فيروس كورونامقالاتمنوعات

يوميات وكتابات العزلة أدباء، فنانين، مثقفين -مختارات الموقع- متجدد يوميا

======================

يوميات وكتابات العزلة أدباء، فنانين، مثقفين -مختارات الموقع ملف منشور سابقا


عالم جديد من خلال نافذتي/  أولغا توكارتشوك

شجرة التوت

“من نافذتي، يمكنني أن أرى شجرة توت أبيض، شجرة أنا مفتونة بها، وهي تمثل أحد الأسباب التي جعلتني أعيش حيث أسكن. شجرة التوت هي من المزروعات السخية، فطوال فصل الربيع وفصل الصيف، تقدم إلى العشرات من عائلات الطيور، ثمارها الحلوة والسليمة. في الوقت الراهن لم تستعد شجرة التوت أوراقها، وها أنا أرى الشارع هادئاً، نادراً ما يجتازه أشخاص في طريقهم إلى الحديقة. الطقس في فروتسواف يكاد يكون صيفياً: شمس قوية، سماء زرقاء، هواء نقي. اليوم، بينما كنت أنزه كلبي رأيت طائرين من العقعق يطاردان بومة في العش. وعلى بعد خطوات تلاقت نظراتي ونظرات البومة. يبدو أن الحيوانات أيضاً تنتظر ما هو متوقع وتتساءل عما سيحدث من ثمّ.

ولوقت طويل، شعرت بأن هناك أشخاصاً كثيرين. إنهم أشخاص كثيرون جداً، سريعون جداً، وصاخبون. لست إذاً لأعيش “صدمة العزل”، وليس من الصعب عليّ عدم رؤية الناس. لا يؤسفني إغلاق دور السينما، ولست مبالية تماماً بإغلاق مراكز التسوق. ولكن يقلقني طبعاً أن أفكر في كل الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم. إلا أنني  عندما علمت بالحجر الصحي الوشيك، شعرت بمقدار من الارتياح. وأعلم أن الكثير من الناس شعروا بالمثل، حتى لو خجلوا منه. إن انطوائي، الذي خُنق طويلاً وأساء إليه الأشخاص المنفتحون والمتنشطون، قد تلاشى وخرج من الخزانة.

أشاهد جارنا من النافذة، هو محام يعمل كثيراً، كنت أراه يتجه إلى وظيفته في الصباح، ملقياً رداءه على كتفه. الآن يرتدي جارنا بذلة رياضية فضفاضة، ويتعارك مع غصن شجرة في فناء بيته. يبدو أنه يقوم بترتيب الأمور.

 أرى زوجين ينزّهان كلباً طاعناً في السن، وهو بالكاد يستطيع المشي، منذ الشتاء الماضي. الكلب يتمايل بينما هما يصطحبانه بصبر، سائرين بأيقاع بطيء جداً. شاحنة القمامة تقوم بجمع كوم القمامة، محدثة ضجة كبيرة”.

إيقاع مختلف

 “تستمر الحياة ولكن بإيقاع مختلف تماماً. رتّبت خزانة ملابسي وأخرجت الصحف التي قرأناها ووضعتها في سلة إعادة التدوير. رتّبت الزهور. واستعدت دراجتي من المحل حيث تم تصليحها. إنني أستمتع بالطهو.

صور من طفولتي تعاودني باستمرار. كان ثمة الكثير من الوقت حينذاك، وكان يمكن “إهداره” و”قتله”، وقضاء ساعات في التحديق من النافذة، ومراقبة النمل، أو الاستلقاء تحت الطاولة وتخيلها كأنها الفلك. وقراءة كتاب موسوعي.

 أليس ممكناً أن نكون قد عدنا إلى الإيقاع الطبيعي للحياة؟ أمن الممكن ألّا يمثل الفيروس اختلالاً في القاعدة، بل على العكس – وكأن العالم المضطرب قبل حلول الفيروس، كان غير طبيعي؟

 لقد ذكّرنا الفيروس، بعد كل هذا، بالأمر الذي ننكره بشغف شديد: أننا مخلوقات دقيقة، تتكون من أكثر المواد هشاشة، وأننا سنموت، أن الموت قدرنا. أننا غير منفصلين عن بقية العالم بـ”إنسانيتنا” ومن دون أي استثناء، بل إن العالم هو بالأحرى نوع من شبكة كبيرة نحن محبوكون بها، ومرتبطون بكائنات أخرى عبر خيوط غير مرئية من التبعية والتأثر. وبغضّ النظر عن المسافة القائمة بين البلدان التي نتحدّر منها، أو اللغات التي نتكلم بها أو لون بشرتنا، فإننا نعاني المرض نفسه ونتقاسم المخاوف نفسها ونموت في الطريقة نفسها.

لقد جعلنا هذا المرض ندرك أننا، مع صرف النظر عن مدى ضعفنا وهشاشتنا في مواجهة الخطر، محاطون أيضاً بأشخاص أشد ضعفاً ومساعدتنا لهم ضرورة. ذكّرنا  المرض بمدى هشاشة آبائنا وأجدادنا المتقدمين في السن، ومدى حاجتهم لرعايتنا. لقد أظهر لنا أن حركاتنا المسعورة تعرّض العالم للخطر. لقد طرح المرض سؤالاً نادراً ما كانت لدينا الجرأة على طرحه على أنفسنا: ما هو تحديداً ما نواصل البحث عنه؟

ذكّرنا الخوف من المرض بالمساكن التي نأتي منها والتي نشعر بالأمان فيها. في مثل هذه الحالة، حتى أكثر المسافرين شغفاً صاروا يبحثون بإصرار عن نوع من المبيت. وفي الوقت نفسه، انكشفت لنا حقائق حزينة: في لحظة الخطر، تتجه أفكارنا من جديد إلى فئات محددة من الدول والحدود. في هذا الوقت العصيب، تبدّى لنا  ضعف الممارسة الفعلية لفكرة المجتمع الأوروبي. الاتحاد الأوروبي خسر المباراة  وألقى مهمة اتخاذ القرارات في شأن الأزمة، على عاتق الدول القومية. لقد عادت الشوفينية القديمة، وأعادت معها الانقسام بين “ملكيتنا” و”الغريب”، وهو بالضبط ما قاتلنا ضده خلال العقود الماضية على أمل أنه لن يغير عقولنا بتاتاً”.

اللوم يقع على الأجانب

“أعاد الخوف من الفيروس إحياء الاقتناع بأن اللوم يجب إلقاؤه على الأجانب، وأنهم هم الذين يشكلون التهديد. ففي أوروبا، يتردد أن الفيروس جاء “من مكان آخر”. في بولندا، يُعدّ كل من يعود من الخارج مشتبهاً فيه. ويذكّرنا الفيروس بأن الحدود موجودة وأنها على ما يرام؟

أخشى أيصاً أن ينبّهنا الفيروس إلى حقيقة قديمة أخرى، وهي إلى أي مدى نحن غير متساوين. فبينما يسافر بعضنا في طائرات خاصة إلى منازل في جزر أو في أراض معزولة، يبقى آخرون في المدن، يشغّلون مصانع الطاقة والأعمال المائية. وهناك آخرون يخاطرون بحياتهم خلال عملهم في المستشفيات والمتاجر. البعض سيجني المال من الوباء بينما سيخسر آخرون كل ما يملكونه. ومن شأن الأزمة المقبلة أن تقوّض كل المبادئ التي كانت تبدو متينة جداً.

لن تتمكن بلدان عدة من مواجهة الأزمة، وفي مقابل سقوطها، سوف تنهض أنظمة جديدة، كما هو الحال غالباً بعد الأزمات”.

وتنهي نصها قائلة: “نحن نعتقد أننا نلزم المنزل ونقرأ الكتب ونشاهد التلفزيون، ولكن في الواقع، نحن نعدّ أنفسنا لمعركة حول واقع جديد لا يمكننا حتى أن نتخيله، مدركين بهدوء أن لا شيء سيعود كما كان. قد تجعلنا حالة الحجر الإلزامي، وإبقاء العائلة في المنزل، على وعي بأمور لا نرغب في تقبّلها: أن عائلتنا تستنزفنا، وأن روابط زواجنا قد ضعفت منذ فترة طويلة. سوف يخرج أطفالنا من الحجر الصحي في حال إدمان على الإنترنت، وسوف يدرك الكثيرون منا عدم الوعي بالمُحال وبترهة الظروف التي نعيش فيها عيشاً آلياً، من خلال قوة الجمود. وماذا لو ازداد عدد أعمال القتل والانتحار وعدد المرضى العقليين؟ 

 أمام أعيننا، يتصاعد الدخان من النموذج الحضاري الذي شكّلنا على مدى المئتي سنة الماضية، وظننا فيه أننا أسياد الخليقة وأننا نستطيع أن نفعل أي أمر وأن العالم ينتمي إلينا. زمن جديد يقترب”.

قد يكون النص الذي كتبته الروائية البولندية أولغا توكارتشوك، الحائزة جائزة نوبل للآداب العام 2018، عن الأثر الذي تركه فيها كورونا والحجر المنزلي، بعنوان “عالم جديد من خلال نافذتي”، واحداً من أجمل النصوص التي تناولت هذا الوباء الذي يهز العالم منذ أشهر حاصداً أعداداً من الموتى وموقعاً ما يتخطى المليونين ونيفاً من المصابين أو المرضى. كتبت توكارتشوك نصها البديع بالبولندية وترجم إلى لغات عدة ونشر في صحف ومجلات عالمية وحظي برواج في أوساط القراء الغربيين لما يحمل من نظرة جديدة إلى قضية هذا الوباء، تجمع بين المقاربة الذاتية والتحليل العميق والجرأة في قول الحقيقة وفضح الملابسات التي أحاطت بظروف الوباء والتي تشكل مادة سجال عالمي، علمي واجتماعي وثقافي.

 الكاتبة أولغا توكارتشوك تعد من ألمع الروائيين البولنديين الجدد، من مواليد العام 1962، ولها نحو 12 كتاباً بين الرواية والقصص والمقالات. ومعروف عنها نزعتها الإنسانية الشاملة وموقفها المعارض للحكومة البولندية ذات التوجه القومي المتعصب. وعندما فازت بجائزة نوبل جاء في بيان الأكاديمية السويدية أنها منحتها الجائزة نظراً إلى “الخيال السردي المصحوب بعاطفة موسوعية والذي يتبنى تجاوز الحدود بصفته شكلاً من أشكال الحياة”. وكانت روايتها “الرحلات الجوية” حازت جائزة “مان بوكر” البريطانية العام 2018. هذه الرواية هي أول عمل يترجم لها إلى العربية وقد صدرت قبل شهرين بعنوان “رحالة” عن دار التنوير.

————————–

مدن مُعدية/ سولارا شيحا

التخطيط العمراني، الأوبئة، والحالة الاجتماعية

يعيد انتشار كورونا طرح كثير من الأسئلة عن علاقة المدن والتخطيط العمراني بالصحة العامة. وهي أسئلة ليست بجديدة، فتاريخ الحضارة الإنسانية مليء بأمثلة عن تأثير الأوبئة على بنية وشكل المدن، وتوزّع سكّانها جغرافياً وعلاقتهم بفضائها العام.

تُتهم المدن عادةً بأنها بيئات حاضنة للأمراض، ومرتع لـ«الهواء الفاسد»، إلا أن المثير للانتباه اليوم نبرة توبيخ الإنسان على تماديه في تشييد غابات الإسمنت هذه، وانتشار دعوات العودة إلى الطّبيعة. فهل المدن مذنبة فعلاً؟ ومن يملك امتياز «العودة للطبيعة»؟

ميتروبول وميكروبات

بالرغم من الكثافة السكانية العالية للمدن، الأمر الذي يُسهل انتقال الأمراض، إلا أنها كانت أيضاً موطناً لحلول مبتكرة ساهمت في تحسين حياة سكّانها، وتقديم عديد من الخدمات لهم، وحمايتهم من العدوى وغيرها من المخاطر. ولعبت الأوبئة بدورها دوراً في تطوير التخطيط العمراني والبنى التحتية للمدن.

أدى تفشي الكوليرا في لندن، منتصف القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، إلى ثورة في تصميم شبكات الصرف الصحي. فقد كان من المألوف أن تصبّ المجاري المكشوفة في شوارع المدن وأنهارها. ما جعل نهر التايمز، مصدر مياه الشرب في لندن، بؤرة أساسية للتلوث، دون أن يسعى أحد لمعالجة ذلك، لأن الاعتقاد ساد آنذاك بأن الهواء الفاسد هو المسبب الأساسي للأمراض، إلى أن أثبت الطبيب جون سنو عام 1849 أن مياه الشرب الملوثة مسؤولة عن الكوليرا، التي كانت تحصد أرواح آلاف اللندنيين سنوياً.

أُجبرت بلدية لندن، بعد «سنة النتن العظيم» عام 1858، تحت ضغط شعبي كبير، إلى تخطيط وبناء شبكة صرف صحي مغلقة. وانعكس ذلك على نسيج المدينة، إذ شُقَّت شوارع أعرض وأكثر استقامة، مناسبة لتمديد أنابيب الصرف، وبُنيت ضفة نهر التايمز الشهيرة لأغراض تقنية متعلقة بشبكة التصريف هذه.

يمكننا أيضاً ملاحظة تأثير الأوبئة على مدينة نيويورك، ففي نهاية القرن التاسع عشر تمّت الموافقة على مقترح تشييد منتزه سنترال بارك الشهير، بناءً على حجج صحية، قُدّم من خلالها المتنزّه الكبير في قلب مانهاتن على أنه رئة المدينة الضرورية لوقاية صحة سكّانها. وأدى انتشار السل في مطلع القرن العشرين إلى تغييرات جذرية في أنظمة السكن وقوانين البناء في المدينة، إضافة إلى ثورة في وسائط النقل العامة.

مدينة بأوجه متعددة: متى تبتسم لك المدينة؟

يَسهُل على المهتمين بتخطيط المدن متابعة انعكاس الأبعاد الطبقية والاجتماعية على النسيج العمراني، التي تؤثر بدورها بشكل مباشر على الظروف البيئية والصحية لأحيائها المختلفة.

من الأمثلة الصارخة تموضع الأحياء الفقيرة عادةً شرقي المدن، والغنية في غربها. يتكرر هذا في مدن كثيرة حول العالم: لندن، باريس، هلسنكي، برلين، أوكسفورد، تورونتو، نيويورك، الدار البيضاء وغيرها. ويرجع ذلك إلى حقبة الثورة الصناعية، فالسمة المشتركة هنا هي الرياح السائدة التي تهبّ من الغرب، جارفةً معها شرقاً مخلفات الصّناعة من الدخان والروائح المزعجة والهواء الفاسد، ما دفع الأغنياء لهجر الأحياء الشرقية، والتمركز في الأحياء الغربية ذات الهواء الأنقى.

مثال آخر هو تموضع الأحياء الفقيرة في المناطق المنخفضة من المدن، ذات التهوية السّيئة، والأكثر عرضة للفيضانات، أو عند مصبّات الأنهار التي كانت في السابق تحمل أوساخ المدينة وصرفها الصحي (مصب التايمز في لندن مثلاً).

يُذكّر هذا بالفيلم الكوري الجنوبي طفيلي (Parasite)، الذي يوظف لغة العمارة والتخطيط العمراني ببراعة لإيضاح الفروقات الطبقية الهائلة في المجتمع الكوري. عائلة «كيم» المُعدمة محشورة في شقة، نصف قبو، في أخفض منطقة من العاصمة سيؤل، ذات نافذة صغيرة تطل على أسفل شارع يتبوّل فيه السكارى، في حين تسكن عائلة «بارك» فيلا فسيحة في أعلى التلة، مطوقة بجدار عالٍ، ويغمرها النور عبر واجهة زجاجية مبالغ بحجمها، مطلة على حديقة ساحرة معزولة. يمكننا تخيّل اختلاف تأثير انتشار وباء مثل كورونا على هذين الحيين.

العودة إلى الطبيعة

أشتُهرت مؤخراً الفلّاحة الصينية الشابة لي زيكي، وحققت فيديوهاتها عن حياتها في ريف سيشوان مئات ملايين المشاهدات. «عادت» لي إلى الطبيعة للعيش مع جدتها، بعد نفورها من صعوبات المدينة. فنراها، في لقطات شديدة الجمال، تعيد إحياء التقاليد الريفية الصينية، تزرع وتحصد وتطبخ من محاصيلها أشهى المأكولات الموسمية المحلية. تربي دود القز لتنسج لاحقاً الحرير يدوياً. وإذا أرادت البيض تبدأ بتربية البط. ولصناعة معطف دافئ تجزّ صوف خرافها ناصعة البياض، وتعالجها بالطريقة التقليدية، لتصبغها لاحقاً بألوان قانية من عصير التوت البرّي.

هل فيديوهات لي زيكي السّاحرة بهذه البراءة فعلاً؟ أم تخفي وراءها أمراً مظلماً؟

لا عَجبَ أن الحكومة الصينية منحتها كثيراً من الجوائز، وأطلقت عليها لقب «المواطنة المثالية»، فالصورة الرومانسية التي تصدّرها تحجب معاناة الفلاحين الصينيين الفقراء، المتروكين لتغيّرات المناخ وموجات الجفاف، وتخفي الواقع المتردي للزراعة، بعد تحوّل البلاد إلى «مصنع العالم». اختفت في الصين حوالي 245 قرية يومياً بين عامي 2000 و 2010 (نحو 850 ألف قرية). هذا النزيف من الريف إلى المدينة أدى إلى تدهور جحيمي لظروف السكن في المدن الكبرى، وانتشار ظواهر كابوسية مثل «توابيت النوم»، التي يستأجرها العمال الوافدون من الريف إلى مدن مثل هونغ كونغ.

مفارقات تكشف حلولاً

يذكر المفكر السلوفيني سلافوي جيجيك في مقالته بربرية بوجه إنساني المفارقة التالية: حالة الإغلاق العام في الصين، جرّاء انتشار فيروس كورونا، أنقذت أرواحاً أكثر من عدد ضحايا الفيروس نفسه. فعند أخذ الوفيات الناتجة عن التعرض للتلوّث بعين الاعتبار، يجزم مارشال بوركه، اقتصادي الموارد البيئية، أن هبوط مستويات التلوث الأخيرة أنقذت حياة أربعة آلاف طفل دون سن الخامسة، وثلاثة وسبعين ألف مسن فوق عمر السبعين، في الصين وحدها.

يمكننا تخيّل القفزة في نوعية الحياة والصحة العامة في حال اتخاذ الحكومات إجراءات جدية للحد من التلوّث الناتج عن الصناعة وحركة نقل البضائع.

حصل أمر مشابه في مدينة أتلانتا الأميركية، أثناء استضافتها للألعاب الأولمبية عام 1996، حيث تم اتخاذ قرارات لزيادة فعالية وسائل النقل العامة في المدينة، لتسهيل الوصول إلى المباريات والفعاليات الرياضية، ما أدى إلى تقليل الانبعاثات الصادرة عن السيارات. التأثير غير المقصود لهذه التدابير على الصحة العامة، خلال فترة تطبيقها المؤقتة، كان شديد الوضوح: انخفاض التنقل بالسيارات الخاصة بمعدل 22%، أدى إلى انخفاض نوبات الربو الشديدة بنسبة 42%. نلمح هنا حلاً بسيطاً، في حال وُجدت النية السياسية، لتحسين مستوى الصحة العامة: تطوير وسائل النقل العامة كماً ونوعاً على حساب السيارات الخاصة.

دفاعاً عن المدن: من يملك امتياز العودة إلى الطبيعة؟

يشكّل سكان المدن اليوم أكثر من نصف سكان العالم، ويُرجَّح ارتفاع النسبة إلى الثُّلثين حتى عام 2050. هذا التكثيف الشديد يحتّم علينا طرح أسئلة ملحّة عن الشكل الأنسب للمدن، والسياسات اللازمة لجعل الحياة فيها أكثر انسانيةً: كيف يمكن للمدن أن تحمي سكّانها، وكيف للأكثر ضعفاً استعادة حقهم في مشاعات المدينة؟ وهل العودة إلى الطبيعة أمر قابل للتطبيق مع 8 مليارات إنسان؟ أم هو امتياز للأقوى؟

ظهر فيروس كوفيد19 في مدينة ووهان المكتظة بالسكان، إلا أن خط انتشاره لم يقتصر على مراكز المدن الكبرى، وإنما ضم الهوامش الريفية والصناعية. بدأ انتشار الفيروس في ألمانيا مثلاً في معمل للسيارات في منطقة صناعية طرفية من بافاريا. وبالرغم من أن الكثافة السكانية العالية مناسبة لانتشار الأمراض، إلا أن المدن في الوقت نفسه قد تملك البنية التحتية والأنظمة الصحية اللازمة لمكافحتها، والتي لا تتوفر في الأماكن الطرفية. وقد تمت السيطرة على انتشار كورونا في مدن مكتظة مثل هونغ كونغ وسنغافورة بجدارة أعلى بكثير مما حصل في ريف إيطاليا.

علاوةً على ذلك، تجلب العداوة للمدن، ودعوات تخفيض الكثافة، لصالح الانتشار الأفقي اللا مركزي مشاكل أخرى، قد تكون أكبر وأكثر تعقيداً، ليس أقلها خطر تدمير الغابات والمناطق الخضراء، التي تشكل رئة الكوكب، ولهذا تداعياته السلبية على المناخ والبيئة.

فيلا عائلة بارك الخضراء في فيلم طفيلي، والحياة الريفية الهادئة في سهول سيشوان الجميلة في فيديوهات لي زيكي، تمثل قناعاً أخضر ضاحكاً يخفي وراءه واقعاً وحشياً. بدأ عمالقة «سيليكون فالي» و«وول ستريت» شديدو الثراء منذ سنوات بشراء أراض شاسعة في نيوزيلندا، يقيمون عليها حصونهم «المستدامة والخضراء» استعداداً للكوارث المقبلة. يتنصّلون هناك من كل مسؤولية، ويطلقون من وراء المحيط ما يشبه حكم الإعدام على البقية التي لا تملك ترف شراء الطبيعة.

ربما الأجدى بالبقية، نحن، التفكير بحلول سياسية، والضغط بكل ما أوتينا من قوة لاستعادة الحق في مشاعات مُدننا الإسمنتية. حقنا في ماء نظيف وهواء نقي وأشعة شمس لا تحجبها سحب الدخان. الحق في نظام مواصلات عامة جيد وبنى تحتية فعالة وضمان صحي شامل، بعيداً عن النبرة الدينية، الداعية للتكفير عن ذنوبنا بمزيد من التقشف، والعودة إلى جنة الطبيعة المفقودة.

سولارا شيحا هي مهندسة معمارية ومترجمة من سوريا، ومقيمة في برلين.

موقع الجمهورية

—————————————-

لا تتبدّل النظرة بكمّامة/ بانايوتيس كابوذيسترياس

شرفات

واقعيّة

الأخبار أكرهها

تصدّعات

صوتٍ يائس

صوت عصافير في مأزق.

من الشّرفات

تتدلّى كالسنونوات

موسيقانا

تروح وتجيء

كالظلال

ولا تَذْوي.

■ ■ ■

تماثيل

تُجَمَّدُ

التماثيل واهنة

في المُتحَف.

تُمنَع عليها

انثناءات سرّيّة

يقيسون حرارتها

فتُظهِرُ الحمّى

أبديّةَ

الأهواء المكتومة

وشوق يأكل الأحشاء.

■ ■ ■

Ecce Homo

بزهر النارنج والبلانتاغو

أُزيّن مجدك

فتكون جميلاً حين

يهتفون: Ecce Homo!

إن ألبستُك

أقماط غرف العناية

فهل سيعرفونك؟

وإن بكمّامة

لا تتبدّل النظرة.

■ ■ ■

انتظار

تصيبُ الحمّى

قرانا بهدوء

تلهبها

والمدُن المجيدة

تحرق موتاها.

لا ضمّة

الآن، ولا تغنيج-

الكلّ في كَهفِه

ينتظر مَن سيضحك من جديد.

■ ■ ■

الأمّ الواقفة

أنتِ، يا مَن خبرتِ

قسوة السيف في أحشائك

أَعتِقي من الظَلمة

أبصار المرضى

استُري الأُمّهات

الهاذيات

بلمسة نور

واستقبلي هناك

مَن يَقضون وحدهم.

* شاعر يوناني من مواليد 1961.

** ترجمة عن اليونانية: روني بو سابا

العربي الجديد

——————————————-

في زمن كورونا.. “اليوميات” لمقاومة العزلة/ صدام الزيدي

بينما يستمر العالم في الحجر المنزلي، وسط حالة من الخوف والقلق، ومتابعة مستمرة لجديد الإحصاءات والأخبار، على نحو غير مسبوق، خرجت كثير من “اليوميات” (الكتابة السير ذاتية) إلى العلن، مستفيدة من فضاء التواصل الاجتماعي، وأخرى تُنشر في مواقع ثقافية وأدبية إلكترونية.

ثمة من الأدباء والكتاب من اعتاد كتابة يومياته بشكل منتظم، محتفظاً بما يدونه لنفسه، لكن، في ظروف العزل وملازمة البيوت، شقّت كثير من “يوميات كورونا” طريقها إلى الفضاء التفاعلي، وهنا تبرز تساؤلات عن هذا النوع من النصوص الإبداعية (كذاكرة سردية)، وأثره على الإبداع؟ وكيف هي يوميات الأدباء والكتاب العرب، الآن، في لحظة أشبه بعاصفة كونيّة؟

يأتي ذلك، بينما يظل “أدب اليوميات” عند العرب، في المجمل، فعلاً محدوداً، ولا يمتلك أصحابه الشجاعة والجرأة للبوح بتفاصيل عن أفراحهم وأحزانهم، نجاحاتهم وإخفاقاتهم، آمالهم ومخاوفهم، بعكس ما أنجزته المدونة الغربية بهذا الصدد.

حاتم الصكر (كاتب وناقد عراقي/ أميركا): يوميات الزمن الفائض!

دخلت اليوميات في تصنيفات الكتابة السير ذاتية، لا سيما بعد انفتاح الأجناس الأدبية بتأثير تيارات ما بعد الحداثة، والنزعة الشعبوية، على وقع تداولية وسائط الاتصال الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية، وشيوع الرسائل النصية في الهواتف. هي ليست بالضرورة جزءاً (من الذاكرة السردية)، بل ينالها التعدد النوعي الذي يسم السيرة الذاتية. فهي تجمع السرد والوثيقة والمذكرات والرأي. وتؤرّخ للحظة كتابتها. هذا التنازع الظرْفي يمثل إشكالاً في تلقيها، حيث تتردد القراءة بين زمن المكتوب، وزمن قراءته، وزمن ثالث يقطعهما هو زمن حدوث المكتوب كواقعة، أو انطباع.

ولاشك أن كتابتها إبداع ذاتي. تنشطه المدارس في الغرب لدى الطلبة مبكراً؛ لتعويدهم على رصد ما حولهم، واكتساب إمكانية تعبيرية تبدأ من ذواتهم.

في ثقافتنا السائدة، يصيب اليوميات والمذكرات ما يصيب الأم الإجناسية، أي السيرة الذاتية، فتتأثر بما تتأثر به من عوامل البوح المحدود، والحذر من المحظورات، وما يجريه الكتّاب من تعديلات وإضافات وحذف لتفادي تلك الموانع، ولتنزيه الذات من الفشل، أو الخطأ، أو النكوص في الحياة. وهو ما لا يحصل في يوميات وسير ومذكرات الكتّاب الغربيين في فضاء حريتهم الاجتماعية والسياسية.

لذا ندرت اليوميات عندنا، وإنْ وجدت فلا تدخل في دراسة الشخصية، أو استنتاج مكوّناتها. سأمثل بيوميات الفنان العراقي جواد سليم (تأملات روحي)، التي نشرها جبرا إبراهيم جبرا، وهي مكتوبة في فترات زمنية متفاوتة في أماكن متعددة، وفيها لمحات شعرية، وهواجس ذاتية. لكنني لم أجد الدارسين في النقد التشكيلي، أو السيرة، قد أولوها ما تستحق.

قمت مؤخراً بكتابة يوميات مستفيضة في وقت (الكورونا) الفائض. نشرت أجزاء منها في (الجديد)، و(الشارقة الثقافية)، وفي صفحتي على “فيسبوك”، ولم أنشر بعضاً آخر منها. لقد أدركت هيمنة الخوف والترقب فيها، والتشاؤم (كما وصف الأهل والأصدقاء الذين قرأوها). كانت أعداد الموتى بالفايروس والأخبار الناعقة في الفضائيات ليل نهار أشبه بموسيقى تصويرية جنائزية في خلفيّة المكتوب. وأحسب أنها تمثيل فني تراقب فيه الصياغة عفوية الشعور والإحساس. لذا كنت موزعاً بين الهرب من المباشرة التي في أغلب اليوميات العادية، والتعبير بما يرقى بالتوقعات والمخاوف إلى نص من اليوميات ومزاياها الجمالية الممكنة.

سعيد الباز (شاعر ومترجم مغربي): لتبديد الضجر

لم يكن الأدب في يوم من الأيام معزولاً عن واقعه، أو غير متفاعل مع محيطه. وعلى هذا الأساس برزت في الآونة الأخيرة كتابات أدبية تناولت موضوع وباء كورونا، وما ارتبط به من معاناة إنسانية شكلت صدمة قوية في عصرنا الحديث، وأثارت أسئلة عن راهن الإنسان ومستقبله، وتقدير حجم خطورته على البشرية جمعاء. إلّا أنّ موضوع الحجر الصحي طغى على غيره من الموضوعات المرتبطة بهذا الوباء، حيث كانت مناسبة لكثير من الكاتبات والكتاب ليستنطقوا ذواتهم، من خلال تجربتهم الخاصة، ويسائلون واقعهم ويتأملونه لحظة إثر لحظة، ويسجلون بالتالي جلّ أطوار هذا الحجر الصحي وتفاصيله اليومية، ما جعلها في الغالب تصاغ على شكل يوميات، وفي حالات أخرى نصوصاً شعرية، أو قصصية، غايتها أن تواكب هذا الحجر الصحي، في أهم أحداثه، وظروفه العامة والخاصة.

بالنسبة إليّ، راودتني الرغبة في كتابة يوميات هذا الحجر الصحي، لكنني عايشت وباء كورونا بشكل مبكر منذ الأيام الأولى التي ظهر فجأة الحديث عن اندلاع شرارته الأولى في مدينة ووهان في مقاطعة هوبي الصينية. بحكم أنّ ابني طالب يدرس في الصين، حيث أخبرني وقتها عن طريق زملائه بخطورة ما يقع هناك. هذه الأجواء عشتها قبل أن يهلّ علينا هذا الوباء في المغرب، ونجد أنفسنا في الحجر الصحي. بالنسبة إليّ، لم أجد في شكل اليوميات، خلال هذه العزلة المفروضة، الوسيلة الناجعة للكتابة، أو حتى في تأمّل موضوع العزلة. تابعت بعض الأصدقاء والصديقات من الكتاب والكاتبات الذين نجحوا في كتابة نصوص مثيرة وجذابة… لكن كتابات أخرى سرعان ما توقفت لعدة أسباب، أهمها في نظري أنّ اليوميات بوصفها كتابة تتابع اليومي وتسجله في مسار خطيّ تتابعيّ تغذيه الأحداث بأنواعها المختلفة، سواء منها الأحداث المهمة والتافهة أيضاً. الحال هنا أنّ الحجر الصحيّ خالٍ تماماً من الأحداث، بل إنّ خاصيته المميزة أنّه روتينيّ ومتماثل في لحظاته الثقيلة. تتبعت مبادرات أخرى قام بها بعض الكتاب الأصدقاء الذين عمدوا إلى تسجيل فيديوهات مصورة، وبثها عبر “فيسبوك”، يتناولون فيها حياتهم اليومية، مع تعاليق عفوية عن مقامهم القاهر في الحجر الصحي، مثل الشاعر والإعلامي اللبناني، جوزيف عيساوي، لا تخلو من بعض اللماحة إلى أوضاعنا بصفة عامة ما بين ما قبل الكورونا، وأثناءها، واستشراف ما بعد الكورونا المجهول. أنا اخترت شكلا آخر في تصريف وطأة هذا الحجر الصحيّ، من خلال “فيسبوك” تحت عنوان “من أجل تبديد الضجر الكوروني”، وهو عبارة عن حلقات متنوعة، ومختارات من نصوص بارزة لشعراء، ولوحات تشكيلية، شكلت تحولاً كبيراً في الفن التشكيلي، وصور نادرة لكتاب عرب وغير عرب، وهذا الشكل، وإن غلب عليه الحس البيداغوجي، فهو يلبي بالنسبة إليّ اهتماماتي الشعرية والتشكيلية، إضافة إلى التوثيق الثقافي والأدبي.

صالح لبريني (شاعر وكاتب مغربي): جزء من مقاومة العزلة

قبل ظهور الكتابة كان الإنسان، منذ وجوده، يدوّن سيرة يومه وحياته، إما عبارة عن رسوم تشكّل ذاكرة له  في الكهوف، وهذا يعني أن رغبة الإنسان في دمْغ وجوده بأشكال التعبير كانت حاضرة، لكن مع بداية التدوين، وبمجرد الانتقال من الميزة الشفاهية إلى ميزة الكتابة، شرع الإنسان في رسم ملامح كينونته باللغة، فاختار كتابة يومياته، أي حياته التي يعيشها ويحياها. ألا يمكن اعتبار ما كتبه الجاحظ يومياته محشوة بيوميات الناس؟ هذا مجرد سؤال يبقى مفتوحاً على تآويل كثيرة. وهكذا استمر الإنسان في كتابة اليوميات حتى تحوّل إلى نمط في الكتابة، عبرها، يعبّر كاتبها عما يخالجه من مشاعر وأفكار تجاه ذاته وحياته، ويحوّلها إلى نص ناطق بلسانه. والأدب العربي لا يخلو من هذا النمط، إذ هناك العديد من اليوميات التي غدتْ كتبا ذات قيمة معرفية وإنسانية، وعلى رأس هذه الكتابات “يوميات نائب في الأرياف” لتوفيق الحكيم، وغيرها.

بالنسبة إلي، صراحة، لم تكن تعنيني كتابة اليوميات، في بداياتي الأولى، لكن الوسائط الاجتماعية، منذ انخراطي فيها منذ ثماني سنوات، شكّلت لي منعطفاً حاسماً، بل حافزاً لتدوين يومياتي، وهذا ما يتبين منذ الاعتزال الصحي. فعلى الأقل، الناس والكتاب التفتوا إلى كتابة يومياتهم، وذلك للقبض على هذه الحياة المهدّدة بالفناء في أي لحظة. لذا نجد الإنسان في حالة مقاومة لهذا الاعتزال الصحي، بكتابة اليوميات التي تعتبر العلبة السوداء، أو الصندوق السري للإنسان.

عبدالرحيم صايل (شاعر مغربي): العزلة تُفرِغُ الصناديق

كثيراً ما فضلت أن أقرأ مذكرات الأدباء، الشعراء منهم تحديداً، على قراءة قصائدهم.فمنها كنت أنفذ إلى أرواحهم، وأصل إلى البحيرة، حيث كانوا يصطادون منها أسماكهم الخيالية. لم أقرأ الكثير منها، لأني لم أحصل على الكثير منها. المذكرات، أو اليوميات (تنفلت أيام كثيرة من اليوميات أثناء كتابتها)، هي المتن. القصيدة، وإن كانت لا تظهر بالعين المجردة فيها، لكنها توجد تحت الكلمات، أو توجد إشارة إليها عبر كلمة، عبر جملة، عبر فكرة، على السطح. لماذا كنت أفضل ذلك؟ صراحة، لأني ربما كنت أجيب نفسي، أني بلا يوميات. بلا طقوس، ووقتي كان مثل من يمر علي مرور الكرام. سأعرف، لاحقاً، أن اليوميات ليست بالضرورة ما يحدث خارج جسدك، أو ما قد تفعله. لاحقاً عرفت أن اليوميات ما هي في الحقيقة سوى مشاعر مخلوطة بالكلمات، ما هي في الحقيقة سوى قصائد ملتوية على نفسها.

أعجبني عنوان لسيرة ذاتية للشاعر الأميركي، دونالد هول، “إفراغ الصناديق” كان العنوان. السيرة أيضاً، يوميات، لكنها تتسم بالبعد. وما يميز اليوميات التي يمليها فايروس كورونا حالياً أنها مختلفة. تعج بالقرب. إنها يوميات تشبه تقارير حرب من مراسلين. إنها صادمة، ساحرة، وساخرة، ومثل ما يشبه الاحتضار. إنها خائفة بعض الشيء، وخائفة جداً. إنها يوميات ترتعش

مثل نبتات على حافة طريق وعر. يوميات مجتزأة من يوم واحد كبير اسمه الصمت. خطورة التحدث بالفم عجلت باللجوء إلى اليد. هذه الفم البكماء القديمة التي كانت تكتفي بالتصفيق عند سماع كلمة جيدة، وبالتصفير بمساعدة الفم عند الاستهجان.

اكتشفت، خلال هذه العزلة، أني كنت من كبار الأغبياء قبل الكورونا. ففمي الثرثار كان الفتنة التي لم أحذرها. الفتنة التي كانت تمنعني من الانتباه إلى يدي وقدرتها الرهيبة على التحدث. جاءت هذه العزلة، وجاءت معها كمامة للفم، والكثير من الكلمات والصابون لليد.

قبل كورونا، كان اليوم طويلاً، وكان عليَّ، لغباوتي، كي أهزمه، أن أمعن في القهوة والتبغ وأحلام اليقظة، والتحدث، وحمل كتاب في جيبي لحفظ التوازن النفسي. الكتابة كنت أؤجلها بأن غداً لناظره قريب. بعد كورونا، صار كل يوم يعني لي الكثير، وصرت معه خائفاً أن ينقضي. وجدت نفسي محاطاً بنفسي، محاطاً بيدي. لأول مرة ألمس عمري. ظلي الذي كان دائم التيه في الشوارع، ها هو الآن، يتحول إلى كائن محترم، يجلس على الكرسي لساعات من دون أن يحتاج إلى كثير من الشمس.

الاستيقاظ، التمطي، المحاولة الفاشلة لتذكر الحلم، أخذ دش بارد، ارتداء الملابس، تناول الفطور، ثم التدخين، حمل كتاب، الندم على عدم القراءة باكرا، التدخين مرة أخرى، ثم الخروج إلى الخيال. قصيدة بخصوص أمي، قصيدة عن عصفور يزورني، قصيدة عن القمر الذي تغيرت أحواله، قصيدة عن الموت القديم الذي يوجد في الحجر الصحي، قصيدة إلى قلبي، قصيدة بانورامية عن كل شيء بمزج الفلسفة مع الرعد. قصائد صغيرة عن الهوائي القديم الذي يعاني من الجُدري، وعن العطر الذي يشعر بالاختناق في قنينته… من فكرة لفكرة، أتجول في التاريخ. مرة في العصر الأدبي الباكي أيام الأمويين. مرة كدت أفقد صوابي مع السرياليين، أسافر إلى ألمانيا، وألتقي ريلكه، وستيفان جورج. أعود إلى أبو القاسم الشابي، وأسمعه يقرأ قصيدة يهاجم فيها الشعب. أتذكر مقطعه الذي حملته الأذرع في الربيع العربي. أسافر إلى الولايات المتحدة. كان شعرهم الأول يبعث على الفيكتورية والترهل. أكمل وأعرف كيف تطور. دائماً هنالك شعراء يمهدون الطريق لتنهض اللغة، لتنهض الحياة. أعود إلى غرفتي، أحضر وجبة خفيفة، ومشروباً دافئاً كي يجرف من حلقي أي فيروس يمكنه أن يفكر في اللجوء إلى رئتي المغامرة. أدخن وأقول: ربما، الفيروس يفضل رئات المدخنين، لأنه يشعر بالدفء داخلها. أضحك. هذا حدث مهم. أن أضحك لوحدي، وأرى ظل ضحكتي يسقط ببطء عبر الجدار.

لا أطرح سؤالاً سخيفاً مثل ماذا سأفعل تالياً؟ بل أفتح “فيسبوك”، أكتب شيئا ما، قد لا يكون له أية علاقة بكورونا. أعود إلى طفولتي وأناولها المايكروفون. وأنا أكتب، أجد نفسي أكتب شيئاً آخر يجعلني أكتب شيئاً آخر جداً.

أشاهد فيديوهات مضحكة، وأخرى جدية، وأخرى لا هي بالجدية، ولا هي بالمضحكة، بل صفراء فاقع مضمونها وغير ذي شيء.

كل شيء يهم الآن في كتابة اليوميات. فالعمل مركون في زاوية إلى جانب الأحذية، والأيام تتوالى مثل عارضات أزياء. الحياة كرأس نبتة عباد الشمس، فيما ساقها النحيفة هي الأمل. الأبواب مغلقة، لكن الليل يفتحها بنباح كلب. العزلة تفرغ الصناديق.

ضفة ثالثة

——————————————

 «لقد خرجت… أنا أقل صرامة مع نفسي»/ حسن داوود

اليوميات التي نشرتها «نيو يوركر» للكاتب البرتغالي غونسالو م. تافاريس تكاد تملأ كتابا صغيرا. هي سطور متفرقة تحمل كل منها فكرة أو ملاحظة أو خاطرة. من بين ما كتبه نقرأ: «الناس في الخارج يحرصون على التزام وسط الطريق» ثم، في خاطرة تتبع، يكتب: «وسط الطريق الذي يحاول ألا يلمس شيئا». ثم هناك حركة تُستنهض من الذاكرة، حركة شخص ما على الطريق، «مثل مدرّب كرة قدم، لكن في وسط تراجيديا لا في وسط مباراة».

هي جمل متفرّقة تتألّف بالاستدعاء الحرّ، كما هو ظاهر أعلاه، أو هي جمل منفصلة إحداها عن الأخرى بلا صلة بينها، ولا رابط كمثل الجملة التالية: «بكونك مريضا، أنت تهدّد الدولة». ولأن هذه السطور المتتابعة لا تلتزم نظاما كتابيا، يستطيع تافاريس أن ينتقي فكرة صاغها كاتب مثل الياس كانيتي (هي «كلّ شيء أتعلّمه أحوّله إلى خوف») فيثبتها في يومياته ذاكرا اسم كاتبها. كما إنه، أحيانا، يخرج من الإلماح الشعري إلى ما يشبه الوصف القصصي، كأن يكتب مثلا: «في مستشفى دل مار التقطت الممرضة هاتفها من جيبها، وطلبت رقم ابن رجل مريض»ُ، ثم في سطر ثان يكمل ذاك الذي يشبه السرد: «الطابق الرابع، غرفة 429»، ثم، في سطر أخير: «أجرت (الممرضة) الاتصال، رفعت الهاتف، وأدارته إلى وجه الرجل المريض».

تلك المشاهد الصغيرة المتتابعة، كان يمكن أن تتألّف معا من دون أن يفصل بينها استقلال كل جملة منها عن الأخرى، كأن يكون ما في داخل المزدوجات جملة واحدة متتابعة. أما ما أراده الكاتب فهو أن تكون الخاطرة المستقلة كافية لوحدها أولا ثم، بعد أن يكتفي القارئ من تأمّل شعريّتها، يوصل الكاتب فكرته بفكرة تتلوها، طالعة من صلبها.

من خارج النظم الكتابية التي يتسمى الكتّاب تبعا لاختلافاتها (شاعر، روائي ، قاص، كاتب سيناريو، إلخ) كتب تافاريس نصوصه لمجلة «نيو يوركر». كثيرون من الكتّاب لجأوا، في زمن وباء الكورونا، إلى هذا النوع من الكتابة. لكن ما تميّز به تافاريس هو في سعيه لأن يكون هذا النص الطويل هو كتابتُه، كتابته ذاتها، لتوضع هذه اليوميات في مصاف واحد مع رواياته وكتبه السابقة التي ترجمت إلى الكثير من اللغات، بينها العربية. ليست هذه النصوص أقل وجاهة من الكتابة، ولم تُسطّر في فترة استراحة كاتبها. صحيح أن كتابتها لم تستغرق الوقت الطويل الذي تحتاجه كتابة الكتب عادة، حيث أن الخاطرات أو الأفكار التي استدعت كتابتها تومض في الرأس ناجزة تامة الصياغة أو تكاد، فيما تحتاج الرواية مثلا إلى إيلاء اهتمام مضنٍ بالبناء والتوازن بين العناصر، التي ينبغي ألا يُغفل عنها من بداية الكتاب حتى آخره. كما ليست هي الشعر الذي ينبغي أن تعاد كتابته مرة بعد مرة من أجل أن يُصفّى كنصّ متخلّص من أي شائبة.

في كل المجلات والصحف نقرأ نصوصا لشعراء كتبت لزمن كورونا، وهذا ما يجعلها، حتى في نظر كتابها أنفسهم، إلى جانب الشعر، أو هي الشعر كُتب بدرجة تركيز أقلّ. وهذا ما يكتبه آخرون كثيرون، حيث تغري السهولة التي يبررها العيش في زمن الوباء، بأن تكون الكتابة متاحة لغير محترفيها. أقصد الكتابة التي تتناول المشاهدة واجتراح الأفكار والتأمل الذي يتبعهما. مجلة «نيويورك تايمز ريفيو أو بوكس»، جعلت من جميع مراسلي الصحيفة كتاّبا مشاركين، في ما أطلقت عليه عنوان «اليوميات». في كل عدد جديد من هذه المجلة تضاف لائحة أسماء جديدة تضاف إلى من سبقت مشاركتهم في ما يمكن أن يشكّل، لاحقا، سفرا جامعا ليوميات كتبت من جميع أنحاء الأرض، كما لو أنها مسابقة كونية تجري، لأول مرة في التاريخ، حول موضوع راهن واحد.

كل يوم نقرأ، سواء في المجلات أو الصحف أو على وسائل التواصل الاجتماعي، قصائد ونصوصا أتاح كتابتها، ونشرها من ثم، الزمنُ المختلف الذي نعفي أنفسنا فيه من الالتزام بالقوانين التي تثقلنا. إنه زمن محذوف، يمكن لنا أن نتكاسل فيه، أو أن نتحرّر، من تقديم الحساب على كسلنا. «تركت نفسي أخرج، أنا أقلّ صرامة مع نفسي» كتب ليو تولستوي، وقد أعاد أحدهم الآن، هو دوايت غارنر، نشره من ضمن «يوميات»، أو ما يصلح أن يكون يوميات، استقاها من روايات ومجموعات شعرية وكتب فلسفية. ربما يسعى غارنر هذا إلى أن يسهّل علينا مشقة القراءة ، لذلك اختار لنا من كل كتاب الجملةَ التي تمتعنا. لا أحد يحب أن يجهد نفسه ويرهقها في هذا الزمن الصعب الاحتمال، لا الكتاب ولا القرّاء.

القدس العربي

——————————–

لهذا حفتر “أحلى” من الأسد/ أحمد عمر

قبل أن نعلن اسم الفائز في سباق الحلاوة، أحبّ أن أدعوكم، ورمضان على الأبواب والنوافذ، إلى حفلة عرس الأستاذ تمر هندي على الآنسة قطايف، كريمة الأستاذ عسل والسيد قشطة، بحضور الفنانة بقلاوة وفرقتها النابلسية المقدسية، ودامت الأفراح بدياركم عامرة وسائرة. هذا ليس سباقاً في الوسامة ولا في الحلاوة، فـ”الرجال مخابر وليسوا مناظر”، ولو كان الأمر كذلك، ودخل عبد الفتاح السيسي سباق الحلاوة لفاز بالذهبية، فهو جذّاب وجزمته أحلى، وقد غار منه ترامب عليها، وقد يذكّرنا السباق بجملة مظهر أبو النجا “يا حلاوة”، وقيل إنَّ حلاوة الجبن لذيذة، وهي حلوى سورية، وللجبن حلاوة لا يعرفها الشجعان، وحلاوة الشجعان تدوم تحت أضراس الدهر.

دعتْ ميركل الصين إلى أن “تتحلّى” بالشفافية حول نشأة كورونا، فنحن نريد أن نعرف نشأته، هل هو فيروس شرعي أم فيروس ابن حرام مولود في المختبرات، وحضن المخابرات. وقد دعتْ أستراليا إلى تحقيق دولي، فرفضته الصين، والصين دولة عظمى، وعصمتها بيدها، وليس مثل عصمة دمشق بيد إيران وروسيا.

السكر والملح أشد أنواع السمّ، فهما سمّان ماكران ولذيذان، كنا نريد أن نتحلّى بالاطلاع على نشأة “داعش”، ونشأة الرئيس السوري الأب التي ما تزال لغزاً، وأن يتحلَّى الأسد بالصدق في القسَم، وأن يمالحَنا، وقد حلَّى أيامنا بالأمن والاستقرار والنار والشنار، ومن يمالح المرء يصير له أخاً، ويصبح دمه حراماً، ومن يغترب يحسب عدواً صديقه، وكنا مغتربين في الوطن منذ يوم الولادة.

وكنت أظنُّ أني لن أرى الأسد يتحلَّى بالكمامة، إلى أن رأيته يستقبل وزير خارجية إيران، جواد ظريف، وكمّامته ملكية ولها زيّ وطراز، فلأمثاله توضع الكمّامات! وقد وعد رئيس مصر الحليوة، ومصر هبة النيل، بتحلية مياه البحر، ليس بالسكّر وإنما بإصبع. ولا يزال خليفة حفتر عندي أحلى من الأسد، وكلاهما يمشيان على السجاد الأحمر مشيةً واثقة، وطويلة ماراثوانية، وسبب حلاوة حفتر أنَّه يقصف المشافي في طرابلس، ولا يقصف المساجد مثل الأسد. وأحسب أننا سنتحلَّى بهزيمتهما قريباً، ولا نعلم إن كان الخِيار سيكون بطل مشهد الخاتمة مثل خاتمة معمر القذافي، عندها يصبح الخيار من الخضروات والحلويات معاً!

كنا نريد من كورونا أن يتحلَّى بالعدل، فضحاياه من الأقليات، كما قال صديق خان عمدة لندن، وهو من الأقليات. وتدعو المواعظ إلى التحلّي بالصبر، وليس أشدَّ منه مرارة، والأشدّ من الصبر هو ظلم ذوي القربى، وقد تحلّينا بمشاهد الشوارع فارغة، والسماء زرقاء، ورأينا أسُود البحر تتجوّل على السواحل في الأرجنتين، والحيوانات تنطلق سعيدة في دول كثيرة، بفضل فيروس الحلاوة والمرارة. وتحلّينا بمشهد الأميرة السويدية صوفيا، تتطوع في مشفى “صوفيا همت” بعد دورةٍ تدريبية، وتساعد في التطهير والطبيخ والنظافة، وتحلّينا بمشهد الملكة الماليزية “تونكور عزيزية أميّة ميمونة إسكندرية”، واسمها أطول من اسم دولة القذافي، وهي تساعد في طهي الطعام للأطباء، فالجيش الأبيض حماة الديار من الداخل.

ولن ننسى مرارة مشهد الطبيب المصري الذي وضع روحه على كفّه، وطلب من السيسي رفع أجور الأطباء، فعبس السيسي وبسر وأدبر واستكبر، وقال إن هذا إلا سحر يؤثر، وتحلّينا بمشهد رئيس الوزراء الأيرلندي، ليو فارا دكار، الذي عاد إلى مهنته طبيباً لمساعدة الجيش الأبيض، وسكرنا بمشهد الأمير هاري وزوجته ميغان، أو السيدة ميغان وزوجها الأمير هاري الذي ترجل من لقبه الملكي على الأرض، وهما يشاركان في توزيع الطعام على المرضى في لوس أنجليس، وكل ما قرأت أو سمعت اسم هذه المدينة تذكّرت دعسوقة اسمها السوري “أم علي وادعبلي”، وقد أوصاني صديقي الطبيب خضر، وهو من الرّقة وأهلها كرام، أن أدع الكفر الغذائي، وأتحلّى بحنظل الصبر، واعتنقه دينا، فقلت: لن أترك دين آبائي وأجدادي، وإني لأحب من دنياكم ثلاثاً: عمتي النخلة، وأمي سنبلة القمح، وحبيبتي النابلسية، ولن أتركهم أو أهلك دونهم.

العربيي الجديد

——————————————

أَنروحُ يساراً أم يميناً؟/ رنا زيد

ما مِن مخرجٍ مُدرَكٍ من الاختباء بعد الآن. ها هما الضدّان: التعاسة والفرح العارم متوازيان أمام الجميع، مخلوطان كأنهما وصفةُ ترياقٍ أو سمّ. السخرية كما الحزن، علينا أن نتجرعهما في صمتٍ مطبق. كلٌّ منا سيمتلك نتيجةً مختلفةً عن الآخر. كلٌّ منا عدوٌّ للآخر أو مُخلِّصٌ له. كلُّ شيءٍ أصبح له احتمالان، إما في وجهة الحياة، وإمّا في وجهة الموت.

لكنّ الانسيابَ الأخرق، والتسليم البائس بأننا حقّاً لا نستطيع حتى بعد نجاتنا أن ننجو نجاةً صرفاً، مُتقنةً وبارعةً، هو احتمالٌ يُعزِّزُهُ مفهوم الشرّ أكثر من مفهوم الخرافة التي باتت تترصّد بنا عند كلّ زاويةٍ، وكلّ شارعٍ، وكلِّ بابِ بيتٍ مغلقٍ، كأنّنا في هذا التناقض، لا نزال نصارع رغبة الحُبّ التي بدأت حياتنا بها. هل الحبُّ ملكٌ للأمِّ التي ولدتنا؟ أو للأب الذي ساعد في إتمام خلقنا بيولوجياً، ثمّ رعانا أو تركنا؟ نبحث عن الأجوبة وحدنا.

هل أمُّنا قاسيةٌ صلبةٌ، تصفع إن تأخّرنا أو غبنا لسبب ما ونحن صغار، أو أنها أمٌّ آسرةٌ في حُنوِّها؟ إنّ الأشياء التي تركوها لنا خديعةٌ مطلقةٌ، تبدأ بالحُبِّ وتنتهي، بعذابٍ جحيميّ إلى أن نُجدِّدَ، نحن أنفسنا، مفهوم الحُبّ البدائيّ، هذا الذي تتكدّسُ بعده الرغباتُ كُلُّها، وتلتصق نزوات الخير والشّرّ بصمغٍ واحدٍ هو الحُبّ. سأقتلك لأنني أحبّ، سأرعاك لأنني أحبّ، سأنهش لحمك لأنني أحبّ، سأعضك بلطفٍ لأنني أحبّ… أيّ لذّةٍ هذه التي يملؤها الخوف من تحقيقها، والرغبة بها، أو الرغبة في رفضها، كلّ مرّةٍ مع طرفٍ ممّن يقوم بالفعل، وممّن يقع عليه الفعل، وكلّ مرّة مع نتيجة، وكلّ مرّة مع حصادٍ لمسرّةٍ أو لبؤسٍ ما؟! 

الضدّان إذاً، الاتجاهان، هما ما يُحرِّكُ كلَّ شيء! في كلِّ مرّةٍ أخرج للنُّزهة، أتوجّه بعد أن أعبر طريق السيّارات، في اتّجاه اليمين، ثمّةَ طاحونةٌ قديمةٌ، تُذكِّرُني بنواعير حماة، مع اختلاف الهدف البشريّ من إقامة كلٍّ منهما وبنائها. هدف الأولى الطّحن، وأظن أنّ هدفَ الثانية السّقاية. ما من ملامح واضحةٍ للمدينة المستعادة على هيئة صورةٍ مكانيةٍ في جزءٍ أراه في بداية طريقي، وأنا أتلمّس المكان الجديد بين الطبيعة والمدنيّة الصّرف.

الملامح هي نسجُ الحنين عبرَ فعلٍ ما… في رمي بعض فتات الخبز الذي أفكّر كلّ مرة في أن أحمله إلى البطّ الّذي يبدُو سعيداً هانئاً، ثـمّ من كثرة ما تكرّر أنني لم أفعل، صار نسيان هذا الفعل أجمل من حمل الخبز إلى مجموعاتٍ من البطّ، تعلم ما تريد، وتدرك طريقها أكثر منّي. سأعود إلى جهة اليمين قبل أن أسهوَ عمّا أريد لإدراكي أن يستعيده هنا، جهة اليمين هي نهرٌ جميلٌ له ضفّةٌ واحدةٌ، في حين تلاصق ضفّتَهُ الأخرى بيوتٌ قديمةٌ، هي امتدادٌ لمسار الطاحونة.

كلُّ شيءٍ يدعو إلى البهجة والتعاسة في هذا الطريق. ليس لديّ تفسيرٌ واضحٌ، لكنْ ما إن أتذكّر أنّنا في مرحلة الحجر الصحيّ حتّى أشعر بالاختناق، وربّما أترك الطريق في منتصفه، وأعود إلى البيت، لا خوفاً، بل إدراكاً منّي أنّ اللذّة التي أشعر بها، والتأمُّل الذي أخوض فيه، ليسا أخلاقيَّيْنِ. إنّهُ تأمُّلٌ مُنحازٌ إلى ذكر البطّ الجميل أكثر من أنثى البطّ ذات اللون البُنّيّ التُّرابيّ، التي قد تخوض معركتها في المساء ما بين ذكرَينِ يتصارعان على حُبِّها. رأيتُ ألمَها، وهي تهرب من المنافس الثّاني لتحظى بالأوّل، ورأيت جمالها التُّرابيّ يلتمع مُذهَّباً؛ في حين أنّ أنثى بطٍّ أُخرى كانت هادئةً وقبيحةً، ولا يتنافس أحدٌ في الاستحواذ عليها من شريكها. كنت أشعر بأنني أصطفي البطّة الجميلة الأقلّ جمالاً من ذكر البطّ الملوّن، وأعيش مشاعر كبيرةً وقويةً، تريد منها أن تنتصر لتحظى بوقتٍ هادئٍ مع من تريد، ثمّ أتاني شكٌّ، هل هذا ما تريده فعلاً؟ أنا حقّاً لا يمكنني أن أكون مكانها كي أخمّن.

نسيت أن أذكر الطرف الأيسر الذي أتجاهل التوجُّه إليه كلَّ مرّة في قناعةٍ سابقةٍ بأنّه ليس الطّريق الأجمل والألطف، وهأنذا أبني حيّزاً من الأنس الّذي تشكّل مع الأرض والأشجار الملاصقة للبيوت، كأنّ هذه الأرض هي الأرض كلّها، وكأنّ حزني، يخون نفسه، ويتلاشى على الرّغم من النّكد الذي أستدعيه كلّما شعرت بالذنب لكوني أتجرّأ على لذّة من اللذّات الفكرية أو الجسدية، خلال نزهتي اليومية.

يُكثّف هذه الأحاسيس التي تستحوذ على جسدي وجود مشفى في نهاية الطريق، حيث كان في الإمكان سابقاً أن أدخل من بابها الخلفيّ، وأخرج من بابها الأماميّ، كي أصل إلى بداية مركز مدينة روان. أفكّر في صنف المُمرّضين والأطبّاء الذين يقفون في طابور، متباعدين في المسافة بينهم ليحصلوا على قناعاتٍ احترافيّةٍ تقيهم شرَّ الفيروس. قريباً من المشفى مركزٌ للطّوارئ ولذوي الاختصاصات الطّبّيّة. أفكّر في أنّ اقترابي من المشفى مخيفٌ جدّاً، ولا سيّما أنّ الباب الخلفيّ المغلق الآن يستقرُّ أمامه مكبُّ النُّفايات الطبّيّة، لذلك أمشي حتى آخر عشرة أمتار في اتّجاه اليمين، ثمّ أعود، وأتنفّس النّهر، راضيةً بظهور بعض مجموعات دجاج الماء الأقلّ جمالاً من البطّ.

ألومُ نفسي على هذه الانتقائيّة في المحبّة، ثمّ تنقر رأسي دجاجةٌ قبل أن أُنهيَ نظرة الازدراء الذي أُكِنُّهُ لها مع نظرةٍ مقحمةٍ من الفضول، وأُردِّدُ في كلّ مرّة: طائرٌ لا يستطيع الطَّيران ليس طائراً. أعيد الأمر إلى المنطق، فأنا أرى أن دجاجةَ الماء تستطيع الطَّيران قليلاً فوق سطح الماء، وأرى أنّها أكثر حساسيةً حين مرور البشر، ولا أعلم إن كان هذا التَّوتُّر مرتبطاً بمجموعةٍ من التَّجارب العلائقيّة المخفقة الّتي خاضتها في أثناء مرور البشر، لكنّني واثقةٌ بانفعالها كلّما مرَّ شخصٌ بشريٌّ من أمامها، وربّما ازدادَ انفعالُها كلّما مررتُ أنا فقط. أصل إلى منطقةٍ وسطى وغريبة من مشاعري، فأنا لا أحبُّ دجاجة الماء لأنّها ليست بطّةً، ولا أكرهها لأنها ليست دجاجةً حقيقيّة.

ولِـمَ أكرهُ دجاجةً؟ هل هذا يتعلّقُ بأنني لا أحبُّ أكل الدَّجاج كثيراً؟ أُفضِّلُ اللّحمَ الأحمر، ثـمّ، نعم، إنْ استعدتُ مشهدَ مجموعة البقرات اللواتي يستحوذن على حقلٍ قريبٍ من نهر السين، ومرتفعٍ قليلاً على تلّةٍ في الاتّجاه الغربيّ من المدينة، أمكنَني استعادة مشاعر السعادة التي تنتابني وأنا أرى البقرات، أو بالتالي ما هو أقرب إلى رمز الحليب والحُنوّ.

