فيروس كورونامنوعات

وباء كوررنا التطورات، الخوف والعزلة -مقالات مختارة- متجدد يوميا

الجزء الأول من هذه المتابعة على الرابط التالي

فيروس كورونا الذي اجتاح العالم، ماذا عن سورية؟ -مقالات مختارة- ملف محدث يوميا

الجزء الثاني من هذه المتابعة على الرابط التالي

الفيروس الذي يفتك بالعالم، فيروس العزلة والخوف -متابعة متواصلة ومقالات مختارة-

«كورونا» سوريا… المخاوف الأبعد/ فايز سارة

لست وحدي الذي يتمنى، أن فيروس «كورونا»، لم يظهر في العالم أصلاً، وأنه لم يسجل إصابات في سوريا، كما كررت المصادر الرسمية هناك في الشق الثاني، قبل أن تعترف لاحقاً بوجود حالة إصابة وافدة من الخارج. غير أني، وكما كل الذين يعرفون سياسة نظام الأسد، فإنه لا يمكن الوثوق بما يقولون في دمشق، أو كما قال الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان ذات يوم في وصفهم: إنهم يكذبون حتى في نشرة الأنباء الجوية.

السلطات السورية في مواجهة احتمالات الفيروس، قامت بإجراءات، وصفها الخبراء والعارفون، بأنها غير ذات معنى، وأنها أقل مما ينفع في مواجهة احتمالات الفيروس، والغالب فيها إجراءات إدارية دنيا، لا تخلو من نفعية لمنتسبي نادي السلطة، أكثر مما تتصل بالإجراءات التقنية والفنية المطلوبة، والتي في مقدمتها تخصيص محاجر للمرضى، وتوفير أجهزة كشف عن الفيروس، تتجاوز أجهزة قياس الحرارة، وتأسيس مخابر متخصصة بالتحاليل الخاصة بالفيروس، والتي يقوم بها القطاع الطبي الخاص بأجهزة أغلبها قديم ومستهلك بأجر يصل إلى مائة دولار، تعادل بالليرة السورية ضعفي الراتب الشهري لكبار الموظفين في الدولة.

واقع الأمر كما يظهر في العاصمة سيئ، والوضع في بقية المناطق الخاضعة لسيطرة النظام أسوأ، والحال في المناطق السورية الأخرى سواء الخاضعة لـ«هيئة تحرير الشام» المتطرفة في إدلب وللتشكيلات المسلحة الدائرة في الفلك التركي في الشمال السوري سيئ هو الآخر، ومثله الحال في مناطق شرق الفرات، التي تسيطر فيها «قوات سوريا الديمقراطية»، ونواتها الصلبة «قوات حماية الشعب» الكردية. ففي هذه المناطق، اتسمت إجراءات مواجهة «كورونا» بأنها غير ذات أهمية ولا مؤثرة، إضافة إلى وجود واسع لضعف إداري نتيجة تعدد المرجعيات واختلافها وتناقضها، وهناك ضعف في القدرات المادية والصحية بشكل خاص بعد أن دمرت هجمات قوات الأسد وحلفائها الروس والإيرانيين أغلب المشافي والمراكز الصحية، وقتلت ودفعت للهجرة أغلب الكوادر الطبية وخاصة الأطباء، وهو ما تزامن مع وقف المساعدات الأممية والدولية للشمال السوري منذ أشهر بسبب الهجمات الجوية والبرية على الشمال الغربي.

وإذا كانت الإجراءات والإمكانيات السورية في مواجهة احتمالات الفيروس ضعيفة في كل المناطق السورية، فإن وقائع الحياة في سوريا، تزيد الضعف ضعفاً. وفي الوقائع ما يجعل البلاد كلها مرشحة لكارثة إنسانية فوق التصور، إذا تسلل إليها الفيروس، ولعلها تبرز في ثلاث نقاط؛ أولها أوضاع سكن السوريين والنازحين والمشردين منهم خاصة. وبفعل عمليات تدمير المناطق السكنية، فقد كثير من السوريين مساكنهم، قسم ذهب إلى المخيمات، التي تعد بالمئات وأكثرها موجود في مناطق الشمال قرب الحدود مع تركيا، وقسم جرى إسكانه في مراكز إيواء، كما في دمشق وبعض أريافها، وفي الحالتين ثمة اكتظاظ غير طبيعي، وغياب أو سوء شديد في الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وصرف صحي وطرق، والأسوأ من الحالتين واقع عيش سوريين في الحدائق والأماكن العامة، وهي ظاهرة يعيش مأساتها آلاف في دمشق، وهم مجرد مثال للمعاناة، ولاحتمال الوقوع السهل في مصيدة «كورونا».

والوجه الآخر في مأساة السكن السوري، كامن في قلة المساكن، مما يجعل أسعارها وأجورها فوق طاقة ذوي الحاجة من المهجرين والنازحين والذين اضطروا لتغيير أماكن سكنهم، مما أجبرهم على قبول السكن بمساكن رديئة المواصفات وبينها أقبية ومستودعات ودكاكين، أو في بيوت تحت الإكساء، وخرائب كانت مهجورة، والأسوأ من ذلك، ارتفاع عدد الأفراد في السكن، كما في سكن عائلة في خيمة أو في غرفة واحدة، أو عدة عائلات في بيت واحد. وفي كل الأحوال، فإن واقع سكن أغلبية السوريين اليوم، لا يوفر الحد الأدنى للقيام بعزل مصاب أو مشتبه به بصورة ذاتية، مما يعني تحول أي مصاب إلى قنبلة متنقلة.

النقطة الثانية في الوقائع الكارثية المحيطة بالسوريين اليوم، هو واقع الفقر الشديد، وقد أصاب الفئات العليا من الطبقة الوسطى بعد أن دمر الفئات الأدنى لأسباب من بينها قلة فرص العمل، وضعف الأجور والرواتب، وغلاء أسعار السلع والخدمات، وانهيار قيمة العملة، ومحدودية الإنتاج المحلي، وتردي نوعيته، وغياب الجهات الرقابية، وتواطؤها في أغلب الأحيان، وكله يجعل توفير الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء ولباس وسكن للأشخاص والعائلات أمراً صعباً، إن لم نقل مستحيلاً، خاصة في ظل جائحات عامة محتملة، سيكون في خلالها تدافع وتنافس حاد على احتياجات محدودة وفرص قليلة.

النقطة الثالثة في الوقائع المحيطة بالسوريين في ظل احتمالات «كورونا»، موضوع السجناء والمعتقلين. وقد أدت ظروف الصراع وظروف الحياة وتطوراتها في السنوات التسع الماضية إلى اعتقال وسجن وخطف مئات آلاف الأشخاص، وتشير التقديرات إلى وجود نحو مائة وثلاثين ألفاً في معتقلات النظام على خلفيات سياسية وأمنية، إضافة إلى السجناء القضائيين، وفي مناطق الشمال تضم معتقلات «هيئة تحرير الشام» المتطرفة والتشكيلات المسلحة الأخرى آلاف المعتقلين والسجناء، وهناك ما يقاربهم في معتقلات «قوات سوريا الديمقراطية» في شرق الفرات، وتجعل ظروف اعتقال وسجن هؤلاء عند الأطراف جميعاً قوة تدمير ليس لأنفسهم فقط، بل لسجانيهم أيضاً إذا وصلهم الفيروس، وسيكون من الصعب السيطرة على الوضع في السجون والمعتقلات أياً تكن الجهة، التي تديرها، خاصة أن تسريبات أمنية، أكدت وجود أكثر من ألف إصابة في سجن عدرا بدمشق.

إن التكلفة البشرية التي يمكن أن تصيب سوريا في ظل الوضع الراهن في احتمالات «كورونا»، أكبر من كل التصورات، وسوف تكون لها فواتير إضافية في جوانب أخرى، ولا سيما من الناحية الاقتصادية، بحيث تصير الكارثة شاملة ومتعددة المجالات، وتصيب الجميع، وتتعداهم إلى المحيط الإقليمي، لأن أحداً لن يستطيع الإبقاء على الكارثة في حدود الجغرافيا السورية، وأول من سوف يتأثر دول الجوار والدول التي يتبعها جنود وميليشيات موجودة على الأراضي السورية، الأمر الذي يعني ضرورة القيام بمبادرة تدخل إقليمي ودولي عاجل في سوريا في ضوء حقيقة يعرفها الجميع، أنه ليس من طرف سوري قادر على فعل شيء، وقد يكون لهذه المبادرة، إذا تمت لمواجهة «كورونا» في سوريا، أن تهزمه، وقد تلحق به نظام الأسد أيضاً!

الشرق الأوسط

—————————————–

“كورونا” المستجد ونهاية نموذج صدام الحضارات/ ماهر مسعود

أعادت جائحة كورونا “covid -19” طرح مسألتي الديمقراطية والسلطوية “Authoritarianism” إلى واجهة النقاش الفكري والسياسي، لاسيما أمام النجاح النسبي والأولي للسلطات الصينية في إيقاف انتشار الوباء محلياً بعد نشره عالمياً، مقابل تخبط السلطات الغربية الديمقراطية، على اختلافاتها، في مواجهة الجائحة على المستويات السياسية والاجتماعية والصحيّة.

يتزامن هذا النقاش الحاصل مع صعود الإعجاب العالمي بالأداء الصيني؛ وهو ما عبرت عنه منظمة الصحة العالمية كأسرع استجابة وبائية في التاريخ، واستثمرته البروباغندا الصينية على أحسن وجه في تسويق نفسها كنظام كفاءة عالمي.

يتناسب ذلك الإعجاب الصريح والضمني بالأداء الصيني مع حالة الهلع التي أصابت الناس حول العالم، والتي تقودها محقّةً غريزة حفظ البقاء، متناسية كل الفظاظة الصينية في عمليات الحجر والمنع والمراقبة الشاملة وإخفاء الحقائق، وقمع المخالفين واعتقال الصحفيين والناشطين عبر استخدام الذكاء الصناعي التي تسيطر من خلاله السلطة الصينية على جميع أفراد المجتمع بمستوياته كافة.

رغم أنه مازال مبكراً الحديث عن الانتصار الطبي الوقائي الصيني (حيث سيتوقف الأمر على ايجاد اللقاح أو الدواء والتقليل من حجم الخسائر البشرية والاقتصادية للدول) إلا أن النتائج الطبيّة ستكون حاسمة في المعركة السياسية/ الاقتصادية القائمة بين النموذج الليبرالي الديمقراطي الغربي والنموذج الصيني؛ وخلفه الروسي، وهو النموذج القائم على الرأسمالية اقتصادياً، والمركزية السلطوية المعادية جوهرياً للديمقراطية سياسياً.

تبدو المعركة ضد الوباء حاسمة جداً بالمعنى التاريخي، بحيث سيحدد المنتصرون فيها المسار الدولي المستقبلي لعدة قضايا شائكة وعالقة (من بينها القضية السورية) وذلك لعدة أسباب:

أولاً، يعاني النموذج الليبرالي الديمقراطي ذاته منذ ما يقارب العقد تقريباً، من صعود الشعبوية واليمين الشعبوي الأميل للسلطوية ونموذجها الصيني/الروسي، وسوف يؤدي الانتصار الصيني، أو خروجها بأقل الخسائر، إلى تقوية اليمين الشعبوي في العالم الديمقراطي وزيادة الطلب الشعبي على السيادة الوطنية والحدود القومية والانعزال الثقافي والإجراءات الأمنية، وإن لم يتم التعاون الأمريكي الأوروبي من جهة، ودول الاتحاد مع بعضها للخروج من المأزق من جهة أخرى، قد يؤدي ذلك إلى تفكك الاتحاد الأوروبي ذاته كما يتوقع الكثير من المراقبين، وهو ما تحاول الصين وروسيا الاستثمار فيه إلى أقصى حد عبر إرسال المساعدات “الفاسدة” وتضخيم قيمتها إعلامياً.

ثانياً، تنهي جائحة كورونا فعلياً، وإلى غير رجعة، حقبة صدام الحضارات التي تحدث عنها المنظّر السياسي الشهير صموئيل هنتغتون كنموذج سياسي لعالم ما بعد الحرب الباردة، فالعالم حسب هنتغتون لم يعد بعد الحرب الباردة عالمين، ولن يصبح عالم واحد متناغم كما بشّر فوكوياما وقتها، أو يحلم سلافوي جيجيك اليوم، ولا أيضاً عالم الدول القومية في عصر العولمة، بل عالم الصدام الحضاري، حيث سينقسم العالم ثقافياً ودينياً وسياسياً إلى سبع أو ثماني حضارات متنافسة، ولن يشكل خطراً على الغرب منها سوى الصين بالمعنى الاقتصادي والإسلام بالمعنى الديمغرافي والثقافي.

تلك الحقبة بدأت فعلياً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عبر سيطرة القطب الواحد خلال التسعينات وبداية القرن الجديد، ثم استمرت مع اللاقطبية الدولية التي سادت مع الأزمة الاقتصادية عام 2008 وأخذت مجدها خلال المرحلة الأوبامية، بحيث غابت السيطرة الفعلية لأي قطب أو قوة دولية على المشهد العالمي وبرزت الكاريزما الأوبامية كشخصية ثقافوية في عالم سياسي يقوم على النهش والقوة، وأخيراً وصلت لأعلى تناقضاتها مع إدارة ترامب، الذي سعى بطريقة عدائية لقيادة العالم، في الوقت الذي تصرف فيه كقائد عصبوي قومي عبر شعاره “امريكا أولاً”، وهو ما نفَّر حلفاءه الغربيين من تلك السياسة، وأضعفهم أمام القوة الروسية سياسياً والمد الصيني اقتصادياً، وأضاع بوصلتهم السياسية، وعزز في المحصلة السياسات القومية في بلادهم. وفوق كل ذلك باتت واضحة تلك الحقيقة البديهية وهي أنه لا يمكن لأمريكا قيادة العالم دون حلفائها.

مع التداعيات المتوقعة لجائحة كورونا على المستويين السياسي والاقتصادي، لن يبقى لأمريكا أو لأوروبا رفاهية تعدد الأقطاب أو العمل المنفرد، بل إن النظام العالمي الجديد سيتحدد بشكل واضح القسمة بين النموذج الصيني/الروسي والنموذج الأمريكي/الغربي مثلما كان سابقاً في زمن الحرب الباردة السوفيتية الأمريكية.

ثالثاً، من المعروف أن نموذج صدام الحضارات الهنتغتوني وضع العالم الإسلامي كخطر أساسي على الغرب باعتباره قوة بشرية هائلة تفرز نماذج ما قبل الدولة وترعى المنظمات الإرهابية، وهو ما أنتج فعلياً السياسة الأمريكية/ الدولية لمكافحة “الإرهاب الإسلامي” وصياغته كعدو بديل بعد انهيار العدو الشيوعي السابق والتحاق الصين وقتها بنمط الإنتاج الرأسمالي، إلا أنه بعد القضاء على داعش، وتحجيم القاعدة، وتوقيع الاتفاق مع طالبان، فإن العالم الإسلامي لم يعد مؤهل أصلاً ليحظى بصفة العدو فقد تمّت هزيمته من الداخل قبل الخارج عبر أنظمته، ولذلك فإنه من المرجح أن تنتهي حقبة العدو الثقافي، لتبدأ من جديد مرحلة العدو السياسي/ الاقتصادي، فالغول الصيني المدجج بالديكتاتورية الرقمية والمدعّم بالانتصارات السياسية الروسية على المستوى الدولي، هو العدو الأساسي القادم للنموذج الليبرالي الديمقراطي، وهو الخطر الأساسي المؤهل لقيادة العالم مستقبلاً، ومن الواضح أن أزمة كورونا سوف تحسم ذلك الصراع وتعزز الانقسام الدولي بين المعسكرين.

لقد كان لعالم اللاقطبية الدولية والفوضى وانعدام القرار الناتجة عنه، أثراً هائلاً بالغ السوء في مسارات القضية السورية، وغالباً سيحدد شكل الصراع العالمي ما بعد السيطرة على جائحة كورونا مستقبل الصراع في سوريا، حيث لا يمكن حسم ذلك الصراع دون توازنات دولية جديدة، ولا يمكن تأجيله وتحمّل الفوضى الناتجة عنه إلى ما لانهاية، فلنأمل إذاً بألا تأخذنا رياح التوازنات القادمة نحو نموذج الديستوبيا الصينية الفاشية القاتمة.

بروكار برس

—————————————

هلع في غوطة دمشق: كورونا يقترب

تواجه مدن وبلدات الغوطة الشرقية في ضواحي دمشق مخاطر صحية كبيرة، بعد معلومات عن تسجيل إصابات كورونا، بين عناصر الحواجز العسكرية التابعة للنظام السوري على مداخل المنطقة.

مصادر محلية أكدت إصابة عناصر الحواجز من الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري بفيروس كورونا، محذرة من كارثة صحية في حال انتقال العدوى بالفيروس المستجد إلى داخل مدن وبلدات الغوطة.

وأعقبت أجواء من القلق الأنباء هذه، وسادت مخاوف بين الأوساط المحلية من انتقال العدوى، في ظل واقع صحي وخدمي ومعيشي متردٍ.

وأكد الصحافي زياد الريّس، من مدينة دوما، قيام النظام السوري  بحجر تسعة عناصر من الذين كانوا على الحواجز بعد الاشتباه بإصابتهم بكورونا، بعد تثبيت إصابة آخرين ونقلهم إلى مستشفيات في القلمون.

وقال ل”المدن”، إن هناك خشية من انتقال العدوى لأشخاص من داخل الغوطة كانوا على احتكاك بعناصر الحواجز، طالباً من هؤلاء عزل أنفسهم ذاتياً، لتجنب نشر الفيروس بين الأهالي.

وما يقلق أهالي الغوطة هو منع النظام لهم من التوجه للمراكز الصحية في دمشق في حال انتشار الوباء، وذلك بعد إصدار داخلية النظام قراراً يقضي بمنع التنقل بين المدن والأرياف، كإجراء احترازي ضد انتشار كورونا، في وقت تعاني فيه المنطقة من شح الخدمات الطبية، وانعدام أجهزة التنفس الصناعية.

وكان النظام قد أصدر تعليمات بمنع تنقل الأشخاص بين المدن والأرياف والعكس، منذ الأحد الماضي، وحتى إشعار آخر.

وحسب الريّس، فإن مجموع الأسِرّة في وحدات العناية المركزية في الغوطة الشرقية، سبعة فقط، بما ينذر بكارثة في حال تفشي الوباء، وقال: “المستغرب أن محافظ ريف دمشق، علاء إيراهيم، أمر بخفض نفقات البلديات، علماً بأن كل الدول أمرت بزيادتها لمواجهة كورونا”.

ولا تزال الغوطة الشرقية بعد مضي نحو عامين على سيطرة النظام السوري عليها، تعاني  من سوء الخدمات، وندرة المياه، وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، وهو ما يعتبره البعض أمراً متعمداً من النظام، كنوع من العقاب الجماعي الموجه لسكان المناطق التي خرجت عن سيطرته في وقت سابق.

وكان موقع “صوت العاصمة” قد أكد قبل يومين، قيام النظام السوري بالحجر الصحي على عائلة من مدينة حرستا، بالغوطة الشرقية، وذلك بعد عودة العائلة من لبنان بشكل غير شرعي.

وأضاف أن سيارات تتبع لوزارة الصحة وأخرى للهلال الأحمر، نقلت العائلة كاملة إلى الحجر الصحي، بعد تأكيد إصابة فتاة من العائلة بفيروس كورونا. وأشار إلى حالة من الخوف التي سيطرت على سكان “حي صمصم” حيث تقطن العائلة، من انتقال العدوى إليهم.

———————————–

تركيا..الوباء الطبقي/ عائشة كربات

في تركيا، كما هو الحال في جميع البلدان الأخرى حيث تشعر الغالبية العظمى من الناس بأنهم رعايا وليسوا مواطنين، يتطور نوع من نظام الوباء الطبقي.

هنا في تركيا في أسفل الطبقة الاجتماعية، يوجد لاجئون؛ معظمهم ليس لديهم شروط العزل الذاتي في المنازل المزدحمة. لا توجد دراسات حول هذا الأمر ولكن ليس من الصعب التكهن بأن أولئك هم الذين فقدوا وظائفهم في المقام الأول بسبب الوباء.

الأسوأ من ذلك، أن موقف الجمهور المتدهور بالفعل تجاههم يزداد إشكالية؛ ليس فقط ما يسمى بحزب المعارضة حزب الشعب الجمهوري وحزب القوميين (الخير) ولكن العديد من الناس، الذين يشعرون بالقلق الشديد بسبب الانتشار السريع لـ”Covid -19″ ويتوسلون لفرض حظر تجول حقيقي لضمان فعالية التباعد الاجتماعي، بدأوا مؤخرا بالقول بشكل متكرر: “يجب على الدولة التي تعتني بأربعة ملايين سوري منذ سنوات، أن تكون قادرة على رعاية مواطنيها لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع”. هذا الخطاب، وهو أكثر انتشاراً من الفيروس التاجي، يدفع اللاجئين حتى إلى قاع نظام الطبقات الوبائية في تركيا.

في هذا النظام الطبقي فوق اللاجئين، لدينا الطبقة العاملة في الخطوط الأمامية للاقتصاد، أولئك الذين يضطرون إلى الخروج لكسب العيش لأنفسهم ولعائلاتهم، على الرغم من جميع الدعوات للبقاء في المنزل. بعضهم عاطلون عن العمل بالفعل؛ مصانعهم، ورش العمل مغلقة. الأموال المقدمة من الحكومة لإنقاذهم ليست بهذا الحجم، ومتطلبات الاستفادة منها صعبة ولا تشمل العمال الموسميين والعاملين. أولئك الذين لا يزال لديهم وظائف لا زالوا يذهبون إليها خوفاً على حياتهم. كانوا يطالبون بمساعدة الدولة أيضاً.

ولكن بدلاً من ذلك، هم يخافون. على سبيل المثال، تم اعتقال سائق شاحنة تركي لفترة وجيزة بسبب مقطع مصور انىتشر بشكل كبير كان ينتقد خلاله الحكومة لدعوتها الناس إلى البقاء في المنزل ولكنها لا تقدم لهم حلولاً واسعة وفعالة للمشاكل المالية التي ستنجم عن عدم القدرة على العمل. “عندما لا أعمل، لا يوجد طعام. لا أستطيع دفع الإيجار وفواتيري. إن عدم دفعها هو في الواقع أسوأ من الموت. لا يهم. إما أبقى في المنزل وأموت من الجوع أو من الفيروس. ليس الفيروس الذي يقتلني، ولكن نظامك”. عندما وضعته المحكمة تحت المراقبة ، قال إنه لا يندم على ما قاله.

فوقهم في النظام الطبقي، هناك طبقة متوسطة، يُسمح للبعض منهم بالعمل من المنزل فقط لاكتشاف أن نظام التعليم فظيع، وذلك بفضل دورات التعلم عن بعد المتلفزة.

الأغنياء خائفون حتى الموت أيضاً، ليس لأسباب اقتصادية ولكن لأسباب صحية. يلاحظ البعض بشكل مؤلم أن اختبارات فيروس كورونا، حتى لو كانت متوفرة بمقابل مادي، ليس من السهل الوصول إليها إذا لم تكن لديهم علاقات وثيقة مع الحكومة. وانتشر مقطعان مصوران آخران يظهران أقارب بعض الأشخاص الذين تربطهم صلات وثيقة بالحكومة يلعبون بأدوات اختبار كورونا من أجل المتعة.

فوجئ بعض الناس الذين يحاولون تحمل هذه الأيام أثناء الصلاة في المنزل بسبب إغلاق المساجد وتعليق صلاة الجمعة كجزء من إجراءات ضخمة للحد من انتشار الفيروس، يوم الجمعة الماضي عندما رأوا أن مدير الأوقاف الدينية أمّ صلاة جمعة خاصة لعدد قليل من الأشخاص المختارين في أنقرة. من الواضح أن هناك بعض الصلوات مخصصة للأشخاص المهمين والفيروس لا يساويهم بالآخرين.

في ظل هذه الظروف، أطلق الرئيس رجب طيب أردوغان في 30 آذار/مارس حملة تضامن وطنية، تهدف إلى المساعدة في مكافحة الوباء وقال: “نحن تركيا مكتفية ذاتياً”. تبرع براتبه لمدة سبعة أشهر وطلب من الجميع المساهمة.

سارع البعض للانضمام إلى عملية جمع التبرعات هذه، لكن الكثيرين منهم أصيبوا بخيبة أمل أيضاً. وزعم منتقدو الحملة أنهم دفعوا ضرائبهم بالفعل، والآن دور الدولة لرعاية مواطنيها. قال البعض إنهم شعروا بأنهم تركوا وحدهم في الأوقات الصعبة وهذه الحملة تعني أن الدولة عاجزة ولهذا السبب حثّت المواطنين على مساعدة بعضهم البعض. أثار البعض مسألة الشفافية وذكّروا بالحملات المماثلة السابقة من قبل الدولة، التي لم تتضح نهايتها على الإطلاق. أولئك الذين يريدون التعبير عن غضبهم، كرروا في الغالب نفس الحجة، إذا كانت الدولة تعتني بالسوريين، ألا نستحق الشيء نفسه لبضعة أشهر؟

أن تكون سورياً في الوقت الحاضر أصعب من أي وقت مضى.

المدن

————————–

بإمكانيات شبه معدومة.. تحترز “أم حسن” من وباء كورونا في مخيمات إدلب

“خايفين من الفيروس وما في إمكانيات لمواجهته”، بهذه الجملة لخّصت “أم حسن” النازحة مع 20 شخص من أبنائها وأحفادها في مخيمات الشمال السوري، الخوف من تفشي فيروس كورونا المستجد في المنطقة، والذي حصد حتى الآن آلاف الأرواح حول العالم.

تقول “أم حسن” النازحة من منطقة قسطون بريف حماة: قبل خمسة أعوام إلى مخيمات أطمة على الحدود السورية – التركية، والبالغة من العمر 70 عاما، إن الإمكانيات المتوفرة بين أيديهم قليلة جدا لمكافحة هذا الفيروس، فلا يمتلكون المال الكافي لشراء المعقمات ومواد التنظيف، كما أن الإقامة في المخيمات لا تسمح لهم بالحصول على التعقيم اللازم نظرا لبنائها على أرض ترابية وفي العراء وتعرضها لكل العوامل الجوية، وعدم وجود الأبواب التي تسمح بعزل العائلات لنفسها.

وتشتكي “أم حسن” من عدم وجود حمامات، أو نقاط طبية قريبة عليهم للذهاب إليها في حال ظهرت أي أعراض على أحدهم، وتؤكد أنها لا تملك المعلومات الكافية عن هذا الفيروس “فلم يشرح أحد لهم عنه وعن كيفية مواجهته”، وتقتصر التوعية التي تقدمها لأبنائها وأحفادها على غسل أيديهم بشكل متكرر طوال النهار.

وتضيف في هذا الشأن: “نحن خمس عائلات.. المياه لا تكفينا ولا تتوفر بشكل دائم، ومع حلول الصيف سوف نضطر لشرائها في حال توفر المال.. الخدمات غير جيدة في المخيم، لا يوجد حمامات، ولا نقاط طبية، ولا هواتف محمولة للاتصال بالكوادر في حال حدث أمر ما، كل هذا سيساعد على انتشار المرض في حال أصيب أي أحد به في المخيم”.

وخوفا من نفاذ كميات المياه المخصصة لهم تشرف “أم حسن” في كل مرة على غسل أيدي أحفادها الصغار، وتقتصد في الأمر.

ورغم محاولتها التظاهر بالقوة وعدم الاكتراث لهذا الفيروس، لم تسطع السيدة المسنة خلال حديثها معنا إخفاء خوفها على أحفادها وأبنائها من هذا الفيروس المعدي ، ولكن ليس “بالبيد حيلة” فالظروف المحيطة والأوضاع المادية الصعبة التي يعيشونها، تقف عائقا أمامهم في أخذ الاحتياطات التي ينعم به كثير من الناس في بقاع الأرض.

تتمنى “أم حسن” في كل يوم أن يبقى أبناؤها وأحفادوها الـ 20 بخير، والذين يعيشون في ثلاث خيام، بعد أن أجبرهم قصف النظام وروسيا على ترك منازلهم، ومهنتهم التي كانوا يقتاتون منها وهي الزراعة، ليعيشوا حياة جديدة لا تشبههم أبدا، ويعتمدون على المعونات والمساعدات الشهرية التي توزع عليهم، وبعض النقود التي يجنيها أحد أبنائها الذي بقي معها ولم يفضل الذهاب لتركيا مع شقيقه.

———————————

 كوفيد-19، “منطقة” صراع شمال/جنوب؟/ هالة اليوسفي

هناك حدود-هوامش داخل منطقة الصراع ضد كوفيد19، وهي بمثابة أماكن فصل بين الأجساد المريضة والأجساد السليمة، الأجساد المحتجَزة والأجساد العاملة، أصحاب الأجور الثابتة والفئات الهشة، الأجانب وأبناء البلد، المهاجرين النظاميين والمهاجرين بدون أوراق إقامة قانونية.

ترجمه من الفرنسية: محمد رامي عبد المولى

تشير الساعة إلى الثامنة وست دقائق من مساء يوم الاثنين 16 آذار/مارس 2020. وما انفك ايمانويل ماكرون، رئيس الجمهورية الفرنسية، يكرر، لستِ مرات على الأقل، “نحن في حرب”. يوضح الرئيس الفرنسي بدقة مواصفات العدو: “نحن لسنا بصدد محاربة جيش أو أمة أخرى، لكن العدو هنا، غير مرئي، مراوغ، ويتقدم باستمرار. وهذا يتطلب منا تعبئة عامة”. ثم يختم خطابه بنبرة انتصارية تذكر بعجرفة الحقبة الاستعمارية: “لا يجب أن نتأثر ونخاف، فلنتحرك بقوة. لكن دعنا نتذكر هذا: في اليوم التالي، عندما نكون قد انتصرنا فسوف لن تكون هذه عودة إلى ما كنّا عليه. سنكون معنويا أقوى”. لكن السؤال الوحيد الذي يبقى معلقا هو: كيف يمكن التعامل مع جغرافيا “منطقة” قتال ضد عدو غير مرئي؟

تخوم ضبابية وحدود مرئية

تكمن فرادة “منطقة” الصراع هذه – ضد كوفيد19–في كونها تتخذ شكلا متناقضاً: تخومها ضبابية لكن حدودها متعددة. ليست الحدود “واقعا مجالياً له انعكاسات سوسيولوجية، بل هي واقع سوسيولوجي يتخذ شكلاً مجالياً”، كما يذكرنا بذلك جورج سيمل (1) . وهكذا تتصادم الخطوط الفاصلة الواضحة والمتواصلة التي فرضتها الدول القومية مع تشابك غير مسبوق للحدود التي تتموقع فوقها مختلف الأطراف الفاعلة لهذه الحرب ضد كوفيد-19.

من جهة، حدود-هوامش داخل منطقة الصراع، وهي بمثابة أماكن فصل بين الأجساد المريضة والأجساد السليمة، الأجساد المحتجَزة والأجساد العاملة، أصحاب الأجور الثابتة والفئات الهشة، الأجانب وأبناء البلد، المهاجرين النظاميين والمهاجرين بدون أوراق إقامة قانونية، الخ… هذه الهوامش الداخلية تشكل “منطقة” القتال التي تصبح، كما تقول قصيدة لغييوم أبولينير نشرت في 1912 وتحمل العنوان نفسه، “إقليماً نفسياً -جغرافياً” يكون فيه الفقراء والمهاجرون والمهمشون أول من يتم اقصائه والتضحية به. ومن جهة أخرى، الحدود الفاصلة بين الدول والتي تقوم بتعيين عالم آخر مخيف يجب التوقي منه. وتخلق هذه الحدود، بشكل مخاتل، منافسة بين الأمم في السباق نحو الكمامات الطبية وأجهزة التنفس، لتأكد مرة أخرى تراتبية السلطة والتفاوتات الاقتصادية البنوية بين الدول الغنية والدول الفقيرة في السباق ضد الموت. حدودٌ تأتي لتضاف إلى حدودٍ موجودة بالفعل ومتجددة، كتلك التي تعزل الشعوب التي تتلقى قنابل حروب نفوذ تشنها قوى اقتصادية، أو تلك التي تشمل شعوبا يمثل الصراع ضد الأوبئة جزء لا يتجزأ من حياتها اليومية.

هكذا تحيي منطقة القتال ضد العدو غير المرئي، كوفيد-19، وتكرّس حدوداّ قديمة وتبنى حدوداً أخرى تسمح بالمزيد من الإقصاء، والفصل، وفرض الإقامة الجبرية، والفصل بين الفئات الاجتماعية-الاقتصادية ومنح حقوق مختلفة: امتيازات للبعض وتمييز ضد الآخرين، الحياة للبعض والموت للآخرين. وبشكل متزامن، يحرص مجمل الحكام على أن ترقى الوطنية والشوفينية إلى مرتبة الطقوس الضرورية لسير الديمقراطية، متناسين أن نهاية الرجّة التي نعيشها الآن لا يمكن أن تحصل إلا على مستوى عالمي، وانه لن يكون هناك إلا موتى وخاسرون في هذه الحرب. بالإضافة لكل هذا، يتبخر بسرعة حلم بشرية متّحدة من أجل معركة كونية ضد كوفيد-19 ليفسح المجال أمام المشهد التراجيدي لحقيقة عالم منقسم بحدود متّقدة..أكثر من أي وقت سابق. حقيقة محزنة ستكون هي الأبرز في نهاية المطاف، كما هو الأمر دائماً.

التجارب البديلة على محك هيمنة نشيد الأرقام

رداً على الأصوات التي ترتفع لتعبر عن أمانيها في ولادة عالم أفضل، عادل، يساوي بين البشر ويضع أخيرا حداً لفظاظة “الحداثة الغربية”، ويعيد ربط الصلة مع الطبيعة، يتوالى شريط أرقام الجائحة بثبات لا يهزه شيء. وفي هذه الحرب نجد التكنولوجيا الرقمية، كما يليق بالتحذلق التقنوي للإسم الذي اطلق على الفيروس – كوفيد-19 – في قلب العتاد الحربي المعّد للمعركة. تمّدنا منظمة الصحة العالمية، مستعملة لغة تكنوقراطية، وببساطة رقمية غير لائقة، بتعداد المرضى والموتى، والسيناريوهات شبه الحينية لتطور منحنى المرض، مسجلة الخسائر والأرباح ببرود ودقة رياضية تتحدى في الوقت نفسه قدرة البشر وما قد تأتي به السلطة الإلهية من أمور لا يمكن التنبؤ بها. تُذكِّر آلة الحرب هذه، بشكل غريب، بحلم كارل فون كلاوزفيتز المتمثل في معركة لا يديرها قائد ذكي بل حرب تطيح بالسياسي وتسود وفق قوانين طبيعتها الخاصة. حلم يتحول إلى واقع يومي أقل ما يقال عنه انه صادم ومؤلم.

وبالتزامن، تظهر منظمة الصحة العالمية، صاحبة الموقع المهيمن في نشر المعرفة واحتكار الكلمة، طموحها “الإلهي” في إرساء إستراتيجية كونية لمكافحة كوفيد-19. وبالتالي ترسي علاقات مع الدول تشّل أي تفكير في بدائل لمكافحة المرض عبر نشر معايير وتدابير موحدة تكبح أي بلد أو جماعة ترغب في تدبر سبل مكافحتها للفيروس خارج القالب الذي وضعته المنظمة. وفي هذا النموذج الفكري، تنمحي اللغات واللهجات وكذلك المعارف البديلة أمام “إسبرانتو” (لغة دولية موحدة) من الآلات الذكية وجيش من الخبراء العلميين. من الواضح أن منظمة الصحة العالمية تريد الترويج لاستراتيجية تتجاوز الأوطان وتتبنى المبادئ التايلورية، حيث لاتخطئ المؤشرات أبداً، بل بالعكس تصيب هدفها بدقة رياضية لا تضاهى. وهكذا تصبح المعركة ضد كوفيد-19 نشيداً جديداً للعقلانية، واحتفاء آخر بالحداثة والتقدم التقني.

هل يأتي الحل من بلدان الجنوب؟

بيد ان شعوب الجنوب والمهاجرين هم وحدهم من يستطيعون فك شيفرة منطق هذه “الحرب” لأنهم عاشوها فعلاً ومازالوا يختبرونها ذهنيا وجسديا. وكما هو الحال مع الحالة الكولونيالية (2) التي برزت مع الاستعمار وولادة الرأسمالية، هم يعلمون أن المنطق التكنوقراطي لهذه المعركة يعيد ربط الصلة مع ابستيمولوجيا إمبراطورية هي بمثابة هجوم نووي ضد اللغة البشرية. وهم يعرفون أيضا انه وبإسم خَطابية الحداثة والتقدم العلمي المنبثقة عن فلسفة الأنوار، ستتسرب الحرب ضد هذا الفيروس في العالم – كما هو الأمر بالنسبة للحالةالكولونيالية – محتلة ذهنه وملغية حساسيته وجسده وتجذره الجغرافي-التاريخي. وبالتالي فإن هذا الفيروس – أو بالأحرى الحرب التي تُشن ضده – يتجاهل العلاقة مع الواقع عبر فك الصلة بين العالم الحالي ومعارف الشعوب التي عاشت تجربة الاستعمار و/أو الديكتاتورية، والتي يمكنها ان تتوقع مسبقاً عواقب المراقبة والتحكم المعممّين. تاريخ الصراع ضد الأوبئة في بلدان الجنوب، وضع التجارب في سياقها وايضاً جندرة هذه المعارف بما تقتضيه مثلاً طواقم التمريض المتكونة أساساً من نساء، هي كلها معارف تبدو محتقرة بشكل كبير.

وبإرسائها لديكتاتورية الأرقام، ومراقبة الأجساد، ومفاضلتها بين المعارف، نجد ان المعركة ضذ كوفيد-19 – تماماً كما هو الأمر مع الحالة الكولونيالية – بصدد خلق عجز لدى المهيمِنين عن إدراك إمكانات الإنقاذ الكامنة في معارف التابعين البديلة.

ومن حسن الحظ ان الأزمات تسمح أيضاً بحدوث “المفاجئات” وفتح الثغرات. وإذا ما كانت الحدود المرسومة لمنطقة القتال ضد كوفيد-19 خطوط فصل متحفزة. فيمكن أيضاً أن تتطور أو تتحول- لكي نستعمل لغة الفيروسات- إلى فضاءات احتضان/استقبال. وهكذا نجد ان فريقاً كوبياً حارب وباء الإيبولا في غرب أفريقيا مستعد لوضع خبرته تحت تصرف أوروبا “والعمل دون هوادة لتقديم الرعاية الطبية ومواجهة وباء كوفيد-19 بالتنسيق مع العاملين في قطاع الصحة في ايطاليا”، كما صرح بذلك قائد الفريق كارلوس ريكاردو بيريز. وفي السياق نفسه، دعا قيس سعيّد، رئيس الجمهورية التونسية، بعد سويعات من خطاب ماكرون الحربي، إلى التضامن الوطني والدولي ووضح قائلاً: “يجب على الأمم أن تكون بالفعل متّحدة، لا من أجل السلم والأمن الدوليين بالمعنى التقليدي بل من أجل الإنسان في كل مكان. إن الانغلاق على الذات قد يكون حلاً بالنسبة إلى البعض لكنه لا يمكن أن يكون حلاً عادلاً وسيبقى في كل الأحوال حلا مبتوراً ومنقوصاً”.

من المبكر جدا أن نتوقع كيف – خلال هذه الأزمة الصحية وبعدها – ستتحرر الكلمات وتتبلور التمردات وتنشأ الائتلافات وتنبثق البدائل. لكن بإمكاننا دائماً أن نحلم مع الشاعر محمود درويش بدخول الجنّة المتجسدة في الوطن المستعاد:

“تضيق بنا الأرض ..

تحشرنا في الممر الأخير

فنخلع أعضاءنا كي نمر.. وتعصرنا الأرض

يا ليتنا قمحها كي نموت ونحيا.

(…)

إلى أين نذهب بعد الحدود الأخيرة ..؟

أين تطير العصافير بعد السماء الأخيرة ..؟”

______________

1-جورج سيمل، علم الاجتماع. دراسة في أشكال التنشئة الاجتماعية. (ترجمته من الألمانية إلى الفرنسية ليليان ديروش-غيرسال وسيبيل مولر )، باريس، المنشورات الجامعية الفرنسية، 1999.

2-يقصد بمصطلح الحالة الكولونيالية علاقات السلطة والهيمنة الناتجة عن إعادة الإنتاج البطريركية والاستعمار والرأسمالية والعولمة. راجع مقال والتر ميغنولو “الجغرافيا السياسية للمعرفة، الحالة الكولونيالية للسلطة والاختلاف الاستعماري” المنشور في حولية Multitudes المجلد 6، العدد 3، 2001، ص.ص 56-71.

السفير العربي

————————————–

الكارثة ومفهوم العقد الاجتماعي/ موفق نيربية

لولا الخشية من أن يرى بعضهم في كلامي شيئاً بعيداً عن التضامن والأنسنة، لقلت إن كارثة جائحة الكورونا العالمية، ربما ستُحسب خيراً في مستقبل الإنسانية. ربما، وحسب، لأنها تضع العالم أمام مرآةٍ حية للمرة الأولى في العصر الحديث، ربما يختلف حتى عن الكوارث السابقة، من الحربين العالميتين، وعن جائحة أنفلونزا كلفت العالم كثيراً منذ حوالي مئة عام.

(يأتيني خيال إيمانويل كانط، وحكومته العالمية وسلامه الدولي كثيراً هذه الأيام، كما تستبدّ بي علاقة الكارثة بالعقد الاجتماعي).

ما زالت الجائحة تجتاح العالم، ولم تصل ذروة فاعليتها بعد، وربما تفعل قريباً، وهي ستتراجع حتماً في ما بعد، بعد أن تفعل فعلها. وهي- حتى الآن- تضرب الأقوياء خصوصاً، الذين حُرموا هذه المرة من التعامل مع كوارث الآخرين كما اعتادوا. وليس معروفاً بعد، كيف ستكون نتائج ذلك على العالم من جميع نواحيه، البشرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.. وسيأتي هذا النص هنا في عجالة على آثاره المحتملة على الأساس «القانوني» الذي يحفظ المجتمع الدولي، من خلال حفظ أمن المجتمعات المشتركة فيه واستمرارها، على عقد اجتماعي ما،

ولن يكون ذلك سهلاً، إلا من خلال أدوات وآليات مختلفة وجديدة، ربما يمكن اشتقاقها من النسق الذي اقترحه جون رولز الفيلسوف الأمريكي الذي يُعتبر كتابه «نظرية العدالة»- 1972 أحد أهم ما صدر في القرن العشرين في اختصاصه، بما أطلق عليه اسم «الموقف الأصلي» الافتراضي، بخلوّه من أي مؤثرات ذاتية مسبقة، والذي أصبح أسهل تطبيقاً في هذه الأيام بعد خمسين عاماً من اقتراح رولز، الذي سيتوصل المشاركون فيه إلى صياغة للعقد، من وراء «حجاب الجهل» الافتراضي أيضاً، الذي ينزع عن المشاركين كلّ ما يؤثر على حكمهم، كمكانتهم وحالتهم الاجتماعية، وتاريخ صراعاتهم، وقدراتهم الطبيعية، وقوميّتهم وجنسهم ومفهومهم الشخصي عن مفهوم الخير ومستوى تقدمهم الحضاري وثقافتهم، لا تبقى إلا القدرة على تطوير الشعور الصافي بالعدالة. وكما اكتشف رولز كانط من جديد، الذي استند بدوره إلى جان جاك روسو، الذي استند أيضاً إلى لوك، نستطيع الآن أيضاً أن نعيد اختبار تلك السلسلة، التي كان لها دور عميق في التقدم نحو المستوى الحضاري الذي وصلته البشرية.

أقرت قمة العشرين إنفاقاً قيمته خمسة تريليونات لاستيعاب صدمة كورونا، التي ربما تحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك. وابتدأت ملامح الصراعات على الطريق، بشكلٍ موازٍ للجهود المشتركة. كما أقرت دولٌ عظمى إنفاقاً موازياً لمنع اقتصاداتها من الانهيار المتدرّج أو الفجائي. ولا يوجد إطلاقاً أي إمكانية للتنبؤ باحتمال نجاة مجتمعات ودول، وتدهور مجتمعات ودول أخرى. فالعولمة وتواصل العالم، بمواصلاته ومصالحه وترابطه، يبرز الآن بجانبه البشع، الذي يؤكد أن العالم كرةً واحدة. لا بدّ إذن من التأمّل وإجراء الاختبارات الافتراضية، ونحن ما نزال بعدُ في محاجرنا.

هنالك من يرى إمكانيات مختلفة للعودة عن العقد الاجتماعي الحديث، بتجلياته مثلاً في نظرية رولز عن العدالة، ليس إلى من سبقه وحسب، بل إلى رابطه الأول عند توماس هوبس، وكائنه الخرافي «لوياثان»، الذي اقترحه تمثيلاً لرؤيته عن الدولة والمجتمع، ليس من أجل تبرير الطاغية وسلطته المطلقة وحسب، بل إلى تبرير الشمولية أيضاَ، بانضباطها الذي مكّن الصين من تجاوز الموجة الأولى من الوباء. ولطالما تمكن الطامحون إلى عدالة اجتماعية مختلفة من اشتقاق معادلة هوبس البسيطة، وتحديثها على حالة الاتحاد السوفييتي والصين ومن كان حولهما، وتشويهه بقوة في «اشتراكيات» العالم الثالث، التي كان الكثير منها وما زال أقرب إلى سلطنات. اختزلت تلك الحكومات الحقوق في حالة الطبيعة الأولى إلى حق الحياة، المهدّد دائماً مع الأزمات.

أعادت الكوارثُ الحالةَ القائمة إلى الطبيعة في التاريخ، وهي سوف تعيدها جزئياً على الأقل مع الكارثة الراهنة، حين تتطور. وقد ابتدأ البعض في تطوير فكر خاص بالكوارث، منذ بعض العقود، في مراكز بحث مرتبطة بالأمن الوطني، أو إدارة الكوارث، من حيث التحضير لها، وآليات مواجهتها، ثم التعامل مع آثارها لاحقاً. ويمكن أن يكون أحد أبواب النظر في ذلك بتوسيع نظرية العقد الاجتماعي وتحديثها، إضافة إلى تطبيقات المنظومات الأخلاقية الأقرب إلى التعميم والتجريد أولاً، قبل تحويلها إلى نظم وقواعد وقوانين. ويساعد الخوف الذي يلفّ أهل العلم أنفسهم، بجعلهم أقرب إلى الإنسان العادي، ومن ثَمَ في تطبيع عملهم.

بالطبع هنالك من يُرجع أصل الدولة إلى التطور التاريخي، الذي تتخلّق مبادئه مما يحدث ويطرأ، وذلك وجه آخر لإرجاع الدولة إلى اللاهوت في النظرية الثانية، أو إلى مبدأ القوة وسلطتها القاهرة وعمرانها الخلدوني الدوّار. ولكن الشكل الأكثر تناسقاً حتى الآن مع مسار أنسنة الدولة؛ تلك المهمة التي طالما بدت أقرب إلى المستحيل أحياناً، وإلى الممكن الوحيد أحياناً أخرى؛ هو مفهوم العقد الاجتماعي، بتحديثه مع تطورات مفهوم العدالة الاجتماعية والإنسانية في الوقت نفسه، ومع خبرات العالم الحديث وثغرات تقدمه المؤلمة.

يصف هوبز الهيمنة بأنها روح لوياثان. حالة الطبيعة – إن «الوضع الطبيعي للبشرية» هو ما كان سيوجد لو لم تكن هناك حكومة، ولا حضارة، ولا قوانين، ولا سلطة عمومية لكبح جماح الطبيعة البشرية. الحياة في حالة الطبيعة «مقرفة ووحشية وقصيرة».. لذلك يمكن اعتبار الطاغية منقذاً للناس من ذواتهم، وربما استطاع – في دولٍ وأنظمة كثيرة – أن يحيل حياتهم وعقدهم الاجتماعي الذي يضمن فيها أمنهم إلى حياةٍ «مقرفة ووحشية وقصيرة»، في حالة تشبه حالة الطبيعة التي يسودها حاكم لا حدود لسلطته.. هل تريدون أمثلة؟ هنا تبدو الكارثة سهلة ومثيرة لفضول أقل، وربما خوفٍ أقل أيضاً.

في حين قال جون لوك، إن من بين الحقوق الطبيعية الأساسية للإنسان» الحياة والحرية والملكية الخاصة»، ولذلك اعتبر أن أبسط قانون إنساني وأكثرها بداهة هو الحفاظ على الجنس البشري. وهنا يمكن استحضار الكارثة أيضاً بافتراضاتها ومصائبها معاً. وهو يتابع أن للبشر الحق بالدفاع عن أنفسهم كذلك، ولهم الحق والواجب بأن يحافظوا على حياتهم. وحدد لوك أساس شرعية الحكم في أنه إذا فشلت الحكومة في حماية هذه الحقوق، سيكون لمواطنيها الحق في الإطاحة بها. وقد أثرت هذه الفكرة بقوة على توماس جيفرسون عندما قاد صياغة إعلان الاستقلال في الولايات المتحدة الأمريكية.

سيكون مفيداً أيضاً للمراجعات المقبلة نفياً وإيجاباً، الالتفاتُ إلى تلك الناحية التي اختصر بها جون لوك كلّ الحقوق التي يتنازل عنها المواطن لحكومته لينتمي إلى المجتمع المدني في الدولة، في تخليه عن حقه بأن يأخذ حقه بيده، أو أن يعاقب بذاته من يخالف أصول العيش المشترك. ذلك هو الحق بالاستمرار على حياة اليقظة والانتباه والحراسة الدائمة. ولن يكون كافياً أبداً التوقف عند جون رولز أيضاً من أجل تحديث مفهوم العقد الاجتماعي، بعد الكارثة، من دون نقد وإعادة اختبار. فعلى الرغم من تشديده على أولوية مبدأ الحرية على مبدأ المساواة، في الفرص أو مبدأ التمايز، وتشديده على أولوية المساواة على حق التمايز، إلا أن هنالك ثغرات مهمة نفذت منها الليبرالية الجديدة، لتضرب بقوة تشديده ذاك ولتذهب به إلى آلة التدوير الرأسمالية العملاقة.

سوف يكون مهماً متابعة سلوك ونتائج دور الرعاية الاجتماعية ومقدار نجاحها أمام الكوارث، بعد أن لوحظ مباشرة الدور المدمّر لغياب التأمين الصحي في أكثر من مكان، إضافة إلى التأثير الاقتصادي العام، وعلى الشغل والأجور والبطالة، الأمر الذي تستسهل الدول (الحكومات) الغنية فيه الإنفاق المباشر الهائل كحلٍ وآلية لمواجهة الأزمة التي لم تشبهها أزمة سابقة. بمثل هذا البحث والتحديث أيضاَ، لن يكون للكارثة؛ بعد دروس تطوير أدوات وآليات التحضير والمواجهة المباشرة معها، ثم مع الآثار اللاحقة لها؛ من درس ساطع أهم من مفهوم العدالة بحركته وتحولاته الدائبة… فسوف يظهر الخلل بادياً على العقود الاجتماعية الوطنية إن جاز القول، والعقد العالمي أيضاً. ولأنها» شريعة المتعاقدين»، فسوف تُطرح بقوة مسألة إعادة النظر فيها وتحديثها بالعمق الذي يساعد على تجنب الكوارث أو مواجهتها، ومن ذلك ربما أن يكون علم الأخلاق في حيثيات العقود عند تجديدها، لأنه يضمن مستوى أعلى من المشاركة في الواجبات، ويُدخل تفاعل المشاعر على تفاعل المصالح. ومن ذلك على سبيل المثال الصارخ، محاكمة النظم الاستبدادية التي ما زالت تمدّ ألسنتها للتاريخ وللبشرية، ولا تلتزم إلا بالحدّ الأدنى البدائي من عقدها الاجتماعي مع» مواطنيها» مثلاً.

كاتب سوري

القدس العربي

—————————————

كورونا: استعادة الثقة/ سعيد يقطين

ميزة الإنسان المعاصر هي أنه دائم الجري والسعي. وهو في سعيه لضمان حياته يجري بلا توقف. ميزة فيروس كورونا أنه عمل على إيقافه للتأمل في جريه وسعيه، وما أحاطا به حياته من قلق وتوتر وتلهف. من يجري لا يسمع أي كلام يوجّه إليه بخصوص ما يقترفه، ضد الإنسان والبيئة، من أعمال تولدت عن اللهاث وراء التميز، وضمان ما فوق الرفاه على حساب الآخرين. ومن أوقفه كورونا عن الجري، هل يمكنه أن يسمع الدروس التي فرضتها عليه، على أمل معاودة السعي بوتيرة أخرى، وبقيم مختلفة، عما كان قد تنكر له في زخم السباق السريع والهائج ( Fast and Furious)، أو اللهاث وراء تحقيق الفوز بالحياة، ولو بسحق كل المتسابقين (ألعاب الجوع)؟

بتوقيف حدث الفيروس الحركة الدائبة بخلقه أحداثا أخرى، أدى إلى بروز ممارسات جديدة، وبداية تبلور أفكار قديمة، وقد رهّنها هذا الحدث الرهيب على المستوى العالمي، ليدفع الجميع إلى التسليم بأن المحطات الكبرى في تاريخ البشرية تدفع في اتجاه إعادة سماع ما كان يستهجن، أو لا يتم الالتفات إليه لأنه يعيق الجري المتوحش، والسعي المهتاج. وفي هذا باب واسع للتأمل في: «وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين».

يحدث أن تنقطع العلاقات بين أفراد العائلة لأتفه الأسباب، وحين تحصل فاجعة تمس أحد أفرادها، تجد الجميع يأتي من مختلف الأصقاع للمشاركة في المصاب الجلل، وتبدو الرحمة ويحصل التعاطف بين الجميع، وسرعان ما تعود حليمة إلى عادتها القديمة، فتأتي كارثة أخرى، فيكون الاتصال بعد الانفصال، وهكذا دواليك. ما يقع على صعيد العائلة، يقع على قبيلة، أو دولة أو البشرية جمعاء، وأحداث فيروس كورونا دالة على ذلك. لماذا لا يتوقف الجري تلقائيا، ويكون الاستماع إلى ما يقال، قبل حصول الكوارث؟ هل يمكن ربط الجواب بالوضع البشري العام، الذي تتحكم فيه شهوة الربح على الخسارة، وقد تحولت من تفكير طبقة أو فئة اجتماعية لتصبح جائحة عامة لكل الأفراد والجماعات والمجتمعات؟ إن نظرة سريعة إلى كل تاريخ البشرية تبين بما لا يدع مجالا للشك، أن الإنسان ضعيف وهلوع وجزوع وعجول: «وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ». إنه الإنسان النسّاء. بين الجري والتوقف، أو الإنابة والنسيان، يتحدد المصير الإنساني.

ميزة فيروس كورونا، عالميا، هي أنه وضع الإنسان، بغض النظر عن الوطن واللغة والثقافة في وضع واحد، وأزال الفروقات التي كانت طاغية، فكان الخوف والهلع سمة فرضت نفسها على الجميع. وصار الكل ينتهج شكلا من الممارسة لإيقاف النزيف الذي أحدثته الجائحة. لن نتساءل عن الأسباب والخلفيات والنتائج المترتبة عن هذا الوضع الجديد. نريد فقط أن ننتبه إلى أن الإنسان يمكن أن يكون خيّرا وشريرا في الوقت نفسه. وأن إكراهات خاصة يمكن أن تدفعه إلى أن يكون هذا أو ذاك، في وقت، وفي آخر أن يكون ذاك لا هذا. وأن التربية على «الإنسانية» هي التي يمكن أن تجعله خيّرا، وأن تربيته على أن يكون مسمارا في عجلة لا يمكن إلا أن تحوله إلى مهتاج ومتوحش. من يتأمل جيدا، من بين عشرات، ما يتوصل به، أو يسمعه، أو يقرؤه، أو يشاهده من صور، بخصوص ما ولّده كورونا، يتبين له أن في الإنسان طاقات عجيبة يمكن أن يفجرها في لحظات المعاناة، تختلف عن نظيرتها في أوقات الجري والسعي الدائبين، اللذين يفرقان الناس إلى جماعات متناحرة ومتصارعة لا يهمها إلا الوصول إلى تحقيق مآربها على حساب غيرها. لقد برز أن للدولة دورا كبيرا في أن تكون مختلفة عما تكون عليه في الأوضاع العادية. وأن الشعب يمكن أن يتوحد معها ليتعاون أفراده جميعا في ما يهم الصالح العام. هذا هو الدرس الأساس الذي استخلصته مما وقع. إن التبرعات، وأشكال التضامن، والدعوات إلى الانخراط الجماعي في مواجهة تحدي الجائحة، والتضحيات التي قدمتها بعض القطاعات والفئات، كلها دالة على أن «الثقة» يمكن أن تتحقق بين مختلف مكونات المجتمع، إذا ما كانت موجهة فعلا، وبإرادة صادقة، وممارسة حية لخدمة الصالح العام.

هيمن منذ الربيع العربي، وتوالي الحكومات، التي لا تعمل إلا من أجل خدمة مصالح طبقة خاصة على حساب باقي الطبقات، وفي ظل انتشار الفساد بكل أشكاله، وغياب المسؤولية وانعدام المحاسبة، وفي هيمنة الخطابات الشعبوية والصراعات بين الأحزاب وداخلها، ضياع «الثقة» بين مختلف مكونات المجتمع. لا أحد يثق في أي قطاع من القطاعات، ولا أحد يثق فيمن يتعامل معه، والكل يقول: رأسي، رأسي. الكل يجري ويسعى بكل الطرق والممارسات، من أكثرها دناءة إلى أقصاها انتهازية لتحقيق مآربه، وبغض النظر عن أي قيمة من القيم الإنسانية. هذه الصورة التي تكرست، وحولت الوطن إلى حلبة سباق محموم، جاءت الجائحة لتبين أن استعادة الثقة ممكنة، لأنها كامنة، إذا ما صرفت لخدمة الجميع.

٭ كاتب مغربي

القدس العربي

———————————–

سؤال السوسيولوجيا في زمن الوباء/ حسام السعد

لا تزخر خريطة السوسيولوجيا العالمية بتقاليد كثيرة عن العلاقة بين السوسيولوجيا والمرض، إلا في بعض دراسات قديمة، اهتمت بما أطلق عليه «مجتمع الطب»، حتى قبل تبلور السوسيولوجيا كعلم على المستوى الأبستمولوجي. وقد سلكت تلك الدراسات منحى الخوض في مسببات المرض على المستوى الاجتماعي.

ما عدا ذلك، وباستثناء دراسات فوكو عن المرض «الجنون وولادة العيادة»، التي طالما تتم العودة إليهما، فإن تفسير العلاقة بين الأسباب الاجتماعية للمرض والسلوك المرافق له، لم يجر التنظير له سوسيولوجيا، ولم يحظ بمكانته التي تستحق.

وربما ساهمت في ذلك أيضا تلك الاكتشافات العلمية، التي حصرت مسببات المرض اليومي، الذي بات في طي النسيان، وهو ما كان يتعلق بالتحكم بالأمراض الشائعة، التي كانت تصيب الجماعات مثل الحمى والملاريا وغيرها. وقد أسست تلك الاكتشافات إلى سلسلة مترابطة من سياسات حصار «الفيروسات والأوبئة» الجماعية، اعتمادا على الوقاية منها بفعل المعرفة بمسبباتها.

ومنذ بدايات القرن التاسع، ترافقا مع استقرار العالم «الصحي»، على مساهمات باستور، لم نر مساهمة جدية تنظيرية في ميدان السوسيولوجيا إلا مع ك. هيزلتش التي أسست لسوسيولوجيا الصحة، معتمدة في ذلك على تقاليد المدرسة الأمريكية في سوسيولوجيا العلاقة بين المريض والمجتمع.

لكن عمل هيزلتش اقتصر على دراسة المرض وكأنها دراسة أنثروبولوجية، إذ توجد هناك أشكال من الأمراض، ترى أنها اختفت وحلّت محلها أمراض أخرى، تم إيجاد علاج لها في المنظومة الصحية الغربية، فيما لا تزال تقبع دول العالم الثالث أسيرة الأمراض القديمة وكذلك صعوبة العلاج من الأمراض الجديدة.

مقاربة نطلق عليها سوسيولوجيا «التمثل المجتمعي للصحة»، الذي يعني ضمنا اختلافات بين ثقافة وأخرى، في التعامل مع الأمراض والصحة عموما. لكن مع فيروس كورونا (2019-nCoV)، فإن تفسير الظاهرة المرضية المتفشية في مجتمعات العالم كله، لا تبدو أنها تستطيع الاتكاء على كل ما سبق من التنظيرات السوسيولوجية في هذا الميدان. نحن اليوم أمام ظاهرة استطاعت أن تخلق عقلا جمعيا عالميا، كانت سمته الرئيسية هي الخوف بالدرجة الأولى، ثم الهروب من خطر الفيروس غير المرئي، والخلاص الفردي على حساب الآخرين «من يشاركوننا الحياة في تنظيم اجتماعي واحد، أو في الحياة على سطح هذا الكوكب». ثمة أمور يمكن ملاحظتها في سياق تفشي فيروس كورونا على المستوى السوسيولوجي:

أولهما، هو ذلك السلوك الغريزي للإنسان وقت الأزمات الكبرى، وهنا في هذه الحالة هي أزمة ألمّت بكل المجتمعات على اختلاف تصنيفاتها. فقد بات هدف الحفاظ على الحياة هو الهدف الأول للفرد، واتجاهه نحو ما نطلق عليه «الاصطفاء الصحي» على غرار الانتخاب الطبيعي، والبقاء هنا ليس للأقوى بالمعنى المجازي، بل المادي الصحي الواقعي.

قد يبدو سلوك الفرد في المنظومة الغربية تطبيقا دقيقا لما سماه هابرماس بسيادة العقل الوظيفي على مقدرات الحياة اليومية. استعادة هابرماس تعيدنا إلى مناخ النقد الذي وّجه لأنصار «ما بعد الحداثة» من قبل مفكرين وسوسيولوجيين، اعتبروا أن ما وصلت إليه مجتمعات ما بعد الحداثة من العقلانية، لم تتأت إلا من خلال هيمنة النسق الأداتي على الأنساق المكونة للتنظيم الاجتماعي ما بعد الحديث، وهو ما تكرّس في الهيمنة، عبر سياسة الاستبعاد، وليس من خلال نسق ديمقراطي، يعيد الاعتبار لفكرة «الأخلاق الكلية» أو النظام الأخلاقي. ثمة أيضا من يجادل بأن المنظومة الأخلاقية للمجتمعات الشرقية، أو «ما قبل الحديثة» من شأنها أن تعيد الشك بكل المقولات ما بعد الحداثية، وتثبت وجهة نظر الكثير من المنظّرين، بأننا لم نصل بعد إلى مرحلة «الحداثة»، شك يُعنى «في حده الأدنى» بالسؤال عن أفعال التواصل ودور الجوانب الروحية في علاقتنا مع الآخرين.

ثانيهما، التوازن الوظيفي بين الموارد البشرية والموارد الطبيعية. فقد جادل الكثير بأن هذا الفيروس، ما هو إلا تجسيد للنظرية المالتوسية، التي ترى أن الأوبئة والحروب هي «ضرورة» لإعادة التوازن للعالم، الذي نعيش فيه. فماذا لو لم تكن هناك أوبئة عبر التاريخ البشري؛ قضت على «الفائض» من السكان في كل مرحلة من تاريخ الإنسان؟ ورغم أن حال الوباء الحالي يختلف في بعده المعرفي والتواصلي عن الأوبئة السابقة «تدفق المعلومات حوله»، فإن السلوك الفردي والجمعي لم يتغير في ردة فعله تجاه أزمة وباء عامة، وهذا يعني أن «النسق المعلوماتي» فقد بعده الوظيفي هنا، لاسيما مع عودة «نسق الدين» إلى واجهة الأنساق الأخرى، زمن هذا الفيروس، وهو ما يعني إعادة النظر في جدوى «البعد الوظيفي» للأنساق التي يتشكل منها المجتمع، وإعادة الاعتبار للبعد الديني، الذي سار متوازيا مع محاولة اكتشاف عقار يقضي على الوباء «دعوات ترامب للصلاة الجماعية والمساجد والدعاء اليومي لرفع البلاء».

ثالثهما، هو جدوى النظرية السوسيولوجية في الزمن الافتراضي، الزمن الذي يغيب فيه التواصل البشري، وهي فكرة طرحت في عصر «سطوة التكنولوجيا» عن جواز النظر إلى العلاقات كأنساق اجتماعية متعينة؟

يبدو أن النظرية السوسيولوجية سوف تهتم الآن بالعودة إلى الارتدادات الجماعية لمرحلة الحفاظ على البقاء، وتعيد من جديد تثبيت أو نفي مقولاتها حول السلوك «المتوقع وغير المتوقع» للفرد وقت الأزمات الكلية، وعلاقة السلوك الفردي بالجانب النفسي من جهة والمعتقدي من جهة أخرى، ومن ثم عليها أن تبحث في دور التطور الصناعي والعلمي في تطور سلوك الفرد حيال أزمات مرّ بها أجداده في عصور وصفت بما قبل الحديثة.

قد ينتهي العلم إلى القضاء على الفيروس، لكن التفسيرات الاجتماعية والسيكولوجية والأخلاقية لن تنتهي، وستخلق لها مساحات من التحليل وإعادة النظر، ربما لعقود طويلة، وستعيد فهم السلوك الإنساني من جديد في حال جاء فيروس آخر. فكما أن التحليلات في العلوم ليست نهائية، فالسلوك الإنساني سيبقى عصيا على الفهم الكلي، وستبقى الفيروسات والأوبئة تصادف الإنسان في كل مرحلة يعتقد فيها أنه قد توصل إلى فهم العالم.

٭ أكاديمي فلسطيني ـ سوري

القدس العربي

————————————–

سلاح دمار صيني شامل/ مروان قبلان

تثير مشاعر الإعجاب التي يبديها بعضهم تجاه الطريقة التي تعاملت بها الصين مع جائحة فيروس كورونا المستجد حالةً من الاستغراب النابع من سببين رئيسيين. أولهما أن هناك تجارب أكثر جاذبية، أكثر نجاحاً في التعامل مع الجائحة، وأقل تكلفة إنسانياً ومادياً، لا يتم إبرازها، مثل تجربة تايوان، وإلى حد ما كوريا الجنوبية، والدولتان ديموقراطيتان، تعاملتا بكفاءة مع الجائحة من دون الحاجة الى الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الصين بحق قطاعات كاملة من السكان. والسبب الثاني والأهم أن هذا الإعجاب بالتجربة الصينية يميل الى تجاهل حقيقة مزدوجة، تتمثل في أن الصين هي المسؤولة عن ظهور الوباء أولاً، وأن طريقة تعاملها معه كانت السبب وراء انتشاره عالمياً، ثانياً. ففي البداية، كانت الصين تعيش حالة إنكار (state of denial) وتحاول التغطية على الأمر، وقد باتت معروفةً قصة الطبيب الصيني لي وين لنغ الذي استدعته السلطات، لأنه نبه إلى وجود الفيروس مبكراً، بحجة نشر “شائعاتٍ تضر بالنظام العام، وتسيء إلى صورة الصين في الخارج”، وأجبرته على توقيع تعهد بالكفّ عن ذلك، ليموت المسكين لاحقاً بالفيروس الذي حذّر منه. الأهم من ذلك مسؤولية الصين عن ظهور الفيروس، وهو أمرٌ لا يجوز القفز عليه، أو السماح لبكين بالتغطية عليه، عبر إبراز كفاءتها في التعامل مع الجائحة، أو من خلال تقديم حفنةٍ من المساعدات العينية المشكوك بفعاليتها، لإبداء تضامنها مع الدول التي صدّرت إليها الوباء.

بالتأكيد، لا شأن لنا بعادات الآخرين وتقاليدهم، ونحترم ثقافاتهم المختلفة ونقدّرها، ونراها مصدر إغناء للبشرية والثقافة الإنسانية، وهو أمر لا يحتاج إلى نقاش، ولا يجب أن يقال فيه أكثر حتى لا يبدو كأنه دفع لشبهة العنصرية. ولكن عندما تتحول هذه العادات والتقاليد والثقافة إلى مصدر تهديد جوهري للنظام والاقتصاد وصحة العالم، كما يحصل الآن، وعندما تعيش نصف البشرية في حجْر صحي، ونصفها الآخر مهدّد بالجوع والمرض، فهذا أمر لا ينبغي التهاون معه، أو اعتباره شأناً خاصاً يدخل في باب احترام اختلاف الثقافات. وبحسب مصادر متنوعّة، تتراوح الأسباب التي أدت إلى ظهور الفيروس بين عادات أكل صينية غريبة (لكائنات يتم تناول بعضها حية)، وهذا رأي معهد روبرت كوخ الألماني لمكافحة الأوبئة والأمراض السارية، وممارسات جنسية شاذة مع حيوانات، أضاء عليها موقع وورلد نيوز ديلي ريبورت، استناداً إلى اعترافات للسلطات الصينية حول حالة المريض رقم صفر الذي أصيب بالفيروس في إقليم خُوبيِي.

وبعيداً عن موضوع الثقافات واختلافها، فقد طوّرت الإنسانية على مدى القرون الأربعة الماضية قواعد وقوانين وأعرافاً وقيماً ينبغي احترامها في إطار ما يسمّى، في لغة العلاقات الدولية، المجتمع الدولي، الهدف منها الارتقاء بالنظام الدولي، ووضع قواعد للتعامل ومدونة للسلوك بين دوله ومجتمعاته في أوقات السلم والحرب. منها حظر استخدام أسلحة الدمار الشامل بأنواعها، والتشديد على عدم انتشارها ووقوعها في يد جهاتٍ غير مسؤولة، مخافة استخدامها ضد المدنيين، أو ضد منشآت مدنية، والتسبب من ثم بكوارث على البشرية. وقد حصلت حروب ومواجهات، ونشأت أحلاف وتكتلات لفرض هذه القوانين ودرء مخاطر خرقها، واستخدمت ذريعة لغزو العراق، وفرض حصار على إيران وكوريا الشمالية، انطلاقاً من هذه الدول، تحكمها أنظمة غير مسؤولة، ومن ثم فان امتلاكها وسائل دمار شامل يشكّل تهديداً للأمن والسلم الدوليين.

لأسبابٍ مختلفة، أكثرها مرتبط بثقافة الأكل أو عادات اجتماعية معينة، كانت الصين على مدى القرن الماضي مصدراً لعدد من الأوبئة الخطيرة، منها سارس (2002) وإنفلونزا الطيور H5N1 (1996)، وإنفلونزا هونغ كونغ (1968) والإنفلونزا الآسيوية H2N2 (1958. هذه الأوبئة والأمراض، كما يتضح اليوم، أشدّ خطورة من أسلحة الدمار الشامل. ينبغي، بناء عليه، أن يتوجه العالم صراحة إلى الصينيين، وينقل إليهم هذه المخاوف التي تتطلب معالجتها بالضرورة تغييراً في طريقة حياتهم التي باتت تمثل تهديداً للحضارة الإنسانية. ويجب أن يتم ذلك عبر محفل دولي، مثل الأمم المتحدة التي طالما جرى استخدامها منصة للتعامل مع مخاطر أسلحة الدمار الشامل، واتخذت بناء عليه إجراءات بشأنها. الحالة هنا ليست مختلفة، بل أكثر واقعية وخطورة.

العربي الجديد

———————————-

كورونا.. لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا/ علي العبدالله

صادفت جارا لي في مدخل البناء الذي أسكن فيه، طالب سنة رابعة في كلية الشريعة، مدّ يده للسلام، فقلت له لا سلام بالأيدي للوقاية من فيروس كورونا، فأجابني: أنا أسلّم لأن الرسول قال لا يُعدي، وأضاف بعد هنيهة، إلا بإذن الله.. لا أعرف إن كانت إضافة بإذن الله منه أم من الرسول. قلت: بإذن الله نعم، لكنه يعدي؛ وقد انتشر في أكثر من مئة وخمسين دولة.. لم يتقبل كلامي ودخل بيته من دون تعقيب.

لم تكن هذه ردة الفعل الوحيدة المتداولة عن فيروس كورونا بين الناس، فقد وظفه مسلمون بالرد على بعض ما يواجهونه من ظلم وضعف وذل، بإخراج ما في داخلهم من ألم ومرارة وحقد على دول وقوى ورؤساء اضطهدوهم أو افتأتوا على حقوقهم وحرياتهم ومصالحهم، فاعتبره بعضهم، قبل أن يجتاح العالم بما في ذلك بلاد المسلمين، عقوبة إلهية للصين على ما فعلته بالمسلمين الإيغور، فـ “لله جنود لا ترونها”. واعتبره بعضهم ضربة للقوى الكبرى، وتحطيما لهيبتها لما تفعله بالدول والشعوب الضعيفة. وعندما اجتاح دولا إسلامية واجهوه بالصلوات والابتهالات والأدعية ومسيرات الرجاء تطلب الرحمة بالمسلمين برفع البلاء عنهم، وتخليصهم من هذا الوباء الخطير. وهناك من رفضوا قرارات الحكومات وقف صلوات الجماعة والجمع، في تصرف مرتبط بسيادة قناعات شعبية ومفاهيم اجتماعية عن الظواهر الطبيعية، الزلازل والبراكين والأوبئة، تعتبرها قدرا محتوما وغضبا إلهيا وعقوبة للبشر على ما فرطوا في جنب الله؛ واعتبار هذا الفهم من صُلب الدين، الإسلام في حالتنا.

وقد قاد انتشار فيروس كورونا إلى عودة النقاشات عن مغزى حصول المرض في ضوء إطلاق تفسيرات ومواقف بشأن تشكل الفيروس، وانتشاره وطرق علاجه؛ تربطه بقرار إلهي، ردا على انتشار الفسق والفجور والمثلية؛ وأخرى ترفض اعتماد الطب الحديث في علاجه، مطلقة حلولا وخيارات غاية في الغرابة مثل “عطر الرسول” الذي يستخدمه رجل الدين الإيراني، عباس تبريزيان؛ ولعق حديد أضرحة آل البيت الذي تعتمده الطريقة الشيرازية في إيران، وحمل الأحجبة وزيارة الأضرحة، كما هو شائع بين عوام المسلمين، علما أن رجال دين مسيحيين ويهودا وهندوسا تبنّوا مواقف مشابهة، أساسها ربط الإصابة بالمرض بالعقاب الإلهي، ومعالجتها بالصلوات والأدعية ووصفات تنسب إلى الأنبياء والقديسين، وشرب الهندوس في الهند بول البقر.

وفي حديث مع عجوز مسلم، شديد التدين، عن الفيروس والوقاية، وضرورة أخذ احتياطات جدية، رد عليّ قائلا: “قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا” (التوبة، الآية 51). توقفت مليا عند هذه الآية الكريمة، فهي متداولة بين عامّة المسلمين، يكررونها في مواجهة ما يحدث لهم، باعتباره من الله وقدره الذي لا يرد، ما يقود إلى إهدار قيمة إسلامية عظيمة، السببية، كما عبّرت عنها قرابة عشرة آلاف آية من الذكر الحكيم، مفادها بأن لكل شيء سببا مباشرا، يفيد أو يضر، ولكل حالة تصرّفا مناسبا لجلب المنافع ودرء المفاسد، ما يجعل تجاهل الأسباب المباشرة يتعارض مع الخط العام لروحية الإسلام، كما وردت في القرآن الكريم، فالمسلمون، عامتهم وكثيرون من خاصتهم، يتعاملون مع هذه الآية بدلالتها الظاهرة، من دون اعتداد بخلفيتها والهدف الحقيقي من ورودها: الدلالة على قدرة الخالق جل شأنه الذي سعى إلى تقريب كنهه للناس، عبر أسمائه الحسنى، كي يدركوا حقيقته وكينونته، فالآية تشير إلى قدرته على معرفة الغيب، وتسجيل ما سيحصل لنا لا التسبب به؛ لذا هي لا تلغي ضرورة الأخذ بالأسباب، ولا المساحة الكبيرة التي تركها الإسلام لوعي الإنسان وإرادته واختياراته ومسؤوليته، ضمن نسق كوني محكوم بقوانين عامة، تضبط حركته الكلية، وقوانين خاصة تضبط حركة كل نوع من مخلوقات الله وتميزه عن غيره، فالتصور الإسلامي لحركة الكون والإنسان قائم على وجود سببٍ لكل ما يحصل في الكون، الطبيعة والحيوان والإنسان، والتصرّف الصحيح يفترض من الإنسان، باعتباره الكائن الحر والواعي وصاحب الإرادة، الأخذ بالأسباب لدى التعاطي مع الطبيعة والآخر، لتحقيق أهدافه في حياة مستقرّة وآمنة، ما يجعل كل إنكار للسببية يتعارض مع روحية الإسلام، من جهة، ويقود، من جهة أخرى، إلى الفشل والخسران المبين، ولنا في قوله تعالى “فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” (آل عمران الآية 159) خير دليل وهاد حيث جاءت العزيمة، التفكير والأخذ بالأسباب للقيام بالعمل المطلوب وتحقيق المراد منه، أولًا والتوكل على الله تاليا. وهو ما أكده الرسول الكريم في توجيهاته لأصحابه؛ فعندما سأله بدوي جاء إلى المسجد للصلاة ومعه ناقة: أيهما أنسب ربطها مع الاتكال على الله أم تركها دون وثاقٍ مع الاتكال على الله؟ فكانت إجابته: اعقلها وتوكل، وتوجيهه أصحابه “إذا سمعتم به، الحديث عن وباء الطاعون في ذلك الوقت، بأرض فلا تُقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه”.

اختلف المسلمون الأوائل في فهم روح الإسلام ومنهجه، وانقسموا إلى “جبرية” و”قدرية”، في ضوء وجود آياتٍ تجزم بأن لا يد للإنسان بما يحصل له وحوله “وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ” (الصافات الآية 96) و”وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ” (التكوير الآية 29) و”خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ” (البقرة الآية 7)، وأخرى تجزم بحريته ومسؤوليته “إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا” (الإنسان الآية 2 و3) و”أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ” (البقرة الآية 7 و8) و”الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ” (غافر الآية 17) و”كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ” (الطور الآية 21) و”وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” (يس الآية 54).

ولمّا كانت الآيات جميعها ملزمة للمسلمين، ما يفرض الأخذ بها وإعمال العقل وتقليب النظر لفهم محتواها وإدراك العلاقة بين الحكمين، وتشكيل صورة دقيقة بالكشف عن تداخلها وترابطها وتحديد التخوم والأدوار والمسؤوليات، وتقنين الممارسة والتصرف، وتوجب على المسلمين البحث والتفكر في الأمر. وقد دفع التفكير الموضوعي علماء من المسلمين إلى قراءة الآيات التي تجزم بدور الله بربطها بخلق الكون وما فيه وضبطه بقوانين، يسميها القرآن الكريم سننا أو نواميس، لتحكم كل شيء من دون أن تتبدل، ما يجعل الله خالق كل ما يحدث في الكون، بما في ذلك فعل الإنسان في ضوء انضباط فعله بالقوانين الكلية والنوعية التي خلقها الله، وقراءة الآيات التي تجزم بدور الإنسان ومسؤوليته بالقيام بذلك استنادا إلى قانون الإنسان الخاص في إطار القوانين الكلية وحكمها، ما يجعله خالق أفعاله، ومسؤولا عن نتائجها وتبعاتها. وقد اتضح هذا التصور أكثر فأكثر، بفعل التطور العلمي، وتنامي المعارف وتنوع مناهج البحث فاستقر تحديد روحية الإسلام على: قوانين كلية تحكُم الأشياء والظواهر، وقوانين خاصة لكل نوع، وفعل الإنسان مشروط بالقوانين الكلية، وحريته مرتبطة فيها، وقدرته على الفعل مرهونة بإدراكها وتوظيفها واستخدام قانونه النوعي. فنظرة الإسلام إلى فعل الإنسان قائمةٌ على الترابط مع الكون والقوانين الناظمة، من سنن أو نواميس، وفعله ودوره محكوم بالقوانين الكلية التي تحكم الكون بكل تفاصيله، وممارسة حريته مشروطة بالانضباط بالقوانين الكلية، وحتميتها الراسخة التي يدل عليها انضباط نظام الكون بقوانين حاكمة وثابتة؛ كما ورد في آياتٍ كثيرةٍ قررت وجود نظام للكون وقوانين حاكمة، “سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً” (الأحزاب 62) وثبات هذه القوانين “سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا” (الإسراء، الآية 77) و”وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا” (فاطر الآية 43)، ما يعني وجود حتمية كونية، يعيش الإنسان تحت سقفها، ويمارس حريته في إطارها، وأن كل سلوكٍ لا يلتزم بها يتعارض مع تعاليم الإسلام ومع إرشاد الرسول، “اعقلها وتوكل”، ما يستدعي عدم الركون إلى هذه الممارسات الساذجة، وعدم إراحة النفس بالتسليم بأنها قدر، فالله أعطانا العقل، وأرشدنا عبر أنبيائه وكتبه ورسله إلى الأخذ بالأسباب في مواجهة الظروف؛ ولتحقيق أهدافنا في الحياة؛ وحذّرنا من تبعات عدم القيام بالتصرف الصحيح، ناهيك عن عدم التصرّف مطلقا، قال تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا” (النساء الآية 97). فالذي لا يقوم باللازم لمواجهة المشكلات التي تعترضه في حياته، خصوصا مقاومة الظلم والظالمين، يخسر مرتين: ذل في الحياة وعذاب في الآخرة.

العربي الجديد

—————————–

5 قواعد لأسعد شعوب العالم تساعد على عزل ممتع

تتصدر فنلندا تصنيف الدول الأسعد في العالم منذ سنوات. ونجح الفنلنديون عبر السنوات في التعايش مع كل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والمناخية.

وبينما يمرّ العالم بحالة من العزل الصحي نتيجة وباء فيروس كورونا الجديد، وما يرافقها من خوف وانزعاج واكتئاب، تقترح صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية الاستفادة من خمس قواعد فنلندية للحفاظ على السعادة أثناء العزل الصحي.

فلسفة kalsarikänni

تقوم الفكرة على أخذ الإنسان بعض الوقت للاختلاء بنفسه من دون الشعور بالذنب، ومن دون التخطيط لأي شيء. تقترح هذه الفلسفة الاسترخاء في البيت مع مشروب مريح ووجبات خفيفة حلوة أو مالحة وفيلم جيد، وقطع الاتصال تماماً مع العالم الخارجي.

القراءة

للقراءة قائمة طويلة من الإيجابيات، من تحفيز الدماغ إلى المساعدة على النوم بشكل أفضل، مروراً بتقليل الإجهاد والضغط والتوتر وخطر الإصابة بالأمراض العصبية. وتشير الأرقام إلى أنّ الفنلنديين يقرأون بنهم، وهو ما يحفّزهم على السعادة. إذ يبلغ عدد السكّان 5.5 ملايين نسمة ويقترضون 68 مليون كتاب كل عام.

الحلوى

يدمن الفنلنديون شرب القهوة مع مخبوزات حلوة تتضمن القرفة والهيل. وقت ممتع يتطلب إعداد حلوى لذيذة بمكونات قليلة.

فلسفة sisu

كلمة تصعب ترجمتها إلى لغة أخرى تجمع مفاهيم الشجاعة والمرونة والمثابرة، وهي أحد أسرار السعادة الفنلندية. إنها قوة جوهرية تسمح للسكان بمواجهة تقلبات الحياة ووضع مسافة مع المواقف غير المرغوب فيها، مثل العزل.

اقــرأ أيضاً

قضوا أشهراً معزولين في الفضاء أو المحيطات…. هذه نصائحهم

وأحد أفضل الأمثلة على ذلك عملية الغوص في حمام مائي مثلج أو بحيرة متجمدة. يؤدي هذا إلى تسارع الدورة الدموية، فيسخن الجسم ثم تتدفق هرمونات السيروتونين والدوبامين، مما يؤدي إلى تقليل التوتر.

ولإعادة إنتاج هذا الإحساس في منزلكم، أنهوا حمامكم الصباحي برذاذ الماء المثلج لما بين دقيقة ودقيقتين. تأثيره التنشيطي مضمون ليوم كامل، تقول الصحيفة.

الثقافة والفن

يوجد ما يقرب من 300 متحف في فنلندا، 55 منها متاحف تضم قطعاً فنية. المشهد المعاصر غني للغاية في البلاد بفضل ديناميكية صالات العرض التقليدية والافتراضية.

العربي الجديد

—————————

بارقة أمل لمكافحة كورونا تمنحها الدودة الرملية للبشرية

بدأت فرنسا رسمياً اليوم الأربعاء 1 نيسان، بعد طلب من عشرات الأطباء في المشافي الباريسية، تجاربها التي تستند إلى توصيات مختبر Hemarina، حول أهمية استخدام مادة الـ Hemo2life المستخرجة من دودة الأرينيكول، المعروفة بدودة الرمل أو دودة الصيّاد، في عمليات أكسجة الدم لدى الأشخاص الذين يعانون من متلازمة التنفس الحادة بعد إصابتهم بفايروس كورونا- COVID-19.

مختبر Hemarina الذي يديره عالم البيولوجيا اللامع فرانك زال، المتخصّص في علوم البيولوجيا المائية واستخداماتها في الفيزيولوجيا الإنسانية، بدأ بإرسال مادة الـ Hemo2life، المستخرجة من هيموغلوبين الدودة الرملية، إلى كل من مشفى جورج بومبيدو ومشفى الپيتيه سالپيتريير، لإستخدامها كناقل للأوكسيجين لدى عشرات الأشخاص الذين تم وضعهم في غرف الإنعاش نتيجة نقص الأكسجة في الدم.

وتؤكد الدراسات التي قام بها المختبر الواقع في بروتاني، غرب فرنسا، والتي وافقت عليها وزارة الصحة، أنّ الهيموغلوبين لدى دودة الصياد تساهم بنقل الأوكسيجين 40 مرة أكثر من الهيموغلوبين في جسم الإنسان.

المدن

—————————————–

مساعدات بوتين المفخخة/ بسام مقداد

تدور هذه الأيام رحى حرب إعلامية ضروس بين روسيا والغرب ، على خلفية المساعدات ، التي قدمتها روسيا لإيطاليا ، والتشكيك الغربي بأهداف هذه المساعدات وقيمتها العملية . وأشد ما استفز الروس ، هي تلك المقالة ، التي ظهرت في صحيفة “La Stampa” الإيطالية ، بعد ايام من وصول المساعدات الروسية ، ونقلتها نوفوستي إلى الروسية. وسارع السفير الروسي في إيطاليا ، إلى توجيه رسالة إلى رئيس تحرير الصحيفة ، أعرب فيها عن احتجاجه على ما ورد في المقالة من ذم وتشكيك بالمساعدات الروسية ، “بدلاً من التعبير عن الإمتنان لتقديم هذه المساعدات” .

الصحيفة ، التي نشرت احتجاج السفير، بالطبع ، كانت قد نشرت مقالة تحت عنوان مطول “العسكريون الروس يقيمون في مقر للجيش الإيطالي ، يتم تداول مخاوف من “إحتلال” روسي لإيطاليا” ، قالت في مقدمتها ، بأن خبراء الحرب الجرثومية ، الذين أرسلهم بوتين بإذن من رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبه كونتي ، يدرسون خريطة إيطاليا . وأكدت بأن ثمة قناعة أخذت تنتشر في الأوساط العسكرية والسياسية ، وفي الإدارة والحكومة الإيطالية ، بأن روسيا ، وهي تقدم المساعدة لإيطاليا في هذه الظروف الإستثنائية الناشئة عن وباء الكورونا ، لا تسترشد فقط بطيبة شعبها المتناهية ، وبالصداقة التقليدية بين البلدين . وبعد أن تشير الصحيفة إلى مخاوف كبار مسؤولي الحكومة والأركان العامة الإيطالية من الثمن الجيوسياسي لهذه المساعدة ، تقول بأنه سوف يتعين على  رئيس الوزراء جوزيبه كونتي أن يدفع لبوتين ثمن السماح للعسكريين الروس بدخول الأراضي الإيطالية . وتشير إلى أنها اطلعت على مواقع تمركز هؤلاء العسكريين ومحتوى المساعدات ، التي حملوها على طائراتهم ، ليس من السلطات الإيطالية ، بل من الروس أنفسهم .

وتنقل الصحيفة عن جنرال إيطالي متقاعد قوله ، بأن المساعدة لا تُرفض ، لكن ينبغي البقاء على حذر شديد ، لأن البحر الأبيض المتوسط ، بشرقه ووسطه ، هو منطقة صراع على النفوذ في سوريا وفي ليبيا . ولذا ، ينبغي تفادي الوضع ، الذي تتحول فيه الأزمة الصحية ، إلى أزمة ذات طابع عسكري سياسي، ولذلك ، فالمساعدة أمر جيد ، إنما ينبغي أن توضع لها حدود معينة .

وبعد أن تتساءل الصحيفة ما إذا كانت إيطاليا ستتحول إلى جبهة إيطالية روسية مختلطة للبحث في شؤون الحرب الجرثومية ، تتذكر عملية دخول القوات الروسية إلى أفغانستان العام ، 1979 ومصير الرئيس الأفغاني حفيظ الله أمين على يد هذه القوات . وكانت قد أرفقت مقالتها هذه بمقالة أخرى في اليوم عينه بعنوان “الإتصال الهاتفي بين كونتي وبوتين بشأن فيروس الكورونا أثار قلق الحكومة : “بدل المساعدات وصل عسكريون روس” ، قالت فيها بأن البعض يقول بأن  80″% من المساعدات الروسية لا فائدة منها البتة، أو قليلة الفائدة ، وهي ليست سوى حجة لا أكثر .

الرسالة الإحتجاجية للسفير الروسي إلى رئيس تحرير الصحيفة ، تولى الرد عليها كاتب المقالة نفسه ، وفند النقاط التى أبدى السفير اعتراضه عليها ، ولا سيما التذكير بدخول القوات السوفياتية إلى افغانستان ، والقول بلا فائدة معظم المساعدات ، وأنهى رده بالتأكيد ، بأنهم في إيطاليا وفي الصحيفة نفسها ، لا يسمحون بالإشارة إليهم “بما كان يجدر بنا أن نفعله ، أو لا نفعله”. 

التشكيك بالنوايا الروسية ، التي تقف وراء إرسال المساعدات إلى إيطاليا ، واتهامها باستغلال كارثة وباء الكورونا للعمل على تفكيك الإتحاد الأوروبي من الداخل ، لم تقتصر على الصحيفة الإيطالية المذكورة، بل نقلت نوفوستي نفسها عن صحف ومواقع من مختلف البلدان الأوروبية ، تتفق جميعها مع تقويم الصحيفة الإيطالية لمبادرة بوتين.

من جهته ، لم يقتصر الكرملين في رده على الإعلام الغربي برسالة سفيره في روما ، بل جند كل إعلامه للإنخراط في هذه الحملة. ودأبت شاشات التلفزة الموالية على بث الصور وأشرطة الفيديو لرتل السيارات العسكرية الروسية، وسط موسيقى النشيد الوطني الروسي، التي تقول بأنها تعبير من الإيطاليين عن ترحيبهم بالأطباء العسكريين الروس.

لكن معارضي بوتين الليبراليين لم يشاركوا ، بالطبع ، في مهرجان بروباغندا الكرملين هذا ، بل هم يشاركون كلياً استنتاجات الإعلام الغربي وتقويمه لأهداف ومهمات المساعدة الروسية تلك . كما أن معارضي الكرملين من القوميين الروس و”المعارضة من داخل النظام” ، لم يشاركوا الكرملين مهرجانه هذا ، بل وسخروا منه أيضاً . ولعل ما نشرته صحيفة القوميين هؤلاء مساء الثلاثاء في 31 من الشهر المنصرم قد عبر أفضل تعبير عن موقفهم هذا ، إذ نشرت صحيفتهم “SP” مقالة بعنوان شديد السخرية “”جميل جداً” : بوتين ينقذ الولايات المتحدة من فيروس كورونا” ، وقالت بأن روسيا ترسل إلى أميركا طائرة مساعدات طبية . وأشارت إلى أن الكرملين سبق له أن لبى طلب رئيس الوزراء الإيطالي وارسل له 15 طائرة من الإختصاصيين والأجهزة الطبية ، وتحاول روسيا في هذه الأثناء تفادي انتشار الوباء على أراضيها ، “دون نجاح كبير” . فقد فرضت السلطة الحجر الصحي على البلاد ، ولم تتمكن من توفير وسائل الحماية البسيطة للناس ، مثل الكمامات الطبية ، والقفازات ، والمطهرات ، وسواها.

وتنقل الصحيفة عن مبعوثها الخاص إلى إحدى المناطق الروسية للبحث عن وسائل الحماية المذكورة ، لكنه يعود من هناك بنتائج سلبية لمعظم تلك الوسائل ، وينقل عن الناس استنتاجهم ، بأنه طالما أن وسائط الحماية مفقودة “فنحن سوف نصاب بالوباء” . وتعلق الصحيفة على ذلك بالقول “لكننا نرسل الطائرات الطبية إلى أميركا ! ليس نحن ، بل الكرملين هو الذي يرسلها ، ولأسباب لا يعرفها سواه ” . وتتساءل “لماذا هذه الإلتفاتات؟” ، وتقول بأن بوتين يعتقد أن أميركا سوف تقدر ذلك ، “لكن هيهات أن تفعل، أما مواطنونا فهذا سوف يثير غضبهم بالتأكيد” .

وكانت الصحيفة عينها ، قد نشرت قبل يوم من ذلك ، مقالة بدت فيها وكأنها ترد على ما سبق لصحيفة الكرملين “VZ” أن نشرته قبل أيام ، وقالت فيه بأن  فيروس الكورونا سوف يجبر الغرب على التخلي عن كراهية روسيا . فكتبت مقالة بعنوان “فيروس الكورونا لن يجبر الغرب على حب الروس” ، وقالت بأن الساسة الغربيين يتهمون موسكو باستغلال الوباء لصالحها . ونقلت عن الناطق باسم منسق أجهزة المخابرات البولونية قوله ، بأنه على قناعة ، بأنه مع اشتداد انتشار فيروس الكورونا في العالم ، سوف تنتقل روسيا إلى الهجوم السياسي . وقال السياسي البولوني ، بأن روسيا تصور نفسها على الساحة الدولية بأنها البلد ، الذي لا يستطيع فقط التعامل مع الوباء ، بل وبوسعه أيضاً مد يد العون للآخرين ، وتلمح روسيا، إلى أنه كان بوسعها تقديم أكثر في ما لو رُفعت عنها العقوبات الغربية .

لكن النص ، الذي نشره موقع “بوتين اليوم” الرسمي منذ يومين ، قد يكون الأكثر وضوحاً بين النصوص الكثيرة ، التي نشرها إعلام الكرملين ، للرد على الإعلام الغربي ، والدفاع عن مساعدات بوتين للغرب . فقد جاء النص تحت عنوان “الروس ينقذون العالم من جديد” ، ونسب القول إلى الميديا الإسبانية أن وباء فيروس الكورونا في بلدان الإتحاد الأوروبي ، قد بيّن أن البلد الذي يصطدم بمشكلة ، لا يمد له جيرانه يد العون، بل يقومون بكل ما من شأنه زيادة وضعه سؤاً، وبالتالي، ما على البلد المعني سوى الخروج من الإتحاد الأوروبي، وطلب المساعدة من الكرملين، حتى لو كانت هذه المساعدة مفخخة بنوايا الكرملين المضمرة حيال مصير هذا الإتحاد .

المدن

————————–

حين نخشى بقاءنا مع أنفسنا/ آية الراوي

نحن في حالة حرب. هكذا خاطب رؤساء البلدان شعوبهم، معلنين حالة الطوارئ والتعبئة الكاملة لمواجهة الجائحة. يرى البعض في هذا الخطاب مبالغة وانغلاقاً شعبوياً ووطنياً، إذ أقفلت الدول حدودها وانتظمت ضمن قوقعات متأهّبة ومذعورة. بالنسبة إلى الفيلسوف الفرنسي وعالم الاجتماع، إدغار موران، قد نشعر بعبء كبير يشبه وطأة الاحتلال من قبل عدو خفي، وقد تكون حالة حرب، لكن لنا حصتنا من المسؤولية فيها، فنحن حلفاء هذا العدو، والعدو ليس الفيروس، إنما هو موجود فينا، في تدهور المستشفيات والعناية الصحية، في عدم الوقاية والتحضير، في السياسات المفروضة وفي منظومة الاستهلاك والإنتاج السائدة وفي التفاوت الاجتماعي.

يعتبر موران أن الأزمة ستُظهر لنا مشكلة العولمة كونها عبارة عن اعتماد متبادل أو تبعية متبادلة ولكن من دون تضامن. فقد أنتجت حركة العولمة بالتأكيد التوحيد التقني والاقتصادي للكوكب، لكنها لم تكرّس سمة التفاهم بين الشعوب. منذ بداية الظاهرة في التسعينات، احتدمت الحروب والأزمات المالية، وما تلاها من اختلال النظم البيئية وانتشار الأسلحة النووية والاقتصاد النيوليبرالي، ولّد نوعاً من وحدة المصير بين البشر، لكنهم لم يكونوا على علم بها. واليوم، يسلّط الفيروس الضوء وبطريقة فورية ومأسوية، على وحدة المصير هذه. لذلك يجب إعادة تحديد أولويات الدولة، مثل الاكتفاء الذاتي بتعزيز الزراعة وصناعة الأدوية، الاهتمام بالخدمات الاجتماعية والصحية، توزيع الثروات، حماية البيئة.

وبدوره، يقول بوريس سيرولنك، وهو عالم نفس وطبيب متخصص في علم الأعصاب والسلوكيات، أننا لسنا في حالة حرب، وإنما في حالة مقاومة، أو مجابهة، لأن العدو يستطيع أن يطاولنا، لكننا لا نطاوله، لا نراه، لا نفهمه ولا نستطيع مهاجمته. وتتلخص سبل المقاومة على الصعيد الفردي، بمحاور ثلاثة، فالخلاص يتمثل أولاً باللجوء إلى الفعل والعمل، ما استطعنا إليه سبيلاً. المحور الثاني هو التعلّق، التعلق بشخص، أكان قريباً أو بعيداً، فنحن بحاجة إلى الآخر، بحاجة إلى أن نحب وأن نكره وأن نتفاعل وإلا أصابنا الجنون، والتعلّق قد يعطينا شعوراً بالأمان والأمل ويساعدنا على خلق جسر ملموس مع الواقع. أما محور الخلاص الثالث، فهو الغوص في عالمنا الداخلي، عبر الكتابة والقراءة والموسيقى والتفكّر. ففي غياب الآخر، لا نستطيع النجاة إلا عبر التفاعل مع الآخر الفرضي من خلال الشعر والأدب والفلسفة وكل ما توفّر في عالم الأفكار والفن والخيال. وإذا قال سارتر أن الجحيم هم الآخرون، فربما في حالة الحجر الصحي، مهما اختلفت شروطه، تنقلب الآية، فيكون الجحيم هو نحن، هو الأنا. في هذه الخلوة المفروضة، علينا أن نواجه خوفنا ووحدتنا، ونحن لا نجيد ذلك، فنلجأ إلى الانترنت والواتساب والفايسبوك والنتفليكس وغيرها وغيرها من وسائل الترفيه واللهو. نلجأ إلى الأكل، إلى الطبخ، إلى الكلام، إلى أي شيء يمنعنا من رفع الحُجب عن النفس، ومواجهة هذا الكائن الذي تتصارع في داخله كل الملائكة والشياطين. ينتابنا خوف من الصمت، وخوف من الخوف. وكيف لا، ألم تكن الخلوة في معظم التقاليد الروحية، شرطاً أساسياً للسمو بالنفس إلى مراحل أرقى من التنوّر أو التحرّر أو العرفان، وظيفتها تطهيرية وهي من أصعب التجارب التي قد يُمتحن بها الإنسان.

وطبعاً، كل هذه النصائح يوجهها العلماء لفئة معينة ومحظوظة من الناس. فإن جمعت بينهم هذه الأزمة على صعيد ما، ففي النهاية من يدفع الثمن هم الضعفاء، المهاجرون واللاجئون والعمّال والمسنّون والطبقات المهمّشة… وإذا كان لا بد من فائدة إنسانية لهذه الأزمة التي عبرت كل الحدود، فهي، من جهة، مساءلة هذا العدو (أي المنظومة التي نعيش وفق شرائعها)، ومن جهة ثانية إعادة الاعتبار لما هو جوهري في هذه الحياة: الصداقة، الحب، التضامن، وكل هذه الأمور التي نكاد ننساها…

—————————–

كوفيد-19: لا قائد في قُمرة القيادة/ فيكين شيتريان

مما لا شك فيه أن نظاماً عالمياً قائماً على الحسابات المالية ليس السبيل إلى إنقاذ أرواحنا. لكن هذا النظام الرأسمالي يبدو اليوم هشاً للغاية وعاجزاً.

لعلك استمعت إلى ما قاله أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، عن وباء “كورونا”؟ ولعلك أيضاً اطلعت على التدابير التي اتخذها تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لـ”منظمة الصحة العالمية”، لمنع الوباء من قتل المزيد من الناس؟

انهمك كلا المسؤولين الدوليين في التصدي لمرض كوفيد-19 الذي يسببه فايروس “كورونا”، ولكن بعيداً من التصريحات ذات الطابع العام، فأنا لست على بيّنة بما فعلاه تحديداً، أو كيف يُمكن أن تقودنا أفعالهما إلى الخروج من هذه الأزمة. يبدو أن نظام الأمم المتحدة يتصدى الآن للوباء من خلال التصريحات، بل ويحرص الحرص كله بعد ذلك على عدم إغضاب أعضائه من الدول القومية.

