نصوص

بين دهشتين: الموتُ يُنجزُ مهامه كقاتل مأجور!/ شمس الحسيني

في دمشق… دوائر الزمن والتحولات المعلقة إلى إشعار آخر وموسيقى النبض، تنشب أظافرها في أيامنا، تنبت كالشجر في أعيننا، ابتسامات الانتظار الذي نكرهه و نشتمه و نبدد بعده أقاويل الصبر، ونفخر باستعجالنا وضيق صدورنا، ونزيف الساعات من بين أصابعنا.

في ظلال الزمن الغريب، ودهشة الموت الذي جاء يمد ذراعيه إلينا بكرم حاتمي، تتسع الطرقات للموت في كل يوم بأشكال وأسماء مختلفة، بينما تضيق ممرات المشافي بوجوه عابرة تدخل ولا تخرج على الحال ذاته.

دمشق التي كانت ملاذاً لكل حالم، آوتني أنا أيضاً وأعطتني مساحة لإنجاز ما أردته لكنها باتت ضعيفة فجأة لا تقوى على حمل نفسها حتى.

المرضى والمصابون على حد سواء يحاولون النجاة وعقد اتفاقية جديدة مع الحياة أو ربما التعاقد على فترة أطول لا أكثر، إلا أن محاولاتهم كانت غالباً ما تفشل، في بلادي التي أجلت إعلان نكبتها حتى هذه اللحظة، وتجرعت كل ألوان الموت بوجه بارد يشيح نظره عن المأساة و يتجاهلها.

هذا وطن يتبادل الناس فيه خبزهم اليابس وصحن الفول، ويجتمعون على كأس من الشاي، ويتناقشون حول فوائد الشاي بالقرفة والفرق بينه وبين الشاي الأخضر.

يفتحون النوافذ لصوت فيروز المطل من شرفة الجيران، ويفرحون به في كل يوم وكأنه مسافر عاد من بلاد بعيدة، حاملاً غرائب الدنيا في حقيبته.

تبدلت الأحاديث الآن لتزدحم بتعابير القلق والوتيرة السريعة المشدوهة إلى ممرات العتم المرصوفة بعظام الموتى.

لطالما سمعتُ أحدهم يتباهى بمعرفته للصوت المدوي خارجاً إن كان قذيفة أو صاروخاً أو مدفعية، أو غير ذلك من الأسلحة التي باتت تعيش معنا تفاصيل يومنا و تتناول ملامحنا وقت الفطور وتتجول فوق رؤوسنا قبل هبوط المساء بمسافة لا تحتمل التنفس.

لم يكن يعني لي نوع السلاح وشكله لكنني كنت أسيرُ نحو الساحة الرئيسية وسط مدينة جرمانا – حيث أقطن- بينما أراقب السماء وأصغي جيداً متوقعةً هبوط قذيفة أمامي أو خلفي أو ربما فوقي تماماً، لأصبح رقماً جديداً في إحصاءات نشرات الأخبار أو الجرائد اليومية، أو بأحسن الأحوال، رقماً في جداول المنظمات المسؤولة عن تعداد الضحايا، أو حكاية يتناقلها أصدقائي تحمل مأساة طويلة بدأت منذ لحظة ولادتي حتى انتقالي إلى دمشق، ثم بداية الثورة وانهيار أحلامنا أمام شراسة الموت والجلاد والقاتل الأكبر، دون أمل يطل بنوره بين الحارات الضيقة في مدننا البائسة.

لستُ ممن يخافون الموت، فقد عشت الكثير من الحوادث التي قتلت رغبتي في الحياة، إلا أنني في تلك اللحظات (بانتظار هبوط القذائف كهطول المطر) كنتُ أرتعد كعصفور ضعيف، ضعيف جداً، وأبذل جهداً مضاعفاً كي تتحرك قدماي نحو تلك الساحة حيث ما زالت وجوه الموتى وأشلاؤهم عالقة على جدران الأبنية بعد أن غُسلت دماؤهم عنها.. فالأرواح لا ترحل من المكان أبداً، وكأن الموت يطلب المزيد في كل يوم، لم تنتهِ شهيته بعد، ولن تنتهي إلى أجل غير مسمى.