يبدو أنّني أتجاهلُ الحديثَ عن الطَّرف اليسار في نزهتي كثيراً، ربّما لأنني لمّا اكتشفتُ امتداده مع الجهة الشرقية للنهر كنتُ أظنُّ سابقاً أنّ هذا الامتداد غير موجود أو حافلٌ بالمخاطر أو القبح، وربما ببعض المُتطفّلين والمزعجين، إلى أن تجرّأت في يومٍ من أيام الحجر أن أتّجهَ شرقاً، ناسيةً كلَّ مخاوفي التي تصاعدت بعد الحرب، جاعلةً منّي شخصاً يتحرّك في دائرة الأمان. لكنّني سأعترف أنني دائماً أختار أكثر دوائر الأمان خطورةً في العالم، لذلك لا يمكن اعتباري جبانةً بالمعنى الكلاسيكيّ، وإنّما متحامقة بالمعنى الذي يُجسّد المكروه على شكل مكانٍ مثاليّ وأفلاطونيّ، وربّما يعود هذا إلى انتظامٍ طويلٍ من الأمور السيّئة التي تناوبت على الحدوث في الطفولة، والمرتبطة بالمكان والبلاد التي جئتُ منها، حتى أصبح طبعي أن أضع نهايةً مأساويّةً مُتخيَّلةً لكلِّ شيءٍ كي أحظى بنهايةٍ مقبولةٍ، أو ربّما هانئة ومثمرة.

سيبدأ الطرف الأيسر بسورٍ حديديٍّ صدئٍ ربّما يعود إلى منتصف القرن الماضي، يتطاول مع مسار النّهر، نهر (L’Aubette)، بعده بقليلٍ، سأرى من مسافة أمتارٍ طائرةً قديمةً سقطَ جناحاها، فأصبحت أشبه بذبابةٍ غير مزعجةٍ، ربّما تكون طائرة استطلاع، يساعدني على التّخمين أن حجم كوّة القيادة لا يتّسع ربما لأكثر من شخصٍ. لا أستطيع الإفلات من الحرب، ومن ذكرى تفصل اليسار عن اليمين، ذكرى الحرب العالميّة الثّانيّة، أقف لحظةً، وأنا أبحث في مشاعري عن مشاعري، فلا أقع على شيءٍ لافتٍ للنظر، ولا حتى على استغرابٍ أو دهشةٍ. ربّما صرت أخمّن الحرب على أنها مصير، لذلك أتابع طريقي، بعد أن أخفق في أخذ فيديو جيّد لهذه الذّبابة الحديديّة البعيدة.

أفكّر في شراء كاميرا احترافيّة لتسجيل الفيديو، أثناء الحجر الصّحّيّ، ثمّ قبل أن أتوقّف، وأرسل رسالةً لطلب نصحٍ عن أيّ نوعٍ من أنواع الكاميرات هو الأفضل لتوثيق الصُّور المُتحرّكة، أتراجع، وألتزم حدودي، أيّ سؤال تافهٍ هذا في هذا الوقت من عام 2020؟ علاقتي بموقع أمازون ستكون علاقةً سرّيّةً من الآن فصاعداً. حتّى رغبتي في تصوير الحركة والصوت ستكون مَكْبوتة كما لو أنني أقاوم شيئاً غير موجودٍ، أو أمارس منعاً، لا ينال من أحدٍ سواي، في أثناء شرودي هذا. أتابع السير على الطرف الأيسر من الطريق القديم، هناك مصنعٌ كبيرٌ وجميلٌ ومثيرٌ للرّيبة والشّكّ. لم أعد أتذكّر إن كان سابقاً مصنعاً للجبن، أو مصنعاً باسم عائلة الجبن (Le fromage). في الأحوال كلّها، يتركُ بي المصنع بواجهته من أحجار القرميد شعوراً من التَّخمُّر والتَّعفُّن، ثمّ تكتمل المشاعر مع أبنيةٍ تقع على سورٍ عالٍ بعده، كُسِرَتْ غالبيّةُ نوافذها بحجارةٍ من المارّة. يبدو الطَّريق موحشاً ليلاً على الرّغم من أنّهُ في النَّهار مقصدُ الملتزمين بالحجر الصّحّيّ لممارسة المشي والرّياضة.

كأنني شاهدتُ هذه النوافذَ المُتكسّرة سابقاً في جهةٍ ما من الأبنية الّتي تتكدّسُ فوق نهر بردى في مدينة دمشق، ربما قريباً من الطَّريق إلى سوق العصرونيّة بعد المرور بقلعة دمشق. ليس جيّداً أن ألحَّ في التّذكُّر التَّطابقيّ مع واقعٍ وَلَّى، دائماً أفضّل الانطباعات. حتّى الروائح أتذكّر منها الانطباع النّفسيّ والشُّعوريّ فقط، حتّى الحديد الصدئ بملمسه هو انطباعٌ قد يتخزّن على شكل كوخٍ، أو درّاجةٍ دون عجلةٍ خلفيّة، أي أنّها بعجلةٍ واحدةٍ أمامية. هذا هو الصَّدأ، تدريبٌ على طفولة مخفقة، ثمّ تدريبٌ على نسيانِ هذه الطُّفولة، ثمّ تدريبٌ على تذكُّرها مُجدّداً، ثمّ على نسيانها كي لا يقع المرء في طين الحنين، بل ليبقى على الضّفّة الجافّة، على الأرض الصّلبة من الحنين، حيث ثمّةَ مسندٌ ليتّكئ، ولا يقع  مع كلّ ما لديه من دمعٍ وحزنٍ.

وكلّ حنينٍ يتبعه وخزٌ من الشوق، لاسعٌ، ثمّ لكي لا يتحوّل الشّوق إلى غضبٍ، ما عليك سوى أن تتابع المشي. طاحونةٌ أُخرى قديمةٌ، عمرها يعود إلى مئات السّنين، تقودني إلى شعورٍ من الشفقة بسبب تردّي حالتها، لولا أن الأمر يأخذ منحاه المنطقيّ، إذ ألمح أنّ هناك عملية ترميم قائمة على المبنى الداخليّ لها، وقريباً ربّما المبنى الخارجيّ. أسير في حيّز من الاتّصال الوثيق بالأرض، وخفقان أدرك عبرَهُ أنّ هناك مع كلّ إدراك لأرض مسافةً من الخوف تمنع المرء من أن يكون نهماً في تفحُّصِها من المرّة الأولى.

في مساء ما، بعد أيامٍ، سأخرج إلى الترّاس من شقّتي، وسأنظر ببلاهةٍ إلى السماء كأنّني أحاول التَّحقُّق من وجود شيءٍ أرغب فيه بشدّة. كم من مرّةٍ خُدعنا، وخَدَعَ رغباتنا أننا على يقينٍ؟ هذه المرّة، السماء الكريمة بالنُّجوم تجعلني أبكي. أتذكّر أنّني كنت أصعد بدلو ماءٍ على السُّلَّم الخشبيّ، أضعها على الحافة، ثمّ أسرع بلهفةٍ كي أصير على سطح بيتِنا في دمشق، أنظّف الأرض، ثمّ أعود مساءً، وأضع فراشاً على الأرض النَّظيفة، ثم أغفو على السطح، وأنا أتأمّل النُّجوم، كانت هذه أقصى حُرّيّة يمكن أن أعيشها في دمشق، في عمر الخامسة عشرة.

لم أدرك أن هذه البلاد فيها نجومٌ إلى أن جاء هذا الحجر الجميل واللّعين. لم أدرك أنّني أخاف من هالة القمر إلا في هذه البلاد، في بلاد البعيد هناك، لم يكن للقمر هالةٌ، وربما كنت لا أعلم ما تعنيه الهالة في شكلها الفيزيائيّ، ثمّ الجماليّ، أو أنني كنت مستغرقةً في شيءٍ أقلّ معنى مثل التهام الطّعام في الشارع ليلاً، والتّحدُّث عن آخر فيلم شاهدته، ولا أذكر عنوانه، كما هي عادتي في محو أيّ كلمةٍ أو جملة، وإعادة خلقها لتصبح شعوراً انطباعيّاً شخصيّاً وأنانيّاً.

حاول التَّنفُّس ببطء أيُّها الآخر الذي يراني ولا يعرفني، يبتسم لي، ثم أردّ عليه بابتسامةٍ رخوةٍ كأنّني هنا منذ دهر. تنفّس ببطء أيُّها الآخر الذي أعرفه ويعرفني، أنت وأنا نعلم أنّنا مررنا بما هو أسوأ، وأنّني غريبةٌ مثلك، لكن أيّتها الأرض التي تدركين وحدك من نحن، خمِّني ما في يدي لك؟ كثيرٌ من رغوة الصابون، فتكرّمي علينا بماء. نعيد الكرة، نعيدها صلاةً أو ملامةً أو خوفاً أو حبّاً أو رغبةً أو دهشةً أو تفاوتاً أو تلاطُفاً أو ألماً… نعيدها تحت النُّجوم أو في الخيام أو في البيوت أو في القصور أو على حافة الأنهار والأوقات، على حافة الضحك، والجوع والشّبع، والغصّة والارتباك من أيّ صوتٍ قادمٍ إلينا.

موقع الجمهورية

—————————————–

كتابة الكورونا/ مزوار الإدريسي

يُروَّج في بعض الكتابات النقدية أنَّ الأدب لا ينبغي له أن يقتصر، أثناءَ صياغة نصوصه، على استلهام الماضي بتاريخه وقضاياه وتجاربه، أو أنْ يُركِّز على الحاضر بمشاكله وتطلعاته، بل الأولى به أنْ يأتي من المستقبل أيضاً؛ باستشرافه حالات وعوالِم محتملة، هي بطبيعة الحال قريبة من كتابات الخيال العلمي، لكنها كتابة لا تخضع لمنطق أدب الخيال العلمي، لكونها تصدر عن همٍّ إنساني صرف، كتابة لا تُركّز على الاختراعات العلمية بتاتاً، بقدر ما تحفر في النفس الإنسانية عبر الكشف عن طبائعها في تخيُّل عجائبي لسياقات اجتماعية وظروف إنسانية محتمَلة، قد تُصادف الإنسان مستقبَلاً.

ويبدو لي أن البرتغالي جوسيه ساراماغو، في روايته “بحث في العمى”، التي تُرجِمت إلى العربية بـ”العمى”، من الروايات الرفيعة التي اجترحتْ هذا الأدب الذي يأتي من المستقبل لِيُضيء سبل الحاضر، في تجربة لا تخلو من واقعية ومصداقية؛ هي في عمقها شبيهة بالحال التي يعيشُها العالم منذ اندلاع جائحة كورونا مع بداية 2020، لأن شخصيات “بحث في العمى” كانت الأُولى التي أُصيبتْ بالعمى الأبيض، ففُرِض عليها الحجر الصحي في مَرِستان، قبل أن تستشري العدوى في المدينة بشكل مرعب، كاشفة عن عالَم بشري فظيع، تُحرّكه الأنانية وغريزة البقاء التي تُنسي الكثيرَ من البشر إنسانيتَهم.

لكنّ الملاحَظ على هذه الشخصيات هو أنها لم توثِّق بالكتابة لمعيشها القاسي ذاك، في المَعزَل المفروض عليها، لأنها كانت في صراع دائب من أجل استمرارها في الوجود، بخلاف ما يُلاحَظ على كُتّابنا هذه الأيام، الذين يُقيمون خلالها في الحجر الصحي المنزلي، وقد أتاح لكثير منهم الفرصة، أكْثرَ من أي وقت مضى، للتفرّغ إلى الكتابة والإبداع فيها تحت عناوين متنوعة.

وبغض النظر عن الصُّحف، التي يظهر فيها عادة مقال أو عمود أسبوعي لكاتب بعينه، فإن فضاء شبكات التواصل الاجتماعي، التي يتربع فايسبوك تحديداً على قمتها، أضحى مجالاً خصباً للاطلاع على كتابات ذات صلة بفيروس كورونا، بشكل ما.

وفي الحال المغربية، تُحافظ كاتبة القصة المغربية فاطمة الزهراء الرَّغيوي، المقيمة في باريس، على إيقاعها الإبداعي بنشر نصوص يومية عنوانها “يومياتُ الحجر”، وهي نصوص ذاتية، تحتكم فيها إلى تجربتها الخاصة، في علاقتها بالناس والأشياء والقراءة وبعض الأحداث، كل ذلك في ارتباط مع أجواء الحجر الصحي، فمن بين تدويناتها الأخيرة: “يقول المثل الأفريقي إن الغباء موزع بالتساوي بين الناس. ويبدو لي أنه يزداد لدى من يغلق على نفسه في ما يعتقد أنه يعرفه. هكذا، يمكن لطبيب متخصّص في مجاله أن يعتبر قارة بأكملها مختبراً للتجارب مستشهداً بالاختبارات ضد مرض الإيدز، التي أجريت على بائعات الهوى، كأن هاته النساء لا قيمة لهن وهن الأجمل والأشد هشاشة وقوة في آن. ولن أدافع عن أفريقيا وسكانها فهم أعلى من دفاعي… مثل هذا “الذكي” كثُر. أذكياء حتى فاض بهم الغباء. التقيتُ الكثير منهم في كل مكان كنتُ فيه. فليس الغباء خاصية جماعة ما”.

بينما يُفضّل الناقد والمترجم رشيد الأشقر كتابةَ سلسلة حلقات عنونها “يوميات الكُوارِنْطِينا [الأربعينية]”، التي تنحو منحى مختلفاً، لاجتراحها النبش في هوامش الحجر الصحي، كالعلاقة الغرامية، في أجواء الجائحة بين عشيقين عجوزين؛ الألماني كارستن توشن هانسن (89 سنة)، وعشيقته الدنماركية إيغنا راسموسن (85 سنة) في لوحة جميلة، تُقدِّم الحبّ بصفته قوة تطوي الزمان والمكان، وتُلغي الأعمار والمصادرات، التي توهم بأن مرحلة الشيخوخة لا أفق لها غيرُ انتظار الرَّحيل. يفتح العجوزان بحبّهما النبيل ثغرة في سور المواضعات الاجتماعية، التي هي في أساسها ثقافية، وليست طبيعية بالضرورة.

كما يستعرض رشيد الأشقر قضايا تخصّ الفن في زمن الكورونا، فيلتقط حادثة عرفتها أوغندا، بخصوص أغنية تضامنية “في مثل هذه البلاد، هم لا يُميّزون بين “حملة” غنائية لمكافحة “كوفيد 19″، وبين “بروباغندا” سياسية مبيّتة لزعزعة نظام الحكم؛ تماماً، كمن لا يُفرّق بين الحركة الأولى من السيمفونية رقم 40 لموزارت، وبين بطيخة “كانتالوبية” من بلاد المكسيك.

هذا ما يستشفه المتابع وهو يُطالع خبر حظر الحكومة الأوغندية لـ”أغنية” أنجزها الموسيقي والمعارض السياسي بوبي واين (38 سنة)، في موضوع التحذير والتوعية بخصوص وباء الكورونا، وهي الأغنية التي تداول سماعها أكثر من نصف مليون شخص، منذ إطلاقها في 25 من شهر آذار/ مارس الماضي، على امتداد نصف بلدان القارات الخمس.

ويلتقط الأشقر موضوعاً فنياً آخر، يرتبط بعالم السينما، وبطلُه هو “دافيد غيفن (77 سنة)، أحد رواد صناعة السينما بهوليوود، وصاحب استوديوهات (DreamWorks) الشهيرة، حيث فضّل قضاء فترة عزلته الصحية الإجبارية داخل “منزله”. عفواً، داخل “ميغايخته” الذي يبلغ طوله 138 متراً، بخمسة طوابق و82 غرفة. فضلاً عن قاعة رياضية، وملعب لكرة السلة، وحمام “الصاونا”، وقاعة للعرض السينمائي بشاشة بانورامية. مما يجعل من هذا الهرم المائي واحداً من أضخم اليخوت الشخصية في العالم”.

وتبدو حكاية دافيد غيفن شبيهة إلى حد كبير بحكاية ابن نوح النبي، الذي اعتقد بأن لوذه بالجبل سيعصمه من الطوفان، بينما هو في الحقيقة كشف عن الأنانية المفرطة، التي لا يُمكن التخلص منها بتاتاً إلا بالتربية على التآزر والتعاضد، وليس بشعار “أنا وبعدي الطوفان”.

ويندرج هذا النص ضمن “كتابة الكورونا” الزاحفة بقوة على المشهد الأدبي، الذي تزخر به فضاءات التواصل الاجتماعي، وربما سيأتي اليوم الذي ستُدرَس فيه أجناسُ هذه الكتابة، نظراً لتنوعها، ولارتفاع منسوب الإبداع فيها أحياناً.

أما الكاتب المغربي محمد الفتوح، المقيم في إسبانيا، والذي يكتب القصة والقصيدة وغيرهما، فقد هبَّ إلى رصد أحوال بلدته في نصوص سماها “أيام الحجر”؛ والتي على الرغم من اكتناف الحزن لبعضها مثل قوله: “البلدة كأنها فيلم صامت، لا أحداث ولا أشخاص فيه. كاميرا مثبتة على مشهد واحد. شوارع تصفر الريح فيها، وصمت يقطعه زعيق سيارات الإسعاف، أو دوي دوريات الشرطة والوقاية المدنية التي تذكر السكان بالالتزام بالبقاء في بيوتهم. حتى الكلاب صمتت عن النباح”، فإنَّ ما لا يخفى على قارئ نصوصه هو كوْنُها مفعمة بنبرة الفرح، وأنها تَنْضح أملاً، كقوله “رذاذ منذ الفجر حتى هذه اللحظة. قبل قليل، أي في السادسة صدحت موسيقى أغنية Resistiré [سأقاوم] من بلكون قريب. فتبعها ابني وزاد في صوت مسجلته. كل الجيران تقريبا خرجوا للرقص والفرح. الأطفال بين أياديهم لا يعرفون ما الذي يحدث”.

لا يخفي محمد الفتوح قلقَه من هذه اللحظات الحرجة، التي يعيشُها مثل باقي الناس، لكنه يجد ملاذاً له في القراءة، التي تغدو سلاحاً فعالاً يواجه به تربُّص الوباءِ بالذوات، وينتصر بها على الملل. يكتب: “في الليل أستفيق بعد ساعة أو ساعتين من النوم. أخبار الوباء سيئة. يسرح خيالي في معنى الوجود والفناء. في الله والتاريخ والإنسان والموت والحياة. سفر لا حدود له. أسئلة مقلقة للذهن. فجأة، يقفز العبقري نجيب محفوظ في رائعته ملحمة الحرافيش، وبالضبط حكايتها الأولى. عاشور الناجي الذي يأتي قادماً من المجهول بعد نجاته من الوباء”.

كتابةُ الكورونا كتاباتٌ، أي أنها أجناس، كتابةٌ يحضر فيها المعيش الحقيقي بقوة، أي تحضر فيها الذات وظروفُها، تلك الظروف تكون حاسمة في بلورة أسلوب الكاتب ووعيه ورؤيته، بل تحدِّد ذاتَه؛ أي “أَناه”، تلك التي عرَّفها الفيلسوف الإسباني أورتيغا إِي غاسيت بقوله عنها في تأملات الكيخوطي: “أنا هو أنا وظروفي، وإذا لم أُنقِذْها، فإنني لن أنجو أنا أيضا”.

ولعلّ هذه الخاصية الوجودية الحادة هي أكبر مميِّز لهذه الكتابة القادمة من المستقبل، لأنها تنبّه إلى ضرورة استعادتنا لإنسانيتنا، التي أعمتْها الرأسماليةُ باقتصادها المتوحش، الذي صيَّر كل شيء في الوجود سلعة. إنها كتابة حلَّت في وقتها لتشرع في بناء وعي جديد، تسودُه قيَم أصيلة، ولكنها ستحتاج لاحقاً إلى مزيد من التأمل والمُدارَسة بعد انكشاف الغمة. ولعلّ في النماذج أعلاه ما يشي بتميُّزٍ يطبع هذا الصنف من الكتابة الأدبية، التي لم تعد تصدر في كتاب ورقي، بل اتخذتْ صفحات التواصل الاجتماعي منصة، وتلك لعمري خاصية مهمة تَسِمُها أيضاً.

العربي الجديد

————————————-

ثلاثة أسابيع مع ضيف غير مرغوب فيه/ سهام بوهلال

في الأيام الأولى التي وصل فيها خبر الوباء الجديد من الصين، اكتظّت مواقع التواصل الاجتماعي بردود فعل كثيرة، أكثرها لا معنى لها، أو في صيغة نكات، غير أن فيديو تداوله الناس جعلني أحزن وأثور في آن واحد. فيديو نرى فيه تسجيلاً لمواطنة بلجيكية تنهال بالشتم وحتى الضرب على مواطنين صينيين وتدعوهما بهمجية لمغادرة عربة المترو.

موقف فظيع ارتاع له الركّاب والناظرون. تذكّرت حينها فترات إضراب المواصلات بفرنسا حيث يختفي التعامل الحضاري ويكثر الازدحام والمشاجرات ولا يصل إلى داخل العربة إلا من كانت له أكتاف قوية، وتذكّرت أيضاً ما خلفته مظاهرات السترات الصفراء من خسائر مادية، وأفدح منها ما تركته من كراهية انفجرت كقنبلة بين الفرنسيين حينها. قلتُ في نفسي: لو اجتاحنا هذا الوباء ربما اندلعت حرب عالمية ثالثة في أوروبا وأكل البعض البعض، وأن الأخلاق والأدب بمعناهما الحديث هشّان للغاية.

ورغم ذلك ظل الغرب يرى في الوباء الجديد ظاهرة بعيدة عنه كل البعد، حتى ظهرت الحالات الأولى في إيطاليا وشرق فرنسا ثم في بقية بلدان العالم، ففهم أنه من غير الممكن أن يحمّل المسؤولية إلى جهة معينة كما هي عادته. ثم، بدأت فترة الحجر الصحّي ومعه موجة من الخوف، شجعتها الصحافة بكل أنواعها المرئية والمسموعة والمقروءة والرقمية، وخاضت في مواضيع لا تفقه فيها شيئاً.

فكّرتُ أول الأمر بأهل غزة والثلاثة عشر عاماً من الحصار عليها، وبالفقر ودور الصفيح في المغرب وغيره، وبأطفال الشوارع والأسر المرمية في مزبلة الذاكرة العامة. قلتُ لنفسي: هذا حجر أرستقراطي، كيف يخيف لهذه الدرجة وكيف يهجم الشعب الفرنسي وغيره على المتاجر وكأنهم تذكروا فجأة مجاعة قديمة كانت تسكنهم.

لم أستهن بالأمر طبعاً، وعلى أية حال فالوحدة صديقة عزيزة عليّ، وها إن كل البلد أصبح يعيش مثلي. والمصائب موجودة في العالم غير أننا لا نراها أو نرفض أن نراها، وصرنا نعيش في أجواء قيامية.

صار كل طرف يجرّ الغطاء لنفسه، لا أحد يكفيه ما لديه، وظهر نوع شبه جديد من الكتّاب. يتحدّثون عن ذاكرة الحجر في سكنهم الريفي، بين الأزهار والأشجار ومجاري المياه، يا له من “عذاب” ومن “تضحية”! وبعض الشعراء أخرجوا من أدراجهم قصيدة “حب في زمن الكورونا” وكأن لهم لكل مصيبة قصيدة يُخرجونها في أوانها، أو “ما وراء الكورونا”، ومنهم من ينعون موتى الكورونا بقصائدهم لأنهم يذهبون وحدهم للمقبرة، جاهلين أنه في كل ستّ ثوان يموت شخص بداء السكري والعدد مضاعف بالسرطان أو يقتل زوجٌ زوجته، أو يردي رصاص المحتل الإسرائيلي طفلاً فلسطينياً، إلخ…

وظهر علماء كثر، في الاجتماع والنفس والفلاسفة، كلٌّ يشرح الكورونا كما يشاء…

وتوصّلت في فيسبوك بطلبات لكل من يعتبر أنه فيه رائحة من علم الطب، من اختصاصيين في علم النفس ومحامين كأننا سندخل في محاكمة مع الكورونا.

قلتُ لنفسي: كل واحد حرٌّ يفعل ما يشاء، وقد قطعت على نفسي ألا أكتب في الموضوع.

بقيت في المنزل وهو في مجموعة السكن الاجتماعي، حيث تكتظ العائلات، عربية وأفريقية وهندية (وفرنسية في النادر)، من هؤلاء الذين لم يستطيعوا الفرار إلى أي سكن في ريف جميل.

ومع ذلك، تظلّ وضعيتنا أحسن بكثير من سكان دور الصفيح، والأرصفة والمقابر وغيرها في بلاد كثيرة من العالم.

ورغم أن القلب ينفطر لفراق ابنتي المعزولة في مدرستها الخاصة وأن صوتها يصلني حزيناً، أصبّر نفسي وأقول إن هذا في صالحها وإنها تعلّمت كلمة جديدة ومعقدة: الحجر بالفرنسية confinement.

غير أني وبعد ثلاثة أسابيع من المعاناة والصراع مع الزائر الجديد، أعطاني صديق عزيز فكرة الكتابة عن هذه التجربة، ربما تفيد أحداً، وإذ إني سأكتب عن موضوع أعرفه اقتنعتُ بالفكرة.

ربما ساعدني في التغلّب عليه ما قلت في أول النص، نظرة متوازنة للكورونا وطرحه في واقع العالم الذي نعيش فيه.

توالت عليّ الأيام والليالي في عزلتي، بين زائرة المتنبي وربو مارسيل بروست.

تحترق الذات ثم تغرق في نهر من العرق، تتضارب الآلام أطراف جسدك من الرأس إلى أخمص القدمين، حتى لا تترك فيه شبراً سالماً، تحسّ بصدرك يضيق حتى الانكسار وكأن حافلة مرّت عليه، كما يقول شاعر كبير. تُسائل هذا اللئيم غير المرغوب فيه صمتاً، لأنه لم يترك لك صوتاً لكي تتكلم. تنفر من الأكل وعلى أي حال ستحرمك وحدتك من أي زيارة، كما كانت تقول لي أمي: يا سهام إلى متى تعيشين وحدك… حتى إذا مرضت “ما تلقايش لي يمد لك كاس ديال الما”. كنت أجيبها: “ما يمد لي كاس ديال الما ولا ديال السم…!”.

وكلما اشتعلت الحمّى اعتقدتُ أن أمي لم تمت من سنتين وأنها ووالدي ما زالا موجودين، وأن أبي فرش لي موضعاً صغيراً قرب مرقدهما، في الفترات التي كنت أعاني فيها من التهاب اللوز، وأنني نائمة في غرفتهما حتى أنهض في الصباح الرابع وأبتسم لأبي، فيقول: ها الحمّى قد راحت وابتسمت سهام. ويأتي لي بفطور شهي.

لكن مرّ اليوم الرابع والأيام الموالية والحالة مستمرة وذاك الصباح مع أبي لا يأتي إلا بعد ثلاثة أسابيع، مع مد وجزر وكأن هذا الوحش المجنون يرفض فراقي. صراع حرمني من كل طاقة لعمل أي شيء وترك لي تعباً كبيراً ولكن لم يستطع أبداً أن يُعمي بصيرتي عن آلام وأمراض عالمنا الحديث.

من الأشياء التي كانت صعبة أن أقول لأهلي وأحبتي إن الأمر سهل حتى لا ينشغلوا، وهذا في حد ذاته كان يزيد من عمق الوحدة في الذات.

لكن ما أرهبني حقاً هو فكرة أن أترك ابنتي المريضة وحيدة في عالم لا يرحم وأن أرحل دون أن أنطق بكلمة حب أخيرة.

* شاعرة وكاتبة ومترجمة مغربية مقيمة في باريس. تكتب بالفرنسية، ومن إصداراتها الشعرية: “قصائد زرقاء” (2005)، و”قبر الشوك” (2007)، و”الجسد الضوء” (2008)، و”موت لا يندمل” (2010)، و”وجه العالم الآخر” (2014). وصدر لها في الرواية: “الأميرة أمازيغ” (2009)، و”عناق” (2012)، و”يتجسّد غيابك” (2015، الصورة)، كما نقلت إلى الفرنسية “أدب النديم” لـ كشاجم “الكتاب الموشّى”، لـ أبي الطيب الوشّاء البغدادي (غاليمار، 2004).

العربي الجديد

———————————-

رسالة إلى نعوم تشومسكي.. هذا أوان ضعف الساسة/ محمود عبد الغني

قرأت هذا المساء نثراً جميلاً للمخرج الإسباني بيدرو ألمودفار. ظننت أنني سأقرأ جملاً مفكّكة وانطباعات غامضة وخائفة من العزلة والبقاء في البيت منذ بزوغ ضوء الصباح من نافذة البيت إلى حلول ظلام الليل.

جمال هذا النثر كامن في عمقه النفسي ورصده الدقيق للعادات الجديدة التي تولّدت مع الحجر. حفرٌ في مكان واحد حتى يطلع الماء من الحفرة. هذا النثر عوّضني عن الامتعاض الذي تولّد داخلي مباشرة بعد قراءة مقالة لفارغاس يوسا ينتقد فيها حكومة الصين، البلد المسؤول الأول عن فيروس كوفيد 19. ليس بوسعي القيام بمقارنات بين الروح الصاعدة من نثر ألمودفار وبين مقالة فارغاس يوسا الذي فاجأني بمشاعر خطيرة لا يمكن أن تضع على مكتبك سوى القلق.

“ليس بوسعي القيام بمقارنات بين الروح الصاعدة من نثر ألمودفار وبين مقالة فارغاس يوسا الذي فاجأني بمشاعر خطيرة لا يمكن أن تضع على مكتبك سوى القلق”

كما أني لست جاهزاً بما يكفي لسماع كلماته التي أخافتني. وأنا لا أريد أن أخلد إلى النوم وأنا خائف. كما أني قرأت رأياً لنعوم تشومسكي ينعت فيه الرئيس دونالد ترامب بالمعتوه (يا سيد تشومسكي، أيها المفكّر العظيم والخلّاق، إن مقالاتك ومجادلاتك السياسية والأيديولوجية هي من جعلت الفرنسيين يقصونك من قائمة العشرة مفكرين المؤثرين في العالم، بالرغم من أنك الفيلسوف الأكثر جرداً وذكراً في العالم. فبحكم المهنة، أنت تنتمي إلى فئة اللسانيين. لكن ولا يخفى على كل الجامعيين أنك، مثل فرديناند دي سوسير، تمتلك تأثيراً كبيراً على الفلسفة، لكن نشاطك يقيم، من هذه الزاوية، داخل سجلّ تقني. إن قوة إثارة تشومسكي، حسب هيئة تحرير المجلة التي أحصت العشرة فلاسفة الذين يؤثرون في العالم، قائمة بوصفك خصوصاً ناقداً للمجتمع وللنخب المنحازة للدول. لقد قزّمتك إلى مجرد “صحافي” سياسي، وليس فيلسوفاً بالمعنى الصارم للمصطلح، وهذا آلمني كثيراً.) ليسمح لي السيد تشومسكي أن أذكّر القراء الأعزاء بفيلم أميركي شيق: “نوتينغ هيل” (اسم ضاحية بلندن)- (1999)- للمخرج روجر ميشيل، وبطولة جوليا روبرتس. الرؤية الكبرى للفيلم هي هذه: إننا لا نعرف كيف ينجح بعض الأشخاص ويفشل آخرون. كيف تنجح بعض الأمور وتصبح في القمة، بينما تفشل أخرى وتتدحرج نحو الحضيض. إذا لم يصعد الأشخاص الجيّدون (الأشياء الجيدة) إلى القمة، فلا شيء في القمّة. القمّة خالية.

سيدي، إن قلوبنا عديمة الخبرة. ولأذكّر بهذا الأمر، سيدي: أنا مجرد كاتب وأستاذ جامعي يتوجّه إليك وأنت في القمّة الخالية.

“أخرجوا إلى الشرفات والأسطح لتحرسوا الأرض، كوكبكم المحتوم. هذه هي الساعة المفاجئة لضعف الساسة”

ومن يبحث عن المنطق الذي تسير وفقه الحياة هو إنسان أحمق. أنا لا أجد الكلمات التي أصف بها شوقي لقراءتك بشكل أكثر عمقاً. أنا، في هذه اللحظة، مثل بطلة فيلم “قبل أن نذهب” (2014)، التي تجد في الإنكليزية لفظة تصف بها الشوق، فاستعارتها من الفرنسية. يحقّ لنا استعارة الكلمات التي تستطيع وصف تجاربنا من أي لغة كانت. ويبقى في الأخير شيء واحد مهمّ: كل ما نكشف عنه يبقى غامضاً بعض الشيء، منقوصاً ومتقطّعاً.

حاولت أن أستولي على كل شيء في شخصية ماكس باين في فيلم “ماكس باين” التي تمدّ المتفرّج بما يلزم وبما لا يلزم. يبحث ماكس باين عن شيء أراده الله أن يبقى مخفيّاً. شخصية مثيرة جدّاً. ماكس سيميولوجي يقارن، وهو يبحث عن المجرم الذي قتل زوجته وابنته، بين وشم في يد مدمنة اسمها “ناتاشا”، قُتلت بشكل غامض، وبين علامة تجارية على علبة دواء. ذلك هو مصير شرطي يعمل في قسم القضايا العالقة التي لا حلّ لها. لا يعود ماكس إلى المقارنة، فأتساءل كيف ركزت الكاميرا على العلامة في علبة الأدوية. ذهب ماكس يبحث بمهنية الشرطي، ذهبت السيميولوجيا. فإلى أين ستصل جهود متفرّج/ قارئ يتبع كل علامة؟

انتقلت إلى قراءة مقالة للكاتبة الهندية أرونداتي روي. أحسست بطعم المقالة المختلف، مثلما يترك شراب لم تشربه من قبل طعما مختلفاً. يا إلهي، كل ما تقوله أعرفه لكنها تقوله بشكل أفضل. ذلك هو “الشيء الهندي” في مقالتها. قالت إن كورونا فيروس ينتشر بسرعة. ومنذ الآن لن يقدر أحد على استعمال عبارة “انتشر بسرعة البرق”.

“إذا لم يصعد الأشخاص الجيّدون (الأشياء الجيدة) إلى القمة، فلا شيء في القمّة. القمّة خالية”

إن مقبض الباب (الأكرة)، وعلب الورق المقوّى، وكيس الفواكه… أصبحت تعني: كل شيء في العالم هو مغطّى بالفيروس. لكن صدرت مني ضحكة حين وصفت روي مواطنين تضربهم الشرطة بالعصي فنطّوا مثل الضفادع. الأفضل من كل ذلك، في المقالة، تشبيه العالم بقطار محطّم ينتقل منذ قرون على السكة، وقد وصل إلى هنا وهو أجزاء متداعية. للنظر إلى العالم من هذه الزاوية: إنهم يخترعون من الفيروسات كل يوم نوعاً جديداً، وكل واحد أسوأ من الآخر. وصور الزعماء على الشاشات وهم مرتبكون وحائرون مجرد أدوار في مسرحية. إن الوضعاء حين يرتعدون يظهرون في طبيعتهم الجديدة ما لم يُفطروا عليه (شيء من شكسبير لكنه ليس لشكسبير). صدّقوني: ترامب، ماكرون، بوتين، ميركل…. كلهم غارقون في حبّ هذا الفيروس. ولنستقبل خطاباتهم الهائجة على أنها خطابات مديح لكوفيد 19. لنستقبل كل شيء بالمقلوب. لكن ذات يوم من الأيام القادمة سيخرج الناس بأفواه مفتوحة تهتف: خائنوووووووون. لا تنذهلوا يا سادة. إن كوفيد 19 فعلة وحشية. نذالة.. نذالة.. نذالة.. إنهم يأمروننا بالبقاء في البيوت.. أيها السادة الكرام من الأصول أن نطيع هذا الأمر… لكن من الشجاعة أن نقول: لقد قتلتم أعذب الناس.. أعذب الأبرياء. سيموت الناس جوعاً، حتى وإن رششتوهم بمواد كيماوية. اسمعوا صوت ميخائيل في رواية “بانييت إستراتي”:

– هذا أكثر من غياب النزاهة، إنها سوء الأخلاق. إنه عنف ارتكب في حقّ التوازن حيث كل شيء متناغم.

لأعد وأحاكي صوت “مونتانو” في “مأساة عطيل”:

– إلى الشرفة أيها السادة. هلمّوا نبدأ الحراسة.

أخرجوا إلى الشرفات والأسطح لتحرسوا الأرض، كوكبكم المحتوم. هذه هي الساعة المفاجئة لضعف الساسة. هيا أيتها الحشود، هلمّوا لحراسة الحياة من الشرفات. هلموا، ها قد وصل القطار المُحطّم الذي بدأ رحلته منذ قرون.

ضفة ثالثة

——————————-

العزلة أو كيف تلوم حبيبك ألف مرةٍ في الدقيقة…/ أسماء الغول

أراقب نفسي من داخلها، كأنّي أعيش بين مرايا مُكبّرة، أواجهها يومياً… أحدّثها… ألومها… أكرهها… أشفق عليها، أغلبها وتغلبني، أداوي جروحها، تتكبّر علي، فأعود لأداويها، تهزمني، فأكرهها ثم أشفق عليها.

أشعر كأنّي سيارةٌ قديمةٌ تحتاج إلى تصليح، إلّا أنّ الميكانيكيّ مفقودٌ وسط الصحراء، منزلي صحراء، لا يوجد حولي مجلى وفرن وغسالة وتلفزيون، وأمامي سلطة أفوكادو وعصير تفاح، حواسك تلخص لك الكون في هذه اللحظة، وحواسي معزولة فلا أرى سوى رمال صفراء، معزولة بالحزن وليس بالكورونا، معزولة عن العائلة والحب والأصدقاء الحقيقيين، إلّا أنّ هذه أيضاً صفات الغربة وليس الحجر المنزليّ فقط… أليس كذلك؟

كيف تفرق الغربة عن الحجر المنزلي؟ إنّها مجرد غربة داخل غربة، ربما كنت ألقي التحيّة بالسابق هنا أو هناك، أقابل أحد المعارف صدفةً في مهرجان أو حافلة، لكنّي اليوم أمام غربتي وجهاً لوجه، قلباً لقلب، ولا شيء ينتج عن ذلك سوى مزيد من الغوص داخلك، مزيد من استرجاع الماضي دون بكاءٍ على الأطلال.

إنّي أحسد العائلات التي تتواصل مع بعضها البعض كل يوم، أحسد أعياد الميلاد، أحسد الفرنسيين الذين يخرجون إلى الحديقة القريبة ليلعبوا معاً، أحسد المنازل الممتلئة بأفرادها، أحسد شجاراتهم، ضحكاتهم، أحسد الأصوات الحقيقيّة، لا يحتاجون لرفع صوت التلفاز خلال مسلسل تافه كي يشعروا أنّ حياة تجري حولهم.

هل تنقصني الحياة أكثر ما كانت تنقصني؟، كيف غدوت وحيدة إلى هذه الدرجة؟، معزولة حد نبذ ذاتي باختيارها.

ابني يلعب بلاي ستيشن أغلب الوقت، لأول مرة لا ألومه فمنظمة الصحة العالميّة بنفسها نصحت بذلك، كي يشعر الأطفال أنّهم يتواصلون مع آخرين، ابنتي ترسم أو تلعب بغرفتها، أحضّر الوجبات وأنقلها إلى غرفهم، أشعر كأنّني أعمل في فندق بخدمة الغرف، مع فارق أنّي أتلقى عناقاً وابتسامة حب بين الحين والآخر.

يجب أن يكون اسمها “العودة” وليس العزلة، عودة للأصدقاء القدامى، للأغاني التي كنت تحبها، عودة لنفسك، هي عودة أكثر منها اكتشاف أشياء جديدة، ما فتحته فترة الحجر المنزليّ عوالم قديمة كنا تركناها منذ زمن بعيد.

والدتي عادت تحيك الصوف خلال إقامتها في تركيا، وتصنع لنا القبعات واللفحات على أمل اللقاء، صديقتي تبحث عن أرقام زملائها الذين كانوا يعملون معها في أول الصحف التي تعيّنت بها، أمّا صديقي الباريسي فقد تفرغ أخيراً لكتابه كي ينهيه هذه المرة، وأنا استمع إلى “حلف القمر” بصوت جورج وسوف في صباه.

إنّ الحياة فجأة تسير ببطء بل أكثر بطئاً من بطء ميلان كونديرا، كنت في خضم تحركاتي بين الحافلة والدراجة والمترو كي ألحق بمواعيدي اليوميّة بين مدرسة ابنتي وكورس اللغة وقهوة الصباح أتساءل كثيراً متى ستهدأ هذه البلاد؟ أشتاق إلى تسيّب بلادنا والإضرابات وكسل الناس وعدم أخذ الأمور بجديّة، ثم فجأة توقف كلُّ شيء.

لم أكن أتخيل أنّي سأشتاق إلى الصباح البارد حين أصحب ابنتي إلى المدرسة، أو إلى ربيع العام الماضي، فالربيع الحالي يفصل بيني وبينه باب، بل أكثر من ذلك أن تتخيله ملوثاً بالكورونا بمجرد خروجك إلى الشوارع يجعلك لا تفكر بأيّ فصل أنت.

لا ألبث أتذكر الشاب مورسو من رواية “الغريب” لكامو حين جعلته عزلته في السجن يراقب كل التفاصيل في الجدران والأرضيّة ويصفها بدقة واهتمام لم يفعله من قبل، كما يسترجع لوم الآخرين له على أنّه لم يبكِ على وفاة أمّه، بل ربّما لم يحزن، ورفض رؤيتها قبل الدّفن، وفي اليوم التالي تعرّف على فتاة وذهب معها وشاهدا فيلمًا ساخرًا وبعدها ذهبا إلى البحر، واتخذت المحكمة كل هذه التفاصيل لإثبات إدانته بقتل أحدهم على الشاطئ، ولن تسمع لحظة ندم واحدة من مورسو، فهو يعتبر ما قام به طبيعيّاً.

لكن ما يفعله معنا الحجر أنّ اللوم يتضخم داخلنا وليس كما حدث مع مورسو، ولا أدري كيف..! من الصعب فصل الكتابة اليوميّة عن الحياة الحقيقيّة، قالت لي صديقة أنها لامت حبيبها على فتاة يحدّثها كل يوم، يعرفها منذ طفولته، لامته بشدة وكان رده أن عندها خمسة آلاف صديقٍ على الفيسبوك لكن منذ متى الفيسبوك يمنحنا أصدقاء؟، منذ متى كان بينك وبين أصدقاء الفيسبوك ماضي مشترك وذكريات تضحكان عليها؟.

هل فعلاً صديقتي الوحيدة مثلي، تغار عليه أم تغار منهما بسبب عزلتها، هل فعلاً يهمها ذاك الحبيب أم أنّها تحتاج أن تصب اهتمامها نحو شيء ما، وربما أنّ الأرواح المجروحة تتجاذب لتزيد بأسها بأساً فتشعر أنّها بحالة جيدة وتنكل ببعضها بعضاً.

أترون مثل هذه الأفكار ما يفعله بك الحجر المنزليّ، إنّ النظر إلى اللاشيء في سقف المترو أو التورط داخل ازدحام ما لهو أفضل لك من أن تقف أمام نفسك وتعاتبها.

الترا صوت

—————————

الليل والنهار/ ابراهيم عبد المجيد

الأسئلة الصحافية كثيرة عن، ماذا تفعل في زمن كورونا؟ أقول لا أفعل شيئا. بعد أن تنتهي المكالمة أضحك، لأن هناك ما يشغلني في الكتابة وأكتبه، فكيف أقول لا أفعل شيئا؟ ليس لأنني لا أحب أن أصرح بما أكتبه، خاصة حين يكون عملا إبداعيا، رواية أو قصة، إلا بعد أن انتهي منه. وهي عادة تعودت عليها منذ وقت مبكر، ليس خوفا من لصوص الأفكار والموضوعات، فالأفكار لا تسرق فهي شائعة، ولكن كيف تكتب، هو الموضوع.

الأفكار مثل الاستلاب والنفي لها مئات التجليات في الكتابة، ومثلها أفكار الحب والغدر والفراق، وحتى قلة الأصل، أو النذالة يعني، لكنني لا أصرح لإحساس عندي، وهو لا شك عند كثير من الكتّاب، إن لم يكن كلهم، بقداسة ما تكتب، وضرورة أن تظل في المعبد وحدك معه حتى يُنشر ويصبح سلعة، قد يمدحك عليها الناس، وقد يتجاهلونك أو يقللون من شان عملك، أو يشون بك عند من يستحلون دمك أو يسجنونك. أضحك وأجد التليفون يدق، وهذا يحدث كل يوم، والسؤال هو ماذا ستفعل بعد انتهاء كورونا؟ وأقول لا أعرف بينما أنا أعرف، فما أحتاجه هو أن أمشي ولا ينتهي المشي، حتى لو بلا هدف، حتى تنتهي الكرة الأرضية تحت قدميّ. أضحك أنا لا أعرف، بينما جسدي كله يريد التمرد والانتفاض للخروج بلا هدف. وحين أجلس رغم ضوء النهار حولي، فلقد صارت الشرفة بديلا عن الشارع، أتنقل على الميديا فلا أجد حديثا إلا عن كورونا، فيزداد إحساسي بالعزلة، ليس خوفا، ولكن يبدو لي الحديث في أي شيء آخر لا معنى له. في الشرفة رغم ضوء النهار والهواء العليل للربيع، فلم تحل رياح الخماسين بعد، تنثال عليّ ذكريات لا تبدو واضحة وسط الضوء، فالذكريات تضيء الظلام. أتركها وأعود إلى الميديا، المقهى الكبير، وأرى وجوه من أحببت، ومن لا أهتم، فأنا لا أكره ولم أكره، وإن شملني القرف أحيانا. وقد رأيت لسنوات طوال من بعض الكتّاب مات منهم من مات، ومن عاش فليطل الله في عمره، كل عسف. جميعهم لم أعاتبهم، فشعاري كان ولا يزال العالم واسع فسيح الأرجاء. هم لم يتناولوا أعمالي بالتقليل من شأنها، فهذا لا يزعجني، فكما أنك حر في الكــتابة فالمتلقي حر في رأيه، لكنـــها أعـــــمالي، جعلتهم يبحثون عن كل الســــبل لقطع الأرزاق. جميعهم يتصورون أنني أبله لم أعرف مكائدهم.

الذكريات تنثال في النهار باهتة لأنها بنت الليل، فجيلي قضى لياليه مع أم كلثوم وعبد الحليم ونجاة الصغيرة وغيرهم، كانوا يزيدون من فرحته، ويبكونه على قصص الحب الضائع، أو على ضياع الأحباء من الأهل والأصدقاء. هذه الأغاني وهذا الطرب المليء بالشجن جعل جيلي منذ وقت مبكر يميل إلى الأسى، وكما قلت في إحدى الروايات «يحب على الهواء» متمثلا بقول محمد عبد الوهاب منه لله «وعشق الروح مالوش آخر لكن عشق الجسد فاني». الكتابة كانت تشغل ثلاث ساعات، والقراءة مثلها أو أكثر، لكن أن يتوفر لديك على الأقل خمس عشرة ساعة، فهل صار اليوم ثمانية وأربعين ساعة وأنا لا أعرف؟ أنام متأخرا مع صوت الفجر أو بعده، وأصحو في الحادية عشرة أو بعدها بساعة، وبعد ثلاث أو أربع ساعات أنام ساعة أو بعض ساعة. أنا لا أقرر ذلك، لكنني أصحو ثانية ثلاث ساعات أو أربع ساعات، ثم أنام ساعة وأصحو وتكون هذه الساعة الأخيرة سببا في السهر حتي الفجر، الذي كان يأتي فجأة لأنني مشغول دائما في الليل بالقراءة والكتابة. يخيل لي الآن أن الفجر يأتي كل يومين. ماذا أفعل بالنهار الآن؟ أتنقل إلى الأفلام فأجد أن محطات «بين موفي» المشفرة التي اشترك فيها، كلها صارت حافلة بأفلام القتل والخيال العلمي، ولم أعد أجد بينها أفلاما تاريخية، ونادرا ما أجد فيلم كاوبوي يأخذني من هذا الزمن إلى كيرك دوغلاس وبيرت لانكستر وروبرت ميتشوم وجون واين وغريغوري بيك وغيرهم. الذكريات الحلوة تحتاج إلى باعث لها أو مفجر، والسينما أقرب وأسرع الباعثين، لكنني لا أجد ما كنت أجري وراءه في السينما زمان. لا.. هي موجودة، لكنني لا أراقب القناة كل الوقت، فالتلفزيون في غرفة غير غرفة مكتبي، أتذكره فقط في طريقي إلى دورة المياه. لم أعد أذكر أن حولي في البيت غرفا أخرى. كان ذلك يحدث دائما في الليل، وأنا أكتب بعد أن ينتصف وينام كل من حولي، لكنه صار يحدث الآن في الليل والنهار. جلسة البلكونة ورغم أشجار الشارع القليلة أسمع منها صوت العصافير. صوت أشبه بالسنونو، لكنه يذكرني بأغنية نجاة الصغيرة «ناداني الليل». أغنية عرفتها صدفة منذ سنوات بعيدة وعرفت أن كاتبها هو محمد علي أحمد ابن الاسكندرية، الذي انتقل إلى القاهرة منذ أكثر من ستين سنة عليه رحمة الله. الأغنية الجميلة التي تبدو مثل سنونو يصدح في فضاء خالٍ، تتحدث عن اتساع الليل بالخيال الحلو. الليل يطول بالأمل كما هو في الأغنية، لكن أن ينضم إليه النهار فهذا ظلم للزمان! وضياع للآمال. لكنني أظل أسمع صوت الطيور. كانت الأغنية تحرك الليل حولي بصوت السنونو، نجاة، لكن النهار يجعلني في مكاني لا أذهب ولا أعود. لا في الواقع ولا في الخيال. تأتي الأسئلة بالإجابة نفسها.. لقد تجمدت، والعجيب أنني لا أدرك أنني تجمدت، أي أنني صرت منفيا داخل النفي بفعل عادة خليك بالبيت.

أنا أعرف أن العادات تنفي أصحابها وتستلبهم، فنادرا ما تجد مخبر شرطة لا يتلفت حوله، ولا حدادا لا يرفع صوته بالحديث، رغم إنه خارج الورشة، ولا بائع عرقسوس يمشي غير متراجع بظهره من أثر «قدرة العرقسوس» التي يحملها على بطنه، رغم أنه لا يحمل قدرة العرقسوس! ولا موظفا في مصلحة يستمع إليك باهتمام. النفي والاستلاب الآن جاءا من الجمود في الزمان والمكان. الزمان حولك مثل أمس كل ما فيه عن كورونا، والمكان طبعا لا يتسع.

القراءة جميلة لكن ليست جبرا، فأنا أقرأ لأنني أشتاق لأن أقرأ، ولا أقرأ لكي أقتل الوقت. صرت أبتعد عن الطرب العربي، الذي كان يقلب الذكريات الشجية، لأنه الآن حتى هذه الذكريات لا تأتي، فكورونا جمدّ المكان والزمان. الجميع الآن يتذكرون أزمنة الأوبئة رغم أنهم لم يعيشوها، فكأن كورونا أوقف الزمن عند الأوبئة. الأشجار يتم تقليمها بيد الجنايني، لكن لا يسقط أوراقها إلا الخريف. كم من الأوراق ستسقط ممن أحببنا، وهل ستظل ورقتك في مكانها؟ لهذا لا أعرف من سأقابل بعد الوباء. لا أري إلا خلاء.. حتى ذكرياتي لم يعد يأتي بها ليل أو نهار.

٭ روائي من مصر

القدس العربي،

———————————-

موت الكتاب!/ خوان لويس ثبريان

ترجمة: عبد اللطيف شهيد

إن نظرة العالم المنبثقة عن الثقافة المكتوبة تذوب بين تقطيعات الإنترنت، نظام فوضوي تؤدي تناقضاته إلى تفاقم حالة الحجر الصحي.

في روايته «الترتيب الأبجدي» يصف خوان خوسيه ميلاس، عالمًا خياليًا تتنقل فيه الكتب بحُرية، ولكن ينتهي بها الأمر إلى الإرهاق في رحلتها وتسقط جثثها فوق المارة المرعوبين. مثل هذا، الترفيه الأدبي لفيلم «الطيور» لهتشكوك، الذي أثار حماس الكاتب فرانسيسكو أيالا، والذي تمكن من خلاله التكهن حول مستقبل الكتاب، وهي قضية استحوذت على عدد لا يحصى من الكتّاب باختراع الوسائط الإلكترونية، أولاً، والإنترنت، في وقت لاحق.

وباء الفيروس التاجي، الذي يهدد بكسر النظام الاجتماعي، يسمح لنا بالسؤال عما إذا كان سيُنهي أيضًا الترتيب الأبجدي الذي يعتمد عليه. قبل وقت قصير من نشر رواية ميلاس، في مقالتي على شبكة التواصل، كنت أراهن على بقاء الكتب، طالما أنها قادرة على التكيف مع الحضارة الجديدة، على الرغم من أنني لم أتجاهل المخاطر التي تنتظرها. لقد كنت مقتنعا بشكل خاص بما قاله أومبيرتو إكو من: إنه بعد اثنتي عشرة ساعة أمام الكمبيوتر كانت عيناه مثل كرة التنس، وشعر بالحاجة إلى الاستلقاء لقراءة صحيفة أو حتى قصيدة. ثم اشتكى علانية من أنه لسنوات كان السؤال الوحيد الذي كان يُلقى عليه في كل مقابلة يدور حول وفاة الكِتاب. وقال: «عندها بدأت أفكّر في موتي، أعتقد أن تكرار السؤال يعبر عن قلق حقيقي وعميق». السؤال نفسه طرحتُه على بيل غيتس في مقابلة على هذه الصحيفة، بعد أن أتيحت لي الفرصة لزيارته في منزله في سياتل، وهو قصر يتكون كنزه الرئيسي من مكتبة واسعة ومذهلة. شرح لي بسرعة أن الصحف محكوم عليها بالاختفاء، ولكن الكتب لها قيمة في حد ذاتها ليس فقط في محتواها، ولكن أيضًا كأشياء، وسوف تستمر مع مرور الزمن.

بعد ذلك بسنوات، مع تقدم الحضارة الرقمية، حاول روجر تشارتير، ربما هو أبرز مؤرخ للقراءة، الإجابة على سؤال مُطابق في مؤتمر. انطلق مما توصل إليه بورخيس، من أن الشيء الوحيد المهم في الكتاب هو أن يُقرأ، لأنه إذا تم إغلاقه، فهو فقط «مكعب من ورق». يشدِّد تشارتير على أن الإنترنت سوف يقضي على السّفر والمجلّد المطبوع، تمامًا كما يقضى على مخطوطات العصور القديمة الكلاسيكية. ووفقا له، فإن النص الإلكتروني يتوفَّق على اختلاف الثقافة المطبوعة، والذي يسمح بترتيب الخطابات، مع القراءة المجزأة والمشتتة، إلى حد ما، التي يتيحها الإنترنت. يبدو لي ادّعاؤه هذا غير مبرر، لدرجة أنه يشير هو نفسه إلى أن: «الثورة الرقمية تجبرنا على إعادة تنظيم الثقافة المكتوبة»؛ باختصار، تأسيس نظام جديد للخطابات وتسلسل هرمي متجدد لأنواع أدبية، مفهومة جيدًا.

في الوقت الراهن هذا النظام الجديد هو في الواقع اضطراب، كما هو الحال مع الاقتصاد والجغرافيا السياسية. كما تفاقمت تناقضاته مع تراثنا الثقافي بسبب الوباء. اتفقت جميع الحكومات تقريبًا، وسط الحجر الصحي، على أن الثقافة ليست عنصرًا في حاجة ماسة لها. في حين أن أكشاك التبغ ما زالت مفتوحة في إسبانيا، وتحاول الحكومة أن تفعل الشيء نفسه مع مهنة الحلاقة، فإن المكتبات لا تزال مغلقة. يبدو منطقيًا من وجهة النظر التي أشاركها أن كل المعرفة موجودة على الإنترنت، ولكن ليس كل السكان لديهم القدرة للوصول إليها، وأن القطاعات الأكثر ضعفًا، حسب العمر أو القوة الشرائية، هي الأكثر تأثرًا. هذا التعتيم الثقافي الذي نعاني منه، مهما كانت مبرراته من حيث تجنب التجمعات البشرية، ستكون له عواقب وخيمة على مستقبل الثقافة والفكر والوصول إلى المعرفة. إن مشاهدة مسرحية في مكان ما، أو حضور حفل موسيقي حي، يختلف عن مشاهدته على شاشة التلفزيون. وليس التدريس على الكمبيوتر بديلا موفّقا عن الدراسة على الكتب المدرسية. مشكلة موت الصحيفة، التي لن نتمكن من حضور جنازاتها، كما يحدث بشكل كبير مع المبارزات الشخصية، ليست فقط قضية تجارية أو اقتصادية بشكل رئيسي، ولكنها تؤثر على التسلسل الهرمي للمعرفة. الجريدة، مثل الكتاب، هي عمل وحدوي. كلاهما يستجيب لرؤية عالمية، «Weltanschauung « في التقليد الألماني، الذي يختفي بين تقطيعات الفوضوية للإنترنت. يراهن تشارتير، على أنه في النهاية، على الأقل في الثقافة، سيتعايش العالمان: النظام القديم للخطابات والأبستمولوجيا الجديدة. أنا متأكد من أن هذا سيكون هو الحال لبعض الوقت، خاصة إذا أصبحت السلطة السياسية مهتمة بها وتفهم الآثار المترتبة على المجال التربوي. لكن الفكر السائد هو بالفعل ما ينبثق من شبكات التواصل، والذي يتميز بالغموض والتناقض والفوضى، من جميع أعداء الترتيب الأبجدي.

المصدر: ألباييس / 1

القدس العربي،

——————————-

صورة الأرض بعد ألف سنة: ثعلب طليق وقط سيامي مربوط بسلسلة وقوى تحلم بالسيطرة على الكواكب/ نوري الجراح

أول مرة منذ سنوات، أرى الثعلب الرمادي الصغير يجتاز الشارع ويمر تحت نافذتي، من دون أن يبدو عليه أي خوف أو تردد. بالمقابل أطلُ على الحديقة الخلفية وأرى جاري الشاب وقد استرخى في مقعده الخشبي تحت الشمس وفي يده المتراخية قليلاً حبل انتهى إلى ربقة تحيط بعنق قط سيامي، رمادي، هو الآخر، وموشح بشيء من الزرقة الداكنة. والقط، يجاهد ليطيل من الحبل ما أمكنه وأنفه الناعم يتشمم أعشابا راجفة في هواء خفيف.

لم يسبق لي قبل اليوم أن رأيت قطاً مربوطا بسلسة، فالقطط لطالما كانت ذات طبيعة استقلالية. من المؤكد أن الثعلب الباحث عن رزقه في الأزقة الخالية من البشر، كان على تشرده أكثر سعادة من هذا القط السيامي المدلل الذي لم يبد مستوعبا فكرة الحبل في يد صاحبه والربقة في عنقه.

صورتان مؤثرتان.

***

ربما كان أعظم ما يقدمه لنا فايروس كورونا وقد تحوّل الى وباء جائح، أنه يعيد تذكير مجتمعاتنا الإنسانية بنسبية القدرة على التحكم بالطبيعة، أولا. وبكل شيء تالياً، وبالتالي بضرورة احترام هذا المعنى بينما نحن نفكر بإيجاد الحلول لهذه المعضلة الضخمة، معضلة الوباء الداهم، وهو موعد واحد من مواعيد التهديد لوجودنا على الأرض بسلاسة تكاد السلوكيات الأنانية لوجودنا أن تحيلها إلى ذكرى ومادة لحكايات الماضي عن رفاه أرضيّ لم يعد موجودا.

مرة أخرى، هل يمكن القول بأنّ الجائحة الحالية أيقظت الإنسان ليتذكر جيدا نسبية قدرته على التحكم وضرورة تحرير الذات مما أسرها من أخلاقيات القطيع الاستهلاكي الدائخ على سلالم الكهرباء في المجمعات التجارية الكبرى التي كل حانوت من حوانيتها يقدم لك ربقة تضيفها إلى عنقك أو يدك أو قدمك في متاهة استهلاكية لا تبقي منك سوى صورة العبد الطائع، العبد الأناني المتمسك بما فاز به من متاع “المول”، الحريص على أشيائه ببخل وريبة بالآخرين، كما لو كان هذا المواطن المسخ هو الإمكانية الوحيدة لصورة الفرد في المجتمع.

هل نستوعب من هذه الجائحة ما تقوله لنا من أن أوان العودة إلى قيم التبادل والتعاطف والتفاهم والتشارك بل والتطوع لأجل الآخر، وغير ذلك من القيم النبيلة المهجورة قد آن، وأن لا خلاص للكائن ولا نجاة إلا باستعادة ما أرغمتنا قوانين السوق على التخلص منه من قيم كانت حتى وقت قريب توصف بأنها نبيلة.

***

ولكن هل يمكن إنقاذ حياة الإنسان، من دون احترام بيئته الطبيعية التي تعتبر منذ وقت طويل الحلقة الأكثر انتهاكا في منظومة الحياة الحديثة، لما تعرضت له منذ بدايات الثورة الصناعية خصوصا، وحتى اليوم من انتهاكات جسيمة؟

لا أظن أن هناك إجابتين عن هذا السؤال. لذلك، يبدو من العبث حقاً الاستمرار في طرح مثل هذه الأسئلة، في وقت يعي الإنسان جيداً حجم المخاطر التي يتسبب بها سلوكه الأناني، ليس الفرد وحده ولا الجماعة وحدها، ليست المؤسسة الكبرى ولا المحترف الصغير، وليس قليل الخبرة، وحده ولا واسع المعرفة. جميع بني البشر متورطون في الكوارث التي ألحقت بالكوكب، كل على نحو وكل بمقدار. حتى بات الكوكب يئنّ تحت ضربات الإنسان وقسوته على الطبيعة.

والواضح أن القوى الكبرى صاحبة القدرة في تقرير المصائر، إنما تسعى منذ وقت ليس بالقصير للتخلص من هذا الكوكب المستنزف والمغادرة إلى كواكب أخرى أكبر حجماً وأكثر ثراء.

والواقع أن السيطرة على الكواكب الأخرى كان العنوان الأكثر إثارة لي خلال الأسبوع المنصرم. وهو ليس عنوان رواية، ولا اسم فيلم من أفلام الخيال العلمي، ولا هو عنوان مسرحية من مسرحيات يوجين يونسكو أحد أقطاب مسرح العبث، ولكنه الاتهام الذي وجهته وكالة الفضاء الروسية (روسكوسموس) للأميركان في شخص رئيسهم دونالد ترامب بأنه يخطط للسيطرة على الكواكب الأخرى.

أثارني هذا العنوان، استقبلته بمزيج من الجد والسخرية والغرابة معا. تخيّل شخصاً يجلس بين أربعة جدران ويشعر بها وكأنها غابة من الحواجز المطبقة في متاهة لولبية لا تفضي إلا إلى المزيد من الضياع في مربعات متتالية.. وتخيل نفسك تستقبل هذا الخبر الفضائي بينما كوكب الأرض يهرب من تحت قدميك. شيء خرافي، شيء ينتمي إلى دنيا الفانتازيا، حيث يتحول الواقع إلى شيء لم يسبق أن كان مألوفا. وتصبح المخيلة الفانتازية، سلوكاً ينتهجه الزعماء والسياسيون عوضا عن الروائيين والمسرحيين وسينمائيي ما بعد الحداثة.

الفضاء المستعمر

من الواضح أن شكوى الدبّ الروسيّ (وقد تحوّل في السنوات الأخيرة إلى ابن آوى) من العم سام مرتبطة بما قام به الرئيس ترامب مؤخراً من إجراءات تنفيذية قد تبدو لنا فانتازية وغريبة، ولكنها تترجم المخططات المستقبلية إلى أسس عملية تقوم عليها السيطرة على كواكب أخرى، وتسري وفقها سياسات التجارة والتعدين في الفضاء. وحاليا تنشط الوكالات الأميركية المعنية للتفاوض مع جهات أميركية وأخرى دولية لتأسيس عمل يوصف بأنه سلس (!) يتصل بـ”جلب الموارد الفضائية” إلى الأرض. وما ليس طريفا أبداً أن الدولة الأميركية العميقة لا تعتبر الفضاء مشاعا للآخرين، وبالتالي فهو موضوع احتكار أميركي أساساً، على رغم ما يبدو من تعاون بين وكالة الفضاء الأميركية والوكالة الروسية للفضاء. وهذا يفتح المجال لنقل الصراع بين أميركا والقوى الأخرى من الأرض إلى الفضاء. (أتخيل نفسي الآن وأنا أكتب هذه السطور طرفا في تلك الفانتازيا الإنسانية المتطلعة إلى الفضاء البعيد، بينما سكان الكوكب الأرضي جميعهم مختبئون في البيوت! هربا من عدو مجهول بالكاد يرى بالمجهر.. كيف سيتصرفون غدا في الكواكب الأخرى بعوالمها المجهولة؟!).

ولكن هل في وسع قوة أخرى منافسة الأميركيين في الفضاء أو تعطيل نظريتهم الاستعمارية بنظرية تقول بأن الفضاء مشاع عالمي، وأنّه ملك للبشرية جمعاء؟ ولكن ألم تكن الأرض ذات يوم مشاعاً، قبل أن تستعمرها الإمبراطوريات وتحتازها هي وسكانها أملاكا لها، ومن ثم تدور بها دورات التبادل والاحتلال عبر العصور، بين قوة آفلة وأخرى صاعدة؟

ألم تكن قارة أميركا بأسرها ملكا جرى نهبه بكل ما للكلمة من معنى، وتدمير ساكنته التي عمرته منذ أن وجد الإنسان في تلك القارة من الأرض. من يجادل اليوم في حقوق من أطلق عليهم الأوروبيون بـ”الهنود الحمر”؟ لا أحد.

إذن لا، لن يكون الفضاء ملكا للبشرية جمعاء، ولكن لمن يمتلك سلاح العلم الأكثر تطوراً، والقوة القاهرة.

هل يبدو نافلاً أو غريبا السؤال، بعد ذلك، عما إذا كان التنافس المحموم بين الشركات الطبية العملاقة اليوم للوصول إلى مصل يكبح جماح الوباء ويقضي عليه، إنما ينطلق أولا من الدافع الأخلاقي والنزوع التشاركي في اقتسام الواجب الإنساني في لحظة كونية كارثية الطابع، وهو المحرك لنشاط هذه الشركات في إعلاناتها المتعاقبة عن التجارب التي تجريها بحثا عن دواء يوقف النزف البشري وينقذ البشرية من الهلاك؟ ولا حاجة بنا بالتالي من توقع أضرار جانبية تقع في الأرواح في سياق المزاعم الطبية الناجمة عن هذا التنافس المحموم؟

وباء الطغيان

كثر الحديث ودار اللغط بين الناس حول ما إذا كان فايروس كوفيد 19 من صنع نفسه، أو هو من صنع البشر؟ وقد غذّى هذا التساؤل تصريحات من سياسيين، وكتابات كتاب واسعي الخيال، وتحليلات جرى تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي. الساخرون ممن ألجأهم الاستبداد إلى خيام العالم، وباتوا يسكنون في مواقع التواصل، هم أولئك الذين هان عليه وباء كوفيد 19 أمام وباء الطغيان.

من الحكايات الساخرة أن يخرج وزير الصحة في بلد ينتشر فيه الطغيان كالوباء، ليعلن عن عدم وجود أي حالة إصابة في بلاده، فهي نظيفة تماما. الكاميرات التقطت التعبير في الوجه الفخور والثقة في الصوت الذي ردد حرفيا “الجيش العربي السوري طهر الكثير من الجراثيم الموجودة على أرض سوريا”. آخر ما كانت تقصده كلمات وزير الصحة هو الفايروس كورونا، وقد فهم الحضور وكل من سمع الخطبة المرعبة، أن المقصود بالجراثيم، هذه المرة، هم البشر، وهو اعتراف لا يعوزه قناع ولا خجل بما ارتكبه نظام الوزير من عمليات تصفية جسدية لأهل

الاعتراضات الشعبية منذ 2011 وحتى 2020. لم ينسَ الوزير الفاشي أن يوجّه الشكر للذين قضوا على الجراثيم في البلاد. إنها الفانتازيا الدموية، فانتازيا الفاشيين الصادرة عن انتصار ثقافة الموت على ثقافة الحياة. والغريب أن يمر التعبير عنها في الإعلام العربي والدولي بمنتهى السلاسة، ومن دون أي نوع جدي من الاستهجان.

نظام يساوي بين المواطن المعترض والفايروس، ويشرعن إبادته، كيف لوزرائه أن يعترفوا بالحقائق، بالتأكيد، إن من ينكر وجود سجناء في سجونه المترعة بأهل الرأي حري به أن ينكر وصول فايروس كورونا إلى بلاده، على الرغم من جميع المعلومات والمعطيات الدامغة التي تؤكد العكس.

***

وإذا كان هذا شأن وزير الصحة، فإن ثقافة المؤامرة لدى النظام وقد ربطت بين كورونا والمخططات الإمبريالية التي تستهدف الحلفاء في كوريا الشمالية، الصين، إيران، حزب الله، لم تعد (رغم شعبيتها) مسلماً بها لدى قطاعات واسعة من الناس، لاعتبارات بعضها يتعلق بنضج الوعي بالظواهر وأسبابها، وبعضها يتصل بالقبح الذي بات يميز صورة المتكلم!

لكن العبثي في الأمر أن ثقافة المؤامرة لا تفارق خطابات تلك النخبة الرعاعية الحاكمة بأزيائها المدينية وأفقها القروي الضيق، والتي لم تمكنها تجربتها المدينية في علاقتها بالناس مما هو أكثر من تطوير ثقافة العزل المنزلي للمواطنين على مدار نصف قرن من فاجعة الحكم الشمولي، المشفوع بالقتل تحت التعذيب للمشبوهين والمتمردين على نظرية المؤامرة، فالمؤامرة مصطلح محبوب، شيء متأصل في صلب التكوين النفسي للشخصية الاستبدادية، ومرتبط ببرنامجها القائم على منظومة متكاملة من الجرائم والأكاذيب.

وإذا كان من العسير على المهاجرين والمنفيين من حملة الأقلام السوريين (وكذلك العراقيين وغيرهم من ضحايا ثقافة الموت على الطريقة الإيرانية) توصيف الحال السوري من الداخل كما يمكن (وكما يجدر) أن يفعل من هم في الداخل، فلماذا لم نسمع صوتا واحدا من بين المثقفين الموجودين في الديار يجادل الوزير أو ينبه المجتمع إلى فاشية خطابه؟

بعد ألف عام

لا يملك من يجلس ويتابع عداد الأرقام وهي تحصي نفسها بالأرواح، وبالبشر المتساقطين صرعى بفعل اجتياح الفايروس القاتل، إلا أن ينضم إما إلى تيار المنجرفين في قراءات خلاصية تفسيراً للجائحة وما تنبئ به من مصائر، وإما أن يشك في كل شيء، بما في ذلك طريقة الإحصاء وما تخلص إليه من نسب، فلا يأخذ بالمعطيات بوصفها مسلمات. ولكن هل هناك أخبار تجافي المنطق، عندما لا يعود هناك تصور غير مهزوز لفكرة المنطق، في وقت تجتاح الجائحة روع الإنسان وتماسكه الفكري والنفسي، بينما الكارثة واقعة، وعداد الموت لا يتوقف..!

ما سلف جولة أفكار لشخص يجلس وراء زجاج نافذة، ويستعيد الصور، مستعيراً من ابن حوقل اسم كتابه “صورة الأرض” بعد ألف سنة من رحيل الجغرافي العربي.

شاعر سوري مقيم في لندن

العرب

——————————

يوميات الوباء: في عزلتي/ إنعام كجه جي

لم يتغير الكثير في يومياتي بعد عزلة كورونا. أقرأ في غرفتي الصغيرة وأؤدّي واجباتي الصحافية اليومية وأتابع التلفزيون.

الولد والبنت كبرا وكلُّ في شقّته. أطمئن عليهما بالهاتف أو عبر الشاشة. أشتاق إلى حفيدي الذي وُلد قبل شهرَين ولم أشبع من لثم خديه.

أنزل إلى الدكّان وأعود قبل انقضاء مهلة الساعة. تخفّفت من العلاقات الاجتماعية، مع العمر، وتباعدت اللقاءات مع الأصدقاء والصديقات. أراهم وأحيّيهم في “فيسبوك”.

يحدث أن يمرّ أحدهم بباريس فيزورني أو أنزل لنشرب القهوة. لم يتغيّر الكثير لكنّني أفتقد حقّاً جلسةَ مقهى الحي. يعرف النادل طلبك ويحجز لك الطاولة اللصيقة بآخر الشبّاك. أشتري بطاقة “لوتو” وأنساها في جيبي. أحب أن أتخيّل نفسي مليونيرةً ساهية.

لا عقل للتركيز في رواية جديدة. بداياتها مخزّنَةٌ في الحاسوب ويمكنها الاستلقاء هناك. تتعتّق مثل النبيذ الذي أحب. كورونا مالئ الدنيا وشاغل الناس.

أسحب من الرفِّ كتاباً ثقيلاً كان مؤجّلاً: ترجمة لمذكّرات الناشطة المصرية جلبيري أفلاطون. 800 صفحة من المتعة تدور ما بين القاهرة وباريس، منتصف القرن الماضي.

هذا وقت مطالعتها، بدون كمّامة ولا كفوف.

*روائية وصحافية عراقية مقيمة في باريس، ولدت في بغداد عام 1952، نشرت عدة روايات “سواقي القلوب” (2005) و”الحفيدة الأميركية” (2008) و”طشاري” (2014)، و”النبيذة” (2017) كما نشرت كتاباً بالفرنسية عن الأدب الذي كتبته العراقيات في سنوات الحرب.

العربي الجديد

———————————–

يوميات العزلة: العالم كغُرفة صغيرة/ كمال قرور

محنةٌ لم تكُن متوقَّعة. لعلّ لا أحد يُصدِّق ما يحدث اليوم؛ أن يُجبرك فيروسٌ مِجهري على البقاء في البيت، أو أن يحدَّ من حركتك، أو يتحكّم في نشاطك ومواعيدك. إنّه لأمرٌ رهيب وقاسٍ! قلتُ لأبي: أخيراً “طحنا” (وقعنا)، وأجبرنا كورونا على البقاء في البيوت، ضحك وقال: معك حقّ، “طحنا” صح، حتى المرض لم يفعلها.

كان مفهوم التباعد الاجتماعي، الطارئ على مجتمعاتنا، فرصةً ليكتشف المواطنون التباعد الحقيقي، بعد انهيار سُلَّم القيَم. سألني خضّار: كيف ترى الأمور أستاذ؟ فقلتُ مبتسماً: كما تراها أنت. ابتسم بدوره وقال: أنتم المتعلّمون ترون أفضل منّا. قلت له: الله يجيب الخير. شعرتُ بالراحة. عادةً لا نحفل بالمتعلّمين في مجتمعنا. مع الوباء، ارتفعت أسهم الأطبّاء وتصدّروا الواجهة، وقد كنّا نتبجّح: “سل مجرّباً ولا تسل طبيباً”. أخرست الأزمة الكثير من الجهلة والمتعالمين المتنطّعين والمتطاولين.

لسنوات، ظللتُ أنعم بالحرية، وأشتغل دون كللٍ ودون عطل، لقرابة 14 ساعة يومياً. أستيقظُ قبل الطيور أحياناً، وأعود إلى البيت بعد منتصف الليل… بعد أن تنام كثير من الكائنات. لا أشعر بالتعب، ولا بالقرف، فقط أشعرُ بالراحة والاطمئنان بعد إنجاز عملي بنجاح. لكن بعد تطبيق الحجر الصحّي، تعقّدت الأمور. من الصعب أنْ يجد كائنٌ حرٌّ نفسَه في القفص، يتبع الإرشادات والإملاءات، يخرج من البيت ويعود إليه في وقت محدَّدٍ، ليس من اختياره.

مع ذلك، شعرتُ ببعض الرضا لأنّي أنجزتُ الكثير من الأفكار التي كانت تراودني وتؤرقني وتفتح شهية أحلامي، فرحتُ لأنّني لم أؤجّل يوماً فكرةً خطرت ببالي، طالما كنتُ مولَعاً بالتجريب. وحده الواقع يثبت قيمة الأفكار، لذلك لا “شيءَ من حتى” بقي عالقاً في نفسي كما يُقال.

أيامُ الحجر فرصةٌ للراحة، وفرصةٌ للعزلة، وفرصةٌ لتصفُّح الكتب، وفرصة للاستفادة من الإنترنت، وفرصةٌ لاقتناص ساعات من النوم المريح كنت محروماً منها، وهي فرصةٌ لأكون في البيت في ساعات معيَّنة لم تكن تسمح بها ظروف العمل… فرصةٌ لتناول وجبات ساخنة بدل الوجبات السريعة الباردة، فرصة لتناول قهوة العصر، وفرصة للقاء تاريخي مع الأُسرة؛ إذ نادراً ما كنّا نلتقي.

إنها، أيضاً، فرصةٌ ثمينة لترى سلوك ومشاغبات كلّ واحد من أبنائك، لتعرف اهتماماتهم وتباغتهم بأسئلة ما… فرصةٌ ليكتشف الجميع الطفلَ الذي بداخل والدهم وهو يلعب مع الصغيرة، ويقلّد أصوات الحيوانات وحركات المهرّجين، وكأنه ليس ذلك الأب الجاد الصارم الذي تعوّدوا على رؤيته.

بالطبع، أخرج أحياناً لقضاء بعض الحاجيات، محترماً مسافة الأمان، ومتوخّياً الحذر، دون أن أضع الكمّامة والقفازات، فأنا لا أطيقُهُما. الحياة في الخارج والمحلّات تميل إلى العبث. المواطنون لا يتبعون الإرشادات الصحية المطلوبة. ينقصنا الوعيُ والثقافة الصحية المطلوبان في مثل هذه الظروف الخطرة.

كانت صدمتي الأولى لما تهافت المواطنون على تخزين السميد (الدقيق) وتسبّبوا في الندرة والفوضى. لكن سرعان ما أفقتُ منها بعد أن شاهدتُ الأميركيّين يتهافتون على الأسلحة، وكل مجتمع بلا وعيه يُفضَح.

في البيت، قلَّ التواصل الفيسبوكي مع الأصدقاء، وقلّت التعليقات، ولم يعُد الهاتف يرنّ كالعادة. أتعوّد على حياة جديدة، أرقب العالم وأتابع تطوّرات فيروس كورونا عبر الفضائيات، أصبحت أُتابع الأفلام، وخصوصاً الوثائقية منها. أرحل مع “غوغل” إلى القارات والحضارات والأوبئة والحروب والحروب الأهلية، أتنقّل بشغفٍ بين العلوم والتاريخ والفلسفة والأدب والاقتصاد، أتأمّل خطابات نوابغ البشرية.

لأوّل مرّةٍ واجهتُ المحنة بهدوء ودون جزع. لم أفكّر في الخسائر المتوقَّعة بقدر ما كنتُ أفكّر في ضرورة التكيُّف مع الوضع وتحمُّل تبعاته برزانة، وفي ما يمكن أن نتعلمه من التجربة.

أنا منشغل، أكثر بضرورة تجاوز الوباء من أجل غدٍ أفضل، بقيمٍ إنسانية جديدة ومتجدّدة.

كشف الوباء أنّ البشرية انتقلت من القرية الصغيرة الواحدة إلى الغرفة الصغيرة الواحدة.

العربي الجديد

————————–

عبدالهادي سعدون عن إصابته بكورونا: أصعب من أي تخيّل

عماد الدين موسى

أُصيبَ الكاتب والروائي والمُترجم العراقي عبد الهادي سعدون مؤخراً بفيروس كورونا، حيثُ كتبَ حول ذلك على صفحته في موقع فيسبوك، منوّهاً بتماثله للشفاء بعد معاناة/ مقاومةٍ امتدّتْ لأسابيع. سعدون- المولود في مدينة بغداد سنة 1968، والمقيم في إسبانيا منذ نهاية 1993- حاصل على الدكتوراه من كلية الأدب والفلسفة من جامعة مدريد- أوتونوما. يعمل بالتدريس والترجمة والنشر، وهو أستاذ محاضر في عدة جامعات عربية وأوروبية، مختص بالأدب واللغة الإسبانية.

نال جوائز أدبية مختلفة منها: جائزة أدب الطفل العربي 1997، جائزة أنطونيو ماتشادو العالمية للشعر 2009، جائزة مدينة سلمانكا الإسبانية للتميز الأدبي 2016، وجائزة الترجمة الأدبية باللغة الإسبانية (مارثيلو ريس) 2018.

وله عشرات الكتب الأدبيّة بالعربيّة والإسبانيّة، صدرت بين عامي 1996 و2020، نذكر منها: “كنوز غرناطة، رواية للأطفال (1997)”، “ليس سوى ريح، شعر (2000)”، “عصفور الفم، شعر (2006)”، “دائماً، شعر بالعربية والإسبانية (2010)”، “مذكرات كلب عراقي، رواية (2012)”. “توستالا، قصص (2014)”، “3030 العودة إلى الأرض، رواية خيال علمي (2015)”، “تقرير عن السرقة، رواية (2020)”.

هنا حوار معه:

(*) كتبتَ مؤخراً عبر صفحتك في فيسبوك عن إصابتك بجائحة (كورونا) ومن ثمّ عن شفائك؛ حبّذا لو تحدّثنا عن معانتك مع هذا المرض المرعب؟

– كما تعرف كتبت عن مشاعري في تلك الأيام في ذلك النص الذي نشرته في الفيسبوك لأقول لأحبتي إنني ما زلت حياً ولألوح لهم بيدي من الضفة نفسها.والحقيقة أنه ليس النص الكامل ولا هي المشاعر المـتأزمة كاملة. فيروس كورونا يعشش لأيام طويلة قبل أن تظهر الأعراض على الواحد منا، ولا بد أنني قد أصبت به من مكان ما من محيطي اليومي، خاصة وأنني كثير التردد على الأماكن العامة والمقاهي وفي مجتمع متوسطي مثل إسبانيا كثير التلامس والاحتضان والتلاقي. على العموم الكورونا من الممكن أن يلقفك في أي حالة حتى تلك التي لا تتصورها. أمضيت الأسبوع الأول من 20 يوم تقريباً من الإصابة منطرحاً في الفراش، كل الأعراض المعروفة عن المرض اخترقتني بشراسة، ما عدا الحاجة لجهاز تنفس أو تطبيب عال، لهذا أمضيتها في البيت في غرفة حاولت فيها ان أكون منعزلاً عن أفراد عائلتي. الصراع مع الفيروس بتبدل الضربات من طبول الرأس حتى سعال الصدر القاتل إلى جسد منك لا قوة فيه، أو كلها مع بعض في توافق لعين لا تجعلك بقادر على فعل أي شيء ولا حتى فتح العينين. أعتقد أن شفائي ربما يعود إلى طاقة الجسد القوي وحتماً الإصرار على الحياة… ولما لا (لنتذكر الكبار من أهالينا) القسمة والقدر حتمت عليّ المرور به ومجابهته والخروج من المعركة منتصراً.. حتى اليوم!

(*) ما كتبته وثيقة تصف فيها لحظات الدفاع عن الحياة بـ(الموت)، أنت في (الموت) تجادله بـ(الحياة)؛ كيف صبرت؟

– ليس هناك من دافع أمام النهاية السريعة غير المجابهة ببهجة الحياة. مع الحياة وتشبثك بها ما يبقيك بعيداً عن شرك الشر الأكبر. الموت بحد ذاته ليس مخيفاً، المخيف أن تترك الحياة فجأة وما زال أمامك آمال ومشاريع وحياة مدهشة مع أهلك. المخيف كما قلت في النص هو مجابهة المجهول.

(*) كما قرأتُ في مدونتك، كُنْتَ تشعرُ- دعني أستعمل هذا التعبير- الأمل من أعماقك. هل الأمل هو من ربح المعركة؟

– بكل تأكيد، الأمل بأن هناك ما يستحق الإمساك به في هذه الحياة، أمل الصحبة والأهل والكلمات الطيبة. لا أعتقد أن هناك رابحاً حقيقياً في معركة الكورونا، لأنني وإن خرجت سالماً، فقد قضى على أحبة وبشر عرفتهم وأعرفهم، وهذا بحد ذاته خسارة وفاجعة مهلكة. الأمل هو أن تجد في روحك القوة الدافعة لإنهاض الجسد المنهك. وهو ما حاولته طوال تلك الأيام. العمر قصير بأية حال، وما يجعل من حياتنا معنى هو الأمل والرفقة الرائعة.

(*) أكثر من ذكرته وقوّى إحساسك بالحياة والتمسّك بها كان طفلتاك. فهل هما من شغلتاك؟

– بالطبع وهذا ما كررته وأكرره هنا. نحن البشر (على الاقل أنا) عاطفيون بطبيعة الحال، ولا أذكر أنني بكيت حرقة مثلما حصل معي تلك الأيام وأنا لا أستطيع احتضان ابنتاي أو تقبيلهما ورؤيتهما بشكل طبيعي، شيء لم يحصل معي منذ وفاة والدتي.  لكن مع ذلك لا بد من ذكر شيء مهم هنا، أن الواحد منا يتذكر الأهل والصحب والمناسبات الرائعة في الحياة في أشد اللحظات تأزماً وهذه طبيعة بشرية. نحن في النهاية كائنات عائلية نحِنُ للأقرب منا في العاطفة وفي القرب المكاني. على أية حال ابنتاي هما وريد حياتي الحقيقي. والنص في كل الأحوال ليس النص الكامل، بل مجتزأ منه كما ذكرت. لم أرد به تمجيد أحد عن أحد. أردت به تمجيد الحياة قبل كل شيء. والحياة في النهاية هي الأحبة كلهم بلا استثناء.

(*) بدوتَ وجوديّاً لكنك اقتربت أو وطئت عتبات العدم، كيف تفلسف هاتين اللحظتين وأنت تصارع هذا الفيروس؟

– الحقيقة الحالة كلها تخرج من الواقع لتقع في حفرة العدمية، وإلا منْ يستطيع تفسير حالة تمر بها الإنسانية مع وباء الكورونا. كلها تفسيرات علمية وطبية، ولكنها خارجة عن المشاعر والوقائع وكلها تصب في العدم أو الخارق أو المجهول. صدقني ليس هناك أكثر مني واقعية وتشبثاً بروتينية الواقع الحياتي وفهمي له، لكن الحالة التي نمر بها (ومررت بها شخصياً ولو بشكل عابر لأنني لم أمت فيها) تكاد تمثل أكثر المشاهد الخارقة والعدمية في مسرحية البشر والآلهة الخفية!

(*) كنت تعرف وتقرّ في أعماقك أنّك ملاقٍ حتفك على يد هذا المتخفي الذي تسلل غدراً إلى رئتيك. هل كنت تلعب معه؟

– لا إطلاقاً، الكورونا لم يكن مستعداً للعب، وإلا لكنت أكثر استراحة ولم أحتج لمصارعة شديدة ولا حتى كتابة نص ولا كان هناك داع لهذه المقابلة مثلاً. أتصور المسألة بهذه الهيئة: هناك من يركب عليك بكل ثقله وعفشه وأشيائه الثقيلة ويطلب منك أن تمضي في حياتك.

هناك نقطة واحدة، وهي الاستسلام أو التحمل حتى تتخلص منه ومن أثقاله تدريجياً. الحقيقة أنني في لحظات معينة من رقاد السرير كنت توصلت بحالة من العبثية ومناداة غريبة أن تنتهي كل هذه الأوجاع حتى لو كان فيها النهاية المحتومة. لكننا، وهذا ما أدركته من حياتي الطويلة نسبياً، لا نسير في درب واحد (أقصد الجسد والروح) بل في مسارين متوازيين ولا بد من التوافق بينهما، ولا مجال لواحد منهما أن يمضي دون موافقة الآخر. المعادلة أصعب من كل تخيلاتنا، لأن الحياة والموت بحد ذاتهما معضلة البشرية كلها، منذ كلكامش والبحث عن عشبة الخلود حتى آخر واحد منا في هذا العصر وهو يبحث عن إجابة دقيقة لسؤال مُهلك.

نحن في النهاية كائنات عائلية نحِنُ للأقرب منا في العاطفة وفي القرب المكاني

(*) هي مواجهة، أو مبارزة غير متكافئة أو حرّة كما اعتبرت، ومع خصم بقدر ما هو ضعيف بقدر ما هو قوي. ماذا لو كان شخصيّة، أو أنه بطل لمشروع رواية، وأن الكتابة في مثل حالتك هي تجربة شخصية حية وليست (تخييلية) كما عند ألبير كامو في روايته “الطاعون”؟

– لا أعتقد ان كل ما نمر به من وقائع يصلح لأن نكتبه في نصوص روائية أو قصصية. لا أجدني اليوم مستعداً لذلك، ولكن قد يخرج في نص بعد سنين لسبب معين. الواقع ليس منبراً صالحاً لكل النصوص. تجربتي عندما كتبتها في هذا النص القصير، غرضه إثبات النجاة، مثل غريق سفينة في بحر ويصل الساحل ولا يخطر على باله سوى أن يخط على الرمل بكلمات النجدة والتذكير بخلاصه ووجوده في هذا الكون. على العموم الصراع مع الفيروس ليس حراً بالمرة، بل أشبه بمصارعة غير نزيهة بالمرة، لأنك طرف فيها دون إرادة ولا أمامك حلول معينة سوى الاستمرار بالنزال حتى النهاية.

(*) ألا تجد أنّ هناك فرقاً بعد هذه التجربة- الواقعة، بين وقائع مفترضة ومتخيلة، ووقائع/ صراعات عشتها بنفسك، كونها مع الموت وليس مع امرأة تعشقها، أو مع حاكم طاغية لأنك معارض له؟

– طبعاً، لكن الخيال يجبرك على النحت والتصور والخروج بأحكام وتصورات معينة. أما الواقع فلا يمنحك أكثر من تذكر الواقعة وأن تصبها وتكتبها بطريقتك دون خروج عن الواقعة. لهذا نكتب عن كل هذه النماذج البشرية والحالات بحرية مع خلط خبرة ومعلومات وإيقاع ونفس قصصي خاص. الواقع يجبرك على النظر بعينيه في كل اللحظات أنه لا يمكنك أن تطفر حواجزه لمجرد الرغبة. وواقع ما عشته من معاناة ونعيشه كلنا في هذه الأشهر من حصار كورونا، حالة يصعب تصورها خارج منظومة الواقع وظروفه ومناخاته.

(*) هل من فكرة عمل ما يراودك، بعد تجاوزك لهذه المحنة؟

– ما زلت حتى اللحظة أدور في مناخها لأنني لم أتجاوزها بالكامل. الفيروس لم ينته وما زلت جزءاً من مجتمع يعاني منه، ناس أحبهم وأحيا معهم الظروف يمرون بها الآن وسيمرون بها لسوء الحظ ولشراسة الفيروس. ليس في رأسي من عمل أدبي غير التمتع بلحظات الحياة الآن، أما ما سيأتي بعد ذلك فلا أتحكم به ولا أخطط له الآن.

ضفة ثالثة

———————

في ظل كورونا.. عودة مارسيل بروست رغم تقديس كامو/ بوعلام رمضاني

ليس خافيا على أحد من متابعي المشهد الأدبي الفرنسي أن الاستمرار في “تمجيد” ألبير كامو الى حد القداسة عند الكثيرين، لا يفسر “بعظمة” تركته الروائية والفكرية والصحافية فحسب، بل بموقفه السياسي من الثورة الجزائرية التي رفض الاعتراف بها، الأمر الذي ترك الكثير من الأدباء والكتاب يختلفون معه، ومن بينهم جان بول سارتر وجان سيناك وعدد من المبدعين الفرنسيين الذين خضعوا في آخر المطاف لقرار شعب أراد الحياة فاستجاب له القدر.

كامو الغائب الحاضر في النشر، وفي الإعلام الفرنسي أكثر من أي وقت مضى خلال الأعوام الأخيرة بشكل لافت، كما لم يتم مع كاتب آخر، عاد بقوة خارقة هذه الأيام بروايته “الطاعون” التي ما زالت توظف إعلاميا لتبرير “حتمية” العودة إلى روايته من باب تمثل أحداثها وبطلها الدكتور ريو في سياق وباء كورونا المستمر في الانتشار بطريقة وظفها كامو ابن الجزائر الفرنسية عام 1947. هذه المرة، خرج مارسيل بروست من قبره بطريقة لا تنافس ديمومة كامو – الذي هام بالجزائر كأرض وليس كشعب كان مسحوقا على مرأى عينيه- لكن بقوة رمزية ومتنوعة تضرب بجوهرها في الوباء الذي يقض مضاجع كل سكان المعمورة دون استثناء بطريقة غير مسبوقة .

مارسيل بروست (1871-1922) الذي يعتبره رشيد بوجدرة أهم كاتب فرنسي بعد فرديناد سيلين المعتم عليه بسبب اتهامه بمعاداة السامية، عاد هذا الأسبوع إلى واجهة الحدث الأدبي. وتم ذلك بفضل لوك فريس، أستاذ الأدب الفرنسي في جامعة ستراسبورغ، ورئيس تظاهرة “الربيع البروستي”، وناشر كتاب “ذكريات قراءة” لجان بروست والدة صاحب التحفة الروائية “بحثا عن الزمن المفقود” التي فرضت على مارسيل الحجر الصحي الذي مكنه من كتابتها في سبعة أجزاء تطلبت 3000 صفحة، ومن تجاوز معاناته من داء ضيق التنفس.

وعاد بروست إلى الواجهة الإعلامية بفضل قناة “فرانس 3″ الجهوية التابعة لمجمع فرانس تلفزيون، ولم يكن أمام مسؤولي القناة الجهوية، غير خيار الربط منطقيا بين الأديب الفرنسي العالمي وبين سياق تغطية كورونا ثقافيا، استنادا لعلاقة أندريان، والد مارسيل الذي اشتهر كطبيب مختص في الأمراض المعدية، ووالدته التي قضت حياتها قارئة نهمة كما يبين ذلك كتابها الجديد الصادر عن دار ” من فالوا” مؤخرا. ويجدر ذكر أن القناة الجهوية الفرنسية قد تناولت علاقة إبداع بروست بتداعيات كورونا اعتمادا على   منطقة “أور إيلوار” الواقعة جنوب غربي باريس، وهي المنطقة التي تأثر بها وعكسها في كتاباته بباريس التي ولد واعتزل فيها الحياة الاجتماعية متفرغا للكتابة مريضا .

حجر المبدع المريض

حسب الأستاذ لوك فريس الاختصاصي في مارسيل بروست، يعد صاحب “بحثا عن الزمن المفقود” أحد أشهر المحجورين تاريخيا بسبب العزلة التي ضربها على نفسه ليس فقط بسبب مسابقته الزمن لإنهاء روايته الشهيرة الضخمة، بل خوفا من الأمراض المعدية التي تخصص فيها والده وكتب عنها، ودخل في نقاش مع أطباء كبار مثله حول كيفية محاربتها، تماما كما يحدث لحظة كتابة هذه السطور.

وحسب فريس فإن مارسيل “كان مهووسا بتعقيم كل بريده بمحلول “الفورمالين” قبل مسه وفتحه، وهو بذلك يكون قد عاش رعب كورونا قبل الأوان بسبب صحته الهشة” على حد تعبيره ساخراً. مارسيل لم يمارس التباعد الاجتماعي فقط في باريس التي قطن فيها مدة طويلة منكبا على الكتابة حسب الأستاذ فريس، بل كان يمكث مطولا أيضا في بيت عمته في ضاحية “إيلييه كومبراي” خلال عطلة الربيع، وفي هذه المدينة الوديعة “بدأ يشتغل على روايته الشهيرة مستلهما حياتها”، وكتب في ذلك: “منذ وفاة زوجها لم تعد عمتي ترغب في الخروج من غرفتها وفي مغادرة ” إيلييه كومبراي” وحتى في النزول من سريرها. تحت وطأة الحزن والهزال، كانت تطل من نافذتها على الخارج أثناء التهامها الكتب من الصباح حتى الليل”.

مارسيل الذي وصف حالة عمته قبل وفاتها، مارس الحجر الصحي على نفسه مثلها، واعتزل الحياة الاجتماعية انطلاقا من عام 1907 إثر وفاة والده ووالدته وكما فعلت عمته بقي مارسيل حبيس البيت منهارا بدنيا ونفسيا وفي هذا الجو العصيب بدأ كتابة رواية “بحثا عن الزمن المفقود”. وحسب الناقد والباحث جيروم باستيانليه، لم يكن حجره شاملا، لأنه كان يخرج من حين لآخر ليذهب إلى مدينة كابور، لكن حجره أصبح شبه كامل بعد اندلاع الحرب العالمية عام 1914  .

إنهاء الرواية قبل الموت

إضافة إلى هشاشة الصحة ومسابقة الزمن كعاملين محددين لحجره الصحي بغرض إنهاء روايته التاريخية، “لعب الخيال دورا حاسما كعامل ثالث في صياغة رواية المبدع المريض” – استطرد شارحا باستيانليه.

وفي نظره كان بروست يدرك أن مرضه يمكن أن يحول دون إنهاء روايته، ولهذا عمل جاهدا على إتمامها قبل 15 عاما من تاريخ رحيله، واستطاع بروست بسعته التخيلية وهو محجور، أن يعوض عن خروجه من البيت معتقدا على حد تعبير الباحث “أن الإحساس بالأشياء والمناظر والناس الذين أحببناهم وعرفناهم، يصبح أقوى من لحظات مشاهدتها ومن مقابلتهم من جديد”، وفي ذلك كتب بروست على لسان ذات المتحدث المتخصص: “من المرجح أن حياتي البسيطة التي عشتها من دون أسفار، ونزهات، ومجتمع، وإضاءة، تكون قد لعبت دورا في ديمومة إحساسي بالرغبة”. وكتب في نفس السياق أيضا تحت عنوان “رسالة إلى السيدة وليامس عام 1909”: “حينما نملك خيالا بحجم خيالك، نملك كل المناظر التي أحببناها، وذلك ما يمثل كنزا للقلب”. وحتى يعمق باستيانليه قوة وتجذر العزلة الاجتماعية في إبداع بروست على النحو الذي يعيشه الملايين اليوم في ظل الحجر الصحي، لم يتردد في الإشارة إلى أن بروست “استفاد من أسر عزلة مكنته من استغلال سنوات طويلة منزويا في بيته، ومتفرغا للكتابة، وغارقا في عالم مخيلته الخصبة وغير العادية”.

العزلة التي عاشها بروست محجورا، وسمحت له تأليف إحدى أهم روائع الأدب العالمي، هي نفسها العزلة التي تميز اليوم حياة الملايين من البشر الذين انقطعوا بدورهم عن العالم الخارجي خوفا من عدوى المرض. واذا كان “الحجر الصحي الذي استثمره، ووظفه مستفيدا من العزلة القصوى إلى درجة حولته إلى أيقونة أدبية تجاوزت شهرتها حدود وطنه، فهو نفسه الحجر الذي رمى به في أحضان الإدمان على الأدوية لمحاربة الأرق والاضطراب والقلق”.

وإضافة إلى بعض الشهادات التي جاءت على لسان الباحث جيروم باستيانليه كما مر معنا، احتفت جمعية أصدقاء مارسيل بروست وما زالت تحتفي حتى يومنا بكتاباته الخارجة من صلب الحبس غير الإرادي عبر تغريدات تم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق غير مسبوق في ظل استمرار وباء كورونا. وفيما يلي بعضها:

*حيثما تنسد الحياة يجد الذكاء مخرجا.

* أنا الإنسان العجيب الذي ينتظر الموت للتحرر، أعيش في بيت مغلق المصاريع. لا يعرف شيئا عن العالم، ويبقى ساكنا كالبومة التي ترى نورا خفيفا إلا في الظلمات.

*عزيزي رينارلدو: أي سعادة ستغمرنا بعد انتهاء هذه الأيام المخيفة، وماذا لو لن نستطيع البكاء على أصدقاء كثر. رغم ذلك، أبكي على أناس مجهولين.

*الفكر نوع من التلسكوب الذي يسمح برؤية عروض بعيدة وضخمة.

———————————–

طيف كورونا يحل على أعمال فنانين عالميين بطرافة: الكمامات والمطهرات تحرّف لوحات تاريخية للتحذير من الوباء/ ياسر سلطان

لوحة للرسامة فريدا كالو في زمن كورونا (موقع فن العزل)

تقول الأسطورة اليونانية القديمة أن أورفيوس إبن أبولو أحب الجميلة يوروديس وتزوجها وعاشا معاً سنوات ملؤها السعادة، غير أن سعادتهما تلك لم تدُم طويلاً، إذ فرق بينهما الموت بعد تعرض يوروديس للدغة أفعى وهي تتجول كعادتها ذات يوم مع الحوريات في الغابة. تقول الأسطورة أن الحزن قد تملك من أورفيوس بعد وفاة حبيبته وهام على وجهه يعزف ألحاناً يملؤها الأسى على القيثارة التي أهداها له والده. كانت ألحان أورفيوس شجية على نحو تأثر له الأعداء قبل الأصدقاء، حتى الوحوش والضواري حزنت لأجله. كان حزن أورفيوس على زوجته شديداً ما دفع بأبيه إلى الإشفاق عليه فنصحه بالنزول إلى العالم السفلي كي يستعيد زوجته المحبوبة من بين الأموات، وهو أمر لم يسبقه فيه أحد. إستعان أورفيوس بقيثارته التي سحر بها حراس العالم السفلي حتى استطاع في النهاية الوصول إلى حبيبته. كان شرط ربة العالم السفلي الوحيد لكي تسمح للعاشق المُتيّم باصطحاب زوجته إلى خارج مملكتها أن لا ينظر أو يلتفت إلى يوروديس حتى يخرجا من حدود مملكة الموت. حرص أورفيوس على تنفيذ هذا الشرط في طريق خروجه، ولكنه قبل خطوات من نهاية العالم السفلي حانت منه التفاتة إلى حبيبته رغماً عنه فأعيدت مرة أخرى إلى عالم الأموات. إنها اسطورة عن الحب والعشق والضعف الإنساني.

ماغريت.jpg

لوحة ماغريت مع كمامة (موقع فن العزل)

عُولجت هذه الأسطورة في عدد من الأعمال الفنية الغربية، وكان الفنان الإنجليزي فريدريك لايتن أحد هؤلاء الفنانين، إذ جسدها في لوحة رسمها في ستينيات القرن التاسع عشر، وهي تعد واحدة من أشهر كلاسيكيات الفن الغربي، وتُعرض حالياً في متحفه بلندن. ركز لايتن في معالجته للأسطورة على مقاومة أورفيوس لرغبته في النظر إلى حبيبته وهو يخرج بها من عالم الأموات. تُظهر اللوحة مشهداً يجمع بين أورفيوس وحبيبته يوروديس. في اللوحة يبدو أورفيوس وهو يُشيح بناظريه بعيداً محاولاً الابتعاد عن حبيبته ومقاومة رغبته في النظر إليها، بينما تجذبه يوروديس نحوها في استعطاف. اللوحة نفسها انتشرت خلال الآونة الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي بنوع من التصرف أضفى عليها أجواءً من الطرافة بعد تغيير بسيط في بعض تفاصيلها، إذ بدى أورفيوس وقد ارتدى كمّامّة طبية وقُفازين في يديه، فظهر وكأنه يحاول حماية نفسه من العدوى. وللتأكيد طبعت عبارة بخط واضح في أعلى الصورة تحث الناس على الابتعاد عن أماكن التجمع، والاحتفاظ بمسافة مترين بين الأشخاص الآخرين.

أنجلو.jpg

لوحة مايكل أنجلو الشهيرة مع مطهر (موقع فن العزل)

اللوحة هي واحدة بين مجموعة من اللوحات الأخرى وُظفت في حملة دعائية أطلقتها أخيراً وزارة الثقافة الأوكرانية بالتعاون مع إحدى وكالات الدعاية هناك، في سياق حملة التوعية العالمية لمواجهة وباء كورونا. ضمت الأعمال التي وُظفت في هذه الحملة تسعة أعمال كلاسيكية ذات شهرة واسعة في تاريخ الفن الغربي، بينها مثلاً لوحة “العشاء الأخير” لفنان عصر النهضة الإيطالي ليوناردو دافنشي. اللوحة الشهيرة التي يظهر فيها السيد المسيح جالساً إلى المائدة بجوار حوارييه الاثني عشر، ظهرت بعد التعديل خالية من وجود الحواريين، بينما بدا المسيح وحيداً مع كمّامّة طبية على وجهه، وثمة عبارة مرافقة تدعو الناس إلى التباعد الاجتماعي. ضمت الأعمال أيضاً مقطعاً من عمل مايكل أنجلو  الشهير “خلق آدم” والمرسوم على سقف كنيسة السستين في إيطاليا، وفيه بدت يد البارئ ممسكة بعبوة مُطهّر. أما لوحة الرسام البلجيكي رينيه ماجريت “إبن الإنسان” فقد تم استبدال التفاحة التي تغطي وجه الرجل بكمّامّة طبية. وفي لوحة ليوناردو دافنشي الشهيرة التي تصور امرأة تحمل حيواناً صغيراً ذا فراء، فقد استبدل الحيوان فيها بأكياس من الحبوب تحملها المرأة كمؤن يُستعان بها في أيام الحظر الطويلة. ثمة لوحات أخرى تدعو الناس إلى الحرص على غسل اليدين باستمرار أو استعمال أدوات التعقيم والمطهرات عند ملامسة الأسطح، أو استعمال بطاقات الدفع الألكتروني بدلاً من النقود.

دافينشي.jpg

أمرأة دافنتشي مع كمامة (موقع فن العزل)

هذا التوظيف المبتكر والطريف للأعمال الفنية الذي لجأت إليه وزارة الثقافة الأوكرانية لم يكن الوحيد في ظل أزمة كورونا، فقد ظهرت أشكال مختلفة للتعامل مع الأعمال الفنية الشهيرة حول العالم، لعل أشهرها تلك الدعوة التي أطلقها مُتحف “بول غيتي” في الولايات المتحدة لتصميم صور إبتكارية من وحي الأعمال التي يضمها المُتحف. لقيت هذه الدعوة تجاوباً ملحوظاً حول العالم، فانهمك البعض منتهزين فرصة قضائهم الوقت في المنزل وراحوا يبتكرون صياغات مختلفة للأعمال الفنية الشهيرة، مستخدمين أجسادهم أو حيواناتهم الأليفة، أو ما تسنى لهم من أدوات وأغراض محيطة بهم. انتشرت مثل هذه الصور المُعدلة أخيراً على وسائل التواصل الاجتماعي مذكرة الناس بالأعمال الفنية الشهيرة لفنانين بارزين، بينهم يوهانز فيرمير، وغوستاف كليمت، وسلفادور دالي وجون وليام، حتى تلك الأعمال التجريدية للروسي الشهير فاسيلي كاندنسكي لم تسلم هي الأخرى من هذه المعالجات الإبداعية الطريفة، فبالرغم من قسوة الأحداث إلا أن الناس تبحث عن الفكاهة لعلها تُخفف قليلاً من وطأة هذه الأجواء المُلبدة بالخوف.

——————————

الكورونا والترجمة.. 3 مترجمين يتحدثون/ مصطفى ديب

ارتبطت العزلة تاريخيًا بالعملية الإبداعية كشرطٍ لها، وطقسٍ من طقوسها أيضًا. ولكنّها خلال الشهور القليلة الماضية، تحوّلت من شرطٍ للإبداع، إلى آخر للنجاة بعد ظهور فيروس “كورونا” نهاية العام الفائت، لتتحوّل العزلة بموجبه من عزلةٍ فردية اختيارية، كانت على الدوام مقصدًا للكتّاب والشّعراء والمُترجمين، إلى أخرى جماعية إجبارية يقصدها كلّ من يودّ النجاة.

التحوّلات في معنى العزلة وشكلها والهدف منها، تدفعنا للتساؤل عن الشكل الذي باتت عليه عزلة المُبدعين، وأن نسأل عمّا طرأ عليها من متغيّراتٍ بعد ظهور فيروس كورونا، وبعد أن بات اعتزال الآخرين، شأنًا جماعيًا بعد أن كان رغبةً فردية. نُضيف إلى ذلك السؤال عن تأثير الوباء على أحوالهم ككتّاب وشعراء ومفكّرين ومترجمين وغير ذلك. بالإضافة إلى: ما الذي أجّلته كورونا؟ وما الذي أعادته إلى المتن مُجدّدًا؟ وهل غيّرت نظرتهم إلى الحياة؟

توجّهنا بهذه الأسئلة إلى ثلاثة مترجمين عرب، فكانت الإجابات التالية.

يوسف وقّاص: سنكون أكبر الخاسرين

الترجمة والكتابة في آن، تشكلان رؤية شاملة للعالم المحيط بنا، مع تراكمات تصل أحيانًا إلى قرون، سيما أننا أحفاد ثقافة عريقة تمتد جذورها إلى آلاف السنين، بدءًا من الحضارات الأولى في بلاد ما بين النهرين، ووصولًا إلى الحضارة العربية الإسلامية. منذ الصغر، كنت أدوّن ما أعرفه في ذهني وفي كراساتي، وما لا أعرفه كنت أبحث عنه في كتابات الآخرين، وفي تلك المرحلة أيضًا، في سياق متصل مع أجواء الكبت والحرمان، كانت العزلة تشكّل جزءًا من طريقة حياتنا الموسومة بالخوف والقمع والاستبداد.

الآن، بعد هذه العزلة الجماعية التي هي امتداد لعزلتنا الفردية كلاجئين ومنفيين، تسللت المتغيرات بغتة إلى حياتنا، خجولة في البدء، ثم سرعان ما تحولت إلى تيار جارف: الطائر الذي اكتشف عشه، أو قل كيف له أن يبني ذلك العش في أوج ركام خرابه. اللغز المحير في كل هذا كان إعادة اكتشاف الذات عبر الأشياء الصغيرة، صور قديمة، أسطوانات منسية، كاسيتات لأعراس دبكنا فيها حتى ساعة متأخرة من الليل على أصوات الرصاص ومواويل المغنين الشعبيين، كتاب كنت قد اشتريته في الستينيات من القرن الماضي وما زلت أحتفظ به بحرص رغم أن صفحاته تكاد أن تتفتت بين أصابع اليدين، ثم كلمات… كلمات لا نهاية لها. كانت شفاه أحبائنا قد نطقت بها قبل أن يبدأوا رحلتهم الأبدية.

في السابق، أي قبل أن يحل فيروس كورونا ضيفًا بيننا، كنت أقوم ببعض الأعمال خارج البيت، وأعود وقت ساعة الغذاء، أو أستقل القطار إلى بلدة تبعد أربعون كيلومترًا عن ميلانو مرتين في الأسبوع لتعليم الإيطالية للأجانب. وما عدا ذلك، كنت أقضي وقتي بين المعارض وجولات في المدينة ولقاءات مع الأصدقاء ومشاوير قصيرة، إلا أنّها كانت تمنحني النشاط وتحثني على الكتابة والترجمة بعد الظهر أو في ساعة متأخرة من الليل. تغيّر هذا البرنامج الآن، وكان عليّ أن أتأقلم بسرعة مع الوضع الجديد، وتقسيم الوقت ما بين الكتابة والقراءة، والاستمتاع أحيانًا بمشاهدة برنامج تلفزيوني أو فيلم سينمائي، مع طقوس الاستراحة المعهودة من مشروبات وأطعمة خفيفة في خضم نقاش “ودّي للغاية” حول اختيار محتوى الفيلم.

في الحقيقة، يمكنني القول إنني من أولئك الذين وجدوا في هذا الحجر القسري فرصة كبيرة لإنجاز مشاريع كانت قد أمست في طي النسيان تقريبًا، والبدء في مشاريع جديدة كانت تنتظر في ذهني ريثما تجد منفذًا لها على الورق. كنت كمن وجد نفسه فجأة في عالم خيالي، مع فسحة كبيرة تضج بأطياف ألوان تبهر النظر، وحروف بلغات مختلفة، العربية والتركية والإيطالية والصربية، تنقلني إلى أماكن بعيدة، وعادات وتقاليد تدهشني دائمًا لما فيها من حس وبعد إنساني. عالم كنت قد أهملته لفترة من الوقت، فنحن كمترجمين وكتاب لاجئين أو منفيين، تتغير أحوالنا من يوم لآخر، ولا نستغرب البتة عندما نجد أنفسنا مرة عمالًا، ومرة أخرى مرشدين سياحيين أمام الفنادق الفخمة، كما حدث واشتغلت لفترة من الوقت في مدينة أنطاليا التركية، ومرات على أبواب المحاكم بانتظار ترجمة فورية لأحد المتهمين من الجاليات العربية.

إذًا الجدلية هنا تتراوح ما بين العراك من أجل لقمة العيش وبين الكتابة التي لا تستطيع أن تجد حلًا لها، لأنها أصبحت كالخبز والماء، ولا يمكنك بأي حال التخلّي عنها. أقرأ مثل عدّائي سباق التناوب، متنقلًا بين لغة وأخرى. أكتب بلغتي الأم، وأحيانًا باللغات التي احتلّت حيزًا من فؤادي لما كان لها من أثر عاطفي في نفسي. وكل هذه الجداول، في النهاية، تتحول إلى نهر تنساب فيه أفكاري وطموحاتي، وربما آلام جراح تأبى أن تندمل. ويمكنني القول إنّ الترجمة في هذا الوقت بالذات، هي رحلة ممتعة تأخذك بعيدًا إلى عوالم أخرى، حيث تلتقي افتراضيًا بشخصيات وأفكار ربما أنت بأمسّ الحاجة إليها الآن.

حتى يوم أمس مثلًا، كنت مع دانيال بطل “ظلّ الريح” لكارلوس زافون الذي جعلني ألهث معه في البحث عن ذلك الكاتب الغامض المدعو خوليان كراكس. وقبلها مع رسول حمزاتوف الذي أقنعني أنّ داغستان هي أجمل بلد في العالم، بعدما عرّفني بنثره وأشعاره على كل جبالها وأغانيها ورقصاتها وحكمة شيوخها (الشجاعة لا تحتاج إلى صخرة عالية!) ونسورها التي لا تفارق سماءها الزرقاء أبدًا! والآن أنا في عراك مع رواية “إخلاص أو وفاء Fedeltà” للصديق ماركو ميسسيرولي الحائز على جائزة “ستريغا 2019″، وهي من أهم الجوائز الأدبية في إيطاليا، وربما سأقوم بترجمتها خلال الفترة القادمة.

منذ أن فتحنا أعيننا على هذا العالم، لم تخلُ حياتنا من الأحداث المفاجئة، سواء المأساوية أو تلك التي تتجاوز بقدر معين الميلودراما، على مبدأ الأفلام الهندية، رغم واقعيتها الفجّة. لذلك، كان الاستقرار بحدّ ذاته مزعزعًا منذ البداية، و”كورونا” لم يفعل أكثر من نقله إلى مستوى أعلى بقليل، إلّا أنّه كان بالفعل سببًا للعودة إلى مشاريع لم تكتمل بسبب ضيق الوقت أو أسباب أخرى من مكوّنات حياتنا التي تتناقض تمامًا مع كلّ ما يمت إلى الاستقرار والحياة الهادئة. وهكذا وجدت نفسي أعمل بلا انقطاع على عدة محاور، حتى أن الأفكار بدأت تأخذ منعطفًا مختلفًا، ثمّة بذور متعطشة للماء كانت تنتظر بشغف من يسقيها؛ لوحات بيضاء تنتظر من يملأها بالألوان، صفحات فارغة متلهفة إلى رائحة الحبر، تأملات بحاجة إلى من يحضنها مثل فرخ طائر ويعاملها بما يتوجب من رعاية وحنان.

وبالتالي، حاولت منذ اليوم الأول ألّا تكون الفوضى هي من تبحث عن النظام، كما في رواية “اللغز” للأمريكي ماثيو ماكنتوش المليئة بالعلامات النجمية التي تفيد الحذف أو الشكّ، وكلمات مشطوبة بالأسود وعشرات الصور المأخوذة غالبًا من الأفلام، ولكنها مغبشة. إذًا، ظاهريًا، لا نجد أي صلة مع أجزائنا المفقودة، لأننا بتنا نعيش في حالة منفصلة عن أنفسنا وعن الآخرين. مع ذلك، ليس من مجال سوى الاندفاع، وبكل قوة. كان إيتالو كالفينو غالبًا ما يردد: إذا جلست بالطريقة الصحيحة في مكانك، فلن يعيقك الوقت آنذاك، وستظلّ الساعة الرملية معلّقة. شروق الشمس أو غروبها؟ يجدر بنا الانتظار.

ربما نكون في ساعة الاستيقاظ، عندما يستقرّ الانتباه بشكل موحد ومستمر على أشياء مثل الضوء الصامت، وهو ما أعادني، والفضل مرة أخرى لكورونا، إلى مشروع كنت قد انصرفت عنه للأسباب الآنفة الذكر، واعتبره مهمًّا جدًا بالنسبة لي لأنه يحكي عن مرحلة مهمة من تاريخ سوريا: سلب لواء إسكندرون، الاستقلال وأعوام النكبة. إلّا أنّ القصة تبدأ قبل ذلك، في العشرينيات من القرن الماضي، مع بداية الاحتلال الفرنسي. وبطلة القصة شخصية مشهورة في عالم الأدب. كما ترى، شكلت هذه الأزمة بطريقة ما فرصة لربط الصلة مع مشاريع تأجّلت وطموحات كادت أن تندثر في ذاكرتي.

رؤيتنا بشكل عام تختلف من زاوية إلى أخرى، والزاوية التي وفرتها لنا هذه الأزمة، على الرغم من أنها ملتبسة ولا تسمح بإبصار شامل، مكنتنا بطريقة ما أن نعيد التفكير في أشياء كثيرة وندرك أنّ مسار الحياة ليس بالضرورة مستقيمًا ولا يخلو من العثرات. بديهة كنّا نعرفها عن ظهر قلب، إنما كان لا بد من صدمة ما بين آونة وأخرى، لكي نتوقف عندها ونتأملها بعمق. يخطر ببالي العنوان الفرعي لإحدى روايات أنطونيو تابوكّي، “الأوزّة تواكب الخطوة: أخبار من الظلام الذي نمر به”. لأن الكلمات الممزوجة بالخوف لها طعم آخر، ونجد من يؤازرها في نصوص كتاب كثيرين، عندما استشفوا المستقبل بمجازات تتراوح بين العدوى الحقيقية، وتلك التي تأتي وهي ترفل بمسوح الرهبان، كما في رواية “الطاعون” (مجاز للفاشية والنازية). كلمات تنظر بذهول إلى خارج النوافذ، حيث انسحب الناس من العلاقات الاجتماعية ولجأوا إلى تلك المأوي التي هي المنازل، ليملؤوها بالحوارات والقراءات والكتابات، وهم ينظرون بأسى إلى مدينتهم التي تحولت في طرفة عين إلى مدينة للأشباح.

ما ظلّ ثابتًا، هو الترنيمات الأولى بجانب المهد، والحكايات التي سمعناها لأول مرة بالأرمنية والتركية والكردية ولغات شعوب القفقاس الذين، بانصهارهم في مجتمعنا، شكّلوا أحد أجمل لوحات الموزاييك في العالم. كانت قصص عن الحبّ والشجاعة والإيثار، عن المعاناة والهجرة والشتات، لتنبثق منها ما يمكن أن أسميه اليوم عصارة أفكار ومبادئ ظلت مترسخة في نفسي كجبال القفقاس وكيليكيا وطوروس (مسقط رأس أمي) وزاغروس. الخنجر بجانب القلبق، وكتاب “حزرتي علي’نن جانكلَري” (بطولات الإمام علي) بجانب السماور، والزورنا (المزمار) والطنبور بجانب قصائد الشاعر الأرمني الكبير سايات نووا. إنها “سوريتي” التي لن تتغير أبدًا في داخلي رغم ما حلّ بها من دمار وخراب.

صحيح إنّها أفكار وصور تعود إلى مرحلة الطفولة، ولكنها كانت دائمًا البوصلة التي توجهني في عباب بحر مليء بعواصف ومخاطر لا حصر لها. وربما هذا ما ساعدني أيضًا في تجاوز الكثير من المصاعب بهدوء وحكمة أولئك الرجال والنساء الذين كانت الحياة قد عجنتهم و”خبزتهم” مرات ومرات، كما يقال عندنا.

أما بالنسبة لعالم ما بعد كورونا، فلا بد من بعض التغييرات التي ستفرض نفسها على الأقل لفترة معينة من الزمن، تغييرات ملزمة وليست اختيارية، كالعناية بالنظافة واتخاذ التدابير الوقائية الأخرى خوفًا من هذا الفيروس، أو من أمراض معدية أخرى. ثمة من لا يهتم، وثمة من ينتظر، وجميعنا متورطون، وما يُخشى منه حقًا، هو أن أملنا في ابتغاء الأفضل، ربما سيؤول إلى أسوأ خيار عرفته البشرية. في هذا الصدد، أشك بأنه سيطرأ تغيير محسوس على المسار الإنساني بشكل عام. على الأكثر، سيكون هناك تبادل في الأدوار بين قوى صاعدة وقوى ستجد نفسها مضطرة للتراجع، كما حدث لبريطانيا العظمى بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن مبدأ الاستغلال وعدم التساوي سيبقى على حاله، هذا إذا لم تعلُ وتيرته أكثر من الماضي الحافل بانتهاكات لا حصر لها من قبل الأقوياء تجاه الضعفاء، بما في ذلك الحقبة الاستعمارية العتيدة.

 ما تعلمناه حتى الآن، وهو ما تثبته كل الأحداث الكبرى في التاريخ، أنه لا مكان للضعيف في هذا العالم، فإما أن تكون قويًا اقتصاديًا كما هو الحال في دول جنوب شرق آسيا، أو قويًا عسكريًا واقتصاديًا مثل الدول الغربية والصين وروسيا، وبعض القوى الناشئة كالهند والبرازيل وجنوب أفريقيا. للأسف، نحن لا نملك كلا الشرطين، وأعتقد بأننا سنكون أكبر الخاسرين بعد هذه الأزمة، لأن الكل، أعني كل من بيده القوة، سيعوض الخسارة التي تلقاها نتيجة هذه الأزمة على حسابنا.

مع هذا، أتمنى أن نتمكن من تحاشي الضربة المقبلة بالعقل والحكمة، وأن نسعى لبناء ذواتنا ومجتمعاتنا بطريقة تسمح لنا على الأقل في الدفاع عن أنفسنا بشكل مشرّف ضد كل الأخطار التي تحيق بنا، سواء أكانت طبيعية أو نتيجة مطامع الدول العظمى.

في لوحة “بونابرت يزور ضحايا الطاعون في يافا”، التي أنجزها أنطون جان غروس عام 1804، بتكليف من نابليون بونابرت نفسه، لتمثيل أحد مراحل الحملة المصرية، نجده يلامس دمّل أحد المرضى، بالتوازي مع التقليد الشائع آنذاك بأن لمسة الملك، ملك فرنسا، تشفي من داء الخنازير أو سلّ الغدد اللمفاوية، حيث كان يريد من وراء ذلك جعل الناس ينسون الحادثة التي وقعت بعد حصار يافا، عندما أجهز على ثلاثة آلاف من الأسرى المصابون بالطاعون!

معاوية عبد المجيد: كنت أتمنى لو أني أعمل في مجال آخر

في بداية تفشي وباء كورونا، لم أعبأ كثيرًا وظننت أنها نزلة برد تصيب التنين الصيني، في عرينه البعيد (بالمناسبة، ما اسم بيت التنّين؟). ثم تحوّلت الأزمة إلى وباء عالميّ، ووصل البلل إلى ذقوننا. تهيّبتُ في البداية، مثلي مثل جميع سكان هذه الأرض. ذهبت لشراء مستلزمات الوقاية، فلم أجد شيئًا. الصيدلية المجاورة لم تنزع حتى الآن اللافتة التي وضعتها على بابها: “لا يوجد لدينا كمامات، ولا كفوف ولا دهون كحولية”. بدأ الحجر الصحي الإلزاميّ هنا في فرنسا، فالتزمت به وبدأت بمتابعة أخبار الجائحة وتخوُّفنا منها: أعداد الضحايا والإصابات المستجدّة، ونظريات المؤامرة التي صاحبت هذا كلّه.

فكرتُ أن الحجر الصحي ما هو إلا حياة يومية بالنسبة إلينا نحن المترجمين وسائر معشر الفريلانسر. لكننا ويا للغرابة نحب الخروج وشرب القهوة وغيرها في المقاهي والحانات، نحتاج شراء الأغراض ولقاء الأصدقاء على قلّتهم. نضطر للذهاب إلى المراكز الحكومية لتسيير معاملاتنا وأمورنا، ولا نقتنع كثيرًا بالتواصل الإلكترونيّ مع موظفين ملولين ليس لديهم خبرة ولا يستعملون ذكاءهم إلا للضرورة القصوى. وليس من السهل أن ترى كيف تتحول البشرية كلها إلى العمل في عزلة، مثلك، بل إن هذا يخلّ بالتوازن الذي تصارع كل يوم من أجل إبقائه ثابتًا. تحاول إقناع الناشر أنك تعمل في المنزل، هذا صحيح، لكنك أيضًا تخرج وتذهب وتروّح عن نفسك، تمشي طويلًا، وتقصد إلى المكتبة أحيانًا للاطلاع على بعض الكتب والمراجع المهمة جدًا للكتاب الذي تترجمه في البيت. ثم اقتنع الجميع وخفّ القلق والتوتر ووجدا لنفسيهما حالة ثبات في انتظار افتتاح الحياة من جديد.

أحاول قدر المستطاع متابعة الترجمات التي أقوم عليها، وأغض الطرف عن وجود أزمة عالمية. ولكن، مثلًا، كنت قد أوصيت أمازون بكتاب يأتيني به من إيطاليا، كتاب متعلّق بترجمةٍ أعمل عليها حاليًا، كتاب ضروريّ؛ إلا أنّ هذا غير متوفر في ظلّ ما تعانيه إيطاليا من مجزرة صامتة ووهن كبير تحياه الأمة، ونحياه معها. كما أنّك أحيانًا تضطر إلى الوقوف في الطوابير على أبواب المتاجر ساعات، لشراء طعامك، وهذا يسلب وقتك ويفسد مزاجك المعتدل الذي لولاه لا وجود لترجمة.

كنت أتمنّى لو أنّي أعمل في مجال آخر، فأفيد من الحجر الصحي بقراءة روايات أحبّها. روايات طويلة وحكايات من عالم آخر: ملحمة “أغنية الجليد والنار” للأمريكي جورج ر. ر. مارتن وترجمة المصري هشام فهمي وإصدار دار التنوير. سيحين وقتها، لا بدّ من ذلك.

نحن الآن في قلب الأزمة، لا أعرف ما الذي أضافته حاليًا، لكنها ثبّتت الفكرة التي يجتمع عندها الخصوم: لو أنّ الإنسان اهتمّ بالطب أكثر من اهتمامه بالحرب لكان وضعنا أفضل. الجو رائق جدًا بفضل إغلاق المصانع وتعطيل مداخنها وتوقف حركة الطيران والسيارات وغيرها؛ حبذا لو فُرض هذا الحجر على مستوى العالم مرة في السنة، بذلك تستعيد الطبيعة عافيتها.

أما رؤيتي للعالم ما بعد كورونا، فسأتحدث هنا عن المجال الذي أعمل به: كلّ الخبراء يتوقعون أزمة ركود اقتصادي رهيبة، البورصات تتهاوى والأسواق الكبرى تتراجع، فماذا عن سوق النشر العربية؟ أعتقد أنها ستمرّ بأزمة ضخمة، لأنّها تعاني أساسًا من أزمة ضخمة. في هذه السنة ألغيت معظم معارض الكتاب، وبسبب الحجر المفروض توقفت المطابع وأغلقت المكتبات. وأستغرب كيف أنّ الصحفيين لدينا لم ينتبهوا بعد إلى ذلك. ينبغي لهم أن يهرعوا لطرح التساؤلات على أنفسهم والأسئلة على الناشرين وأصحاب المطابع ومتاجر الكتب الكبرى، وأن يقدّموا إحصائيات وتنبؤات كي نبني عليها توقّعاتنا وآمالنا بالخروج من النفق القادم. خوفي أن يدفع المترجمون ثمن الكساد المتوقع، كما دفعوا من قبل ثمن قرصنة الكتب وتزويرها. نرجو من الصحفيين أن يهتموا بهذا الجانب أيضًا. دور نشر كثيرة معرضة للانهيار، وطبعًا هذا ليس وقت التشفي والشماتة بالناشرين، فهي سفينةٌ إن غرقت غرقنا جميعًا، لكنها قد تنجو – فلنكن متفائلين!

عبيدة عامر: الترجمة الآن مهرب كبير من الأسئلة الكبرى

في الحقيقة لم يتغير الكثير مع الأزمة، ربما يرجع هذا لأسلوب الترجمة المتبّع، فبسبب عدم تفرغي الكامل للترجمة، يعتمد أسلوبي على الانخراط بها مباشرة بغض النظر عمّا قبلها أو بعدها، واستمر هذا الحال في العزلة الجماعية.

ولكن، في الوقت نفسه، التأثيرات الكبرى التي داهمت الحياة فجأة وصلت إلى الترجمة، فبشكل عام، وبعكس ما هو متوقع، بات الوقت المخصص أقلّ، عدا عن التركيز والقدرة النفسية المتأثرتان مع تزايد القلق وعدم وضوح القادم.

الترجمة الآن مهرب كبير من الأسئلة الكبرى التي باتت شأنًا يوميًا ولحظيًا. لا شيء واضح، سوى الكلمات المتناثرة في النصوص والتي تبحث عن صياغتها الأنسب، ولا مستقبل مرسوم سوى أنّ هذا المشروع يحتاج أن ينتهي. الترجمة تحديدًا قادرة على توفير هذا المهرب والغرق به لأنّها خليط فريد بين الجهد الإبداعي والميكانيكي، بعكس الكتابة والبحث مثلًا، ولذا فالدخول والغرق بها أسهل من غيرهما.

ساعدتني ودفعتني الأزمة أكثر على التركيز بمشروع الترجمة الحالي، وهو لكتاب “منطق العنف في الحروب الأهلية”، وأحاول إنهائه بأقرب وقت ممكن، وإن لم يكن هذا الدفع على طريقة أن هناك مزيدًا من الوقت ولذا يمكنني التركيز أكثر، بل بطريقة أنّ العالم على وشك أن ينتهي، فحاول أن تنهي الكتاب قبل ذلك.

أمّا عن رؤيتنا للحياة بعد الأزمة، لا أعلم حقيقة. هناك خليط من المشاعر والأحاسيس المتضاربة والمتغيرة يوميا. أحيانًا أشعر بالراحة والاسترخاء، وأحيانًا أخرى كثيرة بالقلق، وأحيانًا بالتفاؤل، وأحيانًا باليأس المطلق. لست من المؤمنين بالتغير الجذري للعالم بعد كورونا، فالتاريخ علّمنا أنّ قدرة الإنسان على التعلّم من أخطائه ومصائبه أقلّ مما يتمنّى الشعراء والمتفائلون، وإن كان هناك من راحة شخصية وعامة، فهي أنّ كورونا على الأقلّ قد أوقف القصف والموت في إدلب وغيرها، وأكثر ما يخيفني هو أن تعود الحرب مع الفيروس، فهذا أكثر من قدرتي على التفكير والاحتمال.

 الترا صوت

 ——————————

يوميات الوباء: خلف النافذة عالَمٌ يتيم/ مصطفى قصقصي

فجر: أفتحُ عينيَّ لأُباغِت الفجر يُحدّق فيهما بآخر ما فيه من عتمة بريئة، كزهرةٍ تَعتذر عن عنف عذوبتها الآفلة. يُوقظني صياح الديك الذي اتّخذ شجرةَ الليمون في الحديقة منبراً لخطبته الإيروسيّة العصماء التي يستدرج بها الكون إلى مكائد رغبته، وإلى شمسِ وحدته التي لم تشرق بعد. صياح مجّاني ينزّ شبقاً بدائيّاً مزخرفاً لحياة معتكفة تماماً في نفسها وفي لحظتها الأبديّة. أتخيَّلُ الليمون ضاحكاً في الماء الفاتر الذي سأشربه بعد قليل. أمدُّ يداً في العتمة لأتأكّد من قدرتها على نسيان ما اعتراها أمس من هلع وهي تتلمّس طريقَها إلى الكتابة. أنهض بتثاقل متعثّراً بأشباحي دون كلمات أتكّئ عليها، ودون حروف أبلعها وأتغرغر بها لتخفيف خشونة الصمت في الحلق. وفي القلب. أبذل جهداً خارقاً لكي أتجنّب قراءة الأخبار. سأقرأ قليلاً من رواية كواباتا “العاصمة القديمة” لكي أشحن رئتيّ بالأزهار، وبرقّة الربيع التي لا تُحتَمَل.

عملٌ حيويّ: صباحاً، في الطريق النظيفة من السيارات ومن صوت الراديو، من شفاعمرو إلى الناصرة، مروراً بصفورية المهجّرة، أفكّر، كما لا يمكنني أن لا أفعل دوماً في محاذاة البساتين، بمن هُجّروا ولم يتوقّفوا عن العودة. تحملني موسيقى أنور إبراهيم. مقامات جاز زرقاء مترعة بالحزن. لولا الموسيقى لكنّا لاجئين أكثر ولفقدنا نهائياً حقّ العودة إلى أنفسنا بعد كلّ هذا المنفى. على جانبَي الشارع جرّافات حديثة وعملاقة تمزّق الصخور وتحفر الأعالي دون أيّ ألم سيزيفي يُذْكَر. تُذَكّرُني الجرّافات بكاسحات الجليد الجبّارة التي تشقّ لنا أنهاراً غامضة ودافئة في قارّة الوجود النائية المغطّاة بثلوج سميكة، إلّا أني لا أذكر علامتها التجاريّة: الأمل؟ اليأس؟ الحب؟

مَشْفى: في المشفى حيث أعمل أضع كمّامة خضراء. أعقّم الهواء ولائحة المفاتيح والشاشات. والخوف. والحنين. والذكريات. ليس كلّ ما يلمع فرحاً. أطلّ من الشباك على سروة تتنفّس زرقتها اليوميّة بحرية لا اقتصاد فيها ولا مشاعر ذنب. أغبط غيمةً ليلكيةً ترتدي قناع شجرة، وتمشي بعيداً عن المبنى الحجريّ، دون قفّازات. أهمس في أذنها الخضراء العالية: لن أخبر أحداً. أبتسم في سرّي وقد قبضت على خيالي متلبّساً بهذيان شعريّ في هذا المكان الحدوديّ الملتبس. خلف النافذة عالَمٌ يتيم، لا أحد يهدهده، أو يهدّئ من روعه، أو يعطيه الحلوى، عالَمٌ دون أمّ. السيدة التي أمامي والتي جرَحها بردٌ قديم تقول: أمّي لم تحبّني يوماً. يصف لي أحد المتعالجين النفسيّين كيف غرقت حياته في شربة ماء، أو في نوبة إغماء، لا يهمّ، وكيف اشتبهت عليه الأسماء، أسماؤه، في الطريق الترابية المغبرّة إلى ذاته. لا يذكر جيّداً. لكن يؤلمُه ما لا يَذْكُر.

هاتف: هاتف من صديقة تبحث عن الضوء في الرقص، ويبهرها أن تجده دائماً منغمساً في حركة جنينية تنتظر الولادة: من أنا دون رقص؟ دون طيران خارج جاذبية الأزمنة كلّها؟

نتحدّث عن الجسد البيت وعن البيت الجسد. ماذا سيحدث لفكرة البيت التي أدمنّا عليها؟ هل ستنتقم منّا الجدران؟ هل ستنقذنا الشرفات؟ هل ستهجرنا البيوت؟

إيطاليا: جمالٌ جاثٍ على ركبتيه. التوابيت الوحيدة في الكنيسة (هل تشعر التوابيت بالوحدة؟)، الغناء على الشرفات، مارشات عسكريّة للفقدان، أناشيد شعبيّة للحياة، Bella Ciao وداعُ مقاوِم لحيوات كثيرة: لحيوات كانت، لحيوات لم تكن، ولأخرى لن تكون. بلاد ذاهلة أمام الإنسان المنسيّ في الأرقام. بلاد سهِرت دون أن تدري على تربيتي العاطفيّة تستيقظ هذا الصباح، وتمضي كعادتها كلّ صباح، تخطف الحياة من سجن أعمالها اليوميّة المملّة ثمّ تعيدها عميقةً وأنيقةً إلى بيتها: الجمال.

“المحنة” أو “البلاء” لـ بييترو لونغولوحة: “المحنة”، أو “البلاء”. بييترو لونغو الإيطاليّ الساردينيّ يحبس الوباء في برزخٍ لولبيّ، يحاكمه ويُحكِم عليه ريشتَه. أيدٍ غارقة تجسّ نبض اللون وتضخّ الدم والحلم في جسده النضِر بضربات دائريّة متتابعة. لون فائر وزاخر بالحواس ونقائضها، بالبدايات والنهايات، بالصراخ وبالصمت، بالهواجس وبالأنفاس. إعصار أحمر وانتظار أحمر ينبجسان من صدفة فارغة. سيرة موجزة للغليان. مصائر مفترسة فاغرة فاها، تنشب أسنانها في اللحم الحيّ للذات المتلعثمة، لكن الحياة، على حالها، عارية ودامية، لا يزيدها النزيف إلّا قوّةً وبلاغةً. وإلغازاً.

أسئلة: هل أنجو بجلدي أم بمخيّلتي؟ أم أنَّ الأمر سيّان؟ هل أتمترس كآخر سلالة الموهيكيّين في غابة روحي، أم أخرج إلى هذا الليل شاهراً سيف أرقي؟

هل هو الفردوس المفقود: “دون رغبة، ودون ذاكرة، ودون معرفة”؟

أين الآخرون؟

ليل: …

* شاعر واختصاصيّ نفسيّ عياديّ من مواليد بلدة شفاعمرو في فلسطين المحتلة. محاضر وباحث يهتم بالخصوص بدراسة الآثار النفسيّة الاجتماعيّة للنكبة. ومن إصداراته في هذا المجال “دليل نفسي اجتماعي للعمل مع الأفراد والمجموعات” (2016). حصل قصقصي على الدكتوراه من جامعة إيسّيكس في بريطانيا. أصدر إلى اليوم مجموعتين شعريتين، وهو يقيم بين فلسطين وإيطاليا، حيث يكتب ويترجم بين اللغتين العربية والإيطالية.

العربي الجديد


——————————

قصائد عن وباء كورونا/ كيم ستافورد

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

شاعر أميركي من مواليد عام 1949 ، تلقى تعليمه في جامعة اوريغون. عمل أستاذا في الولايات المتحدة وخارجها كما قام بتدريس الكتابة الإبداعية وأسس معهدا لها في الجامعة. يشغل منصب شاعر ولاية اوريغون منذ عام 2018. من عناوين مجموعاته الشعرية: ((تاريخ غجري للعالم)) 1976؛ ((أمكنة وقصص)) 1987؛ ((ألف صديق للمطر)) 1998؛ ((ارث البداية: قصائد في بوتان)) 2013.

1- في الحجر

7 آذار 2020

بعد ان ختموا الأبواب بالشمع واقفلوا البوابة الخارجية،

بعد ان تركوا لنا تقديرات نسب الوفيات،

على ورقة كي نعلقها في الصالة،

بعد ان أحصوا كم يوما ستكفينا المياه—

بواسطة البوق من خارج منطقة الحجر—وابتعدوا بسياراتهم،

بعد ان استنفذت أسئلتنا اليائسة كل دموعنا،

بعد ان نظرنا الى بعضنا، أولا بدافع الشك بحصول عدوى،

ثم بدافع الفضول، ثم بفعل المحبة،

وجد احدهم غيتارا واستذكر أغنية،

فاصطففنا جميعا، ضاحكين متشابكي الأذرع، ورقصنا.

2- قلق

15 آذار 2020

عليّ ان أضعه في سيرتي الذاتية –

لقد جعلته مهنتي.

دعوني أقول لكم كم

طريقة يمكن للأمور بها أن تخفق.

كل حلم أتعلق به

أدمره في الحال.

أعطني ليلة، سأصارع

أية رؤيا حتى تستسلم.

إنني حيث تأتي الأفكار لتموت.

إنني قلق لهذا السبب

أصدقائي لا يزورونني.

3- ملجأ في المنزل

20 آذار 2020

قبل الوباء بوقت طويل،

كانت الأشجار تعرف

كيف تحرس مكانا واحدا بالجذور والظل.

كان الطحلب يجد طريقة لمعانقة حجر طوال حياته.

كل جدول يجد طريقة

للتحرك في المكان والمكوث في المنزل

حتى حين يفيض نحو الخارج بسخاء،

مرسلا محاصيله الوفيرة بعيدا.

الآن حان وقتنا لممارسة التمارين—

والغناء من الشرفات وإرسال كلمات

المواساة عن طريق ساع،

وإيقاد كرمنا الموحش

كي يشرق بجميع الاتجاهات مثل النجوم.

4- دوال

23 آذار 2020

في المخطط البياني للفايروس، يرتفع الخط

ليؤشر المصابين بموجة تدفق،

بينما يعرض خط منخفض

محدودية الأسرّة في المستشفيات.

في المخطط البياني لوول ستريت، تنهار الأسهم

في خط حاد، تنطفئ ومضات أمل

في هبوطها، لتمحو مكاسب

العربدة الطويلة.

عسى ان يكون خطّي أفقيا للأيام الاعتيادية—

نصف كوب من الرز، آخر تفاحة،

طبخة ثانية لكيس الشاي،

اقضي الغسق بالحمد والثناء:

كل نفـَـس نعمةٌ لا متناهية.

5- أخبار جيدة

24 آذار 2020

أ تفضل الأخبار الجيدة

في زمن سيء، ام الأخبار السيئة في زمن جيد؟

أعطني الأخبار الجيدة رجاء.

حسنا: الزمن السيئ لا يدوم الى الأبد.

يا رجل، كنت محتاجا لذلك. والأخبار السيئة؟

الزمن السيئ لا يدوم الى الأبد أيضا.

إذاً فالخبر الجيد أساسا هو: ان الأمور تتغير؟

عند السيئ نحتاج الجيد.

ذلك جديد، قديم ، ودائما.

6- عربة تسوق فوق المنحدر في زمن الوباء

26 آذار 2020

هناك في مكان ما، خيمة او فخ، وسرير من الورق المقوى.

على امتداد هذا الطريق، شاهد شخص

أسدا أميركيا في الشهر الماضي.

الأنواء الجوية لا تظهر شمسا.

بعد منتصف الليل، يعول قطار. عند شروق الشمس، غربان وصفارات إنذار.

في العربة، يبدأ الجيران بترك الطعام والماء،

كيس النوم في كيس النفايات، أعواد الثقاب والقفازات.

عند الفجر، يكونون قد رحلوا. مطر، طحلب، ظلال.

مسألة وقت فقط، هكذا يقول البعض، من مسافة آمنة

عبر السياج. كل فجر تختفي المؤن،

ونحتفل نحن. لحد الآن تنتصب العربة فارغة.

لحد الآن.

7- فجر اوريغون رغم الأخبار

8 نيسان 2020

قبل ان استطيع الوصول الى إحصائياتنا—

كثيرون جدا أصيبوا، كثيرون جدا ماتوا—

يناديني الطائر الذي يثير ضجة في الخارج،

الغربان وطيور الزرياب في مرح وهياج، ارتعاش، صرير،

والحان من الطيور البنية الصغيرة، الحمامة

الحزينة، الحسون الدائم الشكوى، الزرازير الواهنة

في دمدمتها المتأرجحة، ويرفرف

نقار خشب قارعا لحن الميزاب المتقطع.

في المدخل ينقض عليّ عطر الأشجار

الذي لا يرحم بينما تتفتح الملايين من أزهارها،

بينما استنشق الإكسير الغامض لأشجار اللوز والزعرور البري

والقيقب وآه من أشجار الكرز الوقحة تلك.


——————————–

الضّعف البشري.. تَأمُلات المتفرد في وحدتِه وعُزلتِه/ تيسير النجار

1   المواطن التي يتحرك فيها الضُّعف البشري أكثر من أن يُحصيها مقال واحد أو حتَّى قامُوس وذلك لكثرة شِباك الصَّيد، ولكن يُمكن لكلمةٍ أن تُحصيها: “السّجن”.

2     هناك مساحات مفقودة في الفلسفة يُحاول الأدب أن يقولها أو يُعبِّر عنها باستمرار، ومن أبرز تلك المساحات، المُفردات الجِذْرية المُتعلقة بالضُّعف البشري ومن أبرزِ تلك الكلمات التي تطوفُ في قُلوبِ البشر؛ الشَّفاء من الآخر وعلى الأخص أنَّ ثورة التكنُولوجيا أظهرت لنا مرضًا جديدًا اسمه الحاجة للآخر ومُتابعتِه عبر السُوشيال ميديا.

3    رغم ما في الأمة من ضُعف وهزائم لا نجِد مُؤلفا واحدا عن الضُّعف البشري، فقط نظريات لا تخرج عن عبادة الذَّات.

3    قصص مسترسلة لونُها حَالِك كالغُراب، قصص لا يملكُها سِوى حفظة الألم. أتكلم عنهم بجلالٍ وصَمت، قصصهم كاملة مختُومة بندَى اللّيل المُرّ.

5    أحمل أثقالِي على الرغم من أنَّه لا يُوجد في الإنسان ما يُحب إلاّ أن مَحبة الله للإنسان، لا كلمات يُمكن أن تُعبّر عنها سوى الحاجة للصَّلاة.

6   أفهم ألمَك كرجُل من خشب وأصنع ما شِئت.

7   اطرح الألم عن الشّجرة التي تنامُ قربِك، هنا تكمن قوتك.

 8. 

تكوين داخلي: الصّمت يحضر في كل شيء؛ صمت جبار، قوّي، متين يتغلغلُ إلى أعماق القلب، فيصبحُ جزءًا منه، صمتٌ ألمسه، أتحسسُّه، أتنفسُّه.. أنام وأصحُو مصوِبا بأنفاسي؛ صمت ثقيل كـسلاسل.

    في جسدي لا توجدُ لغة منطُوقة، اللّغة تحوّلت إلى صمت أيضًا، لا تُوجد في فمِي كلماتٍ أو حروف، لا أقول شيئًا، أتبادلُ الكلمات ظاهرا وباطنا وأنامُ كشجرةٍ بعيدة… الصَّحراء التي أتحدثُ عنها هُنا ليست دلالة على الحيِّز المكانِي بل أيضًا دلالةٌ واضِحة على صحراء الأرواح.

    رغم ما أنا فِيه، هناك فيضٌ بقلبي أحسُّ بينابيع الكلِمات تُزهر بالمحبَّة.

     غائبٌ في صمتي، اللّغة التي تحوَّلت إلى صمت لها تأثير النَّجاة والنشوة.

    أفعل كل ما بوسعي من أجل النَّجاة بجسدي المعزُول قسريا عن كلِّ ما في هذا الوجود، الآن جسدي المعزُول، كأنّه نسيجٌ من صمتِ ألمٍ طويل، لا حُضور للأجساد، لا حُضور للمكان، لا حُضور لكلماتٍ أو نظراتٍ أتبادلُها مع الكائنات بأجناسها.

    الحضور يتسِّع لصمت يحملُ ملمسَ الشَّجرة البعيدة؛ النّشوة البدائية، أو عيوني الضَّخمة.. تحلمُ أنَّها نجت.

     أعودُ للتفكير بعدد الكلماتِ التي سأستخدِمها لهذا اليوم، هناك خيارات كثيرة ولكن أتساءل أليسَ كلمة واحدة تكفِي؟.. عليّ أن أخبئ الكلمات للأيامِ القادِمة فأنا لا أعرفُ ماذا سيحصل؟

    رغم كل هذا النَّسيج الدَّاخلي للصَّمت أحسُّ باللغة الداخلية غير المنطُوقة، إنّها تُؤلمني بأنِينها ونحيبِها المُتواصل، أي بيتٍ للغة هذا لا تسكنه سوى الدُّموع والبُكاء.. دفاعا عني أكتب، دفاعا عن وجيب قلبي… صمتٌ يغمرنِي وبُكاء، وأنام.

    الجُدران التي حولي ليست بمَعزل عن نظرية التقمُص، أحسُّ بثقلِها تتكومُ فَوْقي قِطعة قِطعة، جُدران هِي مجمُوعة ضَخمة من الصُّور التِذكارية للألم الذي سأتركه لهم… لا شيء آخر أفكّرُ به الآن… لا مجال لمعرفة كم هي الساعة(؟).. ما هو اليوم(؟)، لا مجال لِمعرفة متى يحلُّ اللَّيل(؟)، لا مجال سوى للتّواصُل مع الصَّمت، يحضُر مُؤلما، ويغيبُ مُؤلما..

    وما القلب سوى هذا البريةُ الشَّاسعة لِفعل الصَّمت والصُّراخ.

      9.

دماغ يتعرض للأذى: لا تبحث عن قِيمة للحياة في الوُجوه أو ما يشبهُها، لا تبحث عن حقيقة كونك موجُودًا فقط، أليست لهذا الأمر قيمة طيبة؟.. افرح بوجُودك فما هذا الوجُود الذي تتحدثُ عنهُ سوى وجُود يشبهُ وجُود البَحر أو السَّماء أو الشَّجرة، أو الطَّير.. كلُّ هذِه المُفردات تنامُ في عُزلتها السَّرمدية وها أنتَ أيضًا تصحُو على فَهم هذِه العُزلة.

المكانُ أضيق من كلمة تحفظُها وتردِّدُها؛ المكانُ ضيِّق ككأسٍ وكَمرض، المكان مُصاب بِلوثة، لَعنة.. تعيشُ فيه كحيوان ذليل رُغم كل تِلك الحُرية التي تتكسَّرُ كلوحِ زُجاج في داخِلك.

ماذا تفعل بكل هذا الوقت؟..  اليوم هو: الأحد والاثنين والثلاثاء معًا..  اليومُ ما هو؟.. لا أعرف منه سِوى كل هذه الإضاءة الشَّديدة التي تتلفُ عينيّ، لا أرى شيئا..! عينيّ في عُزلة ضخمة كدينَاصُور، أفكِر بِك يا جسدِي، قِطعة… قِطعة… أفكّر، أصابعي لا تلمسُ سِوى نفسها، ما أجملها أصابعي!.. أصبح لونها يظهرُ عليها العُروق عرقا عرقا.. أصبحَ لونُها أخضر.. أين الشمس؟.. أين شمسكَ يا الله؟!، خبزك الحقيقي؟..

أذقني يا الله بعضا من شمسك، لا شَمس في المكان..!، لا مَكان في المَكان سِوى الألم؛ ألمي.

ما الذي أفعله هنا؟.. أتعرض للأذى .. أفعل لا شيء . أفعل أننِي أفكِّر بكِتابة هذه الكلمات التي تُؤذي، لا أملك شيئًا سوى كلمات أعيشُ معها، أفكِّر بها، أصبحتْ جزءًا من ألمي. وليتنِي حتى أستطيع كتابتها ـ فقط ـ، أسطرها سطرًا في دماغي فقط،.. أفتحُ ورقة بيضَاء كهذه، أبدأ بعملية التَّسطير سَطرًا… سَطرًا، كل صفحة فيها 24 سَطرا. وكل سطرٍ فيه كلمات ضخمة ومسؤولة عن نجاتي. كل يوم له كلمة واحدة فقط، فالكلمات رغم كثرتها وتشابك أعضائها وشروق شمسها بدائية كحياتي هنا. أصبحتُ بدائيا بكلِّ ما تحملُ هذه الكلِمة من سَرد، بدائيا إذ أجلسُ في داخل رأسِي وأنظفه من أفكار تشبه السُّلم الطويل جدا، ومن كلمات ضخمة، ضخمة جدا مثل حيتان مُتناهية الأحجام.

جائعٌ وكل ما أحتاجه، غرائزيّ، حاجتي للطعام، حاجتي للشَّمس، جزء من مسلسل طويل جدا من الحاجات لكلمة واحدة فقط هي الحُرية.

لا شيء يتغير، يدي هي يدي، ووجهي منسيٌّ، أبذلُ جهدًا هائِلا في تذَّكُره..  كلّ ما حولي وما أنا فيه لا يدعُوني سِوى لأمر واحد: الكراهية، هذه الكلِمة الكلاسيكية تغمُرني بنشوتِها، دربُ الآلام الذي أعيشه هنا يوميا هو أوحش من كل تِلك الصَّحراء، أذهبُ لأوقات أخرى أعيش فيها ولكن الألم يدفَعُني إلى قتل نفسِي هذا كل ما يؤثِثُ وقتي.

لا استخدِم الحياة، لا أستخدمُ شيئا، فقط أنتظرُ.. وأنتظر، وأسطِّر الأوراق الذِّهنية وألقى بها في سَلّة مُهملات افتراضية بحَجم بَلد. وأعُود للتَسطير وفُيوض الكلِمات تُشرق بِمعاني نَبيلة كمسحُوق مُخدِّر.. هذا كل ما أفعلُه لأنام، لا أريدُ أن أصِف نَومي، لا أريدُ الوصْف كلّه. ما أريدُه أن أعصِر ألمِي البِكر داخِل الكلِمات.. أحافِظُ على سَلامة عقلي مِن أذَى ما أنا فِيه، وأحلُم بضَوء شمعة في البَعيد، وأقضى ليلتي سهرانًا أشاهدُها بفرحٍ غامرٍ وغامضٍ، ضوءُ الشَّمعة ما أجملَه..! وكم يشبهُـني أيضًا.

رُغم صُداعِ طَنين الذَّاكرة وعَجزِها وألمِها كَم أتمنَى التَّوسع بالهَواء، فهو من مُمتلكاتِ الله، فمِن شِدَّة الألم، الألم نفسه أصبحَ في وحدتِه وعُزلتِه حزينًا(!).

10.

كم أحبّ الضحية الذي يرغب بقتل جلاده.

أنا الضحية

(2017)

ضفة ثالثة

——————————

في الطّريق إلى وجهي/ زينة حموي

أغمضُ عينيّ، وتحضرني لعبة الأسئلة التي لطالما لعبناها في ساعات وحدتنا الطويلة، وحدتنا التي لم يزدها الحجر الصحي العالمي إلا وضوحاً وخشونة. أرددُ بعضَها في رأسي، وأبتسم: “عبد الوهاب أم عبد الحليم؟ محمود درويش أم نزار قباني؟ كونديرا أم ساراماغو؟ فيلم أم رواية؟ كريستيانو أم ميسّي؟ دمشق أم حلب؟ وطن أم هجرة؟ …”

على كرسيّ من الخيزران يتوسّطُ الغرفة، جلسَ وفي يده قلم رصاص. مولياً ظهره للباب، وجهه إلى الحائط وأمامه حاملٌ خشبيّ ثُبِّتَتْ عليه ورقةٌ بيضاء. لم يرَني حين دخلتُ واكتفى بصوتي يُلقي تحيةً مقتضبة. لا مرايا في المكان. كان عليّ أن أتكّل على ذاكرتي وأحسن انتقاء مفرداتي، وأن أثق بمعرفتي لنفسي. هذه هي قواعد اللعبة: أن يرسمَني مُعتَمِداً عليّ: سأقفُ خلفه، وسأصفُ له شكل وجهي وملامحي ليحوّل كلماتي مباشرة إلى ما يشبه البورتريه على الورقة المُنتَصِبة قُبالتَه. كانت لعبة اقترحتْها صديقتُنا المشتركة كفاتحةٍ لتعارفنا: هو، الفنان التشكيلي المشغول دوماً بتحدّي قدرته على تحويل كلّ شيء في هذا العالم إلى ألوانٍ وخطوطٍ؛ وأنا، السّاعية خلف الكتابة والباحثة عن تطوير تقنيات التذكّر والسّرد وتوظيف الكلام. كانت لعبةً في مزاوجة الفنون إذن: في التأمل والاستحضار والوصف والتخيّل والرسم، والترجمة الفورية من لغة الحروف إلى لغة الرسوم.

بدأتُ بوصف شكل رأسي: مستديرٌ غيَّرَ خالقه رأيه في آخر لحظة فلم يُكمِلْ انحناءته بل أتمّه باستطالةٍ خفيفة. انتقلتُ إلى معالم وجهي: جَبْهة عريضة نسبياً، عينان واسعتان يميلُ طرفاهما الوحشيّان نحو الأسفل قليلاً، حاجبان عاليان كأنهما يتركان للجفنَين العلويَّين والمَحْجَرَين فرصةً أكبرَ للظهور. أكملتُ بصعوبة وصفَ ملامحي، تلكّأتُ، فكّرتُ، حاولتُ استدعاء بعض صوري الفوتوغرافية إلى ذاكرتي، استرجعتُ وقفاتي الكثيرة أمام المرآة. نجحتُ في تذكّر بعض التفاصيل لكنني ارتبكتُ عندما أردتُ أن أرتّبها في كلمات. تحسستُ وجهي بيديّ، وحاولتُ أن أقيس بأصابعي المسافات الفاصلة بين زوايا مكوّناته. تجاهلتُ وصف إذنيّ. وانتقلتُ سريعاً إلى تعداد العلامات الفارقة، فقلتُ له: “لي شامةٌ على الجفن فوق العين اليمنى. وبذا، لا عينين في وجهي بل عَينًا وغَينًا!” ضحك وقال: “حتى دعاباتك عن اللغة والحروف!”.

تعبتُ، ولم أتمكّن من إضافة أي تفصيل آخر، فقلتُ له إنني انتهيت. نهضَ وحرّرَ الورقة واستدار نحوي، تفرّسَ في وجهي ثم نظر إلى الرسم في يده. قال مُقَيّماً التجربة:

“لقد فشلتِ في وصف أنفك وذقنك كما فاتك أن تتحدثي عن وجنتَيك. رغبتُكِ في توخّي الصدق واضحة. ولكن، ما زالت أمامك طريقٌ طويلةٌ نحو الإحاطة بموضوعك. وعليكِ أيضاً أن تمرّني كلماتك لتكون أكثر دقّة وإخلاصاً للواقع”.

أعطاني الورقة فأطلتُ النظر إليها: “هذا الوجهُ أجمل منّي! أنتَ أيضاً أفلتتْ منك بعضُ شروط اللعبة ولم تلتزم بما سمعت. لقد غلبك توقكَ إلى الجمال، فحرّفتَ الكلمات وانتصرتَ لرغبتكَ وخيالك. ستبقى خائناً في نظر الحقيقة لكنّ الفن سيجدُ لك أعذاراً ويغفر لك”.

اليوم، أجلسُ معكَ على أريكةٍ تفصلها عن تلك الحادثة مسافاتٌ وسنوات. نراوغ الملل الثقيل ونطرّي وحدتنا بالحكي والقصّ. أروي لك أغربَ طريقة تعارفٍ مارستُها في حياتي. أُبدي إعجابي بالذكرى كلّها. وأتساءل عمّا حلّ بالرسام الذي لم ألتقِ به بعدها سوى مرةً أو مرتين. ثم أفطنُ إلى ضرورة مهاتفة صديقتنا المشتركة – صاحبة الفكرة – للاطمئنان، فقد مرَّ على اتصالنا الأخير زمنٌ طويل. تفسحُ لي بصَمْتِك مجالاً أكبر للتعليق على روايتي واستطراداتي. أنتبهُ إلى أنني أطلتُ الحديث، ولم أسمع منكَ تعليقاً، فأسألك:

– ألا تتمنى لو أنك رأيتَ الرسم؟ لقد كان يشبهني، إلا أنه أحلى بكثير.

– لا حاجة بي إلى الرسم، صورتك الأحلى أُدرِكُها بالحب.

– وما رأيك بالطريق الطويلة؟

– الطريق الطويلة هي تلك التي تقودك إلى نفسك. لن تَصِلي أبداً، سيعترضك الوهمُ والخجلُ، وسيؤخّرك الإنكار والتردّد. ستختلطُ عليك قَسَماتك وستضيعين كثيراً. لكنّ الكتابة ستعينك على قطع الرحلة بخطواتٍ أوسع وإن بمشقّةٍ أكبر. أنت في كل مرة تكتبين فيها تفتحين في جوفك نافورةً من الأسئلة وتكتشفين دروباً فرعية ومخفيّة في تلك الطريق. لا تشغلي بالك بمطابقة الواقع، أنصفيه من دون مغالاة، وجانبيه من دون خيانة. صادقي خيالك وثقي ببراعته ودواعي كذباته. اتركي أمرَ الدّقة لإحساسك. وتأكدي، أنه مهما اختلفتْ موضوعاتك وتنوّعتْ، فإنك مع كل كتابة تقتربين أكثر من وجهك!

– أشعر بأن الكتابة تغّير لي شكلي. تمنحني ملامحَ تشبه ملامح ما أكتب. ألا ترى أنني أصبح أجمل كلّما كتبتُ نصّاً جميلاً؟

تصمتُ، وترفعُ يدك نحو وجهي. تمرّرُ إصبعكَ على ملامحي كما لو أنك تغمّق خطوطها أو ترسمها من جديد.

أغمضُ عينيّ، وتحضرني لعبة الأسئلة التي لطالما لعبناها في ساعات وحدتنا الطويلة، وحدتنا التي لم يزدها الحجر الصحي العالمي إلا وضوحاً وخشونة. تلك الأسئلة التي استعنّا بها على وحشة الأماكن وتماثل الأيام. أرددُ بعضَها في رأسي، وأبتسم: “عبد الوهاب أم عبد الحليم؟ محمود درويش أم نزار قباني؟ كونديرا أم ساراماغو؟ فيلم أم رواية؟ تشكيل أم تصوير؟ عرق أم ويسكي؟ متّة أم قهوة؟ كريستيانو أم ميسّي؟ فيديرر أم دجوكوڤيتش؟ دمشق أم حلب؟ وطن أم هجرة؟ …”

لم نبتغِ الإجابةَ ولا مرة. ولم ننتوِ عقد المقارنات كي لا نهوي معها نحو التبسيط والتسطيح والسذاجة. (ألم تجرّنا المقارنات البلهاء إلى أكبر الخسارات في الحرب والحب والسياسة!) لم نلعب يوماً لكي ينتصر أحدنا، أو لكي نصل إلى النهاية. بالعكس، كانت الأسئلة أراجيح لأحاديثنا، وشرفاتٍ نطلُّ منها على حبّنا لنراه من زوايا مختلفة. كانت أسئلتنا مرايا لوجهَينا وملامحنا، من خلالها نراقب اهتماماتنا وميولنا وتحولات أذواقنا. كانت أسئلتنا معابرَ لطرقاتٍ نحبّ أن نتنزه فيها ونمشيها معاً. وكثيراً ما قطفنا لها أثناء سيرنا حججاً من كِتاب أو مقال، أو سَقَيناها من دلاء ذوي الاختصاص، أو رمينا لها إجاباتٍ عاطفية من دون أن نُتعِب أنفسَنا بالشرح والتفنيد. ويحدث أن نكرّر الأسئلة ونكرّر الإجابات، بشهوة من اعتاد المشي في حديقة يحبّها. ويحدث أيضاً أن يستفزّ أحدنا الآخر ليستدرج منه حركةً مُحَبَّبة أو تعليقاً متوقّعاً، أو أن نضيف اقتراحاً ثالثاً خارجاً عن اقتراحَي السؤال، فنضحك أكثر ويحلو اللعب ويحتدم الكلام.

الآن، أتنبّهُ وقد حطّ إصبعك على الشامة فوق جفني الأيمن، أهتِفُ بك مُفتَعِلَةً الخوف:

– أرجوك، انتبه! لا تمحُ شيئاً.

أغمض عينيّ مرة أخرى، وأرى أيامي كقطعة نقد معدنية. تقذفها يد العمر عالياً عالياً ولا تلبثُ أن تعاود السقوط. يتبعها قلبي الواجف، وتستعجل عيناي رؤية مستقرها، وتضطربُ روحي بسؤالٍ ما برح يخضّها: “حبٌّ أم كتابة؟

أوان

————————-

==================

تحديث 3 أيار 2020

————————–

يوميات الوباء: القراءة كملجأ/ منصورة عز الدين

بدأ الأمر في مصر بعاصفة ألزمتنا بيوتنا يوم 12 مارس/آذار؛ برق ورعد ومطر يهطل بلا انقطاع. في الصباح التالي، رأيت من نافذتي أرض الحديقة وقد تحوّلت إلى بِركة. أخفى الماء العشب فلم يعد هناك منه سوى صورته في الذاكرة. انقطعت الكهرباء لأكثر من يوم كامل، فبدا الأمر أقرب إلى مشهد افتتاحي منذر بما هو أخطر في فيلم أو رواية. التفكير في طرق شحن الهواتف والحواسيب المحمولة حتى عودة الكهرباء، ترافق مع الارتياح لرائحة الهواء النقية، ذلك النقاء الذي يمكن للمطر وحده أن يستدعيه. عاد للسماء إشراقها مع انتهاء العاصفة، لتبدأ عاصفة من نوع آخر هي الخاصة بفيروس كورونا المستجد. لا مدارس ولا خروج من البيت.

في البداية لم يتغير الكثير في روتيني اليومي، إذ كان عليّ الانتهاء من نص سيرة ذاتية من المفترض أن يُنشر بالألمانية، آخر العام، ضمن كتاب جماعي عن الفوتوغرافيا. استغرقت هذه المهمة، التي ترافقت مع ألم لا يطاق في الأسنان، وقتًا أطول مما قدّرت.

وضعني الألم المستمر في مواجهة شاقة مع جسدي، أصبح حضوره واضحًا ومحسوسًا أكثر من ذي قبل؛ باتت علاقتي به، مع كثرة القراءة عن كوفيد-19، قائمة على التوجس والارتياب: ممنوع لمس الوجه، التعامل مع اليد كمتواطئ محتمل مع العدو غير المرئي، تخيل مسار مفترض للفيروس داخل أعضاء الجسم المختلفة.

قبل فترة الحجر الذاتي مباشرة، كنت قد انتهيت من قراءة مراسلات كاواباتا وميشيما، واندهشت من تركيز ميشيما وثباته الانفعالي، وهو يكتب لكاواباتا خطابات مشغولة بالهموم الجمالية والفنية، فيما تُقصَف طوكيو وغيرها من المدن اليابانية قرب نهاية الحرب العالمية الثانية.

ويومًا بعد آخر، عاودت اكتشاف أن المسألة ليست صعبة؛ فكل شيء يخفت وقعه الصادِم بالاعتياد، نتكيّف على وجوده ونتمسك بتفاصيلنا الصغيرة في مواجهته، فبعد أسبوعين من الكتابة خطفًا والقراءة خطفًا ومتابعة مجريات زحف الوباء من بلد لآخر بلا توقف، مع ما يترتب على هذا من توتر وألم نفسي يُترجم نفسه فورًا إلى ألم جسدي، صرتُ أضبط يومي على إيقاع طقوس جديدة تمنحني بعض السكينة وتفصلني نسبيًا عمّا يحدث في الخارج، غير أن ملجئي الفعلي والدائم يتمثل في القراءة، لكنني لا أسير فيها حاليًا على جدول محدّد، بل أترك نفسي لإرادة الكتب كي تقودني وفق أهوائها، مستمتعةً بلذة التسكع بينها.

أنتهي من رسائل السنوات الأخيرة لوجيه غالي، فأجد نفسي مدفوعة لإكمال الصورة بقراءة “بعد جنازة”؛ كتاب ديانا أتهيل عنه. يثير صاحب “بيرة في نادي البلياردو” في نفسي تساؤلات عن الكتابة بلغة أخرى، بخلاف اللغة الأم، فأقرّر قراءة مؤلفات فلاديمير نابوكوف المكتوبة بالإنكليزية مباشرة. تدفعني شعرية لغة نابوكوف للعودة إلى دانيلو كيش لأقرأ “العود والندوب” كمن يكمل حديثًا مع صديق قديم.

أكانت مصادفة أن معظم من قرأت لهم، خلال الفترة الأخيرة، اختبروا المنفى والضياع وصقلتهم تجارب أليمة؟

* روائية من مصر

العربي الجديد

————————————

ستيفن كينغ: كورونا صدمني بلا واقعيته وترمب لا يفكر: رائد أدب الرعب الأميركي أصدر قصصا جديدة ورواية له ترجمت إلى العربية/ كاتيا الطويل

من الطبيعيّ في أوقات سوداويّة كالتي تمرّ بها البشريّة في يومنا هذا، أن تتوجّه الأنظار إلى الكاتب الأميركيّ ستيفن كينغ المعروف بميله إلى قصص المتخيّل والرعب أو ما يُعرف بأدب الرعب. وهذا النوع من الأدب موجود منذ القدم في تاريخ الأدب العالميّ ويجد جذوره في القصص والأساطير والملاحم، فالخوف والرعب شعوران وُلدا مع الإنسان منذ فجر الأزمنة ورافقاه مع مرور القرون في الآداب والفنون الأخرى. وبلغ خيال الرعب أو أدب الرعب ذروته في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ثمّ عاد ليظهر منتصف القرن العشرين وبخاصّة مع انتقال عدد كبير من روايات الرعب إلى شاشة التلفاز أو الشاشة الكبيرة.

وكاتبٌ على غرار ستيفن كينغ يعرف خبايا النفس البشريّة ومكامن الرعب فيها، يليق به أن يشهد ما نمرّ به اليوم من حجر صحّيّ ورعب عالميّ وهلع بمواجهة وباء كورونا، الذي لا ينفكّ يتهدّد البشريّة بالموت. وكينغ الكاتب الأميركيّ السبعينيّ المعروف بإسهاماته الكثيرة في عالم الأدب والسينما والمسلسلات التلفزيونيّة، عُرف طيلة مسيرته بنصوصه المنتمية إلى أدب الرعب عبر توظيفه عناصر تنتمي إلى عالم الأموات ومصّاصي الدماء والفانتازيا السوداء.

ويعبّر كينغ في مقابلة أجريت معه على صفحات جريدة “نيويورك تايمز” أخيراً أنّه مصدوم بالسرعة التي تدهورت فيها الأمور، وقال إن الناس كانوا، قبل فترة قصيرة ماضين في حيواتهم، يسافرون ويتبضّعون ويمارسون نشاطاتهم اليوميّة بشكل طبيعيّ، وها هم اليوم معزولون ومصابون بالرعب والخوف والقلق ولا يخرجون من دون كمّامات وأقنعة وقفّازات طبّيّة، حتّى إنّ خروجهم نفسه بات نادراً. ويقول كينغ إنّ “ما يحصل غير واقعيّ أبداً” ويذكّره واقعنا اليوم بإحدى روايات روبرت هاريس التي يتناول فيها كارثة تصيب البشريّة في القرن الحادي والعشرين ويكون مكمن القلق والتوتّر فيها انعدام وجود الطعام الكافي للناس.

في عالم السياسة

وبالحديث عن القلق والتوتّر ينتقل كينغ في مقابلته إلى الحديث عن السياسات المعتمدة في الولايات المتّحدة الأميركيّة للتقليل من وطأة هذه الأزمة، ويسلّط الضوء على قلّة قدرة ترمب على السيطرة على الوضع وسوء إدارته للأزمة، ويؤكّد قائلاً إنّه يفضّل أن يواجه أزمة كورونا بإدارة جو بايدن على أن يواجهها تحت رئاسة شخص كترمب الذي لا يُعنى سوى بصورته ومظهره وكيف تصوّره الصحافة المحلّيّة والعالميّة، وهي أمور هامشيّة وسطحيّة مقارنة بعمق الكارثة. ولا بدّ من التذكير أنّ الانتخابات الأميركيّة محدّدة ليوم الثلاثاء 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 وتنحصر المنافسة فيها بين ترمب، الرئيس الحاليّ للولايات المتّحدة، وهو محطّ انتقاد كينغ وعدد كبير من الكتّاب والصحافيّين، وبين جو بايدن الذي بلغ المرحلة النهائيّة في انتخابات حزبه بعد تراجع منافسه بارني ساندرز أوائل  أبريل (نيسان) الماضي عن خوض الانتخابات جرّاء تفشّي وباء كورونا.

ومن المثير للاهتمام ما يضعه كينغ على صفحته على التويتر من انتقاد واضح وصريح ومجرّح في معظم الأحيان لترمب، فهو يعتبر أنّ ترمب يثير أعصابه ويُغضبه بشكل لا مثيل له، وذلك لقلّة قدرته على تدارك الأمور ولعجزه عن حسن إدارة الأزمة. وكينغ الذي بات ناشطاً على تويتر منذ العام 2013، يُعدّ هذا التطبيق أكثر ما يستنزف وقته فهو يضع على صفحته على تويتر ما هو ظريف وطريف من ناحية، وما هو جدّيّ وينتمي إلى الشأن العامّ من ناحية أخرى. ولا يتوانى كينغ عن طرح آرائه السياسيّة على صفحته وبخاصّة تلك المعارضة لنهج ترمب وسياسته وسطحيّته ولامبالاته، وبخاصّة في تعامله مع عدد الوفيّات الناجمة عن وباء كورونا الذي ينهش الولايات المتّحدة مع تخطّي عدد الوفيّات عتبة الستّين ألفاً. وكينغ الذي يدعم جو بايدن منافس ترمب، يقول في إحدى تغريداته: “أنا مواطن أميركيّ وأنا مستاء بشدّة من غباء ترمب على الرغم من أنّني أعلم أنّ لا يد له في ذلك، لكنّه كسول بشكل لا سابق له. يمكنه أن يقوم بالأمور بشكل أفضل، أنا أكيد من ذلك. أنا نفسي يمكنني أن أقوم بالأمور بشكل أفضل. ليس الأمر وكأنّه لم يكن لدينا رؤساء أغبياء في ما سبق، إنّما في حالته هو، فتشعر وكأنّه لا يجيد القراءة. لا أظنّه يجيد القراءة وأنا أكيد من أنّه لا يستطيع الكتابة، وبرأيي مَن لا يقرأ ولا يكتب لا يفكّر”.

عالم الرعب

وفي ما خصّ كتابته ووتيرته في التأليف، ينبّه كينغ إلى مخاطر وسائل التواصل الاجتماعيّ والإنترنت وسرعة انتقال المعلومات، فبرأيه بات اليوم من السهل أن يتشتّت انتباه المرء وأن يخسر تركيزه. فهو إن شاء البحث عن معلومة معيّنة لنصّه أمضى ساعتين أو ثلاثاً متنقّلاً من صفحة إلى أخرى من دون أن يشعر بمرور الوقت.  ويؤكّد في المقابلة أنّه لا يحدّد موقفه من مسألة ما إلاّ بعد أن يدوّن أفكاره حولها، أيّ أنّ كتابة أفكاره تساعده على تشكيل رأيه وتفنيده. ويكمل كينغ قائلاً إنّه لا يحكم على نصّه إن كان جيّداً أو رديئاً إلاّ بعد أن يكون قد كتب معظمه، فبرأيه يجب أن يؤمن بنصّه وألاّ يتسرّع في إقصائه، فليست كلّ النصوص مشرّعة أمام كاتبها منذ البداية، وفي أحيان كثيرة يجب أن يراهن على القصّة وإن لم يكن واثقاً من سير عمليّة التأليف، فليست هناك وصفة واحدة أو طريقة تفكير واحدة ولكلّ قصّة مفاتيحها.

وقد صدرت حديثاً مجموعة قصصيّة لستيفن كينغ بعنوان “إن نزف” (If it bleeds) مكوّنة من أربع قصص قصيرة تنتمي إلى أدب الرعب لكون كينغ معروفًا بكتاباته في هذا الأدب ، وعندما سُئل عن سبب اختياره أدب الرعب ليكتب فيه، أجاب ببساطة: “ومَن قال إنّني أنا من اختاره؟”.

من الجدير بالذكر أنّ عدداً كبيراً من أعمال كينغ تلك المحوّلة إلى أفلام أو تلك التي ما زالت أدبيّة فقط، ترجم إلى العربيّة، ويجد القارئ هذه الأعمال بالعربيّة بنسختها الورقيّة والإلكترونيّة على حدٍّ سواء. ولا بدّ من الإشارة إلى حسن الترجمة في هذه الأعمال الضخمة عموماً. فمثلاً أحدث رواية صادرة هي رواية “طبيب النوم” (دار العربيّة للعلوم- ناشرون) ترجمة أوليغ عوكي، وهي تكملة لرواية سابقة بعنوان “البريق”. وتمتاز هذه الرواية بسلاستها وسهولة لغتها وانسيابيّتها على الرغم من كبر حجمها (611 صفحة)، ويُكمل فيها كينغ نسيجه الروائيّ بسرد أحداث تجري مع بطله دان أو داني الذي أصبح في هذه المرحلة رجلاً بالغاً من دون أن تتركه هواجسه القديمة والمثيرة للرعب.

—————————–

=============================

===========================

تحديث 06 أيار 2020

—————————–

يوميات العزلة: في العالم الذي أسّسته/ سلوى السعداوي

كيف ستكون أيّامي في الحجر الصّحي اللاإرادي؟ إنه السؤال الذي طرحته على نفسي – وأنا أتابع بكبير اهتمام – كثافة الأخبار العالمية عن فيروس كورونا الذي باغت العالم بأسره. هل سيتغيّر برنامجي اليومي الذي اعتدت عليه منذ سنوات؟

أنا بيتوتية بطبعي، أسّستُ عالمي الخاصّ بين الكتب والمجلات الفلسفية والنفسية والأدبية، قبل كورونا وأثناء الحجر الصحيّ. ولن يتغيّر وضعي اليوميّ بعد كورونا، وبعد التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية العالمية المنتظرة. فمن اعتاد طقوس القراءة اليومية والبحث الدقيق المتأنّي لن يملّ العزلة والوحدة، بل سيبتعد عن تفاهات اليوميّ.

تضاعفت سعادتي بهذا الحجر الصحيّ، حتى أواصل الكتابة، كلّ يوم، والبحث في اختصاصي في السرديات. أشتغل حالياً على كتاب نقديّ حول اليوميات. وعقدتُ العزم على أن أقرأ الكتب التي اشتريتها من الخارج، ولم تتسنّ لي قراءتها أوقات التدريس. أُبكّر في النهوض، وأُطلّ من نافذة المكتب، فأجد حمامتي البيضاء وقد حطّت على الرخام، تنقر البلوّر بلطف، وتنظر إليّ حتى ألقي عليها تحية الصباح كالعادة وأحادثها بهمس، وتحادثني بألفة.

كلما أجد نفسي أتنفّس الهواء في الشرفة، وأتحسّس أعضائي، عضواً عضواً، وأجدني ما زلت حية، يطمئنّ قلبي وينتشي عقلي الذي له لهفة لا تقاوم لقراءة الروايات العالمية (“عالم صوفي”، “عندما بكى نيتشه”، “كافكا على الشاطئ”…).

أنظر يومياً، لا بدافع نرجسيّ، في المرآة أتملاني وأبحث عنّي في هذا الزمن الجديد. اعتدتُ يومياً المحاورة الذاتية، والتأملات البعيدة التي تأخذني إلى عوالم ما زلت أحلم بالسكن فيها. إنّ الآخر / الخارج هنا، يلازمني في عزلتي التي لم تكن قطيعة نهائية مع ما يحدث في أُسرنا أو في تونس. إذا شعرت بالتعب من الجلوس طويلاً إلى المكتب، أشاهد الأفلام. أحبّ الأفلام السياسية والتاريخية والنفسية.

نعم، يهمّني الحاضر كثيراً، عليّ أن أعيش اللحظة بكلّ كياني. وعليّ أن أعيد النظر في علاقاتي الاجتماعية، وأنا هنا في بيتي. يقولون إنّ اليوميّ قاتل، لأن الأعمال تتكرّر يومياً إلى حدّ الملل والشعور بالغثيان، لكنني في عزلتي أجدّد حياتي، كما أجدّد أقلامي ومحمولات الكتابة. الورق الأبيض يغريني فيسيل فكري وتهتزّ مشاعري. هي أشيائي التي تعرفني وأعرفها، لا تملّني ولا أملّها. جميل أن نعقد صداقات حميمة مع أشيائنا، وننشئ معها احتفالية خاصّة: القلم والكتاب والحاسوب والمرآة وأدوات الاستحمام والحمامة التي أصبحت هي والأرنب (صديق ابنتي)، من أشيائي، وكائنات لصيقة بذاتي وبعالمي المرح والحزين.

وجميل أن يكتظّ بريدي الخاصّ برسائل الخلّص من الأصدقاء، من كافة أنحاء العالم، فأجيب بكلّ ودّ واحترام وننخرط في نقاشات ثقافية. أجد متعة كبرى وأنا أتحاور مع طلبتي في إشكاليات الدروس، وأحنّ إلى أجواء الكليّة والتدريس المباشر.

أحياناً، يعنّ لي، بعد القراءة اليومية، أن أغنّي وأبكي. فيرتفع صوتي، يردّد أغاني فيروز مثل “راجعين يا هوى” أو أغاني نجاة الصغيرة؛ “في وسط الطريق” و”لا تنتقد خجلي الشديد”… وأردّد مع ابنتي الصّغرى أغاني صليحة وعلي الرّياحي.. وأعود إلى الزّمن الجميل، وإلى أغاني الشيخ إمام، فأشعر كأنني عدت طالبة شابّة.. فأراني في احتفال طلابيّ كبير بيوم الأرض، أو باليوم العالميّ للمرأة، وأنا في الحجر الصحيّ، وأنا، الآن وهنا في بيتي جالسة إلى مكتبي أو واقفة في الشرفة، وقد انطلق خيالي بعيداً في الأفق الرّحب. إنّ الحلم والخيال يشعراننا ببعدنا الأنطولوجي، وبأنّنا لم نفقد بعد ملكة الإبداع زمن “كورونا”.

* ناقدة وأكاديمية تونسية. من إصداراتها: “الرواية العربيّة المعاصرة بضمير المتكلّم” (2010)، و”قراءات في نصوص سرديّة” (2015)، و”الكذب الحقيقيّ، من قال إنّني لست أنا، في إشكاليّة التّخييل الذاتيّ” (2016).

العربي الجديد

——————

ماذا تقرأ في أيام الحجر.. أفكار وعناوين

ليس هناك وصفة جاهزة من القراءات في مثل هذه الظروف، حيث فرض انتشار فيروس كورونا حظر التجول في بعض المدن العربية مثلما حدث في الأردن والعراق ولبنان والمغرب، بينما امتنع كثير من الناس في مدن أخرى عن الخروج من تلقاء أنفسهم، لكن من الممكن تقديم بعض الأفكار والاقتراحات التي قد تأخذك في عزلتك إلى حالات مختلفة، بعض القرّاء يبحث عن التسلية والبعض يبحث عن فرصة لتعويض ما فاته بسبب مشاغله، والبعض لديه قراءات مؤجلة كان يحلم بالتفرغ لها، هنا بعض الاقتراحات من القسم الثقافي في “العربي الجديد” وهي اقتراحات قابلة للإضافة في حال طالت أيام الحجر الصحي:

العودة إلى الكلاسيكيات الغربية

نسبة كبيرة من القرّاء المحترفين والهواة لم يقرأوا الكلاسيكيات؛ فهي في الغالب كتب كبيرة وبعيدة عن زمننا ومعظمها تحول إلى أفلام أو كتبت عنه قراءات ومقالات اكتفينا بها. وربما تجد فرصة في أيام الحجر أن تعود إلى كتب مثل “الكوميديا الإلهية” لدانتي أو تصرف بعض الوقت مع شكسبير فتغرق في مسرحياته التي لم تقرأها من قبل، وماذا عن “دون كيخوته” لثيربانتيس أو “التربية العاطفية” لفلوبير، أو “المنارة” لفرجينيا وولف أو “بطن باريس” لإميل زولا؟

كتب التراث العربي

وهذه يمكن للمرء أن يجد فيها الإمتاع والمؤانسة والمعرفة، وربما يكون الجاحظ في هذه الحالة خير رفيق، فقصصه التي تولد الواحدة منها من بطن الأخرى لا تنتهي؛ وبعضها طريف مثل “البخلاء” و”البرصان والعرجان”، وبعضها فلسفي وأدبي مثل “البيان والتبيين” و”كتاب الحيوان”، لذلك نقترح لهذه الأيام ولمحبي الكتب التراثية الجاحظ فهو خير الندماء.

الأدب العربي الحديث

إذا كنت تفضل القراءات العربية التي يمكن اليوم أن نعتبرها من أمهات الأدب الحديث فربما تعود إلى “الأيام” لطه حسين، أو “كناسة الدكان” ليحيى حقي، وربما “الحرافيش” لنجيب محفوظ وفيها يتحدث الروائي المصري عن الوباء الذي يصيب الحارة ويصف أحوال الناس فيها. كما ننصح بقوة بقراءة أعمال الكاتب اللبناني سعيد تقي الدين (1904-1960).

كذلك يمكن قراءة رواية “سأهبك غزالة” للجزائري مالك حداد (وكذلك مجموعته الشعرية “الشقاء في خطر”)، أو “طيور أيلول” لإميلي نصر الله، كذلك نقترح كتاب “الاسم العربي الجريح” لعبد الكبير الخطيبي، و”موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، و”عائد إلى حيفا” لغسان كنفاني و”أطفال الندى” لمحمد الأسعد، و”الخماسين” لغالب هلسا، و”فساد الأزمنة” لصبري موسى.

الروايات اليابانية

أما إن كنت تبحث عن الغرق في عالم منفصل بحد ذاته، وأن تجرب نكهة مختلفة في الكتابة لغة وأسلوباً وقصصاً ففي الأدب الياباني ستجد هذا الملاذ؛ وهذه بعض العناوين “امرأة في الرمال” لكوبو آبي، “هندباء برية” لياسوناري كاواباتا، “الجياد الهاربة” ليوكيو مشيما، و”مسألة شخصية” لكنزابورو أوي، وكل هذه أعمال تجعل للعزلة قيمة مختلفة، فهي تدور في أجواء شخصياتها تعيش في عالم وحيد وفريد من نوعه.

اللجوء إلى الشعر

شرقياً أو غربياً، يتصادى الشعر مع حالة الوحدة القسرية التي يشعر بها أي منّا في هذه الظروف، قد تجد نفسك مع عنترة أو امرؤ القيس أو طرفة ابن العبد، ناهيك عن المتنبي وأحمد شوقي والجواهري، وقد تكون في أحسن حالاتك مع أسماء ألفتها وألفت عوالمها مثل بدر شاكر السياب أو نازك الملائكة أو حتى في العالم الحسي المباشر لنزار قباني. وربما تعود لـ “أحلام الفارس القديم” لصلاح عبد الصبور، وديوان خليل حاوي أو أمل دنقل.

نقترح هنا من الأجيال التي تلتهم: “صور” و”نقد الألم” لعباس بيضون، و”قارب إلى لزبوس” و”لا حرب في طروادة” لنوري الجرّاح، و”حتّى وإن مت” لعبد الأمير جرص، و”حامل الفانوس في ليل الذئاب” لسركون بولص،  و”مملكة آدم” لأمجد ناصر، و”أن تكون صغيراً ولا تصدّق ذلك” لوليد الشيخ، و”كلّما لمست شيئاً كسرته” لعبد الإله الصالحي وPerfect day لجلال الحكماوي.

يمكن اقتراح “خواتم” أنسي الحاج بجزئية الأول والثاني، والذي وإن كان عبارة عن تأملات وشذرات نثرية إلا أن فيه كثافة الشعر ورؤيويته. كما نقترح على المهتم بفهم تجربة الشعر العربي المعاصر أن يقرأ الكتب النقدية الثلاثة التي وضعها الشاعر العراقي فوزي كريم، وبدأها بـ”ثياب الإمبراطور”. أما لو أردت صورة بانورامية أوسع فيمكن قراءة “الاتجاهات والحركات فى الشعر العربى الحديث” لسلمى الخضراء الجيوسي بترجمة عبد الواحد لؤلؤة 

وربما تقرأ قصائد إميلي ديكنسون أو تعود إلى “الأرض اليباب” لـ ت. س إليوت تلك التي تخاطب الإنسان وهشاشة وجوده، أو يمكن قراءة بعض أعمال ديريك والكوت التي تأخذ قارءها إلى مناطق شعرية جديدة. وربما تود اكتشاف (حتى لمن يعرفونها، الروائع تُكتشف مع كل قراءة) الكلاسيكيات الشعرية الفارسية وقراءة ديوان حافظ الشيرازي ورباعيات عمر الخيّام.

أما لو أردت العودة إلى الشعر الأندلسي مثلاً فأرقّ مدخل هو “أندلس الشعراء”، المختارات التي انتخبها الشاعر المغربي محمد بنيس من الشعر والنثر الأندلسيين وصدرت قبل سنتين في كتاب جميل الإخراج. وربما يعرّج القارئ على البولندية شيمبورسكا والشعر البولندي المعاصر، وقسطنطين كفافيس والشعراء اليونانيين، والتشيلي راؤول زوريتا وعشرات الأسماء الممتازة في أميركا اللاتينية، وقارّة الشعر الهندي التي لم يكتشفها القارئ العربي شعراءها بعد. في الشعر، القائمة تطول!

روايات عربية صدرت حديثاً

من الروايات العربية اللافتة التي صدرت في السنتين الأخيرتين والتي يمكن أن تكون رفيقاً جيداً في هذه الأيام، “تفسير اللاشيء” لفوّاز حداد، “التانكي” لعالية ممدوح، و”النبيذة” لإنعام كجه جي، “أرواح صخرات العسل” لممدوح عزّام، و”جريمة في رام الله” لعبّاد يحيى، و”على خط جرينتش” لشادي لويس، و”إفلات الأصابع” لمحمد خير، “ثابت الظلمة” لأمل بوشارب، و”بنت من شاتيلا” لأكرم مسلّم، و”الهجران” لسومر شحادة، و”تفصيل ثانوي” لعدنية شبلي، و”حارس سطح العالم” لبثينة العيسى.

كتب نسوية

لمن يريد التوسع في الفكر النسوي نقترح كتباً قلما قاربتها القرءات العربية، ربما لما تضمنته من فكر قوي ويواجه كل المسلمات الجندرية والثيولوجية، والتي كانت أكثر تعمقاً من “الجنس الثاني” لسيمون دي بوفوار، هناك وقت يتيح للمهتمين بالقراءات النسوية الاطلاع على كتب من قبيل “ما وراء الأب والابن” للمفكرة الأميركية ماري دالي، و”لكنها قالت” للألمانية إليزابيث فيورنزا، والسيرة الذاتية للمفكرة روزماري ردفورد “أسئلتي عن الأمل والمعنى”. ومن الكتابات النسوية العربية ثمة وقت لمراجعة بعض أعمال فاطمة المرنيسي وروايات آسيا جبار نسوية الخطاب أيضاً.

كلاسيكيات روسية

وهذه يمكن أن تفرد لها أياماً بطولها؛ يمكنك مثلاً أن تحدد عشرة كتب في الأدب الروسي قصة ورواية وشعراً تؤجل قراءتها منذ مدة، ومن أبرز أعمال هذا الأدب “بطل من هذا الزمان” لميخائيل ليرمنتوف، وستجدها حتماً في هذا العالم الافتراضي بتوقيع سامي الدروبي، أو “الآباء والبنون” لإيفان تورجنيف، أو “الجريمة والعقاب” لدستويفسكي أو أي رواية أخرى له، ماذا عن “الحرب والسلام” لتولستوي، و”دكتور جيفاغو” لباسترناك، و”الطريق” لفاسيلي غروسمان، ولا تنس قصائد سيرغي يسنين وتسيفاتييفا وأخماتوفا وقصص تشيخوف و”يوم في حياة إيفان” لسولجينتسين؟

كتب وروايات عن الأوبئة

ثمة من يرغب في الاطلاع على التجارب الإنسانية التي سبقتنا مع الأوبئة، ثمة من يجد في هذه الكتب نوعاً من الأمل أو قراءة في ما يمكن توقعه؛ وربما يكون من أشهر الأعمال التوثيقية لحياة الإنسان في عصر الوباء “مذكرات سنة الطاعون” لدانييل ديفو 1665، و”لا يوجد رصاصة سحرية” لآلان برانت 1987، و”أميركانا الجدري” لإليزابيث فن 2001، و”الكوليرا” لجون سنو 1936، و”نابولي في زمن الكوليرا” لفرانك سنودن 1995، وكتاب “الأوبئة والتاريخ.. المرض والقوة والإمبريالية” لشلدون واتس، و”صناعة الوباء الاجتماعي: السل في فرنسا القرن التاسع عشر” لديفيد بارنز 1995.

أما الروايات فهناك “اليوم السادس” لأندريه شديد، وطبعاً “الطاعون” لكامو، و”الحب في زمن الكوليرا” لماركيز، و”العمى” لجوزيه ساراماغو. ويمكن اقتراح “إيبولا” للكاتب السوداني أمير تاج السر.

العربي الجديد

——————————–

أعيش في حياة جديدة/ أحمد ضياء

ألبسُ رقبتي يوميًا

على عدد الأوقات الّتي أفرز فيها خصال شعركِ المتوازي

كلَّما مرَّت الأفكارُ في رأسي ألجأ إلى لبس الأشهر والأنفاس المقذوفة في أذني

أعيش في حياة جديدة منذ شهر وسبعة عشر يومًا

أمسكُ تلافيف الموبايل من وقت مبكر من الفجر

أسترسل الحديث فيه مع من أحب

أسمع المؤسسة العامّة للوباء

أدحرجُ شرايين قفازاتي

المتوفّرة على كمّامة مستعملة

أستخدم القاصر يوميًّا

قلقٌ جدًّا من تداعيّات الفيروس

كلَّما صافحت شخصًا عنوةً

ألجأ إلى استخدام الصّابون بشراهة

أشتري مواد التّعقيم يوميًّا أكثر من مصروف المنزل

اعتدتُ وعائلتي على هذا الأمر

ذات يوم قررتُ أن ألجأ إلى سوبرماركت قريب منّا

لأجل إخباره بصعوبة الأموال الّتي على عاتقي

أخبرني أنَّ الأفكار المعقّمة في رأسي

أنستني أنّني أدفع قبل أيِّ فرد ثمن الفواتير

ولأنّي أحسُّ أنَّه يكذب عليَّ

قررنا أن نعيد الكاميرات المزروعة في أحضان المول

وجدتُ تسابقي مع الزَّبائن في عمليّة الشّراء

الحياة في بعض الأحيان تتطلب

فواتير الذّات أكثر

أخبركِ من السّماعة الآن

وكلُّ أشكال الوجود تتقافز منّي

أجل الذّكرى في كلمةِ أحبّكِ

هي ذاتها في حرارة الشّفاه

أقولها وفقًا لأنماط التّعقيم المتّبعة في مقولات الصّحة العالميّة

تدرسين الطَّب وأدرسُ أفكاركِ من خلاله

وفي كلِّ المصحات المتواجدة

أزرع عوائي على منصّة اسمك لأفوز بكِ.

*شاعر من العراق

ضفة ثالثة

—————————–

التمييز الإيجابي كشكل من العنصرية/ فوّاز حداد

تشهد سوق القراءة في العالم حركة نشر نشطة، لا تهدأ منذ عقود، ازدهرت في الفترة الأخيرة تحت ضغوط كورونا والحجر الصحّي، لم تستثنِ بلداً في الغرب، وتتمدّد إلى بلداننا، فقراءة الروايات تشهد إقبالاً جيّداً، مع إقبال بات يضارعه على الكتب التي تتناول سِيَر حياة الكتّاب والفنّانين والسياسيّين، ورجال الأعمال المشهورين، وأصحاب المهن المتميّزة في العالم الافتراضي، وتلك التي تجلب الثراء بسرعة صاروخية كالمضاربين في البورصة، كذلك المحتالين الدوليّين، وأيضاً أصحاب الأعمال العادية، كالبرمجة والتمريض والطبخ، ومعهم المغمورون كالباعة وعمّال المقاهي والفنادق… حركة مبيعات الكتب، دلّت على رغبة الناس في الاطلاع عن قرب وفي الصميم على حيوات الآخرين؛ المشهورة وعديمة الشهرة، وربما غير المعروفة، ليس من خلال الرواية والسينما، بل من خلال وقائع حياتهم اليومية.

وإذا كانت سير السياسيّين تستدرج الجدل لعلاقتها بالأحداث السياسية المعاصرة، والمثير فيها مناوراتهم السرية، وفضائحهم الجنسية، وولوغهم بالفساد من رشاوى وتجارة مخدّرات واغتيالات… والتركيز على خياراتهم السياسية التي أدّت بهم إلى قرارات خاطئة، اتخذوها إبان وجودهم في مناصبهم الرسمية.

ففي روسيا على سبيل المثال، مع بداية عودتها دولةً شمولية ذات طابع مافياوي، وما صدر من قرارات عن الكرملين عبثت بمصائر شعوب، آخرها التدخّل في سورية لحماية النظام من السقوط، والترحيب الذي قوبل فيه من الكثير من الدوائر الروسية. ندعها حالياً لمن سيكتب مذكّراته بعد عقود لتظهر حقائق هذا الاستعمار الجديد، بينما الآن تُكتب المذكرات التي تشيد ببطولات الحرب العالمية الثانية، واستعادة سياسات رجال الدولة القيصرية، وعمليات “كي جي بي” الذكية، مع انتشار انتقادات للبلشفي لينين، ومديح للطاغية الرفيق ستالين.

لا تقل سير الأدباء والفنانين إثارة، في حال كانت علاقتهم بالفضائح أوثق، فالميل لديهم نحو غير المألوف، جعلهم منبعاً خصباً للكتابة عنهم كأشخاص لديهم من غريب الطبائع ما أهّلهم من قبل للجنون، بينما حالياً، في هذه الحقبة التي تسترجعهم من الماضي، فالتجديد الذي طرأ عليهم، يستجيب لارتفاع رايات المثلية.

وليس هذا من غرائب النشر، فكتّاب السيَر يرفعون منسوب الإثارة تجاوباً مع مفاهيم كل عصر. فكان تصنيف الكُتّاب مع المد الاشتراكي في العالم، إلى رجعي وتقدُّمي، ومع تصاعد الحرب الباردة، إلى عميل أميركي وعميل روسي. وبعد سقوط جدار برلين، إلى ديمقراطي وشمولي. أخيراً، في عصر الحريات الجنسية، أُحيل الكتّاب والكاتبات إلى التصنيف الجنسي، مثليّ وعادي. وليس إلى مثليّ وطبيعي، فأن تكون طبيعياً يعني أنَّ المثليّ غير طبيعي، فيها من العنصرية ما يحيله إلى جنس أدنى.

في استثمار هذا التصنيف الجندري، يسارع كُتّاب السيَر إلى إثبات أنّ مشاهير الكتّاب والكاتبات كانوا من المثليّين، سواء عن شبهة أو من دونها، ما يغفر لهم ربما خطاياهم، أو يمنحهم امتيازاً على غيرهم، فاضطهاد مثلية المشاهير من قبل، يدفع إلى التعويض عنها برفع مستوى نجوميتهم عن الآخرين العاديّين، ما يجاري النزعة التي اجتاحت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، لتطهير سمعة شعوبها من إرسال اليهود إلى الهولوكوست، والتخلّص من الشعور بالذنب، فجرى رفع مستوى الاعتراف بعبقرية الثلاثي ماركس وفرويد وأينشتاين، لكونهم يهوداً، دونما الالتفات المعادل والمنصف لإنجازاتهم الكبرى والمفصلية في العلوم والاجتماع، وهكذا لم يتجرّأوا على انتقاد المنجز الماركسي والفرويدي إلّا بعد عقود.

هذه التصنيفات كان الهدف منها عدم التمييز بين البشر، فإذا بها تصبح عامل مفاضلة، لا تخلو من عنصرية، وذلك بتكريس الذكاء والفن لنوع من البشر على حساب غيرهم، كما استُخدمت لتغطية جرائم مثلما جرى في فلسطين، وكأنَّ العبقرية تبيح الاستيطان، مع أنَّ العباقرة الثلاثة كان لهم رأي سلبي في قيام “إسرائيل”، ومعارض لإنشاء دولة على حساب شعب آخر.

أفضل ما فعلته الإنسانية على مر العصور، كان في تصنيف البشر إلى أخيار وأشرار، مع الكثير من المرونة، بحيث لا يكون نهائياً بوجود اللون الرمادي. وكان في الكشف عن الشر، ما يهيب بالأخيار التصدّي له سواء كانوا يهوداً أو غير يهود، مثليّين أو من النوع العادي جداً. فإذا كانت البشرية لا تميّز بين الأعراق والأجناس، فأي تمييز سيكون مبتدعاً وتعدياً على المساواة المطلقة بين البشر.

* روائي من سورية

——————————

عن تنويعات العزلة : “قل هو الله أحد”…/ علاء رشيدي

“ليس هناك عزلة، إننا على الدوام ممتلئون بالآخرين”.

حين فرض انتشار فايروس “كوفيد-19” على المجتمعات التباعد الجسماني، فُتح المجال للحديث عن موضوعة نادراً ما تناقش على هذا المستوى، وهي العزلة. لم يكن من المتوقع نقاش العزلة جمعياً. خرجت العزلة كموضوعة من الإهمال، ومن تصنيفها بما هو أقرب إلى المرض الاجتماعي، لتصبح ظاهرة جامعة بين الناس. والأدق، أن العزلة استعادت مكانتها كموضوعة محورية في ذات الفرد، وفي الفكر الجمعي. فالعزلة سؤال أساسي وأولي يطرح على الذهن حين يكتسب وعياً في الوجود، وتلعب الإجابة عنه دوراً في تحديد شخصياتنا، المهن التي نختارها، السلوكيات التي نلجأ إليها. لأن العزلة ليست واحدة ومتشابهة، فللعزلة تنويعات، من العزلة الخلاقة إلى العزلة كفعل سياسي، إلى العزلة الإيروتيكية.

هنا نماذج ليست حصرية لتنويعات الوحدة التي اختبرناها قبل “كوفيد-19” ويبدو أنها سترافقنا طويلاً حتى بعده.

    “تبدو لي العزلة مستحيلة. في الوحدة يحضر الآخرون دوماً. فنقرأ كتاباً من كتابة آخر، أو نستمع إلى الموسيقى التي ألفها وعزفها آخرون. وحين نفكر بالكتابة مثلاً فإننا نفكر بالآخر. حتى العزلة كثيفة في التواصل مع الآخرين”.

الاستقلال – التكامل

في علم الأحياء تسمى الكائنات الأولى بـ”وحيدات الخلية”، وهي بحسب داروين أصل الكائنات الأولى التي وجدت في الماء. لكن في علم الأحياء الخالق الأول يخلق نفسه، بينما في الدين الخالق الأول يخلق غيره. وحيدات الخيلة تتكاثر بالانشطار، من دون الحاجة إلى تفاعل مع كائن آخر. إنه التكامل الذاتي القادر على توليد الحياة. في كتابه “دموع إيروس” يبين المؤلف جورج باتاي أن القوانين الاجتماعية والدينية حرمت الاستمناء الذاتي لأنه يعيق عملية الإنجاب وتكاثر المجتمعات. فليس من مصلحة أي نظام ديني أو اجتماعي أن يقلل عدد أفرداه. تم تحريم الاستمناء الذاتي ذكورياً وأنثوياً، وفرضت العقوبات على عملية الاستمناء، بينما يصفها جورج باتاي بـ”الاستمتاع الذاتي”. إن القواعد الدينية والاجتماعية ترفض التلذذ من دون إنجاب، وتصفه بالانحراف. برأي باتاي، إن الجسد ولد بسمات طبيعية تسمح له بالتمتع ذاتياً. أليس الاستمتاع الذاتي وصولاً إلى النشوة هو ما يفرق الإنسان عن بقية الكائنات؟ وأليس الاستقلال الذاتي يؤدي إلى الكمال؟

العزلة الخلاقة

في قصص الأنبياء، تحضر العزلة الخلاقة. يكلم موسى الله وحيداً، والمسيح عاش راعياً يمتلك أوقات التأمل الطويل، ومحمد كان راعياً إضافة إلى ساعات التأمل الطويلة المعروفة في غار حراء، هناك حين استلهم الوحي أو تواصل معه. إنها العزلة الخلاقة. في بداية مسرحية “فاوست، غوتيه”، يلقي فاوست مونولوغاً طويلاً يشرح فيه الأيام التي أمضاها في القراءة والبحث. لقد تميز فاوست بفضول واسع، ورغبة ملحة للإجابة على الكثير من الأسئلة في الوجود، والفيزياء والعلوم وغيرها. وكذلك العالم فرانكشتاين في رواية “ماري شيللي”. تبدأ الرواية وهو وحيد يحاول أن يبث الحياة في الجسد الهامد أمامه. صحيح أن نهاية كل من فاوست وفرانكنشتاين مأساوية، إلا أن هذين العملين الأدبيين يكرسان العزلة كحالة إبداعية. فاوست يبحث، وفرانكشتاين يكتشف، وكلاهما في حالة عزلة وفي لحظة ابتكار. كذلك النحات “بجماليون” يكون وحيداً في حالة إبداعية حين تبدأ حكايته. بجماليون النحات يتقن تمثاله عن جسد امرأة حتى يقع في حبها، فتدب فيها الروح. والجد النجار صانع “بينوكيو” يتقن صنع اللعبة لتتحول إلى فتى حقيقي.

     العزلة توّلد الصوت الداخلي للتفكير والمساءلة، بينما ترتبط الجمعية بالحالة القطيعية والتي تقودنا أحياناً إلى أفعال وسلوكيات لم نسائلها كفايةً.

في الدفاع عن حق المرأة في الكتابة والقراءة، كتبت “فرجينيا وولف” نصها الشهير بعنوان “غرفة تخص المرأة وحدها”، دافعت فيه عن حق النساء في العزلة، لتتمكنّ من الكتابة والقراءة. قد يبدو الأمر بدهياً الآن، لكن كتابة فرجينيا وولف عن ذلك كان ضرورة في تلك الفترة التاريخية، وهذا النص الذي يشجع على توفير المكان والزمن للمرأة لكي تعيش العزلة، يربط العزلة بالإبداع. نرى كم الفيديوات التي يصورها الناس من أنحاء العالم عن أنفسهم وهو يعزفون، ويغنون ليشاركوها مع العالم في عزلة “كورونا”.

الواحد الأحد

تعتبر سورة الإخلاص من أشهر الآيات القرانية، ومن أساسيات الفكر الديني. أسلوبها اللغوي عبارة تدور بشكل محوري حول فكرة أحادية الله: “قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.” إن الله الخالق مكتمل في الوحدة. الوحدة هنا قمة الاكتمال. لذلك، فإن “الأول” و”الواحد” من أسماء الله الـ99 في الرؤية الإسلامية. وبما أن العزلة من سمات الله فهي من سمات الخالق. وبينما يتعلم الإنسان أن يخشى الوحدة، فإنها تمنح الله الكمال، بحسب الرؤية الدينية طبعاً. كان الله وحيداً أيضاً حين خلق الأرض، لذلك سيرتبط فعل الخلق والابتكار في المخيلة الجمعية بالوحدة.

العزلة كفعل سياسي

منح الوجوديون، وخصوصاً سارتر، كامو، هنري باربوس، العزلة معنى وتأويلات، منها رفض النظام السائد سياسياً، وثقافياً. مع كتاب “اللامنتمي، كولن ويسلون”، يبدو أن العزلة يمكن أن تكون رفضاً للمنظومة الأخلاقية والسياسية. لقد تحولت العزلة من الكآبة التي رسمتها الرومانسية عن الفنان، إلى الفاعلية السياسية والنقدية للمجتمع. لقد حولوا فعلاً سلبياً، إنطوائياً كالعزلة إلى موقف سياسي فاعل. في ما بعد ستختلف مقاربة سارتر وكامو حول هذه النقطة، سيدافع سارتر عن مفهوم الثورة التي تقود إلى التغيير، بينما دافع كامو عن التمرد الأبدي، بغض النظر عن أي سلطة آتية أو أي تغيير.

العزلة الإيروتيكية

تتطلب الاستيهامات الجنسية حالاً من العزلة. تبدأ رواية “دفاتر دون ريغوبيرتو، ماريو يوسا”، حين يختلف دون ريغوبيرتو مع زوجته التي يعشقها، ويتفارقان. يعيش دون ريغوبيرتو عزلته محاطاً بالأعمال الفنية الإيروتيكية، والأدب الذي يعبر عن أحاسيس الجسد، والاستيهامات التي تبني فانتاسمات جنسية فائقة الجمال والجاذبية. وتكون زوجة دون ريغوبيرتو هي بطلة هذه التخيلات التي يمضي في تأليفها لمتعة الخيال والحواس. هكذا، يمكن أن تمتلئ العزلة بابتكار أحاسيس وتجارب في اللذة. وقد ذكرنا كيف دافع جورج باتاي عن الاستمناء، متعة الذات بحواسها وجسدها، وذلك يتطلب وقتاً من العزلة.

العزلة التأملية

تتحطم سفينة “روبنسون كروز” في رحلة في البحر الأطلسي، لينجو وحيداً على جزيرة مجهولة. هذه العزلة الإجبارية تجبره على الابتكار، ويصبح الممتع في حكاية روبنسون كروزو هو محاكمته وتفكيره بالحياة المدينية التي يعيد تعريفها. وحيداً، يطبق وربنسون كروز المعارف الإنسانية ليتمكن من البقاء على قيد الحياة. إن العزلة تدفعه إلى التأمل بكامل المعارف الإنسانية. إن العزلة تسمح لنا بإعادة تأمل أفكارنا، سلوكياتنا، وهذا ما يشكل الوعي بطريقة أمتن. العزلة توّلد الصوت الداخلي للتفكير والمساءلة، بينما ترتبط الجمعية بالحالة القطيعية والتي تقودنا أحياناً إلى أفعال وسلوكيات لم نسائلها كفايةً.

حاربوا الوحدة…

في العلاقات العاطفية يفتح الحديث عن الوحدة: “وحداني أو وحدانية؟ وحيدة أو وحيد؟”، في محاولة السؤال عن العلاقة العاطفية للآخر. لكن لماذا لا يبنى السؤال بمنحى آخر: “هل أنت حر؟ هل أنت مستقل؟” إن غياب العلاقة العاطفية يعني الوحدة بلغة العلاقات العاطفية، وينظر إليها باعتبارها نقصاناً يحتاج إلى الكمال. وهكذا تبني الثقافة عبر اللغة طبيعة مشاعرنا. وتصبح الاستقلالية العاطفية ذنباً من النقصان. وهاهي الأغاني العربية أكثر ما تكرس استحالة العيش بلا الحبيب، والشعور بالأسى بالفشل المصيري في حال غيابه. تكرس كلمات هذه الأغاني الأكثر رواجاً شعوراً بالنقص، وبأن أكبر نجاح أو أكبر فشل في الحياة هو الموضوع العاطفي. ذلك أن الغناء عن القضايا السياسية والاجتماعية يكاد يكون ممنوعاً، ولا يحقق أعلى المبيعات. فالمجتمع يرغب في زيادة الإنتاج، والتكاثر، وأغاني الحب في مجتمع مكبوت جنسياً تعني زيادة نسب الزواج، والقضاء على الفردية، والانتصار على الأمم الأخرى.

    “قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.” إن الله الخالق مكتمل في الوحدة. الوحدة هنا قمة الاكتمال.

العزلة العائلية

اليوم، يكرر الناس من العالم كلّه أن تجنب الخروج خوفاً من انتشار فايروس “كوفيد-19″، منحهم الفرصة للتواصل أكثر مع أفراد العائلة من الأهل، الأخوة أو الأبناء. هذا هو نوع العزلة التي اقترحها “غابرييل ماركيز” في روايته الشهيرة “مئة عام من العزلة”. عزلة أميركا اللاتينية المملوءة بالعائلة التي يتكاثر أفرادها لأجيال وأجيال. يمكن القول ألا لحظة عزلة واحدة حقيقة في الرواية، فالمدينة كلها العائلة، والعائلة هي المنزل بغرفه ومداخله وممراته. بعدما كان الأدب الأوربي السائد هو أدب أفراد، شخصيات وحيدة في الروايات، أعاد الكولومبي ماركيز الروايات المملوءة بالعائلات، وحكايات الأجيال التي تعج بالأحداث، والمبالغات، والتقلبات لمئة عام. جعل العزلة مع ضجيج العائلة، وتقلبات أحوال الأعمام، والأخوال والجدات والأحفاد والأولاد.

“ليس هناك عزلة، إننا على الدوام ممتلئون بالآخرين”.

في اللقاء الذي أعقب تسلم الروائي التركي “أورهان باموق” جائزة نوبل للآداب عام 2006، وفي منتصف الحديث سأله العضو الدائم في لجنة الجائزة: “سيد باموق، إن قراءاتك واسعة في الأدب الغربي، وكذلك أمضيت السنوات في التعريف عن الآداب الشرقية، كما أن أحجام رواياتك هي كبيرة للغاية. مما يعني أنك أمضيت الكثير من الوقت وحيداً؟”. بدا السؤال شخصياً وحميماً. كان فضول عضو اللجنة على سنوات العزلة الطويلة التي يمضيها الكاتب في القراءة والتأليف، لكن باموق قدم واحدة من أجمل الإجابات عن موضوعة العزلة والتواصل: “تبدو لي العزلة مستحيلة. في الوحدة يحضر الآخرون دوماً. فنقرأ كتاباً من كتابة آخر، أو نستمع إلى الموسيقى التي ألفها وعزفها آخرون. وحين نفكر بالكتابة مثلاً فإننا نفكر بالآخر. حتى العزلة كثيفة في التواصل مع الآخرين”.

إذاً، إن العزلة مملوءة بالآخرين، يتم التواصل عبر الفنون، عبر الذكريات، وعبر الأفكار المتعلقة بالمستقبل.

درج

—————————-

قصيدة للتخلص من الخوف/ جوي هارجو

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

قصيدة للتخلص من الخوف

إنني أُطْلقك،

يا خوفي الجميل الرهيب.

إنني أُطْلقك.

انك توأمي المحبوب المكروه

لكنني الآن لا أعرفك

كنفسي.

أُطْلقك

مع كل الألم

الذي كنت سأعرفه

عند موت

أطفالي.

أنت لم تعد

دمي.

إنني أعيدك إلى الجنود

الذين احرقوا منزلي

قطعوا رقاب أطفالي

اغتصبوا ولاطوا بأخوتي

وأخواتي.

أعيدك إلى أولئك

الذين سرقوا الطعام من صحوننا

حين كنا نتضور جوعا.

إنني أُطْلقك أيها الخوف،

لأنك وُلدت،

وأنا وُلدت، بعينين

لا يمكن أبدا أن تغمضا.

إنني أُطْلقك.

إنني أُطْلقك.

إنني أُطْلقك.

لست خائفة أن أغضب

لست خائفة أن ابتهج

لست خائفة أن أجوع

لست خائفة أن اشبع

لست خائفة أن أكون سوداء

لست خائفة أن أكون بيضاء

لست خائفة أن يكرهوني

لست خائفة أن يحبوني

أن يحبوني

أن يحبوني، أيها الخوف،

أوه، لقد خنقتني

لكنني حللت وثاقك.

لقد أخرجت أحشائي

لكنني أعطيتك السكين.

لقد التهمتني

لكنني مددت نفسي على النار.

إنني استرد نفسي، أيها الخوف

انك لم تعد ظلي بعد الآن.

لن امسك بك بيديّ،

بعينيّ، بأذنيّ، بصوتي، بجوفي

أو بقلبي، بقلبي، بقلبي، بقلبي، بقلبي…

تعال هنا أيها الخوف،

إنني حية!

وأنت جد خائف

من الموت.

شاعرة أميركية من الهنود الحمر (من قبائل مسكوجي) ولدت عام 1951 في مدينة تولسا بولاية أوكلاهوما. تعد واحدة من ابرز ناشطي وممثلي الموجة الثانية لما يعرف بنهضة سكان أميركا الأصليين خلال أواخر القرن العشرين. حاز شعر هارجو على جوائز عديدة، ومن عناوين مجموعاتها الشعرية: ((الأغنية الأخيرة)) 1975؛ ((أي قمر ساقني إلى هذا؟)) 1979؛ ((المرأة المعلقة من الطابق الثالث عشر)) 1983؛ ((المرأة التي سقطت من السماء)) 1994؛ و((كيف أصبحنا بشرا)) 2001. نترجم لها هذه القصائد بمناسبة اختيارها مؤخرا لمنصب شاعر الولايات المتحدة الأميركية وهو منصب يمنح لأول مرة لشاعر من الهنود الحمر.

———————————

نكوص باتجاه الماضي واكتشاف لمتعة القراءة وازدهار للإبداع، من النتائج المترتبة على عزلة «كورونا» و«بطالة الزمن»/ شوقي بزيع

كثيرون يرون في المطالعة ملاذهم الأنجع من الضجر والخوف والإحباط

نادراً ما أتيح لسكان الأرض أن يشعروا ببطالة الزمن ولا جدوى تعاقب الأيام، كما هو حاصل في هذه الحقبة الفريدة والاستثنائية من التاريخ. فحيث كان الجميع سادرين في تهالكهم على كل ما يحقق لهم أسباب السلطة والنفوذ والمكاسب الدنيوية المختلفة، يأتي وباء «كورونا» على حين غرة ومن خارج جدول الأعمال، ليخلط الأوراق كلها وليضع في مهب الريح كل ما أولوه عنايتهم، وأحلّوه في مقدمة اهتماماتهم، ونذروا له حيواتهم بكاملها. وفي ظل هذا الوباء الضاري تنكشف عبثية الوجود الإنساني وهشاشته وتبدو الحياة موقوفة تماماً، إذا ما استعرت توصيف وضاح شرارة لبيروت في زمن الحرب. ومع ذلك؛ ولأن الحقيقة نسبية وحمّالة أوجه، فنحن لم نكن لنجد من دون هذه الجائحة المباغتة أي فرصة تُذكر، للتوقف قليلاً عند ما فرضناه على أنفسنا من أولويات، وما نصبناه أمام أعيننا من أهداف، وما خضنا من أجله أشرس الحروب والمواجهات. ذلك أن «كورونا» نجح إلى حد بعيد في أن يفرض عدالته الكابوسية على الجميع، ويزيل الفوارق المألوفة بين الطبقات والشرائح الاجتماعية المختلفة، مساوياً داخل جدران عزلته الخانقة بين الحاكمين والمحكومين، الأغنياء والفقراء، المثقفين والأميين. وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الدول والأنظمة السياسية في الآن ذاته. بل إن قراءة متأنية لواقع الحال تُظهر أن هذا الوباء قد فرض على الدول العظمى وعلى الإمبراطوريات المتحكمة بمقدرات العالم، أن تخفف قليلاً من صلفها وسلوكياتها المتغطرسة، بعد أن دفعت ثمن هذه الغطرسة من اقتصادها وأرواح أهلها وأمنها الاجتماعي، في حين أن الدول الصغيرة والفقيرة استطاعت، بفعل حذرها الشديد وتواضعها الخفر، أن تنجح إلى حد بعيد في مكافحة الوباء والحد من انتشاره، والتمهيد لهزيمته الكاملة.

ثمة الكثير مما يمكن للأحياء الذين ستكتب لهم النجاة، أن يؤرخوا لهذه التجربة الفريدة في قسوتها وغرابتها في مستقبل الأيام. وإذا كان ما سيُكتب يحتاج بادئ ذي بدء إلى الخروج من النفق الموبوء، فإن ما اختبرناه خلال الأشهر المنصرمة ليس قليلاً بالمقابل. بل إن التغيرات الدراماتيكية التي أصابت علاقتنا بذواتنا وأفكارنا عن أنفسنا وعن العالم، كما بالمكان والزمان وإيقاع الحياة، هي أقرب إلى الانفجار الزلزالي الذي سيخلخل الثوابت ويغير اللغة والمفاهيم والرؤية إلى المستقبل. فإذا كان «كورونا» قد حشرنا في مربعات بيوتنا الصغيرة وضيّق الخناق على أجسادنا التي لطالما اعتادت على المساحات الحرة والمفتوحة، إلا أنه أضاء لنا بالمقابل أوسع المساحات التي يحتاج إليها العقل للاختلاء بنفسه، والتي تحتاج إليها الروح لاستعادة ألقها المحتجب، والتي تحتاج إليها المخيلة لكي تسترد قدرتها على التحليق. وإذا كان الزمن في العالم الرأسمالي، قد بلغ ذروة تسارعه بعد أن تحول ملايين البشر إلى مجرد عدّائين منهكين في حلبات البحث عن لقمة العيش وسراب الثروة الخادع، فإن «كورونا» قد استطاع عبر تعطيل دورة الإنتاج وإعادة الناس إلى بيوتهم، أن يعيد الزمن إلى إيقاعه البطيء، وصولاً إلى «نوم الأيام»، على حد الكاتبة اللبنانية علوية صبح. صحيح أن التباطؤ الشديد لحركة الزمن يبعث من جهة على الشعور بالضجر والرتابة، حيث الفرص المتاحة لتزجية الوقت قليلة جداً، وموزعة بين المطالعة ومشاهدة التلفزيون وشبكة التواصل الاجتماعي والتهام الطعام، لكن البطء يمنح من جهة ثانية شعوراً بالطمأنينة والسكينة الوادعة والهَدهَدة الباعثة على النعاس والخدر الروحي.

على أن الشعور ببطالة الزمن في حاضره الراهن، وغموض الطريق إلى المستقبل، لا يترك لمن يعيشون تحت وطأة الحجْر المنزلي سوى النكوص إلى الوراء، حيث الزمن مفتوح على مصراعيه والعودة إلى الماضي هي السبيل الأكثر نجاعة لنسيان كابوس الحاضر أو تناسيه. إن هذه العودة توفر للذين يعيشونها، ما توفره الروايات لقرائها من فرص الاستقالة من حيواتهم الأصلية المتعبة، للإقامة في حيوات أخرى حافلة بالمتعة وخالية من التبعات. فالصور والنصوص والأوراق القديمة التي يعمل البشر المنعزلون على استخراجها من الأدراج، تبدو لأصحابها وكأنها كنز حياتهم الأثمن الذي ينبغي انتشاله من «تايتانيك» اللحظة المهددة بالغرق. وليس غريباً تبعاً لذلك أن يعمد الآلاف من البشر إلى نشر سيَرهم ووقائع حياتهم وصورهم القديمة على مواقع التواصل الاجتماعي. كما أن «البحث عن الزمن المفقود» لا يقتصر على نشر صوَر مختلفة للأفراد والجلسات العائلية وللنزهات وحفلات الزفاف فحسب، بل يشمل في الوقت ذاته الصور التي تمّ التقاطها للكثير من القرى والبلدات والمدن قبل نصف قرن وأكثر من الزمن. فكل ما هو حديث لم يعد يعوّل عليه؛ لأنه بات في نظر الناس متصلاً براهن الأرض الملوث وواقعها الموبوء. والبشر حين يعودون للماضي، يبدون وكأنهم يعودون إلى أزمنة البراءة الخالصة التي لا يطالها الفساد، وينأون بأنفسهم عن الخطر الداهم الذي يهدد الكوكب برمّته ويضع سكانه على طريق الإمحاء والاضمحلال.

وعلى قاعدة «ربّ ضارة نافعة» تمكن وباء «كورونا»، على مساوئه، من جعل المطالعة وقراءة الكتب واحدة من الخيارات القليلة المتاحة أمام ملايين البشر المحتجزين في بيوتهم. وإذا كانت نسبة المعنيين بالقراءة في العقود الماضية قد أخذت بالتضاؤل التدريجي في ظل استشراء القيم المادية والبحث المرهق عن لقمة العيش، فإن هذه النسبة قد تضاعفت تماماً في الآونة الأخيرة. ففي ظل الإقامة الجبرية المفروضة على معظم سكان الأرض، لن يجد هؤلاء الكثير ليفعلوه، سوى اللجوء إلى القراءة والتهام الكتب، بحيث لم يعد الأمر محصوراً بالنخب المثقفة وحدها، بل بات الجميع بحكم الواقع المستجد، وعلى طريقة «مكرهٌ أخاك لا بطل»، يرون في المطالعة ملاذهم الأنجع من الضجر والخوف والإحباط. كما أن القراءة تتيح للمحتجزين في بيوتهم الإقامة في عالم افتراضي يحملهم بعيداً عن الخطر الداهم الذي يتهدد وجودهم، بانتظار أن تعود الحياة لاحقاً إلى مسارها القويم. ومع أن الرواية بأنواعها المختلفة ظلت تتصدر منذ عقود قوائم مبيعات دور النشر العربية والعالمية، فإنها لا تزال تشهد المزيد من الرواج في ظل الوباء القاتل، ولا يزال الآلاف يقبلون على قراءتها بشغف بالغ. ذلك أنها توفر لقرائها من فرص المتعة والتشويق والتماهي مع عوالمها المتخيلة، ما لا يوفره أي فن آخر.

على أن آثار «كورونا» الثقافية لن تقتصر على ازدياد منسوب القراءة فحسب، بل ستتعدى ذلك إلى الكتابة والتأليف. فبعد أن تحولت الأرض إلى سجن كبير، سيجد مبدعوها، القدامى والجدد، كل ما يلزمهم من وقت لتحويل مكابدتاهم وهواجسهم إلى أعمال أدبية وفكرية. تماماً كما يحدث للمعتقلين السياسيين ونزلاء السجون الذين لم يكتف بعضهم بقراءة الكتب، بل تجاوزوا ذلك باتجاه التأليف الأدبي والسياسي والفلسفي وكتابة السيَر والمذكرات. ولعل ما اصطُلح على تسميته بأدب السجون، لم يكن سوى الثمرة الطبيعية لاختلاء الناس بأنفسهم في ظل العزلات القسرية الطويلة التي وفَّرت لهم كل أسباب المطالعة والتحصيل المعرفي والتأمل في الجوانب الجوهرية من الحياة، وفي كل ما يتصل بقضايا الحرية والحب والعدالة والزمن والحياة والموت. وإذا كنت أميل إلى الاعتقاد باستمرار الرواية وأدب السرد في التصاعد والازدهار، فليس ذلك من باب التنجيم والحدس المجرد، بل لأن كتّاب الرواية والقصة يختبرون خلال هذه الحقبة الحرجة من الزمن أنماطاً من العيش غير مسبوقة، ويعاينون في علاقتهم بالمكان تفاصيل ووقائع وتمزقات، لم يسبق لهم أن اختبروها في أي مرحلة من حياتهم. إلا أن الجانب الأوفر والأعمق من الانفجار الإبداعي المصاحب لاستشراء الوباء واللاحق له، سيكون حسب ما أعتقد من نصيب الشعر. فهذا الفن الجميل والصعب الذي سارع الكثيرون إلى نعيه وتأبينه في العقود الأخيرة، لن ينتظر طويلاً لكي يستعيد مكانته السابقة وألقه المتراجع. وفي ظل تشظي الزمن وفقدان اليقين وزوال القشور الهشة التي تغلف الحقيقة، سيكون الشعر بأساليبه المختلفة التي تتراوح بين المعلقات الطويلة والشذرات المكثفة واللقى الخاطفة، حاضراً لتلقف الصدمة والتعبير عن أعتى الوساوس التي تعصف بالجنس البشري. وأغلب الظن أن شعر المناسبات والتحريض الخطابي والدعاوى الآيديولوجية لن يجد له مكاناً في السنوات المقبلة، وسيشهد الكثير من التراجع أمام حاجة القراء إلى شعرية التأمل والمساررة مع النفس والتوهج الروحي، وإلى كل ما يزودهم ببصيص من الضوء وسط ظلام المرحلة وغموضها المستتب.

الشرق الأوسط

—————————–

إعادة اختراع حضورنا في العالم/ عبد الدائم السلامي

الإنسان أَخوف الكائنات يعيش أَسْرًا إجباريًّا مرًّا قلص حضوره الأرضي وارتداء الكمامات صورة لمحو هويات ذواتنا ودخولها حيز الشبحية

أغبى سؤالٍ طَرَحَتْه البشريّةُ هو سؤال «مَن نكونُ؟» لأنّنا ببساطة «كُنَّا» بإرادةٍ غير إرادتنا، وقُضِيَ الأمرُ، ما يعنينا في الأرضِ هو سؤالُ «كيفَ نكون؟» لأنّه سؤالُ الحياةِ، أيْ: سؤالُ امتحانِ الكينونةِ من حيث ما هي كيانٌ ووعيٌ به في آنٍ. وقد وجدتُني – بعد تفشِّي فيروسِ كورونا- أستدعي بيتَ العبّاس بن الأحنف بتساؤُلِه النَّبيهِ: «مَنْ ذَا يُعِيرُكَ عَيْنَهُ تَبْكي بها/ أَرَأَيْتَ عَيْناً للبُكاءِ تُعَارُ؟»، اسْتَدْعَيْتُه لأُوَصِّفَ به وَضْعَ الإنسانِ وقد تزعزعت ثقتُه في وُعُودِ العولمةِ بكلّ تَرْسانتِها التكنولوجيّة، ونالَه شَكٌّ في مدى انتمائه إلى المجتمع الدّولي، وفي وجاهةِ التعويلِ عليه للتخفيف من حِدّةِ هذه الجائحة، فإذا هو لم يجد من مهربٍ له يتأمّلُ فيه قَدَرَه الرّاهنَ ويحتمي به من هذا القاتولِ الجارفِ سوى جسدِه، وبيتِه، وحدودِ وطنِه.

دَرْسُ العُزلةِ

ما يَلْزَمُ التذكيرُ به في مِحْنَتِنا الكورونيّةِ هو أنّ كلَّ مِحْنةٍ يعيشها البشرُ إنّما هي إذْ تستشري بينهم، وتستهلِكُ منهم أجسادَهم ومتاعَهم، تُولِّدُ فيهم شَهْوةَ تبديدِ احْتِيَاطِيِّهم من التَّخْيِيلِ، فلا تراهم إلاَّ وهم يَتَبارَوْنَ في نَسْجِ سَرْدِيّاتٍ لها محبوكةٍ سواء بالعِلْم أو بالفلسفة أو بالأدب والفنِّ أو بالشعوذة كما لو أنهم سيموتون غَدًا. ولأنّ المستقبَلَ، على عكسِ الماضي، فضاءٌ صموتٌ، وبلا لسانٍ، كان السؤال مُلِحًّا: مَن مِن الناسِ نطمئنُّ إليه في الإخبارِ عمّا سنكون عليه بعد هذه الجائحة؟ سأغامِرُ بالقولِ إنه الفنّانُ المُبْدِعُ: فيلسوفًا كان أو كاتبًا أو فنَّانًا أو سينمائيًّا. لأنّه، كالطّفلِ، يتوفّر على فائضٍ من «البراءةِ الآدَمِيّةِ» من حيث ما هي حُبٌّ للواقعِ ممزوجٌ برَهْبةٍ، وحَدْسٌ لممكناتِ التواصل ممزوجٌ بشَكٍّ، وهو قادِرٌ بهذه البراءةِ على بَسْطِ سجّادةِ الزَّمن والتحرُّكِ فوقَها استرجاعًا لما فات واستطلاعًا لما لم يأتِ.

غير أنه يُستَحْسَنُ أن يعي الإنسانُ الآن، أثناءَ فعليْ الاسترجاع والاستطلاع، أنّه يعيشُ لحظةً كافكاويّةً كثيفةَ الغرابةِ، حيث انتبه فيها فجأةً إلى كونه دخل مرحلةَ تحوُّلٍ في أنساق معيشه ومفاهيمها، فعاد يتعلّم من جديد كيفيةَ غسل اليديْن على حدّ ما ورد بإحدى التغريدات التويتريّة، وتنامى لديه أَرَقُه، وتكثّفت فيه الرِّيبةُ من كلّ شيءٍ، وصار أسيرَ جِلْدَةِ جسدِه، وجدرانِ بيتِه، وحُدودِ وطنِه. وقد يبدو لوهلةٍ أنّ ما أصابَ الإنسانَ من تحوُّلٍ في الواقعِ يرمي بسَهْمٍ في ما أصاب غريغور سامسا، بطل كافكا، من تحوُّلٍ في السَّرْدِ، غير أن تحوُّلَ هذا البطلِ الحكائيِّ قد انصبّ على شكل جسده وأبْقَى على ذاتِ الإنسانِ فيه، أمّا التحوُّلُ الذي نشهده الآن فمُنصبٌّ على زعزعةِ ثقةِ ذواتِنا في جَدارةِ حضورها في العالَمِ دون أنْ يُحوِّرَ شكلَ أجسادِنا، وما ارتداءُ الكِمَاماتِ إلاّ صورةٌ لمَحْوِ هُويّاتِ ذواتِنا ودخولِها حيّزَ الشَّبَحيّةِ، أعني: حيّزَ اللاَّمعنى. ناهيك عن أنّ غريغور سامبا ظلَّ في محنتِه منبوذًا من العالَمِ الخارجيِّ (نَبَذَه والداه ورئيسُه في العمل والخادمةُ ومؤجِّراتُ الشقّة)، أمّا نحن، فالعالَمُ الخارجيُّ هو ما نخشاه ونَنْبُذُ التقاطعَ معه، فإذا بنا في ذلك مُجتمعٌ من النّاسِ غيرِ المُجْتَمِعينَ، وإذا بمفاهيمنا القديمة قد صارت في طَرْفةِ عينٍ غيرَ قادرة على تحقيقِ اليقينِ. وهذا ما يمثّل مِحْنتَنا الراهنةَ التي يحتاج فيها المرءُ إلى كثير من التأمّل: تأمُّلِ ترهُّلِ ذَاتِه لإعادة اختراعها، فتكون قادرةً على عبورِ زمنِها القادمِ بهناءةٍ.

ولو رُمتُ معكم استفادةً من قول فتحي المسكيني إنّ «الحشرة هي النَّسَبُ الحيوانيُّ الأقدمُ لكل دابَّةٍ على الأرض. إذا جرّدنا البشريَّ من كلّ ادّعاءات الإنسان حول نفسه، لن يتبقّى سوى الدابة، الجسم /الحيوان الذي يدبّ على الأرض» لَجَازَ لنا أن نستخلَصَ دَرْسًا من بلاغةِ حَشَرَةِ كافكا، وهو الاعترافُ بصَغارَةِ الإنسانِ وهو يستعلي جيرانَه الحيواناتِ ويَسْتَعْدِيها؛ فإذا هو يُعلِّمُ بعضَها عاداتِه إمّا لتَسْخِيرها في المشقّات وإمّا للَّهْوِ بها والتأنُّسِ في ساعةِ الوِحْشةِ، وفي الحاليْن هو يستَغْفِل فيها الحياةَ ويَسْخَر منها. ولا أجدُ في تعثُّرِ أبحاثنا العلمية في مواجهة هذا الوباء إلاَّ أَمْرًا دَافعًا لنا اليومَ إلى ضرورةِ التقليلِ من اسْتِعْلائنا البغيضِ، والإقبالِ على تعلُّمِ الدّرس من فنونِ الحيوان في تدبيرِ حياتِه ذاتيًّا.

تأمُّلُ الذّاتِ

وفي أُفُقِ الدَّرْسِ الحيوانيِّ، باتَ من الكِبْرِ الزائفِ أنْ يطمئنّ الإنسانُ إلى حالِه الراهنةِ، ويتغافَلَ عن حقيقةِ ما صار إليه؛ وهو أنه الآن أَخْوَفُ الكائناتِ، يعيش أَسْرًا إجباريًّا مُرًّا قلَّصَ حضورَه الأرضيِّ، مِن جهةِ ما في الأسْرِ من انقطاعِ الجسد عن الخارِج، وضمور امتداد مساحته في الأرضِ (المشي في الشارع، ولقاء الأصدقاء، والعمل، والسّفر، والحبّ، كلّها أنواعٌ من امتداد مساحة أجسادنا). وعليه، فلا خيارَ له اليومَ إلاّ أنْ يتعفَّنَ في خوفِه ولَطْمِيّاتِه مُسْتَجْدِيًا «عَيْنًا للبكاءِ تُعَارُ» أو أنْ يُجدِّدَ كيفياتِ حضورِه الحُرِّ في الدنيا بإمكاناته الشخصيّة، أيْ أنْ يكونَ ذاتًا لا تحتاجُ كثيرًا إلى الهرولةِ إلى العالَمِ وإنّما هي تخلُقُ في العالَمِ كثيرًا من الرغبةَ في أنْ يأتيها غيرَ مُتَكبِّرٍ عليها. وحينئذٍ، يكون مفيدًا للإنسانِ، هذا الذي كأنّ فيه قد «انطوى العالَمُ الأكبرُ»، أن يتعلَّمَ من جارتِه دُودةِ القزِّ حكمَتَها في التحوّلِ من حالةِ الزّحْفِ (القَيْدِ) إلى حالةِ الطّيرانِ (الحريّة) عبرَ حُسنِ استثمارِها مرحلةً نوعيّةً من حياتها هي مرحلة التَّشَرْنُقِ التي لها شَبَهٌ كبيرٌ بمرحلة الحَجْرِ المنزليِّ التي يعيشها الآن. ذلك أنّ تلك المخلوقةَ الصغيرةَ، عندما تُحِسُّ ترهُّلَ جسدِها وضمورَ علاقاتها مع عناصر محيطها، تُبادِر إلى صُنْعِ شرنقةٍ لها لا لتنغلِقَ بها على الخارجِ، كما يُتَوَهَّمُ، وتخلُدَ فيها إلى الخُمولِ، وإنّما لتُجدِّدَ هِمَّتَها للعيش الكريمِ في الخارِجِ؛ فإذا هي تتأمّلُ قَدَرَها، وتستحدِثُ لها ذاتًا أخرى حُرّةً من دِبْقِ الأرضِ، خفيفةَ الحركةِ فيها، سيِّدةَ نفسِها في تواصلِها مع مفرداتِ مُحيطِها. وهي إذْ تفعلُ ذلك كلَّه تفعلُه مدفوعةً بنظامِها الغريزيِّ، وربّما بإرادةِ القوّة التي فيها إنْ جاز لي استعمال عبارة نيتشه.

وإنّ من أسبابِ ثِقَلِ ذَوَاتِنا البشريّة، وانحسارِ أُفُقِ مَصيرِها، هو ما نعيشه من وطأةِ الهيمنةِ الضاريةِ لرأس المال على اقتصاد الشعوبِ، والرغبةِ في الاستحواذِ على الآخر، وازديادِ الفقر، والمخاوفِ البيئيةِ، وتنامي مشاكلِ الهجرة، والتطرّفِ الدّيني والعرقيّ، وظهورِ الأوبئة. وهي عوامل قد اجتمعت علينا الآن وعطّلت تشابُكَ حركةِ أحلامنا في الأرضِ، وعمّقت فينا الفوضى الاجتماعيّة والسياسيّة، وقوّضت لدينا وجاهةَ مفاهيم لطالما احتكمنا إليها في سلوكنا على غرار «سيادة الإنسان»، و«المجتمع الدّوليّ». ولا أرى في هذه المِحْنةِ، على كثرةِ آلامِها، إلاّ فرصةً للإنسانِ كيْ يُعيد، على غرار دودةِ القزِّ، اختراعَ ذاتٍ له جديرةٍ بوجودِها في الكونِ، وهل للإنسان حالٌ يمكن أن يصير عليها أجمل من حالِ فراشةٍ في حدائقِ الدُّنيا!

ما طبيعةُ الذّاتِ التي يتوجّب على المرءِ إعادةُ اختراعِها في لحظاتِ محنتِه؟ سأستفيد من اللُّغويّاتِ وأقولُ إنّ عالَمَ البشَرِ، كعالَمِ النصِّ، يتكوّن من وحداتٍ هي الذّواتُ. وهي تُحيلُ على معنى لها خاصٍّ، كما يمكن لها أن تدخل في علائق بذواتٍ أخرى لغرضٍ حياتيٍّ مّا. وكلّ ذاتٍ منها إنّما هي، كالجُملةِ، وحدةٌ من الذَّواتِمِ مُنْتظِمةٌ ومتفاعلةٌ مع بعضها بعضًا وَفْقَ تناسُبٍ مّا. وكلُّ ذَوْتَمٍ إنّما هو، كالكلمة، عنصُرٌ من عناصِرِ الذّاتِ، وهو وحدةٌ تظلّ دلالتُها محدودةً ما لم تنضمَّ إلى ذواتِمَ أخرى في سياقٍ معيَّنٍ وفي حيِّزٍ معلومٍ، ومن هذه الذّواتمِ الفيزيولوجيُّ، والجنسيُّ، والنّفسيُّ، والأُسَريُّ، والقِيَميُّ، والوطنيُّ، والعرقيُّ، واللُّغويُّ، والثقافيُّ، والعقائديُّ. ولكلّ ذاتٍ ذواتِمُ ثابتةٌ وأخرى متغيِّرةٌ تُحدِّدُها التجربةُ الحياتيّةُ لكلّ إنسانٍ. وقد تنتظمُ الذّاتُ في مُكوِّنٍ أكبرَ منها فتغدو فيه ذَوْتَمًا، وقد يتحوّل الذَّوْتَمُ إلى ذاتٍ ضمن أشراطٍ واقعيّةٍ خاصّةٍ. وصورةُ ذلك أنّ الوطنَ (وهو ذَوْتَمٌ من ذواتم الذّاتِ الإنسانية) إنّما هو أيضًا ذاتٌ تُكوّنُها ذَوَاتِمُ عديدةٌ منها الجغرافيُّ، والبشريُّ، والتاريخيُّ، والسياسيُّ، والاقتصاديُّ، والدّينيّ.

ذَواتُنا الجديدةُ

لا يدعونا درسُ دودةِ القزّ إلى «تطوير الذّات» على معنى تَخْفيفِ إحساسِها بكَدَماتِها، وتَقْوِيَةِ مناطق ضُعْفِها، كما يُسوِّقُه بيننا الدَجّالون. فالذّاتُ متى أُصِيبتْ أو ضَعُفتْ تَنْتَكِسُ ولا تَبْرَأُ، ولا يبقى أمامَها إلاّ أنْ تَنْسَحبَ من بهجةِ العالَمِ أو أنْ تُنشِئَ فيه ذاتًا لها جديدةً من ذاتِها السابقةِ. ولا يعني هذا الدّرسُ أيضًا «عودةً إلى الذّاتِ» كما شاع مؤخَّرًا لدى بعضِ المفكّرين، لأنّ الذّاتَ لا تضيعُ ويبقى صاحبُها بعدَها إلاّ على طريقِ المَجازِ، كأنْ نقولَ مثلاً ذاك الإنسانُ فقد ذاتَه بسبب تملُّقِه أو تهافُتِه أو خيانتِه، أمّا على طريقِ الحقيقةِ فذاتي هي كَيْنُونَتي التي إذا ما ضاعتْ ضُعْتُ. وهي ليستْ حيِّزا ثابتًا أخرُج منه متى شئتُ وأعود إليه إذا رَغِبتُ، وأهمِلُه حينا وأُنَمّيه حينا آخر، وإنّما هي أنا حاضِرًا في الكون، ومتشابِكًا معه؛ فأنْ أُعيدَ اختراعَ ذاتي في لحظةٍ مفصليّةٍ من حياتي يعني في آنٍ واحدٍ أن أَعِيَ حقيقتَها، وأسِتَبينَ السبيلَ إلى تَحَوُّلِها من الدّاخلِ لأصيرَ آخرَ، أعني: ذاتًا جديدةً منتمِيَةً إلى نَوْعي البشريِّ، ومتخفِّفةً من ارتهانها إلى سطوةِ الخارِجِ، ومُتَحصِّنةً مِنَ المُمْكِنِ مِنْ الشُّرورِ، وقادرةً بإمكاناتها الشخصيّة على العيش البهيجِ في الدُّنيا. ومن ثَمَّ تكون ذاتي هي المُنْجَزَ المختَلِفَ دومًا في سيرةِ تحوّلاتها. إنّ ذاتي هي الممكنُ من ذَوَاتي، بل هي مستقبَلُ ذواتي طِبْقًا لكلِّ لحظةٍ فارقةٍ من تقاطُعِ مَرَاغِبي الحياتيّةِ مع الطارئِ من ظواهرِ الواقعِ.

وإنه لا سبيلَ إلى إعادةِ اختراعِ الذّاتِ إلاّ عبرَ استنهاضِ ذَوَاتِمِها جميعًا. ويتحقّق ذلك بمشاركة الذّاتِ والدولةِ معًا، تُشارِكُ الذّاتُ مدفوعةً بقوّةِ إرادتِها الحياةَ الحرّةَ السعيدةَ، وتُشاركُ الدولةُ مدفوعةً بتحصين مناعتِها الوطنيّةِ وبمسؤوليتها على حمايةِ ذوات مواطنيها وصَوْنِ حقوقِها وهي تُنجِزُ تحوُّلَها. ومن أمثلة ذاك ضرورةُ أنْ نتنبّهَ إلى أنّ عيبَ برامجنا التربوية الكبيرَ إهمالُها التركيزَ على المحتوى القِيَمِيِّ في تعليم الطّفل خلال سنواته الابتدائيّة وشحنه بكمٍّ من المعارف العلمية كثيفٍ، فإذا شَبّ كان ممتلكًا علومًا عديدةً ولكنه أجوفُ من جهة قِيَمِ التواصل مع محيطه. وعليه يتأكّد اليوم استنهاضُ ذوتَمِ الأخلاق في ذاتِ الطّفل عبر تعقيم البرامج التعليمية المُوَجَّهةِ إليه ضدّ أوْبِئةِ التطرّفِ، والشُّعورِ بالدُّونيةِ، والاتِّكالِ على الغير، وعبادةِ الماضي، وغير هذا كثيرٌ ممّا يُوهِن ذاتَه ويُهِينها، وذلك عبر المبادرة إلى جعل تلك البرامج حاملة لمنظومةٍ قِيَمِيّةٍ (أخلاقيّة، ووطنيّة، وبيئيّة،…) تكون طريقَ الذّاتِ إلى حُسنِ تدبير حياتِها. وما ذكرتُه حول استنهاض ذَوْتم القِيَمِ ينسحب على باقي ذواتمِ الذّاتِ، وما قُلتُه حول إعادةِ اختراعِ الذّات الفرديّة ينطبق على إعادة اختراع الذّات الوطنيّة أو الثقافية. لنتجرَّأْ ونعترِفْ لمرّة واحدةٍ بأنّ الانتماءَ إلى الإنسانيّة إنّما هو بالتلخيصِ انتماءٌ إلى النَّوْعِ فقط، وعدا هذا هو كذبةٌ عولميّةٌ تُخفي طيَّها رغبةَ الأقوياءِ في أكلِ لحومِ الضُّعفاءِ أحياءً. إنّ الانتماءَ إلى الإنسانية ليس الآن إلاّ استنهاضَ إنسانيةِ انتمائِنا إلى ذواتِنا دونما استعلاءٍ زائفٍ أو تصاغُرٍ مُهِينٍ.

———————-

أيّ مستقبل للأدب بعد كورونا؟/ عماد فؤاد

خريطة جديدة للجسد البشري وإمكاناته

هرباً من أيام العزل الصّحي المفروض علينا في بلجيكا منذ أسابيع، قرّرتُ في يوم مشمس أن أخرج مع طفليّ إلى المنتزه القريب، طمعاً في نسمة صيف لم يأت بعد، وهناك، ونحن نحاول الاستمتاع بأشّعة شمس خجول، بعد أيّام قضيناها سجناء حوائط وغرف البيت، مرّت علينا عجوز بلجيكيّة، تسير بطيئة محنيّة الظّهر تستند إلى عصاها، وجوارها شابة تكاد تكون حفيدتها، توقفتْ العجوز فجأة بالقرب منّا، أطالت النّظر إلى ابنيَّ وهما يجريان على العشب، ثم قالت بصوت مرتعش كأنّها تواسيني: “حتى أنّني الآن لا أستطيع أن أمسّد رأسهيما! ما يحدث بشع يا بنيّ، صدّقني، أنا اليوم في التّسعين، مرّتْ عليَّ حروب ومجاعات، لكنّي لم أشعر أبداً بالخوف كما أشعر به هذه الأيام”.

نظرتُ إلى المرأة مستفهماً وقد فاجأني حديثها، فقالت وهي تقترب لتجلس على دكّة خشبية مجاورة فيما تسندها حفيدتها: “نعم… في كلّ هذه المحن التي مررت بها، كنّا نجتمع لنواسي بعضنا بعضاً، إذا انطلقت صفّارات الإنذار قبل الغارات الجوية أيّام الحرب، نهرول جماعات متشابكي الأيدي إلى الملاجئ والأقبية، وإذا لم نجد الطّعام، تقاسمنا كسرات خبزنا وأكلناها بنهم حتى لو أصابها العفن، في أشدّ لحظات الأوبئة والأمراض، كان يحقّ لنا السّير في جنازات الموتى لنودّعهم الوداع الأخير، الآن علينا أن نبتعد عن الآخرين لنحميهم منّا ونحمي أنفسنا منهم! حتى الموتى الذين يسقطون بين أيدينا بسبب هذا الوباء، نُجبَر على عدم الاقتراب منهم كي نودّعهم أو نقبّلهم قبلة الوداع، هذا رعب لم أعشه من قبل، وأرجو أن أموت قبل أن أرى النّاس يودّعون أحبابهم وأطفالهم بهذه الطريقة العاجزة عن فعل أيّ شيء”!