أحد الأشياءِ المثيرةِ للاهتمام التي كشف عنها مرض كوفيد-19 هو أن نظامنا السياسي العالمي بلا قيادة. ليس وكأنّنا لا نعلم ذلك، فقد استمر الوضع على هذه الحال منذ زوال عصبة الأمم على أقل تقدير، بيد أن ظهور هذا الوباء جعل ما نعرفه واضحاً جلياً، وهو أن هذه الإنسانية، بعد تأسيس اقتصاد تحكمه العولمة، ونظم التمويل المتكامل، ونظام النقل العالمي، فضلاً عن وسائل الاتصالات الفورية، إلى آخر ذلك، بحاجة ماسة إلى نظام عالمي للإدارة، وهو ما من شأنه أن يعرضها لخطر جاثم.

يمكن اعتبار جنيف مركز الإنسانية على مستوى العالم، تلك المدينة الصغيرة التي تقع في سويسرا. وهناك يمكنك أن تجد مقر “منظمة الصحة العالمية”، فضلاً عن “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية”، و”المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين”، ومنظمة “الصليب الأحمر الدولية” والكثير من المنظمات الدولية البيروقراطية الأخرى. لكن جنيف ليست المكان الذي تُتخذ فيه القرارات السياسية متعددة الأطراف. لهذا الغرض توجد مدينة نيويورك التي تُعد المركز السياسي للأمم المتحدة. وبمجرد اتخاذ القرارات في نيويورك، فإن هذا لا يعد مهماً ما لم تقرر بعض العواصم العالمية تمويلها على غرار، واشنطن العاصمة، وبروكسيل، وبكين، ولندن، ونيودلهي وغيرها. وبعد اتخاذ القرارات السياسية، وتوفير الأموال اللازمة، يصبح بوسع جنيف بوصفها اصطلاحاً مركزاً للمساعدات الإنسانية أن تنفذها. وهذا يعني بعبارة أخرى أن لدينا عدداً كبيراً من المنظمات الإنسانية، ولكنها لا تمتلك القدرة على اتخاذ أي قرارات سياسية أو مالية. فهي ببساطة لا تتمتع بأي سلطة. فهم ينفذون القرارات التي تُتخذ في أماكن أخرى، وبالتالي فإن الحد الأقصى لتفكيرهم الاستراتيجي يقتصر على “إدارة تكلفة المشاريع”.

من هذا المنطلق، نحن لا نملك إدارة عالمية قادرة على مواجهة التهديدات العالمية. فمنذ 10 كانون الثاني/ يناير، حين تم الإفصاح علانيةً عن حالات الإصابة بمرض كوفيد-19 في الصين، قدمت منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، اقتراحات ودعوات خلال مؤتمرات صحافية. إلا أنها افتقرت إلى السياسات المنسَّقة الرامية إلى وقف انتشار الوباء. وباتت الأمم المتحدة، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية، لا تُشكل حتى جزءاً من النقاش حول ما حدث، وما الذي يتعين فعله بعد ذلك.

وبدلاً من الاستجابة العالمية لمواجهة الوباء، والتي من دون شك نفتقر إلى الآليات اللازمة، تولت الدول القومية عملية اتخاذ القرار. وتصرفت تلك الدول كما هو متوقع منها باعتبارها دولاً قومية، فأقدمت على إغلاق الحدود كردّ فعل غريزي. على رغم أنه في حالات كثيرة، لم يكن الوباء قد انتشر عبر الحدود الدولية، بل اقتصر انتشاره فقط على المناطق الداخلية من المدن والمقاطعات والأقاليم وعبر الجبال والأنهار داخل الدول القومية. وبحلول الوقت الذي توقفت فيه حركة الطيران الدولية، كان الأوان قد فات بالفعل لوقف انتشار الفايروس. وما زالت الدول القومية تواصل القتال بعقلية القادة العسكريين الذين يخوضون الحرب الأخيرة، لا الحرب المستقبلية.

ولم نشهد بزوغ نجم زعيم عالمي داخل تلك الدول القومية: فقد حارب شي جين بينغ، رئيس الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم، الوباء من خلال فرض الرقابة: فقد أبقى على سرية مرض كوفيد-19 لفترة طويلة بما يكفي ليعرض الكوكب بأسره للخطر اليوم. والآن ثمة شكوك متزايدة بشأن الإحصاءات اليومية التي يُعلن عنها المسؤولون الصينيون. وقد اتبعت إيران نهجاً مماثلاً: فقد فضل قادتها عقد الانتخابات البرلمانية على حساب إبقاء الوباء سراً، على رغم ما  قد يترتب على ذلك من عواقب مأساوية.

لا يزال بعض الزعماء “الأقوياء” الآخرين، مثل الزعيم الروسي فلاديمير بوتين والمصري عبد الفتاح السيسي -ويمكنك تسمية كثيرين غيرهم- يتبعون سياسة الرقابة، في حين أظهرت كوريا الجنوبية أن الطريقة الوحيدة الفعالة لمكافحة الوباء هي الالتزام بأقصى درجات الشفافية مع إجراء أعداد ضخمة من الاختبارات لتحديد مدى تفشي الوباء وكيفية القضاء عليه. وأكثر ما يثير قلق دونالد ترامب، زعيم الدولة التي تمتلك أقوى اقتصاد في العالم الذي لم يستطع فعل أي شيء سوى الإدلاء بتصريحات رنانة مقتضبة، هو الأداء الاقتصادي قصير المدى في وول ستريت نتيجة عواقب الوباء طويلة الأجل. بينما زار بوريس جونسون، زعيم الدولة التي كانت تهيمن على العالم حتى وقت قريب، أحد المستشفيات “وصافح بفخرٍ الجميع” إلى أن جاءت نتيجة اختباره إيجابية.

وإن كنا لا نحظى بقيادة سياسية عالمية؛ فهذا لا يعني أننا لا نمتلك نظاماً عالمياً، فنحن نخضع لنظام عالمي يقوم على رأسمالية ربحية، وقد وضع نظامنا العالمي بأكمله بهدف تحقيق الربح المالي. يفسر هذا السبب في أن اختبارات كوفيد-19 تتركز في قارة واحدة وفي بعض القطاعات من قارة أخرى. وسيخبرك أي محاسب أن مثل هذه الهوامش الربحية تكون أكبر.

ولهذا حدث نقص بعد أسابيع قليلة من تفشي الوباء في بعض الأشياء الأساسية البسيطة مثل الكمامات و”جيل” التعقيم وغيرها. خلال العقود الثلاثة الماضية -أيّ منذ انهيار الاتحاد السوفياتي- أدى اتباع المنطق المالي ذاته إلى خفض الخدمات العمومية لتصل إلى الحد الأدنى وهذا ما يجعل مستشفياتنا مكتظة بالفعل وعاجزة عن التصدي للوباء، مع اضطرار المستشفيات إلى المفاضلة بين المرضى وإعادة المرضى الذين لا يعانون من أعراض شديدة لمرض كوفيد-19 إلى منازلهم بمنتهى البساطة من دون إجراء الاختبار.

مما لا شك فيه أن نظاماً عالمياً قائماً على الحسابات المالية ليس السبيل إلى إنقاذ أرواحنا. لكن هذا النظام الرأسمالي يبدو اليوم هشاً للغاية وعاجزاً.  ولم تأتِ الأسواق بزعيمٍ قادرٍ على إيصالنا إلى بر الأمان. فضلاً عن ذلك، قرر السياسيون المذعورون وقف الأنشطة الاقتصادية فجأة. ولم تعد لدى مديري الشركات متعددة الجنسيات حيلة الآن، فقد ذهب الوباء بسلطتهم، وكل ما يفعلونه حالياً هو مراقبة شاشاتهم مثل بقية الناس.

ثم هناك المنصات الإعلامية، المكان الذي نستقي منه معلوماتنا ونشارك في الحوارات الدائرة فيه. إذ تشجع أنظمة التواصل لدينا -المعتمدة على “فايسبوك” و”تويتر” وغيرهما- على نشر الشائعات والتكهنات بدلاً من التقارير الصحيحة والمناقشات الواعية. واليوم، بات مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي هم من يتصدرون المشهد وليس الخبراء والعلماء. فعلى مدار العقدين الماضيين شهد التمويل المخصص للصحافة وإجراء التحقيقات انخفاضاً حاداً، حاله حال التمويل المخصص لقطاع الصحة العامة.

ومن دون معلومات دقيقة حول التحديات التي تواجهها البشرية وعدم معرفتنا الحلول الممكنة؛ ليس في وسعنا إجراء مناقشات ديموقراطية لتحديد أيّ مسار سنسلكه، وما الذي يجب أن نتخلى عنه بينما نواصل مكافحتنا هذا الوباء، أو الذي يليه. فقد تركتنا وسائل التواصل الاجتماعي العالمية فريسة في أيدي المشاهير والشائعات، وقوضت حكمتنا وقدرتنا على اتخاذ القرار.

لقد أوصل كوفيد-19، المرض الأشد فتكاً بقليل فحسب من الإنفلونزا الموسمية، نظامنا العالمي إلى حالة الجمود. يمكن أن يمنحنا هذا لحظة للتأمل في ما يحدث حولنا، وفرصة لإعادة ترتيب عالمنا، والتفكير في التلوث الهائل الذي تسببنا فيه وتدميرنا لنظامنا البيئي ومواردنا الطبيعية وذوبان الجليد القطبي وارتفاع منسوب مياه البحار والتغير السريع في المناخ. ربما يمنحنا فايروس “كورونا” فرصة لإعادة التفكير في إدارة مشتركة لعالمٍ أصبح أصغر بكثير من أن يُترك لـ”صناع الأرباح”. فبعد تجاوزنا كوفيد-19 لا تزال أمامنا مخاطر أخرى كثيرة، لسنا مستعدين لها بعد، ولأن الدروس التي تعلمناها من إدارة الوباء -إذا تعلمنا أصلاً تلك الدروس- قد لا تكون كافية.

درج

——————————

#الحب_في_زمن_كورونا: الحجر من دونك ليس صحيا

الدردشة الإلكترونية تخفف معاناة الانفصال القسري المفروض بسبب تفشي وباء كورونا.

وضع انتشار فايروس كورونا فكرة المواعدة على المحك وحولها إلى مواعدة إلكترونية، فيما انتشر هاشتاغ #الحب_في_زمن_كورونا وقد تغنى ضمنه مغردون بأحبائهم.

بغداد – تصدر هاشتاغ #الحب_في_زمن_كورونا الترند العربي على موقع تويتر بسبب معاناة العشاق من “الانفصال المؤلم”، إذ أصبحت أشياء بسيطة “أمورا تتعلق بالحياة والموت”.

و”الحب في زمن كورونا”، عبارة مستلهمة من اسم رواية الكاتب الكولومبي الحائز على نوبل، غابرييل غارسيا ماركيز “الحب في زمن الكوليرا”، وقد استخدمت على نطاق واسع في الفترة الماضية سواء في الأخبار أو الطرائف التي أنتجها الحس الساخر البشري في مواجهة مرض جديد وغامض، ما لبثت أن تحولت إلى سؤال، وهو سؤال ملح بالنسبة إلى قطاع واسع من الناس حول العالم.

وانقلبت حياة 3 مليارات شخص حول العالم رأسا على عقب، مع تفشي فايروس كورونا “المستبد”. وتغير أسلوب المواعدة مع تطبيق الحكومات قواعد صارمة “للتباعد الاجتماعي” بهدف مكافحة الوباء الذي أصاب وفتك بأكثر من نصف مليون شخص حول العالم.

وفي أسابيع قليلة تمكن الوباء العالمي من تحويل المواعدة المباشرة إلى مواعدة إلكترونية.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي تداول عراقيون على نطاق واسع مقطع فيديو يظهر احتفال امرأة عراقية في عقدها السادس، على طريقتها الخاصة بمناسبة شفاء زوجها المصاب بفايروس كورونا.

وأظهر مقطع فيديو داخل مستشفى الصدر التعليمي بمحافظة ميسان، جنوبي العراق، المرأة وهي ترقص على طريقة أهل الجنوب وتردد الأهازيج التي يُعرف بها سكان تلك المنطقة.

ووزعت زوجة المصاب السابق، جواد كاظم، الحلوى على الكادر الطبي الذي شاركها احتفالها، وذبحت خروفا قربانا لشفاء زوجها.

وضمن هاشتاغ #الحب_في_زمن_كورونا قال مغرد:

mona_syria2@

نكافح في هذه الحياة ليس حُبّا فيها وإنّما حُبّا فيمن نحبهم.. #الحب_في_زمن_كورونا.

كما احتوى الهاشتاغ على عدة تغرديات ساخرة. وكتب مغرد:

dhalajmy@

إحدى المتزوجات وبعد تطبيق الحجر المنزلي وبقاء زوجها الدائم بالبيت صارت تغني “كورونا رجعت لي تاني حب قلبي من جديد بعد غيبة جاني رح ناداني خلا عمري كلو عيد”. #الحب_في_زمن_كورونا.

وقال آخر:

ali00lb@

قريبا في الوطن العربي: “ابعثيلي صورتك وانتي شالحة (نازعة) الكمامة”.

وفجرت كورونا قريحة مغردين تغنوا شعرا بأحبائهم في زمن كورونا. وكتب مغرد:

rawi_haddad@

“سلام على المحجورين بغير ذنب سلام على التائهين بغير درب سلام على النائمين (طبا) لا على الجنب سلام على اللي ما بيسأل وبلا قلب #الحب_فى_زمن_كورونا”.

ونظم مغرد أبيات شعر جاء فيها:

Mohamadalsadiy@

“وقُلـت اعطسي فالموت عندكي راحتـي والحب فـي وقـت الشدائد يصنعُ إن جارت الأيـام والحجر عنك أبعدني سأحيا كورد في رحابك يُـزرع ما الكمامة الزرقاء إلا حاجزا ومرادها قطع للوصال وأمر مُفـزع ينتابني ألم الفراق ويغيضني هجر الأحبة وافتقاد مُجزع”.

وكتب مغرد:

Aly_n_@

سيكتب التاريخ إنه في زمن كورونا لم تسجل أي حالة خيانة زوجية على الكوكب. #الحب_في_زمن_كورونا #كورونا_الجديد.

وسخرت إعلامية:

KaramRachel@

“كم اثنين بحبو بعض سألتو بعض هلق:حياتي إذا انصبت بكورونا بظلك معي بالغرفة أو رح ظلّ لحالي؟!”. الجواب… #الحب_في_زمن_كورونا.

يذكر أن الهاتف الذكي وتطبيقات الدردشة ساهمت بشكل عام، في تقريب المسافات بين الناس وتسهيل التعبير عن المشاعر بين المحبين. وغردت إعلامية:

RimaNJEIM@

#علمتني_كورونا أن الحب هو الحقيقة الوحيدة في هذه الحياة ما عدا ذلك كلّه باطل من أصيبوا بكورونا في إيطاليا وهم على شفير الموت لم يطلبوا قبل الرحيل إلّا رؤية وجوه أحبّائهم كانوا يتوسّلون أن يسمعوا أصواتهم … حتى نحن تعاطفنا معهم ليس لأنهم مرضى بل لأنهم يموتون وحيدين دون غمرة حب.

وبدأت العديد من مواقع المواعدة ونجوم وسائل التواصل الاجتماعي بالفعل منذ أيام بطرح أسئلة على الجمهور تتعلق بفايروس كورونا وعلاقاتهم العاطفية.

وأرسل موقع أوكيه كيوبيد (OKCupid) تنبيها لكل مستخدم لديه يحمل سؤالا يقول “هل يؤثر فايروس كورونا على حياتك العاطفية؟”.

وطرحت الشركة السؤال بعد ملاحظة ارتفاع بنسبة 262 في المئة في عدد الملفات الشخصية في المملكة المتحدة التي تذكر فايروس كورونا بين يناير ومارس، حتى الوصول إلى النقطة التي ذكر فيها الفايروس في الأسبوع الأول من مارس بقدر ما ذكر خلال شهر فبراير بأكمله.

وبحسب النتائج فإن نحو 93 في المئة من المستطلعة آراؤهم في المملكة المتحدة قالوا إنهم سيكملون بشكل طبيعي حياتهم العاطفية وسيستمرون بالمواعدة، بل إن الفايروس دفع بالناس إلى البحث عن الحب بشكل أكبر حيث سجل الموقع ارتفاعا بنحو 7 في المئة في المحادثات الجديدة خلال الأسبوع الأخير بحسب الشركة.

أما تطبيق تندر (Tinder) فقد بدأ بتحذير المستخدمين من مخاطر الاجتماع وجها لوجه، ولجأ إلى رسالة تحذيرية تحتوي على نصائح تعرض على الشاشة خلال سحب الشاشة عند عملية الاختيار أثناء استخدام التطبيق. من بين النصائح غسل الأيدي، وحمل مطهر اليدين، وتجنب لمس الوجه، و”الحفاظ على المسافة الاجتماعية في التجمعات العامة”.

يقول موقع تندر “في الوقت الذي نريد فيه أن تستمر بالاستمتاع ، فإن حماية نفسك من فايروس كورونا أكثر أهمية يدرك تندر أن أعضاءنا يقابلون أشخاصا جددا شخصيا في كثير من الأحيان، ونظرا للوضع الحالي، أردنا تذكيركم بالاحتياطات التي يجب عليكم اتخاذها”.

أما موقع هينج (Hinge) فلم يأت على ذكر الفايروس في التطبيق نفسه، ولكن نشر رسالة توعية على حساب التطبيق في تويتر، يطلب فيها من مستخدميه غسل أيديهم قبل سرقة أعواد البطاطس من شريك الموعد، فلا مشكلة بمشاركة البطاطس، إنما ليس الجراثيم!

العرب

———————————-

السلطويّة والفاشيّة على رأس الاحتمالات… للأسف!/ حازم صاغية

هناك عبارة تتكرّر اليوم بلغات عدّة: كورونا ستسقط الرأسماليّة واللاعدالة وتفتح الطريق إلى نظام جديد، أو إلى اشتراكيّة تستفيد من نواقص اشتراكيّات الماضي، ومن التقدّم الذي حصل مذّاك، ومن تطوّرات البيئة والاجتماع والعلاقات الجندريّة… إنّها اشتراكيّة من طراز جديد يفتح الباب واسعاً لإرادة المجتمع وتدخّله.

خطوة صغيرة ما زالت تفصل هؤلاء عن القول: سوف تُملأ الأرض عدلاً بعدما ملئت جوراً.

يا ليت!

الضرب في غوامض المستقبل ليس مستحسناً، و«مسيرة التاريخ» ليست في جيب أحد. لكنّ إشارات يومنا تقول إنّ الاحتمال أعلاه هو الأبعد عن الإمكان. تقول أيضاً إنّ الاحتمال السلطويّ، وربّما الفاشيّ، قد يكون، لشديد الأسف والرعب، الأرجح.

فالأزمة الاقتصاديّة التي تستجمع قواها بصمت، ستنفجر حال تراجع الوباء، ويُرجّح أن تكون صاخبة مهولة. هذا ليس للتهويل والتيئيس. إنّه نابع مما تعلنه الأرقام وتقديرات الاقتصاديين على عمومهم. التشبيه بكساد 1929 بات يفوق التشبيه بركود 2008. وهو لا يقتصر على التأرجح غير المسبوق للبورصة. العالم كلّه ستتراجع نسب نموّه كثيراً، وبالملايين سوف تتقدّم نسب البطالة فيه…

لكنّ الأزمة هذه ستأتي مصحوبة بانفجار الوعي الأشدّ محافظة على أنواعه. إشارات تحوّل كهذا باتت تفقأ العين: العداء للآخر والخوف منه أيّاً كان. تنميطه العدواني وحرمانه من الموارد المتضائلة ومن الاستفادة منها، خصوصاً إذا كان مهاجراً أو لاجئاً أو غريباً. احتمالات تجفيف الهجرة قويّة. التشدّد في الرقابات الحدوديّة صلب. «الحلول» القوميّة ستكون هي الموضة. في البلدان حيث النسيج الوطني والدول أضعف من التراكيب الطائفيّة والإثنيّة، قد نشهد شيئاً مختلفاً لكنّه لا يقلّ خطورة: تناسل القوى المتعصّبة التي تنشئ تنظيمات موازية، وقد تطلب، أو تفرض، أشكالاً من الأمن الذاتيّ، فضلاً عن احتمال تسيير الطوائف لشؤونها الاقتصاديّة، وربّما التعليميّة أيضاً. أي بدل الفاشيّة الكلاسيكيّة، القوميّة والدولتيّة، نعيش نيو فاشيات مكسّرة تُوازن إحداها الأخرى وتبقي المجتمع على حافّة الحرب الأهليّة. نقص الموارد والتنافس عليها يضاعفان هذا الاحتمال ويجعلانه أشدّ احتداماً.

القسوة إشارة أخرى. كورونا أنعشت ثقافة التمييز الحادّ بين شبّان معافين وبين مرضى ومسنّين. تأتي هذه مصحوبة بثقافة العزل و«التباعد الاجتماعيّ» والتمحور حول البيت مما قد يصلح علاجات تقنيّة مؤقّتة، لكنّه ليس نموذجاً أمثل للحياة (حتّى كعلاجات تقنيّة، لا بدّ من إرفاقها بتأمين الشرط الاقتصادي للبقاء في البيت).

إشارة أخرى: اتّجاه بعض الأنظمة إلى ضبط حركة الأفراد عبر التليفونات وأجهزة الإيميل ومعرفة التحرّكات وتجميع كلّ المعطيات حول الماضي…

تراجع الثقة بالعلم وبالتقدّم يدفع أيضاً في الوجهة نفسها. صحوة «التحليلات» الخرافيّة والتآمريّة تتوسّع رقعتها. الدور الثقافي معطّل إلى حدّ بعيد. تصريف العنف، أكان بالسياسة والانتخابات أم بالرياضة، مسدود.

إلى هذا، لا يبدو أي أثر لحركات مجتمعيّة أو نقابيّة أو مجتمعيّة أو ليبراليّة أو اشتراكيّة ديمقراطيّة تملك القدرة على الفعل والتأثير. أمّا على صعيد السياسات العليا، فمن المعبّر أنّ حظوظ ساندرز في أميركا قد تنتهي إلى ما انتهت إليه حظوظ زميله كوربين في بريطانيا.

وفيما خصّ النماذج، مُقلقٌ هو الطلب على الدولة القويّة والإعجاب بأفعال الصين فيما يترنّح الاتّحاد الأوروبيّ. ذاك الإعجاب يخدم الوجهة إيّاها، خصوصاً مع انحطاط النموذج الليبرالي إلى نموذج نيو ليبرالي غافل وساهٍ، فيما تضمر الحركات الاعتراضيّة على عمومها، وما بقي منها ضدّ «الأنظمة الفاسدة» و«الحكومات قليلة الفاعليّة» قادر على إعادة تدوير نفسه طلباً لأنظمة «أقوى». هكذا نضيف الاستبداد و«الكفاءة» إلى النيو ليبراليّة.

فوق ذلك: هذه الوجهة بشعبويّتها وعدائها للغريب وبمواصفاتها الأخرى لم تكن ضامرة حين هبّت كورونا علينا. كانت قويّة أصلاً.

هكذا، بقي النقد خجولاً جدّاً للاستبداد والمستبدّين: بشّار الأسد هجّر الملايين ممن لا يجدون بيوتاً يحتمون بها من كورونا. فلاديمير بوتين يتهيّأ لتعديلات دستوريّة تضمن بقاءه في الكرملين حتّى 2036. الزعماء المعصومون الذين تكاثروا في السنوات القليلة الماضية مرشّحون للتخصيب.

والحال أنّ السلطويّة والفاشيّة تخيفان أكثر من كورونا، وهما تقتلان أكثر. أمّا الخلاص الذي تقول لنا السيناريوهات الرؤيويّة إنّه يقيم خلف الكارثة فأغلب الظنّ أنّه خرافة. أمٌّ كهذه يصعب أن تلد بِنتاً كتلك.

الشرق الأوسط

—————————-

الأولوية للمرضى والمتخصصين.. ما الطريقة الصحيحة لاستخدام الكمامات؟/ د. أسامة أبو الرب

تؤكد منظمة الصحة العالمية مرارا على أن استخدام الكمامات ينبغي أن يقتصر على المصابين بفيروس كورونا المستجد “سارس كوف 2” المسبب لمرض كوفيد-19، وأن ارتداءها بالنسبة لغير المصابين لا يقيهم من العدوى، فلماذا ذلك؟ وما الطريقة الصحيحة لاستخدام الكمامات؟

في كثير من مناطق الصين باتت الكمامات الطبية إلزامية منذ تفشي فيروس كورونا. وبعض البلدان الأخرى تتبع هذه الإجراءات مثل النمسا التي فرضت الكمامة على الزبائن داخل متاجر التسوق. وفي ألمانيا يدور النقاش حاليا حول فرض الكمامة.

ويوم الاثنين أبدى وزير الخارجية الألماني هايكو ماس عدم ممانعته في إلزام المواطنين بارتداء كمامات عند التسوق على سبيل المثال كما فعلت النمسا.

وفي مقابلة مع صحيفة “بيلد” الألمانية الصادرة الاثنين، قال السياسي المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي”إذا كان الأمر منطقيا، فلا ينبغي استبعاد مثل هذا الشيء”.

وأضاف ماس أنه يجب أيضا ضمان أن الكمامات مناسبة لحماية الشخص والآخرين، متابعا أنه “لن يجدي عندما يتم وضع أي شيء على الوجه ليس له أي تأثير وقائي”.

بالمقابل أعرب مسؤولون ألمان أمس الثلاثاء معارضتهم لاشتراط وضع السكان الكمامات والأقنعة الطبية خلال وباء كورونا المستجد، وسط تحذيرات من أن ذلك قد يعطى إحساسا زائفا بالأمان.

لا حاجة

وذكر وزير الصحة الألماني ينس شبان الثلاثاء أنه يرى الآن أنه “لا حاجة هنالك للالتزام” بارتداء كمامات في بلاده رغم أن مدينة يينا (شرق) اتخذت قرارا محليا بفرض ارتداء الكمامات أثناء التسوق أو استخدام المواصلات العامة في إطار تكثيف الجهود للحد من تفشي فيروس كورونا، وأصبحت بذلك أول مدينة ألمانية تتخذ هذه الخطوة.

ومن جانبه يرى وزير الداخلية هورست زيهوفر أن التركيز يجب أن يكون أولا على توفير كميات كافية من الكمامات للعاملين بمجال الصحة والشرطة، في حين حذر العديد من المسؤولين من إرسال إشارة خاطئة عن طريق مطالبة عموم السكان بوضع الكمامات.

المصابون بالفيروس

وفي بيان لها أكدت المنظمة العالمية للصحة مرارا أن استخدام الكمامات ينبغي أن يقتصر على المصابين بالفيروس، وأن ارتداءها بالنسبة لغير المصابين لا يقيهم من العدوى.

ولفترات طويلة اقتصر ارتداء الكمامة الطبية على غرف العمليات، والهدف هو حماية المريض الذي يخضع لجراحة من الإصابة بعدوى حال سعال أو عطس أحد الأطباء أو طاقم التمريض أثناء الجراحة، وهي طريقة وقائية فعالة تمنع انتشار رذاذ السعال، لكن بشروط من أهمها تغيير الكمامة بانتظام. والمتعارف عليه في غرف العمليات عادة هو تغيير الكمامة كل ساعتين.

وفي حال ارتداء الكمامات في الحياة اليومية، فإنها تقي من يرتديها من العدوى، ولكن على نطاق ضيق جدا، فالفيروسات تخترق الجسم عادة عبر الفم أو العين أو الجروح المفتوحة، أما الدور الأهم في انتقال العدوى فتلعبه اليد. النصيحة الأهم هنا من قبل الخبراء تتمثل في عدم حك العين أو الأنف.

ويوم الاثنين قال مسؤولون بمنظمة الصحة إن مقدمي الرعاية والعاملين في مجال الرعاية الصحية بالخطوط الأمامية فقط يجب أن يرتدوا الكمامات، وكذلك المرضى لمنع انتشار العدوى.

وقالت المنظمة إن الكمامات يساء استخدامها بشكل كبير، مستشهدة بأبحاث تشير إلى أن الكمامات يمكن أن تعطي إحساسا زائفا بالأمان وقد تقود الناس إلى التخفيف من عملية غسل اليدين.

وأوضحت مايكل رايان المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ الصحية بالصحة العالمية -في رد على سؤال حول موضوع ارتداء الكمامات- إن المنظمة لا تلزم الجميع باستخدام الكمامة، وأكدت أن الأولوية للأطقم الطبية والمصابين ومن يتعاملون معهم إن كانوا بالمنزل، وقالت أيضا إن وضع الكمامة وخلعها مرارا وتكرارا قد تكون له أضرار.

وفي الولايات المتحدة توصي مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأشخاص الذين لديهم أعراض المرض أو الذين يقدمون الرعاية للمرضى فقط بارتداء الكمامات.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، حث الجراح العام الأميركي جيروم آدامز على التوقف عن شراء الكمامات، حيث غرد “إنها ليست فعالة في منع عامة الناس من الإصابة بفيروس كورونا، ولكن إذا لم يتمكن مقدمو الرعاية الصحية من استعمالها –نتيجة نقصها أو انقطاعها- فإن هذا يعرضهم هم ومجتمعاتنا للخطر”.

كمامات بفلتر

بالإضافة إلى كمامات غرف العمليات، هناك أيضا كمامات أكثر فاعلية وهي تلك المزودة بفلتر للحماية من الأتربة والمواد الضارة. وتنتشر هذه الكمامات عادة بين العاملين في مجالات البناء والصناعة، ممن يتعرضون للأتربة والمواد الضارة.

هذه الكمامات أيضا لا تقدم الحماية المثالية من الفيروسات، إذ إنها معدة لهدف آخر، فهي مفيدة للنجار على سبيل المثال للحماية من استنشاق غبار الأخشاب، أو لعامل البناء الذي يخلط الإسمنت ويحتاج للحماية من غباره.

حتى استخدام الكمامات ذات أفضل درجات الفلترة لا يقدم الحماية دون اتخاذ إجراءات وقائية أخرى أهمها: اتباع أعلى درجات النظافة عند وضع الكمامة أو التخلص منها، ارتداء قفازات وبدلة كاملة تغطي الجسم كله، علاوة على الغسل المنتظم لليدين وتعقيم المكان المحيط بك بانتظام وبشكل سليم.

وهذا ما يعتمده العاملون في وحدات العزل التي يوجد فيها مصابون بالفيروس بالفعل، وهو أمر يحتاج لوقت طويل، وبالتالي فإن اتباع هذه الطريقة في الحماية أثناء العمل أو عند استخدام وسائل النقل العام غير عملي بالمرة.

 متى ترتدي الكمامة؟

وتقول منظمة الصحة على موقعها ردا على سؤال متى يجب استعمال الكمامة مع تفشي كورونا “إذا كنت بصحة جيدة، فليس عليك أن ترتدي كمامة إلا إذا كنت تسهر على رعاية شخص تشتبه إصابته بعدوى فيروس كورونا المستجد”.

وتضيف “ضع كمامة إذا كنت تعاني من السعال أو العطس.. لا تكون الكمامات فعالة إلا إذا اقترنت بالمداومة على تنظيف اليدين إما بفركهما بمطهر كحولي أو بغسلهما بالماء والصابون”.

وتؤكد المنظمة أنه “إذا كنت تضع كمامة، فيجب أن تتعلم الطريقة الصحيحة لارتدائها والتخلص منها”.

كيفية استعمالها ونزعها والتخلص منها

    افرك يديك بمادة قوامها الكحول أساسا، أو اغسلهما بالصابون والماء قبل ارتداء الكمامة.

    غط فمك وأنفك بالكمامة وتأكد من عدم وجود فجوات تتخلل وجهك والكمامة.

    تجنب لمس الكمامة أثناء استعمالها، وإن لمستها، فافرك يديك بمادة قوامها الكحول أو اغسلهما بالصابون والماء.

    استبدل الكمامة بأخرى جديدة بمجرد تعرضها للبلل، ولا تعد الكمامات المعدة لاستعمالها لمرة واحدة.

    نزع الكمامة: احرص على نزعها من الخلف (ولا تلمس مقدمتها) وتخلص منها فورا برميها في حاوية مغلقة، وافرك يديك بمادة قوامها الكحول أو اغسلهما بالصابون والماء.

ختاما فإن جميع وسائل الحماية لا تفيد ما لم يتم الالتزام بمعايير النظافة الشخصية، فمهما ارتديت من كمامات، يمكن أن يضيع كل تأثيرها في تلك اللحظة التي تلمس فيها أنفك أو عينك بيد غير نظيفة.

المصدر : مواقع إلكترونية

———————————————–

مقال بواشنطن بوست: هل يدمر كورونا الدول النامية؟

تواجه أنظمة الرعاية الصحية في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية تحديات جمة في ظل التفشي المتسارع لوباء كورونا المستجد، حيث توشك على تجاوز قدرتها الاستيعابية لاستقبال مزيد من المصابين، ولكن ماذا عن الدول التي لا تملك نظام رعاية صحية في المقام الأول؟

بهذا السؤال استهل الأكاديمي والكاتب الصحفي برايان كلاس مقاله في صحيفة واشنطن بوست تحت عنوان “وباء كورونا يوشك أن يدمر الدول النامية” الذي سلط فيه الضوء على المخاطر التي ستنجر عن تفشي الوباء بالدول النامية في ظل غياب أنظمة صحية تمكن من مواجهته وصعوبة تطبيق التدابير الاحترازية بسبب الفقر والكثافة السكانية العالية.

وفيات مروعة

وأشار المقال إلى أنه بالرغم من أن عدد الوفيات في الدول الغنية جراء الفيروس ستكون مروعة حيث يتوقع أن يحصد أرواح مئات الآلاف إن لم يكن ملايين الناس خلال الشهور المقبلة، فإن الأوبئة التي عرفتها البشرية من قبل تشير إلى أن تلك الأرقام لن تمثل سوى جزء ضئيل من عدد الوفيات في البلدان الأكثر فقرا في العالم.

فقد حصدت جائحة الإنفلونزا التي ظهرت عام 1918 أرواح ما بين 25 مليون شخص ومئة مليون، كما يقول الكاتب، وكان حوالي 12 مليونا من تلك الوفيات في الهند وحدها. كما توفي حوالي مئة ألف شخص في غانا التي لم يتجاوز عدد سكانها آنذاك مليوني نسمة، أي أن الوباء قتل 5% من مجموع سكانها في ذلك الوقت.

ورجح الكاتب ظهور أنماط مماثلة خلال جائحة كورونا الحالية خاصة في المناطق الفقيرة والأحياء العشوائية.

عجز طبي

وفي مقارنة بين الطاقة الاستيعابية للقطاع الطبي في الدول الغنية وتلك النامية، أشار الكاتب إلى أن عدد أَسِرّة العناية المركزة في المستشفيات الأميركية مقارنة بعدد السكان هو سرير واحد لكل 2800 شخص، بينما تحيل مقارنة مماثلة في أوغندا إلى سرير واحد بالعناية المركزة لكل مليون شخص.

ووفقا لخبراء فإن عدد أجهزة التنفس في مستشفيات ليبيريا -التي تقع في غرب أفريقيا ويضاهي عدد سكانها سكان ولاية لويزيانا الأميركية- لا يتجاوز ثلاثة أجهزة في كافة مستشفيات البلاد، وهو ما يعني أن المصابين بوباء كورونا الذين يحتاجون أجهزة تنفس ليتمكنوا من البقاء على قيد الحياة سيفقدون أرواحهم ما عدا الثلاثة الذين سيتمكنون من الاستفادة من أجهزة التنفس.

وأورد الكاتب رأي السفير البريطاني في مدغشقر، فيل بويلي، الذي قال “إن التحديات التي يشكلها الفيروس أكبر بكثير في البلدان الأشد فقرا، مثل مدغشقر، من تلك المتقدمة” مضيفا أن البنية الصحية في مدغشقر ضعيفة حيث لا يتجاوز عدد الأطباء عشرة لكل مئة ألف شخص، مقارنة بعشرة أطباء لكل 295 شخصا في الولايات المتحدة.

الفقر يعيق التدابير الاحترازية

وأشار الكاتب إلى أن تداعيات تفشي الجائحة في الدول النامية ستكون مضاعفة، لأن حكوماتها لا تملك القدرة على التخفيف من التأثيرات السلبية للتدابير الاحترازية الرامية للحد من تفشي الوباء، إذ قد يؤدي التطبيق الصارم لإرشادات عزل الناس إلى مجاعة واسعة النطاق.

ووفقا للسفير البريطاني في مدغشقر فإن العديد من “العائلات والمدارس وحتى بعض المستشفيات لا تحصل على الماء”، وإن ثمن المعقمات التي تستخدم لتعقيم اليدين يعادل راتب يوم كامل لمعظم السكان. وحذر السفير من أن التداعيات الإنسانية ستكون كبيرة إذا لم تتدخل الدول المتقدمة.

وحث الكاتب الدول المتقدمة على السعي لإنقاذ أرواح الناس في البلدان النامية، مؤكدا أن منح الحكومات في البلدان الغنية الأولوية لإنقاذ مواطنيها لا يتعارض مع إنقاذ أعداد كبيرة من الأرواح في مناطق أخرى بتكلفة قليلة نسبيا.

واقترح على البلدان المتقدمة إنشاء صندوق ابتكار سريع لتشجيع رجال الأعمال على تطوير أجهزة تنفس طبية منخفضة التكلفة لصالح الدول النامية. وقال إن على الدول الغنية التي تجاوز تفشي الفيروس فيها ذروته إرسال الطواقم والإمدادات الطبية إلى الدول الفقيرة التي تشهد تفشي الوباء.

المصدر : واشنطن بوست

—————————————

لماذا توقف عدد المصابين بفيروس كورونا في الصين؟/ مصطفى عباس

أراقب منذ أسابيع التطبيق الإلكتروني الذي يشير إلى عدد الإصابات بفيروس كورونا حول العالم، ما أثار انتباهي هو أن العداد متوقف في الصين عند واحد وثمانين ألفاً، وكذلك هو بالنسبة لإيران التي توقفت الإصابات عند خمسة وثلاثين ألفاً. ما أتمناه هو أن تتوقف الإصابات بهذا المرض في كل مكان، فهو وباء يجتاح العالم كله، ولا دولة في معزل منه.

ولكن هل يمكن الوثوق بالصين بالنسبة لعدد المصابين؟ وهل التصريحات التي تطلقها هذه الدولة عن تجاوزها هذا المرض يمكن حملانها على محمل الجد؟

الصين التي أخفت المرض عدة أشهر، بل هددت الطبيب الذي كان يعمل في مستشفى ووهان لي وينليانغ، واتهمه الأمن الصيني بنشر معلومات مضللة تخل بالأمن العام، عندما لجأ إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتحذير من تفشي فيروس خطير في المستشفى، قبل أن يتوفى هذا الطبيب الصغير بالسن في ظروف غامضة، قيل إنه أصيب بالفيروس القاتل. ولم تبلغ السلطات الصينية منظمة الصحة العالمية بالفيروس المستجد حتى نهاية كانون الأول الماضي، بينما ظلت بكين تزعم أن الفيروس لا ينتقل بين البشر، حتى النصف الأخير من كانون الثاني، حيث كانت عطلة رأس السنة الصينية اقتربت وبدأ الملايين يسافرون داخل وخارج البلاد، ما ساعد على انتشار المرض عالمياً.  منظمة الصحة العالمية كانت قالت إن معظم الدول لا تنشر الأرقام الصحيحة لعدد الإصابات، ولكن كيف هو الحال بالنسبة للصين البلد الذي يحكمه حزب شمولي شيوعي، يستمد سلطته من التخويف والترهيب، ويريد أن يواصل بأي شكل من الأشكال الزحف نحو قمة العالم اقتصادياً.

بل أكثر من ذلك.. فقد طردت الصين العديد من مراسلي وسائل الإعلام الأجنبية، وخصوصاً الأميركية منها (إذاعة صوت أميركا)، وصحف (نيويورك تايمز) و (وول ستريت جورنال) و(واشنطن بوست) و(التايمز)، ادعت الخارجية الصينية أنها جاءت رداً على تصنيف الولايات المتحدة خمس وكالات إعلامية صينية على أنها “بعثات أجنبية”.

الصين كانت لمحت قبل نحو أسبوعين على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو لي جيان في تويتر عن احتمالية لتورط للجيش الأميركي في جلب كورونا فيروس إلى مدينة ووهان التي كانت الأكثر تضررا من هذا الفيروس، وتساءل الناطق عن سبب عدم انتشار المرض في الولايات المتحدة؟

ربما كان هذا الاتهام غير المباشر مقنعاً قبل أسابيع، أما اليوم وقد تصدرت الولايات المتحدة عدد المصابين، بل تضاعف عددهم بسرعة ليغدو خلال فترة قصيرة ضعفَي عدد المصابين المعلن عنه في الصين، فقد أصبح الاتهام نوعاً من حروب البروباغندا المندلعة بين البلدين، عملاقي الاقتصاد العالمي، ويحاول كل بلد إيقاف عجلة النمو الاقتصادي للآخر، لا سيما أن الصين كانت قبل انتشار الفيروس تحقق معدلات تنمية اقتصادية عالية وتسير بخطى متسارعة نحو قمة العالم اقتصادياً.

الصين التي كانت المصدّر للعديد من الأوبئة، يعني تسيدها الاقتصاد العالمي، فيما لو تم، أنها كذلك باتت ذات قوة ونفوذ سياسيَيْن، ولكم أن تتخيلوا شكل النظام القادم، الذي تتصدره دولة شمولية عُرفت بتقليد المنتجات الأوروبية، وطرح ماركات مقلَّدة بأسعار منخفضة، لا سيما أن القارئ للتاريخ يرى أن التغيرات المفصلية في تاريخ البشرية، كانت دائماً تأتي بعد الجائحات والأوبئة، فالفيروس القاتل برأيي هو تطور لأنواع الطواعين التي كانت تضرب العالم وتؤدي إلى انتهاء حقبة زمنية وابتداء حقبة جديدة.. طاعون 150 ميلادية أدى إلى انتهاء الدولة الرومانية.. وطاعون حوالي 600 ميلادية أعقبه انتشار الإسلام… ثم هناك طاعون في القرن الخامس عشر الميلادي تلته النهضة الأوروبية، فهل سيكون فيروس كورونا بداية للانحسار الغربي وبدء انتشار التنين الصيني؟

شخصياً لا أتمنى ذلك لعدة أسباب: أن الغرب هو صاحب كل المنجزات الحضارية التي نستمتع بها اليوم، ومنها منجزات أخلاقية صرفة، كحقوق الإنسان والديمقراطية، صحيح أن الغرب ليس صادقاً تماماً في هذا السياق، وقد تكون المصلحة في كثير من الأحيان مقدمة على المبادئ، ولكنه يملك مبادئ، ويستطيع صاحب الحق أن يحاججه بها، ولكن الصين نظام استبدادي لا يتوانى عن اعتقال مليون شخص وزجهم في معسكرات اعتقال جماعية، كما يحصل الآن مع أقلية الإيغور المسلمة في إقليم شينجيانج.

في معهد اللغة بالجامعة الفرنسية كان معي طلاب صينيون، هم بالإضافة إلى لطفهم الظاهري، إلا أنهم لا يذكرونني إلا بالطلاب في سوريا الأسد لجهة الخوف والكبت، حيث يهربون من التعبير عن رأيهم الحقيقي بالسياسة، ربما خشية من أحد كتاب التقارير المخفيين.  فكيف سيكون مصير العالم على صعيد الحريات، فيما يلاحق الخوف الصينيين حتى إلى أوروبا؟

تلفزيون سوريا

—————————————-

هل الأغنياء في مأمن؟ الحجر الطبقي ومساكن فقراء العالم/ محمد دريوس

يعيد الحجر الصحّي المفروض حالياً في أغلب دول العالم، تعريف المساحة الشخصية، تقديرها والانتباه إليها بوصفها أحد الحقوق التي ينبغي على الإنسانية، كتعريف كلي وعام ومليء بالخير والعدالة، تأمينها للأشخاص الذين بطبيعة الحال ينتمون إليها.

توابيت النوم

في سلسلة صور اسمها “المحاصرون” قام بتصويرها المصور “بيني لام Benny Lam” بين عامي 2012 و2015، للكبائن، أو “التوابيت” المصنوعة من الألواح الخشبية والتي تبلغ مساحة الواحدة منها متراً مربعاً فحسب، والتي يسكنها ما يزيد عن 200 ألف شخص في هونغ كونغ، بينهم 40 ألف طفل، مع انفجار سوق العقارات بحيث تصنف هونغ كونغ كمكان لأغلى العقارات في العالم، يعيش هؤلاء السكان حرفياً “القرفصاء”، حيث لا أمكنة كافية ليتمدد الشخص، ليريح أطرافه أو ليغير وضعية نومه، وحين يكون المسكن أكبر من متر بقليل يصيح المالك: “يجب أن تكون سعيداً، لديك نعش كبير”، يقول بيني لام.

خلف الإعلانات البراقة والنيونات المشعة واللافتات المضاءة بالليزر، يوجد أشخاص يعيشون في مساكن مساحتها 1.80 طولاً و60 سم عرضاً، بأدوات مطبخهم وصحونهم وملابسهم، بتلفزيوناتهم ومراحيضهم ونباتاتهم المنزلية، كما بأحلامهم، إن استطاعوا الحفاظ على بقية منها، هم ليسوا غير مرئيين عن يومياتنا، هم بائعو متاجر وعمال توصيل ومصففو شعر، ندل في مطاعم وحراس وعمال نظافة أيضاً، يقول بيني: “هم يشبهوننا في كل شيء، الفرق الوحيد بيننا هو منازلنا، أي ما يصنع الكرامة البشرية”.

يتكرر الأمر، تتكرر هذه المفارقات الغريبة في طبيعة المساكن، مساحتها بالنسبة لعدد الأفراد فيها، في كل مكان من أحزمة البؤس في العالم، سواء كنا في ليما في البيرو، أحياء الـ”فافيلا” في البرازيل، مانيلا في الفلبين أو حتى في المناطق العشوائية المحيطة بدمشق في سوريا، أو في مخيمات النزوح في لبنان، الأردن، تركيا والعراق، تبدو المساحات كما هي معروفة غير موجودة، وحتى غير معترف بها كحق من حقوق الإنسان.

في الوقت الذي يشتكي فيه الناس الموجودون ضمن الحجر الصحي، في باقي العالم، من الضجر وقلة الحيلة، وبرغم وجود كل وسائل الرفاهية الأساسية، من كهرباء، ماء، صرف صحي واتصال بالإنترنت، أي كل ما يجعل من فكرة الحجر الصحي بحد ذاتها، لا أكثر من إقامة جبرية في منتجعات فاخرة، تبدو الحياة الطبيعية لأولئك البشر عبارة عن سلسلة لا تنتهي من العذابات، بحيث يبدو مجرد الاستيقاظ بحد ذاته عملاً بطولياً يستحق أن تقام له الاحتفالات. في المساحات الضيقة، أحزمة البؤس الخانق، يتمشى الموت يداً بيد مع الطفولة والولادات الجديدة، حيث يعادل الحصول على قطعة اللحم الحصول على جائزة نوبل للكآبة.

الحجر الصحّي من جديد

يعود تاريخ ما يعرف بالحجر الصحي إلى القرون الوسطى، لكنه حالياً مفهوم يتعدى الأوبئة المنتشرة والطواعين والكوليرا، ليأخذ شكلاً طبقياً أكثر حسماً وصرامة، خصوصاً فيما يتعلق بتقسيم المجتمعات إلى فقراء موبوئين وأغنياء أصحّاء، أو إلى عمال وأرباب عمل، إلى رؤساء وقادة وجنود وبيادق. كانت الحدود الطبقية المرسومة باستمرار نقطة محورية في حركة المجتمعين أو الطبقتين باتجاه بعضهما البعض: يجب الفصل دوماً بين العامل ورب عمله، فصلاً مالياً، اجتماعياً وحتى دينياً، فبالتأكيد لن يشبه ربّ الفقير الشاحب، الذي يعاني من سوء التغذية، رب الغني المتخم، الذي تكاد تتفجر وجنتاه من الشحوم والتخمة.

العيش تحت “خط الفقر”… مشاهد من الحياة اليومية لأبناء بيروت

تأنيثُ الفقرِ مستمرّ.. لماذا تحظر المرأة في بلداننا من إرث الأراضي والعقارات؟

نصائح للشخص الأعزل: كيف تنشئ من هذا الحطام حياة

    عن فصل طبقي لا يتم اليوم التصريح به علانية، لكنه يأخذ مجراه الحقيقي عبر العديد من الإجراءات التي في ظاهرها تبدو مهتمة بصحة الناس، رفاهيتهم، بل وحتى صحّة الكوكب نفسه، لكنها في باطنها تقيم حاجز فصل عنصري بكل وقاحة، بين  أولئك الموجودون داخل النظام، السيستم، المالي والصحي والحياتي، وبين أولئك الخارجين عنه، المنفيين، المقطوعين

هذا الفصل الذي لا يتم اليوم التصريح به علانية، لكنه يأخذ مجراه الحقيقي عبر العديد من الإجراءات التي في ظاهرها تبدو مهتمة بصحة الناس، رفاهيتهم، بل وحتى صحّة الكوكب نفسه، لكنها في باطنها تقيم حاجز فصل عنصري بكل وقاحة، بين من يستطيعون القيام فعلاً بكل هذه الإجراءات أي أولئك الموجودون داخل النظام، السيستم، المالي والصحي والحياتي، وبين أولئك الخارجين عنه، المنفيين، المقطوعين، أكوام اللحم المفروم ضمن المخيمات وأكواخ الصفيح، فما يميز بشكل رئيسي العصر الجديد عن العصر القديم، هو أن السوط بدأ يعتقد نفسه رائعاً، كما يقول ماركس.

السجون والمساحات الشخصية

قد تبدو كوميديا سوداء فقط، لكن من الشروط الصحية التي أوردتها وزارة الصحة الفرنسية لشروط تربية الدجاج، كي ينطبق عليها وصف “العضوي”، هو وجود 10 دجاجات في المتر المربع، أي بما يعادل 19 كيلوغرام في المتر المربع، كنا نضحك من هذه الطرفة حين ننام على أحد جوانبنا، بحيث لا يحتجز الفرد أكثر من بلاطة واحدة، بعرض 40 سنتم، على طول الشخص، وفي كثير من المرات، كان السجناء ينامون على دفعات، بحيث يقف البعض ساعتين، لينام آخرون، ثم يتبادلون الأماكن.

وغالباً ما ننام في الممر المفضي إلى التواليت، بحيث يقف من سيستخدم التواليت على بطانية النائم ويتبوّل، هكذا بكل بساطة، وحين ينتقل الرذاذ إلى وجه النائم يقوم بمسحه، كأنه مجرد مطر خفيف فحسب، هذا ليس كابوساً، هذا جزء مما عشته أنا شخصياً في سجن مدني وليس في فرع تحقيق، جزء عشته على مدى أكثر من سنتين، مع سبعين شخصاً في غرفة واحدة، بحمام واحد، أما في فرع التحقيق فتلك تعتبر رفاهية، فلا يعطى الشخص أكثر من بلاطة واحدة، يجب أن يقلص جسده حتى ينام فيها.

لا يُعترف في أماكن مماثلة، سجون، مستشفيات أو حتى مدارس، بالمساحات الشخصية، المساحات مملوكة للسلطة فقط، تحتجزها، تضيّقها، تملؤها بما تريد، هي مساحتها الخاصة كمالك للفضاء برمته، للوطن بغاباته وعصافيره وأنهاره، وأنت أو أي شخص، شيء من ضمن هذه الأشياء، تبدو أكثر شبهاً بغرفة الكراكيب التي كانت النساء يستخدمنها لإلقاء ما ليس مستخدماً اليوم، وربما لن يستخدم مستقبلاً، أو لا لحاجة لرؤيته قريباً، حتى يجف من تلقاء نفسه وينخره السأم أو الرطوبة أو الموت، فيختفي من تلقاء نفسه، هكذا تتعامل السلطات مع المساجين، مع التلاميذ، مع المحجورين صحياً، أجزاء زائدة عن الحاجة، غير مفعّلة لا كبيادق ولا كأشياء، مهملة، غير ذات فائدة، تترك لتذوي من تلقائها، تختفي وتتلاشى في الهواء.

مساكن الرفاهية المختصرة

لا يقتصر الأمر على دول العالم الثالث كما قد نظن، بمزيد من الضغط من الشركات الكبرى، الكارتيلات الاقتصادية الضخمة، وتحت ضغط أسعار العقارات، يزداد الأمر صعوبة حتى في الدول الأوربية، حيث انتقل مفهوم تلك الغرف الصغيرة، من اليابان الذي اضطرت إليه بحكم قلة المساحات لديها في الثمانينيات، إلى تقليعة عمّت المدن الغربية بأكملها تقريباً، حيث ابتدأت بالمطارات ثم لحقتها الشركات التي تبحث عن استثمار أكثر ربحاً، فيتم استئجار “كبسولات” صغيرة مساحتها 5م مربع في برشلونة مثلاً، مصطفة بجانب بعضها كغرف، ومعزولة بأبواب بلاستيكية، وبعضها مساحته لا تتجاوز الثلاثة أمتار.

وفي أغلب المدن الكبرى الأوربية تنتشر “الكبسولات” هذه، ميلانو، وارسو، أمستردام، باريس وموسكو، فهي أفضل من النوم في الشارع، يقول أحد المالكين، إذ نشأت من حاجة العمال في سيؤول وسنغافورة لمكان للنوم فقط، لكن هذا يعتبراً ترفيهاً مرموقاً، إذ تتوفر فيها المياه النظيفة على الأقل، فقد نشر عمدة مدينة مونتريل التابعة لمدينة باريس، صورة لأحد المباني، يعيش فيه 240 مهاجراً من مالي، على حسابه في تويتر، قائلاً: “لقد رأيت البراز ينزف من طابق لطابق”، كمقدمة لإعطاء أمر للسلطات الأمنية لاجتياح المبنى وإفراغه من سكانه.

الحجر الطبقي

هل الأغنياء في مأمن؟ أرسل الفقراء إلى الجبهة… هكذا تقول الصورة الكاريكاتورية، وهذا ما تقوله أيضاً الحكومات التي وضعت قواعد الحجر الصحي الذي يناسب من يمتلك مالاً مدخراً فيصرف منه بلا حساب، بينما يقبع أولئك الفقراء، العمال المياومون، تحت رحمة الفيروس وبين أكوام نفايات الأغنياء، ينتزعون لقمتهم المغمسة بالوباء والموت، في حين يقسم الحجر عالم الأعمال إلى قسمين، قسم الراحة والاستمتاع وإدارة الأعمال عن بعد للأثرياء، وقسم الانغماس بالمخاطر وتحمّل التهديد عن البقية، يفرح البعض بأن الخوف الحالي وحّد الناس، أزال الفروق الطبقية وجمع المتخاصمين، لكن الحقيقة عكس ذلك تماماً، لقد أظهر بوضوح تلك الفروقات التي كنا نغطيها بقليل من الماركات المقلدة من الثياب، الأحذية، العطور، الحقائب وأدوات المكياج.

لقد أظهر الفيروس أن الأغنياء يتصرفون وكأن الكوكب كوكبهم فحسب، يتلاعبون به ويبددون موارده ويخربون بيئته، بينما يدفع الفقراء ثمناً باهظاً من أجسادهم وأنفاس أطفالهم، وفي حين يتبجّح الأثرياء باتباعهم أساليب النظافة المبالغ بها وصرفهم كميات مهولة من المعقمات والكحول، وإفراغهم المخازن من الأطعمة، اللحوم المجمدة والشوكولا، يحتار البقية بهذا الاهتمام الفجائي الذي هبط على الحكومات والمدراء التنفيذيين بصحّتهم، ويعرفون أن الأمر ليس أكثر من عدم الرغبة بخسارة بعض الأقنان رخيصي الأجر لا غير.

رصيف 22

————————————-

=============================

===================================

تحديث 02 نيسان 2020

—————————-

من يوميات كورونا في دمشق/ كرم منصور

إنها العاشرة ليلاً، أكتبُ هذا النص والظلام يلفّني بعد سقوط الشمعة الأخيرة صريعةَ وحش الظلام منذ نصف ساعة. انقطاع التيار الكهربائي هنا يعني انقطاع الانترنت؛ شريان المعرفة الذي يصلني بالعالم الخارجي الافتراضي. كذلك أنا منقطع عن محيطي الواقعي؛ ممنوع من الخروج من المنزل بفعل حظر التجول المفروض يومياً بعد الساعة السادسة مساء، الحظر الذي جاء بعد نفي حكومي لوجود أي إصابة في بداية الأسبوع الثاني من آذار الماضي. بعد ذلك بثلاثة أيام، أصدرت وزارتا التربية والأوقاف قراراً بتعليق الدوام في جميع المدارس، وإغلاق المساجد بعد انتهاء الصلاة مباشرة، مع استمرار النفي الرسمي لوجود أي إصابة بالمرض.

استمرّت الحكومة في النفي أياماً بعدها، وكذلك في إصدار قرارات لتعطيل الحياة العامة مُحاوِلةً منع التجمعات، حيث قررت إغلاق جميع المطاعم والمقاهي في العاصمة، وإيقاف العديد من المؤسسات الحكومية عن العمل. وقد عطّلت هذه الإجراءات شريان الحياة في دمشق، التي لم أرها في يوم من الأيام إلى مدينة مصنوعة من ضجة وازدحام، مقارنة بالأرياف التي تحيط بها. بدأت هذه القرارات تُبطئ عمل قلب المدينة، ليأتي بعد ذلك قرارٌ بإعلان حظر التجول الليلي وإيقاف جميع جوانب الحياة باستثناء ما يخص الطعام والشراب، وتغرق العاصمة في صمت وحذر لم أشهد مثيلاً له من قبل.

الصمت الآن هو المتجول الوحيد في أحيائها، لا يكسره سوى أصوات الجنود المدججين بالسلاح لمواجهة كورونا! منذ بضعة أيام فُرِضَ حظر التجول؛ وبدأت تُسيّر دوريات من الشرطة معززة بعناصر من ميليشيات «الدفاع الوطني» لمطاردة أي شخص يعصي القرار، وبتنا لا نسمع إلا أحاديث الجند وعواء بعض الكلاب الشاردة التي أصبحت أكثر حرية من البشر في شوارع المدينة.

مقترحات الترفيه التي يعرضها رواد فيسبوك للقضاء على الملل، مثل تنزيل الألعاب الافتراضية أو مشاهدة قوائم الأفلام والمسلسلات عن طريق الإنترنت، لا يمكن أن أرى فيها الآن سوى محض ترف؛ زيارة الكهرباء يجب استغلالها بأشياء أكثر واقعية، مثل الاطلاع على آخر القرارات الرسمية التي تنظم حركتنا في البيت وخارجه على حد سواء. تصيح أختي من الغرفة المجاورة: «ابتداء من يوم الأحد سيُمنع مجيء القاطنين في الأرياف إلى المدن»، وهذا يعني أن معظم سكان العشوائيات، ومثلهم سكان غوطتَي دمشق المرتبطتين بها عضوياً، لن يستطيعوا الدخول إليها حتى إشعار آخر. ورغم تبرير هذا القرار بضرورة منع الاختلاط، إلا إنه يعيد إلى رأسي فكرة ثنائية الريف والمدينة، وكثيراً من قصص الازدراء الذي يتعرض له أهالي الأرياف عند قدومهم إلى المدن.

عند زيارة الكهرباء لمنزلنا القابع في أحد أحياء العشوائيات المحيطة بدمشق، يهرع أفراد العائلة إلى المحيط الأزرق، فيسبوك، لمعرفة آخر الأخبار، ونبدأ القراءة: سقط اليوم 1000 ضحية بوباء كورونا في إيطاليا، فتُعلِّقُ أمي بإيمانٍ فاتحةً ذراعيها للسماء بكثير من الرجاء: «يا رب… إذا بأوروبا المتطورة تموت هذه الأعداد، عندما يصلنا كم روحاً سيحصد في هذه البلاد؟ يا رب». أمي تتعامل مع الفيروس كأنه عاصفة أو إعصار جوي، ولا تجد إلا الخوف والدعاء للتصدي له.

خلال نحو تسع سنوات من المقتلة السورية، لم نكن نهتم بأعداد الضحايا خارج الجغرافيا السورية، كان حضور الموت السوري هو الذي يثير اهتمامنا وقلقنا، ويلهينا عن الأحداث والضحايا في مناطق العالم الأخرى. الآن أصبحنا أكثر اتصالاً؛ لقد وَحَّدَ كورونا الضحايا في مختلف بقاع العالم، فأعداد الوفيات في كل من إيطاليا والصين، وسرعة تفشيه في أوروبا، أمورٌ تزيد القلق من تفشيه أكثر فأكثر في بلادنا. أصبحنا نهتم بأعداد المصابين في كافة بقاع العالم، ونشعر بهم ونخاف عليهم كضحايا مفترضين للمرض رغم انفصالنا الجغرافي عنهم. أصبحنا نستقبل أخبار انتشار مرض كورونا في أي مدينة في العالم بالطريقة نفسها التي كنا نتلقى بها الأنباء عن دخول الشبيحة إلى البلدات السورية، بانتظار معرفة أعداد الضحايا. اختلفَ مكان الضحايا، وتحوَّلَ الشبّيح إلى فيروس يفتك بكافة سكان الكرة الأرضية، وأصبحنا نعيش في حالة من الشك والخوف. نتساءل؛ هل استطاعت جحافله التسرب إلى بلادنا.

*****

قرار منع الخروج من المنازل أشعر شريحة المطلوبين للخدمة الإلزامية في الجيش، ومثلهم المطلوبين لدواع سياسية، بالعدالة نوعاً ما. الآن هناك الملايين الذين يشاركونهم الحجر نفسه، الذي فرضوه على أنفسهم من قبل خوفاً من الاعتقال.

أحد الأشخاص كان مطلوباً لفرع الأمن العسكري، وكان لا يزال متخفياً خوفاً من الاعتقال، قال لي إنه يشعر بالعدالة عندما يرى جميع الناس محجورين في بيوتهم، مضيفاً أنه كان قد تمرّس بشعور الملل المستجد الذي يشعر به الناس الآن هو فيه من قبل. ومع حديثه عن الخوف من الاعتقال، راحت صور المعتقلين تدور في رأسي؛ ماذا لو دخل كورونا إلى مهاجعهم؟ ماذا لو تفشّت العدوى بينهم؟

وقد دفع الخوف من تفشي الأوبئة بشار الأسد إلى إصدار قانون عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل 22 من شهر آذار الماضي، لكن هذا العفو لم يشمل المعتقلين السياسيين داخل الأفرع الأمنية، الذين لا يعترف بهم النظام أصلاً. تلاه بعد ذلك مرسوم بتسريح دفعات من الضباط وصف ضباط ممن تم الاحتفاظ بهم بعد إنهاء سنوات خدمتهم إلزامية، وهو الأمر الذي طالبوا به كثيراً في السابق دون الاستجابة لمطالبهم. زادت كلّ هذه الإجراءات من حالة القلق والتساؤلات عن مدى انتشار المرض، أو الخوف من انتشاره.

*****

السلطات الرسمية تخفي الأمر، دائرة القلق والشكوك تحيط بنا كهالة حول رؤوسنا فيما نسمع أخباراً متضاربة؛ تم اكتشاف ثلاث حالات في مستشفى المجتهد! يتناقل الناس تسجيلات على تطبيق واتساب لممرضات يُصرِّحنَ بعدد من الوفيات في مستشفى المواساة، ثم يخرج مصدر طبي لينفي هذه الأرقام وينسب الوفاة إلى التهابات في الرئة. الإجراءات الرسمية، وتضارب الأنباء، إضافة إلى انعدام الثقة بصدقية الأرقام الرسمية لدى معظم السوريين على اختلاف مشاربهم السياسية، كلّ ذلك يفاقم يومياً من حالة الخوف.

لم يلبث أن صدر تعميم طبي بعدم تداول أي معلومات طبية خارج المراكز الصحية، مرفقاً بمنع التصوير من خلال الهواتف المحمولة داخل المستشفيات، إضافة إلى منع اصطحاب المرافقين للمرضى، وذلك بحسب شهادات العديد من العاملين في المستشفيات. في حين تم إلزام طلاب الطب للسنة الخامسة والسادسة بالدوام، رغم انقطاع وسائل المواصلات العامة.

يخرج كثيرٌ من الطلاب باكراً لتقلّهم سيارات الخضار القادمة إلى دمشق، وهي السيارات الوحيدة المسموح لها بالدخول إلى العاصمة من أريافها، ومنهم من يستعملون درجات هوائية، وخاصّة القاطنين في ضواحي دمشق القريبة. سيارات الأجرة باتت تطلب أربعة  أضعاف تسعيرتها، وهو ما لا قدرة لأبناء الطبقة الفقيرة على دفعه يومياً، في حين بقيت مراكز التجميل وإزالة الشعر مشرعة أبوابها، شرط أن تتحول إلى مراكز صحية تقدّم الخدمات الطبية، وهي الحالة التي تنطبق على عدد من المراكز داخل العاصمة فقط، في حين فَضَّلَت المراكز الموجودة خارج العاصمة إقفال أبوابها.

*****

الحظر الذي تفرضه علينا القرارات الرسمية، إضافة إلى زيادة التقنين في الكهرباء، أنتجَ مفهوماً آخر للوقت لدينا، فالموعد الرسمي لانتهاء اليوم هو الساعة السادسة مساء؛ ساعة بدء سريان حظر التجوال اليومي. وقد أدّى اختصار اليوم إلى اثنتي عشرة ساعة يمكن الخروج فيها من المنزل إلى تغيّر مفهومي عن الزمن؛ اثنتا عشرة ساعة مقسمة على أربعة مجموعات، ثلاث ساعات قطع، وثلاث ساعات إنارة… وهكذا. يخرج بعضنا من المنزل لتأمين احتياجاتنا، بينما لا بد أن يبقى البعض الآخر لاستغلال الكهرباء، لا سيما في ظل شحّ الوقود.

هكذا أصبح موعد يقظتنا أكثر فلاحيّة إذا صح القول؛ نستيقظ عند السادسة صباحاً، نُقسّم أوقات نومنا تزامناً مع انقطاع الكهرباء. أخرج من المنزل، أمشي وأنا أحترس من لمس الأسطح والجدران، جسدي أصبح أكثر مركزية بعد أن كنت أعتبره مساحة فالتة يمكنها أن تحتك بأي شيء دون أن أعي ذلك. ازداد وعيي بحدود جسدي، أُحاذِرُ أن ألمس أي شيء خارج حدوده. أكثر ما كان يخفيني عندما أخرج للشارع أن أمشي تحت بلكونات الأبنية المسقوفة خشية الدمار الذي قد تحدثه فيها قذيفة هاون، كنت أنظر إلى السيارات المركونة فتثير ريبتي، أخشى انفجارها في وجهي، كما أخشى دورية شرطة تتربص في هذا الحي أو ذاك. الآن، جميع مخاوفي تلك قد تلاشت، أو لنقل إنها أصبحت مخاوف قزمة أمام خوفي من كورونا.

*****

اختفى المشردون من شوارع العاصمة، المشردون الذين انتشروا بكثافة فيما سبق نتيجة الأوضاع الاقتصادية السيئة، وكنّا يفترشون الحدائق أو زوايا الأرصفة، ينامون تحت أغطية متسخة في أحسن الأحوال، وما أن أتى قرار حظر التجول حتى اختفوا، كأنهم تبخروا من شوارع العاصمة. بدأت حالة اختفاء معظم المشردين من العاصمة بعدما أجبرت محافظة دمشق القسم الأكبر منهم  على الخروج منها إلى بلدات قريبة منها، فيما القسم الصغير الباقي تكفّلت به جمعيات خيرية عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

حالة الشلل التي تحاول فرضها السلطات هنا، بعد قرار إغلاق جميع المحلات في  كافة المناطق التي يسيطر عليها النظام باستثناء محلات المأكولات والأغذية، أعادت تشكيل العديد من العلاقات الاقتصادية بين البائع والمشتري، فعند التجوّل في سوق البحصة للإلكترونيات أو في شارع رامي المختص ببيع المعدات الكهربائية، نجد جميع أبواب المحلات مغلقة؛ الهدوء والصمت يعم المكان، باستثناء بعض الشبان الذين ينظرون إليك نظرات معرفة مسبقة لكي تبدأ بالسؤال عمّا تحتاجه؛ يخفي هؤلاء هويتهم كأصحاب محلات أو على أقل تقدير عاملين فيها، حتى تبادر أنت بالسؤال: إلى متى سيبقى الإقفال؟ أو أين أستطيع الحصول على غرض كذا؟ فيكون الجواب دائماً: «موجود، خمس دقائق وسيكون ما تريد لديك»، لكن بسعر مضاعف بسبب الحظر.

تَحوَّلَت جميع عمليات البيع والشراء إلى ما يشبه السوق السوداء أو اقتصاد الظل، حيث يمكن شراء أي شيء بالطريقة نفسها التي تشتري فيها الحشيش أو المخدرات، أي بشكل سرّي. يتحكم البائع بالسعر ونوعية البضاعة، ولا يمكنك الاعتراض أو حتى المفاصلة، ولا الذهاب إلى أنواع أخرى أقلَّ سعراً بسبب محدودية العرض. هذا النوع من عمليات البيع والشراء يعكس حقيقة ما يجري في البلاد، حيث تبقى القوانين سارية ظاهرياً، إلا أن اقتصاد السوق السوداء هو المحرك الأساسي. الآن، أصبحت جميع عمليات البيع والشراء تحصل في السوق السوداء، دون رقيب أو حسيب.

استطاع حلّاق حارتنا، عبر حيلة يراها ذكية، أن ينجو من قرار الإغلاق، فهو يُنظّم مواعيده منذ الصباح الباكر، ويتقاطر الزبائن إلى منزله القديم، ويدخلون من باب المطبخ إلى محل الحلاقة المجاور من الباب الخلفي. تمرّ دوريات التموين والشرطة فترى المحل مغلقاً، لكن خلف الباب المغلق يجتمع الزبائن، يشربون المتة ويدخنون الأركيلة ويقصّون شعورهم، ويدفعون عن طيب الخاطر. تتكرّر طبعاً توصيات الحلّاق بعدم إفشاء السر خارج حدود الحارة.

أصحاب محلات تصليح السيارات أقفلوا محالهم، واستعاضوا عنها بحقيبة تشبه حقائب الأطباء الإسعافية، بهدف تصليح السيارات داخل الحارات والأزقة بعيداً عن عيون شرطة المحافظة. الحياة تمشي كما قبل كورونا، ولكن بعيداً عن أعين الشرطة وبتكاليف مالية أكبر بكثير، تصل أحياناً إلى ثلاث أضعاف.

*****

أَستقلُّ حافلة للعودة إلى بيتي الكائن في أحد ضواحي دمشق، نتدافع عند وصول إلى الحافلة، فلا مكان لكورونا بيننا عند حجز دور في الحافلة. الجميع يبتسم ابتسامة المنتصر بعد الظفر بكرسي للجلوس. نبدأ بجمع النقود على صوت الراديو، والحكومة تتوعد من يخرج منزله في أوقات الحظر. تُجري المذيعة حواراً مع القاضي الشرعي الأول محمود المعراوي، الذي يقول فيه إن مخالفة تعليمات الحكومة هي مخالفة لشرع الله، إذ لا تجوز معصية أولي الأمر، فهذا ذنب شرعي. لم يتغير الخطاب الرسمي وشبه الرسمي منذ خمسين عاماً، دائماً يكون بلهجة وصائية استعلائية، حيث السلطة تعرف وحدها ما هو في مصلحتنا، نحن الشعب الذي لا يُقدِّرُ ولا يعرف مصلحته بسبب جهله.

يُخفِضُ السائق صوت الراديو قبيل وصول الحافلة إلى أحد الحواجز، يقف طابور من السيارات كسرب من النمل، وتتناسب سرعة عبور السيارات طرداً مع سرعة يد العنصر الذي يأمرها بالعبور، فيما تتباطئ يده عندما يشغله أي أمر ما، مثل مكالمة هاتفية أو إشعال سيجارة أو التدقيق في هويات ركّاب سيارة نمرتها إدلب أو دير الزور، أو عند استلطافه الثقيل لإحدى الراكبات في الحافلة. الجميع مرهون بحركة يد الجندي على الحاجز، هي كلمة السر التي تسمح لك بالتنقل بين مناطق دمشق.

منذ إعلان بدء الحملة ضد كورونا بحسب التوقيت المحلي، اختلف شكل الحاجز. ما يزال الجنود يرتدون بدلاتهم خاكية اللون وما تزال بنادقهم تتدلى من أعناقهم، لكنهم الآن يرتدون إضافة إلى قبعاتهم العسكرية كمّامات وكفوفاً، ويتعاملون مع لباسهم الطبي الجديد، بحسب تعبير أحد الجنود، على أنه جزء من اللباس الرسمي الذي يجب أن يراعى دون الاكتراث بالوظيفة المفترضة التي يقوم بها، مثل الوقاية والحد من الاحتكاك بالآخرين تجنباً لنقل العدوى. لا بأس لو كان العنصر لا يضع الكمامة فوق الأنف والفم كما يجب، بل ينزلها لتغطي الرقبة بما يجعل التنفس أسهل، لكنه لا يجرؤ على خلعها لأن هناك قراراً رسمياً بارتدائها.

يفتح الجندي باب الحافلة، يطلق سؤالاً مدوياً داخل الحافلة على شكل نكتة: «في حدا منكم حامل كورونا؟»، ترتسم على وجوه معظم ركاب الحافلة الابتسامة نفسها وبالقدر نفسه، استجابةً لِحس الدعابة الذي أطلقه العنصر. يذكرني هذا بالسؤال الذي كان يُطرح في بداية الثورة على الحواجز: «معك فيسبوك؟».

يبقى باب الحافلة مفتوحاً ريثما يخرج من جيبه علبة السجائر، إذ لا تساعده الكفوف التي ألزموه بلبسها في إخراج سيجارته بسرعة. يشعلها وينفث دخانها في وجوهنا، وينظر إلى سائق الحافلة قائلاً: «امشي»؛ كلمةٌ تعطينا كثيراً من الراحة إذ لا داع للتفييش وفحص الهويات، وتعطينا مزيداً من الزمن كي نستطيع العودة إلى بيوتنا قبل الساعة السادسة، توقيت بدء حظر التجوّل.

*****

يشيع على فيسبوك كلامٌ عن التسامح والوحدة العالمية، ومعه دعوات للجلوس مع الذات، وذلك الخلفية العزل الذي يفرضه كورونا. لكن هذا الكلام لا ينعكس عند السوريين في الداخل شعوراً بالراحة أو الطمأنينة التي تدفع إلى مراجعة الذات، ولا يزيدهم إلا لهاثاً وفزعاً، ليس من كورونا فقط، بل أيضاً من ازدياد صعوبة المعيشة وتحصيل قوت اليوم. ازداد لهاث السوريين على مدار اليوم، وحظر التجول أفرغ ما في جيوبهم من ليرات قليلة أصلاً، وتركهم وجهاً لوجه مع خطر الجوع في ظل تردي حالتهم الاقتصادية.

تتواصل التعليمات والفيديوهات وتصريحات المسؤولين والأطباء عن ضرورة التعقيم ومنع الاحتكاك والاختلاط، وتبقى كلّها سارية المفعول حتى الوصول إلى أبواب المؤسسة الاستهلاكية أو أحدى طاقات أفران الخبز؛ هناك تسقط كافة معايير الحجر، لا مجال للنصائح، حيث تُصَمُّ الآذان وتتكلم البطون الخاوية، التي تريد الحصول على قوت يومها قبل السادسة مساءً، موعد انتهاء اليوم. العديد من الأشخاص يقضون ساعات الصباح الأولى على أبواب المؤسسة الاستهلاكية للحصول على بعض المنتجات بأسعار مدعومة، كي لا يقعوا فريسة تسعيرات التجار. صحيحٌ أن نوعية المنتجات في المؤسسة الاستهلاكية تعتبر من الدرجة الثانية والثالثة، ولكن السؤال عن النوعية يعتبر ترفاً لأصحاب الجيوب الخاوية، لنجد أنفسنا أمام استعادة لحقبة الثمانينيات، عندما كان الحصول على  الموز وعلب المحارم رفاهية.

*****

رغم الرعب العالمي الذي تسبب به المرض، إلا أن الناس هنا ما يزالون يعطون الأولوية للحصول على قوتهم اليومي. الخوف من العَوَز والجوع يرمي بثقله على الناس، إذ أن هناك قلقاً كبيراً من عدم قدرة النظام على القيام بكافة الإجراءات الاقتصادية اللازمة لتأمين مستلزمات المعيشة الأساسية للسكان، مع استمرار وتفاقم شح الوقود، وتدهور سعر صرف الليرة. عَوَز السوريين هذه المرة مختلفٌ عن أي عَوَز عانوه سابقاً، هناك قسمٌ كبيرٌ منهم يعتمدون على حوالات تأتيهم من أحد أفراد أسرتهم في الخارج، لكن الشلل الاقتصادي يضرب كافة القطاعات في العالم، إضافة إلى صعوبة في تحويل الأموال إلى سورية بسبب إغلاق عدد كبير من مكاتب التحويل لتجنّب المرض، مما حرم كثيراً من السوريين دفعات مالية كانت تسدّ رمقهم، يضاف إليها ضعف التجهيزات الطبية في المشافي العامة، وارتفاع تكلفة الاستطباب في المشافي الخاصة، بالترافق مع اكتظاظها الدائم ونقص الأدوية، ليكون القلق والصمت هو الفاعل الأكبر في العاصمة دمشق، التي يرتفع فوقها شبح الخوف من الموت جوعاً أو مرضاً.

موقع الجمهورية

———————-

ماذا لو تعاملت الأمم المتحدة مع “كورونا” كما فعلت بسوريا؟ / أسعد حنّا

هل ستقوم الأمم المتحدة بإيقاف تعداد ضحايا “كورونا” لكثرتهم وصعوبة الإحصاء والاكتفاء برقم 100 ألف مصاب كما فعلت بوقف تعداد ضحايا سوريا؟

تحاول الأمم المتحدة التعامل مع فايروس “كورونا” بجديّة، والانخراط في سياق مكافحته كوباء عالمي، وتقوم مختلف الوكالات واللجان الأممية في الأمم المتحدة بالتفاعل وتوجيه الاهتمام والجهود نحو الفايروس الجديد في المجتمعات التي تعمل فيها.

ومع نشاط الأمم المتحدة اللافت في هذه الأزمة، نتذكر تفاعلها عام 2011 مع قضية سوريا، فمنذ بداية الثورة السورية حاولت الأمم المتحدة التدخل بقوة في ما يحصل، وعندها تعرفنا إلى عشرات المنظمات التابعة للأمم المتحدة، ولكن، ماذا لو تعاملت الأمم المتحدة مع أزمة “كورونا” كما تعاملت سابقاً مع ما يحصل في سوريا؟ كيف تكون النتيجة؟

ماذا لو أوقفت الأمم المتحدة تعداد ضحايا الفايروس وتثبيت الرقم على ما تم إحصاؤه بعد بضعة أشهر من بداية الانتشار؟

الأمم المتحدة أوقفت تعداد الضحايا الذين يسقطون خلال الثورة السورية برصاص الحكومة السورية بعد سنتين من اندلاع الثورة التي لا تزال مستمرة ولا يزال يسقط ضحايا، لكن الأمم المتحدة علّقت في 2013 إحصاء الضحايا بسبب “الوضع المعقد وكثرة الضحايا”، بحسب ما بررت، وهي لا تزال تعتمد رقمها الأخير الذي توقّف في تموز/ يوليو 2013 عند 100 ألف ضحية، بينما الأرقام التقديرية الآن تقول إن أكثر من نصف مليون شخص فقدوا حياتهم.

فهل ستقوم الأمم المتحدة بإيقاف تعداد ضحايا “كورونا” لكثرتهم وصعوبة الإحصاء والاكتفاء برقم 100 ألف مصاب؟

وماذا لو دفعت الأمم المتحدة أموالاً لشركات تحتكر الدواء واللقاح، ومن ثم تبيع هذه الشركات اللقاحات المدعومة بأسعار هائلة؟ أو ربما تساعد الأمم المتحدة الدول الدكتاتورية التي تمتنع عن معالجة مواطنيها، فتقوم ببيع العلاج في السوق السوداء لاستخدام العائدات المالية لقمع شعوبها وتمويل آلتها الحربية التي تقوم بقمع حركات تحرر الشعوب.

قامت الأمم المتحدة ومذ بدأ النظام السوري بسياسة تطويق المدن، بتزويد هذا النظام الذي يحاصر المدن ويمنع الطعام، بمئات الأطنان من المواد الغذائية، طالبة منه أن يفك الحصار. لم يفعل النظام طبعاً، بل استخدم الغذاء لدعم عملياته العسكرية وإرسال مساعدات الأمم المتحدة إلى القطع العسكرية، وباع الأغذية للمناطق المحاصرة بمبالغ خيالية لتحقيق مكاسب مالية لجنرالات جيشه.

وماذا لو قامت الأمم المتحدة بتزوير التقارير الطبية وتغيير المصطلحات لعدم إثارة الرعب في قلب المرضى والسكان في المجتمعات التي تتعرض لفايروس “كورونا”؟

قامت الأمم المتحدة من خلال مكتبها في دمشق، بالتلاعب بالتقارير الأممية التي تدين النظام السوري، لتخفيف حدة الاتهامات أو إزالتها بشكل كامل، ما أضاع فرصاً كبيرة لإدانة النظام ومحاسبته على المجازر التي ارتكبها، وقد ازداد هذا السلوك بعد تدخل روسيا بقوتها العسكرية على الأرض في سوريا لحماية بشار الأسد ودعمه لارتكاب الكثير من المجازر واستهداف مراكز الدفاع المدني السوري والمرافق الطبية، بينما لا تزال الأمم المتحدة تنظر بخجل وتدين بخجل هذه المجازر من دون توجيه أصابع الاتهام لأحد، وتحدّثنا عن الفاعل بصيغة المجهول.

هذا كله لا يغطي جزءاً بسيطاً من تقاعس الأمم المتحدة عن التعامل بجدية ومسؤولية مع ما حصل ويحصل في سوريا، فعلى سبيل المثال عندما كانت حلب محاصرة، بدلاً من أن تستخدم الأمم المتحدة قرارات مجلس الأمن لمجابهة الحكومة السورية والميليشيات التابعة لها، كانت ترسل الأكفان لدفن الموتى في المناطق المحاصرة، وتشرف على إخلاء السكان الأصليين وإرسالهم إلى إدلب، فيقوم النظام بتوطين موالين له وعائلات المقاتلين الأجانب من إيران والعراق ليخلق بيئات موالية له بمساعدة الأمم المتحدة.

لا بد من الإشادة بجهود الأمم المتحدة في التصدي لانتشار فايروس “كورونا” الحالي والأزمة العالمية التي لا تمكن السيطرة عليها، وسعيها إلى إحراز فرق وتقدم على الكارثة الدولية، مع جهود “منظمة الصحة العالمية” والبرنامج الدولي للغذاء وغيرهما من الهيئات التي تتبع للأمم المتحدة. ولكن لا بد من التذكير بكلفة تسيير هذا الجسم الضخم، إذ إن الكلفة التشغيلية لأجسام الأمم المتحدة تتعدى الخمسين في المئة، هذا يعني أنه إذا تبرعت إحدى الدول بمليون دولار لمواجهة أزمة ما من طريق الأمم المتحدة، فلن يتجاوز المبلغ الذي يتم إنفاقه على الأزمة الـ500 الف دولار، سواء أكان خدمات أو مساعدات غذائية أو برامج. أما بقية المبلغ فسيتم صرفه على موظفي الأمم المتحدة من رواتب وسفر وتنقلات وحراسة ومكاتب، ومع ذلك، لم نشهد نتائج حقيقية لجهود الأمم المتحدة في معظم الأزمات التي أشرفت على حلها، على سبيل المثال: بلغت كلفة العمليات التشغيلية لقوات حفظ السلام حول العالم في 2016 نحو 9 مليارات دولار، بينما كان الشرق الأوسط والكثير من المناطق عبارة عن بلدان لا سلام فيها.

بعد هذا، لا بد أن نسأل، هل لا تزال الأمم المتحدة هي الجسم الأممي الأنسب للتعامل مع الملفات الدولية؟ هل تستطيع مع هذا التسييس الذي يحصل فيها أن تحمي ملايين البشر الذين يعانون من ظلم بسبب الأنظمة السياسية التي تتحكم في الأمم المتحدة ذاتها؟ أم أنها أصبحت شريكاً لهذه الأنظمة السياسية في قمع المدنيين الرافضين هذه الأنظمة؟ هل باتت الأمم المتحدة عائقاً ثقيلاً على النظام العاملي من دون تحقيق أي جدوى من هذا الجسم الضخم والمكلف؟

درج

——————-

——————–

 زحمة وبكاء في شوارع دمشق بانتظار «كورونا»

«الشرق الأوسط» تستطلع استعدادات الأهالي في أسواق العاصمة السورية

دمشق: «الشرق الأوسط»

لا تتوانى محطات التلفزة الرسمية والرسائل الجوالة والإعلانات الطرقية عن توجيه السوريين والسوريات، إلى ضرورة حماية أنفسهم واتباع الإجراءات الصحية وأهمها العزل المنزلي، وما اصطلح عليه بـ«الحجر الصحي».

لكن المشهد اليومي في شوارع دمشق، يخالف كل التوصيات. وحمى الخوف من «كورونا» مؤجلة لصالح حمى تأمين الحاجات الضرورية وخاصة من أفراد «الطبقة المعدمة» (الفقيرة)، التي تشكل حسب إحصاء أكثر من ثمانين في المائة من عامة الشعب السوري.

ازدحام خانق على سيارات توزع الخبز الشعبي الذي تنتجه مخابز الحكومة. ازدحام يتمسك بـ«كورونا» وينشرها بدلاً من إبعادها، في حالة من الفوضى لا يوجد من ينظمها. حالة من الحاجة المادية والخدماتية والسلعية في ظل غياب كامل للسيولة المالية الكفيلة بسد قيمة الاحتياجات الأساسية. وكان سوريون تناقلوا فيديو قصيراً لمعتمد خبز في ضاحية صحنايا قرب دمشق، يعتدي بالضرب على سيدة تطالب بخبزها. ولاحظت رجلاً في الستين من العمر، يبكي بعد فقدانه الأمل بأن يحصل على ربطة خبز واحدة من شاحنة الخبز الكبيرة في حي قريب جداً من حي باب توما. كان يصرخ: «أريد خبزاً! ربطة واحدة فقط. لا خبز لدينا في المنزل ولا قدرة لي على شراء خبز سياحي»، غير مدعوم من الحكومة، تبلغ قيمة الربطة الواحدة منه أحد عشر ضعفاً من قيمة ربطة الخبز العمومي أو الحكومي.

سوق الخضراوات

في سوق الخضراوات وجوه بلا ملامح. أسئلة عن أسعار كل شيء من غير شراء أي شيء. في سوق الخضراوات تسود الخيبة وحدها، امرأة تجمع ما يسقط من أكياس الخس التي تُنقل من الشاحنة إلى محل بيع الخضراوات. وعندما يطلب منها صاحب الشاحنة وبصوت حاد ومرتفع التمهل حتى ينتهي من عمله، تشتمه وتقول: «اصمت! لقد فضحتني». تترك الكيس بما فيه من أوراق متكسرة وتمشي. في سوق الخضراوات، تشتري النساء ليمونة واحدة للضرورة القصوى كي لا يستخدمن حامض الليمون المصنّع لأن الزوج أو الأب مصاب بقرحة في معدته. يقررن الاستغناء عن استعمال البصل في الطهو بعد وصول سعر الكيلو الواحد منه إلى ألف ومائتي ليرة (دولار أميركي واحد تقريباً)، في سوق الخضراوات، تجادل النساء الباعة لخفض – قدر الإمكان – أسعار البندورة المعطوبة أو البطاطا المكسرة أو «الزرقاء» أو التي اهترأ جزء منها، وتجمع بعضهن بقايا الخضراوات التالفة والمرمية على أطراف حاويات القمامة.

بيضة ورغيف

ارتفع سعر البيض حتى وصل إلى مائة ليرة للبيضة الواحدة. في دكان البقالة الشعبي الصغير، تشتري رهف ثلاث بيضات. وجبة الغداء هي بيضة مسلوقة لها ولأخويها. «ماذا عن أمك يا رهف؟». تقول: «أمي لا تحب البيض تأكل رغيف خبز مدهوناً بزيت نباتي وزعتر من النوع الشعبي».

وعند فرن الخبز الخاص بمرضى السكري، يطلب رجل في الثمانين من عمره خبزاً بمائة ليرة، فيصرخ الخباز في وجهه، قائلاً: «قف بالدور. يشتمه الرجل أيضاً ويقول له لو كنت أستطيع الانتظام في هذا الطابور الطويل لما طلبت منك». بعد رجاء وتوسل، سبعة أرغفة وكل رغيف أصغر من حجم الكف.

أي حماية؟ وأي حجر منزلي أو أي مسافة أمان بين الشخص والآخر؟ كل تفصيل اضطراري يفرض أن تكون في قلب الطوابير والزحام المهدد لسلامتك وسلامة غيرك.

وبعد كل إشاعة عن إغلاق الطرقات أو حظر التجول، هرع بعض السوريين إلى محلات البقالة الكبيرة ومراكز بيع الجملة لتأمين مؤنة تكفيهم فترة العزل. بعضهم اشترى بمائة ألف ليرة وأكثر. وبعضهم اشترى ما يقدر على شرائه من مواد اعتبرها أساسية كالزيت النباتي وبعض المعلبات. لكن ليسرا قصة أخرى، هي تعيل أمها وأم زوجها وثلاثة أبناء من دون نقود في البيت. اضطرت لبيع سوارها الذهبي وهو كل ما تبقى لها من ذخيرة للأيام السوداء. كانت قد سألت عن ثمنه قبل أسبوع وعرفت أن قيمته ثلاثمائة ألف ليرة، لكن الصائغ لم يعطها ثمناً له إلا مائتي ألف ليرة تحت ذريعة أن الجميع يحتاج سيولة وأن أحداً من الصياغ لن يفرط بسيولته ليشتري ذهباً، خاصة أنها باعته قبل موعد الإغلاق بساعة واحدة، أي عند الساعة الخامسة مساء، ذلك أن حظر التجول يبدأ السادسة مساء حتى السادسة من صباح اليوم التالي.

وجع خاص

للمنظفات وجعها الخاص في دمشق، ارتفع سعر الكلور والكحول وكل مواد التعقيم، مترافقاً مع حالة هلع لا يوجد من يخفف منها أو يطمئن الناس إلى أن هذه المواد قد تتوفر مجاناً أو بأسعار «محمية» في المنافذ الرسمية، أو أن الرقابة ستلجم جشع المتاجرين بها. بين ليلة وضحاها ارتفعت قيمة الكمامة من خمس وسبعين ليرة إلى ثلاثمائة وخمسين ليرة، وعبوة الكحول من تسعمائة ليرة إلى ألفين وخمسمائة ليرة ثم فقدت من الأسواق رغم الارتفاع الجنوني لأسعارها.

فقد كثيرون أعمالهم وخاصة العمال «المياومون» (يعملون باليوم) والعاملات المنزليات وسائقو الحافلات الجماعية والباصات الصغيرة. بعض الورش توقف عن العمل بصورة نهائية خوفاً من تراكم الخسارات. ومن استمر عمله ينبغي عليه العودة إلى المنزل قبل السادسة مساء ولو سيراً على الأقدام بعد توقف كل وسائط النقل الجماعية.

إن كانت جائحة «كورونا» ناجمة عن فيروس متناه في الصغر، فإن مصائب متعاظمة الضخامة ترخي بثقلها يومياً على حياة السوريين، لتتحول الجائحة إلى كارثة ممتدة وقاهرة.

————————-

خليك في البيت كشعار أيديولوجي/ بكر صدقي

يمكن اعتبار شيوع التلفزيون في الحياة المعاصرة نقطة بداية لجاذبية البقاء في البيت، بدلاً من الخروج إلى أماكن السهر واللهو. مع التلفزيون أصبح البقاء في البيت، بعد يوم عمل، أقل إثارة للضجر. وبمرور الزمن تنوعت المضامين المقدمة على الشاشة الصغيرة لتلبي مختلف التفضيلات، كما تنوعت القنوات، بعد بداية البث الفضائي، مقدمةً للمشاهد «البيتوتي» خيارات واسعة، بل تخمة من الخيارات التي لا يمكن للفرد الواحد متابعة إلا قسما صغيرا منها.

وهكذا ارتبط التلفزيون، بداهةً، بارتفاع القيمة الاجتماعية للرابطة الأسرية. عدم الخروج يعني امضاء وقت الفراغ مع الأسرة، وإن كان التلفزيون، بصورة متناقضة، يسرق أفراد الأسرة بعضهم من بعض، فلا يتبادلون الحديث، بل يشتركون معاً في مشاهدة ما يعرض على الشاشة من أخبار وحفلات موسيقية وأفلام سينمائية ومسلسلات ومباريات رياضية وبرامج حوارية وعروض أزياء وغيرها. لكن هذه «المشاهدة معاً» تخلق، بالمقابل، ذاكرة مشتركة وذائقة مشتركة وتعزز قيماً مشتركة، لا تقتصر على أفراد أسرة واحدة بل تجمعهم مع مشاهدين مفترضين في بيوت أخرى، أي مع أسر أخرى عبر البلاد أو العالم. ما نسميه بنمط الحياة الحديثة، مثلاً، دخل عالمنا التقليدي من خلال السينما قبل كل شيء، حيث نشاهد كيف يلبس ويسلك ويتكلم الرجال والنساء في العالم الغربي المنتج لفن السينما. وإذا كانت الأفلام السينمائية تصل إلى كتلة صغيرة نسبياً من المشاهدين في صالات السينما المحدودة عدداً وطاقة استيعاب، والمحصورة في المدن، فقد وصلت، مع شاشة التلفزيون، إلى أقصى الأرياف.

ويعبر البقاء في البيت عن نزعة محافظة لدى طبقة متوسطة، فالبيت يمنح ساكنيه الشعور بالإلفة والأمان، فكل شيء حيث يجب أن يكون، ويمضي الزمن بوتيرة مألوفة ومكررة من الأعمال، فلا مكان لمفاجآت تكسر رتابة الحياة الآمنة. حتى الزيارات المنزلية لها نظام معين لا تحيد عنه، سواء بتواترها الزمني أو بأشخاصها أو بمفرداتها. «الخارج» هو مجهول ومصدر خطر محتمل. إن فعل إغلاق باب البيت هو قرار بعزل مخاطر ومفاجآت العالم الخارجي، ولا نفتحه إلا إذا كنا ننتظر أحداً بموعد مسبق. أما أن يطرق الباب من قبل مجهول بصورة غير متوقعة، فهذا مما يثير التوجس إلى أن نفتحه فنعرف من الطارق.

تحول شعار «خليك في البيت» إلى عنوان المواجهة الأساسي مع وباء كورونا الذي يستمر في حصد المزيد من الأرواح عبر العالم. فالانتشار السريع للعدوى وعدم وجود علاج طبي أو لقاح ضد الفايروس، دفع بحكومات الدول المتضررة إلى محاولة قطع الطريق على انتشار العدوى قدر الإمكان، لأن الأنظمة الصحية غير مستعدة للتعامل مع الأعداد الكبيرة من المصابين. ودفع الهلع الناس إلى الالتزام بتعليمات الخبراء، وعلى رأسها ملازمة البيت درءاً لاحتمال التقاط العدوى.

ولكن نسبة «المقتدرين» على البقاء في البيت تبقى ضئيلة بالقياس إلى عموم السكان، فهم إما ممن لديهم مدخرات كافية تمكنهم من تخزين ما يحتاجونه من مواد تكفي لأسبوع أو عدة أسابيع، أو ممن يستطيعون مزاولة عملهم من البيت. أما أولئك الذين عليهم الخروج لمزاولة عملهم، فإما أن تطالهم بطالة إجبارية تعني الجوع، أو يكونون في فم المدفع في الحرب ضد الفايروس القاتل كحال الجهاز الطبي والعاملين في المتاجر وأجهزة الشرطة وعمال التنظيفات وغيرهم.

ويأتي في أسفل السلم الاجتماعي في زمن الوباء نزلاء السجون والمعتقلات ومخيمات النزوح، حيث لا بيت أصلاً للبقاء فيه كما يدعو الشعار، إضافة إلى عدم توفر المستلزمات الأساسية للعيش أو شحها، ولا تتوفر أي شروط للحجر الصحي، بل على العكس تتوفر بيئة مثالية لانتشار الأوبئة.

خليك في البيت، في شروط اليوم، لم يعد كما كان في الستينيات والسبعينيات دعوة إلى تمثل قيم المحافظة الأسرية الآمنة، بل شعاراً أمنياً في مواجهة خطر داهم. وهو، بهذا المعنى، يخدم أغراض المحافظة السياسية ويعزز نزوع الانغلاق على النفس ونبذ قيم التضامن الاجتماعي والتوق إلى التغيير والتحرر. وبقدر ما يمتد أمد الوباء قبل التمكن من احتوائه، سنعيش في حالة طوارئ ونعتاد عليها، فيتحول الطارئ والمؤقت إلى دائم، بخاصة وأن احتمالات ظهور فايروسات جديدة من هذه السلسلة ستشكل ذريعة معقولة لتشديد الضبط السلطوي والانضباط الاجتماعي. يتوقع المفكر الإسرائيلي يوفال هراري أن أنظمة سلطوية كحال النظام الصيني لن تتخلى عن الفرصة التي أتاحها الوباء لتشديد الرقابة على المجتمع، بذريعة حماية السكان من الأخطار الصحية. بل إن النموذج الصيني «الناجح» في السيطرة على العدوى بات يشكل مصدر جاذبية ليس فقط لحكومات في دول أخرى، بل حتى في قسم من الرأي العام الذي لديه استعداد أيديولوجي مسبق لتفضيل الأنظمة الشمولية، سواء في بيئات يمينية أو يسارية.

ولكن هل البقاء في البيت يحمي حقاً من أخطار «العالم الخارجي»؟ ألا يمكن أن يكون البيت نفسه مصدراً للخطر؟ هذا ما عالجته السينما في عدد كبير من الأفلام المصنفة كأفلام رعب، تدور أحداثها داخل البيت أو في مكان مغلق. فإما أن يكون البيت «مسكوناً بالأرواح» فتظهر هذه لساكنيه الجدد الذين لا يعرفون شيئاً عن تاريخ البيت، أو يتحول أحد أفراد الأسرة إلى قاتل يستهدف أفراد أسرته، كما هي الحال في فيلم ستانلي كيوبريك الشهير «the shining»، أو يعيش في قبو البيت شخص بدون علم سكانه كما رأينا مؤخراً في الفيلم الكوري «parasite».

نعم، ليس البيت مكاناً آمناً في كل الأحوال.

كاتب سوري

القدس العربي

——————————–

كورورنا في عالم سوري/ ياسين الحاج صالح

حظيت قبل أيام بموعد مع عيادة في برلين، من أجل فحوص طبية عامة. في غرفة الانتظار أعطيتُ كمامة من مساعدة كانت تضع كمامة على فمها وأنفها، قبل إدخالي إلى الطبيبة، التي كانت تضع كمامة بدورها. أخذ الأمر ثانية أو ثانيتين قبل أن أنتبه إلى أنني وضعت الكمامة على عيني، وليس على أنفي وفمي. كأنما «تذكّرت» يداي شيئاً قمت به كل ليلة في عامي السادس عشر، وكان في سجن تدمر في سوريا.

خلال عام 1996 ذاك كان يفرض علينا، نحن المعتقلين السياسيين من خلفيات سياسية وأيديولوجية مختلفة، أن ننام مُطمّشين، وعلى جنوبنا حصراً، وألا نتحرك حتى أثناء النوم.

يفترض بالكمامة أن تحمي من شبح كورونا، الذي يجوس آفاق برلين والعالم، ناشراً فيها الذعر أكثر مما نثر شبح ماركس وإنجلس الشيوعي الذعر في أوساط البورجوازية الأوروبية في أواسط القرن التاسع عشر. السيد الجديد، ملك الملوك المتوج كوفيد التاسع عشر أقوى من ترامب وبوتين، من أوروبا والصين، أقوى حتى من سجاني تدمر وصيدنايا المتمرسين بالتعذيب والقتل.

في أوضاع اللايقين واللاتوقع الراهنة، يتساءل اللاجئ اليوم: ألم نر هذا كله من قبل؟ ألم يسبق أن خبرنا العزل والحجز في نطاقنا؟ نعيش معاً أزمة كورونا بعد أن لم نكن معاً في أزمات أخرى، عالمية بصورة مغايرة. لا أستطيع أن أعيش زمن كورونا، كأنما لم يكن لي زمن قبله، ولا أن أؤول أزمة كورونا بدون الرجوع إلى أزمة البلد المهجور هناك. بلى، كان هناك زمن، وكان استثنائياً وراضاً بقسوة. والأسوأ أنه مستمر ومتجدد اليوم.

قبل أقل من عام، بدا لي أننا على مسافة أزمة كبيرة واحدة من كارثة عالمية. كان في بالي مخاطر انزلاق سوري لبلدان أكبر من سوريا مثل، مصر أو إيران، وليس كوفيد 19. ليس محتماً أننا في الكارثة العالمية، لكن ليس مؤكداً أننا لسنا فيها. وما يظهر إلى اليوم أن التضامن الذي لم ينله السوريون طوال تسع سنوات، أقل وفرة حتى من أسرة المشافي والمنافِس. ما يقوله مسعى ترامب لامتلاك شركة ألمانية تصنع لقاحاً ضد الفيروس هو، أن الفيروس ليس أسوأ ما نجابه من مخاطر.

ما يميز أزمة عالمية مفاجئة وسريعة الانتشار، أننا على اختلاف البلدان والثقافات في مواقع متقاربة من حيث الجهل، محتاجون لمحو أميتنا معاً وتعلم القراءة معاً. يمحو الوباء الفوارق بين الدول، وأول ما يمحو الحدود، التي تعمل الدول على تمتينها، مثلما فعلت في مواجهة «أزمة اللاجئين». يقول الفيروس إنكم عالم، وتقول الحكومات إننا عوالم منفصلة. وأمام تحدي المجهري، الذي لا يُرى نبدأ كلنا من مواقع قريبة من الصفر، هذا إلا إذا كنا سالفوي جيجك الذي استطاع أن يؤلف كتاباً بينما لا يزال أكثرنا يتهجأ الحروف الأولى. الحاجة إلى التواضع وفتح العيون كي ترى هي، أول ما يلزم في مواجهة غير المسبوق، كي لا نخوض على طريقة الجنرالات واليسار الغربي الحرب السابقة إلى الأبد. ليست هذه حرباً مثلما أمكن لماكرون أن يقول ست مرات في خطابه في 16 مارس/آذار، ومثلما يستطيع جيجك أن يقول كذلك.

الأرجح أن باراديغم محاربة الإرهاب كامن وراء هذا التشخيص، وهو ليس بعيداً عن اعتبار الفيروسات إرهابيين، أو عن سلوك الطريق المعاكس: الإرهابيون فيروسات، وقد يشمل ذلك عموم اللاجئين والمهاجرين، المسلمين بخاصة. اليمين الشعبوي في ألمانيا وغيرها ليس بعيداً عن ذلك، وتفكيره السياسي يترجم بسهولة إلى لغة العدوى والمناعة. الإبادة عندئد يمكن أن تكون الإجراء الصحي الأنسب. بشار الأسد تكلم في يونيو/حزيران 2011 على مؤامرات وجراثيم، وعلى إبادة الجراثيم ومناعة الجسم. البيوسياسة الخاصة بالطبيب بشار الأسد، قتلت فوق نصف مليون خلال تسع سنوات، وهجّرت فوق ستة ملايين خارج البلد. ليست حرباً، إنها وباء، ويفترض العمل على أن نكون في صف واحد ضده، وضد من لا يستطيعون التفكير بغير منطق الحرب.

الشجاعة هي ثاني ما يلزم في هذه اللاحرب، خاصة في عالم يعرض جبناء كثيرون فيه قدراتهم الحربية ضد من هم أضعف بكثير، عالم انحطت حروبه إلى تعذيب وإبادات. ليس هناك «حرب ضد الإرهاب»، لا ينبغي لأحد أن يخدع نفسه في هذا الشأن. هناك فقط تعذيب، قلما اقتصر ضحاياه على الإرهابيين المفترضين. هذه الحرب المزعومة شرّعت التعذيب عالمياً، وأوهنت الديمقراطية عالمياً. الشجاعة هي التوقف عن هذا العبث، وهي تغيير المسار.

اليوم نحن حرفياً نتجنب التقاء غيرنا ونُنصَح طوال الوقت بذلك، وليس واضحاً أننا نفكر بغيرنا، أو أننا نفكر مع غيرنا، وهذا ثالث ما يلزم. قد لا ينحفر الانعزال وهذا «التذرذر» الجديد في أجسادنا، وقد نتخلى بعد حين عن «سلام ووهان»، السلام على بعضنا بالأقدام حين نلتقي، لكن الهلع والانعزال في عهد السيد الجديد هو، استمرار لميل إلى الهلع والانعزال سابقين له، الهلع من الإرهاب.

قد نخرج من هذا العارض الصحي العالمي بخسائر كبيرة، أو غير كبيرة في الأرواح، وبعض التقديرات تصل إلى 1٪ من سكان الكوكب، أي فوق 70 مليونا. لكن صحة العالم كعالم في خطر. كورونا هو فقط اختبار عبّاد الشمس الذي يظهر تداعي صحة العالم، افتقاره إلى الشباب والعزيمة، استسلامه للخوف واليأس، رفضه التغيير، ورفضه تقبل مخاطر اللقاء بالغير لمواجهة المخاطر. الغير هو الخطر، يقول القبليون الجدد في كل مكان.

ما يلزم اليوم هو حالة استثناء حقيقية، مثلما كان دعا والتر بنيامين في مواجهة الاستثناء المُطبّع. لقد بدا جيورجيو أغامبن وهو يفكر في كورونا كذريعة لحالة استثناء يراها قائمة أصلاً، كمن يبحث عن المفتاح الضائع تحت الضوء (أي حيث هناك نظرية)، وليس حيث ضاع فعلاً (أي حيث المشكلة). وهذا تماماً مثلما فعل ماكرون، الذي يبحث عن الفيروس في ميادين الحرب، حرب سابقة أخرى. كسوري أعرف أن المشكلة في حالة الاستثناء المؤبدة المفروضة في بلدي منذ عام 1963، إنها حرمتنا من حالة استثناء حقيقية، مست الحاجة إليها غير مرة، خلال ما يقترب من ستة عقود. إذا كنا سلفاً في حالة استثناء، فماذا نفعل حين يقتحم طارئ استثنائي حياتنا؟ لا شيء. يورث الاستثناء المديد تراخياً مديداً وتبلداً فكرياً وأخلاقياً، وليس تأهباً وعيوناً مفتوحة.

قبل ستين عاما قالت حنه آرنت إنه لا يمكن التنبؤ بما يحدث في المستقبل، لكن نستطيع أن نَعِدَ، فننزع عن المستقبل المجهولية والخوف. قالت كذلك إن ما وقع في الماضي لا ينعكس، لكن يمكننا الغفران. في عالمنا هناك الكثير ما لا يغتفر، تحديداً معاملة الناس كفائضين، مثلما قالت مؤلفة أصول التوتاليتارية، ومثلما عرف مليون سوري من إدلب خلال الشهرين الأولين من هذا العام فقط. وفي هذا العالم القليل جداً من الوعود، أي القليل جداً من المستقبل. لذلك قد نشفى من كورونا، لكن لا الماضي يتراجع لأن نازعي الإنسانية لا يطلبون غفراناً من أحد، ولا المستقبل ينفسح لأن الفاعلين الكبار لا يعدون بشيء. نعيش حاضراً خانقاً، لا نكاد نستطيع الحركة فيه، كحال المعتقلين في أقبية التعذيب عند بشار الأسد. العالم في أزمة من فقدان الوجهة واختناق المخيلة. في سجن اللابدائل.

كان شعار المنتدى الاجتماعي في بورتو أللغري عام 2001 هو أن عالما آخر ممكن. لكن أرى أن الإمكان يصنع إذا قمنا بما يتعين علينا القيام به في أوضاع الأزمة، إذا غضبنا وغيرنا عاداتنا وتصرفنا بعدل، وإذا توققنا عن مقاومة المعرفة عن غيرنا وعن العالم، أي باختصار إذا أحدثنا استثناء، فرقاً حقيقياً عما ألفنا. الحدث، يقول روكو رونشي، ينتج تحولات لم تكن في الإمكان قبله، ويولد ممكنات حقيقية. هذه هي «فضيلة» كوفيد 19، حسب الفيلسوف الإيطالي. الأزمة اليوم قد تكون مُسرِّعاً في اتجاه تولد ممكنات جديدة، مغايرة. إن ضاعت الطاقة التوليدية للحدث، فيحتمل أن نتخبط لسنوات، ربما لجيل أو أكثر، في أوحال أزمة فقدان الوجهة، وهي أزمة مناسبة لمن يفضلون حاضراً مؤبداً، أي للأقوياء والأغنياء. ستكون سوريا مستقبل العالم إن ضاعت فرصة صنع الممكنات المغايرة هذه.

حال الاستثناء الحقيقية هي ثورة في أوضاع عالم اليوم، الذي يخنق نفسه بنفسه، خروج من أزمة فقدان الوجهة إلى حيث تستطاع الدهشة والغضب، من أننا عشنا في حاضر مؤبد. ينبغي أن لا نعود إلى سجن عالم اللابديل، «أن نقاتل ضد من يدعوننا إلى أن نعود كما كنا من قبل»، مثلما قالت سنثيا فلوري قبل أيام.

وأن لا نضع كمامة الإخفاء على أعيننا.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

————————

سيناريوهات عالم كرة القدم بعد كورونا!/ حفيظ دراجي

رغم التفاؤل الكبير الذي أبداه الاتحاد الأوربي لكرة القدم في اجتماعه مع الاتحادات المحلية بتمسكه باستئناف الدوريات الأوروبية في منتصف مايو/آيار، أو حتى منتصف يونيو/حزيران، وإنهاء الموسم في أغسطس/آب، وكذا استئناف دوري الأبطال في يونيو وأغسطس، الا أن الوضع الصحي الراهن مع سرعة وقوة تفشي عدوى فيروس كورونا يجعل الرؤية المستقبلية غامضة، ويفتح الباب أمام كل الاحتمالات، بما في ذلك امكانية توقيف الدوريات كليا، ثم الغائها أو تأجيلها الى موعد غير محدد في سابقة أولى من نوعها لم تحدث حتى أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية، التي توقف فيها النشاط الكروي جزئيا في أوروبا وليس كليا كما يحدث اليوم في كل أنحاء العالم.

الاتحاد الأوروبي أعلن مبدئيا تأجيل كل مسابقاته المقررة هذا الصيف، و تمديد الموسم الجاري الى ما بعد 31 يوليو/تموز، ما يقتضي تمديد العقود الحالية للاعبين التي تنتهي عادة مع نهاية يونيو كاجراء أولي، ويقتضي تأجيل انطلاقة الموسم المقبل الى موعد غير محدد، سيؤدي لا محالة إلى ارتباك كبير في ترتيب روزنامة منافساته ومبارياته التي ستزيدها تعقيدا منافسات الكؤوس والبطولات القارية والدولية مثل تصفيات كأس العالم 2022 المقررة انطلاقتها شهر سبتمبر/ايلول المقبل في كل القارات، ويزيدها تعقيدا البطولات التي تم تأجيلها الى صيف 2021، والتي تقتضي انهاء الدوريات في منتصف مايو من نفس السنة.

الاتحادات المحلية الاوروبية أيدت تدابير الاتحاد الأوروبي وأبدت بدورها تمسكها بالأمل في العودة الى النشاط الكروي، إدراكا منها بأن توقيف الدوريات وتأجيل المسابقات الكبرى بسبب تمدد الفيروس سيدخل عالم الكرة في أزمة برمجة لم يسبق لها مثيل، تقتضي جهدا كبيرا لرسم روزنامة توافقية جديدة، تكون لها تداعيات مالية كبيرة، خاصة أن الأمر يتعلق بواحدة من أكبر خمس صناعات في العالم، تفوق ايراداتها صناعة الدواء، وتعتبر مصدر دخل أكثر من مليار نسمة من أصل سبع مليارات نسمة حول العالم، حيث تبلغ قيمة المعاملات المالية الرياضية في البرازيل مثلا، ما قيمته 17 مليار دولار سنويا، تساهم بما قيمته 5% من قيمة الدخل القومي، بينما تبلغ قيمة التداولات في كل قطاع الرياضة في الولايات المتحدة ما يفوق 200 مليار دولار، وهو ضعفا ما يمثله انتاج السيارات وأضعاف مداخيل صناعة السينما.

في أوروبا التوقعات تتحدث عن خسائر تفوق أربعة مليارات دولار في الدوريات الخمسة الكبرى، خاصة بالنسبة للأندية الكبيرة التي تفوق مداخيلها السنوية 500 مليون دولار مثل الريال والبارسا وماتشستر يونايتد من ايرادات الاشهار وعقود الرعاية وحقوق البث التلفزيوني وعملية بيع التذاكر وكذا عائدات المبيعات التجارية للأندية وكل استثماراتها في سوق الكرة العالمية، التي توقفت فجأة بسبب نفشي فيروس كورونا لتخلف خسائر كبيرة لن يعوضها تخفيض رواتب اللاعبين الذي لجأت اليه الاندية الكبرى خلال فترة التوقف، ولن يعوضها ركود سوق الانتقالات الصيفي الذي سيشهد تراجعا كبيرا.

في انكلترا مثلا، يتوقع أن تطالب القنوات التلفزيونية وشركات الرعاية الكبرى بتعويضات تصل مليار يورو تدفعها رابطة الأندية المحترفة، وخسائر أخرى تفوق مليار يورو لأندية البريميرليغ بسبب تراجع مداخيل حقوق البث التلفزيوني وبيع التذاكر والرعاية والاشهار، ما ينعكس على اقتصاد الكرة الأوروبية وعلى كل موازين القوى الحالية رغم تخفيض رواتب اللاعبين بنسبة تفوق 50% في بعض الاندية خلال فترة التوقف.

بحسب آخر تقرير صادر عن المركز الدولي للدراسات الرياضية، فان النموذج الاقتصادي الكروي الحالي سيتغير بعد الأزمة الصحية، و سوق التحويلات مثلا سيفقد 28% من قيمته في الدوريات الخمسة الكبرى وينخفض من 32,7 الى 23,4 مليار دولار، حيث ستنخفض قيمة بول بوغبا مثلا من 65 الى 35 مليون دولار في السوق الذي سيشهد ركودا غير مسبوق، في حين ستستفيد الاندية الغنية من الوضع لاقتناء مزيد من النجوم وتعميق الفوارق بينها وبين الأندية الأخرى التي ستكون مضطرة للتخلي عن لاعبيها مقابل الحفاظ على توازناتها المالية والوفاء بالتزاماتها.

كل المعطيات تشير الى تغييرات عميقة ستشهدها الكرة الاوروبية والعالمية بسبب مجرد فيروس لم يكن في الحسبان، لم يكتف بحصد الأرواح وتوقيف الحياة مثلما تفعل الحروب والكوارث، بل يعد بقلب كل الموازين في كل المجالات، لنستفيق بعد فترة على عالم أخر لا يمكن التكهن بمعالمه ما لم تعد الحياة الى مجاريها ويحصي العالم خسائره البشرية والمادية.

إعلامي جزائري

القدس العربي

————————-

الغارديان: “كورونا” أحرج اليمين الشعبوي لكنه لم يقض عليه وحفّزه للرد

إبراهيم درويش

قال مدير مركز الثقافة الرقمية والمنظر السياسي بكلية كينغز بجامعة لندن، باولو غيرباودو، إن فيروس كورونا سبب إحراجا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، لكن هذا لن يمنع اليمين الدولي المتطرف من مواصلة معركته، مضيفا أن اليمين الشعبوي بنى قوته على ثقة متغطرسة بالنفس وصاخبة.

 إلا أن رموزا تمثله مثل ترامب وبولسونارو بدوا في حالة دفاع عن النفس. فهم تارة يتمسكون بفكرة عادية الأمر (إنها مجرد انفلونزا) أو أجبروا على التراجع عن مواقفهم واعترفوا بمخاطر الوضع.

وكان على رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون التراجع عن فكرة “مناعة القطيع” عندما كشف البحث العلمي أن الثمن الإنساني لسياسة كهذه سيكون باهظا. وأصيب جونسون نفسه بالفيروس، واتُهم بالتواطؤ في انتشار الوباء وغياب القيادة الحقيقية.

وفي إيطاليا، بدا ماثيو سالفيني، زعيم حزب رابطة الشمال اليميني المتطرف، ونائب رئيس الوزراء السابق، فاقدا للمنطق وغير قادر على التصرف كرجل دولة يواجه حالة طوارئ. بل واتهم بعدم الوطنية نظرا لقلة حيائه وانتقاده معالجة الحكومة للأزمة.

واختفت في فرنسا زعيمة اليمين ماري لوبان من المشهد الإعلامي، فيما واصل بولسونارو التصميم على إنكار الأزمة بشكل بدا معزولا.

وظلت استراتيجية ترامب في أمريكا تتغير كل يوم، فبعد تقليله من أهمية الفيروس أجبر على إعلان حالة الطوارئ الوطنية، ثم تراجع الأسبوع الماضي، بعدما أكد أن حالة الإغلاق ستنتهي بنهاية عيد الفصح حتى لا يتضرر الاقتصاد. صحيح أن شعبيته ارتفعت بشكل متوازٍ مع شعبية جورج دبليو بوش في مرحلة ما بعد هجمات أيلول/ سبتمبر. إلا أن ترامب قلق من تداعيات انتشار الفيروس على مواقف الناخبين، في وقت تتزايد فيه معدلات الوفيات والمخاوف من دخول الاقتصاد حالة من الركود بشكل يؤدي لارتفاع نسبة البطالة إلى 20%.

ويعتقد الكاتب أن المصاعب التي تواجه الحكام الشعبويين ليست مستغربة، لعدم دعمهم للقضايا في قلب الأزمة: الصحة والرفاه الاجتماعي والعلوم.

فعلى جبهة الصحة، كشفت الأزمة الحالية عن حماقة سياسة استمرت عقودا من قطع الدعم والتمويل عن الخدمات الصحية وخصخصة النظام الصحي.

وأمام جونسون وسالفيني وترامب أسئلة محرجة للإجابة عليها فيما يتعلق بسجلهم كأعداء للنظام الصحي. وأكثر من هذا، تدعو الأزمة لتغير جذري في السياسة الاقتصادية يتناقض مع الأيديولوجية الشعبوية والتي تجمع ما بين الشوفينية على الجبهة الثقافية والسياسات النيوليبرالية المتطرفة على الجبهة الاقتصادية.  كما أن تقديم الدعم للصناعات الوطنية بدءاً من توفير المعدات الصحية والدواء ليست أمورا تهم الشعبويين الذين تبنوا سياسة الحماية التجارية. وهم يعارضون وبقوة إجراءات الرفاه التي أصبحت أمرا ضروريا لتجنب الكارثة الاجتماعية بعدما اعتبر هؤلاء الساسة سياسات كهذه “بالخطيرة” و”غير الوطنية”، مع أنهم يقومون بتبنيها وبشكل محرج لهم.

وهناك الملمح الثالث في هيكل المواقف القومية المتطرفة وهو هجوم الشعبويين على العلم.

فأزمة وباء كورونا تواجهنا بتهديد لا يمكن فهمه ومعالجته إلا من خلال العلم. وحصل علماء الأوبئة والفيروسات على مكانة مهمة في الإعلام، ويقوم الرأي العام بمتابعتهم وتنفيذ توصياتهم. ولا يعرف إن كان هذا سيقود لإيمان بالعلم وتراجع للحركة المضادة له التي يقودها القادة الشعبويون الذين اضطروا لمتابعتها. ويتوقع أن يعي المواطنون المخاطر التي تحدث عنها العلماء مثل التغيرات البيئية والمتوقع أن تؤدي إلى انتشار الأمراض.

ويعرف القادة القوميون الشعبويون بأنهم يتغذون على نشر الخوف، إلا أن الخوف المنتشر ليس ذلك النوع الذي يمكنهم استغلاله لصالحهم. وبسبب حالة الطوارئ الصحية والقلق الاقتصادي، هبط موضوع الهجرة من قائمة الأولويات، مع أنه الموضوع المفضل للحركات الشعبوية المتطرفة.

فمنع السفر وحقيقة أن أوروبا والولايات المتحدة باتتا في مركز انتشار الوباء أدت إلى تراجع الرغبة بالهجرة إلى هذه المناطق. وفي الواقع فنحن نلاحظ تبدلا تاريخيا في المواقع، فالمكسيك هي التي تقوم بإغلاق الحدود مع أمريكا، فيما تقوم دول أفريقيا بمنع الرحلات الجوية المتجهة نحو أوروبا أو القادمة منها.

وبدأ المزارعون البريطانيون بتنظيم رحلات خاصة للعمال من أوروبا الشرقية للعمل في المزارع حتى لا يترك محصول العام دونما قطاف. ولو قادت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى موجة هجرة كتلك التي شاهدناها عام 2015 فسيحاول القادة الشعبويون استغلالها لصالحهم والعودة لخطابهم المعادي للعولمة.

وفي الوقت الذي أربك فيه فيروس كورونا الحركات القومية المتطرفة ولو لفترة مؤقتة فهذا لا يعني أنها انتهت. وسيكون اليسار مخطئا لو اعتقد أن الأزمة تصب في صالحه.

ومن المتوقع أن تؤدي الأزمة الصحية إلى أزمة اقتصادية تشبه فترة الكساد العظيم في القرن الماضي والأزمة المالية عام 2008.

وأثبت اليمين الشعبوي قدرته على التصيد في الماء العكر واستغلال يأس الناس والبحث عن كبش فداء لتحميله المسؤولية. وربما اتبع نفس الأسلوب لو أصبحت الأمور أكثر خطورة. وما قام به رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان يوم الإثنين من تعليق البرلمان والحكم عبر المراسيم هو نذير لما سيأتي.

ولم يتردد سالفيني في إيطاليا من مديح خطوات أوربان. وسنرى زيادة في الخطاب المعادي للصين، فقد وصف ترامب فيروس كورونا بالفيروس الصيني. وقال المنظر اليميني ومستشار ترامب السابق ستيفن بانون إن الفيروس هو “فيروس الحزب الشيوعي الصيني”.

واقترح سالفيني أنه بمعرفة الحكومة الصينية بالفيروس وعدم إخبارها العالم عنه، فإنها ارتكبت جريمة ضد الإنسانية. وتبني حلفاؤه في إسبانيا والبرازيل نفس الخطاب.

وفي ضوء المحاولات التي قام بها المتطرفون لإنشاء “القومية العالمية” تحت رعاية حركة بانون، فهذا التنسيق في التصريحات لم يأت عبثا، وتبدو وكأنها استراتيجية منسقة لتمرير الغضب واليأس تسببت به الأزمة نحو عدو عرقي تم تعريفه بالصين.

وسيتم تشويه كل شخص من الاشتراكيين أعداء اليمين إلى جوزيف بايدن المرشح الديمقراطي الذي وصفته “ناشونال ريفيو” بأنه “المرشح المفضل لدى الصين”.

وما هو مخبأ لنا قد يكون أسوأ من الحركة الشعبوية اليمينية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين بل وأسوأ، فهناك حركة يمين متطرف تستخدم كل ما لديها من ترسانة ديكتاتورية متطرفة لاستفزاز والدفاع عن مصالحها ومنع أي محاولة ذات معنى لإعادة توزيع الاقتصاد. ومع أن الأزمة الحالية أحدثت إرباكا لليمين المتطرف، إلا أنها لم تقمعه بل وجعلته يتخلق بصورة جديدة.

القدس العربي

—————————

يوسا الروائي في مواجهة “الأخ الأكبر” الصيني/ محمد حجيري

قبل أكثر من أسبوعين، كتب الروائي البيروفي، ماريو فارغاس يوسا، مقالاً في صحيفة “الباييس” الإسبانية بعنوان “العودة إلى العصور الوسطى؟” حمّل فيه النظام السياسي الصيني مسؤولية انتشار وباء كورونا في العالم، وأكثر من ذلك ذهب يوسا -“اليميني” على ما تصفه بعض الصحف العربية- إلى القول بأن السلطات الصينية أسكتت بالقوة أصوات الأطباء الصينيين الذين اكتشفوا الفيروس، زاعماً أن انتشار الوباء كان سيكون مختلفاً تماماً لو أن الصين “كانت بلداً ديموقراطيّاً”، مذكّراً بكوارث سابقة في ظل الأنظمة الاستبدادية وتحديداً الشيوعية.

في اليوم التالي لصدور المقال، ردّت الصين بقوّة على يوسا، وجاء في بيان السفارة الصينية في ليما “إن مقال يوسّا تضمّن انتقادات سخيفة وعارية عن الصحة، وتجاهل الجهود الكبيرة التي قامت بها لاحتواء الأزمة”. ووفق صحيفة “إلباييس”، فإن رواياته مثل “حفلة التيس”، و”شيطنات الطفلة الخبيثة”، و”امتداح الخالة” اختفت من أسواق بيع الكتب الصينية في الانترنت، فيما نتائج البحث عن اسمه في محرّكات البحث الصينية لم تعد تفضي إلى أي نتيجة تتعلّق بالكاتب.

وبغض النظر عن صوابية كلام يوسا، حول الصين والكورونا، فهو مقال من ضمن آلاف المقالات التي كتبتْ، نتوقف عندها أو لا نتوقف، لكن المرء يفكر كثيراً أنه كيف لدولة عظمى وامبراطورية، وصاحبة واحد من أضخم الاقتصادات في العالم، أن تهتز مشاعرها من رأي كاتب بيروفي، وتتصرف بكيدية وطفولية إذا جاز التعبير… من حق السفارة الصينية الرد على يوسا، لكن من السخف أن تمنع كتبه في إطار رد الفعل المعهود… وليس يوسا وحده الممنوع في الصين، فالتاريخ شاهد على رواية “بجعات برية” ليونغ تشانغ، و”حلم الصين” لماجيان، وصولاً إلى كتب جورج أورويل… وأشار الصحافي شوقي الريس في جريدة “الشرق الأوسط”، إلى أن الحكومة الصينية سبق أن اتخذت إجراءات مماثلة في حق شخصيات عالمية، مثل الممثل الأميركي براد بيت، بعد قيامه بدور البطولة في فيلم “سبع سنوات في التيبت”، والذي اعتبرته بكّين موجَّهاً ضد سياستها بشأن هذه المقاطعة، أو نجم كرة القدم التركي مسعود أوزيل الذي انتقد القمع الذي يتعرّض له السكّان المسلمون في الصين.

على أن حديث يوسا عن انتشار الفيروس، وربط ما حصل بغياب الديموقراطية، ليس جديداً. فسبق أن قرأنا شبيهه لدى بعض المفكرين الفرنسيين والغربيين… المستجد في المشهد هو في رد فعل السفارة الصينية في ليما. قال الشاعر عيسى مخلوف، في تعليق فايسبوكي على القضية: “في المستقبل القريب، سيجد العلماء اللقاح الشافي لمحاربة وباء كورونا، لكن من الذي سيقف في وجه تحويل العالم إلى مكان شبيه بما وصفه جورج أورويل في روايته 1984؟ أيضاً، ليست المرة الأولى التي نقرأ فيها عن الصين، فتحضر في مخيلتنا رواية أورويل”. وكتبت المدونة الأردنية سلام برجاق، مقالاً في موقع “الجزيرة”، بعنوان “كيف طبَّقَت الصين رواية 1984 بحذافيرها؟”: “لا تتكلم، لا تفكر، لا تبحث، لا تحب، لا تتجرأ على التعبير عن رأيك، من أنت لتكتب حرفاً على ورقة أو حتى لتعرف معنى كلمة حرية؟ أنت لا تستحق أي شيء ولا يمكنك فعل شيء. هل تعرف لماذا؟ لأنك مراقب. بهذه الأفكار لخّص الكاتب جورج أورويل تخيلاته السياسية التي هيمنت على مستقبل العالم الذي يحيط بروايته “1984”، العالم القاتم الأسود، الخالي من ألوان الحياة، الذي تخيّل فيه الكاتب أن الأشخاص مستقبلاً سيكونون تحت مراقبةٍ دائمة لكل تفاصيل حياتهم؛ من نومٍ وأكلٍ وما يقتنون ومن يحبون، من قِبَل قوةٍ حاكمة عظمى تسيطر على عقول وحياة الناس، من قِبَل ما يدعى “بالأخ الكبير”. جاء هذا الكلام في اطار الحديث عن مسلمي الايغور وسجنهم، وبعد كورونا سيزيد حضور “الأخ الأكبر” في معظم الصين وربما العالم؟ الكورونا سيعطي مبررات لاستبداد جديد ربما، تحت حجج إنسانية وطبية، وبات كل فرد مراقباً من خلال كاميرا، وحتى من خلال داتا هاتفه النقال. وكثيرون سيتماهون مع أي اجراء بحجج من هنا وهناك.

الكاتب يوسف ابو لوز، مثلاً، اتهم يوسا بأن موقفه يحمل بُعْداً سياسياً واضحاً تجاه الصين، وقال: “هذه غلطة كاتب عالمي كان يمكنه أن يتجنّب الفرق في ما هو سياسي، وينظر إلى الجانب الإنساني، المأساوي، العالمي في هذا الوباء الملعون. لا وقت الآن مطلقاً لركوب أية سياسة أو أية أيديولوجية على ظهر فيروس مدمّر لتفاؤل الإنسان.. الوقت الآن.. وقت كتابة الأمل، ولو أن الخوف يحيط بالعالم الآن ويحوّله إلى قرية مهجورة”. بالتأكيد من البديهي أن يكتب الروائي عن الأمل، ومن البديهي أيضاً ان يطرح تساؤلات ويكتب انتقادات حول ما يجري في العالم، فهذا حقه الطبيعي ودوره الطبيعي.

   بالمختصر، إذا نظرنا في مسار يوسا الأدبي والسياسي، نجد أنه في البداية أحدث قطيعة على مستوى منهجه الفكري، بعدما قرأ شهادات المثقفين المنشقين عن النظام السوفياتي، وتأثره بفلسفة ألبير كامو حول التمرد… انتقل من اليسار إلى الليبرالية، ولم يعد يثق في الأفكار اليسارية والاشتراكية، وقدراته ظاهرة في روايات تحمل الكثير من المواقف والعناصر الفريدة والأيروسية، ولديه مواقف جديرة بالاهتمام في مقالاته. أما رد فعل الصين عليه، فيأتي في إطار سعيها الى الإشادة بالدور الذي قامت به، وتريد أن تكون قدوة حاملة هم الإنسانية العالمية في خضم صراعها مع أميركا ترامب، وتركّز في تحركاتها الخارجية على اعطاء صورة براقة لدورها في معالجتها هذا الوباء، ولا تريد أن يكون الرأي العام مسلطاً عليها كمُصدِّر ومُنتِج للكورونا.

أكثر من ذلك، لاحظ الزميل بشير البكر ان الصين تصرفت بطريقة غير أخلاقية، فقد سلمت لأميركا طلبية كمامات كانت تعاقدت عليها بلديات فرنسية. وذلك لأن أميركا رفعت السعر.

—————————–

بس تخلص كورونا”../ رشا الأطرش

ها هو يفعلها مجدداً.. يصفُّ أصدقاءه، جنباً إلى جنب، في السرير. القرد والدب والكلب.. وسائر أفراد الشلّة الملونة ذات الفراء الناعم المغوي بعناق نوم هانئ. لكن “الشباب” ليسوا في أحسن حال. “عندن كورونا”، يعلن الدكتور الصغير. يرصّهم جيداً، يغطّيهم، ويضع راحته على جبين كل منهم، مؤكِّداً المؤكَّد: “حرارتهم كبيرة”، ثم، وبقطّارة وهمية، ينقّط لكل منهم دواءه في فمه المرسوم على ابتسامة لا تكلّ. والطبيب، ابن السنوات الأربع، يعرف جيداً سبب إصابة الرفاق: لم يغسلوا أيديهم جيداً بالماء والصابون، أحدهم عطس قربهم، أو أنهم لمسوا وجوههم بأيديهم المتسخة. لكنهم سرعان ما يتعافون، ويخرجون من المستشفى، ليعاودوا الإصابة في اليوم التالي، فاللعبة باتت روتيناً، تُطعّم بتفاصيل إضافية، مرة تلو الأخرى.

ثلاثة أسابيع مرت على إقفال المدارس. ثلاثة أسابيع كانت كفيلة بتحفيظ صغيري كل شيء عن الكورونا. في البداية، كان يتحمس للخروج في نزهة سريعة على “السكوتر”، نصف ساعة يحرك فيها جسمه، يبذل طاقاته المكبوتة، ويستنشق الهواء المتاح في السجن الأكبر. لكن كثرة التعليمات والتحذيرات التي تصاحب كل مشوار، طغت على فرحة الخروج: لا تلمس باب المصعد، بوابة المبنى، لا تحكّ عينك، افرك يديك بالجِل،.. وبسرعة.. هيا إلى البيت. منذ أيام، يرفض الخروج كلما عرضنا عليه ذلك: “بس في كورونا!”، يخبرنا كأننا لا نعلم. أو كأننا، أبوه وأنا، ثنائي مخبول أو مستهتر أو فاقد للذاكرة، وهو الآن مضطر لأن يكون الناضج المسؤول عن سلامته وسلامتنا معاً. يجادلنا، مُستَفَزاً بعرض الخروج، سائلاً إن كنا نرى أولاداً يمشون في الشارع، أولاد عمرهم أربع سنوات. وحين نجيب بِنعَم، وأننا رأيناهم سوية في الشارع خلال نزهتنا الأخيرة، يستهول الردّ: “مش مزبوط!”. ويؤكد أنهم، وإن نزلوا إلى الشارع من قبل، فلن يكرروا ذلك “لأنو في كورونا!”.. ويسهب في استخدام مفردات ومرادفات العدوى، الميكروب، والمرض، التي باتت جزءاً من قاموسه اليومي.

أعرف كم يشتاق ابني إلى مدرسته وأصدقائه، إلى الحديقة و”الكاروسيل”. إلى جلستنا، أنا وهو، في المقهى كل نهاية أسبوع لتناول “الكريب بالشوكولا”، وإلى مسرح العرائس الأسبوعي الذي كان حديثه يكاد لا يخلو من أسماء أبطاله. لكن سِيَرهم شحّت أخيراً، لمصلحة شخصيات الرسوم المتحركة التي ما عاد في مقدرونا تقنين ساعاتها التلفزيونية كما اعتدنا قبل الأزمة. وأعرف، أو كنتُ أعرف، كم تضيق به شقتنا التي صرنا نتندّر بأن الشيء الوحيد الذي لم يتسلقه فيها بعد هو السقف. لكن قوقعتنا البيتية أصبحت شرنقته التي يخشى مغادرتها، وإن رغب حقاً في ذلك. تناقض الرغبة والخوف، الشغف والتوتر.. باكراً عرَّفه الوباء على تلك الاستعصاءات. أحياناً، أشعر بالذنب لمجرد أن المشهد هذا يحزنني، فيما يعاني الآلاف في المستشفيات، ويموت كثر بسبب هذا الوحش المستجد. أغطّي الذَّنبَ، بالامتنان، لأنني بخير، ومن أحب.. من دون أن ينسحب العرفان على كل ما يثيره واقع البيوت المغلقة من قلق وأسئلة.

أحسب أن جيلاً كاملاً (أو جيلَين) سيكبر وتكبر معه ملامح هوسٍ ما، هستيريا ربما، بالنظافة وتفادي مسببات الأمراض، حتى البسيطة والعابرة منها، بالنجاة مما لا نرى، بالخلاص. جيل كامل سينمو بداخله خوف مزمن من “الخارج” من “الآخر”، أي فرد، أي آخر. خوف من اللامرئي، جرثومياً كان أم خطابياً، وسيبذل جهداً عظيماً لكسره حينما يكبر، إن وعاه كفاية. لكن، أنّى لي أن أفتي.. أنا التي ما زلت أتصبب عرقاً بارداً وأكابد ضربات قلبي المتسارعة، كلما سمعت دوياً، ولو كانت فراقيع العيد، ولو ظننّا -جيلي وأنا- أننا انتهينا من عقلنة ومواجهة رواسب “تروما” الحرب اللبنانية التي ترعرعنا في كنفها. وتخطر في بالي حكايات الجدات اللواتي لم تقتلهن مجاعة لبنان، خلال الحرب العالمية الأولى، وعُرفن طوال أعمارهن بعدها بـ”البخل” و”الاقتصاد” وهوس التخزين.

أما الآن، هنا واليوم، فكل شيء في نظر طفلي مرهون بـ”بكرا بس تخلص كورونا”: اللعبة التي يتحرّق لشرائها، زيارة رفيقته المفضلة، الرحلة لرؤية تيتا وجدو، الكلب/الهر الذي يطالبنا باقتنائه منذ أشهر… “بس تخلص كورونا”، مفتاح المستقبل، بوابة أحلامه الصغيرة. أي عالم ينتظره وينتظرنا؟ وبأي تفاصيل يتراكب في وجدانه الغض؟ وهل سـ”تخلص كورونا” أبداً؟ وبأي ثمن؟.. أتساءل بينما أدرك كم انكمشت دنيانا إلى حدودها الدنيا، وابني يدافع عن مساحته فيها. باتت متكررة هجماته على كومبيوتري المفتوح ليطفئه، علّني أترك “الشغل” وأعود للعب معه: “كل النهار شغل؟!”، يعترض ويحاجج. وكذلك غزواته للزاوية حيث يفرش أبوه أوراقه وأقلامه، ليسرقها وينثرها في كل مكان، ضاحكاً، متسلقاً كتفيه ورأسه، رامياً نظاراته الطبية في فضاء مغلق على لا شيء وكل شيء. نحن الآن اللعب والسلطة، الصداقة والرقابة، الحرية والقفص. مفارقات الأمومة والأبوة تزداد تناقضاً وحدَّة، والطفل يزداد استمتاعاً بها، وحيرة في أمرها. فما كان وقتاً نوعياً نقضيه سوية مساء، أو في العطلات، صار ممطوطاً مترامي الأطراف، تتداخل فيها شروط التربية بأحكام تجزية الوقت، لجعله ينقضي بأي شكل، حتى ينتهي هذا اليوم، وغداً يوم آخر، نحمل همّه غداً.. أو ربما “بكرا بس تخلص كورونا”.

—————————————–

“كورونا” إيطاليا: الأموات دون وداع والأحياء في صراع داخل المستشفيات/ أحمد حاج حمدو

بعيدًا عن عدسات وسائل الإعلام، و”نظرة الوداع” من ذويهم، يُدفن الأموات ضحايا فيروس “كورونا” وهم يرتدون “ملابس المستشفيات” دون أي مراسم أو جنائز، لا تسمح السلطات بهذه المراسم، وكذلك الحال لا يُسمح لذوي المتوفين بوداعهم ولو بنظرة من بعيد.

السلطات الإيطالية حظرت مؤخّرًا إقامة الجنائز ومراسم الدفن، خوفًا من انتقال عدوى الفيروس، ما حرم الكثيرين من فرصة دواع أحبائهم.

وأمام العدد الكبير اليومي للضحايا، ووجود ذويهم تحت الحجر الصحّي، يضطر العاملون في الدفن لأن يأخذوا دور ذوي المتوفّي أو حتّى الكهنة، ولكنّهم غير قادرين على تصفيف شعرهم أو تزيين وجوههم أو إلباسهم الرداء الخاص بالموتى، وذلك بحسب ما يقول ماسيمو مانكاستوريا، وهو متعهّد دفن الموتى في مدينة كريمونا في إيطاليا بحسب ما نقل عنه تلفزيون “بي بي سي”.

وعلى الرغم من أن الفيروس لا ينتقل من جسد المتوفّي إلى جيد الحي، لكنه يبقى على أسطح ملابس المتوفّي والحاجيات التي كان يستخدمها وهو ما حال دون القدرة على إجراء أية مراسم للدفن.

يُلخّص هذا الواقع، حال معاناة الإيطاليين مع فيروس “كورونا” في ظل الارتفاع المتتالي للإصابات والوفيات أيضًا.

في مقاطعة لومبارديا شمال إيطاليا، يخوض الأطبّاء حرباً شرسة في الصراع مع الفايروس، لتقزيم عدد الوفيات مقابل رفع عدد حالات الشفاء، ولكن حربهم لا تبدو سهلة، أو على أقل تقدير لا تبدو أنّها ستنتهي في يومٍ وليلة.

أطبّاءٌ إيطاليون ومن مختلف الجنسيات الأخرى، يرتدون بدلات واقية للفايروس، لونها أبيض، فيسميهم البعض “الجيوش البيض”، يعملون نحو 16 ساعة يومياً، قد لا يتناولون وجبة طعام خلالها. انعزلوا عن أسرهم وأحبّائهم، وربّما نسوا شكل منازلهم لأن البعض منهم قرّر النوم في المستشفى حيث يساعد المصابين بـ”كورونا”.

الطبيب اللبناني غسّان شرّي، أحد هؤلاء الأطباء في لومبارديا، نقل لـ”درج” بعض يوميات الموت في المقاطعة الموبوءة شمال إيطاليا.

يقول شرّي: “الفايروس ينتقل من شخصٍ إلى آخر، وبكل بساطة وصل إلى أوروبا وإيطاليا بهذه الطريقة، ونحن اتخذنا قرار المواجهة، في حين أن هناك دولاً تنتظر ما سيؤول إليه الوضع ولم تتّخذ هذا القرار بعد”.

قبل حوار الطبيب شرّي مع “درج” اتصل به أحد المرضى الذين خرجوا من المستشفى، وكان يخبره عن شعوره فيما كان يتلقّى العلاج، وفجأة توفّي المريض الموجود في السرير المجاور له. كان المريض الذي تعافى لاحقاً محطّماً نفسياً بسبب وفاة شريكه في غرفة المعاناة تلك.

المستشفى المخصّص للفايروس، هو مكانٌ معزول تماماً عن العالم، كما يصفه شرّي، “ممنوع دخول أي شخص إليه، باستثناء المرضى والأطباء والممرّضين”.

ويتحدّث شرّي عن ضرورة حماية المريض نفسياً خلال علاجه جسديّاً، لأن استمرار وقوع الوفيات ونقل مرضى إلى غرف العناية المركّزة يؤثّر بشكلٍ كبير في نفسية المرضى الآخرين، الذين يشاهدون ما يحصل وينتظرون مصيرهم، ويقول: “من الصعب أن تشاهد يومياً شخصين أو ثلاثة أشخاص يموتون أمامك وأن تكون مصاباً بمرضهم ذاته”.

يبقى المريض منقطعاً تماماً عن العالم في حال دخل إلى غرفة العناية المشدّدة، ولا يستطيع غالباً حتّى استخدام هاتفه المحمول، للتواصل مع العالم الخارجي.

في معظم الأحيان، لا تسلّم السلطات الإيطالية جثث المتوفّين إلى ذويهم، وتُنقَل الجثث وتُحرَق بعيداً من الأعين، بلا أي مراسم ولا يتسنى للأسرة أو الأحباء توديعه حتى.

المستشفى حيث يعمل شري، يضم عدداً كبيراً من المصابين منذ تفشّي الفايروس في إيطاليا على نحوٍ واسع، وفي حال وفاة أو تعافي أحد المرضى، يتم إدخال مريض آخر مكانه خلال أقل من نصف ساعة فقط.

أمّا الطبيب الذي يعمل هناك، فهو غالباً انعزل عن أسرته وبات يعيش وحيداً في منزله أو حصل على غرفة ليعيش فيها وحيداً أيضاً، فيما ينام أطباء آخرون في المستشفى لحماية أسرهم وتجنّب نقل الفايروس إليهم.

يمضي الأطباء بين 12 و16 ساعة في العمل، ولا استراحات، ولا أماكن مفتوحة في المدينة لتناول وجبة سريعة أو حتّى فنجان قهوة خلال العمل، كما أنّهم في معظم الأحيان يمضون ساعات عملهم من دون أي راحة أو وجبة طعام.

والمجيء إلى العمل يجب أن يكون قبل الموعد المحدد بثلاث ساعات، من أجل التحضير والتعقيم وارتداء الملابس العازلة الخاصة بالأطبّاء، ولأن عملية خلع هذه الملابس وتعقيمها تحتاج إلى وقتٍ طويل، ولا يحصل الأطباء غالباً على فترات راحة لتناول الطعام بين ساعات العمل، وفق شري.

وتستمر أرقام الإصابات ومعها الوفيات في التصاعد، في إيطاليا وإسبانيا والولايات المتّحدة وفرنسا وغيرها من الدول.

“الفايروس جديد على العالم، ظهر منذ أشهر فقط والطب لم يكن يعرف عنه معلومات كافية مسبقة”، يقول شري، مضيفاً: “في الأسبوع الأول كانت معطياتنا أن أعراض المرض هي عبارة عن رشح وأوجاع عادية في الحلق والحنجرة وتشبه انفلونزا، علماً ان العلاج يحتّم على الطبيب الحصول على معطيات أولية حول المرض”.

ويتابع: “المشكلة في كورونا، أنّنا لم نعرف كيف نتعامل معه في بداية الأمر لأننا لم نكن نملك معطيات، فكان المرض أكثر شراسة وينتشر بسرعة”.

هناك معطيان اثنان يركن إليهما الأطبّاء خلال العلاج، وهما: هل الفايروس شرس أم لا؟ وهل هو بطيء الانتشار أم سريع؟

يقول شرّي: “على سبيل المثال عندما يكون لدي مستشفى فيه 700 سرير، فإذا كان لديَّ كل يوم 20 مريضاً فإن الأمر طبيعي، أما إذا كان هناك يومياً 700 مريض، فهناك مشكلة كبيرة، وإذا كان هناك 7 آلاف مريض يومياً فهناك كارثة ستخرج عن قدرات القطاع الطبّي”، لهذا الأمر تعوّل كل الجهات الطبّية على العمل على وقف انتشار المرض.

وتعوّل البلاد على حظر التجوّل وإغلاق المدن كإجراءً مهمّ، لأن الجهاز الطبّي عندما يحصي العدد التقريبي للحالات المصابة بإمكانه البدء بإجراءات التعامل مع هذه الحالات وتخمين نسبة انتشار المرض مقابل قدرة الأجهزة الطبّية.

وفيما تعاني لومبارديا وإيطاليا عموماً من نقص طبّي حادّ في التعامل مع المصابين، هناك الكثير من الأخبار الملفّقة حول “كورونا”، مثل أن الأطباء يختارون من سوف ينقذون بين المرضى، ليموت من فرصته أقل في العيش مقابل أن يُعالَج صاحب الفرصة الأكبر، وهي اخبار يؤكد شري أنها غير صحيحة.

ويتابع “حتّى يصل مريض كورونا إلى غرفة العناية المركّزة لا بد أن يكون قد وصل إلى حالة يرثى لها، وأُغلقت الرئتين لديه وأصبح يحتاج إلى جهاز التنفّس، وهؤلاء في الغالب يعانون من أمراض القلب والشرايين”.

أمّا عن نسبة الوفيات المرتفعة في إيطاليا، فيرجعها شري إلى ارتفاع نسبة من هم فوق 65 عاماً من الإيطاليين، موضحاً أن متوسّط عمر الإيطاليين 84 عاماً، كما أن السلطات تأخّرت نحو ثلاثة أسابيع لبدء الإجراءات الطبّية وعزل المدن، وخلال هذه الفترة قفز العدد، لكنّه أوضح أن هناك دولاً مثل إسبانيا والولايات المتّحدة تقارب العدد ذاته.

يشغل سبب ارتفاع معدّلات الوفيات في إيطاليا بال كثيرين، فمعدّل الأعمار مرتفع في ألمانيا أيضاً، لكنها تسجّل وفيات بمعدّل 0.4 في المئة، مقابل 10 في المئة في إيطاليا.

يتوقّع شري أن يرتفع الرقم أكثر ثم يعود إلى الهبوط لتتم السيطرة عليه، موضحاً أن دولة الصين نظام الحكم فيها مركزي، ويسهل في هذه الحالة اتخاذ القرار بعزل المدن، لذلك كان تعامل الصين أكثر مرونة مع المرض، على عكس إيطاليا التي تحتاج إلى توافق لاتخاذ أي قرار، إضافةً إلى أن نسبةً من الإيطاليين لم يلتزموا الإجراءات الطبّية كما يجب، لكنّه يتوقّع أن تتّجه الأمور إلى الانفراج مع انتشار الشرطة الإيطالية في الشوارع وتشديد عمليات الرقابة وعزل المدن.

——————————

كيف ستؤثّر أزمة فيروس كورونا على محط اهتماماتكم الشرق أوسطية في المُقبل من الأشهر؟/ مايكل يونغ

جوزيف باحوط | باحث غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي

بموازاة المنحنى التصاعدي الذي تسجّله الإصابات بفيروس كورونا المستجد، ينبغي علينا الانتباه إلى المنحنى التنازلي الذي تسجّله أسعار النفط، التي تدنّت إلى مستويات غير مسبوقة – أي بالمعدلات الحقيقية إلى الأسعار القريبة من تلك التي سجّلها النفط في الفترة السابقة للصدمة النفطية العام 1973. وقد يؤدّي ذلك إلى تداعيات إقليمية مدمّرة.

في ظل هذه الظروف، قد يتم تأجيل، إن لم يكن إلغاء، رؤية السعودية 2030، وهي الخطة الرامية إلى إنهاء اعتماد المملكة على النفط. ستسجّل السعودية عجزاً هائلاً في الموازنة في غضون ستة أشهر، وستحطّم أحلام ولي العهد محمد بن سلمان، وسيلي ذلك جملة من التعديلات والإصلاحات. وسيلجأ ولي العهد على الأرجح إلى إجراءات أكثر سلطوية للحفاظ على نفوذه. لكن عدم قدرته على توزيع العائدات الناتجة من الريع النفطي لاحتواء السخط سيسفر عن تزايد خطر حدوث اضطرابات.

إن انهيار الأسواق النفطية سيترك أيضاً بصماته بعمق على الاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط. ونظراً إلى إغلاق أسواق العمل في الخليج، سيسفر صرف ملايين العمّال الآتين من مصر والسودان ودول المشرق عن مشاكل اجتماعية في هذه البلدان التي تواجه أساساً تحديات ضخمة.

وستصبح الأنظمة السلطوية أكثر تقارباً من بعضها البعض على الأرجح، ساعيةً إلى تضييق شقة خلافاتها. أحدث مثال على ذلك تقرّب الإمارات العربية المتحدة من الرئيس السوري بشار الأسد. وفيما تواجه الولايات المتحدة شبح الركود الذي لا مفر منه، وتعاني روسيا من الإفقار بسبب اعتمادها على النفط، وتتّجه الصين على الأرجح نحو شراء المزيد من النفط الرخيص من إيران، ستصبح القوى العالمية أقل قدرةً على التحكيم أو فرض ديناميكيات محددة في الشرق الأوسط، ما يمنح القوى الإقليمية المتوسطة هامشاً أوسع للتصرّف كما يحلو لها.

ناثان. ج. براون | باحث أول غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

شكّل فيروس كورونا الجديد مصدراً لمصاعب جمّة على مستوى التوقعات. ويتبادر إلى الذهن السؤال التالي: كيف سيؤثّر هذا الوباء على الدول التي كانت سياساتها حتى الآن متوقّعة للغاية، سواء في مصر حيث يُحكَم المصريون من قِبَل أنظمة سلطوية مترسّخة، أو لدى الفلسطينيين الذين يعانون من الاحتلال والانقسامات. ستتفاقم مشاكل هؤلاء على الأرجح.

مع ذلك، يمكن القول إنه من غير المحتمل أن يُسفر تشديد الرقابة على المواطنين عن حوكمة أكثر فاعلية. فالتحديات التي يفرضها الوباء على الحوكمة ضخمة بالنسبة إلى كلٍّ من الأنظمة السياسية الراسخة، والديمقراطيات الليبرالية، والمجتمعات المزدهرة. أما الأنظمة السلطوية في الشرق الأوسط، فالأرجح أن يكون أداؤها أقل جودة، وستكون النتيجة سياسات مُذرّرة ومثيرة للنفور.

لكن، ثمة هنا منحى موازن وإن كان طفيفاً. فالأنظمة التي تفاعلت عكسياً مع الفيروس من خلال نفي تأثيراته المحتملة، دفعت ثمناً باهظاً، وبعضها تطوّر ( وإن بعد تأخير مأساوي) من خلال اكتشاف مقاربات أكثر صدقاً حيال التعاطي مع الوباء بكونه تهديداً للصحة العامة وليس فقط لأمن النظام. قد يكون هذا درساً مفيداً، بيد أن حفنة ضئيلة من الأنظمة تبدو مستعدة لتطبيق هذا المنحى في مجالات أخرى.

زها حسن | باحثة زائرة في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

سيكون من الأهمية بمكان، مع تفشّي فيروس كورونا المستجد في العديد من المجتمعات، معرفة ما إذا كانت السلطات في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة ستتعاون، أم لا، لدرء هذا الوباء. هذا ناهيك عن أنه يُحتمل أن تكون لهذه الأزمة تأثيرات على الجهود الأميركية والإسرائيلية لفرض تسوية سياسية على الفلسطينيين.

كان التعاون بين المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين طيّباً حين ظهرت أول إصابة بفيروس كورونا في الأراضي المحتلة في 5 آذار/مارس الماضي. إذ هم شكّلوا لجنة مشتركة، وتشاطرت إسرائيل لوازم الفحص الطبي مع الفلسطينيين، وأفرجت عن شطر من عائدات التخليص الجمركي التي كانت تل أبيب تحجبها عن خزينة السلطة الفلسطينية، وذلك بهدف مساعدتها على شراء المواد الضرورية لمكافحة الفيروس. لكن إسرائيل أجبرت مؤخراً عمّالها الفلسطينيين المرضى على العودة إلى الأراضي المحتلة، من دون أي تنسيق مع السلطة الفلسطينية، ودمّرت عيادة ميدانية مؤقتة لفلسطينيين يعيشون في غور الأردن، وواصلت نسف منازل فلسطينية وبنى تحتية؛ وكل ذلك حدث فيما الفلسطينيون يحاولون الامتثال لأوامر البقاء في منازلهم والحفاظ على الصحة. كما أن تل أبيب تباطأت في ضمان أن يكون للفلسطينيين داخل الخط الأخضر- وهم مواطنون إسرائيليون- فرصة الحصول على الفحص الطبي على قدم المساواة مع جيرانهم اليهود، وواصلت حصار غزة، واتخذت إجراءات قد تعيق دخول السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية إلى المستشفيات.

في خضم هذه التطورات المُقلقة، كانت إسرائيل تتحرّك بسرعة البرق لتطبيق الإجراءات الهادفة إلى تعزيز سيطرتها على تلك الأجزاء من الضفة الغربية التي تسعى إلى ضمّها، كجزء مما يُسمى خطة ترامب للسلام. ويبدو أن الوباء يشكّل غطاء مناسباً لمصادرة أراضي الفلسطينيين وتشريدهم بالسرعة القصوى. وفيما يقذف الإغلاق الطوعي الفلسطيني بالأراضي الفلسطينية المحتلة إلى أشداق الانهيار الاقتصادي، قد لا تبقى في أعقاب الوباء سلطة فلسطينية يمكن التعامل معها، ولا بالطبع فرص لتحقيق سلام دائم مع إسرائيل.

أتش. آي. هيلير | باحث غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

من الصعب ألا يسفر وباء كورونا المستجد عن تأثيرات ضخمة على كل القضايا المتعلّقة بالمنطقة العربية الأوسع، خلال هذه الأزمة وبعدها. فما يُحتمل أن يفعل الوباء هو أن يكشف عن مدى ديمومة أو لاديمومة الأنظمة والسلطات في بعض بلدان المنطقة، ومدى قدرتها على البقاء. وسيميط أيضاً اللثام عن الفجوات في أنظمة الدولة، خاصة في مجال تأمين الخدمات الصحية.

أحد الأمور التي تكشّفت فصولاً الآن هي كيف دارت النقاشات في الدوائر الدينية الإسلامية حول العالم، والتي طرحت العديد من النقاط المهمة المتعلقة بتأثير السياسات على الدين. فقد شجّع علماء دينيون كثر المواطنين على تجنّب الذهاب إلى المساجد استناداً إلى دوافع الصحة العامة. وكان البعض حريصاً على أن يُعتبر موالياً للحكومة (خاصة في حالة الحكومات التي لم تدعُ إلى إغلاق المساجد)، فيما أراد البعض الآخر أن يبدو “ملكياً أكثر من الملك”، حتى حين كانت أهم السلطات الدينية، كالأزهر في مصر، واضحة حيال الحاجة إلى الانخراط في المسافة الاجتماعية، وحيال صوابية تعليق الصلوات الجماعية في المساجد.

أخيراً، لا بد من الإشارة إلى أن تأثير الديموغرافيا كان عاملاً مُحدداً لديمومة العديد من الأنظمة. وقد ألقى وباء كورونا المزيد من الأضواء الكاشفة على ذلك عبر إظهار مدى قدرة القطاع الصحي على التصدي له. يبدو أن الفيروس يشكّل خطراً بشكل غير متناظر على المُسنّين. ومع أن الشبان قد يصابون به، تشير الإحصاءات إلى أن المرض يؤثّر عليهم أقل. عموماً، الشرق الأوسط أكثر يفاعة من أوروبا، ما قد يُفسّر جزئياً تباين تأثيرات فيروس كورونا، حتى وإن كان من المبكر للغاية الخروج بمثل هذه الاستنتاجات الآن.

آرون ديفيد ميلر | باحث أول في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

ربما ليس ثمة مكان كان فيه لفيروس كورونا الجديد تأثيرات سياسية أو ظرفية أكثر من إسرائيل. فبعد أن أُصيب مساعد مقرّب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالمرض، عمد هذا الأخير إلى فرض حجر صحي على نفسه. لكن، ثمة هنا ما هو أكثر من ذلك: فمع وقوع 4300 إصابة و16 حالة وفاة، قد يكون هذا الفيروس القاسي الذي لا يرحم في طريقه إلى تحقيق ما عجزت عن فعله ثلاثة انتخابات في أقل من سنة، وهو تشكيل حكومة فاعلة تكون، ولو شكلاً، حكومة وحدة وطنية.

الصفقة لمّا تتم بعد، لكن ما يحفز عليها هو بالتأكيد عدم وجود خيارات أخرى يُعتد بها. فلا أحد يريد انتخابات رابعة. وفي خضم وطأة الوباء الراهن، لا يمكن على أي حال إجراء الانتخابات لأشهر عدة مقبلة، هذا إذا ما جرت. لا الليكود ولا حزب أزرق أبيض الذي يقوده بيني غانتس لديهما ما يكفي من الدعم للحصول على 61 مقعداً. أما خيار تشكيل غانتس حكومة أقلية بدعم للأحزاب العربية من الخارج، فقد اعتُبر محفوفاً بمخاطر جمّة، وغير شعبي بالمرة، وغير مستقر بالنسبة إلى غانتس المتجنّب للمخاطرة.

لذا، وحين نضع في الاعتبار وباء كورونا، ليس ثمة في الساح سوى الخيارات السيئة. والإسرائيليون الآن في حالة حجر صحي كاملة تقريباً ويتوقون إلى التوحّد لإلحاق الهزيمة بهذا المرض. وقد أعاد غانتس ترتيب أوضاعه في ما اعتبره العديد من النقاد الإسرائيليين نسخة سياسية ما من حادثة سفينة تايتانيك. إذ هو نسف حزبه ووافق على أخذ شريحة ثانوية من 17 عضواً للتفاوض مع نتنياهو حول تشكيل حكومة وحدة وطنية. وفي إطار هذا التوجّه، سيكون نتنياهو رئيس حكومة لمدة 18 شهراً، على أن يحوز غانتس على وزارات الدفاع والعدل والشؤون الخارجية، ثم يصبح هو رئيساً للوزراء بعدها بـ18 شهراً.

ربما يتقاطع فيروس كورونا مع الخيارات السيئة، لإنتاج أفضل حصيلة لإسرائيل في ما يتعلق بمواجهة الوباء. لكن، ما من شك في أن الفائز الآخر هو نتنياهو الذي سيقود إسرائيل إلى الأبد حقاً، إذ هو سيقاتل التهم المسوقة ضده من موقع قوة، وسيكون قادراً، إذا ما تفاقم الوباء، على أن يتشاطر اللائمة مع غانتس. أكثر من ذلك: بعد أن قسم غانتس حزبه ولم يعد لديه الآن سوى 17 مقعداً، بالمقارنة مع أكثر من 37 مقعداً للّيكود وحلفائه اليمينيين، وبعد أن خان حلفاءه، ليس ثمة سوى قلة تعتقد أنه سيحوز على مايكفي من النفوذ للحفاظ على صفقة المداورة. وبالتالي، لن يرى غانتس أبداً الديكور الداخلي لمقر رئيس الوزراء في شارع بلفور.

مارك بييريني | باحث زائر في مركز كارنيغي-أوروبا، حيث يركّز على قضايا الشرق الأوسط وتركيا من منظور أوروبي

قد يؤثّر فيروس كورونا المستجد بطرق مختلفة على فئتين من المواطنين السوريين: أولئك الذين فرّوا من الصراع الدائر في وطنهم ويعيشون اليوم في تركيا من جهة، والسوريون النازحون داخلياً في محافظة إدلب من جهة أخرى.

الغالبية الساحقة من اللاجئين السوريين الذين يعيشون في تركيا، ويبلغ عددهم 3.6 ملايين نسمة، يعيشون في شقق في المدن الكبرى. وهم يتمتعون بظروف الصحة العامة والنظافة، ويستفيدون من النظام الصحي التركي، كما أنهم مؤهّلون للحصول على المساعدة الدولية بالسيولة النقدية. إذاً، ينبغي أن يكونوا في أمان طالما أن النظام الصحي قادرٌ على التصدي للوباء. يجب أن يستمر الاتحاد الأوروبي بتقديم المساعدات إلى هذه الفئة، لكن هذا القرار بات أصعب بعد قيام الحكومة التركية مؤخراً بحثّ اللاجئين، غير السوريين بمعظمهم، على محاولة دخول أوروبا عبر الحدود التركية-اليونانية.

يُعتبر الوضع أشد تعقيداً بكثير بالنسبة إلى السوريين النازحين داخلياً في محافظة إدلب المحاذية للحدود التركية. فهم يعيشون في مخيمات لا تستوفي المعايير المطلوبة، وغير مزوّدة بأنظمة الصرف الصحي والمرافق الطبية المناسبة. إذاً، هم فئة معرّضة لخطر كبير في هذه الجائحة. في حال تم توسيع الجهود المتواصلة الرامية إلى تقديم مساعدات عبر الحدود لهذه الفئة من خلال وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، يجب عندئذٍ إعطاء الأولوية لاتّخاذ الإجراءات اللازمة من أجل احتواء تفشّي وباء كورونا.

مهى يحيَ | مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت

جاء وباء كورونا ليكلّل سلسلةً من الصدمات الشديدة والمتتالية التي قادت لبنان إلى دوّامة انحدارية. فالأزمة المالية أغرقت اقتصاد البلاد في ركود عميق، وتقلّصت العائدات الحكومية إلى حدٍّ باتت معه الدولة عاجزة عن تأمين أبسط الخدمات، بما في ذلك توفير الدعم إلى 1.6 مليون لبناني يٌقدّر أنهم باتوا يرزحون تحت خط الفقر. في غضون ذلك، تشتدّ حاجة القطاع الخاص إلى السيولة النقدية بسبب الضوابط غير الرسمية المفروضة على حركة رأس المال من قِبَل قطاع مصرفي يفتقر بدوره إلى السيولة، وربما أيضاً إلى الملاءة.

كذلك، يُميط وباء كورونا اللثام عن الضرورة الملحّة لزيادة الإنفاق على القطاع الصحي وشبكات الأمان الاجتماعي. ويشمل ذلك منح حدٍّ أدنى من مخصّصات البطالة إلى الأعداد المتزايدة من الأشخاص الذين أصبحوا عاطلين عن العمل نتيجة الإجراءات التي اتُّخذت لاحتواء تفشّي كورونا، وإلى العمّال المياومين الذين لا يستطيعون تحمّل أكلاف العزل المنزلي وخسارة دخلهم. تبلغ قيمة هذه النفقات عشرات مليارات الدولارات. صحيحٌ أن مستويات التكافل الاجتماعي الحاصل والدعم المقدّم من المجتمع المدني كانت ملحوظة حتى الآن، إلا أنها لا تستطيع وحدها التصدّي لهذا التحدّي الجسيم.

نظراً إلى أن مشاكل الحوكمة والانقسامات السياسية تلقي بوزرها على لبنان، يمكن توقّع استمرار توجّهات عدة: أولاً، وعلى الرغم من كل التحذيرات الصحية، يُرجّح أن تزداد أعداد الناس الذين سينزلون مجدّداً إلى الشوارع في مواجهة خيار إما الموت بالكورونا أو الموت جوعاً. وثانياً، ستلعب البلديات دوراً مهمّاً باعتبارها خط الدفاع الأول ضد الوباء، مثلما فعلت إبان أزمة اللاجئين السوريين بعد العام 2011. وغالب الظن أن يؤثّر تعزيز قدرات البلديات على مستقبل الحوكمة في البلاد. وثالثاً، ستستغلّ الأحزاب السياسية أكثر فأكثر تفشّي الوباء للعودة إلى الساحة وإثبات وجودها. فقد أعلنت كل الأحزاب عن وضع خطط لمكافحة الفيروس، بما في ذلك إنشاء مراكز حجر صحي، ونشر فرق طبية، وإجراء حملات تعقيم وتطهير، وتوفير مساعدات غذائية للمحتاجين. إذاً، يبدو أن لبنان يسير نحو مزيدٍ من الانقسام السياسي وشتّى أنواع التحديات في الأشهر المقبلة، في ظل قيادة سياسية غير مستعدة لوضع أولويات البلاد فوق مصالحها الخاصة.

مركز كارنيغي للشرق الأوسط

———————————–

كلمات «هزّ» البدن/ نائلة منصور

سُئل وزير الصحة السوري الحالي عن الأعداد الحقيقية للمصابين بفيروس كورونا في سوريا فأجاب مادحاً الجيش العربي السوري، مخلّص سوريا من الفيروسات والجراثيم. هذا كل ما في الأمر. السؤال الآن هو: لِمَ أو كيف تهزّ كلمات الوزير البدن؟ ولا أخال تعبيراً أكثر بلاغة من هذا التعبير السوري يمكنه أن يفهم أثر عنف اللغة المباشر في الجسد. ولِمَ يحاكي ذلك الأثرُ أثرَ المذيعة ميشلين عازار حين توجهت لطفلين وأمهما في خلفية عربة هوندا، على وشك الاحتضار، بعد مجزرة داريّا في 25 آب عام 2012 لتسألهم عن شعورهم وعن مقترف المجزرة؟ الأثر وجعٌ وغثيانٌ ونوعٌ من الشلل والخوف المريع. مرة أخرى، لماذا؟ «يقتبس» (ولفعل اقتبس أهميته هنا) الوزير النعوت التي استخدمها بشار الأسد في خطابه في جامعة دمشق في حزيران 2011 قبل أن تتوالى النعوت من «قوارض» و«مندسّين» و«حثالة» إلى «عملاء» و«خونة» وغير ذلك. حاول المنعوتون أن ينقلبوا على النعوت الإقصائية والتخوينية ويتبنوها في الإشارة لأنفسهم، كفعل مقاومة. غير أني لا أزال لا أصدق أن هذا الكلام غير مؤذٍ ولا يجرح حتى المنقلبين عليه، ولا «ينكز» إحساس القرف من الذات (Abjection) الذي تحدثت عنه سلوى اسماعيل في كتابها حكم العنف؛ القرف من الذات، بالمعنى الحرفي الجسدي للكلمة، الذي حكم السوريين عقود. هو «خطاب كراهية»، ولكن بلادة وبرودة المنظمات والهيئات المشتغلة على نظم ورقابة وقمع خطاب الكراهية لا تشفي الغليل في هذا المضمار وفي إدراك عمق الوجع، وقد يتسلل من «فلاترها» الكثير من الكلام المؤذي الذي يهزّ البدن. نواظم هذه الجهات معدّة سلفاً، في الخارج غالباً، بناءً على الاثنية والجنس والطائفة والدين، وهي لا تعرف الطبقات التاريخية المتراكمة التي يحملها الكلام.  

أحاول أن أستبصر «لماذا» و«كيف» هذا الأثر حتى بوجود آلاف الكيلومترات الفاصلة، باستعادة  لكتاب جوديث بتلر1 الذي يحكي عن قوة الكلام وأدائيته في خطاب الكراهية. وليس الهدف تبيئة الكتاب، إنما تعقيد البيئة التي نتناولها من الحياة اليومية، لتفكيكها ووضع المسافات مع العنف، فربما في النظرية ملجأٌ لاقتفاء المعنى والفهم وبلسمة جروح تسببها الكلمات، خاصة أن بتلر تناقش في مقدمة كتابها كيف أن للكلمات أثراً جسدياً مباشراً، وإلا لما كنا استخدمنا كلمة جرح وتجريح للدلالة على الكلام المسيء والعنيف. 

تسعى بتلر في كتابها لتحليل حالات وحوادث بعينها حدثت في الولايات المتحدة، متعلقة بخطاب الكراهية العنصري أو الجنساني والتعامل الرسمي القانوي معها. الأطروحة الأساسية للكاتبة هي أن تعامل الدولة مع خطاب الكراهية وقوننته بالشكل المتداول والمعمول به يحصر الفعل الخطابي المؤذي في ناطقه المباشر ويجعل منه فاعلاً، ويعتّم بذلك على طبقات تاريخانية ومتنقلة من العنف، هي أصل الأذى، ويمنع تحليلها. وتحاول في نهاية كتابها تحليل مفهوم الرقابة ليس بأنها أداة منع، بل بكونها أداة إنتاج بشكل أساسي، حيث أن الرقابة لا تهدف إلى قصر أو تحديد مضمون خطاب ما، بقدر ما تسعى إلى خلق فاعل خطابي يعرف حدوده وحدود المُقال واللا-مُقال. خارج هذه الحدود التي يصطلح عليها الجميع دون وعي ودون ان تُصاغ بطريقة صريحة، يصبح المرء خطيراً يجب محاربته، أو ذهانياً خارجاً عن المعقول. الحواجز والممنوعات ليست ثابتة بأي حال من الأحوال، هي دائماً ديناميكية ومتغيرة على طول حياة المرء/الذات الخطابية. وهي، أي حواجز الرقابة، لا تستمر إلا بقدر ما يحاول المرء الدخول في حيز الكلام (اللا-مُقال) ويخاطر في كل مرّة بحياته. الرهان كبير لاقتحام اللا-مُقال، الحياة أو السجن أو مصح الأمراض العقلية. وتختتم بتلر كتابها بما مفاده أن قبول الشتيمة يمنح قوة هائلة للمشتوم، لأنه يدخله في حيز اللامقال ويسقط المحرمات بطريقة ما.  

للوصول إلى نتائجها، ومن أجل فهم سياسي ونفساني لخطاب الكراهية ومفاعيله وطرائق مقاومته، تستعير بتلر أدوات ومفاهيم من مشارب فلسفية وفكرية مختلفة، من أوستن وألتوسير وفوكو وفرويد ودريدا وكاثرين ماكنين ولاكان وبورديو وشوشانا فلمان. من اللغة والتداولية، وعلى وجه التحديد من الفيلسوف الإنكليزي جان لانغشو أوستن، فيلسوف التداولية ولغة الحياة العادية، ومؤسس نظرية أفعال الخطاب، تستعير فكرة الفعل الإنجازي (illocutionary) والفعل التأثيري (perlocutionary) للمضمون اللغوي وفكرة السياق والطقوس التي تضمن تحقق الأفعال التي تؤديها اللغة. الفعل «الإنجازي/ الأدائي»، بحسب أوستن، هو تماهي المضمون اللغوي مع أثره المباشر، حين يؤدي الخطاب فعلاً في الواقع، كما في كلام الرب أو الساحر حين ينطق «كُن» فيكون. في حياتنا اليومية، القانون هو المثال الأعلى على الفعل الأدائي، يترتب على الكلمة فيه نتائج ملموسة مباشرة. الفعل «التأثيري» هو ما يترتب على الكلام ولكن ليس بالضرورة كفعل مباشر أو واقعة، الكلام هنا ليس لصيقَ أو معادلَ «فعل» واقعي. من الممكن أن يكون أثراً عاطفياً، نفسانياً. هناك مسافة ما بين الكلمة و فعلها التأثيري. يشرط أوستن تحقق ونجاح الخطاب الأدائي بمجموعة شروط، أهمها احترام طقوس معينة وتحقق السياق المناسب. عدم اتساق الخطاب مع السياق هو سياق بحد ذاته، له مفاعيله. في كتابها، توظف بتلر هذا الفرق بين الفعلين الخطابين إلى مُنتهاهما، حتى يبدو أنها قد بالغت قليلاً في هذا التوظيف. النقطة الأهم التي تناقشها هنا: هل خطاب الكراهية هو فعل أدائي أم تأثيري؟ هل أن يُنعت المرء بنعت/شتيمة (being called a name) يجعل منه ما يحيل إليه النعت في اللحظة نفسها؟ الأمور معقدة بعض الشيء لأن المرء «يوجد» (بمعنى يصبح موجوداً) في اللحظة التي يُطلَق عليه اسم، يوجد من خلال الآخر الذي يراه فيطلق عليه الاسم وليس قبل ذلك.

هنا تأتي أهمية ألتوسير الذي تستعير منه بتلر مفهوم «الاستدعاء» (interpellation) الذي يخلق الهوية مسبقاً. يطرح ألتوسير مثالاً للتدليل على آليات السلطات والأيديولوجيات والمؤسسات المجتمعية في صنع الذات والهوية والفرد. المثال يحكي عن شرطي يتوجه إلى فرد يدير ظهره في الشارع، بالقول «هه! أنت!»، سيستدير الفرد حتى لو لم يذكر اسمه، وهذه اللحظة هي لحظة تأسيسية، تُخلق فيها الهوية بدئياً، فتوجّه الشرطي ليس إلى هوية موجودة قبلاً. لحظة التوجه او الاستدعاء قد تريح المستدعى لأنه سُميّ في علاقته مع الآخر، ومن هنا تناقش بتلر إشكالية «الأسماء المعطاة» التي قد تصنع ذاتاً مختلفة تماماً ومغتربة عن الذات الأصلية للفرد. تصور الآخر عن الفرد قد يكون تصوراً كاذباً ولكن تمثيل وتصور الآخر يؤسس. 

تتخيل بتلر في لحظة مشهداً، يُستدعى فيه المرء فيلتفت ليرفض الاستدعاء «لست أنا من تتوجه إليه، حصل خطأ»، وتتخيل أن الجهة التي تطلق على المرء «اسمه» أو صفته لا تتوقف عن فرض نفسها والإلحاح على تحديد المساحة التي يشغلها المرء، والإلحاح على موضعته اجتماعياً أو سياسياً بحسب ما يرغب «المستدعي». يخفق الاستدعاء هدفه في كثير من الأحيان، لهذا يعاود محاولاته المحمومة لفرض الاعتراف بسلطته والتمكن من إضفاء هوية ما على المُستدعَى. الهوية هوية افتتاحية وليست توصيفاً لهوية قائمة قبلاً كما ذكرنا سابقاً، هي فعل تعميد أولي، وهي تؤدي وظيفتها في دارة الاستدعاء ولكنها غير موجودة مسبقاً. هي تسعى لإدخال حقيقة ما بدل أن تدرك وتصف حقيقة موجودة مسبقاً. هذا الاستدعاء هو فعل خطابي مضمونه ليس «صادقاً» وليس «كاذباً»، فالهدف هو الإشارة لذاتٍ، استدعاؤها وخلقها، وإنتاج حدودها الاجتماعية زمانياً ومكانياً. والهدف من تكرارها هو تثبيت السلطة.

إلا أن هذا الاسم «المُستدعَى»، ودائماً بحسب بتلر، يمكنه أن يصبح دون فاعل مُخاطِب، تحت أشكال بيروقراطية إدارية، من الذي يطلق الاسم «للاستدعاء»؟ إن البيئة التي تنتجها السلطة، صاحبة السيادة، تخلق الأرضية المناسبة حيث السلطة الخطابية تعمل دون فاعل وراءها ولكنها تستمر بذلك في خلق «المُستدعى». هذا لا يعني أن لا أفراد يقومون بإطلاق الاسم، بل أن هؤلاء ليسوا أول المبادرين أو أصحاب النيّة في «إطلاق الاسم»، وأنهم على الأقل لا يدركون كنه السلطة ذات السيادة التي أطلقت أول مرة «الاسم» أو قامت بـ «استدعاء» الآخرين. بالنتيجة ما أن تصبح السلطة صاحبة السيادة منتشرة وحلولة في كل شيء، يصبح مصدر «الاستدعاء» كما نهايته غير واضح. وقدرة الكلمة على التجريح والإيذاء منفصلة عن فعالية السلطة. من الصعب تحديد موقع السلطة والفاعل اللغوي، وصاحب لغة الكراهية مسؤول عن كلامه دون شك ولكنه ليس البادئ والمبادر. الخطاب العنصري يعمل وفق اصطلاحات جمعية، ويتنقل في حركة مستمرة، على الرغم من أنه يحتاج إلى ذات ناطقة، فاعل لغوي كي ينطقه، إلا أنه لا ينتهي ولا يبدأ مع هذا الفاعل اللغوي المتكلم، أو مع الاسم الذي تم استخدامه في الخطاب الكاره. تستمد بتلر فكرتها هذه من فوكو، وفق هذا الأخير فإن السلطة تعمل بمبدأ التخفيّ، تظهر كشيء آخر، تظهر كاسم.

تقول بتلر: عندما نحيل الأذى الكلامي إلى فعل فاعل بعينه ونجعل من المجال القضائي الموقع ذي الامتياز لتصريف ومعالجة الأذى الاجتماعي الواقع، ألا نعيق بذلك وبدون وعي التحليل الدقيق لكيف أن الخطاب ينتج أذىً ؟ حين نعتبر أنه من المناسب الانطلاق من الذات الفاعلة الخطابية ومن فعلها الكلامي، فكيف يمكننا بذلك أن نفهم العلاقة التي تربط الكلمة بالجرح؟ فهي ليست علاقة سببية وليست تجسيداً لنيّة ما، ولكنها شكل من التنقل الخطابي ينبغي فهم تاريخانيته وعنفه بدقة. ما هي العلاقة بين التنقل والقدرة على التجريح؟ بمعنى آخر، ما الذي يجعل القوة الإنجازية للشتيمة أو خطاب الكراهية متحققة؟ تراجع بتلر هنا محاججات أوستن ودريدا، وخاصة بورديو، حول الشروط التي يفترضها كل منهم لجعل الخطاب الأدائي متحققاً. فبالنسبة لأوستن ومن بعده بورديو، هناك «السياق» و«الطقس» و«الاصطلاح» الاجتماعي المشترك بين الناس حول شرعية حامل الخطاب، والتي تضفي الشرعية كشرط لازم لجعل الخطاب فعلاً ووقائع. تطور بتلر هذا المفهوم مستعيدة أوستن نفسه ودريدا بشكل خاص، بقولها إن القوة الأدائية الإنجازية لخطاب قد تُستمد من القطع مع سياق اجتماعي موجود، والتشكيك بشرعية وسلطة هذا السياق وإنشاء سياق جديد وشرعية جديدة للفاعل الخطابي. ودائماً، بحسب بتلر، فإن محاججة بورديو لا تساعد على فهم دور الجسد في الخطاب، رغم أهمية فكرة «الهابتوس» كاستبدان للقوى والشروط الاجتماعية. تقول بتلر، وهنا إحدى أهم خلاصات كتابها، أنه إن كانت الاصطلاحات الاجتماعية تحرك الأجساد، فإن الأجساد بدورها تعيد إنتاج الاصطلاحات والقوى الاجتماعية بممارساتها، بهذا المعنى فالهابتوس يُشَكَّل ولكنه كذلك مُشكِّل، الجسد هو حلقة في دارة «الاقتباس» والتكرار لخطاب ما.

في نظرية بورديو قدرية ما، مفادها أن القوى المنعكسة والمتجذرة في الأجساد هي المصدر الوحيد لشرعية الخطاب وكأن لا إمكانية لفاعلية الفرد في قلب السياقات ووضع قواعد جديدة للشرعية. المقاومة لخطاب الكراهية أو أي خطاب سلطوي آخر بالقطع مع السياق (ومفهوم القطع مع السياق مستوحى من دريدا كما أسلفنا)، هي إعادة امتلاك الشتيمة لولوج منظومة الشرعية وتجديد القواعد من ضمنها، مثلما يسمي «الكوير» أنفسهم بـ «الكوير»2. ولعل أجمل مثال تطرحه بتلر في كتابها هي أمثولة  توني موريسون التي ألقتها ضمن كلمتها أثناء تسلّم جائزة نوبل للآداب عام 1993، حين قالت إن لغة القمع والاضطهاد لا تمثل العنف فحسب، بل هي العنف بذاته. تحكي أمثولة موريسون عن امرأة عمياء وثلة من الصبية يحاولون تدبير مقلب لها، أحدهم في يده طير ميت، يسأل المرأة ، هل تعرفين إن كان الطير في يدي ميتاً أم حياً؟ تجيبه المرأة «أعرف فقط أنه في يدك». المرأة في الأمثولة هي الكاتبة المتمكنة والطير هو اللغة، وقد حاولت المرأة قلب السياق في علاقة القوة التي ارتسمت بين الصبية وبينها وفق ملاحظة جديدة منفصلة عن السؤال الأول، والتي قد تخلق سياقات أخرى تقطع مع «التكرار» و«الاقتباسية» للسلطة صاحبة «الشرعية».

بالعودة للحالة السورية، هل يمكن لإعادة تملّك النعوت من نمط «جراثيم» (والتي قام بها معارضون شباب كما أسلفت في البداية) أن يكسر «تكرار» و«اقتباسية» منظومة النظام المتمثلة في الشتّامين فيها؟ هل يمكن أن نعيد استملاك نعت «خائن»، مثلاً، لـ«كركبة» السلطة الموغلة وجعاً في اجسادنا؟ في الواقع، لا أعتقد أن هذا ممكن بسهولة كما توصي أو تعتقد بتلر، أولاً لأن التاريخ المتراكم لهذه النعوت لا يعود إلى هذه الحقبة القريبة فقط، ولكن فوق ذلك لأن هذه النعوت لا تهدف فقط لنزع الإنسانية عن معارضي النظام وشرعنة قتلهم جسدياً أو معنوياً، بل لأن هذا الإقصاء اللغوي يرتكز بشكل أساسي على بنية عميقة مشتركة بين الجميع تحاول تحديد المفهوم الغائم للوطنية. الوطنية ببعدها النفساني العاطفي والذي قد يُعبر عنه بـ «ابن البلد»، «ابن البلد الآدمي» كنقيض لـ«عميل»، أو «خائن»، أو «متمول»، أو الكثير مما يسيل في معجم التخوين. يبدو واضحاً أن مفهوم الوطنية الذي يتشاجر عليه الجميع لا علاقة له بمفهوم المواطنة، ولكنه قوي في غموضه ويمس مساحات نفسانية عاطفية أقرب للعلاقات العائلية مع الأم والأب، وألّا يكون المرء «ابن بلد» هو الطعن الجسدي الأكبر في الكينونة الأولى، الوطنية هي المحرّك الذي دفع آلاف الشباب السوريين للانتفاض على نظام الأسد، وهذه الوطنية هي الحجة العليا التي يتذرع بها النظام في قتله السياسي للجميع ومع وجود كل اشكال الاحتلال في البلد.

«الاقتباسية» و«التكرارية» التي يقوم بها الجلادون بأشكالهم المختلفة، إمّعات أو مثقفون، لمضامين الكراهية السلطوية، والتي يكمن محمولها التجريحي بشكل أساسي في إزالة الشرعية عن المعارض كـ«ابن بلد»، تلك الاقتباسية والتكرارية تجعل منهم بيادق بسيطة في سلسلة الحركة والتكرار لخطاب التخوين والذي يحطّ رحاله في أجسادنا، هم أيضاً «مستدعَون»، استدعاؤهم قد يأخذ أشكالاً ثقافية نخبوية أحياناً، ولكنهم بيادق تأخذ مواقع مؤقتة في السلسلة حتى لو ظنوا أنفسهم «فاعلين». هم اشتقاقات وليسوا الأصل في إرث «الاستدعاءات». قد يسهل فهم ذلك، ولكن يبقى من غير السهل فهم كيف أن أجسادنا لا تتمكن من قطع السلسلة في هذا التجريح.      

والحال أن إصرار من يتكلمون باسم النظام، حتى لو ظنوا أنفسهم معارضيه، على إضفاء هويات مختلفة على من تجرأ على معارضة هذا الأخير، مفهوم من جهة ومحيّر في بعض أوجهه، وبعد عشر سنوات. المفهوم هو استبطان لغة السلطة في البيئة الخطابية السورية العامة، مفهوم أن مصدرها لم يعد يهمّ، فهي هنا لها حياتها المستقلة عن مصدرها، ولكنها محيّرة لأنها، كسلطة، «منتصرة»، فما الذي تبتغيه بعدُ بما يخص الاعتراف بسلطتها؟ لماذا يخفق كظم الغيظ تجاه من ابتعدوا آلاف الأميال؟ وتجاه القبعات البيضاء؟ واتجاه الناشطين؟ إلخ… لماذا تتصرف سلطة الرعب وكأن البعيدين يرفعون في وجهها الإصبع الوسطى، وتغلي حقداً لتحرق الجغرافيا وتستتبع الخارجين عن سلطتها مرة أخرى، تريد أن تضمهم لها وتريد إبعادهم في الوقت عينه. يبدو أنها الجغرافية التي تهدد بقص سلسلة التكرار والاقتباس في الأجساد، تكرار واقتباس الشتيمة حتى يصبح المحكومون كارهين لأنفسهم نافرين منها.

والمفارقة العجيبة هي أن الجغرافية هي العنصر الوحيد الذي قد يضفي على النظام الشتّام شيئاً من المصداقية، الجغرافية بالحدود الوطنية والتي تريد حرقها بعينها، لتضم الخارجين عنها مرة أخرى تحت جناحيها كي يسهل سحقهم. يريد بشار الأسد، حسبما ذكرت بعض الأنباء، أن يعطي أسماء السوريين اللاجئين في أوروبا والذين يدخلون إلى سوريا للاتحاد الأوروبي. قد لا يكون الخبر صحيحاً ولكنه يعطي فكرة عن هذا الغيظ من خروج محكومين من تحت بسطار السحق. المبعد لا يعامل كمبعد مجذوم يمكن أن ننساه ونرتاح، بل هو مبعد مشتهى في كل وقت، دونه لا تعريف لذات السلطة، هذا ما تقوله لغة النظام ولغة الجلادين الرمزيين، المختنقين في «زبل» غضبهم الذي ينهشهم، نستعير من الأخوة الجزائرين تعبيرهم الدقيق عن الغضب: طلعلي الزبل للراس.

لا أصدق أن سورياً لا يُجرَح حين يُنعت بخائن أو عميل، ولكني أعتقد أن التفكير بطريقة نظرية في هذا العنف، واستذكار وتفكيك كل طبقات الشتائم والنعوت التي وُصِف بها السوريون هي المقاومة المتاحة في مواجهة هزّ البدن. وهنا سأختتم باقتباس لبتلر: «التحفظ على مساءلة مواضعنا السياسية انطلاقاً من الأسئلة التي تطرحها علينا الحياة هي اختيار الموضع الدوغمائي على حساب الفكر وعلى حساب الحياة». 

1. Judith Butler, Excitable speech, A politics of the performative. Routledge 1997.

2. «الكوير» هم مجموعات جنوسة غير معيارية. وإذ يعني التعبير في الأصل «الغريب»، واستُخدم بشكل تحقيري، إلا أن جهداً ثقافياً كبيراً حصل اعتباراً من الثمانينات لامتلاك المصطلح وإعادة نحته وتعريفه.

موقع الجمهورية

———————————

فيروس كورونا – عقيدة “الصدمة”/ طارق ناصيف

في 31 كانون الأول/ ديسمبر 2019، وقع حدث جلل في أصقاع المعمورة، وترك آثارًا كبيرة على مختلف الدول والحكومات في العالم، إذ أُبلغت منظمة الصحة العالمية بوجود حالات التهاب رئوي فيروسي تعود لسبب غير معروف أو محدد، وقد سُجلت تلك الحالات بدايةً في مدينة ووهان الصينية. ثم تطورت الأحداث بسرعة مذهلة، وأثر ذلك في محافظات ومدن عديدة في الصين، ثم انتقل ذلك التأثير إلى العديد من الدول في جميع أنحاء العالم، في آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية وأستراليا وأفريقيا. وفي 11 آذار/ مارس 2020، وصفت منظمة الصحة العالمية هذه الحالة الصحية الخطيرة، بأنها تفشّ لفيروس “كورونا”، أو ما سُمّي لاحقًا COVID-19، ووُصف الفيروس بأنه “جائحة” مرضية سريعة الانتشار على مستوى العالم [1].

وردًا على انتشار الفيروس؛ كثفت جميع البلدان في مختلف أنحاء العالم تدابيرها واستعداداتها، محاولةً إبطاء الفيروس والحد من انتشاره، وأوقفت كثير من السلطات الرحلات الجوية من الدول المصابة بالفيروس -علمًا أن انتشار الفيروس لاحقًا عمّ كل بلدان العالم تقريبًا- وأغلقت أجزاءً كبيرة من أراضيها، وحثت الناس على البقاء في منازلهم. وقد أعلنت الولايات المتحدة -كما هي الحال في كثير من دول الاتحاد الأوروبي- حالة طوارئ وطنية، وفرضت حظر سفر على دول مختلفة، منها دول الاتحاد الأوروبي (الذي أعلن بدوره إيقاف التعامل بحدود منظمة الشنغن، وإغلاق دول الاتحاد حدودها مع بعضها)، والصين وبعض دول الشرق الأوسط، وتم تأجيل أو إلغاء العديد من الأحداث المحلية والدولية، بسبب هذه الحالة الكارثية الاستثنائية الخطيرة [2]. وفي حقيقة الأمر، ما تزال الآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية لفيروس كورونا، على مختلف دول العالم، غير معروفة، وما يزال من الصعب التنبؤ بدقة بما سيحدث مستقبلًا، بخصوص إمكانية وقف انتشار هذا الفيروس القاتل، ولكن من الملاحظ -حتى الآن- أن كثيرًا من محللي السياسة والاقتصاد وعلوم المجتمع قد بدؤوا استدعاء ذكريات أحداث جسيمة مرت على العالم سابقًا، كأحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، أو الأزمة المالية العالمية في 2008، أو الكساد الكبير الذي ضرب أصقاع المعمورة في ثلاثينيات القرن الماضي وأدى إلى عواقب كارثية. ومن المؤكد أن هذه الأحداث أعادت تشكيل السياسات والمجتمعات المحلية، وكذلك العلاقات الدولية على وجه الأرض، وتركت هذه الأحداث تأثيرًا واضحًا على قضايا الأمن والسلم المحلي والدولي، وعلى مسائل الحريات والرقابة على المجتمعات والهويات الوطنية والإقليمية، وأيضًا أثرت في علاقتنا -أفرادًا ومواطنين- بحكوماتنا. ومن وجهة نظر منطقية وعلمية؛ فقد بدأ تأثير فيروس كورونا (الذي قد يستمر بضعة أشهر، على الأقل) بالظهور والتأثير على جميع مناحي الحياة، كما لم يحصل سابقًا على مستوًى عالمي بهذه السرعة وبهذا المدى ومساحة الانتشار، ويبدو أن الفيروس وآثاره المرافقة سيستمران في التأثير بعمق في معاييرنا وعلاقاتنا، وسيغيّر كثيرًا من توجهاتنا المحليّة والدولية[3].

إن “عقيدة الصدمة” هي نظرية متداولة، تم استخدامها في علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد والعلوم السياسية [4]. في الواقع، ترجع جذور النظرية إلى ستينيات القرن الماضي، حيث موّلت وكالة المخابرات المركزية مجموعة من التجارب المخبرية، بناءً على فكرة أن الحرمان الحسي عن طريق التأثير بالصدمات يمكن أن يمحو الذكريات، ويجبر المرضى على فقدان إحساسهم بالزمان والمكان، ويؤدي إلى انسلاخهم عن الواقع الذي يعيشون فيه، ومن ثَمّ يمكن تحميل أو تدوين معلومات وأفكار جديدة في ذهن الشخص المطلوب، بناءً على ما يُرغَب في إعطائه وتلقينه، ويمكن بهذه الطريقة أن تُكتَب وتُمْلى شخصية جديدة، على الأفراد والجماعات، بناءً على ما يُراد له أن يكون [5]. في الواقع، تم تنفيذ وتطبيق مثل هذه العملية في أجزاء مختلفة من العالم، من قبل حكومات مختلفة، بهدف فرض سياسات جديدة، كان من الصعب اعتمادها قبل التعرض للصدمات.

في هذا السياق، تقول نظرية “عقيدة الصدمة” إنه في فترات الارتباك، التي عادة ما تلي الحروب أو الانقلابات أو الكوارث الطبيعية أو الذعر الاقتصادي، يصبح تطبيق سياسات راديكالية جديدة، كانت في زمن سابق غير مقبولة، أمرًا أسهل بكثير وقابلًا للتنفيذ، مع انعدام أو انخفاض مستوى المعارضة لهذه التغييرات، على حساب ارتفاع نسب التأييد والقبول، بالرغم من أن غالبية المواطنين كانوا في السابق يرفضون ويعارضون هذه السياسات[6].

إن التاريخ الحديث يشهد على مجموعة من الأمثلة في السياق ذاته، فالانقلاب الذي دعمته الولايات المتحدة على الرئيس سلفادور أليندي (رئيس تشيلي) مكّن الولايات المتحدة من فرض سياسات اقتصادية ليبرالية جديدة، تحَوّلَت بها دولة تشيلي إلى الخصخصة وإزالة الحواجز التجارية مع الشركاء الدوليين، وترافق ذلك مع خفض للإنفاق الحكومي على قطاعات الرعاية الاجتماعية والأسرية. ولتبنّي هذه السياسات الجديدة وإنجازها عقب الانقلاب العسكري؛ قام النظام الجديد في تشيلي بسحق الحركات الشعبية التي رفضت هذه التغييرات، وتم اللجوء إلى سياسات التعذيب على مستوى الدولة، وأدت في النهاية إلى مقتل الآلاف من المعارضين التشيليين[7].

وكمثال آخر، يمكن الاستشهاد به على فاعلية “عقيدة الصدمة “، فإن انهيار الاتحاد السوفياتي وما رافقه من حالة عدم الاستقرار والاضطراب التي سادت دول أوروبا الشرقية، يُعدّ مثالًا آخر لواقعية فرضية عقيدة الصدمة. فقد مكّنت حالة الخوف والفزع والفراغ، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، القوى الغربية من فرض إصلاحات محددة على هذه البلدان، لجرّها بعيدًا عن النظام الشيوعي المنهار، حيث أصبحت معاهدات الدفاع المتبادل مع الغرب والانضمام أو التقرب من منظومة الاتحاد الأوروبي، واعتماد سياسات السوق الحرة، وكذلك الأيديولوجيات الليبرالية الغربية، اتجاهًا عامًا للعديد من دول أوروبا الشرقية. ولم يكن يمكن تصور سياسات كهذه سابقًا، قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، وقبل انتشار الفوضى بُعيد تفتت الكتلة السوفيتية[8]. ويمكن الجزم -من منظور عقيدة الصدمة- بالقول إن هنالك حالات استُخدِمت فيها الكوارث الطبيعية على شكل مبدأ الصدمة، من قبل حكومات معينة، لإقرار سياسات جديدة على الدولة أو المجتمع. فمثلًا استطاعت حكومة سريلانكا فرض سياسات الخصخصة على مختلف القطاعات في البلاد، وتخفيض الضرائب على الشركات بعد تسونامي 2004، هذه السياسات كانت صعبة التنفيذ سابقًا، وأصبحت حقيقة بعد التسونامي. من ناحية أخرى، في الشرق الأوسط، يُعدّ احتلال أفغانستان والعراق، قبل هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، أمرًا صعبًا لا يمكن للمجتمع الدولي تقبّله. ولكن تَسَبُبَ الهجمات في صدمة في الداخل الأميركي، وكذلك على المستوى الدولي، مهّد وسهّل كثيرًا على أميركا للإقدام على احتلال أفغانستان والعراق، متجاوزة للشرعية الدولية. وهكذا تمّ استثمار الصدمات الناتجة عن الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، من قبل أميركا وبعض حلفائها، لإحداث تغييرات ومكاسب معينة ما كانت لتتم قبل ذلك [9]. وبالنتيجة؛ يمكن القول إن استخدام الصدمات الطبيعية والسياسية والاقتصادية على نطاق واسع، في التاريخ الحديث، لإنفاذ سياسات حكومية معينة هو أمرٌ واقعٌ، وقد أصبح في بعض الحالات أداةً مهمة ومُنتَظَرَة للتغيير من قبل بعض الحكومات، في مختلف أنحاء العالم.

يشكل اللاجئون السوريون شريحة مهمشة ومستضعفة، نشأت منذ اندلاع الحرب الأهلية في سورية، بعد ثورة آذار/ مارس عام 2011. وهم الآن -بحكم طبيعة الحال- من الأشخاص الذين يتابعون بعناية الانتشار المخيف لفيروس كورونا حول العالم. إن كابوس الحرب الأهلية التي دامت عشر سنوات في سورية تصدّره كابوس آخر، جاء هذه المرة متخفيًا تحت الأنفاس، ونتيجة لتتالي المصائب فقد أصبح البؤس عنوان القاعدة الأساسية في حياة اللاجئين السوريين، ولا سيّما من كان في دول الجوار والمحيط الجغرافي لبلدهم الأم. بيد أن شرارة أمل فُتحت حديثًا لبعضهم، للهجرة مجددًا وبعيدًا من الجوار السوري، وخصوصًا لمن هو مقيم في تركيا، فمع وجود أكثر من 3.5 مليون لاجئ سوري، أعلنت السلطات التركية أخيرًا أنها لن توقف تدفق اللاجئين إلى دول الاتحاد الأوروبي[10]. ومع ذلك، يبقى التساؤل القديم والمتجدد قائمًا: هل سيصبح حلم آلاف اللاجئين السوريين الراغبين في العبور إلى الاتحاد الأوروبي حقيقةً مرة أخرى؟ وإذا كان الأمرُ كذلك، فهل سيكون الاتحاد الأوروبي المتوقع بعد فيروس كورونا هو نفسه ما كان قبله؟ للأسطر التالية رأيٌ في هذا.

ويفترض مبدأ أو “عقيدة الصدمة” أن الأزمات تمثل فرصة للحكومات لفرض التغيير. وبالتالي فمن هذا المنظور، فإن فيروس كورونا سيغيّر وجه السياسات الأوروبية إلى حدّ بعيد، وخاصة تلك المتعلقة باللاجئين والمهاجرين. لقد كان صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة، في بعض دول الاتحاد الأوروبي، حتى الآن على الأقل، محدودًا إلى حدٍّ بعيد خلال السنوات الماضية، وذلك لعوامل وأسباب عديدة، من أهمها العقلية الأوروبية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية التي ترفض الإقصاء وتؤمن بالعدالة والديمقراطية والمساواة، وتمج العنصرية والتعصب والانغلاق لِما سبّبته للقارة الأوروبية من محن ومآسٍ وحروب خلت. هذه العقلية المتجذرة في الأفراد والجماعات الأوروبية مكّنت -في كثير من الحالات- من تخفيف حدة صعود ظاهرة اليمين المتشدد في أوروبا، وانعكس ذلك إيجابًا على موجة اللجوء، وخصوصًا لجوء السوريين، الذي حدث في عامي 2014 و2015. ولقد كانت بعض الصيحات اليمينية المتعصبة في بعض دول الاتحاد الأوروبي كافية لأن تقض مضاجع اللاجئين السوريين هناك، ولكن هذه الصيحات المتطرفة لم تلقَ آذانًا مصغية في البرلمانات والحكومات الأوروبية، وربما يمكن القول إنه في كثير من الأحيان كانت المعركة مع اليمين المتشدد تنتهي بسرعة لمصلحة الأحزاب الأكثر اعتدالًا، مع الإدراك أن أحزابًا يمينية، في دول مثل السويد وألمانيا وفرنسا وهنغاريا وإيطاليا، تلقى رواجًا من حين إلى آخر، ضمن أوساط مجتمعاتها لأسباب مختلفة. غير أن رواج هذه الأحزاب اليمينية وارتفاع شعبيتها أو سيطرتها على حكومات بلدانها، يشكل تهديدًا خطيرًا لوجود اللاجئين السوريين في الاتحاد الأوروبي، وكذلك لأولئك الذين ينوون أو يحاولون بالفعل العبور إلى أوروبا في المستقبل القريب. وبحسب عقيدة الصدمة، يُمكن الافتراض أن الجماعات والأحزاب السياسية الأوروبية، خصوصًا الموجودة منها في أقصى اليمين، ترى في الفيروس التاجي المنتشر بشدة الآن في أوروبا، سفينةَ نوح، للخلاص والتحول إلى سلّم القيادة. فقد بدأت هذه الأحزاب، في دول مثل إيطاليا وألمانيا والسويد وفرنسا، تنتقد أداء حكوماتها حول كيفية تعاملها مع أزمة كورونا [11]. وبغض النظر عن صوابها أو خطئها، فمن المؤكد أن هذه الأزمة الوبائية ستزيد الأحزاب اليمينية المتطرفة قوةً، على حساب أحزاب اليسار والوسط، نتيجة لضعف الأداء الحكومي الحالي، لكثير من الدول وضعف القيادات الأوروبية في تعاملها مع هذا الملف الوبائي الخطير، أي انتشار الوفيات والإصابات الفيروسية بطريقة مهولة. وبالتالي، فإن الأحزاب اليمينية المتطرفة التي ترى أن اللاجئين مصدرٌ لكثير من مشاكل دول الاتحاد الأوروبي، ستغتنم فرصة الحالة العامة للرعب وعدم اليقين المرتبطة بفيروس كورونا، لكسب مزيد من الدعم وتغيير السياسات الأوروبية التي من أهمها -بالنسبة إليهم- السياسات “الرحيمة والضعيفة والمرتبكة” مع ملف اللاجئين [12]. وفي حقيقة الأمر، ستمثل الصدمات الكارثية القادمة (المتولدة عن فيروس كورونا) على كل من الاقتصادات المحلية والدولية، وعلى المجتمعات والعلاقات الدولية، التربةَ الخصبة لزيادة السياسات الراديكالية والاستراتيجيات التقييدية والحمائية داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، أو بين دول الاتحاد الأوروبي -إذا استمر الاتحاد الأوروبي في الصمود ككتلة موحدة أصلًا بعد جلاء كورونا- والدول الأخرى. وكلما كانت هذه الصدمات الناتجة عن انتشار الفيروس أقوى وأعنف وذات مدى أطول على الدول الأوروبية؛ تركت فرصة أقل لأي قوى معارضة للتغييرات والسياسات اليمينية المتطرفة والعنصرية، وخاصة تلك المصممة ضد اللاجئين. وبالتالي ستدفع الصدمات الناتجة عن فيروس كورونا الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى القيادة، مستغلةً حالة الإرباك والفوضى والرعب التي سيخلّفها كورونا، ليشكل ذلك وضعًا كارثيًا على اللاجئين السوريين، وخاصة أولئك الذين ينتظرون فرصةَ العبور إلى أوروبا ومحاولة الاندماج في مجتمعات دول الاتحاد الأوروبي. ومن المرجح أن تروّج أفكار جديدة، لم تكن مقبولة على نطاق واسع في السابق، تعادي اللاجئين والمهاجرين، وتفرض عليهم حصارًا كبيرًا من داخل المجتمعات الأوروبية، وتعبّر عن كرهها الشديد لموجات جديدة من اللاجئين.

[1]-The European Respiratory Society(2020); The main website of The European Respiratory Society: Available from: https://www.ersnet.org/the-society/news/novel-coronavirus-outbreak–update-and-information-for-healthcare-professionals

[2]-The BBC (2020); The main website of the BBC: Available from: https://www.bbc.com/news/world-51235105

[3]-Politico (2020); The main website of Politico “Coronavirus Will Change the World Permanently. Here’s How”  Available from: https://www.politico.com/news/magazine/2020/03/19/coronavirus-effect-economy-life-society-analysis-covid-135579

[4]-Norberg, Johan (2008) “The Klein Doctrine: The Rise of Disaster Polemics” From 2-15

[5]-Klein, Naomi (2007) “The Shock Doctrine” page 42

[6]-Norberg, Johan (2008) “The Klein Doctrine: The Rise of Disaster Polemics” Page 2

[7]-Ferrara, A. (2014). Assessing the Long-term Impact of Truth Commissions: The Chilean Truth and Reconciliation Commission in Historical Perspective. London: Routledge.

[8]-Laitin, David D (2000) “POST-SOVIET POLITICS” Pages:117-141

[9] -Klein, Naomi (2001) “The Shock Doctrine: The Rise of Disaster Capitalism” Pages:36-40

[10]-UNHCR (2020); The website of the UNHCR “ the Registered Syrian Refugees in Turkey” Available from: https://data2.unhcr.org/en/situations/syria/location/113

 REUTERS (2020); The main website of REUTERS “Turkey says will not stop Syrian refugees reaching Europe after troops killed” Available from: https://www.reuters.com/article/us-syria-security/turkey-says-will-not-stop-syrian-refugees-reaching-europe-after-troops-killed-idUSKCN20M0GR

[11]-Center for American Progress. “Coronavirus May Be the EU’s Hardest Test Yet.” Available from: Available from: https://www.americanprogress.org/issues/security/news/2020/03/18/481862/coronavirus-may-eus-hardest-test-yet/

[12] -Intini, Dario. “No Migrants , No Schengen : How Right-Wing Political Parties Are Increasing Their Popularity in Europe.” Pages:1-24

مركز حرمون

———————————-

“كورونا” في سوريا.. “العفو الدولية” تحذّر: يجب إطلاق المعتقلين فوراً

“انتهاكات النظام السوري بحق المعتقلين ترقى لأن تكون جرائم ضدّ الإنسانية”

شدّدت منظمة العفو الدولية على ضرورة الإفراج الفوري عن جميع سجناء الرأي والمعتقلين السلميين لدى النظام السوري، محذّرةً من تفشّي فيروس كورونا المستجد (كوفيد ـ 19) بينهم، سيّما أنّ النظام يمتلك “سجلاً طويلا” في حرمان المعتقلين من تلقي العلاج والأدوية.

وأكّدت المنظمة نهاية الشهر الماضي على وجوب تعاون النظام بشكل كامل مع وكالات الأمم المتّحدة والمنظمات الإنسانية لمنع انتشار فيروس كوفيد 19 في السجون، ومراكز الاحتجاز، والمستشفيات العسكرية في البلاد.

وفي حين قالت إنّ الوباء العالمي (كورونا) يمكن أن ينتشر في معتقلات النظام بسرعة بسبب سوء الصرف الصحي والاكتظاظ الشديد، شدّدت لين معلوف، مديرة البحوث للشرق الأوسط بمنظمة العفو الدولية على ضرورة “الإفراج فوراً، ودون قيد أو شرط، عن جميع سجناء الرأي – وهم النشطاء السياسيون والمدافعون عن حقوق الإنسان، وغيرهم ممن سجنوا لمجرد ممارستهم لحقوقهم بصورة سلمية. كما ينبغي النظر في الإفراج المبكر أو المشروط عن السجناء المعرضين لخطر شديد، مثل السجناء المسنين أو أولئك الذين يعانون من ظروف صحية خطيرة”.

وزادت بأنّ لدى النظام “سجل طويل في حرمان السجناء والمحتجزين من تلقي الرعاية الطبية والأدوية التي هم في أمس الحاجة إليها. ويجب أن يحصل كل شخص محتجز على خدمات الوقاية والعلاج حيث أن وباء فيروس كوفيد – 19 يهدد الحياة”، حسبما نقل الموقع الرسمي للمنظمة.

وطالبت 43 منظمة حقوقية ومجموعات سورية معارضة في بيان مشترك الشهر الماضي، النظام السوري “بالإفراج الفوري عن المسجونين والمحتجزين السياسيين والحقوقيين، وعدم القيام بأي عمليات اعتقال جديدة” للحد من انتقال الفيروس.

جرائم ضد الإنسانية

ولا يوجد أرقام دقيقة لعدد المعتقلين في سجون النظام السوري إلّا أن الأمم المتّحدة تقدّر أعدادهم مع المفقودين أو المختطفين منذ عام 2011، إلى 2019 بنحو 100 ألف شخص، فيما وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان اعتقال النظام لنحو 130 ألف شخص.

وقد خلصت منظمة العفو الدولية إلى أن استخدام النظام بشكل ممنهج للتعذيب، والوفيات الجماعية للمحتجزين في مراكز الاحتجاز في سوريا، يرقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.

وقد وثقت منظمة العفو الدولية بشكل مستفيض الظروف اللاإنسانية في السجون العسكرية في سوريا، بما في ذلك صيدنايا، ومراكز احتجاز أخرى. وتشمل هذه الظروف الاكتظاظ الشديد في الزنازين، وعدم الحصول على الأدوية وتلقي العلاج الطبي، وعدم توفر مرافق الصرف الصحي، والغذاء، والمياه. كما أبلغ محتجزون سابقون منظمة العفو الدولية أنهم احتُجزوا في زنازين لعدة أيام مع جثث لمحتجزين توفوا في الحجز. وقال آخرون إنهم تعرضوا للتعذيب والمعاملة السيئة.

وفي عام 2014، أثارت 55 ألف صورة لأحد عشر ألف معقتل قضوا تحت التعذيب في معتقلات النظام، الرأي العام العالمي، بعد أن سرّبها سوري منشّق عن النظام معروف باسم “قيصر”.

وأظهرت الصور جثاميناً لمعتقلين يحملون على جباههم أرقاماً، بعضهم بلا عيون، وعليهم آثار التعذيب.

كورونا في سوريا

في آخر إحصائية أعلنت عنها وزارة الصحة التابعة للنظام وصل عدد المصابين بالفيروس 16 إصابة بينهم وفيّتان، حيث أعلنت الصحة الخميس عن 6 حالات إضافية.

وفرض النظام اليوم الحجر الصحّي على بناء في شارع الحرامات في منطقة السيدة زينب بسبب الاشتباه بحالة إصابة بالفيروس، لتكون المكان الثاني الذي يخضع للحجر الصحي، حيث أعلنت الصحّة أمس أنّها قرّرت عزل بلدة منين في ريف دمشق، التي توفيت فيها امرأة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد ـ 19) قبل 3 أيام، وسط مخاوف من تفشّي الفيروس.

وتشير تقارير صحافية إلى أن عدد المصابين بالفيروس أكبر من المعلن عنه، متّهمةً النظام بالتكتّم عن تلك الحالات.

———————————-

آخر تطورات فيروس كورونا.. عدد الإصابات المؤكدة عالميًا يقترب من حاجز المليون

يواصل فيروس كورونا الجديد تفشيه في عديد الدول حول العالم، ولاسيما في أوروبا، القارة الأكثر تضررًا بالوباء حتى الآن، إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي تجاوز عدد الإصابات فيها حتى اليوم 216،700 حالة، وعدد الوفيات جراء المرض وصل فيها إلى أكثر من 5138 حالة وفاة، بحسب مؤشر جامعة جونز هوبكينز.

أما إجمالي الإصابات المؤكدة عالميًا فيقترب بشكل متسارع من مليون حالة، ووصل حتى صباح اليوم الخميس 2 نيسان/أبريل إلى أكثر من 937،000 حالة، بحسب مؤشر جامعة جونز هوبكينز الأمريكية.

وهكذا أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية الدولة التي تشهد أكبر عدد من الإصابات عالميًا، تليها إيطاليا بواقع 110،574 حالة مؤكدة، علمًا أن إيطاليا هي الدولة المتصدرة على مستوى عدد الوفيات بسبب المرض حتى الآن، بأكثر من 13،150 حالة وفاة.

وحلت إسبانيا في المرتبة الثالثة عالميًا على مستوى عدد الإصابات المؤكدة، بواقع 104،118 حالة مؤكدة، والثانية بعد إيطاليا على مستوى عدد الوفيات بواقع 9،378.

أما الصين فهي الرابعة عالميًا على مستوى عدد الإصابات المؤكدة، رغم كونها الدولة التي اكتشف فيها الفيروس الجديد، وتحديدًا في مدينة ووهان. وبلغ عدد الإصابات المؤكدة في الصين 82،394 حالة. أما في المرتبة الخامسة فتأتي ألمانيا، بواقع 77،981 حالة مؤكدة.

الدولة

عدد الإصابات المؤكدة

الولايات المتحدة الأمريكية

216,721

إيطاليا

110،574

إسبانيا

104،118

الصين

82،394

ألمانيا

77،981

آخر تطورات فيروس كورونا الجديد عربيًا

عربيًا، سجلت المملكة العربية السعودية العدد الأكبر من الإصابات المؤكدة المعلن عنها، بواقع 1،720 حالة، وهي الدولة العربية الأكثر تضررًا بكورونا حتى الآن. وتقترب الأرقام من الألف في دول خليجية أخرى، مثل الإمارات العربية المتحدة التي أعلنت عن 814 إصابة مؤكدة بالفيروس. وفي العراق، وصل عدد الإصابات إلى 728 حالة، وفي الجزائر 847 حالة، و423 حالة تونس.

كورونا في تركيا

بلغت حصيلة فيروس كورونا الجديد حتى يوم أمس الأول من نيسان/أبريل 15،678 حالة، أما الوفيات فبلغت 277 حالة، معظمها في إسطنبول، بواقع 117 حالة وفاة، بنسبة تصل إلى حوالي 80%.

مخاوف من منظمة الصحة العالمية

أعرب الدكتور تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، عن قلقه الكبير إزاء التسارع الكبير في أعداد الوفيات العالمية بسبب مرض كوفيد-19 والتفشي السريع للعدوى. وقال في تصريحات مساء أمس عبر الإنترنت من مقر المنظمة في جنيف إن الأسابيع الخمسة الماضية قد شهدت تزايدًا متسارعًا في عدد الحالات الجديد، وأن عدد الوفيات قد ازداد بأكثر من الضعف خلال أسبوع واحد. وأشار إلى أن عدد الإصابات سيصل خلال الأيام القليلة المقبلة إلى أكثر من مليون إصابة، بينما ستصل عدد الوفيات إلى أكثر من 50 ألف وفاة على مستوى العالم.

ودعا غيبرييسوس في كلمته إلى ضرورة التكاتف العالمي لمواجهة الوباء، وقال “علينا أن نتوحد لمواجهة هذا الفيروس المجهول والخطير”.

————————————–

انتشار الكورونا يغيّر العالم ويطرح أسئلة جوهرية “عنيفة”… فأين نحن كعرب من ذلك؟/ عمار السوّاد

أسئلة كثيرة عن أصل وباء كورونا ونسبه المئوية تفرض نفسها علينا، ولا أجوبة حاسمة بعد، ورواية رسمية واحدة سردتها الحكومة الصينية عن أن الفيروس خرج من سوق للسمك وانتشر.

كورونا كالغيب. كثيرون يحللون خلفياته، والإجابات محدودة. هي قابلة لكل الافتراضات والتهيؤات والاحتمالات، وتسهل فيها الاتهامات والتأويلات. وحتى لو جاء الجواب العلمي الحاسم، سيواصل المؤولون والمتهيئون حديثهم. الكلام فيه خارج أطر الدوائر المختصة، العلمية والاستخبارية سهل، ولن يبتعد عن التحليل السياسي أو التجرد الفكري أو الإسقاط الأيديولوجي.

وكالعادة، ينشغل كثيرون من العرب بشكل واسع في تحليل الخلفيات، بدءاً من أسطوانة المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية، وانتهاء بحفنة اتهامات لا يجمع بينها سوى أنها تحليلات في أجواء ملبدة. في خطابات هؤلاء، يصعب أنْ يجد المرء الكثير من المضامين التي تتحدث عن المستقبل، إلا من باب التنبؤ بنهاية حضارة غربية شكّلتْ وما تزال عقدة نقص عند منتحِبين على يوم كان العرب فيه غزاةً وفاتحين.

بلداننا لن تتغيّر

ليس مهماً لأصحاب عقدة النقص هذه ماهيّة المتغيّر، أو ماذا تعني الإجراءات المتبعة منذ حوالي شهر في أكثر بلدان العالم، وما هي الدلالات المستقبلية إذا ما نظرنا إلى الأفكار والسياسات والأيديولوجيات والأنظمة المعمول بها. فالفرد العربي بشكل عام لم يشعر بتغيير مهم يتعلق بالأجواء السياسية أو الفكرية والمعرفية. فما تعتمده حكومات البلدان الناطقة بالعربية هو فعل معتاد، فهي الآمرة الناهية على أي حال، ولا أحد قادراً على الرفض، سواء في البلدان النفطية الرعوية، أو في بلدان الخصخصة المسيطر عليه حكومياً.

تلك البلدان لن تتغير. هي مثل السابق، مع كورونا أو بغيرها. حكومات دكتاتورية أو شبهها، تدار مِن قبل شخص أو حفنة أشخاص أو عائلات، يغيّرون الأقدار في كل مرة. إنها، مع الفيروس ودونه، باقية في القديم ومنتظرة نهايات الآخرين وصعود غيرهم. وإذا حدث الصعود والهبوط، ينسب الفعل إلى السماء راعية المسلمين حتى في أشد ساعات ضعفهم.

متغيرات فكرية عميقة

خطورة كورونا ليست فقط في ما ستقتله من بشر، وهو بلا شك عظيم وجلل. الحرب العالمية الثانية، بسبب طموح رجل مزج الحماقة بالعنصرية والأيديولوجية، انتهت بقتل عشرات الملايين من الناس. الخطورة الأكبر أنّ الوباء يدفع نحو متغير فكري معرفي عميق، أو سلوك لا ينسجم مع كل ما اعتمدته اللحظة الديمقراطية. وكأن الأنظمة الشمولية والدكتاتورية تقول إنها الأصح، وكأن “الاشتراكية” بنسختها المتخمة بالبيروقراطية، والتي دفع البشر ثمناً كبيراً نتيجة تطبيقاتها الشيوعية في القرن العشرين، تشير إلى أنها الأسلم.

الحكومات الغربية اليوم تتدخل بشكل مباشر في الحريات الاقتصادية والاجتماعية. تغلق المحلات والمتاجر، وتمنع التجمعات واللقاءات، وتتحكم في مَن يجوز أنْ يلتقي الأفراد ومَن لا يجوز. أحكام الطوارئ حاضرة وبقوة. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يفعّل قانون “الإنتاج الدفاعي” مجبِراً أو حاثاً شركة “جنرال موتورز” على صناعة أجهزة تنفس. دول كثيرة تعطي موظفي الشركات الخاصة المقفلة بفعل قرارات الإغلاق، نسباً كبيرة من رواتبهم. السلطات بدأت تراقب الأسعار وتتدخل كي لا يستغل أصحاب رؤوس الأموال الواقع… هذه ليست إجراءات طبيعية بالتأكيد، ولا تشبه السياق العام للأنظمة الاقتصادية كما الاجتماعية السائدة في الغرب.

مثلاً، تأخرت بريطانيا في إعلان حظر التجول والإغلاق الشامل، حتى اللحظة. الأمر ليس اقتصادياً فقط، بل هو ذو صلة وثيقة بصعوبة اتخاذ قرار يخنق بالكامل حرية الناس. ليس سهلاً في لندن أنْ تُناقَض بشكل حاسم التقاليد الديمقراطية، رغم أنّ الفيروس وصل إلى العائلة الملكية ورئيس الوزراء. اتبعت طريقة النصائح بدءاً وحصل بعد ذلك تدرّج، صاحبه تحذير السلطة الناسَ من هول الكارثة ودعوتهم إلى توديع أحبابهم. وفي النهاية هي مجبرة على إعلان حاسم قريباً، خصوصا إذا ما طال الموت أعداداً كبيرة.

وحين يقول الرئيس الفرنسي إنّ بلاده والعالم في حالة حرب، إنما يسعى إلى تبرير ما لا يمكن تبريره في غير زمن الحرب. تبرير الإجراءات الحكومية الصارمة التي اضطرت إلى إغلاق كل شيء تفسير صعب. هو يحاول أنْ يجد جواباً صريحاً لنفسه وللمجتمع بشأن سؤال انسجام الإجراءات الصارمة مع قيم الليبرالية الاجتماعية وحريات الأفراد.

صحيح أن أكثر الدول الغربية تعتمد نظماً للرعاية الاجتماعية، غير أن القواعد الليبرالية للاقتصاد وأسسه الرأسمالية ظلت دائماً موجودة بشكل واسع، والأسس المعرفية لحرية الأفراد غير قابلة للتلاعب إلا بحذر. لذا إنّ ما يجري يشير إلى إخضاع تلك القواعد والأسس، الاجتماعية فضلاً عن الاقتصادية، لتهديد غير مسبوق.

الديمقراطية لم تكن مستعدة

الديمقراطية لم تكن مستعدة لأحداث مثل انتشار فيروس بهذه السعة والخطورة. كان العالم مستعداً لشتى أنواع الحروب وموجات الإرهاب وردود الأفعال والعنف، لكن لا أحد استعد لفيروس شامل. من هنا بقيتْ أجهزة التنفس أقل بكثير من عدد البنادق والقنابل وربما عدد الصواريخ بعيدة المدى.

وحين تقول الصين، وهي منشأ الوباء، إنها نجحت في التصدي للمرض واحتواء تداعياته، وبدأت بتصدير الأقنعة وغيرها إلى الدول الموبوءة، وفي مقدمتها إيطاليا، فإنها تضع أمام الحضارة الغربية بكاملها أخطر تحدٍّ. هي تقول إنها استخدمت التعبئة للتعقيم وما سواه من المساعي اللوجستية والمادية في سبيل القضاء على الفيروس، وهو ما لا تستطيع الديمقراطية فعله. فالمملكة المتحدة غير قادرة بعد على حشد 25 ألف متطوّع للقطاع الصحي.

وكأن بلاد التنين تفترض أن شموليتها ومركزية سلطتها نجحت بينما فشلت الديمقراطيات. وإنْ صدقت بكين في رواية احتوائها للوباء، تصبح الحضارة الغربية كلها في مواجهة أزمة معرفية غاية في الصعوبة. بالطبع هناك شكوك بشأن نجاح الصين، غير أنها أقنعت الكثيرين بروايتها.

وعندما تعاني روما من عزلة مبكرة ولا تجد يد عون كافية من الاتحاد الأوروبي الذي انكفأتْ دوله لحماية شعوبها بعيداً عن التنسيق الجماعي، بينما تجدها من بكين وموسكو، فهذا ينبئ بتداعيات سياسية للكورونا على مستقبل الاتحاد الأوروبي الذي لم يستوعب بعد مشكلة خروج بريطانيا منه.

قضايا مثل الأمة والمجتمعات القومية والتضامن العابر للحدود القطرية تواجه أسئلة بفعل انتشار وباء كورونا والسياسات المتبعة لمواجهته. لا دور للتشابه القومي أو العرقي، ولا أهمية للرابط الديني.

لا وقت للشماتة والرقص على الاختلافات بين الحضارات. الفيروس يهدد البشر أجمعين، ما يخلق تساؤلات بشأن جاهزية التصورات الفكرية والسياسية الغربية لأن تستمر في كونها الأقدر، وما يفسح المجال بشكل أكيد أمام ضرورة فكرة الإنسان الكوني.

مجموعة العشرين مثلاً، تجتمع افتراضياً عبر الإنترنت، لتناقش قضية غير اقتصادية لها تداعيات اقتصادية. وبمعزل عن مدى صدق قادة العشرين في أنهم سيقفون موحدين، فإن الأمر لا يحتاج إلى صدقهم، هم مضطرون إلى ذلك.

وسط هذه المعادلة، فإن الشيء الوحيد المثير للخشية في نفوس كثيرين من المتدينين العرب، أو متديني الهوية بشكل عام، هو إغلاق المعابد والمساجد والأضرحة. هذا هو الحدث الجلل عندهم، وهذا ما انشغلوا بحوار طويل بشأنه، تارة بالرفض وأخرى بالتحليل. أما السياسات فثابتة، هي سلوكيات سلطوية تتعامل في ظل ظروف كورونا بنفس الطريقة التي تتعامل فيها مع المعارضين السياسيين.

العالم يتغير، ولا شيء مؤكد وسط هذه الجلبة، والأسئلة الجوهرية ستكون عنيفة وشديدة. بينما عربياً، لا أظن أنّ هناك بيئة لأسئلة محورية. الأرض التي ستطرح أسئلتها هي التي تعيش التحدي، وتسابق الزمن كي تتغلب عليه، فتشهد انهيارات وصعوداً، أو متغيرات وانقلابات، وليس التي يتساوى فيها زمن النوم بالصحو.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف

——————————–

كيف غيّر فيروس كورونا طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى العالم من حولنا؟

ايليج نون /”فريق تحرير قسم حياة”

لا شك أن فيروس “كوفيد-19” أصابنا جميعاً بالتوتر، فقد جعلنا نشعر بالتعب، القلق، الفتور، الإحباط، الاكتئاب والخوف من أن نقع في “فخ” هذا الوباء، أو أن نكون سبباً لانتقال المرض إلى المقرّبين منّا، كما أنه أضرم في داخلنا نار الغضب والاشمئزاز من الأشخاص الذين لا يأخذون الأمر على محمل الجد، فيستهترون بصحتهم وصحة الآخرين، والنفور من أولئك الذين يصابون بالهلع الشديد والحرص الذي يصل لحدّ “الوسواس المرضي”.

وبغض النظر عن المشاعر التي خلّفها هذا الفيروس العالمي، وبعض الآثار النفسية التي لا تزال مجهولة والوقت وحده كفيل بكشفها، فإننا نعرف شيئاً واحداً بالتأكيد: العالم الذي نعيش فيه قد تغيّر، وما قبل كورونا ليس كما بعده، فبالإضافة إلى التركيز على موضوع النظافة الشخصية، مراعاة الآخرين وتطور ممارسات العمل، هناك تحول كبير يحدث في الطريقة التي نرى بها أنفسنا وتغير في طريقة تفكيرنا بشأن العالم من حولنا.

بين الاستسلام والاستفادة

أمام فيروس كورونا الذي ضرب العالم أجمع، يقف المرء أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الخضوع للضغط النفسي للوباء أو الاستفادة من الأزمة لتعزيز النمو الشخصي.

ففي علم النفس يشير مصطلح التأقلم إلى مجموعة من آليات التكيف النفسي التي وضعها الفرد للتعامل مع المشاكل العاطفية والشخصية والوجودية، وذلك من أجل إدارة، تقليل أو تحمل الإجهاد والصراع وجميع الآثار المترتبة عن ذلك.

الحقيقة أن البشر بطبيعتهم يحبون أن يكون لديهم روتين محدد ويرتاحون لفكرة التخطيط وتنظيم حياتهم، إلا أن مواجهة الشكوك لطالما كانت أمراً صعباً للغاية، بخاصة وأننا نواجه اليوم وباء يلفه الكثير من الغموض، الأمر الذي يجعلنا نشعر بالتهديد من العدوى وتستحوذ المخاوف على تفكيرنا، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن الخوف لا يخلق نظرة ضبابية فحسب، بل يجرنا إلى الغضب الذي يقودنا بدوره إلى نظريات المؤامرة والبحث المحموم عن “الجناة”.

واللافت أن هذا الغضب يستنزف طاقتنا لأنه يجعلنا ندور في حلقة مفرغة، تبدأ بالخوف ثم الغضب ومنه إلى البحث عن الجناة، ما يؤدي إلى الشعور بالإحباط وبالتالي تضخّم الخوف، من هنا ينبغي كسر هذه الحلقة المفرغة لتنفيذ استراتيجيات التكيّف الصحيحة.

بعيداً عن الصورة السلبية التي تطغى على المشهد العالمي اليوم، تناول الأخصائي في علم النفس هاني رستم، التغيير الإيجابي الذي أحدثه فيروس كورونا على طريقة تفكيرنا.

“اللمس ممنوع في زمن كورونا”… لماذا من الصعب التوقف عن لمس وجهنا؟

“استحم قبل ما تلمسني”… كيف يغير كورونا شكل علاقاتنا الحميمية والعائلية؟

ضرب الأكواع والسلام بالأقدام… كيف غيّر فيروس كورونا قواعد المصافحة حول العالم؟

فقد أوضح رستم، في حديثه مع موقع رصيف22، أنه في اللحظة التي حصل فيها بطء في وتيرة الحياة، أصبح لدينا مجال أكبر للتفكير في بعض التفاصيل التي لم نولِها أهمية في السابق، شارحاً ذلك بالقول: “وقت طبقنا قواعد الحجر الذاتي المنزلي، ووقفت العجقة والركض يلي كان عم بصير لحتى نكافح في الحياة ونعمل الإشيا يلي لازم نعملها، هيدا الشي بيعطينا مجال، لانو يكون في وقت أكتر تنعمل مراجعة لحالنا ولتصرفاتنا ولنشوف الامور بطريقة مختلفة”، وأضاف: “متل كأنو عم ناخد pause (استراحة) من الحياة لحتى نقدر نرتاح ونشوف الإشيا من منظور جديد”.

وأشار هاني إلى أن فيروس كورونا جعل العالم كله يتحد لمواجهته، وعليه أكد أنه لم يعد العديد من الأشخاص يشعرون بالوحدة، إذ يتشارك الجميع في هذه المحنة، “ما يخلق حالة من التعاطف الجماعي المشترك”، على حدّ قوله.

وبالرغم من تطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي لمحاربة تفشي فيروس كورونا، شدد هاني رستم على أن الحجر المنزلي يساهم في تعزيز العلاقات بين أفراد الأسرة من خلال الوقت الذي يقضيه الأحبة معاً.

التغييرات

بحكم تجاربنا في الحياة، بتنا نعلم أنه في الأوقات الصعبة وعند الشعور باليأس فإننا نفكر كثيراً ونفعل أشياء لم نكن نعتقد أننا قادرون عليها في أوقات الرخاء، بمعنى آخر، إن أوقات الشدة تجعلنا ننكبّ على أنفسنا ونحدث تغييراً في داخلنا، وهذا ما يحصل تماماً في ظل أزمة كورونا المستجدة، وفق ما ذكره موقع سيكولوجي توداي.

وأوضح الموقع أنه في حال لم تلحظوا أي تغيير، فلا تستغربوا، إذ إنه في ظل وجود عدو خارجي مثل فوضى كورونا، من الشائع أن ينقص الوعي بشأن كيفية تطور معتقداتكم وسلوككم، فعلى عكس التطورات الجسدية التي تميز البشر، فإن المؤشرات النفسية، مثل الاعتقادات الشخصية، التفضيلات والتوقعات تتحدى الملاحظة المباشرة ومن الصعب تفسيرها بدقة، بخاصة وأن البشر عموماً لا يجيدون التقييم الذاتي، وهذا ما دفع الباحث ديفيد فيلدون، إلى أن يصرح في إحدى دراساته: “التفسيرات الذاتية للمشتركين غير دقيقة إلى حد كبير”.

كيف يغيّر “كوفيد-19” طريقة تفكيركم وتفكير العالم بأسره؟

ستكتشفون ما كنتم تعتبرونه أمراً مفروغاً منه: لقد أجبرتنا أزمة كورونا على إدراك أن الكثير من الأشياء المعتادة في حياتنا ليست مضمونة ولا يجب اعتبارها أمراً مفروغاً منه.

بغض النظر عن الثروة، العرق، العمر، المعتقدات السياسية والاختلافات الشخصية، نشعر جميعاً بعواقب العيش تحت “رحمة” وباء قاتل، إذ أصبح التواصل الاجتماعي مقيّداً، ولم يعد الكثير منّا قادراً على أداء المهام الأساسية في وظيفته، كما وأن الضروريات أصبحت نادرة، وحتى عندما ندرك أنه لدينا ثروة جيدة فإننا نصبح أكثر وعياً بمحنة الآخرين، الأمر الذي يجعلنا نعزّز تعاطفنا وقدرتنا على مساعدة المحتاجين، وننتبه إلى أشياء لم نعرف قيمتها إلا بعد فقدانها.

الشعور بفقدان السيطرة: يشعر الكثير من الناس بالاستقلالية، ويؤمنون بقدرتهم على تحديد ما سينجزونه وكيف سيسيّرون حياتهم، وهو ما يصفه علماء النفس “معتقدات تحكم خارجية”، لكننا الآن في فترة نواجه فيها تحدياً كبيراً لجهودنا بسبب الفيروس العالمي، وبالتالي يمكن القول إن مفهوم السيطرة الذي لطالما اعتدنا عليه قد تلاشى.

وعلى الرغم من التغيرات الخارجية، ما زال بإمكاننا تعزيز التغيير الشخصي والحفاظ على بعض السيطرة، من خلال النظر إلى الأمور بطرق مختلفة، فبالنسبة للبعض قد يكون هذا هو الوقت المناسب للتعمق بداخلنا، ووقت الفصل الذي نعيد فيه تقييم مسار حياتنا، لتنظيم التغيرات الإيجابية بمجرد انتهاء الأزمة.

اكتساب الوضوح من خلال البساطة: نظراً للقيود التنظيمية الضخمة المفروضة على تحركاتنا ووجود وقت فراغ كبير، فإننا الآن مضطرون للتركيز على الأشياء البسيطة التي لا تتأثر مثلاً بالمناخ العالمي، بمعنى آخر، يمكننا أن نشعر بالسعادة من خلال القيام بأمور بسيطة، كالاتصال بصديق قديم، الكتابة، التنزّه لمسافة طويلة أو الاسترخاء في أشعة الشمس، مع تجاهل مضايقات الحياة، فالأشياء التي كانت تحبطنا في العادة، مثل زحمة السير والاضطرار إلى العمل في وقت الغداء، لا تبدو مهمة تماماً الآن، لأننا أصبحنا ندرك أن أبسط المتع في الحياة ما زالت موجودة ويمكن الاستمتاع بها.

في كتابها How to Do Nothing: Resisting the Attention Economy، الصادر في العام 2019، تحدثت جيني أوديل، أن العمل القليل له فوائد بالنسبة للمناخ والبيئة، وكذلك لجهة خفض مستويات التوتر، وكما هو معلوم، فإن فيروس كورونا أدى الى خفض الإنتاجية، الأمر الذي أعطانا فرصة لمقارنة وضعنا الآن مع “حياتنا الطبيعية”، والضغط على زر الإيقاف المؤقت يمنحنا فرصة لتقييم ما يستحق حقاً في حياتنا.

أهداف طويلة المدى أقل أهمية: يميل العديد من الناس إلى التفكير والنظر فيما سيحدث لاحقاً على حساب الاستمتاع باللحظة الآنية، وهو ما دفع العديد من الأدباء، أمثال الكاتبة آن لاندرز، في الخمسينيات من القرن الماضي، إلى الدعوة للاستمتاع باللحظة: “يجب أن نحصل على بعض الوقت لنتوقف ونشم عطر الورود”.

وفي حين أنه قد يكون من غير المنطقي الشعور بأن أهدافنا المستقبلية في خطر، فإن الأبحاث تظهر أن الأشخاص الذين يعيشون في الحاضر ويستمتعون بما يفعلونه، يحصلون على رفاهية أعلى ممن يغرقون في الماضي أو يركزون على المستقبل.

وبالنظر إلى الشكوك المستقبلية، فقد غيّر الفيروس من التفكير فيما قد يحدث بعد شهور، إلى ما يحدث الآن وما نفعله اليوم.

ازدياد الشعور بالامتنان: نعيش الآن في فترة استثنائية من عدم اليقين، فإذا كان بإمكانكم الذهاب إلى المتجر ربما لن تجدوا ورق تواليت أو معقم يدين، من هنا سوف ينتابكم الشعور بأنكم محظوظون لامتلاككم بعض ضروريات الحياة.

واللافت أن الأشخاص الذين يمتلكون مستويات عالية من الامتنان عادة ما يملكون قدراً كبيراً من الرضا عن الحياة، وباتت الرفاهية الجمعية تحل محل الإيديولوجيات الفردية والأنانية، ربما ستجدون أنفسكم في الكثير من الأحيان تختارون دعم القضايا العامة، مثل التطوّع أو التبرّع بالأعضاء، في حين لم يكن هذا الخيار مطروحاً في السابق.

إدراك معنى الاستثنائية والتميز: إذا كنت تقرؤون هذا المقال فهذا يعني أنكم تملكون هاتفاً ذكياً أو كمبيوتر وخدمة إنترنت، وسواء أدركتم ذلك أم لا، أنتم أفضل حالاً من الغالبية العظمى من البشر الذين هم أقل حظاً، وربما لا يعلمون إذا كانوا سيجدون طعاماً يأكلونه أو مكاناً ينامون فيه.

ربما ستدركون أن الاستثناء والتميز ليسا متعلقين فقط بالعمل الجاد أو التضحيات التي قدمتموها أو ما حققتموه، لكن الأمر يتعلق بقدرتكم على ممارسة حياتكم اليومية دون الحاجة للتفكير في سلامتكم الجسدية والنفسية.

تلاشي الاختلافات الفردية: عندما يكون لدينا عدو مشترك فإننا نميل إلى تعزيز الروابط مع الأشخاص من حولنا، حتى أكثر الشركاء أو الأزواج خلافاً باتوا يتفقون على ضرورة العمل معاً للتغلب على هذا الفيروس الخطير، والذي جعلنا ندرك أنه لا يبالي بلوننا ولا يهتم بعمرنا أو بمستوى تعليمنا، ولن يفرق بين مسجون أو مشرد أو شخص مشهور يعيش في قصر.

من خلال كورونا، تعلمنا أننا جميعاً على نفس القدر من الضعف، وأننا متشابهون بشكل جوهري رغم الاختلافات السطحية التي نبدو عليها.

باختصار، يتحد العالم كله اليوم ضد عدو مشترك وهو فيروس كورونا الذي يغيّرنا ويغيّر المجتمع من حولنا، لذا من الضروري أن تصبح الإيديولوجيات السياسية والآراء الشخصية ثانوية للتغلب على العقبات الحالية.

لقد حان الوقت لأن ندرك أن معتقداتنا ستتغير وأن المعركة ضد فيروس كورونا ستغيرنا للأفضل. هل تعرفون ما يفتقده الأشخاص الذين يهرعون الى المتاجر عند الأزمات ويخزنون في بيوتهم ورق التواليت ومعقم اليدين وغيرها من الأغراض…؟ إنهم ينسون أن الحياة هي هبة، وأن كل ما لدينا في الحياة هو نعمة، بدءاً من عائلاتنا، أطفالنا، بيوتنا أو وظائفنا… قد ننسى هذه الأمور في خضم صخب الحياة، إلا أن شبح كورونا استطاع أن يقلب حياتنا رأساً على عقب، بحيث أنه أوقف عجلة الحياة، أجبرنا على البقاء في المنزل وجعلنا نفكر بأدق التفاصيل الموجودة في حياتنا.

——————————

“جنود الربّ المجهولين”… يوميات أطباء وطبيبات من سوريا مع كورونا/ رنيم غسان خلوف

في السادس من آذار / مارس 2020،  تغزّل الطبيب علي نصر عبد الله، بغروب الشمس في بيروت، وكتب على صفحته الشخصية بالحرف: “لا يوجد غروب جميل… فهو ينسحب ويختفي معلناً الرحيل، وتاركاً للذاكرة الكثير من الكركبة”، ربما لم يكن يدري الطبيب المناوب في مشفى “دمشق المجتهد”، أن هذا الرحيل الذي كتب عنه في بيروت، سيتحول لرحيل قسري عن دمشق التي تغزل بها بعد يومين من بيروت، وكتب” الزهر ع خدودك صلاة”، ولم يكن يدري أيضاً أن ذاكرة السوريين ستحمل الكثير من “الكركبة” مقارنة بحرب استنزفت طاقتهم ولم تخرجهم من الشوارع، وخطر فيروس جرهم إلى بيوتهم قسراً من كل الشوارع السورية.

يجر فيروس العصر، كورونا، أحداثاً متسلسلة مع أطباء وطبيبات مناوبين/ات يعاصرون/ يعاصرن كورونا في مشافي دمشق، وتُجر حياة أطباء وطبيبات بين المواقف الصعبة والمرحة، كما وتمر حياتهم بين جدران المستشفيات والمعقمات والفيروس.

ما قبل كورونا ليس كما بعده

قبل بداية شهر شباط/ فبراير 2020، كانت كل منظومات الصحة في العالم، تعيش أكبر همومها في مواجهة مع مرض السرطان، لكن فيما بعد، غيّر فيروس كورونا مسار الكوكب بأكمله، وباتت المواجهات أصعب، ولربما السرطان أصبح أسهل من كورونا، كان الأطباء، وخصوصاً في قسم الإسعاف، يعيشون حياتهم اليومية الروتينية، مثلاً: مواجهة حوادث السير في طرقات المدينة، ربما نوبة قلبية لشاب أنهكته الحرب، أو حالة صحية لعجوز يلفظ أنفس الحياة الأخيرة، على حد تعبير الأطباء الذين التقاهم رصيف22 وأجمعوا على ذلك.

وقد أشار الأطباء أن ما قبل كورونا ليس كما بعده، حيث أشار الدكتور محمد الشرع، وهو طبيب مناوب في قسم الإسعاف بمشفى المجتهد بدمشق، منذ بداية الإعلان عن أول حالة في سوريا، تغير التعاطي مع الأمور كلياً.

ويضيف: “تدربنا على البروتوكولات العالمية للتعامل مع المرضى المصابين، وأصبحنا نعتقد أنّ أي حالة تدخل المشفى من المرجح أن تكون حاملة للفيروس، حيث أعلنت وزارة الصحة السورية حالة الطوارئ، وتم تخصيص قسم للعزل الطبي في كل مشفى من المشافي، وبعد الإعلان عن الحالات، تم تخصيص أكثر من قسم في المشافي، ومؤخراً تم الإعلان عن مشفى الزبداني ليكون كاملاً مجهزاً للعزل الصحي”.

وتابع الدكتور محمد معقباً على بروتوكول التعامل، أنه للشك بالمريض، يفترض أن يكون قادماً من مناطق موبوءة، وبالتالي إذا كان لديه حرارة، سعال أو ضيق نفس، وكل واحدة تأخذ نقطتين أو نقطة، وبناء عليها يتم تقييم الحالة. بينما أشارت الدكتورة ليلى سلوم، أنه قبل أن يتم الإعلان عن الحالات، كان لديها قناعة أنه لطالما هو فيروس موجود بكل دول العالم فهو أكيد موجود بسوريا، ونصحت كل الأطباء، حتى قبل الإعلان عن أول حالة، أن يتعاملوا مع أي مريض على أنه مصاب كورونا، وإذا مرض الكادر الطبي “بيكون على الدنيا السلام”، وتشير الدكتورة ليلى أن هذا الفيروس ليس آخر الأوبئة وهي ليست خائفة، إنما قلقة كون الناس حتى اللحظة لم تلتزم بالإجراءات الاحترازية بشكل كامل.

بين الحلو والمرّ

“أصعب شعور في قسم الإسعاف، عندما ترى عيون المريض وعيون مرافقيه بعد اتخاذنا قرار إدخاله (قسم العزل) في المشفى، وأجمل شعور عندما تدمع ذات العيون بعد أن تأتي نتيجة الفحص سلبية”، هذا أحد المواقف التي يمر بها الطبيب علي نصر عبد الله، وغيره من الأطباء يومياً في زمن كورونا، ربما يمرون به بفترات متقطعة عند مقابلة مرضى مصابين بالسرطان، لكن تحول إلى مشهد يومي، يحمل بين طياته خوفاً ورعباً على حياة مرضاهم وحياتهم، و منذ بداية الشهر الجاري، عندما لوّح خطر الفيروس الجديد في أفق سوريا، بدأت حكاياتهم الجديدة بحلوها ومُرّها، التي يرويها بعض الأطباء المناوبين في المشافي والمستشفيات لرصيف22.

من قلب الحدث

الدكتور طارق العبد، وهو طبيب أورام، يناوب في مشافي دمشق بقسم الإسعاف، يتحدث لرصيف22 عن أصعب المواقف التي يمر بها يومياً، ويقول: “قبل كورونا كان الكل ينظر للأطباء على أنهم شريحة تمارس عملها فقط، لكن بعد الفيروس بات كل التركيز علينا، أسئلة في المشافي، وأسئلة في المنزل ومن الأصدقاء، سواء كنا مختصين أو غير مختصين”.

وبالتالي هذه الحالة خلقت نوعاً من الضغط على الأطباء. يتحدث الطبيب طارق العبد، عن أصعب المواقف التي مرّ بها: أتى إليهم مريض تم الاشتباه بإصابته بكورونا، وتم عزله، وكان من الأطباء المشرفين على التعامل معه ومراقبته، وعندما عرفت والدة الطبيب ذلك منعته من الجلوس معهم على طاولة الطعام.

هل تمتلك الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا القدرة على التعامل مع كورونا؟

“يا الله، شبك؟ ما خلصنا من القذائف؟”.. أطفال وأهالي من سوريا في مواجهة الكورونا

في دمشق… كأن الموت الواضح أسهل من موت مجهول المصدر والشكل

ويضيف: “كل يوم نتحدث مع بعضنا كيف يجب أن نتعامل مع أهلنا نحن الأطباء، رغم أنه لم تظهر علينا أي علامات حتى اللحظة”، يتفق قلق أهل الدكتور طارق العبد مع القلق الشخصي للدكتورة ليلى التي ترفض زيارة أهلها خوفاً أن تكون حاملة للفيروس، كونها على تماس مباشر مع المرضى، ربما أصعب المواجهات للطبيب طارق كانت مع عائلته.

بينما كانت مواجهة زينب العاصي، وهي طالبة طب سنة سادسة، وضعت نفسها تحت تصرف المركز الصحي في المنطقة التي تسكن بها، مع مديرة المركز التي استغربت اتخاذ زينب للإجراءات الوقائية من كفوف وكمّامة، والمواجهة الأخرى مع محيطها الذي بات مصاباً بوسواس كورونا… فكل من أصابه الزكام يريد أن يجري تحليل لكورونا.

بينما يشير الدكتور علي عبد الله أن أصعب المواقف تتمثل بقدوم مريض مصاب بزكام شديد ولا يضع كمامة ويعطس بوجهك، وأصعب موقف أيضاً عندما تحاول إقناع أهل مصاب، أو شخص مشتبه بإصابته، أنه دخل الحجر ولا يستطيعون أن يروه إلا بعد نتيجة التحليل أو الشفاء.

بينما تشير الدكتورة ياني حاج حسن، وهي طبيبة في مشفى دمشق، تستقبل الناس في الإسعاف، أنه يوجد شريحة من الناس أصبحت تخاف من التعامل مع الأطباء، لكنها تضيف أن المرحلة القادمة تفرض أن نتعامل مع الظروف بلحظيتها مهما كان رأي الناس فينا، ومن حقهم أن يخافوا.

الجنود المجهولون في العالم

مع لحظة كتابة هذا التقرير، زادت الحالات التي صرحت بها الحكومة السورية لعدد المصابين بوباء كورونا، حيث بلغت 10 حالات، اثنين منهما فارقتا الحياة، حيث توفيت سيدة عند وصولها قسم الإسعاف في أحد مشافي العاصمة، ليتبين فيما بعد أنها مصابة بكورونا، وفي 30 آذار/مارس 2020، أعلنت وزارة الصحة السورية عن وفاة حالة ثانية، لكن الوقع كان أخفّ من وفاة الحالة الأولى، ربما تهيأ الناس نفسياً من بداية اجتياح الفيروس، وبين كل هذه الحالات طبيب يعلق مصولاً وريدية، وآخر يضع أوكسجين على وجه مريض بفيروس العصر، وآخر يسدل الستارة الأخيرة على وجه مريض خنقه كوفيد 19… وهذه كانت بعض حكايا أطباء في زمن كورونا، في دفاتر ذكرياتهم سيبقى الكثير من هذه القصص طي الكتمان، سيخبرون دمشق يوماً بعد أن يفك القدر حظر التجوال عنها، أنهم كانوا حراس فجر في زمن الفيروس وجنود الرب المجهولين.

—————————–

=================================

================================

تحديث 03 نيسان 2020

———————————-

ارتفاع إصابات كورونا في سورية وعزل “السيدة زينب”/ عبد الرحمن خضر

أعلنت وزارة الصحة، التابعة للنظام السوري، مساء الخميس، ارتفاع عدد الإصابات بفيروس كورونا الجديد إلى 16، بينها حالتا وفاة، بعد تسجيل ستّ إصابات جديدة. فيما قرّر النظام عزل منطقة “السيدة زينب” قرب العاصمة دمشق.

ونقلت فضائيّة “سما”، المقرّبة من النظام، أنّه تمّ فرض الحجر الصحي على بناء في شارع الحرامات بمنطقة “السيدة زينب”، بريف دمشق، بعد الاشتباه بوجود مصاب فيه. فيما ذكرت وكالة الأنباء الرسمية “سانا”، أنّه تمّ عزل منطقة “السيدة زينب”، في إطار الإجراءات المتّخذة لتقييد الحركة في المناطق ذات الكثافة السكانيّة العالية، حفاظاً على السلامة العامة.

وتقع المنطقة الجديدة المعزولة جنوبي دمشق، وتنتشر فيها العديد من المليشيات الإيرانية والعراقية ومجموعات من “حزب الله” اللبناني، كما تكثر فيها المزارات الخاصة بالطائفة الشيعية.

وأعلن وزير الصحة، نزار يازجي، الأربعاء، فرض الحجر على بلدة منين، في ريف دمشق، بعد وفاة امرأة جرّاء إصابتها بفيروس كورونا.

وفي السياق، قرّر الفريق المشكّل من قبل النظام والمعني باستراتيجية التصدي لوباء كورونا، فرض حظر التجوّل، في جميع أنحاء سورية، يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع، من الساعة الـ 12 ظهراً حتى الساعة السادسة من صباح اليوم التالي، وذلك اعتباراً من تاريخ اليوم وحتى إشعار آخر.

وشدّدت الوزارة، في تعميم أصدرته اليوم الجمعة، على ضرورة تكثيف الدوريات، خلال سريان حظر التجوّل، لضمان التزام المواطنين به، إضافة إلى توجيه القوات المكلّفة ضمان حظر التجوّل، بتوقيف المخالفين، وتسليمهم للشرطة، لتتمّ إحالتهم إلى القضاء المختصّ.

ولم تسجّل أية حالة إصابة في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة أو الإدارة الذاتية “الكردية”، فيما شكّك “المرصد السوري” بأرقام الإصابات بالفيروس التي أعلن عنها النظام، وتحدّث عن وجود أكثر من 300 حالة في الحجر الصحّي في كل من دمشق وحلب واللاذقية وطرطوس وحمص وحماة ودرعا، نتائج تحليل فيروس كورونا لـ 109 منهم كانت سلبيّة.

بدوره، حذّر “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية”، من مخاطر استمرار النظام بسياسة إنكار الأعداد الحقيقية للإصابات في البلاد، مؤكداً أنّ هذه السياسة التي يتبعها النظام منذ عقود، ستقود البلاد إلى الهلاك.

وطالب “الائتلاف الوطني” في بيان له، المجتمع الدولي بممارسة الضغط على النظام للكشف عن الأرقام الحقيقية للمصابين بفيروس كورونا، وإخراج المعتقلين المكدّسين في معتقلاته، وأقبية فروعه الأمنية، الذين اعتبر أنهم “أمام خطر إبادة جماعية بعدوى كورونا”.

العربي الجديد

————————————

كورونا سوريا: تزوير تصريحات منظمة الصحة العالمية!

لا يكتفي إعلام النظام السوري والإعلام الحليف له، بنشر المعلومات المضللة واعتماد سياسات التعتيم الإعلامي بشأن مختلف الأزمات التي تعيشها البلاد منذ سنوات، بل يدعّم ذلك بتأليف وتزييف الأنباء. ومثلما هو متوقع، لم يتم التعامل مع أزمة فيروس كورونا بشكل مختلف، حيث قامت قناة “العالم” الإيرانية باختلاق تصريحات حول التعامل الإيجابي من قبل حكومة النظام مع الأزمة، ونسبتها للجنة تابعة لمنظمة الصحة العالمية.

غير أن اللجنة التي تحمل اسم “لجنة التنسيق التابعة لمنظمة الصحة العالمية”، لا وجود لها على الإطلاق. وأوضحت منظمة الصحة العالمية في تغريدة عبر حسابها الرسمي في “تويتر” أن اللجنة مختلقة، وأن كافة التصريحات المنسوبة لها عارية عن الصحة.

    تؤكد #منظمةالصحةالعالمية أنه

    لا صحة لما تتداوله بعض وسائط التواصل الإجتماعي في #سورية حول “التوقع بإعلان سورية بلداً ناجياً من وباء #كوفيد19 خلال فترة 21 يوم”

    كما تؤكد أنه لا وجود لما يسمى بـ ” لجنة التنسيق التابعة لمنظمة الصحة العالمية” . pic.twitter.com/8U1mXQn1mL

    — WHO Syria (@WHOSyria) April 2, 2020

ورغم أن المنظمة العالمية لم تسمِّ القناة الإيرانية مباشرة، إلا أن المنشورات التي تحدثت عن اللجنة المزعومة في مواقع التواصل الاجتماعي أشارت للقناة كمصدر لـ”المعلومة”، كما أن الخبر نفسه الذي نشرته القناة مازال موجوداً عبر موقعها الإلكتروني، كما تحدث ناشطون معارضون عن التزييف الذي قامت به القناة، على نطاق واسع.

ويقول الخبر الكاذب: “أبلغت لجنة التنسيق التابعة لمنظمة الصحة العالمية بعد إجراء دراسة لمنحني انتشار فيروس كورونا في سوريا وحصر عدد الاصابات بعشرة حالات فقط، أبلغت الجانب السوري أن المتوقع وفق منحنيات انتشار الحالات المسجلة لديها عالمياً هو استبعاد أي انفجار أفقي للفيروس في سوريا وتتوقع فترة لا تتجاوز 21 يوماً لإعلان سوريا بلداً ناجياً من انتشار وباء فيروس كورونا”.

بعكس ذلك، أكدت منظمة الصحة العالمية، الأربعاء، أن واقع الإصابات بفيروس كورونا في سوريا يمثل بداية منحنى تصاعدي. كما أعربت المنظمة في 20 آذار/مارس الماضي عن قلقها من نقص حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد المبلغ عنها في سوريا واليمن، متوقعة حدوث انفجار في الحالات في تلك الدول.

وأعلنت وزارة الصحة في حكومة النظام السوري، الخميس، عن تسجيل 6 إصابات جديدة بفيروس كورونا المستجد، ليرتفع عدد الحالات المسجلة إلى 16 توفي منهم شخصان، فيما تشير مصادر إعلامية إلى تكتم كبير من حكومة النظام حول إعلان الرقم الحقيقي لأعداد المصابين.

————————————-

كورونا سوريا:النظام يعزل منطقة السيدة زينب

أعلنت وزارة الصحة التابعة للنظام السوري، عن تسجيل 6 إصابات جديدة بفيروس كورونا المستجد ليرتفع العدد إلى 16 إصابة منها حالتا وفاة. ولم تكشف الوزارة عن تفاصيل الإصابات أو أماكن تواجدها.

وأقر الفريق الحكومي المعني باستراتيجية التصدي لوباء كورونا آلية عزل تدريجية لمناطق التجمعات السكانية المكتظة في مناطق النظام، وقررعزل منطقة السيدة زينب في محافظة ريف دمشق.

وأعلن رئيس بلدية السيدة زينب غسان حاجي أنه تم “تطبيق الحجر  الصحي الاحترازي على بناء في المدينة”. وقال إأن”عملية الحجر تمت بناء على توجيهات من مديرية صحة ريف دمشق”.

ووفقاً لحاجي فإن عدد سكان البناء الذي تم حجر سكانه يصل إلى 50 شخصاً، مشيراً إلى أن “صحة الريف لم تبين أسباب الحجر” متوقعاً أن “تكون نتيجة لمخالطة حالة أو بانتظار صدور النتائج”. وذكر أن”عملية الحجر تتضمن منع الدخول والخروج إلى البناء والشقق بانتظار بيان الأسباب”.

وقرر الفريق منع تجوال المواطنين في جميع أنحاء سوريا يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع من الساعة ال12 ظهراً حتى الساعة ال6 من صباح اليوم التالي اعتباراً من  الليلة وحتى إشعار آخر.

وأصدرت وزارة الداخلية في حكومة النظام تعميماً حول تنفيذ هذا الحظر لفتت فيه إلى أن”عملية حظر التجوال ينفذها عسكريو قوى الأمن الداخلي بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والشرطة العسكرية والحواجز العسكرية والأمنية المقامة على الطرقات ضمن قطاعات المسؤولية بالتنسيق مع قادة شرطة المحافظات”.

وشددت الوزارة في تعميمها على “ضرورة تكثيف الدوريات على مدار الساعة خلال سريان حظر التجوال لضمان حسن التزام المواطنين بتدابير الحظر إضافة إلى توجيه القوات القائمة على موضوع حظر التجوال إلى توقيف المخالفين لإجراء الحظر وتسليمهم للوحدات الشرطية لتتم إحالتهم إلى القضاء المختص أصولاً”.

كما قرر الفريق الحكومي إيقاف تصدير مواد البقوليات والألبان والأجبان والبيض والكلور وماء الجافيل لمدة شهر لتوفير حاجة السوق المحلية منها وتخفيض أسعارها والسماح للمؤسسة السورية للتجارة بإستيراد العجول بقصد التسمين والذبح بهدف تأمين الكميات الكافية من مادة اللحوم الحمراء في صالاتها بأسعار مدعومة.

في المقابل كشف “المرصد السوري لحقوق الإنسان” أن “أعداد الحالات التي وضعت في الحجر الصحي وصلت إلى نحو 300 شخص متواجدين في كل من دمشق وحلب واللاذقية وطرطوس وحمص وحماة ودرعا”.

وأضاف أن  نتائج 109 منهم كانت سلبية وجرى إخراجهم، بينما تم تأكيد إصابة 28 شخص بفيروس كورونا المستجد، توفي منهم 3 نساء حتى اللحظة، هن ممرضة في طرطوس ومواطنة وقريبة لها في دمشق، وسط معلومات عن مفارقة أشخاص آخرين للحياة.

————————————–

هدنة إدلب والقلق من انتشار «كورونا» في «الهشيم السوري»/ إبراهيم حميدي

سجل الشهر الماضي أدنى حصيلة للقتلى في سوريا منذ 9 سنوات. «فقط 103» مدنيين قُتلوا، نصفهم جراء القصف والغارات. أما الباقون، فقتلوا بانفجارات وألغام واغتيالات.

لا يعود انخفاض عدد القتلى (وهو ليس قليلاً في معايير دول أخرى)، إلى نصف عدد ضحايا فبراير (شباط)، إلى وجود قرار ذاتي صرف بوقف البحث عن «انتصار عسكري» بقدر ما هو القلق من «انتشار نار (كورونا) في الهشيم السوري». ويمكن الحديث عن ستة أسباب متداخلة:

الأول، الهدنة التي أبرمها الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان في موسكو، 5 مارس (آذار) الماضي. الهدنة جمدت هجوماً عسكرياً واسعا شنّته قوات النظام بدعم روسي على مناطق في إدلب في شمال غربي البلاد، تسبب بنزوح نحو مليون شخص منذ ديسمبر (كانون الأول)، هرباً من التصعيد، ما زاد الضغط على المخيمات المكتظة أساساً بعائلات أجبرت على الفرار جراء موجات عنف سابقة.

تضمن الاتفاق إقامة منطقة أمنية على جانبي طريق حلب – اللاذقية تمهيداً لتشغيله، وتسير دوريات روسية – تركية. لم يكن تنفيذ ذلك سهلاً، كما كان متوقعاً، إذ إن الدوريات قوبلت باحتجاجات محلية، فاضطرت تركيا إلى تسيير دوريات منفردة على الطريق الدولي.

ردّت دمشق على ذلك بالتلويح بشن عملية عسكرية، بسبب عدم التزام تركيا بتنفيذ تعهداتها، الأمر الذي لم يُقابَل بارتياح في «الكرملين».

الثاني، التدخل الروسي، إذ إن الرئيس بوتين أوفد وزير دفاعه سيرغي شويغو إلى دمشق، بعد أسبوع من اتفاق موسكو. الرسالة الروسية إلى القيادة السورية، هي ضرورة التزامها الاتفاق وعدم شن عمليات عسكرية في إدلب، ذلك أن موسكو تريد إعطاء وقت إضافي إلى أنقرة، كي تنفذ ما يخصها من تعهدات. أيضاً، بالنسبة إلى بوتين، فإن العلاقة مع تركيا هي أوسع وأهمّ من تفاصيل إدلب، على الأقل في الوقت الراهن، دون أن يعني ذلك عدم الاستمرار في ممارسة الضغوط على إردوغان.

الثالث، الدعوة الأممية لوقف النار، إذ إن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وجّه نداء عالمياً لـ«وقف نار شامل» في جبهات الصراع، أعقبه المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن بدعوة الأطراف السورية إلى هدنة شاملة وفورية، بهدف التفرُّغ إلى العدو المشترك المتمثل بـ«وباء كورونا»، مع تحذيرات من مخاطر الأعمال العسكرية في إدلب المكتظة، بأكثر من 3.5 مليون مدني.

الرابع، فيروس «كورونا»، ذلك أن الخوف المضمر والمعلن من هذا الوباء، لأن سوريا «عرضة أكثر من غيرها بكثير لأضراره»، دفع الأطراف المحلية والخارجية إلى إعطاء أولوية لمحاربته في الوقت الراهن. صحيح، أن بعض القوى الخارجية تحاول الإفادة من الهدنة الحالية لتعزيز مواقعها العسكرية ذلك أن التعزيزات السورية والتركية والإيرانية لا تزال مستمرة إلى الجبهات، لكنها في الوقت نفسه مشغولة بقلق قاعدتها الشعبية من «وباء كورونا». في هذا السياق، كان لافتا أن إحدى «رسائل» شويغو إلى دمشق، كانت ضرورة التعاطي بجدية وشفافية مع «كورونا»، لذلك لم تكن صدفة أن يوزع مكتبه فيديو له، وهو يقوم بإجراء اختبارات الكشف عن الفيروس في طائرته خلال العودة إلى موسكو.

الخامس، «منع الاحتكاك»، ذلك أن روسيا وأميركا لا تزالان ملتزمتين باتفاق عسكري بينهما يمنع الصدام بين جيشيهما في شرق الفرات، الأمر الذي لاحظه بيدرسن. وقال في مجلس الأمن قبل أيام: «أقدر أيضاً أن الترتيبات المتفق عليها بين الأطراف الرئيسية في شمال شرقي سوريا، بما في ذلك وروسيا وتركيا والولايات المتحدة، إضافة إلى الأطراف السورية ما زالت تُطبّق بشكل عام».

سادساً، القوى المحلية، اتخذت القوى المحلية في «مناطق النفوذ» الثلاث، مناطق الحكومة وفصائل إدلب والإدارة الكردية، مبادرات لحظر التجول وتقييد الحركة وتجميد خطوط التماس تحسباً لتفشي «كورونا». وكان لافتاً أن بيدرسن نوّه بدور القوى المتحكمة بالأرض، إذ قال في مجلس الأمن: «اتخذت الحكومة السورية عدداً من الإجراءات المهمة لمواجهة الفيروس. في الوقت ذاته، قام الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية والسلطات المتحكمة في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة باتخاذ خطوات أيضاً. إنني أسجل هذه الجهود وأحث الحكومة والسلطات المتحكمة على اعتماد الشفافية في نقل المعلومات حول كيفية تأثير الفيروس على جميع السوريين». غير أنه بالتوازي مع هذا الهدوء والانخفاض في عدد القتلى، لا يزال هناك قلق من انفجار، لذلك فإن التحذيرات والضغوط مستمرة للحفاظ على وقف النار، لاعتقاد مسؤولين أممين أن «تجدُّد العنف سينتشر الفيروس كالنار في الهشيم، بما لذلك من تداعيات إنسانية واجتماعية واقتصادية كارثية على الشعب السوري، ويمكن أن يكون لذلك ارتدادات عبر الحدود الدولية».

——————————

كورونا وسكان الخيام/ بشير البكر

تبدو قريبةً من الترف دعوة سكان الخيام، من المهجّرين السوريين، كي يلتزموا بالإجراءات الاحترازية في مواجهة كورونا. جميل جدا أن نشدّد على ساكن الخيمة احترام التعليمات لجهة العزل الاجتماعي وما شابه ذلك، وأن نشرح له عملية قتل الفيروس من خلال رغوة الصابون والمطهرات الكحولية والكلور. ولكن هؤلاء الناس الذين يطفون على رغوة الحياة ليس لديهم الإمكانات من أجل تنفيذ الحد الأدنى من الإرشادات، طالما أنهم يعيشون في ظروفٍ غير ملائمة من النواحي كلها.

يتوجب على كل قادر أو معني أن يسلط الضوء على المحنة التي يواجهها أكثر من مليون سوري، يعيشون في أكثر من ألف مخيم، تفتقر للحد الأدنى من الشروط، مثل الصرف الصحي والماء النظيف والطعام، وخصوصا حليب الأطفال والأدوية الضرورية. وتقع مهمة إعلان حالة الطوارئ على منظمة الصحة العالمية التي قامت حتى الآن بخطوات رمزية، لا يمكن أن تدرأ الخطر في حال وصول الوباء إلى أيٍّ من هذه المخيمات. ويقتصر تحرّك المنظمة حتى الآن على تزويد محافظة إدلب بأجهزة فحص لا تسد حاجة المنطقة، لكن هذه ليست المشكلة الوحيدة. ويكمن الخطر الرئيسي في أمرين: انهيار البنى الصحية، وكثرة المخيمات العشوائية. والأمران مترابطان، كونهما من فعل روسيا والنظام السوري وإيران. وصار معروفا، من خلال تحقيقات صحافية على قدر كبير من الحرفية، أنجزتها صحيفة نيويورك تايمز الصيف الماضي، أن روسيا تعمّدت تدمير المشافي وكل المرافق الحيوية في المنطقة الممتدة من ريف حماة، وصولا إلى ريف حلب ومحافظة إدلب، ونجمت عن هذه الممارسات التي ترقى إلى جرائم الحرب حركة هجرة كبيرة انتشرت في حوالي ألف مخيم عشوائي، يسكنها أكثر من مليون شخص، يعيشون في شروط مزرية.

رائعٌ أن تسارع منظمة الصحة العالمية لتدبير أجهزة فحص كورونا، ولكن كل ما يلزم لمواجهة الوباء في حال وصوله غير متوفر، من مستلزمات الحجر الصحي، وحتى العلاج في المشافي التي تفتقد الأسرّة الخاصة باستتقبال مصابي كورونا. وتعد الدعوات المتكرّرة التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، على مدى الأيام الماضية من أجل وقف الحرب وتحقيق هدن إنسانية، المدخل الفعلي لحماية المخيمات العشوائية، ولكن الهدنة التي لا ترتبط بإجراءات فورية تسمح للمهجرين بالعودة إلى بيوتهم، تبقى ناقصة، وبعيدة عن جوهر المشكلة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن عودة المهجّرين إلى بيوتهم يجب أن تشمل كل مناطق اللجوء السوري في لبنان والأردن والعراق ومخيم الركبان المنسي في قلب الصحراء، والذي يفتقر لأبسط مقومات الحياة بقرار روسي.

ومن دون الذهاب إلى مربط الفرس لا معنى لكل كلام. والمقصود هنا تحميل روسيا المسؤولية التامة عن حياة السوريين، بوصفها دولة الوصاية على سورية، وهذا لا يعفي إيران ونظام بشار الأسد. واللافت أن روسيا حمّلت الولايات المتحدة المسؤولية عن منطقة شرق سورية، من دون أن تبدأ بنفسها، الأمر الذي يحتّم على الهيئات التمثيلية السورية التحرّك دوليا من أجل الضغط على موسكو.

عند وصول الفيروس إلى مخيم من المخيمات المنتشرة في محافظة إدلب، فهو سوف يتمدّد على كامل المساحة الجغرافية التي يعيش عليها قرابة أربعة ملايين سوري، لأن الوباء لا يعرف الحدود. وبالتالي، سوف يضرب منطقة الشرق الأوسط كاملة، مثلما توقع الكاتب ستيفان كوك في مجلة فورين بوليسي، والذي كتب مقالا معبرا تحت عنوان “انتقام سورية من العالم سيأتي عبر موجة من فيروس كورونا”. وهو إذ عرض المسألة من جانبها الصحي الكارثي، فإنه ربطها بأسبابها التي سماها بربرية الأسد وحماته الروس والايرانيين، والتي لا تستحق اسما أقل من الإبادة.

جميع حقوق النشر محفوظة 2020

العربي الجديد

————————————-

المعتقلون السوريون في زمن الكورونا/ حسن النيفي

قدّم السيد غير بيدرسون المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، في الثلاثين من آذار الفائت، إحاطةً مكثفة يوضّح فيها تصوّراته للراهن السوري حيال الخطر الذي باتت تجسّده الجائحة العالمية المتمثلة بانتشار فيروس كورونا (كوفيد 19)، إذ أكّد بيدرسون من خلال تلك الإحاطة على جملة من الأمور، لعلّ أبرزها هو ازدواجية الخطر الذي بات يواجهه السوريون، ويعني بذلك العنف الذي تحمله الحرب، موازاة بالخطر الذي يحمله الوباء الكوروني، كما ألمح إلى ضرورة إيجاد وقف مستدام لإطلاق النار، ليتسنى للجميع مواجهة الوباء، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الهدوء الذي يسود الجبهات في الوقت الراهن، والذي كان نتيجة للتفاهمات الروسية التركية في الخامس من آذار الماضي، ما هو إلّا هدوء حذر، وقابل للانفجار في أية لحظة، لأن التحديات التي تحول دون تفاهم كامل ومستدام مازالت ترمي بثقلها على الأطراف المتنازعة. إلّا أن المسألة الأهم التي يمكن الوقوف عندها في إحاطة السيد بيدرسون، هي قضية المعتقلين والمعتقلات في السجون.

لقد أشار بيدرسون في الفقرة (16) من إحاطته إلى التحديات التي يحملها وباء كورونا إلى المعتقلين في السجون السورية، ذاكراً في الوقت ذاته، مرسوم العفو الذي أصدره بشار الأسد بتاريخ ( 22 – آذار 2020 ) الذي يتضمن عفواً عن عددٍ من مرتكبي الجرائم – مخدرات – قتل – سرقة إلخ، مستثنياً – كما هو مُتوقَّع – معتقلي ومعتقلات الرأي، وأي معتقل آخر دخل السجن بسبب موقفه المناهض لنظام الحكم.

لعلّ السقطة الأخلاقية الكبيرة التي لا ينفرد فيها السيد بيدرسون وحده، بل يشاطره بها المجتمع الدولي ممثَّلاً بهيئاته الرسمية، هي أنهم جميعاً ما يزالون يخاطبون رأس النظام، باعتباره ممثلاً شرعياً للسوريين، علماً أنهم يدركون أن هذه الشرعية المزعومة لا يستمدّها رأس النظام من خلال التزامه الفعلي بالمعايير التي تضمنتها اللوائح العالمية لحقوق الإنسان، ولا من خلال احترامه للعهود والمواثيق الدولية الناظمة لسلوك الدول والبلدان، وكذلك لا يستمد هذه الشرعية من ولاء شعبي يجسّد حالة من الوفاق الوطني بين السلطة والشعب، بل ما هو مؤكَّد، أن الجميع بات مدرِكاً – بعد مضي تسع سنوات – أن بشار الأسد لا يستمدّ شرعيته سوى من قدرته على الاستمرار في قتل السوريين، ولم يدّخر لهذه الغاية أيّ وسيلة من وسائل الدمار، بما في ذلك الأسلحة المحرّمة دولياً، ولم يكن أسلوب الاعتقال، سوى أحد الأساليب الذي لا يقلّ وحشية عن سواه، كوسيلة ضامنة للبقاء في السلطة.

ولعلّ الذي لا يريد المجتمع الدولي الوقوف عنده، ويصرّ على تجاهله، وكذلك السيد بيدرسون، هو أن قضية الاعتقال السياسي، بالنسبة إلى نظام الأسد (الأب والابن معاً)، هي ليست إجراءً وقائياً تمارسه السلطة حيال خصومها السياسيين، وفقاً لما تمليه الأعراف الدستورية والقانونية والإنسانية، بل هي عملية انتقام يمارسها حاكم متوحّش لم يرَ فيمن خالفه الرأيَ أو شقّ عصا الطاعة سوى عدوٍّ يجب الإجهاز عليه والتخلص منه، دون أيّ اعتبار لرادع قانوني أو أخلاقي أو إنساني، ولا أعتقد أن المجتمع الدولي، بات بحاجة إلى ما يؤكّد جرائم نظام الأسد بحق المعتقلين والمعتقلات السوريات، حيال التوثيقات الدامغة التي وثّقتها هيئات عالمية ومحلية مختصة، لعل أبرزها ما وثقه المصوّر ( قيصر)، فضلاً عما وثقته المنظمات الإنسانية الأخرى.

إن خشية السيد بيدرسون من تسلل فيروس كورونا إلى السجون السورية، ربما تصبح أشبه ب ( النكتة) إذا ما علم أن نظام الأسد يرى في تسلل كورونا فرصة مناسبة للتخلص من ضحاياه، ألم يعمد نظام الأسد في ربيع عام 2019 إلى إبلاغ دوائر السجل المدني في المدن والبلدات السورية بقوائم تتضمن أسماء الآلاف من المعتقلين، زاعماً أنهم قد ماتوا داخل السجون ميتةً طبيعية، تعود في معظم حالاتها إلى أزمات قلبية أو قصور كلوي أو جلطة دماغية إلخ، فما الذي يمنع نظام الأسد – والحال كذلك – من الإجهاز على آلاف أخرى من المعتقلين والمعتقلات داخل سجونه، تحت غطاء وباء كورونا؟ ألا تتيح هذه الجائحة الوبائية ذريعة جديدة وغطاء إضافياً للمضيّ في إجرامه؟ وذلك في ظل الظروف الجهنمية التي يعيشها المعتقلون داخل السجون، والتي تكاد تكون كافية للموت دون الحاجة إلى كورونا، بل لعله ليس ضرباً من المبالغة إن اعتقدنا أن الموت بتأثير كورونا، يكاد يكون أرحم بكثير من الموت تحت وسائل التعذيب الفظيعة التي يمارسها الجلادون في سجون الأسد، وهل من يقوم بإلقاء جثث المعتقلين في أحواض (الأسيد) في سجن صيدنايا، أو مَن يقوم بفقء عيونهم وهم أحياء، سيكون رحيماً أو مشفقاً عليهم من فيروس كورونا؟.

لعل السيد بيدرسون قادر على إعفاء نفسه من أية مسؤولية إنسانية حيال قضية المعتقلين السوريين، بزعمه أنه ليس (فاعل خير) وفق التعبير الشعبي، لذا علينا ألّا نتوقع أن شكاوانا ومواجعنا سيكون لها مساحة في أجندته، ولكنه وسيط دولي يعمل على مراقبة تنفيذ قرارات صادرة عن أعلى هيئة دولية (الأمم المتحدة)، إلّا أن هذا الأمر بالذات، ما يجعله أكثر عرضةً للانتقاد، بل لسخط معظم السوريين، ذلك أن قضية المعتقلين لم تكن بعيدة عما صدر من قرارات أممية، فالقرار ( 2254 لعام 2015 ) يؤكّد بوضوح في بنوده ( 12 – 13 – 14 ) على أن قضية المعتقلين ملزمة التنفيذ، كإجراءات حسن نية، فضلاً عن كونها فوق تفاوضية، وبناء عليه، كان على السيد بيدرسون أن يؤكد، ليس في إحاطته الأخيرة فحسب، بل في جميع تقاريره السابقة، على عدم انصياع نظام الأسد وتنفيذه للبنود ذات المنحى الإنساني، كمقدمة تمهّد للشروع في مفاوضات سياسية، أما مناشداته الخجولة واستجداؤه لنظام الأسد، بعبارات تنزع نحو المواربة والتعميم غير المبرَّر، فما هي إلّا مجاراة حيناً، وتماهٍ تام أحياناً أخرى، مع الرغبة الروسية الرامية إلى عدم السماح بإدانة نظام الأسد في المحافل الدولية الرسمية.

ما من شك في أن قسماً كبيراً من أوزار مئات الآلاف من المعتقلين والمعتقلات في السجون السورية، ما يزال في عهدة ضمير شاحب لمجتمع دولي، جعل مصالحه المادية فوق أي اعتبار إنساني، ولم يعد يعنيه من الكرامة البشرية سوى ما يلبي جشعه ونزوعه نحو الهيمنة وسطوة النفوذ، ولكن ضمور الحسّ الأخلاقي لدى المجتمع الدولي كان مسبوقاً – بلا أدنى ريب – بشحٍّ أخلاقي أكثر فظاعةً لدى ذوي القربى، ليصل إلى دركه الأسفل، لدى من فاوض باسم السوريين، وكان المفرِّط الأول، ليس بحياة المعتقلين فحسب، بل بجانب كبير من حقوق السوريين.

تلفزيون سوريا

————————————

فيروس كورونا.. معركة جديدة تنتظر المعتقلين لدى النظام

يرتفع كل يوم عدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد “كوفيد – 19” في مناطق سيطرة النظام، الذي أعلن مؤخر إجراءات تمثلت بفرض حظر تجوال في أوقات معينة وإغلاق المحال التجارية ومراكز الخدمات التي تشهد ازدحاماً، إضافة إلى عزل المناطق المكتظة بريف العاصمة دمشق، لكنه لم يتخذ أي إجراء لمنع تفشي الفيروس القاتل في أكثر المناطق اكتظاظاً وضعفاً أمام كورونا وهي المعتقلات.

المعتقل بيئة خصبة للفيروس

منظمة العفو الدولية طالبت في الأيام الماضية نظام الأسد بالإفراج عن المعتقلين و”التعاون الكامل” مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية لمنع انتشار فيروس كورونا في سجونه، والمستشفيات العسكرية.

وقالت الطبيبة وعضو “عائلات من أجل الحرية” هالة الغاوي لـ موقع تلفزيون سوريا: إن “بيئة الاعتقال في سوريا من الناحية الصحية من أسوأ المناطق على الصحة العامة على الإطلاق بسبب انعدام النظافة في المكان وغياب التهوية والرطوبة والتعفن ومنع التعرض للشمس، كما يؤدي وجود الحمامات والصرف الصحي في نفس مكان الاحتجاز إلى انتشار الحشرات والجراثيم بين المعتقلين”.

من أهم الإجراءات التي دعت منظمة الصحة العالمية العالم إلى تطبيقها لمنع انتشار العدوى بفيروس كورونا، تجنبُ الازدحام والاحتفاظ بمسافة أمان بين الأشخاص، أما في حالة المعتقلين السوريين فإن هذا الأمر يعد مستحيلا بسبب الأعداد الكبيرة التي يحتجزها الأسد في سجونه الرسمية والسرية.

وتعلق الغاوي على الموضوع بالقول ” المعتقلات من أخطر الأماكن على الصحة وبكل ثقة هي أفضل بيئة ممكن أن تنتشر فيها الأمراض المعدية مثل فيروس كورونا”.

وتضيف أن “أكثر الأمراض انتشارا في المعتقلات والتي ترتبط مباشرة بظروف الاعتقال الصحية هي الأمراض الجلدية المنتقلة بالعدوى المباشرة و التماس المباشر ( القمل والجرب والدمامل والأمراض الفطرية ) أو الناتجة عن التقرحات بسبب الجروح والأذى الذي يتعرض له المعتقلون نتيجة التعذيب وبسبب غياب أي علاج إضافة إلى الأمراض التنفسية مثل التهاب القصبات المزمن والربو والسل والتهابات الرئة الجرثومية”.

معركة قد تكون الأخيرة

تأتي الأمراض على جسد منهك ومتعب بسبب الجوع وانعدام الغذاء الصحي وقلة الوارد من الطعام كما هو حال المعتقلين، وتنشأ لديهم اضطرابات مختلفة من نقص الفيتامينات وفقر الدم بأنواعه المختلفة، وبسبب ظروف النظافة والصرف الصحي غير المناسب تنتشر الأمراض الهضمية مثل الإسهالات والتهابات المعدة، وبحسب الغاوي “ستكون مناعة المعتقلين بالحد الأدنى أو شبه معدومة” أمام فيروس كورونا، في حين قد تكون معركة أخيرة للحفاظ على أرواحهم بعد صمودهم في ظروف السجن.

وتتابع “طبعاً هذا عدا الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع الضغط  والاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب واضطرابات الصدمة والتي يكون الاعتقال والاحتجاز هو سبب مباشر لظهورها أو ازدياد سوء الأمراض الموجودة مسبقاً قبل الاعتقال لسبب غياب العلاج والمتابعة”.

فرصة للضغط على النظام

تشدد الغاوي على أن إجراءات مكافحة الوباء في المعتقلات هي الضغط على النظام وحلفائه لإطلاق سراح المعتقلين في تلك الظروف المأساوية. حيث يشير مراقبون إلى أن النظام سيعمل على استغلال تفشي الوباء لتحقيق مآربه على صعيد العقوبات الدولية المفروضة عليه.

وتنشر منظمات حقوقية ومنظمة العفو الدولية ولجان التحقيق المستقلة بشأن سوريا بشكل دوري، الكثير من الشهادات والأدلة التي تثبت أن ظروف الاعتقال في سوريا مأساوية، وما يحدث فيها هو انتهاك لحقوق الإنسان وجرائم ضد الإنسانية،  كل حالة معتقل ترقى لتكون كذلك. ويبقى الرهان على تحرك أممي ودولي جدي بكل الوسائل المتاحة لإطلاق سراح المعتقلين غيرالمشروط، في ظرف عالمي غير مسبوق للضغط على النظام وروسيا بهذه الورقة الإنسانية.

وذكرت الشبكة السورية

لحقوق الإنسان في تقرير أن المعتقلين لدى قوات النظام يتعرضون لأساليب تعذيب غاية في الوحشية والسادية، ويحتجزون ضمن ظروف صحية شبه معدومة، وتفتقر إلى أدنى شروط السلامة الصحية.

وأشارت إلى أنه تكتيك متبَّع من قبل النظام على نحو مقصود وواسع، بهدف تعذيب المعتقلين وجعلهم يصابون بشتى أنواع الأمراض، ثم إهمال علاجهم على نحو مقصود أيضاً، وتركهم يتألمون إلى أن يأتيهم الموت.

وحذّر التقرير من ازدياد خطورة الوضع مع انتشار جائحة كوفيد – 19، في ظل ظروف الاعتقال المواتية لانتشار الفيروس، ما يُهدِّد حياة قرابة 130 ألف شخص ما يزالون قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري لدى النظام.

تلفزيون سوريا

———————————–

إدلب تواجهُ “كورونا” بمنظومة طبية “هشة” دمرتها طائرات روسيا والأسد

سرير واحد لكل 2378 إنسان ووحدة عزل لكل 125 ألف

تصاعدت المناشدات المحلية والدولية، خلال الأيام الماضية، لتوجيه الأنظار نحو الشمال السوري، والتدخل الفوري والسريع لتقديم المساعدة لمواجهة انتشار فيروس “كورونا المستجد”، الذي إن وصل إلى المنطقة ستكون “كارثة حقيقية” بحسب وصف منظمات صحية.

وقبل 20 يوماً، أعلنت منظمة الصحة العالمية تصنيف فيروس “كورونا” بأنه “جائحة”، لتبدأ الحكومات في دول العالم بدق ناقوس الخطر، واتخاذ إجراءات على الأصعدة كافة، الصحية والاجتماعية والاقتصادية، للتصدي للفيروس ومنع انتشاره.

لكن الشمال السوري، والذي يضم أكثر من أربعة ملايين نسمة، بظروف معيشية وصحية صعبة، تُرك وحيداً لمواجهة الفيروس، بإمكانيات محدودة وقطاع صحي متردي، بعد أشهر ماضية، من قصف وتدمير من قبل طيران النظام السوري والحربي الروسي، واستهدف البنى التحتية بما فيها المشافي والمراكز الطبية.

قطاع صحي هَشْ دمرته طائرات بوتين والأسد

ولم تسجل أي حالة بالفيروس في الشمال السوري، حتى اليوم الثلاثاء 31مارس/آذار، حسب ما أكده وزير الصحة في “الحكومة السورية المؤقتة”، مرام الشيخ، في تسجيل مصور،  بعد إجراء اختبار لـ 15 حالة مشتبه بها خلال الأيام الماضية.

لكن ذلك لم يمنع منظمات محلية ودولية، من تجديد مخاوفها، وصول كورونا، إلى محافظة ادلب ومحيطها، بسبب قلة المراكز الصحية، وضعف امكانياتها، إذ أسفرت الحملات العسكرية للنظام وروسيا على الشمال السوري، خلال الأشهر الماضية، في إخراج أكثر من 60 مشفى ومركزاً طبياً عن الخدمة، وفقاً للدفاع المدني في إدلب.

وحسب إحصائية نشرها فريق “منسقو الاستجابة”، يوم الجمعة الماضي، فإن عدد الأسرَة ضمن المشافي الموجودة يبلغ 1689 سريراً ضمن الجاهزية، أي ما يعادل 2378 نسمة لكل سرير واحد، في حين يبلغ عدد أسرة العناية المركزة 243 ضمن الجاهزية، أي ما يعادل 16534 نسمة لكل سرير واحد.

ويبلغ عدد المنافس (أجهزة التنفس الصناعي) 107 أجهزة أي ما يعادل 37549 شخصاً لكل منفسة واحدة، في حين يبلغ عدد وحدات العزل الطبي 32 وحدة عزل أي ما يعادل 125554 شخصاً لكل وحدة عزل.

وتوحي الأرقام السابقة بوقوع الكارثة، يمكن أن تحصل في حال وصول فيروس كورونا إلى الشمال السوري، خاصة وأن عدد النازحين يبلغ مليون و41 ألفاً و233 شخصاً، معظمهم يعيشون في المخيمات على الحدود التركية، فضلاً عن نحو 2.5 مليون نسمة، يعيشون ظروفاً صعبة في بلداتهم وقراهم.

ورغم وجود عدد من المنشآت الطبية في محافظة إدلب ومحيطها(أرياف حلب وحماه واللاذقية الخارجة عن سيطرة النظام)، إلا أن مدير وحدة المعلومات، في “مركز عمران للدراسات الاستراتيجية”، نوار شعبان، أكد أنها غير مجهزة لمواجهة مثل هذه الفيروسات.

وقال شعبان لـ”السورية. نت”، اليوم الثلاثاء، إن المنشآت الصحية في إدلب تعرضت لعدة هجمات خلال الفترة الماضية من قبل روسيا ونظام الأسد، ما أدى إلى تدمير أغلبها بشكل كامل أو جزئي، ومنها ما يعمل بطاقة كاملة أو بنصف الطاقة أو لا يعمل نهائياً.

وبحسب شعبان فإن الخطورة تكمن في الكثافة السكانية في إدلب والمساحة الصغيرة التي يقطن بها ملايين السوريين، والعيش في مخيمات عشوائية لا تحتوي أدنى مقومات الحياة الإنسانية، فضلاً عن مقومات مواجهة كورونا، واصفاً الوضع بأنه “سيء جداً بشكل عام”.

إدلب لوحدها

ولم تصدر أي خطوات فعلية من قبل المجتمع الدولي ومنظمة الصحة العالمية، توحي بالاهتمام الكبير بإدلب والتصدي لكورونا، إذ تأخرت في إرسال كيتات الاختبار والتي لم يبلغ عددها سوى القليل.

وقال وزير الصحة في الحكومة المؤقتة، مرام الشيخ، عبر حسابه في “تويتر”، الجمعة الماضي، إن “وحدة تنسيق الدعم استلمت 600 فحص للكشف عن الفيروس من منظمة الصحة العالمية، وهذه الدفعة الأولى، من عدد 2000 فحص مخبري كانت قد وعدت بها منظمة الصحة العالمية”.

في حين أرسلت منظمة الصحة منذ أسابيع 1200 فحص للنظام، لاستخدامها في مناطق سيطرته.

وأكد الشيخ أن النظام الصحي في إدلب “قد يكون عاجزاً عن احتواء اي جائحة محتملة لفيروس كورونا(…) لذلك علينا حشد كل الطاقات في كل القطاعات الأخرى، احتواء كورنا أصبح مسؤولية كل القطاعات الحكومية وغير الحكومية والمجتمع كاملا عموماً”.

وقالت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية، في عددها الصادر يوم الجمعة الماضي، إن “تخلي العالم عن اللاجئين في إدلب بسورية، في هذه الفترة العصيبة من محنتهم، التي فاقمها الخوف من وباء كورونا، لن يمر دون عقاب للعالم”.

وأضافت أن “الرؤساء والملوك ورؤساء الحكومات والقادة العسكريين على نطاق العالم، سيقفون جانباً كما فعلوا طوال فترة انزلاق سورية إلى العنف، ليشاهدوا انفجار الوضع في إدلب وتمدده إلى بلدانهم نتيجة تقاعسهم”.

واعتبر السفير الأمريكي السابق في سورية، روبرت فورد، في مقالة له بـ”الشرق الأوسط”، قبل أيام، أن “الأوضاع في الشمال السوري يهيئ المجال لانتشار الفيروس إلى الكثير من النازحين، وبطبيعة الحال، لا تتوفر هناك الكثير من العيادات أو المستشفيات بسبب القصف الجوي”.

من جهته اعتبر مدير وحدة المعلومات في “مركز عمران للدراسات الاستراتيجية”، نوار شعبان، أن “إدلب تُركت لوحدها، والدعم الذي قُدم من المجتمع الدولي هو دعم بسيط لا يناسب حجم الكارثة، إذ كان عليه أن يتدخل من اليوم الأول ويقدم مساعدات إضافية ويدعم برامج محلية للتوعية التي تأخرت في تنفيذها لاحقاً”.

وأعرب شعبان عن تخوفه من كارثة في حال انتشار الفيروس، مشيراً إلى الحظر التي طبق من قبل السلطات التركية في مدينة الريحانية الحدودية مع إدلب، معتبراً أن ذلك “مؤشر خطير بسبب الحركة بين المدينة التركية والشمال السوري من دخول البضائع والمدنيين”.

ومع انشغال العالم في مواجهة “كورونا”، تبقى مدينة إدلب تواجه الفيروس لوحدها بسلاح واحد فقط، هو سلاح وعي الشعب والتزامه بحملات التوعية التي تقوم بها مديرات الصحة والمنظمات والعاملين في الدفاع المدنية، والالتزام الكامل بهذه التعليمات.

———————————-

الفلسفة في زمن الكورونا (و)الأسدية: في نقد الخطاب اليومي/ حسام الدين درويش

لم يحصل في السنوات التسع الأخيرة أن استأثرت ظاهرةٌ ما باهتمام السوريين، إلى درجةٍ دفعتهم إلى جعلها مركز اهتمامهم الأول، وإزاحة “القضية السورية” إلى المركز الثاني. لكن هذا ما حصل لغالبية السوريين، في مواجهتهم لجائحة الكورونا. وقد ترافق ذلك مع تصدر “أزمة الكورونا” اهتمام الناس، في العالم أجمع، تقريبًا. طبعًا، لم يفوت سوريون كثر فرصة انتشار هذه الجائحة لمقارنتها بالظاهرة الأسدية، وللحديث عن “الكورونا الأسدية” أو التقاطعات أو التشابهات السلبية الكثيرة والكبيرة، بين الظاهرتين. بالإضافة إلى ذلك، ثمة أخطارٌ خاصةٌ يتعرض لها ملايين من السوريين، في هذا الخصوص، يمكن ردها إلى تضافر سلبيات ظاهرتي الكورونا والأسدية. فثمة مخاوف كبيرة من النتائج الكارثية التي يمكن أن يفضي إليها انتشار فيروس الكورونا، في مخيمات السوريين، في المناطق السورية غير الخاضعة للنظام، أو في تركيا ولبنان والأردن والجزر اليونانية. وهناك مخاوف حقيقيةٌ من انتشار الفيروس في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام؛ بسبب النقص الشديد في المعدات والكوادر الطبية، والحالة الكارثية للنظام الصحي عمومًا، وبسبب التخبط (الظاهري) في سياسة النظام الصحية والإعلامية، في مواجهة مخاطر تفشي هذا الفيروس: حيث تم الانتقال “بسرعة البرق” من حالة الإنكار، والتطمينات المزيفة، والنفي التام، لوجود إصابات بهذا الفيروس، في سوريا، إلى حالة الهلع، وإغلاق المنشآت العامة والخاصة، وحظر التجول، وحملات التعقيم “الغريبة”… إلخ.

سأحاول فيما يلي مناقشة بعض ردود فعل السوريين، وغير السوريين، على ظاهرتي الكورونا والنظام الأسدي، وبعض تفسيراتهم للظاهرتين. وفي مناقشتي لبعض البداهات المنتشرة، لدرجةٍ أو أخرى، بين السوريين، وغير السوريين، في خصوص الكورونا والنظام الأسدي، سأستند إلى بعض المبادئ أو القواعد العامة، أو المشارط الفلسفية Philosophical razors. والمقصود ﺑ “البداهات” هو تلك الأفكار التي يعتقد أو يسلِّم كثيرون بصحتها ومصداقيتها، بالبداهة، أي بدون امتلاك بيناتٍ كافيةٍ على صحتها، بل وبدون التمعن، أو حتى التفكير أو التفكُّر، في مضامينها وأسسها وتوظيفاتها ونتائجها. والمقصود ﺑ “المشارِط الفلسفية” هو مجموعةٌ من القواعد أو المبادئ التي تسمح باستبعاد بعض التفسيرات أو التأويلات أو الظواهر التي لا تبدو مناسبةً أو معقولةً، أو التي من المرجح ألا تكون صحيحةً أو موجودةً.

“عندما تقول أنت تفعل”، هذا هو عنوان الترجمة الفرنسية لكتاب الفيلسوف الإنكليزي جون أوستين “كيف تفعل الأشياء بالكلمات”. ويمكن الاستناد إلى هذه الفكرة، للتشديد على “مسؤولية الكلمة” أو على ضرورة تحلينا بالمسؤولية في كلامنا، بحيث لا نطلق الكلام على عواهنه، و”لا نشلف الكلام شلفًا”، خصوصًا عندما تفتقر أفكارنا أو كلماتنا إلى سندٍ معقولٍ يسوّغها، ويمكن أن يكون لها تأثيراتٌ سلبيةٌ ما. ومن هنا وجوب الحذر، على سبيل المثال، من تبني أو ترويج أفكارٍ تفسر جائحة الكورونا ﺑ “عقوبةٍ إلهيةٍ”، أو “مؤامرةٍ شيطانيةٍ”، أو ما شابه.

وتزداد ضرورة التحلي بمسؤولية الكلمة، بقدر زيادة حجم أو مستوى “المكانة الاجتماعية”، الفعلية أو المزعومة، والقدرة التأثيرية المحتملة، لصاحب الكلمة. فتهوين طبيبٍ مختصٍّ من شأن جائحة الكورونا يملك، غالبًا أو على الأرجح، تأثيرًا أكبر من تأثير كلام غير المختص. وهذا التأثير السلبي هو الذي تحدث عنه فرانسيس بيكون تحت عنوان “أوهام المسرح”. فلأبطال المسرح، و”النخب”، سلطةٌ معنويةٌ تجعلهم، أحيانًا او غالبًا، قادرين على التأثير، أكثر من قدرة غيرهم من الأشخاص. وعلى ذكر “المسرح”، يمكن أن نشير إلى سلبية تصريح “الفنان غسان مسعود” عن شكوكه في كون “فيروس كورونا هو 50% صناعةٌ امريكيةٌ، وتهوينه من شأنه، من خلال مقارنته بحوادث الطرق.

وفي الإطار ذاته، وفي صحيفة تشرين السورية، الصادرة في 16.03.2020، أجرى الصحفي أيمن فلحوط حوارًا مع “الدكتور” مجد نزار بريك هنيدي، وكان عنوان الحوار هو: “د. بريك: فيروس «كورونا» غير خطر ونسبة الشفاء تتجاوز 97% ويشبه نزلة البرد”. وبغض النظر عن إشكالية كون “الدكتور” بريك “دكتورًا” فعلًا، لكونه لا يحمل شهادة دكتوراه، وليس خريج كلية الطب، فإن تهوينه من خطورة الفيروس، وجائحة الكورونا عمومًا، يثير الكثير من التساؤلات والتحفظات. من المرجح أن عنونة الحوار بمثل هذا التهوين جاء نتيجةً لتوجيهاتٍ أمنيةٍ، في دولةٍ، هي “دولةٌ أمنيةٌ” بامتيازٍ، كما وصَّفها طيب تيزيني محقًّا. ففي مثل هذه “الدولة”، تهيمن التوجيهات الأمنية على كل مفاصل السلطة، ولا يكون للمصالح الاقتصادية العامة، أو الآراء الطبية المختصة، دورًا قياديًّا مهمًّا أو أساسيًّا، في تحديد مدى خطورة مرضٍ ما، ولا في كيفية التصدي له. لكن الطغيان الأسدي/ الأمني، مثله مثل كل طغيانٍ، بحاجةٍ إلى “بياعي حكي” أو سفسطائيين منافقين، ليروجوا لسياساته، وليحاولوا منحه بعض المشروعية والمقبولية، كما يقول أفلاطون محقًّا.

وفي وجه “نظريات المؤامرة” الساذجة التي يتبناها كثيرون، ويروجون لها، قصدًا أو عفوًا، في خصوص فيروس كورونا، أو في خصوص أسباب قيام ثورات الربيع العربي، يمكن التذكير ﺑ “قاعدة ساغان” القائلة “المزاعم غير العادية تتطلب أدلةً أو بيناتٍ غير عاديةٍ”. فأصحاب نظريات المؤامرة، الشائعة في هذا الخصوص، يقرون غالبًا بلا-عادية مزاعمهم، وبافتقارهم إلى بيناتٍ وأدلةٍ استثنائيةٍ، بقدر استثنائية نظرياتهم، لكنهم يصرون على التشبث بمواقفهم، في كثيرٍ من الأحيان. ومن هنا أهمية “نصل ميتشِن” الذي ينص على أن “ما يمكن تأكيده بدون دليل، يمكن رفضه بدون دليل”.

ويمكن أو ينبغي لاستبعاد تلك النظريات أو التفسيرات الساذجة أن يترافق مع إبرازٍ لنظريات وتفسيراتٍ تبدو كافيةً ومسنودةً بقرائن معقولةٍ جدًّا. ووفقًا ﻟ “نصل أوكام”، “التفسير الأبسط هو، غالبًا، التفسير الأصح، وفي حال العثور على أسباب تشرح، شرحًا كافيًا، وجود ظاهرةٍ ما، ينبغي استبعاد وجود أسبابٍ أخرى”. فلسنا بحاجةٍ إلى الحديث عن “مؤامرةٍ كونيةٍ” أو “مؤامرةٍ أمريكيةٍ”، مثلًا، لتفسير، أو فهم، أسباب قيام ثورات الربيع العربي. ففي البلاد التي حصلت فيها تلك الثورات أسبابٌ، أو بالأحرى عللٌ، كافية، لقيام تلك الثورات، بالمعنيين الممكنين لكلمة “علة”: مرضٌ أو داءٌ، من جهةٍ، وسببٌ، من جهةٍ أخرى. ولا يقتضي تطبيق هذا النصل/ المبدأ، في هذا السياق، استبعاد العوامل الخارجية، في هذا الخصوص، وإنما يقتضي فهم هذه العوامل، وفقًا ﻟ “جدل الداخل والخارج”، الذي يبين وجود تكاملٍ أو تضافرٍ ما، بين البعدين، وليس وفقًا ﻟ “جدال الداخل والخارج” الذي يحوِّل ما يحصل في الداخل إلى مجرد صدىً لتخطيطٍ/ تآمرٍ خارجيٍّ. ومن هنا أهمية “نصل هيوم” القائل: “ينبغي للأسباب أن تكون قادرةً لوحدها على إحداث الظاهرة المنسوبة إليها”؛ إذ يمكن تصور قيام ثورات الربيع العربي، بدون استدعاء أو وجود أي دور خارجيٍّ – “يلي فينا وعندنا مكفينا” – لكن لا يمكن تصور أن يكون لهذا الدور الخارجي مثل هذا التأثير، لولا وجود “العلل الداخلية، الكبيرة والكثيرة، والمتمثلة، خصوصًا، في الاستبداد السياسي، والقمع الأمني، والاستغلال الاقتصادي.

والمشكلة أو المفارقة في البداهات المذكورة وما يماثلها، لا تكمن، فقط، في افتقارها إلى أدلةٍ، أو بيناتٍ، أو حتى قرائن، معقولةٍ، تسوِّغ تبنيها، وتظهر واقعيتها، وإنما تكمن، أيضًا وخصوصًا، في استحالة دحضها، أو تفنيدها، أو التدليل على عدم واقعيتها. وانطلاقًا من “مبدأ بوبر” القائل ﺑ “وجوب وجود إمكانيةٍ لدحض أو تفنيد أي نظرية، لكي يكون بالإمكان الزعم باتسامها بالعلمية”، يمكن نفي “علميتها المزعومة”، ليس بالمعنى الوضعي للعلمية فحسب، بل وبمعنى المعقولية ووجود ما يسوغ تبنيها، أو حتى أخذها على محمل الجد، أيضًا.

وعلى الرغم من أن كل القرائن أو الدلائل تشير إلى أن كل الدول وقعت ضحيةً لهذا الفيروس، وأنه من الصعب تخيُّل أن يكون ظهور أو انتشار هذا الفيروس هو نتيجةٌ ﻟ “مؤامرةٍ صينيةٍ على الغرب” أو “مؤامرةٍ غربيةٍ أو أمريكيةٍ على الصين أو غيرها من دول العالم”، فما زال هناك من يتبنى مثل هذه الأفكار أو النظريات المؤامراتية الساذجة. ووفقًا للمنطق ذاته، ما زال هناك من يقول بوطنية النظام الأسدي، وبأن هذا النظام ضحيةٌ للتآمر الخارجي، أكثر من كونه سببًا للجرائم، الكثيرة والكبيرة، التي اقتُرِفَت، في سوريا، خلال السنوات الأخيرة، بل وخلال العقود الأخيرة، عمومًا. وينفي متبنو مثل هذا الرأي الطبيعة الاستبدادية للنظام، على الرغم من أنه يتسم بها بكل سمات/ سلبيات النظام الاستبدادي، وعلى الرغم من النتائج الكارثية التي أفضى إليها هذا الاستبداد. وربما كان من الضروري لمتبني مثل هذا المنطق (“الأعوج”) أن يفحصوا الواقع على غرار “فحص البطة”. وينص الفحص المذكور على ما يلي: “إذا كان كائنٌ ما يبدو مثل البط، ويسبح مثل البط، ويبطبط مثل البط، فهو على الأرجح بطةٌ”.

لا يوجد حاجةٌ ماسةٌ للبحث في الأعماق، إذا كان الظاهر يقدم لنا كل ما نحتاجه في خصوص أمرٍ ما، وإذا كان البحث يتضمن تزييفًا للحقائق المعرفية والأخلاقية والسياسية. فمثل هذا البحث الذي يزعم اتسامه بالعمق، وبسعيه إلى المزيد من التبحُّر والتعمق، هو انزلاقٌ إلى مزيدٍ من السطحية والتسطح في التفكير. فهل هناك، فعليًّا، حاجةٌ للتعمق، وتجاوز الظاهر والجلي، للقول أو للإقرار بالطبيعة أو الماهية الاستبدادية للنظام الأسدي، وبسلبياته وجرائمه الكثيرة والكبيرة؟

من المرجح أن الكثيرين من متبني نظريات المؤامرة الساذجة، أو البداهات المُنتقَدة آنفًا، هم من أصحاب “النيات الطيبة”، بمعنى أن تبنيهم لها ليس ناتجًا، بالضرورة، عن سوء نيةٍ أو سوء طويةٍ. ولهذا أرى معقوليةً في التشديد على أهمية “مبدأ/ نصل هانلون”، عمومًا، وفي هذا السياق، خصوصًا. وينص هذا المبدأ على التالي: “لا تفسر أي شيءٍ بسوء النية أو بسوء الطوية، إذا كان في الإمكان تفسيره، تفسيرًا معقولًا، بعدم الكفاءة أو بالغباء”.

