياسية والبطولات، ويتعاملان معه كأنه ثورة، أو إخوان مسلمون. في التوراة: إن الله خلق العالم في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع من التعب، وكان نيتشه قد أعلن موت الله على يد الإنسان، وهاهو ذا الرب الجديد يرتاح سبعة أيام في الأسبوع، ماكثاً في بيته، خوفاً من دراكولا حقير لا يرى بالعين المجردة من المكبرات البصرية. المخلوقات الشريرة في الأدب العربي وخياله، من مخاليق الله، تُسجن أو تُؤسر، أو تُحرق بتعويذات أو بكلمات الله التامات، أما مخلوقات الشرّ الغربية المعاصرة، منذ أن سادت الآلة، وصار الإنسان لها عبداً، وهو يظن أنه سيِّدها، فهي وحوش كسرت قيودها، وصارت آلهة.

هناك فيلم كوميدي من جنوب إفريقيا في عام 1980 من تأليف وإخراج جيمي أويس، وهو الإصدار الأكثر نجاحًا من الناحية التجارية في تاريخ صناعة السينما في جنوب إفريقيا. ويروي قصة قبيلة برية أو “بدائية” حسب وصف شائع وظالم، تسقط عليها زجاجة كوكا كولا، فيشتعل الصراع بين أفراد القبيلة على امتلاكها، حتى كادت أن تدمّر القبيلة، وكأنها قنبلة. زجاجة وليس فرانكنشتاين. اسم الفيلم “الآلهة يجب أن تكون مجنونة”، وقد رأيته قديماً تحت عنوان: العالم يجب أن يكون مجنوناً.

 كان يمكن أن أذكر مضار مشروب “دراكولا”، لولا أن هذا يُخرج عربة المقال عن سكتها.

المدن

—————————

“لا تقلق.. كورونا يقتل كبار السنّ فقط”/ أحمد الحاج علي

قسوة العبارة أعادتني 35 عاماً إلى الوراء، يوم كانت الحرب تقتلع أرواحنا المحاصرة داخل كيلومتر مربع واحد. كنا أحياناً لا نكترث لموت كبير في السن، ومعظم الأحيان نُطلق النكات في ما يشبه الابتهاج بموتهم. لم أكن أعرف سرّ تلك الفرحة وأسبابها. ربما لشعور بأننا لسنا وحدنا كفتيان على مسرح الموت. أو أن الموت، الذي نخافه كجزء من طبيعتنا الإنسانية التي حاولنا إخفاءها بشعارات تمجّد البطولة، دونه حواجز عمرية، كما أردنا أن نصدّق.

الحرب، بأحد أشكالها، إعلان عن تراجع حضور الإنسانية، في أقل تقدير، فلم تكن الأسئلة ملحة حول قيمة المسنيّن كبشر، ولا عن شعور محبّين عاشوا وتعلّقوا بهم. تعاملنا معهم كأنهم كائنات بيولوجية لا يصح الحديث، حين ذكرهم، عن أبعاد نفسية وعاطفية. وأي سؤال أخلاقي هو نقيض مباشر لاستمرار الحرب و”ضرب لمعنويات الشباب”.

الشباب الذي كان يمثّل الأمل في الانتصار، كان موت واحد منه، يصيب المحاصَرين بانتكاسة معنوية، ويعيد طرح الأسئلة. بينما موت كبير في السنّ يؤخرها، طالما أن الجميع متساوون أمام الموت. بل في الشعور العميق، كان مخبأ حديث عن أن موت الكبار، حاجز أمام وصول الموت إلى الأصغر سناً. وأن برحيلهم، يأخذ الموت حصته اليومية المفترضة من المحاصرين. فالمعمِّرون يؤدّون وظيفة انتحارية فدائية، من دون أن تصنع منهم أبطالاً كما صنعت بشباب رحلوا، لأن كبار السن يفعلونها رغماً عنهم، وهم ليسوا أقوياء جسدياً كما صورة الأبطال في مخيلتنا.

ما كنا نقوله في الشارع قبل 35 عاماً، خلال الحرب، أصبحت تردده وسائل الإعلام في زمن كورونا، بخطاب شبه مباشر، بأن على الجمهور ألا يقلق، فالموت، من جرّاء كورونا، يُصيب كبار السن وبعض المرضى فقط! خطاب يتبنى بشكل غير مباشر بعض أفكار الحرب، بل وجوهر الخطاب النازي بتمجيد القوة الجسمانية. استخفاف بمئات الملايين من كبار السنّ الذين يستمعون على مدار الساعة لقنوات لا تملك أي حساسية أخلاقية تجاه فئة تعيش مرارة الشيخوخة وتراجع دورها الاجتماعي.

يتلقى المسنون اليوم اللكمات الإعلامية، التي تسبب الانكسار الوجداني، في عالم يستهويه حديث الأرقام الاقتصادية أكثر من الحديث عن فقدان فئة اجتماعية الروابط العاطفية مع فئات أخرى، وتقلقه فاتورة مصاريف الصحة، أكثر من جودة الصحة نفسها. وهو ما دفع إلى التعامل مع المسنين كعبء اقتصادي، ويظهر ذلك حين يخوضون معارك حول سنّ التقاعد، أو البحث عن الكلفة المادية لتمريضهم، وزادت في تلك الكلفة سنوات العمر الإضافية التي كفلها تقدّم الطب. وجاء مرض كورونا ليظهر أن التعامل مع هذه الفئة العمرية يترسّخ على أساس أنها أجساد مريضة، كأنهم ليسوا بشراً لهم حساسيتهم من خطاب الكراهية المتواري خلف أرقام جامدة.

العالم الذي كان بحاجة لحكمتهم في الماضي، صار يتحدّث عن تمكين الشباب ودورهم في التعامل مع التقانة خصوصاً. حتى دور المسنّ كراوٍ للقصص، لم يدعه “غوغل” يهنأ به. والظواهر اختلّت، فبعدما كانت ظاهرة تكبير العمر، كما يقول علماء الديموغرافيا، صارت هناك ظاهرة تصغير العمر. سيتركهم العالم ليعيشوا مرارة الشيخوخة، والخوف الدائم من التخلي فيما هم يكتشفون وَهْم الخلود الدنيوي، ويستعدون للمواجهة الأخيرة.

فيما نخوض معاركنا ضد كورونا، يجب ألا نرسب في اختبار أخلاقي، لنكتشف أننا بحاجة إلى العلاج ضد التمييز الذي أصاب، هذه المرة، فئة قد لا تملك الكثير من أدوات المقاومة، لكن علينا أن نُصدّق تولستوي بأن التقدم الأخلاقي للإنسانية ندين به لكبار السن. كورونا ليس مرضاً قاتلاً، بالعموم، لكن التمييز قاتل، كما تُخبر حكايات كثيرة. في النهاية يغلبني السؤال: لو لم أكن في عقدي الخامس هل كنتُ كتبت هذا المقال؟

المدن

————————-

أوروبا المنكوبة.. أو كيف تصنع رواية ديستوبيا؟/ أحمد عبد اللطيف

1

صورة أوروبا الموبوءة، انتشار الرعب، السوبر ماركتات المزدحمة والمفرغة من السلع الغذائية في ساعات محدودة، هذا الفراغ الذي خلفه فيروس كورونا وشغلته الوساوس، كان ملهماً للروائي والسينمائي الإسباني وأحد كتاب جريدة “الباييس”، دابيد ترويبا، ليكتب مقالاً بسيناريو ديستوبي عن مصير أوروبا مع هذا الفيروس، يطرح من خلاله أحد أهم الأسئلة المطروحة الآن على الطاولة الأوروبية: الهجرة، اللجوء، الحدود التي أقامتها أوروبا لتمنع العرب والأفارقة من المرور. يتخيل السيناريو تزايد المصابين بالكورونا، وعجز الصحة الأوروبية عن محاصرته، الكورونا في كل مكان ولا أحد يعرف كيف يمكن النجاة منه مع كل الإجراءات الاحترازية، وفي مقابل أوروبا الموبوءة، على الجانب الآخر من المتوسط حيث بلدان شمال أفريقيا وأفريقيا السمراء لا أثر كبير للكورونا لأن الفيروس يموت في درجات الحرارة المرتفعة، بحسب ما يتصور ترويبا. يتخيل السيناريو نجاة أفريقيا وإصابة أوروبا، ويمد الخيط على آخره لنرى: الأوروبيون يخرجون في جماعات نحو البحر المتوسط، يبحثون عن طريقة للوصول إلى النجاة في أفريقيا، لكنهم يتعثرون بالحواجز التي رفعوها من قبل أمام الأفارقة، يتعثرون في جدران العزل التي طالما واجهوا بها الأفارقة الفارين من بلدانهم الفقيرة والمنحوسة، الأوروبيون الآن يحاولون الإفلات منها، يركبون مراكب الهجرة إلى جنوب المتوسط، لكن يفاجئهم ما لم يكونوا يتوقعون: الجنود الأفارقة يقفون بأسلحة على أكتافهم، يصوّبون بسيل من الرصاص لإيقاف الأوروبيين الموبوئين، لمنعهم من الوصول إلى أراضيهم السليمة والخالية من الجائحة، يريد الأفارقة أن يحتفظوا بصحتهم سليمة غير موبوءة من عالم سينقرض من الوباء. في كل ذلك، ربما تظهر مافيات تهريب الأوروبيين لشمال أفريقيا، ربما تظهر صور لغرقى أوروبيين في البحر المتوسط. ما قدمته أوروبا لنفسها ستجنيه الآن، المهاجرون واللاجئون العرب والأفارقة الذين اضطرتهم ظروف الحياة الصعبة لترك بلادهم وعلائلاتهم يتفرجون الآن، ربما تدمع عيونهم لأن الطبيعة انتقمت لهم، ربما يشعرون بوخز الضمير لأنهم يتشفون بدون إرادة منهم، وربما يبكون إخوانهم في الإنسانية.

في كل ذلك ستظهر أصوات يمينية عالية في العالم العربي وأفريقيا يقولون “لن يمروا” وينادون بـ “غلق الحدود”، لكن أصواتاً يسارية أكثر اعتدالاً سترفع شعار الإنسان، لكنها للأسف بلا أثر ولا سلطة. جمعيات حقوق الإنسان والمتطوعين وجمعيات المرأة والطفل وجمعيات حقوق المهاجرين، ستظهر كلها في شمال أفريقيا لتقديم العلاج المناسب لعدد قليل جداً من الناجين من مذبحة الحدود، لكن كل ذلك لن يكون شيئاً يذكر في مقابل الآلاف أو الملايين الذين يقضون نحبهم على البر أو في البحر.

2

تبدو أوروبا الآن محاصرة، تعيش حالة رعب مهول، العديد من مدنها الكبرى تبدو حزينة وخالية. مدريد، مثلاً، المدينة التي لا تهدأ ولا تستكين، تبدو الآن يتيمة أو سيدة في حالة حداد. مطاعمها الممتلئة على الدوام وباراتها التي لا تخلو من زبائن آناء الليل وأطراف النهار صارت خالية، ومسارحها وسينماتها وأنشطتها الثقافية غدت متوقفة، ومدارسها وجامعاتها صارت فصولاً خاوية، حتى شوارعها تغير إيقاعها. في لحظة أدرك سكان العاصمة الإسبانية أن الخطر قد بدأ بالفعل بعد أن زاد عدد المصابين عن 40 ألفا لتسجل بذلك البلد الأوروبي الثاني بعد إيطاليا، ولتحتل مدريد مركز الصدارة من بين المدن الإسبانية، إذ استحوذت وحدها على ما يزيد عن نصف المصابين بالعدوى. كان الإجراء الحكومي الأصح، رغم أنه تأخر كثيراً، هو فرض حالة الطوارئ، وبموجبه لا يسمح لأي أحد بالخروج من البيت ما لم تكن قبلة الخروج هي المستشفى أو الصيدلية أو السوبر ماركت، وإغلاق كل المصالح الحكومية، واتباع نظام العمل من البيت لبعض الوظائف.

في مقابل ذلك، طرحت حكومة بدرو سانتشيث العديد من الحلول لمواجهة الأزمة، مثل التأميم المؤقت للمستشفيات الخاصة لتساعد مع المستشفيات العامة في استقبال المصابين، وضخ 200 مليون يورو لمواجهة الكورونا وما يترتب عليه من خسائر اقتصادية بالإضافة لتعويضات للعمالة المؤقتة والحرة، وغلق الحدود البرية والبحرية مع الدول المجاورة، أما خطوط الطيران فلم تفرض فيها أي توصيات خاصة بعد أن أغلقت الكثير من الدول خطوط طيرانها مع إسبانيا.

3

تبدو أوروبا محاصرة، بعد قرار ترامب بوقف الطيران بين أوروبا والولايات المتحدة، وهو أول قرار في التاريخ يمنع الأوروبيين من الحركة نحو أميركا، يزداد الحصار مع إعلان العديد من الدول وقف الطيران مع إيطاليا وإسبانيا، حتى بين دول الاتحاد الأوروبي نفسه بات الحصر بديهياً. التلفزيون الإسباني نقل استياء المواطنين في الرحلة الأخيرة من إيطاليا لمدريد، شكواهم أن أقرباءً لهم وأصدقاء لم يلحقوا بالطائرة الأخيرة وهم الآن عالقون في إيطاليا. أحداث المواطنين الأوروبيين العالقين في العديد من الدولة باتت حدثاً يومياً، سفر بغرض الرحلة لأيام سيكون بالنسبة لهم إقامة غير محددة المدة. لكن ذلك لن يكون آخر المطاف، فالعالم يبدو الآن مستشفى كبيرا، والفيروس لديه القدرة على الانتشار بشكل مريب، ورغم الإعلان عن لقاح لمواجهة الوباء الجديد من الصين، كوبا، ألمانيا، الولايات المتحدة، إلا أن ذلك لم يتحول إلى واقع. في النهاية، أي شكوى ضد الإجراءات الاحتزاية لن يبالي بها أحد، فلا شيء سيفوق الحفاظ على الحياة، ومع تزايد أرقام المصابين ستلجأ المستشفيات الأوروبية لتطبيق الاختيار الطبيعي والتنازل عن كبار السن.

  4

دابيد ترويبا لا يفعل شيئاً في السيناريو المتخيل غير قلب العملة على وجهها الآخر، كل ما سرده وما يمكن أن يسرده وما أضفته أنا من خيالي وما يمكن أن يضيفه آخرون ليس إلا الواقع الذي عاشه اللاجئون السوريون في السنوات الأخيرة، ليس إلا حياة المصريين المفقودة في البحر المتوسط في طريقهم إلى إيطاليا منذ سنوات مضت، ليس إلا حياة الأفارقة والمغاربة التي رفضت أوروبا استقبالهم وألقتهم في البحر وصوبت النار إلى قلوبهم المكلومة. حتى الذين نجوا من الموت لم ينجوا من الإسلاموفوبيا، لم ينجوا من كلمات قاسية عن أن العرب أو الأفارقة يسرقون العمل من الأوروبيين، لم ينجوا من تهم الإرهاب الجاهزة لمجرد أن اسمك عربي حتى لو كنت مسيحياً.

لا مقال دابيد ترويبا ولا تعليقي على المقال، بالطبع، يحملان أي سمة من التشفي، فنسب الأوروبيين المعادين للعرب والأفارقة تبقى قليلة مقارنة بالكل، لكنهم لسوء الحظ لديهم من السلطة والتأثير ما يجعل أصواتهم مسموعة. ليس تشفياً، إنما لحظة يجب أن يتوقف أمامها كل أوروبي ليراجع ضميره، ليتخلى عن أوهام نقاء العرق وطهارة الهوية، لينظر إلى العالم أجمع كبشر يجمعنا أكثر مما يفرقنا، وأننا لو اضطررنا في النهاية لنتقاسم هذا الكوكب فليس بوسعنا إلا أن نتقاسمه بالعدل والرحمة. ففي النهاية لا اللاجئون ولا المهاجرون اختار أي منهم مصيره بمحض إرادته، إذ ليس أفضل للمرء من أن يبقى في بلده لو كان صالحاً للحياة، يسافر كلما أتيح له ويطلّع على الثقافات الأخرى من باب الفضول والتعلم، لكن ظروف الحياة القاسية، كما يعلمها أي أوروبي، هي ما تدفع الناس للهرب من الموت إلى ما يظنونه الحياة.

5

الوباء الجديد، الذي لا أحد يعلم متى سينتهي ولا يمكن توقع عدد ضحاياه ولا أراضيهم،

لن يكون عابراً في تاريخ القرن الجديد، ستمتد آثاره لسنوات طويلة قادمة يتذكر فيها الآباء والأبناء كيف مرت عليهم الأيام العصيبة، وكيف كان الموت قريباً منهم. ستتغير نظرتنا إلى الحياة وإلى أنفسنا، ستتغير عاداتنا وتقاليدنا، ولعل التغير الكبير سيكون في الأوروبيين ومن عاشوا فيها، إذ ناموا ذات يوم بأحلام بالغد، فوجدوا الغد على باب بيوتهم بوباء قاتل. طرفا العالم، جنوب المتوسط وشماله بالتحديد، سيقفان على أرض واحدة من الألم، لأن الجميع قد عرف أن الموت، هذا المفهوم البعيد والغامض، أقرب إلينا من راحات أيادينا.

6

أغلب الظن أن مقال دابيد ترويبا الديستوبي لن يمر بدون أن يلفت الانتباه كثيراً. ولعله الحجر المناسب في المياه المناسبة. وربما يكون المقال هو البذرة الأولى لفيلم سيكتبه بنفسه ويخرجه، لو حدث ذلك سيكون أسرع فيلم عن الكورونا، وربما سيكون الفيلم الأكثر واقعية حتى لو اعتمد الخيال كنقطة انطلاق. المثير للحزن أن يسبق الواقع تنفيذ الفيلم، فتغدو المراكب المهاجرة من أوروبا لأفريقيا واقعاً نسمع عنه يومياً. 

ضفة ثالثة

——————————-

رفاييل ليوجييه:ذعر كورونا يشبه ذعرنا من وهم خطر الإسلاموية

بوعلام رمضاني

تتجاوز أهمية هذا الحديث، الذي أدلى به الفيلسوف والباحث السياسي والاجتماعي رفاييل ليوجييه لـ”ضفة ثالثة”، بكثير الإثارة الصحافية التي تفرض نفسها على القنوات التلفزيونية تحت وطأة فيروس كورونا المستمر بتداعياته الكارثية على كافة الأصعدة. فليوجييه، المعروف بتحديه لكل تجار التخويف باسم “الإرهاب الإسلامي دون غيره من أنواع الإرهاب”، كان ولا يزال حتى ساعة تحرير هذا الحديث، الكاتب الأول الذي أصيب بكورونا في فرنسا وربما في العالم رفقة عائلته المكونة من زوجته الطبيبة ومن خمسة أبناء كلهم يخضعون لهشاشة الإنسان من خلال الحجر الصحي تطبيقا لفلسفة المفكر الكبير باسكال على حد تعبيره. و”ضفة ثالثة”، التي تنفرد بهذا الحديث عربيا وفرنسيا وعالميا، حاورت ليوجييه هاتفيا ظهر يوم الخميس من منظور فكري سريع وعميق في الوقت نفسه، لكن بطريقة تصب في صلب المقاربة الفلسفية الواجب انتهاجها حيال كورونا، باعتبارها تحديا وجوديا جديدا.

الحديث كان فرصة عملية كي نعود معه إلى قناعاته الخاصة بصراعه الفكري مع نخبة فرنسية تسيطر على المشهد الإعلامي الفرنسي، وترى “أنه متواطئ مع الإسلاميين المتطرفين”، على حد تعبير كارولين فوريست التي ليست لها علاقة بالفكر في نظره.

هنا نص الحديث:

(*) بداية، هل من جديد تضيفونه بعد حديثكم لقناة “فرانس أنفو” عن إصابتكم كأول كاتب في فرنسا وفي العالم بكورونا؟

ـ أولا لا أعرف إن كنت الأول أو الثاني الذي أصيب بكورونا.

(*) لا لا… (بعد مقاطعة إجبارية مؤدبة).. إلى حد الآن، تعتبرون الأول في نظري أنا المتابع للأخبار ليل نهار.

ـ رد ضاحكا: “أوكي.. أوكي، أنا لا أتابع مثلكم بحكم مهنتكم”، قبل أن يضيف: لم أكن على علم بإصابتي بحكم غياب علامات المرض، خلافا لفلورنس أم أطفالي الطبيبة التي تعمل مديرة مستشفى جنوب شرقي فرنسا، ولا شك أنها أصيبت بالفيروس في بداية الشهر الجاري خلال زيارتها للولايات المتحدة في إطار مهني.

خضعت فلورنس بعد عودتها لعلاج، وتحسنت حالتها في بداية الأمر بفضل دواء “كلوروكوفين” قبل أن تتبين عدم فعاليته لاحقا. في هذه اللحظة التي أتحدث فيها إليكم، يمكن القول إن حقيقة إصابتي، وإصابة زوجتي، وثلاثة من أبنائي الخمسة، قد أصبحت من الماضي، ونحن نخضع للحجر الصحي ككل الفرنسيين في بيت واسع لحسن الحظ.

(*) الحمد لله..

ـ فعلا الحمد لله كما تقولون.

بقيت أكتب

(*) نتجاوز الجانب الشخصي الذي كان ضروريا إعلاميا ومنهجيا، وأسألكم: كيف بقيتم تقومون بعملكم كمفكر، وهل يمكن الحديث عن تغيير ما أملته كورونا؟

ـ لا… لأنني بقيت أكتب، واقرأ كالعادة لكن بإيقاع أقوى، ونعم، لأنني أصبحت أفكر في كيفية مقاربة الكارثة فلسفيا كما يقتضيه الظرف، لكن من منطلق يفرض عدم التسرع كما تعرفون.

(*) ماذا كنتم تكتبون، حينما سقط عليكم وباء كورونا كالصاعقة، وهل من سبق يمكن لكم تزويدنا به في شكل مساهمات ونشاطات فكرية وعناوين كتب؟

ـ بكل سرور. كنت أشتغل على بحث حول الهويات الشاملة للمشاركة به في تظاهرة كان يفترض أن تنظم في مرسيليا هذا الشهر. في الوقت نفسه، كنت أعمل على إنهاء كتاب بعنوان “بعد الإنسان” يعالج إشكالات وتداعيات الروبوتية.

(*) هل راح هو الآخر ضحية كورونا، وتأجل نشره حتى تاريخ غير معلوم؟

ـ يجدر لفت انتباه قراء موقعكم أن الكتاب ضخم، وأشتغل عليه منذ عدة أعوام، وعدت إليه مؤخرا بعد أن تركته لمدة جانبا. بصراحة، لا أعرف متى سينشر في ظل الظروف الصعبة وغير المسبوقة التي يمر بها قطاع النشر والكتاب بوجه عام، ويكمن القول إن إمكانية النشر تتأرجح بين داري “ساي” و”لا ديكوفرت”.

(*) كيف تفسرون عدم اهتمام الإعلام الفرنسي بكم بالقدر الكافي، كأول كاتب معروف أصيب مع زوجته وأبنائه، وشخصيا أستغرب عدم ظهوركم في القنوات التلفزيونية المعروفة منذ حواركم الذي استمعت إليه عبر أمواج “فرانس أنفو” الإذاعية التي تبث على مدار النهار والليل؟ وهل لذلك علاقة بمواقفكم المبدئية ضد الإسلاموفوبيين، كما سيأتي معنا بعد توقفنا عند منظوركم الفلسفي لمخلفات وماهية ومعاني كورونا؟

ـ لا أعتقد أنني رحت ضحية مواقفي المعادية للإسلاموفوبيين، كما تقولون، في الظرف العصيب الذي نمر فيه،

“أعمل على إنهاء كتاب “بعد الإنسان” يعالج إشكالات وتداعيات الروبوتية”

ولكنني لاحظت أن ذعرنا من كورونا يشبه ذعرنا من وهم خطر الإسلاموية الذي يروج له المثقفون الإعلاميون الذين تعرفهم بحكم عملكم في باريس. بطبيعة الحال، ما يحدث ليس له علاقة بالهلع الذي خلفته أوبئة عرفناها في القرون الوسطى، والطاعون الأسود في القرن الرابع عشر، والإنفلونزا الإسبانية التي خلفت حولي خمسين مليون ضحية.

(*) شخصيا ألح على القضية من وجهة نظر صحافية خالصة، وقناة مثل “بي أف أم تي في” ـ التي تتنافس بشراسة مع مثيلتها الأخت العدوة “سي نيوز” التي وظفت إريك زمور لرفع نسبة المشاهدة ـ من صالحها محاورتكم من منظور الإثارة التي تميزها.

ـ بصراحة لا أعرف، وشخصيا الأمر لا يعنيني، وخاصة إذا تبين أن محاورتي يمكن أن تدخل في صلب الإثارة كما تقولون.

(*) وماذا عن رأيكم في المعالجة الإعلامية والفكرية لكورونا بوجه عام؟

ـ بعد أن ضحك قال: لا أعرف إن كانت هناك معالجة فكرية جادة لكورونا، وكما قلت لكم سلفا، المعالجة الفكرية تتناقض مع التسرع، وللأسف نلاحظ جائحة كونية باسم الفكر تحت وطأة الذعر.

إعلاميا، يمكن قول الشيء نفسه تقريبا، ولكن لا يجب وضع الإعلام في كفة واحدة، وقناة مثل “فرانس كلتور” (فرنسا الثقافة) لا يمكن مقارنتها إعلاميا مع القناتين التلفزيونيتين المذكورتين مثلا.

(*) ألا تعتقدون أنه من الإجحاف القفز على ما قاله الفيلسوف الكبير إدغار موران بأن “كورونا تجبرنا على إيجاد فكر بديل يفتح لنا طريقا جديدا في المستقبل”.

ـ أنا معكم، لكن موران راح ضحية الهوس العاطفي، والتغطية الخبرية الجنونية للظرف غير المسبوق، وموران سبق أن حذر من طريقة العيش التي فرضتها العولمة، ونحن كما تعلم في صلب نقده لها. ليس هناك إلا موران كمفكر في فرنسا، ويوجد كثر مثله، وللأسف لا يُستمع إليهم بغض النظر عن مستوياتهم مقارنة به.

الضجيج الإعلامي

(*) غياب أسماء كبيرة فكرية، مثل التي عرفتها فرنسا في عز تألق فلاسفة كونيين، ساهم في التسطيح باسم فكر أصبح يمثله مثقفون إعلاميون وصفهم باسكال بونيفاس بالمثقفين المزيفين. من جهة أخرى، تراجع دور المثقفين، وانحسار سلطة الفكر الذي مثله الكثيرون قبل أن تبرز تحديات جديدة، أصبحا يتطلبان مقاربات بديلة كما قال موران. ما رأيكم في سياق أزمة كورونا المتعددة الأوجه والأبعاد؟

ـ كل هذا صحيح نسبيا، ولكن يجب الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الظرف التي حتمت متابعة إعلامية لكورونا بإيقاع جنوني كما أسلفت الذكر، وهو الإيقاع الذي لا يترك مكانا كافيا للفكر الذي يحتاج إلى الوقت لضمان التأني والتبصر والتعمق والتجرد. اليوم تدفق الضجيج الإعلامي في ظل كورونا، أصبح أقوى من صوت المفكر العقلاني والمنظر.

(*) برنار هنري ليفي علق متحدثا لقناة “إ 24” الإسرائيلية قائلاً: “ستمر كورونا، كما مر الإرهاب في إسرائيل” دون التلفظ بكلمة الفلسطيني رغم أنه كان يقصده. ما تعليقكم على كلام من يعتبر نفسه مفكرا كبيرا؟

ـ لا جديد تحت شمس ما يسمى بفكر هذا الرجل. أراد أن يلبس ما سبق أن ذكرته لك باعتبار كورونا فيروسا لكن بخلفية لا معنى، ولا رأس، ولا ذيل لها. لا أصدم بكلام هذا الرجل الذي عرف بخطاب فاقد للإقناع.

(*) هل يحزنكم أمر رجل آخر يدعي أنه مفكر هو إريك زمور الذي برز مجددا بفضل كورونا ـ إن صح التعبير ـ بعد أن هاجم رئيس الجمهورية دون تردد بدعوى تقاعس فرنسا في اتخاذ الاحتياطات اللازمة؟

ـ أجهل بالضبط ماذا قال، لأنني لا أهتم بهذا الرجل الذي تخصص في المتاجرة بالإسلام والمسلمين.

رغم أنني لا أعرف ماذا قال بالضبط عن رئيس الجمهورية كما تقولون، أزعم أن من صالحه أن يصنع الإثارة كما تعود أن يفعل، خاصة أن كورونا لم تترك له فرصة البقاء في فلك هوسه الإسلاموفوبي غير المسبوق. ذعر كورونا أنساه تجارة التخويف من الإسلام والمسلمين باسم محاربة التطرف الديني الإسلامي فقط.

الإسلاموفوبيون في بطالة!

(*) ماذا لو نلطف الجو قليلا إذا سمحتم، لأطلب تعليقكم على قول “بوبا” مغني الراب الشهير مازحا: “زمور في بطالة مقنعة لأن كورونا حالت دون تواجده كمتخصص في مهاجمة المسلمين والإسلام فقط”…

ـ ليس هو فقط، وكارولين فوريست التي تخصصت في التهجم علي، هي الأخرى في بطالة تقنية. زمور أيديولوجي وله قناعات، أما كارولين فهي صنيعة إعلامية، ولا تعرف ما تقول، ومهما يكن من أمر، يمكن القول إن بوبا لم يخطئ.

كورونا والموت

(*) نعود للجدية الفكرية الخالصة لأسألكم باعتباركم فيلسوفا أيضا: إلى أي حد يمكن إعتبار كورونا امتحانا فلسفيا غير مسبوق في علاقته بالموت والتي يبدو أن نزعة فكرية حديثة طاغية ما قد نسيتها أو تناستها؟

ـ سؤالكم يسعدني أكثر من الأسئلة السابقة، لأنه يدخل في صلب ما قلته في فيديو لموقع “بروت” (خام) الشبابي قبل أيام.

نعم، كورونا سمحت للموت بالبروز في مجتمعات غربية حديثة فشلت في القضاء عليه، وها هو الموت يبرز مجددا بشكل فيروسي يمكن أن يصيب رؤساء الجمهوريات والملوك والوزراء والأغنياء والفقراء وكل الأجناس. من جهة أخرى، الحداثة الإعلامية تسببت في هلع غير مسبوق، بسبب تدفق خبري جنوني نتيجة مفعول الإنترنت، الأمر الذي يسمح بتداول أي تطور بسرعة فائقة تزيد من الشك والريبة، وتعمق الإرهاق النفسي والقلق بشكل لم نعرفه من قبل.

(*) هل تقصدون المجتمعات التي نسيت الله (نيتشه وموت الله).

ـ إذا كنت لا أعبر بصيغة النسيان، يمكن القول إنها بلغت مستوى الإنكار بمفهوم التحليل النفساني والفصل عن الضمير الفردي والجماعي، وبكورونا أصبحنا نراها في كل الأوقات، وفي كل الأماكن، وعلى مقابض أبوابنا، الشيء الذي لا يطاق، ويحدث هذا في مجتمعات أعتقدت أنها سلمت من الضعف والهشاشة.

(*) أخيرا… ماذا يجب أن يقرأ الفرنسيون وغير الفرنسيين اليوم في ظل كورونا وكل ما مرّ معنا، حتى يتم تصحيح النظرة الغربية للحياة وللموت، وخاصة للموت، التي تقولون إنها فُصلت عن الضمير؟

ـ للأسف، كلمة الغرب التي أصبحت تستعمل بشكل غير موفق في الكثير من الحالات، قد غطت على الفيلسوف إيمانويل كانط الذي يعد غربيا حداثيا. لكن كانط كان مؤمنا بالله، وكتب فصلا عن ذلك في كتاب “نقد العقل الخالص”، وكانط آمن بأنه من العقلانية الإيمان بالله من خلال وجود غير محسوس يفسر كينونة العالم. انطلاقا مما قلت، يصبح كانط جديرا بالقراءة اليوم، وكذلك باسكال الذي أكد قبل اليوم أن الإنسان هش مهما ادعى من قوة.

(*) ربما أحرجكم إذا قلت إن هذا ما يتضمنه القرآن الكريم..

ـ أبدا… أبدا، كيف تريدون إحراجي أنا الذي كتبت مقالا بعنوان “كانط والإسلام” في مجلة “لي دو موند” (العالمان).

رفاييل ليوجييه: محلل اجتماعي وفيلسوف من مواليد عام 1976، وبروفيسور جامعي في معهد الدراسات السياسية بإكس أو برافنس جنوب فرنسا. مدير المرصد الديني بين أعوام 2006 و2014، وخريج جامعة أدنبرة، ومدرس في كولاج الفلسفة الدولي، وباحث في جامعة باريس 10. من مؤلفاته: علمانية “شرعية”: فرنسا وأديانها، خرافة الإسلاموية: بحث في هوس جماعي، هذه الشعبوية الزاحفة، عقدة السويس: الانهيار الفرنسي الحقيقي والأوروبي، حرب الحضارات لن تكون: التعايش والعنف في القرن الواحد والعشرين.

ضفة ثالثة

——————————————

تصاعد قياسي لخطاب الكراهية ضد الآسيويين بسبب “الفيروس الصيني

قالت شركة “L1ght”، المتخصصة في قياس الكراهية عبر الإنترنت، أن منصة “تويتر” تعاني ارتفاعاً قياسياً بنسبة 900 في المئة في خطاب الكراهية تجاه الصين والشعب الصيني، بعد تفشي فيروس كورونا المستجد.

وفيما حذرت جماعات حقوق الإنسان، إضافة إلى ناشطين وسياسيين أميركيين، من ارتفاع عدد الحوادث العنصرية الموجهة ضد الأميركيين الآسيويين، كشف تقرير الشركة أن هاشتاغات مثل #Kungflu و#chinesevirus و#communistvirus أصبحت شائعة جداً بين الأفراد الذين غردوا حول وباء كوفيد-19.

وحللت الشركة التي تعتمد على الذكاء الصناعي لاكتشاف المحتوى الضار في الشبكات الاجتماعية، الملايين من مواقع الويب والشبكات الاجتماعية ومنتديات الدردشة ومواقع الألعاب من شهر كانون الأول/ديسمبر 2019 حتى اليوم، إلى جانب تحليلها للصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية، بغرض تحديد الزيادة في نسبة خطاب الكراهية عبر الإنترنت.

وقال الباحثون أنهم رصدوا زيادة بنسبة 70% في الكلام الذي يحض على الكراهية بين الأطفال والمراهقين ضمن خدمات الدردشة عبر الإنترنت، في حين كانت هنالك زيادة بنسبة 40% في اللغة المسيئة ضمن منصات الألعاب الشائعة مثل “Discord”.

وبدأ تفشي فيروس كورونا المستجد في شهر كانون الأول/ديسمبر 2019 في مدينة ووهان الصينية، ثم انتشر بسرعة إلى كل بلد تقريباً حول العالم، وتشير أحدث الأرقام إلى وجود نحو 600 ألف إصابة وأكثر من 27 ألف حالة وفاة، ونفذت العديد من البلدان خلال الشهر الماضي عمليات حجر صحي إلزامي، ما أجبر الملايين من الناس على البقاء في المنزل.

وقال التقرير الذي نقلته مواقع متخصصة في الأخبار التقنية: “يقضي الناس مزيداً من الوقت في الشبكات الاجتماعية وتطبيقات الاتصال وغرف الدردشة وخدمات الألعاب، وقد أصبحت المشاكل المزمنة في هذه المنصات، الكراهية والإساءة والتنمر، أكثر حدة”. وأضافت: “يتم توجيه الكثير من هذه الكراهية والإساءة إلى الصين وسكانها، وكذلك الأفراد من أصل آسيوي في أجزاء أخرى من العالم”.

وأشارت التقارير إلى ارتفاع حدة خطاب الكراهية المنشور عبر الإنترنت بسبب الوباء الذي تم اكتشافه لأول مرة في الصين، ووجدت الدراسة أن التغريدات السامة تستخدم لغة صريحة لاتهام الآسيويين بحمل فيروس كورونا المستجد ولوم الأشخاص من أصل آسيوي كمجموعة لنشر الفيروس.

وكانت مقاطع الفيديو وصور انتشرت في مواقع التواصل، تظهر التنمر والتهجم على أشخاص أسيويين، خصوصاً في المطارات ووسائل النقل العامة وفي الشوارع. كما ظهرت صور لأشخاص آسيويين حملوا لافتات أشاروا فيها إلى أنهم ليسوا من الصين، خوفاً من هجمات ضدهم.

وشجعت وسائل إعلام رد الفعل العكسي ضد الآسيويين، وأوضح التقرير وجود مقطع فيديو منشور في شبكة “سكاي نيوز أستراليا” بعنوان: “الصين تسببت عمداً في إصابة العالم بفيروس كورونا”، ويحتوي هذا الفيديو الآن على أكثر من 5 آلاف تعليق، معظمها يدعو للكراهية.

ويقول المنتقدون أن إشارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المتكررة، إلى فيروس كورونا على أنه “الفيروس الصيني”، أدت أيضاً إلى رهاب الأجانب، وأدلى ترامب بهذا التصريح في وقت سابق من هذا الشهر خلال مؤتمر صحافي قال فيه: “إننا نشهد تطورات مهمة في حربنا ضد الفيروس الصيني”.

———————————

“كورونا” سوريا:اتصال بن زايد بالأسد انساني؟

مدد النظام السوري تعطيل المدارس والجامعات في البلاد حتى 16 نيسان/أبريل، بعدما كان محدداً لغاية الثاني منه، خوفاً من تفشي فيروس “كورونا” في البلاد.

وأعلن فريق النظام “المعني بمتابعة إجراءات التصدي لفيروس كورونا”، في بيان، “تعطيل المدارس العامة والخاصة والمستولى عليها وما في حكمها والمعاهد التابعة لها والجامعات الحكومية والخاصة والمعاهد العليا والتقانة من يوم 2-4-2020 ولغاية الخميس 16-4-2020”.

وكان النظام أعلن الجمعة أن حظراً للتنقل بين مراكز المحافظات والمناطق والأرياف سيبدأ الأحد وحتى إشعار آخر. والأربعاء بدأ النظام تطبيق حظر تجول ليلي من السادسة مساءً حتى السادسة صباحاً.

ولم يعترف النظام حتى الآن إلا بخمس إصابات ب”كورونا” في سوريا، في حين يتهم خبراء وأطباء سلطات النظام بالتستر على الإحصاءات، وتحذر منظمات إنسانية من كارثة في حال انتشار الفيروس في سوريا التي تعاني من تبعات الحرب.

على صعيد متصل بفيروس “كورونا”، أوضح وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، أن الاتصال الذي أجراه ولي عهد الامارات محمد بن زايد آل نهيان مع رئيس النظام السوري بشار الأسد يأتي بسياق الظروف الاستثنائية المرتبطة بالفيروس.

وقال قرقاش، عبر “تويتر”: “الظروف الاستثنائية المرتبطة بفيروس كورونا تتطلب خطوات غير مسبوقة، وتواصل الشيخ محمد بن زايد بالرئيس السوري هذا سياقه، البعد الإنساني له الأولوية وتعزيز الدور العربي يعبر عن توجه الإمارات، خطوة شجاعة تجاه الشعب السوري الشقيق تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة”.

وكان بن زايد نشر تغريدة قال فيها: “بحثت هاتفياً مع الرئيس السوري بشار الأسد تداعيات انتشار فيروس كورونا، وأكدت له دعم دولة الإمارات ومساعدتها للشعب السوري الشقيق في هذه الظروف الاستثنائية.. التضامن الإنساني في أوقات المحن يسمو فوق كل اعتبار، وسوريا العربية الشقيقة لن تبقى وحدها في هذه الظروف الحرجة”.

وأفادت وكالة أنباء النظام السوري (سانا) بأن الاتصال تم خلاله “بحث تداعيات انتشار فيروس “كورونا”.. وأكد ولي عهد أبو ظبي دعم الإمارات ومساعدتها للشعب السوري في هذه الظروف الاستثنائية وأن سوريا لن تبقى وحدها في هذه الظروف الحرجة”.

والإمارات أول دولة خليجية أعادت فتح سفارتها في دمشق نهاية عام 2018 بعد سبع سنوات على إغلاقها عام 2011 على خلفية اندلاع الثورة.

وذكّرت شبكة “شام” السورية بأن تقارير ووسائل إعلام موالية للنظام السوري، كشفت عن زيارة لرئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، عباس كامل، بتنسيق إماراتي، إلى العاصمة السورية دمشق، في 2 آذار/ مارس والتقى خلالها مسؤولين من النظام.

وأشارت التقارير، بحسب شبكة “شام”، إلى أن هناك تنسيقاً من قِبل المحور المصري الإماراتي السعودي، بتنفيذ من القاهرة، بشأن تقديم الدعم اللازم للنظام السوري، وقيادة مواجهة غير مباشرة مع تركيا على الأراضي السورية.

———————————-

كورونا سوريا:النظام ينشر مدرعات“SAV” الجديدة..خوفاً من الفوضى

نشرت وزارة الداخلية السورية مؤخراً عدداً من المركبات العسكرية المدرعة في الحواجز الأمنية والدوريات التابعة لها في عدد من المدن السورية بالتزامن مع فرض حظر التجول الليلي بسبب فيروس كورونا المستجد، وهذه المرة الأولى التي تستخدم فيها القوات الأمنية التابعة لنظام الأسد هذا النوع المركبات العسكرية الحديثة.

وتداول عدد من المواقع الإعلامية الموالية للنظام صوراً لمدرعات من طراز (SAV)، متوقفة بالقرب من دوار الكرة الأرضية وسط مدينة حلب، وصوراً أخرى لمركبات عسكرية تستخدم عادة لمكافحة الشغب وفض التظاهرات. وقالت المواقع إن المدرعات المستخدمة في الحواجز والدوريات هي جزء من المعدات التي حصلت عليها وزارة الداخلية وتم توزيعها على فروع الأمن الداخلي.

وأثار نشر المدرعات الحديثة الجدل بين الأهالي في مناطق سيطرة النظام حول مهامها المفترضة، ولماذا تم نشرها في هذا الوقت بالتحديد، في حين انشغلت أوساط المعارضة السورية بمصدر الترسانة العسكرية الجديدة التي حصل عليها النظام، وأنواعها واستخداماتها المفترضة وعلى أي الفروع الأمنية جرى توزيعها بالفعل.

المنسق الإعلامي في “الجيش الوطني” يحيى مايو أوضح ل”المدن”، أن المدرعات هذه تشبه الى حد كبير مدرعات أوكرانية تدعى  (VARTA- Novator)، مع بعض الاختلافات في الشكل الخارجي في شكل المقدمة والجوانب مع استبدال اسم المدرعة الأوكرانية باسم جديد (SAV)، وهو في الغالب اختصار “Special Armored Vehicle”.

وبحسب مايو، يمكن لنظام الأسد تجميع المركبات العسكرية المدرعة في معامل الدفاع بسهولة بمساعدة الخبرات الفنية الروسية والإيرانية، وفي الغالب جرى استيراد قطع المدرعات الجديدة عبر دولة وسيطة، قد تكون دولة عربية، لأنه من المستحيل أن تورد أوكرانيا المركبات العسكرية لصالح نظام الأسد الذي يقف مع روسيا في عدائها لأوكرانيا، كذلك يُمنع على الشركات الأوكرانية تصدير الأسلحة والمركبات العسكرية للنظام بموجب العقوبات الأميركية.

المدرعة SAV هي ناقلة عسكرية مخصصة لنقل الجنود في المعارك ويمكن استخدامها كمركبة قيادة أو إخلاء للقوات، وجرى تصفيحها بالفولاذ بشكل جيد لكي تحمي العناصر من الذخيرة الحارقة والخارقة وهي مضادة للألغام وتحمي طاقمها من الانفجارات المباشرة، وتحوي SAV على وحدات قتالية رشاشة من عيارات مختلفة، خفيفة ومتوسطة، وتتيح للطاقم استخدام النيران من جوانبها بشكل مريح.

الناشط الإعلامي عبد الفتاح الحسين قال ل”المدن”، إن النظام يمتلك المدرعات والآليات العسكرية الجديدة منذ العام 2019، ولكنه لم يكن ينشرها بشكل علني ولم يتم استعمالها سوى في التدريبات، وقد تم توزيعها على عدد من الأفرع الأمنية، أهمها، الأمن العسكري وحفظ النظام، بالإضافة للجيش الشعبي التابع لوزارة الدفاع.

وأضاف الحسين أنه “في الغالب حصل النظام على قطع المدرعات الأوكرانية من السوق السوداء عن طريق ايران والتي تولت مهمة تجميعها في معامل الدفاع في ريف حلب الجنوبي والتي تقع ضمن نطاق نفوذها قرب منطقة السفيرة شمالي سوريا، ولا أستبعد أن يمتلك حزب الله اللبناني عدداً منها”.

ويتزامن نشر النظام للمركبات العسكرية المدرعة لتطبيق حظر التجول مع حالة الغليان في الأوساط الشعبية التي تشهدها مناطق سيطرة النظام، وذلك بسبب الارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية، والشلل التام لمختلف قطاعات الانتاج، إضافة إلى تحكم مليشيات النظام بمختلف القطاعات الخدمية، وهبوط أسعار صرف الليرة السورية لمستويات قياسية خلال الأيام الماضية مع ازدياد انتشار الوباء كورونا. وبدا أن نشر المدرعات وأعداد إضافية من “الجيش الشعبي” و”حفظ النظام” والفروع الأمنية اجراء استباقي قبل انفجار الأوضاع في المدن السورية الكبيرة.

الناشط الإعلامي محمد رشيد قال ل”المدن”، إن نظام الأسد يتوقع حدوث فوضى أمنية واسعة في مناطق سيطرته خلال الفترة القادمة بسبب تفشي الفيروس المستجد كورونا وانعكاساته السلبية على مختلف القطاعات الخدمية والمعيشية، لذلك تبدو فروعه الأمنية في حالة تأهب قصوى وهي مستعدة للتدخل في أي لحظة لقمع أي احتجاج. وأضاف أن الفروع الأمنية التابعة للنظام أوقفت منذ منتصف آذار/مارس كافة الإجازات لعناصرها ورفعت الجاهزية للتعامل مع أي تطور أمني.