معانقة الجميع

عليّ أن أقول إنّني لم أسمع، منذ بدء انتشار فيروس كورونا الذي ضرب العالم أجمع قبل شهور، أقسى من هذه الكلمات، كانت العجوز البلجيكية محقّة في ما قالت، وربّما فسّر لي كلامها ما عجزت عن تفسيره من أحاسيس متضاربة، ألمّت بي منذ أجبرنا على البقاء داخل بيوتنا بسبب عدوّ غير مرئي، همّت العجوز من جديد بالوقوف فساعدتها الشابة وهي تبتسم كأنّها تعتذر عن إزعاج جدَّتها لي، فابتسمت لهما مودّعاً، فقالت العجوز ضاحكة بصوت مرتفع: “أوّل ما سأفعله بعد انتهاء هذه الأزمة هو أن أعانق جميع من أقابلهم في الشّوارع، أقسم أن أفعل”.

ظلّت كلمات العجوز وضحكتها الحانقة تدور في ذهني اليوم كله، ما قالته جعلني أكتشف كم كانت حياتنا بسيطة وسلسة، بل إنّني بدأت أقدّر هذه الحياة السابقة على كورونا أكثر فأكثر، مقارنة بما يجب علينا اليوم أخذ حيطتنا منه؛ الأقنعة الواقية، القفّازات، عبوات الكحول المطهّر في حقائبنا، والرّجفة التي بتنا نشعر بها حين نلمح شخصاً يقترب منّا، كاسراً قانون المسافة الذي سنّته شريعة عالم “التّباعد” الجديد.

صار رعبنا من لمسة الآخر هو الذي يحكمنا، شيء مرعب أن نكتشف اليوم أنّ لمسة عابرة قد تكون هي النّهاية لكلّ شيء، كنت قد عاهدت نفسي على عدم قراءة المزيد من أخبار ضحايا الفيروس، وعدد قتلاه الذي يتضاعف يوماً بعد الآخر، وبدأتُ أنفر من الآراء والتّحليلات والبيانات المتضاربة عن المأساة، نفوري نفسه من استعادة الجميع للروايات والأعمال الأدبية التي تناولت الأوبئة والأمراض التي أفنت الملايين من البشر على مرّ التّاريخ، وبدأتْ تراودني خيالات مرعبة تدور كلّها حول جملة واحدة: “كم هي هشّة وتافهة فعلاً هذه الحياة”، يصير الخوف من مجهول قد يصل إليك فتؤذي مَن حولك من دون أن تعلم، مسيطراً على أفكارك حين تكتشف عجزك عن حماية نفسك، لكن هذه المرّة وأنت تتابع هذا المجهول من خلف شاشات الإنترنت وقنوات الأخبار التي تطاردك حيثما كنتَ، منتقية لك الأسوأ دائماً، وحين تحاول الهرب، تكتشف أن لا مهرب.

كان الشّعور الأقوى الذي راودني وأنا تحت رحمة الإقامة منعزلاً في البيت، بسيطاً وساذجاً، مفاده: “لن تعود حياتنا إلى ما كانت عليه”، كنتُ أردّده بيني وبين نفسي كما لو كنتُ أربّت على كتفي مواسياً، وفي محاولة منّي للهرب من طوفان الأخبار الذي امتلأت به صفحات المواقع الإخبارية ومواقع السّوشيال ميديا، مرّ تحت عينيّ خبر يقول إن رواية “الطّاعون” لألبير كامو هي “الأكثر مبيعاً في إيطاليا منذ تفشّي فيروس كورونا”، نعم، ففي هذه اللحظات يبحث النّاس عن مواساة ممّن عرف ورأى، لكنّي أيضاً تساءلت: متى كتب ألبير كامو “الطّاعون” الصادرة عام 1947، ومتى كتب غابرييل غارثيا ماركيز “الحب في زمن الكوليرا” الصادرة في 1985، ومتى كتب جوزيه سراماغو “العمى” الصادرة في 1995؟ كلّها أسئلة وجدتها تُطرح مشروعة أمام من بدأوا يتحدّثون منذ الآن، عن مستقبل الأدب ما بعد كورونا، بل إنّنا بدأنا نرى روايات وكتب وقصائد تظهر هنا وهناك عمّا نعيشه من حجْر صحّي وعزلة، وكلّها كتابات وأعمال خرجت من رحم حدث جلل، جعل الكثيرين يعيدون النّظر من جديد إلى ما كانت حيواتهم عليه، قبل هذا التغيّر الكبير.

مشهد لم يكتمل

ما يحدث الآن لم يكتمل بعد، وما دام منقوصاً، بحكم عدم انتهائه، فهو طرف من كلّ، خيط لم نصل نهايته، وفي مثل هذه المراحل من تطوّر أيّ حدث كبير، تكون الكتابة عنه انطباعية، مبنية على الأسئلة التي لم نعثر لها على إجابات بعد، ربّما هذا ما جعلني أطرح التساؤل حول زمن كتابة أشهر الأعمال التي تناولت الأوبئة، وأغلبها كتب بعد سنوات وعقود من وقوع مثل هذه الكوارث، مع ملاحظة أنّ بعض هذه الأعمال تخيّلت وقوع هذه الكوارث في بلدان لم تقع فيها، طارحة مستويات عدّة لتلقي العمل الإبداعي بدرجاته الفلسفيّة والمجازيّة التي تفرضها بنيته الأدبيّة النّهائية، و”الطّاعون” لألبير كامو مَثَلٌ جيّد على ذلك؛ فقد صدرت عام 1947، بعد انتهاء الحرب العالمية الثّانية بعامين فقط، كان كامو قد نال سمعة عالمية قبلها بسنوات بفضل روايته “الغريب” وكتابه الفلسفي “أسطورة سيزيف”، وكلاهما نشرا عام 1942، أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا والاحتلال الفرنسي للجزائر، ورسّخا سمعة كامو باعتباره كاتباً وجوديّاً، وهي الصّفة التي طالما رفضها كامو على حد تعبير الكاتب المغربي حكيم مرزوقي، الذي يشير أيضاً في قراءته لرواية “الطّاعون” إلى أنّ كامو قدّم في هذين العملين الأوّلين له: “عالَماً فاقد الأهمية، تصوغه أحداث عرضية ويكتنفه العبث، ووصف الأديب الفرنسي كتبه تلك بأنّها تندرج ضمن “دائرة العبث”. وفي تلك الأثناء كان مستغرقاً في كتابة مسودة رواية تنتمي إلى ما سمّاه “دائرة التّمرد”. وهي المسودة التي ستصبح بعد سنوات روايته الأبرز “الطّاعون”. كما يشير مرزوقي أيضاً إلى أن كامو كتب “الطّاعون” وهو منخرط في صفوف مقاومة الاحتلال النازي لبلاده منذ العام 1943، بعد مغادرته الجزائر بسبب إصابته بداء السّل، ثمّ التحاقه بالعمل محرّراً بصحيفة “كومبات” التي كانت توزّع سراً، حيث شرع في وضع مسودة روايته “الطّاعون”.

إذن “طاعون” كامو لم يكن إلا ذريعة ليقول رأيه عبرها عن وباء الاحتلال الذي عانت منه بلاده تحت الاحتلال النازي، وأيضاً احتلال بلاده للجزائر، وهو ما يؤكده العديد من النقاد. في “الطاعون” يصف كامو ما يمكن لنا أن نسمّيه “الاستجابة البشرية للموت الوشيك”، حيث ينتقل سكان وهران من اللامبالاة الأوّلية تجاه انتشار الطاعون عبر إنكاره، إلى القتال اليائس وصولاً إلى الاستسلام التام له، حتى تأتي المساعدة من باريس، حينها فقط تتمكّن المدينة من هزيمة المرض الخبيث كنهاية سعيدة بعد قصة مأساوية، أهّلت صاحبها إلى الحصول على جائزة نوبل في الآداب عام 1957.

معايشة اللامعنى

في حوار تناقلته وسائل الإعلام الغربية مؤخّراً مع عالم الاجتماع الفرنسي ألان تورين (مواليد 1925)، حول تداعيات الأزمة الكونية التي خلّفها انتشار فيروس كورونا، قال إن الحجر الصّحي “جعلنا نعيش اللامعنى في بيوتنا”، حيث لا سياسة واضحة لسياسيّين ولا مشاريع مفهومة للأحزاب، ويقارن عالم الاجتماع الفرنسي بين لحظتنا الراهنة وبين الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم عام 1929، فيقول إن الفارق الكبير هو أنه: “في عام 1929 كان قد اختفى كل شيء، لم يكن هناك أي فاعل في الساحة، لا في اليسار ولا في الحكومات. لكن سرعان ما ملأ السيد هتلر هذا الفراغ”. هذه الملاحظة جعلتني أعيد التفكير في ما نراه اليوم من “تفريغ مراكز القوى في العالم من معناها”، ثمّة شيء ما يدعونا إلى النظر اليوم إلى من يتولّون قيادة عالمنا، بدءاً من دونالد ترامب في واشنطن ووصولاً إلى بوريس جونسون في لندن. ألم يتزامن وجود ترامب ذاته في البيت الأبيض مع حملة ضده في الصحافة الأميركية أشارت إلى ضرورة التخلص من “طاعون ترامب المنتشر في السياسة الأميركية”؟ هذا إذن هو المثال المعاصر للطاعون كتعبير مجازي.

نهاية، وعلى الرغم من أنّه من المبكّر جداً التحدث اليوم عن مآلات الفنون أو الاتجاهات الأدبية ما بعد كورونا، إلا أني أتصوّر أن الأدب، مثله مثل غيره من الفنون الأخرى، سيشهد تحوّلاً كبيراً بعد هذه الأزمة العالمية، ذلك أن الأزمة ستغيّر الكثير سياسياً واقتصادياً في العديد من بلدان العالم، وسوف يعبّر الأدب والفنّ عن هذه المتغيّرات، وربّما يتمظهر التّغيّر الأكبر لهذه الأزمة في الفضاء العام، حيث صعوبة تواجد الناس في المساحة ذاتها كما السابق، وهو ما سيغيّر السلوك البشري ولو إلى حين، مع تجميد أي أنشطة فنية أو ثقافية تقوم على الحضور الجماهيري أو التجاور الجسدي، ومن بينها السينما والمسرح والمهرجانات الأدبية أو الموسيقية، وهو ما سيخلق عالماً من التباعد والفردية، أو ما عبّرت عنه صديقتنا العجوز في السطور أعلاه وهي تقول: “الآن علينا أن نبتعد عن الآخرين لنحميهم منّا… ونحمي أنفسنا منهم”.

ربّما أكثر ما يرد على ذهني الآن، ما حدث من حراك فنّي وموسيقي وثقافي إبان حرب فيتنام خلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، أتصوّر أننا سنشهد ظهور اتجاهات أعنف ستعلو ساحة الأدب والفن والحركات الفلسفية، بخاصة في أوروبا التي كانت المسرح الأكثر تضرراً من كورونا حتى اليوم، فهذا ما يحدث عادة بعد الحروب والثورات والكوارث البيئية وسنوات الكساد الاقتصادي، لكنها الحركات الأدبية والفنية التي ستتناقض أيضاً في ما بينها، فاللحظة التي نحياها اليوم تشبه إلى حد بعيد تلك اللحظة ذاتها التي تخلّقت منها حركة الهيبيز في أميركا لتنتشر بعد ذلك في عديد من الدول الأوروبية والغربية، والتي كان أساسها الاحتجاج والتّمرد على السياسيّين والرأسماليّين الذين يقودون ثقافة الاستهلاك، وهو ذاته ما يحدث اليوم على المستويات كافة، مع اختلاف جوهري كبير، وهو أن حركة الهيبيز قامت وأحد أعمدتها الرئيسية هو الاستسلام لنشوة التّحرّر الجسدي بالانغماس في المخدّرات والموسيقى والجنس، فيما ستكون الحركات الفنّية والأدبيّة الجديدة مجبرة، في لحظة تخلّقها، على رسم خريطة جديدة للجسد البشري وإمكاناته في عالم ما بعد كورونا.

———————-

من هي الكاتبة الصينية المعارضة التي كشفت أسرار ووهان؟/ عبده وازن

فانغ فانغ استعادت التاريخ المخفي والواقع البائس والتهم لم تثبط عزيمتها

لم تكن الروائية الصينية فانغ فانغ تنعم بشهرة عالمية كبيرة قبل أن تكتب يوميات الحجر الذي عاشته في مدينة ووهان، موئل فيروس كوفيد 19 أو كورونا، فاضحةً عبرها بعضاً من أسرار تفشي المرض والملابسات التي رافقت انتشاره السريع والمأساوي. ولكن ما إن أنهت المقطوعة الأخيرة من يومياتها في نهاية مارس (آذار)، بعدما دأبت على نشرها طوال أسابيع على موقعها الإلكتروني، حتى انهالت عليها عروض من دور نشر أميركية وألمانية وفرنسية لترجمتها ونشرها عالمياً. لكنّ هذه العروض ترافقت مع حملة شرسة خاضتها السلطة ضدها وأعضاء في الحزب الحاكم، متهمين إياها بـ “الخيانة” و”خدمة الغرب” و “المتاجرة بالضحايا” و”تقاضي مبالغ مالية”. ووصفت الصحافة الصينية الرسمية ما قامت به فانغ “عاراً” خصوصاً أنها تتلقى المديح في وسائل الإعلام الغربية، ووصفت مذكراتها بأنها “منحازة ولا تكشف سوى الجانب المظلم في ووهان بينما تتجاهل الجهود التي بذلها السكان المحليون والدعم الذي قدمته الدولة”. ولعل أكثر ما أثار حفيظة النظام ما ترويه فانغ على لسان طبيب صيني قال لها: “نحن الأطباء كلنا، كنا نعلم منذ فترة أن هناك تناقلاً للعدوى بين المواطنين، وأعلمنا المسؤولين بالأمر، ولكن لم يحذروا الناس من الخطر”.

وفي أوج احتدام الصراع الآن بين الولايات المتحدة والصين حول تكتم السلطات الصينية على الوباء، ما سبب في انتشاره العالمي المريب، تبرز اليوميات التي كتبتها فانغ فانغ وتعود إلى الواجهة بصفتها خير شهادة مكتوبة بصدق عن تقاعس النظام الصيني إزاء الوباء. ووصفت اليوميات بأنها وثيقة تتضمن معلومات مهمة. وقد تمثل رواية الطبيب حجة واضحة في هذا القبيل.

لم يمض أكثر من أسبوعين حتى ذاع عالمياً اسم الكاتبة الصينية الجريئة فانغ فانغ (اسمها الأصلي وانغ فنغ) ابنة الخمس والستين سنة (مواليد 1955) وخلال أسابيع تصدر تباعاً ثلاث ترجمات ليومياتها، بالإنجليزية (دار هاربر كولينز) والألمانية (دارهوفمان أوند كامب) والفرنسية (دار ستوك). وباشر قراء كثر في العالم بحجز نسخهم عبر أون لاين. أما في الصين، فكان ملايين من القراء تابعوا يوميات فانغ مباشرة عبر موقعها الإلكتروني، مع أن السلطة أوقفت الموقع مراراً ثم عادت عن قرارها خشية من ازدياد عدد القراء بعد المنع. وخاطبت فانغ جهاز الرقابة بجرأة قائلة: “عزيزي رقيب الإنترنت، يجب أن تدع سكان ووهان يتحدثون. إذا لم تسمح لنا بالتعبير عن معاناتنا أو شكاوانا أو تأملاتنا، فهل تريدنا أن نجن؟”. وكان من المقرر أن تنشر طبعات عدة من اليوميات داخل الصين، لكن الناشرين تراجعوا عن قرار النشر خوفاً من العواقب الرسمية. ولم تهب فانغ الحملات التي قامت وتقام ضدها فقالت:”لقد خطت أفضل معركة على الإطلاق”.

بدأت الروائية فانغ تدوين يومياتها في 23 يناير(كانون الثاني)2020 وأنهتها نهاية مارس (آذار)، وهي تضم ستين يومية، تروي أحوال الخوف والغضب والأمل لدى أحد عشر مليون شخص من أهل مدينة ووهان. يوميات تدور أجواؤها بين قسوة الحجر المنزلي ومآسي المستشفيات التي امتلأت بالمصابين وباتت ترفض المزيد منهم، تاركة إياهم لأقدارهم. تروي فانغ تجرتبها الشخصية في الحجر، وتنقل مشاهد الموت الفردي والجماعي وتراكم الجثث في المحارق. ولا تغيب عنها حماسة الناس  للتعاون ومساعدة بعضهم بعضاً في مثل هذه الظروف القاسية، وتشير إلى تخلي بعض رجال الدولة عن مسؤولياتهم وتقاعسهم في أداء واجبهم. تكتب فانغ منتقدة السلطة: “كم عدد الأشخاص الذين لقوا حتفهم في ووهان وتدمرت عائلاتهم؟ حتى الآن لم يعلن أحد “أسفه” أو تحمل المسؤولية. رأيت كاتباً يستخدم عبارة “النصر الكامل”. عمّ يتحدثون؛ ما الذي يتحدثون عنه فعلاً؟”.

الروائية الطليعية

غير أن يوميات فانغ فانغ كادت تطغى على صورتها كروائية طليعية، تجمع أعمالها بين نزعتين: الأولى هي الواقعية الجديدة التي أطلت عبرها على شؤون الطبقة البروليتارية وشجونها، وعلى الحياة البائسة التي تعيشها شرائح كبرى من الصينيين، إضافة إلى هموم الطبقة الوسطى التي تضم المثقفين المعارضين والمهمشين. أما الثانية فهي الاستعادة النقدية للتاريخ الصيني بحقائبه المتعددة وصولاً إلى ما قبل الثورة الثقافية التي أعلنها الزعيم ماوتسي تونغ وما بعدها، بل ما تلاها من تحولات ومظالم. ومفهوم استعادة التاريخ هنا يعني طرح الأسئلة الإشكالية والتركيز على القضايا المسكوت عنها. ومعروف أن فانغ فانغ أجبرتها الثورة الثقافية على التوقف عن الدراسة والانخراط في العمل داخل مصنع، إلى أن استعادت دراستها في جامعة ووهان وتخصّصت في الأدب. وفي العام 1982 انطلقت في مسارها الإبداعي ناشرة قصة بعنوان “في الموكب” في إحدى المجلات المعروفة، ثم تلتها روايتها “نحو البعيد”. وراحت من ثم تتوالى رواياتها وقصصها وفازت بجائزة مرموقة هي جائزة لو ياو.

“شمس الغسق”

في رواية “شمس الغسق” تتناول فانغ فانغ واقع الصراع الذي يعيشه أفراد عائلة فقيرة من خلال قصة أم هي جدة في آن واحد، تحيا حياة قهر، ضمن عائلة مؤلفة من ستة أشخاص، في منزل صغير يضيق بهم. تحاول الجدة الانتحار متناولة مبيداً للحشرات، ولا تلبث أن تموت بعد نقلها إلى قسم الطوارئ في المستشفى. تكتشف الأسرة أن رحيل الجدة حل مشكلات كثيرة داخلها، خصوصاً ابنها روهي الخمسيني الذي طالما منعته من أن يتزوج مرة ثانية، ثم رولانغ أصغر الإخوة، وهو شاب خبيث لا رحمة في قلبه، كان يخشى أن تكون كلفة استشفاء الجدة باهظة الثمن. وكذلك الأحفاد الذين لا دور لهم في الأسرة. تتهيأ العائلة لدفن الجدة في ما يشبه الاحتفال برحيلها. ولكن للمصادفة يُبلغ مسؤول في براد المستتشفى حيث توضع الجثث، العائلة بأن خطأ طبياً حصل، فالجدة عادت إليها الحياة واستعاد جسدها نبضه. إنها رواية قائمة على مفارقة رئيسية تتمثل في ثنائية الموت والحياة، وتدمج بين السخرية السوداء والواقعية والمقاربة السوسيولوجية.

“جنازة حارة”

صورة المرأة العجوز لا تغيب أيضاً عن رواية “جنازة حارة” المستوحاة من قصة حقيقية. وهذه الرواية تعدّ من أهم اعمال فانغ وحازت جائزة لو ياو عام 2017. تتطرق الرواية إلى قضية إشكالية تتمثل في الإصلاح الزراعي في الصين بدءاً من العام 1950 وهي الحقبة الأشد ظلامة ووقع فيها ضحايا كثر. ونادراً ما تم التطرق إليها في الأدب الصيني الجديد بسبب الآثار السلبية التي تركتها في حياة الناس. صدرت الرواية العام 2016 عن منشورات “أدب الشعب” الرسمية وعرفت نجاحاً كبيراً، لكنها ما لبثت أن تعرضت إلى هجوم من جهات محافظة في الحزب ومُنعت، وما كان على منعها إلا أن يزيد الإقبال عليها. فهي تمثل وثيقة تاريخية وسياسية واجتماعية مهمة، وتتخطى إطار الإصلاح الزراعي الصيني، مواجهة محاولات النسيان ومنادية بواجب التذكر. دار ستوك)

إنها قصة امرأة وجدت عارية ومجروحة وفي حال من الصدمة، على ضفة ساقية. وبالصدفة يمر عسكريون من هناك وينقلونها إلى المستشفى، وبعدما أُعلن أنها ماتت يتمكن طبيب من إنقاذها وتولي أمرها. ولأنها لا تتذكر شيئاً يطلق عليها اسماً: “ديغ زيتاو”. تمضي السنوات إلى أن يكتشفها ابنها لكنه لا يتعرف فيها على الأم التي كانت. تغيرت الأم ونسيت ماضيها وطفولتها وتحاول أن تتذكر شيئاً فشيئاً. يقول لها الطبيب: “أن ننسى فليس هذا بخيانة، هذا ما يساعد دوماً على العيش”.

الوليد الميت

في رواية “منظر بهي” اختارت فانغ فانغ راوياً ميتاً هو وليد لم يقدّر له العيش، فتوفي في يومه السادس عشر، ودفنه والده في علبة صغيرة تحت النافذة. هذا الابن أو الأخ الثامن، يروي، راقداً في علبته، معاناة عائلته البائسة جداً وكأنه يعيش معها. عائلة من أحد عشر شخصاً يعيشون في تخشيبة تهتز كلما مر القطار من قربها، الأب السكير والقاسي  يسيطر عليها. هذا الأب الذي يجيد الضرب أكثر مما يجيد الحب الأبوي، يجبر أولاده على سرقة الفحم لكي يتدفأوا في البرد القارس، وعلى اقتلاع جذور نبتات اللوتس كي يقتاتوا بها. إلا أن الإخوة والأخوات لن يظلوا تحت سيطرة والدهم وبطشه، فهم غداة إعلان الثورة الثقافية يبدأون بالبحث عن مستقبل أفضل. لعل فرادة هذه الرواية التي أثارت حفيظة الكثيرين في الصين حين صدورها عام 1987 تكمن في براءة صوت الطفل أو الطفل الثامن كما يسمى، الذي يعبر عن هموم أسرته ومعاناتها في ظل أب شديد القسوة وعديم الرحمة.

——————————————

=========================

=================

تحديث 10 أيار 2020

——————–

اليوم الـ 28 للحجر.. ذلك الوقت!/ تشه لي

في تلك اللحظة التي قتمت فيها السماء، وصار الغسق وشيكًا، كنت أقف أمام النافذة، أنظر إلى بناية مجاورة، وعلى وجهي ابتسامة. سبب احتفاظي بالابتسامة هو مدى خوفي من أن يحدث شيء. أمام نافذة في شقة بالبناية المجاورة، رجل عجوز فتح زجاج النافذة، وسمعته يقول وهو يرتجف ويصيح بآسى: “ذات يوم سينتهي كل هذا، ذات يوم سينتهي…..”. اندفعت صوب نافذتي وفتحتها، وبحثت عن نظراته، وأخذت ألوح له: “هاااي …والدي”، ألقيت عليه التحية، بأكثر نبرة دافئة وهادئة أمتلكها. ولكنني لم أجزم ما إذا كان لمحني، بسبب الزاوية التي كنت أقف فيها.

واصلت، باذلة قصارى جهدي، حتى التفت صوبي في النهاية. توقف المسن وأغلق النافذة، ودخل إلى شقته. لم يكن القلق الموجود في صدري قد ذاب بعد، فقمت بإجراء اتصال طارئ بأمن البناية، وطلبت منه أن يصعد في الحال إلى المبنى الذي يقطن فيه العجوز، ويطرق بابه، ويرى إذا كان وحيدًا، ويسأله لو كان يواجه مشكلة ما؟ أو يحتاج إلي شيء ما، فهو متوفر لدينا. أدى الأمن عمله على أكمل وجه، استجاب لطلبي وصعد في الحال. في غضون تلك اللحظات المزدحمة، كان الليل قد أسدل ستاره. ذلك الوقت تمامًا كان هو اليوم الثامن والعشرين من الحجر الصحي. كان قد بدأ يتمادى القلق والضجر في قلوب الناس، فأصبحنا في حاجة إلى مجابهة أعداء أكثر، بما فيهم ذلك الظل المتسع تدريجيًا في قلوبنا.

في ذلك الوقت، كان لا يزال فيروس كورونا المستجد يفتك بضحاياه، بينما كانت مدينة ووهان

“في اليوم الـ 28 لبدء الحجر، كان قد احتدم الصراع في ووهان بين الفيروس والإنسان، فإما أن يقضي علينا، أو نَقضي عليه”

قد طبقت أكثر الإجراءات صرامة للحجر الصحي منذ ظهور الوباء وتفشيه، وكان كل من الكوادر والموظفين والعمال قد اندمجوا مع المجتمع، وعدد أسِرَّة المرضى في المستشفيات يزداد بشكل يومي، وكذلك الخطوط الأولى من الفرق الطبية المعالجة تواجه الموت وتخاطر بحياتها لإنقاذ المرضى. كان قد احتدم الصراع بين الفيروس والإنسان، فإما أن يقضي علينا، أو نَقضي عليه، دخلنا إلى مرحلة جمود لا تطور فيها. في ذلك الوقت، كان مستحيلًا أن يكون هنالك ولو قدر قليل من الراحة.

مع أنه كان اليوم الثامن والعشرون من الحجر الصحي، إلا أنه كان هناك أناس لا يتحملون البقاء بلا حركة، وآخرون يفكرون بشتى الطرق في كيفية الخروج خلسة، وغيرهم من الناس لم يعتادوا تناول الخضروات البسيطة التي يتم توصيلها إليهم، ويشتهون تناول السمك، أو اللحم طازج، أو المعكرونة الجافة الساخنة التي يتصاعد منها البخار، وكذلك كان هناك بعض الأشخاص الذين يصطحبون أطفالهم للمشي، ويقولون: “لِمَ الخوف، قدر من الحذر يكفي، كل المحبوسين في منازلهم أغبياء”. إن الشعور الذي ينتاب المرء، حين يرى هذا، في الحقيقة، هو  انزعاج وسخط شديدان! الحقيقة كانت جلية كالشمس أمام الجميع: إذا لم تُمنع تمامًا العدوى من الانتقال من شخص إلى شخص، فستكون العواقب وخيمة تفوق الخيال.

أجريتُ مقابلة، وقلت ممازحة الصديقة الصحافية التي أعرفها جيدًا: في هذا الوقت، لو كان التصرف متروكًا لي للتعامل مع مثل هؤلاء الأشخاص الذين لا يقدرون قيمة حياتهم، لكنت لكمتهم حتى فقدوا وعيهم، وأعدتهم إلى بيوتهم، وتركت لهم طعامًا يكفيهم لأسبوع، ثم أغلقت الباب عليهم بإحكام… كانت هذه مزحة بلا شك. لكن لو كان هنالك أناس لا يقدرون قيمة

“اللحظة التي رأينا فيها الفيروس قد اختطف حياة والدة صبية صغيرة، وكانت الصبية تسير وراءها وهي تنتحب، لم يعد مشهدًا عاديًا لوداع أبدي، بل تطلب منا أن نتدخل في الحال، ونسحب الطفلة ونلبسها قناعًا طبيًا”

حياتهم، بل وفي نفس الوقت يعبثون بأرواح الآخرين؛ إذًا فالطريق الوحيدة هو إرغامهم على معرفة قدر أنفسهم. ما قلته ليس سوى كلام، فأنا قطعًا لم أضرب أي أحد، بل على النقيض تمامًا ابتسمت لرجل مسن غريب، ولوحت له، وأتمنى أن أكون قد استطعت بث قدر من الطمأنينة في قلبه.

في ذلك الوقت، لم تعد الحياة اليومية هي الحياة اليومية المعتادة، كانت بشكل مباشر تدور حول الحفاظ على الحياة. ففي تلك اللحظة، التي رأينا فيها الفيروس قد اختطف حياة والدة صبية صغيرة، وكانت الصبية تسير وراءها وهي تنتحب، لم يعد مشهدًا عاديًا لوداع أبدي، بل تطلب منا أن نتدخل في الحال، ونسحب الطفلة ونلبسها قناعًا طبيًا، وبسرعة نهدئ بكاءها، لنمنع الفيروس من انتهاز الفرصة والتسلل إلى حلقها المفتوح، ومن ثم إلى رئتيها. في تلك اللحظة، كنا نحن أمهات تلك الفتاة، ولسنا مجرد متفرجين يقومون بتسجيل فيديوهات للمشهد.

في ذلك الوقت، كان الشيء الوحيد الذي يحافظ على الحياة هي المعايير القصوى. لذلك لو كان في يدنا فعل شيء نفعله لفعلناه. ولو كان في مقدورنا مد يد العون لشخص ما، نمدها فورًا، فخطنا الأخير للدفاع هو أن نفعل ما علينا أولًا. في ذلك الوقت، جاءت اللحظة الحقيقية لأكون عونًا للآخرين، ويكونوا عونًا لي. علينا أن نعتمد على نقاط القوة التي يمتلكها كل منا، حتى تتجمع وتصير إرادة البشر الصلبة، وذلك في سبيل أن نسترد حياتنا! وكذلك نسترد مجد البشرية! فلا يمكننا أن نموت سدى!!

وفي ذلك الوقت، كانت سكينتنا هي خلاصنا، وعقلانيتنا هي قوتنا، وجسارتنا شيء ضروري لنا، وجَلَدنا هو واجبنا. هنالك فجر آخر وشيك سيفتح الستائر، وسيبزغ في الأفق، وستشرق الشمس كعادتها. ففي ذلك الوقت، كنا لا نملك سوى أن نتحمل الأحزان، ونتغلب على المخاوف، ونترقب   ذلك الأمل الموجود وراء النافذة.

(كتب في 19 شباط/ فبراير 2020)

تشه لي: كاتبة صينية معاصرة، ومن أبرز الكاتبات الصينيات، ولدت سنة 1957. تسكن مدينة  ووهان، وهي عضو اتحاد الكتاب الصينيين. تسلط الضوء في معظم أعمالها على مدينة ووهان. تحولت العديد من روايتها إلى مسلسلات وأفلام. ويقال على  روايتها “حياة مضطربة” أنها رائعة “الرواية الواقعية الجديدة”.

ترجمتها عن الصينية: مي عاشور.

ضفة ثالثة

————————-

أسخر من الموت في وجهه/ بسنيك مصطفى

أسخر من الموت في وجهه،

قابلتُه وجهاً لوجه

لا تسألوني كيف كان،

لا تسألوني عن صورته!

يمكن أن أقول لكم فقط:

كان مرعباً،

ما كان فيه أيّة رومانسية.

أيتها الحياة، حبيبتي التي لن تشيخ أبداً.

سأنام معك كل ليلة،

لكي تلدي لي الأطفال في الصباح.

الكثير من الأطفال لكي أجمعهم حولي في المساء،

لأخبرهم كيف أحرق الطرواديون الحصان الخشبي لليونانيين

قبل أن يطأ المدينة،

كيف لفظ أوديسيوس روحه بين صرخات القنوط والحزن

بشكل أسوأ من أخيل

الذي نالوا منه بالمَكر.

سأخبركم عن الاحتفال الكبير

الذي شارك فيه السمك في الماء،

والماعز البرّي في أعالي الجبل

حين أصبتُ البيرقراطية في قلبها

وبقيتْ في مكانها دونما حركة.

أيتها الحياة، حبيبتي التي لن تشيخ أبداً.

سأنام معك كل ليلة،

وأنت كل صباح ستلدين لي الأطفال،

الأطفال الذين سيعيدون الدفء للبيت

والطاقة للذرّة.

قابلتُ الموت وجهاً لوجه

كان مرعباً،

كان مرعباً إلى حدّ أني حين نجوتُ

بدتْ لي الحياة قصيرة جدّاً.

بدت لي الديماغوجيا وعبادة الشخصية والأساطير

أخطر مما كانت تبدو لي من قبل،

حتى إنها كانت تجعل الحياة على قصرها مزيّفة.

* شاعر وروائي ودبلوماسي ألباني من مواليد عام 1958 في قرية بشمال ألبانيا. تخرَّجَ مِن قسم اللغة الفرنسية وآدابها في جامعة تيرانا. اشتغل أوّلاً في التعليم ثم في صحيفة الحزب الشيوعي “صوت الشعب”، ثم مترجماً في “معهد الدراسات الماركسية اللينينية” (1983 – 1988)، لينتقل بعدها إلى اتحاد الكتّاب ويتولى رئاسة تحرير “الجريدة الأدبية”.

كان من أوائل المنضمّين إلى الحراك الديمقراطي في 1990، ومن مؤسّسي “الحزب الديموقراطي” الذي دعا إلى تفكيك الحكم الشمولي. في 1991، أصبح عضواً في أوّل برلمان ديمقراطي في البلاد، وفي 1992 أصبح أوّل سفير لألبانيا الديمقراطية في باريس. في 2005، أصبح وزيراً للخارجية ليستقيل في 2007 من الحكومة و”الحزب الديمقراطي” احتجاجاً على ما آل إليه الحال مع رفاق الأمس.

أصدر أول مجموعة شعرية عام 1978 بعنوان “موتيفات فرحة”، ثم صدرت له مجموعات شعرية وروايات عدّة، وصولاً إلى رواية “حلم الدكتور” في 2017 التي سخر فيها من الطبقة السياسية الجديدة في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية. تُرجم عدد من أعماله إلى الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية واليونانية.

** ترجمة عن الألبانية محمد م. الأرناؤوط

العربي الجديد

—————————–

أمين معلوف من عزلة كورونا: آمل أن يوقظنا هذا الاهتزاز

الولايات المتحدة فقدت سلطتها الأخلاقية في العالم والصين لا تستطيع أن تكون البديل

رضاب نهار

“يجب أن ننتبه من تحليلات أمين معلوف: حدسه يتحوّل إلى تنبؤات، حيث يبدو أن لديه معرفة مسبقة بالأحداث الكبرى التي شهدها التاريخ. كان قلقاً منذ عشرين عاماً بسبب تنامي “الهويات القاتلة”، ومنذ عشر سنوات بسبب “اختلال العالم””.

تلك العبارات جزء مما جاء على الغلاف الأخير من كتاب “غرق الحضارات” الصادر عن دار “Grassret” العام الماضي، للكاتب والروائي عضو الأكاديمية الفرنسية، أمين معلوف. وهي وجهة نظر استدعت المذيعة والإعلامية ماري لويز أرسينولت لاستضافته يوم 23 إبريل (نيسان) الفائت في برنامجها “كلما ازددنا جنوناً، قرأنا أكثر” عبر أثير راديو كندا، ليتحدّث عن فرضيته بحدوث انقلاب كبير في المجتمعات البشرية كافة سيدفع بالسفينة العالمية نحو هلاكٍ فظيع، مطالباً إيانا بصحوة إنقاذ عاجلة. ففي حين يشهد العالم اليوم أزمة انهيار منظوماته الأخلاقية والإنسانية في ظل اجتياح فيروس كورونا، صار لا بدّ من الإنصات بحذر شديد إلى الأصوات المثقفة التي قد تمتلك ما من شأنه إنقاذنا.

تمحور اللقاء الإذاعي الذي فرّغه كتابياً باللغة الفرنسية أحمد كواو، حول وجهة نظر معلوف إزاء الأوضاع الراهنة، فهل صدقت تنبؤاته؟ هل من خطط واضحة بإمكانها أن تنتشل البشرية من الغرق في محيط مظلم يزدحم بالفوضى والأنانية؟

كورونا يكشف إفلاس الوحدة الأوروبية

بدأ الحوار ومدته 18 دقيقة، من تجربة معلوف الشخصية في الحظر الصحي الإجباري، الذي يبدو كأنه يلائمه ويتوافق مع عزلته ورغبته في حياة هادئة وهو بعمر 71 سنة. طيلة شهر ونصف الشهر تقريباً، لم يغادر شقته في باريس إلا إلى صيدلية الحي. فالكتابة لديه تعني أن تعزل نفسك.

“لم يزعجني هذا الحبس، أعتقد أنه يطابق مزاجي، أنا هنا أعمل، أقرأ، أكتب. وأتأقلم من دون مشكلة”.

ومن حبسه، أيضاً، يراقب معلوف التحولات الحاصلة بعينين قلقتين لافتاً ومحذراً من  التصدّع الجلي في الكيان الأوروبي، وفاقداً الثقة بفكرة أوروبا الموحّدة. وإذ يلقي الضوء أمام مستمعي البرنامج على أن فيروس كورونا قد كشف إفلاس فكرة الوحدة الأوروبية منذ أول حالة سعال؛ يقول: “أرى دولاً مثل، إيطاليا، وفرنسا، وبلجيكا، وهي دول قريبة جداً من بعضها، تعيش جميعها فترة متوترة بمثابة محنة حقيقية. لا توجد مساعدات متبادلة في ما بينها، ولا اهتمام أو دعم واستشارات إلا القليل؛ فأتأكّد أن هذا أمر لم يعد ثمة جدال فيه. كنت أتمنى أن يكون هناك المزيد من التعاطف والتضامن بين الدول الأوروبية، إلا أن الواقع يكشف لنا عكس أمنياتنا، ما يجعلنا على يقين بأن هناك أموراً يجب إعادة بنائها في أوروبا”.

قلق معلوف وتشكيكه في المنطق الأوروبي في خلق كيانٍ موحّد، يسبقان أزمة كورونا بكثير. فإذا ما عدنا إلى “غرق الحضارات” نقرأ ما كتبه عن الأزمة الأوروبية كواحدة من أحزانه العظيمة اليوم: “عندما أتحدث عن ذلك، يخبرني الناس بأنني أطلب الكثير جداً، ويجب أن أذكر ما كانت هذه القارة لقرون وحتى لتاريخ ليس بالبعيد للغاية: إذ شكّلت ميداناً لمواجهة صعبة بين القوميات، ساحة لاختبار أسوأ البربريات… أليست هذه الصفحات المظلمة مقلوبة الآن وإلى الأبد؟ نعبر الحدود الفرنسية الألمانية من دون أن ندرك ذلك، كما لو كنا لا نزال في البلد ذاته، كما لو لم تكن هناك معارك دامية على ملكية الألزاس واللورين. وفي برلين ننتقل بين الحي الغربي إلى الحي الشرقي من دون الانتباه إلى الجدار القديم. في أي جزء من العالم عرفنا هذا؟ بالتأكيد ليس في بلادي الأصلية…”.

في الحقيقة، إن معلوف اللبناني الفرنسي الذي قلّده إيمانويل ماكرون وسام الاستحقاق الوطني في مطلع مارس(آذار) 2020، لا يقلّل أبداً من التقدّم الملحوظ الذي حقّقه الأوروبيون بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. إنه يحييهم على كل جهودهم؛ لكنه حزين وأمله خائبٌ. فقد توقّع شيئاً آخر من قارته التي تبنّاها، كأن تقدّم للبشرية جمعاء بوصلة لا تضلّ طريقها، وأن تكون سلطة سياسية وأخلاقية يمكن اللجوء إليها بثقة وأمل، وأن تحمل القيم العالمية لتؤثّر في مسار التاريخ. إنها مهمة سامية وعظيمة لا يعتقد أن كياناً آخر، قادرٌ على القيام بها سوى أوروبا، لكنها للأسف لم تعطِ نفسها الوسائل المطلوبة.

ويذهب معلوف مع أرسينولت عبر المحيط الأطلسي، ليخبرنا أن الإنسانية والتضامن ليسا أفضل بكثير هناك. ومن وجهة نظره فقدت الولايات المتحدة سلطتها الأخلاقية لأكثر من 30 عاماً، قبل وصول دونالد ترمب إلى رئاستها بفترة طويلة. لم تلعب دور السلطة التي تتمتع بسلطة أخلاقية، وليس متأكداً من أنها ستستعيد هذا الدور وسط الحقائق البارزة مؤخراً.

كما أنه لا يعتقد أن الصين على الرغم من قوتها الاقتصادية العظيمة، يمكنها أن تلعب دور القيادة الأخلاقية؛ فهذا البلد ليست لديه الوسائل للقيام بذلك، وليس لديه ما يدعوه من أسباب ليكون قائداً. حتى المنظمات الدولية التي كان من الضروري لها أن تقود المجتمعات العالمية، فشلت برأيه في مهمة القيادة، ما يعني أنه لا يمكن لأحد اليوم، أن يقوم بالمهمة.

وفي رده على المذيعة حول سؤالها عن التظاهر والحياة السياسية في لبنان تحت وطأة الوباء الفيروسي، يرى معلوف أن نمط التعبير السياسي الراهن لم يعد كما هو من قبل. وأن التظاهرات في كل بلدان العالم أصبحت أكثر صعوبة. لكن الشعوب تجد دائماً وسائل بديلة. فمع الحظر المفروض في بيروت بسبب الظروف الصحية، خرج المتظاهرون بسياراتهم مراعاةً لقواعد التباعد الاجتماعي.

تلك الاضطرابات والخلخلة في النظام الإنساني والدولي في الوقت الراهن، جعلت معلوف مشكّكاً كما غيره من المثقفين والأكاديميين في إجراء الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في الولايات المتحدة الأميركية. فالمرحلة الحالية تشهد تعطّلاً واضحاً للحياة السياسية والعامة بشكل كامل. لذا هو يدعو إلى إيجاد طرق مختلفة لممارسة الديمقراطية، ربما يجب أن نصل إلى طرق لممارستها عن بعد، بالوسائل التي توفّرها لنا التقنيات الحديثة.

ويلفت إلى أن تلك التدابير المتخذة من قبل الحكومات لمنع انتشار الوباء، تمثّل غزواً للحياة الشخصية. فهذا التطفّل الذي نشهده على خصوصيتنا تحت بند الحفاظ على السلامة العامة، سيتطور أكثر، لأنه بمجرد أن يبدأ، للأسف، لا يتوقف. ويتضح ذلك من خلال قوانين الطوارئ التي فُرضت بشكل استثنائي في خضم الحرب ضد الإرهاب والتي أصبحت تدابير دائمة لم يحدث أن توقفت.

قارئ للواقع وقلقٌ عليه

معلوف ليس متشائماً بقدر ما هو قارئ قلق للواقع. يحذّر من الحقائق، ويرمي لنا بطرف الخيط لإنقاذ العالم، فهو يرى أن الساعة الراهنة خطيرة ولا تحتمل مواقف اللامبالاة والانتظار والترقب. فيروس كورونا وضعنا أمام كارثة فظيعة، فمع كل الأنظمة الصحية المتطورة في دول مثل فرنسا، كندا، والولايات المتحدة، تسود حالة من العجز في مواجهة انتشاره والحفاظ على سلامة المجتمعات. هذا ما يحصل مع الدول الغنية أو المتقدمة على الكوكب، تخيّلوا ماذا سيحصل في البلاد التي لا تملك الوسائل الصحية اللازمة!

“نحن في فترة نحتاج فيها إلى إعادة التفكير في العالم من أجل إعادة بنائه. نقف اليوم أمام حالة غرق تتحطّم فيها سفينتنا، ثمة دمار غير مسبوق، أخلاقي، اقتصادي، وصحي، ونحن بحاجة ملحّة لإعادة البناء”.

ولم ينسَ في جملة التهديدات الحاصلة، حالة الطوارئ المناخية الطويلة الأمد، مثل سيف داموقليس الذي سيقى معلقاً فوق رؤوسنا لعقود مقبلة.

ويكمل رسالته عبر أثير راديو كندا، فيقول: “آمل في أن يوقظنا هذا الاهتزاز ويجعلنا نفهم أنه لا يمكننا السماح لأنفسنا بالانجراف 10 سنوات أخرى. نحتاج حقاً إلى تجميع أنفسنا معاً في أعقاب هذه الأزمة والقيام بشيء آخر في حياتنا وعالمنا. لا أعتقد أننا نملك رفاهية الراحة أو الاستقالة من مهماتنا. وأكاد أجزم أن ما يحصل اليوم هو في الواقع دعوة الاستيقاظ التي احتجنا إليها لنجمع أنفسنا من جديد ونعيد التفكير في المغامرة البشرية بأكملها”.

——————————

بيير رابحي: كورونا لعنة وفرصة في الوقت نفسه

لويزة ناظور

بيير رابحي.. المؤسس لمبدأ الزراعة البيئية في فرنسا وغرب أفريقيا

ولد بيير رابحي سنة 1938، في قرية القنادسة، في ولاية بشار جنوب الجزائر. فقدَ والدته وهو في الخامسة، فاضطر والده الفقير إلى تسليمه إلى عائلة فرنسية ليس لها أولاد، فتبنّته، وعلّمتْهُ بالتوازي مع ثقافته الجزائرية الأصل. عَمّدته هذه العائلة، ولكنّه بات مُلحِدًا في ما بعد.

يعدُّ رابحي، حتى في الأمم المتحدة، الأب الروحي والمؤسس لمبدأ الزراعة البيئية في فرنسا وبلدان غرب أفريقيا، فهو من كبار الخبراء الدّوليين في هذا المجال.

أنشأ بيير رابحي تيّار “الحركة الدُّوَليّة من أجل الأرض والإنسانيّة”، أو “حركة الطيور الطّنّانة”، كما يدعو إلى ثقافة بيئية من شأنها حماية كوكب الأرض. كذلك يدعونا هذا المفكر إلى الخروج من أسطورة النمو اللامحدود، ومن فخّ الاستهلاك المفرط، وإلى تحقيق الأهمية الحيوية لأرضنا المُغذّية، وإلى تدشين أخلاقيات حياتية جديدة، نحو “اعتدال سعيد”. كما يدعو إلى “انتفاضة الضمائر”، وحماية البيئة، حيث يؤكد على أهميّة أن يحلّ التضامن والتعاون بين البشر مكان النزاعات والتوترات القائمة، وهذا ما جعل الفرنسيون يرشحونه لنيل “نوبل للسلام”.

أُطلِق اسمه على شارعٍ في فرنسا، وعلى إحدى الحدائق الفرنسية أيضًا، حيث أجرى تجارب زراعية.

يبدو أن نشأته في قرية قنادسة، وواحتها الهادئة، بسحر طبيعتها في جنوب غربي الجزائر، طبعت مسارَه المهني والفكري. فمنذ قرابة نصف قرن التزم رابحي بالدفاع عن الإنسان، وعن الطبيعة، وكوكب الأرض، الذي يصفه بالواحة الوحيدة المتاحة للإنسان حتى الآن، وسط صحراء فلكية واسعة.

ورغم الشهرة الواسعة التي اكتسبها رابحي، كمفكر و”فلاح عالَمي” صديق البيئة، ما زال يلتزم بروح التواضع والدعابة، حين يقول إنه يرى بأنه قبل كل شيء “شاعر الأرض”، أمضى جل حياته وهو يتأملها في أبهى حالاتها ويخدمها.

بغية التعريف بهذا الفلّاح الفيلسوف، والشاعر، وبتجربته النادرة، ونضاله في سبيل “أُمِّنا الأرض”، أجرينا معه هذا الحوار الذي نتمنّى أن يُمتِع القُرّاء ويفيدهم، وخصوصًا أنّه تحدَّث عن الأزمة الراهنة التي تُجابهها البشرية جمعاء، ألا وهي جائحةُ فيروس كورونا؛ يقول إنه بمثابة رسالة تُوجه إلى قادة العالم تُبيِّن إخفاق الأنظمة الاستهلاكية، مشيرًا إلى أن ما كان يخشاه طيلة سنوات كفاحه بدأ يظهر بوضوح في واقعنا الحالي، مؤكدًا أن الخلاص من الصدع الكوني، وهلاك الكرة الأرضية، يكمن في قيم الرحمة والتراحم، وتجسيد التغيير، والقيم الأخلاقية، في أنفسنا، قبل تجسيدها في المجتمع.

(*) مسار حياتك عاد بك إلى الأرض في الستينيات، حيث ارتبطت شخصيتك أساسًا بعلاقتك بالطبيعة والأرض. هل كانت هذه العودة إلى الأرض سعيًا وراء المعنى؟

حاولتُ، منذ الصغر، أن أجد مغزى لحياتي، وأن أبحث عن حقيقة الوجود، وخاصة عندما

“يدعونا رابحي إلى الخروج من أسطورة النمو اللامحدود، ومن فخّ الاستهلاك المفرط، وإلى تحقيق الأهمية الحيوية لأرضنا المُغذّية، وإلى تدشين أخلاقيات حياتية جديدة، نحو “اعتدال سعيد””

سلمني أبي لعائلة فرنسية كي تتبناني. شعرت بالتمزق بسبب بعدي عن بيئتي الأصلية التقليدية، وانتقالي إلى عائلة فرنسية كانت تنعم بالعيش الرغيد، إلى جانب اختلاف ديانة هذه العائلة. أصبح اسمي بيار بدلًا من رابح. وجدت ضالتي في الكتب، وذهبت أبحث عن حقيقة الوجود عند الفلاسفة. غير أنني اكتشفت أنهم لا يتّفِقون في ما بينهم، ولِكلٍّ منهم رأيّه الخاص المُرتهِن بتيار فكره وقناعته.

الأهم من ذلك، ما حدث بعد التبني، ووقوفي أمام حقائق متقابلة ومتعارضة. جعلني هذا أستخلص أن التفكير يتطوَّر مع تعدُّد الحقائق واختلافها. الحقيقة الوحيدة التي أردت أن ألتزم فيها هي تلك التي قالها سقراط: “كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئًا”.

كان عمري واحدًا وعشرين عامًا عندما انتقلت للعيش في باريس، حيث وجدت أن العالم المُتحضر يربكني، وخاصة عندما بدأت عملي الأول في المصرَف الذي بدا وكأنه معبد للمال. وقد ظلت علاقة الناس بالمال وسعيهم المستمر لربحه تزعجني أيضًا.

كانت باريس عاصمة متحضرة، ونموذجًا لكل ما تحمله التكنولوجيا المعاصرة المتقدمة من آمال مفتوحة على المستقبل بمجموعة من الوعود المبنية على عقيدة جديدة ترى أن التكنولوجيا المعاصرة ستدفع بالإنسانية إلى عهد جديد يُخرجها من التبعية للطبيعة، حيث سيخترِع الإنسان كل الأدوات التي تجعل الطبيعة نفسها ترضخ له ولطموحاته المتفاقمة. هذه الطموحات التي كلما زاد تحقيقها زاد خطر تدمير الأرض تحت أقدامنا، وكل ذلك تحت شعار “التقدم”.

وجدتُ نفسي في نظام يسحق الإنسان ويغلقه في دورة إنتاج وبيع وشراء. ما كان يربكني أكثر هو ترافق نموذج التصنيع هذا مع منظومة اجتماعية جديدة ترافقه. نظام يحاصر الإنسان المعاصر في دائرة الاستهلاك، وفي آفة عدم القناعة. كنت في ريبة حول “السعادة” المزعومة التي تنبثق عن هذا النهج. وقد كتبت عن هذه السعادة الحقيقية المفقودة بعد سنوات من تجربتي الباريسية، وعودتي إلى الأرض، في كتاب تحت عنوان “نحو الاعتدال السعيد” Vers la sobriété heureuse “، الذي نُشر في دار أكت سود عام 2010.

كنت أشعر أننا ماضون في اتجاه متسارع في “مجتمع استهلاكي” يعمل، في سياقه العام، على استخدام المنتج الاجتماعي لتلبية الحاجات الإنسانية لسكان الأرض الذين يزداد عددهم في كوكب محدود. مفارقة يخرج منها الإنسان والطبيعة خاسرَين تمامًا. لأن الإنسان بذلك ينهك الأرض الأم التي تؤويه، وتبعث فيه سعادة وجوده فيها.

لم أجد نفسي في قيم المنافسة التي أتت بها الحداثة الاقتصادية، في وقت كنت أسائل نفسي

“كنت أشعر أننا ماضون في اتجاه متسارع في “مجتمع استهلاكي” يعمل، في سياقه العام، على استخدام المنتج الاجتماعي لتلبية الحاجات الإنسانية لسكان الأرض الذين يزداد عددهم في كوكب محدود”

كثيرًا عن معنَى الحياة، وقررت التخلّي عــن العيش في المدينة بصورة نهائية، وغادرت باريس سنة 1960، مع زوجتي ميشيل، مفضّلًا الاستقرار في منطقة أرديش Ardèche الريفية، وكانت أرضًا قاحلة صخريّة لا يتوفَّر فيها الماء ولا الكهرباء ولا حتى طريق معبد، ولكنها تتمتع بمناظر طبيعية خلابة.

حينها، طبّقتُ مبادئ الفلاحة البيولوجية والإيكولوجية على ضيعتي الصّغيرة بنجاح، وذلك في مجالي الزراعة، وتربية الماشية، متغلّبًا على أرض قاحلة صخريّة، وربّيتُ في هذه الضّيعة أبنائي الخمسة.

(*) بقدر ما اشتهرت كمزارع، اشتهرت كفيلسوف. كيف امتدت هذه العودة إلى الأرض لتصبح تيارًا فكريًا يُحتذى به؟

انطلاقًا من تجربتي الناجحة في ضيعتي الصغيرة في فرنسا، التي كانت قاحلة، ابتكرتُ مفهوم “واحة في كل مكان”، وطبقتُ مبادئه في التربة الجافة، والتُّربة الصخرية. ثم تحوّل هذا إلى حركة الواحات في كل مكان.

كما شاركت بخبراتي في البلدان الأفريقية التي تعاني من شحّ في مواردها الفلاحية، ساعيًا إلى تطبيق التجارب التي توصلت إليها لمساعدة شعوب دول العالم الفقيرة لمحاولة تأمين غذائها، وسرعان ما طُبّقت مفاهيمي النظرية في مجالي الزراعة البيولوجية وعلم البيئة، في مجموعة من البلدان الأفريقية، منها بوركينا فاسو، ومالي، والنيجر.

كنت أُدرِّب المزارعين على طريقة زراعية يستطيعون من خلالها أن يتوصلوا إلى اكتفاء ذاتي من دون الاعتماد على الأسمدة والمبيدات الكيميائية باهِظة الثمن، ثم التخلص منها لجعلهم في حالة اكتفاء ذاتي تام يعتمد على الطبيعة من غير الرجوع إلى هذه الموارد التي تنتجها شركات بتروكيميائية عالمية، والتي تجني الأرباح الطائلة من جهود المزارعين الذين يساهمون بالتالي في تسميم أراضيهم التي كانت خصبةً في البداية.

خلال سنوات من العمل الدؤوب من أجل الأرض، تكونت شبكة ترويج لأفكاري في أرياف العديد من البلدان العربية والأفريقية وواحاتها، بدعم من مؤسسات تعاون بحثية وطنية وإقليمية ودولية. كما شاركت في صياغة اتفاقية الأمم المتحدة في مواجهة ظاهرة التصحّر، حيث أشرفت على أنشطة، وتبادلات بشكل يخدم مصالح الطبيعة والإنسان معًا، والتي على أساسها يعاد تشكيل الروابط الاجتماعية. إضافة إلى أنني كنت أحد مُؤسِّسي “حركة الأرض والإنسانية”.

كنت أخلق الوقت الكافي للقراءة والكتابة، رغم كل الجهود المبذولة والشاقة أحيانًا كـ”فلاح بلا حدود” ولم أتوانَ لحظة عن مخاطبة الضمائر لحماية الأرض من الاستنزاف والتخريب. ولأنني اخترت أن أعيش قرب الأرض وخدمتها، كنت أُحذِّر بشكل عملي وتربوي من ثقافة الاستهلاك التي تؤدي إلى الكسل وقحط الأرض.

اكتسبتُ كل أفكاري، التي أدافع عنها في الكتب والمؤتمرات الدولية والدورات التدريبية التي أشرف عليها، انطلاقًا من قناعتي بإمكانية بناء مجتمعات من نمط آخر تتأسس على الاستقلال الذاتي، وعلى احترام البيئة، وعلى مبادئ النزعة الإنسانية.

(*) لا يزال العالم يحبس أنفاسه مع تفشي جائحة فيروس الكورونا، كيف تفسر عجز القرية الصغيرة التي قالت بها العولمة عن الصمود في وجه جائحة هذا الفيروس المرعبة، رغم الإجراءات الاحترازية التي تطبقها معظم دول العالم؟

هذا الفيروس فاجعة عالمية اجتاحت البشر إلى درجة أنّه ينتقل بين البشر قبل ظهور أعراض

“طبّقتُ مبادئ الفلاحة البيولوجية والإيكولوجية على ضيعتي الصّغيرة بنجاح، وذلك في مجالي الزراعة، وتربية الماشية، متغلّبًا على أرض قاحلة صخريّة، وربّيتُ في هذه الضّيعة أبنائي الخمسة”

المرض. في كل يوم، وفي عدد كبير من الدول، تُسجل يوميًا أرقام قياسية لضحايا الفيروس القاتل، من مصابين ووفيات. وهذا يكشف بشكل واضح هشاشة منظومات العيش الحديثة رغم ثرائها.

وأنا أتساءل اليوم: هل نحن فعلًا أذكياء كما نحب أن نوهم أنفسنا؟

يجب أن نفرق بين الكفاءة والذكاء. هنالك العديد من الكفاءات في مختلف المجالات، لكن الإنسان المعاصر يفتقِر إلى الذكاء الفطري. أجد أنه لا بُدّ من كفاءة كبيرة لاختراع قنبلة ذرية، لكن هل من الذكاء اختراع الأسلحة النووية الإستراتيجية التي يمكنها تهديد بلد بأكمله في حين نعجز على القضاء على فيروس يجتاح الأرض والبشرية بوباء رهيب فاجأ العلماء والمختبرات والمصانع النووية نفسها التي كان يظن البشر أنها أخطر ما يُحدق بهم؟ يبدو جليًا، إذًا، أن “القرية الصغيرة” غير قادرة على الصمود في وجه فيروس كورونا الفتاك.

النموذج الصناعي والإنتاجي، الذي يقوم عليه العالم الحديث، مبني على التنافس والحرب الاقتصادية بين الأفراد، وهو يعتمد على احتراق الطاقة والنفط حتى ينضب الاحتياطي، والسعي وراء الربح غير المحدود في كوكب محدود الموارد. يصعب مع هذا النموذج القول: إننا كائنات ذكية من خلال الميزانيات المخصصة للسلاح، بينما لم نجد حتى الآن لُقاحًا فعّالًا بشكل أسرع لهزيمة فيروس كورونا.

بسبب تسارع التبادل التجاري حول العالم، انتشر الفيروس حول العالم وتعمم. كان مُمكِنًا أن يبقى فقط في مكان انتشاره، ولكنه شهِد انتقالًا سريعًا مع العولمة والشركات العابرة للقارّات، والتنقل السريع حول الأرض الذي لم تشهده البشرية قبلَ شركات الطيران، وعولمة الحركة البشرية. ربما لو كنا نتحرك بشكل معقول، من مكان إلى آخر، لَما انتشرَ بهذه الطريقة في هذه الحالة. نرى هنا أن الإنسان بذاته يساهم في انتشار ما يمكن أن يسبب أعظم الأذى. ولم تكُن القيود على السفر كافية لوقف تفشي جائحة الفيروس.

أكاد أجزم أن فيروس كورونا الفتاك ما كانَ لِيُزعزع أركان الأرض لو كان هناك نظام عالمي يحتكم إلى أسس ناظمة عادلة، وقيادة تحتكم إلى مصلحة البشرية والقيم الإنسانية والأخلاقية.

يجب أن نعيد النّظر في تأثير الحداثة على البشرية. فنحن نعيش في زمن يمكن أن نسمم فيه أنفسنا، أو أن نسمم الأرض، وهذا نتيجة طبيعية لأخطائنا التي نرتكبها. ذلك أنّ التّطور البشري لا يستمدّ جوهره ونُبله من كونه قائمًا على الجهد والابتكار البشري، وعلى المادّة الملموسة التي يمكن مبادلتها استجابةً للحاجات الضرورية.

قدرتُنا على الابتكار بهذا الشكل السلبي، تساعد حتمًا في تسريع عمليّة التدمير الذاتي. في المقابل، لا تستطيع العولمة الوقوف في وجه جائحة مرعبة تصيب البشرية جمعاء كهذا الفيروس الذي لا يحتاج إلى تأشيرة، ولا إلى جواز سفر، لينتقل في كل أقطاب الأرض ويفتك ببني الإنسان.  وهذا، كما قلت سابقًا، رغم تقدم التنمية وتطوّر حضارتنا المزعومة.

(*) في هذه الظروف القاسية التي يمر بها العالم بأسره الآن؛ تشيع أفكار شتى من ضمنها فكرة النقمة الإلهية على البشر… هل فيروس كورونا، في رأيك، هو لعنة الأرض على البشر الذين أساءوا التعامل معها؟

دعيني أقُلْ لك إن هذا الفيروس هو لعنة وفرصة في الوقت نفسه. أصبحنا ندرك الآن أكثر من أي وقت مضى الدمار الذي ألحقناه بالأرض. والفرصة هنا هي أن هذه الأزمة التي طالت كوكب الأرض، وسكانه كافة، ستدفع بنا للتفكير في تغيير ترتيب العالم.

هنالك تصرفان أمام أزمة كهذه: إما أن نندب حظّنا ونتحسّر على غضب إلهي حلَّ علينا، ولا حول لنا ولا قوة في ما جرى، وإما التصرف الثاني، الأذكى في نظري، وهو أن نطرح أسئلة في محلها، ونقول ماذا فعلنا نحن حتى وقعنا في تلك الأزمة، وما علينا فعله لتدارك الأمر، وعدم الوقوع في ذلك في المستقبل.

أظنّ أننا ندفع ثمن عدم وعينا وتصرفاتنا المتهورة وغير الذكية، بل تغابِيْنا التام عن قيمة الطبيعة…. وفي هذا المجال أحيلك إلى كتاب ألفه عالم الحفريات الأميركي، هنري فيرفيلد أوسبرن، ونشره عام 1947 تحت عنوان “الكوكب المنهوب” [La Planète au pillage]. كل ما حذر منه هذا العالم في خمسينيات القرن الماضي نعيشه اليوم. إذ يشرح في هذا الكتاب كيف يصبح الإنسان مدمرًا لأملاك الطبيعة، التي هو في أمس الحاجة إليها. كما وضح أنّ البشرية هي أسوأ الكوارث البيئية والمخربة للكوكب التي تعيش عليه.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه جميعنا، إذًا، هو: على أي حال سنترك الأرض لأولادنا، وماذا فعلنا لكي لا نظل ندور في الحلقة المفرغة التي تهدد الأرض والبشرية في الوقت ذاته؟

أنا فلاح مزارع، لي صلة وثيقة مع الأرض، وأتأمل المعجزات كل يوم. على سبيل المثال، إذا أخذنا بذرة طماطم نغرسها فينبت منها حبات عديدة من الطماطم، ومن بذور قليلة نقطف كميات هائلة من الطماطم طازجة ولذيذة المأكل. لا نحتاج إلى شهادات عليا لندرك من ذلك أن الذكاء الحقيقي يكمن في الحياة نفسها، وقمة الذكاء هي أن نخلق السبل للحفاظ عليها، ونشرها على

“وباء كورونا رهيب فاجأ العلماء والمختبرات والمصانع النووية نفسها التي كان يظن البشر أنها أخطر ما يُحدق بهم”

وجه الأرض.

لقد ساعدت قدرتُنا على الابتكار، في تسريع التدمير الذاتي، لأننا من خلال تسميمِ الأرض، صرنا نُسمِّمُ أنفسنا، فكرةُ فَصْلِ الطبيعة عن الإنسان هي أصلُ الفوضى، إنّ الزعم بجعل البشرية تتطوّر، في الواقع، هو الذي جعلها تتقهقر وتتدهور إلى ما هي عليه حاليًا.

لهذا وصلنا إلى عصر كثرت فيه الكفاءات العلمية، لا لشيء إلا لفعل الشر، وتدمير الحياة نفسها، فحين يتحقّق الذكاء لا يسودُ الشر. الذكاء يعني أن الكفاءات الحالية لا تضمن لنا الذكاء الحيّ الذي يحافظ على نبض الحياة في الأرض.

يُلازمُني هنا سؤال آخر، انطلاقًا من خبرتي العملية مع الأرض في مجال الزراعة صديقة البيئة، أو العضوية، تحت مفهوم “واحة في كل مكان”؛ هذا الإنسان الذي سُخِّرت له الأرض والدواب، كيف له أن يتوصل إلى طريق السعادة وهو لا يزال يستهلك موارد أكثر ممّا ينتج، ولا يزال يدمّر التنوع البيولوجي البيئي، كما كنّا نفعل دائمًا؟

فبدلًا من أن نرى كوكب الأرض الرائع الخلاب كواحة غير عادية، ومصدرًا للحياة، فإنّنا نراه فقط كمنجمٍ للموارد القابلة للاستغلال، حتى آخر شجرة، وآخر نفس في الهواء.

ثمّة أمرٌ آخر يجب أن ننتبه إليه، هو عبارة عن مفارقة يجب ألّا تمر علينا مرور الكرام: كوكب الأرض كان المستفيد الأول من أزمة كورونا، بحسب خبراء البيئة، حيث أن الحجر الصحي، وتعليق المصانع والشركات، وتراجع حركة السيارات في مختلف دول العالم التي أصابها الوباء، خفف إلى حد كبير من معدل تلوث الفضاء بثاني أكسيد الكربون الذي يسبب أذىً بالغًا لطبقة الأوزون، حيث يعد ثقب الأوزون من أكثر عوامل تهديد كوكب الأرض، وتكدير صفوه، هو وسكانه.

هذا يعني أن الإنسان هو المسبب الأول لِهلاك كوكبه، وهذا ما يجعلني متيقنًا كل اليقين أن في حال لم يتغير النموذج الذي نسير عليه، فإننا سنقود الطبيعة إلى الهلاك الحتمي، مع كل الأوبئة والكوارث التي ستذهب بالإنسان معها؛ لا يمكن لهذا العدوان المتواصل ضد الطبيعة أن يستمر في تلويث الفضاء، وإنتاج الكيمياويات المسممة المدمرة للإرث الإنساني.

هذا النوع من الأحداث الجسام يجب أن يقودنا إلى التفكير، وبالتالي، إلى التصرف بشكل مغاير تمامًا لو كنا أذكياء. إذن، علينا أن نعتبر هذا الحدث المأساوي بمثابة ناقوس الخطَر، وإلا فّإننا، عندما يمضي الفيروس، سنمضي نحن كذلك في أخطاء الماضي، وفي عاداتنا القديمة.

يبدو الآن، أكثر من أي وقت مضى، أنّ من المستحيل بناء المستقبل بالمعايير الموجودة اليوم. وكل ما أتمناه هو أن تصحو الضمائر أمام هذا الحدث الخارق للعادة، والواسع السلطة، الذي استعصى علينا تجاوزه. يجب أن نتساءل جميعنا لماذا وقعنا في هذا الوباء، وما الدرس الذي علينا أن نستخلصه؟

ومن هنا، نبحث في الإجراءات التي يجب أن نتخذها حتى لا نقع مرة أخرى في أزمة مماثلة، ولنساهم في تغيير ترتيب العالم.، فالأرض خلقت لجميع البشر، والإنسان عاثَ فيها فسادًا، ناسيًا أنه عنصر ضئيل في وطن كبير اسمه الأرض، ويحاول درء الأخطار داخل الحدود التي رسمها، ونسي أن مسكن الإنسان هو الأرض نفسها، وسقفها هو سماؤها، وهذا الفيروس ينتشر ويهدد الجميع من دون تمييز، وينتشر حيثما شاء متجاهلًا الحدود والجنسيات.

(*) تتردد في كل تدخلاتك، وكتاباتك، فكرة أن من المستحيل بناء المستقبل بالمعايير الموجودة اليوم. ماذا تقترح لتحضير لعالم جديد برأيكم؟

سأجيب على هذا السؤال بسؤالين مفادهما: أي كوكب سنترك لأطفالنا؟ وأي أطفال سنترك لكوكبنا؟

ومن هنا أقترح أن نبدأ بالطفل؛ يجب أن نربيه على عمل الخير، وعلى التكامل مع الآخرين؛ والعمل على تحسين برامج توعية تربوية تهذيبية بعيدًا عن منافسة إحراز النقاط التي من شأنها وضع التلميذ في وضعية المنافسة ‫السلبية؛ ‪أن نؤسس النظم التربوية على التعاون والتضامن والمحافظة على البيئة منذ نعومة أظافرهم لتربية العقل الجمعي التعاوني والذكي.

علينا أن نفكر أيضًا من أين تستلهم هذه المجتمعات المتقدمة، التي تبيّن إفلاس نظمها التربوية. كل المجتمعات لديها نظم تربوية كذلك، لكن هل هي مبنية على المبادئ التي ذكرناها سابقًا؟

أصبح من الضروري إعادة التفكير في الطريقة التي نريد أن نعلِّم بها، وماذا عسانا أن نعلِّم أولادنا حتى نغير النظم التي وصلت بنا إلى هذه النتائج المهلكة للإنسانية. العودة إلى عمل الخير أولًا على المستوى الشخصي، والعودة إلى مكارم الأخلاق المعهودة في كل الكتب السماوية المبنية على الخير وحب الآخر. على كل واحد أن يصلح أمام بيته في هذه الأرض الأم.

أدعو هنا إلى التفكير كيف نطهر الحضارة الإنسانية من التوحُّش الاستهلاكي الكامن فيها، ونعمل على الحفاظ على التنوع الثقافي، وعلى التنوع البيولوجي في البيئة الطبيعية، لردع تأثير العولمة، وما يصاحبها من تغليب لثقافة النوع الواحد، والجهة الغالبة على الصعيد الاقتصادي

“أقترح أن نبدأ بالطفل؛ يجب أن نربيه على عمل الخير، وعلى التكامل مع الآخرين؛ والعمل على تحسين برامج توعية تربوية تهذيبية بعيدًا عن منافسة إحراز النقاط”

والإنتاجي. هذا النموذج الصناعي والإنتاجي الذي يقوم عليه العالم الحديث يذهب إلى تطبيق فكر “المزيد دائمًا” والسعي وراء الربح غير المحدود في كوكب محدود، والوصول إلى التنافسية والحرب الاقتصادية بين الأفراد، وهي تعتمد على احتراق الطاقة والنفط حتى ينفد الاحتياطي، حيث يتحدّد مقياس ازدهار الدولة في ترتيب الناتج المحلي الإجمالي، والناتج القومي الإجمالي، مع إعطاء المال السيطرة الكاملة على المصير الجماعي.

علينا إحداث القطيعة مع هذا النموذج. قد تبدو المهمة صعبة للغاية، ولا يمكن الوصول إليها إلا بتكريس معاني البذل والعطاء، ومساعدة الآخرين، والعمل التطوُّعي، وتنظيف المسار الحضاري من مفاهيم القهر والنهب والإذلال والأنانية، وبناء المجد الوهمي على شقاء الآخرين وتعاستهم.

وكذلك علينا أن نضع المرأة في قلب التغيير، لأن النساء هُنَّ أكثر من يعمل على حماية الحياة من التدمير، ويجب أن نشيد بالنساء كحارسات للحياة، وهن اللواتي يربين أجيال المستقبل.

(*) تنادي إلى صحوة الفرد لتغيير الأشياء، ألا نحتاج أيضًا إلى تجديد حركات سياسية لتجسيد برامج عالمية تحمي الأرض والإنسان على حد السواء، وعلى نطاق واسع؟

بطبيعة الحال، للحفاظ على البشرية، وتقليل الخسائر، لا بد من التعاون والتفكير في برنامج عالمي لحماية الأرض. لكن لم يتوافر هذا حتى الآن. والدليل هو هذا الفيروس الذي اجتاح البشرية جمعاء من غير تأشيرة، ولا جواز سفر، متجاهلًا الحدود والاعتبارات الجيوسياسية.

أقول هذا انطلاقًا من قناعتي أن الفرد ذا العقل المستقل والسوي هو اللبنة الأولى لبناء عقل جمعي لمجتمع ذي عقول مستنيرة. في إمكاننا جعل المستحيل ممكنًا طالما نحن موجودون على قيد الحياة، وندب على الأرض، والبداية تكون بتجسيد التغيير في أنفسنا قبل أن ننتقل لتجسيد التغيير الاجتماعي.

كيف لنا أن نستمر في الوثوق بنُظم اجتماعية متقدمة تخصص حياتها للموت أكثر من العيش، وهذا ما يتجلّى من خلال الميزانيات المخصصة للسلاح التي يصعب معها القول إننا كائنات ذكية؟

أود أن أشير أيضًا إلى العلاقة التشاركية التي توجد بين الأرض والفرد، وهذا ما تبين جليًا من أزمة كورونا المرعبة. ولهذا أدعو إلى التحرك العاجل لوقف استنزاف موارد الأرض، والتنديد بمبدأ ترسيخ الاستهلاك، والأخذ من الطبيعة، واستنزاف قدراتها، بدل تعليم الأجيال طرق بناء علاقة تبادلية وتعاونية بين الانسان والطبيعة.

القطاعات الإنتاجيّة تنتصر بجوهرها لرأس المال على حساب العدالة الاجتماعيّة. هذا النموذج الذي يرسخ الاستهلاك يفرز إنسانية غير سعيدة، ويؤدي إلى المجاعة، والأمراض، والتصحر، والعنف، وانعدام الأمن.

وكما أن العالَم يتوحَّد لمواجهة فيروس مجهري مفترس يجعل مصيره على المِحَك، يجب عليه

“علينا أن نضع المرأة في قلب التغيير، لأن النساء هُنَّ أكثر من يعمل على حماية الحياة من التدمير، ويجب أن نشيد بالنساء كحارسات للحياة، وهن اللواتي يربين أجيال المستقبل”

أيضًا أن يتوحَّد لمنع تحوّل الحضارة إلى فيروس خفي يتربص بالبشر، ويدمِّر حاضرهم، ويقضي على مستقبلهم. وكما أن غسل الأيدي مهم لمنع وصول الفيروس إلى الجسد وانتشاره، كذلك غسل القلوب مهم لمنع وصول الأمراض إلى الرُّوح.

وقد ذكرت هذا في إحدى المحاضرات التي ألقيتها مؤخرًا، حيث أقول “إن أزمة الإنسان المعاصر هي أزمة روحية في الأساس”، فالعاجز عن حماية رُوحه سيكون أكثرَ عجزًا عن حماية جسده.

لم يعد من صالحنا أن نتصرف وكأن شيئًا لم يحدث، ولم يعد يكفي أن نعترف بالاختلالات الاجتماعية التي ارتكبناها، بل لا بد من الوقوف مع أنفسنا من أجل تقييم أدائنا ومعالجته، وذلك من خلال تغييرنا للعادات السيئة حتى يتغير العالم. وبعبارة أخرى، كل مساهمة فردية هي جزء من الحل الشامل.

(*) سؤالي الأخير يعود بنا إلى قرية القنادسة الجزائرية التي ولدتَ فيها. بماذا توحي إليك هذه القرية التي فارقتها شابًا في مقتبل العمر؟ هل نشأتك فيها حددت مسارك الذي صنع منك فلاحًا وفيلسوفًا مشهورًا؟

يسرّني أنّني منحدر من منطقة مباركة واقعة على بوابة الصحراء الجزائرية، التي انجبت مشايخ وعلماء كبار. قرية القنادسة المعروفة بأحد أعلام الصوفية، محمد بن عبدالرحمن بن أبي زيان، المعروف بدوره في مساعي التصالح والتسامح والتعايش، فبفضل حكمته أسس زاوية في منطقة القنادسة لتوحيد أفراد مجتمع واحد، إثر صراعات قبلية كانت تشهدها تلك الفترة.

رغم رغبتي الشديدة في العودة يومًا إلى قريتي، إلا أنني أحس نفسي في وطني في أي بلد أذهب إليه. ربما هذا أيضًا ما يتميز به المتصوفة المعروفون بترحالهم في أصقاع الأرض، ولا يهمهم إلا الخوض في العلم والفكر والمعرفة. فأنا أينما أذهب أحس نفسي في وطني، تحت أي أرض أطأ تُرابَها وتحتضنني سماؤها. وفي كل مكان أذهب إليه ما يهمني هو حماية هذه الأرض التي جُعلتُ فيها خليفة مع أخوتي البشر. ألا يقول المتصوف أيضًا أن الأرض كلّها هي أرض الله؟

كان والدي شاعرًا وحدادًا ورجلًا فقيرًا، مارس مهنة الحدادة، ولكن لتأمين قوت عائلته، اضطر للعمل بمنجم كبير للفحم الحجري. في حين ترك معظم الفلاحين فلاحة الأراضي للالتحاق بهذه المناجم التي أنشئت بعد اكتشاف الفحم في هذه القرية في سنوات الخمسينيات، لتصديره إلى أوروبا، عبر سكة حديدية أنشئت لهذا الغرض. ويبدو أن الطفل الذي بقي داخلي لا يزال عاتبًا على أبيه، وعلى التقدم التكنولوجي الذي دخل قريتنا، والذي جعل أبي يترك الحياة التقليدية، وقرض الشعر، وراح، بدلًا من ذلك، يدخل كل مساء شعثًا مغبرًا ومُتَّسِخًا من عمله في المنجم. حصل ذلك تحت ذريعة التقدم، واستنزاف الأراضي، من دون مُراعاةِ خصوصية القروي القريب إلى أرضه، وعادات أسلافه.

أُحبّ أن أقول إنني شاعر الأرض، أتأملها وأعمل على ترويضها. ربما ما يقربني من قريتي هو تعلقي بالأرض، وبالبساطة، والبحث عن جوهر الحياة في البساطة، وتأمل المتصوف للمعجزات التي يزخر فيها كوكبنا. أصبحت فلاحًا مسنًّا الآن، وأتمنى أن يُحالفني الحظّ والصحة كي أعود يومًا إلى قريتي، وأن أُنفِذّ برامج زراعية في الجزائر، كما فعلت في تونس، والمغرب، وفلسطين، وبلدان أفريقية كثيرة.

ضفة ثالثة

—————————

===================

==================

تحديث 13 أيار 2020

——————————

الأدباء الإسبان والحجر الصحي.. كيف لا نتأثّر بما يحدث؟/ نجيب مبارك

لا تختلف كثيرًا وضعية الأدباء الإسبان، خلال فترة الحجر الصحي، عن زملائهم في باقي دول العالم. لقد انعزلوا مثل الجميع لأسابيع طويلة، وهم يتابعون كلّ هذه الأخبار المفزعة يوميًّا، كما لو أنّهم يقرأون فصول رواية مأساوية طويلة، لم يتوقّع أحد أن تكون أحداثها أغرب من الخيال الذي طالما شكّل المادة الخامّ لأعمالهم. في هذا السياق، من أجل الاقتراب أكثر من وضعية هؤلاء الكتّاب، خصّصت مجلة “إلكلتورال” الإسبانية ملفًّا موسّعًا، ضمّ شهادات اثني عشر من أفضل الروائيين والشعراء الإسبان المعاصرين، يشرحون فيه أثر هذا الكابوس اليومي على حياتهم، سواء من الناحية الشخصية أو الأدبية.

نهاية السفر وفقدان الدخل

يحلم الروائي الكتالاني الشهير إدواردو ميندوثا في هذه الفترة من كل عام، التي تصادف الاحتفاء بيوم الكتاب وانطلاق المعارض الأدبية في إسبانيا، بذلك الطوفان الذي سيغرق فيه على مدى أيام، وتتخلّله حفلات توقيع متتالية والكثير من السيلفيات. أما اليوم، وعلى غير العادة، فإنّه “يشعر بالأسف لما يحدث، لأنّه يفتقد مثل هذه اللّحظات…”.

وتشعر الكاتبة سارة ميسا بشيء قريب من هذا الإحساس، هي التي خطّطت قبل أشهر أن يكون عام 2020 هو عام التغيير الكبير. ولكي تحقّق ذلك، استقالت من عملها وقرّرت الحدّ من سفرياتها وتخصيص المزيد من الوقت للكتابة في المنزل. تقول، بشيء من السخرية والندم: “نعم، لقد كان هذا حلمي. ولكن، كما تعلمون، يجب أن نكون حذرين فيما يخصّ رغباتنا…”.

في المقابل، يرى بعض الكتّاب أن أسوأ ما حدث لهم هو التوقّف عن السفـر، وهذا رأي كلّ من راكيل لانسيروس ولويس لانديرو وآنا ميرينو وإدورني بورتيلا. ودّعت راكيل عددًا من المهرجانات الشعرية المثيرة للاهتمام، التي كانت تستعدّ للمشاركة فيها، سواء في اليابان أو كريت، الإسكندرية أو فنزويلا، “رغم أنّني لا أستطيع التعبير عن التذمّر ونحن في خضمّ هذه المأساة”. أما لانديرو، فكان يخطّط للسفر هذه الأيام إلى عمّان رفقة ابنه وحفيدته، بينما اضطرّت ميرينو لقطع جولتها المخصّصة للترويج لجائزة “نادال”، التي نالتها هذا العام عن روايتها “خريطة العواطف”، “وكان ذلك صعبًا لأنّه كانت لديّ رغبة هائلة في مقابلة العديد من القرّاء وتوقيع بعض النسخ مع رسوماتي”. أمّا بورتيلا، فرغم أنها كانت قد قرّرت الحد من تنقلاتها، لتخصيص المزيد من الوقت لحياتها الخاصة، “لأنني بدأت أشعر أنني أفقد السيطرة عليها”، فتأسف لأنّ هناك “اختلافا كبيرا بين التخطيط والتنفيذ، خصوصًا حين يتمّ إلغاء كلّ شيء فجأة”.

لكن ما هو أخطر من ذلك هو وضع الشاعر رافائيل ريغ، الذي اضطر إلى إغلاق مكتبة “ثيرسيديا”، وبعدها أغلق متجر “بن كلارك”، بحيث ضرب الوباء نسبة 90 في المئة من دخله المادي، ويقول: “من الصعب جدًّا الكتابة إذا كنتَ متوترًّا، ولا تستطيع دفع الإيجار. نحن عادة نُعجب بحياة الشاعر الملعون، لكن الحقيقة هي أنّه يصعب عليك أن تبدع حين لا تملك فلسًا واحدًا”.

عزلة الكاتب المضاعفة

هناك موضوع آخر واجه تحدّيًا هذه الأيام، هو عزلة الكاتب. إذ على الرّغم من أن العديد من الكتّاب في الواقع يعشقون العزلة، فهذا لم يمنعهم من الشعور بالانزعاج جرّاء هذا الوباء. وهذه هي حالة روزا مونتيرو، التي اعتادت الهروب بعيدًا عن مدريد، لتغلق على نفسها باب ملجئها السرّي، مستأنسة بكلابها فقط: “يمكنني أن أمضي أربعة أسابيع دون أن أرى شخصًا واحدًا، وأكون أكثر سعادة من حجلة. ولكنّ الأمر لم يعد سهلًا الآن. ثمّة الكثير من الأرق، بسبب ضجيج الألم والخوف والحزن والقلق والرعب، الذي يصل حتّى باب بيتك”. لهذا تعترف أنّها في البداية وجدت صعوبة كبيرة للغاية في التركيز والقراءة والكتابة.

عمومًا، شهدت حياة كلّ كاتب تغييرًا كبيرًا على مستوى الروتين اليومي. ربما باستثناء لويس لانديرو، المعتاد على حياة الرهبانية تقريبًا، إذ يبقى هو الأقل تأثّرًا من بينهم. إنّ الفرق الوحيد في حياته، بين فترة ما قبل الحجر الصحي والآن، هو أنّه في السابق كان يقوم بنزهة مشيًا على الأقدام، فاضطرّ لأن يتخلّى عنها. كما يلاحظ أنّه “إضافة لكلّ ذلك، كان من النادر أن يمرّ أسبوع من دون التزام أدبي أو ثقافي أو اجتماعي، أمّا الآن فأنا أشتغل طوال الوقت، في حالة من التركيز الشديد، أكتب وأقرأ كثيرًا”. في المقابل، تسيطر حالة مزاجية أكثر فوضوية عند إدواردو ميندوثا، الذي يعترف أنّه يعيش اليوم “بطريقة غير منظّمة إلى حد كبير، نظرًا لأن الأيام والساعات تتشابه ولا يهمّ إذا استيقظت مبكرًا أو متأخّرًا، فأنا غير منظّم بعض الشيء وأفتقد للتركيز. إنّ كلّ ما يحدث يثير القلق، ولا ينبغي أن يكون ذريعة للنكات”.

مشاريع أدبية متعثّرة

اختار ميغيل أنخيل هيرنانديز القيام بـ”قطيعة جذرية” عندما شعر أنّ لا معنى لأيّ شيء يكتبه الآن: “صرتُ عاجزًا تمامًا. مع مرور الوقت، يعتاد المرء على كثير من الأوضاع الاستثنائية ويقوم بتسوية الأمور. لقد عدتُ للاشتغال على دراسة قصيرة وأنهيتها، كما بدأت كتابة رواية في طور التشكّل. ولكنّي أفتقد للزخم أو التركيز السابقين. من المضحك أن تقول لنفسك إنّني كنت أتمنّى أن ألغي جميع التزاماتي لأقفل على نفسي وأكتب، وحين تصير محبوسًا فعلًا يستحيل عليك القيام بأي شيء”. أمّا بالنسبة إلى أغوستين فيرنانديث مايّو، فالحبس لم يؤثّر في شيء على مشاريعه الأدبية. على العكس من ذلك، فقد حرّضه أكثر على التأمّل، إلى حدّ الانتهاء من إنجاز دراسة مختصرة والشروع في تأليف دراسة جديدة، كما أنّه استمر في الاشتغال على روايتين.

في الواقع، إنّ وضع الحجر الصحي الذي يعيشه هؤلاء الكتاب جاء في وقت كان فيه العديد منهم بصدد الاشتغال على مشاريع أدبية مختلفة. هكذا، انتهى فليكس دي أسورا من روايته الجديدة، التي ستصدر في تشرين الأول/أكتوبر، على الرغم من وضعية سوق النشر المتوقّفة. كما وضع مونتيرو آخر اللّمسات على المراجعة النهائية لروايته القادمة “الحظ السعيد”، التي ستصدر في 27 آب/أغسطس. بينما أجرى ريغ آخر التصحيحات على مخطوطة روايته “حب في وقت غير مناسب”، التي يقول بأن الحظ قد حالفه ولم يجد صعوبة في إنهائها، ويشرح ذلك قائلًا: “لا شكّ في أنّ الوباء قد دفع حتّى الماضي القريب إلى الوراء بشكلٍ مباغت: كلّ ما كان يشغلنا ويقلقنا قبل شهر صار يبدو بعيدًا جدًا”.

أيضًا، من تداعيات هذا الحجر أنّه اضطرّ بعض الكتّاب إلى تغيير مشاريعهم بسرعة، كما حدث مع ميرينو، الّتي شرعت للتوّ في كتابة روايتها الثانية. تقع أحداث روايتها في خريف عام 2020، لكنّها اضطرّت لتقديم زمنها إلى 2019 “لأنّ الواقع تجاوز الخيال. وقد أدركتُ أنّ عالم شخصياتي في بداية هذا الرواية الجديدة كان هو عالم ما قبل الوباء، وبما أنّ الواقع الرهيب تغلّب الآن على خيالي، ستتأثّر بالتالي حياة شخصياتي كلما جلستُ لأكتب”. هناك كاتب آخر اسمه بين كلارك يعترف أنّ هذا الوضع سيؤثّر عميقًا على الأدب، خصوصًا “على الشعراء قبل غيرهم، لأنّهم مطالبون أن يكونوا على اتّصال دائم بعصرهم. وبهذا المعنى، ما زلتُ مخلصًا لعملي الإبداعي كما في السابق: أحاول القيام بتسجيل مشاعري حول ما نشهده اليوم”.

هل يؤثر الحجر على الكتابة؟

بدأت بورتيلا روايتها القادمة في شهر آذار/مارس. وفي بداية هذه الرواية، قامت بتقديم شخصية البطل ومحيطه، وعثرت على الإيقاع المناسب، المدروس بعناية، وكانت تعرف جيّدًا كيف تطوّر حبكتها. لكنّها أضافت: “لن تكون لروايتي علاقة بالوضع الحالي. أعتقد أنّ ما يؤثّر على الكتابة هو حالتي المزاجية، وهي ليست مرحة بشكل خاصّ. عندما شرعت في كتابة الرواية شعرت فعلًا أنّها ستكون رواية قاتمة للغاية. الآن أنا متأكّدة من ذلك تمامًا”.

كلّ هذا لا يعني أنّ هؤلاء الكتّاب سيتخلّون عن مشاريعهم أو يغيّرونها بشكلٍ عميق لتعكس ما يحدث الآن. في الوقت الراهن، لا يحتفظ أيّ منهم بمذكّرات خاصّة عن فترة الحجر الصحي، مثل العديد من الكتّاب الآخرين الذين دأبوا على نشرها في مواقع التواصل الاجتماعي. وإضافة إلى ذلك، يرى الكثيرون أنفسهم غير قادرين على الكتابة حسب ما تمليه الأوضاع، لأنّه من المعروف أن معظم أعمالهم بطيئة النضج. يقول ريغ: “لا تهمّني الأحداث الجارية إطلاقًا، إلّا إذا لامست مركزًا عصبيًا خفيًّا (وهي تعود غالبًا إلى الماضي)، ولكن لا يمكن التنبّؤ بهذا الأمر، فأنت لا تعرف أبدًا متى سيحدث ذلك. أعتقد أنّ الإقامة الجبرية والوضع الصّعب للغاية الذي نعيشه، يعملان مثل مُفَاعلٍ يسمح لنا باكتشاف ما لم نرغب في معرفته عن أنفسنا. هذا يهمّني كثيرًا وقد تعلّمتُ الكثير عن نفسي وعن الأشياء الأخرى التي كنت أتجاهلها، ولكنها أيضًا أشياء تمنحني بعض الأمل”.

هذا يشبه كثيرًا حالة فرنانديز مالو، الّذي يعترف أنّ هذا الوضع “لم يمنحه الأفكار فقط، وإنّما منحه مشهدًا مختلفًا يمكن أن يستخرج منه ويصبّ فيه الكثير من الأشياء”. وعلى سبيل المثال، يعتقد أنّه وجد من الغريب حقًّا أن لا يتمكّن من مشاهدة الناس مجتمعين في الشارع، “نحن جميعًا نخطو الواحدة تلو الآخر، متباعدين، بشكلٍ روبوتيّ للغاية، في تناقض مع حركة الطيور والجرذان والكلاب وغيرها، التي وحدها تستطيع الآن أن تخرج بشكل جماعي. يبدو لي هذا أمر لا رجعة فيه، وتغيير شامل بالنسبة للمرحلة المقبلة”.

سؤال الكتابة عن الراهن

تؤكّد مونتيرو أنّ رواياتها “تتولّد من هضمِ ما تعيشه”، ولهذا السبب تحتاج للابتعاد عن حياتها حتّى تستطيع الكتابة. لذا، فإنّ ما يعنيها شخصيًا يستغرق بعض الوقت للظهور، “رغم أنّني أظنّ حقيقة أنّه يجب أن أستخدم ذلك يومًا ما… ربّما في روايتي الرابعة “برونا هاسكي”، من يدري”. وبالمثل، تؤكّد سارة ميسا أنّها لا تكتب عن الأحداث الراهنة، وأنّه لو حدث هذا الأمر ستحتاج إلى سنوات لإنجازه. بينما يعتقد لويس لانديرو أنّه لن يتمكّن أبدًا من القيام بذلك، “على الرّغم من أنّ ذلك لا يمكن توقّعه أبدًا، لأنّ المرء لا يختار الموضوعات التي يكتب عنها، بقدر ما هي التي تطرق بابه، لكنّ هذه المأساة لا تلهمني ككاتب، مع أنّها تسبب لي الكثير من الألم باعتباري مواطنًا”.

الشيء نفسه يتكرّر مع هيرنانديز، إذ على الرغم من أنّ الوضع أجبره على التفكير في الكتب التي بدأ الاشتغال عليها، وإعادة صياغة بعض الأفكار والتأكّد من أفكار أخرى، “لكن ليس إلى حدّ إدخال الأحداث الراهنة بحذافيرها – أي الفيروس والوباء – بل مثل هذه التجارب الغريبة التي نعيشها الآن: غياب اللّمس، الانعزال، الارتياب، الهشاشة، العلاقة بالتكنولوجيا… “. وهذا شيء منطقي إذا علمنا أنّ الكاتب يعيش في منطقة مورسيا، التي عرفت خلال الأسابيع الأولى من “الإغلاق الشامل” كثيرًا من الضّوضاء والفوضى واللّايقين في الخارج، منعته من التركيز على القراءة. يقول: “بعد شهر، استعدتُ ما يشبه الانتظام في العمل، وبعض التركيز النسبي. لكنّي لا أجبر نفسي على القيام بشيء استثنائي. فأنا لا أريد أن أضيّع الوقت هذه المرّة. لأنّ هذا الوقت ليس هدية فقط. وإنّما كنز ثمين”. ولعلّ هذا ما يمنح بعض العزاء للكاتبة أسورا، فالمهمّ ليس هو أن تبدع روايات جديدة عن هذه المأساة، ولكن أن تستخلص، على الأقلّ في حالتها، “أفكارًا لحياة جديدة، أكثر انفتاحًا وإثارة للفضول، مع تخصيص عدد أقلّ من ساعات الانعزال للكتابة، وساعات أكثر للمشاهدة والتنزّه بين الحقول. لقد افتقدتُ طويلا عادة التنزّه في الأماكن الخالية من الناس، مثل الغابات والبحيرات والجبال”.

في الختام، يجد العديد من الكتّاب صعوبة في النّأي بأنفسهم عمّا يحدث وتجنُّب واقعٍ ستكون له، لا محالة، عواقب على جميع المستويات: اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا. “كيف لا أتأثّر بما يحدث؟ أمام كلّ هؤلاء الأشخاص الّذين يموتون بمفردهم، وعذاب أسرهم، وكبار السنّ المنبوذين، والعائلات التي فقدت دخلها… هناك كثير من التخوّف، والقلق، وعدم اليقين، والكثير من الألم “، يقول بورتيلا، ويتابع “إنّني أتأثّر كثيرًا. أستمرّ في متابعة الأخبار ومشاهدة الإنترنت. وأشعر بتخمة من هذه المعلومات المفرطة، لكنّني لا أعرف كيف أخرج منها”. ويضيف هيرنانديز، الذي يتشارك هذا الأمر مع كلارك: “لقد حاولتُ منذ أيّام أن أبتعد قليلًا عن الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي. أشعر بالحزن والغضب الشديد من كلّ هذا الخداع ومن التعليقات التي لا تسعى إلّا لإلحاق الأذى”.

ضفة ثالثة

———————————-

ماذا تُعلّمنا روايات الجوائح العظيمة؟/ أورهان باموق

ترجمة محمد عبد النبي

على مدى السنوات الثلاث الماضية عكفتُ على كتابة رواية تاريخية تدور أحداثها في عام 1901 أي خلال ما عُرفَ بالطاعون الثالث، عندما تفشى الطاعون الدُمَّلي-النَزفي (Bubonic plague) الذي أهلكَ ملايين البشر في آسيا، لكنه لم يقتل إلَّا عددًا قليلًا في أوروبا. وخلال الشهرين الماضيين، ظلَّ أصدقاء لي وأقارب، ومحررون وصحافيون، ممَّن يعرفون موضوع تلك الرواية، “ليالي الجائحة”، يُمطرونني بوابلٍ مِن الأسئلة حول تفشي الأوبئة.

إنَّ فضولهم الأكبر مُوجه نحو أوجه التشابُه بين وباء فيروس كورونا الحالي والوقائع التاريخية لتفشي كلٍ مِن الطاعون والكوليرا. ثمة تشابهات وفيرة، وما يجعل الجوائح الوبائية تتشابَه عبر التاريخ الإنساني والأدبي ليس هو القواسم المشتركة بين الجراثيم والفيروسات، ولكن أنَّ ردود الأفعال الأولية للبَشر كانت هي نفسها على الدوام.

إنَّ رد الفعل الأولي لتفشي أي وباء كان هو الإنكار دائمًا. ولَطالما تأخرت استجابة الحكومات على الصعيدين القومي والمحلي المحدود، كَما عمدت الحكومات إلى تشويه الحقائقَ والتلاعُب بالأرقام بهدف إنكار سريان الوباء.

في الصفحات الأولى مِن “يوميات سنة الوباء”، وهو أبرز عمل أدبي كُتبَ على الإطلاق حولَ انتقال العدوى والسلوك البشري، يورد كاتبه دانييل دافو معلومةَ أنَّه في سنة 1664 حاولت السُلطات المحلية في بعض أحياء لندن أن تجعل عدد وفيات الوباء يبدو أقل بتسجيل أمراض أخرى مُلفَّقة باعتبارها سبب الوفاة الرسمي في السجلات.

لعلَّ رواية “المخطوبون” (1827) هي الأشد واقعية بين جميع ما كُتبَ حول تفشي الوباء، وفيها يصف الكاتب الإيطالي ألِساندرو مانزوني، بل ويؤيد، غضبة السكَّان المحليين إزاء رد الفعل الرسمي على وباء عام 1630 في مدينة ميلانو. فبالرغم مِن وجود برهان أكيد، تتجاهل حكومة ميلانو تهديد المرض، بل إنها لم تلغِ الاحتفالات بعيد ميلاد أحد أمراء المدينة. عرضَ مانزوني كيف انتشر الوباء بسرعة خاطفة لأنَّ القيود والاحترازات لم تكن فعَّالة أو كافية، وكذلك بسبب التراخي في فَرضها ولأنَّ مواطنيه لم يحفلوا بها.

يقدّم أغلب الأدب المكتوب عن الأوبئة والأمراض المٌعدية لامبالاةَ ذوي السُلطة، وانعدام كفاءتهم وأنانيتهم، كعامِلٍ أوحَد لإثارة غضب الجموع العارم، غير أنَّ أفضل الكُتَّاب، مِثل دافو وكامو، سمحوا لقرائهم اختلاس لمحة سريعة نحو شيءٍ آخَر غير الأبعاد السياسية، شيء يكمنُ دفينًا تحت موجة الغضب الشعبي، شيء جوهري ومتجذّر في الشَرط الإنساني.

تُظهر رواية دافو أنَّ وراء الاحتجاجات التي لا تنتهي ووراء السخط العارِم غير المحدود ثمَّة كذلك غضبٌ مِن القَدر، مِن القوى الإلهية التي تشهد ما يحدث وربما حتَّى تتغاضى عن كل هذا الموت وكل هذه المعاناة الإنسانية، وسخط ضد المؤسسات الرسمية للدين التي يبدو أنها لا تعرف كيف عساها أن تتعامَل مع أيٍ مِن هذا.

كان إطلاق الشائعات ونشر المعلومات الخاطئة مِن بين ردود الفِعل الإنسانية الأخرى التي تتسم بأنها عالَمية وتكاد تكون تلقائية إزاء الجوائح والأوبئة، فخلال مثل تلك الحوادث في ما مضى، كان وقود الشائعات هو المعلومات المضللة واستحالة رؤية الصورة الأشمل. 

كتبَ كلٌ مِن دافو ومانزوني عن أشخاص يتخذون مسافةً مِن بعضهم البعض عندما يلتقون في الشوارع خلال الأوبئة، لكنهم أيضًا يسألون بعضهم بعضًا عن الأخبار والحكايات الخاصة بمدنهم وأحيائهم، وهكذا ربما يكون بمقدورهم تجميع أجزاء صورة أشمل للمرض. لأنهم عبرَ تلك الرؤية الأوسع فقط يكون بوسعهم أن يأملوا في الفرار مِن الموت والعثور على مكانٍ آمِن يلوذون به.

في عالَمٍ بلا صُحف ولا راديو ولا تليفزيون ولا إنترنت، فإنَّ أغلبية السكَّان مِن الأُميين لم يكن بحوزتهم غير أخيلتهم يعتمدون عليها لكي يستوعبوا أين يكمن الخطر، ومقدار شِدّته ومدى ما قد يتسبب فيه مِن عَناءٍ وكَرب. الاعتماد على الخيال يعطي خوفَ كل شخصٍ صوته الفردي الخاص، ويضفي عليه طابعًا غنائيًا – طابعًا محليًا وروحيًا وأسطوريًا.

أكثر الشائعات رواجًا في أزمنة تفشي الأوبئة تدور حول مسألة مَن الذي جلبَ المرض إلى البلاد، ومِن أين أتى. في منتصف شهر مارس تقريبًا، وبينما أخذت موجة الذعر والخوف تسري عبر تركيا، أخبرني مدير البنك الذي أتعامل معه، في حي جيهانغير الذي أقيم فيه في إسطنبول، أخبرنبي بنبرة المطلع على الأمور بأنَّ “هذا الشيء” كان ردًا اقتصاديًا مِن الصين على الولايات المتحدة وبقية العالَم.

لَطالما رُسمَ الوباء في صورة الشَر الشيطاني، مِثل شيءٍ قد أتى مِن الخارج. لقد اندلعَ في مكانٍ آخَر مِن قبل، ولم تؤخذ التدابير الكافية لاحتوائه هنالك. عندما سردَ ثوسيديديس، المؤرّخ الإغريقي القديم، انتشار الوباء في أثينا بدأ بذِكر أنَّ بؤرة التفشي كانت بعيدة للغاية، في الحبشة ومصر.

المَرض أجنبي، وافدٌ علينا مِن الخارِج، مجلوب بنية خبيثة. كانت الشائعات حول الكيان المفترض أنَّه الحامل الأصلي للوباء هي الأشد شعبيةً وسريانًا على الدوام.

في رواية “المخطوبون” يصف مانزوني شخصية مُتخيلة هي أقرب إلى تجسيدٍ للخيال الشعبي إبَّان أزمنة تفشي الأوبئة منذ العصور الوسطى: في كل يوم تسري شائعة حول ذلك الكيان الشيطاني المؤذي وهو يتسلل في الظلام مُلطخًا مقابض الأبواب وملوثًا ينابيع المياه بسائلٍ موبوء بالطاعون. أو لَعلّه رجل هرم مُنهَك كان قد جلس ليستريح على الأرض داخل إحدى الكنائس فرأته امرأة عابرة واتهمته بأنه يفرك ثوبه في الأرجاء لكي ينشر المرض، وسرعان ما يتجمَّع عليه الغوغاء لتنفيذ حُكمهم العاجل فيه.

مِثل تلك الانفجارات المباغتة والعصية على السيطرة، مِن العنف والأقاويل والذعر والتمرد، هي أمور شائعة في ما يروى عن الجوائح والأوبئة منذ عصر النهضة فَصاعدًا. حمَّل ماركوس أوريليوس المسيحيين في الإمبراطورية الرومانية مسؤولية انتشار الطاعون الأنطوني لمرض الجُدري، بما أنهم لم يشاركوا في طقوس استرضاء الآلهة الرومانية. وخلال أوبئة تالية على ذلك اتّهم اليهود بأنهم سمموا الآبار سواء في الإمبراطورية العثمانية وأوروبا المسيحية.

يُرينا تاريخ الأوبئة وأدبها أنَّ ما يحدد عمق غضب العامة المصعوقين ومدى سُخطهم السياسي هو مقدار ما يقاسيه هؤلاء مِن معاناة، وخوفٍ مِن الموت، وجَزعٍ ميتافيزيقي، وإحساسٍ بالغرابة.

وَكما في تلك الجوائح الوبائية القديمة، فقد كان للشائعات التي بلا أساس وإلقاء الاتهامات بناءً على القومية أو الدين أو العرق أو الانتماء الإقليمي أثرها البالغ في سير الأحداث التي جرت خلال تفشي فيروس كورونا. كَما كان هناك دور لوسائل التواصل الاجتماعي وخطاب الإعلام اليميني الشَعبوي ومَيله إلى تضخيم الأكاذيب. لكننا نتمتع اليوم بالقدرة على الوصول لقَدرٍ أعظم مِن المعلومات الجديرة بالثقة حول الجائحة التي نخوض غمارها، أكثر ممَّا كان عليه حال الناس في أي جائحة سابقة على الإطلاق. وفي ذلك أيضًا ما يجعل مخاوفنا الهائلة والمبررة مختلفةً تمامًا عن كل ما سبق، لأن خوفنا لا يتغذى على الشائعات بقدر ما ينهض على معلومات دقيقة.

بينما نرى النقاط الحمراء المؤشرة لانتشار الوباء على خريطة بلادنا والعالَم كله وهي تتضاعف، ندرك أنه لم يعد هناك مهرب. لم نعد حتَّى بحاجةٍ إلى خيالنا لكي تبدأ مخاوفنا مِن وقوع أسوأ السيناريوهات. نشاهد فيديوهات لطوابير الشاحنات العسكرية السوداء الضخمة حاملةً الجثث مِن مدن إيطالية صغيرة إلى أقرب مراكز إحراق الجثث كما لو كنا نشاهد مواكب جنائزنا نحن.

وبالرغم مِن ذلك، فإنَّ ما يساورنا جميعًا مِن رُعب يُقصي الخيال والخصوصية الفردية، إذ هو يكشف لنا كم بلغنا من تماثُل مفاجئ في حيواتنا الهشَّة وإنسانيتنا المشتركة. الخوف، شأنه شأن فكرة الموت، يدفعنا للشعور بالوحدة، لكنَّ إدراكنا أننا جميعًا نعيش الكرب نفسَه بوسعه أن يأخذ بأيدينا خارجَ وحدتنا.

كتب أورهان باموق، الروائي التركي الحائز على جائزة نوبل في الأدب 2006، المقالة أدناه في صحيفة نيويورك تايمز، عن روايات الجوائح. هنا ترجمة “ألترا صوت” للمقالة.

 الترا صوت

——————————————

——————————-

رائحة أزهار الفيلدر بعد الوباء/ وداد نبي

أعيشُ في شارلوتنبورغ. حي فخم من أحياء برلين. لكنني فعليًا أعيش داخل فقاعة خاصة، داخل ذاكرة الحي. بين قصصه وآثار أبنيته القديمة التي لم تستطع الحداثة محوها بعد. إنها حياة افتراضية متخيلة، لكنها كانت ذات يوم حية وتتنفس. فكرت كثيرًا في ما يمكنني كتابتهُ حينما وصلتني دعوة من مؤسسة هاينريش بول. ماذا يمكن أن أكتب عن مكاني المفضل في هذا الحي البرليني الأنيق، أنا التي عشت طفولتي في أحياء حلب الشعبية، حيث رائحة العرق البشري مختلطة بالبول والقمامة والخبز الطازج من الأفران في كل شارع وحي. هنا في شارلوتنبورغ، الحي البرجوازي الجميل، الزاوية الجمالية التي يمكن أن أنظر بها إلى المكان مختلفة.

هذا الصباح، برلين في ما يشبه الحجر الصحي. الشوارع والمحطات شبه فارغة. متسولو برلين الذين كانوا يذكروني بفقراء الأحياء الشعبية في حلب، بالكاد أتعثر بهم بعد الكورونا. إنه زمن الوباء، حيث كل شيء مختلف. حتى نظرتي إلى المكان والشارع وتاريخ المكان وذاكرته اختلفت.

لم أعد أشم روائح العرق والبيرة واللحم المقدد المقلي في شوارع برلين، برلين مدينة مختلفة هذا الصباح بسبب وصول الوباء إليها.

قبل الوباء، اعتدت لقاء الأصدقاء في كرويزبرج، أو برونزلاوربيرج. فشارلوتنبورغ، الحي الذي ما إن يسمعني أحدهم أقول أنني مقيمة فيه، حتى يفتح فمه ويقول: واو.. الحي البرجوازي الغني.

لكن الحقيقة أنني خلال إقامتي فيه منذ عامين لم ألاحظ ولو لمرة إنني وشريكي نسكن حيًا غنيًا. فنحن نقيم في حي كلاوزنر بلاتس، الحي الجميل المليء بالمحلات الصغيرة والمعارض الفنية وروضات الأطفال ومحلات الآيس كريم والمطاعم. كما إنه مليء بالفنانين، الكتاب والرسامين والموسيقيين، وفي إمكاننا القول إن معظمهم فنانين مفلسين. ولكنهم يعيشون في بيوتهم الفخمة بفضل إيجاراتها القديمة والرخيصة.

وبسبب التغييرات التي طرأت على حياتنا، بعد قدوم الوباء، لم يتبقَّ لي ولشريكي من مكان نتنزه فيها ونمشي فيه سوى حينا البرجوازي المفلس.

من خلال سيرنا اليومي في شوارع حي كلاوزنر بلاتس، بدأت ألتقط بعض التفاصيل التي لم أكن سابقًا أعيرها انتباهًا، فسكان الحي أصبحوا أكثر حميمية في التعامل مع بعضهم. إنهم يجلسون أمام عتبات الأدراج الأمامية لبيوتهم مع أطفالهم النزقين، ويتبادلون الأحاديث مع الجيران الذين يمرون أمامهم، يعتنون بالمساحات الخضراء بين المباني، يسقون أزهار النرجس والتوليب والأقحوان، فتبدو تلك المساحات قطعًا صغيرة من الجنة.

الجيران يخرجون مع أطفالهم للتنزه، وشراء الآيس كريم، يتبادلون النكات والضحك عن بعدوهم واقفون في طابور طويل. إنهم يحافظون على المسافة الاجتماعية، لكن شيئًا ما في تعاملهم مختلف اليوم، كما لو أنهم يبحثون في تلك الأحاديث القصيرة في الشارع عن عزاء ما عن ملامسة يفتقدونها بسبب الوباء. في الحقيقة، ورغم المسافة، إلا إنهم بدوا لي أكثر دفئًا إنسانيًا عن ذي قبل. كأن الكورونا قد أزال عن عيونهم شيئًا لم يكونوا يدركونه. كأن المسافة المفروضة عليهم منحتهم قدرة على لمس ما كانوا يفتق دونه في حياتهم وعلاقاتهم بشكل أكثر وضوحًا.

منذ أسابيع، في تقاطع الشارع الذي أقيم فيه، شاهدت طفلًا يرسل طردًا لطفل آخر مقيم في البناء المقابل له عن طريق ربط خيط بين الشرفتين، بحيث مرّر الخيط بهدوء وتروٍّ حتى وصل الطرد إلى صديقه. كان الآباء واقفين لمساعدتهم، أمام أنظار عدد من سكان الحي وقفوا ليتابعوا نجاح عملية التبادل البريدية المبتكرة بين الطفلين. صفَّقنا حين نجح وصول الطرد. لقد تمت المهمة الصعبة في زمن الوباء من دون أدنى ملامسة، وبمسافة تتجاوز عشرات الأمتار. الحب ساعد في وصول الطرد بينهما. بينما الصداقة كانت تنمو في ذلك الفراغ بين البنايتين، رغمًا عن أنف الكورونا.

أكملنا نزهتنا، أو مشينا اليومي، إلى الهوف الداخلي “مساحة خضراء بين البنايات”، الذي يسمى بهوف العنزات، حيث تسكن فيه 6 عنزات، وعدة دجاجات. نعم، إنه يشبه مزرعة عائلية بين بنايات حينا الفخم المفلس. إنها عنزات برجوازية مفلسة، لكنها تمنح البهجة لجميع زوار الهوف، وتحديدًا أطفاله.

هذا الهوف الجميل لا يزال موجودًا بعنزاته ودجاجاته بفضل مبادرات سكان الحي الذين لم يتخلوا عنه في الثمانينات، حين كان مهددًا بالهدم.

في إمكاننا القول إنها آخر مظاهر التضامن الاجتماعي في العالم الجديد، حيث يقوم الناس طواعية بالاهتمام بالهوف، وزراعة النباتات والأزهار، والإعتناء بالعنزات والدجاجات. ما بدا لي غريبًا خلال مشيي اليومي في الحي أن نظرتي إلى المكان اختلفت بعد الوباء، كأن الوقت الآن أصبح مكثفًا مثل شمس نيسان الساطعة بقوة الآن في سماء حيِّنا. حيث في إمكانك أن تراقب لفترة طويلة لمعان الفضة على أوراق شجر الحور وهي تنمو بهدوء في عزلة الوباء. وفي إمكانك أيضًا ملاحظة أن كل المساحات الخضراء المخصصة لزراعة الورود بين المباني قد أصبحت أكثر جمالًا. يبدو أن الناس نتيجة جلوسهم في البيت وجدوا وقتًا أكبر للعناية بالمساحات التي أمام بيوتهم.

أثناء المشي اليومي لي منذ أسبوعين، وقفت أمام بناء neuferstr 13، البناء الذي كان في ثمانينيات القرن الماضي بيتًا محتلًا. لا تزال ألوان قوس القزح ظاهرة على واجهة المبنى. تعود هذه الألوان إلى عقد الثمانينيات، حين كان البناء محتلًا مع 15 بيتًا أخر في كلاوزنر بلاتس. شعرت أنني أسمع الأصوات الباهتة للسكان القدامى وهي تحدثني عن زمن الثمانينيات، عن أحلام الرجال والنساء الذين احتلوا هذا المبنى، وغيره من مباني كلاوزنر بلاتس. متمردون على القوانين الجامدة والتوحش الرأسمالي، حالمون باحثون عن حياة حرة وأكثر دفئًا وتضامنًا. في ذلك الزمن، لم يكن الوباء قد أتى بعد. لكنه كان زمن الثورات والاضطرابات والتمرد والحركات الطلابية. كان هنالك تغيير ونبض وحركة في كل شيء. كما يحدث اليوم تمامًا، كل شيء يتغير. شكل العلاقات البشرية والاقتصادية والسياسية. الوباء يعد شكلًا آخر من أشكال التغيير في حياتنا، كما كانت حركة البيوت المحتلة تغيّر تاريخ حيِّنا.

خطر لي ذلك، وأنا أمر أمام الأبنية التي كانت محتلة في الثمانينيات في حيِّنا. إن حركة البيوت المحتلة في تاريخ المدن، مثل برلين، وأمستردام، وغيرها من المدن، يجب أن تبقى حية في الذاكرة الجمعية لسكان هذه المدن، فهي التعبير الأكثر قوة عن أهمية التمرد والتضامن في زمن الخطر والتهديد.

في حيِّـنا أيضًا كثير من أشجار الفيلدر. أزهارها البنفسجية والزهرية والبيضاء تملأ الشوارع برائحة نفاذة رائعة. هذه الشجرة التي عرفت اسمها بالألمانية لأول مرة من صديقتي الكاتبة، أنييت كروشنير. كنا في محطة برينزلاور بيرج العام الماضي حين أخبرتني أنها زهرتها المفضلة. اليوم، بسبب الحجر الصحي وكورونا، لم ألتقِ أنييت منذ فترة طويلة، ولم أزر حي برينزلاور بيرج أيضًا، لكنني حين شاهدت شجرة فليدر في الحي، وفي حديقة قصر شارلوتنبورغ القريبة منا، تذكرت صوت أنييت وهي تتحدث برقة عن زهرة الفيلدر.

أحيانًا، نصنعُ البيوت والأوطان والملاجئ. لكننا نعيش حقًا في ذكريات الأشياء والأشخاص الذين نحبهم ويحبوننا. تمامًا كرائحة أزهار الفيلدر في زمن الوباء.

(نيسان/ أبريل 2020، برلين).

ضفة ثالثة

————————

موراكامي يغني لليابان تخفيفًا للعزلة/ سناء عبد العزيز

أصعب ما يمر به المرء في ظل البيات الكوروني المفروض عليه بسلطة الخوف، أولًا قبل أن تتوسل به الدول كطوق نجاة، هو ذلك الوهن التدريجي في حواسه كافة، فلا عجب إذن أن تتضاءل قدرته بشكل ملحوظ على العمل والإنجاز، ويركن إلى حالة غير مسبوقة من الإحباط، لعلها الأخطر من بين تداعيات الوضع الكارثي الذي لا نعرف أبعاده، ولا حتى مداه. سيما أن العزلة محكمة الغلق داخل الحوائط مع غلق شامل لأي منفذ ترويحي، خلفت فراغًا يتعذر ملئه في الروح، ونوعًا من الثقل يجرب وطأته للمرة الأولى على عضلة القلب مباشرة. ولكنه الفنان في كل عصر ومكان، من يستطيع أن يستشعر بأمراض القلوب، ويبادر لاستنهاضها، متوليًا دوره في المسؤولية الجماعية، وهو ما قام به كثير من الفنانين بوسائل مختلفة، ومنهم الروائي الياباني الشهير، هاروكي موراكامي.

بث مباشر لمدة ساعتين

في محاولة منه لرفع الروح المعنوية لأبناء وطنه، قرر موراكامي، الكاتب المعروف بعزوفه الشديد عن الظهور، أن يحل ضيفًا على برنامج إذاعي خاص، الأسبوع المقبل. وبحسب ما نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، سيقوم موراكامي، الروائي الأكثر مقروئية في جيله، بتشغيل بعض الأغاني التي يفضلها، والإجابة على أسئلة المستمعين لمدة ساعتين، ويتم بثه في

“في عام 2018، شارك موراكامي في برنامج إذاعي مخصص للموسيقى، تحدث فيه عن الموسيقى العالمية؛ أكثر المواضيع تداولًا في رواياته”

كل أنحاء البلاد في 22 مايو/ أيار الجاري.

هذه ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها هاروكي موراكومي إلى جمهوره؛ ففي عام 2018، شارك في برنامج إذاعي مخصص للموسيقى، تحدث فيه عن الموسيقى العالمية؛ أكثر المواضيع تداولًا في رواياته. كانت مدة البرنامج ساعة واحدة على قناة “طوكيو إف إم Tokyo FM”، حيث عزف عشاق الموسيقى مجموعة مختارة من بين عشرة آلاف تسجيل في مجموعته، شملت موسيقى الجاز، وموسيقى البوب، التي يستمتع بها عداء الماراثون أثناء ممارسته الرياضة، ومنها Beach Boys، Joey Ramone، Hall، وOates.

كان لظهور موركامي أبلغ الأثر على معجبيه، فالكاتب الذي يفضل البقاء في عزلته، فاجأهم رغم عمره البالغ آنذاك 69 سنة، بصوته الشاب، ما جعل أحد معجبيه يكتب على تويتر “تأثرت للغاية حتى طفرت عيناي بالدموع”، وكتب آخر “هذه هي المرة الأول التي أسمع فيها صوته، يبدو شابًا من نبرته، وهو ما تفاجأت به بالفعل”.

محاولات للخروج من العزلة

عرف موراكامي بولعه الشديد بالموسيقى الغربية، سيما المعزوفات الأميركية والبريطانية منها. ويحكي في سيرته الذاتية المعنونة بـ”ما أقوله حين أتحدث عن الركض” التي صدرت عام 2007، عن شغفه بالموسيقى في سباقات الركض على وجه الخصوص، فموراكامي عدّاء ماراثون مولعٌ بالسباق الثلاثي (ترياثلون)، على الرغم من حقيقة أنه لم يبدأ رياضة الركض قبل سن الثالثة والثلاثين. ولكن موراكامي لم يكن يركض إلا على الإيقاع.. وفي البرنامج الإذاعي سالف الذكر، يقر المرشح الدائم لنوبل أن الموسيقى هي التي علمته الكتابة “لم أتعلم أصول السرد إلا بفضل الأنغام والإيقاعات”.

لقد كانت هذه البرامج الإذاعية بمثابة دليل على أن المؤلف المتكتم، الذي آثر العزلة، بحاجة لمزيد من التفاعل مع معجبيه. وكانت هذه هي البرامج الأولى التي سمعه فيها العديد من المعجبين يتحدث بصوته. ولعله فعل ذلك بطريقه أخرى من خلال عمود نصائحه تحت عنوان Murakami’s Place على موقعه على الويب.

وفي هذا يقول “لقد كانت هوايتي جمع التسجيلات والأقراص المدمجة منذ طفولتي. وبفضل ذلك، تكدست في بيتي مثل هذه الأشياء. ومع ذلك، كان يراودني في كثير من الأحيان شعور بالذنب تجاه العالم أثناء الاستماع إلى هذه الموسيقى المذهلة، وقضاء وقت ممتع بمفردي. كتب أيضًا قبل أول بث له في عام 2018 يقول “اعتقدت أنه قد يكون من الأفضل مشاركة مثل هذه الأوقات الرائعة مع غيري من الناس أثناء الدردشة على كأس من النبيذ، أو فنجان من القهوة”.

حياة حافلة بالموسيقى

كان أول عمل له في متجر للتسجيلات، وما لبث أن افتتح المقهى المعروف باسم “بيتر كات”، الذي ظل يديره هو وزوجته ما بين عامي 1974، و1981. حتى التاسعة والعشرين من عمره، لم يكن موراكامي إلا شخصًا عاديًا، يتولى إدارة هذا المقهى. وفي أثناء مشاهدته لمباراة بيسبول، في اللحظة التي ضرب فيها هيلتون الكرة، أحس موركامي أن بوسعه أن يكتب رواية، ثمة شعور بالدفء غمره من رأسه حتى أخمص قدميه، وما يزال يحسه في قلبه إلى الآن: “قبل ذلك، لم أكتب أي شيء؛ كنت واحدًا من أولئك الأشخاص العاديين فحسب، أدير نادي لموسيقى الجاز، ولا أبتكر أي شيء على الإطلاق”.

عقب انتهاء المباراة، في تلك الليلة، شرع موركامي في كتابة أول عمل له، في جلسات قصيرة

جدًا تبدأ بمجرد انتهائه من يوم عمله في مقهاه. هذه الجلسات القصيرة استمرت على مدى عشرة أشهر، حتى صدرت روايته الأولى عام 1979 تحت عنوان “اصغِ إلى أغنية الريح”. ولحسن حظها وحظه، فازت بالجائزة الأولى في المسابقة الأدبية الوحيدة التي تقبل أعمالًا بهذا الطّول.

لكن صيت موراكامي لم ينتشر في أنحاء العالم إلا في عام 1987، بعد نشر روايته “الغابة النرويجية”،  وغيرها من الروايات التي حققت نجاحًا باهرًا، وتصدرت قوائم الأكثر مبيعًا على الصعيدين المحلي والعالمي، وترجمت إلى أكثر من خمسين لغة، وحصدت العديد من الجوائز، منها جائزة عالم الفنتازيا، وجائزة فرانك أوكونور العالمية للقصة القصيرة، وجائزة فرانز كافكا، وجائزة القدس.

ويفسر تميز أعمال موراكامي تأثره بالثقافة الغربية في الأدب والموسيقى، واهتمامه بقراءة فرانز كافكا، وغوستاف فلوبير، وتشارلز ديكنز، وفيودور دوستويفسكي، وجاك كيروك. ربما لأجل السبب نفسه، انتقدت أعماله التي تتسم بالسوداوية والقدرية، لبُعدها عن المنهج الأدبي الياباني. ولكننا نلحظ في معظم رواياته وحشة الانسلاخ الاجتماعي، والشعور المقبض بالوحدة، وغلبة الأحلام.

في تلك الظروف العصيبة، يخرج موراكامي، الكاتب الذي وصفته صحيفة الغارديان البريطانية بأنه “أحد أعظم الروائيين في يومنا هذا”، من عزلته للتخفيف من عزلة العالم قائلًا: “آمل أن تستطيع قوة الموسيقى التخفيف من بعض الكآبة التي ظلت تتراكم بسبب تفشي وباء كورونا”. فعلى الرغم أنه من المقرر أن تستمر حالة الطوارئ على مستوى البلاد في اليابان حتى نهاية مايو/ أيار، صرح مسؤولون بأن بعض المناطق قد يكون في وسعها رفع بعض القيود في وقت مبكر هذا الأسبوع، إذا ظلت العدوى تحت السيطرة. وسبب ذلك أن مركز تفشي الأوبئة في اليابان سجل في طوكيو يوم الإثنين 15 حالة جديدة، وهي المرة الأولى منذ 42 يومًا ينخفض فيها المعدل اليومي إلى أقل من 20 حالة.

ضفة ثالثة

———————–

————————————

درس الروايات العظيمة عن الجائحة.. إنكار وشائعات وتضامن جديد!/ أورهان باموق

تفاعل الناس في كلّ العصور مع الأزمات الصحّية عن طريق نشر الشائعات والمعلومات الكاذبة. وسواء في القرن السابع عشر أو القرن الحادي والعشرين، كان يتم دائمًا تصوير المرض على أنّه شرٌّ “أجنبي” أصاب بالمجتمع من الخارج.

إسطنبول.. مرَّت أربع سنوات وأنا أكرّس كلّ وقتي لكتابة رواية تاريخية تقع أحداثها في عام 1901، خلال فترة ما سمّي آنذاك بـ”جائحة الطاعون الثالثة”، وهو طاعون أسود قتل الملايين في آسيا، وبنسبة أقلّ في أوروبا. والآن، منذ شهرين تقريبًا، بدأت أتعرَّض لضغوط من طرف أصدقائي وعائلتي، وحتى من المحرّرين والصحافيين، وكلّ الذين هم على معرفة بموضوع روايتي الجديدة، “ليالي الطاعون”، وقد طرحوا عليّ أسئلة كثيرة حول الأوبئة.

لقد سألوني بإلحاح عمّا إذا كانت هناك أوجهُ تشابهٍ بين جائحة فيروس كورونا الحالي والأوبئة التاريخية الكبيرة مثل الطاعون والكوليرا. وأخبرتهم بأنّ هناك عددًا هائلًا من التشابهات. لأنّ المشترك بين الأوبئة في التاريخ البشري والأدبي لم يكن هو البكتيريا والفيروسات فقط، وإنّما في الحقيقة حتى استجاباتنا الأوّلية لهذه الأوبئة كانت هي نفسها دائمًا.

كان ردّ الفعل الأوّل أمام ظهور جائحة جديدة هو الإنكار. سواء كان وطنيًا أو محلّيًا، إذ غالبًا ما اتّسم تعامل الحكومات مع الوضع ببطءٍ شديد، وكانت تقوم بتمويه الحقائق والتّلاعب بالأرقام كما تشاء، وحاولت قدر الإمكان إنكار وجود الأزمة الناشئة.

يشرح دانيال ديفو، في الصفحات الافتتاحية لروايته “مجلّة عام الطاعون” الصادرة في عام 1664، وهي من أكثر الأعمال الأدبية تنويرًا حول ردود الفعل البشرية تجاه العدوى، أنّ السلطات المحلّية في بعض مناطق لندن سعت إلى التقليل من عدد الوفيات بسبب هذه الآفة، من خلال الإعلان أنّ الوفيات مرتبطة بأمراض أخرى، وهي أمراض تمّ اختراعها لهذه المناسبة.

أمّا في رواية “المخطوبون”، التي نُشرت عام 1827، وهي تصف انتشار الطاعون بواقعية استثنائية، فيصف الكاتب الإيطالي أليساندرو مانزوني غضبَ السكان ويدافع عنهم في مواجهة الاستراتيجية الرسمية لمحاربة الطاعون التي أقرّتها ميلانو عام 1630. إذ رفض حاكم المدينة مواجهة الحقائق، ونفى التهديد الذي يشكّله المرض وذهب إلى حدّ مواصلة الاستعدادات للاحتفال بعيد ميلاد أميرٍ محلّي. وفي هذه الصفحات، يوضّح مانزوني كيف أنّ تلك التدابير التقييدية لم تكن كافية، وأنّها طُبقت بشكل فضفاض للغاية بحيث أهملها عدد كبير من السكان، ما عجّل في انتشار المرض بشكل واسع.

الإنكار في البداية

يكشف جزء كبير من الأدب المستوحى من الأوبئة والأمراض المعدية عن إهمال السلطات وعدم كفاءتها وأنانيتها، وأنّ هذه العوامل لوحدها كانت مسؤولة عن إثارة غضب الجماهير. لكنّ الكتّاب العظماء ذهبوا إلى أبعد من ذلك، مثل ديفو أو كامو، وسمحوا لنا باكتشاف العواطف – المتأصّلة في وضعنا البشري- التي تتسبّب في هذه القسوة الشعبية.

هكذا، تُخبرنا رواية دانيال ديفو أنه وراء هذه الاحتجاجات اللامتناهية، وهذا الغضب اللامحدود، يختفي استياء موجّهٌ ضد القدر، ضدّ إرادة إلهية تلعب دور متفرّج بسيط على ويلات الموت والمعاناة البشرية- وربما تقدّم مبرّرات لذلك- وهو غضب يثيره الدين أو المؤسسات المنظِّمة له، والتي يرتاب الناس في إجاباتها بخصوص هذه الكوارث.

ثمّ هناك ردّ فعل آخر يقوم به الناس في مواجهة الأوبئة، ومن الواضح أنّه عالمي بقدر ما هو عفوي، يتشكّل عادةً من إثارة الشائعات ونشر معلومات مضلّلة. لقد تغذّت الشائعات في الأوبئة الماضية، بشكلٍ رئيسي، على معلومات خاطئة وعدم قدرة الناس على امتلاك نظرة شاملة عن حقيقة الوضع.

في حكايات ديفو ومانزوني، يتباعد الناس عن بعضهم كلّما التقوا في الشارع خلال جائحة الطاعون، لكنّهم أيضًا يتبادلون الأخبار وأحدث الحكايات عن مدنهم، بغرض تكوين نظرة عامّة عن حجم الوباء بشكلٍ أفضل. وكانت هذه الصّورة الغنيّة بالتفاصيل هي أملهم الوحيد في الهروب من الموت والعثور على ملجأ يسمح لهم بالبقاء في مأمن من المرض.

 ثمّ تنتشر الشائعات

في عالم لم تكن الصحف والإذاعة والتلفزيون والإنترنت قد ظهرت بعد، كان غالبية السكان الأميين يعتمدون فقط على مخيّلتهم للكشف عن الخطر، وتقدير مدى شراسته والعذابات التي يمكن أن يتسبّب فيها. وهذه الثقة في الخيال منحت رعبَ كلّ إنسانٍ تعبيرَه الفردي والمتميّز، بينما أضفت عليه بُعدًا غنائيًّا – وبالتالي أصبح رعبًا محدّدَ الموقع، روحيًّا وأسطوريًّا.

ومن بين أكثر الشائعات انتشارًا، خلال فترات الطاعون والأوبئة، شائعة تتعلّق بأصل المرض: مَن الذي سلَّطه على البشر، ومن أين أتى؟ في الشهر الماضي، عندما بدأ الذّعر والخوف من الداء ينتشر في تركيا، أخبرني مدير مصرفٍ أتعامل معه في جيهانغير، وهو الحي الذي أقيم فيه بإسطنبول، بلهجةٍ واثقة أنّ “هذا الشيء” هو ردُّ الصين الاقتصادي على الولايات المتحدة وباقي العالم.

أصل المرض من الخارج

مثلما يحدث مع الشرِّ ذاته، يتمُّ تصوير الطاعون دائمًا على أنّه قادم من الخارج. لقد نشأ فعلًا في مكانٍ آخر، ولم تكن الجهود كافية لاحتوائه. يبدأ ثوسيديديس، في سرده لانتشار المرض في أثينا، بملاحظة أنّ الوباء ظهر بعيدًا جدًّا عن المدينة، في أثيوبيا ومصر. وبالتالي، فإنّ مصدر المرض لا بدّ أن يكون أجنبيًّا. يأتي من بعيد، ويدخل إلى المدينة مدفوعًا بنوايا شرّيرة. لهذا، دائمًا ما تكون الشائعات حول الهوية المفترضة لشكله الأصليّ هي الأكثر عنادًا وشعبية.

في رواية “المخطوبون”، يصف مانزوني شخصية تتكرّر في مخيّلة الناس منذ العصور الوسطى: مع كلِّ وباء جديد، تُحيي الشائعات صورةَ ذلك الشيطان المبهم الذي يجول في الظلام، يلطخ مقابض الأبواب ويدسُّ بداخل النافورات سائلًا يحتوي فيروس الطاعون. نحن نعرف قصّة ذلك الرجل العجوز الذي غلبه التعب فالتجأ إلى كنيسة وجلس على الأرض. فمرَّت امرأة من أمامه واتّهمته بفرك معطفه على الجدران والمقاعد بغرض نَشرِ المرض. ولم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتّى حاصره الحشد المسعور وأعدمه على الفور.

هذا الإفراط في العنف، الذي لا يمكن التنبُّؤ به أو السيطرة عليه، وهذه الإشاعات وردود الأفعال المذعورة والثّائرة، ظهرَت منذ عصر النهضة في العديد من روايات الأوبئة. أطلق مارك أوريلي العنان لغضبه على مسيحيي الإمبراطورية الرومانية، متّهمًا إيّاهم بجلب الطاعون الأنطوني- لأنّهم رفضوا المشاركة في الطقوس التي من المفترض أن تنال رضا الآلهة. وفي الأوبئة اللّاحقة، سيُتّهم اليهود بتسميم نوافير الإمبراطورية العثمانية وأوروبا الكاثوليكية.

ذعر ميتافيزيقي

يكشف لنا تاريخ الأوبئة وذاكرتها الأدبية أنّ شدّة المعاناة والخوف من الموت والذعر الميتافيزيقي والإيمان بالخوارق، بين السكّان المنكوبين، تتناسب مع شدّة غضبهم وشعورهم باستياء سياسي.

كما هي الحال خلال الأوبئة القديمة، كان للشائعات والاتّهامات الّتي لا أساس لها من الصحة، والمتّكئة على الهوية الوطنية والدينية والعرقية والإقليمية، تأثيرٌ كبير على مسار الأحداث مع انتشار وباء فيروس كورونا الحالي. وقد أدّى ميلُ الشبكات الاجتماعية ووسائل الإعلام الشعبوية نحو تضخيم الأكاذيب إلى تغذية هذه الدينامية المتكرّرة.

ولكن هناك فرق كبير: لدينا اليوم إمكانية الوصول بلا حدود إلى معلومات لا نهائية – وأكثر وثوقية –  حول الوباء الذي نمرُّ به، أكثر من أسلافنا. ولهذا السبب أيضًا، يختلف الخوف الغامض والمشروع الذي نعيشه اليوم عن خوف هؤلاء. لأنّ ذعرنا أقلُّ إثارة للشائعات، وفي الوقت نفسه أكثر تضخُّما بسبب المعلومات الدقيقة.

موكب جنائزي

حين ننظر إلى النقاط الحمراء الصغيرة التي تتكاثر على خرائط بلداننا وتنتشر في جميع أنحاء الكوكب، ندرك أنّه لم يعد هناك ملجأ. لم نعد بحاجة لاستخدام خيالنا حتى نتوقّع الأسوأ. نحن نشاهد قوافل الشاحنات العسكرية السوداء وهي تحمل جثث سكّان المدن الإيطالية الصغيرة إلى محارق بعيدة، كما لو أنّنا نشهد موكبنا الجنائزي.

ومع ذلك، فإنّ الرعب الذي نشعر به يبقى غريبًا عن خيالنا وفرديّتنا الخاصّة. وهذا يكشف لنا مدى تقارب الإنسانية التي نتشاركها مع هشاشة حياتنا. إنّه اكتشاف جديد. يجعلنا الخوف، مثل فكرة الموت، نفقد وعينا، لكنّ الوعي بأنّنا جميعًا معرّضون للقلق ذاته يُخرجنا من عزلتنا.

حين نعلم أنّ كلّ شخص، من تايلاند إلى نيويورك، يُشاركنا مخاوفنا – متى وكيف نستخدم كمّامة، وكيف نتعامل مع المنتجات التي اشتريناها للتوّ في متجر البقالة، ومتى نبدأ فترة الحجر الصحي الطوعي- فهذا يخلُق تضامنًا جديدًا لأنّه يذكّرنا باستمرار بأنّنا لسنا وحدنا. فنتوقّف عن الاستسلام للخوف، ونكتشف بداخله سكينة تعزّز التفاهم المتبادل.

خوف مشترك على الإنسانية

يكفي أن أشغّل التلفاز وأشاهد كلّ هؤلاء الأشخاص الّذين يقفون في طابور أمام أكبر مستشفيات العالم لأدرك أنّ رعبي هو نفسه رعب البشرية كلّها- وبالتالي لا أشعر بأنّني وحيد. وفي الوقت نفسه، أنا لستُ خجولًا جدًّا من خوفي، لأنّني صرت بالتدريج أعتبره ردَّ فعل حسّاسًا للغاية. أتذكّر هذا القول المأثور الّذي يتردّد في فترات الأوبئة وأزمنة الطاعون: أولئك الّذين يشعرون بالخوف يعيشون لفترةٍ أطول. وأدرك أنّ الخوف يخلق بداخلي- وربما بداخل كلٍّ منّا- نوعين من ردود الأفعال المميَّزة. يدفعني أحيانًا إلى الانسحاب إلى نفسي والبحث عن العزلة والصمت. لكنّه أيضًا يمكن أن يعلِّمني التواضع، ويشجّعني على التضامن. لقد كنتُ أحلم بهذه الرواية عن الجائحة منذ ثلاثين عامًا، وكان الخوف من الموت هو أوّل ما شغلَ أفكاري الأوّلية.

في عام 1561، هرب الكاتب أوجير غيزلين دي بوسبيك، سفير إمبراطورية هابسبورغ إلى الإمبراطورية العثمانية في عهد سليمان القانوني، من الطاعون الذي اجتاح إسطنبول في رحلةٍ استغرقت ستّ ساعات. نزل في جزيرة بويوكادا، ثمّ انتقل إلى جزيرة برينكيبو، كبرى جزر الأميرات التّسع، الواقعة في بحر مرمرة، جنوب شرقي العاصمة التركية. وهناك كتب أنّ القوانين التي فرضت الحجر الصحي في إسطنبول لم تكن صارمة بما فيه الكفاية، وأنّ دين الأتراك، الإسلام، يدفعهم إلى أن يكونوا “قدريين”.

بعد حوالي قرن ونصف قرن، كتب الحكيم ديفو في روايته عن طاعون لندن: “يتبنّى الأتراك والمحمَّديون […] أفكارًا تستند على القدر المحتوم، معلنين أنّ مصير جميع البشر مكتوبٌ سلفًا”. أمّا بالنسبة للرواية التي بدأت كتابتها عن الجائحة، فقد ساعدتني على التفكير في “القدرية” الإسلامية خلال عصر العلمانية والحداثة.

الإسلام والقدرية

لا أعرف ما إذا كان السبّب هو القدرية المزعومة للمسلمين، ولكن يمكن تأكيدُ أمرٍ واحد: تاريخيًّا، كان من الصعب دائمًا إقناعُ المسلمين بالامتثال لإجراءات الحجر الصحّي خلال أزمنة الوباء، على خلاف المسيحيين، وتبرز هذه الحقيقة بشكلٍ خاصّ في عهد الإمبراطورية العثمانية. آنذاك، تفاقمت الاحتجاجات ذات الطبيعة التجارية، التي يقودها التجّار وسكّان الريف من جميع المعتقدات، اعتراضًا على الحبس القسري داخل التجمعات المسلمة، بسبب المشاكل المرتبطة بـ “حشمة” المرأة والطّابع الشخصيّ للفضاء المنزلي. في بداية القرن التاسع عشر، طالبت التجمُّعات المسلمة بتوفير العلاج على أيدي “أطباء مسلمين” في وقتٍ كان معظم الأطباء مسيحيين، حتّى بداخل حدود الإمبراطورية العثمانية.

“لست راضيًا عن تنامي فكرة القدرية الفطرية التي غالبًا ما تُنسب إلى الثقافات الشرقية والآسيوية”

ومنذ خمسينيات القرن التاسع عشر فصاعدًا، حينما صارت أسعارُ رحلات السفن البخارية معقولة، ثبت أنّ الحجّاج القادمين من الأماكن المقدّسة في مكة والمدينة هم أكثر من كانوا يجلبون أمراضًا مُعدية من كلّ نوع. إلى درجة أنّ البريطانيين، في مطلع القرن الماضي، قاموا ببناء ما سيصبح أحد أضخم “مكاتب الحجر الصحي” في العالم، وكان ذلك في مدينة الإسكندرية.

لم تكن هذه التطورات التاريخية هي مصدر الفكرة النمطية عن “القدرية المسلمة” فحسب، بل كانت أيضًا سببا في التحيُّز ضدّ هؤلاء الأشخاص وجيرانهم في آسيا لكونهم مصدر الأمراض المعدية وأنّهم وحدهم من ينقلها للآخرين.

في نهاية رواية دوستويفسكي العظيمة “الجريمة والعقاب”، داهمت راسكولنيكوف فجأةً رؤية عن الجائحة، ويندرج ما قاله في هذا التقليد الأدبي نفسه: “كان مريضًا، وحلم أنّ العالم كلّه صار محكومًا بالخضوع لنوعٍ رهيب من الطاعون المصري، لم يسبق لأحد أن سمع به، أو شاهده من قبل، وزحف من أعماق آسيا نحو أوروبا”. وإذا ألقينا نظرة على خرائط القرنين السابع عشر والثامن عشر، يمكن أن نلاحظ أنّ الحدود السياسية للإمبراطورية العثمانية، باعتبارها بداية العالم “خارج أوروبا”، كانت تتبع مسار نهر الدانوب. لكنّ الحدود الثقافية والأنثروبولوجية التي فصلت بين عالمين كان لها اسم آخر: الطّاعون. وبدا هذا الأمر أكثر واقعية لأنّنا كنا فعلًا الأكثر عرضة للإصابة بهذا المرض شرقيّ نهر الدانوب.

التواضع والصبر

لست راضيًا عن تنامي فكرة القدرية الفطرية التي غالبًا ما تُنسب إلى الثقافات الشرقية والآسيوية، إذ ساعد هذا المتخيّل على تجذّر فكرة مسبقة مفادها أنّ مصدر الطاعون والأوبئة الأخرى نابعٌ من أحلك أراضي الشرق.

تخبرنا الصورة التي يمكن إعادة تشكيلها من بين العديد من الحكايات التاريخية والمحلية أنّه حتّى خلال أشدّ جوائح الطاعون فظاعة، واصلت مساجد إسطنبول إقامة طقوس الجنازة، واستمرَّ المعزُّون في زيارة بعضهم البعض ومواساتهم واحتضانهم بأعينٍ دامعة. وبدلًا من التّساؤل عن مصدر المرض وكيف انتشر، كانوا يفضّلون التأكُّد من أنّ استعدادات دفن قريبهم تمَّت بشكل صحيح.

أمّا اليوم، فقد فضَّلت الحكومة التركية نهج مقاربة علمانية من خلال حظر إقامة الجنازات للمتوفّين بسبب فيروس كورونا، واتّخذت قرارًا واضحًا بإغلاق المساجد كلّ يوم جمعة، وهو اليوم الذي يجتمع فيه المؤمنون بأعداد كبيرة لأداء أهمّ صلاة في الأسبوع. لم يعارض السكّان هذه التدابير. فالخوف الّذي يسيطر علينا عظيم، لكنّه يعرف أيضًا كيف يبقى حكيمًا ومُتفهِّمًا.

إذا أردنا أن ينهض عالمٌ أفضل بعد هذا الوباء، يجب علينا أن نتبنّى هذا التواضع – والتضامن- وأن نرعاه خلال الساعات المُظلمة التي نمرُّ بها.

[نشر هذا المقال في صحيفة “ليبيراسيون” الفرنسية يوم 2 مايو/ أيار 2020]

ترجمه عن الفرنسية: نجيب مبارك

رابط المقال بالفرنسية :

https://www.liberation.fr/debats/2020/05/02/la-lecon-des-grands-romans-d-epidemie-par-orhan-pamuk_1787082

المترجم: نجيب مبارك

ضفة ثالثة

—————————————

 من المعرّي والغزالي إلى أوكتافيو بـاث… في أحوال العزلة و«حظر التجوّل»/ خليل صويلح

كانت عبارة «حظر تجوّل» تخص بيانات الانقلابات العسكرية في المقام الأول، قبل أن تفرضها معظم السلطات في أنحاء العالم لمواجهة الوباء اليوم. فيروس غامض يحمل اسماً أنثوياً ناعماً: «كورونا»، هزّ أركان الكرة الأرضية، وأثار الرعب والهلع بين البشر، مثل مشهد مقتطع من جحيم القرون الوسطى، عابراً حدود القارات، وأختام الحدود. شوارع خالية ومحال مغلقة، وكائنات هائمة، كما لو أن زلزالاً مدمّراً أصاب المدن. تعليمات صارمة في مواجهة هذا الفيروس، إلى درجة إعلان حظر التجوّل بين أعضاء الجسد الواحد. إبعاد اليد عن الفم والأنف والعينين. اليد التي كانت تعانق الآخر، باتت مثل خنجرٍ مسموم. اليد الحذرة من مصافحة يد الآخر. احذر يد الرغبة في الملامسات الحميمة، وانتبه إلى جرس إنذار الندم المتأخر. النظرة المرتابة والتحديقة المعادية لمن يعبر إلى جانبك خشية أن يكون مُصاباً بهذا الوباء اللعين. وجوه منهوبة على مسافة مترٍ واحد من رعب مركز «الحجر الصحي»، أو توقيت ساعة الهلاك. نداء المؤذن للصلوات الخمس في مسجد فارغ. عزلة قسرية في فضاء ضيّق ومغلق، و«حياة تتأرجح كالبندول بين الألم والملل»، وفقاً لما يقوله الفيلسوف المتشائم شوبنهاور. غرق في المُطهِرات. خوف من تلوّث مقابض الأبواب، والمفاتيح، والريموت كونترول، وماوس الكمبيوتر، وأغلفة الكتب، والأكياس البلاستيك، وأيدي الباعة وهم يناولونك بقايا النقود الورقية القذرة. وفي المقابل، ستنتعش فتاوى الأدمغة المثقلة بخرافة الغيبيات، وثقافة الرغوة، وهستيريا النظافة. ثمّ انتبه إلى مسافة الأمان مع الآخر، كما لو أنك سيارة فاخرة عند شارة مرور، كيلا تتحوّل إلى خردة بشرية في لحظات. يا لهشاشة الكائن الخائف: أن تعقّم مشاعرك من فيروس العاطفة، وأن تعيش الذعر على أشدّه. كلّ هذا العنف المتناوب يتدفق بجرعات بصرية عالية، ليلاً نهاراً، وأنت مثل فأر تجارب، تنصت مرغماً إلى خبير الأمراض الجرثومية، ثم تنقلب عليه لمصلحة خبير آخر يمنحك جرعة أمل بتفاهة هذا الفيروس أو عبوره الخاطف والمؤقت، والانتصار عليه بالأدعية، فيما يؤكد ثالث بأنها حرب مختبرات جرثومية، وصراع إمبراطوريات، ودرجة إضافية في توحّش النيوليبرالية. ستهزّ رأسك من دون يقين بانتهاء حقبة، وبداية حقبة أخرى تطيح وتقوّض ما قبلها في تشريح معنى العالم وخرائطه القديمة، وطراز حروبه المقبلة، واندحار مفهوم الثقافة المعولمة، وهشاشة الشعارات، ورخاوة أيقونات الأمس. تحلم لبرهة بألّا حروب مدمّرة بعد اليوم. سيُطوى معها أرشيف أمراض السل والملاريا والجدري والكوليرا وصولاً إلى الكورونا. ستنهار منظومة قيم متوحشة، وستبزغ شمس الإنسانية فوق الكوكب، من دون أن تتفوّق شجرة نسب على أخرى. تحلم بأن ما يحدث في مطحنة الميديا مجرد حفلة تنكرية شكسبيرية، وأكذوبة إعلامية لتجديد هواء أسرّة المستشفيات من رائحة أنفاس العجائز الذين أرهقوا ميزانيات الرعاية الصحيّة في البلدان المتقدّمة، ولعبة كسر ركب بين البورصات العالمية. يحتاج هذا الكوكب المحزون إذاً، إلى استراحة محارب، وإعادة فحص للعجلات وتزييتها على نحو آخر كي لا تبلغ حافة الهاوية، والانتباه بجديّة إلى احتجاجات الطبيعة وانقلابها المسلّح ضد العار الذي لحق بها من انتهاكات نفايات المصانع وأدخنة المعامل، ودهاليز الصفقات المريبة في مكاتب الشركات العملاقة، وثقافة الوجبات الجاهزة، وفيروس التوحّش المذهبي، والفردانية، والنهب، وحروب المياه، وتدمير الغابات، والشعبوية، وأنظمة التفاهة، والجغرافيا السائلة، ونهاية التاريخ، وعولمة الحواس. هكذا سنعيش مرغمين عزلتنا القسريّة، في الوقت المستقطع من الكارثة، أو علينا «اختراع العزلة» وفقاً لبول أوستر «غُرفنا هي السجون الوحيدة التي ندخلها طوعاً لنجد الحريّة» يقول. سيقودنا بول أوستر من «عزلة الأب» إلى مراجعة عزلة الآخرين بطبقاتها المتعدّدة، ربما لنكتشف ما يشبه عزلتنا، وترميمها بمفردات وعناصر وأوهام، أكثر جاذبية وطمأنينة، وفي الوقت ذاته كي نصرف ساعات «حظر التجوّل» بضجر أقلّ. ولكن هل سنصحو على نصّ آخر، نص الأفول، نصّ التفكّك، يطوي فهرس الأمس، في الكتابة، و«مهنة العيش؟»، فحسب ما يقول محمود درويش «العزلة مصفاة لا مرآة». هنا بروفة أوليّة لفضائل العزلة وارتدادات حظر التجوّل:

رهين المحبسين

سنرتطم أولاً، بأكثر أنواع العزلة ثراءً، نقصد عزلة أبي العلاء المعرّي (973- 1057)، هذا الفيلسوف والشاعر الذي ابتلي بالعمى، إثر إصابته بمرض الجدري، وهو في الرابعة من عمره، فأجج موقد البصيرة كحاسة بديلة في تفكيك ألغاز الكون. ذلك أن «رهين المحبسين» عاش في عزلة صارمة وخشنة ونباتية، امتدت نحو خمسين عاماً، مقلّباً خلالها أسباب القلق والريبة في مواجهة الغيبيات، بأفكار تشاؤمية وضعته في مهب الإلحاد والزندقة، مؤكّداً أن «لا إمام سوى العقل». أمر أوقعه في شباك فتاوى تكفيرية، زادت من عزلته الشخصية من جهةٍ، والتحليق بأفكاره الجريئة من جهةٍ ثانية، كما في «رسالة الغفران» على نحوٍ خاص. يقول في توصيف طبقات الكارثة الإنسانية: «غيّرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح/ وأودي ربع أهليها فبانوا وغودر في الثرى الوجه المليح». بروحه السوداوية، وزهده بلذة العيش، حشر المعرّي شعراء في النار، وآخرين في الجنّة، تبعاً لرؤيته الذاتية لسلوكيات الشعراء ومواقفهم. في مديح العزلة، يقول: «فما للفتى إلا انفراد ووحدة، إذا هو لم يرزق بلوغ المآرب». عزلة طويلة، أثمرت نصّاً مضاداً ومحرّماً. ذلك أن الكتابة عنده، وفقاً لقراءة عبد الفتاح كيليطو في كتابه «المعرّي أو متاهات القول»، تشكّل «صراعاً عنيفاً مع ما لا تجوز كتابته، وما لا يجوز قوله، ومجهوداً شاقّاً متواصلاً لصدّ ما يتعارض مع الصواب، وإقامة سدّ منيع دونه».

عراء الذات

خاض أبو حامد الغزالي (1085- 1111) تجربة فريدة في العزلة. أدار ظهره للزحام والسجالات والفتاوى، متّجهاً نحو الصحراء. هناك تحت قبة السماء الصافية، وغموض الرمل وهبوب الريح، اكتشف بهجة العزلة، وعراء الذات. عشر سنوات كاملة من التأمل والتفكير والتدوين، أنجز خلالها كتابه الإشكالي «إحياء علوم الدين»، وقد خصصَ الكتاب السادس لآداب العزلة، ومما جاء فيه، «فإن للناس اختلافاً كثيراً في العزلة والمخالطة وتفضيل إحداهما على الأخرى، ومع أن كل واحدة منهما لا تنفك عن غوائل تنفر عنها وفوائد تدعو إليها وميل أكثر العباد والزهاد إلى اختيار العزلة وتفضيلها على المخالطة وما ذكرناه في كتاب الصحبة من فضيلة المخالطة والمؤاخاة والمؤالفة يكاد يناقض ما مال إليه الأكثرون من اختيار الاستيحاش والخلوة، فكشف الغطاء عن الحق في ذلك مهم. روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال خذوا بحظكم من العزلة وقال ابن سيرين العزلة عبادة. وقال وهيب ابن الورد بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت والعاشر في عزلة الناس، وقال يوسف بن مسلم لعلي بن بكار ما أصبرك على الوحدة وقد كان لزم البيت، فقال كنت وأنا شاب أصبر على أكثر من هذا، كنت أجالس الناس ولا أكلمهم، وقال سفيان الثوري هذا وقت السكوت وملازمة البيوت». ويضيف: «لستُ أخلو لغفلةٍ وسكون/ وفرارٍ من الورى وارتياح/ إنما خلوتي لفكرٍ وذكرٍ/ فهي زادي وعدّتي لكفاحي».

عزلة أم خلوة؟

يفرّق ابن عربي في «الفتوحات المكيّة» بين العزلة والخلوة قائلاً:

«فأما العزلة فهي أن يعتزل المريد كل صفة مذمومة وكل خلق دنيء»، و«أرفع أحوال العزلة الخلوة».

«فإن الخلوة عزلة في العزلة فنتيجتها أقوى من نتيجة العزلة العامة».

نزيل الغرفة 53

بالنسبة إلى روائي مثل ألبير قصيري (1913- 2008)، تبدو العزلة خياراً فلسفياً صرفاً. ذلك أن «فيلسوف الكسل» الفرنسي، من أصل سوري، لم يغادر الغرفة 53 في فندق «لويزيان» بالقرب من جادة سان جرمان، منذ أن غادر القاهرة في ثلاثينيات القرن المنصرم ليستقر في باريس. يبدأ صاحب «شحاذون ونبلاء» نهاره بعد الثانية ظهراً، إثر قيلولة طويلة، متسكّعاً بين مقاهي الأدب إلى آخر الليل، حتى إن مقهى «كافيه فلور» كرّس جائزة مالية باسمه، بالإضافة إلى كأس من النبيذ الفاخر للفائز كل يوم. عاش وحيداً ومات وحيداً، فوق السرير نفسه، مكتفياً بكتابة سطر واحد كل يوم، على أمل أن يقرأه أحدهم ولا يذهب إلى العمل في اليوم التالي.

قال مبرّراً وحدته «هذا العالم الذي نعيش فيه تحكمه عصبة نبيلة من الأنذال التي لطّخت الأرض».

فرناندو بيسوا: مائدة الوحدة

لفرط رغبته بالعزلة والانطواء، ابتكر الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا (1888- 1935) نحو 70 اسماً وهمياً يوقّع به كتاباته. شخصيات افتراضية تشاركه مائدة الوحدة ومشقة العيش. يوزّع شذراته على أصدقاء وهميين من طراز ألفارو دو كامبوس، وألبرتو كابيرو، قبل أن يعود إلى تأملاته الذاتية والقراءة بنهم في عزلته المختارة، متمنياً أن تحفظه الآلهة في خزانة. في «كتاب اللاطمأنينة»، تلفحنا يومياته بمذاق غريب ومتوهج ومراوغ يفتك بالذائقة المستقرة بلا رحمة. وإذا به يجذبنا بعنف إلى مجابهة ميتافيزيقية في تشريح الذات والوجود. يقول مفسّراً عزلته: «عزلتي ليست بحثاً عن سعادة لا أملك روحاً لتحقيقها، ولا عن طمأنينة لا يمتلكها أحد إلا عندما لا يفقدها أبداً، وإنما عن حلم، عن انطفاء، عن تنازل صغير». عزلة ستتكشف بعد 30 عاماً على وفاته عن 27423 نصّاً ووثيقة، كان قد نشرها بأسماء سريّة لطالما توارى وراءها بمهارة.

كافكا: عزلة اليائس

لا مسافة مرئية بين فرانز كافكا (1883- 1924) ونصوصه في تدشين عزلة نموذجية. فالكائن بالنسبة إليه، ليس أكثر من حشرة ضخمة تستيقظ على الرعب من الموجودات، وتفاهة العالم، وتعرية القهر، بأقصى حالات اليأس والسوداوية والاغتراب، ذاهباً إلى نهايات مفزعة لشخصيات رواياته، قبل أن يوصي صديقه ماكس برود بحرق آثاره الأدبية. إلّا أن وصيته لم تُنفّذ. عزلة كابوسية لمريض السل، أتت كمحصلة لعلاقته المتوترة مع أبٍ قاس، ومغامرات عاطفية لم تكتمل، منسحباً إلى ذاته القلقة والمرتابة في مواجهة أحكام «مستعمرة العقاب». في إحدى رسائله إلى حبيبته فيليس باور، يحذّرها قائلاً: «ستكونين، بعدئذ، في عزلة رهيبة يا فليس، سوف لن تفهمي كم أحبّك، وسيكون صعباً عليّ أن أظهر لك كم أحبّك. ورغم ذلك، ربما، سأكون لك بشكل خاص جداً، اليوم ودائماً. ما رأيك إذاً.. في الرجل الذي ينام حتى 7 أو 8 صباحاً، يأكل شيئاً ما بسرعة، يتنزّه ساعة ثم يبدأ بالكتابة حتى 1 أو 2 ليلاً. هل ستتحمّلين كل هذا؟ من الرجل الذي سوف لن تعرفي عنه سوى أنه يجلس في غرفته ويكتب؟ ويقضي الخريف والشتاء على هذا المنوال؟ هل هذه حياة ممكنة؟». في لحظة تشاؤمية أخرى، سيقول: «أرغب في عزلة تخلو من التفكير، أكون فيها وجهاً لوجه مع نفسي».

فريدا كالو: سرير الكآبة

لولا عزلتها القسرية في أحد مستشفيات المكسيك، إثر حادثة سير، أدت إلى تحطّم عمودها الفقري، والخضوع إلى نحو 32 عملية جراحية، لما حصلنا على رسائل فريدا كالو (1907- 1954). نصوص ورسومات مدهشة عن عزلة الذات، كما لو أنها أوكسجين يكسر صمت الجدران الضيّقة، ويوسّع شرايين الوحدة. لكن الرسّامة المكسيكية المتمرّدة، لم تحتمل السأم طويلاً، تحت وطأة عذاب الجسد المشدود إلى سرير الكآبة «أهذا السريرُ هو المكان الذي ينبغي أن أكون فيه بعد أن كنتُ جوابةَ الآفاق أطوف الشوارع والطُرق طوال حياتي؟»، تتساءل. القديسة الشهوانية أو القنبلة المتشبثة بأعمدة اللغة، وفقاً لوصف أندريه بروتون لها، قاومت العزلة بشراسة رسالة وراء أخرى، إلى أصدقاء وعشّاق بوصفها إكسير النجاة من موتٍ مؤكّد. تكتب في إحدى رسائلها إلى أليخاندرو غوميز أرياس «لو تعرف عمق الشقاء الذي يجلبه اكتساب المعرفة على نحو مفاجئ: مثل الصاعقة التي تنير الأرض! أعيش الآن على كوكب مؤلم، شفافة كالصقيع، كما لو أنني تعلمت كلّ شيء دفعة واحدة في غضون ثوانٍ. صديقاتي ورفيقاتي غدون نسوة على مهل. أما أنا فقد كبُرتُ في لحظاتٍ معدودة، وبات كلّ شيء مضجراً وتافهاً. أدرك الآن عدمية الوجود، فلو أن هناك شيئاً ما، لتبصّرته».

دعد حدّاد: عواء الوحدة

لم ننصت حينها إلى عواء الوحدة الذي كان ينبعث من غرفتها الرطبة في مستودع للكتب. ماتت دعد حدّاد (1937- 1991) وحيدة ومنبوذة ومشّردة مثل اتهام علني للجموع، ذلك أن النخب لفظتها خارجاً، غير عابئة بهذه المرأة البدينة بقبعة من القش، وعصا الجنرال، وهي تكيل الشتائم لأصدقاء الأمس. كانت تكتب عزلتها على بعد خطوات من الموت، ثم تتوسّد معطفها وتنام، مثل طائر جريح فقد عشّه إلى الأبد، مثل زهرة بريّة لا أحد يعلم لغز الرائحة السريّة لعطرها وأشواكها. شاعرة عزلاء مدجّجة بنصوصٍ متوحشة تتناسل من أحشائها بأقصى حالات الحزن والحب والوحدة «لماذا تعصف بي الريح وحدي؟». تتساءل بسخط، ثم «أود أن أطير، أن تكون مهنتي الخطر». ماتت دعد حداد، بعدما أهدت المعجم الشعري أكثر القصائد بلاغةً «لا أحد يستطيع أن يسكن قبري/ أنا من تحمل الزهور إلى قبرها وتبكي من شدة الشعِر/ أغمضوا أعينكم/ سأمرُّ وحيدةً كرمح»، و«استيقظوا الآن، أنا وحيدةٌ، ها هي أجراسي وتوابيتي».

متاهة أوكتافيو باث

لا نحتاج إلى اختراع العالم، إنما لصوغه على نحوٍ آخر. هذا ما يخلص إليه الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث (1914- 1998) في كتابه «متاهة العزلة»، مؤكداً أن الحضارات «ليست قلاعاً، بل هي طرق متقاطعة». وتالياً ينفي ثقل ثقافة الغزو في تأثيرها على الهويات الأساسية، شرقاً وغرباً، بالاتكاء إلى حركة مزدوجة: العزلة والانقطاع، ثم الدخول في الثقافة الكونية، في عملية تبادلية. ذلك أن المشاركة والعزلة والرغبة في الحب تتعارض وتتكامل. هنا مقاطع من المتاهة:

– نحن محكومون بالعيش في عزلة، لكننا محكومون أيضاً بتجاوز عزلتنا واستعادة الصلات، التي كانت تربطنا بالحياة في ماضٍ فردوسي. كل جهودنا تسعى إلى محو العزلة. هكذا يملك الإحساس بالعزلة دلالة مزدوجة: فمن جهة يدل على الوعي بالذات، ويدل من جهة أخرى على الرغبة في الخروج من الذات. إن العزلة، وهي شرط حياتنا، تبدو لنا كامتحان وتطهر، وفي نهايتها يختفي القلق والتيه.

– العزلة عقوبة، أي إدانة وتطهّر. إنها عقوبة، لكنها أيضاً وعد بنهاية منفانا. وكل حياة هي حياة مسكونة بهذه الجدلية.

– الميلاد والموت تجربتان للعزلة: نولد في عزلة، ونموت في عزلة. لا شيء أكثر خطورة من هذا الغوص الأول في العزلة، الذي هو الميلاد، إلّا هذا السقوط الآخر في المجهول، الذي هو الموت. إن الإحساس بالعزلة، الحنين إلى جسد انتزعنا منه، هو حنين إلى المكان. وهذا المكان، حسب تصوّر قديم يوجد عند كل الشعوب تقريباً، ليس إلّا مركز العالم، سرّة الكون.

– إن كل مجتمع يحتضر، أو في طور العقم، ملزم بإنقاذ ذاته بخلقه لأسطورة الخلاص، والتي هي أيضاً أسطورة الخصب والخلق. العزلة والخطيئة تتحولان إلى مشاركة وخصب. إن المجتمع الذي نعيش فيه أنجب أيضاً أسطورته. فعقم العالم البورجوازي يفضي إلى الانتحار أو إلى شكل جديد للمشاركة الخلاقة. تلك هي «ثيمة زمننا»، مادة أحلامنا ومعنى أفعالنا

حظر تجوّل للكتب

على عكس حضر التجوّل الذي تفرضه حكومات الانقلابات العسكرية تبعاً لنجاح أو فشل الانقلاب، وكذلك ما تدعو إليه السلطات في أوقات الكوارث الطبيعية، وهو إجراء مؤقت غالباً، فإن محاكم التفتيش القديمة والجديدة فرضت حظر تجوّل على بعض الكتب لفتراتٍ طويلة إلى درجة المطالبة بإبادة بعضها، كما لو أنها وباء فتّاك. هكذا منع ستالين رواية جورج أورويل «1984» من الدخول إلى الاتحاد السوفياتي (1950) لإدراكه بأن الرواية تسخر منه شخصياً. وستنال رواية «دكتور جيفاغو» لبوريس باستراك قراراً مشابهاً بالحظر حتى عام 1988 بذريعة انتقادها للبلاشفة. وستمنع الهند رواية «إله الأشياء الصغيرة» لاورنداتي روي بسبب علاقة محرّمة بين امرأة مسيحية وخادم هندوسي. كما منعت غواتيمالا تداول رواية «السيد الرئيس» لميغل انخل استورياس لفضحها آليات الاستبداد في البلاد. وكانت أميركا وبريطانيا قد حظرتا رواية «عشيق الليدي تشاترلي» للروائي البريطاني د.هـ. لورانس حتى أواخر الخمسينيات بتهمة الفحش. الأمر نفسه بخصوص «عوليس» لجيمس جويس التي حُظرت في بريطانيا الثلاثينيات بسبب محتواها الإباحي. من جهتها، لم تحتمل فرنسا التنوير عبور رواية «لوليتا» لفلاديمير نابوكوف، ولم يرفع الحظر عنها حتى عام 1964 نظراً لإباحيتها أيضاً. وستشمل القائمة أميركياً، «مدار السرطان» لهنري ميللر حتى أوائل الستينيات، أما تسونامي «آيات شيطانية» لسلمان رشدي، فقد عصف بالرواية وصاحبها لتهجمها على الإسلام، فحظرت من التجوّل في إيران وباكستان والهند والكويت ومصر. وكذلك «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، و«وليمة لأعشاب البحر» لحيدر حيدر في مصر. هناك أيضاً كتاب «أليس في بلاد العجائب» للويس كارول الذي مُنع في مقاطعة هونان الصينية عام 1931، قبل أن يصبح لاحقاً في طليعة حكايات الأطفال في العالم. لاحقاً، سيفضح الروائي الصيني داي سيجي في روايته «بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة» أكثر أنواع حظر التجوّل هولاً وعسفاً، حين منعت السلطات الصينية أثناء الثورة الثقافية في ستينيات القرن الماضي، تداول وقراءة أي كتاب لا يمجّد الشيوعية الماوية، تحت طائلة العقوبة المشدّدة، حتى لو كان هذا الكتاب روايةً لبلزاك أو لمارسيل بروست أو فوكنر!

ملحق كلمات

—————————————

لِثام الكورونا/ مزوار الإدريسي

أثبت انتشارُ الشبكة العنكبوتية – ورواجُ استعمالِها، والإقبالُ الهائل على مواقع التواصل الاجتماعي – أنّه في عصر الإنترنت أضحى “العالَمُ قريةً صغيرة”، وأنَّ نقرة خفيفة كفيلةٌ بأنْ تُحوِّل زَمنَ المُتَصفِّح لِما تعرضه عليه شاشةُ الحاسوب، إلى زمن يستغرق الأزمنة جميعَها، ماضيَها وحاضرَها ومُستقبَلها.

ومما لا شك فيه أنّ هذا الانعطاف الرَّقميّ، في تاريخ البشرية، يسَّر التواصُل المُتواصِل ليس بين دُوَل العالم ومنظَّماته ومؤسَّساته فحسب، بل أتاح عقد صِلات وطيدة بين سُكانه أفراداً وجمعيات وغيرها أيضاً، لكي يتعاون الناس فيما بينهم، وليتعارفوا، وليتبادلوا الخبرات والخيرات، دون أن نغفل إمكانَ استعمال هذا الابتكار في أمور لاأخلاقية وحتى في عمليات إجرامية.

والأكيد أنْ لا أحد كان يتصوَّر أنَّ هذه الشبكة، بمواقعها المختلفة من حكومية وإعلامية وعلمية وسواها، ستُقبل على الإنترنت إقبالاً كثيفاً، شأن الذي تَعرفُه هذه السنة، إثر انتشار وباء فيروس كورونا واجتياحه العالَم قاطبة، وما اتسم به من تهديد لوجود الإنسان، دون تمييز بين الغني والفقير، أو بين الدول المتقدِّمة والمتأخَّرة.

ولا غرو أنْ لا لحظة تاريخية عرفت إقبالاً على الترجمة كالتي يعيشها العالَم حالياً مع جائحة كورونا. فإذا كان السيميائي الإيطالي أومبرتو إيكو قد قال في استجواب صِحافي، ذات مرَّة: “إن الترجمة هي لغة أوروبا”؛ أي الاتحاد الأوروبي، فلا غضاضة في أن نذهب إلى أن هذه الترجمة قد تحوَّلتْ في زمن الكورونا إلى “لغة العالَم”.

وجليٌّ أن ما يُتداوَل الآن من بحوث علمية، ومواد إعلامية، وأخبار، وتوجيهات، وحصص دراسة في مختلف أسلاك التعليم وغيرها، كلُّ ذلك يُعرَض في شاشات الحواسيب بمنصاتها الرقمية، التي أصبحتْ تحوي التلفزيونات والقنوات وحتى السينما، مثل نتفليكس. وواضح أنَّ هذا الكم الهائل من البرامج والمواد يُقدَّم مُترجَمًا، لأنه يُنتَج في شتى أصقاع الأرض، أو يُستَقى منها، بمعنى أنّه يَصْدر بلغته الأصلية، ثم يُنقل إلى باقي اللغات.

لقد أَوْقعت الحوادث المتسارعة والمرتبطة بجائحة كورونا النَّقَلة أو المترجِمين في ارتباك كبير، بفعل ضغط الزمن عليهم وكثرة المواد، وهو ما لَم يُعْفِهم، في عالَمنا العربي، من ملاحقة بعض اللغويين، واستدراكاتِ حُرّاس اللسان المبين عليهم، الذين سهوا عن الحال التي يتخبط فيها الناس، فأبوا إلا أن يُقوِّموا اللسان.

لقد رأى بعضُهم أنّ الأَوْلى أن يُترجَم “فيروس كورونا” بـ”فيروس التاج”، وربطوا ذلك بالشكل الذي يظهر عليه الفيروس في المختبرات، واحتراماً لمعناه في اللغات اللاتينية. لكنّ ما تحاشاه هؤلاء هو أن يقترحوا ترجمة مُقابلة لكلمة “فيروس”، وأنهم تغافلوا عن أن الترجمة جاءتْ لتُيسِّر التواصل، وأن إضافة كلمة “التاج” ستُصعِّب الأمر على المتلقي العربي، بل إنهم سهوا عن كثير من الدَّخيل المتداوَل في لغتنا، الذي خلقنا ألفة معه، وتَجِدُنا نستعمله، وهو ما تسمح به لغتنا السمحة، بل إنّ الأهمَّ هو أن سلطةَ التداول إعلامياً فرضت “فيروس الكورونا”، فيُصبح عملهم شبيهاً بجهد من يرْقم على الماء.

وأُثير بصدد ترجمة mask أو masque، أي قطعة الثوب الصحيةِ الواقية من “فيروس كورونا”، نقاشٌ لا يخلو من حدَّة. هكذا ارتأى بعضُهم استعمال “القناع”، واعْتُرِض عليهم، لأن القناعَ يُغطي الرأس بكامله، وفضّل آخرون “الكِمامة”، التي رفضَها كثيرون، لأن الكِمامَة توضَع “للبعير الذي يُكَمُّ به فَمُه لئلّا يعضّ”، بينما نادى آخرون باستعمال “اللثام”، لكونه لا يزال يُستعمل إلى يومنا هذا، وهو يَصْلح للرجال والنساء معاً، وقد احتجوا بقول المتنبي، في بيته الثاني من قصيدته في وصف الحُمّى: “ذَراني والفلاةَ بلا دَليل/ ووجهي والهجيرَ بلا لِثام”. بل إنهم أضافوا ما يبرِّر ذلك تاريخيا، محتَجِّين بابن عبدين التجيبي الأندلسي (القرن السادس هجري) في مراقبة المحتسب للطحانين والخبازين: “… ولا يعجن أحدهم إلا وهو مُلثَّم لئلا يتطاير من فمه شيء إذا عطس أو تكلَّم، وأنْ يشدّ على جبينه عصابة بيضاء، كي لا يتعرق فيقطر منه فوق العجين”.

هكذا، يتبيَّن أنّ اللثام استُعمِل صحِّياً في القديم، ليس لحماية الوجه من لفح الشمس، ومن الرمال المتطايرة في الصحراء، وإنما وُظِّف للوقاية الصحية أيضاً، وهو ما يُدعى إلى التزامه اليومَ اتِّقاءً للعدوى.

العربي الجديد

————————————

———————————-

مدن فارغة ونداءات غير متوقعة/ كمال عبد اللطيف

تداولت وسائط التواصل الاجتماعي في الأيام الأخيرة، على هامش واقع الحجر الصحي، فيلمًا قصيرًا، يصوِّر نمط الحياة في شوارع مدينة كبيرة، لا يغادر سكانها بيوتهم، خوفًا من الوباء الذي يتربص بهم. وقد تضمَّن لقطات معبِّرة عن درجات الهدوء والسكينة، التي بدت عليها البنايات والطرق والشوارع والأزقة داخل المدينة.. وعكست حركة الكاميرا صور الفراغ الرهيبة والناطقة دون صوت ودون حركة.. تتواصل المشاهد في الفيلم فلا نعثر على ساكنة المدينة، وتُطِلُّ علينا بين الحين والآخر بعض الملامح الغريبة للأشباح والأرواح الهائمة على وجوهها.. تتواصل اللقطات المصوَّرة، لترسم أمام الرائي البنايات المتراصة، وقد تنوعت أشكالها وألوان صباغتها وأنماط عمرانها.

أُغْلقت أبواب العمارات والمنازل، كما أغلقت المتاجر والمقاهي والمطاعم، أغلقت أغلب المعامل والمدارس والجامعات وقاعات الرياضة والمراقص، واختفى السكان في البيوت، اختفى الصغار والكبار والشيوخ، وتحولت الفضاءات العمومية إلى فضاءات مهجورة، رغم أنها أُعِدَّت في الأصل لتكون فضاءات للتلاقي والتشارك، وزينت من أجل ذلك، بالكراسي والأشجار والحدائق المزهرة والملونة، كما زُيِّنَت بأحواض المياه ونافوراتها..

يُصوِّر الفيلم الآثار الناتجة عن سياسة الحجر الصحي على نمط الحياة المعتاد في المدن. ولأن الفيلم أُعِد كما أتصوَّر من زاوية محددة، فقد كشفت عنها بعض المقاطع التي تخترق لقطاته المتتابعة، حيث كانت تظهر بين الحين والآخر بعض الحيوانات، التي دخلت المدن دون استئذان.. وإذا كان من المعلوم في الثقافات الشعبية أن فراغ المدن من البشر لسبب أو لآخر يسمح للأرواح بِمَلئها، فإن الأرواح تحضر متقمصة صورًا متعددة، وغالبًا ما تحضر وقد تقمصت صور حيوانات أو طيور مجنحة.. وهذا ما يحصل اليوم في المدن، حيث تخرج مجموعة من الحيوانات المفترسة، حيوانات تسير وسط المدينة وتتحرك دون خوف، وكأنها تقصد اتجاها معينًا أو تقوم بوظيفة محدَّدة، وحيوانات غادرت أماكنها في الغابات والبحار والأنهار، ودخلت المدن الفارغة..

نشاهد في الفيلم أسدًا يمشي وسط شارع كبير في المدينة، كما نشاهد تمساحًا يعبر طريقًا معبَّدة، والأغرب من ذلك، المقاطع التي صَوَّرت ولوج قِرَدَة لبيت كبير بحديقة وسطها مسبح، ثم انخراطها في السباحة واللعب، واسترخائها بعد السباحة فوق الكراسي المخصصة لاستراحة السابحين، وكأن المسبح أُعِدَّ لها.. إضافة إلى ذلك، نصادف في الفيلم مجموعة من الخنازير والطيور، بعضها يطير في السماء وبعضها يمشي على الأرض، كما نلتقي بجحش البحر يتحرك على اليابسة. ويختم الفيلم مشاهد الحيوانات بزوج البطريق متجولًا في شارع عام.. ويمكن أن نفترض هنا، أن صاحب الفيلم يفترض أن الحجر الصحي لم يعد يتعلق بفترة مؤقتة ومحدَّدة، وأنه يتطلب زمنًا قد يطول أشهرًا بل سنوات، ولهذا السبب امتلأت المدينة بالأرواح وبدأت تتجول في فضاءات المدن، وقد تدخل غدًا مساكنها..

لا يكتفي الفيلم بتصوير القِرَدَة في المسبح الخاص، والأسد والتمساح وهما يتجولان ببطء في الشوارع، بل إن بعض لقطاته الأخرى تقدم دبًا يمشي الخيلاء وسط مدينة فارغة، غير عابئ بما يشاهده من بنايات وأحياء، وكأنه يقصد هدفًا محددًا.. شاهدت الفيلم أكثر من مرة، وقد أشعرني بكثير من القلق رغم صمته وصمت شوارع المدينة التي تَمّ تصويره فيها.. انتبهت وأنا أعيد مشاهدته، إلى أن المدينة التي يرسل خطابه عنها نظيفة، وكأن زمن الحجر أوقف عبث الساكنة بملامحها، ومنحها رونقًا لم تكن تعرفه قبل حلول زمن كورونا.. كما انتبهت إلى أن معمارها وعمارتها مرتبة بشكل يفوق أحوال عمران المدن التي استأنست بها.

تأكدت وأنا أتابع لقطات الفيلم أن المعالم المعمارية التي يُصَوِّر، تشير إلى بعض الأحياء في مدينة أعرفها، فقررت الخروج من الحجر الصحي، وحصلت على الترخيص اللازم لذلك، وقصدت أحياء قريبة من بيتي لأعَايِن كل ما لفت انتباهي في الفيلم، ولأقترب من أمكنة أعرفها ممتلئة وضاجة بمستلزمات الحياة والناس، أمكنة يعرضها الفيلم دون حياة ولا حركة، أمكنة استباحت فضاءها حيوانات الغابة والسماء والماء.

شعرت بقليل من الخوف وتصوَّرت أن عدد الحيوانات المفترسة، قد يكون أكبر من العدد الذي يحضر بين الحين والآخر في مشاهد الفيلم، أو أن أصادف في أحد زوايا المدينة كائنات أخرى تملأ المدينة. ولأنني كنت محمولًا على أجنحة الفيلم أخطو وحدي فوق أرض صلبة ولا أرى أحدًا، فقد وجدت نفسي في زمن قصير، وسط شوارع المدينة كما جاءت صورها في الفيلم.. وجدت نفسي أمام مدينة الأشباح.

انتابني شعور مضاعف بالخوف، ذلك أن الهدوء المُحَايِث للقطات الفيلم امتلك في الصور السينمائية دلالات شاعرية مختلفة، عن الهدوء المزمجر الذي أحسست به وأنا أباشر حركتي وتجوالي في مدينة فارغة.. الهدوء الذي أسبح الآن في فضائه ملغوم، إنه هدوء ممتزج بالرهبة وبنوع من الانقباض الناتج عن طبيعة الحياة في مدينة لا يخرج أهلها من بيوتهم، مدينة تعيش أجواء رمضانية منكمشة، ويهيمن عليها قانون الحجر الصحي خوفًا من انتشار وباء قاتل، وباء تستدعي مواجهته الآمنة تجهيزات ولقاحات وأدوية وفضاءات للعلاج، غير متوفرة بالصورة المطلوبة.. وباء تفيد كثرة المعطيات المتداولة عنه بالصور والجداول أنه غامض..

أواصِل السير بهدوء، أنظر أمامي فلا أسمع صوتًا ولا حركة، لا أرى سيارة ولا تمر أمامي دراجة ولا حافلة. بدأت أشعر بالتعب، وانعكس انقباضي على حركة تنفسي، فانتبهت إلى أن الساحة التي على يساري تتضمن حديقة للعب الأطفال، مع كراس لجلوس من يرافق الأطفال في الأيام العادية وفي عطلة نهاية الأسبوع، فجلست لأستريح قليلًا، قبل أن أستأنف عمليات اكتشافي للمدينة، التي تخلَّى عنها سكانها وخلدوا إلى بيوتهم لا يبرحونها.. وقد أتاح لي الجلوس معاينة مختلف جهات المدينة، بدأت أنظر إلى الجهة التي قدمت منها، ثم أنظر ذات اليمين وذات الشمال لَعَلِّي أرى حيوانًا من الحيوانات التي شاهدت في الفيلم، أو أرى بشرًا مثلي خرجوا للفسحة القصيرة والمؤقتة، فلم أعاين سوى أنفاسي وخوفي، فقد شملني الفراغ بفراغه..

تحركت من جديد بعد أن استجمعت أنفاسي، وبعد بضع خطوات، تبينت أن رجلًا وامرأة قادمان من نهاية الشارع الذي كنت أسير فيه.. حصل هذا بعد أزيد من ساعة من المشي في شوارع خالية. واصلت حركتي وواصل الزوج القادم حركته، بدأت أتبين الملامح العامة لحركة سيرهما، فبدا لي أن حركة الرجل ليست طبيعية مقارنة مع حركة السيدة التي معه وبجواره.. نزداد اقترابًا من بعضنا، فأتأكد أنني أمام زوج يقوم بزيارة للمدينة، وأن ملامحهما ومظهرهما العام تشير إلى أنهما أجنبيان يقيمان في هذه المدينة، وينتظران نهاية الحجر الصحي، ليتمكنا من العودة إلى بلادهما..

ازددت اقترابًا منهما وازدادا قربًا مني، فتبينت أن وجه الرجل لم يكن غريبًا عني، وجدت نفسي أمام الشاعر السويدي الفائز بجائزة نوبل عام 2011 يأخذ بيد زوجته ويسيران ببطء. انتبهت إلى أن حركة الرجل ثقيلة وأن يده اليمنى مشلولة، فتذكرت أنني أمام توماس ترانستروم، شاعر الموت والذاكرة والتاريخ، شاعر الإيجاز والوضوح والاستعارات الدالة، ولأنني تعرفت عليه بعد حصوله على الجائزة، فقد حرصت على مراجعة بعض الحوارات التي أُجْرِيَت معه وقراءة المقالات التعريفية التي واكبت فوزه، كما حَرِصت على قراءة منتخبات مترجمة من أشعاره. وما حفزني على ذلك، الوقائع الصحية المتشابهة بيني وبينه.. إنني أشير هنا إلى إصابته بجلطة دماغية، وهو على أبواب إكمال العقد السادس من عمره، تَرَتَّب عليها ما لحقه من شلل نصفي عَطَّل يده اليمنى، وألحق عطبًا في رِجْله اليمنى انعكس على طريقته في الحركة والمشي. إضافة إلى أنه أصبح لا يتكلم، وأتذكر أنه بعد فوزه بالجائزة المذكورة، كانت زوجته تجيب على الأسئلة التي يوجهها له الصحافيون، حيث كانت قبل الإجابة تتأمَّل حركات يديه ووجهه وابتسامته..  ثم تبدأ في الإجابة، مُعبرة عن المواقف التي لم يعد بإمكانه أن ينطِق بها..

تفكرت كل هذا لحظة تقاطعنا عن بعد، في أحد شوارع مدينة فارغة زمن كورونا.. وكنت قد بدأت أشعر بالتعب، حيث شَكَّل لقائي بالشاعر السويدي مفاجأة لم أتوقعها. خرجت من أجل القيام بفسحة قصيرة، فإذا بي أصادف شاعرًا تشبه طريقة مشيه طريقتي في المشي، يكتب شعرًا، يبتسم متحدثًا ولا يتكلم.. ولأن المساء كان قد أعلن قدومه بعد غروب الشمس وتَوَقُّفِ خيوط أشعتها على نشر ما تبقَّى من نورها فوق المباني، فقد قررت العودة إلى بيتي مخافة أن أصادف في طريق عودتي بعض الحيوانات، التي شاهدت في الفيلم. كان الشاعر الذي التقيت به صحبة مرافقته قد غاب تمامًا عن ناظري، وقد يكون دخل إلى بناية من البنايات التي أمامي قاصدًا مقر إقامته..

واصلت السير وبدأت أقترب من مقر سكني، والتفت يسارًا نحو المنعطف الذي يجعلني ألج بداية الشارع الذي يُفْضِي إلى مسكني، وكان شارعًا كبيرًا ومليئًا بالأشجار العالية. كان الظلام قد بدأ يمهد لبداية الليل، وذلك رغم أضواء الشارع التي أرسلت ضياءها، فسمعت صوتًا يناديني باسمي، ولم يكن الصوت غريبًا عني رغم استحالة حصوله، كان الصوت الذي سمعت صوت والدي، الذي مَرَّ على وفاته ما يقرب من ثلاثين سنة، فانتابني مجددًا شعور عارم بالرهبة والخوف، وتساءلت كيف أسمع صوتًا اختفى صاحبه منذ ثلاثة عقود، استبعدت أن يكون الصوت لوالدي، والتفت نحو الجهة التي خَمَّنْت أن الصوت قادم منها، فلم أجد أحدًا.. رغم أن رنين النداء كان ما يزال حاضرًا في مسمعي.. أسرعت في المشي رغم أن رِجْلِي لا تسمح لي لا بالهرولة ولا بالسرعة، التي تقتضيها بعض الأحوال العارضة. واصلت السير، ثم التفت يمينًا ويسارًا لعلِّي أسمع وأرى ما يؤكد ما سمعت ورأيت سابقًا، فلم أسمع ولم أشاهد أحدًا.. ولم يتكرَّر النداء إلا في أذني..

ضفة ثالثة

———————————-

===================