يمكن للحديث عن وجود القواعد أو المبادئ أو المشارط الأخلاقية المذكورة، أو غيرها، أن يعطي الانطباع بأنها تجسد بعضًا من الحكمة (الفلسفية) التي يمتلكها، أو ينبغي أن يمتلكها، عادةً أو عمومًا، الفلاسفة و/ أو الباحثين في الفلسفة أو المشتغلين فيها. ولهذا ينبغي الإشارة إلى العلاقة المعقدة بين الفلسفة والحكمة، تاريخيًّا وبنيويًّا. فالفلسفة، عبر تاريخها الطويل، كانت تنوس بين قطبين أساسيين: من جهةٍ أولى، الفلسفة ظهرت أو عرُّفت بدايةً، على أنها “محبةٌ للحكمة”، وليست امتلاكًا لها. وغالبًا ما كان أقرب الفلاسفة إلى الحكمة”، أقلهم ادعاءً بهذا الامتلاك. وعلى هذا الأساس لا يكون الفيلسوف حكيمًا، كما يكف الحكيم عن أن يكون فيلسوفًا، في لحظة اعتقاده أو ادعائه بأنه أصبح كذلك. من جهةٍ ثانيةٍ، ادعى كثيرون من الفلاسفة والمشتغلين فيها، امتلاك هذه الحكمة، ومارسوا، ما يمكن وصفه، وفقًا لمنظور القطب الأول، خيانةً للفلسفة وللحكمة، في الوقت ذاته. يضاف إلى ذلك أن الحكم تتخذ، في كثيرٍ من الأحيان، صيغة أقوالٍ مأثورةٍ يناقض بعضها بعضًا، بدون وجود محاجاتٍ تسندها، وتبين معقولية وحدود شموليتها أو إطلاقيتها المزعومة. وعلى هذا الأساس، وبسبب المضامين السلبية و/ أو السخيفة لبعض “الحكم” و”الأقوال المأثورة” الشائعة، يمكن أن نفهم الانتقاد الشديد الذي وجهه “الفيلسوف” سلافيو جيجيك لفكرة “الحكمة”، وللحكم السائدة عمومًا، لدرجة وصفها بأنها “أكثر الأشياء المثيرة للقرف التي يمكن تخيلها”.

وعلى الرغم من ذلك كله، يمكن المحاججة بوجود معقوليةٍ كبيرةٍ في المخاطرة بالحديث عن القواعد والمشارط الفلسفية المذكورة آنفًا، حتى وإن بدا أنها تتخذ شكل “الحكم والأقوال المأثورة”. لكن يمكن الزعم أن “زمن الكورونا (و)الأسدية” يسوِّغ هذه المخاطرة، ويقلل من أبعادها السلبية، إلى حدٍّ كبيرٍ. ولا تهدف تلك القواعد والمشارط إلى تأكيد حقائق معينةٍ، وإنما تطمح إلى الإسهام في التخلص من بعض العقبات المعرفية والمنهجية والسياسية التي تَحول، أو تسعى إلى أن تَحول، دون وصول الناس إلى أحكامٍ ومواقف معرفيةٍ وأخلاقيةٍ وسياسيةٍ معينةٍ. ولا أعتقد بوجود معقوليةٍ (كبيرةٍ) في مطالبة أي كاتبٍ أو متحدثٍ، من متلقيه، بأن يطبقوا “مبدأ/ نصل غرايس”، الذي يقول: “اهتم بما يريد شخصٌ ما أن يقوله لك، بدلًا من الاهتمام بالمعنى الحرفي لكلامه”. فتبني أي كاتبٍ أو متحدثٍ لهذا المبدأ/ النصل يمكن أن يكون أساسًا لتبرير سوء تعبيره، أو للتقليل من أهمية اختياره لكلماته. فمثل هذا التبرير يتناقض، تناقضًا مباشرًا أو غير مباشرٍ، مع مبدأ “مسؤولية الكلمة: الذي أشرنا إليه آنفًا. و”المثل الأعلى” الذي يسعى، أو ينبغي أن يسعى، إليه، كل كاتبٍ/ متحدثٍ، هو “أن يقول كل ما يعنيه أو يقصد قوله، وأن يعني أو يقصد كل ما يقوله”.

من المرجح استحالة الوصول إلى مثل هذا “المثل الأعلى”؛ لكن أليس هذا هو حالنا مع كل مثلٍ أعلى؟

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي بروكار برس

————————————-

عن الاستثمار في الجائحة/ أكرم البني

من المؤسف أن يترافق المشهد العالمي المثقل بالعجز عن السيطرة على فيروس «كورونا» وبالصور المؤلمة لضحاياه، مع استمرار شحن الصراعات السياسية والمنافسات الاقتصادية وتغذية المصالح الأنانية والعصبيات العرقية، في تسابق بغيض لدى بعض قادة الدول لاستثمار الحدث، والإفادة من تداعياته، لتقوية عناصر سيطرتها ونفوذها، بدل التوجه للعمل على حلول إنسانية مشتركة لتجاوز المحنة.

فماذا يمكن أن يُفهم من سلوك سلطة بكين التي آثرت حفاظاً على مصالحها الاقتصادية وسمعتها السياسية التكتم على نشوء الفيروس، وحجبت حقائق تطوره وأعداد ضحاياه، مستهينة بالتحذيرات التي أثارها أطباؤها حول خطورته وسرعة انتقاله عبر المسافرين إلى أرجاء المعمورة؟ أو كيف نفسر تهربها من فعلتها ومسؤوليتها، بتمرير تصريحات عن أن الوباء صنيعة إمبريالية، وتحديداً أميركية، للنيل من الموقع المتقدم الذي باتت تحتله الصين اقتصادياً؟ ثم مسارعتها بعد أن تمكنت من محاصرة الوباء، للعمل على تلميع صورتها وعرض المساعدة لأكثر الدول الأوروبية تضرراً، عساها تعيد فتح أبواب تصدير منتجاتها، من دون أن تتردد في تشغيل دعايتها الإعلامية، للطعن في حيوية الأنظمة الديمقراطية وفي فعاليتها في حماية شعوبها، مروّجة لنموذجها المركزي القمعي، وقدرته في السيطرة على حياة الأفراد للحد من انتشار المرض؟ ثم ألا يصح النظر من القناة ذاتها إلى موقف روسيا، وكيف عملت بكل طاقتها للتشكيك في قدرة أوروبا على البقاء كياناً موحداً بعد جائحة «كورونا»، ساخرة من الاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة، لأنه لم يستطع توفير أجهزة التنفس الصناعي ومعدات الوقاية والحجر الصحي لشركائه وأعضائه، كالتي وفرتها روسيا والصين لإيطاليا وإسبانيا وصربيا، وكأنها تتقصد الدعاية السافرة لكفاءة الأنظمة المغلقة، الشعبوية والاستبدادية؟!

مع الازدياد المستمر في أعداد المصابين والضحايا في الولايات المتحدة، لم يتأخر الرئيس الأميركي عن استثمار جائحة «كورونا» لتحميل الصين – بداية – مسؤولية خلق الفيروس ونشره، بغرض تقويض سمعتها وتأليب العالم ضدها، في سياق معركته للحد من نفوذها وطموحها الاقتصادي والسياسي، ثم الإفادة من مناخ الخوف المرافق لانتشار الوباء، لشحن الروح العنصرية، وتعزيز تعبئته الشعبوية ضد المهاجرين في بلاده، متوخياً مع اقتراب المعركة الانتخابية، ربح مزيد من النقاط ضد منافسه الديمقراطي. ويزيد الطين بلة تريثه في تنفيذ خطط شاملة للعزل وإغلاق المدن، كي تبقى عجلة الإنتاج دائرة، مدعياً أن الخسائر الناجمة عن تعطيل الاقتصاد أكبر من خسائر «كورونا». ولا تغير هذه الحقيقة؛ بل تؤكدها، محاولاته بث تطمينات زائفة، بادعاء قرب إنتاج لقاح ضد الفيروس، أو الرهان على دواء «الملاريا» في معالجة المصابين، بينما لن يغفر التاريخ له ما تردد عن سعيه لشراء واحتكار لقاح، أشيع بأن أحد المختبرات الألمانية توصل إليه.

وفي المقابل، تثار الشكوك حول تباطؤ حكومات غربية في إنقاذ مناطق انتشر فيها الفيروس وتعتبرها معاقل للمعارضة، بهدف تحسين فرص سيطرتها، أو عن تواطؤ خفي لحكومات أخرى للتخلص من كبار السن الذين يطالهم «كورونا»، وقد باتوا يشكلون عبئاً ثقيلاً على المجتمع وحوافز تطوره الاقتصادي، بدليل مجاهرة رئيس الوزراء البريطاني بتطبيق ما سماه «مناعة القطيع»، كي تكتسب الأجيال المناعة من عمومية انتشار الوباء، حتى لو كان ثمن هذا الاصطفاء الطبيعي، البقاء للأقوى، وخسائر كبيرة في الأرواح!

لحكام طهران حكاية مختلفة، فقد حاولوا بداية استثمار الوباء حين تأخر انتشاره في مدنهم، للظهور بمظهر السلطة القوية والمحصنة؛ لكنهم كالعادة لجأوا إلى نظرية المؤامرة، واتهام أميركا بأنها مَن نشر الفيروس للنيل منهم بعد أن أفشلوا حصارها، كذا! ثم لم يترددوا في استثمار المرض بعد استفحاله، لاستجرار معونات يرجون منها تخفيف أزمتهم الاقتصادية، بينما لم يهتم الرئيس التركي إردوغان بمصير ضحايا شعبه من «كورونا»، مجاهراً بأن للاقتصاد أولوية لن يتنازل عنها، رافضاً إغلاق المدن والعزل، ومتطلعاً إلى كسب اقتصادي قد يمكنه من استعادة شعبية مفقودة.

وهنا، لنتمعن في سلوك حكومتي لبنان والعراق، وكيف أفادتا من انتشار الفيروس لحظر التجمعات، وتسويغ قمعهما لانتفاضات شعبية نهضت ضد الفساد والتسلط والارتهان، بينما تستمر السياسة السورية في نهجها الديماغوجي، إنْ لتغطية ما مارسته وتمارسه ضد الشعب السوري من قتل وفتك، وإنْ لتمرير حربها على إدلب بأقل ردود فعل، وإنْ بادعاء القدرة والكفاءة، وحتى التفرد، في التصدي لهذا الوباء. ويحتار المرء، هل يبكي أم يضحك، من تصريح وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، بأن العالم كله بات يقتدي بالتجربة السورية الناجحة في التصدي لفيروس «كورونا»؟! والأنكى حضور رغبات سلطوية في انتشار الوباء فيما تبقى من أماكن سيطرة المعارضة عساه ينهي وجودها، أو انتقاله لمخيمات اللاجئين، مع ما قد يخلفه ذلك من نتائج مأساوية.

ثمة فقهاء لجماعات الإسلام السياسي وبعض المتأسلمين الديماغوجيين، بادروا لتوظيف «كورونا» لبعث وإحياء بعض الخرافات الدينية التي تتعارض مع جوهر الدين ومع المنطق، وما أرسته العلوم والمعارف في فهم الوباء وطرق مواجهته، مرةً بالادعاء أن هذه الجائحة لن تطال المسلمين، وهي عقاب من الله ضد الكفرة والمشركين، ومرة ثانية بالتحريض على رفض قرار السلطات وقف الصلاة في المساجد؛ لأن أماكن العبادة أرض مقدسة لا حياة فيها للفيروسات والجراثيم! ومرة ثالثة بالإصرار على تقاليد زيارة مراقد الأولياء، على الرغم مما حصل في مدينة قم الإيرانية. زاد بالطنبور نغماً عناصر مأجورة تدعي العلم والمعرفة، وظَّفت نفوذها في وسائل التواصل الاجتماعي لإشاعة معلومات خاطئة، وطرق طفولية مثيرة للسخرية، على أنها قادرة على هزيمة الوباء.

أخيراً، يبقى السؤال: هل تنجح جائحة «كورونا» في إخراج أسوأ العادات والأخلاق الاجتماعية، أم ستكون محطة مفصلية، تعيد للإنسان إنسانيته، وللقيم الأخلاقية مركزيتها؟ وتالياً: هل تستمر النخب الأنانية في جر المجتمعات نحو العنصرية والغرائزية ومنطق القوة والعنف، وما يخلفه ذلك من ضحايا وتمييز وتدمير للبيئة وأزمات لجوء وانهيارات اقتصادية، أم أن التطورات الموضوعية التي وصلت إليها البشرية، وقوة تشابك مصالحها وإلحاح حاجتها للتفاعل والتلاحم في مواجهة التحديات والمعضلات المشتركة، ستدفعها لمراجعة حساباتها، ولإطلاق آفاق جديدة تعلي من شأن الإنسان، وأولوية صيانة حياته وحريته وحقوقه؟

الشرق الأوسط

————————————

دير شبيغل: نظام الأسد يخفي العدد الحقيقي لضحايا كورونا

ترجمة وتحرير ناجي مطر

نشرت صحيفة دير شبيغل الألمانية الأربعاء تحقيقاً مشتركاً مع موقع “سوريا إن كونتكست” حول انتشار جائحة كورونا في سوريا، تؤكد فيه إخفاء نظام الأسد الأعداد الحقيقية للإصابات والوفيات، والتي تقدر بأكثر مما هو معلن.

تتحدث الصحيفة أنه “قبل نحو أسبوع بدت سوريا كأنها جزيرة سليمة في خارطة انتشار الجائحة، فلا إصابات مصرح عنها وكل من خضعوا للفحوصات كانت نتائجهم سلبية، رغم انتشار الفيروس بسرعة في جميع دول الجوار”.

تكشف “دير شبيغل” أنه “في ٢١ من آذار سُجل أول إصابة بالكورونا، فقد عادت طالبة من لندن إلى دمشق عبر الإمارات وبيروت وكانت نتيجة الفحص إيجابية، دون الخضوع للحجر الصحي، حيث يفترض أنها ابنة مسؤول قوي في النظام”.

تتابع الصحيفة “حتى يوم السبت أعلنت سلطات النظام تسجيل أربع حالات وأعلن مساء الأحد عن أول وفاة، ويبدو ذلك محض كذب فالجائحة تنتشر بسوريا منذ أسابيع في المدن السورية الكبرى لكن يمنع الحديث عنها”.

ونقل التحقيق عن طبيب من المنطقة الساحلية طلب إخفاء اسمه ومدينته والمشفى الذي يعمل فيه أن “عناصر أمن الدولة يأتون مراراً وتكراراً ويأمرون الجميع بعدم الحديث عما يجري وإلا فسنموت”.

ويضيف الطبيب “رغم عدم استطاعتي تحديد داء المرضى الذين تم قبولهم بأعداد متزايدة إلا أنهم عانوا التهاباً رئوياً وضيقاً في التنفس وحمى شديدة جداً، فلا يمكننا إجراء الاختبارات هنا، لذا نرسل العينات إلى دمشق، لكننا لا نتلقى أي إجابة”.

سيناريو مشابه في دمشق

وبحسب الصحيفة الألمانية فإن طبيبين من مشفى تشرين العسكري في العاصمة السورية تحدثا عن سيناريو مشابه لمدن الساحل، فأعداد الإصابات والوفيات تزداد، ناهيك عن وجود العديد من الإصابات “بفايروس كوفيد 19” في صفوف عناصر المليشيات الأجنبية التي تقاتل مع النظام، والمصابون من أفغانستان وباكستان ولبنان وايران والعراق. وهذا ما يتقاطع مع إعلان مصادر باكستانية في ٩ و١٠ من آذار الماضي عن تسجيل ست إصابات بالكورونا لأشخاص عادوا من سوريا.

ينقل التحقيق عن طبيبة تعمل في مشفى بدمشق تأكيدها وجود ٥٠ حالة وفاة بالفايروس، نتيجة عدم توافر أي أدوية وانعدام إمكانية عزل المصابين، فيما سجلت الوفيات على أنها التهاب رئوي.

وفي شوارع العاصمة يقف الجنود على الحواجز ونقاط التفتيش للتدقيق بأوراق المواطنين دون ارتداء أقنعة أو قفازات وعند السؤال عن ذلك يقولون “مرحباً بالموت إن جاء”.

إصابات في حلب

وفي حلب شمالي سوريا أفاد طبيب بوقوع أربع وفيات في غضون أيام قليلة، حيث ظهرت عليها أعراض الالتهاب الرئوي والتدهور السريع بالصحة وتوقف التنقس، فيما يقول سائق سيارة إسعاف “إنهم أخذوا المزيد والمزيد ممن ظهرت عليهم نفس الأعراض إلى المستشفى الجامعي لمدة أسبوعين تقريباً، لكن لا يمكن الحديث عنهم أو الإعلان عن إصابتهم، يجري كل ذلك في مملكة الأسد، حيث تبدو سوريا جزيرة منعزلة لكنها أكثر إنكاراً للواقع، “وفقاً لدير شبيغل.

وحتى الأسبوع الماضي أعلنت وسائل إعلام النظام بلا خجل أنه لم تكن هناك إصابات في سوريا وأن جميع الاختبارات كانت سلبية لأسابيع، بيد أن إخفاء الإصابات ليس ممكناً لفترة طويلة، خاصة مع حصول سوريا في 13 من آذار على الدفعة الأولى من أجهزة اختبار الفيروس من قبل منظمة الصحة العالمية.

لا شيء يمكن فعله

يقول طبيب من مدينة إدلب شمال غرب سوريا، إن “مئات المدنيين يأتون إلينا وهم يعانون أعراض الإصابة بالفيروس، لكن لا يمكن معرفة ما إن كانوا مصابين أم لا فنرسلهم إلى بيوتهم”.

وتشير الصحيفة إلى ما ورد في “ورقة استراتيجية” للحكومة الألمانية، أنه “يمكن التصور أن تصب أزمة كورونا في مصلحة الأسد، حيث يستغل الديكتاتور كارثة وشيكة وخوف الأوروبيين من حركة لاجئين جديدة، في الدفع نحو رفع جزئي للعقوبات الدولية، والترويج لتقديم مساعدات للشعب”.

————————————-

 المتسلطون لا يَهزّهم شيء!/ نهلة الشهال

كشفت كارثة كورونا في كل مكان، الفئات والمهن الضرورية حقاً للمجتمعات. كما أعادت التذكير بأن تأمين الصحة العامة لا يتوفر بدون تعليم عام متين، وشروط حياة لائقة بآدمية البشر. الأمر يخص زاوية النظر للمجتمعات، ما بين الاشتغال على رفاهها، أو

قد يكون من السذاجة افتراض وجود ولو مقدار قليل من القيم الخيّرة لدى كل إنسان، كائناً من كان. قد لا تكون سذاجة، بل تغليباً للإيمان بالإنسان، سواء أكان مصدر هذا الاعتقاد دينياً أم فلسفياً.. وهل من لحظة لرؤية ذلك أنسب من اليوم، مع ما يلم بالبشر كلهم بسبب جائحة كورونا؟

ولهذا أصلاً أبدى الجميع استعداداً للتغاضي عن تقلبات الرئيس الأمريكي البهلوانية، بين عناد متعجرف على أولوية الإنتاج والبزنس “مهما كان الثمن”، ثم على أولوية صحة الناس وسلامتهم حينما أصابت الجائحة مئات ألوف الأمريكيين وبدأت تحصد أرواح الآلاف منهم.

والتغاضي كذلك عن لهجة الرجل الساخرة والمشكّكة والاتهامية وحتى التهديدية، حيال الصين تارة، وإيران تارة أخرى، وحيال كل ما يقع بصره عليه: تغاضوا باعتبار أن المهم هو أن يُشجّع على استعادة توازنه لاتخاذ القرارات المناسبة لحماية البشر.. حتى لو كان المتغاضون عن السوء يعرفون أن تقلباته تلك، مصدرها أنه لا يفكر إلا بالانتخابات المقبلة – متى أصلاً يا رجل؟ الله أعلم! – وبالطريقة المثلى لإدارة فرص نجاحه فيها، أو محو أخطائه الفادحة التي تهدد بشكل جدي هذه الفرص.

ترامب هو النموذج الفج لمآل التوحش النيوليبرالي للرأسمالية.. ليفاجَئ الناس بأن السادة الآخرين ليسوا حقاً أفضل منه، حتى ولو كانوا أقل ابتذالاً وأقدر على تغليف كلامهم، وما يظهر من سلوكهم، برداءات من الثقافة والتهذيب والأناقة والترفع…

الأمثلة عن الآخرين كثيرة، وتغطي العالم، بغض النظر عن الاختلافات السياسية بين الأنظمة. فالعطب هو في السلطة والاستحواذ عليها، وما تتيحه من امتيازات معنوية ومادية. لكن الأمر ليس فردياً أو نفسياً. فخلف كل رئيس أو مسؤول تقبع مجموعات متشابكة من المصالح المالية والصناعية الهائلة.

كنا سهونا بمناسبة كورونا عن اللوبيات التي حالت (مثلاً) دون اتخاذ المفوضية الأوروبية (مثلاً مرة أخرى) قراراً بمنع تسويق المبيدات المعروفة باسم “راوند أب” المصنوعة من مادة “غليفوزات” glyphosate الخطيرة، وهي تُستعمل في الزراعة على نطاق واسع عالمياً. لم يفعلوا بحجة نقص الأدلة، والحاجة لمهل الخ.. أو هي حالت دون حظر المنتجات المعدلة جينياً (OGM) بحجة أنها باب للوفرة في الإنتاج ومحاربة الجوع في العالم (!)، بينما الوفرة الوحيدة وُجدت في جيوب الشركات وعلى رأسها “مونسانتو” التي ترعى المنتجَين معاً، ومعهما آلاف مجموعات الدعاية والضغط في العالم، وتقدم رشًى أو تدعم مسؤولين أو تحاربهم. وهكذا في السلاح، وفي الدواء إلخ.

.. في الدواء! حيث يتناطح وسط كارثة كورونا نفسها، بلا خجل ويكاد يكون بلا مواراة، متنفذون سياسيون وعلماء ومختبرات، متنافسين داخل كل بلد، وعلى نطاق عالمي. مع بهارات من التفاخر الوطني حيث يمكن، لزوم التشاوف والإقناع. يتناطحون قبل أن يتحقق إنتاج لقاح أو علاج، فيما عدّاد الموتى يرتفع بتعاظم، وتصل أخبار وصور جديرة بالقرون الوسطى لطاعنين في السن يموتون لوحدهم في دور رعاية متروكة، وجثث تتراكم بلا مكان لحفظها قبل التخلص منها، وزعماء يحذِّرون بكل هدوء ووقار من إمكان توقع ضحايا بالملايين، والخوف هو أحد أدوات السيطرة على الجموع والتحكم بها. وهذا يُرى في البلدان “المتحضرة”.وأما في بلداننا الفقيرة، فالكارثة ونتائجها تكتفي بالأرقام الباردة (والمزورة)، أو حتى تدور بلا أرقام، ولا تترافق مع صور، ولا مع تغطيات صحافية وتلفزيونية مزلزِلة. فمن يكترث؟

ووسط كل هذا، يجري التغنّي بال”أبطال”. الممرضات والممرضين والطبيبات والأطباء والمسعفين من الجنسين، في المستشفيات العامة، يستميتون لإنقاذ الأرواح، متجاوزين الخطر والإرهاق.

وهم يئنّون من قلة الإمكانات التي بين أيديهم.. وهو الشيء الوحيد الذي عرفوه وخمّنوا نتائجه قبل الجائحة – ومن دون تخيل جائحة – فأضربوا وثاروا وكتبوا العرائض وقابلوا المسؤولين، وانتحر بعضهم يأساً.. بلا طائل.

أبطال فعلاً، يتجاوزون بمناسبة الكارثة، وعلاوة على كل شيء، بؤس معاشاتهم وشروط عملهم التي كانوا قد صرخوا بها من قبل.

فهل سيكافَأ الأبطال، ليس بعلاوات – فهذا بمقدار ما هو إجراء سهل، فهو شكلي وهو معيب – وإنما بإعادة تنظيم الصحة العامة، وإعطائها ما تستحق من موازنات، وإمكانات، ورعاية. وهناك أبطال سواهم، وقد كشفت كارثة كورونا في كل مكان عن الفئات والمهن الضرورية حقاً للمجتمعات.. كما أعادت التذكير – لو ثمة داعٍ لذلك – بأن تأمين الصحة العامة لا يتوفر بدون تعليم عام متين، وشروط حياة لائقة بآدمية البشر، وأن الأمر يخص زاوية النظر للمجتمعات، ما بين الاشتغال من أجل رفاهها، أو تجاهلها والانصراف إلى تنمية “بزنس” قلة القلة.

ما يُكشف عنه من خطط المستقبل التي تعدها السلطات، يوحي بأن أصحاب هذه الأخيرة لم يفهموا! وقد نشرت صحيفة “ميديابارت” الإلكترونية الفرنسية بتاريخ الأول من نيسان/ أبريل، تقريراً سُرّب إليها عن مقترحات الجهة المكلفة بخطط المستقبل. مرعب! تتجه التوصيات لمزيد من الخصخصة تحت مسمى “التعاون بين القطاعين العام والخاص”. ويعتمد التقرير المرفوع إلى الجهات العليا لغة تكنوقراطية لا تكترث بأوضاع العاملين في القطاع ولا بالناس عموماً.

فهل سيُضحّى بسرعة ب”الأبطال”، حين تهدأ الأمور؟ ولو حصل، فهل سيُعْمد إلى الاتكال مثلاً على الروبوتات (من حسن الحظ أنهم ما زالوا قلة!)، باعتبار أن البشر ثقيلو الظل ومشْتكون دائمون، وما زالوا يفكرون ويطالبون، ولم يتأقلموا بعد مع الانسحاق التام، العبودية.. وهم كذلك منذ فجر التاريخ، مع العبد سبارتاكوس المتمرد، وحتى السترات الصفراء في فرنسا وشبان وشابات العراق المنكوب، ولائحة طويلة غيرهم من المتمردين الجدد؟

ثم من سيسدد فاتورة الاستشفاء، وهو يُخطط لإلغاء مجانيته التي أقرت في وقت ما بوصفها حقاً أساسياً للإنسان؟ القادرون فحسب؟ فكم أعدادهم، وهل سيُباد الآخرون؟

وكجزء من الإبادة، يَحْضر واقع الأغلبية الكبيرة من البشر الذين طُلب منهم التزام الحجر بوجه كورونا. فهل يمكن للأحياء العشوائية وشبه العشوائية المكتظة، في القاهرة، مثلاً، ولكن وكذلك، وإنْ وفق مقياس أصغر بكثير، في أحياء طرابلس- لبنان مثلاً أن تلتزم بالحجر؟ من يُطعم الذين يعملون في مهن يومية أو في كل مهن الاقتصاد الموازي، بلا معاشات ثابتة ولا ضمان اجتماعي وصحي، وهم صاروا أغلبية الشغيلة في بلداننا. وكيف يُطبّق الحجر في غرف ضيقة ومكتظة، تعاني من مشكلات عدم توفر المياه علاوة على الغذاء الذي انقطع. ومن أين الدواء؟ سيبادون!

.. وسيكثر الآخِرَويون بكل أصنافهم ومعتقداتهم. وسيكثرالمشعوذون!

السفير العربي

——————————

لا وقت للموت”كيف أصاب فيروس كورونا الديمقراطية في جميع أنحاء العالم/ برونو كوفمان

أدّى الانتشار المُستمر لفيروس كورونا إلى شَلّ الحياة حول العالم. الأنشطة العامة تم إلغاؤها – حتى عَرْض أحدثَ أفلام جيمس بوند – كما تم تأجيل الاقتراعات الشعبية في جميع أنحاء العالم. مع ذلك، لا يوجد أي أسباب يدعو الأوتوقراطيين والقوميين والشعبويين إلى إعلان النصر.

لا تبدو الأمور على ما يُرام حالياً، بَلْ وعلى العكس من ذلك في الواقع. وكما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قبل بضعة أيام، فإن فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19) “يُهدد البشرية جَمْعاء”، مُشيراً إلى الوباء الذي وضع أكثر من ثلاثة مليارات شخص قيد الحَجر الصحي، والذي قد يتسبب في أسوأ ركود اقتصادي في العصر الحديث.

في هذه المرحلة، لا يُمكن لإحد أن يقيس نطاق هذه الأزمة والعواقب المُترتبة عنها تماماً. “علينا أن نفْهَم بأننا لسنا نَحن مَن يحدد الجدول الزمني، لكن الفيروس هو الذي يُحدد ذلك”، كما قال أنتوني فاوتشيرابط خارجي خبير الأمراض المُعدية في البيت الأبيض، بعد أن كان الرئيس دونالد ترامب قد بَحَث إمكانية تَخفيف القيود المتعلقة بالفيروس.

في بلدتي الصغيرة في السويد، أدرَكْتُ مدى خطورة الوضع قبل بضعة أسابيع لأول مرة، إثر عودتي من رِحلةٍ إلى القُطب الشمالي لإنجاز تحقيق صحفي. العنوان الرئيسي للصحيفة المحلية للبلدة كان ينص على”تأجيل الاستفتاء المدرسي”. وكان يفترض أن يكون هذا هو الاستفتاء الشعبيرابط خارجي الأول من نوعه الذي يطلقه المواطنون بموجب قانون جديدرابط خارجي تم تبنيه قبل بضعة أعوام.

لكن هذه لم تكن سوى القطرة الأولى من ‘تسونامي كورونا’ الذي عَلَّق الديمقراطية التشاركية والمُباشرة في العديد من الأماكن، بما في ذلك بلدي الأصلي سويسرا، حيث تم إلغاء تصويت شعبي كان من المقرر إجراؤه يوم 17 مايو، بالإضافة إلى الأيقاف المؤقت لحملات لَجِمع التواقيع لاستفتاءات واقتراعات قادمة.

‘رئيس مدى الحياة’؟ هذا مؤجل أيضاً!

كما بات واضحاً، فإن هذا الوضع لا يختلف في أجزاء أخرى من العالم.

ففي الولايات المتحدة، حيث انصَبَّ الاهتمام السياسي على الاستعداد لانتخابات 3 نوفمبر (على منصب الرئاسة، والآلاف من المناصب والقضايا الأخرى أيضاً)، تم تعليق مُعظَم التجمعات الخاصة بجمع التوقيعات والحملات الانتخابيةرابط خارجي. وفي شيلي، حيث أطلق المواطنون العام الماضي عملية مُراجعة شاملة للدستور الوطني في عهد بينوشيه، تم تعليق الاستفتاء الخاص بهذا المسألة، الذي كان من المقرر إجراؤه في 26 أبريل.

وحتى في ظل نظام حكم أوتوقراطي انتخابي مثل روسيا (التي جاء ترتيبها هذا العام في الموقع 179 من 202 دولة في تقرير أصناف ديمقراطيةرابط خارجي المنشور حديثاً)، مَكَّن الوباء فلاديمير بوتين من تأجيل استفتاء استشاري كان من المُزمَع إجراؤه في 22 أبريل، والذي كان سيقدم للشعب تغييراً قانونياً يَسمح له بأن يصبح “رئيساً مدى الحياةرابط خارجي” في الواقع.

التأثير الديمقراطي للأزمة العالمية لا ينتهي بتعليق أنشطة المواطنين والاقتراعات الشعبية. فقد تم تجاوز البرلمانات في العديد من البلدان أيضاً، لا سيما تلك التي أعلنت فيها السلطات التنفيذية حالات طوارئ لم يَرَ العالم مثلها منذ الحرب العالمية الثانية.

حالات كهذه تشمل أحد المرشحين البارزين في تقرير أصناف الديمقراطية (V-Dem report) النرويج، حيث حاولت حكومة الأقلية التي تترأسها إرنا سولبرغ [زعيمة حزب المحافظين] تجاوز البرلمان من خلال المطالبة بسلطات غير محدودة من خلال تشريع لـ”أزمة كورونا”. وفي هنغاريا، سوف تصوت الجمعية الوطنية في 31 مارسرابط خارجي على “تمديد حالة الطوارئ الحالية إلى أجل غير مسمى”، والتي تفرض – من بين قيود أخرى – “عقوبات بالسجن على أشخاص يُعتقد قيامهم بنشر معلومات كاذبة” – (كاذبة برأي رئيس الوزراء فيكتور أوربان).

مرشحون بالكمامات

لكن، وكما يعتقد دانيال كريغ في فيلم جيمس بوند القادم – والذي تم تأجيل عرضه في دور السينما حتى 12 نوفمبر –”لا وقت للموترابط خارجي” الآن لأكثر أشكال الحُكم نجاحاً وإنسانية في التاريخ – ألا وهي الديمقراطية التمثيلية الحديثة.

بَيد أن الواقع يُظهر العكس تماماً. فعلى بُعد بضع مئات من الكيلومترات من شاطئ الصين، عَرَضَت دول ديمقراطية مُتقدمة ونابضة بالحياة مثل كوريا الجنوبية وتايوان أمثلة جديرة بالإقتداء حول كيفية التعامل مع الوباء بطريقة ديمقراطية حقيقية، حيث تمكنت الحكومات في سول وتايبي، وبالتوازي مع استجابتها السريعة والحازمة لخطر الفيروس، من الحفاظ على الحقوق والحريات الديمقراطية الأساسية لشعوبها أيضاً. وفي غضون ذلك، سوف تُجرى الانتخابات البرلمانية القادمة يوم 15 أبريلرابط خارجي في كوريا الجنوبية كما تم التخطيط لها – وإن كان المُرَشحون يجرون حملاتهم في ظل ظروف خاصةرابط خارجي إلى حد ما.

وفي النرويج، قاوم البرلمان بفعاليةرابط خارجي محاولة استيلاء الحكومة على السلطة، بينما وافق مجلسا البرلمان في سويسرا على عقد جلسة خاصة للتدقيق في التدابير الشاملة التي اتخذتها الحكومة؛ حتى وإن كانت – وهذا من المهم تأكيده – القرارات التنفيذية التي اتخذتها برن متوافقة تماما مع التشريعات التي سُنَّت مؤخراً، والتي وافق عليها غالبية الناخبين في استفتاء وطني.

قيادة محلية في جميع أنحاء العالم

على الصعيد العالمي، ليست هناك في الواقع سوى أسباب قليلة جداً تدعو الأوتوقراطيين والقوميين والشعبويين لإعلان النصر. على العكس من ذلك، يقدم الوباء للعالم نافذة قوية على مستقبل يلعب فيه التعاون عبر الوطني والاستقلالية المحلية والأدوات الرقمية دوراً أكبر بكثير من اليوم.

سوف تكون الديمقراطية التمثيلية الحديثة بحاجة إلى التكيف مع مثل هذا السياق العالمي الجديد لكي تحافظ على جدواها ونجاحها. وهذا سيعني حاجتها إلى الموازنة ما بين السمات النُخبوية والشَعبوية والاستبدادية الحالية للعديد من الديمقراطيات، وأجندات الإصلاح الشامل بغية تحقيق المَزيد من الديمقراطية على جميع المستويات السياسية.

بالعودة إلى بلدتي السويدية الصغيرة، حيث سَيَحتجزني الوَضْع الحالي لفترة غير معروفة، سوف يكون لَدَي الآن الوقت لتقييم أول عملية استفتاء محلي (وتقديم مقترحات للحملة المؤجلة)، وكذلك لدراسة جميع الوثائق المتعلقة بالوضع القانوني لنهرنا (بصفتي عضو في مجلس النهر).

بالإضافة إلى ذلك، ومثل الكثير منا، سوف أستغل الفرصة لتَعَلُّم كيفية استخدام أحدَث الأدوات لعقد الاجتماعات والتعاون عبر الإنترنت.

في نهاية المطاف، يمكن للتباطؤ المُستمر في الحياة العامة والخاصة أن يُعلِّمنا جميعاً بعض الدروس عندما يتعلق الأمر بالصبر والالتزام بقضية مُشتركة. ولكن، وفي حين أن وباء كورونا سوف ينتهي في مرحلة ما، فإن الرِحلة نحو المزيد من الديمقراطية لن تنهي أبداً.

سويس انفو

————————————

العالم والعولمة في زمن كورونا/ عمار ديوب

وباءٌ عالميٌّ. هكذا صنفته منظمة الصحة العالمية. أثبت هذا الفيروس أن أنظمة العالم، شموليّة وتسلّطيّة وديمقراطيّة، وبدءاً من الصين وليس انتهاءً بأميركا، ليست أهلاً للحكم، وأنَّ البنى الصحيّة وحياة البشر غير أساسيّةٍ في منظورها، وأن ميزانية الصحة فيها لا تقارن بميزانيات الجيوش والأجهزة الأمنيّة، وبالطبع الاقتصاد، وسواها. تأخّرت الصين عن محاربة الوباء، لكنها وضعت أخيرا حدّاً له، كما تؤكد التقارير، وكانت لذلك كلفته الاقتصاديّة الضخمة، وكذلك البشريّة. تأخرت أميركا بدورها، وبدأت تعاني من توسّع انتشاره، وارتبكت في المواجهة. دولٌ كثيرة أيضاً لم توله أهمية، فراح يحاصر مدنها وسكانها بشراسةٍ، ويرسل مسنّين إلى الآخرة. ثلاث دولٍ تلتهمها الحروب، والتدخلات الإقليميّة، ويشار إليها أنّها ليست موبوءة بكورونا، وأقصد سورية واليمن وليبيا، ولكن توقعات أخرى تؤكد أنّ فيروس كورونا سيكون كارثة عليها، حيث بناها الصحيّة مهشمةُ بشكل كبير. هذا سيحدث، وهنا السؤال: إذا كانت دولة كإيطاليا انهار نظامها الصحيّ، وسلّمت أمرها للسماء! وباقي أوروبا تبدو عاجزة، وبدأت تستشعر الخطر الكبير، فماذا سيكون مصير أهالي الدول الثلاث، المبتلاة بأنظمةٍ وأمراء حربٍ وتدخلاتٍ دوليّةٍ وإقليمية، تَعنيها فقط مصالحها، ولو دُمّرت هذه الدول عن بِكرة أبيها، وانقرض أغلبية أهلها. هناك تقارير تؤكد وجود كورونا في هذه الدول، وتحذّر من كارثيّة خطورته عليها.

يربط محللون كثيرون بين عالميّة الوباء ونهاية العولمة التي وزعته على العالم! وأن الوباء الذي أقعد، بل احتجز مليارات البشر في منازلهم، وأوقف حركة المطارات، وتسبب بإغلاق المصانع وبانهيارات اقتصادية كبرى، سيغيّر من طبيعة العالم، ويخلق بديلاً أفضل عنه. كان يشار إلى العولمة بأنّها نظامٌ عالمي، تخضع فيه الدول الأقلّ تطوّراً للأكثر تطوّراً، وتنهار بسبب ذلك الأنظمة الوطنيّة والقوميّة، وبذلك يصبح العالم قرية كونيّة، وكل دوله مترابطة، وأن العولمة تمثل نهاية التاريخ.

أوضح الوباء هذا أن العولمة كنهايةٍ للتاريخ هي أكذوبة كبرى، وقابلة للتراجع. وهي بالأصل تفرض هيمنةً عالميّة لصالح بعض الشركات الكبرى، بينما العالم يزداد حروباً، وإفقاراً، وآلاماً، وأوبئة. وأدّت سياساتها الليبراليّة إلى ثوراتٍ، وحركاتٍ اجتماعيّة كبرى، هدفها إعادة النظر بالعولمة، لتكون إنسانيّة، وتحقق العدالة والمساواة والحرية، وليس مصالح الشركات الكبرى. المثال الأكثر وضوحاً عن الأكذوبة، أن دول الاتحاد الأوروبي لم تتكاتف كاتحاد ووحدة، بل إن كل دولة فيه تحاول النجاة بنفسها!

الوباء الذي أصبح عالميّاً بقوة، وأظهر هشاشة النظام الصحي العالمي، يقول إن هناك ضرورة إلى عولمةٍ إنسانيّة، وهو ما ناضل من أجله مناهضو العولمة قبل أكثر من عقد. طبعاً، لا أهمية هنا للآراء عن ثورةٍ منتظرة في الأخلاق أو مثاليات سيبزغ نورها! وأن البشريّة ستعدل عن إخفاقاتها، والوباء الذي يضرب الأغنياء والفقراء، سيقيم عالماً جديداً، يستند إلى الأخلاق وليس إلى المصالح. لا صحة لذلك، وهو يتجاهل حالة العالم تحت سيطرة الوباء، حيث يستغل التجار أدوات الوقاية الصحيّة، ويرفعون من أسعارها، أو يصدرونها وسكان دولهم بحاجةٍ إليها! وكذلك لم نشهد ظواهر اجتماعيّة وسياسيّة، توضح أن عالماً جديداً سينبلج، وستكون مرجعيته حقوق الإنسان، والأخلاق. يتبرع بعض الأغنياء، والدول ترصد مليارات لمواجهة الوباء وإنقاذ الشركات، ولكن ذلك كله سيتوقف بمجرد السيطرة عليه، وهو لإبعاد مسؤوليتهم عن الأحوال المتدهورة للقطاع الصحي في العالم، وليس دليلاً على أن عالماً يموت وآخر أرقى يولد.

ربما سنشهد سياسات شعبويّة إضافيّة، وتشدّداً في إغلاق الحدود، والعودة إلى سياسات الاكتفاء الذاتي. صورة الجيوش، وهي تحكم العالم اليوم، ستثير أحلام الطغاة والشعبويين في تخفيض مستوى الحريات والحياة الديمقراطية، وهذا بعكس الأوهام التي تؤكد أن الأنظمة المسيطرة ستغيّر من طبيعتها، بحيث تغيّر البوصلة من التركيز على الأرباح والمصالح إلى البشر وحاجاتهم وحقوقهم.

نظريات مواجهة الفيروس .. والشعبويّة

في كل الأحوال، يواجه العالم الآن فيروس كورونا، بنظريّتين: “مناعة القطيع” وهناك “تسطيح المنحني”، وإنْ كان يتجه نحو النظرية الأخيرة. أي الطريقة الصينية في المواجهة، حيث يتم عزل المدن، والحجر المنزلي أو في المستشفيات، وسيطرة الجيوش على الدول، إعلان حالات طوارئ. انتُقدت نظرية “مناعة القطيع” التي سادت في أوروبا، وهي تسمح بأن يُصاب الجميع بالفيروس، ويتعافى الأصحّاء، ويموت كبار السن وأصحاب المناعة الضعيفة؛ هذا وجه فاشي في الأمر، وليس اعترافاً بشحّ الموارد، ومن أجل مناعة أقوى للجميع، الآن، ولاحقاً. الطريقة الصينية “الشمولية” أنجع بلا شك، وهي التي تسود عالميّاً.

هل سيكون إغلاق الحدود مرحلة تمهيديّة نحو سياساتٍ شعبويّة أكثر انبعاثاً، وانتصاراً للنزعات العرقيّة من جديد؟ أي هل سيتخلى العالم عن أشكال توحّده، المتعدّدة المستويات؟ هذا تفكير بسيط للغاية، ويتجاهل طبيعة النظام الرأسمالي، القائم على السيطرة على العالم، والتنافس والصراع على الثروات والشعوب. المقصد إن ضرورة تلك السيطرة ونهب الثروات وتصدير المنتجات يمنع إغلاق الحدود، وأن تصبح السياسات الشعبويّة سائدة في العالم، وهذا لا ينفي أن العالم سيعاني من سياساتٍ كهذه، ولا سيما أن نظامي الصين وروسيا يشجعان تلك الميول.

العالم سيتغيّر، وهذا سيكون على مستوى الشعوب، حيث سيتجه التفكير نحو أسئلة، كالتالي: لماذا مات الناس بفيروس كوفيد – 19، ولماذا لم تكن الدول متأهبة، ولا سيما أن العلم تطوّر بشكلٍ كبير، ولماذا ميزانيات الطب والصحة والتعليم ومراكز البحوث العلمية والجماعات بعامةٍ في أدنى حالاتها. أسئلةٌ وجوديّة وسياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة هي الآن في صلب الوعي، وكلها تُحمِّل الأنظمة مسؤوليّة ما حصل، وأن بديلاً آخر عما جرى كان ممكناً، ولم تكن البشريّة ستخسر ما خسرته، بالكثرة والكارثيّة نفسها. وبالتالي، ليست العولمة وثورات العلم وتطوّر الإنتاج الكبير هي السبب في مأساة البشرية مع هذا الفيروس، بل المشكلة في الأنظمة المستفيدة مما ذُكر أعلاه.

حقوق البشر

يحقُّ للبشريّة، وقد عانت احتجاز أفرادها وعزلة إجباريّة، أن تبحث عن عالمٍ جديد؛ المشكلة ستكون في غياب وعي جماعي عالمي نحو عولمة جديدة، والأسئلة حتى لحظته ما زالت مشوشة ومربكة، على مستوى المفكرين، فكيف بحال البسطاء. ما زالت المحاججات رديئة بامتياز، كالقول إن الليبراليّة أفضل، أو الاشتراكيّة، أو الأنظمة الدينيّة. وهناك من يفضل السلطويّة، وكل هذا خارج أسئلة العصر، حيث الثروات هائلة، والعلم يمتلك تقدماً استثنائيّاً مقارنة بالتاريخ السابق! السؤال الجذريُّ في العالم الآن، وعدا عما طُرح أعلاه، يتعلق بكيفية تثمير التطوّر المتعدّد المستويات، ووضع الإنسان في صلب تلك المستويات. أنظمة الدول المعاصرة، والتي تتمايز كثيراً، أثبتت أنهّا غير جديرةٍ بحكم الكائن النوعي، الإنسان، وأن هناك ضرورة للاستفادة من كل الإيجابيات في العالم، والبناء عليها، وبهدفٍ وحيد، وهو الحرية والمساواة والعدالة، وبغض النظر عن الجنس والدين والقومية، وعن كل أشكال التمييز التاريخي والراهن.

ربما يمكن طرح قضايا، أصبحت ضروريّة للتغيير في العالم:

أولاً، ضرورة إشادة بنيةٍ صحيّة متكاملة، وتأميم كل مجالات الطب والصحة، والتخلي عن أي أشكال من احتكار الطب والأدوية، وتأميم الشركات المتخصصة بهذه المجالات، والمستشفيات في العالم، ورفع ميزانيات الشؤون الطبية والصحية.

ثانياً، تأميم كل أوجه التعليم، ودعم مراكز البحوث العلمية، وهو سيكون مجال صراعٍ عنيفا، حيث الاستثمار فيه شديد، ويشمل مراحل عمرية كثيرة، وأعدادا هائلة من البشر.

ثالثاً، تخفيض ميزانيات الدفاع وأجهزة الأمن، وإيقاف سياسات سباق التسلح، والذي يشمل العالم، وليس فقط بين أميركا وروسيا، أو أميركا والصين، أو إسرائيل والدول العربية، وسواها كثير، وتخصّص لها أغلبية ميزانيات الدول، والموارد الطبيعية، والثروات.

رابعاً، تشكيل نظام طوارئ عالمي، لمواجهة الأزمات البيئيّة والصحية في أيّ دولة، حيث أظهرت تجربة كورونا كارثية السياسات الوطنيّة، وهذا أدى إلى انتشار الفيروس، بشكل خطير، وهو يُهدد الملايين حالياً؛ شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً.

أنظمة فائضة عن الحاجة

لم تبنَ كافة أشكال الأنظمة على أرضية النهوض بالإنسان، فلا التي تدّعي الديمقراطية السياسية، ولا التي تدّعي العدالة الاجتماعية، وكذلك من تدّعي الدين أو القومية؛ جميعها أثبتت فشلها الكامل إزاء هذا الوباء. القضية ليست وباءً جديداً، أو مستجدّاً، والبشرية لم تعرف له دواءً، كما يشاع، بل القضية تكمن في تخبئة المعلومات الأولى عن وجوده، وهذا يشمل كل الدول، وبدءاً بالصين، وهذا ما سمح له بالانتشار، والخروج عن السيطرة لاحقاً.

بيئيّاً، تناقلت التقارير الصحافية أن منسوب التلوث انخفض مع توقف مصانع ومعامل كثيرة في العالم، أي انخفض الأذى والمشكلات الصحية، والإصابة بأمراض المناعة كالسرطان. يفتح هذا الأمر نقاشاً في السياسات العدمية، وربما الهادفة، التي تتعامل بها الدول مع مشكلات البيئة والمناخ والتلوث والتصحّر وارتفاع درجة الحرارة. كشف توقف المصانع الصينية عن الإنتاج كارثة التلوث، وهذا يؤكّد إمكانية الحدّ من التلوث والتغيرات المناخيّة، والتي يشير توسعها إلى كوارث تشمل العالم بأكمله، وليس هذه الدولة أو تلك، وبالتالي هذه من قضايا البشرية، حالما تنتهي العزلة الإجباريّة المفروضة عليها.

اقتصاديّاً، تشير التقارير إلى تطميناتٍ من الأنظمة للشركات، وأنها ستساعدها في تجاوز خسائرها، وتوقف الإنتاج فيها، ولكنها تتجاهل، في الوقت ذاته، أحوال أغلبية البشر؛ وهذه ليست المرة الأولى، بل دائماً كان البشر يتركون لمصيرهم الفردي، أي للإفقار والتدهور المعيشي، وتتم مساعدة الشركات، والعودة إلى الإنتاج والاستغلال وتراكم الأرباح. تدفع هذه الفكرة محللين كثيرين للبحث عن عولمةٍ بديلة، ونظام اقتصادي جديد، وبما ينصف البشر ويساوي بينهم.

اجتماعياً، تخشى أغلبية البشر على مصيرها، حيث إن تقييد الحريات حالياً، وتسلم الجيوش إدارة شؤون المدن والدول، يوضح هشاشة حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلو شأن تلك الجماعات المنظمة والمنضبطة (الجيوش)، ويوضح “البحبوحة” المالية التي تتمتع بها، وكذلك الرعاية الطبية التي تجعلها محصّنة بصورة كبيرة ضد ذلك الفيروس والأوبئة. المقصد هنا أن البشرية الآن تراقب المشهد كلّه، هم في بيوتهم، والجيوش في الشوارع! طبعاً، تقوم حالياً تلك الجيوش بأدوارٍ هامة لتأمين حياة الناس وإيقاف زحف الفيروس، ولكن الأهم أنّها تتسلم إدارة الدول، وهذا لا يحدث كثيراً، إلّا في الأزمات، وفي الحروب، ونحن في أزمة، ولكنه يوضح أن المؤسسات العسكرية أهم من كل مؤسسات المجتمع الأخرى، وكذلك أفراد الجيوش أهم من بقية المواطنين، وإلّا لماذا لم يحصل العكس؟

العزلة والجديد ثقافيّاً ..

ربما سينتج عن تجربة العزلة تفكير عميق بمستقبل البشرية، وستكون مفيدة للآداب والفنون والفكر والفلسفة بكل أشكالها، حيث ستُثَوِرُ الخيال والإبداع مجدّداً، عما يحدث في العالم، وما حدث للبشرية في أثناء الجوائح السابقة، والتي قضت على ملايين الأفراد. الحجْر الصحي الذاتي أو المفروض من الحكومات، سيساهم من دون شكٍ بإيجاد إبداعات ورؤى فكرية جديدة في العالم، وستنعكس على كل أوجه نشاطات الثقافة، وربما يكون محورها كيفية الارتقاء بكل مؤسسات العالم، لتكون في خدمة البشرية، وليس استخدمها من أجل طبقاتٍ ثريّةٍ، لطالما اغتنت على حساب البشرية، وليس فقط في بلدانها.

هل نحن نستعجل النقاش عما بعد انتهاء هذا الوباء، بينما الأدقّ أن نناقش ما يجري حالياً، وأن نهتم لمصير البشرية راهناً، والذي توحده المأساة على نحو غير مسبوق، ويتجاوز كل أشكال العولمة. الحقيقة، كما أوضحت السطور أعلاه: العالم ينكفئ على ذاته، والحدود تغلق بإحكامٍ، وكسرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، لا يساعد على تعزيز التضامن البشري، حيث نقرأ يومياً عن اتهاماتٍ متبادلة بين الصين وأميركا، أو الأخيرة وإيران، وكثير غيرها. إذاً، يهتم فقط الفقراء والأخلاقيون بمصيرٍ مشترك للبشرية، وأسقط هنا، التنمر الذي حدث ضد صينيين وآسيويين كثيرين، حيث تراجعت الموجة العنصرية هذه، ليحل مكانها إعجاب شديد بما فعلته الصين لإيقاف انتشار هذا الوباء فيها.

الطب والدين

أمر كورونا متروك حالياً للطب والعلم، وليس لرجال الدين، حيث يمتلكان هما فقط إمكانية إنقاذ البشرية. أهمية العلم المستجدة تدفع إلى تحييد الأديان عن شؤون الناس الصحيّة والبشريّة عامة، والتركيز على قضايا الإيمان فقط، حيث أثارت مواقف بعض رجال الدين، السماويّة والأرضيّة، سخريةً مريرة من سكان الأرض، وقد تراجعت مواقفهم التي ترفض إيقاف الصلوات الجماعية، أو فُرضَ عليهم إخلاء دور العبادة من السلطات، وهذا شمل مكة وبيت لحم وقم والنجف، وكل المعابد الدينية في العالم، وكذلك أماكن التجمعات الكبرى غير الدينية. والسؤال: هل ما يحصل للبشريةٍ سيدفع بعض رجال الدين إلى مراجعة رؤاهم إزاء الدين، وقراءتها وتأويلها بما يلغي كل أشكال التمييز بين البشر على أساس الدين، وتحويل الدين إلى مسألةٍ إيمانيّة محضةٍ وأخلاقيّة بامتياز.

مصير العالم

العالم كما كان منقسماً، وسيظلُّ كذلك، حيث هناك طبقات وفئات تستغل كل شيء: الثروات والطب والعلم والأديان، من أجل تعزيز مصالحها وديمومتها، وأخرى، توظفها من أجل فائدة البشريّة جمعاء. هذه مشكلة كبيرة! تغيير مصير العالم لن تقرّره هذه الجائحة، ولن تدفع نحوه؛ إنه يتعلق بالعالم ذاته، وبتشكل وعي جديد، ينطلق مما راكمته البشرية من علم وطب ومعارف وثقافة وآداب وفلسفات وصناعات، وتوظيفها من أجل البشرية جمعاء. لن يتحقق ذلك أبداً، من دون ذلك الوعي.

مشكلتنا أن العالم لا يمتلك نموذجاً للاحتذاء به، وأنظمته التي أشير إلى بعضها أعلاه، تثير مزيدا من الإحباط. وبالتالي هناك ضرورة للتخلص من فيروس كورونا، ومن كل الأنظمة التي لم تؤهل بناها الصحيّة، لمواجهة هذا الوباء، وكل الكوارث التي تلحق بالبشرية. ذاك التخلص يعني، في ما يعنيه، تغيير النظام العالمي الحالي بكل أشكاله. وبالتالي، هل حان الوقت لبناء عالمٍ إنسانيٍّ بحق؟ أعتقد بضرورة ذلك.

العربي الجديد

——————————–

لمحة عن تعامل السوريين مع كورونا/ الحسناء عدره

لم يتمكن خالد من إحياء صلاة الجنازة على روح عمه في المصلى ولا من إقامة مجلس عزاء وتوديعه بشكل لائق لتقتصر التعزية  على غرفتين في المنزل وحضور بعض المقربين والمعارف على نحو ضيق، وذلك بسبب قرار إغلاق المساجد ضمن سلسلة إجراءات احترازية اتخذتها الحكومة السورية للحد من التجمعات والاختلاط للوقاية من فيروس كورونا المتفشي في العالم. يقول الشاب: “توفي عمي منذ يومين إلا أننا لم نتمكن من إحياء صلاة الجنازة في الجامع، كما أننا استعنا بالمنزل لإقامة مجلس عزاء كبديل للصالة بعد محاولات عديدة للحصول على موافقة من وزارة الأوقاف للحصول على إذن بفتحها، إلا أن جميع هذه المحاولات بائت بالرفض، فيما اقتصرت لائحة المعزين على الأهل والأقرباء فقط إذ أن جميع صالات العزاء في العاصمة  قد أقفلت في خطوة احترازية من انتشار فيروس كورونا.”يُعد قرار إغلاق المساجد خطوة استفزازية وساخطة بالنسبة لمتدين عاكف على صلاة الجمعة كخليل الذي يُعرب عن غضبه واستغرابه في آن معاً قائلاً:  “هذا الإجراء هو الأول من نوعه في سورية خلال عقد وأكثر، فلم يحدث قط أن أغلقت المساجد حتى في أتون سنوات الحرب التي عشناها وأمطرتنا بوابل من القذائف”.

ما إن عاد طاهر من إيران التي تُعد في مقدمة الدول التي انتشر فيها فيروس كورونا حتى تحول إلى شخص من أصحاب الشبهات وانهالت عليه نظرات الخوف والشك بإصابته بالفيروس لدرجة أن شقيقته رفضت الاقتراب منه خوفاً من أن يكون قد أصيب بالعدوى. وعن تجربته يقول: “البعض من أصدقائي بدأ يتحاشى لقائي وكانوا يشيرون بأصابعهم في مزاح لا يخلو من الجد أنني مصاب بفيروس كورونا، حتى أختي لم تسمح لي بمصافحتها  وتقبيلها ظناً منها أنني أصبت بالعدوى”. يتأكد عامر قبل أن يسلم رأسه للحلاق من تعقيم الكرسي وأدوات الحلاقة بالكحول جيداً خشية التقاطه للفيروس ويقول: “سألت الحلاق مراراً عن تعقيمه لآلة الحلاقة، كما أنني أخذت بنصيحته بجز شعري ولحيتي أكثر من المعتاد تحسباً لقرار الإغلاق الذي قد يمتد لأسبوعين وأكثر”.

وهناك من على يقين تام أن من نجا من الحرب بأعجوبة سوف ينجو حتماً من هذا الفيروس؛ فحاتم يساوره شعور داخلي خفي بعدم وصول كورونا إلى سورية معزياً السبب إلى اكتساب المواطن السوري لقب أكثر الشعوب العربية صبراً وتحملاً للشدائد بجدارة. هذا الرأي يؤيده مازن وبشدة نظراً للأهوال التي خاضها خلال سنوات الحرب قائلًا: “واجهنا الموت بأقسى أنواعه وأشكاله وكابدنا ظروفاً في غاية القسوة من تفجيرات وقذائف وخطف وحصار حتى بات فيروس كورونا معركة خاسرة وهشة أمام تلك المعارك التي خضناها”. بينما يُردد إياد عيسى وصفة سحرية  قديمة يتفرد بها المواطن السوري لرفع مناعته ومواجهته لأعتى أنواع الأمراض موضحاً بالقول: “نعيش منذ الأزل في بيئة ملوثة غير صحية، وأسلوب حياتنا يفتقر لأدنى معايير الشرط الصحي،  ما هيأ أجسادنا وأكسبها مناعة عالية في مقاومة الأمراض؛ فدمشق تُصنف ثالث مدينة في التلوث على خلاف الدول المتقدمة التي تُعد النظافة فيها شرطاً صحياً بديهياً وغير قابل للمساومة”. هذ الرأي يتبناه علي ليضيف بالقول: “اعتدنا على المناخ الملوث العبق بنفاث السيارات ومخلفات القذائف والصواريخ وروائح الصرف الصحي والنفايات والمياه العكرة والخضار البلاستيكة؛ فجميع هذه العوامل أكسبت أجسادنا صفة المقاومة ورفعت مناعتاه لتتأهب لأي مرض فالجسم أصبح مسبقاً معتاداً على التعامل مع الجراثيم والفيروسات باستثناء من لديه مرض مناعي يجعل مقاومته للأمراض ضعيفة كمرضى الربو والسرطان والسكري وغيرهم.”

أخرجت سماهر (طالبة طب بشري) من حقيبتها أسلحتها الكحولية  المكونة من مناديل معقمة ومحلول وقفازات وكمامة لمجابهة “كورونا”. تُمسك  السيجارة بيدها اليمنى وعبوة المعقم باليد الأخرى تحسباً لأي عطسة مباغتة وتقول: “حماية أنفسنا من العدوى هي مهمة أشبه بالمستحيلة بالرغم من وجود هذه المطهرات، كما أن  تبديل الكمامة كل ساعتين يُعد خياراً غير متوفراً أولاً في ظل انقطاعها ومكلفاً ثانياً، ناهيك عن عدم قدرتك على منع نفسك من لمس وجهك أو عينيك”.

في حين لا تُعير نور أهمية لهذا الفيروس الذي أصاب البشرية  جمعاء دون استثناء متكأة إلى إيمانها الديني العميق والتسليم  بالمشيئة الإلهية دون أذن صاغية لكلام العلم والإرشادات الضرورية، فتقول الشابة: “كل ما يأتي من عند الله هو خير لنا، وسيقع ما كتبه علينا، فمهما قمنا باحتياطات رادعة للوباء فلا طائل منها إن أراده الله لنا والعكس صحيح، فلا داعي للهلع والذعر”. أما  لبنى فلا تلتزم بوضع قناع الوجه الواقي مكتفية بالقفازات فقط  بالرغم من كونها تعمل في جمعية الصحة الخيرية التابعة لمنظمة “اليونيسف” مع العلم أن عملها  يتطلب تماس مباشر مع الأشخاص وعن ذلك تقول: “لا أستطيع تحمل الكمامة على وجهي، تمنعني من التنفس وأشعر وكأن شيء يخنقني، فأكتفي بالقفازات التي تعد  مهمة جداً في عملي عند تبادل الأوراق الشخصية ودفاتر العائلة للمواطنين فأنا على احتكاك مباشر ودائم  معهم.”

تُخالف سلوى صديقة لبنى سلوك صديقتها وتوبخها على إهمالها وعدم تقيدها بإجراءات السلامة الشخصية خاصة أنها تعمل في مجال الصحة ويجب أن تكون قدوة للناس وأكثر وعي، لذا قررت سلوى الاعتكاف في قريتها بالساحل السوري ريثما انتهاء فترة الحجر الصحي التي فرضتها الحكومة السورية على مواطنيها.

أزمة ثقة بالجهاز الصحي والإعلامي معاً

قبل إعلان وزارة الصحة السورية عن تسجيل أول حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد لشابة قادمة من لبنان، كانت ألسنة الشارع السوري لا تكف عن لوك أخبار وجود حالات إصابات  غير مؤكدة دون تفويت البعض منهم  لفرصة الاجتهادات الشخصية والمزوادات بارتفاع الأرقام نتيجة تداولها عن القيل والقال دون التأكد من دقتها، توضح سحر: “سمعتُ بوجود 200 حالة مصابة بفيروس كورونا في مستشفى المجتهد وذلك على ذمة سائق الأجرة الذي ركبت معه”؛ فيما تجد أن هذا الرقم انخفض إلى النصف على لسان شخص ثان، وتضيف المرأة: “إن كانت هذه الحالات حقيقية فلماذا لا تفصح عنها وزارة الصحة والإعلام وتخشى نشرها؛ فمن غير الممكن أن تكون هذه الإجراءات الوقائية الحذرة كإغلاق الجامعات والمدارس وتقليل التجمعات من أجل شيء غير موجود أصلاً.”

أما هنادي فتوافقها الرأي من ناحية قلة الثقة بالجهاز الصحي والإعلامي لكنها ترأى أنها قد تكون مجرد أساليب احترازية لعدم تفشي الوباء وأخذ الحيطة أسوة ببلدان العالم، بالإضافة إلى أن لا مصلحة لأي جهة رسمية من حجب معلومات مهمة كهذه عن الشعب ومحاولة تضليله، وتوضح وجهة نظرها: “لا أعتقد أن وزارة الصحة والإعلام تخفيان وجود إصابات لاسيما أن الأمر يتم بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية التي تُعتبر جهة حيادية وغير منحازة”، لتختتم الشابة بالقول: “آمل حقاً أن لا يدخل الوباء إلى بلدي ويحمينا الله، يكفينا همومنا ومصائبنا التي لا تنتهي.”

دور منصات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في التهويل

لا شك أن هناك جانب إيجابي لتطويع ماكينة الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتوتير في خدمة الشعوب ومساهمتهما في زيادة وعيهم إزاء مواضيع معينة وكيفية التعامل معها بدقة، لكن أيضاً هناك جانب سلبي من حيث التمادي في دور هذه الوسائل الإعلامية بالإسراف في رسم ونشر هذه  الصورة حد المغالاة والتهويل. يؤكد إياد الذي يعتقد بضلوع الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في تضخيم فيروس كورونا والتعاطي معه بصورة مبالغة أن “الاستخدام الزاخم بدون وعي مدرك لوسائل التواصل الاجتماعي وتجنيدها في تصوير أدق تفاصيل الحياة ومشاركتها للجميع يساهم بشكل كبير في زيادة حجم الأمور وإعطائها مساحة أكبر من حجمها الطبيعي، فكلما قل التعامل مع قضية معينة انخفضت أهميتها ودرجة انتشارها والعكس صحيح، لكنني لا أنكر خطورة الفيروس وضرورة التعامل معه بحذر والتصدي له.”

دعابات الكورونا “شر البلية ما يُضحك”

يطلق باسل دعابة من وحي فيروس “كورونا” المستجد في أرجاء   صالون الحلاقة الرجاليةلتتردد صدى ضحكات الحاضرين، فيما يستمر السوريين في تبادل الرسائل فيما بينهم على أجهزة الهواتف الخليوية عن نكات “الكورونا” كوسيلة  دفاعية جماعية في وجه الفيروس وتحجيمه قدر المستطاع؛ فلا يمكن أن تفلت جائحة الكورونا التي اجتاحت العالم بأسره من ألسنة السوريين وسخريتهم المعهودة ومهارتهم العالية بتحويل الألم والمصائب إلى مادة دسمة  للتندر وإطلاق الدعابات في إشارة واقعية ومؤلمة في آن معاً إلى تجاوز المواطن السوري لشتى أنواع المحن والويلات في غضون 9 سنوات من الكوارث الحياتية التي حلت عليه خلال سنوات الحرب.

—————————

السوريون ينتظرون «كورونا»…خائفين جائعين معزولين/ ابراهيم حميدي

وصول «كورونا» إلى سوريا يعني الكثير. ثقل الوباء في هذه البلد يختلف عن غيره. سيكون توغله في أراضي هذه البلاد المنكوبة، أكثر وطأة من بلدان كثيرة.

لا بيوت يبقى فيها كثير من السوريين تحسباً لغارات الوباء، ولا مستشفيات يلجأون إليها. لسيارات الإسعاف صوت آخر، وخيمة مرمية في العراء، ملاذ المحظوظين من المشردين.

سوريا، خريطة مشرحة في 3 «مناطق نفوذ» على مائدة 5 جيوش بعد 9 سنوات من مخاض الحرب الدامية. كانت تترقب بأمل إشارات السلام، فإذا بأعراض الوباء تقبض رويداً على عنق البلاد وصدور أهلها.

الموعد السري لـ«تسونامي كورونا»، في مايو (أيار). ينتظره السوريون على الجمر. إلى حين ذلك، الحديث العلني في دمشق عن هذا الفيروس الخطير، خطير. تعزيزات قائمة لـ«معركة الحسم» ضده. هناك إصابات به ولا وفيات بسببه. «كورونا» لم يدخل بعد في القاموس الرسمي، سبباً للوفاة. «الالتهاب الرئوي» سبب مريح لقصة الموت. ونُقل عن شخصين في مستشفى دمشقي، أنهما تلقيا «أوامر شفهية بدفن قصص الموتى مع جثامينهم وعدم دق ناقوس الخطر».

في سوريا، تتراكم سلسلة من الأسباب تجعلها تقيم على حالة نادرة في التعاطي مع هذا الوباء:

أولاً، لم تعد الحكومة تسيطر على كامل أراضيها. منطقة فيها ثلثا سوريا ومعظم المدن الكبرى تدار من دمشق، لكن بنفوذ روسي وإيراني بقوتيه الخشنة والناعمة. الثلث الآخر، تدير معظمه الإدارة الذاتية الكردية تحت مظلة التحالف الدولي بقيادة أميركا في شرق الفرات وفصائل معارضة بدعم الجيش التركي وأدواته «التتريكية» بوسائل عسكرية وخدماتية في شمال سوريا وشمالها الغربي.

ما يجمع «الدول الثلاث في الدولة الواحدة»، هو تدهور القطاع الصحي. في مناطق الحكومة، هاجر الأطباء هرباً من الملاحقات أو الخدمة الإلزامية أو بحثاً عن حياة جديدة أو أنهم بقوا لكن في إطار العمل العسكري. وفي المناطق الخارجة عن سيطرتها، دمرت مستشفيات بغارات سورية وروسية وتراجعت قدرات البنية التحتية التي أقامتها مؤسسات مدنية سورية وغربية.

ثانياً، بالنسبة إلى مؤسسات الأمم المتحدة، العمل متاح قانونياً في دمشق باعتبار أن الحكومة هي ممثل البلاد، حسب المنظمة الدولية، وليس في مناطق المعارضة. لكن إقامة مؤسسات الأمم المتحدة في العاصمة السورية، جعلها «أسيرة» قرار الحكومة ومعطياتها وخطابها في السنوات السابقة. منعكسات ذلك، بدأت تظهر أكثر لدى بدء الإعدادات لمواجهة «كورونا».

ثالثاً، استعادت الحكومة السورية معظم النقاط الحدودية والمطارات، لكنها لا تزال بعيداً عن أن تكون جميعها في عهدة دمشق. هناك نوافذ مع العراق وتركيا لا تزال تحت سيطرة الإدارة الكردية أو فصائل معارضة. كان هناك قرار دولي سمح بتمرير المساعدات الدولية عبر الحدود، لكن عدد البوابات المرخصة، قلص بإرادة روسية في بداية العام الجاري، وهو بانتظار التمديد في منتصف العام الماضي. هذا يضيف تعقيدات راهنة.

رابعاً، خروج أكثر من نصف الشعب السوري من بيوتهم. أكثر من 6 ملايين لاجئ في دول الجوار وخارجها والباقي في مخيمات مكتظة في مناطق مختلفة في البلاد. وهناك أيضاً، نازحون في مناطق الحكومة.

خامساً، وجود أزمة اقتصادية تصاعدت في الأشهر الأخيرة جراء طول الحرب والعقوبات الخارجية، إضافة إلى تدهور سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي ليصل إلى 1200 ليرة مقابل الدولار، بعدما كان 46 ليرة في 2011. ويثير انقطاع الكهرباء ساعات طويلة قلقاً إضافياً في المنشآت الطبية.

سادساً، عقوبات أميركية وأوروبية على مؤسسات حكومية وشخصيات نافذة أو رجال أعمال بسبب دورهم في الحرب وقرب تطبيق «قانون قيصر» الذي أقره الكونغرس الأميركي نهاية العام الماضي، الذي يعاقب أي جهة أو شخص بسبب المساهمة في إعمار سوريا. أيضاً، تستمر العزلة السياسية على دمشق وتغيب سفارات معظم الدول الغربية والعربية عنها.

أمام هذا الواقع، سارع كل طرف إلى «تسييس» الحرب على «كورونا». موسكو قادت مع بكين ودمشق حملة لرفع العقوبات عن دمشق. إلى الآن، لم تغث الصين سوريا بطائرة فيها معدات طبية كما فعلت مع إيطاليا. واشنطن ودول غربية بدأت حملة لإطلاق السجناء ووقف النار لـ«محاربة الوباء». أما الأمم المتحدة، فهي منقسمة. العاملون في دمشق يميلون إلى رأي الحكومة. يقودون حملة لـ«رفع العقوبات»، لكنهم لا يخوضون حواراً لدفع الحكومة كي تكون شفافية في التعاطي مع الوباء. عملياً، تدفع هذه المؤسسات إلى المساهمة في معالجة وباء غير موجود رسمياً. قبل أيام حصل اجتماع تنسيقي في دمشق لمؤسسات أممية، غاب عنه كبار المسؤولين السوريين. جرى تكرار المطالب نفسها، لكن من دون حوار يتضمن الوصول إلى ضمانات وتأكيدات بوصول المساعدات إلى جميع الأراضي السورية وقبول تقديمها عبر المعابر الحدودية، إضافة إلى شمول ذلك بإيصال المعدات عبر نقاط التماس إلى مخيم الركبان قرب الحدود الأردنية الذي يضم 45 ألفاً ومناطق شمال غربي سوريا أو شمالها الشرقي، حيث يقيم ملايين السوريين معظمهم نازحون.

لكن ماذا عن الواقع الصحي في سوريا؟ حسب تقرير داخلي للأمم المتحدة وبحث أعده «برنامج أبحاث النزاعات» التابع لكلية لندن للاقتصاد الممول من الخارجية البريطانية، يمكن رسم الصورة الآتية:

– نقاط الدخول

تأثرت المعابر الحدودية بوضوح بتفشي الوباء، مع اتخاذ سوريا والدول المجاورة عدداً من الإجراءات الاحترازية. وأعلن عن وقف الرحلات الجوية إلى مطار دمشق الدولي، مع فرض إجراء حجر صحي إجباري على القادمين من دول بعينها. وأجرت وزارة الصحة فحصاً للعابرين من نقاط عبور برية ومطارات دمشق واللاذقية والقامشلي قبل إغلاقها.

ومنذ 26 يناير (كانون الثاني)، أعلنت الإدارة الذاتية عن إغلاق معبر فيشخابور- سيمالكا البري غير الرسمي أمام جميع صور حركة المرور غير الطارئة، مع استثناء يوم واحد في الأسبوع للحالات الإنسانية. وفي 23 مارس (آذار)، أعلنت الإدارة الذاتية إلغاء هذه التصاريح وإغلاق المعبر لأجل غير مسمى.

حالياً، غالبية الحدود البرية إلى داخل سوريا مغلقة، مع بعض الاستثناءات المحدودة (من الأردن وتركيا ولبنان)، أمام الشحنات التجارية وشحنات الإغاثة وحركة العاملين بالمجال الإنساني والمنظمات الدولية.

وأفادت الأمم المتحدة بفرض بعض القيود على نقاط العبور داخل سوريا، بما في ذلك نقطتا الطبقة والتايهة شمال شرقي البلاد، حيث تنتشر فرق طبية لإجراء عمليات مسح ويجري فرض قيود على حركة المدنيين والسلع والشاحنات. وذكرت تقارير عن تقييد حركة الدخول والخروج في تل عبيد أمام التجار والعاملين بالمجال الإنساني والإداري. وأغلقت نقطة عبور شانان في الرقة، وكذلك أبو زندان وعون أدات (شمال ريف منبج). ورغم التوجيهات الرسمية، وردت أنباء عن بعض الحركة العشوائية حول بعض نقاط العبور، حسب تقرير أممي.

– صورة عامة وذعر

هناك ذعر بدرجات مختلفة وإقبال على شراء الحاجات في دمشق وإدلب والقامشلي. داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، يجري توفير أكثر السلع الأساسية من جانب عدد محدود للغاية من الهياكل الاحتكارية ذات الصلة بمؤسسات حكومية. ويجري دعم أكثر السلع الأساسية وإتاحتها فقط من خلال تلك المنافذ. هناك صفوف من المواطنين في كل مكان للحصول على الحاجات الأساسية، بينما تبدو الأسواق مرهقة. وتسود حالة حادة من الذعر مع إسراع الجميع لشراء وتخزين الإمدادات. ويحمل هذا الأمر صعوبة بالغة نظراً لأن غالبية الأفراد يعيشون على دخل يومي.

ولا يقف وراء حالة الذعر تلك غياب المعلومات، وإنما حقيقة أن الناس ليس أمامهم خيار آخر. في الشوارع، تبدو الحركة طبيعية، لكن المتاجر أغلقت أبوابها جبراً. والمؤكد أن الاستمرار على هذا النحو سيخلق تداعيات اقتصادية بالغة الخطورة، خصوصاً أن معدلات الفقر في سوريا تفوق 80 في المائة.

ارتفعت أسعار الخبز في سوريا كغيره من الحاجات. وحدث نقص في سلع أساسية (بنسب تتراوح بين 10 في المائة و15 في المائة) وكذلك في أدوات التعقيم والحماية الشخصية؛ مثل أقنعة الوجه والقفازات ومطهر اليدين التي ارتفعت أسعارها بنسب بلغت 5000 في المائة.

تشير تقديرات بعض المصادر إلى أنه في سوريا بأكملها فقط 12 ألف سرير في المستشفيات. ووصل إلى دمشق منذ يومين ألف جهاز اختبار، لكن لا تتشارك الحكومة معلوماتها مع أي جهة حتى الآن. وأكدت مصادر في دمشق أنه «لم يجرِ تخصيص أي موارد لمكافحة كورونا بسبب معاناة الموازنة من الإفلاس». وترفض الحكومة إشراك المؤسسات الدولية في جمع المعلومات وإحصاءات أعداد العاملين بالمجال الصحي. وفي الوقت ذاته، فإن الأشخاص الذين يعانون أعراض الفيروس يخشون الذهاب إلى المستشفيات. وبالتأكيد، يحمل هذا المستوى من الخوف تداعيات خطيرة على صعيد أعمال العنف والتصعيد.

يتوقع خبراء دوليون في دمشق أن يصل الوباء إلى ذروته داخل سوريا في مايو (أيار) أو يونيو (حزيران). لكن حالياً، يجري الحديث عن الالتهاب الرئوي، وليس «كورونا»، تجنباً لإثارة مسألة الاستجابة الحكومية. وتفرض الحكومة حظر تجول جزئياً، لأنه في حال تسبب الفيروس في سقوط المئات أو الآلاف من الوفيات، فإن هناك قلقاً في دمشق من «منعكسات ذلك على الاستقرار للافتقار إلى القدرة على الاستجابة جراء تداعي منظومة الرعاية الصحية والتداعيات الاجتماعية والاقتصادية المروعة التي سيخلفها الوباء، في وقت أصبحت فيه قدرة البلاد على تحمل أي ضغوط إضافية محدودة للغاية»، حسب مسؤول غربي في دمشق.

يقول «مركز أبحاث النزاعات» إن العدد الأقصى لحالات الإصابة بالفيروس التي يمكن خضوعها للعلاج بصورة في سوريا يصل إلى 6500 حالة. ويضيف: «بمجرد تجاوز عدد الحالات المسجلة الحد المذكور البالغ 6500 حالة، من المتوقع انهيار نظام الرعاية الصحية مع الحاجة اللازمة لاتخاذ القرارات الترشيدية، مع توقعات بارتفاع المعدل الإجمالي للوفيات بما لا يقل عن نسبة 5 في المائة بين الحالات المصابة».

يضاف إلى ذلك، وجود نقص كبير في الوعي العام بمخاطر الفيروس، مع نقص كبير موازٍ في الموارد، وتدهور واضح ومستمر في الأوضاع العامة، الأمر الذي يجعلها معرضة وبشدة لمخاطر تفشي الوباء الفتاك على نطاق كبير تتعذر مواجهته أو تحمله.

– مناطق الحكومة

فرضت الحكومة مجموعة من الإجراءات الوقائية. في 24 مارس، أعلنت فرض حظر تجول ليلي بحلول مساء اليوم التالي. وأعلنت إغلاق جميع المدارس والجامعات والمعاهد حتى 2 أبريل (نيسان) 2020 على الأقل. كما جرى تعليق صلاة الجمعة والتجمعات داخل المساجد وجميع الفعاليات والتجمعات الكبرى وإغلاق جميع المطاعم والمقاهي والأندية الليلية والأندية الرياضية والثقافية. وقلصت مكاتب القطاع العام ساعات العمل بها وفرضت الحكومة تقليص قوة العمل الموجودة بالمكاتب إلى 40 في المائة.

في 22 مارس، أطلقت الحكومة السورية حملة تعقيم في المدارس والسجون والأماكن العامة، مثل المتنزهات ووسائل النقل العام بالمدن الكبرى والسفن التي ترسو بالموانئ. وجرى إرجاء الانتخابات البرلمانية من 13 أبريل حتى 20 مايو. وفرضت الإدارة الذاتية الكردية حظر تجول على المواطنين، بجانب إغلاق المدارس والجامعات والمعاهد.

وأعلنت دمشق عن 5 حالات إصابة مؤكدة فقط بـ«كورونا». لكن كثيراً من المؤشرات يوحي بأن الفيروس أكثر انتشاراً من ذلك بكثير داخل البلاد قياساً إلى الأوضاع في الدول المجاورة يشارك بعضها في العمليات العسكرية في سوريا. وقال المركز: «تواجه إيران تفاقماً كارثياً في أعداد حالات الإصابة بالفيروس، في وقت تشارك فيه بقوات عسكرية في سوريا. حتى وقت قريب للغاية كان الآلاف يتحركون ذهاباً وإياباً بين سوريا والعراق عبر مطار دمشق أو عبر قواعد عسكرية إيرانية في سوريا، خصوصاً في دير الزور الواقعة شرق البلاد، قرب الحدود مع العراق». ولوحظ أن دمشق قررت قبل أيام وضع أكثر من 100 شخص بالحجر الصحي بعد وصولهم من طهران.

الإعلان عن وجود إصابات أخذ منحى تدرجياً. في البداية اتخذت دمشق الإجراءات الوقائية قبل الإعلان عن إصابات. وكان لافتاً أنه بالتزامن مع نفي دمشق وجود مصابين أعلنت باكستان بداية الشهر، أن 7 أشخاص قادمين من سوريا تأكدت إصابتهم بالفيروس. وفي 24 مارس، أعلنت بغداد عن حالتي إصابة لشخصين جاءا من سوريا. وقال «مركز أبحاث النزاعات»: «هناك أدلة شفهية مهمة من داخل مناطق تخضع للسيطرة الحكومية حول وجود أفراد تظهر عليهم أعراض حادة للفيروس بعضهم توفي بالفعل. وهناك ارتفاع حاد في الوفيات الناجمة عن عدوى رئوية والالتهاب الرئوي بين مرضى تتجاوز أعمارهم 60 عاماً، ظاهرة قائمة عبر أرجاء مختلفة من البلاد». ونقل عن شخصين في «مستشفى المجتهد» في دمشق أنهما تلقيا «أوامر شفهية» من ضباط بالاستخبارات بدفن هذه القصص مع الموتى وعدم دق أي أجراس خطر» عبر وسائل الإعلام.

– مخيمات ولاجئون

هناك 71 ألف شخص لا يزالون مشردين بلا مأوى في شمال شرقي البلاد و15 ألفاً موزعون في مآوٍ جماعية، إضافة إلى مائة ألف يعيشون في 4 مخيمات للإيواء. وبالتنسيق مع الجهات الصحية، وضعت منظمة الصحة العالمية خطة للتوعية بمخاطر «كورونا» في المخيمات والملاجئ الجماعية. وجرى توزيع مواد المعلومات، والتعليم والاتصالات ذات الصلة بتعزيز النظافة الشخصية على نطاق واسع داخل المخيمات والمرافق المدعومة، وتم تقاسمها مع السلطات بغية تعميمها على نطاق أوسع. كما جرى توسيع نطاق التعزيز والتوعية بشأن النظافة العامة داخل المخيمات.

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) حذرت من أن مئات آلاف الأشخاص في شمال شرقي سوريا يواجهون مخاطر متزايدة بالإصابة بـ«كورونا» بسبب انقطاع إمدادات المياه.

ومنذ عدة أيام، أوقفت محطة مياه العلوك لإمدادات المياه في رأس العين، المدينة الواقعة على الحدود السورية – التركية والخاضعة لسيطرة تركيا وفصائل سورية مدعومة من أنقرة، ضخ المياه إلى المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الكردية السورية. وأكد «المرصد» أن انقطاع المياه قررته تركيا.

وتؤمن محطة العلوك المياه لنحو 460 ألف نسمة، بينهم سكان مدينة الحسكة ومخيم الهول للنازحين، حيث يقيم الآلاف من عائلات عناصر «داعش». وأسفرت ضغوط عن إعادة تشغيل المحطة. لكن الإدارة الكردية حذرت من أن المناطق الخاضعة لسيطرتها غير مجهزة بشكل كافٍ لمواجهة احتمال انتشار الوباء. وقال الجنرال مظلوم عبدي قائد «قوات سوريا الديمقراطية»، التي يدعمها التحالف الدولي بقيادة أميركا، إن «خطر انتشار الفيروس لدينا وارد جداً. لهذا قامت الإدارة باتخاذ عدة إجراءات مهمة من أجل مكافحة انتشار هذا الفيروس»، داعياً السكان إلى عزل أنفسهم في المنازل.

– «الكارثة الحقيقية»

للوضع الإنساني في «مثلث الشمال» في إدلب وبين أرياف حماة وحلب واللاذقية، حالة خاصة، بسبب الاكتظاظ البشري، حيث يقيم 3.5 مليون سوري معظمهم نازحون، وكان مسرحاً للعمليات العسكرية قبل وقف النار بموجب تفاهم روسي – تركي، إضافة إلى وجود تنظيمات مدرجة على قائمة مجلس الأمن بأنها «إرهابية».

منذ بداية العام، نزح أكثر من مليون مدني وهناك 60 ألفاً يعيشون في الحقول المفتوحة والمدارس والمساجد. وجرى إغلاق 62 منشأة صحية على مدار الشهرين الماضيين. كما فقد كثير من عمال الرعاية الصحية حياتهم أو أجبروا على الفرار خشية على أعمارهم. ونتيجة لذلك، لا يوجد في هذه المناطق أكثر من 166 طبيباً و64 منشأة صحية، من الذين يعملون بالحد الأدنى من البنية التحتية الممكنة بقدرات متدنية للغاية، حسب «برنامج أبحاث النزاعات». وقال أحمد المنظري، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في شرق المتوسط: «بدأ اختبار الحالات المُشتبه في إصابتهم بالفيروس في شمال غربي سوريا منذ يومين بعد وصول شحنة من 300 اختبار إلى أحد شركاء المنظمة. وسيصل 600 اختبار إضافي إلى المختبر في إدلب، ومن المقرر وصول شحنة من 5000 اختبار إلى مدينة إدلب الأسبوع المقبل. وتم توزيع معدات الوقاية الشخصية بالفعل على 21 مرفق رعاية صحية، كما تم شحن معدات وقاية شخصية إضافية للعاملين الصحيين في مدينتي إدلب وحلب هذا الأسبوع».

وتعاني المنظمات الصحية السورية غير الحكومية مع مديرية الصحة في إدلب من نقص مزمن في عدد الموظفين مع قلة التمويل. وقال الدكتور منذر خليل، رئيس المديرية الصحية في إدلب، إن «احتمالات تفشي فيروس كورونا مرتفعة للغاية» وسط مخاوف من كارثة. وحذر خليل من صعوبة أن تعمل خطة الاستجابة الطارئة بفاعلية كاملة في غياب الدعم الكامل من الجهات المانحة الدولية، وذلك بسبب تدهور قدرة المرافق الصحية الوطنية، ونقص الممرضين المدربين، ونقص وحدات العناية المركزة والتعطل المستمر لشبكات المياه والكهرباء، والحركة المستمرة للمواطنين النازحين داخلياً، مع عدم قدرة كثير من الناس على التكيف مع الضغوط الاقتصادية الناشئة عن العزل الذاتي مع تعليق الأنشطة الاقتصادية.

وتنظر منظمات المجتمع المدني في شراء أطقم الاختبار من الأسواق التركية، نظراً لانعدام الثقة مع دمشق. ودشنت حملات توعية مع تطوير كثير من استراتيجيات الاستجابة الأخرى التي تستكمل جهود مديرية الصحة في إدلب والمنظمات الصحية غير الحكومية الأخرى حيال مكافحة الوباء. كما قام عناصر «الدفاع المدني» بتعقيم مخيمات وأماكن مدمرة مستفيدين من وقف النار الذي قام وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو بزيارة دمشق التقى خلال الرئيس بشار الأسد لتأكيد تثبيتها حالياً.

«الشرق الأوسط».

——————————

فيروس رجعي: كورونا وفرصه الثقافية/ محمد سامي الكيال

ظهر كثير من التحليلات ذات الطابع الأيديولوجي، مع الانتشار السريع لفيروس كورونا حول العالم: هذا الوباء، رغم كل ما يحصده من أرواح، قد يحمل فرصاً اجتماعية وسياسية لم تكن في الحسبان. البعض يرى أنه قد يكون منطلقاً لتغيّر جذري في الرأسمالية كما نعرفها، نحو مزيد من السياسات الاجتماعية والتنسيق فوق الوطني. فهو يطرح مسائل ملحة مثل تعميم الرعاية الصحية للجميع على مستوى عالمي، وعدم ترك القرارات الاقتصادية المصيرية لحركة الأسواق الحرة.

يؤكد آخرون على أن الوباء هو إشارة تحذير للبشرية، التي تمادت في استثمار الطبيعة والسيطرة عليها. لدرجة أن انخفاض نسب التلوث في بعض المدن الصينية والإيطالية، نتيجة توقف النشاط الصناعي وحركة النقل، اعتُبر من إيجابيات الفيروس التاجي. يعتقد بعض المتدينين أن ما يحدث فرصة للتكافل الاجتماعي والعائلي، والعودة إلى القيم الأخلاقية والدينية، التي ابتعدت عنها المجتمعات الحديثة. عموماً كورونا هو فرصة لاكتساب وعي ما. يحاول كل طرف تحديده حسب أيديولوجيته وأمانيه.

من جانب آخر انتشر كثير من التصورات الديستوبية عن مستقبل البشرية بعد كورونا: عالم أكثر قمعية وسلطوية، أزمة اقتصادية كبرى تهوي بمئات الملايين من السكان إلى الفقر والبطالة والتشرد، وانهيار دول بأكملها.

لا توجد مؤشرات وأدلة كافية لتقييم صحة أي من هذه التصورات. التغيرات التاريخية الكبرى، غالباً ما تحدث بصورة مغايرة لتوقعات المعاصرين، ولا تتّبع نسقاً متسقاً يمكن تصوّره سلفاً. دعك من أنه لا يمكن الجزم بأن البشرية على عتبة تغيّرات كبرى أصلاً، أو أن الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة هشة لدرجة عدم القدرة على استيعاب تداعيات الوباء. ربما كان الأجدى مناقشة ما يجري في الحاضر، أكثر من التسرّع في إطلاق التنبؤات المستقبلية، والحديث بمنطق «نهاية العالم». فهل يحمل كورنا بالفعل فرصاً اجتماعية وبيئية وأخلاقية إيجابية في سياقنا الحالي؟ وما هي نتائجه على مستوى الخطاب العام، ونظرة البشر لأنفسهم وعلاقاتهم الاجتماعية؟ هل يمكن اعتباره فيروساً «تقدمياً»، بمعنى أنه سيقوم بتسريع تحقق إمكانيات كامنة في المجتمعات والمنظومة العالمية، أم هو فيروس «رجعي» يساهم بتجميد الأوضاع الحالية، وتقوية مظاهر ظُن أن البشرية اقتربت من تجاوزها؟

إمكانيات العزلة

يعيش الملايين حالياً تحت إجراءات مثل، تقييد الحركة أو حظر التجوال، التي أصبحت ضرورة لا بد منها في معظم البلدان التي تفشى فيها الفيروس. يناقش كثيرون الإمكانيات التي يمكن أن توفرها العزلة الاجتماعية المفروضة، مثل تطوير أشكال إدارية أكثر مرونة، وتغليب مبدأ العمل من المنزل، في حين يناقش آخرون عدم عدالة هذا: أنماط معينة ومحدودة فقط من العمل لديها رفاهية تحمّل العزلة، وهي أنماط عمل الفئات الأكثر حظاً أساساً، في حين سيفقد آخرون، ممن يعتمدون على عملهم اليدوي اليومي، مصدر رزقهم، أو يضطرون للعمل في الخارج، معرضين أنفسهم لخطر العدوى.

من الصعب اعتبار انتصار مبدأ العمل من المنزل، في قطاعات العمل المرن، تطوراً كبيراً في نمط الإدارة الحالي، فالميل لضغط النفقات، وابتكار أساليب أكثر سيولة في استخلاص أعلى إنتاجية من الموظفين، معروفٌ ومتّبعٌ منذ زمن، كما أنه لا يشمل إلا جانباً محدوداً من العمالة، وإلى جانب محدوديته فلا يمكن توقع استمراريته إن لم يثبت نجاعته المالية والإدارية. الأكثر إثارة للانتباه هو تعزز اتجاه تفكك مواطن العمل التقليدية، حيث يعمل البشر معا، يتعرضون لنمط موحد من الاستغلال والتطويع، ولكنهم في الوقت ذاته يكتسبون إمكانية تطوير علاقات اجتماعية تضامنية، تساعدهم على تحدي الاستغلال، وتحسين ظروف حياتهم. هذه الإمكانية ليست مطروحة بشكل كبير في قطاعات العمل المرن، التي يسودها أصلاً التنافس وضعف الأشكال التضامنية، ولكن في قطاعات أكثر تقليدية، يسهلُ فيها اكتشاف «العمالة الفائضة» تحت ضغط الأزمة، سيؤدي الميل لـ«المرونة» إلى تقليص أكبر لحقوق العمل، وضغط أكبر على العاملين، يضعف أي فرصة تضامن ممكنة، تحت تهديد الإرسال للبطالة المنزلية المفروضة.

وكما يؤدي تفكيك مواطن العمل إلى تدني فرص التضامن الاجتماعي، ذات الطبيعة التعاقدية، فإن العزلة المنزلية تعزز اتجاهين أكثر انغلاقاً: الأول هو الفردانية، المرتبطة بدعوات الاستفادة من الوقت الفائض لتطوير المهارات الذاتية، وهو اتجاه يُعرّف الفرد بوصفه مجموعة مهارات قابلة للاستثمار ضمن «مساحة خاصة»، بمعزل عن السياق الاجتماعي. والثاني هو العائلية، فكل العلاقات الاجتماعية، بما فيها الصداقة والجيرة والمحبة، تعتبر ترفاً زائداً عن الحاجة في زمن الحَجر، في حين تبقى العائلة هي الوحدة الاجتماعية الأساسية، التي يعتبر التواصل فيها بين الأفراد مقبولاً، رغم كل ما تتيحه من فرص اختلاط بين أجيال متعددة، تتفاوت مناعتها تجاه المرض.

يصعب اعتبار تعزيز العزل المنزلي للفردانية والعائلية فرصة ثقافية ذات أبعاد تقدمية، كما ان إغلاق المساحات العامة يمكن أن يقوّي كل أشكال السلطوية والاستغلال. بهذا المعنى يمكن اعتبار كورونا متماشياً مع اتجاهات سياسية واجتماعية ظهرت منذ ثمانينيات القرن الماضي، رفضت ما هو اجتماعي تعاقدي لمصلحة انعزال فردي وهوياتي في الآن ذاته، وبالتالي فالوباء لا يصيب الأيديولوجيا النيوليبرالية في مقتل بقدر ما يعززها ثقافياً.

التواضع الإنساني

الميل إلى ذمّ الحضارة والمدنية، اتجاه ثقافي لم يرتبط على الأغلب بتطلعات تقدمية، بل كان ملازماً لحركات ذات أيديولوجيات دينية وشبه دينية، لعنت «المدن الفاسدة»، التي فقدت قيمها المتعالية، وغرقت في الجشع والخطيئة، والنتيجة في كثير من الأحيان كانت إقامة أنظمة شديدة التزمت والقمعية، فرضت أحكام «مدنها السماوية» بقسوة على البشر. يُبدي جانب من الحركات البيئية في عصرنا سمات مشابهة، من خلال معالجة المشاكل البيئية، بوصفها اعتداءً على الطبيعة من البشر الجشعين والمحبين للاستهلاك، فتبدو الحضارة الحديثة بحد ذاتها خطيئة، بما يلازمها من تصنيع وحضرنة وتطوير للاحتياجات الإنسانية.

قد يكون إغلاق المعامل في الصين وعدد آخر من الدول أدى إلى انخفاض التلوث، ولكن لا يمكن اعتبار هذا عاملاً إيجابياً بحد ذاته، فتعثر الصناعة هو مأساة لآلاف العمال الذين فقدوا فرص عملهم أو انقطعت مصادر دخلهم، ولن يساعد الهواء النظيف هؤلاء كثيراً في تجاوز محنتهم، إضافة للتداعيات الاقتصادية، التي ستدفع الفـــــئات الأفقر ثمنها على الأغلب، فإن حالة الطوارئ التي فرضها الوباء تبدو مغرية للتعميم. يرى بعــــض الناشطين البيئيين، أن المشاكل البيئية لا تقلّ خطورة عن انتشار فيروس كورونا، ويطالبون بحالة طوارئ بيئية صارمة، تسمح للدول باتخاذ إجراءات إنقاذية لا تُعنى كثيراً بالآليات الديمقراطية. يمكننا بسهولة تخيّل مطالب مشابهة من كل مجموعة أيديولوجية، ترى في الإجراءت الاستثنائية خلاصاً من ابتعاد البشر «الأنانيين» عن أفكارها وضروراتها.

الخوف على كبار السن وضعيفي المناعة جانبٌ أساسيٌ في الجهد المبذول في مواجهة الوباء، ينبع أساساً من قيم التعاطف والتضامن، وهي قيم إنسانية تطوّرت في إطار اجتماعي، ولا توجد بالشكل نفسه في البيئات الطبيعية، التي لا تهتم كثيراً بقيم الخير والشر والتعاطف. فضلاً عن كون الطبيعة نفسها، والحديث عن التوازن فيها، مفاهيم إنسانية بدورها. عدم قدرة كثيرين على فهم هذا يبيّن مدى مساهمة الفيروس في إنعاش دعوات غير تقدمية للغاية.

كورونا والثورة

يبدو الحديث عن عجز الرأسمالية عن مواجهة الوباء أمراً مبالغاً فيه، تنافس شركات الأدوية مثلاً على إيجاد أدوية ولقاحات للمرض، عاملٌ إيجابي في تطوير البحوث الطبية، إذا ابتعدنا عن نظريات المؤامرة، كما أن ضرورات السوق الحالية تشجّع مزيداً من الإنتاج في مجال المعدات الطبية. تلعب الدول بالتأكيد دوراً شديد الأهمية في التخطيط الاقتصادي، وقد تضطر أحياناً لإجراءت تشبه التأميم، كما حدث في الأزمة المالية عام 2008، ولكن هذا لا يعني انتصاراً للاشتراكية، فالرأسمالية لم توجد يوماً إلا بارتباط مع الدولة وإجراءاتها، والسوق الحرة بالكامل ليست إلا نموذجاً أيديولوجياً.

قد تساهم بعض الأزمات باندلاع ثورات اجتماعية كبرى، ولكن الوباء لا يبدو حتى الآن أزمة من هذا النوع. في غياب المجتمع والطبقة والمساحة العامة لا يمكن الحديث عن تغيير، مهما اكتسب الأفراد من الوعي أثناء عزلتهم. تحتاج قضايا مثل تعميم الرعاية الصحية، وتخفيف عبء الأزمة عن الفئات الأدنى، جهوداً اجتماعية أكثر تكاملاً وتنظيماً، تسعى لاستعادة البشر للسيطرة على إنتاجهم لعالمهم، وهو ما كان يبدو صعباً ومتعذّراً حتى قبل الوباء. ربما كان العمل على ترميم المجتمعات والحيّز العام بعد الأزمة، أكثر جدوى من تخيّل نتائج ثورية لوباء لا يمكن أن يجلب معه كثيراً الإيجابيات، وهذا يتطلّب أساساً الإصرار على رفع الإجراءات الاستثنائية فور انقضاء الضرورات الطبية الملحة، والتمسّك بالديمقراطية وإمكانياتها الاجتماعية، بدلاً من التنظير لعدم فاعليتها.

٭ كاتب من سوريا

تاقدس العربي

———————————-

في زمن كورونا بريطانيا تغرق والإعلام يعوّم جونسون.. أَمَجدٌ مؤقت قبل الكارثة بدقائق؟/ ندى حطيط

حتى عندما كان بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطانيّ، مجرّد صحافيّ صغير في يومية يمينيّة لا يقرأها سوى كبار السنّ، لم يكن يخفِ طموحاته ليكون أعظم سياسيّ بريطانيّ في التاريخ، مستلهماً أنموذج معبوده الشخصي وينستون تشرشل.

الأخير – رئيس الوُزراء الذي قاد المملكة المتحدة خلال الحرب العالميّة الثانيّة (1945-1939)، واعتبر بطلاً قوميّاً بعد انهيار النازيّة وسقوط برلين – كان لمع قائداً وطنياً في ظلّ الأزمة وعليها بنى مجده، وفق ما كتب جونسون المؤرّخ – بحكم التّأهيل الجامعي – في سفره الضخم عن سيرة تشرشل، ولذا فلا شكّ أنّه كان يبحث بدوره عن أزمة وطنيّة كبرى تفتح له أيضاً بوابات السؤدد.

ظنّ جونسون أن بريكست ستكون فرصته المنتظرة، فاكتفى بمراقبة تخبّط رئيسته السابقة تيريزا ماي المعلن أمام انقسام البرلمان وانشطار الأمّة حول شكل العلاقة مع الاتحاد الأوروبيّ وانتظر تعاظم الشقّة بين الجانبين، قبل أن يقدّم نفسه مسيحاً مخلصاً للجميع: لإنقاذ حزب المُحافظين الحاكم من سياسة حافة الهاوية وإمكان خسارة السّلطة، والبلادَ من الفرقة والترّقب.

وبفضل التّغطية الشديدة الانحياز لجونسون من قبل الإعلام البريطانيّ وعلى رأسه «بي بي سي» مقابل مرشّح المعارضة جيريمي كوربن، حصل الرّجل في انتخابات ديسمبر/كانون الأول 2019 على أغلبيّة مريحة داخل مجلس العموم مكنته من تشكيل حكومة محافظة خالصة دون تحالفات مقيّدة.

كان أوّل ما تولاه في منصبه الجديد حسم مسألة بريكست وإخراج المملكة (رمزيّاً على الأقلّ) من ربقة حكم بروكسيل مع نهاية المهلة المعلنة لذلك 31 يناير/ كانون الثاني بداية العام.

كانت عند الرّجل أحلام كثيرة لإعادة تشكيل بريطانيا المعاصرة اقتصادياً وسياسياً في طور جديد.

أراد أن يدير ظهره إلى جيرانه الأوروبيين ويستقبل أبناء العم الأمريكيين، مستعداً لأجل ذلك أن يتوّج سنوات من حرب حكومات اليمين على قطاع الصّحة الوطنيّة العام البرّيطاني ببيعه قطعة قطعة لرأس المال الأمريكي، ليخسر البريطانيون بذلك أهم مكسب جماعيّ حققوه لهم من ملوكهم في التاريخ مقابل تدفق رؤوس الأموال إلى جيوب أثرياء البلاد.

عن فرحة لم تكتمل: كورونا أطاح ببريكست

لكنّ احتفالات جونسون ليلة 31 يناير/كانون الثاني لم تكتمل، إذ أغرقه معاونوه بالتّقارير العاجلة عن وصول حالات أولى فيروس كورونا إلى البلاد والذي كان أنهك الصيّن البعيدة. ثلاث حالات هنا، وحالة هناك، ثم ثلاث أخرى وهكذا رويداً رويداً حتى وصلنا في شهرين إلى حدود الكارثة: أكثر من خمسمئة وخمسين وفاة بالفيروس في آخر أيّام الشهر الماضي وحده، مع تضاعف فلكي في عدد الحالات المسجلة عبر أقاليم البلاد، ناهيك عن حال من التوترّ الشديد تعم أوساط القطاع الطبيّ العام لضعف الاستعدادات، سواء على مستوى تأهيل الفرق الطبيّة أو حتى على مستوى توفير الأجهزة والمعدات والأسرّة اللازمة للتعامل مع الأوبئة.

الخُبراء يقولون إن جونسون ارتكب جريمة موصوفة بسوء إدارته للوباء، إذ تبنى بداية استراتيجية تقبّل انتشار كورونا على نطاق واسع (اعتماداَ على نظريّة مناعة القطيع) لمنح الأجيال الجديدة مناعة ضدّ الفيروس مقابل التضحيّة بمجموعة من كبار السنّ والمرضى الذين هم سيموتون به أو بغيره، على الرغم أن هؤلاء شكلوا الكتلة الحرجة لانتصار جونسون الكاسح في الانتخابات الأخيرة . ولمّا بدت معالم هذه النظريّة بالتفكك تحت تصاعد أعداد الوفيّات، تباطأ في فرض سياسة العزل على مواطنيه على نحو أفقد البلاد أسبوعين كاملين ثمينين من الوقت لمنع انتشار المرض. بل إن الرئيس نفسه أصيب لاحقاً بالفيروس، واضطر للانعزال في منزله وإدارة الدّولة بالريّموت كونترول.

جونسون على قمّة جبل الثقة الشعبيّة

ومع ذلك، فإنّ ثقة المُواطنين البريطانيين في الرئيس «المُكورن» ارتفعت إلى مستوى تاريخي غير مسبوق (72 في المئة) حسب استطلاعات الرأي مقابل 25 في المئة فقط من غير الرّاضين، كما حصلت حكومته اليمينية، التي كانت شرعت بالفعل بالتفاوض مع الأمريكيين لبيعهم مؤسسة الصحة العامّة على أعلى مستويات الثقة وهم في الحكم (54 في المئة)، بأعلى مما حصلوا عليه وقت انتصارهم على الأرجنتين في الصراع حول جزر المالفين (فوكلاند) عام 1982 الذّي اعتبر قياسياً في وقته.

فكيف يمكن تفسير العلاقة العكسيّة هذه بين الأداء الفعليّ لجونسون مع ارتفاع ثقة المواطنين فيه وفي حكومته؟

للحقيقة أن ذلك الأمر تكرر أيضاً في عدّة دول غربيّة بعد إعلان منظمة الصحّة العالميّة عن اعتبار كورونا وباء عالميّاً، ومنها الولايات المتحدة، التي كانت تشهد مناخاً استقطابيّاً عالياً، ومع ذلك ارتفعت ثقة المواطنين برئيسهم دونالد ترامب. إذ يبدو أن البشر في أوقات الأزمات والحروب ينحون إلى «الالتفاف حول العلم»، حسب تسمية أستاذ العلوم السياسيّة الأمريكية جون موللر، بمعنى تعليق الخلافات السياسيّة والايديولوجيّة، والتوحد حول قيادة مركزيّة. ورغم تعدد الأسباب التي قد تدفع المواطنين لذلك السّلوك، منها ربّما ظهور عدوّ مشترك، أو مطلق الخوف، أو حتى التّفكير العقلاني بالأولويات فإن شخصيّة القائد – وفق موللر دائماً – تصنع فرقاً هنا. في تلك النقطة تحديداً كان دور الإعلام البريطاني عموماً وفي مقدّمته «بي بي سي» – الأكثر مشاهدة عبر البلاد – محوريّاً. جونسون، الذي كان خلال يناير/كانون الثاني – عند نصف البريطانيين على الأقل – أقرب إلى مهرّج، تحوّل بعد انتشار كورونا لرئيس وزراء موثوق بصفة استثنائيّة. فالمحنة المتصاعدة أعادت المواطنين من جديد لمشاهدة تلفزيونهم الوطنيّ بعد 12 عاماً من التراجع المستمر في نسب المشاهدة منذ الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008 وما نشأ عنها من فقدان واسع لثقة الجمهور في السّلطات والنخب الحاكمة ووسائل إعلامها الكبرى، ولاحقاً في حالة «بي يي سي» انحيازها الملحوظ لطرف سياسيّ دون آخر – رغم تعارض ذلك مع قانونها وأغراضها كمؤسسة وطنية عامة يدفع المواطنون تكاليفها مباشرة من جيوبهم على أن تحتفظ بمسافةٍ واحدة مع كل فرقاء السّياسة. بثّت «بي بي سي» مباشرة مع إعادة طوال النهار في كل ساعة إخباريّة المؤتمرات الصحافيّة لجونسون التي ظهر فيها كقائد وطنيّ يقود حرب المواجهة مع الغزاة، محاطاً بكولونيالات من العلماء وخبراء إدارة الأوبئة، وموجهاً خطاباً ذا نغمة وطنيّة ظاهرة، يشّع ثقة بقدرة البريطانيين على الانتصار، لكنّه في الوقت ذاته يصارحهم (بالحقائق) عن صعوبة المعركة، وإمكان سقوط شهداء. واستقصدت «بي بي سي» استدعاء أصوات من تخصصات مختلفة للتّحدث عبر شاشاتها حول مسائل مختلفة متعلّقة بالوباء كانوا جلّهم من أنصار الحكومة دعموا سرديّة جونسون، وتجنبوا انتقاده، رغم أخطائه الفادحة. ولمّا أصابه الفيروس تم تقديمه رجلاً حديدياً، يعتزل النّاس حوله كي لا ينقل إليهم المرض، لكنّه من وراء الشاشة كرجل فولاذي يرتدي بذلته الرسميّة وربطة العنق، ويدير الحكومة من مقرّه السريّ، ويقود الحرب بنفسه، وهي بالطبع خدعة تامّة، فالرّجل متعب كما أي رجل مريض، وهو بحاجة للراحة والمتابعة اللصيقة، حتى لو كان الفيروس الذي أصابه من الفئة الأقل شراسة.

كورونا ممسكا بمصير جونسون

مع التسارع اليومي الهائل في أعداد المصابين والضحايا، واقتراب المنظومة الصحيّة البريطانيّة تدريجياً من حدود استيعابها القصوى، يبدو احتفاظ جُونسون بثقة البريطانيين لما بعد الرّبيع أمراً مستبعداً. إذ تتجه المؤشرات إلى تحوّل الجزيرة البريطانيّة لواحدة من أهم خمس بؤر للمرض في العالم، وسيسقط عشرات إن لم يكن مئات الألوف صرعى، فيما تبدو البيروقراطيّة البريطانيّة أبطأ بكثير في محاولتها إدارة مملكة العزل من سرعة تسرّب الفيروس القاتل، فيما ينزف الاقتصاد لحظياً على نحو قد يعصف بـ 15-25 في المئة على الأقل من الناتج القومي العام مرّة واحدة.

وبدلاً من أن يجد البريطانيون عندها «عَلَماً» يلتفون حوله، فإنهم سينتهون إلى كبش فداء يحملونه أوجاعهم وهزائمهم المتدفقة أمام العدوّ الخفيّ. وقد لا يكون الكبش سوى الزّعيم بوريس جونسون الذي وعدهم بالانتصار. وحينها ستُسدل ستارة تراجيديا شكسبيرية على طموح كان أكبر من الحياة.

٭ إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن

القدس العربي

—————————————————-

مدينة خاوية على عروشها: نيويورك في زمن الكورونا/ عبد الحميد صيام

قررت أن أتحدى الحظر المفروض علينا منذ نحو أسبوعين، وأن أطوف في شوارع مدينة نيويورك، أو التفاحة الكبيرة، كما تسمى هنا، والتي تشدنا لسحرها وجمالها وتنوع سكانها وجمال حدائقها وثرواتها الفنية والثقافية، التي لا حدود لها. فمن يعيش في مدينة نيويورك يعتقد أن كل المدن قرى. لقد شاهدت معظم المدن الكبرى في العالم، لكنني لم أعثر على مدينة بمثل هذا السحر والغنى والجمال والتنوع. إنها عاصمة العالم المالية والدبلوماسية والسياحية.

وبعد أن أخذت كافة الاحتياطات ووعدت أهل الدار أنني لن أخرج من السيارة، فأنا بالفعل اشتقت للمدينة الكبيرة، التي كنت بعيدا عنها مؤخرا لأكثر من شهرين، وبدل أن أعود جذلا إلى جناح الصحافة في مقر الأمم المتحدة، وجدت نفسي محشورا في البيت، أتابع أخبار المدينة عن طريق وسائل الإعلام وغيرها. أحسست بدافع قوي يشدني إلى التجول في حيّ منهاتن، لأشاهد بعيني حالة المدينة التي تضم عشرة ملايين ساكن، وأربعة ملايين إضافية يدخلونها يوميا عاملين وزوارا.

وأنا أتجول في المدينة مصدوما مما أرى، تذكرت الآية الكريمة التي تقول: «كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها». فكيف لفيروس يحتاج أن تكبره بالمجهر 500 مرة لتستطيع العين أن تراه، ينتصر على هذه المدينة الكبيرة، بل على الدولة الأعظم في العالم، ويُقعد الناس في بيوتهم، ويغلق محلاتهم، ويفرغ شوارعهم، ويشل حركتهم. مدينة تنبض بالحياة ليلا ونهارا تتفاخر بمسارحها العظيمة في برودواي ومتاحفها النادرة، ومكتبتها الأضخم ربما في العالم، وحديقتها المركزية الكبرى، ومركز لنكولن وروكفللر وبناية الإمبير ستيت وأخواتها من العمارات الشاهقة، التي تتسابق نحو الذرى، كل واحدة تريد أن تزيد المدينة بهاء وجمالا، إلا أنها الآن تنحني أمام الفيروس، وتسلم مفاتيحها وتختبئ في جحورها، ولا تسمع في شوارعها إلا صفارات سيارات الإسعاف المخيفة، وهي تنقل المصابين إلى غرف الطوارئ بالمستشفيات.

لقد احتلت الولايات المتحدة المركز الأول في عدد المصابين بوباء كورونا، واحتلت مدينة نيويورك الرقم الأعلى في البلاد، واحتل حيّ كوينز في المدينة الرقم الأعلى بين أحياء المدنية الخمسة. فمدينة نيويورك هي الأكثر سكانا وازدحاما في الولايات المتحدة، حيث تصل نسبة السكان إلى 28000 شخص في الميل المربع الواحد، تليها مدينة سان فرنسيسكو، حيث تصل النسبة إلى 17000 نسمة. وأود أن أنقل بعض الصور والملاحظات من حياة المدينة وهي تعيش أحلك أيامها تحت قبضة الوباء اللعين، الذي قد يكون في أيامه الأولى ولا نعرف أين تتجه البلاد، التي أظهر هذا الفيروس هشاشتها المعيبة.

في مقر الأمم المتحدة ترتفع أعلام الدول الأعضاء الـ193 بالإضافة إلى علمي فلسطين والفاتيكان بين شارعي 42 و47 في الجادة الأولى. لكن المقر الآن خال من الموظفين والدبلوماسيين والزوار والصحافيين، كأنه أرض بلقع. يضم المقر في نيويورك نحو ستة آلاف موظف. أضف إليهم آلاف الدبلوماسيين الذين يمثلون بلدانهم، إضافة إلى مئات الصحافيين المعتمدين من كل وسائل الإعلام الكبرى في العالم. كان المقر يستقبل يوميا نحو 11000 شخص، انخفض العدد الآن إلى نحو 79 شخصا فقط معظمهم يعملون في أمن البناية، وضمان شبكة الاتصالات مع العالم، وترتيب الاجتماعات الرسمية والمؤتمرات الصحافية للأمين العام والمسؤولين الكبار، التي تعقد الآن كلها عن بعد، وعن طريق شبكة الفيديو. ومقر الأمم المتحدة يضم عددا من المعارض الدائمة واللوحات الثمينة والصور النادرة. الأمانة العامة للمنظمة الدولية تعتبر إحدى معالم المدينة، حيث تستقبل من الزوار سنويا نحو مليوني زائر. كما يضم المقر حديقة مشهورة تضم العديد من المجسمات، وحديقة الكرز الضخمة وبستان الورود. انتابني شعور بالأسى وأنا أقف قرب المدخل الرئيس الموصد تماما إلا من حارسين يقفان متباعدين، لضمان عدم دخول أحد في هذه الأيام العصيبة، بعد أن تأكد أن ما لا يقل عن 88 موظفا دوليا أو دبلوماسيا أصيبوا بالوباء.

ويبلغ عدد قوات الشرطة في المدينة نحو 36 ألف شخص، من بينهم، الآن، 6172 خارج الخدمة بسبب احتمال إصابتهم بكورونا. وقد تبين أن نحو 1200 منهم مصابون فعلا بالوباء، توفي منهم ثلاثة لغاية الأربعاء الماضي. وبسبب نقص الأعداد أضيفت مهمات إضافية إلى القوات الفاعلة. فقد طلبت قيادة الشرطة متطوعين للمساعدة في مهمات بسيطة، من بينها إنشاء وحدة خاصة لجمع كبار السن الذين يموتون في بيوتهم بسبب الوباء. لقد بلغ عدد الأموات الذين يبلّغ عن وفاتهم في بيوتهم بسبب العزل والخوف من المرض بين سبعة وتسعة أشخاص في كل نوبة عمل تمتد لثماني ساعات. لقد أصبحت ظاهرة الموت في الشقق مقلقة لقيادة الشرطة، لكن ليست لديهم القدرة في ظل ظروف الطوارئ الحالية للتعامل معها، إلا من خلال إنشاء وحدة تقوم على المتطوعين.

الشيء الإيجابي، الذي نتج عن الوباء، هو انخفاض عدد الجرائم بشكل ملحوظ في المدينة الكبيرة. وتفسير ذلك أن السرقات أسهل في مناطق الازدحام، وبقاء المحلات والمطاعم مفتوحة لساعات طويلة خلال الليل، ووجود ملايين السياح الذين يتجولون في المدينة، وهذه أمور غير متيسرة الآن. والنوع الثاني من الجرائم المنتشرة هو اقتحام بيوت العاملين والموظفين، الذين يتركون بيوتهم ساعات طويلة، فيتم رصدها واقتحامها. أما هذه الأيام فمعظم السكان في بيوتهم، لكن نوعا من الجرائم الصغيرة بدأ يأخذ مسارا واسعا وهو سرقة السيارات، التي تركن في مكان واحد لعدة أيام. يبحث لصوص السيارات عن أي شيء قد يعثرون عليه داخلها، من عملات وأدوات وشواحن وغيرها. لكن انتشار الشرطة في كل الشوارع والزوايا جعل مهمة اللصوص أصعب بكثي

ومن بين 216000 مصاب بوباء كورونا في الولايات المتحدة لغاية مساء الأربعاء الماضي، يوجد نحو 83.984 في مدينية نيويورك بأحيائها الخمسة المكتظة، التي شهدت موت نحو 1400 شخص لغاية الآن، ولم تعد المستشفيات تستوعب المصابين. طلب من كل الأطباء بكافة تخصصاتهم التحول إلى أقسام علاج كورونا. في البداية خصص كل مستشفى جناحا، أو طابقا للمرضى، ثم أضيف جناح ثان فثالث، حتى لم يبق إلا جناح واحد أو اثنان لبقية الحالات مثل الولادة والسرطان. مستشفى «ستاتن آيلند الجامعي» سيخلي جميع مرضى المستشفى من غير الكورونا، وينقلهم مع نهاية الأسبوع إلى سفينة ترسو في ميناء نيويورك فيها ألف سرير طبي، ويبقى المستشفى بكامله مخصصا للمصابين بكورونا.

وبسبب تفاقم عدد الموتى، تجد أمام كل مستشفى عددا من الشاحنات البيضاء التي تحولت صناديقها إلى ثلاجات كبيرة للموتى لنقص عدد الأسرة، ولإخلاء الموتى لاستقبال مرضى آخرين. كما نصبت في موقف سيارات المستشفى الأمامي خيمة كبرى لاستقبال حالات الطوارئ، لنقص في الأسرة داخل المستشفى. هذا ما تأكدنا منه في مستشفيات لوثرن وميثودست وستاتن آيلند. وفي مستشفى ماونت سيناء يوضع المرضى في الممرات. لم تعد مستشفيات نيويورك، التي يزيد عددها عن 32 مستشفى رئيسا تستوعب المصابين. أنشأت المدينة مستشفى ميدانيا في حديقة نيويورك المركزية، لكن هذا لا يكفي. وطلب من كل مستشفى أن يوسع قدراته الاستيعابية، لكن الأوضاع مقبلة على كارثة كبرى، حيث تتجه الأزمة نحو الذروة بداية من 5 إبريل كما أعلن عمدة المدينة بيل دي بلاسيو. وقال إن المدينة ما زالت بحاجة إلى أكثر من ثلاثة ملايين كمامة طبية، ومليوني كمامة للعمليات الجراحية و 100000 روب عازل و400 جهاز تنفس، ومع نهاية إبريل تحتاج المدنية إلى 65000 سرير إضافي. باختصار مدينة نيويورك مقبلة على كارثة كبرى قد يصل عدد الموتى فيها إلى عشرات الألوف في الأسابيع القليلة المقبلة.

بعد هجمات 11 سبتمبر، بدت المدينة كئيبة خائفة مهزومة مثل هذه الأيام، لكن المسؤولين كانوا يحضون الناس على الخروج والعودة إلى حياتهم الطبيعية بسرعة، كي لا تستقر الهزيمة والخوف في القلوب. وما هي إلا أيام معدودة حتى بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها رغم الجراح. أما اليوم فالعكس هو الصحيح. المطلوب من الناس جميعا أن يختبئوا في بيوتهم، وأن يتعودوا على العزلة والابتعاد عن التجمعات والمناسبات، وإلإ فالوباء واصل لا محالة. الشيء الذي لا يعرفه الكثيرون خارج الولايات المتحدة، هو انتشار ظاهرة التطوع لمساعدة كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة والفقراء، ففي كل حي وشارع انتشرت لجان المتطوعين عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، ونشعر بالفخر ونحن نتابع أنشطة أبناء الجالية العربية، وهم يوزعون الكمامات ويقدمون الأغذية ويقومون بالتسوق لكبار السن، ويعطون دروسا مجانيا للطلاب ويقدمون النصائح الطبية باللغة العربية، ويتركون أرقام هواتف مراكز التطوع، لتقديم المساعدات الطارئة للسائلين. الأيام الصعبة مقبلة، وكان الله في عوننا جميعا.

محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي

القدس العربي

———————————

هل يستغل نظام الأسد كورونا؟/ عمر كوش

لم يكن مستغرباً أن ترسل كل من روسيا والصين، إلى جانب كوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا، رسالةً إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، تطالب فيها برفع العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على النظام السوري، كي تتسنّى له مواجهة تفشي انتشار فيروس كورونا، لأن كلا النظامين، الروسي والصيني، اعتادا الوقوف إلى جانب نظام الأسد في كل جرائمه، وحاولا استغلال كل القضايا الإنسانية، وغير الإنسانية، من أجل دعم النظام، وإعادة إدماجه في المجتمع الدولي، سواء من باب إعادة الإعمار، أو من باب إعادة اللاجئين الذين شردهم نظام الأسد نفسه، لذلك يستغل الساسة الروس ونظراؤهم الصينيون وسواهما جائحة كورونا، من أجل تجديد دعمهم نظام الأسد.

وجاءت الرسالة بعد أيام على الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، إلى دمشق، في 23 من آذار/ مارس الماضي، ولقائه رئيس النظام السوري. وحاولت موسكو تسويقها في إطار مساعيها الإقليمية والدولية لرفع العقوبات عن النظام، مستغلة قضية إنسانية، بدلاً من إلزامه بوقف إطلاق نار شامل، واتخاذ خطواتٍ ملموسةٍ لحماية المدنيين في مناطق سيطرته، والكشف عن مصير عشرات آلاف المدنيين في زنازين النظام في ظروف غير إنسانية، أو على الأقل حثّه على أن يفتح معتقلاته أمام اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والسماح لممثليها بزيارتها، وأن يطلق سراحهم، بدلاً من العفو الذي أصدره عن مرتكبي الجرائم وتجار المخدّرات.

ويحاول نظام الأسد استغلال تفشّي فيروس كورونا، كي يجدّد دعوته إلى الأمم المتحدة لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه، وعلى داعميه في نظام الملالي الإيراني، وتسويق ذلك عبر دعوة المجتمع الدولي إلى “احترام مبادئ القانون الدولي الإنساني وقدسية الحياة البشرية”، والتي لا يقيم لها النظام أي وزن أو اعتبار.

واللافت تلقف بعض الأنظمة العربية هذه الدعوات، كي تهرول إلى تجديد محاولاتها تطبيع علاقاتها من نظام الأسد الإجرامي، حيث سارع ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، إلى الاتصال برأس النظام بذريعة الاعتبارات الإنسانية، وتغليبها على الاعتبارات السياسية، وهو اعتبار يفقد مصداقيته مع نظام الأسد الذي داس على المبادئ والأعراف الإنسانية في تعامله الوحشي مع السوريين، عبر إبادة مئات آلاف منهم، وتهجير الملايين الذين باتوا بلا مأوى يحميهم من كورونا.

ويبدو أن استغلال بعض الأنظمة العربية فرصة انتشار كورونا يلاقي محاولات النظام الاستفادة منها أيضاً، وقد وجدها فرصة للتكسّب، مثلما وجدتها الأنظمة المتسلطة فرصة لإيقاف ثورات الاحتجاج عليها في أكثر من بلد عربي، وهي تلتقي مع محاولة الروس والصينيين، والأنظمة العربية المهرولة نحو تطبيع العلاقات مع نظام الأسد، التسلل عبر يافطة التضامن الإنساني، كي تتستر على جرائم النظام، وتقفز على حزمة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية لمنع النظام من الإفلات من العقاب عن الجرائم البشعة التي ارتكبها ضد غالبية السوريين خلال السنوات التسع الماضية، وهي محاولةٌ بائسة يستخدمها ساسة هذه الدول، بغية دعم استمرار هذا النظام في الإمعان في قتل المدنيين، والانقضاض على ما تبقى منهم في المناطق الخارجة عن سيطرته.

ولا شك في أن التصدّي لتفشي فيروس كورونا مهمة جميع الأنظمة السياسية الحاكمة، بغية حماية مواطنيها، ولكن نظام الأسد لا يهمه سوى حماية نفسه وأزلامه، ولذلك لجأ، في البداية، إلى إنكار وجود الفيروس في سورية. وهو نهج اعتاد عليه النظام المذكور في التعامل مع الأزمات والكوارث التي حلت بسورية والسوريين، ثم راح يستغل انتشار الفيروس بغرض كسب التعاطف الدولي، والدعوة إلى رفع العقوبات، فيما عمد إلى استغلال الهلع من انتشار الفيروس للتضييق على حياة السوريين في مناطق سيطرته، عبر إذلالهم وجعلهم يقفون ساعات طويلة في طوابير تنتظر الحصول على رغيف الخبر والمواد الأساسية للعيش.

وعلى الرغم من محاولات النظام والروس والأنظمة العربية المتهافتة نحو التطبيع مع نظام الأسد، إلا أن المجتمع الدولي يعي طبيعة نظام الأسد الذي سيعمد إلى استغلال انتشار الفيروس لابتزاز المجتمع الدولي، عبر استخدامه السوريين رهائن. وبالتالي، يجب أن لا تمرّ مساعدة السوريين في مواجهة الوباء عبر هذا النظام الإجرامي، لأنه نظام لا يكترث بحياة السوريين، بل سيحاول الاستفادة من تفشّي الفيروس لتسويق نفسه، وتلميع صورته، وفي الوقت نفسه، لن يكترث بمصير من اضطروا على البقاء في مناطق سيطرته، بل ينظر إليهم بوصفهم حملا ثقيلاً عليه التخلص منه.

أما السوريون في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، فلم يتوقف النظام عن هجماته عليهم في إدلب وسواها، وعن تهديداته باجتياحها، على الرغم من نداءات الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، إلى وقف فوري وكامل لإطلاق النار، فضلاً عن تحذيرات المبعوث الأممي الخاص، غير بيدرسون، من تدهور الأوضاع في سورية وانهيارها، ومن أن أي تصعيد عسكري ستكون له آثار إنسانية كارثية، خصوصا في هذه الظروف التي تتطلب منتهى الحيطة بسبب الخوف من تفشي الوباء، لكن نظام الأسد يريد ابتزاز المجتمع الدولي، بغية الإفلات من العقوبات المفروضة عليه، فيما يحاول قادة العالم التقليل قدر الإمكان من الكوارث والأزمات في الظروف الحالية.

العربي الجديد

———————————

في المفاضلة بين الصين وأميركا/ أسامة أبو ارشيد

أطلق الفشل الأميركي الذريع في التعامل مع جائحة فيروس كورونا المستجد نقاشاً حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد غاصت أكثر في طور تراجع زعامتها عالمياً، مخلفة وراءها فراغاً كبيراً تتحرّك الصين لملئه. ومعلومٌ أن الحديث في مآلات التنافس الأميركي – الصيني قديم، خصوصاً على الصعيد الاقتصادي، وهناك دراسات عديدة ترجح أن الصين ستصبح أكبر اقتصاد عالمي خلال السنوات القليلة المقبلة، مع أن في المشهد تفاصيل كثيرة ليس هذا مكانها. الجديد هنا أن النقاشات هذه المرة تتجاوز آفاق المنافسة الاقتصادية، أو حتى العسكرية، بين البلدين، إلى حدِّ طرح سيناريوهات مستقبلية مُتَخَيَّلَةٍ حول الزعامة الكونية الصينية المقبلة، مستندة إلى المقارنة بين استجابة الدولتين العظميين للجائحة.

بداية، لا يمكن إنكار أن استجابة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للأزمة تمثل عاراً للدولة الأعظم. وفوضوية هذه الإدارة ورئيسها، وانعدام كفاءتيهما، ليستا محل خلاف كبير. وفي حين كان العالم ينتظر، وتحديداً الحلفاء الأوروبيين، القيادة الأميركية، فوجئوا بأن الولايات المتحدة نفسها تتخبّط في احتواء تداعيات تلك الجائحة داخلياً، وهي لم تكن مستعدّة لها أصلاً، بحيث تحولت إلى بؤرة الوباء العالمي اليوم. ولكن، هل كانت الصين أفضل في إدارة تداعيات فيروس كورونا المستجد داخلياً؟ وهل مدّها يد العون لدول كثيرة، وتحديداً في أوروبا، حين أحجمت واشنطن، يعني أن بكين مؤهلة فعلاً لوراثة الزعامة الأميركية قريباً؟ بل هل من مصلحة البشرية، بما في ذلك نحن العرب، أن يسود النموذج الصيني كونياً؟ أسئلة كثيرة، تصعب الإجابة عنها باستفاضة هنا، ولكن هذا لا يمنع من تقديم بعض الومضات.

أبانت جائحة كورونا عن حجم الانكشاف الأميركي على أكثر من مستوى. ولا يتعلق الأمر بإدارة فاشلة فحسب، بقدر ما أكد أن عقوداً من السياسات الأميركية الخاطئة ضعضعت القوة الأميركية، وأصابتها بهشاشة لا تخطئها عين. مثلاً، في عام 2001، سمحت إدارة جورج بوش الابن للشركات الأميركية بنقل مصانعها إلى دول أخرى، وتحديداً الصين، أو ما يعرف بالـ “Outsourcing”. الدافع الرئيس وراء تلك السياسية كان جشع رأس المال الذي كان يبحث عن يد عاملة أرخص، وربح أكبر. وبسبب تلك السياسة، انحسرت القدرة الأميركية على تصنيع احتياجاتها الأساسية، وأصبحت رهينة للصين التي تحولت إلى عملاق اقتصادي.

لكن، وعلى الرغم من الهشاشة التي أبانت عنها الجائحة، إلا أن هذا لا ينفي أن أميركا تبقى الدولة الأقدر على التعامل مع الكوارث، أقله إلى الآن. ليست مشكلة أميركا في القدرات أو الإمكانات، على الرغم من التراجع على مدى عقود، بقدر ما أنها في إدارة غير كفؤة فشلت منذ اليوم الأول في إدارة الأزمة. وعلى أي حال، ستذهب هذه الإدارة، على عكس الصين، وتأتي غيرها خلال أشهر أو سنوات قليلة. أما الصين فهي ليست في وضع يؤهلها، على الأقل راهناً، أن تحتل المكانة الأميركية. قد يجادل بعضهم أن الصين أدارت أزمة الفيروس بكفاءة أكبر، وبأن الوباء هناك انحسر، على الرغم من أنه انطلق من أراضيها، في مقابل تحول الولايات المتحدة إلى بؤرته. ولكن من يستطيع أن يثبت ذلك، خصوصاً في ظل تقدير الأجهزة الاستخبارية الأميركية، قبل أيام، أن الصين تخفي حقيقة مدى تفشّي الوباء بين سكانها، كما تخفي حقيقة عدد المصابين والقتلى جرّاءه؟ المؤشرات في هذا السياق كثيرة، منها ما يتعلق بتغيير الصين، أول من أمس الأربعاء، تعريفها الإصابة بالفيروس، وهذه المرة الثامنة التي تفعل ذلك خلال أربعة أشهر، أو ما كُشِفَ عنه أخيرا عن رصد آلاف الجِرارِ التي يوضع فيها رماد المتوفين بعد حرق أجسادهم خارج بيوت الجنائز في إقليم هوبي الذي ضربه الفيروس.

أيضاً، نعرف أن الصين دولة شمولية قمعية، وإعلامها إعلام دولة، وكلنا يعلم أنها أخفت حقيقة الفيروس عن العالم منذ شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي. لا الولايات المتحدة ولا أوروبا يستطيعان إخفاء معلومات كهذه عن الإعلام والناس. وفي حين أن السلطة في الصين يمكنها بسهولة أن تهدر قيمة مواطنيها وسلامتهم، فإن السلطة في الغرب، على الرغم من توحشها في مجالات كثيرة، لا تملك حرية واسعة في ذلك. المسألة الأخرى هنا أنه لا يوجد تفسير منطقي لكيفية عدم انتشار الفيروس في كل الصين، مع أن سلطاتها أنكرت وجود مشكلة أسابيع طويلة على الرغم من تحذيرات الأطباء، في حين أنه ينتشر في كل الدول العالم كالنار في الهشيم! علمياً، لا يوجد تفوق جيني لعرق على آخر، فكيف نفسر ذلك؟ ومن ثمَّ، فإن الحديث عن قصة نجاح صينية يبقى في دائرة الشك في أحسن الأحوال.

في سياق السؤال الثاني ما إذا كانت الصين مؤهلة في هذه المرحلة لوراثة الزعامة الأميركية لأنها مدت يد العون لمكافحة الجائحة في دول أخرى، خصوصاً في إيطاليا، في وقت غابت أميركا، فتكفي الإشارة هنا إلى ما أعلنته دول كثيرة، منها هولندا وإسبانيا والتشيك وتركيا، أنه اتضح أن الأدوات والمعدات الطبية التي اشتروها من الصين، كالأقنعة الواقية وأجهزة إجراء فحوصات الإصابة بالفيروس، معيبة ولا تعمل بشكل صحيح. وعلى هذا الأساس، اضطرت تلك الدول إلى سحب الملايين منها من التداول، ولكن بعد أن وقع الضرر.

يبقى السؤال الأخير المتعلق بما إذا كان من مصلحة البشرية، بما في ذلك نحن العرب، أن يسود النموذج الصيني كونياً؟ لا شك أن أغلب الشعوب قد طفح بها الكيل من السياسات العدوانية للغرب الإمبريالي، وتحديداً الولايات المتحدة. لقد سطا الغرب الإمبريالي على ثروات الآخرين ونهبها، وفتك بشعوب وحضارات عريقة، وكاد أن يبيد بعضها. وهو لا يتوقف عن دسّ أنفه في شؤون الآخرين، ينصب طغاة، ويقيم أنظمة دكتاتورية، ويعطيها حصانة في قمع شعوبها. ولكن الصين، في العقود الأخيرة، ليست أقل إمبريالية في شرق آسيا، وأطماعها التوسعية والاستعمارية في بحري الصين الجنوبي والشرقي معلومة، وهي تتطلع إلى ما وراء ذلك عالمياً. أضف إلى ذلك أنها دولة قمعية يحكمها حزب شيوعي شمولي، ولا تتردّد في التمييز الديني والعرقي ضد عشرات الملايين من مواطنيها. ومن ثمَّ، فإن المفاضلة بينها وبين الولايات المتحدة ليست في محلها، بل أجزم أنه لو خير شعب أن يعيش في كنف نظام، كالنظام الأميركي يعلي من شأن الحريات، مع بعض التحفظ هنا، أو في كنف نظام كالنظام الصيني يمارس الكبت، فإنه سيختار الأول. لو خير شعب بين احتلال أميركي أو احتلال صيني، فإنه سيختار الأول. الثقافة الغربية، على علاتها وهناتها، تقدم نموذجاً يمكن أن يتأقلم الناس في كنفه، أما الثقافة الصينية، فهي منغلقة وإقصائية.

باختصار، النماذج الإمبريالية الغربية والصينية، والروسية كذلك، سيئة ومجرمة، وهي لا تقيم وزناً لكرامة الشعوب ومصالحها واستقلالها. وكما ثبت لنا أن النموذج الإمبريالي الروسي (سورية مثالاً) ليس أقل توحشاً من النموذج الإمبريالي الأميركي، فإن الأيام ستثبت أن النموذج الصيني لا يقل عنهما توحشاً. هل يعلم الذين يراهنون على الصين، عربياً، أنها شريك اقتصادي، وصديق حميم لإسرائيل؟

——————————–

كورونا:الاصابات تجاوزت المليون..ونداء دولي لتبادل المعلومات العلمية

أعلنت جامعة “جون هوبكنز” الأميركية أن عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس “كورونا” على مستوى العالم قد تخطى المليون حالة حسب الإحصاءات التي تجريها .

وتسبب الوباء الذي بدأ في مدينة ووهان الصينية في كانون الأول/ديسمبر في وفاة أكثر من 51 ألف شخص حتى الآن حسب إحصاءات الجامعة نفسها.

وأظهرت بيانات منصة “وورلد ميترز”، الدولية المتخصصة في الإحصائيات، أن إجمالي عدد الإصابات حول العالم بلغ مليون و16الف و604 حتى الساعة السابعة بتوقيت غرينتش من يوم الجمعة 4 نيسان/أبريل. كما أظهرت البيانات أن عدد المتعافين بلغ 213151. وأشارت أيضاً إلى أن عدد الوفيات بلغ 53 ألفاً و214 حالة.

وتعد الولايات المتحدة أكثر دول العالم من ناحية عدد الإصابات المؤكدة في ظل نظام تشخيص قوي بينما أصيبت إيطاليا بأكبر عدد للوفيات نتيجة الوباء.

ورغم ذلك فإن عدد الإصابات هو أكثر من مليون شخص بكثير حيث تقتصر إحصاءات جامعة على الحالات التي يتم تشخيصها.

وأشارت جامعة “جونز هوبكنز إلى أن أغلب حالات الإصابة تتلقى النصح من مؤسسات الرعاية الصحية بالبقاء في المنزل والخضوع للحجر الصحي الطوعي حتى تتعافى ذاتيا ويتم تشخيص الحالات التي تحتاج النقل إلى المستشفيات لتلقي العلاج فيها بسبب تدهور موقفهم.

واحتاج الوباء نحو شهر ونصف فقط ليتمكن من التفشي بين أكثر من مليون شخص بعدما كان عدد المصابين 100 ألف مصاب كما تضاعف عدد المصابين خلال الأسبوع الماضي فقط.

ويوجد نحو ربع عدد المصابين على مستوى العالم في الولايات المتحدة بينما تبلغ نسبة المصابين في أوروبا نحو نصف عدد المصابين حول العالم.

كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟

ونشرت “بي بي سي” عربية تقريراً توضيحياً يوثق زمنياً كيفية إنتشار الفيروس وقالت إنه في كانون الأول/ ديسمبر حاول الطبيب الصيني لي وينليانغ(34 عاماً) توجيه رسالة تحذيرية لأطباء آخرين حول فيروس جديد في مدينة ووهان عاصمة إقليم هوبي في الصين.

لاحقاً تلقى الطبيب زيارة من أفراد الشرطة واتهموه بنشر الأكاذيب والمخاوف التي لا أساس لها.

وفي 3 كانون الثاني/ يناير كانت الأخبار متداولة على المنصات بخصوص “الفيروس الجديد الغامض” الذي أصاب وقتها 44 حالة مشخصة بينها 11 حالة تعاني مضاعفات حادة.

عند تلك النقطة لم يكن هناك أي حالات وفاة معلنة لكن البعض كانوا يعربون عن خشيتهم من أن يكرر الفيروس الجديد سيناريو فيروس “سارس” عام 2003 والذي أدي لوفاة 774 شخصاً.

في الثامن عشر من الشهر ذاته كان عدد الحالات 60 مصاباً فقط لكن الخبراء قدروا أن عدد الحالات الفعلية يتعدى 1700 مصاب.

بعد يومين، وبينما كان أكثر من مليون شخص يستعدون للسفر في عطلة السنة القمرية الجديدة في الصين، تضاعف عدد المصابين أكثر من 3 مرات ليصل إلى 200 إصابة، ووصل الفيروس إلى العاصمة بكين وشنغهاي وشنزن.

قرار أممي

ومن أجل مكافحة انتشار فيروس كورونا المستجد(كوفيد-19)، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الجمعة، قراراً يدعو الى “التضامن الدولي”.

القرار الذي صاغته سويسرا وإندونيسيا وسنغافورة والنرويج وليختنشتاين وغانا، قدمته 188 دولة من بين 193 عضواً في الأمم المتحدة.

وتم تمرير القرار عبر استخدام آلية “إجراء الصمت”، والتي لا تتطلب التصويت على القرار، واعتبار صدوره والموافقة عليه تلقائياً بعد وقت محدد طالما لم تعترض عليه اَي دولة من الدول الأعضاء بالمنظمة الدولية.

ودعا القرار دول العالم الى “تبادل المعلومات والمعرفة العلمية في ما بينها”، مشدداً على ضرورة الالتزام “بالتعاون الدولي والتعددية لمقاومة وباء كورونا والقضاء عليه”.

وطالب قرار الجمعية العامة “الأمين العام أنطونيو غوتيريس، ومنظمة الأمم المتحدة بالعمل مع جميع الجهات الفاعلة ذات الصلة لمواجهة الوباء وآثاره الاجتماعية والاقتصادية والمالية السلبية على جميع المجتمعات”.

وشدد القرار أيضاً على “الحاجة إلى الاحترام الكامل لحقوق الإنسان” وأنه “لا مكان لأي شكل من أشكال التمييز والعنصرية وكره الأجانب في التصدي للوباء”.

——————————————-

الجوع أخطر من الكورونا/ مهند الحاج علي

هل نموت جوعاً أو مرضاً؟ هذا السؤال السوداوي اليوم يُطرح بقوة في بال الغالبية الساحقة للبنانيين. ذاك أن هناك ترجيحات بأن غالبية سكان هذا البلد باتت تحت خط الفقر. هكذا صرح مسؤول لبناني لوكالة “رويترز” يوم أمس، قائلاً إن توقعات البنك الدولي بأن يصير 40  ٪ من الشعب اللبناني تحت خط الفقر عام 2020 باتت بالية، ولا تنطبق عليها الوقائع الحالية، بل يجب إعادة مراجعتها في ظل أزمة الكورونا الطاحنة للاقتصاد والمالية العامة. الواقع أن واحداً من أصل كل لبنانيين اثنين اليوم هو فقير. وأكثر من ذلك، لو صحت التوقعات الأخيرة، فإن الفقراء أغلبية، وأبناء الطبقات أكانوا عمالاً أو موظفين أو أصحاب مؤسسات صغيرة ومتوسطة أو أثرياء هم أقلية. إذا كنت موظفاً تتقاضى راتباً حتى لو كان بالكاد يكفيك وعائلتك لآخر الشهر، فأنت أقلية في لبنان اليوم.

باتت المسيرات والاحتجاجات على الوضع المعيشي مكررة يومياً خلال الأسبوع الماضي، إذ من الصعب على الكثيرين من اللبنانيين تأمين لقمة العيش. ومن المستحيل أن تؤمن أحزاب السلطة، حتى الممولة خارجياً بالدولار منها، الحاجات الغذائية للبنانيين. جُلّ ما تستطيع هذه القوى الحزبية فعله هو العراضات الخدماتية والنفخ في أبواقها الإعلامية (البشرية) على الشاشات اللبنانية.

ومن المشاهد المكررة اليوم، محاولة مواطنين لبنانيين إحراق أنفسهم وتدمير ممتلكاتهم في ظل التدابير الأمنية الصارمة التي تنال من قدرة الانسان العادي على تأمين قوت يومه. هذه المدن والبلدات الفقيرة ليست واشنطن أو نيويورك أو لندن أو باريس، كي تُقفل بوجه أبنائها بهذا الشكل ودون تدابير اجتماعية تقي الناس خطر الجوع.

لبنان هو البلد الوحيد في العالم حيث تُتخذ هذه الإجراءات القاسية في وقت يُمنع الناس من التصرف بودائعهم في المصارف، ويعيشون في انهيار اقتصادي متواصل منذ شهور، تتدهور فيه العملة المحلية وتتبخر قدرتهم الشرائية معها. يُضاف إلى كل ما سبق أن هذه الدولة لا قدرات مالية لديها من أجل الإنفاق على المحتاجين خلال الفترة المقبلة.

الواقع أن تركيز الحكومة الحالية في مكان آخر، وهي تؤدي دوراً مزدوجاً في خدمة قوى السلطة. أولاً، تستغل هذه الحكومة فرصة أتاحتها إجراءات الفيروس، من أجل تصفية الثورة والقوى والناشطين فيها، بالاعتقالات وإزالة خيم الاعتصام. وثانياً، تفتح هذه الحكومة المجال واسعاً أمام أحزاب السلطة للعب أدوار استعراضية في مكافحة المرض. يومياً، تتوالى أنباء عن اعتقالات في صفوف ناشطين وملاحقات قانونية كأن شيئاً لم يحدث في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.

لكن ما العمل؟ بالتأكيد، ليس من المطلوب إلغاء الإجراءات الاحترازية في مواجهة هذا الفيروس. في المقابل، من الضروري اتخاذ الإجراءات الاصلاحية الضرورية لفك أسر صغار المودعين في المصارف، من خلال توزيع الأعباء بشكل عادل ليتحمل أصحاب الودائع الكبيرة – وهم آلاف قليلة – العبء الأكبر، بدلاً من ملايين الناس ممن يملكون مئات أو آلاف الدولارات فقط في المصارف.

وعلى السلطة أيضاً أن تُطالب بشكل جدي بعودة مليارات الدولارات من الودائع المهربة، إن كانت أرباحاً للقطاع المصرفي وأصحابه، أو لأركان الحكم ممن استفادوا من غياب المحاسبة على مدى العقود الماضية. تُستخدم هذه الأموال في منع شبح الجوع عن ملايين اللبنانيين، وأيضاً في إطلاق عجلة الصناعات المحلية القادرة على تأمين آلاف الوظائف خلال فترة قصيرة.

لكن هنا نعود الى الحلقة المفرغة عينها. هذه السلطة وحكوماتها، حتى لو كانت من صنف الواجهة التكنوقراطية، لن تُعيد الأموال المهربة والمنهوبة، ولن تُقدم على إصلاحات حقيقية. هي تعتقل الناشطين، وتفتح مجالات للأحزاب، وتدفع صاحب سيارة أجرة لإحراق باب رزقه. تدفع بائع خضار لإتلاف بضاعته، وصاحب محل في صيدا لمحاولة إحراق نفسه. تُعيد الناس الى المنازل بوعود فارغة، ثم يأتي حزبي اليهم ليُقدم فتات الطعام وكمامة عليها شعاره التنظيمي.

إنهم يعدون الناس بالجوع بعد المرض.

المدن

————————-

محاربة كورونا صعبة: ما سر تفشيه السريع؟/ سامي خليفة

لا يزال العلماء في دول عدة يحاولون كشف سر التفشي السريع لفيروس كورونا المستجد. ومع تسارع انتشار الدراسات بهذا الخصوص، تكثف الحديث في الأيام القليلة الماضية عن أن المصابين بالمرض الذين لا يشعرون بأي أعراض، يمثلون قنابل موقوتة للعدوى، لأنهم ينقلون الفيروس وهم لا يدركون إصابتهم به.

مرضى بلا أعراض

في نهاية شهر آذار المنصرم، حذر مدير المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، الدكتور روبرت ريدفيلد، من أن نحو 25 في المئة من الأشخاص المصابين بفيروس كورونا المستجد ربما لا تظهر عليهم أعراض. وهذا الرقم يساعد في تفسير مدى انتشار الفيروس في العالم، وفي شتى أنحاء الولايات المتحدة تحديداً، والتي أصبحت بؤرة رئيسية للوباء.

وقبل بضعة أسابيع، شددت المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، مراراً وتكراراً، على أن المواطنين العاديين لا يحتاجون إلى ارتداء الأقنعة ما لم يشعروا بالمرض. ولكن روبرت ريدفيلد أشار إلى أن البيانات الجديدة عن الأشخاص الذين قد يصابون بالعدوى من دون شعورهم بالمرض، أو الذين ينقلون الفيروس لبضعة أيام قبل الشعور بأي أعراض، تجري مراجعتها مراجعةً حاسمة.

المريض صفر

لا يعلم الباحثون بدقة عدد الأشخاص المصابين بالمرض من دون شعورهم به. ومنذ ظهور الفيروس التاجي الجديد في كانون الأول 2019، رصد العلماء نوادر مقلقة لأشخاص أصحاء، كانوا ينشرون المرض عن غير قصد.

وروت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، قصة “المريض صفر” في مقاطعة غوانغدونغ الصينية، فقالت أنه أُصيب بالفيروس بعد اتصاله بشخص من ووهان، من دون يشعر بأي علامات تشير إلى المرض إطلاقاً.

وقال بعض العلماء للصحيفة الأميركية، أن حالة المريض صفر ليست استثنائية. فعلى سبيل المثال، لم تظهر أعراض المرض على ما يصل إلى 18 في المئة من الأشخاص المصابين بالفيروس على متن سفينة “دايموند برنسيس” الموبوءة. ويقترح فريق من العلماء في هونغ كونغ أن 20 إلى 40 في المئة من حالات العدوى في الصين حدثت قبل ظهور الأعراض.

ونظراً إلى هذه المعطيات، قد يساعد المستوى العالي من الانتشار الخفي في تفسير سبب أن الفيروس التاجي الجديد، هو الفيروس الأول الذي لا يُعد فيروساً للإنفلونزا، ويُحدث وباءً.

دراسة كولينغ

يتفق الخبراء على أن العدوى تنتقل في كثيرٍ من الحالات من طريق الأشخاص الذين لا يبلِّغون عن الأعراض. وهي الحالات التي تُسمى علمياً “عمليات النقل من دون أعراض”. وفي هذا الإطار، يقول الدكتور جيفري شامان، خبير الأمراض المعدية في جامعة كولومبيا، إن الدراسات التي أجراها فريقه أظهرت أن بعض الناس لا يلاحظون أعراضهم أبداً، وبعضهم الآخر غير قادر على تمييز العدوى عن السعال الناجم عن التدخين أو الحساسية أو الحالات الأخرى، بينما لا يزال آخرون يشعرون بألم حاد في الجهاز التنفسي.

وقام فريق بنجامين كولينغ، عالم الأوبئة في جامعة هونغ كونغ، بتحليل البيانات الصينية في مراحل مختلفة من الوباء. وبعدما استنتجت بعثة منظمة الصحة العالمية إلى الصين، أن معظم المصابين بالفيروس كان لديهم بالفعل أعراض شديدة، استنتج كولينغ أنه في الأسابيع الأولى للوباء، نشرت الصين أرقاماً عن الحالات المؤكدة للعدوى، والتي عانت من مشاكل تنفسية وحمى والتهاب رئوي. وهي تجاهلت الحالات الخفيفة وغير المصحوبة بأعراض. ونتيجةً لذلك، قلل الصينيون كثيراً من حجم وطبيعة التفشي الذي قد يحدثه هؤلاء.

ويعلق كولينغ على تحليل البيانات الذي أجراه بالقول: “لقد قدرنا في الصين أن ما بين 20 و40 في المئة من حالات انتقال العدوى حدثت قبل ظهور الأعراض”.

مؤشرات مقلقة

وما أن رست سفينة “دايموند برنسيس” الموبوءة في اليابان، في 5 شباط المنصرم، حتى قام عدد من الأطباء بإجراء دراسة علمية على جميع ركابها، وراجعوا الذين ثبتت إصابتهم بالفيروس في مناسبات متعددة على مدى أسبوعين. ووجدوا في النهاية، أن 18 في المئة من الركاب المصابين ظلوا من دون أعراض طوال الوقت.

وفي حديثه إلى صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، يعبر الدكتور جيراردو شويل، عالم الأوبئة في جامعة ولاية جورجيا، وهو أشرف على الدراسة، عن قلقه من هذه النتائج بالقول: “إن النسبة الكبيرة للمصابين بكوفيد -19 من دون أعراض، مقلقة للغاية”.

وأشار شويل إلى أن الركاب على متن السفينة يميلون إلى أن يكونوا أكبر سناً، وبالتالي أكثر عرضة للإصابة بالأعراض. وهو قدّر أن حوالى 40 في المئة من عموم السكان قد يكونون مصابين بالعدوى، من دون أن تظهر عليهم أي علامات على المرض.

الأكثر نشراً للمرض

وأظهرت الدراسات الحديثة، أن الأشخاص المصابين بفيروس كورونا المستجد، هم الأكثر نشراً للمرض قبل يوم أو ثلاثة أيام من بدء ظهور الأعراض عليهم. وهذا ما يُعد أمراً مقلقاً ومختلفاً عن حالات انتقال المرض بالفيروسات التاجية الأخرى كفيروس سارس ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية.

توضيحاً لهذه النقطة، يقول الدكتور كارل بيرجستروم، خبير الأمراض المعدية في جامعة “واشنطن” في سياتل: “عندما تفشى مرض سارس حالفنا الحظ بعض الشيء، وهو في الحقيقة لم ينتقل إلا بعد ظهور أعراض المرض على الأشخاص، ما جعل من السهل اكتشافه واحتوائه بتدابير الصحة العامة القاسية”.

نستنتج من كل ما ذكرناه آنفاً، أن تفشي الفيروس التاجي الجديد، تزامن مع انتقال الوباء من الأشخاص الذين يبدون أصحاء، لأشخاص عانوا بعد إصابتهم بالفيروس من أعراض شديدة أدت في أحيانٍ كثيرة إلى وفاتهم. لذلك يختم بيرجستروم بالقول: “هذا المزيج كله يجعل من الصعب للغاية القتال ضد الفيروس باستخدام تدابير الصحة العامة العادية”.

———————————-

 في ظل «كورونا»… كيف تدرّب نفسك على عدم لمس وجهك؟

غسل الأيدي بانتظام والبقاء في المنزل والابتعاد نحو مترين عن بعضنا الأماكن العامة، ماذا يمكننا فعله أيضاً للحد من انتشار فيروس «كورونا» المستجد؟

يقول خبراء الصحة العامة إنه لا يتم القيام بما يكفي لمعالجة لمس الوجه، وهو أمر يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً جداً في انتقال الفيروس التاجي، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

وتوضح سوزان ميشي، مديرة مركز تغيير السلوك في كلية لندن الجامعية، أن التحدي بسيط للغاية.

ويلمس الناس وجوههم لأسباب عديدة، ونحو 23 مرة في الساعة الواحدة.

وللتغلب على هذه العادات المتأصلة، توصي ميشي ببذل جهد واعٍ لإبقاء يديك تحت مستوى الكتف في جميع الأوقات وتدريب نفسك على مقاومة الرغبة في لمس وجهك.

– لماذا الوجه؟

يعتبر الوجه، وخصوصا ما يسميه الأطباء منطقة «تي» التي تجمع عينيك وأنفك وفمك، طريقاً رئيسياً لانتقال الفيروس التاجي الجديد. ويمكن أن ينتشر كورونا عن طريق القطرات التي تبقى في الهواء والأسطح الملوثة والهواتف الجوالة ومفاتيح السيارة ومقابض الأبواب والمصاعد.

وإذا لمستَ أنفك وفمك وعينيك بعد لمس الأسطح والأشياء الملوثة بالفيروس، يمكن أن تصاب بالعدوى.

ويقول روبرت ويست، أستاذ علم النفس الصحي بكلية لندن الجامعية: «إذا لم تلمس وجهك مطلقاً، فلا يهم إذا لم تغسل يديك. فقد تكون يداك قذرة أو ملوثة كما تريد».

ويتابع: «السبب الوحيد لأهمية غسل اليدين هو أنه في نهاية المطاف سوف تتلامس يداك مع وجهك».

وأطلقت مجموعة «فلوتينغ دوكترز» أو «الأطباء العائمون»، وهي منظمة إغاثة طبية أميركية، حملة «لا تلمس وجهك» لحث الناس على كسر العادة الجسدية والنفسية المتمثلة في لمس وجوههم.

– ماذا يمكننا أن نفعل بالضبط لوقف لمس وجوهنا؟

اقترحت المجموعة أن يستخدم الناس شبكة الرأس عند الخروج، مثل تلك المستخدمة للحماية من لدغات البعوض، أو التي يرتديها مربو النحل.

وقال الدكتور بن لابروت، مؤسس المجموعة والأستاذ المساعد في كلية كيك للطب بجامعة جنوب كاليفورنيا: «إن هذه الشبكات مريحة تماماً، ويمكنك ارتداؤها فوق قبعتك».

وأوضح: «العقل مدرك تماماً للحاجز الموجود»، مضيفاً أن شبكات الرأس متاحة بسهولة في معظم الأماكن، وهي غير مكلفة».

وأضاف: «هذا عمل فردي صغير يمكن أن يمنعك من الإصابة بالمرض أو إصابة شخص آخر».

وطرح ويست استراتيجية أخرى، وهي اللجوء إلى «عادة مضادة».

وقال: «الفكرة هي ملاحظة أن يدك تتحرك باتجاه وجهك. أحد الأشياء الواضحة هو تحويلها ووضعها على مؤخرة رأسك، أي إعادة توجيهها».

وتابع ويست: «اتصل بي عدد قليل من الأشخاص ليقولوا إنهم يضعون شيئاً على أيديهم لجعلهم مدركين لتحركاتها، مثل العطور… ما تحاول القيام به هو ربط الفعل بالوعي».

وقال إن «أصعب عادة يمكن التخلص منها هي حك الوجه».

وأضاف ويست: «عندما أشعر بالحكة، لا أحارب الشعور لكنني لا أستسلم له كما كنت أفعل من قبل».

وأكد ويست أننا بحاجة إلى الوصول إلى النقطة تجعلنا نستغرب من شخص يلمس وجهه في الأماكن العامة، وأضاف: «نحتاج إلى أن ندخل الفكرة في رؤوسنا بحيث لا يكون لمس الوجه شيئاً يمكننا القيام به».

———————————

ستراتفور: هكذا سيبدو العالم بعد أزمة كورونا

تتعامل معظم الدول في الوقت الحاضر مع التأثيرات اليومية لوباء “كورونا”، إلا أنه من المهم دائمًا الانتباه إلى المستقبل. ومن الواضح أن الوباء والاستجابات الوطنية والدولية له سيكون لها آثار لم تتضمنها توقعات ستراتفور 2020.

ولكن مثلما تعطلت أحداث العقد 2000-2010 بسبب أحداث 11 سبتمبر/أيلول، نتوقع أن تشكّل الاتجاهات الجيوسياسية الكامنة نمط الاستجابة للفيروس والطريقة التي يتحرك بها التاريخ إلى الأمام بعد أن تنتهي الأزمة.

في الوقت الحالي، يبدو أن وباء “كورونا” هو محور التركيز الوحيد للنظام الدولي، وقد أصبح حدث “البجعة السوداء” الذي تجاوز جميع الأولويات الأخرى وهيمن على العواصم والمراكز المالية ونشرات الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي.

ولكن نظرة خاطفة تظهر أن الفيروس لم يبدد أزمات الجغرافيا السياسية حيث تواصل الصين والولايات المتحدة المواجهة في بحر الصين الجنوبي، وتستمر المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في طريقهما للتفاوض على شروط خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولم تتوقف الحروب والتمرد وعمليات الإرهاب.

إذا نظرنا إلى الوراء قبل أكثر من قرن بقليل، يمكننا أن نرى وباء آخر ضرب العالم وأدى إلى الحجر الصحي المحلي وإلى الانكماش الاقتصادي. اندلع وباء إنفلونزا عام 1918، المعروف أيضًا باسم “الإنفلونزا الإسبانية”، في الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الأولى وانتشر بسرعة عن طريق تحرك القوات داخل مسرح المعركة وخارجه. أدى تأثير الوباء إلى تفاقم الخسائر البشرية والاقتصادية للصراع العالمي، ولكنه لم يفعل الكثير لوقف الاتجاه الأوسع نحو ترسيخ الدولة القومية باعتبارها محور النظام الدولي. بالرغم من الجهود المبذولة لإنشاء عصبة الأمم للإشراف على عالم مترابط، شكل الأوروبيون حلاً للسلام وضع إطار الحرب القادمة، وسعى الأمريكيون إلى الهيمنة في قارتهم المحمية.

من المرجح أن يثبت وباء “كورونا”، على الأقل من خلال التقديرات الحالية، أنه أقل فتكًا من إنفلونزا 1918، ولكنه أظهر بالفعل أنه أكثر تشويشًا في المجال الاقتصادي. سببت إنفلونزا عام 1918 فقط أزمة اقتصادية أثارتها سنوات من الحرب العالمية، وكانت الروابط حول العالم محدودة أكثر في ذلك الوقت. على النقيض من ذلك، ظهر “كورونا” في عالم مترابط على نطاق ربما لم يكن من الممكن تصوره قبل قرن من الزمان. حدث هذا وسط التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين التي كانت تختبر حدود العولمة، مما أثار مرة أخرى تساؤلات حول مستقبل القوة في جميع أنحاء العالم.

جاء ذلك بينما كانت أوروبا لا تزال تتكيف مع التداعيات الاجتماعية والسياسية لأزمة ديونها، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وصعود الحركات السياسية اليمينية. وجاء في الوقت الذي كانت فيه المنافسة العالمية على التكنولوجيا، وخاصة أنظمة المعلومات، تقترب من القمة وتهدد الاتصال العالمي.

عندما ننظر إلى وباء “كورونا” في سياق توقعات “ستراتفور”، سوف نفكر في العديد من الأسئلة. بالرغم من أنها ليست قائمة شاملة، إلا أن الاتجاهات الخمسة الأوسع أدناه توضح المناطق التي تتقاطع فيها أزمة “كورونا” مع الأنماط الاستراتيجية العالمية الحالية. كما هو الحال مع الأزمات العالمية والوطنية السابقة، فإن “كورونا” والاستجابة العالمية له لن تقلب النظام، لكنها ستسرع بعض الأنماط وستعطل أنماطًا أخرى، وفي النهاية ستكشف عن الضغوط والقوى الجيوسياسية العميقة التي تشكل النظام العالمي.

هل تربح الصين حرب “كورونا”؟

منذ البداية، تم السؤال عما إذا كانت أزمة “كورونا” ستعزز أو تزعزع استقرار قبضة الحزب الشيوعي على الصين، وبشكل أكثر تحديدًا ما هو تأثيرها على سلطة الرئيس الصيني والأمين العام للحزب “شي جين بينج”. وكان مضمون السؤال أكبر – هل سيؤدي ذلك إلى تسريع أو إبطاء صعود الصين، وهل ستشهد الصين كسب أو فقد القوة مقابل الولايات المتحدة؟

توترت القيادة الصينية بالفعل بسبب محاولتها إعادة تشكيل الاقتصاد الصيني في مواجهة الاحتجاجات في هونج كونج؛ وتجدد المشاعر المعادية للصين في تايوان؛ والضغط الاقتصادي والسياسي والعسكري من الولايات المتحدة قبل تفشي الفيروس. علاوة على ذلك، قد يكون توطيد السلطة في عهد “بينج” لتسهيل إعادة الهيكلة الاقتصادية والتحول إلى القومية قد مكّن الرئيس الصيني، لكنه ركز أيضًا المسؤولية عن الإخفاقات.

شهدت الصين تباطؤًا أو انكماشًا هائلاً في اقتصادها في الربع الأول من العام الحالي، وحاليا تحاول تخطي الأزمة الأكثر خطورة. ستواجه الصين مشاكل اقتصادية حادة حتى نهاية العام على الأقل، إن لم يكن بعدها. نحن نراقب مؤشرات على وجود مشاكل في قطاع الإقراض الصيني ونراقب عمق الضربة التي تلحق بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، والتي توظف عددًا أكبر من السكان و لديها إمكانية وصول محدودة إلى التمويل المصرفي.

ظهرت عدة أدلة على الاستياء الاجتماعي من بعض تدابير الاستجابة للوباء، بما في ذلك تقارير عن التحديات داخل الحزب. لكن من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان هذا مجرد تذمر في الوقت الحالي، أو أعراض استياء أعمق أو أنها تعكس كيانات خارجية تحاول استغلال لحظة ضعف محتملة في الصين.

سيكون السؤال الرئيسي الآخر خلال الأرباع العديدة القادمة هو وتيرة ونطاق إعادة تنشيط الصين لمبادرة “الحزام والطريق”. إذا رأت الصين الحاجة إلى التركيز على الاستهلاك الداخلي والنشاط الاقتصادي، فقد تقطع هذه المشاريع الخارجية.

حتى قبل “كورونا”، كانت بكين تعيد تقييم القيمة مقابل التكلفة في العديد من مشاريع “الحزام والطريق”. ولكن في حين أن الصين قد تعزز قوتها الناعمة عبر إرسال الأطباء والإمدادات الطبية إلى دول أخرى، فإنها ستفقد الزخم في محاولتها لتشكيل الديناميات السياسية والأمنية لجيرانها وشركائها إذا قلصت الإنفاق على البنية التحتية الخارجية على مدى السنوات القليلة المقبلة.

التكنولوجيا والبنية التحتية للمعلومات

لم تؤدِ محاولات الولايات المتحدة للحد من نشر تقنية “هواوي” في تطوير البنية التحتية العالمية “جي 5” إلى توتر العلاقات بين واشنطن وبكين فحسب، ولكن أيضًا بين الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها.

كما كشفت أزمة “كورونا”وتدابير الحجر الصحي المصاحبة لها عن الضعف البنيوي للبنية التحتية للاتصالات في العديد من البلدان والمجتمعات، مما عزز الطبيعة الحرجة للأعمال لهذه البنية التحتية. وقد أظهرت الأزمة أيضًا ضعف نظم المعلومات أمام التضليل والتلاعب الأجنبي.

كما أثارت الأزمة مخاوف تتعلق بالخصوصية بشأن زيادة استخدام الحكومات للتكنولوجيا لتتبع وإدارة انتشار “كورونا”. حيث ازدادت التساؤلات حول المراقبة الحكومية؛ والمعلومات الشخصية والخصوصية؛ ووصول الحكومة إلى الاقتصاد والأعمال؛ والعلاقة بين الحكومات المحلية والاتحادية وحتى الوطنية.

في السنوات الأخيرة، تسببت هذه القضايا في تقلبات سياسة واجتماعية، ونقاشات حول السيادة. وسيتم تنشيط هذه المناقشات من جديد بسبب “كورونا”.

ستعمل هذه المخاوف على تكثيف المناقشات حول أمن المعلومات الشخصية، و”السيادة السيبرانية” الوطنية. ونتوقع زيادة الاهتمام بتمويل وإدارة البنية التحتية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، مع دعوات لمزيد من التمويل الوطني والسيطرة على الشبكات. لذلك قد يسرّع الفيروس من التحركات نحو مزيد من الانعزال والتجزئة.

 مستقبل المنظمات الدولية

كان الجزء الأكبر من الاستجابة لأزمة “كورونا” قومياً بطبيعته، ولم تقده المؤسسات الدولية متعددة الجنسيات.

ظهرت العديد من المؤسسات الدولية العالمية في نهاية الحرب العالمية الثانية أو الحرب الباردة، في أوقات مختلفة تمامًا عن الوقت الحاضر. لم تواكب هذه المؤسسات العالم المتغير، وواجهت الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والمؤسسات الدولية الأخرى تحديات فيما يخص دورها وسلطتها حتى قبل “كورونا”.

لطالما اعتبرت الولايات المتحدة العديد من هذه المؤسسات إما مقيدة أو غير فعالة، بينما بدأت الصين تسعى لتغيير اتجاهها لتناسب رؤيتها العالمية بشكل أفضل.

في حال اعتبار هذه المؤسسات فاشلة في الأزمة الحالية بعد أن فعلت القليل في الأزمة المالية العالمية قبل عقد من الزمن، إلى جانب فشلها في وقف الصراع في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وإدارة الهجرة بسبب النزاعات أو التصرف حيال مخاوف تغير المناخ العالمي، فإن “كورونا” سيثير الجدل حول إصلاح شامل للحوكمة العالمية.

إذا لم يكن الأمر كذلك، فقد يؤدي ببساطة إلى تجاوز الدول للعديد من هذه المنظمات سعياً وراء مصالحها الخاصة.

اضطرابات سلسلة التوريد

يعتبر وباء “كورونا”أحدث صدمة لسلسلة التوريد المعولمة التي تلفت الانتباه إلى المخاطر التي تهدد استمرارية الأعمال والتجارة، وفي بعض الأحيان تشكل خطورة على الأمن القومي.

حتى قبل “كورونا”، كانت سلاسل التوريد العالمية تواجه تحديات من الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، ومن القومية الاقتصادية المتزايدة في جميع أنحاء العالم.

وبالرغم أن العالم لم يتحرر من قوة الجاذبية للصناعات التحويلية إلا أن التوترات التجارية بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف العمالة في الصين تسببت في بدء بعض الصناعات التحويلية في فيتنام وأماكن أخرى في جنوب شرق آسيا.

وفي الوقت نفسه، كان التحضير لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وإعادة تقييم سلاسل التوريد حيث قامت الولايات المتحدة بمراجعة اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية والترتيبات التجارية في أماكن أخرى تؤثر أيضًا على القرارات المحيطة بسلاسل التوريد.

سينظر إلى الفيروس على أنه اضطراب قصير المدى للنشاط الاقتصادي العالمي، حيث تمكنت بعض الشركات من نقل الإمدادات بسرعة خارج الصين في الأيام الأولى من الحجر الصحي في الصين، في حين أعادت شركات أخرى تجهيز المصانع أو الاعتماد على فائض المخزون.

ولكن على مدى السنوات العديدة الماضية، فإن الابتعاد عن التسليم في الوقت المناسب والصدمات السياسية أوغيرها من الصدمات بما في ذلك مقاطعة الصين غير الرسمية لكوريا الجنوبية بسبب نشر منظومة “ثاد” وكارثة “فوكوشيما” أجبر الشركات بشكل متزايد على ضمان المرونة في سلاسل التوريد الخاصة بها، أو البدء بإجراءات تعزلها بشكل أفضل عن الصدمات العالمية المستقبلية.

الاضطرابات الاقتصادية العالمية الأوسع

في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث كان لتوسيع إنتاج الطاقة الأمريكية والدفع نحو مصادر الطاقة المتجددة تأثير بالفعل على أنماط العرض والطلب، فإن الانخفاض الإضافي في الاستهلاك المتعلق بـ”كورونا” سيؤثر بشكل كبير على الاستقرار المالي الوطني.

كانت السعودية والإمارات ودول أخرى تواجه رياحا معاكسة في الجهود الاقتصادية والإصلاحية قبل “كورونا”، وستظل بحاجة إلى معالجة تزايد أعداد الشباب الذين يتوقعون خدمات عالية من الحكومة، ويأتي كل ذلك وسط انخفاض الإيرادات.

إذا توقفت جهود الإصلاح، ستتحول احتياطيات الحكومة لإعطاء الأولوية للإنفاق الاجتماعي بدلا من التنويع الاقتصادي وتطوير البنية التحتية والاستثمار الخارجي. وقد تثبت الإصلاحات الجزئية عدم الاستقرار الاجتماعي حتى مع ارتفاع الإنفاق الاجتماعي.

في حين أنه من المتوقع تحول بعض الدول إلى الصين فإن التحول في هذا الوقت سيكون بالرغم من تكلفة السيادة الوطنية أو على الأقل القدرة على المناورة السياسية، وكما هو موضح أعلاه، فقد تحتاج الصين إلى تحديد أولويات إنفاقها الداخلي.

سيلعب السلوك الإيراني ما بعد “كورونا” دورا في تحديد طبيعة المنافسة والعلاقات الإقليمية، وقد تكون الاضطرابات السياسية في إيران مزعزعة للاستقرار الإقليمي مثلها مثل تعزيز سيطرة الحكومة الإيرانية.

ويعتبر المكان الأخير الذي يجب مراقبته خلال العقد القادم للتأثيرات المتبقية من وباء “كورونا” هي البلدان التي تعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي، أو تلك التي تقع بين قوى أكبر، أو تلك الموجودة على الهامش العالمي.

تواجه دول جزر المحيط الهادئ، التي عانت من المنافسة المتزايدة بين الصين من جهة والولايات المتحدة وأستراليا من جهة أخرى، قيودًا اقتصادية كبيرة في التعامل مع “كورونا”، بالإضافة إلى انهيار السياحة وتخفيضات البضائع والإمدادات.

وعلى سبيل المثال ستكون أماكن مثل بيلاروسيا التي سعت إلى تحقيق التوازن بين الاهتمام الروسي والأوروبي والصيني المتنامي، أو منغوليا التي شهدت انخفاضًا كبيرًا في صادرات الفحم إلى الصين في الربع الأول من العام، مع خيارات أقل للاحتفاظ باستقلالية العمل.

المصدر | رودجر بيكر/ستراتفور- ترجمة وتحرير الخليج الجديد

————————————

تقديرات بملايين المصابين عالميا.. ووهان تخشى موجة كورونا ثانية وبكين ترد على الاستخبارات الأميركية

أشارت تقديرات أسترالية إلى أن الحصيلة الحقيقية للمصابين بفيروس كورونا المستجد في أنحاء العالم ربما تكون عشرة ملايين شخص، وفي الصين قالت سلطات ووهان إن خطر عودة الوباء للمدينة ما زال كبيرا.

وبلغ عدد الإصابات المؤكدة عالميا مليونا ونحو 27 ألفا، وفقا لأحدث إحصاء متاح من جامعة جونز هوبكنز الأميركية بعد ظهر اليوم الجمعة (بتوقيت الدوحة)، في حين بلغ عدد الوفيات نحو 54 ألفا، وتجاوز عدد المتعافين من المرض 217 ألفا، وذلك منذ ظهور الفيروس أواخر العام الماضي.

بيد أن كبير المسؤولين الطبيين في أستراليا برندان ميرفي قال في إيجاز صحفي اليوم “نعتقد أن العدد الحقيقي (للمصابين بالفيروس عالميا) يبلغ خمسة أو عشرة أضعاف (المليون حالة المعلنة)”.

وعزا ميرفي ذلك إلى غياب الأرقام الحقيقية في بعض الدول بسبب عدم إجراء فحوص كافية للكشف عن الإصابات، وقال إن “الأرقام الوحيدة التي لدي ثقة تامة فيها بصراحة هي الأرقام الأسترالية”.

وأشارت وكالة رويترز إلى أن بعض المنتقدين شددوا على اختلاف مناهج الدول في إحصاء حالات الإصابة بفيروس كورونا، وقالوا إن الصين لم تكن تحصي المصابين الذين لا تظهر عليهم أعراض المرض، لكنها بدأت تعدهم في الآونة الأخيرة.

خوف من الانتكاسة

وقال وانغ تشونغ لين رئيس لجنة الحزب الشيوعي الصيني في مدينة ووهان -وهي المركز الأصلي لهذا الوباء العالمي- في بيان نشرته السلطات إن خطر عودة الوباء إلى المدينة بعد تعافيها ما زال كبيرا بسبب المخاطر الداخلية والخارجية.

ودعا سكان المدينة إلى تعزيز إجراءات الحماية الذاتية وتجنب الخروج إلا للضرورة، ومن المتوقع أن ترفع السلطات حظر السفر عن المدينة بحلول 8 أبريل/نيسان الجاري.

في غضون ذلك، قالت وزارة الخارجية الصينية اليوم إن هناك إصابات مؤكدة بفيروس كورونا في صفوف الدبلوماسيين الأجانب في بكين، ونصحت الدبلوماسيين في العالم عموما بالتوقف عن القدوم إلى الصين.

 الرد على واشنطن

وردت الخارجية الصينية على الأنباء والتصريحات الصادرة عن الولايات المتحدة مؤخرا، وقالت إن التشكيك الأميركي في بياناتها الصحية بشأن فيروس كورونا “معيب وغير أخلاقي”.

وقالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية خوا تشون ينغ إن المسؤولين الأميركيين يدلون بتعليقات “وقحة” تلقي بظلال من الشك على تقارير الصين عن حالات الإصابة في البلاد.

وأضافت أن الصين كانت منفتحة وشفافة بشأن تفشي الفيروس، وطالبت الولايات المتحدة بالتوقف عن تسييس قضية صحية، والتركيز بدلا من ذلك على سلامة الناس.

وكانت الاستخبارات الأميركية رفعت تقريرا إلى البيت الأبيض جاء فيه أن الصين ضللت العالم بسبب إخفائها كثيرا من الحقائق بشأن فيروس كورونا، وقال مسؤولون أميركيون إن السجل العام للصين بشأن الإصابات كان خادعا وغير مكتمل بشكل متعمد، على حد قولهم.

أسوأ حصيلة وفيات

وسجلت في الولايات المتحدة أسوأ حصيلة يومية عالمية للوفيات جراء فيروس كورونا، فقد أحصت جامعة جونز هوبكنر 1169 وفاة بين مساء الأربعاء ومساء الخميس، وهي أكبر حصيلة يومية على مستوى دول العالم منذ بدء تفشي الوباء أواخر العام الماضي، ليرتفع إجمالي الوفيات الأميركية إلى 5911 حالة.

اوسجلت في الوقت نفسه 30 ألف إصابة إضافية، مما يرفع عدد الإصابات بين الأميركيين إلى أكثر من 240 ألف إصابة بالفيروس.

وكان الرقم اليومي القياسي السابق لعدد الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا قد سجل يوم 27 مارس/آذار الماضي في إيطاليا، بواقع 969 حالة وفاة.

ويأتي تسارع وتيرة الوفيات في الولايات المتحدة في وقت طلبت فيه وكالة إدارة الطوارئ الأميركية من وزارة الدفاع 100 ألف كيس موتى، حسب ما ذكر البنتاغون.

وتوقع البيت الأبيض وفاة ما بين 100 ألف و240 ألف شخص جراء الفيروس، وحذر الرئيس الأميركي قبل يومين من أسبوعين مؤلمين يمكن أن تشهدهما بلاده على صعيد تفشي فيروس كورونا وفتكه بالأرواح.

 وقد توالت أوامر السلطات للمواطنين الأميركيين بالبقاء في المنازل، لتشمل في الوقت الراهن أكثر من 80% من سكان البلاد في أرجاء 39 ولاية.

الفحص الثاني لترامب

من جهة أخرى، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترامب خضع للمرة الثانية لفحص أثبت خلوه من الفيروس، وقال ترامب في مؤتمر صحفي “استغرق هذا الفحص -الذي قام به طبيب البيت الأبيض- 15 دقيقة تقريبا، لتظهر نتيجته، وبعدها قال لي الطبيب إن الخلاصة هي أن الفحص سلبي.. أجريت فصحين، وهذا الثاني كان سريعا ورائعا”.

ويواجه الرئيس الأميركي انتقادات داخلية متزايدة لأداء إدارته في مواجهة التداعيات الصحية والاقتصادية لأزمة كورونا، وقالت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي في مؤتمر صحفي أمس الخميس إن قرارات ترامب لا تتضمن مساعدة لملايين الأميركيين الذين لا يملكون ضمانا صحيا، وسيضطرون لدفع عشرات آلاف الدولارات للعلاج من دون ضمان صحي.

وأعلنت رئيسة مجلس النواب تشكيل لجنة خاصة من نواب الحزبين الديمقراطي والجمهوري لمتابعة الإجراءات المتخذة لمواجهة الوباء.

الأزمة الاقتصادية

ويأتي ارتفاع الوفيات والإصابات في الولايات المتحدة وسط تدهور متسارع للاقتصاد الأميركي الذي توقع مكتب الميزانية بالكونغرس أن ينكمش بنسبة 28% على أساس سنوي، مع خسارة نحو عشرة ملايين أميركي وظائفهم خلال أسبوعين فقط.

وأظهرت تقارير وزارة العمل الأميركية أن عدد المتقدمين للحصول على إعانة بسبب البطالة الأسبوع الماضي بلغ 6.6 ملايين شخص، وهو رقم قياسي للأسبوع الثاني تجاوز معدلات فترة الركود العظيم في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.

وبينت التقارير أن القطاعات الأكثر تضررا من توقف الحياة العامة وتعطلها هي الفنادق والمطاعم وشركات الطيران، وهي الأكثر تسريحا للعمال.

من جهة أخرى، قال بنك التنمية الآسيوي في تقريره السنوي الصادر اليوم الجمعة إن جائحة كورونا قد تترك “ندوبا دائمة على الاقتصاد العالمي”.

وذكر التقرير أن الخسائر العالمية الناتجة عن تعطل النشاط الاقتصادي وتكاليف الرعاية الصحية قد تصل إلى 4.1 تريليونات دولار، أي 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مشيرا إلى أن نصيب آسيا من تلك الخسائر سيكون حوالي 36%.

بريطانيا

قال وزير الصحة البريطاني مات هانكوك اليوم إن ذروة تفشي فيروس كورونا في البلاد ستأتي أقرب قليلا مما كان متوقعا لتكون في الأسابيع القليلة المقبلة.

اعلان

وصرح هانكوك لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بأن النماذج “تشير إلى أن الذروة ستأتي أقرب قليلا من التوقعات السابقة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، لكن هذا يتوقف بشدة على عدد الناس الذين يتبعون توجيهات التباعد الاجتماعي”.

إسبانيا

قالت وزارة الصحة الإسبانية اليوم الجمعة إن إجمالي الوفيات بفيروس كورونا المستجد زاد إلى 10,935 ارتفاعا من 10,003 في اليوم السابق.

ويعني ذلك أن 932 شخصا توفوا بسبب المرض خلال 24 ساعة، انخفاضا من 950 شخصا في اليوم السابق، فيما يمثل أول انخفاض في عدد الوفيات اليومية بإسبانيا منذ 26 مارس/آذار الماضي.

وأضافت الوزارة أن عدد الإصابات المسجلة زاد إلى 117,710 اليوم الجمعة ارتفاعا من 110,238 أمس الخميس.

ألمانيا

قال المتحدث باسم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إنها أنهت الحجر الصحي الذاتي وعادت لممارسة مهامها اليوم الجمعة بعد أن أظهرت عدة اختبارات عدم إصابتها بفيروس كورونا.

وكانت ميركل في حجر منزلي بعدما تلقت لقاحا في 20 مارس/آذار الماضي على يد طبيب تبين فيما بعد إصابته بفيروس كورونا.

وسجلت ألمانيا 145 وفاة جديدة بالفيروس و6174 إصابة جديدة، لتصل حصيلة الوفيات إلى 1017، والإصابات إلى 79,696 وفقا لإحصاءات معهد روبرت كوخ للأمراض المعدية.

العالم العربي

قالت منظمة الصحة العالمية إنه يتعين على حكومات الشرق الأوسط أن تبذل جهودا سريعة للحد من انتشار فيروس كورونا، بعدما ارتفعت الحالات في هذه المنطقة إلى نحو 60 ألفا، أي قرابة ضعف العدد المسجل قبل أسبوع.

وقال المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط الدكتور أحمد المنظري في بيان صدر أمس الخميس “لا أستطيع التأكيد بما يكفي على خطورة الموقف، فزيادة أعداد الحالات تظهر أن الانتقال يحدث سريعا على المستويين المحلي والمجتمعي”، مضيفا “ما زالت أمامنا نافذة مفتوحة، لكن هذه النافذة تضيق يوما بعد يوم”.

وأشار المنظري إلى “تسجيل حالات جديدة في بعض من أكثر الدول عرضة للخطر والتي بها أنظمة صحية ضعيفة”. ويشمل النطاق الإقليمي لهذا المكتب الذي يديره المنظري، بالإضافة إلى دول الشرق الأوسط، باكستان وأفغانستان والصومال وجيبوتي.

السعودية

قالت وكالة الأنباء السعودية نقلا عن مصدر بوزارة الداخلية إن المملكة قررت تقديم وقت بدء حظر التجول في مدينة الدمام ومحافظتي الطائف والقطيف إلى الساعة الثالثة عصرا اعتبارا من اليوم الجمعة وحتى إشعار آخر.

وأعلنت السلطات السعودية أمس الخميس قواعد مشددة لفرض حظر تجول كلي في مكة المكرمة والمدينة المنورة.

وبلغ مجموع حالات الإصابة المسجلة في المملكة 1885 حالة، توفي 21 منها، وهو أكبر عدد مسجل في منطقة الخليج.

الأردن

بدأ اليوم الجمعة تطبيق حظر تجول كلي في العاصمة الأردنية عمان وعموم البلاد لمدة 24 ساعة، وذلك ضمن إجراءات الحكومة لمواجهة انتشار فيروس كورونا.

ويعد هذا الإجراء -الذي استثنى الكوادر الطبية فقط- الأكثر تشددا في الأردن منذ تسجيل الإصابات الأولى بالفيروس في البلاد.

وقالت الحكومة إنها ستعود صباح السبت لتسمح للمحال التموينية الصغيرة بفتح أبوابها ضمن إجراءات احترازية وفي ساعات محددة.

وسجل الأردن أمس الخميس 21 إصابة جديدة ليصل مجموع الحالات إلى 299، وأشار وزير الدولة لشؤون الإعلام أمجد العضايلة إلى ارتفاع مفاجئ في الإصابات، وقال إن البلاد تمر بمرحلة حاسمة، مطالبا الجميع بالالتزام بالإجراءات المتخذة لمواجهة الوباء.

المصدر : وكالات

———————————-

كورونا.. من الذعر والصراخ إلى أسئلة محددة

لا أحد يعرف إلى متى سيستمر هذا الوباء، ولكن كقاعدة عامة التهدئة تعتبر شكلاً طبيعياً في أي تحرك وتعامل مع جميع الأحوال، ولا يمكن التعبير بكلمات كم هو مزعج عند توزيع إحصاءات الضحايا، كما لو أننا لا نتحدث عن الناس، ولكن عن الأشياء.

بات الجميع يعلم أنه في بداية الوباء، حاولت الصين الحفاظ على سرية كل شيء، وعدم إخبار أي شخص بما يحدث، الآن، بعد إدراك الحجم الحقيقي قاموا بتغيير سلوكهم.

واليوم، لا تقلل الولايات المتحدة الأميركية وبقية دول العالم من شدة الفيروس، حيث تقيد السلطات التواصل بين البلدان، وترتب الحجر الصحي لأولئك الذين تم اتصالهم بالأشخاص المصابين، الشركات تقلل/أوقفت  السفر، الناس يؤجلون عطلاتهم، ونشهد إلغاء الأحداث والفعاليات الكبرى.

الآن من المستحيل عملياً التحدث عن معظم الأحداث، في جميع البلدان التي وصلها الفيروس التاجي، يسير الفيروس منتصرا في جميع أنحاء العالم، لكنهم يقولون إنه يتراجع في الصين، وقد تكون هذه الأخبار هي الأهم، وفقاً لتقديرات الصينيين فقد تجاوزوا ذروة الوباء. وبفضل ذلك يمكننا تقدير الوقت الذي انقضى، منذ أن اكتسبت العدوى زخمًا، ثم بدأ في الانخفاض تدريجيًا، فمن الطبيعي أن يحدث هذا عندما تهدف جميع قوى الدولة إلى مكافحة الفيروس، وعلى الأرجح في البلدان التي لن يكون فيها مثل هذا النشاط سوف يمتد كل شيء لمدة شهر أو أكثر.

نظرًا لأنه تم العثور على الفيروس في كل من البرازيل ونيوزيلندا، يمكن القول إنه لم تبق قارة واحدة، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خالية من الفيروسات التاجية، العدو طرق أبواب الجميع.

لا بد من التطرق إلى حقائق مثيرة للاهتمام، تميز دقة الفحص والتشخيص، ويجب أن يفتح الجميع أعينهم على إحصاءات حقيقية، فلدينا بلدان يمكنها فحص كل من يتحرك ولا تعاني من مشاكل في نظام الاختبار، بينما بلدان أخرى مختلفة تماماً، وفي بعض الحالات يتم فحص وتشخيص المزيد من الأشخاص مع من يعانون من أشكال خفيفة للغاية من المرض، وفي حالات أخرى يتم تحديد المرضى المصابين بأعراض وأمراض خطيرة فقط.

لكن الشيء المريح هو تغير الموقف من الإصابة بالفيروس التاجي في جميع أنحاء العالم بشكل تدريجي، فالناس يتحولون من الذعر والصراخ إلى أسئلة محددة: ماذا يمكنني أن أعمل؟، ما الذي أحتاجه للمطالبة من الحكومة  للبقاء على قيد الحياة؟

قد يكون هناك سؤال محوري: هل يمكن أن يتحول الفيروس التاجي إلى أشكال أكثر شدة، ليصبح تهديدًا لجميع الناس؟ هذا أمر مستبعد للغاية، فإذا تحور الفيروس إلى أشكال أكثر شدة، فإن الشخص الذي يصاب بالفيروس يموت، وهذا يعني أن الفيروس لم يعد قادرًا على الانتشار، حيث الاتجاه العام لمثل هذه الفيروسات هو العكس، فهي تصبح أسهل وأسهل، وكلما كان شكل المرض أخف، كان  نشره بشكل أكثر فعالية.

إن الأوبئة ليست مجرد مآسي وأمراض ووفيات فورية، حيث يؤدي انتشار هذه التهديدات على نطاق واسع، فضلاً عن المخاوف والشكوك المصاحبة لها، إلى ظهور أنماط جديدة من السلوك والمعتقدات، ويصبح الناس أكثر شبهة وأكثر سذاجة، ولكن قبل كل شيء، تختفي رغبتهم في الاتصال بكل شيء يبدو غريبًا أو خارجيًا.

لا أحد يعرف إلى متى سيستمر وباء كوفيد 19، فإذا لم يصبح الفيروس أقل عدوى مع ظهور الربيع في نصف الكرة الشمالي، فقد يضطر العالم إلى الانتظار حتى يتم تطوير لقاح لهذا المرض ووضعه قيد الإنتاج، كما أن هناك متغير مهم آخر، هو فعالية السلطات الصحية في كل بلد.

على أي حال، فإن إغلاق المصانع وتعليق الإنتاج يعطلان سلاسل الإنتاج العالمية، وبدأ المصنعون في اتخاذ خطوات لتقليل اعتمادهم على نقاط الضعف في البلدان البعيدة، وحتى الآن، ركز المعلقون الماليون على حساب تكاليف الصناعات الفردية، حيث يقلق صانعوا السيارات من نقص المكونات، ويُترك عمال النسيج دون أقمشة، وتُحرم متاجر السلع الفاخرة من العملاء.

ومع ذلك، قلة من الناس يفكرون في أهمية مناخ عدم اليقين الجديد للاقتصاد العالمي بالمعنى الواسع، والتفكير في العواقب طويلة الأجل للأزمة مع فيروس Covid-19، الأفراد والشركات، وربما حتى الحكومات ستحاول حماية أنفسها بمساعدة العقود المعقدة التي يتم تنفيذها في ظل ظروف معينة (عقود طارئة)، ومن السهل تخيل منتجات مالية جديدة سيتم هيكلتها بطريقة تضمن الدفع لمصنعي السيارات في حالة وصول الفيروس إلى مستوى معين من الوفيات، وقد يؤدي الطلب على العقود الجديدة إلى ظهور فقاعات جديدة، مع توسع فرص كسب المال.

سيجعل الفيروس التاجي الحياة غير منتظمة تمامًا وغير طبيعية، ولا تساهم وسائل الإعلام إلا في ذلك، وكل هذا يقودنا إلى اقتصاد غير طبيعي تمامًا.

ليس من المستغرب أو المستبعد أن وباء Covid-19 يلعب بالفعل في أيدي الشعبوية الحديثة، فبالنسبة لبعض الأميركيين، سيكون الأصل الصيني لهذا المرض تأكيدًا آخرًا على اعتقادهم بأن الصين تشكل تهديدًا للعالم، “دولة لا يمكن الاعتقاد بأنها قادرة على التصرف بمسؤولية”، وفي غضون ذلك، سيجد الكثير من الصينيين على الأرجح أن بعض الإجراءات الأميركية لمكافحة هذا الفيروس مدفوعة باعتبارات عنصرية ومصممة لمنع صعود الصين، ظهرت نظريات المؤامرة بالفعل، وفي وقت يغرق العالم في وباء التضليل ، يعد وباء  Covid-19 بزيادة حجمه.

——————————————-

المثقف كأداة للبروبغاندا، في زمن كورونا/ علي عاشور

مع أزمة انتشار وباء COVID-19، كورونا، ينتشر ويتداول مصطلح “صراع البقاء” كعلامة على المرحلة الفاصلة والمصيرية التي يخوضها الإنسان المعاصر. تحمل مفردة البقاء دلالة الثبات والاستمرارية والمواصلة. بينما تحمل مفردة الصراع دلالة المنافسة والقتال والخلاف. تعود مفردة البقاء بالاستدلال على الذات، بينما تشكلّت مفردة الصراع موجهة ناحية الآخر. غير أن “صراع البقاء” كمصطلح تقني دارويني، يعيد الذاكرة إلى رحلة الإنسان الطويلة منذ نزوله من على الأشجار حتى هبوطه على سطح المريخ، وخوضه مغامرة جسديّة ومعرفية لا يمكن التنبؤ بنتائجها القادمة، فضلاً عن نهايتها، المحتومة بالضرورة.

وفي الحديث عن النهايات في أزمة الوباء الحالية، يتداول البعض من المثقفين العرب، ومعجبيهم، جملاً مثل ” نهاية الرأسمالية الغربية” أو ” نهاية السيطرة الغربية” أو ” نهاية المنظومة الرأسمالية” وغيرها من ” النهايات” والخلاصات المتسرعة والمقدمة بلا تحليل ولا قراءة تتناول المشهد الغربي، فضلاً عنه المشهد العالمي. كأن حماسة الأفكار اليسارية التقليدية، والقومية، من ستينات وسبعينات القرن الماضي، بما تحمله من بروبغاندا قدمتها المنظومات الإعلامية للاتحاد السوفيتي وحلفائه، إضافة إلى بروبغاندا الأيديولوجيا الأمريكية المضادة آن ذاك، عادت لتنتعش في العالم الحديث، الذي يختلف بطبيعته عن طبيعة البيئة التي خرجت منها تلك الأفكار.

غير أن هذا البعض لم يتوقف عند تقديم ” النهايات” كوجبة سريعة حتى تحدّث عن بدايات عالمية جديدة، مع إحالة هذه البدايات إلى الصين وإمكانيات نظامها الحالي، الذي بوجهة نظر البعض، سيكتب تاريخاً جديداً.

ويتضح من بداية انتشار الأزمة عالمياً، سقوط هذا النوع من المثقفين، مع جماهيرهم، في فخ البروبغاندا المتصارعة، دون التأني في قراءة المشهد والتمهّل في تحليل المعلومات والبيانات، والوثائق، الغير متوفرة حالياً، والقيام بتتبع تدريجي للتغطيات الإعلامية المقدمّة من يناير الماضي. كأن ما كان يدعو له المثقف من تأني وتمعن في قراءة الكتب، بقي محصوراً في الكتب، وانساق بعجلة المغتر يلقي أحكاماً تتناسب مع تحيّزاته، المعلنة حيناً وغير المعلنة حيناً آخر، وإبراز ما تراكم من قراءات وأمنيات في ذهنية العداء للمستعمر والمتحكم الغربي.

في كتابهما ” البروبغاندا والإقناع” يعرّف كل من جارث جويت وفيكتوريا أودونل البروبغاندا بأنّها ” عملية منهجية تسعى إلى تشكيل تصوّرات معيّنة، عن طريق التلاعب في الإدراك والسلوك المباشر لتحقيق استجابة تعزز الهدف المنشود لصانع البروبغاندا.”. إذ يصب كل هذا في استثارة النزعة الأيديولوجية، أو خلقها، عند الملتقي، كي يعمل كآلة آيديولوجية تفعّل العمل الذي يهدف له صانع البروبغاندا، دون حاجة من هذ الصانع إلى استثمار دعائي أو بذل مجهود أكبر، بعد ذلك. فالأثر المتراكم سيقوم بإعادة برمجة المنظومة الفكرية، أو المحفزات الداخلية، لدى المتلقي.

فاستعادة الصراع الغربي الشرقي، الأمريكي السوفيتي / الروسي، الرأسمالي الاشتراكي، ليس مصادفة عابرة أو استرجاعاً لتاريخ سابق، بهدف إعادة قراءة تاريخية، أو مقارنة. فالأثر المتراكم من صراعات ما بعد الحرب العالمية الثانية، والذي أنتجته الحملات الدعائية وصدام السياسات المتصارعة على السيطرة العالمية، إضافة إلى ما أنتجته السينما والآداب والفنون والأطروحات الفلسفية والقنوات الإعلامية، ما زال يفعل فعله في دواخل الكائن البشري. فالصدامات التاريخية لا تنتهي حتى تورّث ما بعدها.

يقول البروفيسور البريطاني نيكولس أوشونيسي ” تتضمن البروبغاندا، بشكل عام، نقل رسالة واضحة … ناقلٌ معقّد للحلول البسيطة.”. العمل الذي يقوم به هذا الناقل، البروبغاندا، للرسالة الواضحة تقنياً أكثر تعقيداً، وربّما خطراً، من الرسالة نفسها. مثال ذلك، العمليات الإعلامية والدعائية التي قامت بها إدارة جورش بوش بعد أحداث 11 سبتمبر ورفعها لشعار ” الحرب على الإرهاب”، بقدر ما أوقد وحشد حماسة الشباب الأمريكي وقوى جيش الولايات المتحدة، ووجّه إصبع الإدانة إلى إرهاب طالبان، بقدر ما أوجد إيديولوجية إرهابية أخرى منتزعة من الإنسانية باسم الحرب لأجل تخليص الإنسانية من الإرهاب. والتي ما زالت آثارها في المجتمع الأمريكي وخطابه الثقافي. ذات العامل الذي نقل الكثير من الشباب العربي عام 2011 في سوريا وليبيا والعراق من عملية المطالبات الحقوقية والانتفاضة السلمية إلى الانضمام إلى جيوش داعش، التي تحارب الطاغية، والتحوّل إلى طغاة أشد وحشيةً وفتكا.

من هنا يمكن النظر إلى ما تقوم به المؤسسات الصينية، وحلفاؤها، في الوقت الحالي، من توجيه النظرات والتساؤلات والمطالبات بإجابات واضحة وصريحة عن حقيقة ما حدث قبل شيوع خبر انتشار وباء كورونا، وكيفية تعامل الحكومة الصينية، ومدة اكتشافها لوجود الفايروس، قبل اتخاذ إجراءات الحجر واتباع توصيات منظمة الصحة العالمية، ونقلها إلى اتهام القوات الأمريكية بفعل نشر الفايروس. وهذا ما حرّض الكثير من الرافضين للسياسات الأمريكية الخارجية إلى إذاعة وجود حرب بيولوجية خفيّة.

تناول الكثير من العرب والمسلمين، وبعض المثقفين بشكل خاص، ما أعلنته الصين، المؤسسات التي تساند منهجها، على أنه الجواب الأرجح، إن لم يكن الحقيقة، لما سبب انتشار الفايروس. من ذات المنطلق، قام البعض باستعادة الحس الأيديولوجي ضد الرأسمالية التقليدية ليسقطها على المنظومة الاقتصادية الحالية من جانب، والمؤسسات السياسية الغربية من جانب آخر. كما حرّض ذلك الكثير من المتدينين على بدء الإعلان عن هشاشة العالم المادي وقوة العالم الروحي. وكأنّ الجميع اكتشف وأدرك ما حدث، وتنبأ بما سيحدث، خلال فترة وجيزة!

وهذا ينطبق على بعض مؤسسات الإعلام العربية التي بدأت بالدخول في ميدان نشر البروبغاندا لا الخبر، خصوصاً تلك التي تتخذ موقفاً إيديولوجياً من الغرب عامة والولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص. فبدلاً من نشر ما يحدث عالمياً استناداً على الدلائل والمعلومات المؤكدة والمتاحة، عملت هذه المؤسسات على صنع بعض الأخبار وتوجيهها إلى الجانب الذي يعزز المعاداة ضد كل ما هو غربي وأمريكي، والذي يحتم بالضرورة إظهار الحكومة الصينية بأنقى الصور.

يشير كل من جارث جويت وفيكتوريا أودونل إلى أنّ البروبغاندا عنصر مهم في عمليات السياسات الخارجية للحكومات، خصوصاً عندما يحين موعد ” حرب الكلمات”. ما يحدث الآن ما بين الصين والولايات المتحدة عبارة عن حرب كلمات واتهامات لا تعمل فقط في صنع عوامل ضغط أو إدانة سياسية بقدر ما تعمل على تأسيس قاعدة أيديولوجية ينطلق المتلقون من خلالها للاصطفاف وتفضيل طرف على طرف آخر. قد أوافق من يقول بأن هذه المرحلة ستنقل العالم إلى مرحلة جديدة، ولكن ليس بالطريقة الدرامية المصوّرة، وليس على المستويين الاقتصادي والسياسي فقط، أي كما يدعي البعض بأن قوى جديدة ستفرض سيطرتها على العالم، بل سننتقل جميعاً إلى مرحلة جديدة على مستوى التواصل ونقل المعلومات، وتأمين المنظمات السياسية والاقتصادية من السقوط، لا بشكلها الصوري الحالي بل بقواعد قوامها التأسيسية الحالية. فالخوف الذي يسكن الإنسان المعاصر ويحركّه للنجاة بأي طريقة ممكنة، إضافة إلى التقنيات والمعارف والمؤسسات المعرفية الثقافية القائمة، لا تستطيع ولا تحتمل الانتقال إلى شكل جديد مختلف، هذا إن وجد ما يشكّل ملامح بنيان هذا الجديد، أو يرسم بداية مسار، من الأساس. كما أن الرجوع إلى تشكلات النظم القديمة، كالاشتراكية المركزية، ليس سوى ضرب من الوهم. خصوصاً مع اعتمادنا التام على عوالم الخوارزميات وتقنياتها، في جميع الحقول، من الإنتاج الزراعي حتى الاستثمار في عوالم الفضاء الخارجي. وأيضاً، لارتباط الهيكلة التأسيسية للشركات التي تدير هذه العوالم ارتباطاً مباشراً بالمنظمات السياسية والاقتصادية الحالية. ليس هذا فقط، بل وساهمت هذه الشركات في تطوير المنظمات القائمة ونقلها من مستوى إلى مستوى أكثر تقدماً.

ما يخيف في الأزمة الحالية، التي تواجهها البشرية، ليس عدم القدرة على الحد من انتشار الوباء بأسرع ما يمكن، فقط، بل عدم القدرة على مواجهة السيل الهائل من البروبغاندا والمعلومات الخاطئة والإحصائيات التي توضع في غير محلها، إذ يمكن استغلال الإحصائية الصحيحة في نقل الرسالة والمعلومة الخاطئة. ما يخيف في عملية نشر المعلومات الكترونياً ليس نشر الأكاذيب، بل نشر المعلومات الصحيحة في السياق الخاطئ.

يذكر البروفيسور والمفكر الأمريكي شارلز سيف في كتابه Virtual Unreality ، ” المعلومات الرقمية هي أكثر الأمراض المعدية الآن على كوكب الأرض.”. لا يبالغ شارلز في وصفه أبداً. بل يمكن القول بأنه أدق وصف يصوّر لنا الوضع الذي نعيشه الآن. ولأن الإنسان يريد البقاء، بشكل أو بآخر، في منطقة آمنة داخلياً، توفّر له البروبغاندا التي تنعش تحيّزاته وتوجهها هذه المنطقة. كما تعطيه وفرة المعلومات وتدفقها، العشوائي، شعوراً بتمكنّه من الوصول إلى الإجابات المنشودة.

وقوع الكثير من المثقفين في فخ البروبغاندا الحديثة لا يتوقف عند استرجاع وتحفيز أثر المتراكم فقط، فعامل سهولة وصول الناس إلى المعلومات، وسهولة إرسال المعلومات إلى الناس، يشكّل خطورة في توجيه الناس من خلال المعلومات، وخطورة عملهم كفاعل في توجيه وتشويه المعلومات من ناحية أخرى، أكثر منه تهديداً للأنظمة السياسية القائمة. من هنا يشير شارلز سيف إلى أنّ ” ظهور نسخ رقمية معلوماتية رخيصة ومثالية أدى إلى تدمير الطريقة التي نفكر بها كبشر بشأن المعلومات.”. لم تعد عدم وفرة المعلومات للإنسان هي المشكلة اليوم، بل فيضانها الذي غيّر طريقة التفكير والتركيز. فكأنما قرر الإنسان خوض السباق مع المعلومات وسرعتها بتناولها والتفاعل السريع معها وأهمل أدوات القراءة، ومنها التدقيق والفحص والتأكد والتفكير والتأمل.

 بقدر ما تحتاج هذه المرحلة إلى الانعزال عن المجتمع واتباع تعليمات المنظمات الصحية والانتظار، تحتاج أيضاً إلى التأني في قراءتها والنفاذ إلى ما وراء المشهد. فخوض سباق مع الكم الهائل من المعلومات هو سباق خاسر بالضرورة. في مثل هذه الظروف يتبين دور المثقف الفعلي وكفاءته. يقول جورج أورويل في مقدمة مزرعة الحيوان، ” يمكن إسكات الأفكار غير المرغوبة، والتعتيم على الحقائق غير الملائمة دون الحاجة إلى حظر رسمي … لأن هناك اتفاقاً ضمنياً عاماً على عدم ذكر هذه الحقيقة.”، في سياقنا الحالي، هذا ما تفعله البروبغاندا عن طريق من وقع في شراكها. وفي ذكر الحقائق والوقائع، هناك حقيقة وحدة في الوقت الحالي، وهي أننا لا نعرف الكثير عما حدث، ولا نعرف ما يخبئه المستقبل القريب، والبعيد.

 ————————————————-

الحرب على كورونا بسلاح الفحص والمراقبة.. كيف تفوقت كوريا الجنوبية وألمانيا؟

الترا صوت- فريق الترجمة

تباين سلوك الدول حول العالم فيما يتعلق بفحوصات فيروس كورونا الجديد على مواطنيها أو المقيمين فيها، وتباينت نسب النجاح فيما بينها بالنظر إلى منهجيتها في هذا الصدد. فينما تفوقت ألمانيا لمبادرتها في تطوير الفحوصات وتوفيرها، ونجحت كورويا الجنوبية على مستوى نطاق الفحوصات التي أجرتها داخل البلاد، نجد أن دولًا أخرى تعاني من آثار أشدّ من الوباء بسبب تقصيرها في إجراء الفحوصات في الوقت المناسب. فكيف كان أداء الدول المختلفة المتأثرة بوباء كورونا الجديد فيما يتعلق بإجراء الفحوصات الخاصة بكشف مرض كوفيد-19؟

الصين

كان للصين تجربة مطلع القرن الجديد مع وباء “المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة” المعروف اختصارًا باسم “سارس”، وبما أن الصين كانت أول دولة تفشى فيها فيروس كورونا الجديد، فإنها تقدمت على العديد من الدول الأخرى على مستوى إجراء الفحوصات للمشتبه بإصابتهم بالفيروس الجديد. وبنهاية شهر آذار/مارس الماضي، كانت الصين قد أجرت أكثر من 320،000 فحص كورونا على الأقل.

تم تطوير أحد أول الاختبارات في الصين من قبل المركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها، ونشرت معلومات بخصوص هذا الفحص على موقع منظمة الصحة العالمية في 24 كانون الثاني/يناير، بعد الإعلان عن إغلاق مدينة ووهان، البؤرة الأساسية لتفشي المرض في الصين.

هونغ كونغ

عمل فريق من الخبراء في هونغ كونغ ممن ساعدوا في مكافحة وباء “السارس” سابقًا، على تطوير فحص محليّ، إدراكًا من السلطات الصحيّة هنالك لضرورة تطوير فحص تشخيصي فعّال، ولاسيما مع التجارب السابقة التي كشفت للخبراء أن المبادرة في توفير الفحص من أولى خطوات احتواء الأزمة.

ألمانيا

أدركت ألمانيا مبكرًا أن فيروس كورونا الجديد قد يتحول إلى وباء عالمي، وبادرت بناء على هذا التقدير إلى تطوير فحص تشخيصي خاص بها منذ أوائل كانون الثاني/يناير، وتم البدء بتطوير الفحص بعد ملاحظة العلماء في ألمانيا التشابه بين فيروس كورونا الجديد والفيروس المسؤول عن وباء “السارس”، وتم تطوير أول فحص بالاعتماد على البحوث المتوفرة السابقة المتعلقة بفيروس السارس والفيروسات التاجية الأخرى. وفي نهاية شباط/فبراير، كانت ألمانيا قد أنتجت أكثر من 4 ملايين فحص، وكانت قدرتها الإنتاجية قد وصلت إلى 1.5 مليون فحص في الأسبوع.

وقد نجحت ألمانيا في تطبيق عمليات الفحص الشاملة منذ وقت مبكر، حيث أجرت 12،000 فحص في اليوم على المواطنين والمقيمين فيها.

كوريا الجنوبية

كانت كوريا الجنوبية من بين الدول الأكثر جدية فيما يتعلق بإجراء الفحوصات، بخلاف العديد من الدول المتقدمة الأخرى. فقد تعلم مسؤولو الصحة في كوريا الجنوبية الدروس بسرعة من ووهان الصينية، وأدركوا أن الفيروس الجديد معد للغاية ويمكن أن ينتشر بسرعة على نطاق واسع.

أولت الحكومة والسلطات المعنية في كورويا الجنوبية الأولوية لتحديد وعزل الأشخاص الذين كانت نتائج اختبارهم إيجابية للمرض، وتمكنت من إجراء حوالي 15،000 فحص تشخيصي يوميًا. وقد أجرت حتى الآن أكثر من 300،000 فحص مجاني، عبر إجراءات تنظيمية عالية الكفاءة.

إيطاليا

قامت ألمانيا بإجراء حوالي 200،000 فحص للكشف عن عدوى فيروس كورونا الجديد في البلاد، وقد شمل ذلك جميع سكان بلدة “فو” (Vo)، قرب فينيسيا (البندقية)، والبالغ عددهم 3000 نسمة، وذلك في إطار تجربة لمعرفة ما إذا كان فحص منطقة بأكملها يمكن أن يساعد في إبطاء انتشار المرض. بالرغم من العدد الكبير من الفحوصات التي أجرتها إيطاليا إلا أنها لم تكن مبكّرة مثلما حدث في ألمانيا وكوريا الجنوبية، الأمر الذي قد يفسر سبب تباين أعداد الإصابات بين هذه الدول.

——————————-

أعراض كوفيد-19 لا تقتصر على الحمّى والسعال.. فما هي الأعراض الأخرى؟

الترا صوت- فريق الترجمة

الحمى والسعال وضيق النفس، الأعراض الثلاثة الأكثر شيوعًا لدى المصابين بعدوى فيروس كورونا الجديد، بحسب العديد من التقارير الطبية الرسمية وملاحظات الأطباء والكوادر العاملة في المستشفيات ممن يشخصون حالات كوفيد-19، وهي الأعراض نفسها التي تؤكد عليها منظمة الصحة العالمية والهيئات الطبية الرسمية المتخصصة في مختلف دول العالم.

لكن مع تزايد عدد الإصابات بالعدوى حول العالم، ولاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية التي قارب عدد الإصابات المؤكدة المعلن عنها حتى الآن حوالي ربع مليون إصابة، فإن الفيروس يبدو أنه مرتبط بنطاق أوسع من الأعراض. ويعمد الأطباء والباحثون إلى محاولة التعرف بشكل أدق على سلوك هذا الفيروس والمرض الذي يسببه، ومختلف الأعراض التي قد تدلّ عليه، وذلك في محاولة السيطرة على الوباء.

يبدأ مرض كوفيد-19 بشكل مماثل لدى معظم المصابين بالعدوى، بغض النظر عن عمر المريض أو حالته الصحية السابقة.

الإعياء الشديد

وفي العديد من الحالات، يعاني المرضى أولًا من حالة من الإعياء الشديد، حتى أن السير لمسافة قصيرة أو قراءة بعض الصفحات في كتاب قد يكون مهمة بالغة الصعوبة لدى المصابين بالعدوى.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت في شباط/فبراير الماضي عن الأعراض التي يعتقد الخبراء أنها قد تشير إلى الإصابة بعدوى فيروس كورونا الجديد، بعد دراسة العديد من الحالات في الصين، المركز الأساسي لانتشار الفيروس منذ نهاية العام الماضي. وقد نشر هذا التقرير بعد دراسة 56،000 حالة، وكانت الأعراض موزعة على النحو التالي:

    الحمّى (88%)

    السعلة الجافة (68%)

    الإعياء (40%)

أما ضيق النفس ومشاكل المعدة والضعف العام كانت أقل بين المرضى عمومًا. ومنذ أن نشر هذا التقرير، تتابعت الملاحظات الواردة من المختصين بشأن الأعراض الجديدة التي يتم تشخيصها لدى المرضى الذين تأكدت إصابتهم بالعدوى أو يشكّ الأطباء أنهم مصابون بالعدوى. من هذه الأعراض، الصداع، وآلام الحلق، والغثيان، والإسهال.

كما لاحظ الأطباء أن بعض المرضى عانوا من فقدان الشهية، إضافة إلى فقدان حاسة الشمّ أو الذوق. ومؤخرًا لاحظت جمعية أطباء العيون في المملكة المتحدة أن عدد من مرضى كوفيد-19 قد كانوا يعانون من التهاب الملتحمة واحمرار العينين، حيث بلغت نسبة المصابين بالالتهاب بين المرضى حوالي 38%.

الملاحظة الأخطر لدى مختصي الأوبئة والباحثين الذين يتابعون أزمة فيروس كورونا الجديد في مختلف أنحاء العالم أن النسبة الأكبر من الأشخاص المصابين بعدوى فيروس كورونا الجديد لا تظهر عليهم أية أعراض، وأن هؤلاء الأشخاص (الناقلون عديمو الأعراض) هم المسؤولون عن التفشي الواسع للمرض، وهي حالة تعرف علميًا باسم (Presymptomatic Transmission) أي انتقال العدوى في مرحلة المرض التي تسبق ظهور الأعراض على المريض.

المصدر: NBCNews

 ————————————-

كورونا.. دروس في الدولة والإنسان/ زيا وليد

للبشرية تأريخ حافل مع الأوبئة القاتلة التي اجتاحت مناطق من العالم في محطات مختلفة، ولتداعياتها وقصصها ونشأتها وطرق التصدي لها، الكثير من التشابه مع ضيفنا الثقيل الجديد، كوفيد ـ 19، رغم فارق السنين والقرون. وإن صحّت رواية بعض المؤرخين فأن فكرة العزل التي تجتاح العالم في أيامنا هذه، قد بدأت مع انتشار “الطاعون الأسود” في إيطاليا، وهي مصادفة تزيد دهشتها مع تذكّر الضربات المؤلمة التي يوجهها طاعون البشرية الجديد إلى إيطاليا. وكذلك حظر الأماكن العامة أثناء “طاعون لندن” وإرغام المصابين به بالقوة على البقاء في منازلهم، كما يحدث الآن في بعض المناطق.

لا تنتهي سلسلة القصص المتكرّرة مع انتشار وباء “سارس” مطلع الألفية الثالثة، وإجراءات الصين ضد سوق الحيوانات الناقلة للمرض إلى البشر، كما أن الدروس المُنتقاة ـ أو يُفترض أن تكون هكذا ـ هي ذات الدروس للبشرية، مع مُستَجِدات ظهرت مع تطور الدولة والتكنولوجيا ونمط العيش وتجذر بعض أشكال الحياة الحديثة.

أينما/كيفما تكونوا يدرككم كورونا

انطلق فيروس كورونا من الصين ليجتاح العديد من مناطق العالم، ولعل درسه الأول مثلما أشار كثيرون، أنه لم يفرّق بين قومية وأخرى، أو دين وآخر، ولا لونٍ وطائفة وعرقٍ. ضرب المؤمنين والملحدين، البوذيين والهندوس، المسيحيين والمسلمين، البروتستانت والكاثوليك والأرثوذوكس والإنجيليين، السنة والشيعة، الكرد والعرب والترك والهنودساتنيين والآريين والبشتون والفرس والسكسون والروس والجرمان. ضَرب الرجل الأبيض الذي يشعر بعض العنصريين بالحنين لإعادة تفوقه و”مجْده”، قبل الرجل الأسمر. ضَرب بلدان المقدسات ومناطق تواجدها، كالفاتيكان ومكة المكرمة وفلسطين، بما فيها الأراضي المحتلة من إسرائيل ومقدساتها، والمراقد الدينية في العراق وإيران ولبنان، التي خلت، كما خلت المراكز التجارية والمناطق السياحية والملاعب الرياضية والمطارات من البشر.

لم يميز هذا الفيروس بين رجل دين وطبيب، بين فقير وغني. أصاب كبار المسؤولين في العالم، من أمير ورئيس وزراء بريطانيا، إلى وزراء ونواب في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وبولندا والولايات المتحدة واستراليا وجورجيا وباكستان والمغرب العربي، وليس انتهاءً بكبار القادة في حكومة إيران وأجهزتها الأمنية، فضلًا عن رياضيين ومشاهير.

رغم الفوارق الطبقية والدينية والطائفية والعرقية، رغم فوارق المرتبة الروحية والدنيوية، رغم فوارق الإمكانيات والوسائل ودرجة التقدم العلمي والثقافي، رغم فوارق الأهمية بين موضعٍ وآخر، مهما تكن، وكيفما تكن، وأينما تكن، عليك بغسل يديك، لئلا يدركك كورونا.

حب الذات بحب الآخر

كثيرةٌ هي مصائب الدنيا التي تَصيب الإنسان وينقذه المال والتقدم العلمي والتكنولوجي، والأمراض الخطيرة هي إحدى الظواهر التي تنقسم شطرين، بين “الممكن” علاجه، عبر المستشفيات الراقية والدواء الثمين، وبين الذي يَصعب على البشر تلافي خطورته. وتبتلى المناطق الفقيرة بالعديد من الأوبئة الناتجة عن نمط الحياة غير الصحيّ وفساد الأنظمة الحاكمة، لكن “كورونا” ليس طبقيًا حتى الآن. لم يَضرب أفريقيا ودول العالم الثالث فحسب، بل بدأ بالدولة التي “تفور” اقتصاديًا الصين، واجتاح المدينة المثال للحياة العصرية نيويورك، وطال دول الرفاهية المزدهرة عمرانيًا كدول الخليج. غير مُتاحٍ للمسؤولين وأصحاب رؤوس الأموال ـ حتى الآن ـ فرصة السفر، هربًا من المصائب، أو للعلاج في مستشفيات راقية.

لا مفر لقادة الدول (في أنظمتنا الفاسدة خاصةً) من سلامة مواطنيهم، وإلا انهار النظام الصحي وتعطّلت الحياة، وما في ذلك من تداعيات خطيرة على المسؤولين ذاتهم، ومواقعهم القيادية. كما لا تنفع سيطرة الدولة الواحدة على الوباء دون سيطرة عالمية، فالعزلُ الطويل يعرّض النظام الاقتصادي للكوكب بأكمله إلى الخطر الذي يحذّر منه اقتصاديون. لن ينجو العالم دون تضامن جماعي.

لا يُتابع الناس في أيامنا نشرات الأخبار والتقارير الصحفية حول العالم على سبيل الفضول. لا يقرأ المرء عن حوادث كارثية كالزلازل ثم يمر مرور الكرام مع شيء من التعاطف. يقلق الإنسان العربي من انتشار المرض في الصين، ويخشى المواطن الأسترالي من تصاعد الإصابات بالوباء في إيطاليا والولايات المتحدة. إن تفشي الفيروس في أبعد نقطة عنه يهدده.

تتناقض الأنانية المريضة مع الانتصار على كورونا. كما لا سبيل لنجاة فردية بوسائل باهظة الثمن. أي لا نجاة لغنيٍ دون الآخرين، وإلا سيبقى حبيس منزله. كما أن إصابة قادة كبار ومشاهير مع استمرار الوباء لمدة طويلة قد تُعطي درسًا مقابلًا لما رأيناه من مظاهر شراء الأغذية والحاجيات بشراهة في بعض الأماكن. وربما كان على المتبضعين فوق حاجتهم التفكير بأن نفاد السلع من المتاجر بسبب جشعهم ليس خبرًا جيدًا لسلامتهم، فبقاء الناس في بيوتهم ونجاح الحجر الصحي يتطلّب أن يجد الناس ما يأكلوه أولًا.

لا يحتاج الإنسان وحده إلى التعقيم ومتابعة درجات الحرارة جسمه، وارتداء الكمامة والقفازات، بل يحتاج أن يفعل الجميع. وقاية الفرد بوقايةِ الجميع، والعكس. إن الانتشار “الأُسي” لكورونا يجعل المواطنين والدول في مركب واحد، وعلى السادة الركاب غَسل اليدين بالصابون لإزاحة جدار الفيروس الدهني وتدميره.

يتطلب نجاة المرء نجاة الآخر، يَجبر ذلك تمني السلامة له، ليَفرض الوباء على الأنا أن تحب الآخر، ويَفرض على “الأنانية” أن تدافع عن نفسها بأدواتها عن طريق نقيضها، حين تصطدم ببديهية “عمومية الشر”. الشر يَعم، والخير كذلك، خلافًا لما يقوله المثل العربي. شقاء الإنسان بأنانيته وخلاصه بخلاص الآخر كما تُعلّم بعض الفلسفات الشرقية. ويا له من حظ سيئ حين نخوض تجربة مريرة كهذه لتتيح لنا فرصة أن ندرك تلك الفرضية الفلسفية كحقيقة عملية: أنت تحب نفسك يعني أن تحب الآخرين.

وفي سياق الحديث عن الأنا، يَخسر محبو الظهور وعشاق “الترند” والشعبويون من رؤساء وزعماء وقادة حكوميين وروحيين، ومشعوذين وإعلاميين مهرجين، وكتّاب سطحيين، سوقهم الرائج، ذلك لاهتمام الناس بالحدث الأهم. بقاؤهم دون الخبر الأبرز أجبرهم وسيجبر بعضهم على قول شيء نافع للناس ولو كان وهمًا، وإلا رُكِنوا، كحال ترامب الذي قلل في البدء من خطر كورونا، “يبقى متدنيًا جدًا” في الولايات المتحدة، ثم تباهى بنسب المشاهدة المرتفعة لمؤتمراته الصحفية اليومية المطوّلة عن خطورة كورونا، وتفاخر بإجراءاته الاستثنائية التي “أنقذت حياة مليوني شخص”، بل راح يقترح مبادرة تعم بالخير على البشرية! ومثله نماذج كثيرة في منطقتنا العربية.

درس الدولة

لم يَغب النقاش حول “الدولة” يومًا ضمن صيرورة تطور الإنسان والنظام الذي يجترحه أو يُفرض تلقائيًا بفعل تغيّر أنماط الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية فضلًا عن السياسية، وبحسب درجة التطور ونوع النظام ووضعه الجيو سياسي. في حين لا زالت شعوبنا تبحث عن جوهر وشكل الدولة التي تحقق طموحاتها في العيش الكريم والحرية والاستقرار والتقدم، يجري في الدول المستقرة نقاشٌ حول أهمية وجود الدولة، ويستعجل بعض المفكرين بإقامة العزاء على جثمان “الدولة/الأمة” والخرائط والإدارة المركزية، مع ترسّخ الرأسمالية وتَقدم الليبرالية الجديدة.

لم تَغب الدولة/النظام عن المشهد العام. ربما أتاح “الاعتياد” على وجودها ترف إعادة التفكير في ضرورتها لدى بعض الناقدين؛ لكن الفيروس الجديد الذي أجفل العالم أقلق هذا الاسترخاء وأعاد الدولة لممارسة دورها الكلاسيكي منذ دويلة المدينة الرافدينية في الألف الثالث قبل الميلاد، المُلخّص بمَهمتين: حفظ أمن الناس وقوتهم.

“لا تدعه يعبر.. لا تدعه يمر”

تحت مطرقة عدوّنا المجهري، وفي برهة من الزمن، عادت دولنا المعاصرة في رؤيتها لذاتها قرونًا إلى الوراء، ليس بسلطة مركزية يضعف تأثيرها باتجاه الخارج كما في القرون الوسطى وبدايات النهضة، بل التي تبسط سلطتها بدءًا من الخارج، بحدود واضحة تحد فضاءها الإقليمي، بعد أن استباحته العولمة والانفتاح التقني، وموّهت بلا أهميته. لكن:

That is why we need the borders

يقول ترامب، حقًا يُراد به ناخب!

الحدود المفتوحة بين الدول الأوروبية، التي ننظر لها بالإعجاب والغبطة ونأمل رؤيتها في عالمنا العربي، أغلقت بترسيماتها التقليدية. مارست الدولة سيادتها بنوعيها. لم تلجأ إلى غلق وضبط الحدود فحسب، بل إلى ضبط ما في داخل الحدود من حدود، بعزل المدن والولايات عن بعضها، وغلق الأماكن العامة ومنع التجمعات داخل المدن نفسها، وتضييق تحركات المواطنين أرضًا وجوًا وبحرًا، خلافًا للنموذج الليبرالي الكافل لهذه “الحقوق”، التي اعتادها المجتمع منذ سنوات. أجبر فيروس كورونا الدول على “الحجر والحظر” في مشهد مفاجئ لا يروق للمتسرعين الحالمين بانتهاء عصر الدولة لصالح منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، أو لصالح المواطنين الأحرار كم سعى ماركسيون سابقًا. فَرضت الضرورة أن يَفرض نظام الدولة ـبأشكاله الديمقراطية وغير الديمقراطيةـ صلاحياته كمحتكر للعنف الشرعي بتعبيرات ماكس فيبر. لا مجال لانحسار الدولة في عالمِنا لصالح القطّاعات المدنية والخاصّة في القريب المنظور على الأقل.

سيبقى “درسُ الدولة”، هو الدرس العام الذي تتفرع منه دروسٌ أخرى من نقاشات تجري داخله لا في الخارج، كالتي تتناول نقاط الضعف والقوة في الأنظمة الديمقراطية والدكتاتورية، وفي اقتصاد السوق والاشتراكية، ورأسمالية الدولة والقطاع الخاص.

لا نعرف مدى حجم تأثير هذا النقاش على الأنظمة بعد انجلاء الأزمة، لكنها يقينًا، قَدمت تجارب دسمة ستُغني قراءات المفكرين والباحثين ومراكز الدراسات المعنية بالعلوم الإنسانية، لترفدنا بأفكار جديدة تُسهِم في التكيّف والارتقاء البشري. وقد تطرأ تغييرات على النظام الصحي العالمي، وإعادة نظر بتوزيع التخصيصات المالية لمجالات الدولة، ونوع وطريقة مواردها.

فقط بعض المتحمسين، بحاجة إلى التذكير الدائم بأن الدستور والقوانين ونوع الاقتصاد ونمط الحياة في بعض الأنظمة الديمقراطية الليبرالية أعاقوها عن الإجراءات الحازمة المطلوبة، وتقيّدت أنظمةٌ في فرض قيودها خوفًا من تدهور اقتصادي، و”انهيار أسواق الأسهم الذي سَيصيب القطاع المالي بشلل لن يتعافى منه لأشهر”، كما عبّر حاكم نيويورك بتخوفه من فُرض حجر صحي على ولايته.

المتحمسون على الجانب الآخر، كذلك، بحاجة للتذكير بأن الإجراءات القمعية واستخدام القوة في غير مَحلِها، من ضمن أسباب انتشار فيروس كورونا في الصين، حين هددت السلطات الطبيب لي وينليانغ، أول من اكتشف خطر الفيروس، واعتبرت تحذيره لزملائه “إخلالًا جسيمًا بالنظام العام”، فلا يُمكن الفصل بين “حسنات” الاستبداد والقوة المفرطة، والسيّئات المترتبة عليه. يؤخذ النموذج هنا حزمةً واحدة، على غير ما نرغب.

عودٌ على بدء، إن إجراءات الدولة المطلوبة في إغلاق الحدود وعزل المناطق وفرض الحظر والحجر الصحي هو “الاستثناء المطلوب” لقطع سلسلة انتشار الفيروس كما يُعبّر الأطباء المتخصصون، ولا تعني ضرورة تلك الإجراءات بأي حال من الأحوال الدعوة لاعتماد نموذج كوريا الشمالية، كما لا تعني ضرورة الدولة أن تنفي الوطنية ما عداها، فمثلما حب الأنا يستلزم حب الآخر، فالوطنية تتطلب التضامن والمساعدة والتعاون مع الدول الأخرى في مركبِنا الحامل للفيروس

الترا صوت

———————————

=================================

===============================

تحديث 04 نيسان 2020

————————————–

كورونا.. كل ما تحتاج معرفته عن الفيروس

مع انتشار جائحة كورونا المستجد “كوفيد-19” في جميع أنحاء العالم، تستمر الدول في تطوير طرق مختلفة لمكافحة الفيروس والحد من انتشاره.

وفي إطار التدابير المتخذة لمكافحة الفيروس، تم تحديث معلومات عن طرق التشخيص والعدوى والأعراض، وآخر الأبحاث بخصوص العلاج واللقاح، والمعلومات المغلوطة الشائعة، وطرق استخدام الكمامات، وتحذيرات وزارة الصحة التركية، ومنظمة الصحة العالمية.

ما هو فيروس كورونا؟

تعرف فيروسات كورونا (الفيروسات التاجية) بأنها عائلة فيروسات كبيرة تتسبب في أمراض للبشر والحيوانات على السواء.

ومن المعروف أن كورونا المستجد يصيب الجهاز التنفسي بالإضافة إلى الأمراض الأخرى الأكثر خطورة مثل متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس)، ومتلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس).

ومؤخراً ظهر نوع جديد من فيروسات كورونا وتسبب في وفاة الكثيرين حول العالم، ولا يزال مستمراً حتى الآن.

ما هو وباء “كوفيد-19″؟

“كوفيد-19” هو اسم الوباء المعدي الذي يتسبب به كورونا المستجد، وظهر الفيروس أول مرة في ديسمبر/ كانون الأول 2019 بمدينة ووهان الصينية، وتم تعريف المرض في 13 يناير/ كانون الثاني عقب أعراض ظهرت على مجموعة من المرضى.

وظهر الوباء لأول مرة في سوق للمأكولات البحرية والحيوانات، ثم انتقل منها إلى بقية مدن مقاطعة هوبي، ومنها إلى مقاطعات الصين وثم إلى سائر أنحاء العالم.

ما هي أعراض المرض؟

الأعراض الأكثر شيوعًا هي الحمى والسعال وضيق التنفس والإرهاق، ولكن في الحالات المتقدمة من المرض فقد يصاب المريض بآلام، وانسداد الأنف، والرشح، وآلام في الحلق وإسهال.

80 بالمئة من المصابين بالفيروس يتعافون دون الحاجة إلى علاج خاص، وواحد من كل ستة مصابين “بكوفيد-19” تكون حالته شديدة ويجد صعوبة في التنفس، و20 بالمئة من الحالات يمكن علاجها في المستشفى، ويؤثر المرض في المسنين الذين تتجاوز أعمارهم الستين أكثر من غيرهم.

يمكن أن يؤدي الفيروس إلى الوفاة للمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة مثل الضغط والقلب والسكري، ولا بد لمن يعانون ارتفاع درجات الحرارة والسعال وضيق التنفس الحصول على دعم طبي.

كيف ينتشر الفيروس؟

ينتقل وباء “كوفيد-19” عن طريق تعرض الأشخاص لرذاذ المرضى الناتج عن السعال والعطس ولمسهم للفم والأنف والعينين، كما ينتقل عن طريق لمس اليدين للأسطح الملوثة بالرذاذ الحامل للفيروس.

هل تنتقل العدوى بالفيروس عن طريق الهواء؟

كل الدراسات العلمية التي أجريت حتى الآن تظهر أن “كوفيد-19” ينتقل عبر الرذاذ وليس الهواء.

هل تؤثر المضادات الحيوية في الوقاية من المرض؟

لا تؤثر المضادات الحيوية على الفيروسات بل تؤثر على البكتيريا فقط، ولأن “كوفيد-19” يحدث بسبب فيروس، لا ينبغي استخدام المضادات الحيوية للوقاية منه أو علاجه.

هل هناك لقاح أو علاج فعال لمنع المرض؟

لا يوجد لقاح أو علاج محدد فعال ضد الفيروس حتى الآن، ولكن يتم استخدام الأدوية الداعمة حسب حالة المريض، ويتم البحث في فعالية بعض الأدوية على الفيروس، ولكن لم يتم اكتشاف علاج مقاوم له حتى الآن.

هل يجب ارتداء الكمامة للوقاية من الفيروس؟

يجب ارتداء القناع الطبي (الكمامة) في حالة العناية بمصاب بـ”كوفيد-19″ أو أي مصاب بفيروس، ويجب استخدام الكمامة مرة واحدة فقط إذا كانت مخصصة للاستعمال مرة واحدة.

 كيف يجب ارتداء وخلع الكمامة؟

يجب أن يرتدي الكمامة الأطباء والعاملون في المستشفيات ومن يعانون من أعراض تنفسية مثل ارتفاع الحرارة والسعال.

قبل لمس الكمامة يجب تنظيف الأيدي بالماء والصابون أو تدليكها جيداً بمطهر يحتوي على الكحول، والتأكد من أن الكمامة غير مثقوبة، ويجب التأكد من أن الجزء الملون هو الجزء الخارجي عند ارتداء الكمامة.

توضع الكمامة على الوجه وتضبط على الأنف، بعد ذلك تُسحب إلى الأسفل لتغطية الفم والذقن، بعد انتهاء استخدامها يتم نزعها من الجزء المطاطي خلف الأذن، مع الحرص على عدم لمسها ووضعها في صندوق أو عبوة مغلقة، ويجب تطهير الأيدي عقب نزع القمامة وإلقائها.

هل يلتصق الفيروس بالأسطح الخارجية؟

طبقاً للمعطيات الأولية للأبحاث العلمية يمكن لفيروس كورونا البقاء على الأسطح الخارجية لمدة تتراوح من عدة ساعات إلى عدة أيام، وتختلف هذه المدة باختلاف نوع السطح ودرجة الحرارة ومعدل الرطوبة.

كيف يتم تشخيص الإصابة بـ”كوفيد-19″؟

يتم التشخيص بواسطة أجهزة الكشف محلية الصنع التي تُظهر نتائج شاملة خلال 60 إلى 90 دقيقة، إضافة إلى أجهزة الكشف السريع خلال 15 دقيقة.

هل يمكن منع انتشار فيروس كورونا المستجد بالوسائل العادية؟

يمكن منع انتشار فيروس كورونا بتطبيق 14 قاعدة، على النحو التالي:

1. اغسل يديك بالماء والصابون جيدًا مع تدليكهما باستمرار لمدة 20 ثانية على الأقل.

2. قم بتغطية الفم والأنف بالمنديل أثناء السعال أو العطس، وإذا لو يتوفر لديك منديل قم بتغطية الفم والأنف بالجزء الداخلي من الكوع.

3. تجنب لمس العينين والفم والأنف.

4. حافظ على وجود مسافة ثلاث خطوات بينك وبين الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض البرد والإنفلونزا.

5. قم بإلغاء رحلاتك إلى خارج البلاد أو تأجيلها.

6. عند عودتك من الخارج قم بقضاء الـ14 يومًا الأولى في المنزل.

7. تأكد من تهوية الأماكن التي تتواجد بها بشكل جيد.

8. قم بتنظيف الأسطح المستخدمة كمقابض الأبواب وأقباس الكهرباء والأحواض بالماء والمنظفات كل يوم.

9. لا تشارك حاجياتك الشخصية كالمناشف مع الآخرين.

10. اغسل ملابسك بالمنظفات العادية في درجة حرارة بين 60 – 90 درجة مئوية.

11. تجنب الاتصال المباشر كالمصافحة باليد أو العناق.

12. تناول الكثير من السوائل، واتبع نظامًا غذائيًا متوازنًا، وانتبه إلى نمط نومك اليومي من أجل تقوية الجهاز المناعي.

13. إذا كنت تعاني من أعراض البرد والإنفلونزا، فلا تكن على اتصال بالمسنين وذوي الأمراض المزمنة، ولا تخرج دون ارتداء قناع طبي (كمامة).

14. إذا ظهرت عليك أعراض الحمى والسعال وضيق التنفس، قم بارتداء القناع أو الكمامة الطبية، وتوجه إلى مركز الرعاية الطبية القريب منك.

معلومات مغلوطة شائعة بخصوص فيروس كورونا

يؤكد الخبراء على أهمية الحصول على المعلومات بخصوص الوقاية من الفيروس، من مصادرها الصحيحة، والابتعاد عن المعلومات الخاطئة الشائعة عن الموضوع.

ومن أشهر هذه المعلومات المغلوطة الشائعة:

الخطأ: وباء “كوفيد-19” يؤثر على المسنين فقط.

الصواب: يمكن أن يؤثر على كل البالغين واحتمال أن يؤدي إلى مرض شديد يزداد مع التقدم في العمر وخاصة لدى من تتجاوز أعمارهم 60.

وتبلغ نسبة الوفيات بسبب الوباء لدى من هم أقل من سن الأربعين 2 في الألف، بينما تبلغ هذه النسبة لدى من هم فوق سن الثمانين 15 في المئة.

الخطأ: فيروس كورونا المستجد هو فيروس تم إنتاجه في المعمل.

الصواب: لم يتم إنتاجه بالمختبرات ووصل إلى البشر نتيجة عدة طفرات جينية حدثت له.

وظهور فيروسات جديدة وتسببها في حدوث أوبئة في منطقة جنوب شرق آسيا هو أمر متوقع لدى الأوساط الطبية، وذلك للكثافة السكانية العالية والأعداد الكبيرة من الحيوانات المختلفة وكثرة الاتصال المباشر بين البشر والحيوانات.

الخطأ: تم تطوير لقاح من أجل “كوفيد-19” إلا أنه لم يُطرح بالأسواق بعد.

الصواب: حتى الآن لا يوجد أي لقاح يمكن استخدامه ضد وباء “كوفيد-19″، وما زالت الأبحاث مستمرة لإنتاجه.

كما أنه لم يتم بعد الكشف تماماً عن العلاقة المعقدة بين الفيروسات التاجية والجهاز المناعي للإنسان، مما يصعب التنبؤ بمدى فعالية اللقاحات التي سيتم إنتاجها.

الخطأ: وباء “كوفيد-19” يمكن أن يصيب الحيوانات الأليفة.

الصواب: حتى الآن لم تثبت الدراسات انتقال العدوى من الحيوانات الأليفة إلى الإنسان.

الخطأ: تم اتخاذ التدابير التي ذكرت بوثيقة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي باسم “وثيقة سرية”.

الصواب: القرارات المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان “وثيقة سرية” ليست صحيحة، وكل القرارات والإجراءات يتم إبلاغها للشعب عبر الجهات المسؤولة.

الخطأ: يجب تقشير الفواكه والخضروات لأن فيروس كورونا يلتصق بالقشرة الخارجية لها، وتجنب تناول الخضروات والفواكه التي لا يمكن تقشيرها.

الصواب: لا توجد أي معلومات مثبتة حول أن تناول الخضروات والفواكه بقشورها يزيد احتمال الإصابة بـ”كوفيد-19″ ويمكن تناولها بقشورها بعد غسلها بالطريقة الصحيحة.

الخطأ: يجب تطهير الملابس أيضا عند العودة إلى المنزل للوقاية من “كوفيد-19”.

الصواب: تطهير الملابس لمنع الإصابة بفيروس كورونا ليس تصرفا صحيحا ولا منطقياً، وغسيل الملابس بالشكل المعتاد يكفي.

الخطأ: الوقاية من الإصابة بالفيروس ليست ممكنة.

الصواب: يمكن الوقاية من الفيروس باتباع القواعد الموضحة، واتباع قواعد العزل الاجتماعي لدى الأشخاص المشتبه في إصابتهم أو المصابين فعلاً مهم جداً لمنع انتشار المرض ولوقاية المحيطين بالمريض من العدوى.

الخطأ: يمكن غسل الأقنعة الطبية الجراحية والكمامات العادية وإعادة استخدامها مرة أخرى.

الصواب: مدة استخدام الكمامات الجراحية من 3 إلى 4 ساعات ويجب تغييرها إذا اتسخت أو تبللت، وعند غسيلها تصبح عديمة الفائدة.

الخطأ: يجب على الأشخاص الأصحاء تناول منتجات تعزز قوة الجهاز المناعي وتناول الفيتامينات من أجل رفع قدرة الجسم على مقاومة الأمراض.

الصواب: ليس ضرورياً على الإطلاق تناول الأصحاء أي منتجات إضافية لتعزيز المناعة، ويكفي فقط الاهتمام بالتغذية المتوازنة والنوم الجيد وممارسة التمارين الرياضية لتقوية الجهاز المناعي، ومن يعانون من نقص فيتامينات معينة هم فقط من يتوجب عليهم تناول معادن وفيتامينات إضافية في صورة مكملات غذائية أو أدوية.

جدير بالذكر أن الفيروس أصاب، حتى مساء الجمعة، أكثر من مليون و89 ألف شخص، توفي منهم نحو 59 ألفا، فيما تعافى حوالي 228 ألفا. (الأناضول)

—————————————

فيروس كورونا السياسي/ ميشيل كيلو

سبق فيروس بشار الأسد ونظامه الأمني فيروس كورونا إلى تقديم نموذج مريع للفتك بالبشر. ويمكن القول، في المستوى الأخلاقي، إن الفيروس الأسدي لم يفتك بالسوريين وحدهم، بل فتك أيضا بالعالم الذي انحدر بجرائمه إلى مستوىً غير إنساني، قوّض جميع مرتكزات الإجماع البشري وأخلاقياته، وأغرقها في الهمجية التي صمت بعض المجتمع الدولي عليها، وانخرط بعضه الآخر بحماسةٍ فيها، وشارك في قتل آمنين وعزّل، باغتتهم وحشيتها، مثلما باغت فيروس كورونا البشر في كل مكان من عالم حلّت عليه “لعنة سورية”، وما بلغته الإنسانية من انحطاط، تعايش معه عتاتها الذين فتكوا بمن طلبوا حريتهم، ودمروا وجودهم وقوّضوا مجتمعهم ودولتهم وقدرتهم على العيش. ومثلما يفتك اليوم الفيروس بمواطني العالم بلا تمييز، ويغتالهم من دون رحمة، فتك فيروس الأسدية بالسوريين من دون تمييز، بعد أن أحكم قبضته على وجودهم قرابة نصف قرن، مزّقهم خلاله شر ممزّق باسم توحيدهم، واستعبدهم بذريعة منحهم الحرية، وانتزع اللقمة من أفواه أطفالهم باسم الاشتراكية. وها هو فيروس يستخدم فيروس كورونا ليُجهز على من نجا من براميله المتفجرة وصواريخه، وطائرات حلفائه الروس والإيرانيين، تنفيذا لأمر من قال في بدايات الثورة لبشار الأسد: أعدهم ستة ملايين، كما كان عددهم عندما “استلمهم” أبوك عام 1970!

فعل الكورونا الأسدي فعله تسعة أعوام من ثورة، شارك العالم خلالها في قتل السوريين بالسلاح من جهة، وبدم الفرجة البارد على موتهم من جهة مقابلة. وها هي دوله تدرك، وهي تستغيث، أن انقساماتها التي مكّنت للأسدية من الشعب السوري، ليست نقطة قوة لأي طرف منها، وأن الإنسانية تواجه الموت، لأنها لم تكن جسدا واحدا في مواجهة قتلة السوريين وموتهم الذي تغطي دلالاته الأخلاقية والسياسية الإنسانية بأسرها، وتخبر جبابرة زماننا أن أحدا لن يبقى آمنا، إن هو سمح بانتهاك حق غيره في الحياة والأمن، أو أسهم في انتهاكه، وتجاهل أن الرد على كورونا كالرد على الأسدية: ينجح بقدر ما يكون إنسانيا وشاملا، ويصدر عن بني البشر، بوصفهم جسدا مترابط الأجزاء، يضرب على أيدي القتلة بالسلاح، ليحصّنهم ضد موتهم بالأمراض، باعتبارهما معركةً واحدة هدفها حماية الإنسان من كل شر، بشريا كان أو طبيعيا، ومنع أيٍّ أحد من وضع نفسه أو سلطته ونظامه فوق أية قيم ومعايير أخلاقية وتشاركية، يرتبط مصير البشرية بها، وتكريس جهود العالم وذكائه لخير مواطنيه، وحفظ حقوقهم، وفي مقدّمها حقهم في الحياة الذي تتشارك جميع الفيروسات السياسية والمرضية في انتهاكه، وها هو كورونا يعلمنا أن استمرار البشرية يتوقف على تضامنها وما تنعم به من سلام، وأن التقدّم التقني لا يحصّنها ضد ما فيها من شرور من دون تضامن وإخاء، لو توفرا لنيويورك، عاصمة المال والتقانة، لواجهت كورونا خيرا مما تفعل!

بعد فيروسي كورونا، الأسدي والمرضي، سينهار العالم إن لم يذهب إلى نمط من التعايش التضامني، يضع حدا لمواقف من يقولون “اللهم أسألك نفسي”، و”لا شأن لي بجاري، قتل أو حرق”، ويفتح صفحةً جديدةً، لحمتها وسداها تضامن بلا حدود، فيه وحده إنقاذ بني الإنسان بأيديهم، مثلما يفعل اليوم الأطباء الصينيون والكوبيون والألبان والصوماليون الذين يواجهون الموت بأرواحهم، ليحموا حياة مواطني إيطاليا.

يذكّر كورونا جبابرة الليبرالية المتوحشة بالإخاء الإنساني الذي يدفعون ثمنا فادحا لتناسيه، ويريهم أنهم لا يسيطرون حقا على عالمٍ يغرقه الاستبداد في الدم، بينما تعاني بلدانهم من الهشاشة التي فضحها كورونا. وتتحدّى كورونا الليبرالية، وتؤكّد أنها لا تقل استهانةً بالحياة من الاستبداد الأدي. تُرى، ألم يحن الوقت لليبرالية إنسانية تنقذ شعوبها، وتنقذ البشرية من فيروس الاستبداد الذي فاق فتكه بشعب سورية فتك أي فيروس مرضي بأي شعب آخر؟

العربي الجديد

—————————————

يخلق من “الشبح” أربعين/ أحمد عمر

أفرط الناشطون في وصف النظام السوري وأخوته من الأنظمة الجمهورية والملكية بالكورونا. “يخلق من الشبه عشرين”، فهناك ملك عربي أو ملكان نجيا من فيروس الكورونا السياسي بين دول الجامعة العربية.

وصف النظام بكورونا “كلام جميل وكلام معقول” لكن خيال حبيبي المجهول يحتاج إلى تظهير وتحميض بسكاكين النظر ومشارط التحليل. وعندنا براهين وآيات على أوجه الشبح بين الفيروسين وأعراضهما، فيروس الوباء المرضي، وفيروس الدكتاتورية، وهذه بعض أوجه الشبه:

1- وجه عَرَض الحرارة:

كانت حرارة الشعب مرتفعة دوماً، هو منها في حمى، والحمى قاتلة، وينصح الأطباء بمخفضات الحرارة الدوائية، وكمادات الثلج، النظام كان يبرد الشعب بالتسويف والتخويف من بُعبع تهديد الأمن والاستقرار، وكمادات المسلسلات التلفزيونية المخدّرة، وتحميلة اسمها: الرد في الزمان المناسب، وتحميلة الرد في المكان المناسب. فينالها هو في الفم ويقول: ما أطيبها!

3- وجه عَرَض السعال: السعال كان ممنوعاً، السعال شكوى. شعبنا عظيم وصحيح ولا يسعل، والمسؤول لا يُسأل. صدر الشعب يخشخش مثل الشخشيخة، ويغلي مثل المرجل. العطاس جريمة توهن نفسية الأمة، الوحيد الذي كان يسعل ويعطس هو سيارات الجيش القديمة في الشوارع، أحياناً تنقطع الكهرباء، فتنهار الشبكات ويعلو السعال، وتعطس الشركات والدكاكين غضباً وخسارة، فيخمدها النظام إخماداً..

4 – وجه عَرَض الشبح والخفاء: لا تظهر الأعراض لدى المريض ولدى النظام، قد يكون المرء مصاباً بالمرض ولا يعرف، النظام كان يعرف إنه مصاب بكورونا، وذكرتْ الصين أن طبيبا صينياً حذّر ومات بها، ومنحته بعد موته وساماً، بعد إخراسه وقتله. آلاف الأطباء والمفكرين والكتب يحذرون النظام من هلاك الدولة، وكان يخرسهم بقتلهم والأوسمة كانت براميل ورصاصات في الرأس.

بالأمس أعلنتْ عن أول مصاب، وزعمتْ إنه ضيف وافد، الشعب المتجانس لا يصاب بالمرض بفضل رئيسه الحكيم، وقد انتصر على مائة دولة أفلا ينتصر على فيروس حقير. تنظر في تلفزيون النظام، فتظن نفسك في سويسرا، تمشي في الشارع فتجد نفسك في مقبرة.

5- وجه “الشبع” في فقدان الشهية بينهما: تقول قائمة أعراض الكورونا إن المصاب يفقد شهيته، وكانت شهية النظام مفتوحة مثل مرمى كرة قدم مكسور العوارض ويبلع الأخضر واليابس، شهية الشعب أيضاً كانت مفتوحة على الحرية، ويريد أن يلتهمها.

6- وجه التعرض للشمس: توصي تقارير صحية بالتعَرّض للشمس، وذكرت بعض التقارير أن الشمس تقتل الفيروس، ويزعمون أن أفريقيا خالية من المرض أو هو غير شائع بسبب الشمس. النظام لا يحبّ الشمس، ويتطيّر من نشر الغسيل وسخاً أو نظيفاً تحت الشمس. ذكرت تقارير طبية فيتامين دال للوقاية من المرض، وأنه يقوّي المناعة ويمكن استحصاله عند طريق الجلد بالتعَرَض للشمس، لكن الشمس هي العدو لدى النظام. الشمس ممنوعة بقرار رئاسي.

7 – وجه عَرَض صعوبة البلع:

يعاني المصاب بالكورونا من صعوبة البلع، إما النظام فلم يزدد إلا شهية في البلع، وإن أصيب بصعوبة في بلع الانتصار.

8- وجه عَرَض الوهن والإرهاق: وهو ظاهر لدى المصاب بالكورونا ولدى النظام، ولا يحتاج إلى شهود، النظام كان يزأر في وجه الشعب إذا عطس خوفاً من توهين نفسية الأمة، الأمة هي الطائفة الحاكمة، وإضعاف الشعور القومي يعني شعور الفئة الحاكمة الرقيق.

9- وجه عَرَض الإسهال: كان الشعب وما زال يتألم من وجع البطن وألم الظهر بسبب وقوفه أربعين سنة على أبواب الأفران وعلى أبواب موزّعي جرار الغاز، وعلى باب الأمل، ويعاني من إسهال في الروح والفكر والذرية والنسل والحاضر والماضي والمستقبل، أما النظام، فكان مصاباً بإسهال الخطابات الصفراء، التي تسيل من رأسه، فهو كمن يلتهم قيئه الفاسد، فيزداد إسهالاً.

10 – النظام والكورونا كلاهما شبحان أو شبيحة، لا يظهران ولا يُحاصَران، وما زالا يضربان، ويفشيان، ويتنكران، ولهما أجيال مثل سارس وكوفيد 19، وشنكليش الثامن من آذار. جند الكورونا المخلصين هم الشبيحة، لأنهم يركبون سيارات شبح فاخرة، لها زجاج لا ترى منها الفيروسات، وتدعس الناس، وتمضي من غير مخالفة مرورية.

11 – أوجه ” شبح” أخرى: الكورونا لا يفتك سوى بكبار السن والضعفاء مثل فتك عنترة بن شداد بالأعداء، لكن النظام كان أضرى وأشد، ويفتك بالصغار والكبار، ونسبة القتل بسيف الكورونا لا تجاوز 4%، أما النظام فبلغ فتكه 50 %. سرعة التكاثر لدى كورونا كبيرة بعد نصف يوم من الإصابة، يُظنُّ أن كورونا هو المعارض الوحيد في الميدان الآن.

12- الكورونا يتجنب اقتحام صحة الناس ما داموا محجورين في بيوتهم، أما النظام، فيقتحم حرمة البيوت والمساجد، ولا يرقب في الله أو في القانون والدستور إلّا ولا ذمة.

13 – الكورونا يتحاشى قتل الطاهرين والشرفاء ويتجنب النظافة فهو قاتل شريف، أما النظام فلا يقتل سوى الطاهرين والشرفاء، ويعيش في الوساخة والقذارة.

14 – للكورونا آباء وأجداد مثل السارس والإيبولا، أما النظام، فجدُّه الاستعمار.

 15- كلاهما يفتكان بالأطباء.

16- كلاهما يفرضان الحجر: الكورونا فرض حجراً صحياً، والنظام فرض قانون الطوارئ والأحكام العرفية منذ كوفيد الثامن من آذار الايبولي.

في اللهجة الحلبية يقولون: كو- رونا، أي: هذا هو النظام!

—————————————

تأهيل مستشفيات وإجراءات وقائيّة من كورونا في الشمال السوري/ عبد الله البشير

أطلق المجلس المحلي في مدينة تلّ أبيض، في ريف محافظة الرقّة شمالي سورية، سلسلة من الإجراءات الوقائيّة من فيروس كورونا، بالتزامن مع إجراءات مماثلة اتخذها المجلس المحلي في مدينة رأس العين، في الريف الشمالي من محافظة الحسكة، شمال شرقي البلاد.

وفي الوقت الذي يتفشّى فيه الفيروس عالمياً، والضرورة الملحّة للوقاية منه، أوضح مدير “الرابطة السورية لحقوق اللاّجئين والنازحين” مضر الأسعد لـ”العربي الجديد”، اليوم الجمعة، أنّ المنطقة التي يسيطر عليها الجيش الوطني والحكومة السورية المؤقتة، شرق الفرات، واسعة جداً.

وقال إنّ “المنطقة واسعة ولا قدرة للحكومة السورية المؤقتة على تغطيتها، خاصة أنّ تنظيم (حزب الاتحاد الديمقراطي) (PYD)، قام بتخريب وحرق وتدمير البنى التحتية فيها، قبل أن يُطرد وينسحب من المنطقة. ولهذا تمّت، بالتعاون مع تركيا، إعادة تأهيل المستشفيات والنقاط الطبيّة، ومن بينها مستشفيا تلّ أبيض ورأس العين، وتجهيزهما على أكمل وجه، عبر زيادة عدد الأسرّة فيها وتوفير الكوادر الطبيّة السورية مع الأدوية والتقنيات والأدوات الطبيّة الحديثة، وسيارات الإطفاء. إضافة إلى توفير اللّقاحات والكمّامات، وغيرها من المواد الأوليّة لمواجهة فيروس كورونا، أو بقية الأمراض المعدية والسارية. أمّا الحالات المستعصية فيتمّ إرسالها إلى المستشفيات التركيّة الكبرى لمتابعة علاجها”. وأضاف أنّ إجراءات الوقاية من كورونا تشمل  عمليّات التعقيم الشامل والحجر الصحي، مع وقف الدخول والخروج عبر المعابر مع تركيا، أو المعابر مع النظام السوري وتنظيم (حزب الاتحاد الديمقراطي)”.

وتوجّه الأسعد بطلب إلى الأمم المتحدة والمنظّمات الدولية، لتعمل على تقديم المساعدات الإنسانية والطبية والوقائية والغذائية وحليب الأطفال إلى الشعب السوري في المناطق المحرّرة، في إدلب وشمال حلب ومنطقة سيطرة “الجيش الوطني” شرق الفرات.

ودعا المجلس المحلي في مدينة تل أبيض الأهالي لتنفيذ حظر تجوّل طوعي، وذلك لتلافي انتشار العدوى بين الناس، إضافة لعمله على إلغاء التجمّعات، وحملات التوعية بخصوص فيروس كورونا، بالتزامن مع إجراء حملات تعقيم في الأماكن العامة ومساجد المدينة.

من جهته، وجّه المجلس المحلي، في مدينة رأس العين، ورشات تابعة له، للقيام بجولات على محلات المأكولات الشعبية ومحلات اللّحوم، للتعريف بكورونا وطرق الوقاية منه، إضافة لتأكيده على ضرورة التزام الأهالي منازلهم في الوقت الحالي، كإجراء وقائي لمنع انتشار الفيروس، مع التحذير من مخاطر الإختلاط ومساهمته في نشر العدوى.

ويعيش أهالي منطقة رأس العين، الخاضعة لسيطرة “الجيش الوطني”، حالة من الاطمئنان النسبي كون المنطقة مغلقة إلى حد ما. ويوضح عمر المحمد (43 عاماً) لـ”العربي الجديد”، أنّ “الفيروس ليس مخيفاً بالنسبة لأبناء المنطقة، ما لم يحمله أحد الوافدين من خارجها. وأنّ الحركة في الشوارع والأماكن العامة خفّت بشكل واضح عن السابق. وهذا أمر يدعو للتفاؤل مع انشغال العالم بأسره بهذا الوباء”.

وتجدر الإشارة إلى أنّ المعبر، بين مدينة رأس العين ومناطق سيطرة “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، مغلق في الوقت الحالي. وكان يُسمح، في السابق، فقط لأهالي المدينة المقيمين في مناطق سيطرة القوات بالعبور لتفقّد أملاكهم ومنازلهم، في منطقة سيطرة “الجيش الوطني”.

ومن الإجراءات التي اتّخذها أيضاً المجلس المحلي في مدينة تل أبيض لمنع تفشي فيروس كورونا: إيقاف الصلاة في المساجد بما فيها صلاة الجمعة، إغلاق صالونات الحلاقة ومنع التجمّعات في الأماكن العامة، إضافة إلى حملات تعقيم وتنظيف الشوارع والأماكن العامة، بالتزامن مع تعليق العملية التعليميّة بشكل مؤقت، وإلزام عمّال المطاعم والمخابز والأسواق  بالتدابير الوقائية الفردية، من ارتداء الكمّامات والقفّازات، مع إيقاف الأنشطة في المقاهي وصالات الإنترنت وأنشطة المنظّمات غير الحكومية، ومنع الزيارة للسجناء.

العربي الجديد

————————————

كورونا والفقر يحاصران العائلات الفقيرة في الحسكة/ عبد الله البشير

تجبر الظروف المعيشية الصعبة في محافظة الحسكة، شمال شرق سورية، الحلاق حمزة (45 عاماً) على التفلت من حظر التجوال الذي تفرضه الإدارة الذاتية لمنع تفشي فيروس كورونا الجديد في المنطقة. فصالون الحلاقة الصغير الواقع في حيّ شعبي وسط مدينة القامشلي، والذي اقتطعه من إحدى غرف منزله، يعدّ مصدر دخله الوحيد في الوقت الحالي، إذ يعينه على توفير احتياجات أسرته.

يتحدث حمزة عن حظر التجوال وتأثيره عليه، فيقول لـ”العربي الجديد”: “لست ضد الحظر الذي أعلنته الإدارة الذاتية في مناطقنا كإجراء احترازي من فيروس كورونا، لكن لا أستطيع التقيد به، لأن اليوم الذي لا أعمل فيه لن أستطيع تأمين الطعام لأطفالي الستة. أغلقت باب الصالون، لكنني أستقبل زبائني خلسةً، معرِّضاً نفسي لاحتمال السجن أو الغرامة. بكل تأكيد، لن أستطيع دفعها في حال معرفة أنني أعمل سراً”.

واضطر خليل أبو جان (60 عاماً)، وهو صاحب محل ملابس للأطفال، إلى إغلاق محله الذي يدفع بدل إيجاره مسبقاً. ويوضح لـ”العربي الجديد”: “أجبرت على إغلاق محلي الصغير، وأضطر إلى دفع بدل إيجاره مسبقاً. قد أستطيع تدبير أمور المعيشة مدة 15 يوماً، لكن ستتراكم عليّ الديون، ولدي أبناء بالكاد أستطيع توفير الحد الأدنى من احتياجاتهم، في ظل الغلاء الفاحش، وأستطيع أن أقول إننا نعاني من سوء التغذية”.

وكانت الإدارة الذاتية قد أعلنت حظراً للتجول في مناطق سيطرتها، ومنعت التنقل بين المدن والبلدات، حيث تتولى قوات الأمن الداخلي الكردية (الأسايش) والقوات الخاصة التابعة لقوات سورية الديمقراطية الرقابة ومنع المواطنين من التجول، والتعرّض للمخالفين بالضرب واعتقالهم.

ويبدو أن حجم المعاناة لدى العائلات المحدودة الدخل يزداد يوماً بعد يوم، خصوصاً التي يرتبط دخلها بالأعمال اليومية، ما يجعل من الصعب عليها التزام المنزل من دون وجود بدائل. فسائق سيارة الأجرة، ماجد البرازي (48 عاماً)، لم يعد قادراً على توفير مصاريف أسرته. يوضح لـ”العربي الجديد”، قائلاً: “كنت أعمل سائقاً لأطعم أطفالي وأقدم لهم ما يحتاجونه من مصاريف، وبالكاد كنا نستطيع تأمين معيشتنا اليومية في ظل غلاء الأسعار وارتفاع أسعار قطع السيارة وغيرها. أما الآن فقد توقف مصدر عيشنا، ولا أعرف إلى متى أستطيع الاستمرار من دون عمل”.

وفي محاولة للفرار من دورية الأمن خلال فترة حظر التجوال، يحكي حسن (17 عاماً): “كنت جالساً مع ابن عمي أمام البيت في حيّ الهلالية بعدما شعرت بالملل. ولدى مرور دورية، حاولنا الهرب منها، لكنهم ألقوا القبض علينا بعدما أطلق عناصر الدورية النار في الهواء ثم ضربونا. وبعد تدخل أبي والجيران أخلوا سبيلنا”.

وكانت الإدارة الذاتية قد استثنت الإعلاميين بموجب تصاريخ خاصة والمؤسسات الطبية ومحالّ المواد الغذائية ومحطات الوقود ومراكز توزيع الغاز المنزلي والعاملين في المنظمات الإغاثية المحلية والدولية من حظر التجوال. وكان بعض الأطباء قد اشتكوا من عدم قدرتهم على تقديم الخدمات الطبية لمرضاهم، خصوصاً الإسعافية للمصابين بالأمراض المزمنة كالسكري والقلب، إضافة إلى عدم قدرتهم على الوصول إليهم، ولا سيما أبناء الريف.

———————————

كيسنجر: تداعيات “كورونا” ستستمر لأجيال وستغير النظام العالمي للأبد

“القدس العربي”: توقع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر أن جائحة كورونا ستغيّر النظام العالمي للأبد، وتداعياتها قد تستمر لأجيال عديدة.

وفي مقال له بصحيفة “وول ستريت جورنال”، أوضح كيسنجر أن الأضرار التي ألحقها تفشي فيروس كورونا المستجد بالصحة قد تكون مؤقتة، إلا أن الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي أطلقها قد تستمر لأجيال عديدة.

وقال إن الظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم الآن بسبب الوباء الفتاك، أعادت إلى ذهنه المشاعر التي انتابته عندما كان جنديا في فرقة المشاة خلال مشاركته في الحرب العالمية الثانية أواخر عام 1944، حيث يسود الآن الشعور نفسه بالخطر الوشيك الذي لا يستهدف أي شخص بعينه، وإنما يستهدف الكل بشكل عشوائي ومدمر.

وأضاف كيسنجر أنه رغم أوجه الشبه بين تلك الحقبة البعيدة وما نعيشه اليوم، فإن هناك فرقا مهما يتمثل في كون قدرة الأمريكيين على التحمل في ذلك الوقت عززها السعي لتحقيق غاية وطنية عظمى، بينما تحتاج الولايات المتحدة في ظل الانقسام السياسي الذي تعيشه اليوم إلى حكومة تتحلى بالكفاءة وبعد النظر للتغلب على العقبات غير المسبوقة من حيث الحجم والنطاق العالمي المترتبة على تفشي الوباء.

وأشار إلى أن قادة العالم يتعاطون مع الأزمة الناجمة عن الوباء على أساس وطني بحت، إلا أن تداعيات التفكك الاجتماعي المترتب على تفشي الفيروس لا تعترف بالحدود.

واعتبر أن الجهود المبذولة لمواجهة تفشي الوباء، رغم ضخامتها وإلحاحها، ينبغي أن لا تشغل قادة العالم عن مهمة أخرى ملحة تتمثل في إطلاق مشروع موازٍ للانتقال إلى نظام ما بعد كورونا.

وأكد أنه لا يمكن لأي دولة، حتى وإن كانت الولايات المتحدة، أن تتغلب على الفيروس بجهد وطني محض، وأن التعاطي مع الضرورات المستجدة الآن ينبغي أن يصاحبه وضع رؤية وبرنامج لتعاون دولي لمواجهة الأزمة، مبينا أن الإخفاق في العمل على المحورين في آن واحد قد تترتب عليه نتائج سيئة.

وحث كيسنجر الإدارة الأمريكية على التركيز على ثلاثة مجالات رئيسية لمواجهة تداعيات الوباء محليا وعالميا، أولها تعزيز قدرة العالم على مقاومة الأمراض المعدية، وذلك من خلال تطوير البحث العلمي، ثانيا السعي الحثيث لمعالجة الأضرار التي لحقت بالاقتصاد العالمي جراء تفشي الوباء والتي لم يسبق أن شهدت البشرية مثيلا لها من حيث السرعة وسعة النطاق، ثالثا حماية مبادئ النظام العالمي الليبرالي.

وختم كيسنجر مقاله قائلا: “إن التحدي التاريخي الذي يواجه قادة العالم في الوقت الراهن هو إدارة الأزمة وبناء المستقبل في آن واحد، وإن الفشل في هذا التحدي قد يؤدي إلى إشعال العالم”.

القدس العربي

———————————–

صدمة كورونا: أزمة ستعبر/ بيار عقيقي

لم يخرج العالم من ارتباك صدمة وباء كورونا بعد، فتطوّر وضعية الصدمة ما زال أسرع من تطوّر الأبحاث لإيجاد اللقاحات له. وقد تكون هذه معضلتنا الكبرى في الكوكب: الوباء أسرع منا حتى الآن، مصيباً أكثر من مليون شخص، ومودياً بحياة أكثر من 55 ألفاً آخرين. صدمتنا التي تجعلنا نجمد في مكاننا غير قادرين على التفكير أو التصرّف تطغى علينا في المرحلة الأكثر سواداً في تاريخ البشرية، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945). نظنّ أن كل شيء ينهار من حولنا. أرقام العاطلين عن العمل ترتفع. السلوك الغرائزي يتحوّل إلى أسلوب حياة بدلاً من السلوك الواعي. يستيقظ سكان الكوكب كل يوم، وفي بالهم أسئلة عدة مثل “ماذا سيحصل غداً؟”، “هل سينهار العالم الذي نعرفه؟”، “ماذا لو كنا في طور الانهيار، لكن دورنا لم يحن بعد؟”، “كيف ستنتهي الأزمة؟”، “متى تنتهي؟”.

عملياً، كيف يمكن التصرّف في أزمة مثل هذه؟ هل هناك “دروس” تعلّمنا كيفية التحرّك في عالم مظلم في حال اختفت القناديل؟ لا، لكن طبيعتنا المتمحورة حول الغريزة ستجعلنا نثق بحدسنا في مسعانا للبقاء على قيد الحياة. الجنون ليس حلاً، على الرغم من طغيانه، في أحيان كثيرة، على النفس البشرية، خصوصاً إذا ما اقترن بانعدام الأمانيْن، الاجتماعي والوظيفي، فضلاً عن انقطاع المواد الأولية أو ارتفاع أسعارها. في الواقع، لا يمكن لوم أي شخصٍ إذا اتخذ سلوكه مساراً عنفياً، على الرغم من أن تبرير الأمر صعب، لأن “الجميع في مركبٍ واحد”، غير أن قدرات التحمّل تختلف من فردٍ إلى آخر، فضلاً عن ردود الأفعال. الأسوأ أن ارتباك السلطات يساهم في تعزيز المخاوف، فخشيتها تدفعها إلى اعتماد الحلول العسكرية، سواء لتنظيم الحياة اليومية وفقاً لها، أو لحماية نفسها من الانهيار إذا ثَبُت قصرها عن معالجة الأزمة، لأن ولاء العسكر للحاكم يحمي ديمومته مع نظامه، ولنا في المجر بقيادة رئيس وزرائها، فيكتور أوربان، نموذج، بعد أن حوّل البلاد إلى حكم ديكتاتوري باسم الديمقراطية.

يحدث أن يرتبك نظام ما في العالم، فيستغل آخر تردّده لخطف مكانه، إلا في أزمة وباء كورونا. من كان يتخيّل كيفية ارتباك الصين وإخفائها معلومات عدة مع بداية تفشي الفيروس؟ من كان يظنّ أن الولايات المتحدة، التي اعتادت أن تجد الحلول لكل مسألة، تُصبح في حاجة إلى مساعدات طبية؟ من كان يعتقد أن روسيا ـ فلاديمير بوتين ستهبط من عليائها القومية، وتدرك أنها معرّضة أيضاً للفيروس؟ الاتحاد الأوروبي، الذي سعى في تسعينيات مثالية إلى تسويق رؤيته الوحدوية لعالم ما بعد انتهاء الحرب الباردة (1947 ـ 1991)، بات أقرب إلى صراع فكري بين قومياته وإثنياته المتناحرة.

كان هناك حل من اثنين، حتى الآن، إما أن يصطدم العالم بعضه ببعض، منتجاً حروباً كونية متناسلة، أو التعاون لهزم الفيروس. في الواقع، على الرغم من كل الظلامية المحيطة بعالمنا، تحديداً بعد بروز الأجنحة اليمينية المتطرّفة، شرقاً وغرباً، وتصاعد موجات العنصرية في مرحلة ما قبل كورونا، إلا أن مبدأ “التعاون الأممي” بات أكبر من قبل. قد تكون الأسباب عديدة، أبرزها أن الوباء “عدو غير مرئي”، إلا أن فكرةً تعاونيةً كهذه، في كوكبٍ يحكمه في ظرفٍ واحد، فلاديمير بوتين ودونالد ترامب وبوريس جونسون، تبقى أفضل، نسبياً، من مؤتمر يالطا، مع جوزيف ستالين وفرانكلين روزفلت ووينستون تشرشل، التي وإن أطاحت أدولف هتلر، إلا أنها رسّخت مفهوماً تجديدياً للاستعمار، سواء عبر الشركات أو عبر الجيوش أو عبر العقائد السياسية. من حقّ البشر الشعور وكأن الجدران تسوّرهم ولا حلول في الأفق، لكن عليهم الثقة بأمرٍ واحد، أن هذه الأزمة ستعبر، وأن مبدأ “التعاون” البشري هو الأفضل لتمرير هذه الأزمة. لا تضحية في هذا الأمر، بل حياة.

العربي الجديد

——————————————–

بعد “رويترز”.. الأمم المتحدة تشكك في أرقام كورونا العراق

شككت الأمم المتحدة في الأرقام المعلنة في العراق حول أعداد الإصابات بفيروس كورونا المستجد، مستبعدة في الوقت نفسه احتمال أن تتعمد الحكومة إخفاء أو تزييف النتائج.

ودعت بعثة الأمم المتحدة في العراق “يونامي” في بيان، الحكومة العراقية إلى دعم التقارير المستقلة عن أرقام الإصابات بفيروس كورونا، مضيفة أن الوباء “تهديد عالمي غير مسبوق يتطلب استجابات قوية من الحكومات والمجتمعات والأفراد”.

يأتي ذلك، بعدما علقت “هيئة الإعلام والاتصالات” العراقية عمل وكالة “رويترز” في البلاد لمدة ثلاثة أشهر، وطالبتها بالاعتذار على خلفية نشرها تقريراً اعتبرته “يهدد الأمن المجتمعي” لاحتوائه معلومات أفادت بأن أعداد الإصابات بفيروس كورونا في العراق أكثر من تلك التي تعلنها وزارة الصحة.

وقالت الأمم المتحدة أن العراق، كما في دول أخرى، شهد نقصاً في الإبلاغ عن حالات الإصابة بمرض كوفيد-19، بسبب عوامل بينها اعتبارات ثقافية والخوف من وصمة العار وحالات لمرضى غير موثقين بالإضافة الى غياب المراقبة النشطة والمحدودية في الفحوصات. كما رفضت المنظمة “احتمال أن تتعمد الحكومة إخفاء أو تزييف النتائج”، مضيفة أنه “لا يمكن تحديد عدد الحالات المفقودة بدقة إلا باستخدام المراقبة النشطة”.

وطالبت الأمم المتحدة، الحكومة العراقية بـ”الدفاع عن التقارير المستقلة، لأن حرية الإعلام هي أحد أركان المجتمع الديموقراطي. وتوفر الشفافية والمساءلة والاستفهام البنّاء فرصة للسلطات لتوضيح إجراءاتها”.

وكانت “رويترز” نشرت قبل أيام تقريراً قالت فيه أن مسؤولين وأطباء عراقيين كشفوا أن هناك الآلاف من حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا المستجد في العراق. وقالت “رويترز”: “يوم السبت من الأسبوع الماضي وحده تم دفن نحو 50 شخصا ماتوا بسبب المرض”، في وقت كانت البيانات الرسمية تشير إلى وفاة 42 شخصاً.

وبحسب إحصائيات السلطات العراقية، أصيب بالفيروس حتى مساء الجمعة 820 شخصاً تعافى منهم 226 شخصاً وتوفي 54 آخرين.

——————————-

الحجر في السيدة زينب:فوضى ومحسوبيات/ أحمد الشامي

قالت مصادر محلية من منطقة السيدة زينب في ريف دمشق ل”المدن”، إن وزارة الصحة في حكومة النظام السوري حولت فندقي “السفير” و”الجميل بلاس” الواقعين وسط البلدة، الى مركزين للحجر الصحي للقادمين من خارج البلاد.

ووفقاً لمصادر “المدن”، حجرت الوزارة في فندق “الجميل بلاس”، أكثر من 60 شخصاً كانوا عائدين على متن رحلة جوية من موسكو آواخر آذار/مارس.

فندق الجميل السيدة زينب

وأجرت الصحة فحصاً طبياً لطاقم قيادة الطائرة وسمحت له بالمغادرة بعد مرور 48 ساعة من مبيت افراده في الفندق، وبعد مرور يومين أجرت فحصاً طبياً للمضيفات اللواتي كن على متن الطائرة وسمحت لهن بالمغادرة، وذلك بعد مناشدة من نقابة عمال النقل الجوي والبحري، للصحة.

المسافرون الذين كانوا على متن الطائرة، لا يزالون محجورين ضمن الفندق في ظل غياب الخدمات الأساسية من قبل وزارة الصحة، وعدم توفر أدنى المعايير اللازمة للحجر، حيث أن المحجورين يتقاسمون الغرف في ما بينهم ما يعزز انتقال العدوى في حال وجود إصابة، بجانب أنهم لم يخضعوا لفحص كورونا.

كما نقلت الصحة عائلة مؤلفة من 3 أشخاص من السيدة زينب وصلت حديثاً من إيران، مشتبه بإصابتها بفيروس كورونا الى الفندق نفسه، وبعد إجراء التحليل الطبي لها تبين أنها مصابة بالفيروس وجرى نقل افرادها الى مشفى بإشراف الصحة.

وبعد اصدار وزارة الداخلية في حكومة النظام قرارها بعزل منطقة السيدة زينب خوفاً من انتشار فيروس كورونا، باتت أسواق البلدة شبه خالية من المواد الغذائية والمعقمات ومواد التنظيف، وأبرز الاحتياجات اليومية التي من شأنها تلبية حاجات المواطنين المعزولين.

الحكومة أصدرت قرار العزل بشكل مفاجئ ومتأخر أيضاً، من دون أن يكون لديها خطة جاهزة لإغاثة المنطقة، التي تعيش من قبل قرار العزل واقعاً خدمياً سيئاً للغاية، إذا ما تمت مقارنتها بالمناطق المجاورة.

وأوضحت مصادر ل”المدن”، أن نشطاء محليين مقربين من حزب البعث في المنطقة، سربوا خطة قيل إنها من إعداد الحكومة السورية لإغاثة المنطقة تزامناً مع قرار العزل، تتعهد بوصول الخبز، والخضار، والفواكه، والمستلزمات الطبية بشكل يومي الى البلدة، لكن منذ تطبيق قرار العزل لم تدخل او تخرج أي سيارة من البلدة. ما يدل على أن كل ما سرب هو مجرد إشاعات لتخدير الشارع.

وأشارت المصدر إلى أن سكان المنطقة عبروا عن غضبهم إزاء الخطوة غير المدروسة من قبل حكومة النظام السوري من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأوا بتوجيه الاتهامات، والانتقادات من رئيس البلدية حتى رئيس الحكومة.

——————————–

الكورونا إن أفضت إلى نظام عالمي جديد../ حسن مراد

في خضم ما يواجهه العالم من تحديات بفعل أزمة فيروس كورونا، أكدت جهات رسمية عديدة أنها ستستخلص العِبر من هذه المحنة. إشارة واضحة إلى حجم الخلل الذي أضاء عليه هذا الفيروس، خلل في المنظومة الصحية والاقتصادية والسياسية لبعض الدول، ما يؤشر إلى تحولات منتظرة في السياسات العامة لعدد من الحكومات.

لكن انعكاسات كورونا قد لا تتوقف عند هذا الحد، حيث بات هناك شبه إجماع في الأوساط الأكاديمية والصحافية على أن المناخ الدولي المرافق للفيروس المذكور ليس إلا مخاض ولادة نظام عالمي جديد، وإن تباينت الآراء حول ملامحه. فمثلما أدت الحرب العالمية الثانية إلى نشوء نظام القطبية الثنائية، ليتحول إلى الأحادية القطبية عقب انهيار المعسكر الاشتراكي، تُطرح تساؤلات عما إذا كانت الكورونا ستزحزح الولايات المتحدة عن عرشها لصالح الصين.

وفقاً لموقع “The Conversation” لا يمكن لأي دولة فرض نفسها كقوة عالمية بالاستناد حصراً إلى نفوذها العسكري والاقتصادي والتكنولوجي. مثل هذه المكانة تفرض على الدولة المعنية التضحية طوعاً بمصالحها الداخلية، لتحقيق مكاسب على المستوى العالمي. مجلة “Foreign Affairs” لم تكتف بتبني هذا الرأي، بل زادت عليه أن الولايات المتحدة استمدت “شرعيتها العالمية” من القدرة على تنسيق وقيادة الجهود الدولية في الأزمات.

ذِكرُ الكلام أعلاه لم يكن عن عبث، فمع دخول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ورفعه شعار “أميركا أولاً” انطوت الولايات المتحدة على نفسها ولم تعد تكترث للجهود الدولية المشتركة، المثل الفاقع هو انسحابها من اتفاقية باريس للمناخ.

هذا الانطواء يفسر في جزء منه افتقاد واشنطن إلى حسّ المبادرة الدولية لحظة انتشار فيروس كورونا، خلافاً لما جرى قبل ست سنوات، حين بادر باراك اوباما إلى حشد الامكانات الدولية للتصدي لفيروس إيبولا. حتى أن قرار تعليق الرحلات الجوية مع القارة العجوز اتُخِذ بصورة منفردة من دون التشاور مع الحلفاء الأوروبيين أو حتى إبلاغهم مسبقا. بالتوازي، اشارت الدلائل إلى تخبط الولايات المتحدة بعد تفشي الفيروس على أراضيها بعدما اتضح عجزها لا سيما على الصعيد الطبي.

بالمحصلة، أنتج هذا الواقع فراغاً سعت الصين إلى ملئه من خلال “الديبلوماسية الصحية”. ورغم الإجماع الدولي على سوء إدارة بكين للأزمة، ما ساهم في تحويل الكورونا إلى وباء عالمي، إلا أنها نجحت في محو تلك الصورة: ففيما تجاهد دول العالم لاحتواء الفيروس على أراضيها، بدأت الصين حصدَ ثمار اجراءاتها رغم عدم تجاوزها للأزمة بالكامل.

الفارق الزمني في انتشار الفيروس صبّ في مصلحتها، ففي عز حاجة بعض الدول للمساعدة كانت الصين قد استوعبت ما حلّ بها، وباتت في موقع يسمح لها بمد يد العون للخارج. صحيحٌ أنها تلقت أطناناً من المواد الطبية بداية الأزمة، لكن بكين ردت بالمثل ما يعني إعادة فرض شيء من التوازن في العلاقة مع هذه الدول.

هذه الدبلوماسية الصحية، عكست ملامح القوة الصينية الصاعدة والساعية إلى تسويق نموذجها في التعامل مع انتشار كورونا. نموذج يعتمد على أجهزة الدولة والحزب الحاكم في فرض تدابير صارمة يتجاوب معها الصينيون إجبارياً انطلاقاً من إعلاء المصلحة العامة (والخوف؟) ووضعها فوق أي اعتبار.

علاوة على ذلك، لا تدخر الصين جهداً في تصدير قطاعها الصناعي الذي أثبت قدرة على التأقلم مع الظروف الاستثنائية، مضاعفاً إنتاجه لتزويد السوق العالمية بحاجتها من الكمامات الواقية والأجهزة الطبية. حتى في مجال الريادة الطبية تحرص الصين على إثبات حضورها إذ لم تكتف بإرسال المعدات، بل ابتعثت معها كوادر طبية، دون الحديث طبعاً عن جهودها في مجال الأبحاث والاختبارات لإيجاد علاج للفيروس.

والحال أنه بمجرد تباطؤ النشاط الاقتصادي الصيني بفعل الإجراءات الوقائية، اتضح حجم ارتباط الاقتصاد العالمي بعجلة الإنتاج الصينية. وباختصار، دلت أزمة الكورونا على حاجة العالم للصين.

ويتيح تربُع دولة ما على عرش النفوذ العالمي، لها تلقائياً تصدير نموذجها في إدارة الشؤون الداخلية وهنا تكمن الخطورة برأي عدد من الصحافيين. فمد الصين يد العون لعدد من دول العالم، لا يلغي مسؤوليتها عن انتشار الفيروس: منظمة “مراسلون بلا حدود” أشارت إلى الطبيعة الاستبدادية لنظام  بكين ما دفعها بداية الأمر للتستر عن الخبر، يضاف إلى ذلك حرية الصحافة المفقودة التي كان بوسعها التنبيه للخطر القادم.

من ناحية أخرى، طُرحت علامات استفهام كبيرة حول عدد من التدابير الصينية. على سبيل المثال، بعض التطبيقات الرقمية أتاح للسكان معرفة ما إذا احتكوا، خلال الأيام الثلاثين الماضية، بأحد المصابين بكورونا، خصوصاً في وسائل النقل العام. هذا التدبير برهن دون شك عن فعالية سمحت بحصر الإصابات من دون اللجوء لحجر صحي في عموم البلاد. لكن ألا تثير هذه التقنية القلق إذ تتيح للأجهزة الأمنية خرق خصوصية المواطنين في بلد لا يتمتع بمناخ من الحريات؟ يُخشى إذاً أن تتحول هذه الأزمة إلى منصة لتشريع تلك الممارسات التسلطية إذا ما استتب النظام العالمي للصين.

البعض حاول التخفيف من وطأة هذا السيناريو بافتراض أن مركز الثقل العالمي لن ينتقل للصين، بل لمنطقة جنوب شرق اسيا برمتها مستندين في ذلك إلى نجاح أنظمة ديموقراطية، كاليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، بدورها في التصدي للكورونا. اجتهادٌ لا يلغي أن الصين هي الحلقة الأقوى في محيطها الجغرافي.

التحول المحتمل في مركز القوة العالمية يقاربه بعض الباحثين والصحافيين بحذر شديد. كل ما سبق ذكره لا يعني برأيهم أفول نجم الولايات المتحدة، ما جرى أن الصين سدت فراغاً ولم تزحزح غريماً لها. فواشنطن مازالت تملك القدرة على أخذ زمام المبادرة، وتراخيها هي ورقة الصين الرابحة في الوقت الراهن.

لكن آخرين يتبنون وجهة نظر مغايرة تماماً. ففي حديث لمجلة “Foreign Policy” اعتبر ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية في هارفرد، أن التأثير الحقيقي لفيروس كورونا ليس انتقال الثقل العالمي من الغرب للشرق بل إمكانية دفع الدول للتركيز على إدارة أزماتها بنفسها بدل البحث عن تعاون دولي، في إشارة منه إلى فقدان الثقة بدور الولايات المتحدة كقطب عالمي وبالتالي احتمال العبور نحو عالم أقل انفتاحا على بعضه.

وتوافقه الرأي شانون اونيل، نائبة رئيس مجلس العلاقات الخارحية في الولايات المتحدة، إذ تتوقع أن تدفع الحكومات نحو تعزيز انتاجها الداخلي بدل الاعتماد على موردين خارجيين في إشارة أخرى إلى الإفراط في الاعتماد على الإنتاج الصيني. بمعنى آخر لن تتردد دول في حث شركاتها على التضحية بجزء من أرباحها المادية (عدم السعي خلف تخفيض كلفة نفقاتها) لصالح تأمين الاستقرار.

“اتركوا الصين نائمة، إذا استيقظت فالعالم بأسره سيهتز” مقولة تنسب لنابليون بونابرت. بعيداً من صحتها التاريخية، يبدو أنها أكثر ما يصح في معرض استشراف ما بعد كورونا.  فمثلما كان القرن التاسع عشر أوروبياً والقرن العشرين أمريكياً، دفعت أزمة كورونا للتساؤل عما إذا كان القرن الحادي والعشرين آسيوياً وعلى وجه التحديد صينياً.

بكل الأحوال، قانون التاريخ لا يسمح لأي قوة أن تتربع إلى ما لا نهاية على عرش العالم، فهل عندما يحين أوان تأريخ النفوذ الأميركي، ستحجز أزمة كورونا مكاناً لها على لائحة أسباب و/أو مؤشرات السقوط؟

—————————————-

كورونا سوريا: النظام “يتلاعب بالطوارئ

لم تعلن وزارة صحة النظام السوري عن أي إصابة جديدة في فيروس كورونا اليوم، وبالتالي لايزال العدد المعلن عالق عند 16 إصابة بينهم حالتا وفاة.

وأصدرت حكومة النظام قراراً يقضي بتمديد تعليق الأنشطة الثقافية في المراكز الثقافية ودار الأوبرا وكل الأنشطة الأخرى التي تترافق مع تجمعات بشرية حتى إشعار آخر.

وأعلن مسؤول في محافظة حماة  الواقعة تحت سيطرة للنظام، عن حجر “الجهات المختصة” ل10 أفارقة دخلوا من لبنان  بطريقة “غير شرعية ” إلى المحافظة، وأشار إلى “إجراء فريق من الصحة للفحوصات اللازمة لهم في مشفى السقيلبية الوطني، وتبيّن خلوَهم من أي مرض أو من الإصابة بفيروس كورونا”.

وأوضح أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها حجر أشخاص أجانب يدخلون البلد بطريقة غير شرعية، للتأكد من سلامتهم من الإصابة بالفيروس.

ونفت وزارة صحة النظام معلومات نشرها موقع إعلامي تابع لحزب البعث، أعلنت عن الحجر على 525 مواطناً في السويداء دخلوا المحافظة بطرق غير شرعية.

وجاء إعلان الوزارة لينفي تصريحات لمدير صحة السويداء نزار مهنا الذي كشف فيها أن “نحو 525 مواطنا ممن دخلوا البلاد بطرق غيرشرعية يلتزمون بالحجر الصحي في منازلهم تحت المراقبة الصحية”.

وبدأ في مختلف أنحاء المناطق السورية الواقعة تحت سيطرة النظام تطبيق قرار تمديد حظر تجوال المواطنين يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع اعتباراً من الساعة 12:00 ظهراً حتى 06:00 من صباح اليوم التالي.

‏وفي السياق، نفت منظمة الصحة العالمية صحة ما تداولته بعض وسائل التواصل الإجتماعي في سوريا حول التوقع بإعلان سوريا “بلداً ناجياً” من وباء “كوفيد 19” خلال فترة 21 يوماً.

وذكرت في بيان نشرته على صفحتها على “تويتر”، أنه لا وجود لما يسمى “لجنة التنسيق التابعة لمنظمة الصحة العالمية”.

وجددت المنظمة تأكيدها بأنه لا يمكن التنبؤ بتطورات جائحة “كوفيد 19” وتوّقع الحالات المستقبلية للإصابة بالمرض في سوريا أو في أي بلد آخر.

في المقابل  كشف تقرير جديد لمعهد واشنطن، أن”هناك ثلاث سياسات وبائية منفصلة على الأقل يتم توظيفها الآن في سوريا، فنظام الأسد “يتلاعب بالطوارئ” ويحاول، أسوة بشريكه الإستراتيجي إيران، استخدام الأزمة لتسهيل رفع العقوبات الدولية.

وأضاف أن ما يسمى ب”حكومة الإنقاذ” (الجبهة السياسية لجماعة تحرير الشام) تتصرف بشكل بنّاء أكثر بمواردها المحدودة، وتغلق الأماكن العامة في المناطق الخاضعة لسيطرتها وتعمل على رفع مستوى الوعي والسلامة بين السكان المحليين. فيما لا تزال الإدارة المستقلة التي يقودها الأكراد في شمال البلاد غير مستعدة بشكل مؤسف لحالة الطوارئ الصحية، وتفتقر إلى الإمدادات الكافية من المعدات الحيوية مثل أجهزة التنفس”.

ووفقا لتقرير جديد أعده معهد الشرق الأوسط لبحوث الإعلام (MEMRI)، وصل المرض إلى البلاد قبل أسابيع من اعتراف دمشق به علناً، وتم نقله إلى هناك بشكل أساسي من قبل أعضاء الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الموالية لإيران.

وينقل التقرير مخاوف المعارضين من استغلال النظام للوباء للإعلان عن مقتل عدد كبير من المساجين الذين تم قتلهم تحت التعذيب.

في غضون ذلك، قال مفوض الإتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية، جوزيف بوريل، عقب اجتماع عقد في بروكسل لوزراء خارجية الدول الأعضاء: “بحثنا ضرورة ألا تعرقل العقوبات عمليات الإيصال العاجلة للمعدات الطبية اللازمة لمكافحة فيروس كورونا”.

وأضاف بوريل “نعمل على صياغة بيان مشترك دعماً لدعوة الأمين العام للأمم المتحدة. سنرى ما إذا سيحظى بموافقة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي”.

وعبّر المسؤول الأوروبي عن أمله بأن يحظى الإعلان الجاري تحضيره بالدعم الكافي، مشيراً إلى أن “أوروبا ترى أن العقوبات تساهم في تفاقم أخطار تفشي الوباء خاصة في البلدان التي تشهد صراعات مثل سوريا، ليبيا واليمن”.

———————————-

كورونا فيروس عادل… فهل يكون اللقاح ضده عادلًا أيضًا؟: يستغرق إنتاجه بين 12 إلى 18 شهرًا

لن تستطيع الإجراءات الطارئة إلا إبطاء انتشار كورونا. لذلك، تحولت أنظار العالم إلى السباق الذي تشهده مختبرات العالم للتوصل إلى لقاح قادر على القضاء على هذا الفيروس.

 وفق بيانات منظمة الصحة العالمية، هناك 42 لقاحًا تخضع للتجارب المختبرية، منها لقاحان يخضعان حاليًا للتجارب البشرية. هذا تقدم غير مسبوق، إلا أن الوكالة الاوروبية للأدوية تعتقد أن إختراع اللقاح وانتاجه بالكميات المطلوبة لن يتحقق إلا بعد عام من الآن.

عدالة وباء

ما يميز الوباء الحالي هو ”العدالة“ من ناحية الإصابات. فمهما كانت الدول متقدمة اقتصاديًا، فهي لن تبقى بمنأى عن الضرر الكبير. من الواضح أن الوباء أصاب المشاهير والسياسيين، والأغنياء والفقراء في كافة البلدان في العالم. إلا أن هذه ”العدالة“ قد تتبخر عند اختراع اللقاح. ففي عام 2009 خلال وباء ”أتش1 أن 1“ قامت الدول الغنية بشراء الكميات الأولى من اللقاح فور إنتاجها تاركة كميات قليلة للدول الفقيرة.

لا بل حتى قبل اختراع اللقاح، ووفق مقال نشر في صحيفة ”فيلت“ الالمانية في عددها الصادر في 15 مارس المنصرم، قامت الإدارة الأميركية بتقديم عرض مغري جدًا لشركة المانية متخصصة بإنتاج اللقاحات، بنقل عملياتها إلى الولايات المتحدة ولصالح الولايات المتحدة وحدها، ما حدى بالحكومة الألمانية إل أن تعرض مجموعة من الحوافز لشركة ”كيورفاك“ للبقاء في المانيا.

هذا لم يمنع الرئيس الأميركي دونالد ترمب من استضافة دانيال مينيشيلا، الرئيس التنفيذي لشركة ”كيورفاك“، في البيت الأبيض مع مجموعة من مدراء شركات الأدوية من مختلف أنحاء العالم في أوائل مارس. وفي بيان صحفي بعد اللقاء صرح مينيشيلا بأنه أبلغ المسؤوليين الأميركيين أن شركته تأمل في طرح لقاح تجريبي مضاد لفيروس كورونا في بداية الصيف القادم.

12 إلى 18 شهرًا

تقول شركة ”مودرنا ثيرابيوتيكس“، مقرها في مدينة كامبريدج في ولاية ماساتشوستس الأميركية، إنه تم الاتفاق مع جامعة ”إيموري“ في ولاية أتلانتا الأميركية على الشروع بتجارب على أشخاص أعمارهم من 18 إلى 58 عامًا في مرحلة أولى.

تؤكد الشركة أن إنتاج اللقاح بحاجة إلى 12 إلى 18 شهرًا، لكن بالإمكان توفير كميات منه لتلقيح العاملين في القطاع الصحي في الخريف المقبل تحت قيود شديدة.

إن الاستثمار الذي بدأته المختبرات في العالم بعد اكتشاف مرض ”سارس“ في الصين بين عامي 2002 و2004، سيمكن العلماء من الإسراع في اقتراح لقاح لوباء كورونا الحالي. فشركة ”نوفافاكس“ التي مقرها ولاية ماريلاند الأميركية أجرت تغييرات على لقاح ”سارس“، وأعلنت انها على وشك الشروع بتجارب على بعض المتطوعين خلال الربيع الحالي.

على الرغم من طول الفترة الزمنية هذه، فإن الاحتمال الاكبر هو أن تمكن الإجراءات الطارئة الحكومات من حصر الوباء إلى حد كبير قبل اختراع اللقاح.

أعدت “إيلاف” هذا التقرير عن مصادر عدة. الأصول منشورة على الروابط الآتية:

https://www.theguardian.com/world/2020/apr/02/coronavirus-vaccine-when-will-it-be-ready-covid-19
https://www.who.int
https://www.ema.europa.eu/en/news/update-treatments-vaccines-against-covid-19-under-development
https://www.modernatx.com/modernas-work-potential-vaccine-against-covid-19
https://www.novavax.com
https://www.politico.eu/article/germany-confirms-that-donald-trump-tried-to-buy-firm-working-on-coronavirus-vaccine

——————————————–

خطورة التعرض لجرعات عالية من الوباء/ جوشوا رابينويتز وكارولين بارتمان

توفي لي وين ليانغ، الطبيب الصيني الذي رفع الوعي مبكرا بفيروس «كورونا» المستجد في شهر فبراير (شباط) عن عمر ناهز 34 عاماً ليشكل صدمة ليس بسبب دوره في نشر الوعي بشأن الوباء المستفحل فحسب، بل أيضا لأن تلك الحادثة لفتت الأنظار لحقيقة أن الشباب ليسوا في مأمن من الفيروس القاتل.

هل من الممكن أن يكون الدكتور لي قد توفي، لأنه كطبيب قد أمضى الكثير من الوقت قريباً من مرضى فيروس «كورونا» ذوي الحالات المتدهورة ولذلك أصيب بعدوى شديدة؟ الأهم من كل شيء أنه رغم أنه كان من أوائل العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين ماتوا بعد تعرضهم عن قرب للفيروس بشكل متكرر، إلا أنه للأسف لم يكن الأخير.

الحقيقة أن الجرعة الفيروسية يتم تجاهلها في المناقشات المتعلقة بفيروس «كورونا». فكما هو الحال مع أي سم آخر، عادة ما تكون الفيروسات أكثر خطورة عندما يتعرض لها الإنسان بكميات أكبر. فحالات التعرض الأولية الصغيرة للفيروس يمكن أن تؤدي إلى عدوى خفيفة، وقد لا يصاحبها أعراض، في حين أن الجرعات الأكبر يمكن أن تكون مميتة.

من منظور سياسي، نحتاج لأن نأخذ في الاعتبار أن تأثير التعرض لفيروس كورونا ليس واحدا في جمع الحالات. على سبيل المثال، فإن الدخول لمبنى إداري كان فيه شخص مصاب بفيروس كورونا ليس خطيراً مثل الجلوس بجانب شخص مصاب بالفيروس في رحلة بالقطار لمدة ساعة. قد يبدو ذلك واضحاً، لكن الكثير من الناس لا يميزونه، ولذلك فنحن بحاجة إلى التركيز على منع الإصابة بجرعات عالية. يمكن للكميات الصغيرة والكبيرة من الفيروس أن تتكاثر داخل خلايانا وتسبب مرضاً حاداً لدى الأفراد الضعفاء مثل ضعيفي المناعة، وعند الأصحاء، تستجيب أجهزة المناعة بمجرد شعورها بوجود فيروس ينمو في الداخل. ويعتمد التعافي على الفائز بالسباق: الانتشار الفيروسي أو التنشيط المناعي. ذكر خبراء الفيروسات أن الجرعة الفيروسية تؤثر على شدة المرض.

سيكون من غير الأخلاقي التلاعب التجريبي بالجرعة الفيروسية في البشر في فيروس خطير مثل «كورونا». لكن هناك أدلة على أن حجم الجرعة مهم أيضاً بالنسبة لتأثير فيروس كورونا على البشر. على سبيل المثال، فخلال تفشي فيروس «سارس» عام 2003 في هونغ كونغ، تسبب مريض واحد في نقل العدوى إلى آخرين يعيشون في نفس المجمع السكني، مما أدى إلى وفاة 19 شخصاً. يعتقد أن سبب انتشار العدوى هو الجسيمات الفيروسية المنتشرة في الجو والتي تناثرت في جميع أنحاء المجمع السكني انطلاقا من شقة المريض.

رغم الأدلة على أهمية الجرعة الفيروسية، فإن العديد من النماذج الوبائية التي جرى استخدامها في التوجيه السياسي خلال أزمة وباء كورونا قد جرى تجاهلها، وكان هذا خطأ كبيراً.

ولذلك يتعيَّن على الأشخاص توخي الحذر بشكل خاص من التعرض للجرعات العالية والتي من المرجح أن تحدث خلال التفاعلات الاجتماعية الوثيقة، مثل اجتماعات القهوة والحانات المزدحمة والوقت الهادئ في غرفة مع الجدة – وعند لمس وجوهنا بعد تلطخها بكميات كبيرة من الفيروس. تعتبر التفاعلات الشخصية أكثر خطورة في الأماكن المغلقة وعلى مسافات قصيرة، خاصة مع زيادة الجرعة نتيجة للتعرض لها لفترة طويلة.

ونظراً لأهمية مقدار التعرض للفيروس، فإن الطواقم الطبية تعتبر الأكثر عرضة للخطر لأنهم يتعاملون مع المرضى الأكثر حملاً للفيروس وبشكل متكرر، لذلك يجب أن نعطيهم الأولوية في معدات الحماية.

بالنسبة للجميع بصفة عامة، فإن أهمية التباعد الاجتماعي وارتداء القناع والعناية بالنظافة تعد من أهم وسائل الحماية على الإطلاق لأن هذه الممارسات لا تقلل من انتشار العدوى فحسب، لكن تعمل على تخفيف الجرعة، وبالتالي تقليص فرص فتك العدوى التي قد تحدث، وتجنب الجرعات العالية يعد متطلبا شخصيا ضروريا، حتى بالنسبة للشباب الأصحاء.

في الوقت نفسه، نحن في حاجة إلى تجنب رد الفعل المفرط المذعور من التعرض لجرعات منخفضة. فالملابس وتغليف المواد الغذائية التي تعرض لها شخص مصاب بالفيروس تشكل خطراً منخفضاً، والأشخاص الأصحاء الموجودين معا في متجر البقالة أو مكان العمل يواجهون مخاطر يمكن احتمالها طالما أنهم يتخذون احتياطات مثل ارتداء الأقنعة الجراحية، والتباعد بين بعضهم البعض. إن الإغلاق الكامل للمجتمع هو الطريقة الأكثر فاعلية لوقف انتشار الفيروس، لكنه مكلف من الناحية الاقتصادية والنفسيَّة. حان الوقت للبقاء في المنزل، ولكن نأمل أن تكون هذه المرة قصيرة. وعندما نعاود مغادرة منازلنا مرة أخرى، علينا أن نقوم بذلك بحكمة نظراً لأهمية عنصر الجرعة الفيروسية.

– خدمة «نيويورك تايمز»

—————————————-

الوحدة والاكتئاب… الثمن الباهظ للعزل جراء «كورونا»

قبل 6 أسابيع فقط، كان شيلي هاورد يتنقل ستة أيام في الأسبوع بين مطاعم ومحال شيكاغو بحرية مع أصدقائه؛ لكن على هذا الأميركي اليوم – كما الملايين في الأرض – قضاء أمسياته وحيداً في شقته، بسبب وباء «كوفيد- 19» العالمي.

وهاورد البالغ من العمر 73 عاماً، اجتماعي جداً بطبعه، ينشر دوماً صور سهراته الحيوية التي غالباً ما يظهر فيها وهو يصافح ويعانق أصدقاءه؛ لكن في ظلّ العزل وإغلاق كافة المتاجر غير الأساسية، انقطع هاورد الذي يعمل مصمم «غرافيك» في قطاع الموسيقى بشكل شبه تام عن أي تواصل بشري.

ويقول هاورد: «أنا شخص يحب معانقة الآخرين، والناس يحبونني جداً؛ لكن هذا الواقع».

تشبه تجربة هاورد تجارب كثير حول العالم، هم مكتئبون لعدم مخالطة الآخرين التي كانت تعتبر مكتسباً حتمياً، ويرى العلماء أنها حيوية.

تشير مديرة معهد «تاتش ريسيرتش» في كلية الطب في جامعة «ميامي» تامي فيلد، إلى أن «ما يحصل عند لمس الآخرين عبارة عن تغيير جسدي بحت».

وتوضح أنه في تلك اللحظة «يتباطأ الجهاز العصبي، ومعدل ضربات القلب ينخفض، وكذلك ضغط الدم، والموجات الدماغية تتجه نحو مزيد من الاسترخاء، وهو ما يؤدي إلى انخفاض في الكورتيزول، الهورمون المسؤول عن التوتر»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.

تشعر ليليا شاكون، المديرة العامة للاتصال في مدينة سانتا فاي في ولاية نيومكسيكو، أيضاً بالحنين إلى الحقبة التي كان فيها التواصل البشري أمراً ممكناً في حياتها.

تعيش شاكون البالغة من العمر 65 عاماً بمفردها وتعمل من المنزل.

تروي شاكون «جنون كيف يمكن لواقعك أن يتغير بهذه السرعة. أشاهد التلفاز، أرى أشخاصاً جالسين جميعاً على طاولة واحدة، يتعانقون، وأقول: يا إلهي، الأمور لا تجري كذلك حالياً».

وللتعويض عن هذا النقص، تلجأ لمكالمات الفيديو مع أصدقائها.

وتؤكد: «نجد طرقاً للحفاظ على الصداقات والحميمية. بات أساسياً لي استخدام مكالمات الفيديو عبر (فيس تايم)، أن أبقى على تواصل مع أصدقائي بشكل مرئي، وليس فقط عبر المكالمات الصوتية. وهذا الأمر يساعد».

أكثر المتضررين من العزل هم الأشخاص الأكبر سناً، فهم أكثر عرضة للفيروس، وغالباً ما يعيشون بمفردهم.

تشجع ماري كارلسون عالمة الأعصاب في كلية الطب في «هارفارد» على التواصل النظري. وتخصصت كارلسون في مجال الحرمان الحسي، بعدما درست حالة الرُّضع الذين كبروا في منشآت في رومانيا في التسعينات، كان فيها عدد قليل من الموظفين.

وتقول: «أشجع الناس على التفاعل الاجتماعي عبر النظر والسمع»، مضيفة: «لمن يعيشون وحدهم، التكنولوجيا تتيح هذا التفاعل عبر المكالمة الهاتفية أو الفيديو، للتعويض عن هذه الحقبة الضرورية والمؤقتة من القيود على اللمس».

تطمئن كارلسون القلقين من فقدان القدرة على التواصل الطبيعي في مرحلة ما بعد الوباء. وتشرح: «أعطي دائماً مثال نيلسون مانديلا الذي أمضى 27 عاماً في السجن»، موضحة: «نعلم جميعاً ما حصل حين خرج. شاهدناه على التلفزيون وسمعنا كل ما قاله، لم يفقد إطلاقاً قدراته الاجتماعية وحساسيته تجاه الآخرين».

رغم أن ذلك لا يعوض عن التواصل الجسدي مع إنسان آخر؛ فإن تامي فيلد من معهد «تاتش ريسيرتش» توصي على سبيل المثال الناس الذين يعيشون بمفردهم بالجلوس أرضاً والقيام بتمارين تمديد العضلات، والاستحمام، والسير، لتحفيز مستقبلاتهم الحسية.

تعيش شارلوت كولن البالغة 46 عاماً، والتي تدير شركة علاقات عامة في قطاع العقارات في مانهاتن، وحيدة أيضاً، وتعمل من المنزل. وبالنسبة لها، مدة فرض القيود هي المشكلة.

وترى كولن التي تغلبت على مرض السرطان وتعاني من مرض مناعة ذاتية، وتقدَّر بالتالي تدابير العزل: «أن تقضي شهراً في بيتك أمر، وأن يدوم ذلك 18 شهراً أمر آخر».

في شيكاغو، يعوض شيلي هاورد العزلة عن طريق الترويج لحفلات موسيقية منزلية لصديق له على مواقع التواصل الاجتماعي.

يعتمد أيضاً على وجود قطتيه. ويقول: «ليس الأمران متساويين؛ لكن إحداهما تنام على يدي. أقضي بذلك عشر ساعات ملتصقاً بهذا الكائن الحي الذي يتنفس»، مضيفاً: «تنام الأخرى على ركبتي أو صدري، ولذلك أنا على تواصل مع كائنات حية».

————————————-

حرب عالمية على الإمدادات الطبية؟/ عصام حمزة

تنافس مستمر في دول عديدة على شراء البضائع الطبية، أو اللقاحات، ما يثير الشك في إمكانية إنجاز تعاون دولي لمواجهة فيروس كورونا المستجد. لكن الأخطر على الإطلاق، كما توضح المقالة أدناه المترجمة عن صحيفة الغارديان البريطانية، أن يتم شراء البضائع المتجهة إلى أكثر المناطق تضررًا، في مزاد يكسب فيه من يدفع أكثر.

تمكن مشترون أمريكيون بفضل تفوقهم المالي من الحصول على حمولة من الأقنعة كان من المقرر أن تشحن من الصين إلى إحدى أكثر مناطق فرنسا تضررًا من فيروس كورونا الجديد، وفقًا لمسؤولين فرنسيين.

كانت الأقنعة محملة على طائرة مستعدة للإقلاع في مطار شانغهاي حين ظهر المشترون الأمريكيون وعرضوا ثلاثة أضعاف المال الذي عرضه نظرائهم الفرنسيون.

قال جان روتنر الطبيب ورئيس مجلس مقاطعة غراند إيست المحلي، إن جزءًا من الطلبية التي تضم عدة ملايين من الأقنعة التي كانت مخصصة للمنطقة، التي تعج أسرة العناية المركزة فيها بمرضى كوفيد 19، فقدت لصالح المشترين الأمريكيين.

صرح روتنر لإذاعة RTL قائلًا: “وصلوا إلى مدرج الإقلاع وفي حوزتهم كثير من المال، لذا كان علينا أن نقاتل لأجلها”. لم يصرح روتنر بهوية المشترين، ولصالح من يعملون ولأي ولاية أمريكية طارت الشحنة، لكن مسؤولًا فرنسيًا آخر، كان مشاركًا في عملية شراء الأقنعة من الصين، قال إن المجموعة كانت تعمل لصالح الحكومة الأمريكية.

قال  رينو موسيلير رئيس مقاطعة بروفانس ألب كوت دازور في جنوب شرق فرنسا لقناة BFMTV التلفزيونية الفرنسية:  “خلاصة الأمر، أن هناك بلدًا أجنبيًا دفع ثلاثة أضعاف سعر الشحنة وهي على مدرج الإقلاع”. وقد تواصلت الغارديان مع وزارة الخارجية الأمريكية طلبًا للتعليق.

صرح مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية لوكالة الأنباء الفرنسية AFP “إن حكومة الولايات المتحدة لم تشتر أي أقنعة كان المقرر أن تصل من الصين إلى فرنسا. التقارير التي تفيد بخلاف ذلك خاطئة تمامًا”.  فيما وصف رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو هذه التقارير بأنها “مثيرة للقلق”، وطلب من المسؤولين الكنديين النظر في ادعاءات مشابهة بأن شحنات أقنعة مقررة إلى بلده قد أخذت إلى مكان آخر. وقال في تصريح له يوم الخميس “علينا أن نحرص أن تصل المعدات المقررة إلى كندا وأن تبقى في كندا، وطلبت من الوزراء أن يتابعوا هذه التقارير تحديدًا”.

من جهته، بين وزير الصحة البرازيلي لويس هينريك مانديتا في مؤتمر صحفي يوم الأربعاء 2 نيسان/أبريل، أن المحاولات البرازيلية الأخيرة لشراء معدات وقاية مثل القفازات والأقنعة من الصين قد تعثرت. “اليوم أرسلت الولايات المتحدة 23 من أكبر طائرات الشحن لديهم لحمل المواد التي اشتروها. كثير من طلبياتنا التي رغبنا في إتمام شرائها لإمداد نظامنا الصحي قد تعثرت. العالم كله يريد هذه الأشياء أيضًا. نحن نواجه مشكلة الطلب الفائق على هذه المواد”.

طلب مانديتا من المواطنين البرازيليين صنع أقنعة منزلية من قطع الملابس بأنفسهم لتوفير المعدات الطبية المتبقية للعاملين في قطاع الصحة. ومع تزايد حدة الوباء، اتهمت الحكومات المذعورة باستخدام وسائل مشكوك في نزاهتها للحصول على الإمدادات اللازمة لمواجهة فيروس كورونا الجديد. تنوعت هذه الأساليب من حظر تصدير المواد الطبية إلى إرسال جواسيس في مهمات سرية بحثًا عن أدوات وأساليب الفحص.

وخوفًا من العجز في المواد الطبية وإنهاك الأنظمة الصحية، لجأت عدة دول منها فرنسا وألمانيا وروسيا إلى تخزين الأقنعة والمواد الخطرة، أو البذلات الواقية. عنى ذلك الحد من تصدير المعدات الطبية الواقية.

وذهبت تركيا إلى أبعد من ذلك، فلم تكتف بحظر تصدير المعدات الواقية بل ويبدو أنها ألغت صفقات بيع للخارج كانت أموالها قد دفعت بالفعل. وأفادت تقارير من صحيفة لو سوار البلجيكية وصحيفة كوريار ديلا سيرا الإيطالية بأن الأقنعة تركية الصنع التي كانت مخصصة لبلادهم لم تصل إلى وجهتها. وبالنسبة لإيطاليا، استغرق الأمر أكثر من أسبوعين بعد مكالمة أجراها رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، للإفراج عن شحنة الأقنعة. في بلجيكا، لم تصل الإمدادات حتى الآن رغم الشكوى الرسمية التي قدمتها وزارة الصحة البلجيكية إلى الشرطة.

وهددت تركيا أيضًا بتأميم مصانع إنتاج الأقنعة المحلية لضمان عدم بيعها سوى للدولة. نقلت وكالة الأنباء المحلية حريت عن وزير الداخلية سليمان صويلو قوله إن السلطات ستصادر المصانع إن لم توافق الشركات على البيع حصرًا لوزارة الصحة.

كما اتهمت الصين، أكبر منتج للأقنعة في العالم وأول دولة تضررت من تفشي كوفيد 19، بأنها تخزن الإمدادات لديها. لكنها أصبحت واحدة من الدول القليلة التي سلكت اتجاهًا معاكسًا ببيع الأقنعة والتبرع بها إلى أوروبا. صادرت السلطات التشيكية إحدى هذه الشحنات المتجهة إلى إيطاليا في ملابسات متنازع عليها بين البلدين.

نفت السلطات التشيكية مزاعم سرقة الشحنة من قبل الدولة والتي أفادت بها إذاعة جورنال راديو راي، التابعة لشركة البث العامة في إيطاليا. قالت الإذاعة إن الأقنعة وصلت إلى مستودع في شمال براغ، وصودرت في عملية لمكافحة التهريب. وقال زير الخارجية التشيكي توماس بتريشيك إن حكومته أرسلت 110 ألف قناع إلى روما تعويضًا عن الأمر. وقعت حادثة مشابهة في كينيا، حيث اختفت شحنة تحوي 6 مليون قناع متوجهة إلى ألمانيا أثناء مرورها في الدولة الأفريقية، لكن لا توجد دلائل على تورط الحكومة الكينية.

تشهد الأدوية واختبارات فيروس كورونا الجديد كذلك طلبًا عالميًا متزايدًا. فبعد إعلان الرئيس الأمريكي دون دليل عملي قوي، بأن الدواء المعالج للملاريا قد يعالج كوفيد 19، منعت الهند فورًا تصدير الهيدروكسي كلوروكوين. وأطلق جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد عدة عمليات سرية دولية لجلب آلاف من معدات اختبار فيروس كورونا. وأفادت تقارير إعلامية محلية، نقلًا عن مسؤولين استخباراتيين وفي وزارة الصحة بأن معدات الاختبار جلبت من دولة عدوة لن ترغب في الإعلان عن هذه الصفقة. لا تعترف كثير من الدول بإسرائيل بسبب معاملتها للفلسطينيين.

وتحركت بعض الحكومات في الأسابيع الأخيرة لتخزين إمدادات الغذاء المحلية. حظرت كازاخستان، إحدى أكبر منتجي الدقيق في العالم تصديره. وتبعتها فيتنام، ثالث أكبر مصدر للأرز في العالم في منع تصدير الأزر. وبدأت صربيا بمنع تصدير الدواء ثم حظرت لاحقًا تصدير دوار الشمس.

لا يتوقع أن تشهد أسواق الغذاء العالمية نقصًا، وأبقت معظم الدول أسواقها مفتوحة، لكن جهود بعض الحكومات المذعورة للسيطرة على الموارد أفزعت الكثيرين.

قال أبراهام نيومان الأستاذ بقسم الحكومة بجامعة جورجتاون وهنري فاريل أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة جورج واشنطن، إن هناك خطر بأن يهوي العالم إلى منزلق “انعدام الثقة والأنانية”. وكتبا في مجلة هارفارد بنزنس ريفيو: “ستصعب المستويات العالية من الشك التي تختمر بين الدول من إمكانية تعاونها لتنسيق استجابة دولية. يصعب على الحكومات أن تكون كريمة حين يرتعد مواطنوها وتقل الإمدادات. لكن هذا الأمر قد يؤدي إلى دوامة من الخوف والانتقام”.

أفادت وسائل الإعلام الألمانية الشهر الماضي بأن إدارة ترامب عرضت على شركة طبية ألمانية قدرًا كبيرًا من المال مقابل الحق الحصري للقاح تطوره. رغم أن شركة CureVac نفت هذه التقارير، إلا أن الحادثة أثارت ريبة الدول الأخرى.

ونشرت مجلة غلوبال تايمز الصينية المملوكة للدولة مقالة افتتاحية وصفت فيها البحث عن لقاح بأنه “حرب لا تتحمل الصين خسارتها”. وقالت مشيرة إلى التقارير المتعلقة بـ CureVac، إنه “بالنظر لتحركات هاتين الدولتين الغربيتين، لا يمكن للصين بأي حال من الأحوال أن تعتمد على أوروبا أو الولايات المتحدة في تطوير اللقاح. على الصين أن تعمل وحيدة في هذا المجال الحيوي”.

 ———————————————

==============================

===============================

تحديث 07 نيسان 2020

————————————–

وباء كوفيد-19 في سوريا: هل يصبح فيروس كورونا كارثة في سوريا خصوصا في معتقلات النظام؟

المعطيات تشكك في استثناء فيروس كورونا لسوريا، فنظام الأسد مدعوم من عشرات آلاف المقاتلين من إيران، البلد المتصدر لدول الشرق الأوسط من حيث عدد الإصابات بالفيروس. كما أعلنت باكستان أن الإصابات الأولى فيها تعود لستة مقاتلين من مليشيا لواء “زينبيون”، ممن عادوا إليها من مناطق النظام السوري. الصحفية الألمانية آنا فلايشر تسلط الضوء لموقع قنطرة على خلفيات تفشي وباء كوفيد-19 في سوريا وعلى تحذيرات من كارثة اجتياح فيروس كورونا للمعتقلات السورية.

تنهمك كل دول العالم تقريباً في تطوير خطط طوارئ لحماية مواطنيها من فيروس كورونا، وتعمل على اتخاذ إجراءات للحد من انتشاره. وحده نظام الأسد من أنكر حتى تاريخ [22 آذار/مارس 2020] وجود حتى ولو حالة إصابة واحدة بهذا الفيروس في سوريا. وقد تباهت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” بتأكيد منظمة الصحة العالمية هذه المعلومات.

غير أن وزير الصحة السوري ما لبث أن أعلن في 22 آذار/ مارس 2020 عن أول إصابة بفيروس كورونا في سوريا، ما وضع حداً لحالة الإنكار هذه. وفي نهاية المطاف، أعلن النظام السوري عن إغلاق كافة المعابر البرية السورية مع لبنان ابتداءً من 23 آذار/ مارس 2020 أمام حركة القادمين، بمن فيهم حاملو الجنسية السورية، مع الإبقاء على حركة شحن البضائع شريطة إخضاع السائقين لفحوصات طبية.

هناك من المعطيات ما يجعل من المشكوك فيه القول بأن انتشار المرض يستثني سوريا بالذات. فنظام الأسد مدعوم من قبل عشرات الآلاف من المقاتلين الإيرانيين القادمين من إيران، أي من الدولة التي تتصدر دول منطقة الشرق الأوسط من حيث عدد الإصابات بفيروس كورونا، بعد أن تجاوز عدد المصابين فيها 20 ألف إصابة، بالإضافة إلى 1550 حالة وفاة بسببه. كما أعلنت السلطات الباكستانية أن الإصابات الأولى في البلاد تعود لستة مقاتلين من مليشيا لواء زينبيون، ممن وصلوا لتوهم إلى باكستان عائدين من مناطق النظام السوري.

نظام صحي متدهور في سوريا

وضمن هذا السياق، ينذر وضع القطاع الصحي في سوريا المتدهور بالخطر. فبحسب بيانات الأمم المتحدة غادر ما تصل نسبته إلى 70% من العاملات والعاملين في قطاع الصحة في سوريا عملهم، وبحلول نهاية العام المنصرم 2019 كانت ما نسبته فقط 64% من المستشفيات و52% من مراكز الرعاية الصحية الأولية في سائر أنحاء سوريا تعمل بكامل طاقتها. ولذا، فإن هذا البلد على وجه الخصوص غير مستعد لمواجهة أي جائحة أو وباء.

ووفقاً لما ذكرته ليلى حسو من شبكة حراس الطفولة، تحتوي المناطق السورية غير الخاضعة لسيطرة النظام السوري فقط على 200 سرير للعناية المركَّزة مزودة بأجهزة التنفس الاصطناعي، وهي ممتلئة فعلياً عن بكرة أبيها بمرضى حالات أخرى من غير المصابين بالفيروس.

وتضع استراتيجية مواجهة انتشار فيروس كورونا، المتأخرة والبعيدة عن الواقع بصورة واضحة للعيان، حياة السكان المدنيين على المحك، سواء أكان ذلك في مناطق النظام أم خارجها. وقد دفع الصراع المستمر في سوريا ملايين السوريات والسوريين إلى النزوح داخل الأراضي السورية، حيث يقاسي أربعة ملايين منهم حالياً من ظروف حياتية صعبة في محافظة إدلب شمال غرب البلاد، في مخيمات بدائية نُصبت على وجه السرعة تفتقر إلى خدمات النظافة.

“هل ينبغي علينا حقاً غسيل أيدينا!؟ كثير من الناس هنا يعيشون في العراء ولا يستطيعون حتى تأمين فرصة استحمام واحدة لأطفالهم أسبوعياً !”، يقول فادي مسحر مدير مؤسسة مرام للإغاثة والتنمية في إدلب لصحفية نيويورك تايمز.

إدلب في مصيدة فيروس كورونا

ومن الصعوبة بمكان إجراء اختبار الإصابة بفيروس كورونا في إدلب في الوقت الراهن. وإن كان بالإمكان إرسال عينات لفحصها في المختبرات التركية، إلا أنه، نظراً للظروف الراهنة التي دفعت مليون شخص خلال الأشهر السابقة للتدفق على الحدود التركية، لا يمكن التعويل على مساعدة كبيرة من هذا القبيل.

وقد ذكر هيدن هالدورسون، أحد الناطقين باسم منظمة الصحة العالمية في جنوب تركيا، يوم الأربعاء [19 آذار/ مارس 2020]، أنه من المتوقع وصول معدات اختبار الإصابة بالفيروس إلى إدلب خلال الأسبوع التالي، إلا أن المعلومات عن كمية هذه المعدات وعن موعد وصولها بقيت مجهولة. وقد علل هالدورسون سبب التأخر في إرسال معدات الاختبار بأن منظمة الصحة العالمية توزع هذه المعدات على السلطات الحكومية في كل بلد، إلا أن شمال غرب سوريا تعد منطقة بلا حكومة.

وتشدد ليلى حسو أيضاً على أن النقص يشمل في المقام الأول مستلزمات أولية مثل الأقنعة الواقية والقفازات ومواد التعقيم. بالإضافة إلى حقيقة أن كثيرين من الفقراء غير قادرين على البقاء في المنزل ومضطرون للعمل لكسب ما يسد رمقهم. وتضيف حسو: “إن أكبر مخاوفنا حالياً تدور حول الأطفال ممن قد تصاب عائلاتهم بهذا المرض، فمن سيهتم بهم حال مرض الوالدين أو حتى وفاتهما؟”.

خطر كورونا في معتقلات النظام السوري

وفي حين ينحدر وضع النازحات والنازحين في الداخل السوري إلى الأسوأ، لا ننسى وجود فئة أخرى مستضعفة للغاية من البشر في سوريا، هم المعتقلات والمعتقلون في سجون الأسد. وتحذر منظمة هيومن رايتس ووتش بأن الظروف اللاإنسانية في معتقلات النظام السوري قد تجعل تداعيات فيروس كورونا أسوأ بكثير. فالسجون المكتظة تماماً، ضمن ظروف صحية وطبية سيئة لدرجة يعجز عنها الوصف، تمثل بيئة مثالية لانتشار الفيروس بسرعة شديدة.

وتقول سارة كيالي من منظمة حقوق الإنسان في تصريح لها: “من المخيف بصورة خاصة أن نعلم بأن السلطات السورية على دراية تامة بالظروف السيئة لهذه السجون، كيف لا، وهي من يهيئ الأسباب لخلق هذه الظروف من خلال حرمان المعتقلين من التغذية المناسبة ومن الرعاية الطبية ضمن بيئة تفتقر لخدمات الصرف الصحي والهواء النقي والأمكنة النظيفة. هذه الصورة تتناسب جيداً مع ما نعرفه عن ممارسات الحكومة السورية التعسفية ضد المعتقلات والمعتقلين، بما في ذلك التعذيب الممنهَج وسوء المعاملة والعنف الجنسي”.

“بمرور هذا اليوم يكون قد مضى على والدي 2446 يوم في سجون الأسد. في الوقت الذي أحاول فيه وقاية نفسي من كوفيد 19 يبقى خاطري مشغولاً بوضع والدي وبوضع غيره من آلاف المعتقلين ممن لا يملكون أدنى مقومات الرعاية الصحية هناك. لا قدرة لأحد على احتمال هذا.”، تقول وفاء مصطفى، ابنة أحد المعتقلين السياسيين، في تغريدة لها. تعيش وفاء في برلين، وتبدي مخاوف كبيرة من تفشي الوباء في السجون السورية. هذا هو حال عائلات المعتقلين الصعب جداً، ممن يبقى تفكيرهم مشغولاً بأقربائهم وأحبائهم المحتجزين في سجون التعذيب الوحشية لنظام الأسد.

خطر اجتياح فيروس كورونا للمعتقلات السورية

يطالب ممثلو المجتمع المدني والمعارضة في اللجنة الدستورية السورية في رسالة مفتوحة بإتاحة المجال أمام منظمة الصليب الأحمر ومنظمات الأمم المتحدة المعنية للوصول إلى مقرات الاعتقال التابعة للنظام السوري. ومع التهديد الجديد الذي يمثله فيروس كوفيد 19 فإن المعتقلات والمعتقلين في جميع السجون في سوريا هم الفئة الأكثر عرضة للإصابة بهذا الفيروس، وبالتالي، فإن فرص بقاءهم على قيد الحياة أقل بكثير.

وقد وقّعت سوريا سابقاً على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للأمم المتحدة، كما وقّعت على الإعلان العربي لحقوق الإنسان، ولكنها، رغم ذلك، لم تكن قَطّ عضواً في المجلس الاقتصادي الاجتماعي للأمم المتحدة الذي صاغ القواعد المتعلقة بالحقوق الأساسية المطلقة للمعتقلين. وبناءً عليه، لا يرى النظام السوري نفسه ملزماً، ولو بالحد الأدنى من المعايير، فيما يخص حقوق المعتقلات والمعتقلين.

هؤلاء -الذين صيّرهم التعذيب وسواه من انتهاك وإهمال وخوف على المستقبل- ضعفاء فعلياً، ومن شأن وضعهم حال تفشي فيروس كورونا أن يغدو كارثة تامة. وبحسب منظمة العفو الدولية، هناك قلق كبير من أن يصاب المعتقلون بالفيروس، ومن ثم يُترَكوا للموت، أي بطريقة شبه متعمدة.

معتقلات ومعتقلون “كأنهم مدفونون أحياءً تحت التراب”

وتبدي فدوى محمد لذلك قلقاً كبيراً على ابنها ماهر وعلى زوجها المختفيان منذ سنين، بعد أن أُلقي القبض عليهما في مطار دمشق الدولي في عام 2012، ولم يُعثَر لهما بعد ذلك على أي أثر. تقول فدوى بنبرة حزينة: “أعرف ماذا يعني أن يكون المرء في السجن، حيث لا يرى المرء الشمس ولا يشعر بالريح لسنين طوال، في وضع يبدو فيه وكأنه مدفون حيّاً تحت التراب”.

وقد كانت فدوى نفسها معتقلة سياسية في ثمانينيات القرن المنصرم في عهد حافظ الأسد. ورغم أنها في هذه الأثناء بعيدة عن الخطر، إلا أن التفكير في احتمال حدوث جائحةِ وباءٍ في السجون السورية ما زال يقض مضجعها.

ويبدو من المثير للسخرية رد فعل النظام السوري من خلال إصدار عفو جديد، مشابه لما سبق أن أصدره من مراسيم عفو لا معنى لها على الإطلاق. ويبقى من غير الواضح إنْ كان موعد صدور هذا العفو مرتبطاً بالخوف من انتشار فيروس كوفيد-19.

تقول سارة كيالي من منظمة هيومن رايتس ووتش: “يتوجب على المنظمات الإنسانية ومنظمات الأمم المتحدة أن تضغط بصورة ملحة للسماح لها بالوصول إلى مقرات الاعتقال الرسمية وغير الرسمية لتقديم المساعدات العاجلة التي قد تنقذ حياة المعتقلات والمعتقلين. الأمر الذي لن تقوم به الحكومة السورية بكل تأكيد”.

آنا فلايشر

ترجمة: حسام الحسون

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

——————————————

دمشق على أبواب الانهيار..احتكار وغش في الادوية والاجهزة/ نور عويتي

يبدو الوضع في دمشق قابلاً للانهيار في أي لحظة، ليس فقط بسبب تفشي فيروس كورونا فيها وعزل بعض المناطق، وإنما بسبب عجز النظام السوري اقتصادياً وانهياره وسط الأزمة الوبائية وفشل منظومته الصحية باحتواء الفيروس.

حال الموطن السوري اليوم في أغلب مناطق النظام تسوء أكثر.. لم تكفه سنوات الحرب التسعة ومآسيها التي حلّت عليه، ليترك اليوم يكافح الفيروس والجوع لوحده، دون تأمين الحدود الدنيا للعيش.

المدنيون السوريون يتحملون كل العبء لتأمين احتياجاتهم الأساسية، والمهمة الأصعب باتت تأمين الخبز؛ ففي بعض المناطق لايزال المواطنون يصطفون  بطوابير يتجاوز تعدادها المئات أمام الأفران الحكومية للحصول على الخبز، كما يحدث في منطقة السيدة زينب في ريف دمشق؛ المنطقة التي تم عزلها مؤخراً بسبب تفشي الفيروس فيها.

وتشهد المنطقة بشكل يومي تجمعات لآلاف المواطنين أمام المؤسسات الحكومية الاستهلاكية، من دون ان يتخذ النظام أي تدابير للتقليل من معاناة المواطنين. بينما تم منع المواطنين من التجمع أمام الأفران في بعض المناطق، التي أوكل فيها مهمة توزيع الخبز إلى وكلاء معتمدين من قبل الدولة.

كان المفترض أن يخفف توزيع الخبز بهذه الطريقة من الازدحام، إلا أنها تسببت بتجمعات أكثر عشوائية وفوضوية، حيث أدى ذلك الى تدافع المواطنين أمام سيارات المعتمدين بشكل جنوني. ولم يلتزم الموزعون بتسعيرة الخبز النظامية، ووصل سعر ربطة الخبز لدى بعض المعتمدين لما يزيد عن ثلاثة أضعاف السعر الأصلي.

وفي بعض المناطق ترافق توزيع الخبز مع تعنيف وإهانة للمواطنين، وقد رصد العديد من الناشطين معاناة المواطنين أمام سيارات المعتمدين، والمحسوبيات والإهانات التي يتعرض لها المواطنون أثناء عملية توزيع الخبز، بمقاطع مصورة؛ منها مقطع يوثق قيام أحد الموزعين بضرب امرأة تتبعه لشراء الخبز.

وسط هذا الفوضى، سعت العديد من المنظمات الإنسانية والجمعيات الخيرية في دمشق للتدخل من خلال تنسيق مبادرات تطوعية لتوزيع الخبز بشكل مجاني على البيوت؛ وقد تم تطبيق هذه المبادرات في العديد من الأحياء الدمشقية، قبل أن يصدر النظام السوري قراراً غريباً من نوعه لايقاف هذه النوع من المبادرات.

وقال مصدر من إحدى هذه الجمعيات الخيرية ل”المدن”، إنه “بعد أن وزعنا الخبز ضمن عدد من المناطق، تم توجيه إنذار خطي لنا بأننا نقوم بتلك المبادرة بلا رخصة ويتوجب علينا إصدار واحدة، وعندما تقدمنا بطلب لمحافظ دمشق ليسمح لنا بتوزيع الخبز وبعض المواد الغذائية على البيوت بشكل مجاني، قوبل طلبنا بالرفض، حيث اعتبر المحافظ أن المواد الغذائية كافةً متوافرة في الأسواق وليس هناك داعٍ لإطلاق هذه النوع من المبادرات”.

على الصعيد الصحي، تعيش المستشفيات في دمشق نوعاً آخر من الفوضى، التي ربما يكون من عواقبها انهيار الكوادر الطبية من أطباء وممرضين، بسبب عدم الاهتمام بسلامتهم. وتحدث مصدر من داخل أحد المشافي الحكومية في دمشق “المدن”، عن معاناة الأطباء قائلاً: “لقد تم إجبارنا على العمل لساعات متواصلة من دون استراحة، ومن دون أن يوفروا لنا أي غرف معزولة للمبيت في المشافى، مما يجعلنا على تواصل دائم مع المرضى، بمن فيهم المصابون بالفيروس”.

وأضاف أن معالجة المصابين بكورونا تتم “دون أن تتوفر لنا وسائل الوقاية من بدلات العزل والكمامات والكفوف؛ فالإدارة تقوم بتوزيع هذه المستلزمات الوقائية علينا بشكل شحيح، وأصدرت تعليمات لإعادة استعمال الكمامات لأيام متتالية؛ وهو ما دفع عدداً كبيراً من الأطباء إلى شراء الكمامات والكفوف من الصيدليات على حسابهم الخاص”.

وربما يكون سبب شح توزيع الكمامات في المشافي الحكومية هو ضخّها في الأسواق، بحسب مصدر من إحدى صيدليات دمشق. وقال المصدر ل”المدن”، إنه بعد الإعلان الرسمي عن اول حالة إصابة بفيروس الكورونا في البلاد ، تم توفير الكمامات والمعقمات بالصيدليات بكميات كبيرة من قبل الشركات الدوائية الحكومية، بعد أن كان من الصعب تأمينها، ولكن سعرها اليوم يفوق سعرها السابق بأضعاف.

زيادة الأسعار لا تنحصر فقط بالكمامات والمعقمات، وإنما شملت أيضاً جميع أنواع الأدوية. وفي هذا السياق قال مصدر يعمل في إحدى شركات الأدوية ل”المدن”: “نقوم اليوم باستخدام المخزون الاحتياطي الدوائي في سوريا، ولن يصمد هذا المخزون سوى لأسابيع قليلة. سوريا تقوم باستيراد المواد الأولية لصناعة الأدوية وهذا أدى إلى توقف معظم مصانع الأدوية، وهو ما ينذر بأزمة صحية وشيكة، إذا لم تتحرك الحكومة بسرعة وتتمكن من إيجاد حلول بديلة”.

وفي ظل رفض وزارة الصحة السورية إجراء اختبارات للكشف عن الفيروس سوى للحالات المتقدمة، في محاولة منها للحفاظ على أرقام متدنية قي معدل الإصابات التي بلغت حتى اليوم 19 إصابة فقط مسجلة بشكل رسمي. فإن هذا فتح الباب أمام نوع جديد من المتاجرة في دمشق، وهي تجارة أجهزة الكشف عن كورونا.

وقد ساهم العديد من الأطباء بالترويج لهذه الأجهزة غير الناجعة وغير المعترف بها عالمياً لفحص كورونا. وقال مصدر مطلع ل”المدن”، إن “هناك عدداً كبيراً من الأطباء يقومون بالتسويق لبيع جهاز قياس الحرارة الذي يتم استعماله في المطارات، على أنه جهاز لفحص الكورونا. وبعد أن ازداد الطلب على هذه الجهاز وخلت الأسواق منه، ووصل سعر الجهاز إلى 300 ألف ليرة سورية”.

وأضاف أن “العديد من المراكز والصيدليات قامت بالتسويق لجهاز صناعي لقياس الحرارة، هو مصمم بالأصل لقياس حرارة الألات والمعدات الصناعية الضخمة؛ فتم ضبط هذه الأجهزة على أن تعطي الضوء الأحمر للحرارة التي تتجاوز 37 درجة. ويتم اليوم بيع هذا النوع من الأجهزة بما يزيد عن 50 ألف ليرة سورية، وكل ذلك يتم تحت غطاء حكومي لمنافع متبادلة مع التجار”.

————————————-

سيناريو مُدمر لسوريا لو تفشى كورونا ويتجاهله النظام! تقديرات مرعبة لعدد الضحايا وسط دمار مستشفيات

عندما تقدم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرس، الإثنين 6 أبريل/نيسان 2020، بتقرير تحدث فيه عن قصف المنشآت المدنية الحيوية في سوريا وعلى رأسها المستشفيات، أثار مواقف سلبية من منظمات حقوقية لأنه لم يشر صراحة إلى دور روسيا المباشر في قصف المرافق الطبية.

لكن حسابات الدول والمنظمات الدولية وتقاريرها مختلفة تماماً عن حسابات السوريين الآن، سواء الذين يعيشون في مناطق نظام بشار الأسد أو المعارضة، والذين يواجهون وحدهم خطر تفشي فيروس كورونا، الذي تتوقع منظمة الصحة العالمية انفجاراً بأعداد الإصابات بينهم، ليجدوا أنفسهم أمام سؤال مصيري: “أين سيُعالج مرضى كورونا في سوريا؟”.

خلف هذه الإجابة عن السؤال حصيلة مرعبة لعدد المستشفيات التي دمرتها العمليات العسكرية لنظام بشار الأسد وحلفائه، وسيناريو في غاية السوء لأعداد الناس الذين يُحتمل إصابتهم بكورونا، والتي تفوق قدرة النظام الصحي المتهالك في سوريا، الذي سينهار في حال التفشي الكبير للفيروس.

المشهد العام: يرجح مسؤولون أمميون، ومن بينهم روزماري ديكارلو مسؤولة الشؤون السياسية بالأمم المتحدة، إلى احتمال أن يترك فيروس كورونا أثراً مدمراً في سوريا، وكتبت روزماري في تغريدة على تويتر: “إن كان هناك أحد بحاجة -ويا للعجب- إلى سبب لوقف القتال هناك، فها هو”، وفقاً لوكالة رويترز.

أما غير بيدرسون، مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا، لمجلس الأمن، فقال إنه “بعد عنف رهيب يسود هدوء غير مستقر على الأرض، يواجه السوريون الآن تهديداً مدمراً جديداً، وهو كوفيد 19”.

وعندما بدأت الحالات الأولى من كورونا بالظهور في سوريا قال مارك لوكوك، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، إنها ليست “سوى قمة جبل الثلج”، ومن المتوقع أن يكون هناك “تأثير مدمر” لذلك على المجتمعات الضعيفة.

أشار لوكوك إلى أن حوالي نصف مستشفيات الدولة ومرافق الرعاية الصحية كانت تعمل بكامل طاقتها في نهاية عام 2019، لكن ما تحدثت عنه عشرات المنظمات السورية من أرقام عن خسائر القطاع الصحي تشير إلى خسائر أكبر من التقديرات الموجودة لدى الأمم المتحدة.

السيناريو الأسوأ: في حال تحولت مخاوف مسؤولي الصحة في العالم بسوريا إلى واقع، فمن المُحتمل أن تكون مناطق المعارضة الأكثر تضرراً، هنالك حيث شهدت المناطق قصفاً متواصلاً على مدار سنوات من طائرات نظام بشار الأسد وروسيا.

أحمد الدبس من منظمة “أوسوم” الطبية ومقرها أمريكا، يقول إن القتال في سوريا خلال 9 سنوات أدى إلى تدمير معظم المنشآت الصحية في المنطقة، ولم يترك سوى 175 جهاز تنفس، في وقت يعيش في الشمال السوري ما لا يقل عن 3.5 مليون شخص، ويفتقر هؤلاء إلى أساليب الوقاية من الفيروس.

يتساءل الدبس: “دول مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا ودول أخرى لم تستطع الهروب من أزمة فيروس كورونا، فكيف سيكون الحال في شمال غرب سوريا؟”.

أما السيناريو الأكثر سوءاً فتحدث عنه أطباء في المنطقة لصحيفة New York Time، عندما قالوا إنه بحسب التقديرات فمن المُحتمل أن يُصاب في إدلب مليون شخص، وأنه قد يقتل الفيروس ما بين 100 ألف إلى 120 ألف شخص، متحدثين عن حاجة ماسّة لأجهزة التنفس الصناعي.

في هذا الصدد، قال الطبيب عبدالرزاق زقزوق، من منظمة الجمعية الطبية السورية الأمريكية، لصحيفة New York Time: “لسوء الحظ ليس لدينا أماكن للحجر الصحي في شمال سوريا، إذا كانت هنالك أية حالة من فيروس كورونا فإن الوضع سيكون مأساوياً”.

كم خسرت سوريا من المشافي؟ في بيان  عاجل إلى المجتمع الدولي أصدرته لـ70 منظمة مجتمع مدني سورية، تمت دعوة الأمم المتحدة إلى حماية السوريين من جائحة فيروس كورونا، مشيرةً إلى هشاشة كبيرة في القطاع الصحي بسوريا.

أكدت المنظمات أنه لا يعمل سوى 64% من المستشفيات، و52% من مراكز الرعاية الصحية الأولية، متحدثة عن تسجيل 595 هجوماً على 350 منشأة صحية في سوريا منذ عام 2011، مضيفةً أن 90% من الهجمات نفذها النظام وحلفائه، فضلاً عن قتل ومغادرة مئات الكوادر الطبية، وهذه الإحصاءات أكدتها أيضاً منظمة الصحة العالمية.

تُظهر إحدى الصورة التي نشرتها صفحات موالية للنظام عن ضعف النظام الصحي في سوريا مع بدء انتشار فيروس كورونا، فالإصابات بسوريا لم تتجاوز الـ 20، ورغم ذلك بدأ النظام يُجهز صالة رياضية كبيرة في دمشق، وضع بها أسرَّة تعزل بينها ألواح خشبية فقط.

الحلقة الأضعف: يتوقع أن يكون اللاجئون والنازحون السوريون الأكثر عرضة للإصابة بفيروس كورونا، وتقول الأمم المتحدة إن عدد النازحين داخلياً في سوريا تجاوز الـ 6.5 مليون شخص، وأكثر من مليون مدني (معظمهم نساء وأطفال) يقيمون على طول الحدود مع تركيا في شمال غرب سوريا في العراء أو في خيام مكتظة أو في مخيمات مؤقتة.

يُعدّ الحصول على الماء النظيف أو الصرف الصحي محدوداً للغاية في تلك المناطق. أما في سائر أنحاء البلاد، وفي أماكن أخرى من البلاد، فلا يزال عشرات الآلاف محتجزين في ظل محدودية فرص الوصول إلى الرعاية الطبية، بما في ذلك 70 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، في مخيم الهول شرق سوريا.

—————————————–

أسئلة عن الرعاية الاجتماعية والسلطوية/ عروة خليفة

بدأت معظم دول العالم اليوم بتطبيق إجراءات الحجر الصحي الكامل أو الجزئي على مواطنيها، لوقف تزايد أعداد المصابين بمرض COVID 19، الذي أصبح جائحة عالمية. وقد ساهمت هذه الظروف في فتح الباب أمام سياسات تحاول تَمثُّلَ أزمنة الحرب، بهدف تمرير إجراءات استثنائية في مواجهة تفشي العدوى، التي تضع العالم في حالة استنفار ربما تقود إلى نتائج بعيدة. مع ذلك، ليس مؤكداً تماماً أنّ النتائج ستكون بعيدة المدى فعلاً، ولا أنها ستتجاوز الاستثنائي على المستويات الاقتصادية والسياسية.

لكن هل شجّعت أزمة انتشار فيروس كورونا المستجد السلطويةَ فعلاً، وهل ستقود العالم إلى تبني نماذج مماثلة للصين التي يتم استدعاؤها كثيراً للحديث عن «قصة نجاح» في مواجهة الجائحة؟ تعتمد السلطوية كما في حالة الصين على مركزية شديدة في اتخاذ القرار، الأمر الذي سمح بتطبيق الإجراءات على نطاق واسع وبسرعة؛ ولكن هل كانت تلك الإجراءات صحيحة؟ وهل يمكننا القول فعلاً إنها أنقذت حياة الآلاف؟

علمياً، لا يمكن التأكد من ذلك حتى ظهور دراسات مقارنة دقيقة تتحدث بلغة الأرقام عن انعكاسات ذلك على مستوى النجاة من الإصابة بالمرض، لكن ما يمكننا قوله الآن هو أنّ السلطوية على النمط الصيني لا تسمح بإجراءات تتجاوز السلطة المركزية لمراعاة الاحتياجات الأكثر محلية، وهو ما يعني أنّ السلطوية ذاتها، التي يتم امتداحها لاتخاذها قرارات سريعة (يمكننا المحاججة أنّ السلطات ذاتها تأخرت لأسابيع في اتخاذ أي قرار)، قد تكون اتخذتها ببساطة بناءً على مصالح فئات معينة في المركز. مؤسس الصين الشيوعية ماو نفسه، قال «ليَجُع الريف كي تحيا المدينة»؛ لا أعتقد أن نخبة الحزب الشيوعي الحاكم اليوم، الذي يتبنى خليطاً أوليغارشياً من التصنيع الرأسمالي وحكم الحزب الواحد، يمتلك أفكار أكثر تسامحاً مع حياة الناس من ماو.

هناك جانب إيجابي في هذا النقاش بالطبع، إذ كان انسحاب الدولة من دور الرعاية الاجتماعية في المجتمعات الغربية، بشكل متفاوت عموماً، سبباً رئيسياً في تراجع القدرة على التخطيط العام واتخاذ الإجراءات على مستوى الدولة، وهو ما يستعيض عنه السياسيون اليوم باستخدام استعارة «الحرب»؛ الاقتصاد هو اقتصاد حرب، والدول في حرب على الفيروس كما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو تشبيه استخدمه كل من الرئيس الصيني والرئيس الأميركي أيضاً.

في واشنطن، تمت الاستعانة بقانون التصنيع الحربي، وهو قانون يعود إلى فترة الحرب الكورية، ويسمح للحكومة بتوسيع وتنظيم الصناعات ذات الأهمية الاستراتيجية. وقد يكون استدعاء هذا القانون في الولايات المتحدة، كمثال عن الاستعانة بسياسات الحرب في مواجهة الجائحة، أمراً مفيداً على صعيد تحليل هذا التوجه، إذ أنّ هذه السياسات تتضمن عدداً من التناقضات الرئيسية؛ أول هذه التناقضات هو أنّها تعود في معظمها إلى فترة الحرب العالمية الثانية وفترة الحرب الباردة، أي أنها صُمِّمَت لمنظومة اقتصادية مختلفة عن اليوم، ذلك أن سلاسل التوريد والإنتاج اختلفت منذ تلك الفترة، وباتت تعتمد على التصنيع في عدة دول لا دولة واحدة. ومن التناقضات الأخرى أنّ سياسات الإغلاق قد تكون عقبة رئيسية في مواجهة القدرة على توجيه الإنتاج بشكل فعّال خلال الأزمة، إضافةً إلى أنّ التخطيط الحربي للإنتاج قد لا يكون قادراً على التكيف مع التقلبات التي يسببها انتشار فيروس كورونا المستجد، وهو ما يعني أنّ الانتقال المفاجئ إلى تخطيط مماثل للتخطيط الحربي قد لا يكون الحل الأمثل في مواجهة هذه الأزمة.

لا يملك السياسيون كثيراً من الحلول في الحقيقة، وهو ما دفعهم للانتقال إلى تلك الإجراءات، إذ أنّ التراجع في نموذج دولة الرعاية الاجتماعية، الذي كان يسمح بتطوير قدرات التخطيط والإدارة العامة، قد أضعف هذا الجانب إلى حد كبير، وهو ما قد يفسر المؤشرات الإيجابية للتعامل مع هذه الجائحة في البلدان التي احتفظت بنظام رعاية اجتماعية أقوى مثل ألمانيا والدول الاسكندنافية.

لم تصل الموجة الحالية من الجائحة إلى ذروتها على المستوى العالمي بعد، وهو ما سيفتح الباب أمام تغييرات في الصورة الحالية لتعامل الدول، وفي طرق تأقلم الاقتصادات المحلية والعالمية مع هذه الأزمة، وهي تغييرات ستكون أكثر جذرية، على نحو لا يمكن التنبؤ به، إذا ما شهدنا انتشار موجة ثانية من المرض في فترات قريبة، نتيجة تحولات جينية قد تطرأ على الفيروس المسبب له.

أما إذا كان التعافي كاملاً بحلول العام القادم، فإن ارتفاع نسب النمو الذي سيعقب هذا التعافي، نتيجة نمو الاحتياجات التي كان قد تمّ قمعها من فوق في سياق إجراءات مواجهة الجائحة، سيقدم فرصة للعالم لتجاوز آثار كورونا، لكن ليس من دون أسئلة كبيرة حول مدى قدرة دول متقدمة على إقرار سياسات عامة فعّالة، ومدى قدرة دول عديدة على التخطيط. ولكن بالقياس إلى أزمات أخرى واجهت الاقتصاد العالمي، فإن أحداً لن يتعلم من الدرس على الأغلب، ولن تكون هناك مراجعات حقيقية، خاصةً أن التوجه لاستدعاء مصطلحات الحرب بهدف مواجهة الوباء أصبحت مع الوقت سمة عامة للحكومات، دون مراجعة حقيقية لوضع أنظمة الرعاية الاجتماعية، التي كان يمكن أن تكون خط دفاع فعّال عن المجتمعات التي أصيبت بالشلل نتيجة انتشار الفيروس، وكان يمكن أن توفّر بديلاً عن التغني بسلطوية دولة مثل الصين.

ستحاول سياسات أزمنة الحرب، كما في كل الحروب، تغييب الضحايا من أجل مصلحة «عُليا»، أما الوضع الحالي الذي يعتبر أقرب للهزيمة في هذه الحرب، فإنه قد يشجع حكومات دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا على الاستعانة بتجارب سلطوية أخرى؛ خطاب عبد الناصر بعد هزيمة حزيران سيكون مفيداً للغاية بعد هذه الحرب.

موقع الجمهورية

—————————————–

هواء نقي ومستقبل ملوث/ غالية العلواني

لأعوام، لم تجد التحذيرات من أن البيئة سترد على سلوكيات البشر البشعة بطرق قاسية لا تعرف الرحمة سوى آذان صماء؛ إذ لا يهتم البشر سوى بالمكاسب الاقتصادية الموقتة.

للمرة الأولى، ربما في تاريخ البشرية بأسره، نشهد “حواراً عالمياً” حقيقياً. إذ يبدو العالم متحداً على جبهات متعددة، متآزراً لمواجهة موجات من الذعر والقلق والتشكيك. ومن بين الأسئلة الملحّة التي تخيّم على وعينا الجماعي، مسألة البيئة، فضلاً عن توقعات العلماء الذين أمضوا عقوداً باذلين قصارى جهدهم في محاولة جذب انتباه الجماهير، قبل أن تجتاح أسوأ الحالات المحتملة بنيتنا التحتية، غير المهيأة لمواجهة هذا التحول المفاجئ بوضوح. بيد أنه من المؤسف أن هذا الموضوع كثيراً ما يُتناول على هامش مفاهيم الإغاثة، المرتبطة بالأفكار الرومانسية التي تدور حول كوكب الأرض، الذي يلهث طلباً للهواء للمرة الأولى منذ زمن بعيد. وعلى رغم روعة ذلك، ربما يُشكِّل هذا إهداراً لفرصة سانحة لوضع الحديث عن هذا الفايروس في سياق أكثر أهمية، بوصفه ارتكاساً مميتاً للسلوك العنيف المدمر، الذي تعرضت له البيئة على يد الإنسان منذ عقود.

الصورة الأوسع

أعقبت ذلك جهود موحدة للبحث عن أخبار سارة في بحر من الأحزان، فيما تحاول الرسوم البيانية التي تُظهر انخفاض معدلات تلوث الهواء أن تكون بمثابة نوع من المهدئات. ولا يعني هذا أن هذه الاستنتاجات لا ترتكز على درب من التفاؤل الحقيقي، فقد شهدت الصين، التي تساهم سنوياً بنحو 30 في المئة من الانبعاثات العالمية، انخفاضاً كبيراً في أكسيد النيتروجين (الذي تطلقه محركات المركبات ومحطات الطاقة والمنشآت الصناعية)، فضلاً عن الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري العالمي نتيجة لتباطؤ النشاط الاقتصادي. وسُجلت تأثيرات مشابهة من قبل مؤسسات، على غرار وكالة “ناسا” ووكالة الفضاء الأوروبية في أوروبا والولايات المتحدة. ولكن هذا ليس كافياً للأسف، فضلاً عن أنه لا ينطبق على جميع الدول في مجمل الأمر.

قال سامي كايد، مدير التطوير في “مركز حماية الطبيعة” التابع للجامعة الأميركية في بيروت، لـ”درج”، “شهدت الكثير من المناطق انخفاضاً ملحوظاً في معدلات تلوث الهواء. ولكن في أماكن أخرى مثل لبنان على سبيل المثال، ليس بالقدر الكبير، نظراً لانتشار المولدات الكهربائية في كل مكان، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات تلوث الهواء بدرجة كبيرة، فضلاً عن أنها لا تتوقف بسبب استمرار أزمة فايروس كورونا”.

لكن انخفاض معدلات تلوث الهواء منذ بداية ظهور كوفيد-19 غير كافٍ، نظراً لعلاقته المباشرة بمعدّل الوفيات الناجمة عن الإصابة بالفيروس في المقام الأول. فمن المرجح أن تكون الظروف التي يُشتبه في أنها تزيد من احتمال الوفاة بسبب كوفيد-19، بما في ذلك مرض السكري وأمراض الجهاز التنفسي وارتفاع ضغط الدم، ربما تكون ناجمة عن- أو تفاقمت بسبب- العيش في مناطق ذات معدلات تلوث هواء مرتفعة. دراسة أجريت عام 2003 عن ضحايا مرض “السارس”، خلُصت إلى أن احتمالات وفاة المرضى المقيمين في المناطق التي ترتفع فيها معدلات تلوث الهواء، أعلى بنسبة 84 في المئة، مقارنةً بأولئك الذين يعيشون في مناطق ذات معدلات تلوث منخفضة. إضافة إلى أن المناطق التي تتركز فيها عوادم المركبات التي تعمل بوقود الديزل، يتشبع هواؤها بكميات كبيرة من أكسيد النيتروجين، والأوزون الأرضي أي الأوزون الضار الموجود في طبقات الجو القريبة من سطح الأرض، ما يؤدي إلى انخفاض شديد في جودة الهواء في المناطق الحضرية؛ وأشارت التقارير إلى أن ذلك يرتبط بوقوع ما يقرب من 400 ألف حالة وفاة في أوروبا سنوياً.

لم يكن تلوث الهواء القضية البيئية الوحيدة التي كانت موضع تجاهل كبير في الماضي، في سبيل تحقيق عوائد اقتصادية؛ فالآن بات من المعتقد على نطاق واسع، أن نشأة الفايروس المسبب لكوفيد-19 كانت في أحد “الأسواق الرطبة” في مدينة ووهان الصينية، كما يُعتقد أن المضيف الطبيعي للفيروس هو نوع معين من الخفافيش. كما نظم العديد من الناس حملات من أجل إغلاق الأسواق الرطبة في كل مكان، حيث تباع الحيوانات البرية بشكل غير قانوني، سواء كانت ميتة أو حية، مع وصف العلماء تلك المناطق بأنها “أرض خصبة للأمراض”. بيد أن هذه الظاهرة انبثقت باعتبارها جزءاً من مشكلة منهجية أوسع نطاقاً، تتمثل في التدخل البشري في الحياة البرية بصفة عامة، وبالتالي زيادة اختلاطنا بهذه الأنواع، وليس في سياق التجارة غير المشروعة، وحسب.

ناقشت دراسة أجرتها جامعة أوبرن، صدر عنها بحث بعنوان “تأثير التطور المشترك باعتباره العامل المحرك وراء زيادة الانتشار”، مدى ارتباط فقدان الموائل الطبيعية على نطاق واسع، نتيجة التدخل البشري بالأمراض المُعدية الناشئة، بما في ذلك الإيبولا والسارس. فكلما زاد توسع البشر في تطوير الحياة الحضرية على حساب الغابات وغيرها من موائل الحياة البرية، وهي عمليات تنطوي عموماً على حرق هذه المناطق أو تدميرها، كلما شهدت الحياة البرية في تلك المناطق تنوعاً سريعاً.

أوضح كايد ذلك قائلاً، “بمجرد أن تنتهي من تجزئة الغابات لأنك ترغب في توسعة أحد المدن إلى اليمين أو اليسار، تتشكل لديك هذه البقع الصغيرة من الموائل الطبيعية، وما يحدث هو أن النظام البيئي في هذه المناطق يبدو شبيهاً بالجزر الصغيرة إلى حد كبير”. وأضاف، “الكثير من الكائنات الحية تواجه على هذه الجزيرة الآن أنواعاً جديدة من الضغوط، إذ يختلف النظام البيئي الجديد عما اعتادت عليه في موائلها الطبيعية، فقد أصبحت الآن منعزلة للغاية. وربما لا يعيش المفترس ذاته في ذلك النظام البيئي، لذا تتوفر الآن أمام بعض هذه الكائنات مجموعة مختلفة تماماً من القيود والفرص، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى عملية تطور سريعة، لا تؤثر في تلك الكائنات فحسب، بل أيضاً في مسببات الأمراض والفايروسات التي تتخذ من تلك الكائنات عائلاً”.

يعزز هذا بدوره تنوع الميكروبات المسببة للأمراض. ونظراً إلى ازدياد اختلاط البشر بهذه الأنواع بالفعل، نتيجة لتدمير مواطن الحياة البرية بطريقة أو أخرى، ارتفعت احتمالية انتقال الأمراض من الحيوانات إلى التجمعات البشرية. يعود السبب في ذلك إلى اضطرار الحيوانات إلى التأقلم مع مدننا بوصفها موطنها الجديد بعد تدمير موطنها الأصلي، وينطبق ذلك بوجه خاص على الخفافيش. تسلط الدراسة الضوء على مصطلح “تأثير التخفيف”، الذي يشير إلى أثر الحفاظ على الحياة البرية على صحة البشر، وهي فكرة ندركها ونقدرها جميعاً، فحتى الشخص العادي يدرك الآن أن 75 في المئة من الأمراض المعدية منبعها الحياة البرية.

قال كايد لـ”درج”، “كان هذا على الدوام أمراً متوقعاً تُثار التحذيرات بشأنه، أعني فكرة عدم الإمعان في التعدي على المساحات البرية وأنه علينا تبني نموذجاً إنمائياً مختلفاً، وذلك كيلا نتعرض لهذه المخاطر الهائلة المتمثلة في ظهور أوبئة كبرى، لأن فرص حدوث تلك الأوبئة تزداد كلما اقتحمنا مساحات الغابات ومزقنا المواطن الطبيعية للحيوانات”.

وفي سياق الحديث عن تحذيرات العلماء الملحّة التي تُقابَل بالتجاهل، كشفت تقارير جديدة عن تنبؤات بـ”فايروس شبيه بالفايروس المسبب لمرض سارس”، تسبق اجتياح كوفيد-19 للكوكب بنحو 13 سنة. فقد شبه الباحثون في جامعة هونغ كونغ ثقافة تناول الحيوانات البرية المنتشرة في الصين، بـ”القنبلة الموقوتة” التي تنذر بتفشي الفايروسات الشبيهة بـ”سارس”، وقاموا بحصر الاحتمالات في خفاش حدوة الفرس، الذي غالباً ما يكون مستودعاً طبيعياً لعدد كبير من الأمراض الناشئة.

 الطبيعة لا تعرف التمييز… لكن البشر يعرفون

لأعوام، لم تجد التحذيرات من أن البيئة سترد على سلوكيات البشر البشعة بطرق قاسية لا تعرف الرحمة سوى آذان صماء؛ إذ لا يهتم البشر سوى بالمكاسب الاقتصادية الموقتة. ولعل ذلك يوضح جانباً من طبيعة البشر وشعورهم بأنهم أقوياء لا يُقهرون، وقدرتهم على تجاهل المخاطر التي تلوح في الأفق وتهدد الوجود البشري. وقد أيقظت حالة التعطل العالمية الحالية الكثير منا، ممن اعتادوا على أنظمة كانت تبدو راسخة وكأنها حجر لا يتزحزح أبداً. كان ذلك بمثابة إهانة موجهة للبشرية جمعاء، وتذكيراً لنا جميعاً بأن الاستعدادات التي يتخذها البشر – بغض النظر عن مدى رسوخها- تتداعى وتنهار في مواجهة قوى الطبيعة التي تتجاوز قدرتنا على السيطرة.

ويوضح كايد ذلك قائلاً، “نعرف جميعاً ما يعنيه تلوث الهواء، وما يعنيه وجود سحب بنية اللون في سماء المدينة، وندرك جميعاً، أو على الأقل هؤلاء الذين يعيشون في نصف الكرة الجنوبي، ما يعنيه تلوث المياه. لكننا تعاملنا مع ذلك على أنه أمر طبيعي، على رغم أن الكثير من البشر يموتون بسببه. ثم دهمنا كوفيد-19 على حين غرة في صورة تهديد من الخارج، ودفعنا إلى ترك الاقتصاد ينهار، وإلى إعادة النظر في حياتنا اليومية، فجميعنا الآن عالقون داخل منازلنا، أعني أن هذا الفايروس أدى إلى الكثير من التغييرات الصادمة والخطيرة في حياتنا اليومية، لأن التهديد هذه المرة يثير الرعب بحق نظراً لغموضه”.

لكن سر قوة كوفيد-19 الكبيرة، يكمن في قدرته العجيبة على كسر الحواجز التي طالما قسمت بين البشر، ويكاد يمثل تغييراً مريحاً لمن عانوا من التهميش مطولاً. وهو تذكير بأن الطبيعة لا تميز بين البشر، وإنما البشر هم من يميزون بين بعضهم بعضاً. في الأسابيع الأولى لانتشار المرض، انقلبت موازين حرية التنقلات رأساً على عقب، والتي تُعد أداة قوية يدركها الكثير من سكان المنطقة العربية. لطالما كانت حرية التنقل في كل أنحاء العالم أمراً مسلماً به بالنسبة إلى أصحاب جوازات السفر المرموقة، الذين لم يتشكّكوا يوماً في قدرة جوازاتهم. لكن بعد أسبوع أو ما شابه من انتشار الوباء، ظهرت عناوين من قبيل “الدول الأفريقية تغلق أبوابها أمام أوروبا، وأميركا”، ربما تُفهم للوهلة الأولى على أنها محاكاة ساخرة. ويمكننا أن نجادل بأن الفايروس يفضّل الأشخاص من جنسيات أو طبقات اجتماعية تمكنهم من السفر والانتقال، لأن أجسامهم أتاحت له إحكام قبضته على العالم بأسره.

مع ذلك، من المهم أن نشير إلى أن العدوى لا تفرق بين الجنس أو الطبقة أو العرق أو النوع، لكن واقع الرعاية الصحية والحقائق الاقتصادية تفعل ذلك. في البداية، سرى إحساس بالراحة لدى من يعيشون تحت وطأة نظم قمعية، نظراً لأن وقائع الاحتلال القاسية التي مارسها ضدهم مضطهدوهم لم تصب الأغنياء وذوي السلطة وحسب، بل ساهمت أيضاً في حمايتهم من الوباء. فقد أصبحت الآن المدن العالمية المزدحمة كثيفة السكان، التي كانت سابقاً مراكز مترفة للتبادل الثقافي والاقتصادي المزدهر، بؤراً ساخنة لتفشي العدوى والوباء. في كل الأحوال، ليس هناك مهرب من الاعتراف بأن عداد الموتى سيرتفع كثيراً إذا تفشى المرض في المناطق الفقيرة، بسبب ضعف أنظمة الرعاية الصحية فيها وهشاشتها. دمشق بأكملها ليس فيها سوى 96 جهازاً تنفسياً اصطناعياً، ولا يحوي قطاع غزة سوى 60 سريراً للعناية المركزة، وتتصاعد حدة الكارثة إذا تحدثنا عن تجمعات اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين. هذا من دون أن نذكر كمّاً هائلاً من المشكلات الصحية التي تواجهها المناطق الفقيرة في العالم، لم يُسلط عليها الضوء لأنها لم تصب الأشخاص المهمين بعد.  

يصرّح كايد لـ”درج”، “نحن نواجه مشاكل بيئية وصحية كبرى أخرى لم تجذب مثل هذا الانتباه. إذ يموت 3.4 مليون شخص كل عام، بسبب الأمراض التي تنتقل عبر المياه. هذه نسبة صغيرة من الضرر الذي تُحدثه جودة المياه المتدنية. ثم لدينا 4.6 مليون شخص يموتون لأسباب ترتبط ارتباطاً مباشراً بتلوث الهواء. ولدينا مئات وآلاف الأشخاص يموتون لأسباب متعلقة بتغير المناخ. النقطة هنا هي أن هذه التهديدات البيئية الكبرى تقتل عدداً كبيراً من الناس، أكثر مما فعل فايروس “كورونا” المستجد حتى الآن، لكن لا أحد يعيرها اهتماماً لأنها مشكلات تصيب الضعفاء ومن لا يملكون السلطة، والمجتمعات المهمشة التي دائماً ما تجد نفسها في طليعة المتضررين من هذه المشكلات”.

الزخم

بينما نشعر الآن بخجل شديد من العلماء وخبراء البيئة الذين حذروا مطولاً من هذه الأخطار، ما الذي سيحدث تالياً؟ تناول الكثير من التقارير فايروس “كورونا” باعتباره رد فعل بيئياً، وهو رد فعل قد يعتبره أي ناشط بيئي مبرراً من الطبيعة. قد يبدو الأمر قاسياً نظراً لتراكم ضحايا تفشي الفايروس على نحو مأساوي، ومعظمهم من كبار السن، إلى درجة أنه لم يعد بوسعنا سوى أن نتصالح مع فكرة أننا لا نستحق دورنا في توجيه غضب المضطهدين. في كل الأحوال، قد يخرج البعض من هذه التجربة أكثر حذراً واستعداداً لسماع تحذيرات المجتمعات المعرفية، التي تعرضت للتجاهل كثيراً في ما يخص سياسات الحكم ووضع السياسات المالية، لكن البعض يخشى أن يعود العالم إلى عاداته القديمة بمجرد تطوير اللقاح، أو حتى إلى ما هو أسوأ.

صرح أحمد مراد، المستشار البيئي اللبناني، لـ”درج” قائلاً، “بمجرّد أن ينتهي وباء كورونا، ستعود عجلة الاقتصاد إلى الدوران بأقصى طاقتها. فإن كانت المصانع تنتج مثلاً 50 ألف منتج في اليوم، ستضاعف هذا العدد، وستعمل بكامل طاقتها الإنتاجية”. 

إن لم يتغير شيء بسبب هذا الوباء، ستواجه الإنسانية أوقاتاً أصعب من هذه، وسيغير هذا الأمر شكل الحياة كما نعرفه اليوم إلى الأبد، ولن نكون بعيدين من ديستوبيا مستقبلية تتحقق على أرض الواقع. من الخطير للغاية أن نُرجع سبب هذه الأزمة إلى مجرد تفشي الفايروس، بل هي ناتجة عن مشكلة بنيوية متجذرة في تعمّد القوى العالمية نشر الجهل، بهدف تحقيق أرباح موقتة. لا يتطلب الأمر مجهوداً عقلياً جباراً لإدارك أن صحة تحذيرات العلماء والمتخصصين من تفشي الفايروسات بسبب جشع الإنسان في ما يخص الحياة البرية والمساحات الطبيعية، تعني صدقهم كذلك في التحذيرات التي وجهها آلاف منهم مراراً وتكراراً بخصوص التغير المناخي.

يقول نديم فرج الله، مدير برنامج التغير المناخي والبيئة في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، “ما أرغب في أن يضعه الناس في اعتبارهم عندما نفكر في مشكلة تغير المناخ، هو أن تداعياتها عالمية وتؤثر على الكوكب بأكمله، وكل ما أنجز حتى الآن لا يُعدّ شيئاً مقارنة بحجم الدمار والخراب الذي يمكن أن تسببه في شتى المجتمعات، من أكثرها ثراءً إلى أشدها فقراً. حالياً، بالنسبة إلى كوفيد-19، ربما يتوافر مصل له خلال فترة قصيرة، في غضون عام أو عام ونصف العام. لكن بالنسبة إلى أزمة المناخ هذه، فليس لدينا حل لها، وبمجرد أن تندلع فعلينا توديع كل شيء، ولا يمكن لأي قدر من المال أن يصحح الأوضاع. مثلاً ارتفعت درجات الحرارة للغاية في العام الماضي في الكويت لدرجة أدت إلى ذوبان الإسفلت، إذاً ما مقدار المال الذي يمكنك دفعه لإخماد ذلك اللهيب؟ أنت عالق في منزلك ولا يمكنك حتى الذهاب إلى عملك، وهذا هو جرس الإنذار الذي يجب أن يوقظ الجميع”.

أصبح نطاق الخسائر المالية التي تسبب بها كوفيد-19 جسيماً، فهو يزحف نحو جميع مستويات الدخل من الأعلى للأدنى، ما أدى إلى انهيار النسيج الاقتصادي وانزلاقه في دوامة مأساوية هوجاء. وشهدنا معركة مباشرة بين الفقر و”كورونا”، إذ رفض كثيرون تدابير الحجر الصحي بدافع اليأس المطلق، فما هي الخطورة من فايروس يسبق المجاعة؟ الموت مفجع في كل الأحوال بغض النظر عن سببه. وبالنظر إلى الأضرار الجسيمة التي ترتبت على تفشي الفايروس، تصاعدت حالة من الإحباط بسبب غياب التدابير الاحترازية المالية. هل يمكن أن يكون هذا كله قد حدث فعلاً بسبب السعي إلى تحقيق ربح عابر؟ وبهذه التكلفة؟

يقول فرج الله، “الشيء الذي يجب علينا فعله بصفتنا أكاديميين، ربما يكون تصميم نموذج للأثر الاقتصادي… يُظهر فعلياً ما ستكون عليه التكلفة، من حيث عدد الوفيات والرفاه الاقتصادي والاجتماعي، لكن الأمر الأساسي بالطبع، هو التكلفة المالية. إذا اطلعنا على ما ستكون عليه تكلفة العيش فحسب، في بيئة متغيرة وفي مناخ متغير مقارنة بالتكلفة التي سوف نتكبدها حالياً لوقف هذا التغيير، عندها سيكون الخيار الأخير هو ما يجب فعله تالياً. يجب أن يدرك الاقتصاديون ذلك”.

يضيف فرج الله، “إذا بدأنا صوغ هذه المسائل بواقعية، فقد يُحدث هذا أثراً… أجرت وزارة البيئة دراسة حول الانعكاسات الاقتصادية للتغير المناخي، وقالت إن خسائر الاقتصاد اللبناني الفعلية في الناتج المحلي الإجمالي تبلغ تكلفتها نحو ملياري دولار حالياً، بحسب تقديراتها، وستصل إلى 140 مليار دولار بحلول عام 2080”.

حالياً هو الوقت الأمثل للاستفادة من هذا الزخم وتغيير اعتمادنا على النظم الصناعية، علماً أننا لم نعد بحاجة إلى محاكاة مخاطر أسوأ الاحتمالات. ولا ينبغي أن يكون هذا التغيير سريعاً وموجعاً كما تطلب الأمر في حالة كوفيد-19، فبصرف النظر عن آثارها الوخيمة، توفر الأنظمة الحالية القائمة أساسيات المعيشة لكثيرين، قوتهم الذي طالما انتزعوها من أيديهم بالقوة.

يُعقب كايد قائلاً، “فقد كثر حالياً أعمالهم وباتوا ينفقون من مدخراتهم في محاولة للصمود، لكن لا يوجد تلوث في الهواء، أليس هذا صحيحاً؟ لهذا أؤمن حقاً بهذه الأسباب المختلفة التي تدعو إلى تضافر الجهود، التي عليك معالجتها في الوقت ذاته”.

يضيف كايد، “إذاً، توجد سبل لإجراء تحول خلال هذه الفترة الحرجة، على مدار السنوات العشر أو الخمس عشرة المقبلة… والقيام بتغييرات تدريجية في بعض المسائل، مثل تلوث الهواء وتلوث الماء وبقية المشكلات الرئيسية التي يسببها الاقتصاد ويفاقمها في كثير من الحالات، لكن لا ينبغي أن يتم ذلك بالإكراه أو من خلال تلك الأساليب السيئة. ولمحاولة الحفاظ على الأمر أخلاقياً، يجب أن يتحقق ذلك بطريقة لا تسبب الضرر لكثير من الناس، يجب أن يتضمن الأمر هذا التخلي التدريجي عن تلك الممارسات والأوضاع التي تتسبب في هذه الأضرار، بطريقة تضمن بقاء الأفراد في وظائفهم”.

الأمر المؤكد هنا هو أننا أصبحنا ندرك بشكل شامل، نطاق الضرر الذي يمكن أن يلحقه فايروس تنفسي فتاك بالبشرية، إضافة إلى الضرر الذي يمكن أن يلحقه الانتشار الفتاك، بالقدر نفسه، للجهل ونبذ الأوساط المعرفية المعنية بجزء من تدابير الحكم. أصبح المواطن العادي يرى الآن بوضوحٍ تام، أن الأنماط “الترامبية” لأنظمة الحوكمة العالمية لم تكن يوماً ذات تأثير مباشر ومهلك أكثر مما هي عليه اليوم. ولم يعد يمكن تجاهل تلك التحذيرات بتراخٍ، أو تركها عرضة لأهواء من ليس لديهم ما يخسرونه.

درج

————————————–

كيف يصيب فايروس “كورونا” خلاياك؟

تقضي المضادات الحيوية على البكتيريا لكنها لا تجدي نفعاً مع الفايروسات. لذا يختبر الباحثون عقاقير مضادة للفايروسات من شأنها تفكيك البروتينات التي يصنعها الفايروس ومن ثم وقف العدوى.

“كورونا” 2 المتسبب بـ”سارس”

ينتشر الفايروس المسبب لمرض كوفيد-19 حالياً حول العالم. وهناك على الأقل ستة أنواع أخرى من فايروس “كورونا” يمكن أن تصيب البشر، ويسبب بعضها نزلات البرد الشائعة ويؤدي اثنان منها إلى تفشي المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة “سارس” ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية “ميرس”.

مغطى بنتوءات حادة

سمي فيروس “كورونا” بهذا الاسم بسبب النتوءات الحادة البارزة من سطحه التي تشبه التاج. والفايروس موجود داخل فقاعة أو غشاء من الجزيئات الدهنية، التي تتفكك بمجرد ملامستها الصابون.

اختراق خلية ضعيفة

يدخل الفايروس إلى الجسم عبر الأنف والفم والعينين، ثم يلتصق بالخلايا الموجودة في الشعب الهوائية التي تنتج الإنزيم المحول للأنجيوتنسين 2 (ACE2). ويُعتقد أن الفايروس نشأ أصلاً في الخفافيش، فمن المحتمل أن يكون قد التصق بإنزيم مماثل.

إنتاج الحمض النووي الريبوزي الفايروسي

يصيب الفايروس الخلايا من خلال دمج غشائه الدهني بالغشاء الخليوي. وبمجرد دخوله إلى الخلية، ينتج “كورونا” القليل من مادة وراثية تسمى “الحمض النووي الريبوزي”.

الاستحواذ على الخلية

تحتوي الجينومات الفايروسية لكورونا على أقل 30 ألف حرف جيني أو “قاعدة نيتروجينية”. (بينما يزيد عددها لدينا عن 3 مليارات قاعدة). تقرأ الخلايا المصابة حروف الحمض النووي الريبوزي وتبدأ تصنيع بروتينات تسيطر على الجهاز المناعي وتساعد على استنساخ أعدادٍ جديدة من الفايروس.

تقضي المضادات الحيوية على البكتيريا لكنها لا تجدي نفعاً مع الفايروسات. لذا يختبر الباحثون عقاقير مضادة للفايروسات من شأنها تفكيك البروتينات التي يصنعها الفايروس ومن ثم وقف العدوى.

انتشار البروتينات

بينما تتطور العدوى، تبدأ آلية عمل الخلية باستحداث طفرات وبروتينات أخرى جديدة تشكل نسخاً إضافية من فايروس “كورونا”.

تجميع النسخ جديدة

يتم تجميع النسخ الجديدة من الفايروس وتنقل إلى الحواف الخارجية للخلية.

انتشار العدوى

يمكن أن تنتج الخلية الواحدة المصابة ملايين النسخ من الفايروس قبل أن تتحلل وتموت في النهاية. ربما يصيب الفايروس الخلايا القريبة، أو قد ينتهي به المطاف في القُطيرات الصغيرة التي تنجح في الخروج من الرئتين وتتناثر عبر الأنف أو الفم عندما يسعل الشخص المصاب بمرض كوفيد-19 أو يعطس.

استجابة الجهاز المناعي

تسبب عدوى مرض كوفيد-19 في معظم الحالات حمى للجسم، وذلك لأن الجهاز المناعي يحارب للقضاء على الفيروس. وفي حالات عدة، يمكن أن يبالغ الجهاز المناعي في رد فعله ويبدأ مهاجمة خلايا الرئة. يؤدي هذا إلى انسداد الرئتين بالسوائل والخلايا الميتة، ما يصعب عملية التنفس. يمكن أن تتطور العدوى في نسبة قليلة من الحالات إلى حد الإصابة بمتلازمة الضائقة التنفسية الحادة، وربما الوفاة.

مغادرة الجسم

يمكن أن يؤدي العطس والكحة إلى تناثر القطيرات الصغيرة المحملة بالفايروس على الأشخاص أو الأسطح المحيطة، حيث يمكن أن يظل الفايروس نشطاً ومعدياً لفترة تتراوح بين ساعات وأيام. يمكن أن يرتدي المصابون الكمامات لتجنب نشر العدوى، لكن ليس من داع لأن يرتدي الأصحاء الكمامات إلا في حالة اعتنائهم بأشخاصٍ مصابين بالمرض.

لقاح محتمل للوقاية من الفايروس

يمكن أن يساعد اللقاح المرتقب الجسم في إنتاج أجسام مضادة تستهدف فايروس كورونا 2 المسبب للمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس) وأن يمنعه من إصابة الخلايا البشرية. يعمل لقاح الإنفلونزا بطريقة مشابهة، لكن الأجسام المضادة الناتجة عن لقاح الإنفلونزا لا تحمي الجسم من فايروس “كورونا”.

الطريقة المثلى لتفادي الإصابة بعدوى فايروس “كورونا” وغيره من الفايروسات تتمثل في الآتي:

 – غسل اليدين بالصابون.

– تجنب ملامسة الوجه.

– الحفاظ على مسافة معقولة (لا تقل عن متر) بينك وبين المصابين بالمرض.

– تنظيف الأسطح التي يكثر استخدامها بانتظام.

هذا المقال مترجم عن nytimes.com ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا الرابط التالي.

https://www.nytimes.com/interactive/2020/03/11/science/how-coronavirus-hijacks-your-cells.html?fbclid=IwAR01pBosiaQn-8_TdiGsGe7GaARrsqbZnJO5Bo613S_uZ4MJ6NzEI926B38

درج

————————————-

——————————–

ألم ووحدة وخوف من الموت: مصابون بكورونا المستجدّ من أنحاء العالم يروون اختبارهم

باريس: يخيّم الموت على المستشفيات والقلق على المنازل وكذلك الوحدة والرغبة بالمشاركة أو بالتغيير… مصابون بفيروس كورونا المستجدّ يروون لوكالة فرانس برس آلامهم ومخاوفهم، وقد فضّل بعضهم عدم الكشف عن أسمائهم الكاملة:

– الموت يخيّم على المستشفى –

روما – فابيو بيفيرالي، طبيب قلب إيطالي من سكان روما يبلغ 65 عاماً، أمضى 8 أيام “معزولاً عن العالم” في قسم العناية الفائقة والإنعاش في مستشفى بوليكلينيكو اومبيرتو أونو في روما، وهي عيادة طبّ أسنان تم تحويلها إلى مستشفى لمواجهة الأزمة.

وقال فابيو: “كنت أشعر بآلام غريبة كأن هناك قرداً على ظهري. هكذا وصف أحد المرضى لديّ العوارض التي شعر بها”.

وأضاف: “علاج الأوكسجين مؤلم والبحث عن الشريان الكعبري صعب. كان أفراد الطاقم الطبي يقومون بذلك مرتين في اليوم. لقد ساعدني واقع أنني طبيب لتحمّل الألم. كان المرضى الآخرون يائسين يصرخون (كفى، كفى)!”.

أُعطي مضادات للفيروسات، ضد الملاريا والإيدز وحتى عقار توسيليزوماب لالتهاب المفاصل.

وروى أن “الوقت الأصعب هو خلال الليل. لم أتمكن من النوم والقلق كان يجتاح الغرفة. تبدأ الكوابيس ويخيّم الموت”. وقال: “كنت أشعر بالخوف من أن أموت من دون أن أتمكن من الإمساك بأيادي أفراد عائلتي. كان اليأس يجتاحني”.

كانت أجساد أفراد الطاقم الطبي “مغطاة بالكامل، بما في ذلك القدمان واليدان والرأس. لم أتمكن من رؤية إلا عيونهم خلف الأقنعة الزجاجية. عيون فيها الكثير من العاطفة. لم أكن أسمع إلا أصواتهم. الكثير منهم كانوا صغاراً في السنّ، أطباء في الصفوف الأمامية. كانت لحظة أمل”.

– تغيير بعد المرض –

ووهان (الصين) – وان شونهو، صيني يبلغ 44 عاماً يعاني من ارتفاع ضغط الدمّ، هو مستثمر متزوج ولديه فتاة تبلغ تسعة أعوام: نُقل في 30 كانون الثاني/يناير إلى مستشفى ميداني في ووهان (وسط) حيث ظهر الوباء للمرة الأولى. تعافى بعد مرور 17 يوماً في المستشفى. وقد أمضى 14 يوماً في الحجر الصحي ينتظر أن يتلقى على هاتفه رمزا يؤكد أن صحته سليمة.

في المرة الأولى التي ذهب فيها إلى المستشفى وكانت حرارة جسمه مرتفعة، تمّ تشخيص إصابته بكوفيد-19، إلا أنه أُعيد إلى منزله مع مضادات حيوية لعدم توفر غرفة له. وقال: “كنت مرعوباً”.

تفاقمت حالته وبدأ بالسعال. أُدخل إلى أول مستشفى في 30 كانون الثاني/يناير.

تلقى علاجاً بالهرمونات لتخفيض حرارة جسمه، لكنه كان لا يزال يعاني من صعوبات في التنفس. كان هناك نقص في الأدوية فيما استخدم العاملون الصحيون أكياسَ نفايات لتغطية أحذيتهم.

في الرابع من شباط/فبراير، نُقل إلى أحد المستشفيين الميدانيين اللذين شُيّدا خصيصاً للمصابين بكورونا المستجدّ في ووهان. وقال: “لم أكن خائفاً، لكن كان هناك خوف بين المرضى”.

وأضاف: “اليوم أرى الأمور بطريقة مختلفة. أشعر بهدوء حيال كل شي، فعلاً هدوء. لقد وصلت إلى باب الجحيم وعدت. رأيت أولئك الذين لم يتعافوا والذين ماتوا. هذا الأمر أثّر فيّ كثيراً. لم أعد آخذ أي شيء على محمل الجدّ”.

– عوارض غير منتظمة –

جوهانسبرغ – كريستين، محللة جنوب إفريقية تبلغ 28 عاماً تعاني من تكهف النخاع الشوكي، ثبُتت إصابتها بكورونا المستجدّ في 20 آذار/مارس: لم يتمكن صديقها داوي وهو محام جنوب إفريقي يبلغ 30 عاماً وصحته جيدة، من إجراء الفحص لأن “النظام (الطبي) تحت الضغط”، لكن لديه العوارض نفسها. وهما يعزلان نفسيهما في المنزل في جوهانسبرغ حيث يعملان عن بُعد.

شعرت كريستين بأول عوارض بعد يومين من احتكاكها بزميلة لها مصابة وجاء الفحص ليؤكد الأمر. بعد ثلاثة أيام، أصبح داوي في الوضع نفسه. وتقول كريستين: “العوارض تتقلّب من ساعة إلى أخرى. تذهب وتعود، كأنها موجات. الأمر مختلف عن الزكام: هناك إرهاق وصعوبة في التنفس وضغط على مستوى الصدر. الطريقة الأفضل لوصف ذلك هي كأنكم على علو مرتفع ولديكم صعوبة في التنفس”.

يتساءل داوي أحياناً ما إذا كانا “يبالغان”، لأن “هناك أياماً نشعر فيها أننا بأحسن الأحوال. في اليوم نفسه، نرتعش (جراء الحرارة المرتفعة) وبعدها نشعر أننا تحسنّا. الأسوأ هو خلال عطلة نهاية الأسبوع عندما واجهت صعوبة في التنفس وسألت نفسي ما إذا كان يجب أم لا الذهاب إلى المستشفى. شرح لي طبيبي كيفية معرفة ما إذا كان ينقصني الأكسيجين قائلا: “انظر ما إذا كان لون أظافرك تحوّل إلى الأزرق”.

– قلق في المنزل –

مولوز (فرنسا) – جميلة كيروش، ربة منزل فرنسية تبلغ 47 عاماً كانت عاملة نظافة في السابق، متزوجة ولديها ثلاثة أبناء يبلغون 6 و11 و19 عاماً: أُصيبت بكورونا المستجدّ في 17 آذار/مارس وعزلت نفسها في منزلها في مولوز في شرق فرنسا حيث يتفشى المرض كثيراً.

وروت لفرانس برس: “أُصبت بنوبة سعال. في اليوم التالي، تفاقم الأمر، فقدت صوتي وحاستَي الذوق والشمّ. عندما كنت أسعل، كنت ضعيفةً، ضعيفةً جداً. لم أجرِ الفحص لكن الطبيب شخّص إصابتي بالفيروس”.

وأضافت: “توسّلت لزوجي كي يأخذ إجازة لمدة أسبوع لكنه يعمل في ملحمة، فقال لي: +تخيلي إذا قام الجميع بذلك؟ لن يعود هناك طعام+”.

وتابعت: “في المنزل، أرتدي قفازات وقناعاً واقياً. لا ألمس الطعام. لكن اثنين من أبنائي يسعلان”.

واعتبرت أن “الأسوأ من كل شيء هو الفروض المدرسية. يضع أبنائي ضغطاً كبيراً على أنفسهم، يريدون أن ينجحوا في المدرسة. يعطيهم أساتذتهم فروضاً وكأن الوضع طبيعي. ابنتي البكر البالغة 19 عاماً تحضّر لشهادة الباكالوريا المهنية وأراها تبكي عندما لا تتمكن (من التركيز) ولا يمكنني أن أضمّها بين ذراعي ومواساتها ومساعدتها”.

وتابعت: “نفسيتي غير مرتاحة على الإطلاق. لا أكفّ عن البكاء، لا راحة، هذا الوضع يفوق قدراتي”.

– “يقظة اجتماعية” –

بوينوس آيرس – ماريسول سان رومان، عالمة اجتماع وطالبة أرجنتينية تبلغ 25 عاماً، أُصيبت بكوفيد-19 في 10 آذار/مارس أثناء عشاء وداعي في مدريد بعد إغلاق معهد “إمبريسا” حيث كانت تتعلّم، قبل عودتها إلى وطنها. وهي تخضع للحجر الصحي في منزلها.

في 12 آذار/مارس، عادت إلى بوينوس آيرس وبدأت حجراً صحياً إلزامياً فُرض على جميع العائدين من دول تفشى فيها الوباء. في اليوم التالي، ظهرت الأعراض الأولى. وروت: “كانت حرارة جسمي 40 درجة مئوية، كاد حلقي ينفجر، كنت أشعر أنني أتمزّق من الداخل”. وأضافت: “ما إن رآني الطبيب، أدرك أنني كنت على احتكاك بمصاب، لأنه كان هناك أشخاص في صفّي في الجامعة مصابين بكورونا المستجدّ”.

وقالت ماريسول إنها صدمت. “هذا الأمر لا يحدث، عمري 25 عاماً، أنا شابة، صحتي جيدة، هذا جنون”.

يتجنّب والدها البالغ 65 عاماً الاحتكاك بها فيترك لها الطعام أمام باب غرفتها. ينبغي عليها وحدها أن تتعالج من التهاب رئوي ناجم عن سعالها وقياس معدّل الأكسيجين في الدمّ. وقالت إن فترة المرض هي “وحدة، وحدة كاملة”.

انتشرت قصّتها وأجرت مقابلات كثيرة مع وسائل إعلامية. وقالت إنها تلقت إهانات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي لأنها عادت إلى البلاد فيما هي مصابة بالفيروس. لكنها قالت: “حاولت من جهتي أن أكسر الوصمة المقترنة بالمصاب بكورونا المستجدّ”.

وكتبت على حسابها على تطبيق “إنستغرام” أن دورها اليوم هو أن تكون شخصا لديه “يقظة اجتماعية”: “يقول للناس أن يصبحوا متيقظين لأن الأمر ليس مزحة وأن كونكم شبابا لا يعطيكم مناعة ضد شيء وأن كورونا المستجدّ ليس زكاماً”.

– “المصابة الأولى” –

باباهويو (الإكوادور) – لورينا مدرّسة إكوادورية تبلغ 33 عاماً، هي ابنة شقيقة “المصابة الأولى” في الإكوادور التي كانت عائدة من عطلة في إسبانيا واستُقبلت باحتفال عائلي جمع حوالي ثلاثين شخصاً في أواخر شباط/فبراير في المدينة الواقعة في جنوب غرب البلاد.

وروت لورينا: “خالتي لم تذهب إلى أي مكان. لم يكن لديها وقت. عند وصولها، لم تكن بحال جيّدة، قالت لنا إنها تشعر بأن حرارتها مرتفعة أثناء الرحلة وإن الكثير من الناس كانوا يسعلون” في الطائرة.

في 22 شباط/فبراير، نُقلت الخالة البالغة 71 عاماً إلى مستشفى في غواياكيل، بؤرة الوباء في الإكوادور. وبعد أسبوع ثبُتت إصابتها وتمّ عزل أقربائها وإجراء الفحوص لهم. في الأول من آذار/مارس، رأوا على التلفزيون وزيرة الصحة كاتالينا اندرامونو -التي أُقيلت من منصبها مذاك- تعلن عن خمس إصابات في مؤتمر صحافي. وتقول لورينا في إشارة إلى هذه الإصابات الخمس: “هم نحن!”، مضيفةً: “علمنا بالأمر عبر التلفزيون من دون إعلامنا” مسبقاً.

في 13 آذار/مارس، توفيت الخالة. وأصيب حوالي عشرة أفراد من العائلة بينهم لورينا التي تعافت لاحقاً. لا يعرف أحد فعلاً كيفية معالجة المرضى المعزولين في منازلهم. الأطباء “يقولون لي: قومي بقياس ضغط الدمّ لهم، بنفسك+ ويرفضون لمس أهلي”.

(أ ف ب)

———————————

هل تهدأ النزاعات؟/ غازي دحمان

يقول المنطق إن غزو فيروس كورونا جميع بقاع الأرض، وحالة الاستنفار التي فرضها على مختلف المجتمعات، لا بد أن يصرفا الأطراف المتخاصمة عن الحروب والمنازعات، إلى حين تجاوز هذه الأزمة وانتهاء الجائحة التي تتهدّد المجتمعات البشرية من دون تمييز. وكما تعطّلت أهم مناحي الحياة على مستوى العالم، فإن المَدافع لا بد أن تتعطّل إلى أمد غير معلوم، فمن لديه القدرة على خوض الصراعات وكورونا قد أوقفت الحياة؟

ويقول المنطق أيضاً إنه لا أحد، في العالم، دولة أو نظاماً سياسياً أو فرداً حاكماً، يملك ترف التفكير في المشاريع الجيوسياسية والمسائل السلطوية، في ظل انكشاف محدودية قدرة جميع الفاعلين الدوليين على مواجهة الجائحة التي، حتى اللحظة، خلخلت بنيان العولمة، وأسقطت الأمان الزائف الذي عاشت البشرية في ظله، منذ ما يزيد على قرن، والمستند إلى شعار أن التقدّم العلمي، والطبي منه، قد قضى نهائياً على الأوبئة الجماعية، ولم يعد لها وجود إلا في كتب التاريخ، كالطاعون والكوليرا والإنفلونزات بمختلف أنواعها.

لكن، ما هو أهم من ذلك، والذي يجعل من مسألة وقف النزاعات قضيةً بدهية، لا تحتاج حتى لنقاش، وتمنيات من أعلى المستويات الدولية، كما فعل الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في دعوته إلى وقف فوري لإطلاق النار في جميع أنحاء العالم، والتفرّغ للحرب ضد وباء كورونا العالمي، أن البشر الذين أنهكتهم الحروب، في مناطق النزاعات، يحتاجون لترتيب أمورهم لمواجهة الحرب البيئية الطارئة، كذلك فإن الأنظمة والحكومات لديها استحقاقات داهمة، من نوع تأمين الدواء والغذاء والماء لشعوبها، لتوفير الحد الأدنى من إمكانية تجاوز الأزمة بأقل قدرٍ من الخسائر، وإن كل طاقاتها ستتوجه بهذا الاتجاه، وليس لديها طاقاتٌ فائضةٌ تصرفها في مجالاتٍ أخرى، إذا كانت الدول المتقدّمة، والتي لديها إمكانات هائلة تستنجد العون في مواجهة الأزمة، فما بالك بدولٍ أنهكتها النزاعات ودمّرت أرصدتها وطاقاتها؟ ثم من أين ستأتي الأطراف المتصارعة بمقاتلين، لديهم طاقة وحماسة للقتال، فيما الوباء يهدّد عائلاتهم وذويهم؟!

وحتى بمنطق الحسابات السياسية البسيطة، يفترض أن تظهر جميع أطراف النزاعات ميلها إلى التهدئة والسلم، من منطلق استثمار الأزمة للحصول على فوائد سياسية من مجتمعاتها وخصومها على السواء، والظهور بمظهر الحسّ بالمسؤولية تجاه أزمة أرعبت المجتمعات البشرية وأربكت حياتها، وهي بحاجةٍ للإحساس بالأمان والدعم النفسي لعبور هذه الأزمة.

ولكن هذا المنطق يبدو نظرياً، وحتى ساذجاً، بالنظر إلى الوقائع الجارية في ساحات النزاعات، أقله في منطقة الشرق الأوسط. ففي ليبيا انهارت الهدنة التي سُمِّيَت هدنة إنسانية، وعاودت الأطراف لعبة الحرب على جثة بلدٍ مزقتها حروب الآخرين، وعاد الداعمون للحرب إلى نشاطهم الاعتيادي، بدعم أطراف الصراع، وكأن لا وجود لأزمةٍ اسمها كورونا؟ وفي سورية، تتجهز الجبهات لحربٍ جديدة في إدلب، وترصد التقارير الدولية تحشيد آلاف من عناصر المليشيات الإيرانية استعداداً لحرب قادمة! وكذلك في اليمن تسير الأمور إلى مواجهة حتمية بين أطراف الصراع.

لا يوجد تفسير منطقي لذلك، سوى أنه، في بلاد الأزمات، لا صوت يعلو على صوت المدافع، ولا تأجيل لخطط عسكرية، في هذه البلاد التي أصبحت الحرب مقدّسة لذاتها، ولم يعد ثمّة قيمة لشيء آخر، خصوصاً إذا كانت النزاعات تتغذّى من قنوات الأحلام السلطوية والجيوسياسية، حيث تقبع الشعوب وأوجاعها في ذيل قائمة أولويات اللاعبين الذين يقدّرون أن أي تأجيل لأجندة المعارك سينعكس سلباً على مشاريعهم، ويكسر المسار التصاعدي لإنجازاتهم الحربية.

وفق ذلك، تجد هذه الأطراف أنها أمام فرصة ثمينة، لا يجب أن يفوّتها العقل السياسي المحنك، ذلك أن أزمة كورونا ستخفّف، بدرجة كبيرة، من اهتمام وسائل الإعلام الدولية، في النزاعات العالمية، كذلك إن الدبلوماسية الدولية لا وقت لديها لمتابعة ما يحصل في ساحات نزاعٍ أرهقتها متابعتها على مدار السنوات السابقة، وهنا مكمن الخطورة، إذ من غير المستبعد لجوء أطراف

النزاعات إلى استخدام أساليب وحشية لتحقيق النصر على الخصم، في ظل انشغال العالم بتعداد ضحايا الأزمة، وانهماك الفاعلين الدوليين في معالجة أزماتهم الداخلية التي أنتجها تداعيات كورونا، التي لا يبدو وجود أفق واضح لانتهاء تداعياتها، وغير معلومٍ حجم الضرر الذي ستخلفه على البشرية.

من هنا، على المسؤولين الدوليين، بحجم الأمين العام للأمم المتحدة، عدم الاكتفاء بالأمنيات التي لن تؤثر كثيراً بماكينة حرب المشاريع السلطوية والجيوسياسية، بل هناك حاجةٌ ملحّة لاستصدار قرار من مجلس الأمن ملزم، بمنع شن الحروب ووقف كل العمليات العسكرية، واعتبار أن أي هجوم سيعتبر نوعاً من جرائم الحرب في ظل هذه الظروف، من دون الحاجة للبحث عن أدلة ومماحكات.

ويجب إجبار روسيا على الموافقة على قرارٍ كهذا والخضوع له، في وقتٍ تحاول بيع أوروبا مواقف إنسانية عبر ما تقدّمه من مساعدات طبية إلى إيطاليا المنكوبة بوباء كورونا، من دون انتظار عوائد سياسية، على ما يزعم إعلامها وساستها، وهذا تصرّف يجب الحذر منه، إذ ليس خافياً مساعي روسيا في استقطاب إيطاليا خارج الاتحاد الأوروبي، والظهور بمظهر الطرف الدولي المسؤول الذي لن تؤثر في صورته حربٌ يشنها على “المتطرّفين” في سورية أو ليبيا، فيما المنطق يستدعي أن تظهر روسيا شيئاً من إنسانيتها المزعومة تجاه ملايين المشرّدين على الحدود التركية الذين لا يملكون أبسط وسائل الوقاية من كورونا، الماء والصابون.

العربي الجديد

——————————-

لاجئون سوريون في فرنسا يتذكرون «الزنازين المنفردة» في بلادهم ليموج (فرنسا)/ رنا حاج إبراهيم

لم تتغير أوضاع اللاجئين السوريين بفرنسا بعد انتشار فيروس «كورونا»، ذلك أنهم وصلوا قبل سنوات واعتادوا أسلوب الحياة في هذه البلاد الأوروبية. لكن الإجراءات التي فرضتها السلطات الفرنسية ذكرت بعضهم بسنوات الاعتقال في سوريا مع اختلاف الظروف. ويقول طلال مصطفى لـ«الشرق الأوسط» إن أوضاع السوريين في مدينة ليموج «تختلف عن الوضع في سوريا، خاصة أن اللاجئين يلتزمون بالتعليمات والقرارات الفرنسية، والتي تُنشر في القنوات والصحف، ومؤسسات البلدية. ونحن نذهب ساعة أسبوعياً لشراء منتجات غذائية، كما أن بإمكان أبنائنا اللعب بحديقة لفترة ربع ساعة، وبذلك يكفينا ما نتسوقه لشهر».

وأضاف: «المهم هنا من إنترنت وكهرباء وتلفاز يكفي، خاصة ما يهم بالتواصل مع أهلي، وقراءة كتب، والبدء بكتابة قواميس كقاموس اللهجة من السلمية، ومواضيع كالتراث الساحلي والحوراني، واللهجة العامة. وأيضاً التواصل مع مراكز بحوث، كما تتواصل زوجتي مع أستاذة كل طفل من طفلينا لمعرفة واجباتهم ودروسهم مرة واحدة كل أسبوع. ومشكلة اللاجئين السوريين الحقيقيين، عند مكالمتهم مع أهلهم في بلادنا، بقاء العائلة السورية دون طعام أو حتى خبز، وحصولهم على ربطة خبز واحدة بعد انتظارهم طوال النهار».

إلى ذلك، تحدث مصطفى عن اعتقاله ست سنوات في سوريا خلال حكم الرئيس حافظ الأسد وعن «تسببها بأعباء نفسية وصحية، وخاصة عندما يكون المعتقل في (زنزانة منفردة) معتمة، وهذا ليس مجرد حجز للحرية، وإنما هو انقطاع عن الحياة البشرية، خاصة أن مساحة الزنزانة المغلقة لا تكفي لشخص طويل كي ينام أو يجلس كما يجب… هذا بالإضافة إلى جولة من التعذيب المختلف، والتي تقام يومياً في الليل، الأمر الذي يوصل السجين إلى حافة من الموت الأكيد… كما أن زيارات العائلة للمعتقل – مهما كانت طائفته – ترتبط بالـ«واسطة» والتي قد تكون مرة خلال شهر فقط، أو مرة كل أربعة أشهر.

وأوضح: «لذلك لا توجد أوجاع هنا في فرنسا، ومشكلتنا فقط بتأجيل مواعيد الأطباء لفحص العيون أو الصدر، وهذا ليس مهماً. وما يهمنا أن أهلنا لا يجدون ربطات الخبز بسهولة في الأفران السورية».

من جهته، قال محسن الموجود في فرنسا إن: «الاعتقال في زمن بشار الأسد مختلف، خاصة أن (سيزر) الذي وثق 55 ألف صورة لمعتقلين سبق وقتلوا تحت التعذيب، يختلف عن الهرب من سوريا، ومن أصبح نازحاً أو لاجئاً. والحياة في أوروبا – وفرنسا خصوصاً – من أفضل أنواع الحياة الإنسانية، وأريحها قانونياً ومعنوياً. رغم أن بعض القرارات القانونية تحتاج لوقت، لكنها ليست متعبة، ورفع المعنويات للاجئين يتم عبر الرحلات الرخيصة والمخيمات وغيرها».

أما ناصر، المقيم قرب باريس، فيرى أن اللاجئين السوريين: «لم تتغير حياتهم كثيراً، فالخدمات الأساسية موجودة، وهم يقضون أوقاتهم في الحديث مع أهلهم وأصدقائهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وانتهت مشاكلهم القانونية التي تعتبر – بالنسبة لهم – شهادات إقاماتهم، وما زالت المساعدات الاجتماعية مستمرة، خاصة أنه هنا – في فرنسا – لا توجد أعمال كثيرة. فنسبة البطالة مرتفعة، وبعد إنهاء طلبات اللجوء، تبين وجود كثير من دول أخرى وليس فقط من سوريا والعراق أو اليمن».

وأضاف ناصر أن «المشاكل الأساسية تكمن لدى من ليس لديهم إقامة في فرنسا، ولا مصادر دخل لديهم، ولا حتى لمساعدات الاجتماعية. ويعمل معظمهم عن طريق (السوق السوداء) في التعمير والبناء أو المطاعم، أو تصليح السيارات، وبأسعار بخسة. وبالطبع توقف عملهم الآن بسبب الفيروس».

السيدة رزان المقيمة في ليموج تقول لـ«الشرق الأوسط»: «أكثر ما يزعجني هو ذكريات بيتي الذي هدم بريف دمشق، وأرسلوا لي صوراً لسرقته بعد الدمار، وما لا أستطيع نسيانه طائرات «الهليكوبتر»، وأصوات القصف. ورغم أن أولادي يعذبونني لوجودهم حالياً في المنزل ودراستهم عن طريق الإنترنت، لكني أتمشى من أجل الرياضة والشمس لأنسى تعب الحياة، أو لأركب بباص وأفكر، لأن خدمة هذا الباص أصبحت مجانية الآن».

الجدير بالذكر أن كثيراً من المسؤولين الفرنسيين سبق وتحدثوا عن ضرورة «تأمين السكن اللائق للفرنسيين الشباب، ولكل العائلات الموجودة في فرنسا، لرعاية صحتهم وتأمين الطعام والماء لهم، والعناية الطبية اللازمة في الوقت الأنسب، كالممرضات أو الأطباء، إضافة إلى حماية الجزر التابعة لفرنسا من الفيروس}.

————————————–

كوفيد-١٩: الانعكاسات المحتملة على دور إيران في سوريا؟/ علي حسين باكير

مع تفشي فيروس كورونا (كوفيد-١٩) وتحوّله إلى وباء، طالب الأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيرش بإعلان وقف دولي لإطلاق النار في جميع مناطق النزاع حول العالم وذلك لحماية المدنيين وإتاحة الفرصة للتركيز على جهود مكافحة واحتواء الوباء على اعتبار أنّ المدنيين في أماكن النزاع وفي الدول الهشّة هم أكثر الفئات عُرضة لمخاطر الإصابة بالفيروس ويجب إعطاء جهود حمايتهم أولويّة في هذه الظروف الاستثنائية بالذات.

استجابت عدّة دول لطلب الأمين العام وأعلنت وقفاً لإطلاق النار من جانب واحد أو جمّدت عملياتها العسكرية أو سحبت قواتها من أماكن النزاع في مناطق مختلفة حول العالم. في منطقة الشرق الاوسط على سبيل المثال، قامّت عدّة دول غربية بسحب جنودها وتقليص قواتها كما فعلت فرنسا وبريطانيا، كما اتّجهت دول أخرى إلى تقليص تحرّكات قواتها إلى أدنى حد ممكن كما فعلت تركيا في سوريا، بينما أعطت واشنطن تعليمات بتطبيق نظام الحجر أو العزل أو التباعد الاجتماعي لعدد كبير من أفراد قواتها العاملة في الشرق الأوسط.

وحدها إيران فقط من فضّل على ما يبدو أنّ يتعامل مع التحدّي الذي يفرضه وباء كورونا على أنّه فرصة ثمينة للدفع بالمصالح الجيو-سياسية قُدماً إلى الأمام من خلال التعزيزات العسكرية و/أو التصعيد العسكري في هلالها الشيعي الممتد من لبنان وحتى اليمن مروراً بسوريا والعراق. فبالرغم من أنّها تعتبر واحدة من الدول التي ضربها الفيروس بشدّة موقعاً عدداً كبيراً من الإصابات والضحايا في صفوف مدنّييها وسياسيّيها وعسكريّيها، فإن النظام أثبت مرارا وتكراراً بانّ أجندته الخارجية الإقليمية تحتلّ الأولوية ولو على حساب الشعب الإيراني ومصلحته وصحّته.

في مارس الماضي، قامت طهران بتصعيد ملموس للأوضاع الإقليمية، فهاجمت الميليشيات الموالية للحرس الثوري في العراق قواعد عسكرية تتمركز فيها قوات للتحالف الدولي لمكافحة “داعش” في العراق، فأوقعت عدداً من القتلى ما دفع الولايات المتّحدة للرد بقوّة على مواقع لهذه الميليشيات تلاها تحذير شديد اللهجة من الرئيس الأمريكي مذكّراً بالعواقب التي من الممكن أن تلحق بإيران. وفي لبنان، قام حزب الله بإرسال طائرة من دون طيّار باتجاه إسرائيل مُعيداً إلى الذاكرة شبح المواجهة. أمّا في اليمن، فقد قامت ميليشيات الحوثي بإطلاق صواريخ بالستيّة باتجاه السعودية.

فيما يتعلق بسوريا، فقد أوردت العديد من التقارير قيام الميليشيات الموالية لإيران بتجنيد حوالي ٩ آلاف مقاتل جديد من الطائفة الشيعية الشهر الماضي في كل من جنوب وشمال شرق سوريا مستغلة الظرف الاقتصادي الصعب لهؤلاء الشبّان والدعاية المذهبية والاتجاهات القوميّة المعادية لتركيا والولايات المتّحدة الأمريكية. أمّا الأمين العام لحزب الله الموالي لإيران في لبنان، فقد أعلن هو الآخر عن استمرار إرسال المقاتلين من ميليشياته إلى سوريا لافتاً الى أنّه سيتم فحص المقاتلين الذين سيتم إرسالهم للتأكد من عدم إصابتهم بالفيروس.

عملية التعبئة والتحشيد وإعادة التمركز هذه تأتي بعد الضربة الموجعة التي تلقتها الميليشيات التابعة لإيران في سوريا خلال عملية “درع الربيع” التركية في إدلب. ومن حسن الحظ أنّ هذه العملية كانت قد أدّت إلى تخفيف حدّة الصراع إلى أدنى مستوى مع التوصّل إلى تفاهم مع روسيا قُبيل اندلاع أزمة كورونا العالمية. وبالرغم من أنّ هذا الاتفاق كان قد ساهم في تخفيض عدد الضحايا من المدنيين في شهر مارس إلى أدنى حد له منذ اندلاع الثورة السورية، فإن هناك انطباعاً سائداً بأنّ هذا الاتفاق تكتيكي وأنّه لن يدوم طويلاً، وأنّ إيران ربما يكون لديها مصلحة كذلك في نسفه نظراً لاستبعادها من المفاوضات التي تمت بين الجانبين الروسي والتركي.

الجانب التركي أعطى تعليماته مُؤخراً بتقييد حركة الجن