صار الخوف من أصوت القذائف والتفجيرات أقل شدة، فالموت الآن يقطن جسدي و لن يأتي من خارجه، كيف تخيفني قذيفة قد تنهي أنفاسي في لحظة بينما أعيش معركة مع موت بطيء يحمل من الألم ما لم أعرفه سابقاً و لم أكن أعلم أن له درجات تصل هذا الحد، ولا حتى من خلال الأفلام التي كنت قد شاهدتها سابقاً عن المصابين بالسرطان اللعين.

في الساحة ذاتها وبعد أن نجوت – مصادفة- مرات عدة من القذائف وأصوات الموت المتكررة، كانت عيادة الطبيب الذي اكتشف مرضاً خبيثاً يلتهم جسدي، اكتشاف هذا المرض يشبه اكتشاف أحفورة هامة قد تغير التاريخ، ومن قال إنها لم تغير حياتي لتنقلب رأساً على عقب.

كان لا بد من أن أترك عملي بعد أن قرر الطبيب خضوعي لـ 18 جرعة كيميائية متتالية “ستنهار صحتك بداية.. وقد تفقدين القدرة على الكلام والحركة لفترة معينة ثم تعمل الجرعات الأخيرة على إعادة النشاط لجسدك” هكذا قال الطبيب، دفعة واحدة، ودون أي مقدمات تشفع لقلبي الضعيف أمام ما ينتظرني من آلام اكتشفتُ فيما بعد أن كلام الطبيب لم يكن كافياً ليصف شدتها.

صار الخوف من أصوت القذائف والتفجيرات أقل شدة، فالموت الآن يقطن جسدي و لن يأتي من خارجه، كيف تخيفني قذيفة قد تنهي أنفاسي في لحظة بينما أعيش معركة مع موت بطيء يحمل من الألم ما لم أعرفه سابقاً و لم أكن أعلم أن له درجات تصل هذا الحد، ولا حتى من خلال الأفلام التي كنت قد شاهدتها سابقاً عن المصابين بالسرطان اللعين.

مشفى المواساة، لي ذكريات كثيرة هناك، في المزة تلك المنطقة التي يعرفها جيداً كل من عاش في دمشق الحزينة منذ حقب. بدأتُ العلاج، وبدأت تتغير ملامحي حتى صرتُ أخشى أن أستيقظ وأنظر في المرآة لأرى شبحاً شاحباً يحوم الموت حوله طوال الوقت.

كانت مشفى البيروني في حرستا خارج الخدمة بسبب المعارك الدائرة هناك، لذلك افتتح قسم في المواساة لعدد من السنوات خاص بعلاج (الطب النووي) أي ذلك المكان المخيف الذي يتحول الناس فيه إلى هياكل عظمية خالية من الحياة.

في الممرات الداخلية كنت أنتظر دوري وأراقب انهيار المرضى من حولي وسقوطهم على الأرض تباعاً، فأبتلع صوتي وأشد عزيمة قلبي ليحتمل ما سيأتيه بعد دقائق قليلة، وأقرر سلفاً أنَ علي تحمل الألم كي لا أُخيف الآخرين، لكنني حقاً لم أستطع ذلك ولا مرة. بكيت كطفل صغير مع كل قطرة دخلت وريدي من ذلك (السيروم) الكيماوي القاتل، نعم يعلم كل من تعرض لهذه الجرعات أن الكيماوي يزيد الأمر سوءاً في جسد المرضى، ولا أدري كيف قاموا بإقناعي في كل مرة أن أذهب للجرعات مجدداً.

إلى يمين الطريق مشهد يمتد إلى ما لا نهاية، حطام لا أكثر، منازل مهدمة و بقايا أعمدة إسمنتية أنهكها الانتظار، وبضع جرافات تترقب حمل ما تبقى من أحلام المهاجرين نحو تلال إسمنتية إلى يسار الطريق.