——————————–

انفجر “كورونا” في روسيا وفضح أكاذيب بوتين/ محمد خلف

لا أحد ممن يمتلك قدراً ولو محدوداً من التفكير السليم في روسيا سيصدق تأكيدات الرئيس فلاديمير بوتين عن أن جائحة “كورونا” تحت السيطرة في البلاد.

هذا تمكن ملاحظته في وسائل التواصل الاجتماعي، على رغم العقوبات الصارمة التي هددت بها السلطة مستخدميها باعتبار أي معلومات عن الفايروس لا تأتي من المصادر الرسمية في خانة نشر الأخبار الكاذبة التي سيعاقب ناقلوها بعقوبات تصل إلى السجن. ولكن على رغم هذا الوعيد والتهديد تعج وسائل التواصل الاجتماعي في روسيا بالمعلومات والأفكار والآراء التي لا تخفي الشكوك بمدى صدقية الكرملين. الروس فاقدو الثقة بنظامهم لم يدخروا الوقت في اتخاذ ما عليهم من خطوات لحماية أنفسهم وعائلاتهم، والتحصن باحتياطات فردية على صعيد المستلزمات الطبية والأغذية، استعداداً لأيام قاتمة تلوح في الأفق.

في هذه الأيام، انفجرت ذاكرة جيل الثمانينات من السوفيات لتعود إلى ذاكرتهم الجماعية أحداث كارثة تشرنوبيل الحالكة والمهلكة عام 1986 التي أخفتها القيادة الشيوعية لأشهر متتالية عن الشعب، إلى الحرائق العملاقة التي اندلعت عام 2010، ووصلت إلى العاصمة موسكو والتهمت نيرانها أكثر من ألفي بيت وقتلت العشرات، وغيرها من سلسلة الكوارث التي تسترت السلطة عليها ومنعت الحديث عنها في الوقت المطلوب لتجنب آثارها البشرية الكبيرة.

تعتبر كارثة تشرنوبيل البقعة الأكثر ظلامية في تاريخ النظام الشيوعي السوفياتي، والأشهر في التاريخ الروسي، التي ظلت ذكرياتنا بشأنها مشوشة للغاية إلى أن جسدت تفاصيلها الحقيقية قناة HBO، في مسلسل تلفزيوني من خمس حلقات فاق التوقعات وحاز نسبة 9.9 من 10 على موقع “آي آم دي بي”. كشف المسلسل عن الفساد المستشري في الماكنة السياسية السوفياتية. وتكمن أهميته في أنه قدم أجوبة أنهت الذكريات المشوشة التي سببها الحادث، فمشاهدوه آنذاك كانوا ربما أطفالاً صغاراً أو لم يولدوا بعد عند انفجار المفاعل النووي الشهير، وثانياً طبيعة الاتحاد السوفياتي والأنظمة الشيوعية التي كانت تدور في فلكه في أوروبا الشرقية المعروفة بتكتمها على المعلومات. طرح المسلسل التفاصيل الدقيقة للحادثة بشفافية ومهنية وصدقية عالية، وتمثلت مزاياه الأخرى في أنه أعاد اكتشاف الحاثة التي كتب قصتها كريج مازن وأخرجها جون رينك.

الكذب على الطريقة السوفياتية

مع مرور الأيام وانتشار الوباء حول العالم، ظلت ماكنة الدعاية الروسية تصر على الإنكار، وتتحدث عن حالات فردية ومعدودة وصلت إلى يوم السادس من آذار/ مارس إلى 10 حالات فقط في هذه الدولة مترامية الأطراف، بهذا العدد الهائل من السكان في الفيدرالية، يبلغ 145 مليون نسمة. أثار ذلك حالة من السخرية على وسائل التواصل الاجتماعي مع إعلان بوتين أن “روسيا منعت انتقال العدوى بإغلاقها الحدود”، ولكن بعد 24 ساعة على هذا التصريح أعلنت السلطة ارتفاع عدد المصابين إلى 29 شخصاً”. وبعد ذلك بأيام تصاعدت الإصابات إلى المئات، ما دفع الرئيس الذي يقال إنه غادر موسكو إلى مكان معزول للظهور ليوجه خطاباً إلى الشعب عبر القناة التلفزيونية الرسمية، معلناً إغلاق البلاد لمدة أسبوع.

هل تسيطر روسيا فعلاً على الوباء وتمنعه من الانتشار؟ يقول المحلل السياسي الروسي فاليري سولوفوي في مقابلة اجرتها معه اذاعة “صدى موسكو” إن “الكرملين يخفي معلومات دقيقة عن موت أكثر من 1500 مواطن روسي منذ كانون الثاني/ يناير الماضي بعد إصابتهم بالفايروس”، موضحاً أنه “استقى معلوماته من مصادر مطلعة ما زال لديها قدر كبير من الضمير”، متوقعاً أن تنتشر العدوى في روسيا في الأسابيع المقبلة بوتيرة سريعة لتصيب أكثر من مليوني شخص على مستوى الفيدرالية”.

ظهور الرئيس بوتين المفاجئ على شاشة التلفزيون ليعلن تعطيل العمل في البلاد لمدة اسبوع لإبطاء سرعة انتشار المرض، وتأجيل إجراء الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي تمنحه الحق في مواصلة رئاسة الفيدرالية حتى عام 2036، والتي كان يفترض أن تجرى في 22 نيسان/ أبريل 2020، فهو يكون عرى نفسه بنفسه وكشف كذبته بأن “الوضع تحت السيطرة”.

عدا ذلك فإن أكثر ما يثير السخرية هو كمية القلق الذي كان يشع من وجه بوتين خلال توجيهه الخطاب، من الآتي المجهول في روسيا التي تخوض في وقت الجائحة حرباً إضافية حول أسعار النفط مع الولايات المتحدة والسعودية، والتي تبدو فيها موسكو حتى الآن الخاسرة الأكبر. بوتين الذي ظل يستخدم آلية توجيه الخطاب التلفزيوني فقط في الحالات النادرة للغاية وعند اتخاذ قرارات حاسمة، فاجأ العالم لا سيما أن خطابه جاء بعد جلسة مطولة للحكومة الروسية استمع خلالها إلى تقارير من الوزراء والمعنيين عن معدلات انتشار الفايروس في روسيا ومخاطره المتوقعه من النواحي البشرية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية. حاول الرئيس القيصر تبرير قراره بإغلاق الدولة بضرورة اتخاذ تدابير لازمة لتقليص سرعة الانتشار وتقليص التهديد الذي وصفه بأنه الخطر الأكبر على المجتمع الدولي والاقتصاد العالمي .وقال بوتين في خطابه: «نرى مدى حدة تطور الوضع مع الوباء، وكيف أن عدد الحالات ينمو في كثير من البلدان، وحيث يتعرض الاقتصاد العالمي كله للهجوم، منوهاً بأنه من المستحيل منع تغلغل الفايروس بالكامل في بلادنا”!.

الأطباء يفضحون السلطة السياسية

كانت وسائل إعلام تابعة للدولة أجرت خلال الأسابيع المنصرمة مقابلات مع أطباء روس بارزين فندوا خلالها مزاعم الحكم بقلة عدد الإصابات، مؤكدين أن العدد الفعلي أعلى بكثير من ذلك الذي تعلنه الدولة. ورأى أطباء أن عدم تسجيل إصابات كبيرة يعود إلى مشكلات في الاختبار، ولعدم دقة أجهزة الفحص الروسية التي تتسم بحساسية أقل بكثير مما هو مستخدم في دول أخرى في العام كأوروبا والولايات المتحدة.

ويتضح من الميديا الروسية أن الأجهزة الصحية تستخدم أجهزة فحص فايروس “كورونا” انتجها معهد حكومي متخصص في علم الفايروسات والتكنولوجيا الحيوية في مدينة نوفو سيبيرسك. والمشكلة الأكثر إثارة للغرابة هي أن الحكومة وفي هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد والعالم تتعامل مع هذا الجهاز، وكـأنه سر من أسرار الدولة، ما يجعل من إمكان تقييم دقته أمراً صعباً، وفق مختصين. إلا أن موقع الأخبار الطبية الروسية (PCR NEWS) خالف هذه المعلومات، مشيراً إلى أن جهاز الاختبار الروسي مبني على الطريقة المعتمدة في البلدان الأخرى”، مقراً في الوقت نفسه “بأن هذا الجهاز لا يكشف الفايروس إلا بوجود أكثر من 100000 نسخه منه في كل ملل للعينة الواحدة، وهو أكثر بكثير مما في الدول الاخرى”، إذ إن جهاز الفحص الأميركي يرصد الفايروس مع وجود 6250 نسخة منه في العينة”. وقالت اناستازيا فاسيليفا، التي تقود تحالف الأطباء الذي يقوم بحملات لتحسين الرعاية الصحية: “أنا متأكدة بشكل قاطع أن عدد مرضى الفايروس أكثر مما تعلنه السلطة”.

عقوبات ونقص أجهزة ومعدات

تنامي المخاوف في الأوساط الشعبية الروسية يعود إلى انتشار الوباء السريع، إضافة إلى الأرقام والبيانات التي تنشرتها وكالة الإحصاءات الحكومية والتي تظهر أن موسكو شهدت زيادة في حالات الالتهاب الرئوي المسجلة هذا العام. وأظهرت بيانات صادرة من وكالة “روستات” أن 6921 حالة التهاب رئوي سجلت في نهاية 2019، بارتفاع وصلت نسبته إلى 37 في المئة عن العام السابق. وكشفت فاسيليفا أن مجموعتها تتلقى شكاوى من أطباء يصفون أجنحة مستشفيات تفيض أصلاً بمرضى الالتهاب الرئوي، ويقولون إنهم ممنوعون من إدراج الالتهاب الرئوي كسبب في شهادة الوفاة، ونشرت تسجيلاً صوتياً قالت إنها تلقته من طبيب في مستشفى موكين (MUKHIN) في موسكو، يتحدث فيه عن تخصيص 240 سريراً يعانون من التهاب رئوي حاد. وأشارت المعلقة الليبرالية البارزة فاليري سولوفي في حديث مع ABC نيوز، إلى أن “إخفاء الحقيقة هو تقليد روسي منذ تشرنوبيل”. وبعث 26 شخصية سياسية وثقافية تميل الى المعارضة رسالة ترجح وجود آلاف أو عشرات آلاف الإصابات أكثر مما أبلغ عنه رسميا حتى الآن. ودعا الكرملين إلى التخلي عن سياسة الإبطاء والترقب والإسراع بفرض إجراءات الحجر الصحي الصارمة”.

تراقب السلطة بانتباه المعلومات والتعليقات التي يوردها الروس على وسائل التواصل الاجتماعي، وتسارع إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد مصدرها، لأنها تعتبرها أخباراً مزيفة، وتحدثت الميديا الروسية عن قيام الدائرة الفيدرالية للأمن القومي في اوائل آذار/ مارس، وجهاز الرقابة على الانترنت بحذف تغريدة مفادها أن الحكومة الروسية تخفي عن الشعب أن عدد المصابين تعدى الـ20 ألف شخص. ويسود تشاؤم وسط المجتمع بعد الإقرار بوجود نقص حاد في التجهيزات اللازمة من أجهزة التنفس الاصطناعي إلى الكمامات والملابس الواقية حتى للطواقم الطبية. في السياق، اعترف المفتش الصحي العام للدولة بأن أكثر من 36 ألف حالة تحت المراقبة لشكوك بإصابتهم المحتملة بالفايروس”.

تطور الفايروس وسرعة تفشي العدوى، يزيدان من احتمالات تحوله إلى قاتل جماعي في روسيا، والكرملين سيكون المسؤول الفعلي لوصول البلاد إلى هذا الوضع لإنكاره المبكر ولتأخره في اتخاذ الإجراءات الصارمة التي تحظر عمل دور السينما والنوادي الليلية ومراكز التسلية والمطاعم، ومنع التجمعات العامة واقتصارها على مشاركين لا يزيد عددهم عن 50 شخصاً. وهو عدد كبير للغاية على خلفية قيام الكثير من الدول بمنع تجمع أكثر من شخصين على أن يحتفظا بمسافة مترين بينهما. ونقلت مواقع إلكترونية روسية نبأ عن توافد أكثر من 70 ألف روسي إلى إحدى كنائس سان بطرسبورغ، كانوا يصطفون خلف بعضهم بعضاً ليقبلوا بالدور زجاج علبة صغيرة قال الايكليروس أنها تضم ذخائر يوحنا المعمدان. ولعل أغرب استنتاج وصلت إليه صحيفة الكرملين (VZ) هو أن معركة البشرية مع جائحة كورونا “أكدت انتصار الصين على الولايات المتحدة”. وإحدى فوائد الفايروس أنه “خلق مجتمعاً مدنياً في روسيا!”.

درجات

——————————————————-

آفاق الصراعات الجيوسياسية على خلفية أزمة كورونا/ د. خطار أبودياب

تكثر التحليلات والتوقعات في زمن كورونا. ويبرز توافق حول تحولات كبيرة وانهيار نماذج اقتصادية وسياسية، وعودة إلى دور الدولة القادرة وانتهاء العولمة بصيغتها الحالية، ووصل الأمر بالبعض إلى استشراف تفكك الاتحاد الأوروبي وانتقال الصدارة من الولايات المتحدة إلى الصين.

لكن من المبكر استخلاص دروس هذه الأزمة الكبرى وتداعياتها، ويمكن عدم تطابق معطيات الوهلة الأولى مع تطور وقائع ومتغيرات متسارعة لأننا في مخاض فعلي من الاضطراب العالمي والفوضى الإستراتيجية ويصعب إعطاء تصور متكامل عن عالم ما بعد زمن الكورونا.

نتيجة عدم اليقين تبقى مراقبة الصراعات الجيوسياسية، التي لم تتوقف على خلفية أزمة الفايروس التاجي، أفضل معيار لقياس التوازنات بين القوى الكبرى والفاعلة على المسرح الدولي. ومن دون شك، نقترب من الدخول في دور جديد من أدوار الزمن حضاريا وسياسيا وبيئيا واقتصاديا، ولن ترتبط إعادة تشكيل النظام العالمي بموازين القوى العسكرية والسياسية والاقتصادية فحسب، بل أيضا في إدارة الأزمات والاستقلالية وانبثاق عولمة أكثر إنسانية طال تغييبها.

هزت أزمة كورونا النظم الصحية والوقائية وكشفت الخلل، من منظمة الصحة العالمية إلى أدوات التعاون الأخرى في مواجهة كارثة غير مسبوقة، ولم يمنع الوقع السريع لانتشار الفايروس القاتل من استمرار السجالات سواء داخل الدول والتجمعات أو بين كبار العالم، وكأن الهم الأساسي يبقى المصالح الذاتية والوطنية وليس التكاتف لدرء الخطر الزاحف من “حرب عالمية ضد عدو خفي” كما اعترف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد مكابرة.

وبدا جليا أن رئيس القوة العظمى الأولى كما نظيريه الصيني والروسي المتسابقين لعسكرة الفضاء بعد الأرض، وزملاءهم من الكبار والآخرين في العالم المترامي الأطراف أظهروا عجزا موصوفا كما في حالات سابقة في مواجهة الأوبئة.

لكن التقدم العلمي والتكنولوجي والطبي الذي كان مبعث الاطمئنان ويراهن عليه لإيجاد الترياق واللقاح، لم يتلازم مع الاستجابة المطلوبة لأزمات من طراز أزمة كوفيد-19، والسبب الأساسي السياسات النيوليبرالية التي قيدت قدرات الدول وقللتها وأطلقت العنان لمجتمعات الاستهلاك والربح السريع.

وبدل التعاون لتنظيم حالة طوارئ صحية وبيئية واجتماعية، أخذت تطرح بإلحاح الأسئلة عن عالم ما بعد كورونا وعمّن سيكسب المعركة الجيوسياسية المحتدمة منذ العقد الأخير.

استقبل العالم الوافد ثقيل الوطأة وهو أكثر انقساما من دون حوكمة ومن دون قيادات وحكماء وافتقد الرجال العظام في مواجهة اللحظات التاريخية.

ولذا منذ يناير برز السجال الأميركي – الصيني حول توزيع المسؤوليات وكيْل الاتهامات وكأننا في أحد فصول الحرب التجارية والتسابق على النفوذ. وسرعان ما بدت القارة القديمة عاجزة بالفعل ولم يهب الاتحاد الأوروبي لنجدة إيطاليا تاركا المجال للصين وروسيا وكوبا للقيام بعمل إنساني واستعراض إعلامي على حسابه، بينما لم يتنبه البيروقراطيون في بروكسل لأهمية الإعلام في تغطية 55 طنا من المواد الطبية من الصين في اللحظة الحرجة، والأدهى أن هذا الاتحاد، القطب التجاري والاقتصادي الكبير، لا يملك سياسات وقائية وإستراتيجية صحية تتضمن الاستجابة للأزمات وسيكون المحك بالنسبة له تنظيم الإنقاذ الاقتصادي والاجتماعي بعد كورونا حيث سيكون هناك سباق بين الشعبويين دعاة الانغلاق وإلغاء منطقة شنغن وبين الحريصين على إعادة بناء اتحاد أوروبي أكثر تماسكا وتضامنا وفعالية.

وفي نفس السياق برز الخلل في منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها التي تعاني من نقص التمويل ومن الإرادة السياسية لأصحاب القرار من الكبار. إزاء هذا الفراغ، جرى التطلع إلى تجمع الدول الصناعية الكبرى (مجموعة السبع) التي لم تتوصل لصياغة بيان مشترك نتيجة إصرار وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو على استخدام عبارة “الفايروس الصيني” أو “فايروس ووهان” ورفض نظيره الفرنسي جان-إيف لودريان “استخدام الأزمة الصحية لغايات سياسية”.

ويدلل ذلك على استمرار التناقضات داخل المعسكر الغربي بين الأميركيين والأوروبيين وهي تضاف إلى سلسلة طويلة منذ نقض ترامب اتفاق التغير المناخي ومهاجمته أطر العمل المشترك. وهكذا بانتظار الانتخابات الرئاسية الأميركية التي سيزداد حولها عدم اليقين، تبدو تحالفات واشنطن هشة بينما تبدو الصين قادرة على تسويق نفسها عبر جعل “طرق الحرير الجديدة” طرقا لمدّ الإعانة الصحية والتوسع الاقتصادي والتكنولوجي.

لكن السبق العالمي يبقى مرتبطا بعوامل شتى ونتائج المخاض الحالي من تطور العلاقات الدولية. وفيما تحاول دول كثيرة الخروج بأقل الأضرار الممكنة برزت إلى جانب التجربة الصينية في تطويق الفايروس تجربتان لبلدين “ديمقراطيين” هما كوريا الجنوبية وتايوان (الصين الوطنية) اللتين ربما استفادتا من استخلاص دروس تفشي “سارس” بدايات هذا القرن في تلك الناحية من آسيا، ولأن أنظمتهما الصحية كانت جاهزة وإمكاناتهما كبيرة على عكس الديمقراطيات التاريخية والمترهلة في أوروبا.

حيال تفاقم الأزمة وتحول الولايات المتحدة إلى أول بلد من ناحية معدل الإصابات، ومخاطر الامتداد نحو أفريقيا والدول النامية، برزت دعوة رئيس مجموعة العشرين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز لعقد قمة افتراضية للتنسيق في مواجهة الجائحة.

ويجدر التذكير أن هذه المجموعة يمكنها التحول إلى “مجلس إدارة العالم” في حال إصلاح المؤسسات الدولية وتكريس النظام متعدد الأقطاب، بدأت بالاجتماع على مستوى القمة منذ نوفمبر 2008 لمواجهة الأزمة المالية العالمية. ومن هنا أهمية قرار المجموعة بضخ “أكثر من 5 تريليونات دولار في الاقتصاد العالمي، وذلك كجزء من السياسات المالية والتدابير الاقتصادية وخطط الضمان المستهدفة لمواجهة الآثار الاجتماعية والاقتصادية والمالية للجائحة”.

وتبع ذلك اتصالان بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأميركي دونالد ترامب وكذلك بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ اللذين قررا التهدئة والتعاون الفعال لمواجهة الكارثة، فيما بشر إيمانويل ماكرون بمبادرة مشتركة أوروبية – أميركية.

تدلل التطورات الأخيرة على إدراك جسامة المخاطر إزاء كارثة صحية واجتماعية واقتصادية تهدد كل العالم، ويفرض ذلك على جدول الأعمال الطي المؤقت لصفحة السجال الإعلامي ووصفات مطبخ نظريات التآمر والمعارك المكشوفة.

لكن ذلك لا يعني عدم حصول مواجهات وتجاذبات وربما حروب في صراع يتمحور أساسا بين القطبين الأساسيين: الولايات المتحدة والصين عبر الحروب التجارية والإلكترونية والحروب بالوكالة. لكن نظرا لترابط الاقتصادات والانهيارات من الأفضل عدم السباق نحو الهيمنة بل من أجل مستقبل أفضل تكون فيه القيادة لمن ينجح في ترتيب الوصول إلى تعاون دولي يحفظ المصالح نسبيا، ويسمو على الاعتبارات السياسية والنفعية البحتة، ويقوم على الاستجابة للأزمة البيئية في إطار الهيئات متعددة الأطراف، بالإضافة إلى بلورة أنظمة تلتزم بالقيم المناقبية ويلعب فيها الحكماء والنخب دورا أساسيا بديلا عن الديمقراطية الفوضوية والسيطرة النيوليبرالية.

أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك – باريس

العرب

———————————–

رحلة الفايروس من الاختفاء إلى المشي في الشارع/ عمار المأمون

كيف تعاملت الثقافات مع الأوبئة، عبر التاريخ، وكيف تمثلتها الفنون وعكست صورها الأعمال الفنية من تشكيل ونحت وأعمال مسرحية، فضلا عن الروايات والأعمال الفكرية؟ هذا السؤال الجامع ينطوي على جملة من الاسئلة التي زودنا التاريخ الفني لأوروبا خصوصاً بعدد من الامثلة الفنية بوصفها أجوبة. فالرسامون على وجه الخصوص أبرزوا البعد الخفي للأوبئة، والمفكرون ورجال الدين خصوصا تنافسوا ليقدموا من خلال أجوبتهم مفاهيمهم عن الخير والشر، وعن معنى حياة الإنسان وفنائه.

يقدّم لنا ابن سينا في كتابه “القانون” المنشور عام 1025 نظرية لعمل الجسد باعتباره وعاء يحوي سوائل “سوداء وحمراء وصفراء” تتحرك ضمن الأوعية بنسَب مختلفة، وكلما اختلفت هذه النسب تغيرت الأعراض وخصائص الأعضاء ما يسبب أمراضا مختلفة، هذه المقاربة لتشخيص المرض قائمة على ما هو مرئي وما يمكن رؤيته بالعين المجردة، فالمرض، عدو للصحة، لا بدّ أن يكون مرئيا، أما ما هو خفيّ، ولم يعرف سببه المرئيّ فيعزى إلى أسباب روحية أو دينيّة، وكأن كل ما يمكن رؤيته يمكن قتاله.

أما الخفي، فلا مجال إلا الاستسلام والصلاة أمامه، وبالرغم من إدراك وجود بعض الجراثيم والكائنات اللامرئيّة حينها، لكن لا تصور بصري متداولا لها، وبقي الأمر كذلك إلى حين اختراع المايكروسكوب، إذ اكتُشفت كائنات جديدة، وأشكال من “الحياة” التي دفعت المؤسسة الطبيّة والثقافيّة إلى إعادة النظر في تعريفات الحياة والمرض والصحّة.

يُمكن لأي متابع للأخبار أو وسائل التواصل الاجتماعي الآن في ظل جائحة كورونا أن يلحظ أن للفايروس وجها، أي صورة تمثّل شكله المجهري، هذا الوجه/ الصورة لا يمتلك أي قيمة حقيقية بالنسبة للجمهور العادي، لكن عادة ما يتم توظيف هذا الأسلوب لتكوين صورة للعدو الذي تشنّ السلطة السياسيّة حربا ضدّه، هو غامض، غير مفهوم، شكله غير مألوف بالنسبة للجمهور، ما يجعله مرعبا ويستحق “القتل”.

الصورة السابقة مُرتبطة بتاريخ تمثيل الأمراض الفايروسيّة بوصفها أعداء للحياة والصحة، خصوصا أن هذه الكائنات/ الأعداء تراهن على الاختفاء، وتتجاوز الحدود والطبقات، ما يجعلها تبث الرعب في جسد الناظر، الذي يكتشف هشاشة جسده وضعفه أمام هذا “العدو”، مع ذلك، صورة الفايروس المعاصرة هذه مُرتبطة بالتطور التكنولوجي، وميل السيادة السياسيّة لتحديد خصائص هذا العدو الذي قسّم الناس بين موتى محتملين وبين أصحاء خائفين.

صورة فايروس كورونا ترتبط بداية باسمه كونه ينتمي للتاجيات، التي يحيط بغلاف خلاياها تاج من نوع ما، لكن اختيار هذه التسمية كان لأسباب سياسيّة وإنسانيّة، فحسب منظمة الصحة العالميّة، تم تفادي استخدام كلمة سارس، السلالة التي ينتمي لها الفايروس لتجنب خلق حالة ذعر لدى الناس، خصوصا في آسيا، وتمت الإشارة له بـcovid 19، وهنا تظهر بدايات الاختلاف بين الصور الثقافية وتلك الطبيّة، وكيفية تداول المعلومات ضمن الثقافة العامة.

حرب ضدّ العدو

أثار تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن البلاد في “حرب” مع فايروس كورونا حفيظة الكثيرين، خصوصا أن إعلان حالة الطوارئ الطبيّة قد يعني تطبيق الأحكام الاستثنائية وتفعيل عنف قوانين الطوارئ، لكن لغة الحرب في مواجهة الفايروسات والأمراض “المناعية” التي تهدد الجسد الوطنيّ حاضرة في الثقافة الشعبيّة المعاصرة قبل هذا الوباء بكثير، إذ نشاهد في المسلسل الشهير “كان يا مكان الحياة – 1987” جهاز المناعة والخلايا البيضاء والأدوية بوصفها عناصر من الجيش وقوى حفظ الأمن المسلحين بالهراوات والطائرات لقتال الفايروسات/الأعداء، وهنا يظهر التعريف التقليدي لما هو سياسي بوصفه أسلوبا لخلق الاختلاف بين الصديق أو المدافع، الجميل، والنظيف والقوي، وبين “العدو” البشع والمقزز، الذي يجب تجنبه والابتعاد عنه، وهذا ما نراه بوضوح في المسلسل الكرتوني.

المتخيلات السابقة عن “الفايروسات” كانت أشدّ “قبحا” بالعودة في الزمن، فقبل تحول الحياة المايكروبيّة إلى جزء من الثقافة الشعبية، كان التعبير عن الأوبئة يعني تصوير المصابين بها، فالجذام والطاعون والجدري، كانت غضبا ربانيا وعقابا توراتيا يحل على الناس، هذا المتخيّل نراه في لوحة “خيانة الإنسان” لسيلفاتور روسا التي تعود للقرن السابع عشر، وفيها يظهر الطاعون كدرس للبشر وعليهم عقد صفقة مع الموت للتسليم بمصيرهم المحكوم بالهشاشة والخطيئة، وهنا يظهر معنى اسم اللوحة، “الخيانة” بوصفها شرط البشرية نفسها، ومحرك ضعفها، وكأننا محكومون بالموت بمجرد ولادتنا، لذلك نرى رضيعا، يوقع صفقة مع الموت أساسها  الفايروس/ الوباء بوصفه علامة على اقتراب فنائنا.

المرئية التي اكتسبتها الفايروسات والجراثيم والموجودات الخفيّة ألهمت العديد من الفنانين في القرن الماضي، فالإسباني خوان ميرو تأثر بهذه الكائنات الحيّة “اللامرئيّة” وهذا ما نراه مثلا في لوحته “امرأة وعصفور ونجمة” والتي تبدو أشبه بصورة مجهريّة لكائنات الفنان المايكروبية، فالعمل الفني رؤية عميقة في العناصر التي تكون عوالم اللوحة، والخطوط أشبه بحدود تميز كائنا مايكروبيا عن آخر لكنها في ذات الوقت تتيح تداخل هذه الكائنات لخلق أعراض/ ألوان جديدة.

ترتبط المقاربة الفنيّة السابقة بالتطور التكنولوجي، واكتشاف عوالم جديدة وسحرية، ذات علاقات متغيّرة لا تراهن على الثبات، وكأن عدسة المايكروسوب كما التحليل النفسيّ فتحت أعين الفنانين على مساحة جديدة من الأشكال والكائنات، والمثير بالأمر، أن انفتاح الحدود وتغيرها بين هذه الموجودات لا يخضع في المجال الفنّي لتصنيف “صحي ومريض”، بل يتم التعامل معها ككائنات تتجاوز البشر والآلة، كائنات قادرة على تعديل ذاتها عبر الزمن، وهذا ما جعل بعض المتأثرين بالسوريالية يناقشون علاقة الحياة المايكروبية مع العمل الفني والتي ظهرت في بعض أعمال السويسري بول كلي ولوحته الشهيرة “الجسر الأحمر”، وبعيدا عن المعنى الواضح، كل واحدة من عناصر اللوحة أشبه بخليّة أو كائن مايكروبيّ يرتبط مع آخر بشكل لا يدّعي الإتقان أو التماسك، بل يبدو وكأنه على وشك الانزياح، وكأن ما نراه مؤقت، يسعى للتغير والتحرك في سبيل اكتمال من نوع ما.

المرئيّة للأقصى

يوظف الفنان البريطاني لوك جارم أشكال الفايروسات نفسها في أعماله الفنيّة، محوّلا إياها إلى منحوتات وأعمال تجهيز بأحجام مختلفة، وأنجز [ مكبرا بمقدار مليوني مرة، ويقول إن العمل تقديرا لجهود الأطباء والعلماء الذين يحاولون أن يجدوا علاجا للمرضى في ذات الوقت المنحوتة وسيلة لجعل

الفايروس أكثر مرئية للعامة، واستبدال الصورة الملوّنة عبر الكمبيوتر بشكل آخر يمكن إدراكه، خصوصا أن الفايروس لا لون له، ما يُحيلنا إلى تمثيلات الفايروسات في الأخبار، الألوان الحمراء والبنفسجية والسياق الجدّي يبث الرعب في المشاهدين حين يرون هذا “الكائن الغريب”، أما منحوتات جارم فهي أسلوب سياسي – فنّي لضبط وخلق إيمان عميق بقدرة العلم على تجاوز الجائحة، ورهان على العقلانيّة والتأني بمواجهة احتمالات الذعر العالمي.

الفايروس المرح

الحرب الأشد في القرن الماضي والتي تم تبنيها سياسيا كانت ضد فايروس عوز المناعة المكتسب “الإيدز”، والتي وظف فيها الفايروس لتهديد وقمع فئة كبيرة من المرضى وغير المرضى بسبب خياراتهم الجنسية، بالرغم من التغيرات الكثيرة التي طرأت على أسلوب تمثيل المصابين، إلا أن الأمر بقي هاجسا لعدد من الفنانين، كالبريطاني جون والتر الذي تبنّى شكل فايروس الإيدز ضمن أعماله وحوله إلى موتيف متكرر مرح ومضحك، وذي ألوان زاهية، كما نراه في الأداء الذي أنجزه بعنوان “فايروس يدخل إلى بار” وهو لعب لغويّ على مقدمة نكتة تقليدية باللغة الإنجليزيّة، وما فعله والتر هو صناعة كرة تشبه الفايروس في تصميمها والمشي في الشارع محاطا بمؤدين يرتدون زيا مبهرجا يسخر من أزياء العاملين في مكافحة الأوبئة، كل ما سبق هو تعليق وسخرية من بعض الأفكار الشعبية التي تقول إن الإيدز ينتقل باللمس ويجب عزل المصابين به وعدم الاقتراب منهم.

يحضر الفايروس ضمن عوالم والتر بوصفه جزءا من تكوينه كفرد لكنه لا يتطابق معه أو يطغى عليه، هو عنصر طارئ يعيد ترتيب علاقته مع نفسه ومع المحيط، وهذا ما نراه في لوحة بعنوان “مُعلق، ومرسوم ومختون” والتي تصور والتر والفايروس في العالم، فهناك أيد مكبلة بالأصفاد، وأحصنة تسحب الفايروس في اتجاهات مختلفة، أشبه بلوحة سوريالية يظهر فيها الفنان أسير ما حوله، وكأنه في سجن أو مكبّل بسبب الخطاب السياسي والثقافي الذي يحكم المصاب بعوز المناعة المكتسبة.

العالم بوصفه علاقات مجهريّةالعالم بوصفه علاقات مجهريّة

كاتب سوري

العرب

——————————–

كورونا اليوم التالي… عالم جـديد شجاع؟/ سعيد محمد

التفاؤل الليبرالي المفرط، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991، بنهايةٍ هادئة للتاريخ يتجه معها العالم إلى التوحد في ظلّ تزاوج أنموذج الديمقراطيّة الغربيّة مع التقدّم التكنولوجي المطرّد، كان قد شرع بالتلاشي منذ بعض الوقت. لكنّ ثمّة شبحاً ينتاب العالم اليوم ويهدد بتسريع أعمال التاريخ وإنهاء الحالة الليبراليّة الخاوية بهياكل القوى والمفاهيم القديمة المرتبطة بها خلال أسابيع: شبح فيروس كورونا. إنه ــــ غرامشياً ــــ عالم مات قديمه، ولمّا يولد جديده بعد. ستكون فوضى ووحوش وأوقات مظلمة. لكن اليقين الوحيد في هذه الحالة السائلة بين العالمين أنّ ما بعد كورونا لن يشبه ما قبله حتماً، وأن الآتي قد يتأهل لمستوى الحدث (الفلسفيّ) فيخلق – بثمن باهظ – منطقاً (ثوريّاً) جديداً لنظام الأشياء، ربّما يكون انتقالاً بالبشريّة إلى حقبة زمنيّة جديدة تماماً.

ربّما كان فرانسيس فوكوياما – الكاتب الأميركي ذو الأصل الياباني – صاحب النظريّة المتفائلة بشأن نهاية ليبراليّة للتاريخ (انظر كتابه The End of History and the Last Man – 1992) أوّل الضحايا المعنويين لفيروس كورونا بعد تسربه من بؤرته المعلنة الأولى في ووهان الصينية وتحوّله إلى وباء عالمي. الرجل الذي كان قد رسم شكلاً للعالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991 تتجه معه البشريّة بتؤدة نحو نوع من التوّحد في ظلّ تزاوج أنموذج الديمقراطيّة الغربيّة مع التقدّم التكنولوجي المطّرد، لم يهنأ كثيراً بمكانة النبي الجديد في أروقة واشنطن. إذ شرع عالمه الموهوم بالتلاشي متلقياً الصفعة تلو الأخرى منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، واستعادة روسيا المنهكة أنفاسها تدريجاً وعودتها إلى ملعب القوى الأممي، وصعود الصين كقوّة عالميّة فاعلة في الاقتصاد والسياسة والثقافة والتكنولوجيا، وسقوط نخبة واشنطن ـــ المركز الرأسمالي العالمي ـــ في العمى الاختياري لمشروع تمديد هيمنة القلّة على حساب الأكثريّة داخل الولايات المتحدة وعبر القارات استناداً إلى محض القوّة الغاشمة، كما العودة المزعجة لنماذج متطوّرة من الفاشيّات الشعبويّة إثر الأزمة الماليّة العالميّة في 2008 وتفاقم الفجوة الاقتصادية بين الأثرياء الذين يملكون كل شيء وبقيّة البشر، الأجراء والفقراء والمعدمين. تلاشٍ أشبه بوقائع احتضار بطيء معلن شاهده الملايين حيّاً على الشاشات حول المعمورة: الحرب على العراق، استعادة روسيا للقرم، الثّورات الملونة، حصار إيران وروسيا وفنزويلا ونيكارغوا، صمود سوريا الأسطوري في وجه الحرب الأميركية من الجيل الرابع والخامس، تعملق الصين الجديدة وشروعها الواثق في بناء استعادة مكانتها الإمبراطورية العالميّة، بريكست بريطانيا وعقم النظام السياسي البالي فيها، انكفاء الاتحاد الأوروبي، شلل فرنسا، إفلاس اليونان واستعبادها، صعود الفاشيّة الشعبويّة الجديدة في تركيّا وإيطاليا والبرازيل والهند وأوروبا متوجاً بانتخاب دونالد ترامب، والفشل الذّريع والنهائي لليسار الغربي في تقديم ولو وهم بديل مقنع عن فجور الرأسماليّة، كما انكشاف كذبة العملية الديمقراطية برمتها بعد فضيحة «كامبريدج أناليتيكا»، والسقوط المدوي لخدعة تعدد السلطات.

احتضار عالم فوكوياما البطيء تسارع على نحو غير مسبوق خلال أيّام قليلة أو أسابيع ـــ بحسب مكان عيشك ـــ بعدما انتاب العالم اليوم شبح (باستعارة افتتاحيّة مانيفستو ماركس – إنجلز) يهدد بتسريع أعمال التاريخ وإنهاء الحالة الليبراليّة الخاوية بكل هياكل القوى والمفاهيم والعلاقات القديمة المرتبطة بها: شبح فيروس كورونا. تماماً كما كانت البشريّة عشيّة ثورات أوروبا في 1848 (عندما كتب ماركس ورفيقه بيانهما الشيوعي)، أو في عام 1941 على بوابة كارثة الحرب الكونيّة الكبرى، فإن أجواء الفوضى وعدم التيقن هي سيّدة الموقف بلا منازع: حكومات ودول عريقة وأخرى كرتونيّة تجد أنها بلا حول ولا قوّة في مواجهة وباء قاتل، مليارات البشر يخضعون لعزل منزلي طوعيّ أو إجباري، سياسة معولمة للعزل الاجتماعي الفردي وعبر الحدود والمقاطعات، تحولات جذريّة في أشكال العمل والتعليم والاجتماعات والعمل الحكومي وإدارة المصالح التجاريّة والماليّة، جمود شبه كليّ في حركة الطيران المدنيّ وموت سريري للسياحة، انتصار شبه تام لمؤسسة الرقابة والسّيطرة، تأميم لقطاعات حيويّة أو ميزانيات فلكيّة لشراء الوقت وتأجيل الفوضى الاقتصادية والاجتماعيّة التي تقف على الأبواب، هلع وتقاتل لتخزين المواد الاستهلاكيّة الأساسيّة، دول مارقة – بالمفهوم الليبرالي – تنهض بأدوار قوى عظمى إنسانية قادرة على مواجهة شبح كورونا، بل ومدّ يد العون إلى شعوب طالما شاركت في العداء المتأمرك ضدّها، أنظمة قروسطيّة في الخليج العربي على وشك الانهيار، ومع ذلك ما زالت تعيش خارج الزمان متمسكة بنهج العدوان والعداء لشعوب الإقليم… إنه ـــ غرامشياً ـــ كما عالم مات قديمه، ولمّا يولد جديده بعد، وستكون فوضى ووحوش وأوقات مظلمة.

عالم مات قديمه

صاغ الأميركيّون بشكل منفرد تقريباً شكل عالم ما بعد الحرب العالميّة الثانية (1939 – 1945) على أساس تصعيد هيمنة نخبة واشنطن كأداة لحماية المشروع الرأسمالي على حساب سيادة الدول الوطنيّة والقوميّات المحليّة، فيما أسماه البعض بالعولمة. لكن المؤسسات التي كان يفترض أن تدير تلك العمليّة (البنك الدوليّ وصندوق النقد الدّولي والأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالميّة) قد فشلت فشلاً ذريعاً بعدما تحولت بسفور إلى أقنعة للسياسة الأميركية من دون تحقيق أي اختراق حقيقي لمصلحة المجموعة البشريّة: لا بشأن الفجوة الاقتصادية بين الطبقات وبين الأمم، أو في مواجهة أزمة المناخ، أو حماية الغطاء المائي للأرض أو إدارة تكنولوجيا الاتصالات أو في التعامل مع موارد الطاقة، أو الإفادة الشاملة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وانترنت الأشياء. ورغم اتّساع نطاق رصيد العقول المتعلمة التي يمكن أن تسهم في تشكيل الواقع إلى حوالى 6 مليار من البشر (مقارنة مثلاً بـ 600 مليون منهم وقت جائحة الإنفلونزا الإسبانية في 1918)، وتضاعف سرعة نقل المعارف بشكل انفجاري، وتعدد موارد الطاقة، فإن مراكز القوى وظّفت كل ذلك حصراً في التمكين لمزيد من هيمنة الـ1% ودائماً على حساب الـ 99%… لنجد أنفسنا اليوم – في قارب كوكبنا الوحيد – بلا حول ولا قوّة في مواجهة عاصفة وباء بفيروس غير معروف سابقاً، كأنه نمل يأكل من منسأة الحكيم سليمان لتنبئنا بموت خفنا أن نراه آتياً لمنظومة الهيلمان والطغيان.

وضى ووحوش وأوقات مظلمة

تحوّل معظم البشر في برهة قصيرة إلى مراقبة عداد الإصابات (المعلنة) والوفيات المرتبطة بالوباء المستجد بدل مؤشرات البورصات العالميّة وأسعار النفط والعملات. وتحولت أروقة المستشفيات في بعض مدن العالم إلى مشاهد ديستوبيّة مثيرة للهلع، وانقلب نظام العيش اليومي المألوف لأغلبيتهم في يوم وليلة. توقفت عجلة الاقتصاد، وفقد كثيرون موارد رزقهم المحدود أصلاً، أو أرسلهم مالكو المصالح والأعمال في إجازات مفتوحة غير مدفوعة حتى إشعار آخر، فيما اكتشف آخرون عبث العمل في المكاتب الجماعيّة، وعقم العمليّة التعليميّة لنظام المدارس ومؤسسات التعليم التقليديّة دون امتلاك أي تصوّر حول الطريقة التي يمكن أن يستأنف بها العمل بعد انحسار الأزمة. في ذات الوقت، كشفت دول العالم الليبرالي عن وجهها البشع في تعاملها الطبقي الطابع مع الأزمة، مستعدة للتخلّص ممن تصنّفهم غير منتجين (كبار السن، والمرضى ومن لا يملكون تكاليف العلاج) لحماية الأفراد المنتجين اللازمين لاستمرار دوران عجلة الإنتاج الرأسمالي.

ويهدد تزايد أعداد المصابين والضحايا نتيجة الوباء بوصول المنظومات الصحيّة البائسة (أقلّه مقارنة بنظيراتها الأمنية والعسكريّة عديمة الفائدة في مواجهة الفيروس) في معظم الدول إلى الكتلة الحرجة التي لن تعود بعدها بقادرة على استقبال حالات جديدة، وهو ما سيضمن حدوث استقطاب مرشح للوصول إلى العنف بين الطبقات في تنافسها على حق الوصول إلى العلاج، ناهيك بنفاد الجزء الأكبر من رصيد المواد الغذائيّة والاستهلاكيّة وتضخم الأسعار بشكل سيصبح قريباً خارج متناول أغلبيّة البشر.

في ذات الوقت، تتحول معظم دول العالم إلى مؤسسات حكم فاشي تعتمد أدوات حكم الطوارئ والصلاحيّات الاستثنائيّة ومناخ الحرب والعزل والوسم على حساب حقوق الأفراد المنتهكة أصلاً. إنها الأزمنة المظلمة. وجديد لمّا يولد بعد…

بعدما فقد المتنبئون بالمستقبل، والفلاسفة والمنظرون معظم جمهورهم الذي انصرف عنهم منذ عقدين تقريباً إلى برامج تلفزيون الواقع، والاستهلاك المرضيّ للترفيه، تداعت وسائل الإعلام ــ التي صارت صوت المعركة مع كورونا ــ إلى إيقاظهم من معتزلاتهم العاجيّة مساءلة إيّاهم عن شكل الغد. منتشين بهذا الإقرار المتأخر بأهميتهم، انطلق هؤلاء إلى تدبيج المقالات وإعطاء المقابلات (عبر الفيديو وسكايب) حول تصوراتهم لما بعد كورونا (سلافوي جيجيك أصدر كتاباً بالفعل عنونه بـ «كوفيد -19»). هؤلاء مع بعض ملاحظات لا تخفى حتى على المراقب العادي من فئة تمكّن الأتمتة وانتقال الأنشطة البشريّة الأهم إلى العالم الافتراضي وصعود الشرق وأفول أوروبا القديمة، وإمكان تفكك حكومات مركزيّة كثيرة، فإن لا أحد منهم قادر بالفعل على تقديم تصوّر محكم للحياة في كوكب ما بعد كورونا. فهم أنفسهم من مخلفات العالم القديم الذي مات، وأدواتهم ومساطرهم لم تعد صالحة للاستعمال في تشييد معمار جديد يخضع لعلاقات قوّة مختلفة عمّا ألفناه في الأعوام السبعين الأخيرة.

اليقين الوحيد في هذه الحالة السائلة بين العالمين القديم والجديد أنّ ما بعد كورونا لن يشبه ما قبله حتماً، وأن الآتي قد يتأهل لمستوى الحدث (الفلسفيّ) وفق المفهوم الباديوي (نسبة إلى آلان باديو)، فيخلق ــ بثمن باهظ – منطقاً (ثوريّاً) جديداً لنظام الأشياء، ربّما يكون انتقالاً بالبشريّة إلى حقبة زمنيّة جديدة تماماً تخضع لقواعد تتبلور لحظيّاً ولا علاقة لها إطلاقاً بقواعد ما قبل كورونا.

يحق لنا – نحن المقهورين وضحايا المنظومة الليبراليّة الفاسدة عبر العالم – أن نستسلم في أجواء ولادة هذا الجديد لجرعة من الأمل (الديالكتيكي الطابع) بأنّ هذه الكورونا تحمل في قلبها الغادر مع الموت والدّمار بذور غد أفضل. لم يعد لدينا بالفعل ــ كمليارات ــ ما نخسره سوى أغلالنا التي فرضها علينا الأثرياء والنافذون. لم يعد سهلاً إعادة تعليبنا في الصناديق القديمة البالية. فنحن الآن أكثر تعليماً، ومسلحون بقدرة هائلة على تبادل المعلومات رغم كل الرّقابات، وهناك عدد لانهائي من البشر الذين يريدون الانخراط في إيقاع تجربة عيش جديدة حيث كرامة الإنسان، والعدالة، والأمان الاقتصاديّ من الجوع والمرض والجهل، وانتهاء الأنظمة السياسيّة العنصريّة وحكم السلالات القروسطيّة، وبناء نظام مادي لحماية كوكبنا للأجيال القادمة. لكن الجديد لن يسقط علينا من السماء، لا سيّما أن النخب التي تسيطر على النظام الليبرالي المعولم (بما فيه التجارب الروسيّة والصينية المتفاوتة) لن تستسلم بسهولة، فيما أصبح اليسار أثراً بعد عين. فما العمل؟

في 1917، قامت طليعة من مثقفين أذكياء وشجعان بقراءة موت نظام روسيا القديم، وانطلاق الوحوش، فرسموا معاً شكل اليوم التالي وصنعوه بأيديهم. كذلك في 1941، كانت قلّة من أصحاب النفوذ والمعرفة هي التي وضعت قواعد عالم ما بعد الحرب. في قلب مخاض الولادة هذه، ربمّا هي الفرصة سانحة الآن للمقهورين بأخذ زمام المبادرة النظريّة ـ على الأقل ــ وعدم تركها فريسة لقلّة استثنائيّة. فنحن اليوم مؤهلون كما لم يكن متاحاً يوماً لأسلافنا بأن نكون كتبة إعلان الاستقلال الجديد بالإفادة من معطيات انتصار العالم الافتراضي على الواقع: للتثقيف بطرائق عمل العالم، وتعرية الإمبراطوريّة الأميركية الفاسدة، وخلق فضاءات حوار وتلاقٍ حول أدوات تشكيل الغد الأفضل. شيوعيّة ثالثة كما يقول باديو ننحاز فيها – أخيراً – للإنسان وللجميع لا للأرباح ومصالح الرأسماليين السايكوباث. فلنتثقّف بكثافة ولنتحاور، ولنكن جاهزين كأغلبيّة للحرب الطبقيّة إن تطلّب الأمر، سلاحنا كثرتنا الطاغية، ووعينا المستحدث، وخبرة بؤسنا الأكيد في ظل اللّيبراليّة الفاجرة. لم يعد نظامهم صالحاً للعمل، وربما قد حان وقتنا. يا له عندئذ من عالم جديد شجاع. فليأتِ هذا اليوم التالي.

عن الغرق في بحر الأخبار

يبدو العالمُ بشكل متزايد، كأنّه مُصمّمٌ لأفراد منعزلين يعيشون كمدمنين على ازدراد سيل متدفق من الأخبار العاجلة والنشرات المستمرة والتحديثات على مواقع التواصل الاجتماعي عبر مجموعة من الشاشات اللامعة التي تُلاحقهم أينما ذهبوا حتى عندما يهجعون في أسرّتهم للنوم في المساء. ولا بدّ من أن البعض يجد في حال البقاء على اطلاع دائم، ومتابعة عدة محطات تلفزيونيّة ومواقع على الإنترنت وقراءة عدة صحف يوميّة مع الإطلال بين الحين والآخر على «التايم-لاين» أمراً لا بدّ منه للعيش العصري، والبقاء على تواصل مع الآخرين والنجاح في أجواء التّنافس الاجتماعي والاقتصادي. لكنّ المفكّر السويسري رولف دوبيللي مؤلّف كتاب «فن التفكير بوضوح» يرى أنّ الإعلام المعاصر في عهد الرأسماليّة المتأخرّة، أصبح مصدراً لتخمة أخبار لا تقل خطورة في تأثيراتها السلبيّة على عقولنا وأجسادنا ونفسياتنا عن تخمة الغذاء وإدمان السكر، إذ يمدّنا بكمّ مهول من قطع التّفاهة سهلة الهضم التي لا تحتاج إلى كثير تفكير، فتصلنا في قوالب مغلفة بشكل بصري جذّاب لنقع تدريجاً في فخّ الإدمان، والحاجة المستمرة لبحث لانهائيّ عن إشباع غير ممكن. وبينما يعتبر الإعلاميّون أنهم يجعلون العالم مكاناً أفضل من خلال تأدية واجبهم المهنيّ، فإن معظم نتاجهم – وفق دوبيللي دائماً – غير ذي صلة، بل يتسبب في أضرار فادحة لمستهلكيه على المستوى الفردي، والجماعي على حد سواء، وربما يمثّل خطراً على الأمن القوميّ للمجتمعات الحديثة.

دوبيللي الذي كان قد نشر مقالة عن محاذير الإدمان على الأخبار على مدونته عام 2012، جلبت أفكاره انتباه صحيفة «ذي غارديان» البريطانيّة (في عهد رئيس تحريرها السابق)، فاستدعته للتحدّث بشأنها مع كُتابها في مقرها الرئيس في لندن. كان لقاء غريباً بالطبع بين مجموعة من منتجي المواد الإعلاميّة الأهم في بريطانيا، ومفكّر يبادلهم العداء ويتّهمهم بالإضرار بالديمقراطيّة وبصحة مواطنيهم عبر ما ينتجونه من هراء يوميّ. «لنكن صريحين أيها السيدات والسادة» قال لهم، «إن ما تنتجونه هنا ليس إلا شكلاً من أشكال الترفيه». أثار اللقاء/ الصّدام غضب كثيرين من كتّاب «ذي غارديان»، واعتبر بعضهم دوبيللي أقرب إلى تاجر سموم أفاعٍ يبتغي الشهرة عبر مخالفة المألوف. لكنّه لم يرتدع، وأعاد صياغة مقالته الأصليّة في كتاب صدر العام الماضي بالألمانية – وصدرت ترجمته الإنكليزيّة هذا العام، بعنوان «توّقف عن قراءة الأخبار: مانيفستو لحياة أكثر سعادة وهدوءاً وحكمة». هنا يجادل بأن الامتناع عن تعاطي الأخبار اليوميّة أفضل ما يمكن أن يقدم عليه الإنسان المعاصر لإنقاذ نفسه من الدوامة التي جنتها على البشريّة ماكينة الإعلام الرأسماليّ، ويسجّل خبرته الذاتيّة في التخلّص من سمومها تدريجاً، هو الفخور الآن بأنه لم يشاهد نشرة أخبار منذ عشر سنوات، بينما حسابه على تويتر غير مفتوح للعموم مع رسالة تقول: «أصدقائي، أنا منشغل في تدوين كتابي الجديد وليس عندي وقت لفيسبوك أو تويتر»!

مرافعة دوبيللي ضد متابعة الأخبار تقوم على محاور عدّة، منها أن صناعة الأخبار تضليل للحقائق، إذ تمنح حوادث الإرهاب النادرة والمنعزلة تغطية أوسع بكثير من الحديث مثلاً عن التوتر الدائم الذي يسبّبه نسق العيش المعاصر ويمس حياة المليارات، ويحصل رواد الفضاء الذين تتضاءل القيمة الفعليّة لرحلاتهم على مكانة النجوم، بينما يتم تجاهل بطولات يوميّة يقوم بها الممرضون مثلاً في مواجهة الأوبئة. هذا التضليل قد يتسبب في سوء الاستجابة النفسيّة لمحتوى تقارير الأخبار، إذ غالباً ما يُصاب مسافر بالطائرة بقلق مضاعف تجاه السفر بالجوّ لدى اطلاعه على تفاصيل حادثة سقوط طائرة، في الوقت الذي يستمر فيه الطيران المدنيّ دائماً كأقل وسائل التنقل خطراً على الإطلاق. كذلك يسم دوبيللي المواد الإخباريّة اليومية على تنوع قنواتها بغير ذات صلّة بواقع مستهلكيها، إذ قلّما تجد أن خبراً واحداً أو تحديثاً عمّا يحدث لحظياً قد أثرّ بأي شكل مباشر على حياة المتلقي رغم أنّه يتعرّض سنوياً لما يقدّر بـ 10 – 12 ألفاً من تلك المواد كمعدّل وسطي.

يشنّ دوبيللي هجوماً على المقالات في الصحف اليوميّة، معتبراً أنها مجرّد فقاعات على سطح ما يجري حقيقة في العالم، وأن ازدحام عقل المتلقي بالمعلومات التي يوردها الصحافيون لا يساعد على التقاط القصص الأهم – التي لا تروى – وغالباً لا يطلّع عليها الإعلام. فلو كان حجم المعلومات سبباً في النجاح في هذا العالم، لما كان أغلب الصحافيين أجراء ومرتزقة أيديولوجيين عند من يملكون النفوذ والثروة. بل إن كثرة استهلاك كبسولات المعلومات هذه تنعكس بعداً متزايداً للمتلقي عن تكوين صورة كليّة واقعيّة عن العالم وما يجري به تحت رادارات الصحافيين الأجراء، لا سيّما أنها تكرّس انحيازات الإدراك. فأغلب المقالات تبسّط حد الإسفاف والتسطيح عالماً شديد التعقيد (على نمط «تراجعت أسعار النفط بعد قرار السعوديّة زيادة الإنتاج» من دون إدراك أي شيء عن الأسباب الحقيقية لمثل ذلك القرار، وطبيعة الجهة التي اتخذته، وما هي الظروف البنيوية للسوق والمنتجين الآخرين التي جعلت من تراجع أسعار النفط أمراً ممكناً وهكذا). وغالباً ما يختار المتلقي من مصادر الأخبار ما يؤكد منها على فهمه الذاتي للعالم ولا تتحداه، ناهيك بأن الصناعة بمجملها – حتى لو افترضنا جدلاً حسن النيّة غير الموجود حتماً – تقوم على أساس الترويج للقصص المنطقيّة والمسليّة بغض النظر عن علاقتها المباشرة بالحقائق الموضوعيّة.

لا يكتفي دوبيللي بالإشارة إلى العيوب المعرفيّة التي تحملها صناعة الأخبار اليوميّة، بل يذهب إلى اعتبارها مسؤولة عن تأثيرات سلبيّة على الجسد أيضاً. فهو ينقل عن مصادر طبيّة بأن التوتر الذي قد يصيب متلقِّي الأخبار يتسبب في إفراز زائد من مادة الكورتيزول في الجسم التي تتسبب في تراجع المناعة، وتمنع إطلاق هرمونات النموّ، وتسقط الإنسان في مزاج من التوتر اللحظي الدائم والسلبيّة والإحساس بالعجز والعدوانيّة، وتفتح الباب مشرعاً للوقوع في الاكتئاب والإدمان وقلّة التركيز. والأخطر أن طبيعة التواتر المستمر للتحديثات من مختلف وسائل وقنوات الإعلام تتسبب تدريجاً في إعادة تركيب بنية التشبيك بين خلايا الدماغ، بحيث يعتاد المرء على القراءات القصيرة والسريعة ومتابعة مصادر متوازية للمعلومات في آن فيما يفقد القدرة على القيام بقراءات مطولة في كتب أو مقالات طويلة تحتاج إلى التركيز لفترات طويلة.

لكن ما البديل الذي يطرحه دوبيللي للحصول على التنوير حول شؤون العالم؟ استعادة مهارة القراءة المطولة – الورقيّة – أو تلك الخالية من أيّ روابط تحيل القارئ على مواقع أخرى تأتي على رأس القائمة، مع إمكان الحصول على حصّة موجزة من الأخبار على نحو شهري أو أسبوعي إذا كان هنالك ثمّة ما يستدعي الأمر، فيما يقترح لمدمني الصحف الورقيّة اليوميّة قراءة الصحف القديمة التي تساعد على فهم أفضل لواقع العالم وتعقيده مقارنة بصحف اليوم. ويقترح للأفراد جمع المعلومات عبر خلق فرص للاستماع إلى وجهات نظر آخرين متخصصين في قضايا مختلفة، ومجتمعياً تطوير الصحافة الاستقصائية كوسيلة لإنقاذ الوسائل الإعلاميّة من السخافة التي ألمت بها منذ أصبحت مجرّد أبواق مؤدلجة في خدمة الهيمنة، واستشرست بعد الانتشار المتشظي للإنترنت في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين.

ملحق كلمات

—————————-

كوفيد١٩: التداعيات الجيوبوليتيكيّة المحتملة

ما إن غزا فيروس كورونا العالم قادماً من ووهان الصينية، حتى دخل الجميع في صدمة. عدّو قديم بشكل جديد، لا معلومات كافية عنه، ولا وسائل حماية ضدّه! تباينت ردود الأفعال الأوّلية للأنظمة والحكومات، واتسمت بالعشوائية والفردية، لكنّها اضطرت في نهاية المطاف إلى اتخاذ إجراءات قاسية -وإن بنسب متفاوتة- في محاولة لكبح جماح انتشار الفيروس وتخفيف الضغط على القطاع الصحي وكبح جماح انتشار الوباء ووضعه تحت السيطرة النسبية.

لكن وباستثناء الصين التي أعلنت أنّها لم تسجّل أي حالات إصابة محلّية جديدة نتيجة احتوائها للفيروس، لا تزال باقي دول العالم غارقة في كيفية التعامل مع هذا الخطر الداهم الذي يصيب أعدادا متزايدة بسرعة مهولة حاصداً أرواح الآلاف من البشر. إذا ما صح الزعم الصيني، فهذا يعني أنّ بكّين تجاوزت الأسوأ في وقت بدأت فيه الدول الأخرى مرحلة الاستنزاف البشري والمادّي للتو.

ماذا يعني ذلك؟ هذا يعني أنّ الصين باتت تتمتّع بأفضلية على باقي العالم وهو الأمر الذي يذكرنا بالكيفية التي استطاعت فيها الاستفادة من أزمات كبرى ضربت العالم خلال الأعوام الثلاثين الماضية لعل أبرزها الأزمة الاقتصادية العالمية عام ٢٠٠٨ والتي سرّعت بشكل غير مسبوق من الصعود الصيني اقتصادياً وعسكرياً على المستوى الدولي. خلال العقد الماضي، كان النظام العالمي يتآكل بشكل متزايد، ولعل الأزمة السورية هي شاهد حيّ على ذلك. أمّا اليوم، فمن المتوقع أن يسرّع الفيروس من وتيرة هذا التآكل وربما يساهم أيضاً في إحداث تغيير جوهري في موقع ودور العديد من الدول بما في ذلك الدول الكبرى.

الاتحاد الأوروبي اليوم في أسوأ موقف له على الإطلاق بعد أنّ فضّلت العديد من دوله حماية نفسها أولاً كفرنسا وألمانيا مما دفع الدول التي تعاني الآن إلى طلب المساعدة ممّن يفترض به أن يكون العدو أو الخصم في أفضل الأحوال. العديد من الدول الأوروبية اليوم ستعتمد على الصين وروسيا وكوبا وفنزويلاً لمساعدتها على تجاوز محنة تفشي وباء كوفيد١٩. لا يوجد أدنى شك في أنّ الصين وروسيا ستستفيد من هذه الفرصة التي تضع علامات استفهام كبيرة حول مفهوم الوحدة الأوروبية ومصيرها لتعزّز من نفوذها السياسي والاقتصادي في القارة العجوز، وربما تساهم في تفكّك الاتحاد الأوروبي.

الولايات المتّحدة الآن في صراع مع الوقت لتأمين ما يمكن تأمينه في المجال الصحي بعد أن بدا أنّها مكشوفة تماماً أمام مخاطر وتهديدات من هذا النوع. هناك حديث عن تخصيص تريليون دولار للمساعدة على التعامل مع تداعيات انتشار الفيروس في الولايات المتّحدة بشكل سريع. خلال العقدين الماضيين، شهد موقع ودور الولايات المتحدة القيادي للعالم تراجعاً ملحوظاً. صحيح أنّها لا تزال القوّة العسكرية الكبرى في العالم، لكنها لم تعد سياسياً واقتصادياً، ولربما سيساعد الفيروس على ترسيخ هذا الواقع ويتسبب بدفعها إلى الخلف مفسحاً المجال لقوى شمولية كالصين لأن تعزّز من مكانتها المستقبلية على المسرح الدولي.

وبينما يغرق العالم في أزمة صحّية يرافقها أزمة اقتصادية تطيح بكبرى الشركات والقطاعات وتتسبب بخسارة الملايين من البشر لوظائفهم وربما إفلاس العديد من الدول حول العالم، ستكون الصين بمثابة المصنع العالمي الجاهز للاستثمار في الأزمة، وقد تتدخل لمساعدة العديد منها بشكل مدروس وممنهج يخدم أجندتها السياسية والاقتصادية وينتهي بها المطاف في السيطرة عليها. لدينا الكثير من الأمثلة على هذا الدور الصيني حتى في مرحلة ما قبل وباء كوفيد١٩، فما بالكم بما سيكون عليه الوضع بعده؟

الأنظمة الديمقراطية في أزمة جرّاء بيروقراطيتها الشديدة في حالات الطوارئ، واستمرار الصراع السياسي الداخلي فيها حتى في وقت الأزمات، وافتقارها إلى القوة القاهرة لتحريك المجتمع باتجاه واحد في المحن، ومن دون شك سيكون لهذا الأمر تأثيره على المستوى الدولي. من المتوقع أن تزداد في مرحلة ما بعد الوباء التوجهات اليمينة والعنصرية والقومية في عديد من البلدان حول العالم. كما قد تفضّل دول الخروج من التكتّلات الجماعية التي تتواجد فيها على اعتبار أنّها لم تستفد منها في الوقت الذي كانت فيه في أمس الحاجة إليها.

سيكون هناك اختلالات اقتصادية، حيث من المنتظر أن تصعد بعض الدول المحظوظة اقتصاديا بشكل سريع، فيما تتراجع دول أخرى عن مراكزها السابقة. الفيروس قد يطيح بعدد من الحكومات حول العالم كذلك. مصير ترامب وميركل وماكرون وجونسون وغيرهم على المحك، في الوقت الذي سيعزّز فيه السلطويون الشموليون من مواقعهم كتشي بينغ وفلاديمير بوتين وغيرهما. الديمغرافيا قد تلعب دورها أيضاً إيجاباً أو سلباً في مرحلة ما بعد الوباء، لاسيما بالنسبة إلى القارة العجوز. أحد أسباب التكاليف البشرية الباهظة التي تدفعها إيطاليا اليوم هي أنّها واحدة من بين دول قليلة في العالم تبلغ نسبة من يزيد عن ٦٥ عاماً فيها عن ٢١٪ أي حوالي ربع سكان البلاد.

إذا ما صحّت بعض هذه الاستنتاجات فسنكون أمام مشكلة أخرى بعد انجلاء الغبار عن المعركة مع كوفيد١٩، حتى ذلك الحين لا نملك إلا محاولة التقليل من مخاطر الفيروس من خلال الاعتكاف والتعامل بحذر مع احتمال انتقاله وحماية المسنّين، دمتم بأمان.

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

علي حسن باكير

————————————

دمشق خالية في مشاهد لم تعرض من قبل (فيديو)

نشرت وكالة “ربتلي” الروسية تسجيلاً مصوراً عَرض شوارع العاصمة دمشق وهي خالية، بعد فرض حظر التجول من جانب حكومة نظام الأسد، في مشاهد لم تعرض من قبل.

وأظهر التسجيل المصور الذي نشر على قناة الوكالة في “يوتيوب” اليوم السبت، خلو أوتوستراد المزة ومنطقة جسر الرئيس وميط فندق “فور سيزنز” وحي البرامكة وسط دمشق من المارة والسيارات بشكل تام، بعد فرض حظر التجوال.

ويعتبر خلو شوارع دمشق بشكل كامل، بحسب ما أظهرها التسجيل المصور، مشهداً لم يسبق وأن شهدته العاصمة منذ سنوات.

وكانت حكومة نظام الأسد قد فرضت، في الأيام الماضية، حظراً للتجوال من الساعة السادسة مساءً وحتى الساعة السادسة صباحاً في عموم المحافظة السورية، ضمن الإجراءات التي اتخذتها لمواجهة انتشار فيروس “كورونا”.

وجاء حظر التجوال بالتزامن مع إعلان وزارة الصحة في حكومة الأسد الكشف عن 5 إصابات بفيروس “كورونا”.

ويوم أمس الجمعة أصدرت وزارة الداخلية في حكومة الأسد قراراً منعت بموجبه التنقل بين المحافظات والمدن السورية، وذلك بعد أيام من فرض حظر تجول من الساعة السادسة مساءً وحتى الساعة السادسة فجراً.

وقال وزير الداخلية، محمد رحمون لوكالة “سانا”، أمس إن “هذا إجراء إضافي، وهو لاحق للإجراء السابق الذي كان من الساعة 6 مساء حتى الساعة 6 صباحاً وهو مستمر حتى إشعار آخر”.

وسبق أن أقرت حكومة النظام إجراءات وقائية، من بينها إيقاف كامل وسائل النقل الجماعية بين المحافظات وداخل المحافظة نفسها، وتعليق الدوام في “الوزارات والجهات التابعة لها والمرتبطة بها، والتي لا يشكل تعليق العمل فيها عائقاً أمام مواجهة مخاطر انتشار الفيروس”.

كما أغلق النظام الأنشطة التجارية والخدمية والثقافية والاجتماعية، باستثناء مراكز بيع المواد الغذائية والتموينية، والصيدليات والمراكز الصحية الخاصة.

———————————

“قنبلة بيولوجيّة”.. هكذا تسبّبت مباراة أتلانتا وفالنسيا في نشر فيروس كورونا

تسبّبت مباراة أتلانتا وفالنسيا حسب خبراء بشكل كبير في نشر فيروس كورونا بإيطاليا وأوروبا، ووُصف هذا اللقاء الذي جرى في ميلانو ضمن ذهاب ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا بالقنبلة البيولوجية.

ليلة التاسع عشر من شباط/فبراير الماضي كانت استثنائيّة للغاية، نادٍ إيطالي مغمور اسمه أتلانتا، يلعب لأوّل مرّة في دور الستّة عشر من دوري أبطال أوروبا، في مشاركته الأولى بالبطولة، والتي استطاع أن يبهر الجميع خلالها بعودته التاريخية في دور المجموعات، حينما خسر أوّل ثلاث مباريات له، وحصد سبع نقاط في الجولات الثلاث المتبقّية، كانت كافية لضمان وصوله الإعجازي إلى الدور ثمن النهائي.

كلّ تلك التفاصيل شغلت الأجواء الرياضيّة في تلك الأمسية، واقتصرت الأحاديث والتساؤلات على مدى قدرة الفريق القادم من بيرغامو في أن يواصل مسيرته الأوروبية، ولأن ملعب أتلانتا في بيرغامو لا يناسب بحجمه الصغير الحدث الكبير، اتّخذ أتلانتا ملعب سان سيرو الخاص بناديي إنتر ميلان وإي سي ميلان من أجل خوض المباريات الأوروبية.

مضت ليلة التاسع عشر من شباط/فبراير بأجواء خياليّة، لحظات استثنائيّة عاشها أكثر من 40 ألف متفرّج آزروا أتلانتا، سافروا من بيرغامو إلى ميلانو كي يشاهدوا فريقهم يدكّ شباك فالنسيا بأربعة أهداف لواحد، فاقترب أتلانتا كثيرًا من الوصول إلى ربع النهائي، ووصل إليه بعد ذلك في لقاء الإياب الذي أُقيم دون جمهور، تلك الليلة التي كانت في ظاهرها ربّما أجمل ليلة في تاريخ عشرات الآلاف من أبناء مدينة بيرغامو، أثبتت مع مرور الوقت أنّها الأسوأ على الإطلاق.

وفق مقال لصحيفة ذا صن فإن لقاء أتلانتا مع فالنسيا كان بمثابة قنبلة موقوتة ساهمت بانتشار كورونا في إيطاليا وأوروبا، إذ كانت مدينة بيرغامو مصدرًا أساسيًا للفيروس في إيطاليا، ومع سفر أكثر من 44 ألف مشجّع إلى ميلانو من أجل مؤازرة فريقهم، انتشر الفيروس بشكل رهيب في إيطاليا، وحتّى إعداد هذه المادّة، أُصيب أكثر من 80 ألف إيطالي بفيروس كورونا، توفّي منهم أكثر من ثمانية آلاف، وهي الحصيلة الأكبر في العالم، وكان نصيب مدينة بيرغامو من نسبة الوفيّات هو الأكبر.

وتحدّث أستاذ المناعة فرانشيسكو لو فوش للصن على أنّه ربما كان هناك العديد من المحفزات الرئيسية والمحفزات لانتشار الفيروس، وكانت مباراة أتلانتا وفالنسيا واحدة منها، وأضاف، ” لقد مر شهر منذ تلك المباراة ، لذا فإن التوقيت ذو صلة”، وذكر أنّ تجمّع آلاف الأشخاص، على بعد سنتيمترات من بعضهم البعض ، ينخرطون في مظاهر النشوة مثل المعانقة والصراخ، كلّ ذلك شكّل أجواءً مثاليّة لانتشار الفيروس، ووفق الأستاذ فالكثيرون لا يريدون تفويت حضور هذه المباراة لو ملكوا التذكرة، حتى لو شعروا بحمى طفيفة.

بعد أربعة أيام من هذه المباراة تمّ إغلاق مدينة بيرغامو والمناطق المحيطة بها بسبب انتشار الفيروس، ووصف عمدة مدينة بيرغامو المباراة بالقنبلة البيولوجية، لأن عشرات آلاف المشجّعين نقلو الفيروس إلى ميلانو، ناهيك عن قدوم مئات المشجّعين من إسبانيا لمؤازرة فريقهم، فانتشر بعد ذلك في أوروبا، تسبّب بعد ذلك أيضًا بإصابة ثلث لاعبي فالنسيا بفيروس كورونا، فيما تمّ تأكيد إصابة حارس اتلانتا بالفيروس.

الترا صوت

—————————-

======================================

===========================

تحديث 29 أذار 2020

——————————-

جائحة كورونا: الاستغلال السياسي

من الصين حيث ظهر فيروس كورونا وانتشر على نطاق عالمي، إلى الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي والبرازيل وهنغاريا ومصر والسعودية وبلدان أخرى عديدة، يجري استغلال الجائحة على أصعدة سياسية واقتصادية من جانب ساسة ومسؤولين يعملون على توظيف مخاوف الناس لأغراض انتخابية أو لتوطيد سلطاتهم أو لخداع الشعوب حول الواقع الفعلي لانتشار كورونا. تتفاقم هذه الحال بصفة خاصة في أنظمة الاستبداد والفساد، التي باتت مفاعيل الجائحة تجبرها على تقليص ميادين النهب واتخاذ تدابير الحد الأدنى لاتقاء غضبة المواطنين والتستر على عجز السلطات في مختلف الميادين وفي قطاع الخدمات الصحية تحديداً.

 ——————————

ترامب والرئاسة الثانية: إنها كورونا يا غبي!/ صبحي حديدي

على نقيض ما قد يتبادر إلى الذهن، ارتفعت نسبة رضا الأمريكيين عن أداء رئيسهم دونالد ترامب بمعدّل ثلاث نقاط، فبلغت المستوى القياسي 47%؛ بدل أن تنخفض، تبعاً للنهج العام الذي اعتمده في التعامل مع جائحة فيروس كورونا المستجد، وطرائقه ومواقفه المتناقضة في هذا المضمار. لكنّ ترامب نفسه يدرك، ربما أكثر من أيّ أمريكي، أنّ ذلك الارتفاع ليس مؤقتاً وعابراً فحسب؛ بل قد يكون خادعاً تماماً، ولن يطول الوقت حتى تنتكس هذه النسبة وتهوي إلى معدلات قياسية.

الأمريكي، بادئ ذي بدء، يميل إلى الالتفاف حول الرئيس/ الزعيم، وحول العَلم ذي النجوم البيضاء الـ50 استطراداً، في المنعطفات الوطنية العصيبة والأزمات الوطنية الكبرى والحروب والكوارث الطبيعية، وما إليها. وحسب مركز غالوب لرصد معدلات الرضا عن أداء رؤساء أمريكا، تلك كانت حال رونالد ريغان بعد تفجير معسكرات القوات الأمريكية في بيروت، وجيمي كارتر بعد أزمة الرهائن في طهران، وقد حظي جورج بوش الابن بنسبة 90% بعد هجمات 11/9؛ وبعد حرب الخليج؛ وفي سنة 1992، كانت معدلات الرضا عن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب قد بلغت 80%؛ الأمر الذي لم يمنع هزيمته في الانتخابات الرئاسية أمام حاكم ولاية شابّ ومغمور يدعى بيل كلنتون. هي، إذن، ثقافة جَمْعية “طيّارة” إذا جاز التعبير، يمكن أن تنحسر سريعاً فتخبو جذوتها حتى قبل انقضاء التأزم، وقد يحدث أن تنقلب إلى النقيض تماماً.

لكنّ جنيفر روبن، في “واشنطن بوست”، تنتهج معياراً إضافياً لقراءة الارتفاع الأخير في معدلات الرضا عن أداء ترامب، وهو المعدلات الموازية في بلدان أخرى: المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل قفزت إلى 75%، وجوزيبي كونتي رئيس الوزراء الإيطالي إلى 73%، وبوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني إلى 70% (بعد ثلاثة أشهر فقط من معدّل رضا لم يتجاوز 30%!). في عبارة أخرى، هذه جماهيرية ائتلاف الرهبة واللوذ بالحاكم واللجوء إلى الدولة، وجميعها تسير على نقيض الركائز الكبرى في الفلسفة الرأسمالية واقتصاد السوق وتحجيم الدولة…

ليس غريباً، والحال هذه، أن يسارع ترامب إلى اعتناق الشعار الذي أطلقه المحافظون في الولايات المتحدة: العلاج (أي إلزام الناس بالبقاء في بيوتهم) أسوأ من المرض نفسه؛ وأن ينذر باستئناف “فتح” البلد مع اقتراب عيد الفصح، لأنّ أمريكا لم “تُخلق لكي تُغلق”. وليس عجيباً أن يلجأ ترامب إلى استخدام تعبير مثل “الفيروس الصيني” في وصف جائحة كورونا، محرّضاً على انطلاق أسوأ التنميطات العنصرية ضدّ المواطنين الأمريكيين من أصول آسيوية؛ فهذه، عند رئيس انتُخب طبقاً لأجندات التفوّق العرقي الأبيض، حرب ثقافية أيضاً وليست علمية أو اقتصادية فقط. وفي خدمة سياقاتها يتوجب أن يتوحد المحافظون أجمعين، فيستنكر عضو مجلس الشيوخ لندزي غراهام هذا الحجر الذي يتيح للممرضات أن يكسبن تعويضات بطالة مضافة، أو يصرخ مذيع في قناة “فوكس نيوز” أنّ فيروس كورونا “خدعة” هدفها تقليص حظوظ ترامب في الفوز بولاية رئاسية ثانية!

يبقى أنّ الاقتصاد هو كعب آخيل في هذه الحظوظ، إذْ تفاخر ترامب على الدوام بأنّ الأشغال والأعمال والاستثمارات لم تكن أفضل حالاً في أيّ يوم من تاريخ الولايات المتحدة، وإذا اقترب شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الانتخابي حاملاً معدلات بطالة مليونية مزدوجة الرقم (العدد اليوم 3.3 مليون عاطل عن العمل، بما يتجاوز سنة 2009 في ذروة الأزمة المالية العالمية)؛ مرسخاً هذه أو تلك من عواقب الانحسار، أو حتى الركود؛ فإنّ أربع سنوات أخرى في البيت الأبيض لن تكون في قبضة اليد.

وذات يوم تبنى كلنتون الشعار الشهير “إنه الاقتصاد يا غبي!”، الذي صاغه مدير حملته جيمس كارفيل في انتخابات 1992؛ وليست مبالغة أن يُصاغ اليوم شعار تلقائي في وجه ترامب: إنها كورونا، أيها العاجز عن التمييز بين وفيات الأنفلونزا وجائحة كونية تصيب 596 ألف آدمي، وأسفرت حتى الساعة عن 27.500 وفاة!

القدس العربي

————————————-

مواجهة كورونا في شمال سوريا: مخبري واحد لأربعة ملايين مدني/ منهل باريش

نفت مديرية الصحة في إدلب، أي وجود للإصابة بفيروس كورونا المستجد خلال الحالات الثماني التي تم فحصها، حتى يوم الجمعة.

ويبدو أن فائدة الحصار الوحيدة، إن كان للحصار من فوائد، هو عدم الاختلاط وإغلاق المعابر التجارية مع النظام لعدم نقل الفيروس. وبقيت إدلب مفتوحة على ثلاثة معابر، معبر باب الهوى التجاري وفيه، يجري تعقيم الحاويات التجارية على الجانب التركي ولا تدخل أي حاوية بدون تعقيم، حسب ما أفاد أحد التجار لـ”القدس العربي” وأوقفت السلطات التركية خروج ودخول التجار السوريين من سوريا إلى تركيا والعكس وأوقفت دخول الحالات الطبية الباردة، فيما تركت باب حالات الإسعاف مفتوحا فقط. وتقوم النقطة الطبية بإدخال المصابين بحذر شديد وتطبيق إجراءات السلامة. وتقوم النقطة الطبية في معبر باب الهوى من الجهة السورية بفحص عمال تفريغ البضائع وسائقي الشاحنات بجهاز الفحص الحراري، وكذلك على نقطة الجندرما التي يجري عندها تفريغ الشاحنات. وتجري الاختبارت نفسها بين منطقة عفرين وإدلب في معبر الغزاوية التجاري ومعبر دير البلوط الخاص بالمدنيين.

وأكد مدير مختبر الترصد الوبائي في إدلب الدكتور شهم مكي، أن “المختبر حصل على المواد الأولية للفحوص وأن 900 عينة وصلت من وحدة تنسيق الدعم، و300 عبر منظمة الصحة العالمية، يوم الجمعة” مشيرا إلى أنه تم إرسال نتائج الفحوص إلى شبكة الإنذار المبكر والأوبئة التي تجري المقارنات بدورها وتقوم بالإعلان النهائي. مضيفا “الطاقة الاستيعابية للمختبر هي بين عشرة إلى عشرين مريضا في اليوم” واصفا العدد بالقليل وغير الكافي في حال انتشار الوباء، وطالب المنظمات الدولية “تزويد المركز بمخابر إضافية”.

في السياق، قال مدير “بنك الدم” في إدلب، الطبيب المخبري حسن قدور: “الكيت هو علبة المادة المخبرية اللازمة للفحص، وتكفي 96 اختبارا، يستخدم منها من أربع إلى ست عينات تقريبا للمراقبة وضبط الجهاز والتجريب، وتبقى مادة كافية لنحو 90 فحصا” مشيرا إلى وجود “جهاز واحد في كل الشمال السوري لفحص المادة الصبغية للفيروس” ما وصفه “غير كافي، نحتاج لأكثر من جهاز ونحتاج تدريب فنيين للعمل على الجهاز بشكل عاجل وسريع، وتوفير مواد الفحص حسب خطة طويلة”.

ويعاني القطاع الطبي في إدلب من نقص حاد في الكوادر الطبية نتيجة القصف الجوي للقوات الروسية على المرافق الطبية، حيث خسر القطاع 76 منشأة طبية خلال عام واحد في منطقة شمال غرب سوريا، ويعاني من شح في الموارد المالية وتراجع الدعم المقدم من المانحين بشكل عام، إضافة إلى نقص في الموارد البشرية المتاحة نتيجة قتل الكوادر الطبية أو اعتقالها أو هجرتها بسبب الظروف الأمنية.

هذا وأوقف عدد من المنظمات الدولية دعم المؤسسات الصحية الحكومية في كل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام منذ حوالي ستة أشهر، الأمر الذي ساهم بشكل كبير في إضعاف القطاع الصحي وقدرته على الاستجابة والتعامل مع الكوارث.

وحذر مدير الصحة في إدلب الدكتور منذر خليل من وفاة أكثر من 100 ألف شخص في حال لم تكن هناك إجراءات وقائية شديدة للحد من الانتشار السريع للفيروس. وأشار في اتصال مع “القدس العربي” إلى أن نسبة إصابة الفيروس “في حال انتشر بشكل انفجاري فإنه قد يصيب 60-70 في المئة من الكتلة البشرية الموجودة ضمن إدلب، وأن نسبة الوفيات قد تصل لأكثر من 3 في المئة”.

وعن تضافر جهود القطاع الطبي، أشار إلى أنه “شُكل فريق عمل مع منظمة الصحة العالمية، وبعض المنظمات وتم الاتفاق على تخصيص ثلاثة مشافي لاستقبال الحالات المصابة بكورونا” ويعتقد أنها ستكون جاهزة خلال أسبوع، وفي هذه الفترة سيتم استقبال الحالات ضمن الامكانيات المتاحة، إضاقة إلى 28 مركز عزل مجتمعي يتم التحضير لها ومهمة هذه المراكز هي استقبال الإصابات الخفيفة ومراقبة المرضى بحيث يتم تحويل الحالات المتقدمة باتجاه المشافي، إضافة إلى تجهيز المخبر الوبائي المركزي في إدلب.

ونوه إلى أن عدد أسرة العناية المشددة في منطقة شمال سوريا “حوالي 201 سريرا فقط، والحاجة المتوقعة هي عشرات الآلاف في حال الانتشار الكبير للفيروس، إضافة إلى نقص الأدوية اللازمة للعنايات والأوكسجين وأجهزة التنفس الاصطناعي”.

على الصعيد ذاته، قال عبد الرحمن العمر كبير الاستشاريين الصحيين في المنظمة الطبية السورية الأمريكية لـ”القدس العربي”: “تعتبر الكثافة السكانية التحدي الأبرز، وتحديدا المخيمات، فمثلاً في بلدة أطمة الحدودية وحدها يوجد 148 مخيما، يسكنها قرابة 35 ألف عائلة، ويبلغ تعداد أفرادها تقريبا 190 ألف نسمة. وعلينا أن نتخيل عند ظهور حالة واحدة في المخيمات بالطبع ستتحول إلى آلاف الإصابات خلال أيام، لتصل إلى نسبة 70 في المئة من القاطنين”. وحول الاستعدادات ومقارنتها بمقدرة المنظمات الطبية على استيعاب صدمة الوباء، لفت العمر إلى أنه “في حال انتشار الوباء فنتوقع أعداد المحتاجين إلى أسرة عناية في الحد الأدنى 2500 مريض. ونحن لا نملك 100 سرير”.

وأوضح “أن منظمة الصحة العالمية تسعى إلى فتح ثلاثة مراكز استشفاء بطاقة 30 مركزا. وهذا يعني أننا أمام كارثة غير متوقعة”. وشدد على أن “السلاح الوحيد أمامنا في إدلب هو الوقاية، الذي بدأناه عبر عمال الصحة المجتمعية”.

وحول توفر المادة اللازمة لعملية التحليل المخبري، قدمت وحدة تنسيق الدعم المواد اللازمة لمركز الترصد الوبائي كمية يوم الجمعة، بلغت ثلاثة أضعاف الكمية التي سلمتها منظمة الصحة العالمية، والتي وعدت بتقديم خمسة آلاف عينة مخبرية.

وتنسق الوحدة عبر شبكة الإنذار المبكر والاستجابة للأوبئة مع وزارة الصحة التركية وبواسطتها رشح ثلاثة أطباء للتدريب على بروتوكول التعامل المخبري مع الفيروس، وتعمل الشبكة على نقل خبرتها المكتسبة في أنقرة إلى الفرق الميدانية، إلا أن طبيبا مخبريا واحدا هو أحد الأطباء الثلاثة المتدربين في أنقرة هو من يقوم بالتحليل في الوقت الحالي إلى حين تدريب المزيد من الكوادر.

في سياق منفصل، أطلق عدد من الفنانين والنشطاء والمنظمات الإنسانية حملة “لنحمي بعض” من أجل مساعدة النازحين الذين يعانون أوضاعا قاسية، والتخفيف عن معيلي الأسر بسبب الحجر الصحي المفروض عليها للوقاية من تفشي فيروس كورونا. وتهدف الحملة لتأمين الغذاء والمعقمات للعوائل الأكثر فقرا.

ويواجه القطاع الطبي والمنظمات والدفاع المدني والنشطاء حائطا مسدودا في مناشداتهم من أجل الحجر المنزلي، فأغلب النازحين يعانون من أوضاع اقتصادية سيئة للغاية، وأكثر من نصفهم فقد سبل العيش بعد عمليات التهجير الأخيرة التي بدأت منذ نهاية نيسان (أبريل) 2019 مع الهجوم على ريف حماة الشمالي، حيث تقدر الأمم المتحدة أعداد المهجرين قرابة 1.2 مليون مهجر.

ومن غير المتوقع التزام النازحين في في شمال غرب سوريا منازلهم، وفي حال ظهور حالة واحدة فهذا يعني أن ما يعرف بعدوى القطيع هي القدر المحتوم على أربعة ملايين ونصف منتشرين في شمال سوريا، وثلاثة ملايين منهم معرضون للإصابة وما لا يقل عن 300 ألف وفاة حسب النسبة العالمية للوفيات.

القدس العربي

————————————

شمال سورية: التدابير الوقائية ضدّ كورونا غير كافية/ عبد الله البشير

بدأت المجالس المحليّة والمنظّمات العاملة في منطقتيّ درع الفرات وغصن الزيتون بسلسلة من الإجراءات الوقائية ضدّ فيروس كورونا، تشمل حملات توعية عن الفيروس وكيفيّة انتقاله، إضافة إلى طرق تجنّب نقل العدوى، وحملات رقابة لمنع التجمّعات والحدّ منها.

في ظلّ هذه الأوضاع يبدي المواطن، أحمد أبو خليل (42 عاما)، بعض التحفّظات على الإجراءات التي تقوم بها الجهات المسؤولة، في ما يخصّ الوقاية من الفيروس، ويقول لـ”العربي الجديد”: “طبيعة عملي تتطلّب منّي التنقّل بين قرى وبلدات عفرين، فضلاً عن التنقل بين إدلب وعفرين أيضا. أرى في تنقّلاتي أنّ هناك نوعا من اللاّمبالاة بين الأهالي، إضافة إلى أنّ حملات التوعية التي تجري في منطقة عفرين محدودة وأقلّ من المطلوب بكثير. المرحلة تتطلّب التركيز على نشر الوعي أكثر والتعريف بفيروس كورونا عبر حملات منظّمة على المدن والقرى في عفرين، ويجب أن يحدث ذلك بخطوات متعاقبة أكثر”.

ومن بين الإجراءات التي اتّخذها المجلس المحلي في منطقة عفرين (شمال غرب حلب)، إغلاق كافة الحدائق العامة في المدينة، إضافة إلى منع إجراء المناسبات في الصالات والأماكن العامة، مع اتخاذ الإجراءات اللاّزمة، ضدّ من لا يلتزم بإجراءات حفظ الأغذية.

بينما يتساءل، خالد العمر، الذي يقيم في مدينة الباب عن الوقت اللاّزم لإيجاد لقاح يضع حداً للفيروس، ويقول لـ”العربي الجديد”: “نحن أناس عاديون نركض خلف لقمة عيشنا، لم نكد نلتقط أنفاسنا ونشعر بشيء من الاستقرار في مدينة الباب، حتى جاءنا هذا الوباء. تأثّر عملي بمجال صيانة الموبايل وبيع إكسسواراته بسبب الفيروس، وهذا يضعني تحت ضغوط معيشيّة كبيرة. كلّ ما أتمناه، هو أن يكتشفوا علاجاً لهذا الوباء، وتعود حياتنا إلى طبيعتها”.

ويوازن مدير فريق “منسّقو استجابة سورية”، محمد حلاج، بين الجوانب الإيجابية والأخرى السلبية في التعاطي مع الفيروس في المناطق المحرّرة، موضحاً لـ”العربي الجديد”، “أنّ الإيجابيات، في الوقت الحالي، هي أنّ الأهالي بدأوا يدركون مدى خطورة انتشار الفيروس، وحملات التعقيم ترتفع تدريجياً، كما أنّ جزءاً من الناس بدأوا يدركون أهميّة الحجر الصحي الطوعي أو البقاء في المنزل واتّباع التدابير الوقائية. أمّا السلبيات، فهي أنّ حملات التوعية ليست كافية بعد، فضلاً عن أنّ الحملات تقام وسط تجمّعات، دون مراعاة قاعدة التباعد الضرورية بين الناس، بالإضافة إلى أنّ هذه الحملات تُقام في مناطق دون أخرى. إذ ليس هناك حملات توعية، حتى الآن، في المخيّمات العشوائية، ونحن نعلم أنّ العبء كبير على المنظّمات والجهات الأخرى”.

وأشار حلاج إلى أنّ المنظّمات الطبية هي الوحيدة التي يجب أن تتحمّل مسؤولية حملات التوعية بين الناس، في إشارة إلى أنّ هذه المنظّمات، هي القادرة على اتخاذ التدابير الوقائية لمنع تفشي الفيروس، ومنع إصابة كوادرها أو نقل الكوادر في حال إصابتهم الفيروس للأهالي.

العربي الجديد،

——————————–

كورونا سوريا:طوابير الخبز تطول..والنظام في مأزق/ خالد الخطيب

يعاني السوريون في مناطق سيطرة النظام من أزمة تأمين الخبز واضطرارهم للوقوف في طوابير طويلة أمام الأفران ومراكز التوزيع للحصول على كميات محدودة. وبدا النظام عاجزاً عن تأمين كميات إضافية من الطحين لسد احتياجات الأفران، وعن ضبط أسعار المواد والسلع الأساسية التي ارتفعت في وقت قياسي بعد أقل من أسبوع على حظر التجول الذي أُعلن لمكافحة انتشار فيروس كورونا المستجد.

وظهرت أزمة الخبز مؤخراً أكثر حدة في حلب. ما أن ينتهي حظر التجول الليلي عند السادسة من صباح كل يوم حتى يبدأ الحلبيون في التجمع بالمئات أمام الأفران الخاصة والعامة، ومراكز التوزيع في الأحياء وفي المواقف المخصصة للشاحنات التي تنقل الخبز.

حلب طوابير خبز

التجمع في الطوابير في وقت مبكر يبدو ضرورياً للحصول على “ربطة” واحدة من الخبز، هي ما يسمح به لكل شخص، وفي حال التأخر عن الطابور ستنفد الكمية المحدودة أصلاً، وسيضطر الأهالي لشراء الخبز من السوق السوداء والأفران الخاصة “السياحية” في حلب، وبسعر مضاعف.

مجلس المحافظة وفرع البعث في حلب وعدوا الأهالي بزيادة كمية المخصصات اليومية من الطحين لتغطية الطلب المتزايد على الخبز. وأعلن بيان المجلس السبت، “زيادة مخصصات حلب 30 طناً إضافياً لتلبية الاحتياجات من مادة الخبز، وبهدف تخفيف الازدحام الذي تشهده منافذ البيع”.

منافذ البيع المفترضة هي الأفران العامة البالغ عددها 11 فرناً، والخاصة البالغ عددها 96 إضافة إلى مراكز وصالات السورية للتجارة البالغ عددها 52 و30 منفذاً من خلال الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، إلى جانب المعتمدين الذين تم توزيعهم لتغطية كافة أحياء المدينة.

مصادر خاصة في حلب أكدت ل”المدن”، أن الوعود والإجراءات المفترضة التي تحدثت عنها المحافظة لن تنهي الأزمة، فالكمية المضافة قليلة جداً مقارنة بحجم الطلب الكبير. وأضافت أن المعلومات التي تحدثت عنها المحافظة في بيانها بشأن أعداد منافذ البيع غير صحيحة، فصالات السورية للتجارة مغلقة، والقسم الأكبر من كميات الخبز يبيعها الموزعون “المعتمدون” المقربون من قادة المليشيات والفروع الأمنية، وهؤلاء يسرقون أكثر من نصف الكميات المخصصة للبيع لتسويقها في السوق السوداء بسعر مضاعف.

وبحسب المصادر، فإن “الجهات المشرفة على التوزيع هي المسؤولة عن أزمة الخبز، وبدل أن تشرف على عمليات التوزيع تشارك في سرقة مخصصات الأفران من الطحين والديزل وبيعها في السوق السوداء”.

وقال الناشط الإعلامي أبو العلاء الحلبي ل”المدن”، إنه “إلى جانب النقص الفعلي في كميات الطحين في سوريا وزيادة الطلب على الخبز أثناء الحجر المنزلي وفرض حظر التجول الجزئي، هناك عوامل أخرى كانت سبباً في أزمة الخبز الحالية”. وأوضح أنه “في مناطق سيطرة النظام عموماً وفي حلب خاصة لا يمكن لأي شخص الحصول على رخصة إنشاء فرن لبيع الخبز المدعوم. المقربون من قادة مليشيات النظام والفروع الأمنية وحزب البعث، وأعضاء مجلس الشعب فقط يمكنهم ذلك”.

وتابع الحلبي أن الرخصة تأتي “بعد دفع رشاوى تصل إلى أكثر من 12 مليون ليرة سورية، والرشوة ليست كبيرة مقارنة بحجم الأموال التي سيجنيها صاحب الفرن من خلال بيع جزء من مخصصات الطحين والمحروقات لأصحاب الأفران السياحية ومحال المعجنات”.

وأوضح أن “مديريات التموين هي شريكة أصحاب الأفران في سرقة المخصصات من الطحين والمحروقات، والزيادة المفترضة في كميات الطحين لن تحل المشكلة. أزمة الخبز تشبه إلى حد كبير أزمة الغاز المنزلي والمحروقات، طوابير الغاز منتشرة أيضاَ في كل أحياء حلب، وهناك عائلات لم تحصل لا على الخبز ولا غاز الطبخ منذ أسبوع تقريباً”، مضيفاً أنه “ليس في إمكان غالبية الحلبيين التسوق من السوق السوداء فالأسعار فيها مرتفعة جداً في ظل الاستغلال الحاصل بسبب المخاوف من وباء كورونا”.

وكانت حكومة النظام قد سمحت، السبت، باستيراد طحين القمح لجميع المستوردين من تجار وصناعيين بعد أن كان استيراد الطحين محصوراً بالمنشآت الصناعية، وخاصة التي تنتج المعكرونة.

استمرار أزمة الخبز ومعها أزمة الغلاء الحاد لمختلف أنواع السلع والمواد الغذائية الأساسية في الأسواق السورية ستزيد من حرج الفريق الحكومي الذي كلفه نظام الأسد مهمة التصدي المفترض لوباء كورونا. استمرار المخاوف من الوباء والإجراءات التصعيدية المتخذة للحد من انتشاره ستترافق حتماً مع زيادة حدة الأزمة المعيشية التي سيعاني منها السوريين. أسعار الخضار والفواكه في حلب ارتفعت إلى الضعف كذلك يشمل ارتفاع الأسعار مختلف المواد الغذائية.

وزادت الأزمة المعيشية المتصاعدة من مخاوف نظام الأسد الأمنية ما دفعه للزج بالمزيد من القوى الأمنية والعسكرية داخل الأحياء في المدن الكبيرة للتعامل مع أي طارئ أمني.

——————————

عن المعضلات الأخلاقية في مواجهة الكارثة – “كورونا” / موفق نيربية

يواجه السوريون كارثة “كورونا” ببرود لافت، ليس لأنهم عاشوا ويعيشون كارثة- سلطة أخرى منذ سنوات، بل لأنهم يعرفون أيضاً كيف أن طغمتهم الحاكمة استخدمت دائماً احتمال وقوع الكوارث المستبعدة كي تبطش بهم

نشرت صحيفة “التلغراف” المعروفة أنها اطلعت على مذكرة صادرة عن إدارة الحماية المدنية في منطقة بيدمونت شمال إيطاليا- والتي كانت ضربة فايروس “كورونا” فيها بالغة الشدة والخطورة- ورد فيها ما يفيد بأن الارتفاع المستمر في عدد المرضى يعني أن الطلب على موارد العناية المركزة سيفوق العرض. وسوف يجبر ذلك السلطات الصحية على الاختيار بين من يتلقى العلاج ومن لا يحظى به، مع حظوظ أكبر ليتمكن أولئك الذين يُرجح بقاؤهم على قيد الحياة من الحصول على تلك الأولوية. لذلك كان أحد الحلول المطروحة قبل غيرها، استثناء المرضى الذين تزيد أعمارهم عن الثمانين سنة من ذلك العلاج، لأن فرصتهم في النجاة أقل من غيرهم أساساً.

هنا محاولة لتبيان تأثير درجة تطور الدولة الحديثة، بمفاهيمها وبنيتها التحتية والفوقية، في مواجهة احتمال الكارثة، وخصوصاً من منظور علم الأخلاق. ولا يعني ذلك أي تقليل من قدرة الدولة الفاشية المتطورة على مواجهة ذلك الخطر، ولكن، بأي كلفة إنسانية وتاريخية وأخلاقية أيضاً.

تُطرح منذ الآن معضلة من معضلات علم أخلاق الكوارث، إن جاز القول. ولا بدّ من التطرق إلى هذا الميدان الطارئ، لأن ما يحدث حتى الآن سيكون ممكناً إطلاق اسم “الكارثة” عليه، علماً أن آفاق تطوره مفتوحة على احتمالات ليس من السهل أبداً حسابها. وربما يحتاج العالم إلى مثل هذا الدرس المكلف، لأنه لم يتعامل بالجدية المطلوبة مع كارثة أخرى تلوح في الأفق، ربما ستكون عظيمة الأثر على الحضارة الإنسانية من جميع الجهات، وهي الأخطار البيئية وتغير المناخ وذوبان القطب أو ما في حكمه.

ما الكارثة؟  أو- للدقة- ما الكارثة الإنسانية؟ ربما هي تلك الحالة التي تعمّ فيها آثار الضرر والأذى الناجم عن حدثٍ أو أحداثٍ، إنسانياً ومادياً واقتصادياً وصحياً وبيئياً، بحيث تزيد عن أو تتخطى إمكانات الجماعة المعنية على الاستيعاب والمواجهة. وهي قد تكون إقليمية أو محلية أو عالمية، قد تأتي على شكل ذوبان في ثلوج القطب، أو انفلات نووي أو بالمواد الكيماوية أو البيولوجية، أو بانفلات نووي، أو على شكل جائحة عالمية لوباء يصعب التحكم به… تنعدم الحدود فيها على رغم إغلاقها بين الناس والدول إلى هذا الحد أو ذاك، وتتعولم بالتدريج.

من فضائل الجائحة الحالية معرفياً كما يبدو، أنها بمقدار تعلق مساراتها باستعدادات الدول لها، وبدرجة تطور بنيتها التحتية لذلك، تتعلق أيضاً بالبنية الفوقية، التي تُعتبر الأخلاقيات المهيمنة جزءاً لا يتجزأ منها. يتلخص ما يُقال هنا بأنه من المستحيل مواجهة خطر الجائحة العامة من دون تعاون تلقائي- مثلاً- من قبل الناس العاديين وفي ما بينهم، ومساهمتهم مباشرة ومن دون إكراهٍ في الإجراءات لحصار المرض، أو العدو.

علم الأخلاق إذاً ضروري لفهم الحالة “الأخلاقية” القائمة، من أجل العمل على تطويرها. ولِحَظِّنا، نحن أبناء المجتمعات والدول المتأخرة، أن الصراع هنا عالمي، ننخرط فيه بالمعايير الدولية، أو نقترب خطوة إضافية من الانقراض، ولو بعد عمر طويل. وربما كان هذا حلاً لمعضلة التقدم والتحديث المستعصية مع وجود أنظمة وحكامٍ تنعدم لديهم المعايير المشار إليها. يعرف السوريون- مثلاً- تلك الحالة، حيث تتفاعل المقاربة السياسية مع المقاربة الأخلاقية.

عام 2008، داهم إعصار نرجس ميانمار، ورفضت الطغمة العسكرية أي معونة دولية في البداية، ثم طلبت ذلك من الأمم المتحدة في شكلانية مقصودة (الكبرياء والسيادة الوطنية!)، لكنها أعاقت إعطاء تأشيرات الدخول لموظفي الإغاثة لاحقاً. وعام 2012، رفضت كوريا الشمالية أي عون من كوريا الجنوبية، مع عواصف عارمة وفيضانات مدمّرة ضربتها آنذاك. كما رفضت سلطة إيران الدينية أي مساعدة خارجية في بداية استفحال فايروس “كورونا” فيها، ثم أخذت بالصراخ لاحقاً.

لتَفهّم الناس العاديين وتمثلهم حقوقهم وواجباتهم أهمية كبرى في هذا النوع من الكوارث، ولكن، يسبق ذلك دائماً وأينما كان؛ خصوصاً في الدول والمجتمعات المُفَوّتة والأنظمة المتسلطة والفاسدة؛ تفهّم الدولة والمجتمع المدني وتمثلهما لحقوقهما، ولكن لواجباتهما قبل أي شيء آخر. وحين نذهب للنظر في هذا الاتجاه، تصيبنا القشعريرة أمام ما يمكن أن يحدث.

في مثالٍ معروف: لو كنت رجل أمن في كارثة، ورأيت أشخاصاً يتزاحمون على المواد التموينية ويتناهبونها، بل ربما يقتتلون عليها لتأمين خبز أطفالهم، أو يسرقون المواد الضرورية لعائلاتهم، كالغذاء والماء وحليب الأطفال، فما الذي تقوم به؟ هل تطلق عليهم النار لأنك عاجز عن وقفهم إلا بذلك؟ وما هو الصواب آنذاك؟ كم يختلف الأمر ما بين سلطات  اغتصبت الدولة وتحكم “الانضباط” بين الناس بالحديد والنار وسلطات منتخبة في دولة متطورة كثيراً أو قليلاً؟…

يتعلق الأمر كثيراً بكيفية الاستجابة لحالة الطوارئ التي تفرضها الكارثة المحدقة. وأول ما لا بدّ منه هو المكاشفة والشفافية، لا الاستسلام لمصلحة السلطة بالاستمرار بالحكم على الطريقة التي اعتادتها وتملّكتها. وقبل أي استجابة أيضاً، يتعلق الأمر بمفهوم إدارة الكوارث، ليس في زمن وقوعها، بل قبلها وأثناءها وبعدها. وحين نذهب إلى جوهر الحاجة، ينبغي بالطبع أن يتم التركيز على تأمين الماء والغذاء والصحة وحماية الطفل والتعليم وتأمين الحماية الإنسانية، بل أيضاً تأمين غلافٍ إنساني للوضع، ولعملية إدارة الكارثة المعقدة عموماً.

تنشأ في أجواء الكارثة معضلات يومية أو استراتيجية، ومن النادر أن يكون لتلك المعضلات جواب واحد، بل كثيراً ما يكون أمام المسؤولين أو المواطنين جوابان متعارضان، لكليهما منطقه ومؤيداته. ومن الأمثلة المعروفة هنا، ما يتعرض له أصحاب القرار من استعصاء عند توزيع الموارد الموجودة. فيمكن التركيز على الشرائح الأكثر ضعفاً، كالمعوزين وكبار السن؛ ولكن الدولة قادرة بالموارد نفسها أن تحمي عدداً أكبر من الناس الأقل هشاشة هنا، وتحقق مردوداً أكبر باتساعه الأفقي. كما هو ذلك الاقتراح الإيطالي بشأن المعمرين.

ليست النفعية الأقرب إلى التجريد واعتماد الحلول الأكثر مردوداً بنافلة هنا أبداً، بل هي واحدة من طرائق مقاربة المعضلات من النوع المذكور. عندما يتعلق الأمر بالدول المتقدمة، ولو تباينت درجة تقدمها في هذا الحقل خصوصاً، لا يتعلق الأمر بالأقوى اقتصادياً وعسكرياً ومعلوماتياً أيضاً، بل بالذي اعتمد النظرية الأخلاقية في وجوهها الأحدث والأكثر تعاطفاً في بنية المجتمع الفوقية، وهي تكاد تكون سلاحاً للخروج عن أي إطارٍ إنساني حين تكون في أيدي الطغاة… وفي ذاكرتنا- نحن السوريين مثلاً- الكثير من الأمثلة على سلوك أولئك، على حواجز الصراع في أعوام الثورة أيام كانت رعباً للنظام، حيث لا يجد الضابط الآمر حلاً لمعضلة وجود شخص أمامه يمكن أن يكون عدواً مباشراً أو مجرد إنسان عادي، فيقول لرجاله “اقتلوه” أو “احرقوه”. وفي ذاكرة العالم ومخزونه الذهني، كيف كان يمكن لدولة نازية أو فاشية أن تفعل.

وفي الهامش القريب، ربما لذلك كله، يواجه السوريون كارثة “كورونا” ببرود لافت، ليس لأنهم عاشوا ويعيشون كارثة- سلطة أخرى منذ سنوات، بل لأنهم يعرفون أيضاً كيف أن طغمتهم الحاكمة استخدمت دائماً احتمال وقوع الكوارث المستبعدة كي تبطش بهم، وفي استخدام فذلكة العواقب في الإرهاب والخيانة الوطنية لتشريع نفعية التعذيب والقتل وتبريرها. فكيف بالأمر وفي الأفق كارثة كبيرة قد تعمي أنظار الآخرين عنهم!

ولكن، سوف تقاوم الدولة الحديثة القوية أكثر وأطول، بالتحالف مع شعبها الأكثر تفهماً، وتعاطفاً، وانضباطاً ذاتياً.

درجات

———————————

آفاق المستقبل السوري في زمن الكورونا/ عبد الباسط سيدا

ufلا توجد إرادة دولية في الوقت الحاضر لمعالجة المسألة السورية، وذلك بعد أن تمكّن كل طرف من السيطرة، كما كان متوقعاً على المنطقة التي كان قد خصّ نفسه بها، بناء على الاتفاقيات غير المعلنة، واستناداً إلى المؤشرات العيانية الملموسة التي تبرز ملامحها تباعاً واقعاً مرئياً على الأرض.

فالروس قد تمكنوا من السيطرة على القسم الغربي من سوريا، خاصة المنطقة الساحلية. والإيرانيون سيطروا بالاشتراك مع ميليشيات حزب الله على أجزاء كبيرة من دمشق وضواحيها، ومنطقة قلمون ومناطق أخرى في الشمال السوري. هذا مع الأخذ في الحسبان الهواجس الإسرائيلية في منطقة جبل الشيخ والجنوب السوري عموماً؛ وتفهّم احتياجات الأردن الأمنية في منطقة درعا.

أما الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ركزت على المنطقة الواقعة شرقي الفرات، ومنبج ضمناً، وصولاً إلى الحدود العراقية، مع الأخذ بعين الاعتبار المطالب والهواجس التركية التي تمحورت حول المنطقة الممتدة ما بين تل أبيض غرباً وراس العين شرقاً؛ هذا إلى جانب القبول بتواجد أمني – إداري للنظام في مراكز المدن، سواء في دير الزور أم في الحسكة وقامشلي. وكل ذلك بالتفاهم والاتفاق مع الروس بطبيعة الحال، بالإضافة إلى وجود للحرس الثوري الإيراني وميليشيات الحشد الشعبي العراقي في منطقة البوكمال والمناطق القريبة منها، المحاذية للحدود العراقية – السورية.

بينما تمكنت تركيا، بفعل تفاهماتها مع الروس والأمريكان في الوقت ذاته، من السيطرة على مناطق واسعة على امتداد حدودها مع سوريا، وهي تشمل المنطقة الممتدة بين رأس العين وتل أبيض التي أشرنا إليها، وتلك الممتدة بين جرابلس واعزاز مرورا بالراعي وضمناً الباب، إلى جانب منطقة عفرين، والقسم الشمالي من محافظة إدلب، بما فيها مدينة إدلب نفسها.

ورغم التصريحات المتعارضة التصعيدية أثناء الجولة الأخيرة من الأعمال القتالية في إدلب، تبين في النهاية أن الأمور لم تخرج بصورة عامة عن نطاق بعض الخلافات حول التفاصيل التي لم، ولن، تغير من صورة اللوحة العامة التي تشكلت بناء على الاتفاقات والتوافقات التي حصلت، ومنها الاتفاق العام بين الروس والأمريكان حول تنسيق المهام، وبيان ميادين وقواعد العمل، وتحديد آلية حل الخلافات. وكذلك تلك الاتفاقيات أو التوافقات، المعلنة منها والسرية، التي كانت بين أطرف اجتماعات استانا وسوتشي (روسيا، تركيا، إيران) وتوافقها على وضع حد لنفوذ الفصائل المسلحة التي خضعت كثيراً لعمليات التفكيك والتركيب، والقص واللصق، وذلك بناء على المهام المنوطة بها؛ وهي المهام التي لم تتجاوز نطاق الواجهة، والتحرك بناء على التعليمات والأوامر الآتية من جهة الداعم على صعيد التمويل والتذخير. وهناك من يفسر زيارة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الأخيرة إلى دمشق بأنها كانت رسالة روسية للنظام والإيرانيين في الوقت ذاته، بضرورة احترام التوافقات الروسية التركية الأخيرة الخاصة بمنطقة إدلب، نظراً لحساسية الموقف، وحيوية التفاهم مع الجانب التركي بالنسبة إلى الروس.

ومن المرجح أن تستمر مناطق النفوذ على وضعيتها الحالية إلى أجل غير مسمى، وذلك في انتظار الوصول إلى حل ما للموضوع السوري عبر التوافق بين القوى الدولية، لا سيما بين الأمريكان والروس على وجه التحديد. فالورقة السورية قد باتت بناء على المتغيرات التي كانت في المنطقة، جزءاً من الاستراتيجية الإقليمية للدولتين. كما أنها باتت ورقة ضغط يستخدمها كل طرف في مواجهة الآخر لتحصيل نقاط أو تنازلات في أمكنة أخرى من العالم.

وما يستشف من التحركات والتصريحات، هو وجود رغبة لدى اللاعبين الأساسيين في الحلبة السورية في تهدئة الأمور انتظاراً للاستحقاقات المقبلة.

فعلى الصعيد الأمريكي، هناك الانتخابات الرئاسية في نهاية العام الجاري؛ ومن الصعب منذ الآن التكهن بهوية الرئيس القادم، فضلاً عن معرفة خططه وبرامجه للمرحلة المقبلة. فحتى لو فاز ترامب في الانتخابات، ليس بالضرورة أن تكون سياساته امتداداً لما كانت عليه إبان فترة رئاسته الأولى. أما في حال فوز المرشح الديمقراطي، فعلى الأغلب ستكون هناك تحولات في المواقف والرؤى، ومن ثم في الاستراتيجيات. هذا مع ضرورة أخذ واقع انتشار كورونا (كوفيد-19) السريع حالياً في الولايات المتحدة في الحسبان، وانعكاسات ذلك على الاقتصاد والدور الأمريكي القيادي المستقبلي على مستوى العالم.

وروسياً، يسعى بوتين لتثبيت وضعه أكثر فأكثر، هذا رغم تمكنه من تعديل الدستور بما يتيح له الحكم لأطول فترة ممكنة؛ وبصورة أسهل مما كان يتوقعه هو شخصياً، أو بما توقعه الجميع. فقد جاء هذا التمديد في ظروف انشغال العالم بأسره بقضية كورونا، وتحولها إلى جائحة عالمية، وإقدام معظم الدول على اتخاذ إجراءات استثنائية، شملت إغلاق دول بكاملها؛ الأمر الذي ساعد بوتين في تمرير التعديلات من دون أي جهد أو أية احتجاجات، أو حتى انتقادات مؤثرة على المستويين الداخلي والخارجي.

وقد جاءت أزمة كورونا بصورة عامة لتحجب الأضواء عن الموضوع السوري، والوضع في إدلب على وجه التحديد. وقد استغلت الدول المعنية بالملف السوري هذه الظروف، واستطاعت ترتيب الأمور في ما بينها بصورة تراعي حساباتها ومصالحها.

والجدير بالذكر هنا هو أن الموقف التركي كان قد تغير بصورة لافتة عموماً بعد زيارة اردوغان إلى موسكو؛ وتوصله إلى توافقات مع بوتين حول ترتيب الأمور في منطقة إدلب، والتفاهم حول العقد المستعصية. ولكن أزمة كورونا قد أسهمت من جهتها في إخراج الموضوع برمته من دائرة الضوء والمراقبة والمتابعة، الأمر الذي سيساعد من دون شك في عملية إنضاج الطبخة على نار هادئة كما يقال، بعيداً عن الإعلام والرأي العام. وما التصريح الأخير الذي أدلى به المبعوث الدولي الخاص بسوريا غير بيدرسون حول ضرورة وأهمية وقف إطلاق النار، وتركيز كل الجهود لمواجهة كورونا، سوى مؤشر يدل على وجود رغبة دولية، أمريكية روسية في المقام الأول في تثبيت حدود مناطق النفوذ، بعد أن تمكنت مختلف الأطراف من الوصول إلى توافقات تضمن دورها في المعادلات المستحدثة المرتقبة التي ستعاد بموجبها هيكلة المنطقة من جديد، لتتناسب المجريات والوقائع مع توجهات المنافسات بين القوتين الأكبر في المقام الأول، مع الأخذ بعين الاعتبار أدوار الدول الإقليمية الأساسية.

ومن الواضح أن موضوع تقسيم سوريا غير مطروح في الوقت الحالي، وإنما هناك تركيز مستمر من جانب مختلف الأطراف على ضرورة احترام وحدة سوريا. إلا أن هذه الوحدة إذا ما استمرت فعلاً، ستكون هشة، فضفاضة، شكلية ضمن الظروف الحالية.

ومن المتوقع أن تستمر الوضعية الراهنة لفترة لا بأس بها من الوقت، قد تكون كافية لتهيئة الناس للقبول بأوضاع جديدة، خاصة إذا ما ترافقت جهود التهيئة تلك بعملية خلق الحوافز الاقتصادية التي تمكن الناس من الارتباط المعيشي، وحتى النفسي، بالدول التي تتقاسم سوريا في واقع الأمر راهناً.

وما يعزز هذا الاحتمال هو خروج السوريين من المعادلات الخاصة بتحديد مستقبل بلادهم بصورة شبه كاملة. وعجز النخب السورية سواء السياسية منها أم الفكرية أم الاقتصادية والمجتمعية بصورة عامة، عن تقريب وجهات النظر من خلال الإلحاف على القواسم المشتركة، والتوافق على آلية مقبولة للبحث عن الحلول بالنسبة إلى النقاط الخلافية، وتدوير الزوايا. فهذه النخب قد فقدت في ظل واقع سيطرة القوى الدولية والإقليمية على مفاصل الدولة السورية على مختلف المستويات وفي جميع الميادين أي دور بنّاء كان يمكنها القيام به في وقت ما.

ولكن مع ذلك يبقى الأمل معقوداً على الآلاف المؤلفة، إن لم نقل الملايين من الشباب السوري الذين اكتسبوا العلم والتقنية والخبرة واللغات الأجنبية على مدى نحو تسعة أعوام من عمر الثورة، رغم المحنة القاسية. وهناك اليوم الآلاف من الشباب السوري الذين يتابعون دراساتهم الجامعية في أرقى الجامعات العالمية وفي مختلف الاختصاصات، وسيكون هؤلاء قوة إبداعية مؤثرة، سيزداد ثقلها ودورها في المستقبل.

ومن جهة أخرى، نرى أن امتعاض السوريين من المشاريع العابرة للحدود بأسمائها المتعددة يفتح الآفاق مستقبلاً أمام التفاهم والاتفاق على مشروع وطني يكون بالجميع وللجميع، على أساس احترام الخصوصيات والحقوق، ومن دون أي تمييز، مع الأخذ بعين الاعتبار واقع كل ما حدث حتى الآن في مختلف المناطق السورية.

*كاتب وأكاديمي سوري

———————————

ما القوة؟ كورونا واختبار المفهوم التقليدي لقوة الدولة/ عز الدين عبد المولى

تقتضي الحرب على فيروس كورونا مراجعة الكثير من المسلمات والأفكار والمفاهيم، سواء على مستوى السياسات الداخلية أم على صعيد العلاقات الدولية. تراجع هذه الورقة مفهوم قوة الدولة وضعفها في سياق المواجهة التي تخوضها مختلف بلدان العالم مع هذا الوباء المتفشي، مقارنة بالمفهوم التقليدي للقوة.

في ظرف قياسي، غيَّر فيروس “كورونا” الكثير من عادات الناس وسلوكهم ودفعهم لإعادة النظر في أشكال تواصلهم وأنماط روابطهم الاجتماعية. فالثورة الاتصالية المدعومة بفتوحات التكنولوجيا، والتي كيَّفت بدرجة متزايدة حركة العولمة ومساراتها في السنوات الأخيرة، تخضع هذه الأيام لاختبارات صعبة، سيُعاد بمقتضاها النظر في مجموعة من القيم والتصورات من قبيل الوصل والفصل والقرب والبعد والفرد والجماعة والعام والخاص والحرية والانضباط. على صعيد العلاقات الدولية، اندفعت الغالبية العظمى من دول العالم لاتخاذ إجراءات متسارعة تتعلق بحدودها وسيادتها وأمنها القومي، في ظل هشاشة النظم الإقليمية والدولية القائمة على مفاهيم ومقولات، أصبحت هي أيضًا محلَّ تساؤل عميق. فمقولة المجتمع الدولي وما أفرزته على مدى العقود الماضية من معاهدات وتحالفات وتكتلات وتجمعات ومنظمات للتعاون والشراكة، كل ذلك ستقع مراجعته وسيفقد صلابته التي كان العالم يعرفها ويسلِّم بها في السابق.

تراجع هذه الورقة، من بين تلك المفاهيم، مفهوم قوة الدولة في ضوء التغييرات الجارية، التي فرضها انتشار كورونا (كوفيد – 19) منذ ظهوره في مدينة ووهان الصينية خلال النصف الثاني من ديسمبر/ كانون الأول 2019، والتي وضعت العالم بأسره في حرب غير متكافئة مع عدو غير تقليدي. فما القوة في سياق المواجهة الكونية الدائرة مع كورونا؟ وما مقومات النصر والهزيمة في هذه الحرب؟

حالة حرب

سواء أكانت إعلانات الحرب المتتالية في مواجهة تفشي كورونا صريحة أم ضمنية، فإن دول العالم تخوض كفاحها الراهن ضد هذا الفيروس كما تخوض حربًا حقيقية ضد عدو حقيقي(1). وليس ثمة أفضل من حالة الحرب لاختبار قوة الدولة أو ضعفها. فحالة الحرب تفرض على الدولة استعدادات قصوى وتدفعها لاستخدام أكثر أسلحتها واستراتيجياتها فعالية سواء على مستوى الدفاع أو الهجوم. كل الدول تبذل مجهودات حربية متفاوتة الدرجة، متعددة الأبعاد كما تفعل في حالات الحرب الفعلية. استنفار عام يسنده خطاب تعبوي يتدرج حسب تصاعد خطورة المواجهة واتساع محاور الاشتباك مع العدو. تُجنّد لبث هذا الخطاب وترويجه وسائل الإعلام الرسمية والشعبية ويقوم بعملية التعبئة رموز الدولة ومسؤولوها، ونجوم الفن والرياضة والشخصيات الاعتبارية المؤثرة، ونشطاء المجتمع المدني وشبكات والتواصل الاجتماعي.

في حالة الحرب يُعاد ترتيب أولويات الدولة لخدمة هدف الحرب الأساسي وهو تحقيق الانتصار وتفادي الهزيمة من خلال “إخضاع العدو وتجريده من سلاحه”(2). لخوض الحرب والانتصار فيها تدور أولويات الدول حول محور القوات المسلحة. فهي عصب القوة الصلبة، وهي القيادة الميدانية التي تضع الاستراتيجيات وتخوض المعارك وتواجه العدو وتحمي الحدود. أما القيادة السياسية فتتكفَّل بتأمين الموارد وإدارتها، ورصِّ صفوف الجبهة الداخلية وتعبئتها، وتنسيق المجهود الحربي ودعمه بأقصى ما يمكن من الإمكانات لخدمة تلك الأولويات. الانتصار والهزيمة في الحرب هو الحاصل التفاعلي بين هذه العناصر مجتمعة، وعلى رأسها بالتأكيد القوة العسكرية بمرتكزاتها الصلبة ومدى فاعلية خططها على صعيد الاستراتيجية والتكتيك. حالة الحرب هذه، تنطبق على المواجهة التي تدور في الوقت الراهن بين دول العالم وفيروس كورونا. تتشابه الحالتان كثيرًا، وإن اختلفتا في بعض التفاصيل، فذلك من باب الاستثناءات التي تؤكد قاعدة أن البشرية الآن في حالة حرب حقيقية.

فالمعسكرات متقابلة والعدو محدد والآثار البشرية والاقتصادية والنفسية واضحة. لأول مرة في التاريخ تخوض البشرية حربًا وهي تقف في صف واحد بدلًا من الانقسام إلى معسكرين متقابلين. فقد اضطرت مؤقتًا، لمجابهة هذا العدو الذي يستهدف الجميع، إلى تأجيل بعض خلافاتها وصراعاتها البينية. يقابلها في المعسكر الآخر عدو من فصيلة مختلفة، لم تهيء الإنسانية المؤسسات الضرورية للتعامل معه ولم تنفع في مواجهته الأسلحة المجرَّبة في المعارك السابقة. سلاحه الوحيد قدرته على التخفي وسرعته الخارقة على الانتشار واحتلال المساحات، وإنهاك العدو بعزله وتحويله إلى جزر منفصلة وقطع طرق الإمداد فيما بينها. هنا برزت نقاط ضعف أساسية في معسكر البشرية: سوء تقدير لقوة العدو، عدم تهيئة الخطط والاستراتيجيات المناسبة للمواجهة، تأخر في رد الفعل وتباطؤ في اتخاذ الإجراءات اللازمة، قصور في فهم جغرافية المعركة وقراءة تحركات العدو، فالصين بالمفهوم التقليدي للجغرافيا وما يرتبط بها من أبعاد ومسافات بعيدة عن أوروبا وأميركا، ولكنها في قلب العالم المترابط وفق كافة الأنماط الاتصالية الحديثة. هذه التقديرات الخاطئة نتج عنها ارتباك ميداني واضح وتزايد في أعداد الضحايا وارتفاع في كلفة المواجهة.

التعامل مع ارتفاع أعداد الضحايا في حربنا الراهنة مع كورونا يتم وفق ذات القانون الذي تطبقه الجيوش في الحروب التقليدية، والذي يسمى بالطب الحربي. ففي الحالات القصوى، إذا تفاقمت أعداد الإصابات بين الجنود وتعذَّر إنقاذ الجميع أو علاجهم أو سحبهم من أرض المعركة، تلجأ القيادة إلى هذا القانون الذي يتيح لها الاختيار بين من ينبغي أن يعيش ومن ينبغي أن يُترك لمصيره فيموت. نفس هذا القانون يطبق الآن في المستشفيات على حالات الإصابة بفيروس كورونا ممن لا تستطيع الدولة أن توفر لهم العلاج. فالدول التي تعجز منظوماتها الصحية عن التعامل مع الأعداد المتزايدة من المرضى تلجأ إلى ترتيب أولوياتها إزاء معادلة الحياة والموت. فتختار القيادة الميدانية من بين ضحايا كورونا من تقدِّر أنهم يستحقون الحياة وتترك البقية يموتون، لاسيما إذا كانوا في سن متقدمة تجعلهم قليلي الفائدة لدفع عجلة الإنتاج والربح(3).

حالة الحرب تقتضي من الدولة أيضًا مجهودًا حربيًّا لإسناد وتجهيز القوات التي تخوض المعارك في الجبهات، ومن أبرز وظائف المجهود الحربي تعبئة الموارد المالية الضرورية. فقد أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على سبيل المثال نيته تأمين تريليوني دولار لمواجهة كورونا ودعم الاقتصاد، وهو أكبر مبلغ ترصده الولايات المتحدة في تاريخها لمواجهة عدو(4). من جهته، أعلن المصرف المركزي الأوروبي عن حزمة من المساعدات المالية بقيمة 750 مليار يورو للتخفيف من وقع الوباء على دول الاتحاد(5). نفس المبلغ رصدته ألمانيا كحزمة أولى لمواجهة تفشي الفيروس(6). أما فرنسا فقد رصدت 300 مليار يورو(7)، بينما وافقت الحكومة الإيطالية على صرف مبلغ 25 مليار يورو وطلبت من الاتحاد الأوروبي موارد إضافية(8). وفي السادس والعشرين من مارس/آذار تعهدت مجموعة العشرين (G20) بضخ 5 ترليونات دولار في الاقتصاد العالمي لمواجهة هذا الوباء(9). هذه أرقام أولية يُتوقع أن ترتفع مع تقدم الوباء واتساع دائرة الإصابات في ظل محدودية الإمكانات وقصور المنظومات الصحية العالمية، مهما قيل عن تطورها وجاهزيتها، عن مواكبة متطلبات آثار هذه الحرب.

مقتضيات جديدة لإعادة تعريف القوة في سياق غير تقليدي

الحرب على كورونا إذن، حرب مكتملة الأركان ولكنها غير تقليدية. تتوفر فيها كل شروط الحرب وإِنْ اختلفت في بعض الوظائف والأدوار وأساليب القيادة مع الحرب التقليدية. هذه الاختلافات توفر لنا عناصر جديدة لإعادة النظر في مفهوم قوة الدولة في ضوء اختلاف السياقات. فالمفهوم التقليدي لقوة الدولة في سياق الحرب التقليدية التي تخوضها القوات المسلحة بدرجة أولى، لا يتَّسق مع مفهومها في سياق المواجهة مع عدو غير مرئي هدفه احتلال البلدن لا الأرض وتدمير صحة الإنسان لا قدرات الدولة العسكرية.

يرتبط قياس مؤشرات القوة بمعناها التقليدي ارتباطًا عضوياًّ بمستوى التسلح، ونوعية السلاح وكمياته ومصادره، وتوزيعه على القطاعات البرية والبحرية والجوية، وعديد القوات العسكرية، ومستوى تدريبها وجاهزيتها، وطبيعة الجغرافيا السياسية بما في ذلك تضاريس البلدان ومضائقها ومعابرها. في الحروب التقليدية، تؤخذ بعين الاعتبار أيضًا، لتقدير قوة الدول، المعاهدات الدفاعية والتحالفات العسكرية وعدد القواعد العسكرية وانتشارها الاستراتيجي، إلى غير ذلك من هذه المعطيات الصلبة والموضوعية والقابلة للقياس. كلما زادت هذه العناصر زادت قوة الدولة، وكلما نقصت تراجعت قوتها.

بالمقابل، تفقد هذه المعايير معناها في تحديد قوة الدولة في سياق مواجهتها لهذا العدو المستجد. لا عبرة في محاصرته وإخضاعه ونزع سلاحه والقضاء عليه بكميات الأسلحة، خفيفها وثقيلها، ونوعية العتاد الحربي الذي تراكمه الدول من طائرات وصواريخ ومدافع ودبابات ومدرعات ورشاشات وذخائر حية. قوة الدولة في هذا النوع من الحروب تتجلى في نمط مختلف من التسلح لا علاقة له بمجالات القوة التي نعرفها. أدوات قوة الدولة في سياق كهذا تتمثَّل في عدد الكمامات والمعقمات وأجهزة قياس حرارة الجسم وأجهزة التنفس وعدد المستشفيات والأسرة المجهزة بوسائل الإنعاش. قوة الدولة تتجلى في جاهزية المنظومة الصحية وعدد الأطباء والطواقم الطبية وشبه الطبية المدربة والمؤهلة. قوة الدولة في هذا الجيل من الحروب لا تتجلى في قدرتها على تعبئة مواطنيها للاحتماء بالملاجئ الجماعية المعدة لزمن الحرب أو للالتحاق بالجبهة وتعزيز مواقع القتال، بل في تحديد حركتهم وإقناعهم بالعزل الذاتي والتنازل الطوعي عن جزء من حريتهم لفائدة الانضباط لما تتخذه من إجراءات استثنائية.

في هذه الحرب تنقلب أدوار بعض مؤسسات الدولة وأولوياتها، فتتصدى مؤسسات الصحة لمواجهة العدو، ويتراجع دور القوات المسلحة لتصبح خادمة للاستراتيجية الصحية ولأهدافها. في الحرب على كورونا وعلى ما يمكن أن تشهده البشرية مستقبلًا من أعداء من هذ القبيل، يتغيَّر مضمار المنافسة بين الدول، فالسباق بينها لا يكون على التسلح بالقوة الصلبة بل باللقاحات الطبية ومضادات الفيروسات وبتطوير العلوم الجرثومية ومخابر التكنولوجيا الحيوية. وبدلًا من توجيه موارد المجهود الحربي لدعم وزارة الدفاع في المقام الأول، يقع توجيهها لدعم وزارة الصحة، فهي المحور الذي تدور عليه أولويات الدولة. فتستخدم تلك الموارد بالأساس لتسهيل عملها وتدريب طواقمها وتجهيز مرافقها وتعزيز نشاطها بالمتطوعين من المدنيين ومن جيوش الاحتياط. حتى المناورات، بدلًا من إجرائها في ميادين المعارك وبالخيرة الحية لمحاكاة أوضاع قتالية حقيقية، ستجرى مستقبلًا داخل المدن وفي الأحياء والحواري لعزل الناس بعضهم عن بعض وفض تجمعاتهم ودفعهم لانتهاج ما صار يُعرف بسلوك التباعد الاجتماعي.

هذا النمط الجديد من المعايير سيكيِّف نظرتنا لمؤشرات قوة الدولة وضعفها في سياق الحرب على كورونا. فالصين النووية، في ضوء هذه المعايير، ومن هذا المنظور بالذات، ليست بالضرورة أقوى من سنغافورة، وأميركا النووية ليست بالضرورة أقوى من كوبا، وفرنسا النووية ليست بالضرورة أقوى من فنلندا، وبريطانيا العظمى ليست بالضرورة أقوى من جارتها الصغيرة إيرلندا. هذه النسبية في تقدير القوة والضعف يفرضها علينا اختلاف السياقات وطبيعة الحروب التي تخوضها الدولة.

خلاصات لعصر ما بعد كورونا

لم تكتف المواجهة مع كورونا بتعديل مفهومنا لقوة الدولة وضعفها، بل غيَّرت أيضًا من اتجاه البوصلة الذي ينبغي أن يشير إلى مكامن القوة الحقيقية. فهذا النمط من الحروب يفرض على الدولة أن تستثمر في عناصر القوة التي تتجه إلى الداخل بدرجة أولى وليس إلى الخارج. فالأمن القومي يتحقق بالأساس على قاعدة سلامة وقوة المنظومات الوطنية التي يكون محورها الإنسان: الإنسان العالِم والإنسان المنتِج والإنسان المحارِب. فقد أثبتت الحرب ضد كورونا أن الأولوية هي للعلم والعلماء والبحث العلمي. والدول التي تستثمر بشكل استراتيجي في منظوماتها العلمية والتعليمية ومخابر البحث لتطويرها وتهيئتها لخوض هذا النوع من الحروب ستكون هي الأقوى والأقدر على تحقيق الانتصار. حتى وسائل الإعلام التي لطالما أتخمت برامجها بالمحتوى الترفيهي والاستهلاكي وتجاهلت العلم والعلماء، فرضت عليها يوميات الحرب الفيروسية أن تعيد ترتيب أولوياتها وتفرد للمحتوى العلمي مساحة غير مسبوقة.

وعلى مستوى العلاقات الدولية، سيكون للتعاون في مجال البحث العلمي بين الدول وعبر التجمعات والمنظمات الإقليمية نصيب لم يكن له من قبل. فالعلم لن يكون مجرد مرفق روتيني تكميلي تسهر على إنتاجه جامعات ومراكز بحث معزولة في أغلبها عن حاجات المجتمع، بل سيحتل موقعه الطبيعي باعتباره نشاطًا إنسانيًّا حيويًّا وشرطًا أساسيًّا لبقاء الإنسان. ولن يتوقف الدفاع على بقاء الدولة والإنسان في المستقبل على قوة سلاحها وجاهزية قواتها العسكرية وحسب، بل أيضًا وبدرجة متزايدة على قوة منظومتها العلمية والتعليمية وجاهزية علمائها للمواجهة في حالات الحرب. يرتبط بذلك ويتأسس عليه مرفق الصحة، هيكلة وإدارة وتمويلًا وتجهيزًا وتدريبًا. فالدول القوية هي تلك التي تستثمر في منظوماتها الصحية الوطنية لتعزيز قدراتها وتطوير أدائها، خاصة إذا فرضت عليها الظروف أن تتبوَّأ موقع القيادة لإدارة المعارك أثناء الحروب الفيروسية والجرثومية. فالمجتمع خلال هذا النمط من الحروب ينظر إلى الأطباء والممرضين وقيادات المنظومة الصحية باعتبارهم جنرالات الحرب وجنودها الحقيقيين.

مما كشفته المواجهة مع كورونا أيضًا، أولوية نمط معين من النشاط الاقتصادي الوطني لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجالات حيوية محددة. فالانتشار السريع والمفاجئ للوباء حد من التواصل بين الأمم والشعوب، وأغلق الحدود بين الدول، وغيَّر طرق التجارة ومساراتها، وشلَّ وسائل النقل التي تربط العالم وتقرِّب بعضه إلى بعض، وقلَّص حركة البضائع والأشخاص والأموال. وفي حال طالت هذه الحرب لأشهر أخرى، فإن أثرها على المخزونات الاستراتيجية من الأغذية والأدوية، خاصة في الدول غير المنتجة، سيكون سلبيًّا. لذلك، فإن من دروس الحرب على كورونا إعادة هيكلة النشاط الاقتصادي وتوجيهه لتأمين حاجات الإنسان الاستهلاكية الأساسية في حالات الطوارئ، حين تجد الدولة نفسها محاصرة من كل جانب ولا أحد من خارجها مستعد أن يمد لها يد المساعدة. فالدولة القوية في مثل هذه الظروف هي الدولة المنتجة لغذائها ودوائها والمحافِظة على ثرواتها المائية والطاقية.

هل يعني هذا أن تفقد القوة التقليدية للدولة معناها نهائيًّا فتصبح غير ذات جدوى؟ وكيف سيكون دور المحارِب في هذا النمط من الحروب التي تحتاج بالدرجة الأولى العالِم والمنتِج؟ لقد فرضت المواجهة مع كورونا على الدول أن تعيد ترتيب أولوياتها وتغيِّر من طبيعة بعض وظائف مؤسساتها دون أن تلغيها أو تستغني عنها. إن ما نحن بصدده هنا هو أن يتراجع موقع القوة الصلبة لصالح القوة الذكية، وأن تتراجع الأجهزة العسكرية خطوة إلى الوراء لتتقدم إلى الواجهة أجهزة الصحة ومخابر البحث العلمي وأدوات الإنتاج الغذائي والدوائي. فالعلم والصحة والغذاء والدواء من مسائل الأمن القومي إذا تعلق الأمر بحرب يقف فيها الإنسان بمجموعه في معسكر ويقف فيها فيروس أو وباء أو جائحة في المعسكر المقابل. في الأخير، ستكون هذه الحرب مع كورونا، رغم ما خلفته وما ستخلفه في معسكر الإنسانية من خسائر، بمثابة مناورة مفيدة لحرب غير تقليدية. فقد فرضت هذه التجربة على دول العالم أن تفكر بجدية في كيفية خوض حروبها القادمة. وسيتنقل الوعي البشري باستراتيجياته الدفاعية وسياساته في التسلح والتدريب وتجهيز الجيوش إلى مستوى جديد. فللقوة أكثر من وجه.

عز الدين عبد المولى

مدير إدارة البحوث بمركز الجزيرة للدراسات. حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة أكستر ببريطانيا. تغطي اهتماماته البحثية الشؤون العربية والعلاقات الدولية وقضايا الإعلام والديمقراطية والنظريات السياسية وحركات الإسلام السياسي. ترجم وحرر عددا من الكتب ونشر وشارك بأوراق علمية في عدد من المؤتمرات الإقليمية والدولية.

مراجع

(1) من أوضح الخطابات في هذا الصدد خطاب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بتاريخ 16 مارس/آذار 2020، حيث ردد عبارة “نحن في حرب” ست مرات.

(2) كارل فون كلاوزفيتز، عن الحرب، ترجمة سليم شاكر الإمامي، (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1997)، ص 106.

(3) انظر على سبيل المثال تقرير “الديلي مرور” بتاريخ 22 مارس/آذار 2020،

Jemma Carr et al., “We can no longer give respirators to anyone aged over SIXTY warns Israeli doctor working in coronavirus epicentre of northern Italy,” dailymail, March 22, 2020, “accessed March 23, 2020”. http://dailym.ai/2yhyzN2.

(4) للتوسع انظر:

Jim Tankersley, “A $2 Trillion Lifeline Will Help, but More May Be Needed,” nytimes, March 25, 2020, “accessed March 25, 2020”. https://nyti.ms/2vWb8YK.

(5) بيان المصرف المركزي الأوروبي (ECB):

“ECB announces €750 billion Pandemic Emergency Purchase Programme (PEPP),” ecb.europa.eu, March 18, 2020, “accessed March 23, 2020”. https://bit.ly/2Jo8A96.

(6) للتوسع انظر وكالة رويترز:

“Germany: 750 billion euro aid package is just first step in tackling coronavirus,” Reuters, March 24, 2020, “accessed March 24, 2020”. https://reut.rs/2UruheL.

(7) لمزيد من التفاصيل انظر:

“EU backs France’s €300 billion in aid to businesses hurt by virus,” france24, March 21, 2020, “accessed March 24, 2020”. https://bit.ly/2QUayC0.

 (8) انظر موقع بلومبورغ:

Tommaso Ebhardt et al., “Italy Approves Virus Relief From Alitalia Takeover to Babysitters,” Bloomberg, March 17, 2020, “accessed March 24, 2020”. https://bloom.bg/2JmfoEb.

(9) لمزيد من التفاصيل انظر:

Stephen Kalin, David Lawder, “G20 leaders to inject $5 trillion into global economy in fight against coronavirus,” Reuters, March 26, 2020, “accessed March 26, 2020”. https://reut.rs/2QSQYWG.

———————————

فيروس كورونا والصحوة المتأخرة للمجتمع الدولي/ عبد الحميد صيام

أطلق الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، والمديرة التنفيذية لليونيسف، هنرييتا فور، خطة شاملة لمواجهة انتشار وباء كورونا تحت عنوان: “الخطة العالمية للاستجابة الإنسانية لوباء كوفيد-19. وطلب الأمين العام من الدول القادرة والقطاع الخاص وحتى الأفراد تأمين مبلغ ملياري دولار لدرء خطر الكورونا عن الدول الهشة في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط. وهذا المبلغ هو الحد الأدنى الذي يمكن أن يساعد هذه الدول والفئات الأكثر ضعفا كالنساء والأطفال واللاجئين وذوي الاحتياجات الخاصة في تأمين وسائل الوقاية والحماية والأدوية البسيطة ومعدات الفحص والعزل والتعافي وضمان إيصال المواد الغذائية ونقل اختصاصيي الصحة والإغاثة إلى مناطق انتشار الوباء. وقال الأمين العام غوتيريش إن النهج العالمي هو الطريقة الوحيدة لمحاربة كوفيد-19 وطالب الحكومات بالالتزام بتقديم الدعم الكامل لخطة الاستجابة الإنسانية هذه.

إننا نخشى أن هذه المبادرة تأخرت كثيرا وكان يجب أن تطلق قبل شهر أو أكثر.  لقد تلكأ المجتمع الدولي طويلا قبل أن ينخرط في حركة مكافحة هذا الوباء.  العالم الآن أمام تحدٍ خطير. فإذا انتشر الوباء في بعض الدول الأكثر فقرا في آسيا وافريقيا وأمريكا الجنوبية ستكون النتائج كارثية وقد يموت ملايين البشر. فالناس في هذه الدول محشورون في أحياء مزدحمة وغير صحية، والمستشفيات قليلة وبدائية ومكتظة، والمال غير متوفر لمساعدة الفقراء عندما يطلب منهم البقاء في البيوت، والناس ببساطة لا يستطيعون البقاء في المنازل لأنهم غير واثقين من الحصول على الرعاية الصحية الأساسية التي يحتاجونها، وهذا سيساهم في نشر الوباء بسرعة قياسية فيهلك الملايين. وإذا ما حصلت هذه الكارثة ستكون حكايات الأعداد التي نسمعها الآن في إيطاليا والصين وإيران واسبانيا والولايات المتحدة لا تذكر مع ما قد نشهده.

تأخر كثيرا رد المجتمع الدولي على الوباء. الأمين العام بدأ يتحدث عن الموضوع بشكل واضح وصريح انطلاقا من يوم الخميس 19 آذار/مارس عندما طالب بخطة استجابة عالمية. والأمم المتحدة ألقت بالمسؤولية على منظمة الصحة العالمية والتي أيضا دخلت على الموضوع متأخرة وكان المدير العام للمنظمة في البداية يحذر من عدم المبالغة إلى أن تبين للجميع أن الوباء أكبر بكثير من المتوقع.

مر نحو شهرين أو أكثر قليلا ليدرك العالم خطر هذا الوباء. ومع هذا لم يناقش الموضوع في مجلس الأمن الدولي لغاية هذه اللحظة لسبب بسيط وهو أن رئاسة المجلس لشهر آذار/مارس من نصيب الصين والتي لم تطرح الموضوع على أعضاء المجلس ولم تقبل حتى بمناقشته في جلسة مغلقة (قبل إغلاق مبنى الأمم المتحدة) بناء على اقتراح قدمته إحدى الدول الأعضاء غير دائمة العضوية.  الصين لم تجد هناك ضرورة لبحث الموضوع ولم تعتبره تهديدا للسلام والأمن الدوليين. وعندما سئل السفير الصيني، زانغ جون، إذا ما كان المجلس سيبحث مسألة الخطر الذي يمثله وباء كورونا قال: “إن أعضاء مجلس الأمن يشعرون بشكل عام أن ليس هناك ضرورة للرعب في هذه الفترة. وسيبقون يراقبون الوضع. كوفيد-19 ليس مطروحا على جدول أعمال المجلس لشهر آذار/مارس”. وعندما سئل عن تفسير ذلك قال: “إن الفيروس يقع ضمن مظلة قضايا الصحة العامة العالمية وليس تحت مظلة مجلس الأمن المهتم بالمسائل الجيوسياسية”.

ولنقارن بين موقف مجلس الأمن في مواجهة كورونا وموقفه في مواجهة إيبولا عام 2014. اجتمع مجلس الأمن يوم 18 أيلول/سبتمبر 2014 واستمع إلى كلمة من الأمين العام، بان كي مون، ومن منسق الأمم المتحدة لمكافحة وباء إيبولا، ديفد نابارو الذي عينه الأمين العام فور انتشار خبر الوباء، وتقرير من مديرة منظمة الصحة العالمية، مارغريت شان، وتقرير من منظمة “أطباء بلا حدود” واعتمد المجلس في نهاية الجلسة القرار 2177 (2014) بالإجماع بهدف توحيد الجهود الدولية في مكافحة الوباء. وجاء في مقدمة القرار “وإذ يقرر (المجلس) أن تفشي فيروس إيبولا على نطاق غير مسبوق في افريقيا يشكل تهديدا للسلام والأمن الدوليين”.

وباء إيبولا انتشر على مدى سنتين أساسا في ثلاث دول افريقية وهي غينيا وسيراليون وليبيريا، ولم تتغير أنماط الحياة في بقية البلدان. وقد وصل عدد الإصابات نحو 28.000 حالة وعدد الوفيات بلغ 11.310 ومع هذا اعتبر أنه يهدد السلم والأمن الدوليين. أما عدد إصابات كورونا لغاية هذه اللحظة فقد وصل إلى 570.000 حالة في 196 دولة وبلغ عدد الوفيات 26.500 ولا يهدد السلم والأمن الدوليين حسب رأي السفير الصيني.

تركت الصين لمصيرها والتي أخفت الجزء الأكبر من المعلومات وبدأت تتكلم عن الوباء في كانون الثاني/يناير بعد أكثر من شهر من بداية إنتشار الفيروس.

تركت إيطاليا وحدها والوباء ينتشر ويفتك.  استنجدت بالاتحاد الأوروبي ولم يسمع نداءها أحد، النجدة جاءت من الصين وكوبا.

تركت إسبانيا وحدها تدفن موتاها بدون إعانة من أحد. لحقت بها فرنسا وألمانيا وهولندا.

إيران تكاد تنهار تحت وطأة الوباء والعقوبات.

معظم الدول العربية حاولت إخفاء الحقائق أولا لكنها لم تستطع.

الرئيس الأمريكي سخر من الوباء في البداية واعتبره أقرب إلى الموجة العابرة.  وعندما أراد أن يأخذ قرارا جادا أغلق الولايات المتحدة أمام دول الاتحاد الأوروبي بدون أدنى اعتبار لأصول التشاور مع الحلفاء.

نظريات المؤامرة تكاد تخنق الحقيقة، فالفيروس مؤامرة صينية ضد الدول الغربية، ومؤامرة أمريكية ضد الصين، ومؤامرة إيرانية-تركية ضد السعودية، وتمادى بعض أذكياء وذكيات الخليج باتهام قطر بتصنيع الفيروس لإفشال إكسبو دبي 2020.

الصحوة المتأخرة

كل شيء بدأ يتغير في الأسبوعين الأخيرين بعد أن بدأ الوباء يحصد المئات في الدول المتقدمة وبدأ يزحف نحو الدول النامية إلى أن وصل كل دول العالم تقريبا بما في ذلك قطاع غزة الذي كنا نظنه محصنا ضد الوباء بسبب الحظر الذي خضع له لأكثر من 13 سنة.

مؤشرات انتشار الوباء في تصاعد مستمر ومرعب، وبدأت الخطوات الجدية تأخذ طريقها بعد أن استطاعت الصين أن تحتويه.

بدأت الصين تستخدم قوتها الناعمة في مد يد العون للدول التي في أمس الحاجة للمعونة.

أطلق الأمين العام مبادرته لمساعدة الدول الفقيرة. تحركت الإدارة الأمريكية لاتخاذ خطوات جادة نحو مساعدة الملايين الذين طلب منهم أن يبقوا في بيوتهم. حصل نوع من التفاهم بين الإدارتين الصينية والأمريكية للعمل المشترك الجاد. وتم الاتفاق بين الولايات المتحدة وفرنسا على خطوات مهمة نحو العمل على تطوير الأمصال المضادة. إسبانيا وإيطاليا قررتا أن تعملا معا من دون التشاور مع الاتحاد الأوروبي.

لكن اجتماع قادة مجموعة العشرين يوم الخميس الماضي كان على قدر من الأهمية بعد أن أقروا ضخ خمسة ترليونات دولار للعمل الجماعي ودعم متطلبات منظمة الصحة العالمية، وتعهدوا مساعدة الدول الفقيرة في مواجهة آثار هذه الجائحة التي أجبرت نحو ثلاثة مليارات إنسان أن يلتزموا بيوتهم. الشيء المؤسف أن القمة لم تعلن عن تخفيف عبء الديون عن أفقر دول العالم. لقد كان اسقاط ديون أفقر الناس في العالم خطوة جادة وصحيحة لمكافحة فيروس كوفيد-19. فهذه البلدان مثقلة بمليارات الدولارات من الديون للدول الغنية والمؤسسات مثل صندوق النقد الدولي. فهل من المنطق، في الوقت الذي يعاني العالم فيه من هذه المحنة، أن تضخ هذه الدول الأموال القليلة التي في حوزتها لتسديد الديون أم لدعم أنظمتها الصحية ومساعدة شعوبها على البقاء في المنازل حتى تتمكن من وقف انتشار الفيروس؟

لعل هذه المأساة الشاملة والتي أخذت العالم على حين غرة بدون أن يكون مستعدا لها، ترسخ مجموعة من القناعات والتي كان يجب أن تكون مسلمات لا يجادل أحد في صدقيتها ولكن من الحكمة أن نعيد التأكيد عليها:

– العالم الآن حقيقة قرية صغيرة ولا مناص من تقارب الأطراف والمحاور والمراكز لأن مصالحم جميعها مترابطة ومتشابكة، وما يتعرض له بلد صغير في أي مكان قد يؤثر على العديد من الدول، ولم تعد منطقة في مأمن من الظواهر الكونية كالأوبئة والتغير المناخي والهجرة وتدفق اللاجئين وانتشار التطرف وتجارة المخدرات وغيرها.

–  لا يمكن لبلد واحد أو مجموعة من الدول أن تنتصرعلى التحديات الكونية بجهود فردية أو إقليمية بل بجهود جماعية ممركزة تخضع لبرنامج موحد تقوده المنظمات الدولية بتنسيق مع المنظمات الإقليمية ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص ليكون الحل جماعيا وشاملا ومقبولا ومتوازنا.

–  إن سياسة “بلدي أولا وليذهب العالم إلى الهاوية” فشلت وستفشل مرة وراء مرة.  وظاهرة انتشار القادة الشعبويين النفعيين الذين يعتمدون الخطاب الديماغوجي تقترب من نهايتها بعد أن أصبحت دولة مثل كوبا تمد يد العون لإيطاليا والرئيس الأمريكي ينحني صاغرا ليتصل بالرئيس الصيني ويعرض التعاون.

– العالم عليه أن يستثمر أكثر في الجهوزية والسياسة الوقائية والبرامج الاحترازية تحسبا للظواهر الطبيعية الخطيرة مثل تسونامي والزلازل والأعاصير وكذلك للأوبئة المدمرة، بدل الاستثمار في تسليح الفضاء وتصنيع أنواع متطورة من الأسلحة النووية والصواريخ البالستية العابرة للقارات. فمصير هذا الكون واحد وخطأ صغير قد يكلف البشرية ما لا يمكن تخيله من خسائر.

– لعلنا نأخذ درسا عميقا من هذه الكارثة مفادها أن العلم هو الذي ينقذ البشرية والعلم ليس له جنسية والفيروسات كذلك ليس لها جنسية ولم تأت إلى الصين لتعاقبهم على ما ارتكبوه ضد مسلمي الإيغور أو إلى إيران لأنهم يضطهدون السنة أو لإسرائيل لأنها تنتهك حقوق الفلسطينيين. ولم يأت هذا الفيروس نتيجة مؤامرة صينية أو أمريكية أو إسرائيلية.  إن النشاط البشري المتعاظم والمعقد والانبعاثات الغازية وانتهاك قوانين البيئة نتيجة الصناعة والحفريات وتلويث الفضاء هي التي ستنتج دمارا وخرابا مرة عن طريق تكيف الفيروسات والميكروبات ومرات عن طريق الظواهر الطبيعية الخطيرة.

لقد آن الآوان أن يستخلص سكان الأرض، وخاصة الدول المتطورة، الدروس للتكيف مع شروط المحافظة على طبيعة آمنة لا ندمرها ولا تدمرنا.

القدس العربي

———————————

العالم حبيس غرف مغلقة/ فاطمة ياسين

عقدت قمة العشرين الطارئة هذا العام عبر دارات تلفزيونية مغلقة، وشاهد رؤساء الدول العشرين بعضهم عبر شاشات ضخمة، في مشهد سياسي يعبر، بمنتهى الوضوح، عن حضور فيروس كورونا العالمي. فقدَ المؤتمر حميمية اللقاء بين ممثلي الدول العشرين، وافتقد العالم الصورة الجماعية التقليدية التي تُلتقط عقب كل لقاء. وبغض النظر عن نتائج المؤتمر، فطريقة انعقاده هذه تعد نتيجة مهمة، ومقدمة لما قد يحدث في العالم.

جلس الزعماء كلٌّ في مكتبه، على الرغم من أن المؤتمر، نظرياً، برئاسة السعودية، كل زعيم محاط بمساعديه، وعيناه شاخصتان على 19 شاشة أمامه، تنقل له صور بقية الزعماء. استُعيض عن القاعة الكبرى في الفضاء الرقمي، واختفت اللقاءات الجانبية ولوبيات المجموعات المتماثلة، وتم الاكتفاء بساعتين وربع هي مدة انعقاد المؤتمر. صدر البيان بعدها، وعاد كل زعيم إلى مشاغله الداخلية، وخطط مواجهة فيروس كورونا الخاصة به. نُحّيت في المؤتمر المشادة الصينية الأميركية، وتوقف دونالد ترامب عن نعت فيروس كورونا بالفيروس الصيني، كما توقفت الصين عن اتهام أميركا بنشر الفيروس، ليخرج البيان هادئاً، يلتزم بحماية العالم ومساعدة من يحتاج المساعدة في مواجهة الجائحة الجديدة. وعلى الرغم من أن البيان خرج جماعياً، وتم الاتفاق على بنود بشأن التكاتف الجماعي، إلا أن شكل المؤتمر وطريقه أدائه أوحى بذاتية المعالجة، وقد أغلقت دول منافذها على دول أخرى، ونُقلت أنباء عن مصادرة شحنات قفازات وأقنعة وأدوية.

يعبر مؤتمر دول الكرة الأرضية العشرين، بوضوح، عن الأسلوب المقترح لما سيأتي من طرق التجمعات، والتي ستتم عبر دارة تلفزيونية وغرف مغلقة وأدوات تعقيم شخصية خاصة. هذه هي عدة التسلح في وجه المرض، إذ لم تعد نظريات المؤامرة ذات أهمية كبيرة، ولم يعد مهماً طرح سؤال من بدأ الحرب، وعبر أية مختبرات خرج الفيروس الجديد، فأرقام تكاثر الفيروس تتزايد بشكل مهول، والفترة الزمنية لتضاعف أعداد المصابين تقصر يوما بعد يوم. ويستهدف الفيروس، كما يبدو، المناطق الصناعية والتجارية المركزية في العالم؛ فبعد أن ضرب الصين انتقل إلى أوروبا ثم إلى أميركا التي تسجل حالياً أعلى المعدّلات، ما يعني أن انكفاءً ذاتياً قد يحصل، بدءاً من إغلاق الحدود وإغلاق المدن والأسواق والتجمعات. وقد صدرت مبكراً أوامر إيقاف مناسبات التجمع البشري، كالحفلات والمحاضرات والمسارح ومباريات الكرة. وكانت الحلقة الأخيرة بتأجيل موعد أولمبياد طوكيو إلى العام المقبل.

يضرب العالم حول نفسه طوقاً بعد طوق، لينحبس الإنسان في غرفته وحيداً محملقا بجهاز الموبايل، أو شاشات التلفاز والكومبيوتر. الوجود في الغرف المغلقة وقتا طويلا قد يتيح للمرء أيضاً فرصةً للتعرّف على نفسه، أو قد يفتح حوارات مختلفة مع شركائه في العزلة، ما يتيح له إعادة التعرف على محيطه من زاوية أخرى قد تكون أكثر عمقاً. ولكن في الوقت نفسه على الأنظمة الصحية والأمنية أن تعمل بكفاءة مرتفعة جداً، وقد بدأت تظهر آثار جانبية خطيرة، كاختفاء معدات الوقاية والتنظيف، كالأقنعة والمحارم الورقية وأدوات التعقيم، أو نقصها. ليست الحالة ملحّة بعد، ولكن استمرارها أو تزايدها يعرّض النظم الاجتماعية للوهن، وقد تتقوض إذا ازدادت فترة الحجر، وربما تتطلب إمكانات حكومية كبيرة، خصوصاً لمنع التناقص في بعض المواد الغذائية الضرورية.. تزايد أرقام الحالات التي لم تشفَ بعد، وغياب معرفة يقينية لخط سير تطور انتشار الفيروس، يرفعان حالة القلق المصاحب للعزلة، ما قد يفضي إلى نتائج خطيرة تختلف عن معرفة الذات، أو تقوية العلاقة مع المحيط القريب.

يتابع سكان الأرض هذه المؤشرات المرتفعة لانتشار الفيروس، والأحداث المصاحبة لذلك من غرفهم المعزولة، وهم ينتظرون الفرج، ومع استمرار الفيروس بالشكل الذي نراه من دون تحديد أفق نظري لانحساره، سيتحول الجميع إلى رهائن، وسيجري شبه تعطيل لكل فعالية جماعية، وسيحتاج العالم حلولاً فعالة تتجاوز توفير تقنية الدارات التلفزيونية لعقد المؤتمرات.

العربي الجديد

————————————

زمن ما بعد فيروس كورونا: تغول للدولة وتلصص على حيوات الناس وتفاصيلهم فماذا سيفعل الثوريون؟/ إبراهيم درويش

منذ انتشار وباء فيروس كورونا والمحللون يحاولون تشكيل صورة العالم بعدما يتلاشى خطره ويتمكن الباحثون من تطوير لقاح أو علاج يخفف من أثره المدمر الواضح في كل ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ففي قلب الأزمة الحالية هو فشل القيادة السياسية سواء في الصين أو أمريكا التي تجاهل رئيسها الأزمة بحيث تمكن الفيروس في الداخل الأمريكي. وسجلت أمريكا يوم الجمعة أعلى حالات إصابة جديدة (15.000) أما إيطاليا التي كانت تأتي بعد الصين من ناحية الإصابات فقد سجلت أكثر من تسعمئة حالة وفي يوم واحد.

وبدا العالم وكأنه ثكنة عسكرية محاطة دوله بالجيوش التي منحتها الحكومات سلطات جديدة لمراقبة المواطنين لا حماية الأوطان أو الحدود وملاحقة الفيروس لا الإرهاب أو قتال الدول المعادية.

فباتت الجيوش تتحرك مثل جيش محتل لكي تفرض حظر التجول على سكانها. ومن المفارقة أن إسرائيل التي طالما حاصرت الفلسطينيين، أصبحت نفسها تحت الحجر الصحي بعد تزايد حالات الوفاة والإصابة. وفي الهند التي وضع رئيس وزرائها ناريندرا مودي ولاية كشمير ذات الغالبية المسلمة تحت حظر التجول واعتقل قادتها ومنع عن أهلها التواصل مع العالم الخارجي، باتت نفسها في حال إغلاق لمواجهة الفيروس. وأصبح الرؤساء والملوك والسلاطين يحكمون بالمراسيم أو بالقرارات الطارئة التي تمررها البرلمانات سريعا باسم مكافحة العدو الجديد وغير المرئي-فيروس كورونا.

اهتزاز الديمقراطية

وكما لاحظت مجلة “إيكونوميست” (26/3/2020) في افتتاحيتها، فخلال أسابيع قليلة تمكن فيروس صغير لا يرى بالعين المجردة من هز الديمقراطية الغربية، وقامت الدول بإغلاق الشركات وحجزت الناس في بيوتهم. ثم قدمت هذه الحكومات وعودا بتريليونات الدولارات للحفاظ على عجلة الاقتصاد الذي دخل غرف الإنعاش. وكشفت الإجراءات عن قوة جديدة للحكومات، ففي كوريا وسنغافورة مثلا استخدمت حكومتا البلدين الأزمة للتلصص على سجلات المرضى الشخصية وبياناتهم الإلكترونية. بل وزادت سنغافورة من الكشف عن العائلات المحيطة بالمصاب. وتعلق “إيكونوميست” أن ما حدث “هو التصعيد الأكثر إثارة لسلطة الدولة منذ الحرب العالمية الثانية” و “تم تخطي المحرمات واحدا تلو الآخر ليس فقط في تهديد بالغرامات والسجن للأشخاص العاديين الذين يقومون بأمور اعتيادية، ولكن في حجم ونطاق الدور الحكومي في الاقتصاد”.  كما في الميزانية الأكبر بتاريخ أمريكا التي مررها الكونغرس يوم الجمعة بتريليوني دولار، والحزم الأخرى التي لجأت إليها بريطانيا ودول الخليج وغيرها لمنع الاقتصاد من الانهيار. فقد تعلمت هذه الدول من دروس الكساد العظيم في ثلاثينات القرن المالي والانهيار المالي عام 2009 عندما تسببت سياسات الحكومات المالية بانهيار الأسواق المالية.

ومن هنا فكوفيد-19 يطرح إشكالية على من يحاولون تحديد دور الدولة ويؤمنون بالأسواق المفتوحة، فكما علمنا التاريخ من الصعب على الحكومات التخلي عما تحصل عليه مكاسب بعد نهاية الأزمات، مما سيترك أثره على الاقتصاد ورقابة الدولة للفرد. ولا شك أن هناك موافقة من الشعوب على تعزيز دور الدولة في الأزمة بل وفرض حالات الطوارئ خشية تمكن المرض في الحياة العامة. فعندما حاولت الحكومة البريطانية التراجع وتقليل دور الدولة في الحياة العامة اتهمت بالتقصير. وعادت وأمرت الشرطة بملاحقة من لا يلتزمون بتعليماتها وطلبت من الجيش تجهيز بناء مستشفى مؤقت في قاعة المعارض “إكسل” شرق لندن. بل وقدم رئيس الوزراء بوريس جونسون نفسه كزعيم حرب، وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحرب على الفيروس. والغريب أن هؤلاء الزعماء من دونالد ترامب الفاشل في تحديد الأزمة إلى جونسون المتردد وماكرون، وجدوا أن مستويات شعبيتهم زادت بعد القرارات “الحربية” التي اتخذوها.

وفي المحصلة ردت معظم دول العالم على فيروس كورونا بمزيج من سياسات الإكراه والحزم المالية. ولو استمر الوباء، فهناك خوف من أن يدفع الدولة لاستخدام قوتها الاستثنائية لمراقبة الأشخاص. فهونغ كونغ تستخدم تطبيقات الهواتف التي تحدد مكان الأشخاص لفرض الحجر الصحي.

ليس مؤقتا

والغريب أن سلطة الدولة زادت بشكل هائل في بيئة تخلو من النقاش تقريبا. وسيعلل البعض أنفسهم ان هذا الأمر مؤقت ولن يترك أي أثر تقريبا، تماما كما في زمن الإنفلونزا الإسبانية قبل قرن من الزمان.

وقد تكون التغيرات الأخرى أقل وضوحا، وسيكون من الصعب التراجع عنها لأنها كانت مدعومة بأطراف قوية حتى قبل الوباء. صحيح أن بعضا من سياسات حالة الحرب أو مواجهة الوباء مرغوبة لأنها تعطي الدولة فكرة عن ضرورة الاستثمار في الصحة الوطنية كما في بريطانيا التي أضعفتها سياسة تقشف مارستها حكومة المحافظين لعقد من الزمان. إلا أن النتائج السلبية نابعة من عدم استعداد الدولة إلغاء سياسات اتخذتها حالة الحرب، فقد وضعت بريطانيا خطوط السكك الحديدية تحت سيطرة الدولة-وهو إجراء من المفترض أن يكون مؤقتا-لكن قد يصبح دائما.

والمشكلة الأكبر، تكمن في إساءة استخدام السلطات الجديدة وتهديد الحريات، كما هو الحال في المجر حيث تسعى الحكومة إلى حال طوارئ غير محددة. وما فعله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي استغل أزمة كورونا وعزز من سلطته وسيطر على المشهد السياسي وحرف الانتباه عن محاكمة الفساد التي يواجهها.

في الشرق الأوسط

وفي الشرق الاوسط الذي لم يشهد باستثناء إيران أزمة واسعة من الحالات-هذا إن صدقنا الأرقام الرسمية-فقد منح الفيروس الدول العربية فرصة لزيادة القمع ضد مواطنيها والتجسس عليهم وتوسيع صلاحيتها.

واتخذ قادتها إجراءات متطرفة للحد من انتشار كوفيد-19 وفرضوا منع التجول وأغلقوا المحلات التجارية وحجروا مدنا بالكامل. ورغم أن الإجراءات مهمة في ظل أنظمة صحية ضعيفة إلا أنها مثيرة للقلق.

والسبب كما علقت “إيكونوميست” هو “أن الأنظمة في المنطقة طالما لعبت على مخاوف الناس لتبرير حكمها الدكتاتوري”. ففي مصر أمرت الحكومة الجيش برش الأحياء بالمطهرات. وفي الأردن، يحرس الجيش الساحات العامة ويساعد على فرض منع التجول والتأكد من عدم خروج الناس من بيوتهم.  وبمقارنة نزول الجيوش إلى الشوارع في العواصم الاوروبية فإن الأنظمة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا لن تخفف من قبضتها على المجتمع مع تقهقر الأزمة. كما أن هذه الأنظمة تمارس القمع بطريقة لم نراها في الغرب. واحتجز المغرب أشخاصا لنشرهم “الشائعات”. وحذر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قائلا: “من ينشرون الأخبار الزائفة ستتم ملاحقتهم”. وحدد الأردن عدد الصحافيين المسموح لهم الخروج ونقل الأحداث وحتى قبل تسجيل أي وفاة. ومنعت مصر صحافية من الصحيفة البريطانية “الغارديان” بعدما نقلت معلومات لدراسة أعدها علماء أوبئة في كندا والذين قالوا إن انتشار المرض في مصر أوسع مما تحدثت عنه الحكومة. وفي إسرائيل أمر نتنياهو جواسيسه التنصت على الهواتف المحمولة لتحديد حركة المصابين بالفيروس.

غزو الحريات الشخصية

وكما أشارت صحيفة “نيويورك تايمز” (23/3/2020) فمتابعة كامل السكان قد تفتح الباب أمام أشكال جديدة من غزو الحريات الشخصية على يد الحكومة كما في كوريا الجنوبية التي زادت وكالات الحكومة فيها من عمليات تحليل لقطات كاميرات المراقبة وتحليل البيانات على الهواتف الذكية والمشتريات التي قام بها أشخاص من خلال بطاقات الائتمان لتحديد حركات المرضى المصابين بفيروس كورونا وبناء سلسلة حول الطريقة التي تم فيها نقل الفيروس. وتشي هذه الإجراءات بأنها محاولة من الحكومات للسيطرة الاجتماعية وتحويل تكنولوجيا الأمن ضد مواطنيها. ومن هنا فزيادة عمليات الرقابة اليوم باسم مكافحة الوباء قد تفتح المجال في المستقبل لأشكال أخرى للتجسس، وهي دروس تعلمتها أمريكا في مرحلة ما بعد هجمات 11/ 9. فبعد بعد عقدين تقريبا أصبح لدى وكالات حفظ النظام الأمريكية منفذ على أنظمة التكنولوجيا المتقدمة، مثل تحديد المكان بدقة عالية، وتكنولوجيا التعرف على الوجه، التي يمكن إعادة استخدامها في أهداف أخرى لتنفيذ أجندات سياسية، مثل سياسات مكافحة الهجرة. كما أن زيادة الكشف عن البيانات الطبية أدت إلى تراجع قدرة المرضى على الحفاظ على سجلاتهم الطبية سرية. والأخطر من هذا هو أن تسارع الفيروس دفع الحكومات لوضع برامج رقابة رقمية تحت مسمى الصالح العام وبدون تنسيق دولي، أو حتى معرفة إن كانت هذه الإجراءات فاعلة، فقد أجبرت السلطات الصينية المواطنين في المدن الصينية على تحميل برنامج على هواتفهم المحمولة، يحدد كل شخص بلون معين: أحمر، أصفر وأخضر، ويحدد كل لون مدى الخطورة، ويبين البرنامج أي شخص يجب حجره من الشخص المسموح له بدخول المناطق العامة، مثل مترو الأنفاق. والأمر نفسه في سنغافورة والمكسيك والولايات المتحدة التي طلبت من غوغل وفيسبوك لاستخدام بيانات تحديد الأماكن في هواتف في ملاحقة الفيروس.

التباعد الاجتماعي والاحتجاج

وخلق فيروس كورونا أزمة لحركات الاحتجاج التي ضربت العالم العربي العام الماضي وأجبرت زعماء في السودان والجزائر ولبنان والعراق على الرحيل. فالتباعد الاجتماعي يعني توقف التظاهرات وجمع الاحتجاج في الجزائر.

ومن هنا تساءل بوبي غوش في موقع “بلومبيرغ نيوز” (27/3/2020) عن أثر الفيروس على “الربيع العربي الثاني” وإن كان سيفعل ما فعلته الثورات المضادة في “الربيع العربي الأول”. فالساحات الصاخبة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا باتت هادئة في وقت يبحث فيه الناشطون عن الخطوات الآتية. وقال إن المتظاهرين أتعبوا حكومة العراق لمدة سته أشهر ولكنهم توقفوا الأسبوع الماضي استجابة لتداعيات الوباء. وجاء قرارهم بعد خطوة الحراك الجزائري إنهاء تظاهرات الجمع التي بدأت في 20 آذار/مارس مطالبة بتغيير بنية السلطة في الجزائر، أي بعد عام. وفي لبنان يبدو أن الخوف من الفيروس كان السبب الذي أوقف التظاهرات المحاربة للفساد، مع أن المتظاهرين قاوموا حملات الاستفزاز من عناصر حزب الله.

وكان الربيع العربي الثاني يحقق منجزاته عندما حل الوباء. وحقق المتظاهرون ما حققوه بدون ثورات دموية كما في سوريا واليمن وليبيا. ففي العراق قتل 700 متظاهر أما السودان فقتل 100 معتصم. وكان الحس العام في الخرطوم وبغداد وبيروت والجزائر بين الناشطين هو أن المهمة لم تنجز بعد. ولهذا استمرت الاحتجاجات حتى بعد سقوط الدكتاتوريين. وعليه يخشى الناشطون الذين ينتظرون مرور عاصفة الوباء من تلاشي الإنجازات التي أجبروا السياسيين على تقديمها فربما استخدمت الأنظمة الحاكمة الفيروس كغطاء والعودة إلى حالة الوضع القائم. وبالنسبة للمتظاهرين، فالتحدي هذه المرة وفي ظل التباعد الاجتماعي هو الحفاظ على التواصل والدافعية ومواصلة الضغط على الحكام. وستكون الأسابيع المقبلة بمثابة امتحان لقدرتهم على تكييف حركاتهم مع مجموعة من الظروف الاستثنائية، والبحث عن طرق لاستمرار التظاهر والاحتجاج عبر منصات التواصل الاجتماعي، مع أننا لا نعرف عن حالة أدى فيها احتجاج على وسائل التواصل الجديدة إلى سقوط نظام. ولكن العالم يتغير وعاداتنا تتغير، وعلى المحتجين البحث عن طرق للتغلب على الرقابة المفروضة اليوم على منصات التواصل الاجتماعي. فما نفع في الربيع العربي قد لا ينفع اليوم.

وما يفرضه وباء كورونا من تغيرات على أساليب العمل والتسوق سيكون جذريا ومن الصعب التغلب عليه كما أوردت مجلة “إسكوير” (25/3/2020) فسواء ظل الفيروس لشهر أو شهرين أو حتى عام فإن الوباء قد غير طرائق حياتنا وعاداتنا للأبد. فالجميع في حالة من العزل التام، وتم تجريد رفوف المحلات التجارية من بضائعها وأوقفت الرحلات الجوية وطرد العمال من أعمالهم. وظهرت آثار العزل في بريطانيا سريعا. وها هي تعاني من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية والتي تحدث عادة في الثورات التي تشنق بعض الأمراء. ولكن هل ما يجري هو لحظة مؤقتة من التضامن الاجتماعي أم هو أمر بات عاديا؟ والجواب على هذا السؤال يعتمد على استمرار كوفيد-19. وفي الحقيقة لا أحد يعرف، فنحن لم نواجه شيئا مثل كوفيد-19 ورغم وجود عدد من المقارنات في الطريقة تتكيف فيها الأمم مع الصدمات مثل الحروب والمجاعات، لكن بالنسبة للغرب فهذا الوضع غير مسبوق في العصر الحديث. فأثر الفيروس على الظروف الاقتصادية والتفاعل الاجتماعي والبيئة واضح، وسنعرف في الأيام المقبلة وبعد أن ينقشع الغبار إن كان العالم قد تغير للأحسن أو للأسوأـ على أي حال فلا عودة للوراء.

 —————————————–

توظيف الجائحة سياسياً/ حسام كنفاني

كان من الممكن أن تكون الجائحة التي تجتاح العالم اليوم، ولا توفّر كبيراً وصغيراً، فرصة لإقرار السلام في العالم، وتوحّد البشرية في مواجهة العدو غير المرئي الذي فضح النظام الصحي لغالبية دول العالم، المتقدمة منها والنامية، غير أن الوقائع الحالية تشير إلى أن حسابات الهيمنة والسيطرة على الآخرين لا تزال مهيمنة، وأن درس فيروس كورونا لم يصل بعد إلى مسامع الدول الكبرى التي تريد من الجائحة إثباتاً لتفوقها، والأنظمة الدكتاتورية التي تستغل الكارثة الصحية لتشديد قبضتها الأمنية.

كان من المفترض أن يؤدي تفشي الوباء إلى وقف الحروب الدائرة على أكثر من جبهة في العالم، ووضع كل الصراعات السياسية وخلفياتها جانباً، على الأقل إلى حين الوصول إلى علاج أو لقاح لهذا الفيروس الذي “يهدّد الإنسانية”، بحسب تعبير الأمم المتحدة. غير أن هذا أيضا لم يحدث، بل كانت الجائحة مناسبةً لكثيرين لاستغلال نقاط ضعف الخصوم والانقضاض عليهم، مستفيدين من انشغال الدول بنفسها، وبوضعها الداخلي.

ممكن تقديم نماذج كثيرة عن هذه الوقائع، لعل آخرها في قمة العشرين التي عملت السعودية إلى الدعوة إليها، باعتبارها رئيسة القمة الحالية، غير أن الغاية السعودية بالتأكيد لم تكن إيجاد “جبهة موحدة لمواجهة كورونا”، بحسب ما صدر في البيان الختامي للقمة التي عقدت عبر تقنية فيديوكونفرنس، وخصوصاً أن الجميع بات مدركاً أن شكل النظام العالمي الجديد لم يعد قائماً على التكتلات، بل على الفردانية، وهو ما شهدناه في أوروبا تحديداً، بعدما حطّم الفيروس أواصر الارتباط القائمة بين دول الاتحاد التي تقوقعت على نفسها لمحاولة النجاة بمفردها. الدعوة السعودية كانت محاولة لاستغلال الجائحة لتحسين الصورة، والظهور بمظهر الريادة العالمية، بعد أن دُمرت علاقاتها الخارجية في أعقاب اغتيال الكاتب الصحافي جمال خاشقجي. واللافت أن الدعوة السعودية أتت بالتزامن مع لائحة الاتهام التي أصدرتها النيابة العامة التركية بحق الأشخاص المتورّطين باغتيال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول، وكأنها محاولة للتغطية على الأمر، مستعينة كالعادة بسخاء التقديمات المالية، والتي تأتي اليوم تحت عنوان مواجهة كورونا.

الإمارات العربية المتحدة أيضاً وجدت في الفيروس فرصةً لتصعيد حربها في اليمن وليبيا وفتح قنوات اتصال مباشرة مع رئيس النظام السوري، بشار الأسد، رغم القطيعة الأميركية والعالمية له. إلا أن للإمارات غايات أيضاً في التقارب مع النظام السوري في هذه المرحلة، وخصوصاً أنه سيكون مساهماً في مخططاتها الليبية التي بدأت تتضح مع الشحنات العسكرية المتتالية التي تصل إلى قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر. فبالنسبة إليها هذا هو الوقت المناسب لحسم معركة طرابلس في ظل الانشغال العالمي بفيروس كورونا، وخصوصاً فرنسا وإيطاليا، صاحبتي الثقل السياسي في الملف الليبي، وأكبر المتضرّرين في أوروبا من الفيروس.

دونالد ترامب هو الآخر يرى في الفيروس فرصةً لتمديد ولايته الرئاسية، وإثبات التفوق الأميركي على باقي دول العالم المتقدم. وهو ما سعى إليه في إطار محاولته سرقة، أو استمالة الأطباء الألمان الذين يعملون على اللقاح. وهو إلى الأمس القريب كان يسعى إلى زيادة الضغط على الصين على خلفية الفيروس، قبل أن يشير عليه مستشاروه بضرورة التفاهم مع بكين، والحصول على معطيات منها حول التعاطي مع الوباء، خصوصاً أن الولايات المتحدة باتت في صدارة الدول من ناحية عدد المصابين.

هذه نماذج قليلة، وهناك غيرها الكثير، والتي تشير في معظمها إلى أن البشرية لا تزال بعيدة جداً عن دروس التعاضد للبقاء، وأن فناء الإنسان، حالياً أو لاحقاً، سيكون نتاج خطأ بشري.

العري الجديد

—————————————-

نحن وكورونا والخوف والعدالة/ سمير الزبن

الخوف حالة إنسانية طبيعية، فأي حدث جلل يهدّد حياة البشر يجعلهم يخافون، وإن اختلفت درجة الخوف من إنسان إلى آخر، من القلق وصولاً إلى الهلع. والخوف من الموت طبيعة بشرية في الأيام العادية، من دون أن يكون هناك مرض معدٍ في المحيط، ومن دون التعرّض لحادث مروري مريع، ومن دون قذائف تسقط على رؤوس الناس. على الرغم من هذا الخوف، يمارس البشر حياتهم، وفي الحياة العادية، الناس يموتون أيضاً من الأمراض، ومن حوادث السير، ومن الحروب والنزاعات الأهلية. الموت مجاور لنا طوال الوقت، هو جزء أساسي من الحياة، ولا تكون بدونه، والحياة تعرَّف بنقيضها الموت. في مواجهة الموت، يجب اتخاذ إجراءات للحماية، كما في وسائل النقل التي تحاول حماية الركاب من الحوادث المتوقعة، أو وقائية من أمراض معدية، موجودة في كل وقت، في هذا المكان أو ذاك، وتزداد أهمية هذه الإجراءات الوقائية كلما كانت إمكانية الإصابة بالمرض أكبر. ولأن الوقاية من الأمراض المعدية مطلب أساسي، تزيد أهميتها مع تفشي فيروس كورونا الذي يجتاح العالم اليوم. وهناك ضرورة لحماية الفئات الأضعف من العدوى، لأن خطر إصابتهم مميت.

هذا كله وغيره مهم وضروري، ولا يمكن التعامل مع كورونا بعدم مبالاة. ولكن الهلع الذي يعيشه العالم يضع إشارة استفهام كبيرة بشأن هشاشة الكائن البشري وهشاشة الحياة الحديثة. لقد شلَّ الفيروس العالم، وأغلق بلداناً ومدناً أُعلن فيها حظر، وأغلق مدناً أخرى، ساد فيها حظر التجول من دون إعلان. كما شكل انتشار الفيروس سابقة في العالم بشأن الدور الهائل لشبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام في إشاعة حالة الهلع السائدة في كل مكان، فهي تضُخ كمية هائلة من المعلومات الحقيقية والمزيفة التي لا يستطيع المتلقّون فرزها، وفي حاله الهلع تصبح المعلومات الخاطئة قابلة للتصديق أكثر من أوقات أخرى. لذلك، نجد اليوم من يشرب الكلور من أجل حماية نفسه من الفيروس، فيتسبب لنفسه بمشكلات صحية أخرى جرّاء خوفه، أو يأكل من الثوم ما يجعله يذهب إلى المشفى بحالة أخطر من إصابته بالفيروس. وغيرها من السلوكيات الغريبة جراء الهلع. وثمّة خطابات السياسيين واستعراضاتهم وتهويل الحالة بوصفها حرباً، فقد كرّر الرئيس الفرنسي، ماكرون، مرات، في خطابه المتلفز قبل أيام، القول “نحن في حرب صحية” ضد فيروس كورونا. يزيد هذا النوع من التهويل الهلع الذي يعيشه المواطن العادي.

يظهر فيروس كورونا بوصفه تحدّياً عالمياً، تحدّياً للجميع، لأنه لا يفرّق بين الدول الفقيرة والغنية، أو بين الأفراد الفقراء والأغنياء أيضاً، فهو يصيب الجميع في كل أقطار العالم. ولذلك، ستكون مواجهته من مسؤولية الجميع. والسؤال الذي يقفز فوراً ماذا تعني كلمة “الجميع”؟

بالتأكيد، الخطر واحد، ولكن إمكانية اتخاذ إجراءات وقائية واحدة في كل مكان غير واقعية، فالمعايير والمتطلبات التي تتحدّث عنها منظمة الصحة العالمية يمكن تطبيقها في الدول الأوروبية والدول المصنفة غنية. أما في الدول الفقيرة أو المناطق الفقيرة، فالالتزام بهذه التعليمات مطلب مشكوك في إمكانية تنفيذه، ويكاد يكون مستحيلاً، فلا يمكن ممارسة العزل في المناطق المكتظة،

حيث يعيش كل أفراد الأسرة ما بين خمسة وعشرة أعضاء في غرفة واحدة، أين يمكن عزل المريض في هذه الحالة؟ وأكثر من هذا، كيف يمكن للأماكن التي تعاني من شحّ في الماء أن يغسل أفراد العائلة أيديهم طوال اليوم؟ وهناك عائلات ليس لها القدرة على شراء الصابون للقيام بالحدّ الأدنى من الوقاية. وماذا يفعل الذين لا يحصلون على ماء نظيف، الماء نفسه مسبب للأمراض القاتلة في مناطقهم؟ وحسب منظمة الصحة العالمية، هناك 1.8 مليار شخص يستخدم مصادر مياه الشرب الملوثة بالبراز، فأي وقاية سيقوم بها الذين يقبعون في قاع الفقر العالمي، وإذا كانت هذه هي المياه التي يشربونها، بأي مياه سيغسلون أيديهم من أجل تطهيرها؟ نعم، هناك ملايين البشر في هذا العالم لا تملك ترف غسل أيديها، حسب تقرير لشبكة BBC البريطانية. في هذه الأماكن، لا وجود للفئات الضعيفة، لسبب بسيط، وهو أن هؤلاء لا يملكون ترف المعالجات مرتفعة الكلفة، وهم غير قادرين على دفع كلفة عمليات القلب المفتوح، أو الجراحات السرطانية، أو كلفة العمليات الجراحية الخطرة. هؤلاء يموتون بأمراض أقل من ذلك، الملاريا والتهاب الكبد الوبائي وفقر الدم، وغيرها من أمراض الفقراء. ولذلك متوسط أعمار هذه الفئات الاجتماعية أقل بكثير من متوسط أعمار البشر في الدول الأوروبية.

في أوضاع العالم المشلول بسبب كورونا اليوم، يشعر المرء بالحزن على الذين يقضون بالفيروس، وبالغضب، لأن أناساً آخرين شركاء لنا على هذا الكوكب لا يملكون حماية أنفسهم، ليس من هذا الفيروس فقط، بل أيضاً من أمراض أقدم منه اختفت من أماكن أخرى في العالم. الغضب من عالم يعيش نقصاً مفرط بالعدالة بين الأفراد وبين الدول.

ملاحظة أخيرة، يشيع في الإعلام أن البشر يكادون لا يموتون سوى بكورونا، فيما الموت يحصد آلاف الأرواح يومياً لأسباب عديدة. بالطبع، أي وفاة لأي شخص محزنة، لكن الموت جزء من الحياة، وكورونا، على خطره، يضيف سبباً جديداً للموت بين أسباب كثيرة.

العربي الجديد

—————————————–

فيروس كورونا يغير برامج بوتين والمعارضة تشكك/ فالح الحمراني

بالإضافة إلى التداعيات الاقتصادية، خيم وباء فيروس كورونا على الساحات السياسية، وتحول إلى ورقة في التنافس والصراعات الداخلية والجيوسياسية، التي لم تكن روسيا في منأى منها. ويمكننا القول بثقة إن وباء فيروس كورونا هو أكبر أزمة في النطاق العالمي لهذا القرن. وتكمن المشكلة في أن بعض قادة الدول لم يدركوا بعد حجم التهديد، ليس فقط فيما يتعلق بدولة معينة، ولكن فيما يتعلق بالبشرية جمعاء. ويتبدد مع كل يوم الأمل في التعافي السريع للكوكب الأرضي، وتتزايد فاتورة العلاج أمام أعيننا. ويتم حاليا تقدير خسارة الاقتصاد العالمي بعشرات المليارات، ولكن هذه ليست سوى البداية. والإعلان عن الحجر الصحي على نطاق عالمي غير ممكن. ويهتم بعض قادة الدول بمصالحهم الأنانية أكثر من اهتمامهم بسلامة مجتمعاتهم. وأصبح شعار الفردانية يأتي بنتائج عكسية. وشككت بعض الأطراف حتى في المساعدات التي قدمتها روسيا لإيطاليا للتغلب على الفيروس القاتل، وزعمت أنها ترمي إلى أن تحقق موسكو أغراضا جيوسياسية ودعائية، بل حتى شق وحدة صف الاتحاد الأوروبي الذي اتخذ موقف اللامبالاة إزاء نكبة أحد أعضائه (إيطاليا) فيما يؤكد الكرملين بأنها خطوة إنسانية لا غير.

الحجر يرمي لمنع المعارضة من تنظيم فعاليات احتجاج

وتركت جائحة فيروس كورونا ظلالها العميقة على الساحة الروسية، لا سيما على برامج الرئيس فلاديمير بوتين السياسية والاقتصادية التي أعد لها بشكل دقيق. وبعد أسبوع من إعلان الرئيس أن انتشار فيروس كورونا في روسيا “تحت السيطرة” اضطر إلى تأجيل الاستفتاء العام في 22 نيسان/ابريل لتعديل الدستور. ووعد بأن التعديلات ستدخل حيز التنفيذ فقط بعد موافقة الشعب الروسي عليها. وقال إن تأجيل التصويت خطوة جادة لكنها ضرورية “نرى مدى حدة تطور الوضع المتعلق بوباء كورونا فيروس في العالم. في العديد من البلدان يستمر عدد الإصابات في التصاعد”. وقال بوتين يوم الأربعاء في خطاب تلفزيوني: “لقد تضرر الاقتصاد العالمي بأكمله”. مؤكدا “أن الأولوية المطلقة لنا هي صحة وحياة وسلامة الناس. لذلك، أعتقد أنه يجب تأجيل التصويت إلى تاريخ لاحق”.

وكان من المفترض أن يكون انتصارًا للزعيم الروسي بعد استفتاء نيسان/ابريل إجراء عرض عسكري كبير في 9 أيار/مايو في الساحة الحمراء تكريما للذكرى 75 لهزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، حيث كان من المقرر حضور قادة من العديد من دول العالم.

ومن الواضح أن الكرملين لا يرغب في تغيير مثل هذا الجدول الزمني، خاصة وأن عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا المؤكدة أقل بكثير في روسيا منها في الصين، الواقعة على حدودها الشرقية، ومن الدول الأوروبية الواقعة غربها. وتم تسجيل وفاة ثلاثة أشخاص في روسيا فقط في حالات لم تؤكد أنها من كوفيد-19. ولكن خلال الأيام القليلة الأخيرة، زاد عدد الإصابات في البلاد بنسبة الثلث، وطفر من 495 إلى 840 شخصًا (الخميس الموافق 26 آذار/مارس).

وأظهر التلفزيون الحكومي يوم الثلاثاء بوتين وهو يرتدي قناعا وحلة واقية صفراء خلال زيارة قام بها للمستشفى الروسي الرئيسي حيث يجري العلاج من عدوى كورونا. وأبلغ دنيس بروتسينكو، رئيس هذا المستشفى، بوتين أن روسيا في حاجة إلى “الاستعداد للسيناريو الإيطالي” في إشارة إلى تفشي موجة الوباء في إيطاليا. وتابع بوتين في خطابه محذرا “ما زلنا قادرين على كبح انتشار المرض، ولكن من المستحيل بشكل موضوعي منع دخوله بالكامل إلى بلدنا. لا تفكر، من فضلك، لن أتعرض للمرض: ولن يؤثر علي! يمكن أن يؤثر على الجميع. الحل الأكثر أمانًا الآن هو أن تكون في المنزل”.

وأعلن بوتين تعطيل العمل في أنحاء روسيا لمدة أسبوع مع الحفاظ على رواتب الموظفين. كما أعلن عن حُزمة من الإجراءات الاقتصادية، بما في ذلك دفع خمسة آلاف روبل لكل طفل، والإعفاءات الضريبية، وتمديد القروض لأصحاب المشاريع والشركات الفردية. ولم يشر الرئيس الروسي في خطابه إلى العرض والاحتفالات بيوم النصر التي كان من المخطط أن تكون مهيبة، والحدث الأكبر هذا العام، وينتظر وصول ضيوف أجانب مثل شي جين بينغ وناريندرا مودي وإمانويل ماكرون وأحد ممثلي الحكومة الأمريكية (كان الرئيس الأمريكي قد اعتذر عن المشاركة بسبب انشغاله بالانتخابات الرئاسية المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل) وكان الرهان إن هذا الحدث سيؤشر إلى نهاية شبه العزلة لروسيا، التي وجدت نفسها فيها في عام 2014 بعد انضمام شبه جزيرة القرم.

وهناك احتمال كبير بأن عددا من هؤلاء القادة لن يتمكن من المشاركة، وذكرت وسائل الإعلام الروسية هذا الأسبوع أن الاحتفالات يمكن أن تتم كعرض تلفزيوني وعلى الإنترنت وتضم 15000 جندي و400 قطعة من المعدات العسكرية التي على طول شوارع موسكو الخاوية من الجمهور. وقال الناطق باسم الرئيس دمتري بيسكوف، إن موضوع إلغاء الاحتفالات بالمناسبة لم يناقش في الكرملين.

وأمرت مدينة موسكو، التي أخذت انتشار كورونا فيروس على محمل الجد أكثر من الحكومة الفيدرالية، بإغلاق المطاعم والمقاهي هذا الأسبوع، وحظرت أي تجمع من أكثر من 50 شخصًا. ودعت المواطنين الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا البقاء في المنزل.

المعارضة تشكك

وسارعت المعارضة ولاسيما الليبرالية وحتى اليسارية إلى استخدام ورقة وباء فيروس كورونا بالتشكيك بنوايا القيادة الروسية ومدى فعالية إجراءاتها لمواجهة انتشار الوباء، ووجهت انتقادات إلى إجراءات الحكومة الرامية لمنع انتشاره. وفيما يقول بعض ممثليها بأنها جاءت متأخرة، زعم آخرون أن الحجر الصحي يرمي إلى وضع عراقيل واختلاق حجج لمنع المعارضة من تنظيم فعاليات احتجاج. وفي موقف متناقض باتت المعارضة الليبرالية التي تتهم تقليديا سياسة بوتين الداخلية باعتماد العنف المفرط، تطلب من الرئيس الروسي القيام بإجراءات أكثر شدة، وتدعو إلى عدم الاكتفاء بالدعوة إلى البقاء في المنازل، وغلق الأماكن العامة، ولكن فرض حجر صحي تام وغلق موسكو على الأقل. ودعا البعض منها إلى مزيد من الشفافية عن حقيقة الوضع الذي ترتب على خلفية الوباء، ورصدت في نبرة خطاب الرئيس الروسي “توترا”. وقال الادعاء العام إن هناك من يحاول ترويع المجتمع من خلال نشر المعلومات والأخبار “المزيفة” بقصد زعزعة الوضع السياسي في البلاد، وهددت بمقاضاة هذه العناصر.

واتصالا بالشكوك التي تدور حول مساعي الحكومة الحثيثة في التصدي لانتشار الوباء على نطاق واسع، قال المحلل السياسي ميخائيل فينوغرادوف إن بوتين حاول في خطابه خفض مستوى قلق السكان بسبب المخاوف على خلفية الجائحة والمخاطر الاقتصادية القائمة. وقال “هناك بحث عن النبرة. وهناك عدة موضوعات: فيروس كورونا، والمخاطر المرتبطة بالاقتصاد، وارتفاع مستويات القلق”. وبدورها قالت المحللة السياسية تاتيانا ستانوفايا إن الإجراءات المعلنة لمكافحة فيروس كورونا تشير إلى أن السلطات الروسية تخشى أن تبدو ضعيفة. ومن هنا عدم الرغبة في اتخاذ إجراءات شديدة، ومحاولة إظهار الوضع تحت السيطرة. وتقول: “إن خطاب الرئيس ليس ضد الفيروس بقدر ما هو ضد خفض شعبيته”.

—————————–

الأبعاد السياسية لأزمة كورونا في إيران/ صادق الطائي

بات الكثير من المراقبين ينظرون إلى الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأزمة فيروس كورونا عالميا، كما يحاول عدد من المنظرين استقراء مستقبل العالم ومدى التأثيرات التي ستتركها الجائحة على الدول وأنظمتها الحاكمة ونظمها السياسية. فبينما تبدو الدول التي انطلقت منها الجائحة كالصين وكوريا الجنوبية وإيران أكثر تماسكا بوجه الكارثة، بدت أوروبا الغربية والولايات المتحدة أكثر ضعفا في مواجهة الأزمة.

البعض أشار إلى إن الأزمة كشفت عيوب الأنظمة الرأسمالية، وعيوب العولمة وما إدعته من حصافة تطبيق نظم التجارة الحرة واقتصاد السوق، لكن يجب القول إن كل هذه الاستقراءات تقوم على معطيات لم تزل غير علمية وغير موثوقة، لأن الوقت ما زال مبكر جدا على الخروج بقراءات موضوعية، وربما طرأت الكثير من المتغيرات على الأوضاع العالمية.

في البدء كانت السياسة

هناك العديد من الإشارات شبه المؤكدة عن اضطلاع النظام الإيراني بإخفاء المعطيات العلمية المتعلقة بوباء كوفيد-19 الذي يبدو انه انتقل مبكرا لإيران مع بداية كانون الثاني/يناير الماضي، وذلك نتيجة العلاقات التجارية الوطيدة مع الصين، البلد الذي انطلق منه الوباء، فإيران معتمدة بشكل كبير على تبادلها التجاري مع الصين لمنع انهيار نظامها الاقتصادي المترنح نتيجة العقوبات الاقتصادية الأمريكية. ومن ضمن التعاون بين الصين وإيران استمرار الرحلات الجوية حتى شباط/فبراير، وهذا يعني احتمالية كبيرة لانتقال الفيروس مع ضعف نظم الرقابة الصحية الإيرانية.

وتحدث مختصون في الشأن الإيراني عن سبب تكتم السلطات الإيرانية والامتناع عن نشر المعلومات الدقيقة للإصابات والوفيات بفيروس كوفيد-19 وذلك لتقليل التأثير على الانتخابات البرلمانية التي تمت في 21 شباط/فبراير، والتي جاءت بالرغم من هذا التكتم بأقل نسبة مشاركة في تاريخ الانتخابات البرلمانية، إذ أعلن وزير الداخلية، عبد الرضا رحماني فضلي، أن نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية بلغت 42.6 في المئة. وهي بذلك أضعف نسبة إقبال في الانتخابات منذ قيام الجمهورية الإسلامية في 1979. وقال في مؤتمر صحافي “أجرينا هذه الانتخابات، في ظروف شهدت فيها البلاد العديد من الحوادث من بينها سوء الأحوال الجوية، وانتشار فيروس كورونا، وأزمة تحطم الطائرة الأوكرانية”.

لكن التصريحات الرسمية الإيرانية تنفي تعمدها إخفاء حالات الإصابة بالفيروس لأسباب سياسية، وتشير المعلومات الرسمية الإيرانية إلى اكتشاف إصابتين حوالي منتصف شباط/فبراير “المريض صفر” بمدينة قم في 19 شباط/فبراير والثاني رجل أعمال أصيب بالعدوى في الصين.‎‏ وسرعان ما تحولت قم إلى مركز ‏لتفشي الوباء، إذ أنها مقصد مهم للزوار الشيعة‏. كما أشار المرشد الأعلى علي خامنئي في خطاب رسمي إلى إن الدعاية السلبية مستمرة منذ أشهر عدة، وفي “اليومين الأخيرين” عمدت وسائل الإعلام ‏”لاستغلال كل فرصة ممكنة لثني الناخبين عن التصويت على خلفية المرض والفيروس”.

ونفى وزير ‏الصحة الإيراني سعيد ناماكي كل المزاعم القائلة بأن حكومته أرجأت التقارير، مشيرا إلى أن تلفزيون ‏الدولة “أعلن القضية فورا في 19 شباط/فبراير، رغم أن الانتخابات كانت يوم 21 شباط/ فبراير”. لكن المفارقة وبعد ‏‏5 أيام من الانتخابات ارتفع عدد الإصابات التي أكدتها الحكومة إلى 139 فضلا عن 19 حالة وفاة‎، وهذه الأرقام تعني بشكل واضح ان الفيروس كان متفشيا قبل الموعد الذي أشارت له التصريحات الإيرانية الرسمية.

الصراعات السياسية

اتجهت أنظار العالم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، العدو اللدود للنظام الإيراني، وحاول المراقبون قراءة موقف إدارة ترامب من أزمة كورونا في إيران، وموقف النظام الإيراني من إدارة ترامب في ظل هذه الأزمة، إذ كان الموقف الإيراني دائم التنويه إن ما حصل هو مؤامرة أمريكية ونوع من الحرب البيولوجية التي تقف وراءها مختبرات سرية للجيش الأمريكي، بينما استمرت إدارة ترامب بمهاجمة النظام الإيراني الذي يستخف بأرواح مواطنيه.

وجاء إعلان الرئيس ترامب عن تقديم المساعدة للإيرانيين بطريقة مريبة، إذ أعلن أنه مستعد لمساعدتهم في مواجهة فيروس كورونا المستجد إذا طلبوا ذلك. وقال ترامب في الاجتماع السنوي الكبير للمحافظين في ضاحية واشنطن “إذا كنا نستطيع مساعدة الإيرانيين في هذه المسألة، فنحن على استعداد بالتأكيد للقيام بذلك، الشيء الوحيد الذي يتعين عليهم القيام به هو طلب ذلك. سيكون لنا اختصاصيون رائعون هناك”.

وسرعان ما جاء الرد الإيراني الرافض لعرض الرئيس ترامب، على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي، الذي صرح بقوله “بدلاً من التظاهر المنافق بالشفقة، والتفاخر المنبوذ، يجب عليك إنهاء إرهابك الاقتصادي والطبي حتى يتسنى للأدوية والمستلزمات الطبية الوصول إلى الطاقم الطبي والشعب الإيراني”. وأضاف “لسنا بحاجة إلى أطباء أمريكيين” مؤكدًا أن إيران لديها “أفضل الأطباء وأكثرهم شجاعة في العالم”.

كما يندرج في حرب التصريحات المتبادلة بين إدارة ترامب والنظام الإيراني، الشتائم المتبادلة بين المرشد الأعلى علي خامنئي ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إذ وجه المرشد الأعلى اتهامات للولايات المتحدة “باختراع فيروس كورونا وتصديره للعالم” كما شكك بمنح ‏الثقة لأمريكا في عملية إيجاد دواء للفيروس، لافتا إلى إن واشنطن خلقت هذا المرض لاستهداف الشعب ‏الإيراني.

بدوره رد وزير الخارجية الأمريكي في 23 آذار/مارس الجاري على تصريحات علي خامنئي، مشيرا إلى أن طهران أبقت 55 رحلة مفتوحة مع ووهان، ما ساهم في تفشي المرض على أراضيها. وأشار بومبيو في بيان رسمي تحت عنوان “كذب خامنئي بشأن فيروس ووهان يضع حياة الناس في خطر” مشيرا إلى أن “الفبركات” الإيرانية عرضت الشعب الإيراني والشعوب الأخرى حول العالم لـ”خطر عظيم”. وأضاف بومبيو قائلا إن النظام الإيراني رفض مساعدة أمريكية للتعامل مع الجائحة، وقال عن ذلك: “رفض خامنئي هذا العرض لأنه يعمل بلا كلل على اختراع نظريات المؤامرة واعتبار الإيديولوجيا أولوية على حساب الشعب الإيراني” على حد تعبيره.

السجناء

ضمن تداعيات أزمة وباء كوفيد-19 في إيران، تم الإفراج عن أعداد كبيرة من السجناء بصورة مؤقتة خوفا من انتشار الفيروس في السجون الإيرانية، وقد شمل الإفراج الذي أقرته السلطات القضائية العليا ووافق عليه المرشد الأعلى عددا من السجناء السياسيين. وصرح المتحدث باسم السلطة القضائية غلام حسين إسماعيلي يوم 18آذار/مارس الجاري قائلا “إن إيران أفرجت مؤقتا عن نحو 85 ألف شخص، ومن ‏بينهم سجناء سياسيون، في إطار إجراءات مواجهة وباء كورونا، وان نصف السجناء تقريبا هم من المتهمين بقضايا تتعلق بالأمن سيتم العفو عنهم أيضا”.

وتجدر الإشارة إلى إن هذه الخطوة تمت استجابة من السلطات الإيرانية لطلب تقدمت به الأمم المتحدة، فقد أشار جاويد رحمن المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في إيران يوم 10آذار/مارس إنه طلب من طهران الإفراج مؤقتا عن جميع السجناء السياسيين من سجونها المكتظة والمليئة بالأمراض، للمساعدة في الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد.

وقد كان ضمن سجناء الرأي المفرج عنهم البريطانية الإيرانية ‏نازنين زخاري راتكليف، وقد علق وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب بقوله “أشعر بالارتياح لإطلاق سراح نازنين زخاري راتكليف مؤقتًا لرعاية أسرتها في إيران، نحث النظام الإيراني على ضمان حصولها على الرعاية الطبية اللازمة”. لكن من جانب آخر ما زال هناك العديد من سجناء الرأي لم يتم الإفراج عنهم، فقد ذكرت صحيفة “الغارديان” البريطانية إن كايلي مور- جيلبرت لم تكن ضمن قائمة الـ85 ألف سجين المفرج عنهم من السجون الإيرانية مؤقتا. ومور- جيلبرت، أستاذة في جامعة ملبورن الاسترالية، حكم عليها بالسجن 10 سنوات بتهمة التجسس، وهي تقبع في زنزانة بسجن إيفين في طهران منذ 18 شهرًا، إذ تم ألقاء القبض عليها في أيلول/سبتمبر2018 بعد حضورها مؤتمرا أكاديميا في مدينة قم الإيرانية.

ومن سخريات القدر توقع بعض الساسة الأمريكيين أن الوباء سيطيح بالنظام الإيراني، إذ روج لهذه الفكرة بعض متشددي المحافظين، واليوم تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية دول العالم في عدد الإصابات بفيروس كوفيد-19 بينما تراجعت إيران إلى المرتبة السادسة، وبرغم إجراءات حكومة طهران غير الصارمة في الحجر الصحي، إلا إن محللين سياسيين سخروا من فكرة تهديد الوباء للنظام الإيراني،  فقد انتقدت الباحثة المتخصصة في الشأن الإيراني، باربرا سالفين، الفكرة التي يسوقها بعض صقور الجمهوريين والتي مفادها “أن ‏الوباء قد يُعجّل بسقوط النظام الإيراني” واعتبرتها فكرة سخيفة‎.‎‏ وأضافت إن” احتمال قيام مظاهرات ‏حاشدة في إيران اليوم يبدو ضئيلا في ضوء توجيهات الحكومة للمواطنين البقاء في المنازل، والمخاوف العقلانية ‏من أن التجمعات الحاشدة ستنشر الفيروس”. وتبقى لعبة السياسة مفتوحة على كل الاحتمالات، إلا إن المؤكد أن لا تقارب بين الولايات المتحدة وإيران في ظل أزمة كورونا.

———————————

إسرائيل: استغلال كورونا لمآرب سياسية داخلية وخارجية/ وديع عواودة

منذ أن وصلت عدوى كورونا إلى إسرائيل سارعت أوساط فيها لاستغلالها لمآرب سياسية داخلية وخارجية طبقا لتأكيدات جهات إسرائيلية وفلسطينية. وتتهم جهات فلسطينية إسرائيل بأنها سارعت لاستغلال عدوى كورونا منذ أن ظهرت في مطلع الشهر الجاري لتضييق الخناق على المسجد الأقصى وإبعاد الفلسطينيين عنه وتفريغه من رواده وحراسه، مستخدمة الوسائل كافة لتحقيق ذلك، ومن ضمنها قمع المصلين وملاحقتهم واعتقالهم والتحقيق معهم وإبعاد العشرات منهم عنه. ففي 20 آذار/مارس الجاري، أغلقت شرطة الاحتلال بعض أبواب المسجد الأقصى، وفرضت قيودًا على دخول المصلين للمسجد، بحجة الإجراءات الوقائية لمكافحة فيروس “كورونا” وفي المقابل سمحت لعشرات المستوطنين المتطرفين باقتحامه وتدنيس باحاته. وللوقاية من انتشار “كورونا” قرر مجلس الأوقاف والشؤون الإسلامية في القدس المحتلة تعليق حضور المصلين للصلاة في المسجد الأقصى لفترة مؤقتة، ما دفع عشرات المصلين لأداء الصلوات على عتبات أبواب الأقصى مع الالتزام بالتعليمات والإجراءات الوقائية للحد من الفيروس. وتثير هذه الأزمة الصحية الراهنة وإغلاق الأقصى مخاوف حقيقية لدى المقدسيين من “نوايا خبيثة” للاحتلال تستهدف فرض وقائع جديدة داخل الحرم القدسي الشريف وتنفيذ مخطط تقسيمه زمانيًا ومكانيًا. وقال رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس المحتلة الشيخ عكرمة صبري لـ “القدس العربي” إن الاحتلال قد يستثمر الحالة الراهنة وانتشار فيروس كورونا من أجل تنفيذ أهدافه العدوانية بحق المسجد الأقصى. ويتابع “نعلم جيدا أن سلطات الاحتلال تحاول تسخير العدوى لخدمة مصالحها ومآربها كما يحصل من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يحاول تثبيت موقعه ومنصبه”. ولذا يؤكد الدكتور عكرمة صبري استمرار حراس وسدنة المسجد وعمال النظافة والأذنة والأئمة وسائر موظفي دائرة الأوقاف بأعمالهم، رغم إغلاق الأبواب الخارجية للمسجد. وأوضح أن كوادر العمل جاهزة ماضية بعملها داخل الأقصى، ولن تتركه فارغًا ولقمة سائغة للاحتلال، فكافة الأمور ستكون في أمن وحماية المسجد من أي تجاوز أو تعد إسرائيلي.

استغلال شخصي

منذ البداية وجهت أوساط سياسية وإعلامية في إسرائيل اتهامات لرئيس حكومتها باستغلال عدوى كورونا لتحقيق مكاسب سياسية والسعي للبقاء في الحكم في ظل فشله المتواصل في تشكيل حكومة منذ أن شهدت دوامة انتخابية في نهاية 2018. وفي نظر مراقبين كثر نجح نتنياهو في استثمار كورونا لأغراضه السياسية بسبب حرفيته في توظيف الخوف وترجمته لمكاسب سياسية. ويؤكدون أن ترهيب الإسرائيليين طالما كان استراتيجية معتمدة لديه لجمعهم من خلفه. يتبدل الأعداء من فترة لفترة ويبقى نتنياهو يلوح بالفزاعة تارة هي قنبلة إيران وتارة “الطابور الخامس” في إشارة لفلسطينيي الداخل وتارة كورونا.  وتستغرب هذه الجهات من ظهور نتنياهو في إطلالات تلفزيونية عدة مرات في الأسبوع وهو يحذر من خطورة هذه العدوى في محاولة لإقناع خصمه السياسي رئيس تحالف “أزرق-أبيض ” بيني غانتس بتشكيل حكومة طوارئ أو حكومة وحدة وطنية بدلا من تشكيل حكومة ضيقة تلقي بنتنياهو لصحراء المعارضة وربما للسجن. كذلك يرى هؤلاء أن نتنياهو حاول ونجح في إسقاط خيار الذهاب لانتخابات رابعة كان يخشى أن يصلها وهو على كرسي الاتهام بعدما حذر الإسرائيليين بأن مغادرتهم لمنازلهم ستضعهم في دائرة الخطر وسط تسريبات بأن المستشفيات لن تتسع لكل المصابين وبالتالي هناك من سيموتون نتيجة عدم توفر أسرة كافية أو ماكنات تنفس اصطناعي بعدد كاف. وفي هذا السياق قالت صحيفة “يديعوت أحرونوت” في عددها الأخير، إن نتنياهو سعى خلال خطاباته منذ مطلع الشهر الحالي إلى احتكار الشاشة والظهور بأنه المنقذ من الوباء، وكأن من دونه لن تتخذ أي خطوات لمواجهة انتشار فيروس كورونا.  ونوهت أنه طالما بظهوره التلفزيوني قام “باستعراض جوي” خلال خطاباته واصفة هذا الاستعراض بـ”المسرحية” خاصة حين كان يطالب الصحافيين والحاضرين في القاعة بالابتعاد عن بعضهم كي لا تنتقل عدوى محتملة وإخراجه منديل الورق المستخدم من جيبه ومسح أنفه به ثم إعادته إلى جيبه، مشيرة إلى أنه كان بإمكانه استخدام منديل جديد. وتساءلت: “ما هي العلاقة بين أزمة كورونا وبين أزمة نتنياهو الشخصية؟ أما صحيفة “معاريف” فرأت أن “حلم نتنياهو يتحقق، كما يبدو” وقالت إن هذه حكومة طوارئ كورونا فعلا، ولكنها حكومة إنقاذ نتنياهو أيضا. وأكدت على دهاء نتنياهو وخيانته للأمانة: “التفويض بتشكيل الحكومة لن ينتقل إلى غانتس رغم الاتفاق على التناوب ولن تتم الإطاحة برئيس الكنيست، والقانون الذي يمنع رئيس حكومة يواجه لائحة اتهام من العمل لن يخرج إلى حيز التنفيذ. وبإمكان نتنياهو تنفس الصعداء عندما لا يتحول إلى أب الأمة فقط، وإنما طبيبها أيضا. ورأت أن قيادة “أزرق-أبيض” ستواجه معضلة صارمة، فالوباء أزال الحلم والتعهد بتغيير نتنياهو معتبرة أن الوباء سينتشر في العالم كله، والوضع في إسرائيل جيد نسبيا، وما إلى ذلك.

تعقب المخابرات

وضمن محاولات الترهيب واستغلال الأزمة فقد أتاح نتنياهو لأول مرة في تاريخ إسرائيل للأجهزة الأمنية والاستخباراتية القيام بمهام لا تمت بصلة للعمليات والتطورات الأمنية، وتسخر قدراتها التكنولوجية لمواجهة فيروس كورونا الذي ينتشر بشكل دراماتيكي في إسرائيل. وصدقت الحكومة الإسرائيلية على قرار إقحام جهاز الأمن الإسرائيلي العام “الشاباك” في مهام مواجهة الفيروس بسبب قدرات الجهاز التكنولوجية والتجسسية في تعقب الأشخاص المصابين وذويهم للتقليل من أعداد المصابين وتجنب إمكانية حدوث وفيات في المجتمع الإسرائيلي. واعتبرت جهات سياسية وإعلامية ذلك منافيا للديمقراطية وانتهاكا لخصوصيات الناس ومحاولة تعقب معارضين لحكومة نتنياهو بدعوى مكافحة كورونا. وقد أثار استخدام التكنولوجيا في تعقب أجهزة الهواتف وأماكن المصابين ردود فعل سياسية واسعة ما دفع القائمة المشتركة في الكنيست لتقديم التماس في المحكمة العليا الإسرائيلية ضد القرار بسبب التخوف من استخدام التقنيات في أمور أمنية وسياسية. وبرر رئيس الحكومة المنتهية ولايته، بنيامين نتنياهو، تلك الخطوة بأنها جاءت لمواجهة سرعة انتشار الوباء الخطير وسعيه لعدم تكرار التجربة الإيطالية السيئة مع المرض، وهو ما أكده المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، أفيخاي مندلبليت، الذي وافق بدوره على هذا القرار. ولا يقتصر التعاون الاستخباراتي الصحي على جهاز “الشاباك” وذلك بعد أن أحضر الجهاز الاستخباراتي الخارجي “الموساد” أكثر من مئة ألف جهاز فحص لفيروس كورونا ما أكده مكتب رئيس الوزراء المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو. وتحذر منظمات حقوقية فلسطينية محلية من استغلال هذا الترخيص لاستخدام التقنية المذكورة لمتابعة تحركات ناشطين فلسطينيين على طرفي الخط الأخضر.

خدمات الموساد

ويسعى “الموساد” أيضا بدعم الحكومة لجلب مليارات المعدات الطبية من الخارج ما تباركه وزارة الصحة الإسرائيلية وتثمن فيه على دور أجهزة الدولة الإسرائيلية، واصفة المشهد بحالة حرب تتدخل فيها الأجهزة الأمنية. وحسب تسريبات محلية وأجنبية فقد استغل الموساد علاقاته بالإمارات لاستحضار 500 ألف وحدة من أدوات الفحص الطبي من الإمارات قبل أيام وسبق ذلك استحضار 100 ألف وحدة من الإمارات أيضا تبين أنها غير ملائمة لاحتياجات وزارة الصحة الإسرائيلية.

—————————

ملف السجناء نقطة خلاف المعارضة والسلطات المصرية في أزمة كورونا/ تامر هنداوي

القاهرة-“القدس العربي”: مثل ملف السجناء بشكل عام، وسجناء الرأي بشكل خاص، نقطة الخلاف الوحيدة تقريبا بين أحزاب المعارضة والسلطات المصرية، بشأن الإجراءات التي اتخذتها للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد.

فما زالت السلطات المصرية تسد الأذن عن الدعوات التي أطلقتها منظمات حقوقية محلية ودولية وأحزاب سياسية وشخصيات عامة وبرلمانيون، تطالب بإطلاق سراح سجناء الرأي والمحبوسين احتياطيا ومن قضى نصف مدة العقوبة للحد من الزحام في السجون.

وكانت السلطات المصرية أفرجت عن 15 من السجناء السياسيين والأكاديميين بينهم كاتب المقال في “القدس العربي” استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور حسن نافعة والناشط السياسي شادي الغزالي حرب ونائب رئيس حزب تيار الكرامة، قبل أسبوع ما أعطى بادرة أمل لأهالي سجناء الرأي عن اقتراب الإفراج عنهم قبل أن تتوقف السلطة عن الإفراج عن السياسيين.

وطالبت 7 منظمات حقوقية مستقلة، السلطات المصرية بالإفراج عن السجناء من تجاوزت أعمارهم 60 عامًا، أو الثابت إصابتهم بأمراض خطيرة كالسرطان وأمراض القلب، وأمراض الجهاز التنفسي، والسجينات الحوامل، والغارمين والغارمات، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من سجناء الرأي من الصحافيين والمحاميين والحقوقيين المحبوسين احتياطيًا، ومن الثابت محل سكنهم ولا يشكل خروجهم أي خطر على المجتمع، مشيرة إلى أن بعضهم تجاوز المدد القانونية للحبس الاحتياطي المقررة بعامين، وأصبح استمرار احتجازهم إجراء غير قانوني.

وتضمنت قائمة المنظمات الموقعة على البيان، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، والجبهة المصرية لحقوق الإنسان، ومركز النديم، ومؤسسة حرية الفكر والتعبير، ومبادرة الحرية، ومركز بلادي للحقوق والحريات، وكوميتي فور جستس.

وأعربت المنظمات في بيانها، عن بالغ قلقها إزاء ما وصفته بتعنت الحكومة المصرية واستمرار رفضها إطلاق سراح بعض فئات المحتجزين بالسجون تقليلاً للتكدس في ظل تفشي وباء كورونا الجديد، وما يشكله من تهديد بتحويل السجون لبؤر وبائية يمتد أثرها لكل الجمهورية.

وقالت المنظمات، إنه في الوقت الذي تفرض فيه الحكومة المصرية حظر التجوال على مواطنيها وتعطل المواصلات العامة خوفًا من التجمعات والازدحام، تغض البصر عن عشرات السجون المتكدسة بما يفوق طاقة استيعابها بأكثر من 300 في المئة حسب تصريحات رسمية، ناهيك عن الأوضاع المزرية لأماكن الاحتجاز الخالية من أبسط الاحتياجات الآدمية.

ولفتت المنظمات إلى أن بيانات حقوقية وتقارير بشهادات موثقة حذرت من غياب التهوية الملائمة في السجون وأدوات النظافة الأساسية والمياه الصالحة للشرب، وسوء التغذية، وانتشار الحشرات والقوارض، فضلاً عن عدم توافر دورات مياه أو أماكن مناسبة لقضاء الحاجة والاستحمام. ورغم أن العديد من الدول (مثل البحرين، إيران، أمريكا) أفرجت عن أعداد غفيرة من السجناء في إطار الإجراءات الاحترازية لمواجهة الوباء، ترفض مصر الانتباه للاستغاثات المتوالية من السجون.

وطالبت المنظمات بالكشف عن سياسات الحكومة المصرية في مجابهة انتشار هذا الوباء داخل السجون، مستنكرة اعتماد الحكومة على ما وصفته بالحلول الأمنية ضيقة الأفق. مؤكدة إنه “بدلاً من اتخاذ قرارات عاجلة بالإفراج عن بعض المحبوسين احتياطيًا وتحسين أوضاع البقية، أكتفى وزير الداخلية بمنع زيارات السجون، كإجراء احترازي حماية للمحتجزين من مخالطة ذويهم. الأمر الذي تسبب في حرمان المحتجزين من الطعام والملابس النظيفة والأدوية وأدوات النظافة، فضلاً عن أنه لن يحول دون تفشي الإصابة داخليًا بين السجناء المخالطين يوميًا للضباط ومأموري السجن والعساكر والإداريين على نحو يعزز فرص الإصابة للجميع، ناهيك عن حرمان الأسر من الاطمئنان على ذويهم في السجون ولو تليفونيًا.

كما قررت وزارة العدل تعليق الدعاوى المنظورة أمام المحاكم، الأمر الذي سيطيل بالضرورة فترات الحبس الاحتياطي ويعطل أي قرارات مرتقبة بالإفراج أو إخلاء سبيل المحبوسين، بالإضافة لتجديد حبس المتهمين على الأوراق لأجل غير مسمى.  وعلى عكس ما تستهدفه الحملات الإلكترونية والنداءات الحقوقية المحلية والعربية والدولية والأممية، عاقبت السلطات المصرية بعض المشاركين في حملات لإطلاق سراح المحتجزين.

وأكدت المنظمات الموقعة على البيان حرصها الشديد ليس على حياة السجناء فحسب وإنما جميع المواطنين المتواجدين في محيط أماكن الاحتجاز وأسرهم وذويهم وكل المخالطين لهم يوميًا. وطالبت السلطات المصرية بضمان توفير الاحتياجات الآدمية الأساسية للمحتجزين في ظل هذا الظرف الحرج على النحو الذي تقره اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن حماية السجون، بما في ذلك ضمان توفير طعام صحي ونظيف، وتوفير الأدوات الصحية وأدوات النظافة ومستحضرات التطهير للمحتجزين والعاملين بالسجون، واتخاذ اللازم لمنع انتقال العدوى، وتوفير أماكن للحجر الصحي في حالات الإصابة داخل مستشفيات السجون بعد تهيئتها لذلك، وضمان نقل المشتبه في إصابتهم لمستشفيات خارجية حال احتاجوا لذلك.

رئيس حزب الدستور، علاء الخيام، أرسل خطابا إلى النائب العام طالبه خلاله بإخلاء سبيل المحبوسين احتياطيا.

وأعرب عن أمله في أن تلقى مطالبته استجابة النائب العام في ضوء بيان منظمة الصحة العالمية التي حذرت من مخاطر فيروس كورونا وضرورة التعامل معه كوباء عالمي.

وقال الخيام في خطابه: “أتقدم إليكم برجاء إصدار قرار بإخلاء سبيل المحبوسين احتياطيا في قضايا الرأي مع تعهدهم بالمثول أمام جهات التحقيق فور طلبهم وبكل الضمانات القانونية الأخرى التي ترونها مع متهمين رهن التحقيق ولم تصدر ضدهم أحكام بالإدانة من جهات التقاضي، وذلك كخطوات لصالح الصحة العامة وسلامة السجناء”.

وتابع: “حذرت منظمة الصحة العالمية من مخاطر تفشي فيروس كورونا وضرورة التعامل معه كوباء عالمي وما تلاه من إعلان الطوارئ في عدة دول والتحذيرات المتكررة من التجمعات والاختلاط حتى بدور العبادة”.

وطالبت منظمة “العفو الدولية” في بيان بالإفراج الفوري عن سجناء الرأي والسجناء الآخرين المعرضين للخطر، ضمن الإجراءات الاحترازية لمواجهة تفشي فيروس كورونا”.

وقالت في بيان “وسط مخاوف متزايدة من انتشار فيروس كورونا في سجون مصر المكتظة، يجب على السلطات المصرية الإفراج فوراً، ودون قيد أو شرط، عن جميع النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان المحتجزين لمجرد التعبير عن آرائهم سلمياً”.

وأضافت “ينبغي على السلطات النظر في الإفراج عن المحتجزين احتياطياً، والمحتجزين المعرضين بشكل خاص للمرض، ومن بينهم أولئك الذين يعانون من حالات طبية مزمنة، وكبار السن، كوسيلة لتقليل عدد السجناء ومنع الضرر، كما ينبغي عليهم النظر في اعتماد إجراءات غير احتجازية للأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم غير عنيفة”. فيليب لوثر، مدير البحوث وأنشطة كسب التأييد للشرق الأوسط وشمال افريقيا في منظمة العفو قال: “ينبغي أن تكون السلطات المصرية مدفوعة بخطر انتشار فيروس كورونا في السجون، للوفاء بالتزاماتها الدولية وإطلاق سراح الآلاف من النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين والمنتقدين السلميين المحتجزين لمجرد التعبير عن آرائهم أو الاحتجاج السلمي. إن هؤلاء الأفراد ما كان ينبغي أن يكونوا في السجن في المقام الأول”.

وتابع: “بالإضافة إلى ذلك، وبالنظر إلى المخاوف الموثقة جيدًا من أن السجون المصرية مكتظة، وتعاني من سوء الرعاية الصحية، وظروف نظافة وصرف صحي سيئة؛ يجب على السلطات النظر في الإفراج عن المحتجزين احتياطياً، وكذلك المعتقلين المعرضين بشكل خاص للمرض، مثل أولئك الذين يعانون من حالات طبية مزمنة، والمسنين. فعلى السلطات واجب ضمان توفير الرعاية الطبية الكافية لجميع المحتجزين”.

واختتمت المنظمة بيانها: “بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، يجب أن يكون الاحتجاز الاحتياطي إجراء استثنائياً يستخدم فقط كملاذ أخير عند ثبوت وجود خطر جدي من فرار المشتبه به أو إيذاء الآخرين أو العبث بالأدلة أو التدخل في سير التحقيق أو عرقلة العدالة، ولا تتسنى إزالته بوسيلة سوى الحبس. يستند افتراض الإفراج على ذمة المحاكمة إلى افتراض البراءة، المكرس في القانون الدولي والمعترف به في الدستور المصري”.

أحزاب

رئيس حزب الدستور، علاء الخيام، أرسل خطابا إلى النائب العام طالبه خلاله بإخلاء سبيل المحبوسين احتياطيا.

وأعرب الخيام عن أمله في أن تلقى مطالبته استجابة النائب العام في ضوء بيان منظمة الصحة العالمية التي حذرت من مخاطر فيروس كورونا وضرورة التعامل معه كوباء عالمي.

وقال: “أتقدم إليكم برجاء إصدار قرار بإخلاء سبيل المحبوسين احتياطيا في قضايا الرأي مع تعهدهم بالمثول أمام جهات التحقيق فور طلبهم وبكل الضمانات القانونية الأخرى التي ترونها مع متهمين رهن التحقيق ولم تصدر ضدهم أحكام بالإدانة من جهات التقاضي، وذلك كخطوات لصالح الصحة العامة وسلامة السجناء”.

تكتل المعارضة

ودعا تكتل “25 -30” المعارض في البرلمان السلطات المصرية، إلى اتخاذ إجراءات لمواجهة انتشار فيروس كورونا.

وقال التكتل في بيان: “اتساقًا مع الإجراءات التي تتخذها الدولة التي ندعمها بكل قوة ونثني عليها لمواجهة هذا الوباء ومنع انتشاره، وعملًا على تخفيف الأعباء على السجون، وأسوة بالعديد من دول العالم التي أفرج بعضها عن أكثر من 80 ألف سجين دفعة واحدة، تقدم عدم مطالب”.

وتضمنت مطالب التكتل، إصدار النائب العام قرارًا بالإفراج الفوري عن كل محبوس احتياطيًا تجاوز 150 يوما دون حكم قضائي، واستبداله بالتدابير الاحترازية الأخرى المنصوص عليها في القانون، وإصدار قرار بالإفراج الفوري عن المحبوسين والمحتجزين على ذمة قضايا رأى، والسياسيين، وذلك لا يشمل بطبيعة الحال المتورطين في ارتكاب أعمال عنف، مع اتخاذ التدابير والضمانات القانونية اللازمة.

كما طالب التكتل، بإصدار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عفوًا عامًا عن الحالات الحرجة من المرضى والمسنين من غير المتورطين في ارتكاب أعمال إرهابية أو إجرامية خطرة، وتطبيق قواعد قانون العقوبات فيما يتعلق بالإفراج الشرطي، وكذا الإفراج الصحي وفقًا لقانون تنظيم السجون.

———————————–

الولايات المتحدة على حافة كارثة صحية والبيت الأبيض تجاهل تحذيرات بشأن جائحة كورونا/ رائد صالحة

نيويورك-“القدس العربي”: يشعر مسؤولو الصحة في الولايات المتحدة بقلق عميق من تفشّي فيروس كورونا في المدن الأمريكية الكبرى في جميع أنحاء البلاد في الأسابيع المقبلة، وقالوا إن انتشار الفيروس في مدينة نيويورك هو عبارة عن علامة مبكرة على موجات مرعبة من الهجمات المقبلة لجائحة كوفيد-19.

وكشفت الدكتورة آن شوشات، نائبة مدير مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، أن هناك علامات مبكرة على أن عدد الحالات في مدن أخرى قد بدأ بالفعل في الارتفاع، وفي حين أن مدينة نيويورك هي موطن لما يقارب من نصف الحالات في البلاد في الوقت الحالي، فإن مدنا أخرى تشهد ارتفاعا في عدد الحالات بمعدلات مقلقة.

واتضح من خلال بيانات متلازمة الإنفلونزا أن عدد حالات الأمراض التنفسية التي تظهر في أقسام الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، تتصاعد بشكل مقلق، وقد تم التركيز على نيويورك لأن الأرقام كانت كبيرة جدا، ولكن المدن الأخرى شهدت زيادات غير طبيعية. وأشار الخبراء إلى أن عدم انتشار الفيروس بكثافة في المدن الأخرى سيكون مفاجأة غير محتملة.

وقام مركز السيطرة على الأمراض بنشر حوالي 1500 من علماء الأوبئة والخبراء في النقاط الساخنة في أمريكا، بما في ذلك نيويورك وسياتل، حيث ظهرت أولى الحالات للفيروس التاجي في كانون الثاني/يناير وأوائل شباط/فبراير.

وامتنع علماء المركز عن تسمية المدن التي من المحتمل أن تصبح بؤرة جديدة لتفشّي الوباء، ولكن نيوأورليانز برزت في الأيام الأخيرة كمنطقة تنمو حالات الإصابة بها بشكل سريع، كما أبلغت ولاية لويزيانا عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا في 9 اذار/مارس، ووصل الرقم إلى 100 حالة بعد ذلك بأسبوع، وتضاعف عدد الحالات بعد ذلك.

وقال حاكم لويزيانا، جون بيل إدواردز، إن وتيرة النمو في عدد الحالات المؤكدة في الولاية كانت على قدم المساواة مع دول مثل إيطاليا وإسبانيا، وهما من أكثر الدول تضررا في أوروبا، حيث غرق النظام الصحي بالمصابين واضطر الأطباء إلى اتخاذ قرارات مؤلمة بشأن تقنين الرعاية.

وأبلغت ولاية كولورادو عن ما يقارب من ألف إصابة بالفيروس التاجي، الخميس الماضي، وهو ضعف العدد الذي أكدته يوم الأحد السابق، وارتفع عدد الحالات في ولاية ويسكونسون من 385 إلى 585 خلال يومين.

وجنباً إلى جنب مع نيويورك التي تضررت بشدة، مع حوالي 30 ألف حالة مؤكدة، ينتشر الوباء في ولاية نيوجرسي على نطاق واسع، حيث أبلغت الولاية عن أكثر من 4400 حالة إصابة، وأكدت كل من واشنطن وميشيغان وواشنطن أكثر من 2000 حالة، وسجلت فلوريدا وجورجيا وألينوي وماساتشوستس وبنسلفانيا جميعاً أكثر ألف حالة، وفقا لمختبرات الصحة الحكومية التي قام بتجميعها مشروع تتبع جائحة كوفيد-19.

وضغط نظام المراقبة في مراكز مكافحة الأمراض على زر الوميض الأحمر في العديد من الولايات، في علامة محتملة على أن مرضى الفيروس يزورون بالفعل المستشفيات، مع تحذير أن جميع البلاد تعيش في خطر كبير.

وأقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يريد إعادة فتح الاقتصاد الأمريكي والعودة إلى الحياة المعتادة خلال الأسابيع المقبلة، على النقيض من نصيحة الخبراء داخل وخارج إدارته. وقال الخبراء إن إنهاء سياسة الابتعاد الاجتماعي، ستكون لها عواقب مدمرة.

وأكد خبراء الصحة على ضرورة التعامل مع هذا الفيروس بكل جدية، والتأكد من أن نظام الرعاية الصحية في مناطق جغرافية متنوعة جاهز لزيادة العبء، وأشاروا إلى أن ما حدث في نيويورك هو تحذير حقيقي لمناطق أخرى.

وفي سياق متصل، أصدرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “تحذيرات سرية مشؤومة” في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير حول الخطر العالمي الذي يشكله فيروس كورونا، ولكن البيت الأبيض فشل في اتخاذ إجراءات في الوقت المناسب، وفقاً لتحقيق استقصائي نُشر في “واشنطن بوست”.

وكشف التحقيق أن تقارير مجتمع المخابرات قد حذرت، في مجملها، من “فيروس أظهر خصائص جائحة قد ينتشر على مستوى العالم، وأن ذلك يتطلب من حكومة الولايات المتحدة اتخاذ إجراء سريع لاحتوائه”.

وقال مسؤول أمريكي تمكن من الوصول إلى التقارير الاستخبارية عن الفيروس إن “النظام كان يومض باللون الأحمر” في كانون الثاني/يناير، وقد تم نشر التقارير المتشائمة على أعضاء الكونغرس وكبار المسؤولين في إدارة الرئيس دونالد ترامب.

وأكدت المصادر أن التقارير لم تحاول التكهن بموعد بدء انتشار الفيروس في الولايات المتحدة، أو ما هي إجراءات الصحة العامة التي يجب اتخاذها لمنع تفشيه، وقال المسؤول إن مثل هذه القرارات المتعلقة بالسياسة تكون عادة “خارج نطاق اختصاص وكالات الاستخبارات”.

وعلى الرغم من ذلك، كانت التحذيرات متكررة، وبدأت في الزيادة في الحجم بحلول الأسبوع الأخير من كانون الثاني/يناير، وقالت مصادر إنه في أوائل شباط/فبراير كانت غالبية تقارير المخابرات التي تم نشرها على البيت الأبيض تتعلق بجائحة كوفيد-19 وقد حذرت هذه التقارير ترامب من أن المسؤولين الصينيين يقللون عمدا من مدى وخطورة تفشي الفيروس التاجي.

واشتكى مسؤولون أمريكيون من أن مستشاري ترامب وجدوا صعوبة في لفت انتباهه إلى تقارير المخابرات حول جائحة كوفيد-19.

ولم يلتفت ترامب إلى هذه التقارير إلا في يوم 18 كانون الثاني/يناير، حيث تمكن وزير الصحة والخدمات الإنسانية أليكس عازار من تأمين الوصول إلى المكتب البيضاوي والتحدث مباشرة مع ترامب حول الفيروس، وبعد ذلك بفترة وجيزة، أطلع الدكتور روبرت كادليك، مساعد وزير الخارجية لشؤون الاستعداد والاستجابة، لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ في اجتماع سري على هذه التقارير.

وأفادت “واشنطن بوست” أن الدكتور كادليك قدم عرضه المشترك مع أعضاء وكالة المخابرات، ونوقشت الآثار الصحية العالمية للجائحة، وتم التحذير من أنه تهديد خطير يتطلب من الأمريكيين اتخاذ إجراءات من شأنها تعطيل حياتهم اليومية.

وقال المسؤولون إن ترامب كان رافضاً لهذه الفكرة، كما رفض الاعتقاد بأن الفيروس قد يشكل تهديداً كبيراً للبلاد، وعندما نشر مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها تقريراً يفيد أن هناك 53 حالة مؤكدة من الفيروس في الولايات المتحدة، غرد ترامب أن الفيروس تحت السيطرة.

واتفق المحللون أن البيت الأبيض قد فشل في اتخاذ إجراءات ربما أدت إلى تباطؤ انتشار الفيروس، ويوجد حاليا ما لا يقل عن 200 ألف إصابة بالوباء، وهو رقم يبدو أنه يتضاعف كل 48 ساعة.

———————————-

إنَّها كورونا… فاتحد أيُّها العالم/ نادية هناوي

كورونا هبة الخوف التي تجتاح عالمنا ترويعاً، وكانون الفزع الذي يقلقنا وينذرنا واضعاً كل انجازاتنا على المحك، مزعزعاً قلوب ملايين البشر مقلقاً حياتهم مقيداً دينامية حاضرهم، زارعاً الذعر أمام القادم من أيامهم، قاضاً عليهم مضاجعهم، غير رحيم بهم وهو يرهب عقولهم ومخيلاتهم بكل ما هو وخيم ومريب ومزعج وجسيم.

ولا ريب أنّ الكوارث الطبيعية كثيرة والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية متنوعة وهي تعصف بعالمنا المعاصر، لكن أمر السيطرة عليها أو مواجهة ضررها لا يعدو أن يكون محصوراً في نطاق البقعة التي ظهر فيها ذلك الخطر أو مخصوصاً بتكتل دولي أو تشكيل رسمي معنيٌّ به لوحده أكثر من غيره.

وكل يوم والعالم يشهد حرائق تلتهم قارات وهزات وزلازل وفيضانات وأعاصير تعم أقاليم ومقاطعات إلى جانب مظاهر رهيبة لضروب من الاستغلال والفحش والفقر والهجرة وانتهاك حقوق الإنسان والحيوان بالإبادة أو بالمتاجرة أو بالإرهاب والعنصرية، ناهيك عن حروب ونزاعات تتلبس بشتى اللبوس وتثير الرعب بين البشر، ومعها مخاطر البيئة والاقتصاد التي تحيق بنا بدءا من الثقب الأسود والاحتباس الحراري إلى ارتفاع أسعار النفط أو هبوطها وغزو الروبوتات والسبرانيات حتى صرنا نفكر في نهايات شتى لعالمنا الذي سندمره بأيدينا.

وعلى الرغم من كل هذه المخاطر وحيثياتها الرهيبة؛ فإنّ الغالب على تلك الكوارث والأزمات أنها ليست طارئة بلا مقدمات، ومن ثم لا يكون ضررها عمومياً بلا استثناءات. بمعنى أنّ أية كارثة طبيعية أو أزمة حياتية إنما يدق ناقوس خطرها مسبقا قبل وقوعها إما بحواسيب معدة لهذا الغرض أو بدراسات تحلل المسببات وتحدد النتائج، متنبئة بكيفيات التعامل معها، مقدرة درجة خطورتها، واضعة مخرجات وإجراءات معينة في حال ظهورها، ليصبح أمر السيطرة عليها أو الحد من كارثيتها ممكناً ومتوقعاً بقدر ما.

وما يهدد البشرية كثير الحيثيات ومتنوع المديات؛ بيد أن ظهور فيروس بمواصفات خارقة عابرة للمسافات لا تفرق بين عرق ولون ولا طبقة ولا دين، سريع الانتشار فتاك الأثر هو ما لم تعهده البشرية لا من قبل ثورتها العلمية والتكنولوجية ولا من بعدها، مما يجعل عالمنا الراهن أمام معضلة أخلاقية غير متكافئة مع تقدم علمي يتباهى ربع العالم المتفوق والمهيمن على ثلاثة أرباعه المتخلف والمتأخر والتابع.

لتغدو شعوب الأرض قاطبة أمام عدو واحد هو عبارة عن كائن فيروسي لا سبيل للتوقي من مخاطره المفاجئة والطارئة إلا باتحاد العالم كله اتحادا عاجلا لا حاجة فيه إلى مقدمات فلسفية أو طروحات نظرية كما لا وقت فيه لرسم استراتيجيات دولية وتقدير مصالح ذاتية، لأن الخطر المحدق بنا لا يعطينا وقتا للتأني واستدراك الفائت والبناء عليه.

وهو ما ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد كي لا نكون مجددا مذهولين ونحن نرى محصلات ما أنتجه العلم البشري على مدى عصور ودهور تقف عاجزة أمام خطر الكائن الفيروسي.

ولقد وصل الفكر الإنساني اليوم إلى مرحلة لم يعد فيها تطوره التكنولوجي وغزوه السبراني للفضاء وكشفه لأسرار الأرض وأعماق البحار كافياً لخلق حالة الاطمئنان في العيش البشري. وها هو يقف اليوم مكتوف الأيدي مذهول البال معقود العقل لا يستطيع مع فيروس كورونا هشا ولا نشا، ولا قادرا على فعل إجرائي مضاد سوى الاحتراز والتوقي بينما الفيروس يجتاح الدول المتقدمة قبل غيرها ناصباً خيامه في عقر دارها.

والأغرب مما تقدم هو احتمال أن يكون مثل هذا النوع من الكائنات ما بعد المجهرية متوفرا وحاضرا لغزو العالم في أي لحظة من دون سابق إنذار، فما عسانا سنفعل؟ هل يكفي أن نتوقى منه بإيقاف الأعمال والمصالح وسد المنافذ والممرات؟ وما بالنا لو أن الفيروس نفسه طور نفسه وعاد لنا مجدداً أو أتى بآخر معه مشطورا عنه أو جديدا لا يشابهه ليماهيه في خطورته غازيا العالم مثله وأشد؟ فهل نعيد الكرة بالاحتراز والوقاية؟ وما الضامن حين نقضي عليه أنه لن يعيد الكرة في العام نفسه أو في غيره قريبا أو بعيدا صيفا أو شتاء؟

ولو أننا قلَّبنا مسألة اجتياح فيروس كورونا لحياتنا على الأوجه كافة وقدّرنا احتمالات تهديده مصالح شعوب الأرض، لوجدنا أنّ هناك وجهاً آخر ينبغي أن نقف عنده ملياً لنتأمله متدبرين أمره على روية لكي نأخذ منه العظة، وهو أنّ معركة العالم مع الفيروس لن تكون لصالحنا ما لم يتحد العالم إزاء هذه المعضلة الصحية الخطيرة والبيولوجية الرهيبة.

والمعني باتحاد العالم دوله الكبرى التي ينبغي أن تتكاتف مع دوله الصغرى والضعيفة بوصف الاتحاد محتما أخلاقيا قبل أن يكون معيشيا وحياتيا، وما كان للفيروس أن يتأتى من دول نامية وفقيرة لولا أن دولا كبرى هيمنت عليها فتركتها نهبا للأمراض والأوبئة.

والعالم الذي انقسم على نفسه بين دول متقدمة بقوى مادية مذهلة ودول ضعيفة الإمكانيات منتهكة ومغلوبة ومعدومة القدرات، على هذا العالم أن يعلم أن مصير البشرية واحد، وأن الخطر الذي يهددها لا يفرق بين غني وفقير وقوي ومتفوق وبليد وضعيف ومتقدم ومتخلف وصناعي وزراعي وبحري وغير بحري ومؤمن وغير مؤمن وأسود وأبيض وشمالي وجنوبي واستعماري وتحرري.

وما عاد أمام هذا العالم بمجموعه إلا أن يوحد جهوده ويسخِّر إمكانياته في سبيل درء أخطار كونية محتملة، فيها مصالح الدول الكبرى مرهونة بخسائر دول صغرى.

وها هي الدول الكبرى تقف مستسلمة أمام كورونا معيدة النظر في هيمنتها على العالم وقد أدركت حقيقة أنّ الكون الذي نعيشه من الصغر ما يجعل مصير الفرد الذي يعيش في أقصى الصحراء مؤثراً في مصير فرد ساكن في أبهى المنتجعات. وأنّ الشعوب الفقيرة التي يستحيل عليها أن تنافس غيرها في سباق التسلح العسكري أو الابتكار الصناعي أو التحدي الفضائي لها أن تكون خطيرة من جانب آخر لم تحسب له الدول الكبرى حساباً وهو أن تكون بؤرة رهيبة تُصدر إليها كل ما هو مقلق وغير آمن.

ولقد كانت الثورة الرقمية خير دليل وأكبر تعبير فيه اكتشف العالم المتقدم أن لا حدود يمكنها أن تمنع وصولها إلى العالم غير المتقدم كما أن لا حواجز أو معابر يمكن أن تسيطر عليها. وهكذا انتهت المرحلة الاستعمارية التي كانت فيها الهيمنة عسكرية واستيطانية وجاءت مرحلة ما بعد استعمارية اجتاحت التكنولوجيا الرقمية فيها كل مكان. وهو ما استدعى من الدول المصدرة للتكنولوجيا الرقمية أن تقر بالاندماج والتعايش وتعترف بضرورة الانفتاح والتعدد آخذة بمتطلبات ما بعد العولمة.

ومع ظهور فيروس كورونا اليوم أصبحت المرحلة ما بعد العولمية أمام تحدٍ أكبر فيه صار العالم أصغر وهو يواجه الخطر نفسه. وكأن ما حذر منه فوكوياما عن نهاية العالم لم يكن كما توقع، لأن النهاية لن تكون بوجود تاريخ أخير ولا إنسان أخير وإنما بوجود جزيء بيولوجي يتحدى أضخم المجاهر وأعقدها، ومن ثم كان حريا به أن يفكر ببداية تاريخ جديد وعالم جديد وإنسان جديد لا أن يحتسي واهما نخب انتصار وهمي.

والواجب على قادة العالم ومفكريه وفلاسفته هو أن يتكاتفوا نازعين عنهم أقنعة التفوق والتكبر، ناظرين إلى الحياة البشرية بعقلانية وهم يواجهون معضلات كونية لا سبيل لدرئها إلا باتحاد العالم في مرحلته الاجتماعية ـ التاريخية الجديدة.

فمآسي البشرية لم تعد إبادات وحروب يسببها الاستبداد العالمي؛ بل هو العقل البشري نفسه الذي تجرد من عقلانيته متجهاً بنفسه صوب كارثيته. وإذا كانت مقولة (أنا أفكر) لديكارت ومقولة (الله أي الطبيعة) لسبينوزا جوابين على أسئلة راهنة في زمانهما، فإنهما اليوم جوابان أيضا على عالم سيدمر نفسه بعسف عبقريته ولا عقلانية واقعيته في فهم مرحلته التاريخية التي فيها البشرية مقبلة على عهد جديد يتجاوز ما بعد العولمة وما بعد السبرانية ليدخل إلى مرحلة ميتافيزيائية كوسمولوجية ما بعد كورونية كتحد أخلاقي نرى فيها لا مبالاتنا بحتمية لا عقلانية فيها الطبيعة تتطور تطوراً حدسياً ما فوق عقلي.

إن عجز العلم اليوم أمام كورونا هو مناهضة للعلمي والعقلي، به تتقهقر القوة والهيمنة وتأفل قوى الإنتاج المتطورة والرهيبة، راكعة بشكل رجعي وقسري، معرية الحقيقة الموجعة وهي أنّ ما بُذل من أجل دمار الإنسان أكثر مما بذل من أجل الحفاظ عليه، وأنّ التسابق على التسلح كان أكثر من التسابق على رفاهية البشر، وها هي كورونا تضع البشرية اليوم أمام مفترق طريق أخلاقي ــ علمي جديد فيه الأخلاق هي نتاج العلم ونتيجته معاً. وأنّ التعايش بينهما ينبغي أن يكون حتمياً لتكون الأخلاق هي المحرك الجديد للعالم، وليس الهيمنة على التاريخ.

*كاتبة عراقية

——————————————–

التريليونات لمن ومن أين تأتي ومن يدفع الثمن؟/ إبراهيم نوار

وانهمرت النقود بالتريليونات، وكأن السماء قد انشقت فجأة، وسقطت منها مئات المليارات كالسيل، تحت غطاء حزم مالية طارئة لمواجهة التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا. الحكومات التي كانت تصرخ بالأمس: أنا فقيرة، في وجه من يطالبون بتحسين ظروف العمل والحياة، فجأة وجدت مئات المليارات لتنفقها ذات اليمين وذات الشمال. وصناع السياسات الاقتصادية، الذين كانوا يرون الفضيلة في التقشف ولا شيء غير التقشف وتقليل الإنفاق، انتقلوا فجأة إلى مدرسة: انفق.. انفق.. انفق، وكأن نهاية العالم قد اقتربت وفرضت عليهم أن يخرجوا ما كانوا يخزنون. وهكذا أصبحت الفضيلة هي الإنفاق، وليس التقشف.

ولأن ذلك قد حدث فجأة، وفي غضون أسابيع قليلة في اذار/مارس الحالي، فإن المواطن الرشيد راح يتلفت حوله، حائرا، ضاربا كفا بكف، يبحث عن نفسه لإجابة قد تقنعه. وقد وصلت الأوهام ببعض من قدموا إجابات، إلى الاعتقاد بأن صناع السياسة الاقتصادية لحكومات الدول الرأسمالية قد استيقظوا وأدركوا فجأة محاسن سياسات الإنفاق ذات الطابع الاجتماعي، وهو التفسير الذي قدمه بعض قيادات حزب العمال البريطاني على لسان وزير الخزانة في حكومة الظل جون ماكدونال.

وقد خشي صناع السياسة الاقتصادية الجديدة، الذين رحلوا عن قافلة التقشف، وركبوا قافلة زيادة الإنفاق، أن يقع الناخبون في هذا الوهم، فأصدروا بيانا مغلفا يؤكد أن سياسات الإنفاق الجديدة “مشروطة، ومؤقتة، ومتزامنة” مع الخروج من احتمال وقوع الاقتصاد العالمي في هاوية الكساد العميق.

سياسة مشروطة ومؤقتة

هذه الرسالة صدرت أول ما صدرت في لندن على لسان محافظ بنك إنكلترا الجديد أندرو بايلي، ثم على لسان وزير الخزانة الجديد ريشي سوناك، ثم تأكدت عالميا على لسان رئيس الوزراء بوريس جونسون، في قمة الفيديو كونفرنس لمجموعة الدول العشرين الأكثر ثراء في العالم، وتردد صداها حروفا وكلمات في البيان الصادر عن القمة، الذي أكد أن سياسات الإنفاق التي اعتمدتها دول العالم بقيادة الولايات المتحدة (وأن كانت بريطانيا هي التي قدمت النموذج أولا) هي إجراءات “مؤقتة، ومشروطة، ومتناسبة” وأضافوا “وشفافة” حتى تكتسي ملامح أخلاقية وقيمية. إن الرسالة تريد إزالة أي وهم أو لبس يؤدي إلى خلط سياسة الإنفاق الجديدة، بفلسفة عالم الاقتصاد البريطاني جون ماينارد كينز، الذي وضع أسس النظام الاقتصادي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، مستفيدا من دروس حروب الحماية التجارية والسياسات الرديئة التي سادت في العالم خلال فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.

لدينا إذن سياسة اقتصادية جديدة، يتم تقديمها بذريعة الحرب على فيروس كورونا، الذي يفتك بالناس بآلاف كل يوم منذ أوائل العام الحالي، وهو ما ترك أثره على قوة العمل، ومن ثم على الإنتاج. وقد أدت إجراءات مكافحة الوباء في الصين إلى تداعيات اقتصادية، تجاوزت حدودها إلى العالم أجمع؛ فهبطت التجارة الدولية، وانخفض الإنتاج، وهوت أسهم الشركات في أسواق المال العالمية، بدون وجود حاجز واحد يقف حائلا يحد من هبوط أسعار الأوراق المالية.

خطورة هذه التداعيات على الشركات هي أنها تؤثر سلبا على تصنيفها الائتماني، فتخلق أمامها صعوبات في التمويل، خصوصا إذا عجزت عن سداد أقساط الديون المستحقة عليها للبنوك. وهي إذا عجزت فإن البنوك نفسها ستقع في ورطة، لانخفاض إيراداتها، وهو ما يعني انخفاض أرباحها. ونظرا لأن الأرباح هي محرك أسعار الأسهم والسندات، فإن هبوط أرباح الشركات والبنوك يؤدي إلى هبوط أسواق المال. ونظرا لأن أسواق المال تلعب دورا محوريا في الاقتصاد العالمي الحالي، الذي تتركز فيه الثروة بين أيدي عدة مئات من أصحاب المليارات في أسواق المال وغيرها من الأسواق، فإن هؤلاء تصبح ثرواتهم في خطر، خصوصا وأن تقييمها في أسواق المال يفوق كثيرا قيمتها العيني؛ فكان لابد من تحرك الحكومات لإنقاذ ثروات هؤلاء من الضياع. هؤلاء هم أصحاب الثروة والسلطة؛ فهم الذين يسيطرون على الأحزاب السياسية فيما يعرف بـ “الديمقراطيات الليبرالية” وهم الذين يسيطرون على الإعلام، وعلى شرايين الحياة الرئيسية تحت غطاء “منظومة القيم الغربية”.

ونظرا لأن صناع السياسة الاقتصادية يسيرون على نهج “من فات قديمه تاه” فإنهم عادوا إلى كتاب الوصفات الاقتصادية والمالية لمواجهة الأزمات، فوقعت أيديهم أول ما وقعت على صفحة الأزمة المالية العالمية الأخيرة. ووجدوا فيها الحل: توفير السيولة المالية. لكن السيولة المالية هذه المرة، بعد نحو 12 عاما من الأزمة الأخيرة، من الضروري أن تكون أضخم كثيرا من حيث الحجم، لتساعد على إخراج الاقتصاد من حال الركود وتباطؤ النمو، ولمواجهة تداعيات الحرب على فيروس كورونا.

ومن اللافت للنظر، بعيدا عن النموذج البريطاني الذي يستند إلى ذرائع وحيثيات أخرى، أن صناع السياسة الاقتصادية وجدوا ان توفير السيولة هو مسؤولية البنوك المركزية من الولايات المتحدة إلى اليابان، وأنه ما على الحكومات إلا أن توجه البنوك المركزية إلى توفير السيولة بكميات ضخمة من خلال أدوات السياسة النقدية؛ فذلك كفيل بردع تيار هبوط أسواق المال العالمية، ومن ثم إنعاش الاقتصاد.

فشل السياسة النقدية

لكن الموجة الأولى من السياسة النقدية التي اعتمدت على سلاح تخفيض أسعار الفائدة والتي بدأت في 3 اذار/مارس الحالي، بقرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تخفيض أسعار الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية، لم تؤت النتائج المرجوة، بل أن حالة الهلع في الأسواق زادت عما كانت عليه قبل القرار. بعدها لجأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى أدوات تكميلية لقرار تخفيض أسعار الفائدة، وذلك بإتاحة المزيد من السيولة عن طريق شراء سندات الشركات، وهو ما يمنحها سيولة إضافية بأسعار فائدة رخيصة، بدون الحاجة للاقتراض من البنوك. وبلغت قيمة العرض الذي قدمه المجلس أكثر من 700 مليار دولار. لكن ذلك أيضا لم يؤد الغرض، واستمرت أسواق المال في الهبوط. عندها اتضح لمجلس الاحتياطي الفيدرالي أن السوق في حاجة إلى ضخ سيولة بحجم غير اعتيادي، فقرر في 15 اذار/مارس تخفيض أسعار الفائدة بنقطة مئوية كاملة، وأطلق حدود برنامج شراء السندات، وإعادة الشراء طالما اقتضت الضرورة. البنوك المركزية في الدول الصناعية الغربية جميعا اتبعت النهج نفسه، وكذلك فعلت الدول التي تربط قيمة عملتها بالدولار مثل دول الخليج العربية المصدرة للنفط، والدول التابعة لها التي تعيش على فتات التحويلات النفطية.

المنفعة لحملة الأسهم

ومع ذلك فإن نزيف الاقتصاد العالمي ظل مستمرا، وزاد من خطورة الموقف، أن مؤسسات التمويل والاستثمار العالمية راحت تحذر من وقوع كساد شديد الوطأة هذا العام، ربما يمتد إلى العام التالي، أو يزيد. هذه التوقعات لقيت مادة قوية تغذيها عندما راج الحديث في بلدان مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا عن حدوث انكماش اقتصادي خلال الربع الأول من العام، سيستمر على الأرجح حتى منتصف العام. كذلك زاد من قوة هذه التوقعات أن شركات ضخمة مثل شركات الصناعات الجوية، والنفط، والسيارات أعلنت تخفيض إنتاجها، وإغلاق بعض عملياتها، وإعادة النظر في استثماراتها الجديدة.

وعندما خسرت أسواق المال الأمريكية 11 في المئة من قيمة الأصول المتداولة في يوم واحد، أدرك حاكم البيت الأبيض أن المسألة ليست مزحة، وأن المسؤولية يجب أن تسند إلى وزير الخزانة أيضا، وليس إلى رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي فقط. ذلك يعني أن السياسة النقدية ليست كافية، وأن الحكومة، من خلال وزارة الخزانة، يجب أن تتدخل، وهو ما يتعارض مع الفلسفة الاقتصادية الليبرالية التي لا تتفق مع تدخل الدولة في الاقتصاد. وهكذا جاءت فكرة خطة الإنقاذ المالي بقيمة تريليونين من الدولارات، من خلال تمويل العجز بواسطة وزارة الخزانة الأمريكية. وكما وجدت سياسات إتاحة السيولة النقدية صداها في العالم، فكذلك كان الحال مع خطة الإنقاذ المالي التريليونية الأمريكية. ويجب أن نذكر أن عجز الميزانية الأمريكية لا تتحمله الحكومة هناك، وإنما يدفع ثمنه حائزو الدولارات من حكومات وشركات وأفراد في كل أنحاء العالم.

في قمة الفيديو كونفرنس لقيادات مجموعة الدول العشرين جرى التأكيد على سياسات التحفيز المالي، كوسيلة رئيسية لتجنب الكساد. ورغم أن الحديث عن مكافحة وباء كورونا كان طنانا، فإن ذلك كان طنين الدبابير وليس طنين نحل العسل. سياسات التحفيز المالي غايتها إنقاذ مصالح أصحاب الثروة والنفوذ وليس ضحايا فيروس كورونا.

على سبيل المثال فإن حزمة التحفيز المالي الأمريكية التي تبلغ قيمتها تريليونين من الدولارات، لا تتضمن تمويلا كافيا لتطوير نظام الرعاية الصحية، وتأهيله لعلاج ضحايا كورونا. الحزمة الأمريكية خصصت للمستشفيات ولقطاع الرعاية الصحية في الولايات المتحدة 100 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 5 في المئة من حزمة الإنفاق كاملة. في الوقت نفسه فإن قطاع الصناعات الدفاعية الأمريكية حصل على أضعاف هذا المبلغ؛ فشركة بوينغ وحدها ستحصل على 58 مليار دولار من حزمة الإنفاق الحكومي المباشر، أي ما يقرب من 60 في المئة ما حصل عليه قطاع المستشفيات والرعاية الطبية بأكمله، وهو القطاع الذي يقف على خط النار الأول في الحرب مع وباء كورونا.

الحزمة التريليونية الأمريكية تعلي شأن مصالح حملة الأسهم في شركات مثل بوينغ ولوكهيد مارتن وماكدونال دوغلاس، على أرواح الأطباء والممرضين الذين يقاتلون في حرب غير متكافئة مع فيروس شرس، وهم يعانون من عجز في احتياجات الحماية الشخصية الضرورية من المطهرات إلى الملابس الواقية، كما يعانون من نقص في المعدات اللازمة للحرب ضد الوباء.

التريليونات ليست للحرب على كورونا، وإنما هي لإنقاذ مصالح الشركات والمساهمين. والذين يدفعون الثمن مضاعفا هم ضحايا كورونا، من المرضى والأطباء والممرضين ومن يقف معهم في خط المواجهة. في الولايات المتحدة كما في فرنسا وإسبانيا يزيد كل يوم عدد المصابين بالفيروس بين أطقم الرعاية الصحية. هذا ليس مصدر قلق على الإطلاق لصناع حزم الإنقاذ المالي التريليونية والمليارية. ولماذا القلق، طالما انه يمكن طبخ الأرقام؟ لماذا القلق طالما أن آخرين سيدفعون غدا ثمن مكافحة العجز المالي بالتقشف؟ باختصار، إن حزمة التحفيز المالي الأمريكية وغيرها، تقدم الأرباح على الأرواح، وتقدم الأرواح قربا الأرباح ولحملة الأسهم في أسواق المال العالمية.

——————————————-

دراسة تكشف العلاقة بين مدى انتشار فيروس كورونا ودرجة الحرارة

لندن-“القدس العربي”: كشفت دراسة علمية وجود علاقة بين الظروف البيئية والمناخية ومدى تفشي وباء كورونا، إذ ظهر أنها تلعب دوراً في الحد من تفشيه مع أخذ الإجراءات الصارمة للسيطرة على انتشاره بالاعتبار.

ونشرت صحيفة “نيويورك تايمز” دراسة تحليلية لفريق من العلماء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا مفادها أن للمجتمعات التي تعيش في أماكن أكثر دفئا قدرة أعلى نسبياً في إبطاء انتقال الوباء، مقارنة بالبيئات الأقل حرارة. وأظهرت الدراسة أن معظم حالات انتقال كوفيد-19 حصلت في مناطق ذات درجات حرارة منخفضة تتراوح بين 3 و17 مئوية.

وعلى الرغم من وصول الفيروس إلى المناطق ذات المناخات الاستوائية وتلك التي تقع في نصف الكرة الجنوبي، التي تتمتع بأجواء صيفية حالياً، إلا أن تلك المناطق ذات درجات الحرارة المتوسطة، أي فوق 18 درجة مئوية، سجلت حتى الآن إصابات أقل بنحو 6 في المئة من الحالات في شتى دول العالم.

وقال أحد أعضاء فريق الدراسة، الدكتور قاسم بخاري: “عندما تكون درجات الحرارة منخفضة، فإن عدد الحالات يتزايد، وهذا ما تشهده الدول في أوروبا، على الرغم من أن الرعاية الصحية هناك تعد من بين الأفضل في العالم”. واعتبر مدى انتشار الإصابات داخل الولايات المتحدة دليلا على أن عامل الحرارة يلعب دوراً كبيراً في الحد من انتشار الوباء، إذ شهدت الولايات الجنوبية، مثل أريزونا وفلوريدا وتكساس، تزايداً بطيئاً في تفشي الوباء مقارنةً بولايات أخرى مثل واشنطن ونيويورك وكولورادو.

وحسب علماء الأوبئة فإن سلوك فيروس كورونا يشبه السلوك النمطي للفيروسات الأخرى.

وأكدت الدكتورة ديبورا بيركس، عضو فريق العمل للحد من انتشار فيروس كورونا في الإدارة الأمريكية، خلال مؤتمر صحافي على أن “انتشار الإنفلونزا في نصف الشمالي للأرض، يتبع بشكل عام نمط الانتشار خلال شهري تشرين الثاني/نوفمبر وحتى نيسان/أبريل” ما يعني أن الأنواع الأربعة لفيروس كورونا التي تسبب نزلات البرد تتلاشى في الطقس الدافئ.

وأشارت إلى أن نمط الانتشار يشبه نمط وباء سارس في عام 2003 إلا أنها شددت على أن من الصعب تحديد ما إذا كان الفيروس التاجي الجديد سيتخذ المسار والسلوك نفسه في الانتشار، نظرا لأن تفشي الفيروس في الصين وكوريا الجنوبية بدأ في وقت لاحق.

إلى ذلك، خلصت دراستان إلى النتائج ذاتها فيما يتعلق بنمط انتشار فيروس كورونا، إذ كشفت إحدى الدراسات التحليلية التي أجراها باحثون في إسبانيا وفنلندا أن البيئة الأمثل لانتشار الفيروس هي الجافة التي تبلغ درجات الحرارة فيها ما بين 2 تحت الصفر و10 درجات مئوية. كما أظهرت دراسة أخرى أن معدل انتشار الفيروس في المدن الصينية ذات الحرارة المرتفعة والبيئات الأكثر رطوبة كان أبطأ مقارنة بالمناطق الأخرى ذات الطبيعة الجافة والباردة وذلك قبل فرض الحكومة الصينية إجراءات صارمة للحد من انتشار الوباء.

وأكد الدكتور بخاري أن الإجراءات الوقائية مثل وضع قيود السفر، والتباعد الاجتماعي، والفروق في التدابير الحكومية مثل إجراء الفحوصات مبكرا والطاقة الاستيعابية للمستشفيات ربما كان لها الأثر الكبير في التباين في عدد الإصابات في دول العالم. وأفادت الدراسة أنه يجب أن لا تتم المبالغة بالدور الذي يلعبه المناخ. وقال بخاري: “ما زلنا في حاجة إلى اتخاذ احتياطات قوية، فرغم أن درجات الحرارة العالية قد تؤدي إلى جعل هذا الفيروس أقل فعالية، ولكن بطء انتشاره لا يعني عدم تفشيه”.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة قد يجعل من الصعب على فيروس كورونا البقاء في الهواء أو على الأسطح لفترات طويلة من الزمن، ولكن يمكن أن تبقى تلك الأسطح بيئة معدية لساعات أو حتى لأيام، فحتى الفيروسات الموسمية مثل الأنفلونزا العادية والفيروسات التي تسبب نزلات البرد لا تختفي تماما خلال فصل الصيف، فهي تبقى موجودة لكن بمستويات منخفضة في جسم الإنسان وفي بيئات أخرى في مناطق الكرة الأرضية، إلى أن تحين الظروف المواتية لانتشارها مرة أخرى.

كما أكد مساعد مدير منظمة الصحة للدول الأمريكية التابع لمنظمة الصحة العالمية، إن الأمر سيستغرق أربعة إلى ستة أسابيع أخرى قبل أن يكون لدى مسؤولي الصحة صورة أوضح لمعرفة كيفية تأثير الظروف البيئية على سلوك فيروس كورونا.

———————————-

كورونا أميركا:واشنطن تتبنى نظرية المؤامرة..الصينية الروسية!

نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين بالمخابرات الأميركية ودبلوماسيين أن الصين وروسيا تحاولان استغلال تفشي فيروس كورونا المستجد لتقويض دور الولايات المتحدة في العالم من خلال شن هجمات تشكك في كيفية تعمل الإدارة الأميركية مع الأزمة، لصرف الانتباه عن معاناتهما من الوباء.

وقال المسؤولون إن المواقع الإلكترونية الموالية لروسيا والموجهة إلى الجماهير الغربية تحاول نشر الخوف في أوروبا والانقسام السياسي في الولايات المتحدة. فيما كانت الصين أكثر عدوانية بشكل علني، وقد استخدمت شبكة من حسابات وسائل التواصل الاجتماعي المرتبطة بالحكومة لنشر نظريات مغلوطة، وأحيانًا متناقضة حول الفيروس، للهجوم على واشنطن.

وأشاروا إلى أن حملات الدعاية أظهرت كيف تحولت الصين وروسيا إلى نظامين استبداديين نموذجيين، يعملان على نشر الدعايات الكاذبة لتقويض خصمها المشترك، وهو الولايات المتحدة، بدلاً من معالجة المشاكل الداخلية.

ورجح المسؤولون أن تتراجع الصين عن نشر المعلومات المغلوطة عن تعامل أميركا مع أزمة الفيروس ومقارنته بتعامل الصين، من خلال وزارة الخارجية وشبكة السفارات التابعة لها، وأن تتبنى النهج الروسي، بالاعتماد على أجهزة المخابرات لنشر هذه المعلومات الخاطئة.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين آخرين أن واشنطن وبكين توصلتا إلى هدنة مؤقتة، وتتلخص هذه الهدنة بما يشبه دعوة لوقف الهجمات والاتهامات المتبادلة بشأن الفيروس، لكن المسؤولين يشككون في احتمالية أن تستمر الهدنة.

وقال مسؤول أميركي إن الصين أكدت للولايات المتحدة بأنها ستقلل حملتها بعد أن تعرضت لانتقادات من الدول الأوروبية ووزارة الخارجية الأميركية، وقال مسؤولون آخرون إن الصين كانت تقوم فقط بتغيير طريقتها بعد أن وجدت أن حملتها المضللة كانت أقل فعالية مما كانت تأمل.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ اتفاقا في مكالمة هاتفية مساء الخميس على العمل معاً للقضاء وباء كورونا. وقال ترامب في وقت سابق إنه سيتوقف عن مناداة فيروس كورونا ب”الفيروس الصيني”.

من جانبها، قالت المسؤولة بوزارة الخارجية الأميركية ليا غابرييل  إن “روسيا والصين وكذلك إيران زادت بشكل كبير من نشرها معلومات مضللة عن الفيروس التاجي منذ كانون الثاني/يناير الماضي، كما إنهما كررتا وضخمتا أكاذيب مناهضة للولايات المتحدة”.

وأضافت أن “أزمة كورونا أتاحت حقاً فرصة للجهات الخبيثة لاستغلال مساحة المعلومات لأغراض ضارة”، وأشارت إلى أن الفرق في الإدارة الأميركية تعمل على التصدي لهذه الدعاية الكاذبة.

وفيما لا يزال عداد وفيات وإصابات فيروس كورونا يرتفع في إيران، تحولت الولايات المتحدة إلى البؤرة الأولى للفيروس في العالم بعدما تخطت الصين وإيطاليا. وتوضح آخر الإحصائيات الصادرة السبت أن عدد الإصابات المؤكدة بالفيروس في مختلف الولايات الأميركية بلغ 119,748، فيما بلغ في إيران 32,332 إصابة.

وقالت صحيفة “ذي ويك” الأميركية إن الانتشار المتسارع لفيروس كورونا في الولايات المتحدة ينبىء بأن تفشي الوباء في أميركا سيكون أسوأ بكثير مما حدث في إيران رغم العقوبات الأميركية المفروضة عليها. وأشارت إلى أن وتيرة انتشار الفيروس بالولايات المتحدة أسرع منها في أي بلد آخر.

وانتقدت الصحيفة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران، وقالت إن الطريقة التي تعاملت بها واشنطن مع طهران على مدى السنوات الثلاث الماضية تعد جريمة حرب بغيضة. وأضافت أن العقوبات الاقتصادية المدمرة التي أعادت الإدارة الأميركية فرضها على إيران، أعاقت قدرة الإيرانيين على مواجهة الوباء.

ووصفت الصحيفة رفض إدارة ترامب الاستجابة للمناشدات اليائسة من قبل الحكومة الإيرانية تخفيف العقوبات التي تمنعها من الحصول على الإمدادات الطبية الحيوية، بالوحشية وبأنها ضرب من الإبادة الجماعية.

——————————-

هل يمكن اكتشاف كورونا عبر الهواتف الخلوية؟

طور العلماء جهاز إختبار ذكياً جديداً لفحص كورونا المستجد، من خلال دمج الذكاء الإصطناعي ومعالجة الصور وعلم الفيروسات الجزيئية والخبرة الواسعة في التقنيات التطبيقية.

ويتيح الجهاز المطوّر من قبل باحثين في جامعة برونيل لندن وجامعة لانكستر وجامعة ساري، إكتشاف “كوفيد 19” في 30 دقيقة من خلال إستخدام تطبيق ذكي على الهواتف الخلوية.

وتم إختبار الجهاز في الفيليبين على الدجاج لكشف نقله للعدوى الفيروسية. وقام الفريق بتكييفه لإكتشاف  الفيروس لدى البشر، وهذا النظام قادر على إجراء التشخيص في أي مكان بأقل قدر ممكن من التدريب.

 يعتقد الباحثون أن الجهاز سيتم تشغيله من قبل المتخصصين والممرضات، وعلماء الطب الحيوي. كما أنه سيسمح للأشخاص في العزل الذاتي بإختبار أنفسهم، كما يقوم العاملون في مجال الرعاية الصحية بإختبار المرضى للمساعدة في إبطاء إنتشار الوباء وتخفيف العبء على النظام الصحي.

وقالت الأستاذة في جامعة برونيل لندن البروفيسور واما ديفا: “لدينا الآن إمكانية الوصول إلى جينومات (خرائط الانسان الجينية) متعددة للفيروس ويمكننا تطوير فحص جزيئي موثوق به في غضون أسبوع وتشغيله على الجهاز في غضون ثلاثة أو أربعة أسابيع”. وأضافت “نحن واثقون من أنها ستستجيب بشكل جيد، ونحتاج بسرعة إلى شركاء صناعيين للإنضمام، وسيكون لها تأثير كبير على السكان بشكل عام”.

بدوره قال عالم الفيروسات الجزيئية في جامعة لانكاستر الدكتور محمد منير، إن الفريق الطبي يعتقد بقوة أنه من خلال خبرتنا المشتركة، سنكون قادرين على جعل هذا الجهاز والنظام المرتبط به متاحاً للإستخدام في غضون أسابيع قليلة واتخاذ خطوة أقرب إلى التغلب على “كوفيد 19”.

وقال نائب رئيس كلية الطب البيطري في جامعة ساري البروفيسور روبرتو لاراجيون: “يسعدنا أن نشارك في تطوير أدوات التشخيص السريع لكوفيد-19، من خلال استجابة سريعة من الشركات المصنعة، يمكننا تقديم مجموعة اختبار نقطة الرعاية لدعم الإختبارات على نطاق واسع داخل النظام الصحي البريطاني وعلى الصعيد العالمي”.

أما الأستاذ في جامعة ساري، أنيل فرناندو، فأشار الى أن الفريق “كوّن إعتقاداً راسخاً، أن تحديد عدوى كوفيد-19 وتقليل إنتشار العدوى أمران مهمان”، لافتاً إلى أنه “بمجرد تحديد الإصابة باستخدام هذا الجهاز، سيقوم التطبيق تلقائياً بتحديث قاعدة البيانات وسيتعقب النظام الذكي جميع الأفراد الذين كانوا على اتصال وثيق بالمريض الذي تم تحديده حديثاً، وينبههم بشأن خطر وجود الفيروس ويقدم توصيات بشأن الخطوات الإضافية الواجب اتخاذها”.

في غضون ذلك وافقت هيئة الغذاء والدواء الولايات المتحدة، على إستخدام فحص جديد لتشخيص فيروس كورونا يتيح الحصول على النتائج بعد خمس عشرة دقيقة. وذكرت شركة “آبوت” المصنعة للفحص أنها تعتزم توزيع خمسين ألف فحص يومياً، بداية من الأسبوع المقبل.

وستجرى الفحوص عبر أجهزة خفيفة ومحمولة تصنعها الشركة ويمكن نقلها بسرعة إلى المناطق الأكثر إصابة بالفيروس، وتتوقع الشركة إنتاج خمسة ملايين فحص كل شهر. ويعد الفحص الجديد الأسرع من حيث إظهار النتائج الذي توافق عليه هيئة الدواء والغذاء الأميركية.

وفي إيطاليا تستخدم أجهزة الفحص بالأشعة لتصوير الرئتين والكشف عن البقع البيضاء التي تسببها الإصابة بفيروس كورونا، هذا هو حال أحد المستشفيات في روما الذي يعتمد على هذه الأجهزة المرفقة ببرنامج معلوماتي صيني يعتمد على الذكاء الإصطناعي كي يتم كشف الإصابة بنسبة تأكيد 97 في المئة.

وبدأت تركيا في إستخدام أجهزة تتمكن من تشخيص فيروس كورونا في غضون 15 دقيقة فقط. وقالت المتخصصة في علم الأحياء الدقيقة ياسمين جوشقون لوكالة “الأناضول”، إن “الكشف السريع عن فيروس كورونا، يشكل أهمية كبيرة لعزل الشخص عن الآخرين في حال كانت نتيجة تحليل عينته إيجابية”.

وأوضحت جوشقون أن “الجهاز يعطي نتائج دقيقة، وأن الطاقم الطبي يأخذ عينة من أنف أو من فم الشخص المشتبه في إصابته، ومن ثم يتم مزجها بمحلول خاص ثم تعرض على جهاز يكشف إن كان مصاباً أم لا”.

—————————————

كورونا أميركا:نهاية الحلم/ لوري كينغ

من منظور غير بشري وخالٍ من القيم لفيروس كورونا، فإن أجسادنا ليست سوى وسائل ملائمة لتكاثره وتوسعه وحيويته. وينطبق الشيء نفسه على السوق، التي تطالب الأجسام البشرية بمراكمة الثروة. أجساد العمال أكثر ضرورة للحفاظ على السوق من أجساد أولئك الذين يشرفون عليها ويستفيدون منها، بالطبع.

بينما يخشى الأميركيون من فيروس “COVID-19″، واتخذوا إجراءات غير مسبوقة لوقف قدرته على استهلاكنا، فقد كرمنا السوق بشكل أعمى، ونادراً ما شككنا في تجاوزاته ونزواته ومطالبه. مناقشات تقلبات السوق، غالباً ما يقوم النقاد والخبراء الماليون بتشكيلها، ويتحدثون عما يحبه السوق ويكرهه. قد يكون من الأفضل أن نقول إننا نؤسس السوق، الذي، مثل الإله القديم بعل، مفجع وبحاجة لمزيد من التضحيات البشرية، ويتغذى في المقام الأول على العمال ذوي الأجور المنخفضة الذين يفتقرون إلى التأمينات الصحية والأمن الوظيفي. هؤلاء الأميركيون هم مبدعو الثروة الحقيقيون، وليس مديري صناديق التحوط ومصرفيي وول ستريت، وهم الذين سيسجلون أكبر الخسائر -بما في ذلك حياتهم نفسها- خلال هذا الوباء.

قبل أسبوعين، عندما كان الافتقار إلى الموارد والموظفين والقدرات في النظام الصحي الأميركي يثير القلق، وبدأت الضائقة المالية للأميركيين العاديين في الظهور بشكل أكبر، لم يدخر الكونغرس والرئيس ترامب أي جهد ولم يضيعوا وقتاً في صب 1.5 تريليون دولار في سوق الأسهم بعد السقوط الحر. بعد ارتداده لفترة وجيزة، سرعان ما انخفض السوق مرة أخرى.

هذا الأسبوع، مع ارتفاع عدد القتلى في مدينة نيويورك وشكوى العاملين في المجال الطبي في جميع أنحاء البلاد من عدم وجود معدات واقية حاسمة، وأسرّة في المستشفيات، وأجهزة تنفس، كان الرئيس ترامب والسياسيون الجمهوريون أكثر اهتماماً بالاقتصاد بشكل واضح من صحة وسلامة الأميركيين عامة. في مقابلة أجرتها معه شبكة “فوكس نيوز” يوم 23 آذار/مارس، قال نائب حاكم ولاية تكساس دان باتريك إن الأميركيين الأكبر سناً (الذين هو واحد منهم) يجب أن يضحوا بأنفسهم للحفاظ على استمرار الاقتصاد. في هذه الأثناء، رفض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون توسيع إعانات البطالة للعمال الأميركيين الذين يعانون، وهم غير راضين عن إرسال شيكات باهظة بقيمة 1200 دولار لمرة واحدة إلى الأميركيين العاديين الذين ليس لديهم مدخرات أو وظائف.

في واحدة من إحاطاته الصحافية اليومية حول أزمة “COVID-19” (الإحاطات التي، في جوهرها، هي بدائل لمسيرات حملته الضخمة) اقترح ترامب رفع توجيهات التباعد الاجتماعي في وقت مبكر، كان يتحدث بطريقة عاطفية عن رغبته في رؤية “الكنائس مكتظة في عيد الفصح الأحد”. لا يُعرف عن ترامب الذهاب إلى الكنيسة، وسلوكه، أولاً كرجل أعمال وزوج، والآن كرئيس، يتعارض مع أبسط تعاليم المسيحية، لكن تأطير إمكانية عودة الحياة الأميركية إلى طبيعتها من الناحية الدينية أعطى ترامب فرصة مثالية لجذب المسيحيين الأصوليين الذين يشكلون جزءاً كبيراً من قاعدته السياسية، مخفياً مخاوفه الحقيقية من أن تراجع السوق سيقوّض فرص إعادة انتخابه في تشرين الثاني/نوفمبر.

تقف ضرورات السوق في معارضة شديدة مع الرعاية الصحية. ومع ذلك، أصبحت الرعاية الصحية نفسها مكوناً رئيسياً في السوق على مدار الاعوام الثلاثين الماضية. لقد رفع الاقتصاد النيوليبرالي (الذي هو في حد ذاته إيديولوجية شبه دينية) القطاع المالي فوق كل الاهتمامات والاحتياجات الأخرى. يكشف فيروس كورونا عن مخاطر تفكيك الدولة والقطاع العام. إن خصخصة الرعاية الصحية، والتعليم، وشبكة البنية التحتية، والنقل، ووسائل الإعلام، وما يصاحب ذلك من نقل الثروة من العمال إلى المساهمين منذ الثمانينيات، تركتنا بلا حماية في مواجهة فيروس جديد. بالكاد يوجد أي فرع أو قسم للحكم الأميركي لم يتم تحريفه أو كسره بسبب أوهام ووحشية الاقتصاد النيوليبرالي. قلّل الإشراف العام الضئيل وقواعد عمل القطاع الخاص -البنوك والتمويل والشركات وشركات التأمين وشركات الأدوية والبحث والتطوير- من العقد الاجتماعي تماماً.

أولئك الذين استفادوا أكثر من آكلي لحوم البشر، الليبراليون الجدد في المجتمع الأميركي أصبحوا أصحاب مليارات، وهم الذين يصرخون بصوت عالٍ حول تباطؤ الاقتصاد. إن خسارة مليار دولار أو مليارين في الأشهر المقبلة لا يمكن أن تضر بهم على المدى الطويل. وفي الوقت نفسه، فإن العمال الذين لم يتلقوا أجورهم يواكبون تكاليف المعيشة المرتفعة منذ عقود، والذين لا يستطيعون دفع الإيجار في معظم المدن الأميركية، والذين لا يمكنهم إرسال أطفالهم إلى مدارس جيدة (خاصة)، ولا يستطيعون تحمل تكاليف أزمة صحية طارئة واحدة أو تكاليف إصلاح سيارة، يُتوقع منهم أن يعودوا إلى العمل في أقرب وقت ممكن لإنقاذ اقتصاد السوق الذي فقط استغلهم وأساء استخدامهم لعقود.

كما يتجلى انهيار المؤسسات العامة في الروابط المقطوعة بين الحكومة الفدرالية وحكومات الولايات. يظهر حكام العديد من الولايات على شاشة التلفزيون يومياً يطلبون من الحكومة الفدرالية التمويل والمعدات الأساسية للمستشفيات والعاملين في مجال الرعاية الصحية. تمزق تكامل الحكم بين المستوى الفدرالي والولايات، مما أدى إلى تحريض حاكم ضد حاكم في منافسة شرسة على أجهزة التنفس النادرة ومعدات الحماية.

وفي الوقت نفسه، أصحاب المليارات مثل جيف بيزوس، الذي يملك سلسلة “amzon.com”، صحيفة واشنطن بوست، والعديد من المنازل الفاخرة في الولايات المتحدة، لا يظهرون روحاً وطنية في هذا الوقت العصيب. بدلاً من ذلك، يُبقي بيزوس عماله يكدحون في المتاجر والمستودعات المزدحمة بشكل خطير وبأجور زهيدة. يمكنه أن يحدث فرقاً كبيراً في مدينته بالتبني، العاصمة واشنطن، عن طريق ضخ مليارات الدولارات في المستشفيات ونظام النقل المتداعي لدينا، لكنه هو وآخرون من صفه النخبوي لا يرفعون إصبعهم عندما يواجه مواطنوهم أوقاتاً خطيرة. حقق أغنى الأميركيين مكانة أنصاف الآلهة عند قطاع واسع من الجمهور. لقد ولت أيام أندرو كارنيغي وروكفلرز، البارونات اللصوص الذين مولوا مع ذلك المكتبات والمستشفيات والمتاحف والمدارس.

سارت المخاوف غير العقلانية والشيطنة للحكومة جنباً إلى جنب مع الأصولية الدينية ومعاداة الفكر وسياسات مناهضة النقابات لعقود في ولايات مثل ميسيسيبي ولويزيانا وتكساس وألاباما وإنديانا وأركنساس، حيث لا تزال تقييمات ترامب هي الأعلى. قد يقرر ترامب تجاهل مناشدات خبراء الطب والصحة العامة ورفع توجيهات التباعد الاجتماعي في الأسبوع المقبل، لكن الحكومة الفدرالية تفتقر إلى السلطة لفرض ازدحام الكنائس والمتاجر والملاعب ودور السينما على مستوى الولاية والبلدية. ويترأس الولايات الأميركية الأكثر اكتظاظاً بالسكان -نيويورك وكاليفورنيا- المحافظون والمسؤولون المحليون الذين سيبقون على الحجر الصحي في مكانه ويتلقون أوامرهم من أشخاص مثل عالم المناعة والطبيب المحترم الدكتور أنتوني فوسي. قد تتبع الولايات الأكثر فقراً والأقل اكتظاظاً بالسكان في جنوب البلاد خطى ترامب من خلال تشجيع الناس على العودة إلى العمل والمتاجر والكنيسة. سترتفع معدلات العدوى والوفيات بشكل كبير حتماً في هذه الولايات.

كشف “COVID-19” إلى أي مدى دمرت الإيديولوجيات والأوهام النيوليبرالية بنجاح نسيج الحياة الأميركية والقطاع العام ونزاهة مؤسسات الحكم الوطنية لدينا. لكن المؤسسات النيوليبرالية ستظل عاجزة عن تدمير فيروس صغير بشهية هائلة. قد يخسر الحزب الجمهوري جزءاً كبيراً من قاعدته، ليس أمام المنافسين السياسيين، ولكن أمام الموت، في الولايات التي يعتمد عليها كثيراً لتسليم ولاية ثانية إلى دونالد ترامب. في النهاية، سيحدد “COVID-19″، وليس ترامب أو عمالقة وول ستريت، مستقبل أميركا على المدى القريب ونتائج الانتخابات المقبلة.

المدن

———————————

ايران وامريكا والكورونا بينهما/ حسن فحص

في وقت تغرق غالبية دول العالم في البحث عن الوسائل والآليات التي تساعدها في مكافحة انتشار “جائحة كورونا” التي بدأت تحصد أعداداً ليست قليلة من مواطنيها، هناك مشهد آخر على هامش هذه الازمة يبرز الى الواجهة، هو ما تقوم به إيران لتحويل هذه الجائحة الى ورقة تسعى لتوظيفها في معركتها مع الادارة الامريكية من اجل اجبارها على تعليق او على الاقل تخفيف العقوبات الاقتصادية ضدها، في وقت لا تعير ادارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب اي اهمية للأصوات الدولية وحتى الداخلية التي تدعوها لمثل هذه الخطوة الانسانية، وذهبت الى فرض مزيد من العقوبات – دفعتي عقوبات منذ اندلاع الازمة الصحية- في محاولة لتوظيف هذه الازمة لصالح محاصرة الدور الايراني في الاقليم، خصوصا في العراق الذي شملت العقوبات الاخيرة عددا من مواطنيه المرتبطين مع المصالح الايرانية، بالتزامن مع تصعيد عسكري استنفر القيادة الايرانية ومعها حلفائها العراقيين وغيرهم الذين هبوا لتوجيه التحذيرات من مغبة اي عمل عسكري امريكي في العراق او ضد ايران قد يؤدي الى تغيير جذري في قواعد اللعبة بينهما في المنطقة.

وعلى الرغم من ادراك القيادة الايرانية وتحديدا الادارة الدبلوماسية ان الحملة الشعبية والدولية التي اطلقتها للضغط على واشنطن من اجل وقف العقوبات لن تجدي نفعا مع ادارة ترامب، الا ان طهران تعاملت مع المبادرة الامريكية لتقديم المساعدة في مواجهة وباء كورونا بكثير من عدم المبالاة وبشكوك اكثر، من منطلق وصفها بمحاولة لاحراج النظام داخليا واظهاره بانه يرجح المواجهة على اي مبادرة لخفض التوتر تصدر عن واشنطن، ودوليا لاقناع المجتمع الدولي بان طهران هي الجهة التي ترفض التعاون. من هنا كان الرد الايراني على لسان قائد قوات حرس الثورة الجنرال حسين سلامي الذي وصف المبادرة الامريكية او العرض بالمساعدة بانه “خبيث” يهدف الى صرف الانظار عن العقوبات التي تنهك ايران وتفاقم ازمتها الصحية التي تعاني منها، فضلا عن ان واشنطن تفتقر لشروط مساعدة نفسها، وان طهران على استعداد لتقديم المساعدة في هذا الاطار حسب تعبير سلامي.

التعامل الايراني مع الوباء ذهب باتجاهين، سياسي قادته الادارة الدبلوماسية بقيادة محمد جواد ظريف لحشد رأي عام دولي ومخاطبة المؤسسات الدولية والامم المتحدة لاجبار واشنطن على الغاء العقوبات التي تعرقل جهود ايران في مواجهة الفيروس مطلقة شعار “الارهاب الصحي” الامريكي الذي يستهدف الابرياء وأرواحهم، خصوصا وان هذه العقوبات انعكست ايضا على قدرات حكومة الرئيس حسن روحاني في مواجهة هذه الازمة الصحية وتداعياتها الاقتصادية ومنعتها من اللجوء الى اتخاذ اجراء “الحجر الصحي” لعدم قدرتها وعجزها عن تأمين وتوفير المستلزمات الاقتصادية والمعيشية التي يتطلبها مثل هذا الاجراء.

المرشد الاعلى آية الله السيد علي خامنئي لم يتردد في توجيه الاتهام المباشر للولايات المتحدة الامريكية بضلوعها في استهداف ايران والنظام، وبانها تقف وراء “مؤامرة” ارسال نسخة خاصة من الفيروس تستهدف الايرانيين.

موقف المرشد قد يدفع الامور بالنظام الايراني للسير على حد سكين هذه الازمة، خصوصا في التعامل مع المواقف الامريكية، ومحاولة ادراج هذه المواقف من جهة في اطار الكشف عن “الانتهازية” الامريكية التي تحاول اظهار النظام وكأنه غير معني بصحة الايرانيين ويرفض اليد الامريكية المدودة للتعاون، ومن جهة اخرى القول للجماعات الداخلية التي تراهن وتدعو للانفتاح على واشنطن بان الادارة الامريكية لا يمكن الوثوق بها وانها تسعى فقط لضرب ايران وتدمير قدراتها الداخلية والاقليمية.

وتعتقد اوساط سياسية ايرانية ان الاجواء المتوترة والمتصاعدة بين واشنطن وطهران لا تبشر بامكانية عقد “وقف اطلاق نار صحي” في المدى المنظور، وان واشنطن تعتبر الفرصة مناسبة وسانحة امامها لاستغلال الانشغال الايراني بتداعيات انتشار هذا الوباء وانكشاف الحكومة والنظام في التعامل معها، وبالتالي فان عليها ممارسة المزيد من الضغوط عليه لاجباره على تقديم تنازلات سياسية وامنية، خصوصا على الساحة العراقية التي تعتبر الاكثر توترا بين الطرفين على خلفية جهود الطرفين لتسجيل النقاط او الانتصارات فيما يعني الوضع السياسي وتشكيل الحكومة في هذا البلد، فضلا عن محاول التمسك بالشعار الذي رفعته بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني باخراج القوات الامريكية من غرب آسيا وتحديدا العراق، في حين تعمل واشنطن على التلويح بان اعتماد العراق الخيار الايراني سينعكس سلبا على العلاقة بين البلدين وسيدفع واشنطن لفرض حصار اقتصادي وسياسي عليه على غرار ايران.

وقد تدفع هذه الالية في التعامل بين الطرفين على خلفية الازمة الصحية الى تعزيز المخاوف من خطورة التداعيات التي قد تؤدي الى تفاقم النقمة الداخلية ضد النظام بما يساعد على تحويل مساعي اتهام واشنطن وادانتها بالمسؤولية عن تصاعد الازمة، سوى مزيد من صب الزيت على الازمة الداخلية، فضلا عن ان هذه النقمة قد تساهم في التأسيس لحالة من العصيان الشعبي، بغض النظر عن توقيت انفجارها، ان كان قبل انتهاء ازمة انتشار الوباء واشتداد وتيرة ارتفاع اعداد المصابين وعجز النظام عن استيعاب هذه الاعداد وتقديم العلاج لهم، او بعد الخروج من هذه الازمة وتكشف الحقائق المرة ان كان على مستوى التعامل مع الازمة او على مستوى التداعيات والاثار المتعددة لها التي ستضاف الى عوامل تراكمت جراء الازمات الاقتصادية والمالية وطرق التعامل مع العقوبات. ما يعني ان النظام في كلا الحالتين يلعب في المنطقة الخطرة بين التأليب على العدو الامريكي وبين التأسيس لتحرك داخلي وخلق المسوغات له والذي من المحتمل ان يكون اكثر تعقيدا وخطورة من المرات السابقة، خصوصا وان الخروج من هذه الازمة لن يكون سهلا، بل سيترك الكثير من الجراح العميقة على الاقل في البعد الاجتماعي، ما يسمح بانسحاب تأثيراتها على المستوى السياسي والموقف من النظام ويفتح الطريق ليس للعودة الى حركة اعتراضية على خلفية اقتصادية، بل ستكون سياسية بوضوح تهدف لمحاسبة النظام وعجزه عن اجتراح “المعجزات” التي وعد بها في الحرب مع عدوين شرسين ، الامريكي وكورونا، خاصة وان النظام وكغيره من الانظمة في العالم، لن يكون اكثر صلابة في العبور من الازمات والتحديات الجدية التي سيواجهها العالم في مرحلة ما بعد هذا الوباء المستجد والتغييرات التي سيحدثها في المنظومات الاقتصادية والمالية والسياسية والاجتماعية.

————————————

مالتوس صاحب المليار الذهبي يعيده كورونا إلى الحياة/ يحيى العريضي

هناك من يرى المالتوسية تتجسد، لكن غير معروف عبر أي بوابة تدخل على البشرية الآن.

هل لا يزال كوكبنا بضيافة مالتوس؟

إذا تمعنّا في نظرية مالتوس، التي لا تزال تلاحق البشرية منذ نهاية القرن الثامن عشر، فلا بدّ من القول إن انتشار فايروس كورونا، سواء كان فعلا طبيعيا، أم مُتعمّدا، يقع بالفعل ضمن نطاق مليار مالتوس الذهبي على كوكبنا.

تقول نظرية الرجل إن التزايد السكاني يتم بمتوالية هندسية وصفها صاحبها بدقة، تصل من الرقم 1 إلى الرقم 256، وتشير إلى أن عدد سكان كوكبنا يتضاعف كل 25 سنة؛ أما تزايد ما يحتاجه الإنسان من موارد عيش، فيتم بمتوالية حسابية مختلفة تبدأ بالرقم 1 وتصل إلى الرقم 9. وكي يكون هناك توازن، لا بد للبشرية أن تتدبر أمرها لضبط التزايد السكاني؛ فالفجوة بين النسبتين هي 9 لـ256 للفترة الزمنية ذاتها.

توماس روبرت مالتوس عالم سكاني اقتصادي بريطاني ارتبطت نظريته باسمه، ولد في العام 1766، وهو ابن لأسرة إقطاعية ثرية، درس الرياضيات ودرس معها العديد من التخصصات.

قيمة أبحاث مالتوس تكمن في ربطه التزايد السكاني مع الإنتاج بعامل الزمن، وهو جانب لم يكن قد تمّ أخذه بالاعتبار من قبل، إلا إذا عدنا إلى ابن خلدون وأسبقيته في علم الاجتماع.

كتابه الهام ”بحث في مبدأ السكان“ أثار في زمنه ضجة هائلة، ويشير المؤرخون إلى أن عبارة واحدة منه كانت كفيلة برفع الكثير من الأصوات ضدّه، وهي قوله إن ”الإنسان العاطل الذي لا ليس له من يعيله لن يكون له نصيب من الغذاء فهو ضيف فائض على وليمة الطبيعة التي ستأمره بمغادرة المكان على الفور“.

نتيجة طبيعية للخلل

وضع العالم حسب تصورات مالتوس يوجب وجود موانع تكبح نمو السكان وتنقص أعدادهم، فالناس لا يملكون الثقافة والبصيرة، ولا بد من تدخل عوامل خارجية كالحروب والإفقار والمجاعات والأوبئة لتحقيق هذا التوازنوضع العالم حسب تصورات مالتوس يوجب وجود موانع تكبح نمو السكان وتنقص أعدادهم، فالناس لا يملكون الثقافة والبصيرة، ولا بد من تدخل عوامل خارجية كالحروب والإفقار والمجاعات والأوبئة لتحقيق هذا التوازن

رأى مالتوس أن التحولات الاقتصادية قد ترافقت مع انتشار مشكلات اجتماعية خطيرة. فالنقص في إنتاج المواد الغذائية أدى إلى ارتفاع الأسعار، وزيادة التكدس البشري فاقمت الفقر، وزادت البطالة. وبينما رأى علماء آخرون أن الآلام والفقر والحرمان هي نتاج لنظم اجتماعية بائسة، وسوء تنظيم في المؤسسات الحكومية والقوانين الجائرة؛ رآها مالتوس كنتائج طبيعية للنمو السكاني؛ فالتناقض بين قدرة السكان على التزايد، وقدرة الأرض على إنتاج الغذاء، هما المعضلة الأساس التي تواجه البشرية والتي تتمخض عنها زيادة في المآسي البشرية وآلامها وتعقيد للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية من جوع وبطالة وفقر ومرض ورذيلة وفساد أخلاقي.

وهنا، كما يعتقد مالتوس، لا بد من موانع تكبح نمو السكان وتنقص أعدادهم، وقد تأخذ ذلك الشكل الإيجابي والأخلاقي كالعفة والزهد والرهبنة؛ إلا أن ذلك برأيه لا يكفي؛ فالناس لا يملكون الثقافة والمعرفة والبصيرة؛ ولا بد من تدخل عوامل خارجية كالحروب والإفقار والمجاعات والأوبئة لتحقيق هذا التوازن.

الماركسية من جانبها وقفت موقفا مضادا لنظرية مالتوس في العلاقة غير المتوازنة بين عدد السكان والإنتاج منطلقة من مبدأ الصراع الطبقي في المجتمع الرأسمالي؛ حيث إن هذا البؤس الاجتماعي ناتج عن الخلل بين السكان والتنمية، وهو النتيجة الطبيعية لعيوب النظام الرأسمالي، وعلى رأس ذلك؛ الاستغلال والإفقار المتعمد واللجوء إلى الحرب والتجويع والأوبئة من أجل بقاء الطبقة الأعلى مسيطرة.

رفع معدل الوفيات

التحولات الاقتصادية يرى مالتوس أنها تترافق مع انتشار مشكلات اجتماعية خطيرة. مع نقص إنتاج المواد الغذائية وارتفاع الأسعار والتكدس البشريالتحولات الاقتصادية يرى مالتوس أنها تترافق مع انتشار مشكلات اجتماعية خطيرة. مع نقص إنتاج المواد الغذائية وارتفاع الأسعار والتكدس البشري

السؤال الآن؛ هل تأتي تصريحات مسؤولي الدول الكبار بخصوص الشغل الشاغل للبشرية “كورونا” اليوم ضمن هذه السياقات؟ لنتذكر ما قاله وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت مكنمارا في خطاب له أمام نادي روما عام 1979 “إن الارتفاع الصاروخي لعدد سكان العالم يشكل أكبر عائق أمام التطور الاقتصادي والاجتماعي في العالم، لهذا ينبغي علينا الآن وليس غدا أن نمنع وصول عدد سكان الكوكب إلى عشرة مليارات نسمة”. ويرى الوزير أن هناك طريقتين لتحقيق ذلك، “إما بتخفيض معدل الولادات في أصقاع العالم، وإما برفع معدل الوفيات. والطريقة الأخيرة يمكن أن تتحقق بعدة أساليب، ففي هذا العصر النووي يمكن للحروب أن تؤدي الغرض بسرعة فائقة وناجعة للغاية. وهناك طبعا المجاعة والأمراض، وهما سلاحان ما زالا موجودين حتى الآن”.

أما السؤال الأكثر حساسية في هذا السياق بالذات فهو ما طرحه المتابعون في وسائل التواصل الاجتماعي؛ لماذا يتصدر السياسيون من مسؤولين وزعماء مسألة التهويل لفايروس كورونا؟ لماذا لا يتركون الأمر للمختصين بدل إرعاب وإرهاب البشرية بخطاباتهم وتحذيراتهم؟ هل لأن الوباء أخطر من أن يتركوه للمختصين فقط؟ وما الذي يعرفه هؤلاء الساسة عن كورونا، ولا يعرفه الناس عامة؛ وحتى ربما المختصون علميا؟ لنتابع هذا الإرعاب الرسمي: رئيس أميركا يعلن حالة الطوارئ في البلاد ويطلب المليارات لمواجهة الفايروس الصيني كورونا. رئيس وزراء إنجلترا يهيّئ الإنجليز لفقد أحبة قبل الأوان. رئيس الصين يخوض معركة خطيرة ضدّ فايروس شيطانيّ. رئيس فرنسا يمر بأسوأ كارثة صحية على الإطلاق. المستشارة الألمانية تتوقع إصابة 70 في المئة من السكان بهذا الفايروس القاتل. رئيس وزراء إيطاليا يفقد السيطرة على مواجهة كورونا.

تجاه هذا الحدث الغريب بتجلياته، تتكاثر الأسئلة بمتوالية هندسية، أما الأجوبة فتكاد تنعدم. ويبقى على رأسها؛ ما إذا كانت الدول قد أخطأت حين خصصت كبرى الميزانيات للتسليح والفتك بالإنسان على حساب البحث العلمي وحماية البشر، أم أن العملية برمتها ليست اعتباطية، وتسير وفق المالتوسية بوحشيتها الناعمة، ومن هنا كانت الصين البداية؟

النيو مالتوسية ونظرية المؤامرة

الحدث الغريب الذي يواجهه العالم بتجلياته، يجعل من الأسئلة تتكاثر، ويبقى على رأسها؛ ما إذا كانت الدول قد أخطأت حين خصصت كبرى الميزانيات للتسلّح والفتك بالإنسان بدل البحث العلمي وحماية البشرالحدث الغريب الذي يواجهه العالم بتجلياته، يجعل من الأسئلة تتكاثر، ويبقى على رأسها؛ ما إذا كانت الدول قد أخطأت حين خصصت كبرى الميزانيات للتسلّح والفتك بالإنسان بدل البحث العلمي وحماية البشر

ولإزاحة نظرية المؤامرة الخفية والمالتوسية العلنية، هناك من يسأل؛ ولماذا الهند بملياراتها وملايينها لم تُصب بنسبة عالية مثل غيرها؟ وآخر يرى الأمر سباقا للسيطرة الاقتصادية على عالمنا جاعلا من عدد السكان الزائد نعمة لا نقمة. وغيره يرى عكس ذلك تماما حيث إن عالمنا سيصاب بكساح اقتصادي لأن هناك شبه توقف للحياة على كوكبنا.

حقيقة ليس هناك قطعية بواحدة من تلك الرؤى، قد يكون الأمر نتيجة فعل متعمّد، أو مآل طبيعي للتطور الحياتي؛ لكن ما هو قطعي أن قادة هذا العالم، الذي لم يلتفت للجوع الذي حصد الملايين في أفريقيا؛ ولم يوقف أنظمة إجرامية تحصد أرواح وكرامة شعوبها عند حدها، يركعون باستسلام أمام جائحة غير مرئية. كل

الحلول، وكل الجشع، وكل الاستبداد، وكل الجريمة، كانت على حساب حياة الملايين؛ الذين اعتبرهم هؤلاء الراكعون أحمالا زائدة يجب التخلص منها ليبقى مليار مالتوس الذهبي. ها هي الجائحة تركعهم وتجرف أرواحهم كما تفعل بأرواح البسطاء المستضعفين في الأرض.

دون أن نشعر بما يدور حولنا انتشرت ما تعرف بالمالتوسية الجديدة، عبر برامج مراقبة السكان، لضمان الموارد للسكان الحاليين والمتوقعين. ويقول البعض إن “المالتوسيين الجدد” هم أخطر من مالتوس ذاته. لأن اهتماماتهم تتوسع نحو التدهور البيئي والمجاعات والأوبئة وغيرها.

ودون أن تكون هناك ”منظمة مالتوسية“ في العالم، نجد أن غالبية الأنشطة الإنسانية اليوم، هي مالتوسية الأهداف؛ الليبرالية والليبرالية الجديدة، والأحزاب الاشتراكية، والحركة النسوية، وجمعيات حقوق الإنسان، والناشطون الاجتماعيون، وغيرهم.

وهناك مَن يرى المالتوسية تتجسد، ولكن غير معروف عبر أي بوابة تدخل على البشرية الآن؛ هل تدخل من بوابة عدم توازن عدد السكان والغذاء، أم من باب جشع الرأسمالية والتحكم بأرواح البشر وزربهم في البيوت، أم عبر القضاء على من لا ينتج، والحفاظ على من ينتج؟ وبمجرد توقف إنسان هذا العالم عن خدمة رأس المال؛ لا بد من تحدّيه بحرب أو جائحة.

وها هو التحالف العقائدي بين من اعتبروا أنفسهم ممثلي الله على الأرض وتجار السلاح يتهاوى. ها هم أنفسهم يبحثون عن العلماء الذين تعنيهم روح الإنسان وصحته وكرامته كي ينقذوهم؛ والراكعون ذاتهم هم من أهمل وربما قتل هؤلاء يوما. ولكن الإنسان يقول؛ ليذهب مالتوس ونظريته إلى الجحيم. فبالكرامة والحرية والإنسانية يحيا البشر، وحسب.

كاتب سوري

العرب

————————————-

 تسجيل أول حالة وفاة بـ«كورونا» في سوريا

أعلنت وزارة الصحة السورية، اليوم (الأحد)، عن أول حالة وفاة في البلاد بفيروس كورونا المستجد.

وقالت الوزارة، عبر صفحتها على مواقع التواصل، إن «سيدة توفيت فور دخولها إلى المشفى بحالة إسعاف تبين بعد إجراء الاختبار أنها حاملة لفيروس كورونا».

وكان مجلس الوزراء السوري قد قرر، في وقت سابق اليوم، حظر التجول بين المحافظات، بدءاً من السادسة من مساء بعد غد (الثلاثاء) حتى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن ذلك جاء بعد أن أجرى مجلس الوزراء تقييماً للإجراءات الحكومية المتخذة للتصدي لوباء كورونا المستجد، وحصر أي انتشار للفيروس.

على صعيد آخر، دخل حيز التنفيذ عند الساعة الثانية ظهراً، وحتى إشعار آخر، قرار منع تنقل المواطنين بين مراكز المحافظات وجميع المناطق والأرياف في جميع الأوقات لغير المصرح لهم، الذي أقره الفريق الحكومي المعني باستراتيجية التصدي لوباء كورونا.

يشار إلى أن القرار يقضي بمنع الحركة بين كل محافظة وأريافها، وليس بين المحافظات.

وكانت سوريا قد أعلنت عن 5 إصابات بفيروس كورونا.

—————————

 دمشق: إنهاء الاحتياط ووقف الاستدعاء للتجنيد

أنباء عن انتشار «كورونا» بين مخالطي الميليشيات الإيرانية بريف حلب

في متابعة لإصدار حزم من الإجراءات الاحترازية من تفشي وباء كورونا في سوريا، أصدرت القيادة العسكرية في دمشق أمس الأحد، قراراً ينهي الاحتفاظ بفئة من ضباط وعناصر الاحتياط، اعتباراً من 7 (أبريل (نيسان). وأوضح بيان صادر عن القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة، أن القرار شمل الضباط الاحتياطيين المحتفظ بهم، إضافة للملتحقين من الاحتياط المدني، الذين أتموا ثلاث سنوات أو أكثر، حتى تاريخ 1 أبريل 2020.

وجاء القرار بعد تردد أنباء غير رسمية عن انتشار وباء كورونا بين مقاتلي النظام، لا سيما الذين يخالطون عناصر الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الإيرانية في ريف حلب، وهناك معلومات عن إصابة ثمانية عسكريين سوريين، والاشتباه بإصابة 32 عسكرياً آخرين تم نقلهم من مدرسة المدفعية في الراموسة بريف حلب إلى مشفى مدينة القطيفة.

وتضمن القرار الصادر، أمس، تسريح الأطباء البشريين الاختصاصيين، والامتناع عن استدعاء آخرين، في المستقبل، «وفقاً لإمكانية الاستغناء عنهم»، إضافة لصف الضباط والأفراد الاحتياطيين المحتفظ بهم والملتحقين بالخدمة الاحتياطية قبل تاريخ الأول من يناير (كانون الثاني) 2013. ممن بلغت خدمتهم الاحتياطية الفعلية 7 سنوات فأكثر، حتى تاريخ الأول من أبريل 2020، كما شمل قرار التسريح صف الضباط، والأفراد ممن لديهم نسبة إصابة 30 %، مع استبعاد من لديه دعوة قضائية.

وكانت القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة، قد بدأت، منذ عشرة أيام، بإصدار نشرات توجيهية وتعاميم وقائية بهدف حفظ السلامة الشخصية للمقاتلين في أماكن إقامتهم وعملهم، في القطعات والتشكيلات، والإيعاز بضرورة استخدام القفازات والكمامات. وتم إيقاف النشاطات الرياضية العسكرية أو تلك التي تتطلب تجمعاً ولا سيما في أماكن مغلقة. وجاء ضمن تلك الإجراءات قرار مديرية التجنيد العامة تأجيل جميع عمليات تسليم دفاتر ووثائق التجنيد، وإيقاف عمليات السوق الإجباري للمكلفين، حتى مطلع الشهر القادم، كإجراء احترازي لمنع تفشي فيروس كورونا المستجد.

هذا وبدأ، ظهر أمس الأحد، تنفيذ قرار وقف حركة النقل بكافة أنواعها بين المحافظات، باستثناء الفعاليات التي تتطلب طبيعة عملها التنقل على الصعيد الصحي والغذائي، وذلك بعد أيام من فرض حظر التجول الجزئي الليلي، وتمديد فترة تعطيل المدارس والجامعات والمعاهد لغاية 17 أبريل المقبل.

في هذه الأثناء، ارتفعت جرائم السرقة بالمنازل والمحلات التجارية في بلدات بيت سحم ويلدا وببيلا جنوب دمشق، لتتجاوز عشر عمليات سرقة خلال أيام قليلة، خلال فترة حظر التجول وغياب دوريات الشرطة.

وما يزال عدد الإصابات المعلن عنه رسمياً في سوريا خمس إصابات، فيما وصل عدد المحجور عليهم في دمشق إلى 150 شخصاً منهم 55 شخصاً في مركز الدوير بريف دمشق، وهم من الذين قدموا من لبنان بطريقة غير شرعية، و14 شخصاً في فندق المطار من ركاب طائرة قدمت من إيران، و81 شخصاً في فندق في منطقة السيدة زينب، ومن ركاب آخر طائرة حطت بدمشق الأسبوع الماضي قادمة من موسكو. بحسب وزارة الصحة في دمشق.

————————————

سوريا: حظر التجول بين المحافظات بسبب «كورونا»

قررت الحكومة السورية، اليوم الأحد، فرض حظر التجول بين المحافظات، اعتباراً من السادسة من مساء بعد غد الثلاثاء وحتى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا)، أن ذلك جاء بعد أن أجرى مجلس الوزراء تقييماً للإجراءات الحكومية المتخذة للتصدي لوباء كورونا المستجد، وحصر أي انتشار للفيروس.

على صعيد آخر، دخل حيز التنفيذ عند الساعة الثانية ظهراً، وحتى إشعار آخر، قرار منع تنقل المواطنين بين مراكز المحافظات وجميع المناطق والأرياف في جميع الأوقات لغير المصرح لهم، الذي أقره الفريق الحكومي المعني باستراتيجية التصدي لوباء كورونا.

ووفق الوكالة، تم تكليف وزارة الداخلية بالإشراف على تنفيذ القرار، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والحواجز العسكرية، وتكثيف الدوريات لضمان حسن التزام المواطنين بهذا القرار.

يشار إلى أن القرار يقضي بمنع الحركة بين كل محافظة وأريافها، وليس بين المحافظات.

وتأثرت المعابر الحدودية بوضوح بتفشي الوباء، مع اتخاذ سوريا والدول المجاورة عدداً من الإجراءات الاحترازية. وأعلن عن وقف الرحلات الجوية إلى مطار دمشق الدولي، مع فرض إجراء حجر صحي إجباري على القادمين من دول بعينها. وأجرت وزارة الصحة فحصاً للعابرين من نقاط عبور برية ومطارات دمشق واللاذقية والقامشلي قبل إغلاقها.

ومنذ 26 يناير (كانون الثاني)، أعلنت الإدارة الذاتية عن إغلاق معبر فيشخابور- سيمالكا البري غير الرسمي أمام جميع صور حركة المرور غير الطارئة، مع استثناء يوم واحد في الأسبوع للحالات الإنسانية. وفي 23 مارس (آذار)، أعلنت الإدارة الذاتية إلغاء هذه التصاريح وإغلاق المعبر لأجل غير مسمى.

حالياً، غالبية الحدود البرية إلى داخل سوريا مغلقة، مع بعض الاستثناءات المحدودة (من الأردن وتركيا ولبنان)، أمام الشحنات التجارية وشحنات الإغاثة وحركة العاملين بالمجال الإنساني والمنظمات الدولية.

وأفادت الأمم المتحدة بفرض بعض القيود على نقاط العبور داخل سوريا، بما في ذلك نقطتا الطبقة والتايهة شمال شرقي البلاد، حيث تنتشر فرق طبية لإجراء عمليات مسح، ويجري فرض قيود على حركة المدنيين والسلع والشاحنات. وذكرت تقارير عن تقييد حركة الدخول والخروج في تل عبيد أمام التجار والعاملين بالمجال الإنساني والإداري. وأغلقت نقطة عبور شانان في الرقة، وكذلك أبو زندان وعون أدات (شمال ريف منبج). ورغم التوجيهات الرسمية، وردت أنباء عن بعض الحركة العشوائية حول بعض نقاط العبور، حسب تقرير أممي.

————————————————

ترامب يهدد بحجب مساعدة مواجهة كورونا عن حكام الولايات الذين يرفضون الثناء عليه

هدد الرئيس الأميركي بحجب المساعدات الفدرالية المخصصة لكورونا عن حكام الولايات الذين يرفضون الثناء عليه، وهو ما انتقده بشدة أعضاء في الحزب الديمقراطي.

وقال موقع إندبندنت البريطاني إن دونالد ترامب يحاول الآن بعد أسابيع من الرسائل المربكة التي بعث بها إلقاء اللوم في نقص الإمدادات الطبية على حكام الولايات ذات المناطق المكتظة بالسكان التي تعاني أكثر من غيرها من جائحة كورونا.

ولكن ما هو “صادم” فعلا، حسب الموقع، هو أن ترامب يريد أن يُشكر على المساعدات الفدرالية التي يقدمها للولايات.

وذكر الموقع في هذا الصدد أنه عندما سئل في مؤتمر صحفي عما يريد من هؤلاء الحكام أن يفعلوه زيادة على ما يقومون به قال بالحرف: “بكل بساطة: أريدهم أن يكونوا شكورين”.

    Whether it’s military aid or ventilators, a foreign ally or an American governor,

    I’ve said it before, and I’ll say it again:

    You cannot count on Donald Trump to do what’s right for this country.

    You can count on him to do what’s right for Donald Trump. https://t.co/f3JJprk3uJ

    — Adam Schiff (@RepAdamSchiff) March 27, 2020

وذكر ترامب بالاسم اثنين من الحكام الديمقراطيين على وجه الخصوص لانتقادهما له، وهما: جاي إنسلي حاكم ولاية واشنطن، وغريتشن ويتمر حاكمة ميشيغان.

ويبدو، وفقا للموقع، أن الرئيس لا يزال يشعر بالضيق بالذات من ويتمر التي قالت قبل عشرة أيام إن “الحكومة الفدرالية لم تأخذ هذا الأمر على محمل الجد في وقت مبكر بما فيه الكفاية، والآن علينا أن نفعل كل ما في وسعنا”، وهو ما رد عليه ترامب آنذاك بالقول إنها “ليست لديها أدنى فكرة عما يحدث”.

ولم يخف ترامب غضبه من هؤلاء الحكام الذين لم يبدوا امتنانًا شخصيًا له، على الرغم من حقيقة أن رده على الوباء قد انُتقد عالميًا تقريبًا، حسب إندبندنت.

وقد علق السيناتور الديمقراطي آدم شيف على ما قاله ترامب في تغريدة بأن ترامب لا يؤمل منه شيء كبير قائلا “سواء أكانت مساعدة عسكرية أو أجهزة تنفس، أو حليفًا أجنبيًا أو حاكمًا أميركيا، فقد قلتها من قبل وسأقولها مرة أخرى: لا يمكنك الاعتماد على دونالد ترامب للقيام بما هو مناسب لهذا البلد، لكن يمكنك الاعتماد عليه للقيام بما هو مناسب لدونالد ترامب”.

——————————————–

فيسبوك، كورونا، سوق الاعلانات… وأشياء أخرى/ أحمد محسن

يعتقد تريستان هاريس، أنه لكي تحدث فارقًا على فيسبوك، يجب أن تتحدث عما يثير الاهتمام فعلًا. هناك دائمًا ما يدعو للاهتمام، وهو ذلك الشعور بالاهتمام نفسه، بمشاركة كل شيء مع الآخرين، والإفراط في التنازل عن الخصوصية بذريعة التحكم بالخصوصية. هناك ما هو مقلق أيضًا. الخوف من أحكام الآخرين، وانتظار هذه الأحكام في الوقت نفسه. هناك أشياء مثل الخوف والغضب. حسب المختص في علم الأخلاقيات، هذه أشياء يرغب الناس بالتحدث عنها دائمًا. قبل أعوام، كان ذلك يحدث في تظاهرة، أو من على منبر. توفيرًا لرتابة السرد، يجب الإشارة سريعًا إلى أن هذا يحدث اليوم بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي. هناك رغبة صاعقة بالحديث. ولكي يجد المُتحدِث مُستمِعين، عليه أن يتحدث عن أشياء تثير الاهتمام فعلًا. عن الخوف. الغضب. عما هو ليس خوفًا، وليس غضبًا. عن اللامبالاة مما يشغل العالم، أو الالتحاق بما يشغل العالم.

كورونا مسألة مناسبة. محطة مناسبة. ماذا عن “المؤامرة الصينية” لتغيير موازين “النظام العالمي”. ماذا “المؤامرة الأمريكية على إيران”. “مؤامرة ألمانيا” على الاتحاد الأوروبي. هناك عدد هائل من المؤامرات المتخيّلة. لماذا يلقى الحديث عن المؤامرة على مواقع التواصل الاجتماعي اهتمامًا؟ ثمة دراسات توصلت إلى دلائل عن أن كل دولار صُرِف في حملة دونالد ترامب الانتخابية، كان مفيدًا أكثر بـ17 مرة من كل دولار صُرِف لحملة هيلاري كلينتون. هذا تفوق مثير للاهتمام: ترامب، يدور حول المؤامرة، وتدور حوله. لكن قد لا يكون هناك أي “مؤامرة”. ما لدينا اليوم، هو مجرد رغبة بالحديث عن مسألة متداولة، لا تحتاج إلى مجهود وتفكيك، مسألة جاهزة، مثل المؤامرة. العالم منشغل بفيروس كورونا اليوم. الآذان مصوبة إلى الحدث، يمكنك أن تتحدث. الاشتقاق اللغوي مثير للاهتمام أيضًا، عن تلك العلاقة بين الحدث والحديث.

في الثمانينيات، كان هناك أشخاص مثل مارغرت تاتشر ورونالد ريغان، ممن كانت لديهم رغبة حقيقية بتقليص تدخل الدولة في الصناعة والاقتصاد. وقد شجع هؤلاء على ذلك فعلًا. فيسبوك ليس بادرة كريمة لاختراع ألبومات صور عائلية وشخصية، ولا حائط نبيل لمشاركة الانطباعات حول الوجود. فيسبوك صناعة، حسب مفهوم ثاتشر وريغان للصناعة. مؤسسة تبغى الربح. يعرف الموقع وظيفته جيدًا، على عكس المستخدم، الذي يسارع لعرض صورة القطة التي التقطها على ناصية الطريق، أو يكتب رأيه بحادثة وقعت في مكان بعيد، ويعلن كراهيته للعالم أو محبته له. هذا الاعتقاد، بتراجع تدخل الدولة لمصلحة “السوق”، لم يكن “شيطانيًا” دائمًا، ولم يكن ناتجًا دائمًا بالضرورة من “الجشع” أو الرغبة المتسارعة بمراكمة رأس المال. في أحيان كثيرة، كانت هواجس المشرعين الليبراليين، تجد منافع اجتماعية للانكفاء عن التدخل في الإنتاج الصناعي، ومنها تقليص الأسعار النهائية للمنتجات. السوشال ميديا، هي أوضح مثال على نتائج يوتوبية للتصور الرأسمالي. ظاهريًا، تقلصت كلفة المنتج إلى أدنى مستوياتها. وهذا بالنسبة للعقل الليبرالي، يعني أن عدم التدخل كان قرارًا صائبًا.

بالنسبة لهذا العقل، الفقر هو “حالة” يجب التعامل معها. وهذا يعني، حسب الباراديغم الليبرالي، التصالح مع أنها حالة، وليست مشكلة، بسبب توزيع غير عادل للثروة. في السنوات الأخيرة، هيمنت هذه السردية على النظرة إلى الفقر إلى العالم، وصدق الجميع أنها تحل عبر “برامج التنمية”، وعبر مشاريع الجمعيات الكبيرة والصغيرة. وصارت هذه سردية مهيمنة في العالم: الفقر ليس مشكلة، الفقر حالة يتوجب أن نتعامل معها. بشكلها الحالي، وفي ظل تحولها إلى مساهم إضافي لتوزيع غير عادل للثروات، هل السوشال ميديا مشكلة، أم أنها مجرد “حالة” فعلًا؟ الإجابة ليست في السيليكون فالي طبعًا. روجر مكنامي، أحد مستشاري فيسبوك الأساسيين وناصحيه، يقول إن عبقرية الموقع تكمن في أنه استطاع جمع أكثر من ملياري إنسان، وإبعادهم عن بعضهم البعض في الوقت ذاته. لقد ولدت مشكلة الموقع بالتزامن معه، وتطورت في السياق ذاته. قد يكون فيسبوك مثل الفقر تمامًا.

من الفظاعات الكثيرة، التي عرفها مكنامي هناك، كما يقول (وهو كان مستثمرًا رأسماليًا طوال حياته وما زال كذلك)، أن فيسبوك طرد إحدى الشركات المُعلِنة لديه في 2016، عندما عرفت أنها تجمع معلومات عن الأشخاص المتعاطفين مع حركة “بلاك لايفز ماتر”، وتبيعها لأقسام الشرطة في الولايات المتحدة الأميركية. بالنسبة له، كان هذا خرقًا كبيرًا لحقوق الإنسان وحقوق التعبير. بالنسبة لفيسبوك، كان هذا أمرًا يلوّث سمعة الموقع. لكن بالنسبة للشركة التي كانت تجمع المعلومات وتبيعها، كان هذا أمرًا طبيعيًا وبديهيًا. هذا ما تفعله الشركات على فيسبوك: تجمع المعلومات عنك، تستفيد منها، أو تبيعها لأطراف ثالثة.

للمناسبة، ليس هناك أي طريقة للإفلات من هذا الابتزاز. يسمّى تريستان هاريس هذه العملية. بالسطو على الدماغ (Brain Hacking). وقد اخترع هذا التعبير، لكي يصف وسائل الاقناع المتوافرة على الانترنت، والتي من شأنها التحكم بنظرة الأشخاص إلى المنتجات، وتطوير سلوك مختلف يصل إلى الإدمان. هذه العملية تجعل المستخدم ـــ المستهلك هدفًا سهلًا للتلاعب. إذًا، المسألة مسألة “استهلاك”. المسألة تتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، التي أوجدت مساحة “مفقودة” للتعبير عن الرأي، كان العالم بحاجة إليها. وينبغي الموافقة على ذلك دائمًا. وينبغي الموافقة، على أن الرأي يبقى رأيًا، ولا يجب أن يخضع لشروط أو معايير، لأن تأطيره ومحاصرته، لن يجعل منه رأيًا. وهذا نقاش مفتوح حول شروط الاستخدام، وما هو “مسموح” وما هو “غير مسموح”، وفي معايير تقييم العنف وغيرها.

وليست المشكلة مشكلة غطرسة، لأن هناك عادات تدل على الغطرسة. الزبون الذي يرفض الوقوف بالصف في انتظار دوره، ويتجاوز الآخرين، يعلم أنه بفعلته هذه سيستحوذ على الاهتمام. الخبير، الذي صار خبيرًا، ولا يعرف نفسه أن الخبرة ليست مُطلقة، وهو يجيب بازدراء على سؤال ما. ويمكن أن نضيف، صاحب التأثير، الذي لا يعرف ال