نحو حرستا يمتلئ الطريق للمرة الأولى بالحافلات و الحركة المرورية بعد سنوات طويلة، أٌوقف خلالها مشفى البيروني عن العمل.

إلى يمين الطريق مشهد يمتد إلى ما لا نهاية، حطام لا أكثر، منازل مهدمة و بقايا أعمدة إسمنتية أنهكها الانتظار، وبضع جرافات تترقب حمل ما تبقى من أحلام المهاجرين نحو تلال إسمنتية إلى يسار الطريق.

هنا كان للحياة شكل آخر قبل بضعة أعوام فقط، قبل أن يشعر الطاغية باستيقاظ الناس من وهم زرعه في صدورهم عنوة.

غيمة من الغبار تحيط بالمكان تحجب ملامحه لكنني لازلت أستطيع رؤية الحزن يعبث بتلك الحواري الفارغة تماماً، حيث خزان الموت لم يفرغ بعد.

من الغريب رؤية مشفى البيروني إضافة إلى المشفى المجاور له المسمى (مشفى الشرطة) يقفان وحدهما وسط ذلك الدمار.

الفراغ كان قد ترك أثره على “البيروني” وغياب كل هؤلاء المرضى بسعالهم و تقيؤهم و نزيفهم على أرضها، فالغياب يفقد الأشياء ملامحها، ويكسر فينا الاعتياد وكأنك تنفصل إلى أجزاء وشظايا لا يمكن جمعها مجدداً.

تابعت العلاج هناك بعد أن عاد المشفى إلى العمل، و كنتُ أراقب الطريق خلال ذهابي جيداً لأحفظ صور الدمار في ذاكرتي، أما العودة فغياب دائم لذاكرتي لأن الألم يطغى حينها على كل شيء.

فقدتُ إرادتي على النجاة حتى، تمنيتُ لو أنني وقفتُ في تلك الساحة و احتضنتُ قذيفة ما في قلبي، بدل أن تمزق شغافه تلك الجرعات، تمنيتُ لو أطلقتُ صرخة خوف عالية قبل أن تخفي صوتي تلك الأدوية، صرتُ أخشى فقط أصوات الناس من حولي، دموعهم و تلك الشفقة التي تستنزف ما تبقى من قوتي، أصوات الناس كابوساً لا أحتمله، أردت فقط أن أبقى وحيدة، في عزلة لا يخترقها أحد.

أدركتُ حينها أن الألم الجسدي لا يقل أهمية أبداً عن الألم النفسي، يقولون أمثال كثيرة و حكم و عبارات تمجد آلام الروح و تخفف من وطأة آلام الجسد، لكن هذه التجربة جعلتني أرى كل شيء بطريقة مختلفة تماماً.

في غرفة باردة تتضمن جهازاً ضخماً يتوسطها، خلعت حذائي وتمددت كجثة يابسة، بدأ الجهاز يعمل، ضوء ساطع أجبرني على إغلاق عينيّ،  حبس أنفاسي، و شعرتُ دون أن أفتحهما باقتراب قطعة مستطيلة من سطح الجهاز فوقي تماماً، حتى صار يشبه الصندوق المغلق: قبرٌ مضيء يقرر انتقال المرض إلى العظم من عدمه، نصف ساعة أشبه بالموت أمضيتها في مقاومة ذلك الشعاع الذي اخترق حتى عينيّ المغمضتين.

النتيجة كانت جيدة، لم يحبذ السرطان عظامي مسكناً له، أما تلك الآلام فهي طبيعية برأي الطبيب، أردتُ حقاً أن أشكره على عامين من الألم، لكنني لم أستطع، فهذا الشكر كذبة لم أقوَ على اختراعها.

ما هذا الخراب المتسلل والمتلصص في جسمي؟!

ما هذا اليباب الذي يتجوّل مبتسماً بين أزقةِ وطني؟!

سرد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق