سياسة

رسائل رامي مخلوف إلى بشار الأسد -ملف يحوي عشرات المقالات والتحليلات المختارة- ملف محدث بشكل مستمر

========================

رسائل رامي مخلوف إلى بشار الأسد/ صادق عبد الرحمن

ليست جديدة مسحة الورع والتقوى التي ظهرت يوم أمس على رامي مخلوف، فهو كان قد اعتاد، في منشوراته على فيسبوك، على استدعاء اسم الله في كل وقت، مُفتتحاً بالبسملة أو بالسلام الإسلامي الفصيح، ثم مُحدِّثاً بنعمة الله عليه. لكنّ ما بدا واضحاً في الفيديو الذي نشره مساء أمس هو أن هذه المسحة الإيمانية لها غرضٌ آخر غير المداعبة المبتذلة لمشاعر المؤمنين من متابعيه؛ لقد أصرّ مراراً على أن يقول إن الله قد «سَخَّرَه» لفعل الخير عبر أمواله التي أنعم بها عليه، مؤكداً بنبرة تصبح أكثر حزماً وأقرب إلى الغضب عند قول هذه العبارات بالذات، أن «الفضل والعز والكرامة» لله وحده، وأن الله «هو العزيز… يعزّ من يشاء».

يقول رامي مخلوف إذن إن العزّ الذي يعيش فيه من فضل الله وحده، وليس من فضل آل الأسد أو غيرهم. يعرف مخلوف أن أحداً لن يصدقه طبعاً، بما في ذلك أعتى أنصاره وأنصار ابن عمته بشار الأسد، إذا ليس خافياً على أحد كيف صعد الشاب سريعاً في السنوات الأولى من مطلع القرن الماضي ليصير رجل أعمال النظام الأول في سوريا. ولا يبقى سوى احتمال واحدٌ لهذه المناكفة الغاضبة، وهو أن مخلوف يقول لعائلة الأسد إنه ليس من حقهم اقتطاع ما يريدونه من أمواله على هواهم، يقول لهم ذلك عبر فيديو على فيسبوك، ما يشير إلى احتمال انقطاع الاتصالات المباشرة بينهم، أو إلى حاجة رامي مخلوف إلى توجيه رسالة علنية تقيه من إجراءات أكثر قسوة قد يتعرض لها.

في الفيديو نفسه، ينفي رامي مخلوف أن تكون شركاته، ومن بينها سيريَتِل، قد قصّرت في سداد التزاماتها من ضرائب وحصص من الأرباح، مضيفاً أن سبعين بالمئة من أرباحها تذهب إلى الأعمال الخيرية والإنسانية. يتحدث رامي عن ضرائب على أرباح سيريَتِل بلغت ما يقارب عشرة مليارات ليرة سورية سنوياً خلال السنوات الأخيرة، ويذكر أن الرقم الذي تتم مطالبته به الآن يبلغ نحو مئة وخمسة وعشرين مليار ليرة، أي ما يقارب مئة مليون دولار بأسعار تصريف اليوم، مؤكداً أن مؤسسات الدولة ليست محقة في مطالبتها بدفع هذا المبلغ، وأنها بمطالباتها هذه تخالف العقود المبرمة بين الطرفين أصلاً.

يتوجه مخلوف بحديثه مباشرة إلى الأسد، شاكياً له أن «المعنيين» يظلمونه، وأنهم يقولون إن ما يقومون به جاء بتوجيهات من بشار نفسه. ولكن ما الذي يطلبه رامي؟ يطلب أن يشرف بشار الأسد بنفسه على صرف هذا المبلغ على «الفقرا» كي «يسدّ جوعهم» الناتج عن تقصير هؤلاء «المعنيين» أنفسهم، باعتبار أن المبلغ سيتم اقتطاعه بتوجيه من الأسد، وأن الأسد «مؤتمن» من الله على مصير هؤلاء «الفقرا».

لا يطلب رامي إعفاءه من دفع المبلغ إذن، وهو بعد إعلانه عن استعداده لمراجعة كل الحسابات والوثائق، وبعد احتجاجه الشديد، يقول إنه لا يريد «إحراج السيد الرئيس»، ولا يطلب منه شيئاً سوى أن يشرف بنفسه على صرف المبلغ إلى مستحقيه. تُفلت من بين شفتي رامي تعابير تنم عن عدم توقيره للأسد؛ يقول بنبرة ساخرة «حتى ما تحرج حالك وتقلهن… لااااء… معلش والله… دققولي واعملولي»؛ إذن حتى لا يُحرج الأسد نفسه بطلب التدقيق، ورغم أنه يتمنى أن يحصل هذا التدقيق، يعلن مخلوف استعداده لدفع المبلغ في حال الإصرار عليه، وذلك تنفيذاً لأوامر السيد الرئيس.

لكن مخلوف يعود ليقول إنه أصلاً، وحتى لا يُحرج بشار الأسد ولا يكون عبئاً عليه، كان قد أوقف كل أعماله الربحية في سوريا وتحول إلى العمل الخيري منذ العام 2011؛ يقول ذلك بمناسبة حديثه عن أنه لا يملك المبلغ المطلوب «تحت البلاطة»، وعن أنهم إذا كانوا يريدون اقتطاع المبلغ فليقتطعوه من شركة سيريتِل نفسها، مقترحاً أن تتم «جدولة المبلغ» على نحو لا يؤدي إلى انهيار شركة الاتصالات الكبرى، التي يستفيد من خدماتها ملايين المشتركين، وآلاف المساهمين والموظفين.

الخلاصة إذن أن مخلوف يقول للأسد إنه لن يدفع فلساً واحداً من أمواله الموجودة خارج حصته من الشركة، مؤكداً أنه «لا علاقة له نهائياً» بالمسألة كشخص، وإن الأمر برمته ينبغي أن يتم حله بين الشركة والجهات المعنية. يؤكد في نهاية الفيديو مجدداً أن «الله هو العاطي»، ويكرر مناشدته لبشار الأسد أن يشرف بنفسه على توزيع المبلغ على مستحقيه من الفقراء، لأنه لا يثق بـ«الطاقم الموجود» الذي يقوم على الأمر.

لا نعرف على وجه اليقين ما هي الظروف التي قادت مخلوف إلى هذا الفيديو الاستثنائي، الذي ينشر فيه بعضاً من «غسيل العائلة الوسخ» في ضوء النهار، لكن الأخبار المتواترة منذ خريف العام الماضي، عن حجز حكومة النظام السوري على أموال مخلوف لإلزامه بدفع مستحقات ضريبية ضخمة، ثم عن وضعه في الإقامة الجبرية، وعن تحقيقات مع مقربين منه، تقود إلى استنتاج أن بشار الأسد يريد من مخلوف أن يعيد قسماً كبيراً من الأموال التي جناها عبر النهب الاقتصادي الهائل طوال سنوات، وأن هناك مساعي للحد من نشاط مخلوف الاقتصادي في سوريا لصالح صعود شركاء أو وكلاء جدد للسلالة الأسدية، ربما يكون من بينهم مقربون من أسماء الأسد كما تقول بعض الأنباء.

ومثل جميع الأخبار المتعلقة بعوالم الأسدية الخلفية، لا نستطيع التثبت من أي شيء على نحو قاطع، حتى أنه ليس مقطوعاً فيما إذا كان مخلوف موجوداً اليوم في سوريا أم خارجها، لكن الفيديو بما يحتويه من تلميحات تشير إلى تمرد مخلوف على ابن خاله، وإلى رغبته بإقحام «الرأي العام» في المسألة، يقول إن المشكلة قد وصلت إلى ذروتها تقريباً. وليس هناك من تفسير لهذا الفيديو سوى أحد احتمالين؛ الأول أن بشار الأسد يُعدّ رامي مخلوف كي يكون كبش محرقة «مكافحة الفساد» الجديد في سوريا، من خلال تحميله وزر النهب المديد للاقتصاد السوري، واقتطاع أموال من ثروته تساعد النظام على الخروج من محنته الاقتصادية وتسديد بعض ديونه لروسيا أو غيرها، وهو الأمر الذي يحاول مخلوف النجاة منه عبر تصعيد علني يقيه احتمالات أكثر سوءاً، ربما يكون من بينها «الانتحار برصاصة في الرأس». أما الاحتمال الثاني، فهو أن يكون الأمر كلّه مسرحية روسية أسدية، تفضي إلى إخراج رامي مخلوف من الاقتصاد السوري كي يتفرّغ لإدارة امبراطوريته الاقتصادية العملاقة في بيلاروسيا. في هذا السيناريو، تستطيع روسيا أن تقول إنه تم تطهير الدولة السورية من الفساد، وإن البلد ونظامه باتا جاهزين لإعادة الإعمار والانخراط «في عملية سياسية جدية»، كما أن «خزينة الدولة السورية» ستحصل على أموال مهمة جداً في مرحلة كهذه.

قبل هذا الفيديو، تواترت أنباء عن كشف شحنات من المخدرات خرجت من سوريا إلى دول أخرى منها مصر والسعودية والإمارات، وتم اتهام مخلوف بالمسؤولية عن شحنة مصر تحديداً، التي ضبطتها السلطات المصرية في علب حليب من إنتاج شركة «ميلك مان» المملوكة لرامي مخلوف. كان مخلوف قبل أيام قد نشر على صفحته على فيسبوك قائلاً إن هذه القضية مؤامرة من «أشخاص لا يهمهم إلا أنفسهم وتضخيم ثرواتهم»، للنيل من مشروع «ميلك مان» الذي وصفه بأنه «تنموي إنساني» يهدف إلى مساعدة منتجي الألبان السوريين على تصريف إنتاجهم.

بعد الفيديو، بات يسعنا أن نستنتج أن الكشف عن تلك الشحنة كان جزءاً من محاولة تضييق الخناق على مخلوف، عبر إفهامه أنه لا يستطيع الحركة دون تسهيلات «الجهات المختصة» التي تمسك بكل شيء. ولعلّ هذا ما دفع مخلوف إلى الخروج في فيديو بعد أيام قليلة، ذلك أن ربط اسمه بالاتجار بالمخدرات مؤشرٌ يقود إلى ترجيح الاحتمال الأول؛ أن الأسد يريد الخلاص منه، حياً أو ميتاً.

ربما تكشف الأيام والأسابيع القادمة مزيداً عن خلفيات المسألة ومآلاتها، وربما يتم طيها بحيث لا نعرف عنها شيئاً إضافياً أبداً في أي وقت. لكن الفيديو يقول أشياء كثيرة على أي حال؛ رجل متواضع الذكاء ومعدوم الضمير تماماً، يحتقر السوريين عبر كلمات من قبيل «سد جوع الفقرا»، ويتحدث عن نفسه كما لو كان مديراً فخرياً لمؤسسة خيرية، مكرراً الأكاذيب التي يعرف حقيقتها حتى الأطفال في سوريا، وفي ثنايا حديثه يبوح بأرقام مذهلة عن حجم أرباحه من شركة واحدة من شركاته الكثيرة، التي تبدأ بقطاع الاتصالات وتمرّ بقطاع النفط ولا تنتهي عند منتجات الألبان؛ هذا الرجل كان الشخصية الاقتصادية الأبرز في سوريا طيلة عقدين من حكم بشار الأسد، وهو ومن يشبهونه يتحكمون برقاب السوريين وأرزاقهم، ويسوقون البلاد وأهلها في قلب محرقة لا تتوقف.

حتى حليب الأبقار لم تُكتب له النجاة من قبضة مخلوف الاقتصادية، وها هو بعد أن مكّنه الأسد من لقمة عيش السوريين لسنوات طويلة، يبدأ بـ«الترفيس» رافضاً أن يعترف لبشار الأسد بالفضل، وناسباً الفضل كلّه إلى الله وحده. قال رامي مخلوف أكثر من مرة في الفيديو إن الله «سخرّه» لخدمة السوريين، واستخدم التعبير نفسه عند حديثه عن بشار الأسد قائلاً إنه بدوره مسخرٌ من قبل الله لخدمة السوريين. إذن، ورغم تذلّل رامي مخلوف لبشار الأسد في بعض المقاطع، إلا أنه وضع نفسه على صعيد واحد معه في الوقت نفسه، وهذه فعلةٌ خرقاء لم يجرؤ عليها أحدٌ في تاريخ الأسدية كلّه، ربما باستثناء رفعت الأسد، الذي يتنعم حتى اليوم بالأموال التي «أعطاه» الله إياها دوناً عن الناس جميعاً.

موقع الجمهورية

———————–

خلاف نادر في رأس النظام السوري يظهر للسطح.. ابن خال الأسد يكشف المستور ويناشده، فما القصة؟/ أسامة أبوضهير

بدأ الخلاف في عائلة رئيس النظام السوري بشار الأسد التي كانت متماسكة ذات يوم بالظهور إلى العلن بين عشية وضحاها، وذلك عندما وجه ابن خاله رامي مخلوف نداءً مباشراً ونادراً لبشار الأسد للمساعدة في إنقاذ إمبراطوريته، عبر صفحته بموقع فيسبوك، الخميس 30 أبريل/نيسان 2020، وذلك بعد قرار بالاستيلاء على أصوله وفرض غرامات كبيرة جداً على شركاته من قبل النظام السوري.

ظهور مخلوف، أحد أغنى الرجال في سوريا، في فيديو نادر، عبر منصة التواصل الاجتماعي، كسر الصمت المعتاد حول الخلافات الموجودة في رأس النظام السوري، حيث يعد ظهور مخلوف هو الأول له منذ نحو 9 سنوات.

ما الذي أغضب مخلوف وجعله يناشد الأسد؟

يبدو أن مخلوف وصل إلى حالة من اليأس، في أزمته مع النظام، وقرر أن يتحدث علانية عن ذلك بشكل علني، فظهر بفيديو من مكان مجهول مدته 15 دقيقة، يروي فيها ما الذي جرى بينه وبين حكومة دمشق.

بدأت القصة في الـ19 من شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، عندما قررت المديرية العامة للجمارك التابعة للنظام في سورية بإلقاء الحجز الاحتياطي على أموال رامي مخلوف المنقولة وغير المنقولة بهدف ضمان تسديد مبلغ 1.9 مليار ليرة سورية (نحو 2 مليون دولار وفق سعر الصرف الحالي لليرة) على خلفية “الاستيراد تهريباً لبضاعة ناجية من الحجز”.

هذا القرار جاء  بعد معلومات راجت في أغسطس/آب الماضي بشأن وضع مخلوف وبعض أفراد عائلته قيد الإقامة الجبرية في دمشق، بسبب تقاعسه، وفق ما جرى تداوله آنذاك، عن دفع مبلغ ملياري دولار طلبه منه النظام ليدفعه إلى روسيا، كجزء من فاتورة الحرب المترتبة على النظام.

وفي مناشدة مباشرة للرئيس في مقطع فيديو مدته 15 دقيقة، اتهم مخلوف النظام السوري بظلمه، بعد قرار “الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد” إنذار شركتيه بضرورة دفع المستحقات البالغة 233.8 مليار ليرة (نحو مليار دولار) قائلاً إن “الدولة ترجع إلى عقود تمت الموافقة عليها بين الطرفين، ولا يمكن لها تغييرها، وبالتالي هي غير محقة”.

مخلوف أكد أن شركاته من أكثر الشركات الملتزمة بدفع الضرائب، وهي من أبرز رافدي الاقتصاد والخزينة، مشيراً إلى أنه سيدفع ضرائب تصل إلى 130 مليار ليرة (606 ملايين دولار)، لأن الدولة قررت ذلك بتوجيه من الأسد.

رسالة موجهة للأسد: كما وجه رجل الأعمال السوري مخلوف رسالة لرئيس النظام بشار الأسد قال فيها: “أتوجه إلى سيادة الرئيس من أجل شرح بعض المعاناة التي نعانيها، لأن هذه الشركات تخدم الدولة، وأنا فقط جزء بسيط، وأدير هذا العمل”.

تابع قائلاً: “لن أحرجك، ولن أكون عبئاً عليك، مثلما خرجتُ في أول الحرب عندما وجدتُ نفسي عبئاً عليك، وتنازلتُ عن أعمالي كلها، وقدمت تنازلاً عن كل شيء، ومن أجل عدم وضعك في موقف حرج، أطلبُ التدقيق، وسألتزم بتوجيهاتك التي أحترمها، وواجب عليّ تنفيذ أمرك بما يرضي الله”.

فيما ختم مطالبه للأسد بأن تتم جدولة الضرائب، لتحمي شركاته من الانهيار.

فيما لم يصدر أي تعليق رسمي من النظام حول طبيعة الخلاف مع مخلوف حتى كتابة التقرير.

ما سبب هجوم النظام على شركات مخلوف؟

على مدى 9 سنوات من الحرب الأهلية في سوريا، لم تظهر للعلن أي بوادر خلافات في رأس النظام بهذا الشكل، ما قد يطرح تساؤلات عديدة حول سبب ظهورها الآن خاصة بعد أن تمكن الأسد بمساعدة روسيا وإيران، من استعادة سيطرته على غالبية المدن الرئيسية في البلاد.

تقول صحيفة Independent البريطانية إن هذا التحرك يعتبر جزءاً مما أُطلِقَ عليه “تحقيقاً لمكافحة الفساد”، طال العديد من الشخصيات الأخرى في القطاع الخاص السوري، كما واعتقد كثيرون إنه جزءٌ من خطوةٍ لإجبار أغنى الأغنياء في سوريا على منح ثرواتهم لإنقاذ البلاد من الإفلاس في ظلِّ تصاعد الضغوط على سوريا من جانب حليفتها روسيا.

ومن غير المعلوم ما الذي أشعل النزاع في عائلة الأسد، غير أن هناك تكهُّناً بأن روسيا، التي ضاقت ذرعاً بالحرب المُطوَّلة وباهظة التكلفة في سوريا، قد مارست ضغوطاً على الأسد.

وأفادت وكالة Bloomberg الأمريكية هذا الأسبوع بأن روسيا ينفد صبرها بصورةٍ متزايدة على الأسد، وسط انهيار أسعار النفط وتفشي جائحة فيروس كورونا المُستجَد، وكانت حريصةً على تخليص نفسها من الحرب.

وقالت الوكالة إن مقالاً ظهر لمدة موجزة على موقعٍ إخباري، مرتبط بأشخاصٍ داخل الكرملين، كان يهاجم الأسد باعتباره فاسداً.

كما أفادت الوكالة بأن مقالات وتعليقات أخرى قد نُشِرَت وتضمَّنَت انتقاداتٍ لاذعة ضد الحكومة في دمشق لعدم مرونتها في المفاوضات مع المعارضة.

من هو رامي مخلوف؟

يعد رامي مخلوف (51 عاماً) من الحاشية المقربة جداً من الأسد، فهو بالدرجة الأولى ابن محمد مخلوف خال بشار الأسد، ويعتبر من أكبر الشخصيات الاقتصادية في سورية، فقد قُدرت ثروته عام 2008 بنحو 6 مليارات دولار.

لطالما وصف مخلوف بأنه “خازن مال” عائلة الأسد، إذ شكّل مع والده محمد مخلوف وأشقائه ضابط الأمن حافظ والضابطين في الجيش إيهاب وإياد، الواجهة التي تدير أموال رأس النظام الحاكم، هذا عدا عمّا تملكه عائلة الأسد مباشرة، عبر رئيس النظام وأقاربه من آل الأسد.

بحسب العديد من التقارير الإعلامية فإن لدى مخلوف استثمارات في قطاعات الاتصالات والنفط والغاز والتشييد والخدمات المصرفية، وشركات الطيران والتجزئة، كما تقول مصادر سورية متطابقة، إنه لا يمكن لأي شخص سوري أو غير سوري، ولا لأي شركة، القيام بأعمال تجارية في سورية من دون موافقته ومشاركته.

كما تمتد إمبراطورية مخلوف لتشمل شركة سيريتل الخاصة للهواتف المحمولة، والتي تُعد هي وشركة MTN الشركتين الوحيدتين اللتين تعملان في هذا المجال داخل سوريا.

يعتبر مخلوف من الداعمين الداخليين الأساسيين لنظام الأسد، ومصدر تمويل مهم لهم خلال الثورة السورية، لذلك قامت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات متكررة كان أولها عام 2008.

كما يعتقد أن مخلوف كان قبل الثورة السورية عام 2011 ، يسيطر على أكثر من 50% من اقتصاد البلاد.

اكتسب نجلا مخلوف محمد وعلي سمعة سيئة لتوثيق أنماط حياتهم الباهظة بما في ذلك السيارات باهظة الثمن وعطلات المنتجعات الفاخرة والرياضات المائية على حساباتهم الشهيرة على إنستغرام، في وقت تعاني فيه بلادهم من أزمة كبيرة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. 

————————————-

رد مفاجئ من رامي مخلوف على الإجراءات المتخذة ضده

ابن خال بشار الأسد يتمسك بعمل جمعية تابعة له

رد رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد بشكل مفاجئ على الإجراءات التي اتخذتها السلطات ضده في الأشهر الماضية، مشيرا إلى تمسكه بـ«العمل الخيري».

وكتب مخلوف على صفحته في «فيسبوك»: «بعدما نُشِر منذ أيام بخصوص التبرع بهذا الشهر المبارك الكريم لمساعدة أهلنا، قامت الدنيا وما قعدت وبدأت التهديدات بإيقاف جميع أعمالنا لكوننا تجرأنا بإظهار تقديم المساعدة للمحتاجين بشكل عَلَني إضافة إلى ظهورنا بتمويل جمعية البستان. ويبقى السؤال: لماذا كلما زاد العطاء، زادت النقمة؟». وتابع: «كنّا منذ عدة سنوات وما زلنا ندفع وبشكل شهري مليار ونصف مليار ليرة سورية وكلها يذهب للعمل الخيري لدعم أهلنا وخدمة الجرحى ورعاية ذوي القتلى».

وكانت «جمعية البستان» تعرضت لإجراءات ضمن سلسلة من الخطوات التي اتخذتها دمشق ضد شركات مخلوف وشبكاته، بينها شركة «سيريتل» للهاتف النقال وشركة السوق الحرة.

كانت الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد الحكومي أنذرت شركتي «سيريتل» و«إم تي إن» للهاتف النقال بسداد نحو 234 مليار ليرة سورية (الدولار الأميركي يساوي 1300 ليرة) لخزينة الدولة تحت طائلة «اتخاذ الإجراءات القانونية» بحقهما، وذلك لإعادة التوازن إلى الترخيص الممنوح لكلتا الشركتين.

وحددت الهيئة موعدا نهائيا ينتهي بتاريخ 5 مايو (أيار) المقبل، للامتثال لقرار مجلس المفوضين المتضمن اعتماد نتائج عمل اللجنة المشكلة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم – 1700 – بتاريخ 19 سبتمبر (أيلول) عام 2019، أي خلال الفترة التي بدأت فيها دمشق إجراءات ضد مخلوف وشركاته. وقال الهيئة: «في حال عدم الالتزام بالسداد ضمن المهلة المحددة ستقوم الهيئة باتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة لضمان حقوق الخزينة العامة».

ونقلت وسائل إعلام رسمية عن باحثة اقتصادية سورية قولها إن تعديل صيغة العقود المبرمة مع شركتي الجوال في البلاد فوتت على الخزينة أكثر من 338 مليار ليرة (نحو 482 مليون دولار).

وكانت مواقع إلكترونية سورية ذكرت قبل أيام أن وزارة المالية قررت حجز أموال شركة تابعة لمخلوف، هي «آبار بتروليوم سيرفيس» المسجلة في بيروت، وتعمل في مجال صفقات نقل الوقود والمواد النفطية، وقد ورد اسمها في وقت سابق ضمن قائمة العقوبات الأميركية.

وبحسب القرار، الذي نشر موقع «سناك سوريا» نسخة منه، فإن الحجز الاحتياطي جاء ضماناً لحقوق خزينة الدولة من الرسوم والغرامات المتوجبة في قضية تعود لعام 2019. و«تتعلق بمخالفة في حكم الاستيراد تهريباً لبضاعة ناجية من الحجز، قدرت قيمتها بنحو ملياري ليرة سورية، ورسوم تتجاوز 200 مليون، وغرامات تصل إلى أكثر من 8 مليارات ليرة سورية».

وكان مخلوف قد نفى ارتباطه بشركة «آبار بتروليوم سيرفيس»، لكنه قال إنه دفع 7 مليارات ليرة نيابة عنها في قضية الاستيراد تهريباً. وقال الموقع: «قرار الحجز الجديد يظهر أنه لا تزال هناك رسوم وغرامات لم يتم تسديدها، ما استدعى الحجز على أموال الشركات والأشخاص الواردة أسماؤهم في القضية ذاتها».

وأصدرت المديرية العامة للجمارك السورية قراراً بالحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة لمخلوف وزوجته.

——————-

رامي مخلوف يتوسل الاسد لتقسيط ضرائبه وتوزيعها على الفقراء

ظهر رجل الأعمال السوري وابن خال رئيس النظام رامي مخلوف، في تسجيل مصور على صفحته على “الفايسبوك” بعنوان: “كن مع الله ولا تبالي”، ليؤكد وجود حرب داخل أركان النظام، تشنها عليه زوجة رئيس النظام أسماء الأسد من دون تسميتها، فيما استجدى بشار الأسد لمساعدته.

وتحدث مخلوف في المقطع الذي نشره ليل الخميس/الجمعة، عن “ظلم وقهر” يتعرض لهما من النظام، خصوصاً في ما يتعلق الطلب إليه دفع مبالغ بمئات ملايين الدولارات، تقول حكومة النظام إنها مترتبة على شركتي “سيرتيل” و”MTN” للاتصالات الخلوية.

وناشد مخلوف، بشار الأسد، مساعدته في حل قضية الاتهامات التي وُجهت لشركة “سيرتيل” المملوكة له، ودعمه في عدم انهيارها.

وكانت الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد في سوريا اتهمت الاثنين، شركتي “سيرتيل” و”MTN” بعدم دفع الضرائب لحكومة النظام، البالغة 233.8 مليار ليرة سورية.

وقال مخلوف إن “الدولة ليست محقة لأنها ترجع إلى عقود تمت بموافقة الطرفين، ولا يحق لأحد أن يغيّرها، ويحق لنا أن نعترض”. وأضاف أن “مؤسساتنا من أهم دافعي الضريبة، وأهم رافدي الخزينة بالسيولة، وأكبر المؤسسات التي تعمل في سوريا”، موضحاً أن “سيريتل” لم تقصر في دفع مستحقاتها الضريبية، أو في تقاسم أرباحها مع نظام الأسد، والتي تعادل نصف أرباحها بالضبط.

وتوجه مخلوف إلى الأسد قائلاً: “أتوجه إلى سيادة الرئيس من أجل شرح بعض المعاناة التي نعانيها، لأن هذه الشركات تخدم الدولة، وأنا فقط جزء بسيط وأدير هذا العمل”. وأبدى استعداده لفتح كل أوراق الشركة، قائلاً: “أنا لن أحرجك ولن أكون عبئاً عليك، مثلما خرجت في أول الحرب عندما وجدت نفسي عبئاً عليك، وتنازلت عن أعمالي كلها، وقدمت تنازلاً عن كل شيء”.

وقال: “من أجل عدم وضعك في موقف حرج، أطلب التدقيق، وسألتزم بتوجيهاتك التي أحترمها، وواجب علي تنفيذ أمرك بما يرضي الله”. وطلب من الأسد أن يكون هو المشرف شخصيًا على توزيع المبلغ على الفقراء، وطلب أن تكون طريقة الدفع عبر جدولتها بطريقة مُرضية، من أجل عدم انهيار الشركة.

وأضاف مخلوف أن شركة “راماك” التي تملك 45 في المئة من “سيريتل” تمنح 70 في المئة من أرباحها للعمل الخيري الإنساني. وأكد أن حكومة النظام نبشت عقوداً قديمة، تمت بمراضاة الطرفين، لإجبارهم على دفع المبلغ، قائلاً: “يحق لنا الاعتراض ومقاضاتهم”.

وقال إن هيئة الاتصالات، التابعة للنظام، تحاسبه على أمور افتراضية تتعلق بمصاريف مؤسساته ورواتب عمالها. وأوضح أن نقطة الخلاف الثانية تتمثل بالضريبة، موضحاً أنهم يدفعون سنوياً 10 مليارات ليرة أو ما يقاربها. وقال: “هذا رقم مذهل أفتخر به لبناء (الدولة)”.

المدن

——————————–

مخلوف المطرود “من الباب”..يستجدي الأسد “من الشباك

أخرج النظام السوري رجل الاعمال رامي مخلوف من الباب، فحاول أن يعود من النافذة، وذلك بلجوئه الى مواقع التواصل لمخاطبة ابن عمته الرئيس بشار الاسد، متوسلاً وضع آلية لسحب الـ130 مليار من شركة “سيرياتل” التي تعتزم الحكومة سحبها.

واللجوء الى “لايف” في حساباته في مواقع التواصل، مخاطباً الاسد، فهذا يعني حكماً أن مخلوف مطرود، أقفلت أمامه السبل للقاء ابن عمته وأحد أبرز داعميه في حقبة ماضية للسيطرة على أهم موارد الدولة السورية والاستثمار فيها وتحقيق أرباح مذهلة، يتباهى بها ابنه على يخوته وطائراته الخاصة في الخارج.

أما السبب الثاني الذي يدفعه للجوء الى مواقع التواصل، فهو لتبرئة نفسه امام الرأي العام، وللقول ان الثروات التي كسبتها كنت مجبراً على انفاقها لتمكن النظام من الصمود منذ 2011، لتثبيت الولاءات عبر الانفاق الاجتماعي على الاسر الفقيرة.

ويحاول مخلوف الذي يزعم التفرغ للاعمال الخيرية، ان يضع نفسه في موقع المظلومية، بالقول أنّه يتشارك “مع الدولة” الأرباح مناصفةً، قائلا إن شركته تقاسم عائداتها والأرباح مع الدولة بالمناصفة هذا بخلاف دفع الضرائب، وأضاف “كنّا منذ عدة سنوات وما زلنا ندفع وبشكل شهري مليار ونصف مليار ليرة سورية وكلها يذهب للعمل الخيري لدعم أهلنا وخدمة الجرحى ورعاية ذوي القتلى”.

والتحرك الالكتروني، هو الثاني للتعبير عن انزعاج من الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها ضده الحكومة السورية لجهة إجباره على الدفع، علماً أن الضغوطات بدأت منذ فترة عليه. كان مخلوف شن الخميس هجوماً مضاداً على الإجراءات التي اتخذتها السلطات ضده في الأشهر الماضية، وأكد تمسكه بـ”العمل الخيري”.

ومنذ نهاية العام الماضي، كثّف الأسد حملاته على مخلوف، فأطلق أحكاما تقيّد فيها شركات ومصالح الأخير، وآخرها حين أصدرت المديرية العامة للجمارك التابعة للنظام في سوريا قرارا بإلقاء الحجز الاحتياطي على أمواله مع آخرين من رجال الأعمال، ويضمن قرار الجمارك الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة لمخلوف وزوجته أيضا.

والأسبوع الماضي، صادرت جهات سورية أموال مخلوف، على وقع انتقادات روسية غير مسبوقة للأسد، وفضيحة تتعلقّ بمخلوف كشفتها السلطات المصريّة.

وقال مخلوف في الفيديو مخاطبا الأسد: “لن أحرجك ولن أكون عبئا عليك ولكني أريد أن أشرح لك الموقف” وأضاف :” أنت تعرف كم قدمت منذ بداية 2011 وكيف تنازلت عن الأملاك علناً”. وطلب من الرئيس السوري ارسال من يشاء لتدقيق الأوراق” وهذه هي الحقيقة ولكني تعبت من هذا الطاقم”.

وقال مخلوف أن شركته تتقاسم عائداتها والأرباح مع الدولة بالمناصفة، هذا دوناً عن دفع الضرائب و”نحن نخدم الدولة”. وأشار إلى أن الدولة غير محقة بمطالبها ويحق له أن يقاضيها وسيضع كل الوثائق في الوقت المناسب.

وختم مخلوف: “هناك مبلغ سيدفع وأرجو يا سيادة الرئيس أن تقوم بنفسك بتوزيعه على الفقراء الذين أنت مؤتمن عليهم”، داعياً الى اقتطاعه منه ضمن آلية لا تؤثر على مسار عمل الشركة التي يبلغ عدد مساهميها 6500 مساهم، كما يبلغ عدد المشتركين فيها 11 مليوناً، وتضم 5500 موظف.

——————————

رامي مخلوف في ظهور نادر يناشد بشار الأسد

ظهر رجل الأعمال السوري وابن خال بشار الأسد، رامي مخلوف، في تسجيل نادر يتحدث فيه عن “الدولة السورية”، والاتهامات التي طالته حول التهرب الضريبي.

ويعتبر أول ظهور لرامي مخلوف منذ سنوات، وجاء في ظل اتهامات توجه لشركة الاتصالات “سيرتيل” التي يملكها بالتهرب الضريبي، وقال إن “مؤسساتنا من أهم دافعي الضريبة ورافدي الدولة بالسيولة”.

    كُنْ مَع الله ولا تُباليْ

    Posted by ‎رامي مخلوف‎ on Thursday, April 30, 2020

https://www.facebook.com/RamiMakhloufSY/

وقال مخلوف إن “سيريتل لم تقصر عن دفع مستحقاتها للخزينة، ولم تقصر في دفع الضرائب، والعام الماضي دفعت سيريتل 12 مليار ليرة سورية ضريبة”.

وأضاف “عم ندفع ضرائبنا وتقاسم العائدات والتزاماتنا لكل الجهات المعنية، وندفع أيضاً الأعمال الإنسانية الأخرى التي تملكها راماك الإنسانية، وهي شريكة لسرياتيل والتي تقارب ٧٠ ٪ من أرباحها للإعمال الإنسانية”.

وتساءل “هل الدولة محقة فيما تطالبنا به.. ليست محقة لأنها تعود إلى عقود تمت في إرادة الطرفين، ولا يحق التغيير فيها”.

وتحدث مخلوف عن خلافات مع مؤسسات نظام الأسد، تتعلق بعضها بدفع الضرائب السنوية.

وخاطب رأس نظام الأسد قائلاً “أريد أن أشرح لك عن المعاناة التي أمر بها، والمتعلقة بالشركات (..) أنا اليوم أدير عمل الشركات، وجاهز لفتح جميع الوثائق، ولن أكون عبئاً عليك”.

وقال مخلوف مخاطباً الأسد: “الوثائق موجودة.. أرسل من شئت لتدقيقها، ولكن أنا تعبت كتير من الطاقم الموجود، الذي يضعني في دائرة الاتهام، وأنني السيء”.

وكانت الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد في سورية، طالبت شركتي الاتصالات الخلوية “سيريتل” وMTN”، بدفع المبالغ المترتبة عليها، وحذرت من العواقب القانونية في حال التأخر بتسديد المبالغ لخزينة الدولة.

وقالت الهيئة إنها “أبلغتهما بضرورة تسديد المبالغ المستحقة التي وصلت إلى 233.7 مليار ليرة سورية، قبل ٥الخامس من مايو/ أيار القادم.

ويعتبر مخلوف من أبرز رجال الأعمال في سورية، والمقربين من الدائرة الاقتصادية الضيقة والمتحكمة في الاقتصاد السوري.

وهاجمت تقارير إعلامية روسية، مخلوف، خلال الأسبوع الماضي، وقالت إنه يتحكم بـ60% من اقتصاد سورية.

————————————–

4 أشخاص يديرون صفحة رامي مخلوف التي كانت باسم ماهر الأسد

أظهرت بيانات الصفحة التي نشر منها رامي مخلوف، ابن خال رئيس النظام بشار الأسد، الفيديو المفاجئ، مساء الخميس، أنها كانت باسم ماهر الأسد، وتغيّر اسمها عدة مرات، منذ انشائها سنة 2012.

وأجرى فريق “السورية.نت”، بحثاً في بيانات صفحة “فيسبوك” التي تحمل الآن اسم “رامي مخلوف”، حيث أظهرت “شفافية الصفحة”، التي يُتيحها “فيسبوك”، للمستخدمين، أن أربعة حساباتٍ تُدير الصفحة، اثنان في سورية، واثنان في دولة الإمارات العربية المتحدة.

كما تُظهر بيانات الصفحة ذاتها، أنها أنشأت في شهر فبراير/شباط 2012، باسم “ماهر الأسد”، قبل أن يتم تعديل الاسم لـ”maher alassad”، في نوفمبر/تشرين الثاني سنة 2015، ثم مُجدداً لـ”ماهر الأسد”، في ديسمبر/كانون الأول من السنة ذاتها.

وفي 20 أغسطس/آب سنة 2016، تم تغيير اسم الصفحة، ليصبح “رامي مخلوف الأسد”، ويوم 28 من نفس الشهر، تغيّر اسم الصفحة، ليستقر عند “رامي مخلوف”، كما هو اليوم.

بيانات الصفحة التي نشر فيها رامي مخلوف الفيديو -1مايو/أيار 2020(السورية.نت)

وتحدث رامي مخلوف، في التسجيل الذي تجاوزت مدته 15 دقيقة، عمّا أسماها الاتهامات التي طالته حول التهرب الضريبي.

ويعتبر أول ظهور لرامي مخلوف منذ سنوات، وجاء في ظل اتهامات توجه لشركة الاتصالات “سيرتيل” التي يملكها بالتهرب الضريبي، وقال إن “مؤسساتنا من أهم دافعي الضريبة ورافدي الدولة بالسيولة”.

وأضاف “عم ندفع ضرائبنا وتقاسم العائدات والتزاماتنا لكل الجهات المعنية، وندفع أيضاً الأعمال الإنسانية الأخرى التي تملكها راماك الإنسانية، وهي شريكة لسرياتيل والتي تقارب ٧٠ ٪ من أرباحها للإعمال الإنسانية”.

وتساءل “هل الدولة محقة فيما تطالبنا به.. ليست محقة لأنها تعود إلى عقود تمت في إرادة الطرفين، ولا يحق التغيير فيها”.

وخاطب رأس نظام الأسد قائلاً “أريد أن أشرح لك عن المعاناة التي أمر بها، والمتعلقة بالشركات (..) أنا اليوم أدير عمل الشركات، وجاهز لفتح جميع الوثائق، ولن أكون عبئاً عليك”.

وقال مخلوف مخاطباً الأسد: “الوثائق موجودة.. أرسل من شئت لتدقيقها، ولكن أنا تعبت كتير من الطاقم الموجود، الذي يضعني في دائرة الاتهام، وأنني السيء”.

وهاجمت تقارير إعلامية روسية، مخلوف، خلال الأسبوع الماضي، وقالت إنه يتحكم بـ60% من اقتصاد سورية.

—————————————-

=============================

=======================

تحديث 2 أيار 2020

———————————-

رامي مخلوف تيريزا/ عمر قدور

لم يُعرف عن رامي مخلوف شغف بالظهور الإعلامي، اسمه وسيرته كانا يتكفلان بوجوده في الإعلام من دون أن يفعل ذلك. هو الواضح والغامض معاً؛ الواضح لجهة ما يتداوله السوريون عن الحجم الهائل للإمبراطورية المالية التي كانت بإدارته، والغامض لعدم معرفة أحد بحدود تلك الإمبراطورية، وبتفاصيل الشراكة المالية بينه وبين بشار الأسد شخصياً.

الظهور الإعلامي الأبرز لرامي مخلوف كان في أيار 2011، عندما صرّح في مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز” بأنه لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا. التصريح فُهم آنذاك رسالةً على أعلى مستوى من التركيبة الأسدية، مفادها أن بقاء الأسد هو مصلحة إسرائيلية. حينها كانت أنيسة مخلوف على قيد الحياة، “العمة” التي ستتحدث لاحقاً تقارير غربية عن دورها في قيادة الحرب على ثورة السوريين، مطلقةً عليها لقب الملكة بخلاف صورتها التي كانت دارجة كزوجة لحافظ الأسد بعيدة عن الحياة العامة وعن مفاصل السلطة.

صعود محمد مخلوف “والد رامي وشقيق أنيسة” أتى متدرجاً، لتعلو مكانته ضمن الدائرة الضيقة للحكم مع مرض حافظ الأسد ثم وفاة ابنه باسل. لم يتأخر حافظ الأسد بعد انقلابه في تعيين مخلوف مديراً لمؤسسة التبغ، تختلف الروايات حول جلبه من بيروت حيث كان يستمتع بحياته الشخصية هناك أو كونه موظفاً في شركة طيران، المهم أن شقيقته أنيسة وضعته مبكراً في رئاسة مؤسسة تحتكر شراء التبغ وتصنيعه واستيراده وتصديره، لتشهد في عهده أضخم تردٍّ على كافة المستويات جراء فساده. جدير بالذكر أن رئاسة مؤسسة التبغ ستؤول في ما بعد، كدلالة على أهميتها، إلى شخص تربطه مصاهرة بآل الأسد وحامت شبهات غربية حول تورطه في تفجير ملهى في برلين منتصف الثمانينات.

بقيت أنظار السوريين حتى منتصف الثمانينات متجهة إلى شخصيات أكثر بروزاً، مثل رفعت الأسد وعلي حيدر وشفيق فياض…، فلم يدخل اسم مخلوف في التداول إلا مع انتشار فضائح الفساد المنسوبة له بعد تعيينه مديراً للمصرف العقاري إثر إعفائه من إدارة مؤسسة التبغ عام 1985. بدءاً من التسعينات سيلمع اسم مخلوف على صعيدين، صعيد السلطة خاصة بعد مقتل باسل الأسد، وعلى الصعيد الاقتصادي بعد إقرار قانون جديد للاستثمار اعتُبر حينها طيّاً للشعارات الاشتراكية وانفتاحاً على اقتصاد السوق. في أهم جوانب ذلك الانفتاح، أنه كان حاجة لحيتان السلطة نفسها التي أثرت على حساب الثروات العامة، وحان وقت استثمار أموال الفساد في نشاطات اقتصادية تدر أرباحاً أكبر مما تمنحه المصارف الأجنبية على الودائع.

لم ينقضِ عقد التسعينات حتى صارت سيرة رامي مخلوف على لسان السوريين، وراحت المرويات المتناقلة بينهم، وفي بعض وسائل الإعلام في الخارج، تربط بين بشار ورامي، وبين شقيقه ماهر الأسد ومحمد حمشو، واعتبار مخلوف وحمشو واجهتين لفساد آل الأسد. قبل نحو عقد ونصف من الآن، قُدّرت أملاك رامي بنحو مئتين وخمسين شركة كبرى تنشط في سوريا وخارجها، مع نشاط ملحوظ في الدول التي تتيح مجالاً أوسع للتهرب الضريبي والتحايل على القوانين. حظيت شركة الاتصالات “سيرياتل” التي يرأسها مخلوف بالنصيب الأوسع من الاهتمام، بينما لم تحظَ شركات أخرى بالانتباه لوجود مديرين آخرين في الواجهة، ومنها مثلاً أضخم شركة لتوريد المستلزمات الطبية، وهي شركة احتكرت بسرعة توريد مستلزمات المستشفيات والمستوصفات العامة السورية، تغطي على ملكية مخلوف لها إدارتُها من قبل ابنة ممثل معروف سيفاجئ بعض السوريين لاحقاً بموقفه المعادي للثورة وشديد الولاء لآل الأسد، هو الذي قامت شهرته السابقة على تقديم أعمال ناقدة.

مع مستهل الثورة، علاوة على ربط رامي مخلوف بين استقرار حكم الأسد واستقرار إسرائيل، أعلن عن تفرّغه للأعمال الخيرية من خلال شركته راماك. مدخله الأهم إلى الأعمال الخيرية المزعومة كانت جمعية البستان، واسمها مشتق من قرية عائلته “بستان الباشا”. سيقوم العمل الخيري على إنشاء ميليشيا مسلحة تساعد قوات النظام وشبيحته في التصدي للثورة، مع تقديم مساعدات يُضخّم في تصويرها لشراء ولاءات الفقراء الذين لن يفوتهم اعتبارها منّة من ثروة آل الأسد لا من الثروة الشخصية له.

في تسجيله الأخير قبل يومين، كان ذلك العمل “الخيري” من النقاط التي ركّز عليها مخلوف لتبديد الصورة عن كونه واجهة لبشار، ولينسب فعل “الخير” إلى شخصه، بل ليبدو كأنه يطالب بشار الأسد بأن يحذو حذوه في فعل الخير بتوزيع المليارات التي سيحصّلها منه على الفقراء. مع محاولة إظهار علامات الورع والخشوع، بما في ذلك وضع عنوان “كن مع الله ولا تبالي”، يريد مخلوف تصوير نفسه كأنه الأم تيريزا، بل لا يتوانى عن القول أن الله سخّره لخدمة الفقراء، وكأنه ليس واحداً من أبرز رموز الفساد، ووريث أب من روّاده الأوائل.

بعد إبداء التزامه بدفع المبلغ المطلوب بناء على توجيهاته، يتحدى رامي مواربةً ابن عمته أن تكون المبالغ التي سيحصّلها منه لصالح السوريين، ولا تنقصه الصراحة لإعلان عدم ثقته بالباقين جميعاً الذين يتهمهم ضمناً بالفساد، واستثناء بشار وحده على هذا النحو لا يعني سوى الإبقاء على شعرة من المصالح. أما “تواضعه” بوصف نفسه كجزء يسير بسيط صغير من القصة، وإشارته إلى مجيء وقت يشرح فيه التفصيلات والأملاك واحدة واحدة، فقد ينطويان على التهديد بفضح أسرار الشراكة بينهما.

قبل قرابة عقدين، اضطر رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس إلى مناشدة بشار الأسد “عبر الإعلام أيضاً” التدخل لإجبار ابن خاله على الوفاء بالتزاماته تجاه شراكة بينهما، وفي زمن الوئام العائلي ذاك دافع بشار الأسد عن ابن الخال أمام وسائل إعلام غربية بالقول أنه يحظى بفرصة الاستثمار كأي مواطن سوري آخر. ربما أذن رحيل أنيسة مخلوف عام 2016 بانفراط العقد بين عائلتها وعائلة الأسد، من دون أن ننسى التباين القديم بين آل مخلوف الذين يرون أنفسهم أكثر وجاهة وآل الأسد الذين تحصّلوا على الوجاهة عبر السلطة، بل كان زواج حافظ من أنيسة نوعاً من الترقي الاجتماعي له والذي كانت له آثار على تركيبة السلطة. إذا صحت الأنباء عن وجود حرب بين أسماء الأسد ورامي مخلوف، تكون الأولى في موقع من يستعيد سيرة حماتها بعد انتظار طال للتنعم بامتيازات السيدة الأولى على النمط الأسدي.

تسع سنوات بالتمام انقضت بين تصريح رامي مخلوف لصحيفة “نيويورك تايمز” وظهوره قبل يومين على وسائل التواصل الاجتماعي، الفارق بينهما على صعيدي الشكل والمضمون يفضح تردي مكانته، لكنه في الحالتين لا يكفّ عن تقديم مؤشرات على ضعف العصابة الحاكمة؛ في المرة الأولى على ضعفها إزاء الثورة، وفي المرة الثانية على تهافتها وركاكتها الذاتيين. من مخاطبة إسرائيل إلى مخاطبة بشار، إنها نهاية بائسة حقاً!

المدن

——————————-

سوريا: خلافات «مالية» داخل العائلة الحاكمة؟

أطلق رامي مخلوف، الملياردير السوري المعروف، والذي كان لفترة قصيرة سابقة، أحد أهم أعمدة النظام الماليّة، شريط فيديو يناقش فيه قضية مطالبة السلطات الماليّة السورية له بمبلغ يعادل 100 مليون دولار (125 مليار ليرة سورية) كمستحقات ضريبية على شركة «سيرياتل موبايل تيليكوم» وهي الشركة الكبرى للاتصالات الخلوية في سوريا (إضافة إلى شركة «إم تي إن» التي تملك عائلة ميقاتي اللبنانية حصة مهمة من أسهمها)، وقد حصلت «سيرياتل» و«إم تي إن» على تراخيصهما عام 2000 بطريقة خارج المنافسة التجارية، وقد تعرض أحد رجال الأعمال وعضو مجلس الشعب السابق رياض سيف للملاحقة والسجن عام 2001 لانتقاد محاباة الأقارب والفساد في إعطاء العقود، مما أدى لخسائر للدولة قدّرت بمليار دولار أمريكي خلال السنوات الخمس الأولى من عمل الشركتين.

أجرت إحدى الصحف السورية عام 2019 مقارنة في معدل الأرباح السنوية لأبرز شركات الاتصال الخليوية في منطقة الشرق الأوسط، وخلصت الإحصائية إلى أن شركة «سيرياتل» هي الأعلى بمعدل الربح السنوي بينها، وضمت الإحصائية شركات «أورانج» و«فودافون» في مصر، وشركة الاتصالات السعودية، وشركة «زين» الكويتية، و«شرك ترك تيليكوم» التركية، حيث بلغ الربح الصافي للشركة السورية للعام المالي 2017 ـ 2018 معدل 32٪.

تعطي هذه الأرقام انطباعا بأن السلطات المالية السوريّة محقّة في محاولة تحصيل ما تعتبره ضرائب مستحقّة، أما شريط فيديو الملياردير فيبدو محاولة، من جهته، للتصدّي لما يسمّيه «ظلما» و«قهرا» يتعرّض له شخصيا، وكذلك الشركة التي يرأس مجلس إدارتها، منوّها بالمدفوعات الكبيرة التي يدفعها (12 مليار ليرة سورية العام الماضي)، ناهيك عن «الأعمال الإنسانية الخيرية» لشركته «راماك».

يشير مخلوف إلى قدرته على الاعتراض ومقاضاة السلطات، ولكنّه يختار يفضل أن يتوجه إلى «سيادة الرئيس»، والخلاصة الماليّة المستفادة أن مخلوف لن يدفع من أمواله هو، بل من أموال الشركة نفسها ومساهميها، فهو ليس غير شخص «أعزّه الله» وسلّمه منصبا ليديره، ولا علاقة لكونه ابن خالة الرئيس السوري لا بتسليمه هذا الاحتكار الماليّ الكبير، ولا بتكليفه بالنهب المهول لصالح العائلة الحاكمة، ولا بتنطّعه، كأحد أعمدة النظام، بتهديد إسرائيل مع انطلاق الثورة الشعبية عام 2011 بأن سقوط النظام سيؤدي للإضرار بمصالحها.

سلّم الأسد، ابن خاله، مهمة خازن النظام، وخاطر مخاطرة كبرى بالدفاع عن شقيقه ضابط المخابرات الكبير حافظ مخلوف، الذي كان أحد المتسببين في اندلاع الثورة ضد النظام (بعد لقائه بوجهاء درعا وإهانتهم لهم عام 2011) فجعل العائلة أهمّ من البلد نفسه، فما سبب الانقلاب الكبير على ركن العائلة الحاكمة «المخلوفي»، فتحوّل الكائن المرعب المساهم في نهب واحتكار الثروات السورية إلى شخص يتضرّع ويتحدث عن تعرضه للظلم والقهر؟

يشير طلب مخلوف من الأسد، بشكل صريح، استلام الأموال المطلوبة منه شخصيا وصرفها على «الفقراء والمحتاجين والجوعى»، وعلى المساهمين في الشركة، إلى طبيعة ما يحصل، والذي لا علاقة له البتة لا بـ»الدولة» السورية، ولا بالسوريين أنفسهم، بل بتقاسم الحصص بين «العائلة الحاكمة»، فكل ما في الأمر أن ابن الخال الملياردير، والذي يحتفظ بامبراطورية مالية خارج سوريا، يطرح إعادة جزء مما نهبه على مدى السنوات إلى ابن العمة الرئيس، أما «الدولة» و«الشعب» و«الفقراء» فكلمات تزيّن عمليّة السرقة المهولة لبلد تدمّر فوق رأس ساكنيه ليحافظ اللصوص الكبار على هذه مزرعتهم التي ورثهم إيّاها حافظ الأسد.

القدس العربي

—————————–

الرسائل والألغاز في صراع الأسد ــ مخلوف/ عدنان عبد الرزاق

ردت حكومة النظام السوري على تظلم رامي مخلوف، رجل الأعمال الأبرز في سورية، وقريب رئيس النظام، بأن مطالبته بدفع أموال للحكومة جائرة، عبر التأكيد على “حق الحكومة في تحصيل هذه الأموال”، فيما رجحت مصادر خاصة من دمشق، لـ”العربي الجديد”، “ردّ نظام الأسد بقوة على رسالة مخلوف”، معتبرة أن “الظاهرة المخلوفية” انتهت، بعد أن أعلن رامي الخلاف على العلن “لأن النظام لا يقبل بهذه الطريقة المباشرة من الخطاب”.

وقالت “الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد” التابعة لوازرة الاتصالات في حكومة النظام السوري، في بيان أمس، إن المبالغ المطلوب سدادها من شركة “سيرتيل” هي مبالغ مستحقة لـ”الدولة”، وذلك في أول ردّ رسمي على التسجيل المصور الذي أطل فيه رامي مخلوف، الليلة قبل الماضية، في بادرة هي الأولى من نوعها، وتشير إلى تصدع كبير داخل أجنحة الحكم لدى النظام السوري.

نظام الأسد سيرد بـ”قوة”

ورجحت مصادر خاصة من دمشق “رد نظام بشار الأسد بقوة على رسالة رامي مخلوف التي وجهها عبر بث مباشر على صفحته أول من أمس”، معتبرة أن “الظاهرة المخلوفية” انتهت، بعد أن أعلن رامي الخلاف على العلن “لأن النظام لا يقبل بهذه الطريقة المباشرة من الخطاب”.

واستشهدت المصادر، التي فضلت عدم نشر اسمها، بأنه سبق لبشار الأسد أن “أحرق كل من كشف وعرّى نظامه، حتى على صعيد الخطاب مباشرة. الصناعي سعيد الحافظ وجه مرة رسالة لبشار عام 2004، فكتب على صناعته المحاصرة وعلى مشاريعه بالفشل والنهاية”، متسائلة “فكيف إذا جاءت الرسالة من الدائرة الضيقة جداً”.

واعتبرت المصادر، خلال مهاتفتها “العربي الجديد”، أن رسالة رامي مخلوف تعني “القفز من مركب النظام بناء على نصيحة خارجية”، أو ربما “يتوسل الأسد لأن التواصل مقطوع بين رامي وبشار، وسبق لمخلوف أن طلب مراراً مقابلة الأسد، وجاءه الرد بالرفض”.

ورأت المصادر الرفيعة أن “لغز التصعيد” يكمن في الدور الروسي، فهو من سرب المحادثات السياسية الخاصة، وهو من مرر رأي محمد مخلوف “أبو رامي” وأخيه حافظ، المقيمين في موسكو.

وختمت المصادر بأن “الموضوع ليس ماليا وإن حاول الطرفان تسويقه كذلك، فما قيل عما يعادل 100 مليون دولار، هي لا شيء بحسابات مملكة مخلوف المالية التي تتحد مع عائلة الأسد من بعد السبعينيات، وكانت، عبر محمد مخلوف، بيت مال الأسد، منذ أن أتى حافظ الأسد بمخلوف الأب من موظف محاسب في المطار إلى أهم مؤسسة اقتصادية، التبغ، ومن ثم مديرا للمصرف العقاري، وسمح له بمقاسمة جميع التجار والمستثمرين، لدرجة أسماه السوريون السيد 10%”.

واعتبر مراقبون أن بيان وزارة الاتصالات والتقانة “الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد”، الذي صدر بعد فيديو مخلوف، رد أولي، مرجحين خطوات مهمة وقريبة كأن “يتم منع رامي من السفر والحجز على أمواله، لأن بشار الأسد اعتبره منشقاً عن النظام”.

وأشاروا إلى أن ما قاله رامي، خلال التسجيل، يتعدى مسائل الضرائب والخلاف المالي، “الفقراء لا تعني فقراء سورية، يسدوا جوعهم مقصود بها الروس، أقسّط لك معناها قسّط أنت للروس، لديّ أوراق ليس المقصود حول شركة سيرتيل، الله الرزاق إشارة إلى أن ثمة من هم فوق بشار”، وغير ذلك الكثير من الرسائل الضمنية التي قرأها نظام بشار الأسد على نحو تهديدي.

بداية الخلاف: فتش عن الروس

ويرى مسؤول حكومي رفيع أن روسيا مررت محادثاتها مع محمد مخلوف إلى بشار الأسد، وكان ذلك بداية المشاكل بين مخلوف والأسد قبل أشهر، كما كشفت خلال الآونة الأخيرة عن “نوايا مخلوف لما بعد الأسد”، هادفة إلى تقليل الفساد والشبكات المسيطرة في سورية، على حسب رأي المسؤول السوري.

ويضيف المسؤول لـ”العربي الجديد” أن روسيا تهدف أيضاً لتحصيل أموالها، فقد طلبت أخيراً نحو ثلاثة مليارات دولار وبالعملة الصعبة، وهي سبب إضافي لملاحقة الأسد لمخلوف، التي ستحدث هلعاً ضمن الدائرة الضيقة حول بشار الأسد، ومن تجار الحرب ورجال الأعمال خاصة، وهذا جميعه في صالح الروس.

وحول ما قيل عن انشقاق الشارع المؤيد للنظام، “الشارع العلوي”، يقول المسؤول السوري “طبعاً رأينا وسنرى تصدعات وانشقاقات، لأن كثيرين يرون في رامي رجل الخير والمسعف للفقراء عبر جمعية البستان وفواتير العلاج والمساعدات العينية، بل وحتى رواتب وأجور من كان يشتغل معه خلال التصدي للثورة وتوقفت أرزاقهم أخيراً”.

وشبّه المسؤول السوري أن ملامح الانشقاق اليوم، تشبه ما حدث حينما حاول رفعت الأسد الانقلاب على شقيقه حافظ، مطلع الثمانينيات، وكيف انتهت القصة بنفي رفعت بعد ترضيته مالياً، ولكن لم يزل كثيرون في الساحل السوري ينظرون حتى اليوم لرفعت على أنه “القائد والمضحي”.

هل لزوجة الأسد أسماء دور بالخلاف؟

وفي ما يتعلق بدخول أقرباء أسماء الأخرس، زوجة بشار الأسد، ليكونوا محل رامي في الاستثمارات والشركات، لفت المسؤول السوري إلى أنه “ليس بسببهم تم ضرب رامي، بل لأسباب سياسية تتعلق بموقف آل مخلوف التي سرّبوها للروس لما بعد الأسد”، ولكن الخلاف الأسدي المخلوفي شكل فراغاً، حاولت وتحاول أسماء الأخرس “أن تملأه بنفسها أو عبر أقربائها، مثل ابن خالتها مهند الدباغ أو قريبها طريف الأخرس أو حتى أخيها، وربما لاحقاً والدها فواز الأخرس بشكل علاني ومكشوف”.

ورداً على سؤال لـ”العربي الجديد” فيما إذا ستتحول استثمارات رامي مخلوف لمهند الدباغ ووجهات جديدة لتدير أموال بشار الأسد، كما يشاع في سورية اليوم، يقول المسؤول السوري، “هكذا يتم التحضير لوضع رجال أعمال جدد في الواجهة، وهم مقربون من أسماء الأسد أو أقرباؤها”، متمنياً أن تعود شركتا الاتصالات الخليوية لملكية الدولة بحسب ما تم الترخيص لهما عامي 2001 و2007 واستفادة الدولة المفلسة من تلك الأرباح.

وكانت شركة “سيرتيل” للاتصال الخليوي قد بدأت عام 2001، تبعتها شركة “إم تي إن” عام 2007 كشركتين على نظام “B.O.T”، أي تشغيل استثمار وإعادة للدولة بعد انقضاء فترة الاستثمار، ولكنهما تحولتا من العمل بنظام “بي أو تي” إلى شركتين مساهمتين نهاية عام 2014، وتقلصت بالتالي حصة الدولة، منذ عام 2015، إلى 50% وعام 2016 إلى 30% لتستمر بعد ذلك حصة الدولة على 20%.

تخوف الشارع

وخلال اتصال هاتفي لـ”العربي الجديد” مع مواطن يدعى بشار من مدينة جبلة، قال: “يعيش الشارع في جبلة وبلدة بستان الباشا مسقط رأس محمد مخلوف حيرة مما حصل، وصراحة الناس مو عرفانة شو تعمل ومع من تقف، ولكن الجميع خائف من النتائج التي يمكن أن يصل إليها الخلاف أو الحرب بين مخلوف والأسد”.

ويضيف بشار، الذي فضل عدم إدراج كنيته، أن “رامي له فضل على كثيرين وأبوه كان من أهم رجالات الدولة بزمن حافظ وبشار، كان محمد مخلوف (والد رامي)، يعين وزراء ومسؤولين بجرة قلم ووقف هو وأولاده منذ عام 2011 مع السيد الرئيس، فماذا حصل اليوم، الجميع مستغرب”.

وكشف المصدر من مدينة جبلة الساحلية “أن الجميع هنا يشك أن ما يجري، هو لعبة أسماء الأخرس وصراعات بين إيران وروسيا”، مجيباً حول شعبية أسماء بمدن الساحل “لديها شعبية كبيرة وهذا الخطر الذي نخافه قريباً، لأن للأستاذ رامي أيضاً شعبية”.

ردّ الهيئة

وفي تفاصيل ردّ الهيئة عبر صفحتها الرسمية على مخلوف، جاء أنّ “وزارة الاتصالات كانت أبلغت شركات الاتصالات بموافاة الهيئة بالجواب النهائي بموعد أقصاه 5/5/2020، لقبولها التفاوض حول آلية تسديد مبلغ 233.8 مليار ليرة سورية كفروقات لبدل الترخيص الابتدائي، وهذه المبالغ “مستحقة للدولة وفقا لوثائق واضحة وموجودة، وتم حسابها بناء على عمل لجان اختصاصية في الشؤون المالية والاقتصادية والفنية والقانونية”.

وأضافت الهيئة، أنه حفاظا على استمرار عمل شركات الاتصال (سيريتل وإم تي إن)، واستمرار تقديم خدماتها للمواطنين، “تم الأخذ بعين الاعتبار جميع تحفظات الشركات وإعطائها المهل والمدد التي طلبتها، رغم عدم منطقيتها، وبعدها تم اعتماد البيانات والأرقام المقدمة منها، ومن ثم احتساب القيمة الفعلية للمبالغ المطالبين بتسديدها”.

وأوضحت الهيئة أنه تم حساب المبالغ المطلوب سدادها على مرحلتين، الأولى وفقا للأرقام الفعلية خلال السنوات التشغيلية الخمس الأولى من عام 2015 ولغاية عام 2019 (وذلك حسب طلب الشركتين ووفقا للبيانات المالية المنشورة)، والثانية وفق الأرقام المتوقعة التي تقدمت بها كل شركة.

وبيّن رد الهيئة أن المبالغ المشار إليها والمستحق دفعها لا علاقة لها بقضية التهرب الضريبي (والتي هي موضوع آخر يتم العمل عليه من قبل الجهات الخاصة به)، بل هي مستحقة على الشركتين يجب سدادها لتحقيق التوازن في الرخص، علما أن الخلل الضريبي الموجود في تلك العقود يؤثر على قيمة ضريبة الدخل وعلى قيمة الأرباح الصافية لحاملي الأسهم أنفسهم، مؤكدة عزم “الهيئة الناظمة على تحصيل الأموال العامة بكافة الطرق القانونية، مع الأخذ بعين الاعتبار دائما استمرار عمل أي شركة مطالبة بالسداد بتقديم خدماتها للمواطنين على أكمل وجه”.

وشددت الهيئة على أنه “لن يثنيها عن استرداد المال العام أي محاولات للتشويش على هذا العمل” في إشارة إلى ظهور رامي مخلوف، الذي خرج في فيديو مدته ربع ساعة، ناشد فيه رئيس النظام السوري بشار الأسد التدخل لإنصافه، مؤكدا عزمه دفع المطلوب منه، لكنه طالب بأن يكون ذلك على دفعات منعا لانهيار شركة “سيريتل” التي تعتبر المخدم الرئيسي للاتصالات الخلوية في البلاد.

العربي الجديد

——————————–

عندما يستجدي رامي مخلوف الأسد/ عمار ديوب

جالساً، كتلميذٍ في حضرة شيخه، يستجدي سيد نعمته. إنّه رامي مخلوف. الرجل الذي، ملكَ نهباً أكثر من نصف اقتصاد سورية. يستجدي الرئيس السوري، بشار الأسد، بأن يُبعد عنه المراقبين الماليين الأشرار! الذين لا يثق بهم، بل ولا يثق بأيّ رجلٍ في هذه الدولة، وأين الدولة؟ فقط يثق به، وبأن كل ماله لخدمة الرئيس، وليوزّعها على الفقراء، تحديداً، وبإشرافه أيضاً. خرج الرجل ببثٍ مباشر، وهذا يعني أن الصلات أصبحت مقطوعةً، ولنقل متأزمةً بشدّةٍ. وبالتالي، ولطي التأزم، لا بد من حدثٍ جللٍ. البث هو ذلك الحدث بكل بساطة. كان واضحاً أن خطابه يخفي قضية أساسيّة، والإعلام يلهج بها كثيراً، وتتعلق بـ”طغيان واستيلاء” أسماء الأخرس، زوجة الرئيس، على ثروات آل مخلوف والبلاد، وأن هذا الأمر تضخم وأصبح أكبر من أن يُسكت عنه. القضية لا تتعلق فقط بتجاوزاتٍ مالية، أو تهرّبٍ من تسديد الضرائب، وعدّة ملياراتٍ طلبها الروس، فهناك “تشليح” للأموال. وبالتالي، هذا مما فجّر العروة الوثقى بين العائلتين؛ اللتين تجتمعان، بالتصاهر، والسلطة، والأمن، والجيش، وبالتاريخ السياسي، وبالمستقبل كذلك! إذاً، القضية خطيرة، وبالطبع، تتجاوز “ثرثرات” القول، إنّها لتجميل صورة الرئيس، وإظهاره بأنّه قوي، وماسكاً كل أركان الدولة، بعد أن تراجعت هيبته كثيراً، وهناك انتقاداتٌ روسيّة كبيرة له، وضغوط ٍإيرانية شديدة.

رامي مخلوف المحسوب على روسيا، ولديه استثمارات كبيرة هناك، بينما آل الأسد يحسبون بدرجةٍ ما على إيران، وهناك من يلمح أن هوى أسماء الأخرس بريطاني. هذا ليس بسيطاً، على سلطةٍ ضعيفة، وبلادها محكومة فعلياً من أربعة احتلالات، ويتبع لها من السوريين ألوية ومسلحون كثر، وبالتأكيد رجال في السلطة! والخامس، “يسرح ويمرح” ويقصف أية منشأة يراها، تضرّ بمصلحته. إذا هناك اختلال جديد، وهو يشتد قوّة، ومنذ سنوات بين آل مخلوف وآل الأسد، وهذا يعني أن القضية تتطلب حلاّ. إن كثافة الضغوط على رامي مخلوف، دفعته، إلى أن يعلن، بوضوح شديد، أن هناك ضرورة كبرى لتسوية الخلافات، وإلّا فهناك آليات للرد. وفي هذا، علينا أن نقرأ جيّداً، خطاب رامي، المتعلق بالفقراء، وضرورة إنصافهم، وسواه. فهو بذلك يلمح إلى قضية خطرة أيضاً، وهي استخدام كتلة الفقراء، التابعين له “وللسلطة” في الخلاف، في حال استعر أكثر فأكثر، وربما يريد من حكاية الفقراء والزهد في أحوالهم! تصوير ذاته والرئيس، بأنهما مسؤولان عن أحوال “الرعية”، وأن ذلك الخلاف سببه لجان الرقابة، ومن يقف خلفها، أي أسماء الأخرس.. المسألة صعبة بالتأكيد، فالسيدة من آل البيت.

إن ثورة وحرباً، واحتلالات خمسة، وكلفا باهظة، وديونا كارثية، وفسادا ونهبا كبيرين، وحسابا لم يأتِ بعد؛ إن ذلك كله يُفلس دولة عظمى، فكيف بدولةٍ، لا تمتلك بالأصل أكثر من عدة مليارات! نعم، في هذه الحالة، لا بد من المصادرات المالية، أو تأميم الشركات المالية، أو الاستدانة. الأخيرة غير ممكنة، وهناك الانتقال السياسي، وهذا ترفضه السلطة، إذاً ليس هناك أمام السلطة الحالية، والتي تتعرّض لضغوط روسيّة وإيرانيّة وواقع متأزم، إلّا المصادرات المالية. هذا ما تمّ، عبر أشكالٍ متعدّدة من الضغوط، مورست على رامي مخلوف، وتجار وأصحاب أموال كثر “طفيليين” في السنوات الأخيرة. حالة رامي مختلفة، فهو ليس فقط خازن أموال نهبتها السلطة، بل هو شريك فيها، وهو لا يقال له “ادفع بالتي هي أحسن”؛ مكانة الرجل في السلطة، وقد تأزمت هي بشدّة، وصارت مهدّدة بالزوال، هي ما تسبب بذلك الاختلال، وهو ما يدفع بتفكك الشراكات القديمة، وبالتالي هناك ضرورة لتصفية أموال رامي مخلوف، وربما كل ثروة آل مخلوف، وسواه أيضاً.

مع البث المباشر هذا، هناك رؤوس كثيرة، تتلمس رقابها، فمواسم القطاف، كما يبدو، اقتربت من حِينِها. السلطة الضعيفة تواجه مشكلة كبيرة، وأن تتفجر قضية بهذا الحجم بوجهها قضية لها ما بعدها، وبالتالي، تشكل كلمة رامي مخلوف مفصلاً في تاريخ السلطة، وربما هناك تصفيات كبرى قادمة. ما يحدث، في السلطة، لا يتعلق بها فقط، فهناك الاحتلالات، وما تصبو إليه مستقبلاً.

السلطة متأزمة كثيراً، وهي لا تمتلك حلولاً ثورية؛ فهي ضد الثورة، وضد أي إصلاح، والضغوط الدولية والإقليمية لا ترحمها. وبالتالي، على القطط السمان أن تدفع. ما فعله رامي أنّه فجّرَ الخلاف، والآن على السلطة أن تتحرّك، ولم يعد يكفي الاستيلاء على إدارة “سيريتل” أو جمعية البستان، وسواهما كثير. ضعف السلطة الواضح، وما تسرّب عن ضغوط روسية، وزيارة وزير خارجية إيران، جواد ظريف، أخيرا، وهناك قانون سيزر المقبل، أقول كلها عناصر، تؤكّد ضرورة إحداث تغيير كبير في السلطة، وهذا لم يعد خاصاً بها، بل هو ضرورة أيضا لكل من روسيا وإيران، وضمن ذلك علينا قراءة المشهد السوري، وما يتعلق به. المقصد من ذلك كله أن هناك جديداً يخص مستقبل سورية، وهو يطبخ في هذا التوقيت بين الدول المتدخلة في هذا البلد.

السياسات المتضاربة، والتي أصبحت معروفة، ومطروحة بشدّة، والمتعلقة بالخلافات الروسية الأميركية الأوروبية والإيرانية والتركية، لم يعد ممكناً أن تستمر على ما هي عليه. اللعب الروسي والإيراني لم يعد يفيد بشيء، ومساراته، عبر أستانة وسوتشي واللجنة الدستورية لم تدفع الغرب إلى تغيير سياساته. رامي مخلوف، ولا أحد يعلم إن كان داخل البلاد أو خارجها، وكذلك ليس في مقدور السلطة أن تتعامل معه كما آخرين، عبر طردهم أو إنهاء حياتهم، أو سجنهم.. فهو يمتلك أكبر حصة في الاقتصاد السوري، وعائلته شريكة أساسية في السلطة، وعلاقاته إقليمياً ودولياً كبيرة. التحليلات المستعجلة لما قاله لا تكفي، وهي بداية أحداث جديدة. أما معالمها الدقيقة، وكيفية تطورها، فلن تكون تكراراً لما تمّ لرجالٍ ضالعين في السلطة السورية.

سورية ليست الآن في 1983، حينما طُرِد رفعت الأسد، وأسماء الأخرس يبدو أنّها طامحة بقوّة، ورامي مخلوف أكثر من بيروقراطي وطفيلي في السلطة. وبالتالي، من أكبر الأخطاء، ألّا تتنبه السلطة إلى أيّة خطوات مستعجلة بحق الرجل، وأيضاً يفترض بالمعارضة ألا تقلّل مما فعله، ومما يترتب عليه أيضاً.

العربي الجديد

————————

فيديو رامي مخلوف ينهي الدمج بين الدولة والنظام/ ياسر أبو شقرة

في فيديو قارب الـ15 دقيقة في “فايسبوك”، استطاع رجل النظام الاقتصادي الأشهر، رامي مخلوف، أن يترك مشاعر مختلطة لدى السوريين، أكانوا من محبيه أو كارهيه. الفيديو الذي تصدر صفحات السوريين، كان له وقع عاطفي غير مألوف. فبعدما سمعوا عن رامي، الرجل الخفي لعقود، والذي تدور حوله أساطير كثيرة، بتنا نراه يتحدث إلينا للمرة الأولى، ويحاول الاستنجاد بنا!

يتفق معظم من شاركوا فيديو رامي مخلوف، في صفحاتهم الشخصية، أنهم صُدموا بأن الرجل “معتوه”، ويوحي خطابه بخليط رهيب من طريقة بشار الأسد في الكلام، وطريقة المجرم المهرج العسكري سهيل الحسن، حيث لا وجود لنبرة واضحة مفهومة، ولا ترابط منطقياً بين الجُمل والأفكار، ولا حتى أدنى مهارات التواصل. تلك البديهيات التي لا بد لأي رجل أعمال ناشئ أن يمتلكها، فكيف إن كان رامي مخلوف، الذي يمتلك حياة السوريين وموتهم في الوقت نفسه.

بعد مشاهدات متكررة للفيديو، يحاول المرء استخلاص ما أراد ابن محمد مخلوف، خال بشار الأسد، إيصاله. فالموضوع هنا غاية في الدقة، إذ خرج مخلوف مخاطباً الناس، ومتوسلاً الأسد، بينما لطالما ظنّ السوريون أنه يستطيع الوصول لبشار الأسد متى شاء من دون أن يعلم أحد بالأمر، وأنه ما من أبواب تغلق في وجهه. هذه بداية الصدمة التي ستكتمل من خلال الفرجة على أسلوب صاحب الشركات الأكبر والاستثمارات الأوسع في سوريا، للمرة الأولى، وهو يبدو أقل براعة في الكلام من أي صبي يعمل في أسواق دمشق.

عقب انطلاق الثورة السورية بأعوام، تحولت سوريا إلى مجتمعات مختلفة، يعيش كل منها في وادٍ وبأسلوب حياة مختلف عن الآخر، حسب سيطرة النظام عليه، أو عدمها. وفي المجتمعات التي يسيطر عليها النظام، بدأ الأخير يسمح بهامش صغير للانتقاد تجاه مسؤولين لا قيمة لهم، كوزير الكهرباء مثلاً. وعلى امتداد أعوام، أوهم الأسد هذه المجتمعات أنه فتح باباً للحرية والانتقاد، بينما كانت صورة بشار الأسد تتحول من “رئيس منتخَب” إلى إله مخلص، فكلما ضاقت الأمور الحياتية على الناس، وعدموا الوسيلة، ناشدوا الأسد تخليصَهم من المسؤولين الظالمين الفاسدين وعديمي الجدارة، الذين أوصلوا البلاد إلى الهاوية. ورغم عدم استجابة الأسد ولا لمرة واحدة، فقد استطاع “سيادته” أن يفصل، في وعي الناس، بين النظام الذين لا يستطيعون حياله شيء وبالتالي وضعوه خارج دائرة المحاكمة، وبين الحكومة والمسؤولين الفاسدين وعديمي الموهبة الذين يقفون بين الرئيس الرحيم والشعب العظيم ويُعتبَرون مسؤولين عن خراب البلاد. كان هذا كله يجري من ناحية، بينما، من ناحية أخرى، استمر الإعلام بأبواقه من شتى المجالات، وعلى رأسهم الفنانون السوريون، في الدمج بين الوطن والدولة والحكومة والنظام، وراحوا يتحدثون عن هذا كله بقداسة مائعة لا يمكن لها أن تحمل أي منطق.

الأمر الأبرز في ظهور رامي مخلوف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، هو أنه كسر الصورة التي رسمها النظام خلال الأعوام الماضية، عبر أبواقه في شتى المجالات من فنانين ورياضيين وإعلاميين، حيث الاعتراض على النظام الحاكم في سوريا والمتجسد في العصابة الحاكمة، هو اعتراض على الدولة السورية، وهو اعتراض على الوطن. فكل هذه المصطلحات تعني شيئاً واحداً في سوريا، الطرف الذي يمتلك القوة والبطش، يقابله في الطرف الآخر إما المواطن الشريف الذي يحب البلاد كتلة واحدة ويقف في صفها ويدعمها، أو الإرهابي المعترض على أي تفصيل فيها، حتى لو كان اعتراضه على شرعية أموال رامي مخلوف، أو رغبته في معرفة مصادره أو طرق دفع ضرائبه. خروج رامي مخلوف، مناشداً الأسد ليحميه من الدولة التي تطالبه بقرابة 12 ضعف ضرائبه السنوية، حسب زعمه، مُحكّماً الناس، كان أول انقسام بين مفهومي الدولة والنظام، وقد صنعه أحد أرباب النظام في سوريا.

الفصل بين نجاسة المسؤولين وطهر النظام، من أهم ما مهد لرامي مخلوف كي يقول بالفم الملآن أنهم – ومن دون أن يحدد من هم – تذرعوا بكل الحجج القانونية ليأخذوا منه 130- 125 ملياراً، ولم يحدد بدقة، رغم أن الرقم لا بد أن يكون مطبوعا في ذهنه، فنحن نتحدث عن مليارات، وقال إنه لا يمانع دفع هذا المبلغ غير المستحق، رغم رغبته في عدم إحراج الأسد، إلا أنه يريد منه أن يتسلم المبلغ بنفسه ويوزعه على الفقراء!! إذن، وحسب خيال رامي مخلوف “الفهلوي”، نحن الآن ننتظر من الأسد أن ينزل إلى المؤسسات الخيرية وفي يديه أموال رامي مخلوف غير المستحقة، ليوزعها على الفقراء، لأن رامي مخلوف لا يثق في الدولة، ويريد أن يحل هذه المشكلة من خلال فيديو، بينه وبين الأسد، بعدما أخبروه بأن الأسد هو من أمر بأن يؤخذ منه هذا المبلغ على حد تعبيره. فأي غروتسك نشهد هنا؟ وهل هذا فعلاً هو هدف رامي مخلوف من ظهوره الأول بعدما ذاع صيته لعقود؟

أبرز التحليلات يقول أن المشكلة الرئيسية بدأت عندما طالبت روسيا، الأسد، بسداد ديونه وهي ثلاثة مليارات دولار، وعندما حاول الأسد التذرع بعدم امتلاكه لهذا المبلغ، طالبته روسيا بأن يأخذه من رامي مخلوف الذي باتت صور أبنائه، في موقع “إنستغرام”، إحدى فضائح العصر الحديث، وأشهر مضرب مثل للبذخ واستعراض المال. فطالب الأسد، مخلوف، بأن يدفع، خصوصاً أن التهرب الضريبي الذي يقوم به، ما عاد في الإمكان السكوت عنه، وما “جمعية البستان الخيرية” إلا أحد أبواب هذا التهرب الضريبي، والأبواب الأخرى كثيرة. وفي ظل وجود منافس مثل مهند الدباغ، ابن خالة أسماء الأسد، القادر على سداد الدَّين للروس في مقابل التربع على عرش رامي مخلوف، بات لا خيار للأخير إلا اللجوء للناس “أبناء طائفته على الأقل” كي يحمي مملكته. وهكذا، يكون الفقراء الذين ذكرهم في حديثه، والذين سيعطيهم الأسد النقود، هم الروس، وما من سبب لعدم تذكّره للمبلغ بالضبط إلا لأن المبلغ ليس بالليرة السورية، وإن أراد تحويله لليرة السورية سيكون تقريباً كما ذكره في الفيديو. لكن على الأسد أن يعي أنه، إن أخذ من مخلوف نقوده، لا بد أن يأخذها بهذه الطريقة المعلنة، وبعد أن يقف الناس إلى جانب رامي مخلوف بصورة “الإنساني، الذي تنازل ليطعم الفقراء” فلا يصبح تهديده سهلاً بعد ذلك.

ورغم من أن هذا التحليل يبدو الأقرب للدقة، إلا أن التحليلات والتكهنات تكثر حول الغاية من خروج رامي مخلوف من قمقمه، وتوجهه للأسد عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ربما يريد حلاً لمشاكله الضريبية فعلاً، وهذا أكثر أمر مستبعد ولا يشي به تاريخ عائلة اللصوص هذه. وربما هي فعلاً خلافات بينه وبين أسماء الأسد، التي تجهز لابن خالتها المناخ الاقتصادي ليصبح فتى الدولة بعد أن يبتلع مخلوف وأمواله، وربما هو تقاسم النفوذ والسيطرة بين رامي مخلوف ومنافسيه الجدد، مثل سامر فوز وآخرين مدعومين من جهات خارجية. أو ربما هي بداية الحرب بين آل مخلوف والأسد. مع هذا لا يمكن لأحد الجزم بما يجري داخل دهاليز النظام السوري، خصوصاً أن هذه الدهاليز لم تعد مغلقة كالسابق، مع دخول دول عديدة إليها، وضيقها على المستثمرين بمختلف جنسياتهم، واتساع مساحة مواقع التواصل الاجتماعي التي أطل منها مخلوف اليوم. ولا ندري من يطل غداً، فيخلق عدداً رهيباً من النكات التي يصنعها السوريون ليضحكوا، واعين لأول إسفين يُدقّ في العائلة التي أوصلت البلاد إلى هذا البلاء ولم تكتف بعد، ومدركين أن النظام اليوم لم يعد هو الدولة بعدما أعلنه المعتوه رامي صراحة.

المدن

————————–

فيديو رامي مخلوف : مناشدة للأسد أم تهديد؟/ أحمد الأحمد

التراكمات وتضارب المصالح بين أسماء الأسد ورامي مخلوف، دفعت بالأخير إلى الخروج وتوجيه إنذار مباشر إلى رئيس النظام السوري بشار الأسد.

هي المرّة الأولى التي يشاهد فيها السوريون، رجل الأعمال السوري وابن خال رأس النظام بشار الأسد رامي مخلوف وهو يتحدّث أمام الكاميرا في مقطع فيديو.

بدا المشهد غريباً أو نادر الحدوث، لا سيما أن العالم لا يعرف عن هذا الملياردير النافذ، إلّا بضع صور معدودة، نُشرت على محرك البحث “غوغل” من قبل الدائرة المقرّبة من مخلوف لتستخدمها وسائل الإعلام المقرّبة منه أو التي يملكها.

ظهر مخلوف الثري، حاصد جميع أنواع العقوبات الدولية كرجلٍ بسيط، يرتدي اللون الرمادي ويجلس على الأرض، وخلفه أخشاب يبدو أنّه يستخدمها لمدفأة الحطب، تحدّث بنبرة صوت رنّانة عاطفية لا تشبه ما تتحدث به وسائل الإعلام عن هذا “الحوت” الاقتصادي، الموجود على معظم لوائح العقوبات العالمية.

استمرَّ مقطع الفيديو نحو ربع ساعة، قال فيه مخلوف كلاماً سهل الفهم وآخر من المستحيل فهمه، توعّد وهدّد بـ”المعركة الشخصية” وخوض المحاكم وناشد قريبه بشار الأسد لإنصافه.

جاء ظهور مخلوف بعد أيام من نشر وكالة الأنباء الرسمية الحكومية “سانا” خبراً قالت فيه: “إن الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد، أنذرت شركتي الاتصالات الخليوية “سيريتل” التي يملكها مخلوف و”MTN” التي يملك مخلوف الحصّة الأكبر فيها، بضرورة دفع المستحقات للخزينة تحت طائلة “اتخاذ الإجراءات القانونية” حيث تبلغ هذه الضرائب بحسب “سانا” 233.8 مليار ليرة (نحو 233 مليون دولار)”.

أكثر من مشكلة ضرائب

على مدار الأعوام العشرين الماضية، لم يتردّد مخلوف في دفع الضرائب والالتزامات المترتّبة عليه، فهو يعتبر ذلك “رد جميل” لقريبه رئيس الدولة الذي منحه نفوذاً غير محدود، وأتاح له استثمار ما يشاء على طول البلاد وعرضها من دون رقابة أو تدقيق مالي أو غيره.

ولكن بالمقابل، تبلغ قيمة ضرائب مشغل الخليوي “سيريتل” 14 في المئة من قيمة الأرباح وفق قانون الضرائب السوري، وهي أخف من الضريبة التي يدفعها مالك الشركة الشخصية متناهية الصغر.

هذا السبب يرجعه الباحث والخبير الاقتصادي السوري يونس الكريم، إلى أن قانون الضرائب في سوريا يُحابي كبار المستثمرين وبالتالي لا مشكلة لدى رامي مخلوف، الذي كان خلال مسيرته يدفع المشتريات الضرائب والالتزامات المترتّبة عليه، باستثناء الاستثمارات الضخمة مثل جامعة سوريا الدولية التي أخذها من دون دفع ليرة سورية واحدة.

ولكن حتّى لو كان الأمر محدّداً في موضوع الضرائب، فما كان لمخلوف أن يخرج بهذا الشكل الغريب على مواقع التواصل الاجتماعي، ويقدّم تهديدات، لو لم يكن يملك أوراقاً رابحة ضد النظام السوري.

يرى الكريم، أن خروج مخلوف على مواقع التواصل الاجتماعي هو نيّة لإعلان “الحرب” في حال لم يتم الابتعاد من طريقه الاستثماري والتجاري.

خلال مقطع الفيديو، كرّر مخلوف تهديده بأنّه سوف “يرمي ملفات ووثائق أمام الجهات المعنية” ليربح صاحب الحق بعد الاطلاع على هذه الملفات، من دون أن يوضح عمَّ تتحدث، كما هدّد بشكلٍ متكرر باللجوء إلى القضاء والمحاكم وتحدّث عن أدواره الخيرية وأدوار “جمعية البستان” في دعم البيئة الموالية للنظام السوري على الساحل بملايين الدولارات بما في ذلك “الأعمال الخيرية”، كم قال إنّه يدفع ما لا يقل عن 10 مليارات ليرة سورية كضرائب بشكلٍ سنوي، وأنّه عام 2019 دفع ضرائب عن شركاته بقيمة 12 مليار ليرة سورية.

محطّات تاريخية بين أسماء الأسد ورامي مخلوف

كان رامي مخلوف ورث التجارة عن والده محمد مخلوف، والذي كان رجل أعمال نافذاً تحت جناح الأسد الأب، وبدأ مسيرته في تهريب السجائر والمواد الغذائية والكهربائيات بحسب موقع “مع العدالة” الذي أصدرته “منظمة العفو الدولية”.

وتحوّل مخلوف بعدها إلى مالك سلسلة منشآت سياحية وصناعية وفندقية ووسائل إعلام وغيرها، فإضافة إلى شركتي “سيريتل” و”إم تي إن”، يملك مخلوف صحيفة “الوطن” المحلية وإذاعة “نينار إف إم” ومجموعة شركات “راماك” وفنادق وجامعات خاصة ومصانع والأسواق الحرة في جميع المنافذ البرية والجوية.

في بداية تسلّم بشار الأسد رئاسة سوريا، وزواجه من أسماء الأخرس، حدث تناغم مصالح بين مخلوف والأخرس زوجة الأسد، وكان مخلوف من أهم رجال الأعمال الداعمين لها، إذ ساعدها لتحقيق نقلة نوعية في استثمارات بشار الأسد ودخول السوق الأوروبية بقوة.

ولكن بذور الخلاف بين الطرفين برز في أيلول/ سبتمبر 2015 عندما أعلنت روسيا أنّها ستتدخّل مباشرة في الحرب السورية واستقرّت في قاعدة “حميميم” العسكرية.

يضيف الكريم: “عند دخول الروس، كانت أسماء الأسد تضغط على زوجها لمنحهم استثمارات سيادية، وحينها كان الإيرانيون سبقوا الروس إلى ساحات القتال في سوريا، ولكن جل الاستثمارات التي حصلوا عليها لم تكن سوى مخلفات الاستثمارات الخليجية والتركية، إذ انسحبت هذه الدول بسبب موقفها من بشار الأسد في بداية الثورة”.

ومن حينها لم تُعطَ إيران استثماراً سيادياً واحداً، في حين سيطر الروس على الموانئ وحقول الفوسفات والغاز ومنابع المياه وغيرها من المنشآت السيادية.

ويوضح الكريم، أنّ الروس والإيرانيين في سوريا، صنعوا رجال أعمال موالين لهم، لتثبيت وجودهم حتّى أصبحت البلاد مقسّمة إلى أربع قطاعات.

القطاع الأول يضم موالي أسماء الأسد من تجار تكنوقراط وأمراء الحرب، في حين يضم القطاع الثاني “الحرس الاقتصادي القديم” وهم مجموعة مستثمرين برجوازيين قدماء في سوريا وعلى رأسهم رامي مخلوف، إضافةً إلى تيار موالٍ للروس وآخر موالٍ للإيرانيين.

عام 2018 تم تعيين حازم قرفول حاكماً لمصرف سوريا المركزي، وأول ما قام به هذا الشخص هو اتخاذ مجموعة قرارات رجّح بها كفّة أمراء الحرب (تيار أسماء الأسد) على حساب المستثمرين السوريين القدماء (تيار رامي مخلوف)، في تلك الفترة، كانت مؤسّسات الدولة تتهاوى وتسقط واحدةً تلو الأخرى بيد الروس، عبر عقود طويلة الأجل، الأمر الذي جعل نظام الأسد يتهاوى سواء في عين مخلوف أو غيره من المستثمرين، إذ رأوا أن المؤسسات التي تشرعن هذا النظام تذهب للروس، وهو ما يؤدي إلى سحب القوة والشرعية من الأسد.

في أواخر عام 2019 بدأت مؤسسات تابعة لرامي مخلوف تتعرّض لضغوط، ومنها جمعية “البستان” الخيرية سامر درويش، وهو أحد أذرع مخلوف وأسلحته القوية وتم التحقيق معه من قبل أمن القصر الجمهوري في سوريا.

رسالة تحذيرية

يبدو أن هذه التراكمات وتضارب المصالح بين أسماء الأسد ورامي مخلوف، دفعت بالأخير إلى الخروج وتوجيه إنذار مباشر إلى رئيس النظام السوري بشار الأسد.

وعلى رغم “العاطفية” التي ظهر بها مخلوف إلّا أنّه هدّد مرات عدة بـ”ملفات ووثائق” لم يسمّها، وهو ما يشير إلى أنّه قد يملك أوراق ضغط لها علاقة بالغرفة المالية التابعة للقصر الجمهوري، وليس من مصلحة بشار الأسد فضحها.

كما أن شركة “سيريتل” التي يملكها مخلوف، لديها 11 مليون مستخدم، وبالتالي كميات ضخمة من السيول النقدية، أي لديها قطع نقدي أكثر من المصارف الحكومية.

ويرى الكريم أن شركة “سيريتل” تستطيع حجب الأموال عن مؤسسات الدولة وزعزعة تداول العملة، ولا سيما القطع النقدية التي لا يستطيع النظام السوري طباعتها مثل فئات 500 – 1000 – 2000 ليرة، ما يخوّل “سيريتل” عرقلة عملية التجارة في سوريا كاملةً

درج

——————————

عن رامي مخلوف وقص أجنحة رجال أعمال النظام السوري/ محمد بسيكي

خروج مخلوف للمرة الأولى وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، يعني أن قنوات التواصل الرسمية مع النظام والأسد شخصياً وأصحاب القرار الحقيقي باتت مغلقة، أو في أحسن التقديرات لم تعد تعمل…

توحي المناشدة المباشرة والنادرة التي وجهها رامي مخلوف، ابن خال رئيس النظام السوري، بشار الأسد، عبر صفحته في “فايسبوك”، بأنّ ما كان يقال في الخفاء ويسري على شكل شائعات في أوساط السوريين والمحللين، عن صدام داخلي في أروقة النظام منذ فترة، خرج جزء منه إلى العلن، وبات يكشف عن قضية لا تزال تكبر ككرة الثلج، ولا أحد يعلم إلى أين تسير.

ظهور مخلوف “أونلاين” في فيديو لمدة ربع ساعة، يشكو، ويشرح، ويطالب الأسد بالتدخل شخصياً للنظر في مطالبة الحكومة السورية إياه بدفع ضرائب (100 مليون دولار) متراكمة عن سنوات عمل سابقة لواحدة من أكبر شركاته في سوريا، وهي شركة “سيريتل موبايل تيليكوم”، التي تضم 11 مليون مشترك، و6500 مساهم، وفق قوله.

بالأرقام، عام 2018، حققت “سيريتل” أرباحاً تجاوزت 58 مليار ليرة، وصافي إيرادات أكثر من 184 مليار ليرة سورية. وفي نهاية العام الماضي، أدرج سهم الشركة في سوق دمشق للأوراق المالية، وبدأ سهمها يتداول عند حدود 8 آلاف ليرة سورية.

يحدث هذا لأول مرة ويعطي مجالاً أوسع لتأكيد الإخباريات التي كانت على شكل إشاعات عن علاقة غير مستقرة بين النظام ومخلوف.

وللمرة الأولى يتم تداول قضية بحجم مخلوف، وثرواته المتراكمة على امتداد أكثر من عقدين أمام جمهور السوريين داخل البلاد وخارجها، بهذا الشكل.

قرار حجز أملاك رامي مخلوف

تقارير صحافية ذكرت العام الماضي، أن هناك تصدّعاً داخل العائلة الحاكمة في سوريا، جراء خلاف بين بشار الأسد وابن خاله رامي مخلوف.

مع اندلاع الاحتجاجات في سوريا، أعلن مخلوف مباشرة وعلى الملأ أنه تنازل عن ممارسة الأعمال التجارية (البزنس) وتنازل عن ملكيته في الشركات لمصلحة شركات تعمل في المجال الإنساني يملكها ويرأس هو نفسه مجالس إدارتها.

كان يريد من هذا التنازل تخفيف العبء والحد من وطأة الهجوم الدولي على بشار الأسد ونظامه الذي بدأ يواجه تظاهرات حاشدة وانتفاضة عارمة تريد اقتلاع نظامه من الجذور والتأسيس لمرحلة تغيير شاملة. كان يريد القول إن العالم يتذرع في هجومه على نظام الأسد بسبب عنف السلطات والفساد وبسبب ثروات رامي مخلوف ابن خال الرئيس، وها أنا ذا أتخلى عن كل شيء، أملاً بتهدئة الرياح الغربية والتهديدات التي تأتي من كل حدب وصوب.

من خلال نشاطه في قطاعات اقتصادية عدة، وتملكه استثمارات تشكل عصب الحياة لاقتصاد سوريا قبل عام 2011 وبعده، تعد شركاته امتداداً لنفوذ وثروة في عالم البزنس في الاتصالات والسياحة والطاقة والصيرفة، ومن تأسيسه شركات كبرى كشركة “راماك للمشاريع التنموية والإنسانية المحدودة المسؤولية”، وهي المساهم الأكبر في شركة “سيريتل” التي يرأس مجلس إدارتها بنسبة 40 في المئة، وشركات “الفجر” و”صروح” و”صندوق المشرق” وغيرها.

ما تمكن مناقشته وإخضاعه للتحليل أن خروج مخلوف للمرة الأولى وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، يعني أن قنوات التواصل الرسمية مع النظام والأسد شخصياً وأصحاب القرار الحقيقي باتت مغلقة، أو في أحسن التقديرات لم تعد تعمل كما كانت من قبل. هذا يعني أنه معزول ويبحث عن منقذ.

قد يكون الأسد شخصياً في منأى عن الرد أو التواصل أساساً مع مخلوف ولديه المبرر، لكون القضية عبارة عن مطالبة من جهة حكومية رسمية إلى شركة يرأسها مخلوف، وهنا يجد الأسد مبرراً بأنه يعطي عملية المطالبة وعمليات التضييق والحجز المالي طابعاً رسمياً متعلقاً بجهود مؤسسات حكومية، ويختبئ هو خلف هذه المطالب الحكومية الموجهة إلى مخلوف وغيره من رجال الأعمال، مع إلزامهم بدفع الأموال، في حين يكون هو من يدير عملية قص الأجنحة، وإعادة تشكيل هياكل جديدة في مجالات الأموال والبزنس.

حاول مخلوف في جزء من خطابه استجرار عطف شريحة من السوريين في الداخل مستفيدة من كينونة شركاته واستثماراته والعمل في مجالات الدعم والإغاثة، وحاول التحدث مباشرة بأنه تحت الضغط وأن العلاقة مع الأطراف الأخرى ليست على ما يرام، وأن انهيار هذه الاستثمارات، إنما يعني بالضرورة خسارة أرزاقهم، وهو ما طلبه شخصياً من الأسد أي أن يتم أخذ ذلك في الاعتبار، عبر جدولة الدفعات لمنع الانهيار.

من أهم الأسباب التي ساقت إلى هذا الواقع، هو تكاليف الحرب السورية، والضغط الاقتصادي الشديد الذي يعانيه النظام السوري بسبب العقوبات وتدهور وضعه مالياً واقتصادياً. وأمام هذا كان لا بد من التوجه إلى رجال الأعمال المستفيدين من وجوده ككيان، لمطالبتهم بالدفع وتحمل أعباء الإنفاق.

يؤسّس على هذا، أن الحملة على مخلوف ليست حديثة العهد، فقد انتشرت أقاويل كثيرة ومن أكثر من اتجاه أن هناك من يجلس في مرتبة أعلى من مرتبة النظام السوري ويوجه الأوامر على امتداد الجغرافيا السورية، بتقييد أصحاب الثروات ومحاربة المستفيدين، بالتوازي مع حالة الفقر الشديد التي تصيب معظم السوريين، ونحن نتكلم هنا عن روسيا، صاحبة القرار الأول والأخير سياسياً وعسكرياً والآن اقتصادياً.

في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ألقت وزارة المالية الحجز الاحتياطي على أموال شركة “آبار بتروليوم سيرفيس أوف شور” المسجلة في بيروت، والتي تبرم صفقات نقل الوقود والمواد النفطية إلى سوريا، وقد ورد اسمها في قائمة العقوبات الأميركية، وعلى أموال رامي مخلوف ورجالات أعمال آخرين، وهو ما دفع مخلوف لاحقاً إلى نفي علاقته بالشركة، مشيراً إلى عدم وجود أي علاقة قانونية تربطه بالشركة المذكورة. وأكثر من ذلك أنه وفي هذه القضية بالتحديد قد سدد للدولة مبلغ 7 مليارات ولم يرفع الحجز عن أمواله.

أياً كان صاحب القرار بإجبار مخلوف وغيره من رجال الأعمال على الدفع، فإن الضغط مستمر، وكان بدأ منذ منتصف العام الماضي تقريباً عندما بدأت قرارت الحجز الاحتياطي تصدر بحقه على إثر التهرب الضريبي وارتكاب مخالفات. وعلى اعتبار أن الحجز الاحتياطي لا يعتبر قراراً نهائياً بالسيطرة على الأملاك لكونه قراراً احترازياً مرهوناً بتسوية قضية ودفع المستحقات المالية للجهة العامة، لكنه يعطي مؤشراً غاية في الأهمية عن كيفية التحوّل في العلاقة بين النظام السوري وجناحه الاقتصادي، في وقت لم يكن يتجرأ أحدهم على قول “لا” لمخلوف.

على رغم أن مناشدة مخلوف تعكس حقيقة الوضع الذي باتت عليه علاقة النظام بأجنحته الاقتصادية الصلبة، إلا أنها تترك السوريين في بحر من التكهنات وجو من عدم اليقين في هذه المرحلة الحساسة، حيث التدخل الدولي في سوريا على أشده ووضع الناس المعيشي هو الأسوأ على الإطلاق.

وهو ما يمكننا تلمسه من حجم التعليقات وردود الأفعال. وفق مصادر متابعة، فإن جزءاً كبيراً من السوريين ينظرون إلى أن مخلوف والنظام الآن في حلبة ملاكمة، لا أحد يعرف كيف ستكون النتيجة النهائية، ولمصلحة من لأن اللعبة لم تنته بعد.

والأهم أن هذا التوجه الجديد نوعياً في علاقة النظام برجال الأعمال الذين استفادوا من علاقتهم به، وبنوا ثروات من قربهم من المتنفذين في السلطة، قد تفسح المجال لرجال أعمال جدد يريد لهم النظام الآن الظهور، وهو هنا إذ يبدل وجوهاً بوجوه، فيما سياسة التحكم بالثروات وتوزيع الأدوار، هي نفسها.

درج

—————————–

صراع الأسد-مخلوف: ديناميات النظام وهمجيته

في أول ردّ رسمي على “فيديو رامي مخلوف، أكدت “الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد” التابعة لوزارة الاتصالات في حكومة النظام السوري، على أنّ المبالغ المطلوب سدادها من شركة سيرتيل هي مبالغ مستحقة ل”الدولة”.

وقالت الهيئة في بيان لها على صفحتها على “فايسبوك”: “تؤكد الهيئة أنّ المبالغ المطلوب سدادها من قبل الشركات الخلوية هي مبالغ مستحقة للدولة وفقاً لوثائق واضحة وموجودة، وتم حسابها بناء على عمل لجان اختصاصية في الشؤون المالية والاقتصادية والفنية والقانونية”.

وأضافت أنه “وحفاظاً على استمرار عمل الشبكة الخلوية واستمرار تقديم خدماتها للمواطنين، تم الأخذ بعين الاعتبار كافة تحفظات الشركات إعطاؤها المهل والمدد التي طلبتها، وبعدها ورغم عدم منطقيتها تم اعتماد كافة البيانات والأرقام المقدمة منها وبعد كل ما سبق تم احتساب القيمة الفعلية للمبالغ المطالبين بتسديدها”.

وتابعت: “تم حساب المبالغ المطلوب سدادها على مرحلتين، الأولى وفقاً للأرقام الفعلية خلال السنوات التشغيلية الخمس الأولى من عام 2015 ولغاية عام 2019 (وذلك حسب طلب الشركتين ووفقا للبيانات المالية المنشورة)، والثانية وفق الأرقام المتوقعة التي تقدمت بها كل شركة”.

وأوضحت أنّ “عقود الإدارة التي أبرمتها الشركات الخلوية مع شركات “أوفشور” (موضوع الخلل الضريبي) يتم العمل عليه من قبل المعنيين بهذا الشأن في وزارة المالية، والمبالغ المشار إليها والمستحقة لدينا لا علاقة لها بقضية التهرب الضريبي (والتي هي موضوع آخر يتم العمل عليه من قبل الجهات الخاصة به) بل بمبالغ مستحقة على الشركتين يجب سدادها لتحقيق التوازن في الرخص، علماً أن الخلل الضريبي الموجود في تلك العقود يؤثر على قيمة ضريبة الدخل وعلى قيمة الأرباح الصافية لحاملي الأسهم أنفسهم”.

وأكدت الهيئة أنها “ماضية في تحصيل الأموال العامة (أموال الخزينة المركزية) بكافة الطرق القانونية، مع الأخذ بعين الاعتبار دائما استمرار عمل اي شركة مطالبة بالسداد بتقديم خدماتها للمواطنين على أكمل وجه ولن يثنيها عن استرداد المال العام اي محاولات للتشويش على هذا العمل”.

وكان رامي مخلوف، رئيس مجلس إدارة شركة “سيريتل”، طالب في وقت سابق، رئيس النظام السوري بشار الأسد، بالإشراف بشكل شخصي على تحقيقات بشأن اتهام حكومة النظام مخلوف بالتهرب الضريبي.

وبعد غياب لسنوات ظهر مخلوف في تسجيل مصوّر نشره على صفحته في فيسبوك الجمعة، قال فيه إن “الدولة غير محقة بالتشكيك بمصروفات شركة سيريتل، وتعود لعقود قديمة متفق عليها بين الطرفين، ويحق لنا مقاضاتها بالاستناد إلى وثائق”، وأبدى استعداده للكشف عنها.

في غضون ذلك ذكرت صحيفة “لوموند” الفرنسية، أنه في السنة العاشرة من الحرب، يبدو أن لدى السوريين موضوعاً جديداً يشغلهم بعيدا عن الصراع العسكري الدائر، فقد ذهل السوريون، بعدما اعتقدوا أنهم رأوا حتى الآن كل شيء في ما يتعلق بفساد قادتهم، عندما كشفت صحيفة روسية أن الرئيس بشار الأسد أهدى زوجته أسماء لوحة لديفيد هوكني، “سبلاش”، تبلغ قيمتها أكثر من 27 مليون يورو.

واشارت الصحيفة الفرنسية في تقرير بعنوان: “تصفية حسابات داخل عائلة الأسد”، إلى أن أهم ما في هذا الخبر، ليس حقيقة شراء الديكتاتور السوري هذه اللوحة، بل أن هذه الفضيحة كشفتها وسيلة إعلامية قريبة من الكرملين، على خلفية تصفية حسابات بين بشار الأسد وابن خاله رامي مخلوف، أغنى رجل في سوريا، والذي كان أحد أعمدة النظام، وأصبح الآن هدفاً لحملات “مكافحة الفساد”.

وقالت الصحيفة إن رامي مخلوف المستفيد الرئيسي من “التحرير” الاقتصادي الذي قاده بشار الأسد بعد أن خلف والده حافظ الأسد حيث بنى مخلوف إمبراطورية حقيقية، وتولى “عمليات خصخصة” الشركات المملوكة للدولة، واستثمر في بنوك خاصة جديدة، ومع شركة الاتصالات “سيريتل”، حاز مركزًا مهيمنًا في سوق الهواتف المحمولة.

وبثروة تقدر بمليارات الدولارات، يقدرها البعض من 3 إلى 7 مليارات وفقاً للمصادر، أصبح مخلوف الممول الأكبر للميليشيات الموالية للأسد، التي كان دورها في قمع الانتفاضة الشعبية عام 2011 حاسماً.

وبحسب الصحيفة الفرنسية فقد أدى صعود المنتفعين الجدد بالحرب منذ عام 2018، إلى توترات ملموسة بشكل متزايد بين بشار الأسد وابن خاله الثري. وأدت استعادة النظام لمعظم الأراضي السورية إلى إعادة تعريف تقسيم الغنائم في بلد مدمر، وهو ما يدفع مخلوف ثمنه بشكل واضح.

واشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن بعض أصول رامي مخلوف تحت الحراسة القضائية، وهناك متأخرات ضريبية كبيرة جداً مطلوبة، ولكن قبل كل شيء سقطت المحرمات من حصانة آل الأسد.

وذكرت أنه في الآونة الأخيرة، تم ضبط أربعة أطنان من الحشيش بمصر في شحنة حليب من شركة مخلوف، في حين تم ضبط أصول شركة أخرى، هي شركة “أبار بتروليوم”، التي تخضع بالفعل لعقوبات أميركية في عام 2018، ولكن هذه المرة من قبل نظام الأسد.

وقالت الصحيفة: “يدعي مخلوف، دون أن يكون مقنعاً حقاً، أنه استثمر في شركة آبار النفطية، دون أن يكون مرتبطاً بها قانوناً”. وقد تفاقمت هذه التوترات غير المسبوقة بين أبناء عمومة الأسد ومخلوف بسبب “كشف” محرج للغاية لبشار في وسائل الإعلام القريبة من الكرملين، بما في ذلك هدية بشار المفترضة لأسماء.

ويتأكد أن مثل هذه “المعلومات” تشكل انتقاماً لحملة مخلوف ضد مصالحه، ويذكر البعض بأن محمد وحافظ مخلوف، والد رامي وشقيقه، استقرا في موسكو (كان حافظ مخلوف حتى عام 2014 أحد رؤساء أجهزة الأمن السورية).

وعادت الصحيفة إلى عام 1984، عندما تصادم حافظ الأسد وشقيقه رفعت، على الرغم من أنهما أنقذا نظامهما الذي كان مهدداً بتمرد إسلامي، إلى جانب انتفاضة شعبية. ولم يتجنب الشقيقان القتال في وسط دمشق إلا بفضل وساطة الاتحاد السوفياتي الذي أخرج رفعت من سوريا.

ورأت الصحيفة أن الخلاف بين بشار الأسد ورامي مخلوف ليس له اليوم البعد العسكري نفسه، لكنه يكشف، مرة أخرى، عن التناقضات التي تشكل “حالة الهمجية” التي يوجد عليها نظام الأسد.

وختمت الصحيفة تقريرها بالقول “الحرب التي شنها حافظ ثم بشار الأسد ضد شعبيهما هي في الواقع في صميم ديناميات قوتهم، بغض النظر عن المشاجرات التي تثير الآن العائلة الحاكمة”.

المدن

——————————-

النظام السوري يرد على فيديو رامي مخلوف

رد النظام السوري على الملياردير رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، بطريقة غير مباشرة بعد شكواه في فيديو من كثرة الضرائب المفروضة على شركاته، مشددا على المضي قدما في استخلاص الضرائب المستحقة.

وجاء رد دمشق عبر بيان أصدرته الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد ونشرته وكالة “سانا” الرسمية، تؤكد فيه أن المبالغ المطلوب سدادها من قبل الشركات الخليوية هي مبالغ مستحقة للدولة وفقاً لوثائق واضحة وموجودة.

وتتبع شركة “سيريتل” للاتصالات لرامي مخلوف ويطالبها النظام بدفع مبالغ مستحقة من الضرائب.

وظهر مخلوف في فيديو يشتكي لابن عمته بشار من كثرة الضرائب المفروضة على شركاته ويهدد باللجوء إلى القضاء.

وشددت الهيئة على أنها ماضية في تحصيل الأموال العامة “أموال الخزينة المركزية” بكل الطرق القانونية.

وأضاف البيان أنه تم الأخذ بعين الاعتبار كل تحفظات الشركات وإعطاؤها المهل والمدد التي طلبتها وبعدها”.

وقال إنه تم اعتماد كل البيانات والأرقام المقدمة من الشركات، رغم عدم منطقيتها” وبعد كل ما سبق تم احتساب القيمة الفعلية للمبالغ المطالبين بتسديدها.

وأشار البيان إلى أن المبالغ المشار إليها والمستحقة لا علاقة لها بقضية التهرب الضريبي، والتي هي موضوع آخر يتم العمل عليه من قبل الجهات الخاصة به.

وشدد البيان على أن الهيئة الناظمة ماضية في تحصيل الأموال العامة بكل الطرق القانونية مع الأخذ بعين الاعتبار دائماً استمرار عمل أي شركة مطالبة بالسداد بتقديم خدماتها للمواطنين على أكمل وجه ولن يثنيها عن استرداد المال العام أي محاولات للتشويش على هذا العمل.

وقالت صحيفة لوموند الفرنسية في تقرير لها إن تصفية حسابات تجري بين بشار الأسد وابن خاله، وأدى الخلاف العميق بينهما إلى العديد من الإجراءات من قبل النظام ضد مخلوف، وكان أحدثها الحجز على أمواله.

وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن بعض أصول رامي مخلوف تحت الحراسة القضائية، وهناك متأخرات ضريبية كبيرة جدا مطلوبة.

كتب

الحرة / وكالات – واشنطن

—————————–

مخلوف يخرج خلافه مع الأسد إلى العلن ناشد رجل الأعمال السوري ابن خاله بإنقاذ شركاته التي قدمت كثيراً للبلاد

ظهور رجل الأعمال السوري رامي مخلوف، وهو ابن خال رئيس النظام بشار الأسد، في فيديو عبر صفحته على فيسبوك، أمس الخميس، يكشف ما سبق تداوله عن وجود خلافات داخل النظام، في بعدَيْه السياسي والاقتصادي.

وتمحور حديث مخلوف حول عدم أحقية الدولة السورية بمطالبته بدفع حوالى 234 مليار ليرة سورية (نحو مليار دولار أميركي)، عن شركتي “سيريتل” و”إم تي إن”، لسداد الضرائب المتوجبة عليهما، مؤكداً أنه إضافةً إلى مشاركته الدولة نفسها بنصف أرباح شركتَيْه، يدفع ضرائبه ويقوم بـ”العمل الخيري”.

وناشد مخلوف الأسد بمساعدته على وقف انهيار شركته، التي خدمت “الدولة ومن يخدم الدولة”، مذكّراً بما قدمه إلى بلاده منذ اندلاع الصراع الدامي عام 2011، ومؤكداً أن من حق شركتَيْه مقاضاة الدولة.

وكانت الهيئة السورية الناظمة للاتصالات والبريد الحكومي وجّهت إنذاراً لشركَتَيْ مخلوف، مهددةً باتّخاذ إجراءات قانونية بحقهما في حال عدم دفعهما هذه المستحقات.

وألزمت الهيئة الشركتين الامتثال لقرارها قبل 5 مايو (أيار) الحالي.

ويُعتبر مخلوف، منذ حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد، أحد أعمدة النظام الرئيسة، لكن نفوذه تضخّم بشكل كبير، منذ استلام الأسد الابن سدة الحكم عام 2000، خصوصاً مع بداية مشاريع لخصخصة قطاعات عامة، إذ تمكّن من بناء إمبراطورية اقتصادية، تجاوزت حتى الحدود السورية. وقُدّرت نسبة سيطرته على الاقتصاد السوري قبل عام 2011، بـ60 في المئة.د

وكان الخلاف بين الأسد ومخلوف قد أُشير إليه في المرة الأولى، في مقال نشرته في أغسطس (آب) 2019 صحيفة “التايمز” البريطانية، بعنوان “الأسد يحتجز ابن خاله الغني حتى يدفع ديون الحرب للرئيس بوتين”.

ووفق الصحيفة، بدأ الخلاف بين الطرفين على خلفية صور ومنشورات كان يشاركها ابن مخلوف، محمد، وتظهر نمط الحياة الباذخ الذي يعيشه. لكن الصحيفة تقول إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، طالب الأسد بدفع تكاليف مشاركة بلاده في الحرب السورية، المقدّرة بثلاثة مليارات دولار، وإن لم تكن الدولة نفسها تملك هذا المبلغ، فإن عائلة مخلوف تملكه.

وتشير الصحيفة البريطانية إلى وجود رواية أخرى للخلاف بين الرجلين، وهو اضطّرار الأسد إلى استخدام أموال مخلوف لتمويل المجموعات المسلحة التي تقاتل إلى جانب نظام.

وفي الحالتين، بدأت منذ ذلك الحين حملة الأسد ضد مؤسسات مخلوف، لكن بحجة مكافحة الفساد، وفي ظل إصرار الأخير على عدم التنازل عن ممتلكاته. وتنقل “التايمز” معلومات غير مؤكدة عن أن مخلوف وابنه وُضعا في الإقامة الجبرية.

وكان مخلوف قد واجه انتقادات، في بداية شهر رمضان، مع نشره فيديو تحدث فيه عن تبرعاته. وفي الفيديو الأخير، قال رجل الأعمال السوري إنه تلقّى تهديدات بإنهاء جميع مشاريعه في البلاد، في حال استمر بمساعدة المحتاجين.

—————————-

=======================

=======================

تحديث 03 أيار 2020

———————————-

بدؤوا التخطيط لها عام 1999.. أخطر قضية فساد في سوريا أبطالها النظام السوري ورامي مخلوف

قالت في المنشور المطوّل عبر صفحتها في فيسبوك: إنها ستشارك “الدراسة كاملة ( المؤلفة من 96 صفحة) التي أعدها ونشرها والدي (رياض سيف) في كتيب في دمشق بتاريخ 14/8/2001 عن قصة عقود الخليوي”، وذلك رداً على رامي مخلوف.

والبداية تقول: “كانت قضية عقود الخليوي بمثابة أخطر وأكبر قضية فساد في سوريا في ذلك الوقت، حيث أنه وبعد خمسة أيام من توقيع العقود وبتاريخ 17/2/2001 وجه الزميل مأمون الحمصي أسئلة حول عقود الخلوي، وطلب حضور الحكومة للرد عليها. حضرت الحكومة في 26/3/2001 وقدم وزير المواصلات محمد رضوان مارتيني تقريراً يؤكد نزاهة العقود وقانونيتها وفوائدها الكبيرة للمصلحة العامة، وأعلن رئيس المجلس إقفال باب النقاش وطي الملف فقاطعته بصرخة مدوية أن هذا سوف يضيع على الشعب السوري مبلغ 200 مليار ليرة سوري وأنني أملك الوثائق التي تدعم ذلك ولا يمكننا أن نسمح بإغلاق الملف، وهنا انضم إلي عدد كبير من أعضاء المجلس حتى البعثيين منه مما اضطر رئيس المجلس لعدم إغلاق الملف.

نصحوني بالابتعاد

وتتابع بالقول: بعدها زرت وزير المواصلات من أجل مساعدتي في الحصول على وثائق الخليوي، فنصحني بالابتعاد عن هذه القضية لخطورتها، وحذرني من وجود نية بسجني والدكتور عارف دليلة إذا ما أصرينا على متابعة الحديث عن هذا الموضوع.

وفي اليوم الأول من عودة المجلس للانعقاد في 15/5/2001 طالبت بتشكيل لجنة للتحقيق في هذا الموضوع، وأيدني في ذلك أكثرية أعضاء المجلس. وقدمت مذكرة من 6 صفحات تحت عنوان «لماذا التعتيم على عقود الخلوي» وزعتها على كبار المسؤولين وعلى زملائي في مجلس الشعب، وطلبت نشرها في جريدة تشرين، لكن ذلك لم يتحقق.

حملة تكذيب

ويقول في الدراسة: بتاريخ 11/6/2001 حضر رئيس مجلس الوزراء للرد على سؤالي الخطي، وقدم اقتراحاً بإحالة الموضوع إلى لجان المجلس. وتم تكليف لجنتي القوانين المالية والخدمات بدراسة الموضوع. وبتاريخ 23/6/2001 قبل أربعة أيام من انتهاء الدورة التشريعية اجتمعت اللجنة المشتركة وحضر المدير العام للمؤسسة العامة للاتصالات مصطحباً نسخة من الوثائق المتعلقة بالعقود، تحوي مئات الصفحات ومعظمها باللغة الإنكليزية، سلمها لرئيس اللجنة مؤكداً على اعتبارها وثائق سرية يحظر تداولها. وتحت إصرار أعضاء اللجنة على توزيع نسخ من الوثائق على أعضائها تمت الموافقة على ذلك.

وتضيف: لقد كان حرص رئيس المجلس ووزير المواصلات على إنجاز تقرير اللجنة قبل العطلة واضحاً، وكان من أهم ما أكده الوزير، هو أن التصديق النهائي للعقود لم يتم بعد. ونجحت اللجنة في تمديد المهلة الممنوحة لإنجاز عملها إلى الدورة التالية. وحاولت في تلك الفترة وسائل الإعلام الرسمية تكذيب ما كنت قد قدمته من معلومات وأرقام، وعندما طلبت من وسائل الإعلام نفسها نشر ردي على ما أوردته بهذا الشأن كان الجواب بالرفض دائماً. في منتصف آب 2001 أنجزت دراسة شاملة تحت عنوان «صفقة عقود الخلوي» موجهة لأعضاء مجلس الشعب، ووزعتها على عناصر الحكومة. أبرز نقاطها هي:

إن توقيع عقود الخليوي، منح لشركات أجنبية امتياز إدارة واستثمار مرفق عام تملكه الدولة يتمثل في استثمار الترددات. وهذا يتطلب إصدار قانون خاص حسب المادة 71 من الدستور. إلا أن رغبة المستفيدين من العقود بإبرام الصفقة وسعة نفوذهم مكناهم من الالتفاف على الدستور، وإتمام الصفقة بسرية مطلقة.

شركات مغمورة

يتابع رياض سيف في دراسته: في البدء قدمت شركتين مغمورتين هدية للحكومة السورية لتركيب شبكات تجريبية تخدم 20 ألف خط خليوي مجاناً، وتم إجراء الترتيبات لصالح الشركتين المتبرعتين دون الحاجة إلى إعلان مناقصة. وبتاريخ 26/4/1999 وافق رئيس مجلس الوزراء على إدخال التجهيزات المطلوبة إدخالاً مؤقتاً على سبيل الإعارة، وينتهي مفعول الإدخال بتاريخ 14/12/2000 أبرمت عقود نهائية مكّنت الشركتين «المتبرعتين» من احتكار خدمات الهاتف الخلوي لمدة 15 عاماً قبل يومين فقط من انتهاء الفترة التجريبية المذكورة قاطعة الطريق أمام الشركات التي يمكن أن تدخل المنافسة.

وبالعودة إلى وضع الشركتين المتعاقدتين بتاريخ توقيع العقود، نتبين أن الأولى، هي شركة «دريكس تكنولوجي» المحدودة المسؤولية، وهي مسجلة في الجزر العذراء البريطانية بتاريخ 4/7/2000 أي قبل أربعة أيام من تاريخ طرح المناقصة، وبرأسمال قدره 50 ألف دولار فقط، مع إغفال اسم المسؤول والمدير العام.. أما الشركة الثانية فهي «أنفيستكوم غلوبال»، وهي مسجلة أيضا في الجزر العذراء البريطانية وبرأسمال 50 ألف دولار.

    معروف أن الجزر العذراء البريطانية تسمى بالجنة الضريبية وتستقطب الشركات الوهمية والشركات التي تتعاطى غسيل الأموال حيث تقتصر التزامات الشركة على دفع رسم سنوي بسيط مقابل تسجيل عنوان وصندوق بريد. وهذا يبين أن صاحب الشركتين هو شخص واحد يمكن أن نطلق عليه لقب المستفيد.

محمود الزعبي

ومما أثار الريبة أكثر هو الخوف الذي كان يسيطر على رئيس مجلس الوزارة محمود الزعبي في تلك الفترة من تمرير تلك الصفقة كما تدل الوثائق، إذ قدم مدير عام المؤسسة مذكرة لرئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 3/2/2000 ترجح اختيار طريقة الـ«BOT» في التعاقد. وبتاريخ 1/3/2000 عقد اجتماع موسع في رئاسة مجلس الوزراء لم يتوصل إلى قرار. تلاه تقديم مذكرة من المؤسسة بتاريخ 4/3/2000 ثم عقد محمود الزعبي اجتماع آخر للوزارة بتاريخ 6/3/2000 برئاسته طلب فيه من المؤسسة ووزارة المواصلات إعداد مذكرة شاملة جديدة، تتضمن كافة المداولات الوزارية حتى تاريخه، ووضع ملحق لأهم الشروط التي ستتضمنها مشاريع دفاتر الشروط الفنية والحقوقية ليصار إلى تدقيقها من قبل وزارتي الاقتصاد والمالية. كما طلب تلخيصاً لكل المذكرات التي أعدتها المؤسسة. وتقديم دراسة مقارنة تبين ميزات ومساوئ الخيارات الأربعة المطروحة وهي:

إما أن تكون مؤسسة الاتصــالات منفذاً ومشغلاً، وإما تلزيم المشروع عن طريق BOT ) ) ( بناء المشروع واستثماره لعدد من السنين ثم إعادته للدولة)، وإما بيع ترخيص الترددات عن طريق مزايدة علنية، أو إدارة قطاع الخلوي من القطاع المشترك بين المؤسسة والقطاع الخاص.

يلاحظ مما تقدم هيمنة قضية الخليوي على اهتمامات حكومة الزعبي في الأيام الأخيرة من عمره، كان من المتعارف عليه أن يتطلب تنفيذ طلبات رئيس مجلس الوزراء في الأحوال العادية فريقاً كبيراً من المختصين وأسابيع إن لم تكن شهور من الدراسة والتدقيق, لكن معجزة قد حصلت هنا حيث أن كل الدراسات المطلوبة قد أنجزت خلال ساعات وأن محمود الزعبي رئيس الوزارة قد وافق على خيار ال BOT كما تمت إقالة حكومته في نفس اليوم وبقي رئيس مجلس الوزراء ميرو والوزراء ومؤسسة المواصلات مصرين على أن الزعبي هو من وافق على خيار ال BOT قبل إقالته بساعات، والحقيقة التي لا تقبل الشك أن رفض الزعبي خيار ال BOTكان سبب إقالته، وقد كانت العداوة بين كل من محمود الزعبي وسليم ياسين (نائب رئيس الوزراء لشؤون الاقتصاد) مع محمد مخلوف معروفة للجميع وكانا يشتكيان دائماً من تغول محمد مخلوف على كل المشاريع الاقتصادية, وقد حدثني سليم ياسين عندما كنا معا في سجن عدرا أن محمد مخلوف تقدم بطلب إقامة صالة سوق حرة في مطار دمشق الدولي، الأمر الذي لم يوافق عليه سليم ياسين فانتظر ذهابه في إجازة طويلة ليحصل على الموافقة من محمد العمادي وليفاجئ سليم ياسين عند عودته ويجد أن السوق الحرة قد أقيمت.

وتبين الوثائق أن مذكرة 7/3/2000 بالإضافة إلى ترجيح اختيار نظام الـ«BOT» أعطت المستفيد هدية ثمينة بتخفيض حصة الخزينة من العائدات من 40٪ إلى 30٪ في السنوات الثلاث الأولى من العقود. لكي لا تتحمل الحكومة الجديدة تبعات هذا العقد المجحف، والأنكى أن هذه الحكومة لم تكتف بذلك فوفرت للمستفيد أرباحاً إضافية على حساب خزينة الدولة بالطرق التالية:

بتاريخ 4/3/2001 أي بعد ثلاثة أسابيع من توقيع العقد، وافقت الحكومة على إعفاء الشركتين من دفع أي رسوم جمركية على مستورداتهما التي تتعلق بالمشروع واعتبارها إدخالاً مؤقتاً، علماً أن مذكرة المؤسسة بتاريخ 7/3/2000 قدرت الرسوم الجمركية المتوجب دفعها بخمسة مليارات ل.س.

وبعد شهر من تاريخ توقيع العقود، أي في 13/3/ 2001 أصدر مدير عام مؤسسة الاتصالات كتاباً يمنح فيه الشركتين المتعاقدتين حسومات في أجور الدارات، يصل مجموعها إلى أكثر من 12 مليار ل.س خلال فترة التعاقد محسوبة على العدد المتعاقد عليه أي مليون وسبعمائة ألف خط، وعند مضاعفة عدد الخطوط كما يبين الواقع فإن رقم 12 مليارا سوف يتضاعف بنفس النسبة.

تم تحديد عدد الخطوط لكل عقد بـ850 ألف مشترك، بينما كانت كل التوقعات تشير إلى أن احتياجات السوق تصل إلى أضعاف هذا العدد قبل السماح لمشغل ثالث بدخول السوق عام 2008. وللهروب من دفع أي أعباء مالية للخطوط التي تزيد عن 850 ألف أرسلت شركتان كتاباً لمؤسسة الاتصالات يبين أن الشركة ملتزمة بتركيب 850 ألف خط وحسب الحاجة, وبما أن المؤسسة لم ترد على كتابها فاعتبر بحكم الموافق عليه، مانحاً الشركة المستثمرة فرصة لتوسيع الخطوط حسب حاجة السوق دون أن يترتب عليها أية التزامات إضافية، وقد وصل عدد الخطوط فعلا الى أضعاف العدد المسجل في العقد.

لقد قدرت المؤسسة العامة للاتصالات بتاريخ 7/3/2000, ربح الشركتين قبل دفع الضريبة بـ 121.815 ملياراً عن مليون وسبعمائة ألف خط كحد أعلى، يحول منها 36٪ للخزينة كضرائب، ليصبح الربح الصافي للمستفيد 77 مليار ل.س فقط. وإذا أخذنا بعين الاعتبار عامل تخفيض الضريبة من 36٪ الى 18٪ وزيادة عدد الخطوط لأكثر من ثلاثة أضعاف العدد المتعاقد عليه، وبإضافة الأرباح عبر كل الطرق الاحتيالية التي تطرقنا اليها سابقاً، ندرك أهمية هذه الصفقة الاحتكارية التي تدر مئات مليارات الليرات السورية على المستفيد الأساسي منها رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد وأهم المتربعين على قمة هرم المافيا الاقتصادية التي تحكم سوريا.

ويختم رياض سيف دراسته بالقول: بتاريخ 14/8/2001 قمت بتوزيع آلاف النسخ من كتيب صغير (96 صفحة) بعنوان «صفقة عقود الخلوي» والذي أعتقد أنه كان أحد أهم الأسباب الرئيسة في قرار السلطة باعتقالي وذلك بعد فترة لا تتجاوز الشهر من فضح صفقة الخليوي، ثم محاكمتي وإيداعي السجن، على الرغم من كوني عضواً في مجلس الشعب.

    رداً على رامي مخلوف, قصة قضية عقود الخليوي من والدي رياض سيف:سأشارك الدراسة كاملة ( المؤلفة من 96 صفحة) التي أعدها…

    Gepostet von Joumana Seif am Samstag, 2. Mai 2020

بروكار برس

————————-

رامي مخلوف..رجل مال عائلة الأسد الذي يطل بالمحطات “الفاصلة

سنوات طوال مضت، ارتسمت فيها شخصية رامي مخلوف، في مخيلة السوريين، ببضعة صور، لم تكن بالدقة المثلى التي تتيح التعرف على تفاصيله الكاملة، بل كانت بأسوأ نسبة وضوحٍ كـ”هوية بصرية”؛ ورغم ندرة و سوء التفاصيل التي أظهرتها، إلا أن اسمه أو شخصيته ارتبطت دائماً، باستراتيجية السيطرة الاقتصادية على ممتلكات البلاد، من تجارة وصناعة واتصالات، وغيرها.

وما بين الصور التي أتاحتها محركات البحث، في السنوات الماضية لـ”مخلوف”، والتسجيل المصور الذي نشره، مؤخراً، على صفحة تحمل اسمه في “فيس بوك”، فقد تبادر في اليومين الماضيين، إلى نسبة كبيرة من السوريين، لغرابة المشهد في الوهلة الأولى، بأن من خرج مرئياً يكاد يكون مُزيفاً، أو ربما شخصية أخرى تحاول انتحال صفة الشخصية الأساسية.

وفي التسجيل المصور الذي تجاوزت مدته 15 دقيقة ببضعِ ثوانٍ، تحوّل رامي مخلوف إلى حديث الساعة، واستأثر باهتمام رواد مواقع التواصل الاجتماعي والمحليين والباحثين السوريين، ولاسيما أن ظهوره يأتي في ظرف حساس تمر به سورية من جهة، وبعد أكثر من تسع سنوات من الغياب عن أية ظهور أو تصريحات إعلامية.

وبعيداً عن الأبعاد التي قد يفرضها الظهور النادر لمخلوف، في الوقت الحالي، والتحليلات التي ذهبت إلى خلاف حاد، بين عائلة الأسد ومخلوف، فإن واحدةً من النقاط اللافتة، التي يُمكن التوقف عندها، هي المحطات التي عكف مخلوف على الإطلالة بها إعلامياً؛ إطلالات تخرج عن الإطار اللحظي، إلى ما هو أبعد.

دعم الأسد.. رسالة إلى إسرائيل

مع مطلع أحداث الثورة السورية، عام 2011، واندلاعها في معظم المناطق السورية، خرج مخلوف بتصريح لافت، كان له وقع خاص على المسار السياسي لسورية، وتزامن مع اتجاه الدول الإقليمية والعالمية لمقاطعة بشار الأسد ونظامه، على خلفية استخدام القوّة ضد المدنيين العزّل.

صرح رامي مخلوف، ابن خال رئيس النظام بشار الأسد، في 12 مايو/أيار 2011، في مقابلة نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” أن نظام الأسد “لن يستسلم بسهولة وسيقاتل حتى النهاية”.

وأضاف: “لن يكون هناك استقرار في اسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سورية”، مهدداً بطرح ورقة “الجهاديين” و”السفليين” كبديل عن نظام الأسد، في حال التوجه لإسقاطه.

وتابع مخلوف في تصريحاته اللافتة، حينها: “ليس بامكان أحد أن يضمن ماذا سيحصل إذا حدث شيء للنظام لا سمح الله”، مشيراً إلى أن “قرار الحكومة الآن هو القتال (…) سنقاتل حتى النهاية”، مُشدداً تحذيره لإسرائيل بالقول: “إذا لم يكن هناك استقرار في سورية، فلن يكون هناك استقرار في إسرائيل”.

 تصريحات مخلوف في تلك الفترة، التي يمكن اعتبارها “فاصلة” كونها شهدت انطلاقة الثورة السورية، أخطر حدث يهدد نظام الأسد بكل تاريخه، ركّزت على دعم بشار الأسد، والوقوف معه، على عكس ما أفردته تصريحاته في اليومين الماضيين، ضمن التسجيل المصور النادر، والتي تضمنت لهجة “هجومية” وتحذيرية ووبنفس “استكانة” و”مظلومية” في ذات الوقت.

وأعطت التصريحات الأولى لمخلوف، مطلع عام 2011، صورة عن عرض قدمه نظام الأسد لإسرائيل، للحفاظ على بقائه، ومن أبرز بنوده هو الحفاظ على أمن إسرائيل، مقابل الحفاظ على أمن نظام الأسد وكيانه.

واعتبرت صحيفة “نيويورك تايمز“، آنذاك، أن كلام مخلوف “يلقي الضوء على التكتيكات التي تتبناها النخبة الحاكمة، والتي استغلت تقلبات المنطقة من أجل الحفاظ على هدفها الأساسي وهو استمرارها”.

كما اعتبرت أن تحذيرات مخلوف من عدم الاستقرار والصراع الطائفي في سورية، على غرار ما حصل في العراق، و”بدا كصرخة من النظام لحشد الدعم أثناء تعامله مع مستوى من المعارضة (…) يعترف مسؤولوه بأنه أخذهم على حين غرة”.

2020.. عام الخلافات

تسع سنوات مرت على التصريح “اللافت” لمخلوف، لم يظهر فيها بأية تصريحات إعلامية أو ظهور مرئي، لكن اسمه لم يغب فيها، سواء على لوائح العقوبات الأمريكية والأوروبية، أو بعض التسريبات التي كانت تنشرها مصادر إعلامية بين الفترة والأخرى، والتي كانت تتحدث عن مشاريع وشركات أسسها بالسر، هنا وهناك، فضلاً عن شبكة شركاتٍ في دول عدة، للالتفاف على العقوبات، التي اعتاد مخلوف والنظام الاحتيال عليها، بإيجاد مخارج منها.

ورغم أن التسجيل المصور الأخير الذي نشره، قبل يومين، هو الأول له منذ سنوات، إلا أنه ومنذ حوالي ثلاثة أشهر، خرج بتصريحات هي الأولى من نوعها لصحيفة “الأخبار” اللبنانية، نفى فيها الاتهامات الموجهة له، حول التهرب من دفع الضرائب لـ”الدولة السورية”.

وفي السادس من فبراير/شباط العام الحالي، نشرت الصحيفة مقالاً، قالت إنه رد من مخلوف على مقال سابق، تحدثت فيه عن فساده، وتعامل حكومة نظام الأسد معه.

وافتتح مخلوف رده على مقال الصحيفة، بتأكيده الابتعاد عن الإعلام منذ المؤتمر الصحفي الذي عقده بدمشق في 2011، وأعلن حينها تنازله عن حصته في شركاته إلى جمعيات إنسانية، وأهمها “جمعية البستان”.

وحول اتهامه بالفساد، تحدث مخلوف عن أهمية شركاته، التي قال إنها ترفد الخزينة العامة في سورية بسيولة نقدية تزيد على عشرات المليارات من الليرة السورية، وتشغّل ما يقارب عشرة آلاف موظف سوري برواتب تعد الأعلى في البلاد، وتخدم أكثر من 11 مليون مشترك (في إشارة إلى شركة سيرياتل للاتصالات)، إضافة لتشغيل أكثر من 80 ألف نقطة بيع موزعة في سورية.

وتساءل مخلوف، حينها، هل هذا يعد فساداً؟ مشيرًا إلى أن 75% من أرباح شركاته ذهبت في السنوات العشر الأخيرة إلى مؤسسات وجمعيات إنسانية، بهدف خدمة السوريين، معتبراً أن مفهوم الفساد يختلف عن هدف أعماله.

وتحدث عن قرار الحجز الاحتياطي على جميع أمواله المنقولة وغير المنقولة العائدة له ولشركاته، الصادر من قبل وزارة المالية، في 19 يناير/كانون الثاني الماضي، بسبب تهريب بضاعة ناجية من الحجز قُدرت قيمتها بنحو 1.9 مليار ليرة سورية، وبلغت رسومها 215 مليون ليرة، والحد الأقصى لغراماتها 8.5 مليار ليرة، والرسوم 2.1 مليار ليرة.

استجداء الأسد

ما قاله مخلوف في التسجيل المصور الأخير، لم يخرج عن إطار ما قاله في المقال الذي نشرته صحيفة الأخبار، مطلع العام الحالي، وما ميزه هو نبرة “الاستجداء” التي أظهرها لرأس النظام، بشار الأسد.

وألمح مخلوف، في التسجيل، إلى استعداده مقاضاة “الحكومة” قائلاً: “الدولة السورية فرضت دفع مبالغ غصباً عنا”، مشيراً إلى أن بحوزته وثائق تؤكد أنه “صاحب حق”.

كما تحدث عن أدواره الخيرية ومؤسسة “جمعية البستان في دعم الحكومة بمشاريع وطنية”.

واستخدم “المليادر” عبارات خلال التسجيل، وصفها البعض بمدغدغات للعواطف كالدين، والوطنية، إذ كرر أكثر من مرة أن “الله سخره لمساعدة الفقراء”، ثم ختم الفيديو مناشداً الأسد التدخل لتقسيط الضرائب، لكي يحمي شركته من الانهيار.

لكن وزارة الاتصالات في حكومة الأسد، وفي اليوم التالي، ردت على فيديو مخلوف، في بيان لها عبر موقع “فيس بوك”، وقالت إن “المبالغ المطلوب سدادها من قبل الشركات الخلوية هي مبالغ مستحقة للدولة، وفقاً لوثائق واضحة وموجودة”.

ابن محمد مخلوف

ينحدر مخلوف من جبلة وهو من مواليد عام 1969، وهو الابن الأكبر (لشقيق أنيسة والدة بشار) محمد مخلوف، الذي كان يدير المصرف العقاري أيام الرئيس الأسبق، حافظ الأسد، بعد أن كان موظفاً بسيطاً قبل ذلك في “المؤسسة العامة للتبغ” التي تملكها الدولة في سورية.

ويدير مخلوف أكبر شركة للهواتف المحمولة في سورية، وهي “سيرياتل”، كما يملك العديد من شركات البناء والنفط، منها “إيما تيل”، “راماك”، “شركة شام القابضة”، وغيرها.

وفي أواخر 2019، كشفت منظمة “غلوبال ويتنس” لمكافحة الفساد أن عائلة مخلوف تتحكم في 60 ٪ من الاقتصاد السوري.

وإلى جانب ما سبق، يملك رامي مخلوف عقارات في العاصمة الروسية موسكو تقدر بـ 40 مليون دولار، وفق منظمة “غلوبال ويتنس”.

إضافة إلى إذاعات موالية لنظام الأسد، كما يملك صحيفة “الوطن” الخاصة، ويدير شركات للسيارات، إضافة إلى نشاطات اقتصادية تتمثل في قطاعات مختلفة مثل الصرافة والغاز والتجارة والعقارات.

وهو مدرج على قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية، إلى جانب أخويه إيهاب وإياد.

    #شاهد#رامي_مخلوف ابن خال #بشار_الأسد ووكيل أعماله

    ساهمت “#جمعية_البستان” التابعة له في الانتهاكات التي ارتكبها النظام ضد الشعب السوري وأُدرج اسمه في قوائم العقوبات البريطانية والأوروبية والكندية والأمريكية, وحجزت سويسرا على كافة أمواله وممتلكاته#رجال_أعمال_الأسد 👇 pic.twitter.com/5JOBEhguTm

    — مع العدالة (@projusticeorg) March 12, 2020

السورية.نت

—————————-

مخلوف يناشد الأسد بثاني ظهور: أتعرض لمعاملة غير إنسانية

عبد الرحمن خضر

أطل رامي مخلوف، رجل الأعمال السوري وابن خال رئيس النظام السوري بشار الأسد اليوم الأحد، في تسجيل جديد ناشد فيه الأسد التدخل لوقف ما يتعرّض له من معاملة “غير إنسانية”، لافتاً إلى أنه يمر بأيام صعبة قد تنتج عنها “كارثة”.

وأوضح في التسجيل أن الهدف من الضغوطات هو إبعاده عن المشهد الاقتصادي والشركات التي يديرها، وأهمها شركة “سيرتيل”، إذ بدأت الأجهزة الأمنية باعتقال موظفي الشركات التي يديرها.

وأبدى مخلوف استغرابه من أن تأتي الأجهزة الأمنية إلى شركاته وتعتقل الموظفين فيها، بعد أن كان أكبر داعم لهذه الأجهزة و”أكبر خادم لها” وراعياً لعناصرها أثناء الحرب.

كما أشار إلى أن ظهوره المتكرر على مواقع التواصل لأن الموضوع حساس وليس مزحة، وهناك تعليمات لم يعد قادراً على تنفيذها، مصدرها أشخاص “حول صاحب القرار” لم تعد تطاق، وصفها بـ”المقرفة والخطرة”.

وحذّر مخلوف في التسجيل من أن استمرار الضغوط قد يخرج بعض التفاصيل عن سيطرته، إذ إن الأمور بينه وبين السلطة انقلبت، وما يُطلب منه يصعب تحقيقه.

وفي التسجيل الذي بثّه مخلوف الخميس الماضي، قال إنه يؤدي كل الرسوم المترتبة على شركاته، والمؤسسات التي يمتلكها من أهم دافعي الضرائب للنظام والمشغلة لليد العاملة.

وأضاف أنه لا توجد لدى “الدولة” أية حقوق عنده، لأنه وشركاته يؤدون بانتظام ما يترتب عليهم من التزامات مالية، معتبراً أن مطالبته أخيراً بدفع نحو 130 مليار ليرة سورية (نحو 120 مليون دولار) هو “محض ظلم”، ومع ذلك أكد أنه سوف يقوم بالدفع، لأنه عندما “تجبره” الدولة على فعل شيء سيفعله مجبراً ولا خيار له.

وجاء ظهور مخلوف بعد حديث وسائل الإعلام الرسمية، خلال الأسابيع القليلة الماضية، عن إنذار عدة شركات يملكها لدفع ما يترتب عليها لخزينة “الدولة”، وإلا ستتخذ إجراءات الحجز بحقها، فيما تشير مصادر عدة إلى أن الحملة على مخلوف وشركاته تقودها زوجة بشار الأسد أسماء.

—————————

رامي مخلوف ينذر الاسد: الخطر قادم

بعد ثماني وأربعين ساعة على ظهوره في تسجيل مصور نشره على صفحته الشخصية في فيسبوك، وتحدث فيه عن بعض تفاصيل الخلاف مع حكومة النظام والأجهزة الأمنية، ظهر رجل الأعمال السوري رامي مخلوف في تسجيل جديد الأحد كشف فيه عن تطورات وصفها ب”الخطيرة” كما أرسل تهديدات مبطنة “في حال استمرت هذه الحالة”.

وقال مخلوف، الذي لطالما اعتبر ركن النظام الاقتصادي، إن ظهوره الجديد وتوجيهه هذه الرسالة الاحد، سببه استمرار التجاوزات والتهديدات التي وجهتها الأجهزة الأمنية له ولشركاته، مؤكداً أن “الموضوع حساس وأكبر مما يُتصور..”. وقال: “نحن أمام تفاصيل لن نكون قادرين على السيطرة عليها إذا ما استمرت الضغوط علينا والتي أصبحت غير مقبولة ولا إنسانية”.

ولم يكن ذلك التهديد المبطن الوحيد من قبل مخلوف، حيث كرر ابن خال رئيس النظام بشار الأسد توجيه مثل هذه الاشارات في التسجيل، إذ اعتبر أنه “ستكون هناك أيام صعبة وأنا جاهز لها” وأنه “في حال استمر الأمر على هذا النحو سيكون الأمر خطيراً”، مؤكداً أنه لن يرضخ للضغوط ولن يتنازل عن إدارة شركاته وأمواله التي اعتبرها “جني العمر” وأنه “مؤتمن عليها في ابتلاء إلهي” له.

اللافت في تصريح رامي مخلوف الأخير أيضاً هو كشفه وللمرة الأولى عن الإجراءات التي بدأت أجهزة أمنية في النظام تطبيقها ضده، وهو تطور يكشف عن مدى جدية وعمق الخلافات داخل أركان النظام في هذه المسألة، حيث أكد اعتقال المخابرات عدداً كبيراً من موظفي شركاته بينهم مدراء، وتساءل: “كيف يتم اعتقال من دافع عن النظام وعن الرئيس، وكيف يتم التعامل بهذه الطريقة مع شركات ومؤسسات كانت أكبر داعم وأكبر خادم لهذه الأجهزة الأمنية”.

كما كان لافتاً أيضاً تركيزه الكبير على أن المحيطين ببشار الأسد هم من يقفون خلف هذه “التدخلات والممارسات التي باتت مخيفة وقذرة” حسب وصفه، في إشارة مبطنة إلى زوجة الأسد، اسماء الأخرس، التي ينسب لها الكثيرون الوقوف خلف هذه الحملة التي تستهدف إنهاء هيمنة آل مخلوف على الاقتصاد السوري وإعادة تشكيل السوق المحلية تحت سيطرتها.

ورغم اظهاره التحدي وارسال تهديدات مبطنة، إلا أن مخلوف استجدى بشكل مكرر رئيس النظام بشار الأسد من أجل التدخل، مخاطباً إياه بالقول: “لا تصدق من حولك.. لا تسمح لهم بخرق الدستور والتعدي على القانون.. أنا لن اتنازل، وأطلب منك يا سيادة الرئيس أن تنصفنا وتسمعنا، وإذا لم تفعل فليس لنا سوى الله ليحمي البلد من الخطر القادم”.

ورغم موجة السخرية التي تسبب بها توظيفه لبعض الآيات والنصوص الدينية في التسجيل الأول الذي نشره قبل ثلاثة أيام، إلا أن رامي مخلوف كرر وبشكل مكثف هذا التوظيف في الفيديو الأخير الذي عنونه ب”وكان حقاً علينا نصر المؤمنين” فاستخدم أدعية وآيات حاول من خلالها إظهار مظلوميته، كما أنهى حديثه بالقول: كن مع الله ولا تبالي.

المدن

————————–

رامي مخلوف يتهم «الأجهزة الأمنية» بالضغط عليه للتخلي عن شركاته

اتهم رجل الأعمال السوري البارز رامي مخلوف، اليوم (الأحد)، «الأجهزة الأمنية» باعتقال موظفي شركاته وبالضغط عليه للتخلي عنها، بعد يومين من مناشدته في شريط فيديو نادر، الرئيس بشار الأسد التدخل لإنقاذ شركة الاتصالات التي يملكها.

ومخلوف، ابن خال الأسد، أحد أعمدة النظام اقتصادياً منذ عقود واسمه مدرج على القائمة الأميركية السوداء منذ عام 2008، ويرأس رجل الأعمال، الذي لطالما بقى خلف الأضواء، مجموعة شركات أبرزها شركة «سيرياتل» التي تملك نحو 70% من سوق الاتصالات في سوريا، وفقاً لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.

وقال مخلوف، الأحد، في ثاني شريط فيديو يبثه خلال ثلاثة أيام على صفحته في «فيسبوك» ومدته عشر دقائق: «بدأت اليوم الضغوطات بطريقة غير مقبولة وبدأت الأجهزة الأمنية تعتقل الموظفين الذين يعملون لديّ»، متسائلاً: «هل يتوقع أحد أن تأتي الأجهزة الأمنية على شركات رامي مخلوف، الذي كان أكبر داعم لهذه الأجهزة وأكبر راعٍ لها خلال الحرب؟».

وأضاف رجل الأعمال الذي يُعتقد أنه في سوريا: «طُلب مني اليوم أن أبتعد عن الشركات وأن أنفّذ تعليمات… وبدأت الضغوطات بسحب الموظفين والمديرين»، مشيراً إلى أنه تلقى تهديدات «إما أن تتنازل وإما أن نسجن كل جماعتك».

وناشد مخلوف، الذي يعد من أكثر المستثمرين نفوذاً في سوريا، الأسد التدخل لوقف الضغوط.

وطالبت هيئة الاتصالات السورية، الأسبوع الماضي، الشركتين المشغّلتين للهاتف الخلوي في سوريا بدفع «مبالغ مستحقة لخزينة الدولة تبلغ 233,8 مليار ليرة سورية» (334 مليون دولار)، استناداً إلى قرار صدر عن رئاسة الوزراء، وفي مهلة تنتهي الثلاثاء المقبل.

وقدّر مخلوف، في أول شريط فيديو بثه ليل الخميس، قيمة المبلغ المُطالب بتسديده بما بين 125 ملياراً (178,5 مليون دولار) و130 مليار ليرة، معتبراً أن مطالب الدولة «غير محقة». وناشد الأسد التدخل لإنقاذ شركته عبر «جدولة» المبلغ «بحيث لا تنهار الشركة».

ورغم توجه مخلوف للمرة الثانية إلى الأسد واصفاً إياه بـ«صمام الأمان»، يؤكد شريطا الفيديو وجود توتر بينه وبين الرئيس السوري بعدما تحدثت تقارير إعلامية عدة عن خلافات بينهما لم تتضح حقيقتها، وعن مصادرة وسائل إعلام محلية كان يديرها مخلوف ومقرات جمعية خيرية تابعة له.

وأصدرت السلطات السورية في ديسمبر (كانون الأول)، سلسلة قرارات بالحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لعدد من كبار رجال الأعمال في سوريا، بينهم مخلوف وزوجته وشركاته. ووُجهت إلى رجال أعمال تهم التهرّب الضريبي والحصول على أرباح غير قانونية خلال سنوات الحرب.

وتحدّث الأسد في مقابلة مع التلفزيون السوري الرسمي في نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، عن مكافحة الفساد. وقال: «في القطاع الخاص، طلب من كل من أهدر أموال الدولة أن يعيد الأموال (…) نريد أموال الدولة أولاً قبل أن نلاحق ونحوّل إلى القضاء».

———————-

في فيديو جديد.. رامي مخلوف ابن خال الأسد يتحدث عن اعتقالات لموظفي شركاته

قال الملياردير السوري رامي مخلوف ابن خال الرئيس بشار الأسد -والذي فرض النظام عقوبات عليه- إن قوات الأمن بدأت اليوم الأحد اعتقال موظفين في شركاته المختلفة فيما وصفه بأنه زيادة للضغوط عليه بعد أيام من مطالبة السلطات له بدفع ضرائب ضخمة.

وقال مخلوف في فيديو جديد “اليوم بلشت (بدأت) الضغوطات بطريقة غير مقبولة غير إنسانية وبلشت الأجهزة الأمنية تعتقل موظفينا”.

وفي وقت سابق، أطل مخلوف في فيديو ناشد فيه الرئيس إنقاذ شركة الاتصالات “سيرياتيل” التي يملكها من الانهيار، وهدد باللجوء إلى القضاء.

جاء هذا بعد أسبوع من حجز وزارة المالية السورية على أموال شركة “آبار بتروليوم سرفيس” المسجلة في بيروت باسم مخلوف، والتي تنحصر أنشطتها بصفقات نقل المواد النفطية.

وحجزت مديرية الجمارك السورية على أموال مخلوف ضمن سلسلة إجراءات اتخذتها السلطات نهاية العام الماضي ضد شركات يملكها هذا الملياردير.

وأثار المقطع -الذي نشره مخلوف على صفحته بموقع فيسبوك- تفاعلا واسعا على شبكات التواصل الاجتماعي.

يُذكر أن الملياردير السوري يعتبر بشكل كبير جزءا من الدائرة الداخلية للرئيس الأسد.

ولدى مخلوف إمبراطورية أعمال تتنوع بداية من الاتصالات وحتى العقارات والمقاولات وتجارة النفط. ويقول مسؤولون غربيون إنه لعب دورا كبيرا في تمويل الأسد خلال الحر

————————-

قراءات متعددة لرسائل مخلوف المبطّنة: تهديد بحرب واعتراف بجرائم

في ظهوره الجديد قال ابن خال رأس النظام السوري، الملياردير رامي مخلوف: “إن قوات الأمن بدأت اعتقال موظفين في شركاته المختلفة”، فيما وصفه بأنه زيادة للضغوط عليه بعد أيام من مطالبة السلطات له بدفع “ضرائب ضخمة”.

وجدد مخلوف مناشدته لابن خاله بشار الأسد لإنقاذ شركة الاتصالات “سيرياتيل” من الانهيار، وهدد باللجوء إلى القضاء.

ظهور مخلوف جاء بعد حجز وزارة المالية على أموال شركة “آبار بتروليوم سرفيس” المسجلة في بيروت باسم مخلوف، والتي تنحصر أنشطتها بصفقات نقل المواد النفطية. كما حجزت مديرية الجمارك على أموال مخلوف ضمن سلسلة إجراءات اتخذتها السلطات العام المنصرم، ضد شركاته.

وأثار ظهور مخلوف تفاعلا واسعاً على شبكات التواصل الاجتماعي، تباينت بين السخرية والجدية في تحليل الرسائل المراد إيصالها.

حسين غرير صحفي معارض ومعتقل سابق اعتبر أنّ التركيز يجب أن يكون على محورين في تناول ما جاء في كلام خلوف، وأوضح في منشور على صفحته في “فيسبوك”: “أولاً: اعتراف رامي مخلوف وبشكل صريح بمسؤوليته وشراكته المباشرة بارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سوريا، لا أعلم كيف يمكن استخدام هذا الاعتراف قضائياً. فقد ردد مخلوف أنه “أكبر داعم للأجهزة الأمنية وأكبر خادم لها وأكبر راعي لها أثناء الحرب”. ثم أردف لاحقاً يقول “الشبكة الخلوية خدمت الجيش والأمن بإخلاص” حيث يعترف هنا باستخدام شبكات الخلوي في سوريا لصالح ممارسات جيش النظام وأجهزته الأمنية.

والنقطة الثانية بحسب غرير هي تهديد مخلوف الصريح بفتح حرب ضد بشار الأسد، حيث قال: “إذا استمرينا في هذه الحالة فوضع البلد رح يكون كتير صعب وسيكون هناك عقاب إلهي حتمي لإنو بلش هون منعطف مخيف” حيث صاغ التهديد هنا بوصفه توقعات لعقاب إلهي نتيجة أفعال المعادين له.

وتحدى مخلوف الأسد مباشرة بقوله: “أنا ما رح أتنازل، أنا موجود ويلي بدو يتعدى علي فلا حول ولا قوة إلا بالله” وهي طريقة سورية بالتهديد، حيث يريد مخلوف بذلك القول أن الأمر خرج من يده ولم يتركوا له أي حل آخر.

ويختم غرير أن مخلوف استخدم نفس الأسلوب مرة أخرى وهو يمنح بشار الأسد فرصة أخيرة لمراجعة نفسه قبل إعلان الحرب، حيث قال: “يا سيادة الرئيس، عم اطلب منك تنصفنا وإذا ما سمعتلنا فأنا بطلب من ربي يحمي هالبلد وتدرأ عنا الخطر لإنو بهي الطريقة عنا مشكلة كبير وإذا ما عالجنا هادا الموضوع فـ الله يساعد”.

بينما توقعت تعليقات على إحدى الصفحات التي أعادت نشر الفيديو بأن أبرز ما جاء في الفيديو الجديد يمكن تلخيصه بأن رامي مخلوف يهدد بإشعال حرب بين العلويين والأجهزة الأمنية بعد اعتقال الأجهزة الأمنية لموظفي ومدراء سيرياتيل.

كما علّق أحد رواد التواصل الاجتماعي أن الفيديو الجديد يحمل تهديدا مبطنا بأن الاستمرار بمطالبته بالدفع سيكون “منعطفا خطيرا”، كما يحاول مخلوف نقل المعركة إلى العلن وكسب الحاضنة الشعبية العلوية إلى صفه في المعركة التي سيمضي بها لنهايتها ويشير عنوان الفيديو “وَكَانَ حَقًّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ” إلى أنه يرى أن انتصاره حتمي، كما يشير إلى أن القرار يتخذه من هم حول الأسد (في إشارة إلى أسماء) ويتهمهم بكسب الأموال التي سيدفعها لمصالحهم الخاصة وليس للفقراء.

فيما علق المذيع السوري محمد سليمان أن الفيديو الثاني لرامي مخلوف يكشف فيه هذه المرة أن أجهزة الأمن بدأت اعتقال موظفيه، ويؤكد أنه لن يرضخ لأنه لا يستطيع التنازل عن حق يخص الناس، ويستغرب مخلوف من عملية الاعتقال ويقول: “هدول مؤيدين”، بمعنى أنه طبيعي جدا اعتقال المعارضين، أما المؤيدون فلا مبرر لاعتقالهم.

ويختم سليمان أن كثيرون توقعوا سقوط الأسد من بوابة الاقتصاد، لكن أن يسقط من بوابة رامي مخلوف فهذا لم يخطر على بال سوري يوما، وهذا ربما يحدث بعد ما سمعناه، إن لم يتخلص بشار من رامي نهائيا.

———————————-

بيان واضح من النظام السوري بحقّ رامي مخلوف مفاده: “بدك تدفع

في أول ردّ رسمي على “فيديو رامي مخلوف”، جددت “الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد” التابعة لوازرة الاتصالات في حكومة النظام السوري، التأكيد على أنّ المبالغ المطلوب سدادها من شركة سيرتيل هي مبالغ مستحقة لـ “الدولة”.

وقالت الهيئة في بيان لها على صفحتها في فيسبوك: إن الهيئة تؤكد أنّ “المبالغ المطلوب سدادها من قبل الشركات الخلوية هي مبالغ مستحقة للدولة وفقا لوثائق واضحة وموجودة، وتم حسابها بناء على عمل لجان اختصاصية في الشؤون المالية والاقتصادية والفنية والقانونية”.

وأضافت في بيانها أنه “وحفاظاً على استمرار عمل الشبكة الخلوية واستمرار تقديم خدماتها للمواطنين.. تم الأخذ بعين الاعتبار كافة تحفظات الشركات واعطائها المهل والمدد التي طلبتها، وبعدها – ورغم عدم منطقيتها- تم اعتماد كافة البيانات والأرقام المقدمة منها وبعد كل ما سبق تم احتساب القيمة الفعلية للمبالغ المطالبين بتسديدها”.

وأردفت بالقول: تم حساب المبالغ المطلوب سدادها على مرحلتين، الأولى وفقا للأرقام الفعلية خلال السنوات التشغيلية الخمس الأولى من عام 2015 ولغاية عام 2019 (وذلك حسب طلب الشركتين ووفقا للبيانات المالية المنشورة).. والثانية وفق الأرقام المتوقعة التي تقدمت بها كل شركة.

وأوضحت أنّ “عقود الإدارة التي أبرمتها الشركات الخلوية مع شركات أوفشور (موضوع الخلل الضريبي) يتم العمل عليه من قبل المعنيين بهذا الشأن في وزارة المالية، والمبالغ المشار إليها والمستحقة لدينا لا علاقة لها بقضية التهرب الضريبي (والتي هي موضوع اخر يتم العمل عليه من قبل الجهات الخاصة به) بل بمبالغ مستحقة على الشركتين يجب سدادها لتحقيق التوازن في الرخص.. علما أن الخلل الضريبي الموجود في تلك العقود يؤثر على قيمة ضريبة الدخل وعلى قيمة الأرباح الصافية لحاملي الأسهم أنفسهم”.

وجددت الهيئة التأكيد على أنها “ماضية في تحصيل الأموال العامة (أموال الخزينة المركزية) بكافة الطرق القانونية، مع الأخذ بعين الاعتبار دائما استمرار عمل اي شركة مطالبة بالسداد بتقديم خدماتها للمواطنين على أكمل وجه ولن يثنيها عن استرداد المال العام اي محاولات للتشويش على هذا العمل”.

    لاحقا للبيان الذي أصدرته وزارة الاتصالات – الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد والذي تبلغ فيه الشركات الخلوية بموافاة…

   Gepostet von ‎الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد‎ am Freitag, 1. Mai 2020

وطالب رجل الأعمال السوري رامي مخلوف، رئيس مجلس إدارة شركة “سيريتل”، في وقت سابق، رأس النظام السوري بشار الأسد، بالإشراف بشكل شخصي على تحقيقات بشأن اتهام حكومة النظام مخلوف بالتهرب الضريبي.

وبعد غياب لسنوات ظهر مخلوف في تسجيل مصوّر نشره على صفحته في فيسبوك اليوم الجمعة، قال فيه”إن الدولة غير محقة بالتشكيك بمصروفات شركة سيريتل، وتعود لعقود قديمة متفق عليها بين الطرفين، ويحق لنا مقاضاتهابالاستناد إلى وثائق”، وأبدى استعداده للكشف عنها.

مضيفا أن”سيرتيل” لا تتهرب من دفع الضرائب، وتدفع كل عام ما يقارب عشرة مليارات ليرة سورية، والعام الماضي دفعت ضرائب بلغت 12 مليار ليرة سورية.

وتابع مخلوف مخاطباً الأسد “من أجل عدم وضعك في موقف حرج، أطلب التدقيق، وسألتزم بتوجيهاتك التي أحترمها، وواجب عليَّتنفيذها. نحن لا نتهرب من دفع الضرائب للدولة لأنها نحن، هل يهرب الانسان من نفسه؟”.

وناشد الأسد أن تكون طريقة الدفع مرضية وعلى دفعات، من أجل عدم انهيار الشركة، وطالبه بالإشراف بشكل شخصي على توزيع المبلغ على الفقراء.

وأشار إلى اتهام النظام له بالتلاعب بمصاريف الشركة مؤكداًأنها “مصروفات حقيقية”، وأبدى في رسالته استعداده لفتح كل أوراق الشركة، بقوله للأسد “لن أحرجك ولن أكون عبئاً عليك، مثلما خرجت في أول الحرب عندما وجدت نفسي عبئاً عليك، وتنازلتُ عن أعمالي كلها، وقدمت تنازلاً عن كل شيء”.

وفي 27 نيسان الفائت، أنذرت حكومة النظام شركتي الاتصالات الخلوية سيريتل وMTN العاملتين في البلاد، بضرورة دفع مستحقات للخزينةوصلت قيمتها إلى 233.8 مليار ليرة سورية تحت طائلة “اتخاذ الإجراءات القانونية” بحقهما،وحددت الهيئة موعداً نهائياًللدفع ينتهي بتاريخ 5 أيار الجاري.

وتداولت وسائل إعلام مقربة من النظام قبل أيام تحليلاً مالياً لباحثة اقتصادية سورية،تدعى رشا سيروب، قالت فيه “إن تعديل صيغة العقود المبرمة مع شركتي الجوال في البلاد (سيريتل وMTN) فوتت على الخزينة أكثر من 338 مليار ليرة (نحو 482 مليون دولار)”.

يذكر أن سلطات النظام، اتخذت عدة إجراءات حيال الشركات التي يملكها رجل الأعمال رامي مخلوف بدأت بوقف جميع العمليات المالية المتعلقة بشركة “سيريتل” العائدة له، والحجز على أمواله. وفقَ وسائل إعلام النظام.

——————————–

=======================

===========================

تحديث 04 أيار 2020

—————————–

الاسد- مخلوف:بين الحقيقة والشائعات..ما دور ماهر؟/ عقيل حسين

ثلاثة مؤشرات سيطرت على رد فعل السوريين، موالين ومعارضين، تجاه الظهور الثاني لرامي مخلوف الأحد، فإلى جانب موجة السخرية التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، تدفقت الشائعات والأخبار لتختلط هذه المرة كما لم يحدث من قبل، وبالطبع، لم تكن نظرية المؤامرة لتغيب في مثل هذه المناسبة.

الشائعات

إذا كان الظهور الأول لابن خال رئيس النظام بشار الأسد، الجمعة، قد شكل صدمة للسوريين بشكل عام، وخاصة الموالين منهم، إذ أكد بهذا الظهور ما كان مجرد تسريبات، عن خلافات بين جناحي النظام السياسي-العسكري والاقتصادي، وأطلق العنان لموجة تحليلات ومحاولات استقراء وسعي لفهم الأسباب والدوافع التي أوصلت العلاقة بين الطرفين إلى نقطة التخاطب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فإن ظهور مخلوف صباح الأحد، أكد وبشكل قاطع أن حرباً داخلية تدور بين آل مخلوف وآل الأسد.

وبما أن المعركة بين العائلتين “الغريمتين” تجري عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عجت هذه الوسائل على الفور بالمنشورات التي تسخر من رجل الأعمال الأول في سوريا، لكنها أيضاً ازدحمت بسيل من الشائعات التي لم تجد الكثير من مواقع المعارضة ووسائل إعلامها بداً من الانخراط فيها، حتى تجاوز الأمر عند البعض حد إلقاء الأجهزة الأمنية القبض على رامي مخلوف نفسه، إلى حرب تدور رحاها في صلنفة على الساحل السوري بين اتباع مخلوف وقوات الأمن!

والواقع أن السلطات كانت قد أطلقت حملة اعتقالات طالت مقربين من رامي مخلوف وبعض كبار الموظفين لديه بالفعل، وهو ما أكده مخلوف بنفسه في الظهور الثاني، بل كان واضحاً أن هذا الموضوع كان أحد أسباب إطلالته.

تتحدث بعض مواقع المعارضة أيضاً عن اعتقال أجهزة أمن النظام إيهاب مخلوف شقيق رامي، لكن لا معطيات تدفع لتصديق هذا الخبر أيضاً، في وقت اتفقت مختلف المصادر على أن حملة الدهم والاعتقال شملت بالفعل منازل كل من سهيل صهيوني، مدير الموارد البشرية في شركة “سيريتل” المملوكة لمخلوف، وبشر مهنا، مدير العلاقات الحكومية، وبسام حتاملة (أردني الجنسية )، وهو المدير المالي العام في الشركة، بالإضافة إلى مديرين “كبار” في قسمي المحاسبة والمالية، بينهم محمد دوماني، ورضوان حداد، إضافة لمدير قسم الإعلام علاء سلمور.

المرصد السوري لحقوق الانسان الذي نفى بشكل قاطع أن يكون قد تم اعتقال رامي مخلوف، تحدث من جانبه عن منع الأجهزة الأمنية موظفي شركة “سيريتل” من دخول أبراج الاتصالات للأسبوع الثالث على التوالي، وهو ما يتفق مع اشارة رامي مخلوف عندما أبدى تذمره من إيكال مهمة إدارة اعمال الشركة لغير المختصين وتحذيره من تبعات ذلك.

وتحدثت المصادر عن استقالة ياسر عبد ربه، رئيس تحرير صحيفة “الوطن” المملوكة من قبل مخلوف، بعد أيام قليلة على تسريبات كشفت عن وضع المخابرات يدها على الصحيفة بشكل كامل، وسبق كل ذلك اعتقال مديرين وموظفين كبار في مؤسسة “راماك” و”جمعية البستان الخيرية، بالإضافة لكف يد آخرين والحجز على أموال عدد غير محدد من أزلام مخلوف.

من ينفذ؟

لكن أي أجهزة أمنية بالضبط تنفذ حملات الاعتقال والمنع وكف اليد هذه، وأي شخصية في النظام تتبع تحديداً، وهل يعود ولاء هذه الشخصية وما تتحكم به من أجهزة أمنية إلى روسيا أم إيران، وهل لهذا علاقة بصراع النفوذ الدائر بين الدولتين في سوريا، وهل هناك أصلاً صراع نفوذ بينهم؟

أسئلة كثيرة ومعقدة لم يتردد الكثيرون من السوريين، وخاصة العاملين في حقلي السياسة والإعلام، عن محاولة إيجاد أجوبة لها؟ أغلب هذه المحاولات كان عبثياً، بينما أسّس القليلون محاولاتهم على معطيات تحمل من الصلابة ما يمكن الاعتماد عليه.

وإذا كان السائد، أو حتى المسيطر على التقديرات منذ أسابيع، إن لم نقل منذ أشهر، أن من يقود هذه الحملة على امبراطورية رامي مخلوف الاقتصادية، هي زوجة بشار الأسد، أسماء الأخرس، التي تشرف بنفسها على أعمال “لجنة مكافحة غسيل الأموال” التي تم اطلاقها منتصف العام الماضي، فإن الحديث عن سيطرة زوجة الرئيس على أجهزة أمن ومؤسسات محاسبة، وقيادتها حملة بهذا المستوى ضد ركن النظام الاقتصادي الأول وحقيبة آل الأسد المالية، ليس سوى “هذيان” عند البعض، ممن يؤكد أن أسماء الأسد أضعف بكثير من أن تقود المهمة، بشقها الأمني.

يتفق هؤلاء، وبينهم مطلعون أو منشقون كبار عن النظام، أن الصراع الحقيقي يدور بين ماهر الأسد ورامي مخلوف، لكنهم بالمقابل يختلفون حول أسباب هذا الصراع ودوافعه. فقسم منهم يؤكد أن الخلاف مالي بحت، يتعلق بتقاسم عائدات الأعمال التي يشرف عليها رامي مخلوف كواجهة وشريك لآل الأسد، بينما يذهب فريق آخر أبعد من ذلك بقليل، ليؤكد أن بشار وشقيقه ماهر باتوا قلقين من تنامي نفوذ رامي مخلوف داخل النظام والطائفة العلوية، هذا التنامي الذي حصل على مدار أعوام الحرب، حيث فعلت الأموال التي قدمها كمساعدات فعلها، ما اقتضى وضع حد للدور الذي تجاوز المسموح به.

فريق ثالث ذهب في مقاربته هذا الصراع أبعد من ذلك، ليس بالأمس فقط، بل ومنذ أشهر كما هو معلوم، وأكد أن الصراع الحقيقي هو بين روسيا وإيران، الدولتين اللتين تدخلتا لإنقاذ النظام تباعاً، وتمكنتا من بناء نفوذ ضارب داخل السلطة، وصناعة مراكز قوى تابعة لكل منهما، وقد دخلتا الآن مرحلة السباق العلني والمحموم للإطباق على ما تبقى من هذا النظام ومن الدولة ذاتها.

يؤكد ذلك تنافس واضح بين موسكو وطهران لم يعد بالامكان إخفاؤه على كل حال، لكن حتى الآن تبدو خيوط هذا التنافس أو الصراع متشابكة، إذ لم تتضح تماماً تبعية الشخصيات والأجهزة والمؤسسات النافذة في النظام إلى هذه الدولة أو تلك رغم كل ما يقال عن ذلك.

نظرية المؤامرة

ولأن الصورة ليست واضحة تماماً، سواء عند المعارضة أو الموالاة، فقد كان لا بد لنظرية المؤامرة لدى الطرفين أن تحضر، والمؤامرة بالنسبة للموالاة، خاصة الطائفة العلوية، كما بدا من تعليقات الكثيرين على التطورات الأخيرة، تبدو متماسكة في قالب واحد، وهو أن أعداء النظام السياسيين، وأعداء الطائفة التاريخيين، هم الذين يقفون خلف هذه (الأزمة) التي يجب أن يتم وضع حد لها بأي شكل وبأي طريقة ومهما كان الثمن (للحفاظ على النظام والطائفة)، بينما تتشعب النظرية بالنسبة للمعارضة، جرياً على العادة، وتتفرق سبلها.

بالنسبة البعض، فإن كل ما يجري لا يعدو أن يكون مسرحية يقف خلفها النظام ذاته، والهدف منها إنقاذ صورة بشار الأسد وإعادة انتاجه مجدداً (كرئيس شريف مكافح للفساد ونصير للفقراء، يتحرك للضرب على يد تجار الحرب وناهبي الدولة والمواطن)، خاصة بعد أن بلغ الفساد والفقر في سوريا حدوداً أخرجت حتى أكثر السوريين موالاة عن صمتهم، وجعلت حتى أكثر الفئات خوفاً يتململون ويخرجون عن صمتهم.

لكن آخرين لا يمكن بالنسبة لهم أن يلقي النظام أدنى اعتبار لمعاناة الشعب أو يقلقه تذمر الموالين، فإن هذه المسرحية لا تعدو أن يكون هدفها إعادة انتاج منظومة اقتصادية جديدة أكثر انتماءً وولاءً وتبعية للأسد، بعد أن تضخمت منظومة آل مخلوف أو استهلكت نفسها وباتت عبئاً على النظام والأسد، بدليل الصعود المتنامي خلال السنوات الماضية لمجموعة من رجال الأعمال الجدد الذين تم منحهم امتيازات وشراكات واسعة لإدارة أموال وأعمال الأسرة الحاكمة، بينهم أفراد من عائلة أسماء الأخرس زوجة بشار الأسد.

إلا أن نظرية، أو نظريات المؤامرة تلك، لا تبدو كافية لتحليل الأزمة التي بدأت تعصف ببنية النظام، مهما كان عمق هذه الأزمة أو خطر النتائج المترتبة عليها، وعليه تبقى كل الاحتمالات واردة بالنسبة لمآلات هذه الأزمة/الصراع التي لا يمكن إلا أن ينتج عنها أمر خطير بالنسبة للنظام حتماً، وهو ما يتفق عليه جميع المختلفين في تحليلاتهم للأسباب والدوافع.

المدن

————————–

رامي مخلوف بمواجهة بشار الأسد..السوريون لا يملكون إلا السخرية/ وليد بركسية

كانت السخرية وتأليف النكات والضحك، طاغية بين السوريين في مواقع التواصل الاجتماعي، وهم يتابعون دراما فيديوهات رجل الأعمال المقرب من النظام رامي مخلوف، وصراعه مع ابن عمته، الرئيس السوري بشار الأسد.

وفيما انتشرت تكهنات كثيرة حول أسباب الخلاف بين الرجلين اللذين يشكلان في الواقع وجهين لعملة واحدة، مع تقديرات حول ضغوط روسية على دمشق أو”مؤامرة” تديرها أسماء الأسد في الكواليس، تبقى المعلومات مقتصرة على قليل من الاستنتاجات الإعلامية وما يكشف عنه مخلوف بنفسه، أو ما يسربه للصحافة بدوره.

وإذا كانت السخرية تفترض بوضوح أن السوريين ضاقوا ذرعاً بعائلة الأسد وتعتبر تأكيداً جديداً على استمرارية الثورة السورية واحتقار رموز النظام، فإنها بشكل مواز تظهر أن السوريين في الواقع لا يمتلكون من أمرهم شيئاً، باستثناء التندر على المجرمين الذين تحكموا بحياتهم طوال عقود، بهذه الصورة، والاستمتاع بمشهد الصراع والتمنّي: “الله يزيد الخلاف”.

لطالما كانت الثورة منذ العام 2011 ردة فعل السوريين على أرض الواقع، التي قابلها النظام بعنف غير مسبوق مع اتباعه سياسة الأرض المحروقة في قمع المتظاهرين والانتقام منهم. وفيما فشلت الثورة التي تحولت إلى حرب متعددة المستويات لاحقاً، في إسقاط النظام، فإنها أحدثت هزات ارتدادية، منها قضية مخلوف، التي ربما لم تكن لتحصل بهذه الشكل الفضائحي، حسب الوصف السائد، لولا تراكمات السنوات العشر الماضية.

ولعل موقف السوريين اليوم يبقى مجرد ثرثرة تشبه التندّر والاستياء والأحاديث السرية التي كانت تجري بين الناس في الجلسات المغلقة حول الخلافات بين عائلة الأسد “الغامضة”. كالحديث عن الشقاق بين رفعت الأسد وشقيقه الرئيس الراحل حافظ الأسد في ثمانينيات القرن الماضي، أو حتى الأحاديث المماثلة عن الخلافات ضمن بيئة النظام كتلك التي انتشرت مع مقتل رئيس الوزراء السابق محمود الزعبي العام 2000 على سبيل المثال، وغيرها…

لكن الطابع العلني الذي تفسحه السوشيال ميديا اليوم، تخرج تلك الأحاديث من طابعها السري القديم، وتسهم ربما في تشكيل نقاش عام لم يكن متوفراً قبل 10 أعوام، حتى لو انطلق من “ميمز” تصور مخلوف قائداً في فصيل معارض أو صوراً تستجدي أسماء الأسد، بشكل ساخر، تطهير الدولة السورية من الفساد.

ولم يتم تسريب معلومات عن تفاصيل تلك الأحداث التاريخية إلا من خلال لقاءات إعلامية وأفلام وثائقية ومقابلات مع منشقين عن النظام لاحقاً. وبالتالي كان الحديث عنها إبان حصولها يحدث بصيغة أقرب إلى تناقل أساطير شفوية، تجري بطريقة سرية، رغم أن النتيجة النهائية لتلك الخلافات، كانت علنية.

وبعكس ذلك، تتكشف الخلافات اليوم للسوريين في وقت حصولها، من دون وسيط أو انتظار، علماً أن هذه النوعية من التوترات ضمن الأنظمة الشمولية، تشكل لحظات مثالية للحصول على قليل من المعلومات بشأن عوالمها الداخلية السرية.

فعلى سبيل المثال يرجح أن مخلوف نفسه يقف وراء التسريبات الأخيرة للصحافة بشأن شراء الأسد لوحة لزوجته بقيمة 30 مليون دولار، مع تهديده بتسريبات جديدة كما أوضح في مقطعي الفيديو اللذين نشرهما حتى الآن. كما تحدث صحافيون سوريون وعرب ضمن محادثات شخصية عن تواصل المكتب الإعلامي لمخلوف معهم من أجل نشر معلومات تلمع صورة مخلوف أو لحذف مقالات نشرت ضده في وسائل إعلام عربية، وحتى الإعلامية الموالية للنظام ماغي خزام، كشفت عن حملة أوسع في مواقع التواصل، يشرف عليها أولاد مخلوف والمكتب الإعلامي التابع له، من أجل حشد تأييد واسع له في المعركة ضد الأسد، بما في ذلك حملة لتغيير الصورة الشخصية في مواقع التواصل لتحمل شعارات مثل “كلنا رامي مخلوف”، إلى جانب حذفهم كافة الصور التي تظهر ثروتهم الخيالية، من حساباتهم في “إنستغرام”.

ولا يمكن سوى التفكير بأن هذه الفضائحية ترتبط بالأنظمة الشمولية، أو على اقل تقدير ترتبط بغياب الشفافية وتكريس الشخصانية في الحكم. ففي الولايات المتحدة نفسها، شهدت الفترة بين 1 شباط/فبراير 2017 و31 آذار/مارس 2018 كمية من التسريبات الفضائحية الخاصة بكواليس الإدارة الأميركية وخلافات الرئيس دونالد ترامب مع المقربين منه في البيت الأبيض. وكان سبب الخلاف حينها الصراع الشخصي بين ترامب ووزير خارجيته ريكس تيلرسون الذي شكل نافذة للميديا الأميركية من أجل الحصول على التسريبات، والتي تلاشت إلى حد كبير، في زمن خليفته مايك بومبيو، علماً أن ترامب طرد تيلرسون بتغريدة في “تويتر” بسبب خلافات شخصية كانت ذروتها عندما وصف تيلرسون الرئيس في اجتماع داخلي بـ “الأحمق”.

ومع الفرق الشاسع بين دولة مؤسسات تمثل القيم الديموقراطية مثل الولايات المتحدة، ودولة مظلمة وشمولية وبوليسية مثل سوريا الأسد، التي تحكمها منذ العام 1970 عائلة واحدة كإقطاعية كبيرة لا يتوفر فيها الحد الأدنى للحياة أصلاً، تبقى هنالك حالة من الترقب لما سيأتي لاحقاً.

لكن الأمر يشبه حقاً متابعة واحد من برامج تلفزيون الواقع. فحتى الكتابات الأكثر جدية مالت عموماً إلى تبني “التفكير بالتمنّي” في مقاربتها لتزعزع النظام وإمكانية رحيل الأسد قريباً، وهو أمر طبيعي في ظل نقص المعلومات، وإن أجمعت على أن القضية ليست بيد نظام الأسد ولا بيد السوريين، بل بيد روسيا تحديداً ورئيسها فلاديمير بوتين الذي تقول وكالة “بلومبيرغ” في تقرير اعتمد على أربعة مصادر مقربة من الكرملين، الأسبوع الماضي، أنه “يعاني من صداع بسبب الأسد” وأن صبره على حليفه الذي دعمه بتدخل عسكري مباشر العام 2015، بدأ ينفد، وحتى وسائل الإعلام الأميركية الأكثر مصداقية واحتراماً، مثل مجلة “فورين أفيرز” تحدثت عن ضرورة عقد صفقة أميركية روسية تنهي الحرب السورية مرة واحدة وإلى الأبد.

ومع استمرار أزمة مخلوف – الأسد في الفترة القليلة المقبلة، واحتمال ظهور مخلوف، الذي لم يظهر وجهه للسوريين إلا في مناسبات قليلة، وكان أقرب إلى شبح منه إلى إنسان حقيقي يتحكم بالثروة في البلاد منذ العام 2000، في مقاطع فيديو جديدة، فإن الصحافة من جهة ومواقع التواصل من جهة ثانية، ستتمتع بفرصة ذهبية لتحصيل ما يمكنها من معلومات وتسريبات نادرة عن الأسد والدائرة الضيقة المحيطة به، إلى حين حل الخلاف أو إنهائه بالقوة.

المدن

————————————

حرب طائفية في قصر الأسد/ سميرة المسالمة

تغلق أسماء الأخرس، زوجة الرئيس السوري بشار الأسد، فرص الاستثمار المشترك مع رامي مخلوف، ابن خال زوجها، وواجهة اقتصاد العائلة الحاكمة في سورية، معلنة الحرب عليه، لسحب آخر ما تبقى من رصيد السيولة من حساب شركاته، وتحويله إلى رصيدها في مستويات ثلاثة: الأول، مالي لضمان استمرار رفاهية عيشها، وتعزيز مكانتها في سلم السلطة. والثاني، للاستهلاك السياسي المحلي لترويج دعاية محاربة الفساد داخلياً، وتنفيس حالة الغضب الشعبي بسبب سياسة التجويع التي وضعت أكثر من 85% من السوريين تحت خطر الفقر. والثالث، رسالة سياسية خارجية، لتقديم نفسها ذراعا بديلة “سنّية” محتملة أمام حاجة روسيا لتقديم اسم يحمل تأشيرة (فيزا) القبول الغربي له، عبر جنسيتها البريطانية، وتنوع علاقات عائلتها هناك، وتشابكات والدها مع كبار رجال الأعمال في لندن، وهي، في الآن نفسه، تضمن لروسيا سياسة الولاء الكامل، كعهد زوجها سابقا.

قرأت أسماء الأخرس جيداً تطوّرات الأوضاع السورية دولياً، وهي تكاد تنفذ خطة الانقلاب الداخلي على عائلة الأسد “المرفوض دولياً”، وهذا ما جدّده، أخيرا، حديث المبعوث الأميركي ومسؤول العلاقات الدولية للشرق الأوسط، جيمس جيفري، في نقده الصريح السياسة الاقتصادية والإدارية الفاسدة للنظام السوري، مرحّبا بما يجري من “الكشف عن الإفلاس الأخلاقي الصارخ الذي يتسم به النظام السوري الحاكم والجهات وثيقة الصلة به”، ما يعني أنها بدأت فعليا بالحرب على الجهة الأكثر التصاقا بالنظام، وهي عائلة الأسد – مخلوف التي تهيمن على الاقتصاد والأمن والسياسة. وقد دفع هذا الأمر مخلوف الابن ليلجأ إلى الاستنجاد بالشارع العلوي تحديداً، والتلويح له عن بدء معركة سنية علوية داخل قصر الرئاسة، منبهاً، ومحذّراً في الآن ذاته، إلى أن بشار الأسد قد يميل إلى دعم زوجته على حساب عائلته وطائفته، ضمانا لاستمرار الحكم لأسرته الصغيرة فقط، ضد عموم مصالح الطائفة، في خطّة تنفذها الزوجة، يمكنها أن تسترضي روسيا اقتصاديا، وتؤمن لها استمراراً سلساً لمشاريعها، وفي الآن ذاته

انقلاب أسماء الأخرس رسالة سياسية خارجية، لتقديم نفسها ذراعا بديلة “سنّية” محتملة أمام حاجة روسيا لتقديم اسم يحمل تأشيرة القبول الغربي له

تبتعد عن مواجهة مصالح إيران في حدود المتفق عليها إقليمياً ودولياً.

لجوء رامي مخلوف إلى الإعلان عن وجوده عبر تسجيل مصوّر، ليس بغرض الوساطة للتواصل مع ابن عمته بشار الأسد، فحتى عندما يرفض “الرئيس” لقاءه المباشر، فإن عشرات الأسماء الشريكة له يمكنها القيام بهذه المهمة الصغيرة، وخصوصا أن مصالح الأسد لا تزال مرتبطة به، وتتعامل معه يومياً، سواء كان الأسد يعلم بأنها مجرّد أسماء وهمية لعائلة مخلوف أم لا، ما يعني أن مخلوف الصغير، بهذا التسجيل، أراد أن يخاطب مريديه من العلويين، وينقل الخوف والذعر إلى مريدي الأسد من الطائفة نفسها، بأن “الأقرب يؤكل”، فما هو حال من هو أبعد منه مقاماً، وأقل منه سطوة داخل الطائفة العلوية؟ هذا السؤال هو الذي أراد أن يرسمه في عقول من يخاطبهم من فقرائهم ومحتاجيهم، ولكنه أيضاً ينقل من خلاله رسالة إلى كل رجال الأعمال بأن القادم هو حركة تأميم جديدة، تقوم بها سيدة قصر النظام تحت مسمّى الرسوم الضريبية.

ولعل رامي مخلوف أراد من ظهوره غير المنمق، والكشف عن طبيعته الحقيقية، وهو الذي يملك مؤسسات إعلامية ويوظف أهم كفاءات السوشيال ميديا في شركاته، القول إنه رجل لا يجيد فن الخطاب، يحاكي عقول بسطاء قومه، ليقول لهم: أنا منكم، أمثلكم وأتعرّض لحملة شرسة بسببكم، وأدافع عن 6500 عائلة قد تطيحها عدوتكم. ومن خلال ملامح “ورعة”، يقول إنه ليس الشخص الذي يلجأ إلى الموت انتحاراً، وأنه لا ينوي أن يصيب رأسه برصاصتين، أو حادث سيارة محكم على طريق مطار دمشق.

وزيادة في حرص إمبراطور الاقتصاد على الإبقاء على أواصر الود مع ابن خاله الرئيس، ومنحه فرصة جديدة في التفكير بخياراته بين نجاحات الأمس، في ظل شراكته ووحدة الطائفة معه، وبين عثرات الواقع مع خطوات زوجته وأشقائها “الإصلاحية”، فإنه فرّق في التسجيل المصور بين “الرئيس” بشار الأسد واللجنة التي تديرها أسماء الأخرس، وذلك بهدف التركيز على أن المستهدف في الحملة العدائية عليه ليس شخصه، أي مالك شركات الاتصالات وغيرها، وإنما الاستهداف موجه إليه لأنه من الطائفة العلوية، بمعنى أن المحاكمة التي تديرها المرأة “السنيّة” في القصر هي ضد امتيازات العلويين، وما حصلوا عليه من امتيازاتٍ خلال خمسة عقود متتالية.

لقد استعان رامي مخلوف، في إدارة حملته ضد أسماء الأسد، بالسلاح الطائفي نفسه الذي استخدمته مستشارة بشار الأسد، بثينة شعبان، في بداية الثورة عام 2011، لتجييش العلويين ضد ثورة الشعب السوري. واعتمد النظام هذا السلاح الطائفي خلال عقد كامل من حربه على السوريين، لسوق شباب العلويين إلى حربٍ قتل فيها معظم فقرائهم على مذبحة الدفاع عن كرسي العائلة التي تمثل الطائفة كما سوّقها النظام، بعيد بدء الثورة السورية، الكرسي الذي تسحبه اليوم أسماء الأسد من تحت الطائفة.

هل يقبل المجتمع الدولي الذي تديره الولايات المتحدة الأميركية أسماء الأسد بديلا عن زوجها الذي شاركته خططه الأمنية والعسكرية في قتل السوريين، وتعايشت مع اقتصاد الفساد عشرين عاما، بل شاركت في صناعته من خلال خططها الاقتصادية وأزلامها في الحكم، والتي أفقرت السوريين تحت مسمّى اقتصاد السوق الاجتماعي، وما نتج عنها من معاناة لعموم السوريين، وبروز طبقة جديدة من الفاسدين في ظلها، ومن بينها إحلال فساد مكان فساد عبر إحلال عائلتها (الأخرس) مكان عائلة والدة زوجها (مخلوف)؟

إعادة تجديد تكليف روسيا بملف سورية في حديث جيفري قد يجعل من هذه المرأة ورقة جديدة تساوم عليها روسيا أمام المجتمع الدولي، على الرغم مما يكشفه إعلام روسيا عن فسادها واستهتارها بمآسي السوريين، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنها الحل، ولكنها قد تكون بطاقة مرور لبشار الأسد للهروب من ملف محاكمة النظام على جرائم حربه ضد الشعب السوري، وقد تكون هي محور مناقشات جنيف التي تمدّد للنظام عاماً بعد آخر.

العربي الجديد

—————————–

خلاف داخل المافيا في سوريا أم محاولة أخيرة لتلميع الأسد “كن مع الله ولا تبالي”/ ريما فليحان                 

أطلّ علينا رامي مخلوف مؤخراً بفيديو تحت عنوان “كن مع الله ولا تبالي” وجّه من خلاله رسائل عديدة منها ما يحمل رسائل مبطنة للنظام بكشف جميع الأوراق التي لا تحتاج لكشف بالحقيقة لأنّنا نعلم بوجودها كسوريين منذ حكمَ الأسديون البلاد.

فالجميع في سوريا يدرك تماماً أنّ ثروة رامي مخلوف وغيره من أباطرة المال الملتصقين بالعائلة الحاكمة في سوريا لم تأتِ من عمل وكدّ، ولا من إرث عائلي، بل من الاستفادة المباشرة من السلطة والفساد وبالتأكيد ليس على مبدأ يرزق من يشاء كما قال مخلوف في نفس الفيديو مستفزّاً مشاعر الناس باستغبائهم مرة بعد مرة بدعاء التقوى والصلاح، فهو كما قال يقاسم “الحكومة” أرباحه ويتبرّع للفقراء، كما أنّه يدفع الضرائب في حديث ممزوج بالكذب مقرف الى حدّ الإقياء، وفي سيناريو مكشوف فهو كان ومازال أحد أدوات استمرار سلطة القمع في سوريا، لأنّ استمراريّة ذلك النظام يتطلّب السيطرة على الاقتصاد وعلى حركة السوق والاستثمارات في سوريا وهو الدور الذي أدّاه مخلوف ومن يشبهه على مدار عقود، وهو أمر مستمرّ وليس جديداً.

أذكر تماماً تلك الحكايات المليئة بالخيبة التي سمعتها عن مستثمرين وطنين أرادوا إقامة استثمارات ناجحة في سوريا، لكنهم اصطدموا بالحوت الكبير المسمى رامي مخلوف، فإما المشاركة بالنصف على الأقل أو لن تبصر تلك المشاريع النور، وبغضّ النظر عن تلك المشاريع وطبيعتها فمخلوف الواجهة الاقتصاديّة لنظام الأسد لا يحتاج لأكثر من ابداء الرغبة بالاستيلاء على أيّ من تلك المشاريع وحتّى الأبنية التراثيّة والمباني الحكوميّة لتصبح ملكه، أو ليكتب لمشاريع المستثمرين الرافضين الفشل وفي كل المجالات سواء كانت في الإعلام أو السياحة أو الخدمات أو الاتصالات، أو أيّ مشروع كان، أو من خلال شام القابضة المملوكة لمخلوف.

وهو سلوك استمرّ لعقود أمام مرأى ومسمع الأسد وبمباركة منه، وبأدوات الأجهزة الأمنيّة التي يمكن لها أنّ تتدخل بأيّ لحظة لتنكّل بأي أحد يرفض مشاركة مخلوف أو أن تكون بذاتها حلقة في حلقات الفساد، وبقدرة قادر،  تنتهي استثمارات الرافضين في البلاد ويندمون على مجرد التفكير في أيّة مشاريع في سوريا ويرحلون، وأنا أدعو كل هؤلاء للحديث عن تجاربهم اليوم، وهو ما يعني أنّ رامي مخلوف ليس فقط شريكاً للنظام بل أداته وواجهة حقيقة له.

وعلى ما يبدو أنّ هذه الشراكة بدأت تتفكك بعد الانهيار الاقتصادي والتضييق الذي يتمّ على النظام عبر العقوبات، الشعب السوري في سوريا يئنّ فقراً واختناقاً، بينما يختلف هؤلاء على المليارات والحصص في حرب هزليّة بين أجنحة النظام، وكأنّها الصراع الأخير بين أفراد عصابة يحاول أفرادها تقاسم ما تبقى لكي يطول عمر الأقوى من قيادات تلك العصابة قليلاً.

لربما يدرك مخلوف أنّ ما قد يجنّبه مصيراً يشبه من سبقه من أضحيات النظام الذين انتهت أدوارهم في المشهد عبر “الانتحار” أو التصفية، هو كشف كل الأوراق التي تجعل مثل تلك الخطوة لا معنى لها، وإلا فإنّ مثل هذا الفيديو قد يكون سيناريو آخر لتبيض وتلميع صورة الأسد وكأنّه خارج سياق تلك العصابة “المصلح والموثوق” الذي يريد رامي منه توزيع المال المنهوب على الفقراء بنفسه، ولكنه بنفس الوقت يتحدّث عن استعداده لكشف كل الأوراق للمحاكم لذلك لا يمكن فعلياً أن نكون واثقين ما المراد منه بحقيقة الأمر.

ألا يجب على من تبقى من المؤمنين بهذا النظام أن يسألوا سؤال المئة علامة، وهو من أعطى الحقّ للنظام بمنح كل تلك القطاعات لشخص واحد يصدف أن يكون ابن خال الأسد؟، ولماذا فقط الآن يتم الحديث عن المحاسبة؟، لماذا لم يتمّ الإيعاز بتلك المحاسبة المزعومة طوال السنوات الطويلة السابقة من عمر المافيا التي سيطرت على اقتصاد سوريا؟، من أحضر هؤلاء إلى الواجهة ومن ملكهم؟، ومن سهل لهم تلك السيطرة؟،  وكيف تم تخريج أموال طائلة من سوريا الى حساباتهم البنكيّة بالعالم؟، هل حقّاً هناك انشقاق داخل الأسرة الحاكمة، وهم كلهم غارقون في الفساد؟! وبينما يئنّ الناس برداً وجوعاً في سوريا تفتح لهم الاستثمارات في العالم وتُشترى اللوحات والمجوهرات وتأسس القصور ليس فقط مخلوف بل جميعهم بما فيهم من يدّعي أنّه يحمل لواء الإصلاح نفسه.

لا اعتقد أبداً أن أحداً يمكن له أن يفهم بشكل مؤكد ماذا يحصل داخل تلك المافيا، ولكننا متأكدون أنّ لمخلوف وعبر شبيحته الممولين من منظماته المالية، كجمعية البستان وسواها، قاموا بالمساهمة بقمع الشعب السوري وقتل الكثيرين منهم،  فهل يهدّد مخلوف عبر ذلك الفيديو بشكل غير مباشر بتأليب هؤلاء ضدّ من قتلوا وحرقوا من أجله؟، هل يعيش الشبيحة اليوم حالة فصام لمن يبيعون الولاء بعد اليوم لمن يدفع أو لرمز سلطتهم؟، هل يدرك الشارع الموالي أنّ حديثهم اليوم عن فساد مخلوف وسواه وسقف حريتهم الذي ارتفع كان بفضل الشارع الثائر الذي كسر حاجز الخوف في سوريا ودفع ثمناً لذلك دماً ودموعاً وسجناً وتعذيباً وتهجيراً بينما شمتوا وخونوا ونبذوا؟

يبدو أنّ سوريا ستشهد في المرحلة القادمة كثيراً من الأحداث التي ستوضح حقيقة العلاقات داخل تلك المافيا، لنتفرّج معاً ونحن لا نملك اليوم إلّا شجن المشاهدة لما كنا نعلمه في العمق وتشاء الظروف أن يخرج إلى النور الآن.

ليفانت – ريما فليحان

———————————–

في مسألة رامي مخلوف/ معن البياري

.. إذن، هي رائحة عطن وعفونة كثيرين في قصر الأسرة الحاكمة في دمشق، لم يُحْجر عليها جيدا، ففاض شيءٌ منها إلى خارجه. هذا هو موجز حكاية رامي مخلوف، الموصولة بداهةً بحكاية سورية كلها، منذ استحكم في القصر المذكور حافظ الأسد قبل خمسين عاما، مرورا بموت نجله الأكبر، ولي العهد السابق، في حادث سير جاء بالشرعية التي صار يحوزها بشار الأسد منذ عشرين عاما، وصولا إلى ما يقال عن عمل زوجة الأخير، أسماء الأخرس، على تأهيل ابنها حافظ الأسد ليرث البلد ومن عليها رئيسا، وقد بلغ الثامنة عشرة عاما. هذا المسار، أو الحال الذي ينطق به، واحدٌ من عناوين كثيرة كانت وراء انتفاضة السوريين وهبّتهم شتاء 2011. كانوا يحتجون على فسادٍ واستبدادٍ مريعيْن، ولكنهم أيضا كانوا يردّون عنهم إهانةً جارحةً لآدميتهم، لمّا تم تنصيب بشار عليهم رئيسا في الدقائق التسع إياها التي تم فيها تزبيط القصة المعلومة، دستوريا وبرلمانيا و.. إلخ. كانت تلك الواقعة، في الوعي العام، مسيئة إلى حد بالغ، وربما جعلت الشعب السوري يسأل مقادير التاريخ عن سبب “معاقبته” بها، وما إذا كان حقا لا يستحق دولة وسلطةً مثل اللتيْن في غير بلد عربي، ولو غير ديمقراطي. ما جرى في تلك الغضون كان فادحا، وما زال تأثيره ثقيلا. وظل السوريون، منذ اليوم الأول للرئيس الراهن، عديم الثقافة، على قناعةٍ مؤكّدةٍ بأن إصلاح هذا النظام مستحيل، وإن انتقالا ديمقراطيا بوجوده، بأي كيفيةٍ، أمرٌ من الخيال، غير أنهم، في الوقت نفسه، كانوا يعرفون أن الخلاص منه، بثورةٍ أو بغيرها، مكلفٌ جدا.

جاءت مستجدّات ما بعد 2011، وما تدحرجت إليه سورية من تعاسات، ومن نكبات غير مسبوقة في تاريخ العرب الحديث، تدلّ على صحة حدس السوريين هذا. وعندما يُنصتون، في هذه الأيام، إلى الحوت الأهم في بنيان دولة الفساد القائمة في بلدهم، رامي مخلوف، يقول ما يقول، عن “آخرين” وعن “جماعة السيد الرئيس”، وعن “ظلم وقهر” يتعرّض إليهما، بل وأيضا عن “ظرف صعب” يمرّ به البلد، عندما ينصتون إلى هذا كله وغيره، فإن سؤالا، على الأرجح، سيغشى كثيرين منهم، عمّا إذا كان بلدهم منذورا ليكون شاهدا في دروس النقد الأدبي على مساحات الواقع التي تتحدّى مخيّلات أهل الفن والأدب. كأن على الشياطين الذين توزّعوا في مسرحيات شكسبير أن يتواضعوا، فالملعب الذي يزاول فيه السّراق والملاعين في بلاط أسرة الأسد وحواشيه لا مطرح فيه لهم، ورامي مخلوف لا يفعل الآن غير أن يؤكد هذا. لا يذكّر هذا الرجل بتلك العفونة في الدنمارك التي قال عنها الضابط مارسيلوس، في حرس قصر الملك هاملت الذي اغتاله أخوه، عندما يشمّ رائحة مؤامرةٍ لقتل نجل الملك، الأمير هاملت، وإنما بعفونةٍ وعطنٍ فادحيْن في قصر السيد الرئيس الذي يستنجد به ابن خاله رامي مخلوف، لأنه مظلوم، لأن “ناساً” يطالبون الشركة التي هي من “جنى عمره” بضرائب مستحقّة، وتاليا لأن الأجهزة تعتقل موظفين في الشركة التي يملكها، للضغط عليه، من أجل أن يدفع. يتحدّث ابن الخال عن دستور وقانون، وعن الله العلي العظيم الذي سيشكو إليه إذا لم ينصفه ابن عمّته..

كل الحق مع السوريين في الذي شرّقوا فيه وغرّبوا، تعليقا على مشهدي رامي مخلوف، وراءه حطب (متى يحترق؟)، وجالسا يحكي. استدعوا سيرة رفعت الأسد، الملياردير، المجرم الموصوف، وتذكّروا المُنتحرَيْن محمود الزعبي وغازي كنعان، وأيضا فرار عبد الحليم خدّام الذي زينت له أوهامه أنه أوْلى بوراثة كرسي حافظ الأسد، ثم خرج مع ما سرق. وهؤلاء تفاصيلُ عابرةٌ في خمسة عقود من التراجيديا السورية. والآن، أي مصيرٍ ستنتهي إليه شرائط رامي مخلوف، بعد حلقتين منها (شائقتين في موسم دراما رمضان)؟ لا داعي للضرب في الرمل، وتوقع السيناريو الذي ستمضي فيه سردية رامي مخلوف، فالشياطين في ملاعب أسرة الأسد، وقد استجدّ حديثٌ عن جناحي أسماء الأخرس وماهر الأسد (!)، أقدر من غيرهم على ابتكار ما ليس في وسع القرائح أن تتوقعه. واستجدّ حديثٌ آخر عن “سنّةٍ” يريدون الانتفاع من كعكةٍ يحوزها “علويون”، قبل أن تهبّ رياحٌ روسيةٌ سموم، على غير ما تشتهي أشرعة أسماء الأخرس وبعلِها.

لقد بنى حافظ الأسد في سورية نظاما عائليا، وليس طائفيا إلا بالمعنى النفعي. بنى عمرانا من الفساد والاستبداد الأسوديْن. في وسع هذا النظام، بالعمران المشيّد جيدا هذا، أن يحمي نفسَه، ولو إلى وقت، من طوارئ عارضة، مثل التي تتمثّل في “مظلومية” رامي مخلوف التي نتفرّج عليها، وإنْ كانت في الذي يفعله هذا الرجل نذرٌ مقلقةٌ.

العربي الجديد

————————–

عن سورية التي يفتك بها الجوع/ غازي دحمان

أن تجوع بلاد كانت يوماً السلة الغذائية للمنطقة، ومشهود لشعبها بالنشاط والإنتاج، وتعتبر الزراعة فيها مهنة قديمة، وأكثر من ثلث شعبها يشتغل بالزراعة، وتملك أرضاً صالحة للزراعة بحجم مساحة الأردن تقريباً، فتلك معادلة فيها خلل كبير يستلزم إصلاحه، احتراماً لكرامة شعب بذل النفيس والغالي للعيش بكرامة.

مثل التصحر والجراد، يزحف الجوع يومياً ليغطّي مساحات جديدة من القطاعات الاجتماعية، ويقضم فئات وشرائح اجتماعية من قائمة الاكتفاء ليقذفها في أتون العوز، وترتفع الأسعار بشكل جنوني لا منطق له، ويصبح سقفها أعلى من قدرة أيدي الغالبية على الإمساك به.

تنازل السوريون عن كثير من عاداتهم الغذائية، انتهت ظاهرة الموائد العامرة التي كانت تتفنن النساء السوريات بصناعتها، حتى من أبسط العناصر والأصناف، لم تعد لا الجودة ولا تنوع المائدة وشكلها مطلباً للسوريين، غير أن ذلك لم يشفع لهم عند غول الجوع الذي يفرد أطرافه بدون وجل أو احترام لانكسار السوريين.

في عز أزمة الجوع، تأتي الأخبار من دمشق عن صراع آل الأسد ومخلوف على الفوز بثروات البلاد، ويشتري بشّار لوحة لزوجته بمبلغ 30 مليون دولار، زوجته التي تعمل على انتهاز الفرصة، فرصة جوع السوريين، لزيادة ثروات أبناء خالاتها وعمومتها، ويتحالف زوجها مع الذين أثروا من حربه على الشعب السوري، ويغضب “طباخ بوتين” لأن إيرادات مشاريعه في سورية أقل من المتوقع، فيما تطالب إيران بحصصها ومستحقاتها من “البوفيه” السوري المفتوح، ليذكّرنا هذا المشهد بالمثل الشامي “واحد طالعة مصارينه (أمعاؤه) والآخر يقول له أعطني قطعة لقطتي”.

تكتمل عبثية هذه الوقائع، مع ظهور من يقول إن سورية “نظام الأسد” انتصرت على المؤامرة، من دون أن يوضح ماهية النصر والمؤامرة، فإذا كان المهزومون هم ملايين أطفال السوريين الذين شرّدتهم هذه الحرب، وإفقار جميع السوريين، وخضوع الأرض السورية لاحتلال خمسة جيوش، وإذا كان الثمن لقمة السوريين، فلا بد أن يكون هذا المنتصر عدوا لدودا، أو أن هذه الـ”سورية” التي انتصرت هي من جنس الآلهة الإسطورية التي يتم إرضاؤها بملايين الأرواح قرابين!

المشكلة أن الثمن الذي يدفعه الشعب السوري هو استحقاق بقاء نظام العصابة في الحكم، والمشكلة أن هذه العصابة لم تكتف بكل هذا الدمار، بل تريد أن تبقى جاثمة على صدور السوريين حتى آخر نفس، ولم يشفع للموالين تضحياتهم وتقديم أبنائهم فداءً لهذه العصابة، حيث يرفض بشار تقديم أدنى تنازل لهؤلاء يخفّف عنهم هذا الشقاء والإذلال.

يرفض بشار الأسد مليارات إعادة الإعمار ورفع العقوبات عن سورية، مقابل عملية سياسية يكون هو أحد الشركاء فيها. قدّمت دول العالم تسهيلات هائلة للأسد، يمكن وصفها بالتدليل، لم يعد أحد يشترط حصول عملية انتقال للسلطة، ولا إقصاء الأسد عن السلطة، ولا إطاحة النظام وسوى ذلك من مطالب، المطلوب، بعد أنهار الدم التي تدفقت عملية سياسية تشارك بها المعارضة، عملية تستطيع من خلالها الأطراف الدولية إيجاد مبرّر لتراجعها عن العقوبات ومساهمتها في تمويل مشروع الإعمار، ومساعدة السوريين على العودة إلى ديارهم والاستقرار في منازلهم بدل البقاء في مخيمات اللجوء وعلى حدود الدول.

يفاخر أنصار الأسد بأن معلمهم يرفض هذه المطالب، لأن قبولها نوع من التنازل، إعمار سورية وكرامة شعبها وإنقاذهم من الفقر والجوع تنازل، تنازل عن ماذا؟ ثم أية قيم تلك التي يمثلها بشار الأسد، ويدافع عنها، تشكل نموذجاً لا يجوز خدشه، أو التنازل عن أي فاصلة فيه؟ بشار الأسد يقدم تنازلات بالجملة لإسرائيل وإيران روسيا، لم يبق شيء لم يتنازل عنه، ثروات البلاد وسيادتها ومكانة منصب الرئاسة، الشيء الوحيد الذي يرفض التنازل عنه إذلال السوريين وإفقارهم.

يدفع السوريون الثمن الذي يجب أن تدفعه العصابة الحاكمة التي قتلت ودمّرت وسرقت، وفي وقت يتشهى فيه السوريون الملح، تعيش العصابة أنماط حياة فاجرة، حسب وصف صحيفة روسية، حيث يستعرضون السيارات الفاخرة والطائرات الخاصة، يتنافسون من يحصل على ثروات أكثر من خبز السوريين، ومن يرضي الروسي والإيراني أكثر، يبعثرون ثروات البلاد رشىً لطباخ بوتين والمافيات الروسية، ويتشاطرون على السوريين، يقدمون أنفسهم لهم على أنهم أبناء قادة مقاومون، صنعوا أنفسهم بعصامية، وأصبحوا تجاراً مفوهين.

هذا الجوع السوري لا مبرّر له، فسورية الأسد لا تدافع عن مشروع وطني يستحق كل هذه التضحيات، بالأصل دمرت كل ما يتعلق بأي مشروع وطني عبر منحها ثروات البلاد مقابل احتفاظها بالسلطة، وخرّبت النسيج الوطني عبر ضربها مكونات الوطن بعضها لبعض، كما أن سورية الأسد ليست نموذجاً يُراد الحفاظ عليه والدفاع عنه، فلم تكن يوماً سوى جمهورية خوف وإذلال تحكمها عصابةٌ لا قيم ولا أخلاق لها، وهي ليست نموذجاً سوى للساديين وعديمي الضمائر.

المشكلة أن الجوع السوري بلا أفق ولا ضوء في نهاية النفق، الأمل الوحيد هو بإزاحة هذه العصابة عن صدر سورية، ولتكن ثورة جياع، وهي آتية، فالسوريون وإن كانت طاقتهم على الصبر كبيرة، فإن رؤية أبنائهم يتضوّرون جوعاً ستدفعهم لكسر جدران الخوف والدوس على رؤس العصابة التي أذاقتهم الذل والهوان.

العربي الجديد

————————————–

هل أصبح رامي مخلوف في قبضة الأمن السوري..أم أنّها مناورات ما قبل التسوية؟!

تداولت مصادر إعلامية نبأ إلقاء القبض على رجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خال رئيس النظام السوري بشار الأسد، إثر ظهوره في مقطعي فيديو على وسائل الإعلام، وهو يناشد ابن عمّته، رئيس النظام، للتدخّل وإنقاذ الوضع، سيما بعد أن تفاعلت قضية سداد ديون شركة الخليوي، التي تعود ملكيّتها لرامي مخلوف، عقب انتشار الفيديو الأول، الأمر الذي دفع الهيئة الناظمة للاتصالات، التابعة لوزارة الاتصالات والتقانة في حكومة النظام إلى الرّد بشكل حاسم، والتأكيد على ضرورة السّداد قبل انتهاء المدة في 5 أيار/ مايو، أي يوم غد.

ورأى بعض السوريين أنّ الأمر متوقّع جداً لأن النظام يعيش أسوأ حالاته، وأنّ روسيا قد ضاقت ذرعاً بالفساد المالي، سيما مع تأزّم أوضاعها الاقتصادية إبّان أزمة الكورونا، وخسائرها المادية الكبيرة في الحرب السورية، حيث ورد في إحدى التعليقات على الخبر، موجّهاً حواره لرامي مخلوف: “مع الروس ما في مزح.. بدك تدفع.. خلي إيران تنفعك”.

فيما استبشر قسم آخر من السوريين خيراً، معتبراً أنها بداية لتحقيق العدالة، حيث جاء في إحدى التعليقات: “نهاية العصابات يلي سرقت ثروات سوريا.. والقادم أعظم إن شاء الله”!

بعض السوريين قلّلوا من أهمية الخبر، معتبرين أنّ أي حلّ لا ينهي بشار الأسد شخصياً، لا يمكن التعويل عليه، حيث قال أحد المتابعين معلّقاً على الخبر: “هلأ رامي سجنو بشار وبشار مين راح يجرو؟!”

تعليقات أخرى اتّخذت طابع السخرية من الخلاف الذي بدأت مظاهره تبدو للعلن، من خلال فيديوهات رامي مخلوف، والتصعيد من جانب النظام، وظهر من خلال تعليقات السوريين، من قبيل” فخار يكسر بعضو”، “الله يطفيها بكيروسينو” و”بلشت أفلام الأكشن بالعائلة”، بل وصل الأمر إلى حدّ تأسيس مجموعة على الفيسبوك بعنوان “الحرية لرامي مخلوف”!

وذهبت بعض المصادر إلى أنّ سبب غضب النظام على رامي، هو أنّه المسؤول عن تسريب ثمن اللوحة الفنية التي تحدّث عنها الإعلام الروسي، والتي قدّر ثمنها بـ 30 مليون دولار.

من جهة أخرى نشرت وسائل إعلامية متقاطعة نبأ اعتقال إيهاب مخلوف، شقيق رامي، وذلك بعد محاولته الهروب من سوريا عبر الحدود الأردنية، قبيل انتهاء المهلة الممنوحة لسداد ديون سيرياتيل، في 5 أيار/ مايو، أي يوم غد!

وكان رامي مخلوف، قد ظهر البارحة في مقطع فيديو ثانٍ، تحدّث فيه عن حملة اعتقالات طالت كبار موظفي شركة سيرياتيل: “حيث تساءل قائلاً: “هل توقّع أحدكم مجيء الأجهزة الأمنية إلى شركات رامي مخلوف، الدّاعم الأكبر، والرّاعي الأهم لهذه الأجهزة ؟!”.

وكان مخلوف قد ذكر في مقطع الفيديو، أنه طُلب منه التنحي عن إدارة الشركات التي يديرها، ومن بينها “سيريتل”، وهي المشغل الأساسي في البلاد لخدمات الهاتف المحمول، ومصدر رئيسي للعائدات للحكومة المتضررة من العقوبات المفروضة عليها.

كما قال مخلوف في مقطع الفيديو الذي بثّه عبر فيسبوك: “اليوم بلشت الضغوطات بطريقة غير مقبولة وغير إنسانية، وبلشت الأجهزة الأمنية تعتقل موظفينا”.

وكانت وزارة الاتصالات والتقانة التابعة لحكومة النظام السوري بياناً، قد أصدرت بياناً قبل يومين ردّت من خلاله على الفيديو الذي ظهر فيه رامي مخلوف مخاطباً رئيس النظام السوري بشار الأسد، ومطالباً بتدخّله للحصول على مهلة جديدة لسداد المبلغ، الذي اعترض عليه أساساً.

حيث أوضحت الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد في بيانها أن التفاوض حول آلية سداد المبالغ المستحقة “بموعد أقصاه 5/5/2020 لقبولها التفاوض حول آلية تسديد مبلغ 233.8 مليار ليرة سورية كفروقات لبدل الترخيص الابتدائي”.

المفاجأة الكبرى كانت ما ألمح إليه بيان الهيئة بأنّ هذه المبالغ لا علاقة لها بـ”التهرّب الضريبي”، وبأنّ هذا الموضوع سيتمّ العمل عليه لاحقاً، حيث ورد في النص أنّ “عقود الإدارة التي أبرمتها الشركات الخلوية مع شركات اوفشور (موضوع الخلل الضريبي) يتم العمل عليه من قبل المعنيين بهذا الشأن في وزارة المالية”، مؤكّدة أنّ “المبالغ المشار إليها والمستحقة لدينا لا علاقة لها بقضية التهرب الضريبي (والتي هي موضوع آخر يتم العمل عليه من قبل الجهات الخاصة به)، بل بمبالغ مستحقة على الشركتين يجب سدادها لتحقيق التوازن في الرخص”.

وأفادت بعض المصادر المحلية، إلى أنّ حملة المداهمات التي تمّت خلال اليومين السابقين، استهدفت  أفراداً من إدارة الخطة الأمنية لرامي مخلوف، ومجموعة اللجان الشعبية “الشبيحة”، ممن يبلغ عددهم قرابة 423، حيث تم القبض على أكثر من 170 فرداً، من قبل أفرع الأمن، فيما تجري متابعة وملاحقة البقية على المنافذ الحدودية، نافيةً ما قاله رامي مخلوف في مقطع الفيديو، بأنهم موظفون في بشركاته، مبديةً شماتتها بمصير الشبيحة الذين روّعوا الناس.

وأوضحت المصادر المحلية أنّ المعلومات الواردة من الساحل السوري، واللاذقية تحديداً، تقول إن الأمور خطيرة، والتصعيد كبير بين عائلتي مخلوف والأسد، وقد تصل لمرحلة الاشتباك المسلح.

فيما تشير الأنباء إلى حملات مداهمة ترمي إلى القبض على كبار موظّفي شركات رامي مخلوف، والتي أسفرت عن القبض على العديد من الأشخاص الذين ينتمون إلى الدائرة المقرّبة منه، ومن بينهم: وضاح عبد ربه، رئيس تحرير جريدة الوطن المملوكة لمخلوف، ورجل الأعمال سامي حلاق، وملهم حسون ابن مفتي سوريا أحمد بدر الدين حسون، مع ورود أنباء متضاربة حول القبض على رامي مخلوف نفسه.

————————————

رامي مخلوف يتحدى الأسد في فيديو جديد… هل نشهد تطورات دراماتيكية داخل العائلة الحاكمة؟/ هبة محمد

في تسجيل مصور جديد، يشير إلى تدحرج الصراع داخل الفئة المتحكمة في سوريا، ظهر رجل الأعمال رامي مخلوف للمرة الثانية خلال ثلاثة أيام في تسجيل مدته 7 دقائق، كشف خلاله عن ضغوطات تطالبه بالتنازل عن شركاته وكل «جنى العمر» لصالح «جيوب الآخرين» مشيراً إلى «ظلم» الفئة الحاكمة و»استخدامها للسلطة بغير محلها»، بعدما اعتقلت الأجهزة الأمنية المدراء والموظفين في شركاته كنوع من التهديد الذي يضعه أمام خيارين «التنازل عن كل أملاكك أو سجن كل جماعتك» مهدداً بشار الأسد بـ»عقوبة إلهية حتمية» في حال استمر التصعيد ضده، داعياً إلى حماية البلد. كل ذلك يطرح أسئلة من قبيل هل نشهد تطورات دراماتيكية داخل العائلة الحاكمة في سوريا قريباً؟

وقال مخلوف في الشريط المصور، تحت عنوان «وكان حقاً علينا نصر المؤمنين» إن «هناك مخاطرة كبيرة لأن الطلبات لا يمكن تلبيتها، حيث طلب أن ابتعد عن الشركات وتنفيذ تعليمات وأنا مغمض العينين، وبدأت الضغوط بسحب الموظفين والمدراء، هذا ظلم وهذا استخدام سلطة بغير محلها، فالسلطة ما أعطيت من أجل ممارسة الضغط على الناس لكي تتنازل، ولا أعطيت السلطة لكي نستخدمها لصالحنا بل أعطيت لخدمة العالم».

وحاول الكشف عن تلاعب الفئة الحاكمة بخزينة الدولة ومواردها من الضرائب، لافتاً إلى عدم فصل خزينة بشار الأسد الخاصة عن الخزينة العامة حيث قال «سبق وطلبت من سيادة الرئيس التدخل بإنصاف شركتنا بطلبات لم يكونوا محقين فيها، وليس الهدف عدم الدفع ولكن الدفع على أن تذهب الأموال لمستحقيها وليس لجيوب آخرين، والهدف من المناشدة هو وضع حد للتدخلات المحيطة حول صاحب القرار لأنها صارت لا تطاق ولا تحتمل ووصلت لدرجة مقرفة وخطيرة وبهذه الحالة ما فينا نكمل، وهاد اسمه ظلم وتعدي على ملكيات خاصة» وأشار إلى أنه مؤتمن على الشركات ولن يتنازل عنها، حيث قال «أنا موجود ولا يمكن أن اتنازل عن شيء ليس لي». ولفت إلى وجود فئة محيطة برئيس النظام السوري وهي من تدير البلاد حيث قال «هل يجوز أن تسمح للآخرين يتعدوا عليك، لا يجوز أن نسمح يمشوا كلمتهم، الوضع صعب وخطر إذا استمرينا بهذه الحالة، والبلد حالها صعبة، وسيكون هناك عقاب الهي حتمي، لأنه قد بدأ منعطف مخيف».

واعترف بخدمته للأجهزة الأمنية إبان الثورة السورية، مستنكراً انقلابها عليه واعتقال موظفيه حيث قال «هؤلاء يشغلون شبكة خليوية، قدمت خدمات للجيش والأمن والسوريين، منجي منعتقلهم ومنقول يا رامي يا بتتنازل يا منحبسلك كل جماعتك».

بين الإحراج… والتحدي

ويقول مراقبون إن التسجيل المصور الأول لرامي مخلوف كان فيديو إحراج، حاول به أن يحرج بشار الأسد عبر إخراج المشكلة إلى العلن بشكل رسمي، أما الفيديو الثاني حسب رأي المعارض السوري ماهر شرف الدين فهو فيديو تحدٍّ. معتبراً أن هذا التحدّي موجَّه لأسماء الأسد بشكل مباشر، والتي أطلق عليها اسم «الآخرين»، وقد وصل به التحدّي إلى حد أنه اتهمها بالسرقة والسطو بشكل صريح حين قال: «تُصرَف لجيوب الآخرين».

وأضاف شرف الدين على الرغم من محاولته تحييد بشار وتنزيهه، إلا أنه أصابه في مقتل مرّات عديدة، خصوصاً عندما طالبه بـ»وضع حد للتدخلات المحيطة» به، واصفاً تلك التدخُّلات بأنها «مقرفة وخطرة».

وتطرح التسجيلات المصورة لرامي مخلوف مجموعة من الأسئلة، ولعل أهمها هي، هل يصدر رامي هذه الفيديوهات، وهو داخل سوريا بدعم من روسيا أو إيران؟ وهل ممكن ان تكون في إطار التنافس بين الأجهزة الأمنية والعسكرية التي تتقاسم روسيا وإيران السيطرة عليها؟

كما أثار معارضون للنظام السوري سؤالاً حول التنازع على مليارات الدولارات المنهوبة من ثروات الشعب السوري، وهل للتسجيلات علاقة بمستقبل النظام خصوصاً أنها تترافق مع حملة إعلامية روسية لفضح فساد بشار؟

الخبير السوري، ومدير مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، أيمن الدسوقي يجيب لـ»القدس العربي» عن هذه التساؤلات ويقول إنه لا يمكن أن يعرف على وجه التحديد مكان إقامة مخلوف حالياً، «ولكن غالب الظن أنه خارج سوريا، وإلا لكان شملته حملة الاعتقالات التي شنتها الأجهزة الأمنية ضد موظفيه كما ذكر».

ومال المتحدث إلى أن رامي مخلوف، يمكن أن يكون في روسيا مقر إقامة والده، والتي فيها جزء معتبر من استثماراته الخارجية. وأضاف أيضاً «يتوجب علينا أحياناً قراءة الديناميات الداخلية للمشهد السوري بمعزل عن ربط كل حدث وظاهره بروسيا وإيران، قد يكونان عاملين مساعدين أو معيقين، لكن قصة مخلوف ليست طارئة وتعود إلى لحظة وفاة والدة بشار الأسد، حيث أدى ذلك إلى حدوث تغيرات في توازنات القوى داخل القصر الجمهوري، لجهة تراجع نفوذ آل مخلوف وتصاعد نفوذ السيدة أسماء الأسد داخل القصر الجمهوري».

القضية إذاً، حسب ما يقول المتحدث، تعود بجزء أساسي منها إلى تغيرات داخل القصر الجمهوري، وبجانب آخر إلى تحولات في النخبة الاقتصادية للنظام خلال الحرب، حيث بات ضرورياً العمل على تصدير نخبة جديدة أكثر قبولاً من الخارج من رامي مخلوف، إلى جانب ما سبق يرتبط الأمر في حاجة النظام إلى التمويل لدفع استحقاقاته للحلفاء وكذلك لتيسير شؤون الدولة، وذلك كان يتوجب على مخلوف أن يقوم بدفع هذه المستحقات من أرصدته المالية في الخارج وهو ما رفضه مخلوف، ليتعرض إلى سلسلة من أوامر الحجز الاحتياطي.

احتمال المواجهة

وتداول معارضون للنظام السوري التسجيل المصور، وعقب على النقاط الرئيسية فيه، الباحث عباس شريفة، حيث قال غن أبرز ما ركز عليه رامي مخلوف في تسجيله الجديد هو الإكثار من استخدام الخطاب الديني كعادته في أسلوب الوعظ، ورفض الضغط الذي يتعرض له والذي أوضحه بشكل جلي وهو التنازل عن ثروته والابتعاد عن شركاته، كما أكد أن الأيام القادمة أيام صعبة وابتلاء. ملمحاً إلى إمكانية المواجهة مع لوبي أسماء الأسد، كما ذكر أن من يتم اعتقالهم من قبل الأجهزة الأمنية هم من الشبيحة الذين وقفوا مع الأمن والنظام أثناء أزمته، ورامي مخلوف هو أكبر داعم للأمن في زمن الحرب.

واستعمل مصطلح هم ونحن (هم جماعة أسماء السنية) ونحن بني مخلوف والأسد والطائفة العلوية، كما اعتبر الإجراءات المتخذة ضده مخالفة للدستور والقانون، وتكلم عن الاستخدام السلبي للسلطة في إجباره كمستثمر على التنازل عن ماله والتعدي على الملكيات الخاصة، كما أكد أنه لا يخاف من الامتحان ولن يستجيب للضغوط وهو قابل لامتحان. وأعاد مخلوف التأكيد على مناشدة بشار الأسد أن يقف بجانبه لأن من يتم الاعتداء عليهم وهم ناسه وهم مؤيدون كانوا معه من قبل الدائرة المحيطة به.

من جانبه اعتبر د.فواز عواد أن الظهور الثاني لرامي مخلوف، يصور مآل المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في سوريا، بعد تسع سنوات من الحرب على الأبرياء، بحجة مكافحة الإرهاب، ووقف المعارض السوري خلال حديثه مع «القدس العربي»، عند بعض العبارات التي ذكرها مخلوف بالتحليل حيث قال إن اعتراف رامي مخلوف بأنه أكبر داعم للأجهزة الأمنية، وأكبر راعٍ لهم أثناء الحرب، هو اعتراف صريح بمشاركته بجرائم الحرب التي صنعت في سوريا، وذلك يستلزم من المنظمات الحقوقية استخدام هذا الاعتراف الصريح لملاحقته قانونياً، والحجز على أمواله لتعويض ضحايا الفروع الأمنية.

وقال أيضاً «طلب مني نفذ التعليمات وأنا مغمض» وهذا يشير إلى الانقسام في عائلة الأسد، رغم محاولة بعضهم ترميم الشرخ بينه وبين الأسد، وفي عبارة «التدخلات المحيطة حول صاحب القرار.. التي صارت لدرجة مقرفة» هي إشارة واضحة إلى أسماء الأخرس التي تنتمي إلى غير طائفة، وحجم تحكمها، وتدخلها في صناعة القرار السوري الآن.

واعتبر كلام مخلوف «هيك مافينا نكمل، هذا اسمه تعدي، شيء مؤتمن عليه لن أتنازل عنه، ألسنا نحن مؤتمنين على هذه الأموال، فهل نفرط بها» هو إعلان التحدي لبشار ولمن خلفه، كونه يتكلم باسم شركاء أقوياء، يطلبون منه المحافظة على أموالهم.

وحول قوله «هل لأنني خائف على نفسي وعلى مكانتي أفرط بهذا الموضوع» فهذا يشير حسب تفسير المتحدث إلى إدراكه حقيقة احتمالية تصفيته، أو مصادرة أملاكه أو حبسه، وإرجاعه إلى الصفر.

أما عن حديث مخلوف بأن «الأجهزة الأمنية بدأت تتعدى على حريات الناس، ولا يجوز أن تخلي الاخرين يمشو كلمتهم، وسيكون هناك عقاب إلهي لأن بلش هناك منعطف خطير» هو مؤشر على بداية حرب داخلية ضمن الطائفة. واعتبر «عواد» إشارات رامي مخلوف وقوله «إن لم نعالج الموضوع البلد في خطر» فهو يعتبر أن السنوات التسع السابقة من الحرب، كانت خلالها البلد في أمان، أما الآن بسبب تنازع المصالح والحصص فقد أصبحت سوريا في خطر.

القدس العربي

———————-

مخلوف “المنهار” يشغل كبرى الصحف العالمية.. كيف تناولت قصته؟

أفردت وسائل الإعلام وكبرى الصحف العالمية، تغطيات واسعة، خلال اليومين الماضيين، عن قصة رامي مخلوف، ابن خال رئيس النظام، بشار الأسد، والذي تحوّل إلى حديث الساعة، بعد التسجيل المصور الأخير الذي نشره، ظهر الأحد، وجاء بعد يومين من تسجيل مماثل، نفى خلاله تهم الفساد المتعلقة به، وألمح فيه إلى حالة “شقاق” مع أقطابٍ بنظام الأسد.

وبحسب ما رصد فريق “السورية.نت” اليوم الاثنين، أجمعت كبرى الصحف العالمية في التقارير والتغطيات التي أفردتها، في الساعات الماضية، على أن مخلوف أدخل سورية في مرحلة جديدة، بعد سنوات من “الحرب”، واصفةً إياه بـ”الشخص المنهار”، الذي يحاول نزع فتيل “نزاع نادر” مع عائلة الأسد.

ومخلوف هو ابن خال  بشار الأسد، ويعتبر جزءاً من الدائرة المقربة للأخير، ولديه امبراطورية اقتصادية ضخمة، أبرزها الاتصالات والعقارات والمقاولات وتجارة النفط.

ويقول مسؤولون غربيون، إن مخلوف لعب دوراً كبيراً في تمويل الأسد خلال “الحرب”، وهو أمر أكده في التسجيل المصور الأخير، قائلاً فيه: “هل أحد يتوقع أن تأتي الأجهزة الأمنية على شركات رامي مخلوف.. اللي هي أكبر داعم للأجهزة الأمنية، وأكتر راعي لهم أثناء الحرب؟”.

أيادٍ روسية

البداية من الصحافة البريطانية، إذ نشرت “الغارديان” تقريراً مطولاً عن رامي مخلوف، والتطورات المتعلقة به، وعنونته بـ”أغنى رجل في سورية يشعل نزاعاً عاماً نادراً مع الأسد“.

قالت “الغارديان” في تقريرها إن مخلوف “رفع غطاء انشقاقه مع الأسد في التسجيل المصور الثاني، وأظهر أعمال الحرم الداخلي للعائلة الحاكمة”.

وأضافت أن ما خرج به “الملياردير السوري” يأتي في الوقت الذي يتعرّض فيه الأسد لانتقادات نادرة من الجانب الروسي، والذي يبحث عن عوائد لتعويض ما دفعه، في السنوات الماضية خلال العمليات العسكرية بسورية.

وفي تقريرها ركّزت “الغارديان” على الدور الروسي في ما تشهده العلاقة بين مخلوف والأسد، في الوقت الحالي، معتبرةً أن “موسكو قررت البحث عن سبل للاستفادة من جهودها لإنقاذ نظام الأسد”.

ووصفت الصحيفة ما شهدته الأيام الماضية من هجوم إعلامي روسي على نظام الأسد بـ”الانتقاد المدبر”، في خطوة للإمساك بالمفاصل الاقتصادية لسورية، والتي بدأت أولى تبعاتها بالسيطرة على أملاك رامي مخلوف.

“انقسام الأسرة الحاكمة”

صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية تناولت السجال الإعلامي الذي أثاره رامي مخلوف، ونشرت تقريراً، يوم 3مايو/أيار الحالي، عنونته بـ”مقطع فيديو غير مسبوق يشير إلى انقسام الأسرة الحاكمة في سورية”.

وصفت “واشنطن بوست” مخلوف بأنه “محرك أموال عائلة الأسد”، وأشارت في تقريرها إلى عدة نقاط، أبرزها بأن الظهور المتكرر لمخلوف يأتي بعد أشهر من تقارير غير مؤكدة، بوضعه تحت الإقامة الجبرية.

وقالت الصحيفة إن مخلوف، وهو معول أموال عائلة الأسد، فقد أية قدرة على التواصل الشخصي مع ابن خاله (بشار الأسد)، الأمر الذي دفعه، بمساعدة ما، إلى الظهور عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

الصحيفة اعتبرت أن ظهور مخلوف مثالُ أوضح شكل الصراع داخل العائلة، منذ تسلم الأسد الابن السلطة في مطلع هذه الألفية، مشيرةً إلى أن ما يجري في الوقت الحالي هو استكمال لمحاولة الأسد الاستيلاء على أموال عدد من رجال الأعمال.

“ربما استلهم الأسد التجربة السعودية”، تضيف “واشنطن بوست”، وتشير إلى أن مايجري “غير معلوم كيف بدأ بخصوص الضغط على مخلوف، ولكنه يشير لسلسلة أحداث، منها قرار للمرة الثانية بالحجز على أصول شركات الاتصال، والكشف عن كميات من المخدرات في إحدى شحنات شركة الحليب التابعة لمخلوف على الحدود المصرية -الليبية”.

ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي سوري كان يعمل في السفارة السورية في واشنطن، قوله: “انتزاع مخلوف سيكون صعباً (…) لقد ولد من داخل هذا النظام، منذ تسلم بشار دفة القيادة”.

“المواجهة لن تنتهي بالخير”

بالانتقال إلى ما تناولته الصحف الروسية عن مخلوف، نشرت صحيفة “سفابودنايا براسا” الروسية تقريراً، 3 من مايو/أيار الحالي، عنونته بـ”تفكك عشيرة دمشق الأكثر نفوذاً لن يكون له نهاية سعيدة”.

تحدثت الصحيفة في التقرير، الذي ترجمه فريق  “السورية.نت” عن بشار الأسد، و”الذي يعتبر في وضع صعب”.

وقال التقرير إن “الأسد لا يملك المال الكافي لاستعادة الجزء الذي سيطر عليها من البلد”، مشيراً إلى أن “الأسد يحتاج في المرحلة الأخيرة، إما الحرب مع الأكراد الذين احتلوا جميع حقول النفط تقريباً أو دبلوماسية خفية”.

وفيما يخص مخلوف، أضافت الصحيفة في تقريرها أن رامي مخلوف بدأ يفقد نفوذه، اليوم، و”كل ذلك بسبب تجرؤه على مواجهة بشار الأسد وزوجته”.

وركّزت الصحيفة في تقريرها على “الحياة الفارهة التي يعيش بها مخلوف وأبناءه”، بينما “يموت باقي الشعب في دمشق وغيرها من المدن من الجوع”، معتبرةً أن “هذا يؤثر سلباً على صورة كل من بشار الأسد والسلطات الشرعية بشكل عام”.

والنقطة الأساسية التي أشارت إليها الصحيفة في تقريرها هي أن مخلوف “تحت الإقامة الجبرية وليس لديه سوى خيارات قليلة (…) هناك الإنترنت والفيسبوك أمامه فقط”.

الواجهة الاقتصادية لعائلة الأسد

وينحدر مخلوف من جبلة وهو من مواليد عام 1969، وهو الابن الأكبر (لشقيق أنيسة والدة بشار) محمد مخلوف، الذي كان يدير المصرف العقاري أيام الرئيس الأسبق، حافظ الأسد، بعد أن كان موظفاً بسيطاً قبل ذلك في “المؤسسة العامة للتبغ” التي تملكها الدولة في سورية.

ويدير مخلوف أكبر شركة للهواتف المحمولة في سورية، وهي “سيرياتل”، كما يملك العديد من شركات البناء والنفط، منها “إيما تيل”، “راماك”، “شركة شام القابضة”، وغيرها.

وفي أواخر 2019، كشفت منظمة “غلوبال ويتنس” لمكافحة الفساد أن عائلة مخلوف تتحكم في 60 ٪ من الاقتصاد السوري.

وإلى جانب ما سبق، يملك رامي مخلوف عقارات في العاصمة الروسية موسكو تقدر بـ 40 مليون دولار، وفق منظمة “غلوبال ويتنس”.

وتستهدف عقوبات أمريكية، مخلوف منذ عام 2008، على خلفية ما تصفه واشنطن بالفساد العام، وتشدد منذ ذلك الحين الإجراءات ضد كبار رجال الأعمال المقربين منه.

كما يفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على مخلوف منذ بدء الثورة السورية في 2011، متهماً إياه بتمويل الأسد.

السورية نت

—————————–

 مخلوف يحذر الأسد من «أيام صعبة»… ويؤكد استعداده لها

خروج خلافهما إلى العلن يدفع الليرة السورية إلى انخفاض جديد

في تصعيد سريع، حذّر رجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خال الرئيس بشار الأسد من مغبة التجاوزات والتهديدات التي يتعرض لها من قبل الأجهزة الأمنية، وقال في ظهور ثانٍ له خلال أقل من يومين، عبر تسجيل مصور نشره على حسابه في «فيسبوك» ومدته 10 دقائق، إنه تلقى تهديدات «إما أن تتنازل وإما أن نسجن كل جماعتك»، محذراً من «أيام قادمة صعبة».

واتهم مخلوف الأجهزة الأمنية باعتقال موظفي شركاته، وبالضغط عليه للتخلي عنها، بعد يومين من مناشدته في شريط فيديو نادر الرئيس بشار الأسد التدخل لإنقاذ شركة الاتصالات التي يملكها.

وأفادت مصادر بين ناشطين سوريين على مواقع التواصل الاجتماعي، باعتقال عدد من موظفي شركات رامي مخلوف، بينهم اثنان من كبار المديرين في «سيرياتل»، وهما بشر مهنا وسهيل صهيون، كما تحدثت عن اعتقالات تمت لبعض المقربين من رامي مخلوف، منذ مطلع فبراير (شباط) الماضي.

وقالت مصادر مطلعة في دمشق، إن قوات تابعة للقصر الجمهوري قامت بمداهمة فيلا رامي مخلوف في منطقة يعفور بريف دمشق، صباح أمس (الأحد)، قبل ساعات من بثّ الفيديو الذي ظهر فيه رامي مخلوف للمرة الثانية خلال يومين، ليحذر ابن عمته الرئيس الأسد أنه «في حال استمر الأمر على هذا النحو سيكون الأمر خطيراً»، معلناً عدم رضوخه للضغوط وعدم تنازله عما يملكه، والذي هو حسب تعبيره «جني العمر»، وأن الأموال ليست له، بل هو «مؤتمن عليها في ابتلاء إلهي»!!

وأضاف مصعداً نبرته: «نحن أمام تفاصيل لن نكون قادرين على السيطرة عليها إذا ما استمرت الضغوط علينا «والتي أصبحت غير مقبولة ولا إنسانية»، متوعداً بأيام قادمة «ستكون صعبة وأنا جاهز لها».

وكشف مخلوف عن أن سبب ظهوره مجدداً هو «استمرار التجاوزات والتهديدات» من قبل الأجهزة الأمنية، وتعرضه للضغوط، وبدء حملة اعتقالات لموظفيه، من بينهم مديرون في شركاته. وفي رسالة غير مباشرة لحاضنة النظام الشعبية من الموالين وأبناء الطائفة الداعمين للنظام، عبّر مخلوف عن استغرابه من تصرفات الأجهزة الأمنية، متسائلاً؛ كيف يتم اعتقال من دافع عن النظام وعن الرئيس خلال الحرب، وكيف يتم التعامل بهذه الطريقة مع شركات ومؤسسات كانت أكبر داعم وأكبر خادم لهذه الأجهزة الأمنية؟ ثم توجه للأسد، بالقول: «اليوم بلشت الضغوطات بطريقة غير مقبولة بشكل لا إنساني، وبلشت تعتقل موظفينا».

ويعد ذلك هجوماً غير مسبوق على قوات الأمن من أحد أكثر الشخصيات النافذة في سوريا. وتابع مخلوف: «يا سيادة الرئيس، الأجهزة الأمنية بلشت تعتدي على حريات الناس… هدول ناسك… هدول موالين… هدول كانوا معك. الوضع صعب وخطير، والله إذا استمر بينا بها الحال، وضع البلد كتير صعب». وتابع أن «هذا ظلم واستخدام للسلطة في غير محلها». وبحسب «رويترز»، فإن قوات الأمن لم تستجب لطلب التعقيب الذي طلبته الوكالة.

وكانت مصادر سورية تحدثت في أوقات سابقة عن وجود توتر في العلاقة بين رامي مخلوف والرئيس الأسد، لم تتضح تفاصيله، إذ تمت مصادرة وسائل إعلام محلية كان يديرها مخلوف ومقرات جمعية خيرية تابعة له. وأعلنت الحكومة سلسلة من قرارات الحجز على أموال مخلوف في الأيام الماضية. ورجّحت المصادر أن يكون سبب الخلاف وجود مخاوف حول مصير أموال عائلة الأسد، المؤتمن عليها الخال محمد مخلوف منذ عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، والذي تولى إدارتها ابن الخال رامي مخلوف، بعد وصول بشار الأسد إلى الرئاسة صيف عام 2000. في ظل تقدم الخال محمد مخلوف في السن، وتراجع حالته الصحية، في وقت يمارس فيه الجانب الروسي ضغوطاً على الأسد لسداد ديونه من عائدات الشركات التي يديرها مخلوف.

يشار إلى أن الحملة على مخلوف رافقها تصريح للأسد في مقابلة مع التلفزيون السوري الرسمي نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عن مكافحة الفساد في المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص. عندما قال: «في القطاع الخاص، طلب من كل من أهدر أموال الدولة أن يعيد الأموال (…) نريد أموال الدولة أولاً قبل أن نلاحق ونحوّل إلى القضاء».

وأصدرت السلطات السورية، في ديسمبر (كانون الأول)، سلسلة قرارات بالحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لعدد من كبار رجال الأعمال في سوريا، بينهم مخلوف وزوجته وشركاته. ووجّهت إلى رجال الأعمال تهم التهرّب الضريبي والحصول على أرباح غير قانونية خلال سنوات الحرب.

وكان رامي مخلوف قد تلقى إنذاراً بتسديد أكثر من 150 مليار ليرة، قبل حلول مايو (أيار) الحالي، أو نقل حصته من شركة الاتصالات «سيرياتل» لصالح مؤسسة الاتصالات الحكومية. ومع حلول الموعد ظهر رامي مخلوف في فيديو مدته 15 دقيقة بثّه بصفحته على «فيسبوك» ليل الخميس – الجمعة، في أول إطلالة له منذ عام 2011 يناشد الأسد بالتدخل لإنقاذ شركته (سيرياتل) للاتصال من الانهيار، معتبراً المبلغ الكبير المطلوب سداده مجحفاً.

وقدّر مخلوف قيمة المبلغ المُطالب بتسديده بين 125 مليار (178.5 مليون دولار) و130 مليار ليرة. وقال: «لا نتهرّب من الضريبة ولا نتلاعب على البلد (…) ندفع ضرائبنا وندفع تقاسم العائدات للحكومة». إلا أن قريب الرئيس السوري، الذي اعتبر أن «مطالب الدولة غير محقة»، ناشد الأسد تجنيب الشركة الانهيار وجدولة المبالغ المستحقة، وعاد وكرر المناشدة في بيان الثاني أمس: «لا تصدق من حولك… لا تسمح لهم بخرق الدستور والتعدي على القانون… أنا لن أتنازل، وأطلب منك يا سيادة الرئيس أن تنصفنا وتسمعنا، وإذا لم تفعل فليس لنا سوى الله ليحمي البلد من الخطر القادم».

ومع خروج خلاف الأسد – مخلوف إلى العلن سجلت الليرة السورية انخفاضاً جديداً في قيمتها مقابل الدولار الأميركي من 1270 ليرة إلى 1340 ليرة للدولار الواحد.

ويرأس رامي مخلوف مجموعة شركات، أبرزها شركة «سيرياتل» التي تملك نحو 70 في المائة من سوق الاتصالات في سوريا. كما كثير من شركات البناء والنفط، وعقارات في العاصمة الروسية موسكو تقدر بـ40 مليون دولار، وفق منظمة «غلوبال ويتنس».

الحكومة السورية رداً على بيان رامي مخلوف الأول، تحدثت عن تمسّكها بمطالبته بسداد مستحقات مالية على مؤسسة الاتصالات من شركة «سيرياتل»، وذلك بهدف «تحصيل المال العام». وفي بيان لـ«هيئة الاتصالات» طالبت الشركتين المشغّلتين للهاتف الجوال في سوريا (سيرياتل وإم تي إن) بدفع «مبالغ مستحقة لخزينة الدولة تبلغ 233.8 مليار ليرة سورية» (334 مليون دولار)، استناداً إلى قرار صدر عن رئاسة الوزراء، مبينة أن المبالغ المطلوب سدادها هي «مبالغ مستحقة للدولة» وفقاً لوثائق واضحة وموجودة، ويجب سدادها قبل الخامس من الشهر الحالي (الثلاثاء). وقالت «الهيئة الناظمة للاتصالات» في بيان لها، أمس (الأحد)، إنها تبلغت من شركة «تيلي أنفست»، أحد الشركاء الرئيسيين في شركة «إم تي إن سوريا»، استعدادها لتسديد ما يترتب عليها من مبالغ تبعاً لحصتها القانونية في الشركة، ووفقاً لمضمون قرار الهيئة.

https://www.syria.tv/?utm_source=KwikPlayer&utm_medium=KwikShare&utm_campaign=KwikMotion

الشرق الأوسط

—————————-

مخلوف يتوسل العدالة «الضريبية» والأسد في انتظار «الإلهية»… / بسام البدارين

«بعطيكن هالرقم إذا بيطلع، وفوقه حبة بركة». هذه العبارة الساحرة في شريط الفيديو المسجل للمدعو رامي مخلوف، تختصر الكثير في المشهد السوري، خصوصا بعد الخلاف حول «تهرب ضريبي» بين «السيد الرئيس» وابن خاله إمبراطور الاتصالات وبورصة الشبيحة. في طريقة طريفة جدا أثارت اهتمام محطة «بي بي سي»، ولاحقا برنامج المنصات في «الجزيرة» أيضا شرح مخلوف لقريبه الرئيس «الموقف» في خصوص وجود لصوص يحاولون «تفليس» شركته، التي توظف أكثر من 5600 سوري على الأقل وتقوم في أعمال الخير والبر والتقوى. سبحان مقسم الأرزاق، مخلوف يتوسل «العدالة الضريبية» من الذين تنتظرهم أصلا العدالة الإلهية.

مخلوف البر والتقوى

هل تذكرون محطة «دنيا» السورية الشهيرة، التي قيل إنها من بصمات مخلوف، أحد أبرز ممولي حرب «الشبيحة» على الشعب السوري، عندما كان يرقص في الميدان، وقبل «تسليح الثورة»، بتوقيع بندر بن سلطان. تمويل الشبيحة من شركات الاتصالات هو تعريف أعمال «البر والتقوى»، التي كان يساندها مخلوف. جهات متعددة في عمان في المناسبة أعجبتها محطة «الدنيا»، وكانت المحصلة ولادة مولود مختلف اسمه «تلفزيون المملكة». ما علينا، مخلوف «بيقطع القلب» من كثر مطاردة جهاز الضريبة السوري فجأة لأعماله ويقترح على إبن عمته الرئيس ما يلي «تكرم عيون هالفقراء.. إنت اعطيهن»! صدقا لا أريد «تسييس» المشهد. لكن لدينا سؤال صغيرة جدا، بعدما يدفع رامي مخلوف المطلوب. من أين سيحضر «حبة البركة»؟!

القدس العربي

——————————————

بعد تسجيلات رامي مخلوف.. أنباء عن اعتقال رئيس تحرير صحيفة موالية

قال صحفيون سوريون وناشطون إعلاميون، إنّ قوات النظام السوري اعتقلت رئيس تحرير صحيفة الوطن الموالية للنظام، وضّاح عبد ربه، ضمن حملة اعتقالات واسعة شنّتها ليل الأحد ـ الإثنين في العاصمة دمشق، فيما نفت مصادر إعلامية صحّة الخبر.

وذكرت الصحفية السورية بهية مارديني على حساباتها في منصّات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر)، أنّه جرى اعتقال وضاح عبد ربه، مؤكّدة المعلومة التي وصلتها فجر الإثنين.

وردّت مارديني على سؤال أحد الصحفيين في التعليقات بالقول: “مو مخلين حدا ما ضبوه”، في حين أشار ناشطون إعلاميون إلى أنّه تم اعتقال 19 شخصا من أقارب وأتباع آل مخلوف.

أمّا المرصد السوري لحقوق الإنسان (المعارض)، فقد نفى صحّة الأنباء التي تتحدّث عن اعتقال عبد ربه.

وكما هو معتاد، لم يصدر أي بيان رسمي أو تعليق بخصوص عبد ربه، حتى من الصحيفة التي تواصل عملها اليوم.

وتأتي هذه التطورات بعد ظهور رامي مخلوف الذي يملك صحيفة الوطن، في تسجيلين متتاليين تحدّث فيهما عن “مظلومية” ومبالغ ضخمة مفروضة عليه من قبل حكومة النظام، مناشداً رأس النظام بشار الأسد لكف يد “الفاسدين”، وهو ما اعتبره متابعون تحشيدا طائفيا لشق الصف.

وتعدّ “الوطن” ناطقة باسم النظام، وتصنّف كصحيفة “شبه رسمية”، حيث تتبنّى مواقف النظام السياسية وتصف المدنيين القتلى بقصف النظام على المدن والقرى بـ “الإرهابيين”، وفقما رصد بروكار برس سابقاً.

    المخابرات السورية تعتقل ليلاً الصحفي

    وضاح عبد ربه رئيس تحرير جريدة وطن التابعة لرامي مخلوف

    واعتقالات في دمشق تطال 19 شبيح من ال مخلوف.. وفي اللاذقية اشتباكات عنيفة

    في صلنفة جبلة بين ال الاسد وال مخلوف

    — Hasan shasho (@Hasanshasho9) May 4, 2020

بروكار برس

———————————

قائمة أبرز المدراء المُعتقلين من “سيريَتل” بدمشق

كشف مصدرٌ في دمشق لـ”السورية.نت”، أسماء من قال إنهم “شخصيات قيادية”، في شركة “سيريَتل”، ممن تم اعتقالهم فجر اليوم الأحد، حيث داهمت مخابرات الأسد، منازلهم في العاصمة السورية.

وقال المصدر، الذي كان مديراً سابقاً في الشركة، التي يرأس مجلس إدارتها، رامي مخلوف، وهي أحد مزودي خدمة الهواتف المحمولة في سورية، إن حملة الاعتقالات، شملت شخصيات قيادية “مهمة” في “سيريَتل”، خاصة في أقسام المالية والمحاسبة.

وشملت قائمة الذين داهمت مخابرات نظام الأسد منازلهم، نحو الساعة الثانية فجراً، كل من المدراء التنفيذيين في الشركة؛ سهيل صهيوني، مدير الموارد البشرية، وبشر مهنا، مدير العلاقات الحكومية(ويشغل مناصب أخرى)، وبسام حتاملة(أردني)، المدير المالي العام.

إلى ذلك، شملت حملة المداهمات والاعتقالات، مدراء “كبار” في قسمي المحاسبة والمالية، بينهم محمد دوماني، ورضوان حداد، إضافة لمدير قسم الإعلام في الشركة، وهو علاء سلمور.

واعتبر المدير السابق بالشركة، وطلب عدم ذكر اسمه، أن “الذين أعرفهم، و تم اعتقالهم من بيوتهم ليلاً، لا ناقة لهم ولا جمل بكل الخلافات الحاصلة بين أركان النظام..هم موظفون يعملون بخبراتهم ومهاراتهم”، مؤكداً أن “حملة الاعتقالات شملت مدراء وموظفين آخرين”.

و ظهَرَ رامي مخلوف، في تسجيلٍ مصور ثانٍ اليوم، تحدث فيه عن أن الضغوطات زادت بطريقة “غير مقبولة وبشكل غير إنساني”، وطُلِبَ منه الابتعاد عن الشركات وتنفيذ التعليمات و”لن أتنازل”.

وقال مخلوف، في التسجيل الذي وصلت مدته لعشر دقائق، إن “الأجهزة الأمنية بدأت تعتقل موظفي الشركات”، متسائلاً “هل أحد يتوقع أن تأتي الأجهزة الأمنية إلى شركات رامي مخلوف وتعتقل موظفين، بعد  ما كان مخلوف أكبر داعم لهذه الأجهزة وأكبر خادم لها وراعي لهم في أثناء الحرب”.

وبعد أن وصلت الأمور لـ”درجة مقرفة وخطرة”، كما قال مخلوف، فقد ناشد ابن عمته، رئيس النظام، بشار الأسد بالقول:”الأجهزة الأمنية بدأت تتعدى على حرية الناس ..هدول ناسك ..هدول موالين.. هم كانوا معك وما زالوا، ولا يجوز أن تسمح للآخرين بالتعدي عليهم”.

وأضاف مخلوف أن “الوضع صعب وخطر، وفي حال الاستمرار بهذه الحالة فإن وضع البلد سيكون صعباً، كونه يوجد منعطف خطير”، مخاطباً رئيس النظام:”أرجوك لا تصدق لهؤلاء، ولا تسمح باعتقال أناس خدموا الجيش والأمن والسوريين بكل أمانة وإخلاص، ثم تأتي وتقول يا رامي يجب أن تتنازل وإلا نعتقل كل جماعتك، هل تسمح لهم”.

ويوحي حديث مخلوف بالفيديو الجديد، أن لديه معلومات عن اعتقالات كثيرة، طالت مقربين ومساعدين له، فضلاً عن موظفين في شركات “سيرياتيل” و”راماك” وغيرها.

وكان مخلوف، الذي يوصف بأحد أكبر “حيتان الاقتصاد” في سورية، ظَهَرَ في تسجيل مصورٍ قبل يومين، عبر “فيسبوك”، و هو الأول من نوعه، مناشداً بشار الأسد، بالقول: “أريد أن أشرح لك عن المعاناة التي أمر بها، والمتعلقة بالشركات (..) أنا اليوم أدير عمل الشركات، وجاهز لفتح جميع الوثائق، ولن أكون عبئاً عليك”.

وأضاف مخاطباً ابن عمته بشار:”الوثائق موجودة.. أرسل من شئت لتدقيقها، ولكن أنا تعبت كتير من الطاقم الموجود، الذي يضعني في دائرة الاتهام، وأنني السيء”.

وكانت الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد في سورية، طالبت شركتي الاتصالات الخلوية “سيريتل” وMTN”، بدفع المبالغ المترتبة عليها، وحذرت من العواقب القانونية في حال التأخر بتسديد المبالغ لخزينة الدولة.

وقالت الهيئة إنها أبلغتهما بضرورة تسديد المبالغ المستحقة التي وصلت إلى 233.7 مليار ليرة سورية، قبل الخامس من مايو/ أيار الحالي.

ويعتبر مخلوف من أبرز رجال الأعمال في سورية، والمقربين من الدائرة الاقتصادية الضيقة والمتحكمة في الاقتصاد السوري.

وهاجمت تقارير إعلامية روسية، مخلوف، خلال الأسبوع الماضي، وقالت إنه يتحكم بـ60% من اقتصاد سورية.

————————————-

بوتين ..والأسد ومخلوف/ صالح القلاب

عندما يتولىّ الروس حملات الدهم والإعتقال للمدراء والعاملين في شركات رامي مخلوف إبنْ خال بشار الأسد فإن هذا يعني أن الحاكم الحقيقي والفعلي في “القطر العربي السوري”، حسب إصطلاح حزب البعث الذي لم يبق منه إلاّ ما يشبه “بقايا الوشم في ظاهر اليد” وأنه حسب التعبير المصري قد بات :”شاهد ما شافش حاجة” فعلاً، هو الرئيس فلاديمير بوتين وهذا بالتأكيد يُسْعد الشعب السوري ولا يغضبه طالما أنّه قد ذاق الأمرين خلال حكم إستبدادي بقي يجثم على صدر هذا البلد العظيم قرابة نصف قرن بأكمله.

ثم وإنّ دخول الروس على هذا الخط يُعْني أنهم لا يثقون لا ببشار الأسد ولا بإبن خاله وأنهم لا يشكون وفقط بل ويعتقدون إعتقاداً جازماً بأنّ هذا الخلاف وحتى إعتقال ثمانية وعشرين من مدراء وموظفي شركة “سيرياتيل” “المخلوفية” هو مجرد مسرحية متفق عليها وأنّ إمتصاص دماء السوريين قد إستمر كل هذه السنوات الطويلة وهذه مسألة ما كانت خافية على الشعب السوري الذي بات ثلاثة أرباعه خارج وطنهم ومشردين في كافة أرجاء الكرة الأرضية.

وهكذا فإنه يجب أنْ يقال للرئيس بوتين أنّ تدخلك قد جاء متأخراً وأنه حسب المثل الشعبي:”من ضرب ضرب ومن هرب هرب” وأنه لم يبق في بلدٍ كان: “يفيض عسلاً ولبناً” إلاّ الجلد والعظم وأنه بإمكانك أن تبحث عن أموال الشعب السوري المشبوهة في البنوك الروسية، وأيضاً في بنوك الغرب والشرق وكافة أرجاء الكرة الأرضية!!.

ولعل ما يجب أخذه بعين الإعتبار هو أن”الإشاعات” التي بات يطفح بها “القطر العربي السوري” تقول أنّ “فزعة” بوتين التي جاءت متأخرة جداًّ “ربما” أن هدفها الإستحواذ على شركات رامي مخلوف وإبن عمته وأهمها كما يقال شركة “سيرياتيل” التي أصبحت معظم أموالها في البنوك الخارجية وربما ..ربما من بينها البنوك الروسية التي لم تعد “سوفياتية” ولا هُمْ يحزنون وغدت محشوة بمليارات طباخ الرئيس الروسي من الدولارات وليس بالطبع من “الروبلات” التي كان عهدها الذهبي في عهد الإتحاد السوفياتي الذي لم يبق منه إلاّ صور لينين وخروتشوف وبالطبع وستالين التي يحتفظ بها بعض ما تبقى من “الرفاق الشيوعيين”!

ويقيناً، وفي النهاية، أنه إذا أراد بوتين أن “يبيض” صفحته وأنْ يظهر أنه أفضل من ستالين ولينين وأيضاً من ماركس بألف مرة أنْ يأخذ ببيت الشعر العربي القائل:

لا تقطعّن ذنب الأفعى وترسلها

إن كنت شهماً فأتبع رأسها الذنبا

—————————————–

========================

مقالات على صلة بموضوع رامي مخلوف

روسيا تريد الأسد فرخاً/ مهند الحاج علي

بالإمكان اليوم رسم خط مستقيم بين الإهانات الروسية للرئيس السوري بشار الأسد، انتهاء بالمقالات الروسية الأخيرة عنه وعن فساد العائلة والمسؤولين. هذه الإهانات المتتالية كقطار لا تنتهي مقطوراته، بدأت فصولها بحركة يد العسكري الروسي لدفع الأسد خلف “نظيره” الروسي فلاديمير بوتين في قاعدة “حميميم” في محافظة اللاذقية السورية في كانون الأول (ديسمبر) عام 2017. كانت تلك اللحظة تاريخية في رسم حجم الأسد على الأراضي السورية، في مقابل بوتين. لكن هذه المناسبة تحولت الى مسار بأسره، سيما مع إصرار الرئيس الروسي مطلع هذا العام على استقبال الأسد في مبنى السفارة الروسية في دمشق، وليس في مقر الرئاسة، وفقاً للبروتوكول.

محللون روس على علاقة بالكرملين رأوا حينها أن الإستقبال المهين لم يكن مؤشراً الى قناعة روسية بضرورة إبدال الأسد، بل كانت ضرورة “تأديبية”. هو صنف من لي الذراع. استدعى الرئيس الروسي رئيس سوريا الى غرفة في السفارة الروسية، وكأنه موظف فيها، لتذكيره بمن هو صاحب القرار الحقيقي، وبنوعية العلاقة الروسية-السورية. ليست العلاقة ندية، بل تبعية، وبالتالي فإن من الضروري الامتثال للسياسة الروسية في المحطات المفصلية.

كانت هذه الرسالة الروسية حينها، ولم تكن في طياتها إشارة إلى جدية في اطاحة الأسد وإبداله بشخصية أخرى، لأن من شأن ذلك نسف النظام بأسره ومعه الاستثمار الروسي فيه. لكن موسكو ترغب في المضي قدماً في العملية السياسية وجذب استثمارات عربية وربما أوروبية لتمويل إعادة الاعمار، بما يعود بالفائدة على الشركات الروسية. لذا ترتكز السياسة الروسية على إعادة لحمة العلاقات السورية-العربية، والتخفيف من وطأة النشاط الإيراني على الأراضي السورية، والاحتكاك مع إسرائيل عليها.

رغم حلفهما الموضعي عسكرياً، تسير روسيا وإيران في مسارين منفصلين حيال سوريا. موسكو تريد انهاء الحرب باتفاق سياسي يُرضي الجانب التركي، ومن ورائه العالم العربي وبعض أوروبا، والى حد أقل القوى الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة. لكم مثل هذا الاتفاق يحتاج الى تعديل دستوري يُوزع صلاحيات السلطة المركزية، وينقل بعضها من الرئاسة الى رئاسة الحكومة. لا يُمانع بوتين ممارسات الأسد من قصف للمدنيين والمستشفيات واستخدام للأسلحة المحظورة وسجن المعارضين وتعذيبهم واغتيالهم. بالعكس، مثل هذه الممارسات تُقرب بين الزعيمين ورصيدهما المشترك ولا تُبعد بينهما. لكن الفارق الوحيد هنا هو الليونة. ذلك أن بوتين نفسه لم يُمانع توزيع الأدوار بينه وبين ديمتري مدفديف لسنوات عديدة، بل لعب هذا الدور بإتقان واستمر فيه للإيحاء باحترام الدستور وبتبادل للسلطة.

في المقابل، لا يملك النظام السوري سلاح المناورة في هذا المجال. وهنا تبرز هوة سحيقة بين الرجلين. ليس بشار أصيلاً في منصبه، ولا حتى بالوراثة، بل هبط عليه بفعل حادث سيارة على طريق مطار دمشق قبل 26 عاماً. وبوتين المخضرم الذي سلك دروباً موحلة في الأمن والسياسة، يفقد صبره مع الأسد بعد خمس سنوات على التدخل الروسي. لهذا يلجأ الى وسائل غير تقليدية تتأرجح الى الآن بين الإهانة البروتوكولية والتوبيخ العلني.

مصدر آخر لإزعاج موسكو هو لجوء بشار الأسد الى حيل قديمة في كتب السياسة مثل اللعب على حبل التوازن الإيراني-الروسي الذي لم يعد مفيداً اليوم مع انتهاء الأعمال الحربية ووصولها الى الحد الأقصى المسموح به تركياً وأميركياً. وهذه الحركات البهلوانية استُهلكت، ولا يبدو أن لدى روسيا الغارقة في أزمتين صحية في ظل تفشي الكورونا (كوفيد-19) ومالية مع العقوبات وانهيار أسعار النفط، ترف الانتظار. تحتاج روسيا الى الخروج من أسر العقوبات، وبناء شبكة علاقات خارجية تُساعدها على تخطي محنتها المالية والاقتصادية التي قد تتحول الى تهديد وجودي لسلطة بوتين وإرثه السياسي.

لذا علينا قراءة الانتقادات الموجهة وغير الاعتيادية للرئيس الأسد مع أخذ عامل الزمن والأزمة في الاعتبار، لأن الدول الشمولية لا تفتح عادة نار الانتقادات على حليف لها في الإعلام. هذا سلاح غير عادي لزمن صعب. وبوتين الذي اغتال خصوماً ومنشقين بالسموم النووية والسيارات المفخخة، لن يرتدع عن التصعيد لو اقتضى الأمر. قد تكون هذه الانتقادات بمثابة نداء أخير للأسد: إمّا أن تتحول الى فرخ مطيع وحصري لدى رئيس الكرملين، وليس بالشراكة مع ايران، أو قد تُفاجئه روسيا بأسلحة أخرى في جعبتها.

المدن

————————————-

مخرج بوتين الوحيد/ يحيى العريضي

أنكَر الروس باستمرار أنهم في سوريا لحماية الأسد، ودأبوا على القول بأن هدفهم محاربة الإرهاب، وغايتهم “حماية الدولة السورية”؛وعندما كان يُقال لهم إن هاجسهم الأسد الذي يحمي مطامعهم، كانوا ينفون ذلك؛ حتى عندماوصل الأمر بالبعض لاعتبار أن “شمس الحل في سوريا تشرق من موسكو”، قالوا إن الحل سوري-سوري، وتملصوا من مسؤولية مايفعلون.

إذا كانت مكونات الدولة، التي يصرُّالروس على أنهم حريصون عليها، تتكون – كماهو متعارف عليه- من {شعب} تجمعه آمال وآلام ولغة وأرض وجملة من الأهداف المشتركة…، و- من {أرض} آمنة محميّة لكل أهلها، و- من{سيادة} وطنية مصانة؛ فأياً من هذه المكونات أو الركائز حرصت روسيا عليها؟  لا بد من الإقرار بأنه إذا كان ذلك قد تحقق في سوريا، فيكونون على حق؛ وإن لم يتحقق، فعليهم أن يقبلوا بأن تواجدهم في سوريا كان احتلالاً (أو على الأقل انتداباً) غايته تحقيق مصالحهم متخذين من السلطة الأسدية ما يشبه “حكومة فيشي”، كي ينفّذوا مآربهم؛ وبذا عليهم  تحمل تبعات الاحتلال بكل مسؤولياته تجاه المناطق المحتلة ومن عليها، أو أن يخرجوا، ويتركوا السوريين يتدبروا أمورهم بأنفسهم.

لننظر بداية في القضايا التي كان لا بد أن تصونها روسيا، بناءً على تصريحاتها، بأنها في سوريا “لحمايةً الدولة السورية”؛ فنجد أن السوريين لم يتبعثروا، ولم يُهانوا، ولم يطالهم الوجع والعوز وغياب الأمن والأمان، كما هوحالهم الآن؛  وأن الأرض السورية لم تُستَبَح بقدر ما استبيحت من قبل دول وميليشيات وأفراد في هذه الفترة؛ وأن “السيادة السورية” لم تُنتًهًك بقدر ما انتُهكت بالعهد الروسي- ليس من قِبَل تلك القوى، بل من روسيا ذاتها: فما معنى أن الروسي يدخل، ويخرج، ويأمر،ويوقّع، ويعيّن، ويزيح، ويعزل ما ومن يريد، دون أي اعتبار للسيادة السورية؟! أو عندما تستدعي روسيا “رئيس السيادة” بطائرة شحن، لتلتقيه كأي شخص عادي، فهل هناك ماتبقى من سيادة؟!

إذا كانت روسيا لم تكفكف دموع أُمٍ سوريةٍ ثَكَلَت ابنها الذي قضى في معتقلات”الدولة” التي تحرص عليها، ولا أنجدت سوريةً يدنس شرفها الميليشيات التي تتحالف معها؛ وإذا كانت قد استخدمت قوة “الفيتو” لحرمان شعب هذه الدولة من العدالة والإنصاف، حتى عندما استخدم حليفها السلاح الكيماوي ضد شعبه؛ وإذا كانت هي ذاتها ساهمت بتدمير آلاف المباني وقتل الآلاف من هذا الشعب وتشريده؛ فكيف تكون حريصة على الدولة السورية؟!

من السذاجة اعتبار روسيا غافلة عن كل ذلك، ولكنها ربما اعتقدت بأن تزوير الحقائق، وتزييف الوقائع، والمكابرة قد يجعلها تتفلت من هكذا مسؤوليات. المفارقة، أن المستفيد الأساسي من تدخلها، والذي راهنت عليه في نجاح مقاربتها البائسة للقضية السورية، هو ذاته يخذلها؛ أحياناً مختاراً، عندما يحاول اللعب على المتناقضات، وأحياناً خارج إرادته، عندما يفشل في إدارة الفساد، ويرضخ للابتزازات الإيرانية، والميليشياوية، وتورمات مراكز القوى العائلية حوله (فهل يغفل السوري عن حوت المال القديم رامي مخلوف، والحوت الجديد أسماء بظهيرها البريطاني وتناقضاتهما وانفضاحهما أو مسرحياتهما التي لن ترمم ما ينهار)؟!.

أمام كل ذلك الفشل الذاتي والموضوعي؛وبعد أن اعتقد السيد بوتين أن القفز إلى الغنيمة السورية قد يخفف ملفاتها الثقيلة في القرم وأوكرانيا وجورجيا، وفي ظل اقتصاد روسي مهترئ، ومقاطعة غربية موجعة، وإغراء تركي ثمين، وتدهور في أسعار النفط، وكساد في أسلحة ارتكبت روسيا أبشع الجرائم لاستعراضها وتسويقها؛ وأمام داخل روسي يتململ؛ لا بد أن بوتين- التكتيكي المتألق- قد قرر إعادة حساباته؛ وربما على رأسها وقف الاستنزاف السوري، الذي ربما قد يسحب قدمه إلى ما يشبه المغطس الأفغاني.

ولكن، إذا كان بوتين يعتقد أنه قد حقق حلم القياصرة بالوصول إلى المياه الدافئة في المتوسط، وأنه يعوّل على سلطة عميلة له في دمشق تكفل سلامته من السواد الأعظم من السوريين؛ وإذا استمر ببهلوانياته من خلال شن حملة إعلامية روسية تظهر فساد سلطة دمشق وعجزها بدايةً، ومن ثم إعطاء أوامره لتلك السلطة  في سوريا لاتخاذ إجراءات توهم السوريين وغيرهم بأن سلطة دمشق قوية وقادرة على قمع الفساد بادئة برأسه الأكبر رامي مخلوف، وستنتقل إلى مفسدين آخرين ربما زوجة الرئيس أو  أخيه ومن تحت حمايتهم مروراً ببعض مراكز قوى لإيران، بغاية إظهار رأس السلطة في وقت قادم كمخلِّص قوي نزيه جاهز لاستحقاق الانتخابات الرئاسية القادمة؛ فأنه بذا يثبّت على نفسه أولاً بأنه في سوريا لحماية الأسد حصراً، لاعتقاده الراسخ بأنه الوحيد الذي يحمي له مصالحه ومصالح روسيا في سوريا، وثانياً، سنراه يغوص في أخطائه أكثر. فذكاء بوتين لا بد يدلّه على أن السلطات العميلة أعجز من أن تحمي أسيادها، و لا بد لذاكرته أن تسعفه فيما إذا استطاعت حكومة”بابراك كارمال ” أو “حفيظ الله أمين ” العميلتين من حماية الجنود السوفييت من غضب المواطن الأفغاني العادي، ولا بد أنه يعرف بأن السوريين قد يعفوا ولكن لن ينسوا الفظائع التي ارتكبها الروس بطائراتهم وأسلحتهم ضد الأطفال والنساء والمدنيين؛ويدرك أيضاً أن السوريين وغيرهم يعرفون بأن الفساد والعجز والخلل والخراب في الرأس الأكبر و بمنظومته حصراً.

بوتين أمام اللحظة الحاسمة؛ إما أن يكون في سوريا سلطة انتداب تنغصها دولياً إيران وأمريكا وإسرائيل وتركيا، ونظام يلاحقه الكيماوي وقيصر والفشل والفساد والوهن والنقمة، وشعب سوري لن يسكت على الظلم والاستبداد؛ أو العودة إلى القرارات الدولية التي تنص على انتقال سياسي “بهيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات”، لا وجود فيها لمنتسب أصلاً بكل هذا الوباء. صحيح “إن الخطايا القديمة لها ظلال طويلة، كما تقول الكاتبة البريطانية “أغاثا كريستي”، ولكن الرأي الصائب في اللحظة الحاسمة هو الذي يجعل المرء يتعظ من تجاربه وتجارب الآخرين السابقة.

ملحوظة لاحقة: إن التسجيل الأخير لرامي مخلوف يجعل أي لعبة روسية في تقديم الأسد كمخلّص شبه مستحيلة. ويبقى أمامه المخرج الوحيد: انتقال سياسي دون مَن تسبب بالوباء. هكذا يريح ويستريح.

تلفزيون سوريا

—————————-

بوتين يريد لململة المغامرة.. و صبره ينفد مع الأسد

ذكرت وكالة “بلومبرغ” أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدأ ينفذ صبره مع “حليفه” رئيس النظام السوري بشار الأسد، الذي “لا يبرهن على امتنانه لموسكو لبقائه في السلطة كما يحتاجه زعيم الكرملين”.

وقالت في تقرير بعنوان “بوتين يعاني من صداع سوريا والكرملين يلوم الأسد”، إن الرئيس الروسي يواجه معضلة مزدوجة، من ناحية انهيار أسعار النفط ومواجهة فيروس كورونا، ومن ناحية أخرى يريد لململة المغامرة العسكرية في سوريا واعلان النصر.

وأضافت الوكالة الأميركية أن بوتين يصرّ على أن يظهر الأسد المزيد من المرونة في المحادثات مع المعارضة السورية بشأن التسوية السياسية وإنهاء الحرب التي قاربت على عقد من الزمان.

وتسبب رفض الأسد في التنازل عن السلطة مقابل اعتراف دولي أكبر وحتى مقابل ربما مليارات الدولارات من مساعدات إعادة الإعمار انتقاداً عاماً نادراً ضده هذا الشهر من خلال منشورات روسية لها روابط مع بوتين.

وقال الديبلوماسي الروسي السابق الذي يدير مركز أوروبا والشرق الأوسط الممول من الدولة في موسكو ألكسندر شوميلين “يحتاج الكرملين إلى التخلص من الصداع السوري، المشكلة تكمن في شخص واحد هو الأسد وحاشيته”.

غضب بوتين وغموض الأسد يسلطان الضوء على معضلة روسيا الحالية، وهي أنه لا يوجد بديل للأسد في التوصل إلى إتفاق، بعد أن استغل كلّاً من موسكو وطهران للبقاء في السلطة كما استفاد من القوة العسكرية والديبلوماسية الروسية ضد جهود تركيا لتوسيع وجودها في المناطق المتبقية التي يسيطر عليها المعارضون في شمال سوريا بينما يسعى لاستعادة السيطرة على البلاد بأكملها بدعم من بوتين.

على المستوى الروسي الرسمي، نفى المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن بوتين غير راضٍ عن الأسد لرفضه التسوية مع المعارضة السورية خلال المفاوضات.

وأشارت الوكالة إلى أن روسيا كانت تضغط ومن خلف الكواليس على الأسد، للموافقة على بعض التنازلات السياسية الرمزية على الأقل لكسب تأييد الأمم المتحدة لإعادة انتخابه في عام 2021، لكن من دون جدوى.

واليوم، تُعتبر سياسة الإنتقاد العلني من خلال الصحافة المُقربة من الرئاسة تحولا حاداً في النهج الروسي مع الأسد. فقد نشرت إحدى وسائل الإعلام المرتبطة بيفعيني بريغوجين المعروف باسم “طباخ بوتين” مقالاً عبر الإنترنت يهاجم الأسد باعتباره فاسداً.

كما أشار إلى استطلاع يظهر أنه حصل على دعم 32 في المئة فقط، بينما أدرج عدداً من البدائل المحتملة من داخل النظام السوري والمعارضة، لكن المقال اختفى عن موقع وكالة الأنباء الفيدرالية في وقت لاحق.

بعد أيام نشر مجلس الشؤون الدولية الروسية ـ وهو مركز أبحاث للسياسة الخارجية أنشأه الكرملين، تعليقاً ينتقد الحكومة في دمشق باعتبارها تفتقر إلى “نهج بعيد النظر ومرن” لإنهاء الصراع.

وقال الديبلوماسي الروسي السابق ونائب رئيس المجلس ألكسندر أكسينيونوك أنه “إذا رفض الأسد دستوراً جديداً، فإن النظام السوري يعرض نفسه لخطر كبير”. وأضاف أن “المحادثات التي تقودها الأمم المتحدة في جنيف بشأن إعادة صياغة الدستور السوري لإدخال بعض المنافسة السياسية بدأت أخيراً في أواخر العام الماضي، لكنها أصبحت على الفور في طريق مسدود عندما قام الجانب الحكومي بتخريبها عمداً”.

وأكد شخص مقرب من الكرملين أن ما نشر في الموقعين هو رسالة قوية للقيادة السورية، كما قال شخص مقرب من القيادة الروسية إن الرئيس الروسي ينظر للأسد ك”شخص عنيد ويمثل خيبة أمل له”، ولذلك استخدم موقعاً مرتبطاً ب”طباخ بوتين” لتوصيل الرسالة.

وفي 20 كانون الأول/ديسمبر الماضي، قال مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا، غير بيدرسون، لمجلس الأمن، إن الجولة الثانية من المفاوضات فشلت في الانطلاق لأن معارضي الأسد أرادوا مناقشة المسائل الدستورية وهو ما رفضته الحكومة السورية.

وقال ديبلوماسي مُراقب للشأن السوري، إن تحذيرات موسكو تعكس حالة الإحباط بين رجال الأعمال الروس الذين فشلوا بالحصول على عقود تجارية بسوريا.

وأضاف الديبلوماسي أن روسيا تدرك أيضاً مدى صعوبة الوضع في البلاد، مع فشل الأسد في توفير السلع الأساسية بسبب جائحة فيروس كورونا ومشكلة الشبكات الفاسدة التي تخاطر بالتسبب بنوع من المعارضة في مناطق معينة في المستقبل.

بدوره قال مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية جوست

هيلترمان: “الأسد كان دائماً عنيداً في مواجهة الضغط الروسي لأنه يعرف أن سوريا أكبر من أن تفشل بالنسبة لروسيا”.

وأضاف “يبدو أن الحملة الإعلامية الروسية غير المسبوقة ضد الأسد والتي تتم بموافقة الحكومة، تعكس مدى حالة الإحباط في موسكو في الوقت الذي تكون فيه سوريا أقل اهتماماً”.

ورأت الخبيرة بمعهد الاقتصاد العالمي والشؤون الدولية إيرينا زفاسليسكايا إن روسيا لديها قاعدة عسكرية بحرية وأرسلت قواتها لحراسة المناطق السابقة للمعارضة والطرق الرئيسية ولديها نفوذ ولكنها ستخاطر كثيراً لو حاولت الإطاحة بالأسد.

ولفتت الوكالة إلى أن العقدة بوجه الجهود الروسية لإقناع الرئيس السوري بالامتثال للطلبات الروسية ليست فقط إيران، التي دعمت الأسد بالمال والنفط والقوات لضمان بقاء سوريا ممراً لإمدادات الأسلحة إلى حليفها “حزب الله”، بل أيضًا في الإمارات العربية المتحدة.

وقالت إن الإمارات العربية المتحدة حريصة على موازنة النفوذ الإيراني والتركي في سوريا،  وهي “خدعت الأسد بعد سنوات من معاملته على أنه منبوذ إلى جانب القوة الإقليمية السعودية ثم أعادت فتح سفارتها في دمشق في نهاية 2018 وترَوج للعلاقات التجارية”.

وأضافت زفاسليسكايا “توصلت العديد من الدول العربية إلى نتيجة مفادها أن الأسد سيبقى.. إنهم مضطرون للتعامل معه”.

————————————

نظام الأسد محاصر بين “قانون قيصر” والضغوط الروسية والخلافات/ عماد كركص

جاء تصريح المبعوث الأميركي إلى سورية جيمس جيفري، الجمعة الماضي، بدخول “قانون قيصر” حيز التنفيذ في يونيو/حزيران المقبل، ليزيد الضغوط على النظام السوري، التي تأتي أيضاً من قبل حلفائه الروس، عبر تلويح وسائل إعلام مقربة من دائرة صنع القرار بعدم صلاحية بشار الأسد كرئيس خلال المرحلة المقبلة، والتلميح إلى إمكانية توصل موسكو وواشنطن إلى صيغة تفضي لتنحية الأسد، ربما للبدء بالتسوية السياسية والدخول في مرحلة انتقالية تنهي الحرب المستمرة.

يترافق ذلك مع تصاعد حدة الخلافات داخل النظام، والتي أخذت تطفو على السطح، لا سيما بعد ظهور واحد من أكبر الواجهات الاقتصادية للنظام السوري رامي مخلوف (ابن خال رأس النظام بشار الأسد) على مواقع التواصل الاجتماعي، ليكشف عن تراجع علاقته مع الأسد، ومحاصرته لتصفية شركاته، بحجج الضرائب والمستحقات المالية المترتبة عليها للدولة، في حين تفيد التسريبات المختلفة أن سبب هذا التباعد هو الدور الذي تلعبه أسماء الأسد، زوجة بشار، لجهة هيمنتها على مفاصل اقتصاد النظام لصالح عائلتها (الأخرس)، وإبعاد عائلة مخلوف التي اعتمد عليها الأسد والنظام طيلة عقود.

وخلال اجتماع عبر دائرة تلفزيونية نظمه “المجلس الأطلسي”، وشارك فيه مستشار الرئيس التركي إبراهيم قالن والسفير الأميركي في أنقرة ديفيد ساترفيلد، أكد جيفري أنه سيتم تفعيل قانون قيصر في يونيو المقبل، ما سيتيح ملاحقة الأفراد والكيانات التي تتعامل مع نظام الأسد. وأوضح أن “الإدارة الأميركية ستبدأ باستعمال قانون قيصر لملاحقة المتورطين مع النظام السوري”. وأشار إلى “مواصلة حملة الضغوط على النظام لجعله يقبل بالحل والتسوية، بما في ذلك استخدام قانون قيصر بقوة ضد حكومة النظام وضد من يدعمونه”، معرباً بذلك عن “قناعة واشنطن بإمكانية الوصول إلى حل سياسي بشرط واحد هو صمود وقف النار في إدلب”.

وأضاف جيفري: “نحن مسرورون لأن جيش النظام وحلفاءه الروس والإيرانيين أوقفوا العمليات العسكرية في إدلب، بعد العمليات التي قام بها الجيش التركي ووقف النار التركي – الروسي”. وطرح تساؤلاً عما إذا “كان النظام سيستأنف هجومه على إدلب لتحقيق انتصار عسكري، أم أن وقف إطلاق النار سيصمد، وسنتحرك في اتجاه حل سياسي للصراع عبر تنفيذ قرار مجلس الأمن 2254”. وأكد أن بلاده تدعم وقف إطلاق النار، معرباً عن رغبة واشنطن في “البناء على وقف إطلاق النار لحل النزاع، عبر دعم عمل اللجنة الدستورية لتمهيد الطريق لانتخابات جديدة بإشراف الأمم المتحدة”.

و”سيزر” أو “قيصر” هو الاسم الحركي لضابط منشق عن النظام السوري، كان قد سرب آلاف الصور للانتهاكات المرتكبة بحق المعتقلين في سجون ومعتقلات وأفرع أمن النظام، والذي صيغ القانون باسمه، تحت عنوان “قانون قيصر لحماية المدنيين في سورية لعام 2019”. وتعرّض القانون لعدد من التعديلات قبل التصويت عليه من قبل الكونغرس، كان آخرها في يونيو من العام الماضي، قبل تمريره في مجلسي الكونغرس والشيوخ، وتوقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عليه نهاية العام الماضي. وينص على فرض عقوبات على الأجانب المتورطين ببعض المعاملات المالية، أو التقنية، مع مؤسسات “الحكومة السورية”، والمتعاقدين العسكريين والمرتزقة الذين يحاربون بالنيابة عن النظام السوري أو روسيا أو إيران، أو أي شخص فُرضت عليه العقوبات الخاصة بسورية قبلاً، وكل من يقدّم الدعم المالي أو التقني أو المعلومات التي تساعد على إصلاح أو توسعة الإنتاج المحلي لسورية من الغاز والنفط أو مشتقاته، ومن يقدّم الطائرات أو قطعها، أو الخدمات المرتبطة بالطيران لأهداف عسكرية في سورية.

كما يفرض عقوبات على المسؤولين لجهة انتهاكات حقوق الإنسان ضد المدنيين أو أفراد عائلاتهم. وحدد مجموعة من الشخصيات المُقترح أن تشملهم العقوبات، بينهم رئيس النظام السوري، ورئيس الوزراء ونائبه، وقادة القوات المسلحة، البرية والبحرية والاستخبارات، والمسؤولون في وزارة الداخلية من إدارة الأمن السياسي والمخابرات والشرطة، فضلاً عن قادة الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، والمسؤولين عن السجون التي يسيطر عليها النظام، ورؤساء الفروع الأمنية. ويستثني القانون المنظمات غير الحكومية التي تقدّم المساعدات في سورية. وعلى الرغم من اللهجة القاسية للمشروع، فإنه يترك الباب مفتوحاً للحل الدبلوماسي، فهو يسمح للرئيس الأميركي برفع هذه العقوبات في حال لمس جدية في التفاوض من قبل نظام الأسد، بشرط وقف الدعم العسكري الروسي والإيراني له. كما يمكّن الرئيس الأميركي من رفع العقوبات لأسباب تتعلق بالأمن القومي الأميركي.

وحول تداعيات دخول القانون حيز التنفيذ على بنية النظام الاقتصادية، أشار رئيس “مجموعة عمل اقتصاد سورية” الاقتصادي السوري أسامة القاضي، إلى أن “مصرف سورية المركزي سيكون مشمولاً بالحصار الاقتصادي مع تطبيق القانون، وهذا معناه شلله تماماً، وبالتالي فإن عليه التعامل بأي عملة أخرى غير الدولار وربما اليورو، ما سيسبب إرباكاً كبيراً للنظام”. وأضاف “من جهة أخرى يهدد القانون أي جهة (كيان أو فرد) تتعامل مع النظام، ويعني ذلك أن أي شركة تريد أن تدخل إلى السوق السورية ستتعرض للعقوبات، وليس من مصلحة أي شركة تجميد أصولها في كل بلاد العالم وخسارة الأسواق الأوروبية والأميركية، في حال أقدمت على ذلك”. وأوضح القاضي، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن “من مميزات القانون أنه حدد سياسة الولايات المتحدة تجاه القضية السورية بشكل قانوني، تشريعي، بقانون مُلزم لكل رئيس يأتي بعد ترامب، ولن يسقط القانون ما لم يكن هناك حل سياسي كامل”. وأضاف “هذا قد يدفع النظام إلى حسم أمره قبل دخول القانون حيز التنفيذ، أو يكون محفزاً للقوات الروسية في سورية لاتخاذ إجراءات تجاه النظام قبل التاريخ المحدد (يونيو) للمضي إلى حل سياسي، وتستطيع بذلك دول العالم الدخول إلى سورية لإعادة الإعمار. فمن دون الحل لا يمكن أن يكون هناك إعادة إعمار من قبل حلفاء النظام الذين سيستهدفهم القانون بالعقوبات”.

من جهة أخرى، أصدر “المجلس الروسي للشؤون الدولية” تحليلاً، أخيراً، عن السيناريو المستقبلي للأوضاع في سورية، توقع فيه توافقاً تركياً أميركياً روسياً إيرانياً على تنحية بشار الأسد ووقف إطلاق النار، مقابل تشكيل حكومة انتقالية تشمل المعارضة والنظام و”قوات سورية الديمقراطية” (قسد). وجاء في التحليل، الذي نقلته وكالة “الأناضول”، أن “منظمة روسية، تطلق على نفسها اسم صندوق حماية القيم الوطنية، وهي مقربة من الأجهزة الأمنية ومكتب الرئيس فلاديمير بوتين، تجري استطلاعاً للرأي العام في سورية. وبغض النظر عن مطابقة الاستطلاع للمعايير المهنية من عدمه، فإن الرسالة السياسية من إعلانه، والتي تضمنتها نتائجه، كانت غاية في الوضوح: الشعب السوري لا يريد الأسد”. وأضاف التحليل أن موسكو حرصت منذ بداية تدخلها العسكري في سورية، على الابتعاد عن تصوير نفسها مدافعة عن مصير الأسد. وخلص إلى أن “روسيا تبدو في الآونة الأخيرة أكثر جدية في إحداث تغيير في رأس النظام السوري، لأسباب عديدة، ليس أولها أن الاحتفاظ بورقة الأسد بات يثقل كاهل موسكو”، مشيراً إلى أن من بين الأسباب “تحول النظام من مؤسسات دولة تتبع لجهاز مركزي، إلى مؤسسات مرتبطة بمليشيات تديرها دول وقوى خارجية، ولا تتلقى أوامرها حتى من بشار الأسد نفسه، الذي بات خاضعاً في قراراته لابتزاز تلك المليشيات”.

وحول ذلك، أعرب الباحث المطلع على الشأن الروسي، محمود حمزة، عن قناعته بأن الروس سيتخلون عن الأسد، لكن المسألة في اختيار التوقيت. وأضاف، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن “الروس لا يستطيعون التخلي عن الأسد في المرحلة الانتقالية، وهي مرحلة حرجة، لأنهم يخشون خسارة كل مصالحهم في سورية. والروس غير متمسكين بأشخاص، فالأهمية بالنسبة إليهم في هذا الإطار أن يأتي إلى الحكم من يعتبرونه حليفاً لهم، ولذلك تمسكوا بالأسد خلال الفترة الماضية والحالية، كون مصالحهم مرتبطة به، لكن في المستقبل فإن من الواضح أن الأسد سيشكل خطراً على المصالح الروسية، لإن بقاءه يعني عدم الاستقرار في سورية”. واعتبر حمزة أن “الروس والأميركيين يحضّرون البدائل، وسيكشف عام 2021 ذلك، فمن المتوقع أن تخرج واشنطن بمبادرة في هذا الإطار”.

وأضاف “نرى الآن أن قانون قيصر والتصريحات الأميركية تصب في هذا الاتجاه، أي أن هناك مرحلة جديدة آتية، فالقانون عامل ضغط كبير على النظام وحلفائه، وبالذات روسيا وإيران، وبالتالي يجب الإدراك أن الأمور أخذت حيزاً جدياً. ولا شك أن القانون سيدفع باتجاه حل سياسي معين، طبعاً هو وغيره من الأوراق، كتقرير منظمة الأسلحة الكيميائية، بالإضافة للعقوبات على موسكو، وتردي الوضع الاقتصادي الروسي بعد تدهور أسعار النفط، والعديد من العوامل الداخلية الروسية، في مقدمتها تدهور الروبل، وكلها تدفع بهذا الاتجاه”. وتابع “كما أن الروس لم يعد من مصلحتهم الدخول في معارك وأعمال عسكرية، ويرون الآن أن من المجدي الاتجاه نحو الخيارات السياسية، التي تجني لهم الأرباح، فهم بحاجة للمال، ولا شك أن لديهم تفاهمات بهذا الخصوص ستظهر إلى العلن في الأشهر المقبلة”.

وحول ما إذا أرادت موسكو الالتفاف على “قانون قيصر”، لجهة تقديم دعم للنظام عبر “بوابة خلفية”، أوضح حمزة أن “روسيا ليس باستطاعتها ذلك، فالقانون أقره الكونغرس ووقّعه الرئيس الأميركي، والعقوبات الأميركية تلاحق روسيا وستلاحق النظام بعد دخول القانون حيز التنفيذ، ولن يستطيع أحد التحايل عليه”. وتطرق إلى الضغوط الإعلامية الروسية على الأسد، مشيراً إلى أنها تأتي “ضمن الضغط على الأسد لجهة النيل من مقربيه، مثل رامي مخلوف وشقيقه ماهر، بالإضافة للإشارة إلى فساد بشار الأسد ونظامه. ويمكن القول إن الحملة الإعلامية فتحت النار على كافة مفاصل النظام، وهذا لم يحدث صدفة، وإنما بضوء أخضر من السلطة في موسكو، ولو كان بغطاء غير رسمي. لكن حجم الحملة الواسع يُظهر أنها ممنهجة ومقصودة وتحمل رسائل، منها التبرؤ من فساد هذا النظام، وأيضاً الإيحاء بإمكانية التخلي عنه مقابل ثمن سيتم التفاوض عليه”.

العربي الجديد

—————————————–

============================

===========================

تحديث 06 أيار 2020

—————————–

هذا ما انتصر بهزيمة الثورة السورية/ حازم صاغية

صحيح أن الثورة السورية هُزمت؛ لكن ما الذي انتصر؟

أخبار الأسابيع القليلة الماضية متخمة بالأحداث والمعاني التي يمكن إدراجها تحت عنوان كبير: العائلة. والعائلة اليوم تستفرغ إنجازاتها فوق الوطن. هذا هو الجواب عن السؤال أعلاه.

لكنْ قبل استعراض بعض ما حدث، وما زال يحدث، لا بأس بشيء من التذكير بماضي العائلة والقرابات في النظام السوري، للقول إن هذه السمة جوهرية في النظام. إنها النظام.

فإبَّان صراع حافظ وشقيقه رفعت، مطالع الثمانينات، وكان مرض الأول قد فتح معركة الوراثة، وُضعت سوريا بأسرها أمام احتمال حرب أهلية. لكننا، في تلك الغضون، بِتنا مُلمِّين بأسماء أبناء وبنات حافظ ورفعت وشقيقهما الثالث جميل، ومن صاهروا ومن صاهرهم. صرنا نعرف كثيراً عن أذواقهم وطباعهم وأخلاقهم، فضلاً عن العلاقة بينهم، وبينهم وبين أصهارهم أيضاً. صرنا على بينة من الموقع الذي يحتله كل منهم في سلم الرضا والتقريب والتبعيد الذي تمنحه والدة حافظ، ناعسة، ثم زوجته، أنيسة، وموقف الأقرباء اللزاميين حيال كل واحد منهم.

إبَّان الثورة، مع مقتل الصهر آصف شوكت، عادت هذه الأخبار إلى الواجهة. مَن قتل آصف شوكت؟ (مَن يتذكر: من أطلق النار على جي آر؟). ما علاقة بشرى، الأخت، بالزوجة، أسماء؟ وما علاقة أنيسة بالاثنتين؟ وبين شهر وآخر، كانت تهاجمنا الشائعات فيما خص ماهر الذي «يُجرح» أو «يُقتل» أو «يتهيأ للوراثة»، ودائماً يظهر في العائلة من يحبذ هذا على ذاك أو العكس.

على نطاق أضيق، تكرر شيء من هذا حين تباينت مواقف عائلتي الأسد وطلاس. ذاك أن صلة حافظ بمصطفى طلاس كادت تكون عائلية؛ فضلاً عن الحزب الواحد والشراكة في عدد من المؤامرات وفي السلطة، وفي الثروة، كانت الأمثلة تُضرب بصداقتهما. أبناء «سيادة الرئيس» و«السيد وزير الدفاع» ربطتهم علاقات حميمة لم تستثن البيوت والمدارس وأمكنة اللهو.

لكنْ بالطبع، ظلت القصة الأشهر والأكثر ديمومة قصة العلاقة بين عائلتي الأسد ومخلوف، منذ اقتران حافظ بأنيسة. زواجهما لم يكن مجرد زواج: لقد طال الترقي الاجتماعي الذي حل على العريس تبعاً لمصاهرته عائلة أعلى كعباً، وطالت شظايا الزواج علاقة حزبي البعث (الأسد) والسوري القومي (مخلوف). ولم تنجُ القيم من تداعيات الزواج؛ ذاك أن «الوفاء» يقتضي رد الدَّين لمحمد مخلوف، شقيق أنيسة وحبيب قلبها. محمد صار مليونيراً.

هذا العفن هو بالضبط، وليس هزيمة الإمبريالية الأميركية، ما انتصر.

اليوم يسجل هذا العفن نصراً جديداً نقله إلى العلن شريطا فيديو بثهما ابن الخال، رامي، عن ابن العمة، بشار، بعد أيام على انكشاف خبر اللوحة التي اشتراها الأخير لزوجته مقابل ثلاثين مليون دولار.

وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لم تترك مكاناً للحيرة بشأن هذا «العلم» وأبطاله وتفاصيله. وقد لا تكون كل المادة المتوفرة دقيقة بالضرورة؛ لكن المناخ دقيق. تردد – مثلاً – أن محمد، خال بشار ووالد رامي، فر إلى روسيا، وأن ابنه، إيهاب، أقيل من مناصبه. وبحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، اعتُقل 28 من مديري شركات مخلوف. شقيق رامي، ضابط المخابرات وصاحب اليد الغليظة حافظ مخلوف، لم يُسمع عنه شيء؛ لكن أخباره لن تتأخر.

تردد أيضاً أن أسماء، الزوجة، هي التي تشرف على لجنة الاقتصاص من آل مخلوف ونفوذهم، وأنها ترشح ابن خالتها المدعو مهند دباغ للحلول محلهم (يبدو أن شيئاً من جيانغ كوينغ، زوجة ماو تسي تونغ، يختبئ في أسماء).

كذلك تردد، في معرض التداعيات الزلزالية للحدث، أن مشروع زواج بين محمد، نجل رامي، وابنة الشقيقة بشرى، قد أُحبط. بعض المصادر تحدثت كذلك عن السماح لبعض أبناء رفعت، المعروفين بالعداء لآل مخلوف، بالعودة وإقامة مشروعات تجارية في سوريا (وإلا ماذا يفعلون؟!).

المعركة التي سيعاد بموجبها ترسيم الحصص وتوزيعها، لا تخلو من أسلحة ثقيلة. البعض يقول إن روسيا وإيران متورطتان فيها، ما يوحي بأن فروع العائلة وأجبابها ماضية في بناء سياساتها الخارجية وتوجهاتها الدبلوماسية. لكن المؤكد أن التسريب على أشده: فهناك من سرَّب خبر اللوحة المهداة من بشار إلى زوجته، ومن سرَّب، في المقابل، اتهام رامي بشحنة تهريب إلى مصر، ضبطتها السلطات المصرية التي وجدت المواد الممنوعة معبأة في علب حليب تنتجه شركة «ميلك مان» التي يملكها رامي نفسه.

في هذه الغضون، كانت أخبار عائلية أخرى تشغل بال المهتمين: غموض الوضع الصحي لكيم جونغ أون، واحتمالات الوراثة المطروحة هناك. وكما نعلم، ففضل النظام الكوري الشمالي على النظام السوري مزدوج: علَّمه التوريث الجمهوري بعدما أوحى له بفكرة «طلائع البعث».

لكنْ في تلك الغضون نفسها، وفي أول محاكمة من نوعها لجرائم الحرب في سوريا، كان ضابطان سوريان، أحدهما عمل تحت إمرة حافظ مخلوف، يمثلان أمام المحكمة العليا في ألمانيا، بينما الطائرات الإسرائيلية تتمادى في الأجواء السورية لا تردعها «هدنة كورونا».

لماذا كان ينبغي أن تنتصر الثورة؟ يُفترض أن أحداث الأسابيع القليلة الماضية توفر الجواب لمن لم يملك جواباً بعد.

الشرق الأوسط

————————–

مهزلة رامي مخلوف وبشار الأسد/ وائل السواح

كنّا في الحركة السياسية السورية نحار في توصيف نظام آل الأسد الحاكم في سورية. ولبرهة، وجدنا في مفهوم “البورجوازية البيروقراطية” مصطلحا مناسبا لوصف النظام السوري. ولكن هذا المفهوم الذي كان ممكنا في السنوات الأولى من حكم الأسد الأب بات غير واقعي حين أفلت الأسد عقال أقاربه وأنسبائه، وأباح لهم تحويل البلاد إلى مزرعةٍ مستباحة لهم. واقترح بعضنا مقاربة بين نظامي الأسد الأب ولويس بونابرت (نابليون الثالث) في فرنسا (1851 – 1970)، واستندنا إلى ذلك بمقالة كارل ماركس “برومير الثامن عشر الخاص بلويس بونابرت”، والتي ناقش فيها الانقلاب الفرنسي عام 1851 الذي استحوذ لويس نابليون بونابرت من خلاله على سلطات دكتاتورية، مستفيدا من التوازن بين شرائح البورجوازية الفرنسية وعدم وجود شريحة مهيمنة بينها. ولكن الشبه بين حافظ الأسد ولويس بونابرت معدوم تقريبا، فالأخير كان مسكونا بهاجس التقدّم وتحسين الأوضاع الاجتماعية في فرنسا، وهو، على الرغم من تفاهة شخصه، من قام بنهضة اقتصادية باهرة، وكلّف مجموعة من الاقتصاديين والسياسيين، في مقدمتهم الاقتصادي والمهندس وعالم الاجتماع، فريدريك لو بلاي، في تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي للبلد، وعينه مستشارا اقتصاديا للدولة، ما أسهم إلى حدّ كبير في نهضة اقتصادية للبلاد.

أحببناه أم لا، سيكون من الصعب ألا نقرّ بأن لويس بونابرت هو من جعل باريس المدينة التي نعرفها، فأعاد بناءها من ظلام العصور الوسطى وحوّلها إلى مدينة مخططة جديدة بأحدث التقنيات المتاحة آنذاك. وأنشأ العديد من الجادات الواسعة المحاطة بالأضواء والأشجار جنبًا إلى جنب مع المباني على طراز الفن الجديد (الآرت نوفو)، كجادة الشانزليزيه الشهيرة. واستخدم

أهم الفنانين والمعماريين، من مثل بارون هاوسمان، لتصميم الحدائق والمدارس ومحطات القطار والمراحيض العامة التي لا تزال تستخدم في باريس. وتم ترميم الكنائس التاريخية بأعمال يوجين ديلاكروا.

وحتى الشبه من حيث سياسة القمع بين الأسد الأب ولويس بونابرت يبدو هزيلا. وعلى الرغم من أن بونابرت قام بممارساتٍ قمعية واستبدادية، غير أنها وقفت عند حدود لم تتجاوز عزل معارضيه، وربما نفيهم، والرقابة على الصحافة، والتلاعب بالانتخابات البرلمانية وحرمان البرلمان من الحق في النقاش أو ممارسة أي نوع من السلطة، من دون أن تتطوّر إلى تعذيب خصومه وحبسهم عقودا وقتلهم وأخذ أهاليهم رهائن، كما فعل الأسد الأب ووريثه. ومع ذلك، فحتى لويس بونابرت نفسه قام بتخفيف هذه الضوابط بعد عدة أعوام، لتنتقل فرنسا إلى مرحلة “الإمبراطورية الليبرالية”.

شخصيا حرت كثيرا في توصيف نظام الأسديْن، وبخاصّة الأسد الأب، الذي كان يتمتّع بذكاء نادر وقدرة هائلة على المناورة، مع قدرٍ مريع من القسوة والوحشية جعلت كلّ السوريين في حالة خوف ورهبة دائميْن. ثمّ جاء الوريث الصغير، فتوضّحت الصورة أكثر.

لعلّ أقرب تشبيه لوصف عائلة الأسد هو البحث عن أوجه الشبه بين عائلته وعائلة دون كورليوني في رواية “العرّاب” لماريو بوزو. العرّاب، دون كورليوني، هو مهاجر إيطالي من أصل صقلي قام ببناء إمبراطورية الجريمة المنظمة في نيويورك. قاتلٌ بارد وزعيم عصابة، ولكنه يتمتّع بلطف بادِ، ويصفه مؤلّف الرواية نفسه بأنه “رجل لطيف، ذو جوهر وتقليد وكرامة وصقلي، رجل غريزي لا يخطئ”.

نظام عائلة الأسد نظام مافيوزي (نسبة للمافيا) بامتياز، ويتمتع بكل سماته المافيوزية، بأسلوبها الأخطبوطي متعدّد الأذرع، ونظامها العائلي الذي يقوم على سلطة الأب، ومن ثمّ من يخلفه، ثمّ يعزّز ذلك من خلال المصاهرة؛ أضف إلى ذلك الفقر إلى الثقافة والتعليم مع الحرص على شراء الشهادات العليا أو سرقتها، وبجذورها الفقيرة التي تعوّض عنها من خلال الإثراء السريع عبر النهب ومراكمة الثروات من خلال استغلال السلطة واحتقار سيادة القانون؛ والسلوك المعادي للمجتمع، وهي السمة التي توحّد تقريبا الشخصية المافيوزية، وتكمل العناصر الأساسية للعقلية المافيوزية.

مشكلة النظام المافيوزي تكبر حين يستلم مقاليد العصابة رجلٌ ضعيف، محدود الأفق، كبشار الأسد، كان مثار سخرية عائلته، ومحطّ تنمّر أخيه باسل الذي قضى في حادث سيارة، واستعلاء أخته الوحيدة وسخريتها منه، وهي التي كانت ترى نفسها مؤهلةً أكثر لقيادة العائلة، لولا العقلية البطريركية. وإذا صدّقنا رواية سام داغر، كان باسل الأسد تنمّر على أخيه الضعيف والخجول

الذي كان يختفي من نادي الفروسية كلّما رأى أخاه مقبلا.

غالبا ما يكون الشخص الضعيف أخطر، إذا تمكّن، لأنه يريد أن يثبت لنفسه وللآخرين العكس. والحال أن بشار الأسد فاق أباه دموية ورعبا وقتلا، بشكل أساسي لأنه يريد أن يزيل صورة الولد الخجول المدلّل الذي كان يستظلّ بأمه، ولا يلحظ أحدٌ وجوده، في حضور أبيه أو أخيه.

المافيوزية هي التفسير الوحيد لانهيار إمبراطورية آل مخلوف التي ما كنا نحسب أن يوما سيأتي ونراها تنهار، وهي التفسير الوحيد للمشهد الهازل الذي بدا فيه رامي مخلوف قبل أيام، وهو يستعطف ابن عمته، ويرجوه أن يأخذ قسما مما لديه ويترك له بعضه. في النظام المافيوزي لا وجود لحق في الملكية، فالمُلك كلّه لزعيم العصابة الذي يعطي من يشاء ويمنع عمّن يشاء. ولا يوجد لسيادة قانون يحدّد الحقوق والواجبات، ويضع الجميع سواسية أمام القانون، وتعود إلى نصوصٍ معيّنة لتبحث في الجريمة والعقاب، فالعرّاب هو القانون، وقوله هو النصّ، وكلمته هي الحكم القاطع والنهائي، فإذا كان هذا العرّاب مشوّشا وضعيفا وخاضعا لقوى خارج عصابته، باتت العصابة كلّها في فوضى، ولا يعلم أحد أيّ مصير ينتظرها، وينتظر من ورائها بلدا حَلَبَتْه وأنهكته وخرّبته، فتركته أرضاً يباباً.

ولذلك ما كان على رامي مخلوف إلا أن يرمي بكل ما لديه على المائدة، ويلعب آخر دور له في المهزلة السورية، ولسان حاله يقول “إما أن نغرق معا أو ننجو معا”، فيُظهِر نفسه بمظهر الضحية، ولم يرَ أفضل من أن يلبس لبوس الورع والتقوى، فيستعيد مرّة ومرّة كلمات مثل “كن مع الله ولا تبالِ” أو “لا حول ولا قوّة إلا بالله”، أو “العاطي هو الله”، ثمّ اختار أن يجلس على الأرض في وضع يذكّر بالمتصوّفة، واختار اللهجة الدمشقية التي يستعملها مشايخ الشام عادة، فبدا بذلك أقرب إلى الذئب الذي لبس ملابس الجدّة، ليخدع ليلى. غير أن ليلى السورية لن تُخدَع من جديد، فذلك عهد مضى وانقضى.

العربي الجديد

—————————–

هل سقط بشار حقاً؟/ عمر قدور

أنعش رامي مخلوف، بظهوره في تسجيلين على وسائل التواصل، الفرضيات حول اقتراب نهاية بشار الأسد. المسألة كما يراها كثر عن حق تتجاوز خلافاً مالياً على بضعة ملايين من الدولارات، والتذرع بكونها ضرائب مستحقة أو غير مستحقة لا قيمة له في ميزان فساد الشريكين، بل هو حتى الآن بمثابة تغطية عليه، أقله حتى يضع رامي تهديداته موضع التنفيذ، إذا كان جاداً بها، وإذا أسعفه دعم ما وظروف مناسبة لذلك.

هل تكون فضائح الفساد مدخلاً لتنحية الأسد؟ هذه الفضائح ليست بجديدة على السوريين، وتحديداً على الموالين منهم، ولم تؤثر في مواقفهم السياسية عندما كان الأسد في خطر إثر الثورة. أقصى ما تصل إليه هذه الشريحة هو الإقرار ضمناً بفساد بشار، ومناشدته شخصياً القضاء على فساد المحيطين به، سواء من باب التقية السياسية أو من باب التسليم بأحقية فساده السلطانية. إلا أن أهم قناعة سورية جامعة اليوم هي كون مصير بشار في أيد خارجية، ولا حيلة لهم الآن أكثر من أي وقت مضى مع وجود قوى احتلال دولية وإقليمية على كامل التراب السوري.

ثمة حرب متعددة المستويات لا يعرف السوريون آفاقها، أو المآل الذي يُراد لها الوصول إليه من قبل قوى ضالعة في السلطة الأسدية. لا يُعرف مثلاً ما إذا كان رامي مخلوف ينطق بعدما شعر باشتداد الحبل حول عنقه، فلم يعد أمامه سوى محاولة تجريب الابتزاز الانتحاري من مبدأ “عليّ وعلى أعدائي”؟ أو ما إذا كان يفعل ذلك مسنوداً بدعم خارجي يُراد به الضغط على بشار، خاصة أمام النواة الصلبة من مواليه؟ الموالون الذين اعتادوا على التسليم لبيت الأسد ليس من إشارة لهم كي يفكّروا في مراجعة ولائهم، إذ لا يُستبعد أن يكون رامي مدفوعاً من طرف خارجي، وأن ينقلب عليه لاحقاً أولئك الذين ورطوه.

لنتذكرْ إحدى الفرضيات التي شاعت الصيف الماضي، حينها تم تداول الأخبار عن استهداف ثروة آل مخلوف من بشار الأسد، وفُسّر ذلك بطلب موسكو تسديد ديون مستحقة مع عجز في موجودات المصرف المركزي. قيل آنذاك أن الحملة طاولت العديد من أثرياء السلطة، لكن لم تظهر آثار الحملة المزعومة، وعادت الأوضاع إلى ما كانت عليه، أي طوي الحديث نهائياً. خلاف الأسد-مخلوف الأخير ظهر أيضاً بعد حملة في الإعلام الروسي على فساد سلطة الأسد، وتلميح إعلام طباخ بوتين إلى شبكة القرابات المنخرطة فيه، مع التوعد بحرب روسية على الفساد مشابهة لحرب موسكو على “الإرهاب”.

مؤخراً أيضاً، ومن دون الجزم بوجود رابط مباشر، جرى تداول خبر تقديم بشار هدية لزوجته “لوحة فنية” بقيمة 30 مليون دولار، وهو ثمن زهيد بالقياس إلى ثروة آل الأسد بخلاف استغلاله للإضاءة على فساده بينما يغرق موالوه في أشد حالات الفقر. الحدث الذي لم يتم التوقف عنده مطولاً هو ضبط السلطات المصرية شحنة ضخمة من المخدرات ضمن عبوات حليب ماركة “ميلك مان”، حيث وضعت المخدرات في المصنع نفسه الذي أُشيع أن ملكيته تعود لرامي مخلوف. بالتزامن تقريباً، ضبطت السلطات السعودية شحنة ضخمة مماثلة في عبوات من المتة التي تعبّأ في سوريا، ولا يُعرف ما إذا كان ضبط الشحنتين أتى بوشاية ما ضمن تصفية الحسابات التي نشهدها.

قبل حوالى ثلاثة عقود ونصف، شهد السوريون تصفيات ضمن الحلقة الضيقة للسلطة بعد النصر الذي حققته في المواجهة مع الإخوان المسلمين، أبرزها كان النزاع بين الأخوين حافظ ورفعت. بالطبع لا تُقارن مكانة رامي مخلوف بتلك التي كانت لرفعت، لكن، ثمة وجهان للشبه بين اليوم والأمس؛ أولهما التردي الاقتصادي الذي أعقب النصر الأمني القديم والنصر العسكري الجديد، وثانيهما ضلوع جهات خارجية في التصفيات الداخلية للسلطة. في منتصف الثمانينات، أُبعد رفعت الأسد تحت خدعة إيفاده إلى موسكو ضمن وفد عالي المستوى، ليعود الوفد من دونه ثم يُرحّل من هناك إلى منفاه الفرنسي، وتلك عملية لا يمكن حدوثها بغياب التنسيق السياسي والمخابراتي مع كلّ من موسكو وباريس.

في زمن الوريث، تولت طهران ثم موسكو مصير أمراء الحرب، قتلاً على مثال اغتيال هلال الأسد الذي يُنسب لطهران، وتطويعاً بالإشراف الإيراني المباشر، ثم نظيره الروسي الذي أنشأ “الفيلق الخامس” ليضم إليه ميليشيات أمراء الحرب الأسدية مع قسم من الفصائل المعارضة التي أبرمت تسويات تحت مظلة مركز المصالحة الروسي. بمعنى أن الطرفين الروسي والإيراني سيطرا على الشركاء العسكريين المحليين لبشار، ليحتكرا بنسب متفاوتة تهديده أو تهديد استمرار السلالة الأسدية في السلطة. هذه الوصاية المزدوجة بقدر ما تتيح هامش ارتياح لبشار فهي لا ترفع التهديد عن رقبته، خاصة عندما يوضع شخصياً “بمعزل عن التركيبة العسكرية المخابراتية” في الميزان الاستراتيجي للطرفين أو لكل منهما على حدة.

قد يلزم التأكيد على أن الصورة البشعة للأسدية آخر ما يؤرق أقطابها أو حُماتها، أو الموافقين دولياً على بقائها، بمعنى أن خلاف الأسد-مخلوف الحالي لن يضيف سوءاً لطغمة ارتكبت أفظع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إذا لم يكن هذا الخلاف مدبّراً من جهة خارجية نافذة. المؤكد أيضاً أن الخلاف يعكس اهتراء وتفسخ التحالفات القديمة للأسدية، لكنه ليس الاختبار الأقسى الذي تتعرض له، خاصة إذا أُسعفت خارجياً كما حدث من قبل.

تحتمل التطورات الأخيرة، ومنها ظهور رامي مخلوف على هذا النحو، التفاؤل بسقوط بشار، مثلما تقتضي الحذر إزاء الجزم بذلك. مبعث التفاؤل الوحيد أن تمهد التطورات لتداعيات أوسع، وصولاً إلى تعميم القناعة لدى البنية الأمنية بحتمية التغيير، أما مصدر الحذر فهو عدم التعويل على تنحية بشار من قبل موسكو خارج التوافق الدولي الذي أبقى عليه حتى الآن. أشد الاحتمالات تفاؤلاً يشبه ما قاله رامي مخلوف عن نفسه لجهة كونه مُسخّراً ومؤتمناً من قبل الله ومنذراً بعقاب إلهي قادم، على أن يكون مُسخّراً حقاً من قبل مُشغّلين موثوقين بهدف إنزال ذلك العقاب الذي لن يستثنيه.

المدن

——————————

رامي البداية، ورامي النهاية/ ماهر مسعود

منذ “جمعة الكرامة” في 18/03/2011، كان رامي مخلوف هو المستهدف الأول في الشعارات التي هتف بها المتظاهرين في مدينة درعا، وذلك قبل رفع شعارات إسقاط النظام فيما بعد، حيث ردد المتظاهرون بغضب وقتها “حاميها حراميها” و”بدنا نحكي عالمكشوف، يا خالف يمّا مخلوف” وأحرقوا مراكز شركة سيرياتيل في درعا بالإضافة لحرق مبنى حزب البعث، بينما كان الهتاف ضد رامي مخلوف في مظاهرات حماه الكبرى بعد ذلك، جزءاً أساسياً من أغنية القاشوش الشهيرة التي يقول في إحدى مقاطعها “لسى كل فترة حرامي، شاليش وماهر ورامي، سرقوا اخواتي وعمامي، ويالله إرحل يا بشار”. وإن كان ذلك يدل على شيء، فهو يدل على إدراك الشعب السوري للأهمية التي احتلها رامي مخلوف في الدولة الباطنة التي يحكمها الأسد.

معروف هو الدور الهائل الذي لعبه رامي مخلوف تحديداً، في خطة “الإفقار الاقتصادي” التي اعتمدها الرئيس الجديد وقتها عبر ما سمّاه “مكافحة الفساد” و”الشفافية” في خطاب القسم، حيث قضى رامي على “رابطة الفاسدين القدماء”، ونصّب نفسه كملك ملوك الفساد في سوريا، وبات يُقاسم كل شركة أو رجل أعمال؛ سوري أو يريد العمل في سوريا، أرباحه كنوع من الخوّة أو الجزية التي تفرضها عصابات المافيا عادة، وهو ما حصل مع عائلة سنقر “وكلاء مرسيدس في سوريا” على سبيل المثال أو الوليد بن طلال في مسألة “الفور سيزن”. كما قاد مخلوف بنفسه المرحلة النيوليبرالية الاقتصادية في سوريا، التي جعلت 36% من الشعب السوري عام 2004 تحت خط الفقر، وحولت الفساد في سوريا من فساد فردي خاص وسرّي، إلى فساد مؤسساتي عام وعلني وشامل، وطبّعت ما يُسمى بـ”العقد الاجتماعي على الفساد”، ليصبح الفساد هو الحالة الطبيعية الاجتماعية والثقافية التي يشارك بها، بشكل أو بآخر، جميع أفراد المجتمع السوري.

معروف أيضاً الدور الهام الذي لعبه رامي مخلوف بعد قيام الثورة السورية، إن كان من موقعه كقائم على “بيت مال” النظام، أو تكفّله ببناء ورعاية منظومات التشبيح المدني تحت سقف جمعية البستان الخيرية التي كان من مهامها أيضاَ إرسال المساعدات الشهرية لأبناء الطائفة العلوية والاعتناء بأعداد كبيرة من المصابين والمتضررين العلويين، بهدف رصّ الصفوف وشد عصب الطائفة وتماسكها وولائها، وجرّ فقرائها أفواجاً للقتال ضد “الثورة السنيّة” على “النظام العلوي”.

التغير الدراماتيكي الكبير في مكانة مخلوف ضمن الدولة الباطنة جاء تدريجياً ونتيجة عدة أسباب مثل الأزمة الاقتصادية الهائلة التي يعانيها النظام نتيجة العقوبات والتكاليف الضخمة لتمويل الحرب، والديون الروسية التي يقول البعض أن روسيا طالبت بـ 3 مليار دولار منها، ومنها أيضاً نهاية الحلم الروسي الأسدي بالسيطرة على كامل الأراضي السورية بعد الحملة الأخيرة الفاشلة على إدلب والاتفاق الروسي التركي، وهو ما كان معناه القطع النهائي لفكرة إعادة تعويم الأسد وتحصيل أموال إعادة الإعمار المأمولة، لكن ما يقف على رأس تلك الأسباب باعتقادنا هو موت أنيسة مخلوف والدة بشار وعمّة رامي عام 2016، حيث انقطعت أعمق الروابط وأقواها تأثيراً بين عائلتي مخلوف والأسد، وبدأ بروز زوجة الرئيس ذاتها هذه المرة، والصعود التدريجي لأقاربها مثل ابن خالتها مهند الدباغ أو والدها فواز الأخرس أو غيرهم.

إن دور الأمّ في السياسة السورية عبر تاريخ عائلة الأسد كان دائماً أكبر بكثير مما قد يبدو للرائي الخارجي، إن كان من جهة الدور الذي لعبته ناعسة، أم الرئيس الأول، في إنهاء المأزق الذي حصل بين الأخوين رفعت وحافظ عام 1983، وهو ما يمكن مراجعته بقراءة كتيب “ثلاثة شهور هزّت سوريا” لمصطفى طلاس، الذي يسرد بالتفصيل ما حدث بين الأخوين في تلك المرحلة، والذي تم سحبه من السوق مباشرة بعد نشره عام 2001. أو الدور الذي لعبته أنيسة مخلوف في حثّ بشار على مواجهة الثورة السورية بانتهاج سياسة والده ذاتها في مواجهة أحداث الثمانينيات، أو في تدخلها في كيفية التعامل مع عاطف نجيب الذي قام بتعذيب أطفال درعا، وهو أيضاً ابن خالة الرئيس، حيث كان التبرير الذي قدمه الرئيس لوجهاء حمص عندما التقاهم عام 2011، هو أن خالته اتصلت بأمه لتطلب منها الاكتفاء بنقله من درعا بدل محاسبته قضائياً.

إن لجوء رامي مخلوف للبث المباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن أزمته، بعد انقطاع السبل التي تصله مباشرة بالرئيس القريب والصديق القديم، ليس موجهاً للرئيس فحسب رغم كل الابتهالات والترجيات التي  وجهها رامي في حديثه المطول، بل هو موجه للطائفة العلوية التي لم يبق أمامه سواها، فهو يعلم أثر المساعدات “الإنسانية” والمالية الكبيرة التي قدمها لأبناء الطائفة طوال فترة الحرب، وهو يعلم أنه قد يصبح ببساطة غازي كنعان جديد وأراد الإعلان عن أزمته للجميع قبل تصفيته بخفاء، وهو يعلم أن أزمته مع الرئيس تختلف ألف مرة؛ داخلياً وخارجياً، عن الأزمة التي حصلت بين رفعت وحافظ في الثمانينيات، ويعلم أنه لا يمكنه اللجوء لأي مكان نتيجة العقوبات التي تطاله شخصياً وأن روسيا التي قد تستقبله هي ذاتها قد تقتله وهي من تريد كل أمواله، وهو يعلم أن النظام كله في طريقه إلى الانهيار ولا يريد أن يصبح كبش فداء لأحد، بل اتجه نحو مبدأ “عليَّ وعلى أعدائي”.

ليست مهمة باعتقادنا كل الاتهامات والاعترافات التي قدمها رامي ضد نفسه وضد نظامه، إن كان من جهة ما قاله عن اعتقالات الأجهزة الأمنية لمدراءه بعد أن كان “الراعي الأكبر” لتلك الأجهزة خلال الحرب، أو ما سمّاه بعضهم “اعترافاته” بأن “الأجهزة الأمنية بدأت تعتدي على حريات الناس”، أو مخاطبته للرئيس مباشرة للتدخل في مسائل يُفترض أنها ضريبية وذلك في تجاوز لكل “مؤسسات” وأجهزة الدولة التي لا يفترض للرئيس التدخل بعملها، أو بمطالبته الرئيس بتقسيط الأموال التي عليه دفعها وكأن المسألة هي دين شخصي بينهما، أو بمطالبته الرئيس بتوزيع تلك الأموال على المحتاجين لكي “يسدّوا جوعهم”، ونعتقد أنه لم يقصد الشعب تحديداً هنا بقدر ما قصد زوجة الرئيس التي يظن رامي أنها خلف المطالبة بتلك الأموال، ولاسيما عندما شدد في الفيديو الثاني على القول “لا يجب أن نسمح للآخرين بأن يمشّوا كلمتهم”.

قد يبدو كل ما سبق مهماً للمتابعين، وهو مهم بدرجة ما، لكن الأهم بالنسبة لرامي نفسه برأينا، هو قطع الطريق على السبل القانونية التي قد يعتمدها النظام شكلياً لاعتقاله أو قتله فالمهلة التي أخذها للدفع تنتهي بـ5 أيار، وهو أيضاً تأليب جمهوره في الطائفة العلوية ذاتها بعد المساعدات الكبيرة التي قدمها لهم، ومحاولة إبراز الدور “السنّي” الذي تلعبه زوجة الرئيس في تفسّخ البيت العلوي الواحد، وأخيراً جعل ظروف إسقاطه “إن حدثت” علنية أمام الطائفة وأمام العالم أجمع.

نظن عبر هذه القراءة أن رامي الذي كان أساسياً في البداية، سيلعب دوراً أساسياً فيما يبدو أنه النهاية، فجميع المؤشرات الداخلية والدولية تدل على أن نهاية حكم الأسد باتت قريبة، والكيفية التي سيعالج بها الأسد أزمته مع رامي مخلوف ستؤثر حتماً وبأكثر من طريقة في تلك النهاية.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي بروكار

بروكار برس

—————————–

رامي مخلوف المسكين…/ جلبير الأشقر

كادت عيوننا تدمع ونحن نشاهد شريطي الفيديو اللذين بثّهما رامي مخلوف: يبدو فيهما كرجل وسيم لا تبين على وجهه السنين (مع أنه اجتاز الخمسين من العمر، لكن العمر نادراً ما يبين على وجه الأثرياء، خاصة إذا حصلوا على ثرواتهم باليَسر)، رجل حزين ومسكين يثير لدى المتفرّج شعوراً بالشفقة وكأننا أمام طفل يشتكي من قيام ولد أكبر منه («دبّ» كما يقول الأطفال في مثل هذه الحالة) بانتزاع لعبته.

ونتصوّر ما قد يلمّ بنا من كآبة لو قام الدباب بمصادرة ذلك القصر الذي كُتبت فوق بابه الرئيسي الأحرف اللاتينية الثلاثة التي يبدأ بها اسم ابن رامي، محمد رامي مخلوف (MRM)، على طريقة تسمية محمد بن سلمان (MBS) ومحمد بن زايد (MBZ)، وتلك السيارات الفخمة الخمس التي صفّها الابن المذكور أمام قصره في وقفة من التباهي بالثروة تليق بعديمي الذوق والحشمة من أصحاب الثروات المنهوبة والموروثة (ما أكثرهم في منطقتنا!). لا بل عمّم ابن رامي تلك الصورة من خلال وسائط التواصل الاجتماعي، فخوراً بامتلاكه كل هذا وغير مبالٍ بوقع صورتها على ملايين السوريين المشرّدين والجائعين والمقهورين والمعدِمين. بل ربّما ظنّ أنهم سوف يشعرون بالغبطة من رؤية تلك العيّنة من ثراء المتربّعين على ظهورهم، مثلما كان يظنّ الملوك والأمراء (ولا زال بعضهم يظنّ) أنهم كلّما بيّنوا لرعاياهم عظمة ثروتهم، كلّما جعلوا هؤلاء الرعايا يشعرون بالاعتزاز، وكأن جميعهم أغبياء.

وقد ذكّرنا رامي مخلوف المسكين بمشهد وليد بن طلال، صاحب المليارات الآخر الذي أدمعنا مصيره لمّا اعتُقل في فندق خمس نجوم، يطالبه هو أيضاً نظامه العائلي بتسديد ضرائب ومستحقات نبتت فجأة كالعشب بعد الغيث في الربع الخالي أو بادية الشام. كان ذلك في إطار حملة ضد الفساد قام بها محمد بن سلمان، شبيهة بالتي يقوم بها الآن بشّار بن حافظ، وكل واحد من الابنين (ما شاء الله!) قدوة للعالم في نبذ الفساد والوصول إلى سدّة الحكم بفضل الامتياز وكسب العيش بعرق الجبين.

ولم يفت المراقبين أن ما يحصل في سوريا أشبه ما هو بمسلسل تلفزيوني، على غرار مسلسل «دالاس» الذي ذاع عالمياً في أواخر السبعينيات من القرن الماضي والذي تدور حبكته حول صراعات تتفاقم داخل عائلة تفوح منها رائحة النفط ويكثر الماكرون والطامعون بين أفرادها. بل نحن محظوظون في منطقتنا بمسلسلين حديثين على ذلك النمط، أحدهما خاص بآل سعود والآخر بآل الأسد، وفي كلتا الحالتين عائلة حاكمة تدبّ الصراعات بين أفرادها وعلى شتّى المستويات. أبطال المسلسل السوري: حافظ وشقيقه رفعت في الموسم الأول وبشّار وابن خاله رامي في الموسم الثاني، وقد نرى موسماً ثالثاً يطال علاقة بشّار بشقيقه ماهر، وهلمّ جرّا. هذا بدون أن ننسى الدور النسائي وبطلته أسماء، زوجة بشّار (المسلسل السوري أكثر تنوعاً في هذا المجال من المسلسل السعودي الذكوري بحتاً).

لخّص شاعر روما القديمة حنكة السلطة بشعار «الخبز والسيرك»، قاصداً أنه من أجل إدامة الحكم بلا قلاقل يكفي للحكّام تزويد الشعب بمستلزمات العيش الأوّلية وإلهاؤهم بمشاهدة الألعاب المسرحية. وها أن حكم آل الأسد يقدّم للشعب السوري بمناسبة حلول شهر رمضان مسلسلاً أخّاذاً جديراً بأحسن ما أنتجته هوليوود. غير أنه نسي أن يزوّد الشعب السوري بالخبز وبسائر مستلزمات العيش البديهية. وفي مثل هذه الحالات، لا يفعل مشهد السيرك، لاسيما إذا كان يدور حول ثروة الحكّام الفاحشة، سوى تأجيج غضب الشعب وكرهه للمتربّعين على السلطة الذين يراكمون الثروات الطائلة، ليس على حساب أموال الشعب وحسب، بل على حساب أرواحه وعلى حساب الوطن بأكمله. وقد أصبحت سوريا كلّها سيركاً على الطريقة الرومانية، مع فارق أن الشعب بدل أن يكون جالساً في المدرّج يتفرّج، هو الذي تفترسه «الأسود» في الميدان.

كاتب وأكاديمي من لبنان

القدس العربي

——————————

«قضية» رامي مخلوف وما تخفيه/ محمد كريشان

«إذا اختلف اللصان ظهر المسروق»… هكذا يقول المثل وهكذا هو واقع الحال الآن في سوريا في قضية رامي مخلوف ابن خال الرئيس وهذه الضجة المثارة حاليا عما يتعرض له من مضايقات تهدف، حسب قوله، إلى الضغط عليه لدفع أموال طلبتها منه الدولة، أو الرئيس أوعقيلته وجماعتها، لا فرق في الحقيقة.

وإذا ما أخذنا بأقوال فراس طلاس ابن وزير الدفاع السوري الراحل فإن رامي مخلوف نجح من خلال إطلالته على مواقع التواصل الاجتماعي في شق وحدة صف الموالين للنظام كما نجح في أن يبادر البعض إلى إثارة تساؤلات حول أسباب استهداف مخلوف والاستيلاء عن أمواله (…) ذلك أن عائلتي الأسد ومخلوف تديران سوريا كأنها مزرعة خاصة وبالتالي فإن ما يحصل بينهما من شد وجذب مرده الخلاف بين أسماء الأسد زوجة الرئيس ورامي مخلوف الذي يخشى على ثروته من الضياع مقابل تعزيز نفوذ حافظ الأسد نجل الرئيس».

لعله لم يكن صدفة أن تستضيف قناة «روسيا اليوم»، وهي المملوكة لأكبر داعم للأسد ونظامه، طلاس الذي قدمته بـ»رجل الأعمال السوري» والذي كان يتحدث من دبي، الملاذ الآمن وفردوس كل الهاربين بأموال منهوبة من كل مكان في العالم، ليقول كذلك إن مخلوف «نجح في مخاطبة عائلات شهداء النظام وشبيحته وإيصال رسالة لهم مفادها أن زوجة الرئيس أسماء وشقيقه ماهر يريدان أن يستوليا على الأموال التي خصصها لهم».

الملفت للانتباه هو أن جهات سورية لا تتردد حاليا في وصف ما يجري بأنه كذلك «صراع روسي مع مخلوف» وفق ما يرى مثلا المرصد السوري لحقوق الإنسان، ومقره لندن، الذي اهتم بالقول إن اعتقال أجهزة الأمن السورية لعدد من مدراء وتقنيي شركة «سيرياتيل» للاتصالات المملوكة لمخلوف إنما تم «بتوجيهات روسية» بل إن «قوات روسية واكبت حملات الدهم والاعتقال للمدراء والتقنيين» حتى وإن ظل مخلوف طليقا حتى الآن.

إذن نحن أمام خلاف بين فاسدين سوريين على تقاسم مكاسب وأموال منهوبة دخلت على خطه موسكو بقوة سواء بغرض نيل نصيبها من أي حصيلة أو، إذا ما اعتمدنا ما يتم تداوله حاليا، لتحصل على أموال مستحقة لها طلبتها من دمشق وتبلغ 3 مليارات دولار لم يكن النظام قادرا على دفعها، وبالتالي فمن مصلحتها أن تساعده على تدبر أمر الظفر بها ولا تعنيها بقية التفاصيل.

ما ينشر حاليا يريد أن يضع الأمر أيضا في سياق سياسي أوسع وذلك بالاشارة إلى أن مخلوف الذي يقال أنه يسيطر على 60 في المئة من الاقتصاد السوري موّل خلال السنوات الماضية عددا من الميليشيات تدين له بالولاء، وتشكل سندا للنظام، تشكلت من آلاف المقاتلين التابعين لجمعية البستان الخيرية، «وقوات النمر» و«لواء الدرع الوطني» وكانت تعتبر كذلك حليفة لإيران. ووفق نفس التحليل أيضا، فإن روسيا التي دخلت في صراع حول النفوذ داخل سوريا مع إيران، بدأت تضيق ببشار الأسد وجماعته وفي نفس الوقت لم تعد تنظر بارتياح لكل أذرع طهران وحلفائها فشرعت في استبعادها وتحجيمها بل وفي اعتقال قيادات من النظام نفسه عرفت بموالاتها لها.

حجم كبير من التناقضات داخل سوريا بدأت تطفو على السطح الآن وما قضية رامي مخلوف إلا البداية. هدوء الجبهة الداخلية الآن في سوريا في الفترة الماضية سمح لهذه التناقضات أن تبرز وتتفاعل وقد يكون المقبل أكثر إثارة. البعض وضع ما جرى في سياق ما اعتبره محاسبة لأثرياء الحرب وهذا هو الوهم بنفسه. مجرمو الحرب في سوريا هم أنفسهم أثرياء الحرب، أولهم النظام ورأسه، تليه غالبية التنظيمات المسلحة التي التحقت لدعم النظام أو القتال ضده من دول الجوار والمرتزقة، فضلا عن الدولتين اللتين تدخلتا عسكريا لإسناد النظام ومنع سقوطه.

المهم الآن ما عُرف أكثر، مما كان معروفا من قبل، من فساد ونهب في سوريا زادته السنوات الماضية انتعاشا كشأن الحروب والأزمات دائما. لقد فضحت قضية مخلوف غول الفساد في «سوريا الأسد» والذي جعلها تحتل المركز قبل الأخير في قائمة آخر تقرير سنوي لمؤشرات «مدركات الفساد» الذي تصدره «منظمة الشفافية الدولية»، والذي رصد حالتي الشفافية والفساد، في 180 دولة حول العالم لعام 2019. هذا الفساد سيتراءى في الفترة المقبلة أكثر فأكثر وقد يصل إلى مرحلة شديدة القسوة، وحتى الدموية، بين مراكز الفساد المختلفة لأن جميعها باتت تعتقد أنه آن الأوان للنزول من الجبال لتقاسم الغنائم حتى قبل تسديد الفواتير.

صحيح أن ما جرى أظهر سخافة أن يبدو رامي مخلوف مضطهدا يبحث عن العدل ويستاء المسكين من ترويع الناس واعتقالهم، لكن ذلك لا يعني تصدع أركان النظام أو تهاويه الوشيك، فالانقسامات الحاصلة داخل الطبقة الحاكمة في سوريا لن تسهم قريبا في تحقيق انتقال سياسي في البلاد كما رأى ذلك روبيرت فورد السفير الأمريكي السابق في دمشق في مقال له بالأمس.

إنها البداية ليس إلا، فما تقود إليه مثل هذه التصدّعات قد يكون أقوى أثرا من الرصاص والقنابل والتفجيرات. دعونا ننتظر…

كاتب وإعلامي تونسي

القدس العربي

————-

صراع الأسد-مخلوف..خدمة لتركيا/ عائشة كربات

تركيا التي تقبل عن غير قصد وبصمت حقيقة أن النظام السوري سيبقى في السلطة، تفضل التركيز على مسألة إدلب وتحركات وحدات الشعب الكردي عندما يتعلق الأمر بسوريا. بالنسبة لأنقرة، فإن جميع التطورات الأخرى مهمة فقط إذا كانت ذات صلة بهاتين الأولويتين.

الخلاف بين أغنى رجل في سوريا رامي مخلوف وإبن عمته، الذي دمر بلاده وشعبه، بشار الأسد، ليس استثناءً.

لكن المراقبين الأتراك الذين لديهم القليل من المعلومات حول ما يجري في الدوائر الداخلية للنظام، يسألون عما إذا كان هذا النزاع مجرد قتال بين العائلة أو شيء قد يكون له انعكاسات على إدلب أو الوحدات الكردية أو مستقبل البلاد. يتساءلون جميعاً عما إذا كان لهذا النزاع أي علاقة أيضاً بالصراع الروسي-الإيراني المتزايد على السلطة في سوريا.

لقد سئمت كل من طهران وموسكو من فيروس كورونا. إيران تخضع لعقوبات لفترة طويلة، وانخفاض سعر النفط هو مصدر قلق خطير لروسيا التي لا تريد إنفاق المزيد على سوريا، ولكن على العكس تطالبها بدفع الديون.

يمكن لأنقرة أن تفهم أنه في نهاية المطاف، حققت روسيا هدفها الرئيسي في سوريا: استعادة نفسها كقوة إقليمية قوية قادرة على تشكيل مجرى الأمور في الشرق الأوسط. كانت قادرة على توسيع الصدع داخل الناتو من خلال اللعب على الخلافات بين أنقرة وواشنطن. بالنسبة للروس، فإن العلاقة مع أوروبا وحل الأزمة الأوكرانية أكثر أهمية من سوريا وحاكمها. ولكن بالطبع، هناك حاجة إلى تسوية سياسية، أولاً وقبل كل شيء، تسوية ستجلب الأموال الأوروبية لإعادة إعمار سوريا، وإلا، بعد هذه النقطة، ستتحول سوريا إلى أفغانستان بالنسبة لروسيا.

لذلك ليس من المفاجئ أن يطلب الرئيس الروسي الكبير إعادة بعض النفقات من رئيس المافيا المتوسط، بشار الأسد ، الذي يلجأ إلى إبن عمه للحصول على المال الذي لم يكن بدوره، ليحصل عليه من دون إذن من عائلة الأسد.

إلى جانب ذلك، لدى المراقبين الأتراك أسباب للاعتقاد بأن الروس غاضبون لأن الموارد المحدودة في سوريا موجهة بالفعل إلى الميليشيات الإيرانية والمصالح الإيرانية.

صحيح أن كلاً من موسكو وطهران اتفقتا على إبقاء بشار الأسد في السلطة لكنهما لا يشتركان في الرؤية للمستقبل القريب والبعيد للبلاد. الروس غير راضين عن البعد الطائفي للصراع الذي أثارته إيران. بالإضافة إلى أن الإيرانيين هم مصدر فوضى مستمرة في سوريا لإثارة كل من إسرائيل والولايات المتحدة. لكن هذا ليس مستداماً بالنسبة للروس.

بالنسبة لبعض المراقبين الأتراك، من المثير للاهتمام أيضاً ملاحظة تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بينيت الذي قال إنهم انتقلوا من منع ترسخ إيران في سوريا إلى إجبارها على الخروج من هناك. بالتأكيد، لا يمكن القيام بمثل هذه الخطوة إلا بضوء أخضر روسي.

لذا فإن لدى تركيا أسباباً للاشتباه في أن الروس يسحبون السجادة ببطء من تحت الإيرانيين في سوريا وهذا هو السبب في أنهم يطالبون بالمال الذي كان يتم دفعه للميليشيات الإيرانية. إن ملاحظة الصحافة الروسية للفساد في سوريا ونشر قصص مهينة عن الأسد تتعارض مع هذا الشك، ولكن من السابق لأوانه التفكير في أن روسيا مستعدة لاستبدال بشار الأسد على الرغم من الحجج المضادة لبعض الأميركيين الذين يهمسون في آذان أنقرة بأن النظام على وشك أن يتزعزع بسبب الركود الاقتصادي، وهو افتراض تم طرحه أيضاً في البداية وثبت أنه خاطئ.

لكن دعنا نقول أن هذا الخلاف بين أبناء العم هو مجرد نزاع عائلي عادي. هذا سيخلق بعض المساحة لأنقرة للمناورة، أو إذا كان شيئًا أكبر وفي الواقع نزاع بين روسيا وإيران. في هذه الحالة، هو أفضل لأنقرة لأنه سيكون عندها حيز أكبر للمناورة.

لذلك ليس من الصعب تخمين ما يقوله المسؤولون الأتراك المسؤولون عن السياسة السورية في الوقت الحاضر: دعهم يأكلون بعضهم البعض.

المدن

—————-

رامي مخلوف مختبىء في يعفور..والنظام لا ينوي إعتقاله!

شغل مكان وجود رجل الأعمال السوري رامي مخلوف اهتمام الجميع، بعد بثه تسجيلين مصورين خلال ثلاثة أيام نهاية هذا الأسبوع، كشف فيهما عن تفاصيل الخلاف الدائر بينه وبين النظام، والذي تطور على نحو دراماتيكي وبلغ مستوىً لم يكن متوقعاً.

وقالت منظمة “غرونيكا 37” الحقوقية الدولية إن ابن خال رئيس النظام السوري بشار الأسد قد يكون موجوداً في دولة الامارات لكن المؤشرات المكانية التي يشير إليه الحيز الذي ظهر فيه امبرطور المال والأعمال الذي بنى ثروته الطائلة بالشراكة مع آل الأسد، تشير إلى غير ذلك.

ورغم أن الكثيرين أكدوا أن رامي مخلوف متواجد حالياً في منطقة “صلنفة” بريف اللاذقية، حيث يمتلك قصراً كبيراً، وأنه يقيم وسط حراسة مشددة وإجراءات احترازية خشية تعرضه للاعتقال، حصلت “المدن” على معلومات من مصادر موثوقة تفيد بوجوده في ريف دمشق.

فيلا رامي مخلوف في يعفور

المصادر أكدت ل”المدن” أن مخلوف يقيم حالياً في الفيلا التي يمتلكها في بلدة يعفور في ريف دمشق، قرب الحدود اللبنانية، وأن هذه الفيلا ليست نفسها التي تحدث عنها السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد في مقاله الذي نشره في جريدة الشرق الأوسط الثلاثاء، وتحدث فيه عن زيارته لرامي مخلوف في منزله الفخم بريف دمشق عام 2011.

وكان حساب معارض على موقع “تويتر” يعتقد أن صاحبه الذي ينشر باسم مستعار من كبار المنشقين عن النظام ومطلع بشكل كبير على تفاصيل داخلية دقيقة قد أشار فجر الثلاثاء إلى أن الفيلا التي تحدث عنها فورد هي تلك التي يملكها مخلوف في مدينة قطنا بريف دمشق الغربي، وهو ما أكدته مصادر “المدن”.

وأشارت هذه المصادر إلى أن الغرفة الصغيرة التي سجل فيها مخلوف المقطعين اللذين ظهر فيهما يومي الجمعة والأحد، هما جزء من هذه الفيلا الشهيرة في بلدة يعفور، وأن من يعرف الفيلا من الداخل بشكل جيد يدرك بسهولة أن هذه الغرفة هي جزء منها، مؤكدة أن رامي مخلوف أراد أن يعرف المقربون منه مكان وجوده من خلال التعرف على التفصيل الصغير الذي ظهر في خلفية الفيديو، وإذا لم يكن قريب الأسد متواجداً في هذه الفيلا الآن، فإن ما لا يمكن التشكيك به أن المقطعين سجلا فيها.

واستدركت المصادر أن مخلوف لا يمكن أن يكون قد غادر هذا المكان بعد إطلالتيه اللتين أثارتا الجدل، وأحدثتا هزة عنيفة داخل النظام، ولن يتمكن حتماً من التنقل بسهولة بعد تصريحاته النارية التي تحدي بها النظام، وحملت تهديدات غير مباشرة لأركانه، ولذا فإنها تعتقد بأنه ما يزال موجوداً في ريف دمشق.

مصادر “المدن” ذاتها نفت وبشكل قاطع أيضاً الشائعات التي تحدثت عن اعتقال رامي مخلوف أو أي من أشقائه، وأكدت أنه لم تجرِ حتى محاولات أو بوادر لاعتقاله، وأن الأجهزة الأمنية اكتفت بمداهمة مقرات عدد من الشركات والمؤسسات التي يملكها، وصادرت وثائق ومستندات، واعتقلت عدد غير محدد من كبار الموظفين لديه، وهو ما أكده مخلوف نفسه في إطلالته الثانية الأحد.

وكانت معلومات قد تحدثت خلال اليومين الماضيين عن وجود رامي مخلوف في منطقة الصلنفة على الساحل السوري، بحماية عشائر من الطائفة العلوية والمئات من رجاله المسلحين الذين انتشروا حول البلدة التي انتقل إليها مؤخراً، كما روجت بعض المصادر لتطويق سلطات النظام المنطقة وقطع الطرق المؤدية إليها، وهو ما نفته مصادر “المدن”، وأكدت أنها معلومات لا أساس لها من الصحة.

وأشارت هذه المصادر إلى أن مخلوف، وعلى الرغم من الشعبية المعقولة التي بات يمتلكها بين الطائفة العلوية، بسبب المساعدات التي دأب على تقديمها خلال سنوات الحرب للأسر الفقيرة من الطائفة، وخاصة ذوي القتلى والجرحى من المقاتلين في صفوف قوات النظام وميليشيات الشبيحة، بالإضافة إلى الخدمات التي قدمتها مؤسساته الخيرية لقرى العلويين في ريف اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص، إلا أن الحديث عن تمكنه من بناء قوة عسكرية يمكن أن تحميه، أمر مبالغ فيه ولا يمت للواقع بصلة.

وأشارت هذه المصادر إلى أن قوة الحماية التي تتبع لمخلوف هي عبارة عن كتيبة صغيرة من الحرس المدربين على مستوى عال وتم اختيارهم بناء على مواصفات جسدية صارمة، لكن لا تتجاوز إمكاناتها حدود المرافقة والحماية الشخصية.

وختمت المصادر حديثها ل”المدن” بأنه لا توجد حتى الآن أي مؤشرات جدية على رغبة النظام باعتقال رامي مخلوف، والجهات التي تشن حربها الاقتصادية والمعنوية ضده تعتقد أن الأمور تسير بشكل جيد نحو تحقيق أهدافها في تقويض مكانته والسيطرة على ممتلكاته التي هي محل الخلاف الرئيسي الذي لا خلفيات سياسية أو أمنية لها.

——————-

خفايا مسلسل «الأسد ـ مخلوف»/ نديم قطيش

لم يتوقع السوريون أن دراما رمضان هذا العام ستكون من بطولة النظام نفسه، عبر برنامج تلفزيون الواقع «الأسد – مخلوف».

للمرة الثانية على التوالي يطل رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، والشخص الذي يعد المعادل الاقتصادي في سوريا، في رسالة فيديو، عبر صفحته على موقع «فيسبوك».

سياقات كثيرة تم افتراضها لهذا السجال العلني، ضمن ركني المنظومة التي حكمت سوريا طوال نصف قرن، وهو التفسخ الأخطر والأعمق داخل المنظومة العلوية منذ 1970. فحتى الحالة التي مثَّلها رفعت الأسد، شقيق حافظ، كانت حالة محصورة لم يكن يملك رفعت الأسد فيها إمكانات خاصة مستقلة عن الدولة، كمثل التي يملكها رامي مخلوف اليوم.

بدأ الاضطراب العلني في علاقة مخلوف ببشار الأسد منذ عدة أشهر، على خلفية التنافس على «توزيع المغانم» بين مخلوف وزوجة الأسد أسماء، وعائلتها، تماماً كما فعلت أنيسة مخلوف، زوجة حافظ الأسد مع أسرتها التي ورث رامي مخلوف امتيازاتها. هذا جزء أكيد من حكاية الخلاف. وتطور كلاسيكي في بيوتات النفوذ والسلطة والمال حين تكثر منازلها؛ لكن ليس كل الحكاية.

تطور الاشتباك بين مخلوف وبشار مع توسل الأخير قوانين مكافحة الفساد، وسطوة الأمن، لتجريد ابن خاله من امتيازاته المالية والاقتصادية، والتي بلغت برامي مخلوف أن يستحوذ على أكثر من 60 في المائة من اقتصاد سوريا، المقدر عام 2010 بـ60 مليار دولار، في حين أن واحداً من كل سوريين اثنين يعمل لصالح شركة يملكها مخلوف!

تطالب السلطات السورية، بإيعاز من الأسد، مخلوف بأن يدفع ما يقارب 180 مليون دولار بدل تهرب ضريبي وإخفاء أرباح عن سنوات سابقة، كانت تنبغي مشاركتها مع الحكومة من اتفاق تقاسم عائدات ضمن «سيرياتل» أكبر مشغل هاتف في سوريا.

لكن أحداً لا يصدق أن انشقاقاً علنياً بهذه الخطورة سببه مائتا مليون دولار، لا بالنسبة للأسد ولا بالنسبة لمخلوف.

ما زاد من التشويق لمتابعة مسلسل «الأسد – مخلوف» تزامنه مع انتقادات روسية علنية للأسد، وتشكيك في شعبيته، وفي قدرته على الفوز في الانتخابات الرئاسية المجدولة في العام المقبل.

تتذمر روسيا من الأسد بسبب فشلها حتى الآن في دفع رئيس النظام إلى القبول بتسوية سياسية ودستورية، تلقى حداً من القبول العربي والدولي، وتتيح الانتقال إلى إعادة الإعمار، ما من شأنه تخفيف وطأة تكاليف الحرب على روسيا، وكسبها ما تيسر من عقود مهمة وحساسة ومربحة في الاقتصاد السوري مستقبلاً.

المثير في البعد الروسي (والروسي الإيراني) للحكاية، أن رامي مخلوف يملك علاقات وثيقة مع موسكو التي يقيم فيها والده محمد مخلوف، شريك حافظ الأسد والوجه الدولي لنظامه. ويتنقل عدد مختار من أفراد أسرة مخلوف منها وإليها وعبرها بجوازات سفر روسية. وإليها نقل مخلوف جزءاً من الثروة الخيالية التي تمت مراكمتها على مدى نصف قرن.

على عكس إيران التي لا مستقبل لها في سوريا خارج «الماركة الأسدية» تتمتع روسيا بمرونة أكبر في البحث عن خيارات لها للمستقبل. وقد لا تجد أنسب من اللحظة الراهنة لتثبيت مواقع قوتها وتوسعتها ولو من دون بشار. فدينامية المنطقة تغيرت بعد وباء «كوفيد- 19» لناحية الأولويات والقدرات، وإيران في أضعف حالاتها في الداخل كما في الخارج، في حين أن الأسد يجتر كل سلوكيات الفشل السياسي والإداري في التعامل مع الدولة، مستنزفاً قدرته على اللعب على التناقضات الروسية الإيرانية.

لو أن رامي مخلوف اكتفى بفيديو واحد، لكان من المنطقي اعتبار مرافعته الفيسبوكية إجراء اليائس. أما أن يطل بفيديو ثانٍ أكثر تحدياً في نبرته، معنوناً: «كن مع الله ولا تبالِ»، وألا يكون بوسع أجهزة نظام الأسد سوى اعتقال بعض الموظفين في شركاته، فهذا من علامات إفلاس هيبة النظام التي لا ريب فيها.

وما يثير الاستهجان أيضاً، أن استصراح عدد من الشخصيات السورية العامة، ضد مخلوف، سرعان ما ارتد على أجهزة الأسد، حين نفى بعض هؤلاء ما نُسب إليهم، من دون الخشية من تبعات أن تحسب مواقفهم لصالح مخلوف ضد الأسد!

أما أن يتحدث مخلوف بما تحدث به من مناطق تقع تحت سيطرة النفوذ الروسي، فهو ما من شأنه أن يبعث بالرسائل في كل اتجاه.

من يعرف الواقع النفسي للعلويين في سوريا بعد تسع سنوات من الحرب، فَهِم عبارة «جنى عمري» التي استعملها رامي مخلوف أكثر من مرة في شريطه الثاني.

كان لافتاً في إبدائه الحرص الشديد على مخاطبة الوعي العلوي بشكل غير مباشر. وحذَّر الأسد من أن التمادي في ضرب معادلة رامي مخلوف، العلوي، لصالح نخبة جديدة سنية ترعاها أسماء الأسد، يعتبر تلاعباً بتوازنات النظام ومصادر شرعيته العميقة، ومغامرة بمستقبل المنظومة التي حكمت سوريا منذ نصف قرن.

فالرجل يخاطب غريزة البقاء والرعب عند العلويين الذين يتمتع بينهم بزعامة جدية، حرص على توسعة مشروعيتها عبر «الأعمال الخيرية» وشراء الولاءات، وعلى حساب الأسد في كثير من الأحيان.

لهذه الحظوة العلوية خاصية قلما تظهر على سطح النقاش، هي قدرة مخلوف، نظرياً على الأقل، على استثمار التوتر الداخلي في نظرة العلويين إلى إيران، بسبب برامج نشر التشييع التي ترعاها إيران في أكثر من مكان في سوريا.

كثير من الأسئلة بلا أجوبة الآن: هل هناك مشروع روسي اسمه رامي مخلوف؟ هل الرجل من قماشة يراهَن عليها حتى لأدوار انتقالية؟ هل يُستخدم مخلوف للضغط على الأسد فقط، أم أبعد؟

لا جواب الآن؛ لكن الأكيد أن البحث في ما بعد الأسد، جدي أكثر من أي وقت مضى.

في مقابلة قبل أيام أجراها الزميل إبراهيم حميدي مع المبعوث الرئاسي الأميركي ومسؤول الملف السوري جيمس جيفري، في «الشرق الأوسط»، يقول جيفري: «على دائرة الشخصيات المقربة للغاية من رأس النظام (…) أن تعرف أن لا مستقبل واضحاً أمامهم إذا استمروا في دعم الأسد وتأييده. وحري بهم ممارسة الضغوط من أجل الانتقال السياسي».

خلاف مخلوف – الأسد، لا يُقرأ خارج هذا النوع من التوجهات الدولية بشأن سوريا. المائتا مليون دولار مجرد مزحة.

الشرق الأوسط

———————————

النظام والتنظيمات: صمتت المدافع فتفجّرت الخلافات/ عقيل حسين

في كل الحروب وعلى مدار التاريخ، وُجدت دائماً أطراف رفضت السلام، وعملت جاهدة لإدامة الصراع وعرقلة أي فرص للحل، ليس لأن هذه الأطراف كانت أكثر شجاعة، بل لأنها كانت على ارتباط وجودي بالحرب واستمرارها.

نهاية الحرب يعني نهايتها، لذلك فقد حفل التاريخ بحروب غريبة طالت عشرات السنين، وبعضها استمر مئة عام أو أكثر، والسبب هو أن أطرافاً في هذه الحروب كانت ترفض أن تنتهي المعركة.

في سوريا، كان هناك طرفان هما الأكثر إصراراً على استمرار المعارك، وعملا بجد منذ اللحظات الأولى لاندلاع الأعمال العسكرية على أن تستمر الحرب، وأفشلا دائماً الجهود والمساعي التي بذلت لإيجاد مخارج، ورفضا حتى الهدن وأفسدا العديد منها عبر الخروقات التي تعمد كل منهما ارتكابها لتبرير مواصلة القتال.

الطرف الأول هو النظام ومن خلفه إيران، والطرف الثاني هي الجماعات الجهادية المتشددة، وكلاهما يدرك أن الحرب بالنسبة له تعني مسألة وجود، يستمر باستمرارها ويزول بزوالها، بل ويعرف أنه كلما استعرت المعارك أكثر وكلما وقع ضحايا أكثر، كلما ساعد ذلك على زيادة شعبيته وتنامي قوته، أما توقف القتال فيعني حتماً نهايته.

لذا فإن المتتبع لمسيرة الحرب العسكرية في سوريا، يجد أن هذين الطرفين عرقلا باستمرار كل الجهود التي سعت لوضع حد لهذه الكارثة، بل وإلى اليوم تجد أن كلاً منهما يستميت من أجل تقويض الهدنة المطبقة في منطقة إدلب ولا يخفي تمنيه أن تستأنف عجلة الموت دورانها.

ولولا الأمر الواقع الذي فرضته تركيا وروسيا بالقوة هناك، ولولا خشية الجماعات السلفية الجهادية من جهة، والنظام والميليشيات الإيرانية من جهة مقابلة، من رد الفعل التركي والروسي تجاه كل منهما، والحزم الواضح الذي تبديه العاصمتان لإنجاح الهدنة هذه المرة، لما تأخر الطرفان في تقويض هذا الاستقرار.

نقول ذلك لا على سبيل التحليل والاستقراء فقط، بل وبناء على معطيات مؤكدة أيضاً، إذ لم تتوان روسيا عن توجيه الرسائل الصريحة والمبطنة للنظام وإيران والتي هددت فيها باتخاذ إجراءات عقابية في حال قررا خرق وقف النار في إدلب، حتى إن موسكو أرسلت وزير دفاعها إلى دمشق من أجل التأكيد على ذلك بعد أن تلمست إرادة قوية لدى دمشق وطهران في هذا الاتجاه.

بالمقابل لا تكف حسابات بعض الفصائل الجهادية الموجودة في إدلب على مواقع التواصل عن التهجم على الاتفاق الروسي التركي، وتخوين وتكفير فصائل وقوى المعارضة الداعمة لهذا الاتفاق، أو التي قبلت به أو صمتت عليه، بما فيها هيئة تحرير الشام، واعتبار الهيئة وبقية الفصائل عملاء وأتباعاً للحكومة التركية، التي وصف هؤلاء جيشها “بالعدو الصائل” وصولاً إلى التحريض عليه وعلى بقية الفصائل، رغم أن مجموع عدد مقاتلي تلك الجماعات الرافضة للهدنة لا يتجاوز الثلاثة آلاف، ورغم فشلها في تحقيق أي إنجاز بمواجهة تقدم قوات النظام طيلة السنوات الثلاث الأخيرة الماضية.

والواقع أن كلا الطرفين محق في موقفه، وما الخلافات التي عصفت بكل منهما خلال الشهرين الماضيين الذين توقفت فيهما المعارك، إلا دليل على إدراكهما لحقيقة ما سيكون عليه موقفهما مع نجاح هذه الهدنة.

فما إن هدأت المعارك حتى تفجرت المشاكل الداخلية لدى كل منهما، وعلا ضجيج الخلافات قوياً عند النظام كما لم يحدث من قبل، وإلا فمن كان يتوقع أن تتأزم العلاقة بين آل الأسد وآل مخلوف على النحو الذي باتت عليه الآن، حتى أصبح التراشق علنياً والتهديد المتبادل بينهما والفضائح التي يفجرها كل طرف بحق الآخر بمتناول الجميع، وهذا كله لم يكن ليحدث لو أن القتال ظل مستعراً، وكان طرفا الخلاف سيؤجلان هذه الحرب الداخلية بكل تأكيد تحت شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة).

على الطرف الآخر بدأت الخلافات تسفر عن وجهها أيضاً لدى الجماعات الجهادية الرافضة للهدنة أيضاً، ولم يقتصر الأمر على هيئة تحرير الشام التي تبدي كثيرا من الواقعية والمرونة، وتمكنت من تجاوز آخر المشاكل الداخلية التي واجهتها باستقالة بعض القيادات فيها ثم العودة عنها، بل انسحب ذلك على قوى أخرى كانت حتى الأمس شديدة التقارب.

فقد أعلن لواء أنصار التوحيد انسحابه من غرفة عمليات “وحرض المؤمنين” التي تضم الفصائل الأربعة التي تدين بالولاء للمنظر الجهادي الفلسطيني الأردني أبو محمد المقدسي، وهي بالإضافة إلى اللواء، تنظيم حراس الدين وجبهة أنصار الدين وحركة أنصار الاسلام.

لم يكتف لواء أنصار بذلك بل وأعلنوا تحللهم من أي معاهدات سابقة تربطهم بالجماعات الأخرى، في تملص واضح من اتفاقية الحماية المبرمة مع حراس الدين بداية عام 2018 الأمر الذي استدعى انتقادات واسعة من قادة الأخير ومن المقدسي ذاته.

ورغم عدم توضح أسباب هذا الخلاف فإن معرفة السبب المباشر لا تضيف شيئاً في النهاية، فالخلافات كانت ستحضر لأي سبب، والانشقاقات هي النتيجة الحتمية لمثل هذه التنظيمات التي لا يمكن أن تجد بيئة حاضنة لها إلا في الحروب والصراعات، لذا فإنها، مثل النظام، كانت من أشد المعادين لأي تهدئة.

لا يلقي النظام وهذه الجماعات بالاً للضحايا الذين يسقطون جراء الحرب المستعرة، ولا تعنيهما بأي حال عذابات السوريين الذين يدعي كل منهما أن حربه التي يخوضها هي من أجلهم، وما يعنيهما فقط هو أن تستمر هذه الحرب بأي شكل، إذ يدرك كل منهما أن توقف الحرب يعني نهايتهما، وخلال أقل من ستين يوماً من الهدوء حدث ما أكد هذه الحقيقة، حقيقة أن الطرفين لا تعنيهما نتيجة الحرب بقدر ما تعنيهما الحرب ذاتها.. كملاذ آمن لهما من الخلافات، ومن الزوال.

تلفزيون سوريا

—————————–

ما يخفيه يحميه.. مخلوف يهدد ويتحدى/ عمر الخطيب

“النسخ الأصلية موجودة في مكان آمن ولن تظهر إلا بحال عدم عودتي” لطالما سمعنا هذه الجملة تتكرر في الأفلام الأميركية التي تتحدث عن العصابات المنظمة أو فساد الإدارات العامة على لسان أحد المنسحبين لسبب ما أو لإحساسه بأن ثمة قرار بتصفيته.. رامي مخلوف في تسجيله الذي ظهر على الفيس بوك كان يردد هذه الجملة طوال الوقت بعدة طرق “لا يمكنكم إنهائي فلدي ملفات تحميني”.

عند مشاهدة الفيديو، 30 نيسان، السؤال الأول الذي يجب طرحه هو لماذا تم السماح لرامي بالوصول لهذه اللحظة التي يتحدى بها بشار علانية ويقوم بتهديده بكل وضوح ومباشرة، بل ويهدم ما يحاول بشار تسويقه عن القانون والمؤسسات.. الخ؟ كيف تمكن رامي من النجاة من مصير سابقيه محمد عمران ومحمود الزعبي وغازي كنعان وآصف شوكت والقائمة تطول.

التصدع في دائرة الأسد الضيقة ليس بجديد، وليس خاصاً به، فقد شهدناه مع والده حافظ الأسد، ولكن الجديد في قضية مخلوف، أن هذا التصدع خرج للعلن قبل أن تتم تصفيته ضمن العائلة كما جرت العادة، والسبب على ما يبدو، بالإضافة للملفات التي يعرفها الرجل، أن كمية الأموال الموضوعة تحت يد رامي ضخمة بحيث لم يتمكن النظام من انتزاعها منه. ولعل ما شهدناه، منذ آب 2019، من فصول لهذه المواجهة، بين مخلوف والأسد، دليل على مكر رامي وتمكنه من حماية نفسه بشكل جيد.

كلام رامي لم يكن موجهاً إلى السوريين، ولم يكن بقصد الاستعطاف، كما رآه البعض، فبساطة الفيديو وجلوس رامي على الأرض واستخدامه للكلام الديني وادعاء التقوى وما إلى ذلك، كان تحدياً لسردية النظام، التي أطلقها منذ ما قبل انطلاق الثورة حول الرجل، فهنا رامي يقول إنه لم يعد موافقاً على أن يكون رمز الفساد الأول، وهو أشار بوضوح خلال كلامه إلى موافقته السابقة، في عام 2011، على أن يكون الشرير. 

كلام مخلوف موجه بشكل أساسي لبشار الأسد طالباً منه وقف مطالبته بدفع الأموال، ومن ثم وجه أمراً إلى الأسد بأن يأخذ هو الأموال بنفسه، كما لو أنه يخاطب زعيم عصابة، بل ووجه تهديداً مباشراً بكشف ما يعرفه وما يخفيه، عند حديثه عما جرى في 2011 والاتفاق على أن ينسحب من الصورة عبر ما ادعاه يومها من تحويل أعماله للنشاطات الإنسانية، ومن ثم تحدث بلغة تهديد واضحة عن الكثير من الملفات التي لن يتحدث عنها الآن.

فصول المواجهة بين الاثنين مستمرة، والطرفان يستخدمان فيها ما تحت أيديهم من أدوات، وحتى الآن لا يبدو الأسد، كما قد نعتقد، الأقوى فهو لم يستلم الإشارة بتصفية مخلوف كما اعتاد مع غيره، والتصفية هي سلاحه الوحيد كما أثبتت الحالات السابقة، وبنفس الوقت تأتي قوة رامي، الذي رفع حدة التحدي من خلال التسجيل الثاني، مما يملكه من معلومات وأموال، وتبقى كلمة الفصل بيد روسيا التي أرسلت من الرسائل الكثير حول غضبها من الأسد، ويبقى مصير مخلوف معلقاً بأوامر روسيا.

تلفزيون سوريا

———————

الأسد ومخلوف.. نزاع في تلميع الإصلاح وتقليم الدوائر المُحيطة/ أحمد منصور

من المؤكد بأنّ تردّي الأداء السياسي المعارض وانزلاقه نحو الهزيمة، شكّل حالة ترقب وانتظار عند الكثيرين من أبناء المجتمع الثائر، حيث أصبحت الأغلبيّة منهم تنتظر فعل دولي وإقليمي، يستعيدوا من خلاله أفقاً جديداً من الممكن حينها أن يشكّل ممرّاً للتغيير، فكيف في ظهور حالة خلاف وتفكيك حاصلة ضمن البنية الداخليّة للسلطة الأسدية.

وتلك إحدى تمنياتنا جميعاً، لأنّها حقيقة تؤدّي لرحيل تلك السلطة النكرة، هذا وبغض النظر عن ضرورة وجود حالة صحيّة اجتماعيّاً وعسكرياً وسليمة أمنياً وسياسياً، قادرة على تعبئة فراغات هذا السقوط حينها.

ولكن وفق الظهور الثنائي والإشكالي، أعتقد مرجّحاً أنّ قيمة ذلك الظهور الكوميدي الذي قدّمه “المناضل المكافح معالي الحرامي رامي”، هو صفر مكعب ضمن تصوّر أنّ هنا معادلة للحلّ السياسي اقتربت، وفق ما افترضه البعض أنّ دمشق قد باشرت في الإصلاح، ضمن ما يسمى عملية بناء الثقة، وتتضمّن حزمة من إجراءات إصلاحيّة واستباقيّة، تبدأ بمحاربة الفساد ونفاذ قوة القانون إلى مراكز الدولة والحكومة ومجتمع تجّار الحرب.

تلك ذاتها الإصلاحات التي صرخت لأجلها حناجر المتظاهرين، ولطالما برع الأسد ومسؤولوه في التهرّب من تنفيذها طيلة العشر سنوات المنصرمة. إذاً، ما وجه الاختلاف في ذلك الإخراج الذي قدّمه “السيد رامي الحرامي”، الذي تنوّعت فيه الاستنتاجات والتحاليل، لدى الكثيرين من المُنشغلين والمهتمين في الشأن العام، والذي على ما يبدو أنّ ابن مهندس وخازن سلطة الأسد “رجل التضحيات رامي الحرامي”، قد استطاع أن يحقّق الهدف والغاية المرجوة من هذا التلقّف.

إنّ من يفهم عقليّة هذا النظام تتكوّن لديه القدرة على إدراك الغاية المرجوّة من هذا الإخراج، أي “فيديوهات رامي، التعيب، المظلوم، الحرامي”، ومرجعيّة السلوكيات التي لطالما اعتادت السلطة الأسديّة على ممارستها، أمام أبناء المجتمع السوري، بل وحتى العالم، لذا أعتقد أنّ هذا السلوك كان يؤدّي غايته في وقت وتاريخ مضى، وهذا طبيعي سابقاً في مجتمع يعاني أغلبه من شلل نصفي في التفكير، لذا أغفلت السلطة بمفكريها المشلولين ذهنيّاً، أنّ هناك حقيقة، مصدرها الاختلاف في زمكانية هذا التصوير، الذي لم يعد يأخذه منع المصداقيّة، في مجتمع بات يتواجد فيه الكثير ممن امتلكوا البناء المعرفي والخبرات، حتّى أصبحوا قادرين على فهم واكتشاف معظم تلك السلوكيات، بل وتفسيرها وتحليلها وفهم ما يخطَّط من وراء ذلك، وهذا حقّاً يشكّل التعبير الصريح عن وجود إرادة مستمرّة تمضي من أجل الوصول إلى التغيير، والتي تنعكس إيقاعاتها وفق ثقافة مغايرة عن ثقافة الأغلبية ممن اختاروا البقاء والاستمرار في كونهم مجرد قطيع يتغذّى على ما يُلقى له، ومتلقّف ما يسمعه من ناي ذلك الراعي الفاسد.

وما يشهده الجميع تتيح التناول له وفق عقليّة السوري اليوم، وليس على نمط ذهنيّة الأمس القريب، من حيث طبيعة هذا الظهور الذي لم يستخدم فيه النظام موظف أو مستخدم، كما لم تسبقه أيّ إشاعة تؤكد أو تنفي صحة ما جاء في هذا الخروج الأعوج، مما يوصلنا إلى رأي مُختلف نوعاً ما عن معظم تلك الآراء والتحاليل والتوقعات التي عقبت هذا التكتيك، غير المبرّر للرأس الثاني في النظام، والأول في السلطة نفوذاً، مالاً، ملفات متشابكة ومعقدة، وهنا أُشير إلى وجود إعادة تموضع جديد لأفراد السُلطة في السُلطة ذاتها، وأعتقد أنّه يمكننا قراءة ذلك من خلال عدّة حقائق توضح الأهداف المُختبأة خلف هذا الإخراج.

وأزعم بأنّ الحوار في ذلك الفيديو وما تبعه يؤكّد أنّ زعامات السلطة المقتة، باتت تدرك أنّ هناك بركاناً من غضب قادم إليهم لا محال، وهذا يستدعي خطوات مُسبقة تحميهم من لهيب الجياع الذي بدأت شرارته تنطلق في أحاديث الشارع العلنية، توضّح ملامحه طبيعة ذلك الانفجار، الناتج عن الجوع والفقر المدقع الذي أصاب حاضنته الرئيسة، إضافة إلى بقيّة المُجتمع المُختطف والمتواجد ضمن مناطقه.

وهنا لا بد من توضيح فكرة هذا الظهور الثنائي “لرامي الحرامي”، والذي عقبه ظهور مُباشر لهرم السلطة الفاسدة “بشار الهبول”، ويوجد اقتباس من شخصيّة سوريّة أعتدّ بفكرها ((إنّ هذه التمثيليّة تقع ضمن إطار تقليم الأظافر للدوائر المحيطة بالسُلطة وولاءاتها، إضافة إلى تلميع صورة الإصلاح، في محاولة تبدو على أنّها أكثر من لعبة وأقلّ من خلاف)).

إذاً، لا بد أنّ التصوّر والفهم البسيط لتلك العقلية المُتذاكية، يشكّل وجهة نظر موضوعيّة، أزعم أنّها تحتاج إلى الالتقاط من أبناء الحراك الوطني السوري، المُتجليّة حول ضرورة تفويت الفرصة على النظام الديكتاتوري في محاولته لاحتواء هذا الانفجار المجتمعي، وكذلك حرمانه من فرصة إعادة توجيه هذا الغضب نحو عدد من موظفي الحكومة وبعض مدراء المؤسسات العامة وتجار السوق المحلي، على اعتبار أنّ هؤلاء وحدهم من كانوا السبب في زيادة المعاناة اليوميّة للسوريين خلال فترات الحرب، كما تحديد مسؤوليتهم في احتكار الموارد الرئيسة والمواد الغذائية والاستهلاكية والتحكّم في تسعير كامل البضائع، بالإضافة إلى الإعلان عن محاسبة كل من منح الغطاء والحماية لهم، سواء من موظفي النظام أو الأمن والجيش والشرطة، وكشفه النوايا الموجودة لدى هؤلاء بحسب زعمه، والسبب الكامن وراء تكديسهم للثروات، على اعتبار أنّ الهدف هو تمكين أنفسهم، أيّ التجار، ومن يحميهم بأنّهم قوة نفوذ خارجة عن سلطة وسياسة دولة الأسد.

ووفق هذا الإطار أجزم بأنّ تمثيليّة مخلوف باتت واضحة المعالم والهدف الرئيسي منها، إعادة توجيه شرارات الغضب المجتمعي والتحكّم باتجاهاته المُغايرة، مما يحقّق لسلطة الأسد عدّة مُكتسبات، أهمّها إعادة تموضعٍ وتمركزٍ أقوى للسلطة، مما يمنحها نفوذاً أوسع، وكذلك اكتِساب حماية متجدّدة مرجعيتها الحاضنة المحلية له، كما تُشكّل فرصة زمكانية من شأنها إعادة تشديد القبضة الخاطفة للدستور والدولة وعموم المجتمع وخصوصاً الجيش، وإعادة تسخير ذلك الاختطاف وعبر الميليشيات الأمنية إلى خدمته وحمايته هو وعائلة السلطة فقط، وكل الوارد هنا يأتي نتيجة متابعة حثيثة وعميقة لعقلية التذاكي التي يحترفها ذلك النظام، وإدراك أساليبه وطريقة تعاطيه مع النصائح التي يقدّمها له حلفاؤه وكذلك أصدقاؤه، حول ضرورة البدء في خطوات وإجراءات إصلاحيّة وعبر قرارات تحدث ضجيجاً وتعاطياً إعلاميّاً شأنه الحديث عن إصلاح حقيقي يقوده هو، أي ما يسمّى “رئيس سوريا المدعو بشار الأسد”، والذي يبدأ من انتهاء أدوار لشخصيات ووظائف وتفكيك للمحسوبيات المحسوبة ضمناً على الدوائر الضيقة في السلطة، وهذا تماشياً مع ضرورة مساندة التقدّم الذي حقّقه حلفاؤه له على الأرض خلال السنوات الأربع الماضية إلى الآن، وهذا يحتاج إلى قرابين والتضحية بمن استنزفوا أدوارهم الوظيفية وبدؤوا في تشكيل عبء عليه، وبحسب مقولة (مين يلي بدو يحاسب على الليلة)، وهل هناك من يستطيع أن يدفع ويُحَاسب أكثر من طبقة الأغنياء الجدد من مدنيين وأمنيين؟.

لذا لا بدّ من طريقة ما، تؤدّي إلى رفع حصانة أفراد من السلطة عن تلك الدوائر، لتبدأ لاحقاً المساومة أو التسوية معهم على نسب من المكتسبات التي حققوها في الحرب، ومن المؤكد أنّ جميع هؤلاء حينها سيدفع وبصمت، إضافة إلى احتمال استبعادهم واستبدالهم بأشخاص وأسماء جديدة لزوم مسرحية الإصلاح ودون أي صراخ وضجيج، فظاهرة محاسبة “رامي مخلوف” ورفع الحصانة عنه ماثلة أمام أعينهم في ذلك الظهور التمثيلي، مُتناسين بذلك حقيقة قائمة بأنّ “سعادة رامي الحرامي” كشخص وعائلة هو عمليّاً أقوى وأكبر من سٌلطة بشار وعائلته وزوجته.

لذلك أجد أنّه لا بد أن يكون هناك فهم في سلوك النظام، ومحاولاته الدائمة إلى تسخير كل قضايا المجتمع السوري المختطف لصالح تعزيز سلطته المقتة، التي ماتزال قائمة طالما أمراء وتجار السلطة والحرب والتدمير متوفرون، وهي فرصة تاريخية تتيح له تحميل كافة ما حصل في سوريا قبل وأثناء الثورة وصولاً للحرب إلى بعض المسؤولين من سياسيين وضباط استخبارات وجيش وشرطة وتجّار.

لذا علينا أن لا نذهب كثيراً باتّجاه كل هذا التهويل، أو محاولة البعض، السياسي والنخبوي، التعويل على مجرد فيديو، يُظن فيه أنّه بداية النهاية لتلك العصابة، تاركين خلفنا جوهرة سقوطه في تحميله المسؤولية الأكبر عن كل الإجرام الحاصل والقتل الذي ارتكب بحق ّالمدنيين والعزّل.

عزيزي السوري، إنّها عائلة وعصابة في الأساس بحكم المنتهية، ولكن الظرف الدولي لم ينتهِ من استغلال جشعها في حب السلطة وحقدها على الآخرين، مقابل أجندات أمن وجيوستراتيجية في عموم منطقة الشّرق الأوسط المُتأخّر حالياً والجديد الحداثي مُستقبلاً.

ليفانت – أحمد منصور

—————————–

الخبر الساخن من دمشق/ فايز سارة

الخبر الساخن من دمشق، لم يصل بعد. لكنه سيصل في غضون الأيام القليلة المقبلة، ليضع نقاطاً على حروف في صراع، يتواصل بين آل الأسد وآل مخلوف، وكلاهما في النواة الصلبة للنظام الحاكم، حيث يتحكم آل الأسد في السلطة، ويتحكم آل مخلوف في الاقتصاد، وقد شهدت الأيام القليلة الماضية، تصعيداً في الصراع، وإخراجاً له إلى المجال العلني والمباشر، وهو أمر شديد الأهمية، فيما تتواصل فيه أقوال وإجراءات، أخذت طابع الشد المتبادل من الطرفين، وسط الإصرار على تصعيد الضغوطات، خصوصاً الأمنية من جانب آل الأسد، ممثلين بأدواتهم من مؤسسات النظام وأجهزته، وسعي لتهدئة مشروطة من جانب آل مخلوف عبر تسجيلين مصورين لرجل الأعمال رامي مخلوف.

أساس الصراع الذي تصاعد في الأشهر الأربعة الماضية، قصة معروفة، بدايتها رفض رامي مخلوف طلباً من الرئاسة بتسديد مبلغ للروس هو جزء من تكلفة الحرب، بحجة عدم توفر السيولة المالية، ما استدعى رداً عنيفاً، شمل قيام جهاز الأمن الرئاسي بحملة تفتيش وتدقيق لأغلب الشركات والمؤسسات العائدة لرامي مخلوف، وإجراء تحقيقات مع عاملين فيها، أعقبها القيام بوضع اليد على بعض الشركات والمؤسسات؛ أبرزها شركتا الخليوي «سيرتيل» و«TMT»، و«جمعية البستان»، وقد تأسست الأخيرة بداية الثورة في عام 2011 للقيام بأعمال خيرية من أجل الشعب السوري، ثم وجد مخلوف أن بين الأعمال الخيرية للجمعية، تأسيس ميليشيا من عشرات آلاف المسلحين للقتال إلى جانب النظام ضد المتظاهرين المطالبين بالحرية والعدالة والمساواة.

وللحق، فإن هجمة آل الأسد، قبل أشهر، بدت عامة، شملت شخصيات ومؤسسات مقربة من النظام، وقد تضرروا جميعاً بتسويات مختلفة، لكن الأهم في الأضرار كان من نصيب شركات ومؤسسات مخلوف، وهذا طبيعي، لأنها تمثل نحو 60 في المائة من إجمالي بنية القطاع الاقتصادي ونشاطاته، وقد أدت الحملة ضدها إلى مصادرة أموال وموجودات في بعض شركاتها، وإغلاق مكاتب، بينها مكاتب «جمعية البستان»، ثم مطالبتها شركة الهاتف الخليوي «سيريتل» بتسديد مستحقات لخزينة الدولة تبلغ 233.8 مليار ليرة سورية، تعادل نحو 334 مليون دولار قبل الخامس من مارس (أيار) 2020، ما دفع رامي مخلوف لبث شريطه المصور الأول، مطالباً بالتعامل بلين مع ظروف شركة الخليوي، لكن طلبه رفض، وتم تأكيد ضرورة السداد تحت طائلة التصعيد الذي جاء في إطاره اعتقال نحو 30 شخصاً من إداريي وتقنيي شركة الخليوي «سيرتيل»، وهو ما أثار مخلوف وكان حافزه لإصدار شريطه المصور الثاني، جدَّد فيه مناشدة الأسد وقف الإجراءات ضد شركاته، مذكراً بما تم تقديمه من خدمات للنظام، وأجهزته الأمنية، في السنوات الماضية، مضيفاً إلى ما سبق سيره إلى النهاية في مواجهة ما اعتبره انتهاكاً لحقوقه.

حدود الخبر الساخن المنتظر من دمشق، أنه يتصل بمآل الصراع بين الطرفين بعد الإشارات والتصريحات المتبادلة، وسط غياب ظاهر لأي أفق لتسوية بين الطرفين، حيث يملك النظام إرثاً كبيراً في التعامل مع متمردي بيت النظام، بينها تجربته مع أنصار رفعت الأسد، التي قام بفصل مهم فيها باسل الأسد، ثم تجربته في ردع تمردات بعض أبناء العمومة، التي قاد بعض معاركها بشار الأسد، قبل أن يصبح رئيساً، مما يعني أن أرجحية حل النظام للصراع الحالي سيتم بالقوة، وقد تضمن شريط رامي مخلوف المسجل استعداده للذهاب إلى هذا المستوى، رغم أنه ما زال يراهن على تسوية توافقية.

ورغم أن مسار القوة في الخبر الساخن المنتظر من دمشق هو المرجح، فإن ثمة عوامل تحيط بالصراع الجاري، يمكن أن تؤثر على احتمالاته، فتجعله في واحد من اثنين؛ حل بالقوة يجرد فيه مخلوف من كل شيء، وهو المرجح، وحل توافقي يستجيب فيه مخلوف لمطالب النظام، وهذا ضعيف، والأضعف منه أن تتمخض الظروف المحيطة عن حل ثالث مختلف نتيجة تدخل دولي كبير.

إن الأبرز والأهم في العوامل المؤثرة على خاتمة الصراع وأولها، أن الصراع سيكرس انقساماً جديداً في النواة الصلبة للنظام، ويعزز تمدده إلى الدائرة الأوسع في حاضنة النظام، سواء كانت الحاضنة الطائفية – العشائرية، أو حاضنة المؤيدين، التي لا شك أن للمتصارعين فيها أنصاراً، بغض النظر عن حصة كل منهما، كما أن الصراع سيؤدي إلى مزيد من التدهور في القطاع الاقتصادي، الذي تسيطر فيه شركات مخلوف على جزء مهم منه، ما سيفاقم مشكلات الاقتصاد السوري المدمر نتيجة صراعات السنوات التسع الماضية، وسيؤدي إلى آثار اجتماعية في أوساط مؤيدي النظام من العاملين في شركات ومشاريع مخلوف البالغين عشرات ألوف الأشخاص، وسينضم إليهم جزء كبير من أقرانهم، الذين تم صرفهم من ميليشيا «جمعية البستان»، التي حلها النظام مؤخراً، واستولى على مقراتها.

وإذا كانت العوامل الداخلية مهمة في تأثيرها على مسار الصراع الجاري، فإنه لا يجوز إهمال العوامل الخارجية. ذلك أن الصراع في أحد أسبابه، يعود إلى رفض مخلوف تسديد مبلغ من فاتورة الحرب لروسيا، التي تصنفه في عداد المرتبطين بإيران، وقد كانت موسكو طرفاً محرضاً ضده، فيما أوضاع إيران الداخلية، تزداد تردياً، ووجودها في سوريا يواجه تحديات صعبة؛ أبرزها تدني إمكانات تمويل أنشطتها هناك، وتزايد نقمة السوريين عليها، وسط تحميلها مسؤولية انتشار فيروس كورونا، وتعرضها المتواصل مع حلفائها من «حزب الله» والميليشيات الشيعية لقصف إسرائيلي متواصل، تتجنب وتعجز عن الرد عليه، فيما حليفها الروسي يلتزم الصمت حيال سياسة إسرائيل، ويتابع عمليات تمدده في سوريا، ولجم التمددات الإيرانية، متابعاً تعريضه بالأسد وعائلته وحكومته.

ويستحق العامل الأوروبي – الأميركي إشارة خاصة فيما يفرضه من تأثيرت على إجمالي الوضع السوري، وبالتالي على الصراع داخل نواة النظام الصلبة، وقد شدد الأميركان والأوروبيون، في الأشهر الأخيرة، ضغوطاتهم على نظام الأسد وحلفائه، فكان في نصيب الأول، إضافة إلى العقوبات، التي ستتصاعد مع «قانون سيزر»، افتتاح أول محاكمات لضباط أمن سابقين في ألمانيا بتهم ارتكاب جرائم حرب، ما يعني فتح ملف جديد للنظام، فيما تستمر واشنطن في سياسة تصعيد ضد إيران، وتتابع تصعيد عقوباتها على طهران وموسكو.

وقبل الخاتمة، فإن ثمة إشارة لا بد منها، تتعلق بجواب عن سر «الثقة العالية» التي كان يبديها رامي مخلوف في حديث الشريطين المسجلين، واستعداده للذهاب إلى الصراع، حتى آخره، وما إذا كان لهذه الثقة صلة بالموقف الأوروبي – الأميركي، خصوصاً أن مخلوف هو أخف أهل البيت الداخلي «خطيئة»، وقد يكون الوجه المقبول للتعامل معه.

الشرق الأوسط

———————–

في أقل من شهر..ثلاثة تطورات قد ترسم مشهداً جديداً في سورية

يشهد الملف السوري خلال هذه الأيام، تسارعاً مهماً في الأحداث والتطورات، فرضته الدول الإقليمية من جهة، والأطراف الفاعلة على الأرض من جهة أخرى، فضلاً عن صدامٍ ظهر للعلن، داخل بنية النظام، وتركيبته العائلية المُهدَّدةِ بالتفكك، بين رأسه بشار الأسد، وواجهة امبراطوريته الاقتصادية، رامي مخلوف.

وفيما يعتبرُ ظهور مخلوف بهذه الطريقة، حدثاً كبيراً للغاية، في نظامٍ لم تظهر خلافاتُ أقطابهِ إلى العلن، إلا نادراً جداً طيلة نصف قرن، فإن من شأن ذلك، بالتزامن مع أحداث تتسارع في تسلسلها الزمني، خلال أقل من شهر، أن يفرض مشهداً جديداً في سورية؛ خاصةً على المسار السياسي، الذي شهد سباتاً تاماً مؤخراً، على حساب العمليات العسكرية على الأرض، وانشغال العالم والدول الفاعلة بأزمة انتشار فيروس “كورونا”.

ومع دخول عام 2020، وتقلّص نسبة المساحات الجغرافية المشتعلة بالعمليات العسكرية، اتجهت الأنظار، إلى مسار “الحل السياسي”، وإمكانية المضي فيه، بعد تسع سنوات من الثورة السورية، وألمحت إلى ذلك الدول الفاعلة؛ خاصةً روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، واللتان ماتزالان تخوضان لعبة “شد حبل”، كخطوة لرسم خريطة سياسية وعسكرية جديدة للبلاد.

هجمة إعلامية روسية

التطور الأول الذي شهدته الأيام الماضية على صعيد الملف السوري، هو الهجمة الإعلامية الروسية على النظام، ورأسه بشار الأسد، والتي جاءت مفاجئة، وأعطت صورة عن حالة “تذمر” روسي من الأسد، واصفةً إياه بـ”الفاسد” اقتصادياً، وغير القادر على إدارة سورية في الوقت الحالي.

تصدّر الهجمة الروسية، وسائل إعلامية مقربة من “الكرملين”، بينها وكالات ومواقع إخبارية وصحف، ولعل أبرزها “وكالة الأنباء الفيدرالية”، إذ كانت السباقة بنشر المقالات المهاجمة لرأس النظام، وهي  مقالات غير مسبوقة بنبرتها الهجومية، وعبّرت بشكل أو بآخر عن “مرحلة طلاق” وصل إليها الحليف الروسي مع الطرف الذي يدعمه (نظام الأسد)، لتتبعها تقارير نشرتها صحيفة “برافدا” تحدثت فيها عن فساد نظام الأسد “الضعيف”، وكذبت روايته عن معارك البادية مع “تنظيم الدولة”، التي أعلن عنها أواسط أبريل/نيسان الفائت

ورغم عدم وضوح الأهداف الأساسية من الهجوم الإعلامي الروسي على نظام الأسد، حتى الآن، على خلفية الزخم الكبير من التحليلات، إلا أن الشيء الذي حظي بشبه إجماعٍ من المراقبين لتفاصيل الشأن السوري، هو فكرة أن الجانب الروسي أرسل من خلال هجمته عدة رسائل إلى رأس النظام، للضغط عليه وتحجيمه، بهدف تحصيل مكاسب، وخاصةً في القطاع الاقتصادي، الذي تحاول عدة شركات روسية، فرض هيمنتها الكاملة عليه، بعد سنوات من “دفع فواتير” العمليات العسكرية على الأرض.

بشار الأسد مع وزير دفاعه ونظيره الروسي فلاديمير بوتين – (وكالة تاس)

بشار الأسد و وزير دفاعه مع الروسي فلاديمير بوتين في قاعدة حميميم – ديسمبر/كانون الأول 2017 – (وكالة تاس)

إيران.. من اللجمِ إلى الطرد

التطور الثاني الذي شهده الملف السوري، في الأيام الماضية، هو التصريحات الإسرائيلية، المؤكِدَةِ مُجدداً، بدايةَ ما قالت تل أبيب سابقاً خلال 2020، مرحلة طرد إيران من سورية بشكل كامل، بعد الضربات المتسلسلة السابقة، الهادفة للجّمها فقط.

وفي 28  أبريل/نيسان الماضي، كان وزير الدفاع الإسرائيلي، نفتالي بينيت قد قال لصحفيين في إذاعة “إف إم 103” رداً على سؤاله عن استمرارية الضربات الجوية في سورية: “أجعلوا آذانكم مفتوحة.. سوف تسمعون وترون بأعينكم.. سنستمر بضرب إيران وانتقلنا من مرحلة إيقاف التموضع في سوريا بشكل واضح وجذري إلى أن نخرجها بشكل كامل”.

وأضاف بينيت: “الجيش عندنا، جنباً إلى جنب مع نشاطه في مكافحة (كورونا)، لا ينام ولا يهدأ، بل ينفذ عمليات أضخم بكثير من الماضي وبوتيرة أعلى بكثير من الماضي. وهو يحقق النجاحات في ذلك”.

وجاء حديث وزير الدفاع الإسرائيلي قبل ساعات من قصف إسرائيلي استهدف مواقع لنظام الأسد في محيط منطقة السيدة زينب قرب العاصمة دمشق، وذلك كأول ضربة تستهدف هذه المنطقة.

ويعتبر تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي الجديد(الذي تحدث بمثله في فبراير/شباط الماضي) بشأن استراتيجية “محاربة إيران” في سورية، تحولاً جذرياً، بعد نحو أربعة أشهر من اغتيال قائد “فيلق القدس” التابع لـ”الحرس الثوري” الإيراني، قاسم سليماني، بضربة جوية أمريكية قرب مطار بغداد.

مرحلة ما بعد سليماني.. إسرائيل: بدأنا طرد إيران من سورية

وعقب تصريح وزير الدفاع الاسرائيلي الأخير، استهدفت إسرائيل بعدة غارات جوية، مواقع عسكرية لنظام الأسد والميليشيات الإيرانية، أولها في محيط دمشق، ومن ثم في محافظة حمص والجنوب السوري، وصولاً إلى آخرها، اليوم الثلاثاء، في محيط مدينة حلب، وفي ريف مدينة دير الزور، بالقرب من البوكمال الحدودية.

تشقق البنية.. مخلوف “المُنهار”

إلى جانب التطورين السابقين، فرض رجل أعمال عائلة الأسد، رامي مخلوف،  مشهداً جديداً في سورية، خلال الأيام الماضية، بعد ظهوره بتسجيلين مصورين في “فيسبوك”، تحدث فيهما عن ضغوط يتعرض لها، لإبعاده عن المشهد الاقتصادي لسورية.

ومع وجود تكهناتٍ وتحليلاتٍ كثيرة حول الحدث، فإن المؤكد، أن ظهور مخلوف بهذه الطريقة، شَكلَ صفعةً إضافية لصورة و”هيبة” نظام الأسد، التي ترتجُ منذ سنوات، وتتهشمُ تباعاً؛ خاصة أنها تأتي في سياقٍ تتسارع فيه تطوراتٌ عديدة، وترشحُ فرضياتٌ؛ بينها تفككُ بنية التحالف العائلي للنظام.

إضافة لذلك، فإن مسألة مخلوف الحالية، تأتي وسط الحديث عن ترتيبات يقوم بها الجانب الروسي، للسيطرة على مفاصل الاقتصاد، وإبعاد الشخصيات المعاقبة دولياً، والتي تقف كعقبة كبيرة في سبيل التقدم خطوة للأمام.

ويقول مسؤولون غربيون، إن مخلوف لعب دوراً كبيراً في تمويل الأسد خلال “الحرب”، ما اقتضى تشديد العقوبات الغربية عليه، وهو أمر أكده بنفسه في التسجيل المصور الأخير، قائلاً: “هل أحد يتوقع أن تأتي الأجهزة الأمنية على شركات رامي مخلوف.. اللي هي أكبر داعم للأجهزة الأمنية، وأكتر راعي لهم أثناء الحرب؟”.

———————————–

رامي مخلوف.. سقوط المحرّم الرابع/ خضر الآغا

في سوريا حفظنا عن ظهر قلب المحرمات الثلاث: الدين، الجنس، السياسة. تلك التي أشار إليها بوعلي ياسين في العام 1974 في كتابه “الثالوث المحرّم”. ثم رحنا نعتاد على محرمات أخرى مع المضي في حكم الأسد: الجيش، الأمن، النفط، ثم ثروات المسؤولين والقريبين منهم.

هكذا كانت تزداد دائرة المحرمات اتساعًا بحماية أجهزة أمنية فظة وهمجية منتشرة كالصئبان على امتداد الجغرافيا السورية. إلا أن كل تلك الدوائر المحرمة تقع في إطار / وتنبثق عن المحرّم الأكبر في مستوطنة العقاب الأسدية وهو السياسة، فبقي الثالوث ثالوثًا حتى العام 2000 بدايات حكم الأسد الابن، حيث  ظهر فجأة محرّم رابع (من خارج منظومة الحكم السياسية والأمنية) هو رامي مخلوف الذي ظهر أولًا مع شركة الاتصالات “سيرياتل” العائدة له قبل أن يتكشف كمالك لأكثر من 60 % من الاقتصاد السوري عبر مئات الشركات التي يملكها، أو يملك حصة الأسد فيها، أو أسهمًا بمقدار متفاوت.

وقد شاع أنه ليس سوى الواجهة الاقتصادية لبشار الأسد، وقد تأكد ذلك لدى السوريين عبر منع تداول اسم رامي مخلوف في الصحافة ووسائل الإعلام منعًا باتًا تحت طائلة الملاحقة الأمنية، وكذلك منع تداوله شفاهيًا الأمر الذي جعل الحديث عنه يتخذ طابعًا سريًا كما لو أنه منشور عن عصيان!  ففي العام 2001 تم سحب جريدة الثورة من الأسواق نتيجة وجود تحقيق أجراه أحد الصحفيين عن “سيرياتل” وكان قد نُشر خطأً، ثم عوقب الصحفي بنقله إلى قسم آخر ومنعه من إجراء تحقيقات صحفية من أي نوع!

وفي 17/ 2/ 2001، وجّه عضو مجلس الشعب السوري مأمون الحمصي إلى الحكومة سؤالًا عن عقود الخليوي المشبوهة، وقد كلفه ذلك، إضافة إلى مواقف سياسية أخرى، تجريده من الحصانة البرلمانية وسجنه محكومًا بخمس سنوات، ثم هروبه خارج البلاد ليستقر به الحال في كندا بائعًا للحليب والكعك! وقد روى الحمصي في لقاء تلفزيوني أن رامي مخلوف قال له بعد إثارة الموضوع في مجلس الشعب: هناك أناس يضربون رؤوسهم بالصخر فتنكسر رؤوسهم والصخر لا ينكسر. في إشارة إلى أنه سيتم تكسير رأسه لو أعاد إثارة الموضوع.

تابع رجل الأعمال السوري وعضو مجلس الشعب آنذاك رياض سيف إثارة قضية الخليوي وكشف عن وثائق تدل أن الشعب السوري سيخسر 200 مليار ليرة سورية جراء إبرام عقود الخليوي (كانت الليرة السورية تعادل خمسين دولارًا) وكان ذلك في 26/ 3/ 2001. الأمر الذي كلف رياض سيف تجريده أيضًا من الحصانة البرلمانية وسجنه خمس سنوات.

لكن القضية لم تتوقف، حيث قام المفكر والخبير الاقتصادي عارف دليلة بإلقاء محاضرة بعنوان “الاقتصاد السوري: مشكلات وحلول” في 9/ 9/ 2001 وكانت قضية الخليوي من محاورها الرئيسة، فكلفه ذلك سجن عشر سنوات.

وغير ذلك الكثير مما تعرّض له سوريون جراء ذكر رامي مخلوف أو شركة سيرياتل أو شركة الخليوي الأخرى في سوريا MTN. نتذكر كسوريين أيضًا أنه في29/ 1/ 2011 أنشأ بعض السوريين مجموعة أطلقوا عليها اسم “منتوفين، موظفين وعاطلين، من موبيلاتنا منهوبين”، ودعت المجموعة إلى اعتصام سلمي أمام مجلس الشعب ضد نهب شركتي الخليوي الوحيدتين في البلد للناس. وعند ذهاب الناس للاعتصام في 3 / 2 / 2011 قامت أجهزة الأمن بتفريق المعتصمين واعتقال بعضهم.

بقي رامي مخلوف اسمًا محاطًا بالتحريم إلى أن ظهرت مؤخرًا بوادر خلافات مالية بينه وبين بشار الأسد ناتجة ـكما يشاع ـ عن أن روسيا طلبت مستحقاتها أو بعضًا منها من الأسد جراء حمايته من السقوط وهي مبلغ 3 مليار دولار، وعندما أظهر عدم امتلاكه المبلغ، طلبت تسديده من رامي مخلوف، وهنا بدأت القصة، حيث امتنع عن السداد.

في هذه الأثناء برزت وجوه جديدة في شبكة الفساد المالي التي تشكل عصب الأسدية، فقد ظهر ابن خالة أسماء الأخرس (زوجة بشار الأسد) مهند الدباغ الذي فيما لو اعتلى عرش الاقتصاد السوري مكان مخلوف فإنه سيسدد المبلغ، فتدخلت زوجة الأسد لإزاحة مخلوف وإحلال ابن خالتها مكانه. ذلك التبديل العائلي لم  يكن واردًا حدوثه قبل وفاة “العقل المدبر” للنظام وهي أنيسة مخلوف (والدة بشار الأسد وعمة رامي مخلوف) التي سبق أن تدخلت حاسمة الصراع بين حافظ الأسد وأخيه رفعت الأسد 1984، والتي بقيت عائلة مخلوف متحكمة بالقرار الاقتصادي وبالمكانة الاجتماعية والسياسية بفضلها.

وقد سمتها تقارير غربية “الملكة” من حيث تأثيرها على القرار السياسي للأسدية، لاسيما قيادتها الحرب على السوريين منذ الثورة على نظام ابنها الذي أسّسه زوجها قبلًا! بوفاتها انفرط عقد آل مخلوف ليصعد مكانهم آل الأخرس، وتحل أسماء الأخرس محل أنيسة مخلوف بميلشيا اقتصادية تتبع لها.

لجأ رامي مخلوف كردّ، أو جزء من رد على كل ذلك إلى ظهور إعلامي لإحداث شرخ وإعادة اصطفاف في البيئة المؤيدة، عبر تركيزه على أعمال خيرية مزعومة قدمها لبيئته، وعلى قيامه بتأسيس ميليشيا داعمة للنظام، وغيره مما ذكره في ظهوراته التي اتسمت بالتهديد بالكشف عن “آخرين” يعملون معه ويعمل لحسابهم، وقد تم تفسير ذلك أنه يشير إلى بشار الأسد وآخرين من قلب النظام بوصفهم أصحاب المال! مشيرًا إلى معركة قد تنشب في حال الاصرار على إزاحته.

بذلك، تحول المحرّم الرابع إلى مستباح، ليس في الإعلام والمشافهة فحسب، بل ميدانيًا أيضًا، حيث يتم الحديث إعلاميًا وعبر وسائل التواصل عن مداهمات واعتقالات وملاحقات للمجموعات القريبة من رامي مخلوف، ولمداهمة شقته (إحداها) ومزرعته (إحداها) وغير ذلك…

الترا صوت

——————-

==========================

=========================

تحديث 07 أيار 2020

————————-

قصة رامي مخلوف من الصعود إلى السيطرة… والاختبار، خبراء سوريون يقارنون ظهوره بقصة رفعت الأسد في الثمانينات/

إبراهيم حميدي

تحمل الإطلالة التلفزيونية لرامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد، الكثير من الرمزية المبطنة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، من حيث الشكل والمضمون والتوقيت… والسياق التاريخي القريب والبعيد.

الظهور في تسجيلين مدتهما 25 دقيقة، لا يحيد عن سياق الدور المعلن والمضمر خلال 25 سنة. قاعدة الانطلاق كانت أنه ابن محمد مخلوف «أبو رامي»، شقيق أنيسة زوجة الرئيس الراحل حافظ الأسد. ثم، دخل في مرحلة «المهندس رامي» بعد تخرجه في الجامعة. أما الصعود الاقتصادي، فبدأ نهاية التسعينات. وخلال العقد الماضي، عُرف بـ«الاستاذ رامي». كان رجل الظل والصفقات الكبرى. لم يكن مغرماً بالشاشة والواجهات العلنية.

ما الذي استدعى أن يغيّر رامي طقوسه ليطلّ تلفزيونياً «نصيراً للفقراء» ويناشد «سيادة الرئيس» التدخل لإنصاف «الذين كانوا موالين… وما زالوا»، منتقداً «الآخرين»؟

– الصعود

كان لمحمد مخلوف، شقيق أنيسة زوجة الرئيس الراحل حافظ الأسد، دور محوري غير مرئي في الاقتصاد السوري. انطلق من «مؤسسة التبغ – ريجي» الحكومية ليتجذر في رعاية صفقات اقتصادية كبرى خصوصاً في قطاع النفط من الإنتاج والتصدير في منتصف الثمانينات. كان «العرّاب الخفي» للاقتصاد وغيره، فيما ركز الأسد على البعدين العسكري والسياسي الأمني في بنية النظام.

مع التغير البيولوجي – الجيلي في الأسرة والنخبة الحاكمة، انتقل دور الجيل الجديد لأبناء المسؤولين من «الشراكات» في الشركات إلى قيادة قطاع الأعمال الخاص في النصف الثاني. كان أبرزهم «المهندس رامي»، فبدأ في «راماك» المختصة في «السوق الحرة» على البوابات الحدودية البرية والجوية.

بالتزامن مع وفاة الرئيس الأسد وانتقال الحكم إلى الرئيس بشار الأسد، اتجه رامي إلى قطاع الاتصالات الواعد. وبعد مفاوضات ومحاكمات واختبارات، حازت «سيريتل» وشركة أخرى منافسة هي «إم تي إن» من الحكومة السورية، على ترخيص «بي أو تي» في 2001، وباتت الشركتان تحتكران قطاع الاتصالات وعائداته. وقتذاك، تعرض باحثون ونواب سابقون، بينهم رياض سيف، لضغوط يعتقد معارضون أنها بسبب إثارة هذا العقد والاقتراب من «الخط الأحمر». كان عقد «سيريتل»، القاعدة التي اتسعت منها مجالات عمل واهتمام شركات مخلوف، لتشمل معظم قطاعات النفط والمال والمصارف والسياحة والتجارة، في مواكبة لمرحلة الانفتاح الاقتصادي الانتقائي في البلاد في بداية الألفية. الانفتاح، الذي يعتقد خبراء أنه ضَيّق حجم الطبقة الوسطى وركّز الثروة لدى عدد قليل وخصوصاً شركات مخلوف، كأنه أكل من القاعدة الشعبية التقليدية للنظام وأربك «العقد الاجتماعي» القائم خلال ثلاثة عقود من حكم الرئيس الأسد. ويذهب بعضهم إلى اعتبار هذا سبباً رئيسياً في احتجاجات 2011.

– أول اختبار

أطلق عليه منافسوه ومعارضون سياسيون «الوكيل الحصري لسوريا». حسده من أراد «حصة في الكعكة». انتقده من أراد طريقاً آخر للبلاد، سياسياً واقتصادياً. وكان أبرز المعارضين للمفاوضات التي كانت تجريها الحكومة مع الاتحاد الأوروبي لتوقيع «اتفاق شراكة» تضع قيوداً لمنع «الاحتكار الاقتصادي». تراكمت انتقادات وملاحظات وتحذيرات إزاء اتساع دوره، من قطاعات عائلية وطبقية وسياسية واقتصادية، فكان أول اختبار يحصل معه. وفي 2004 غادر إلى الإمارات وبقي هناك بضعة أشهر. وقال مسؤول اقتصادي سابق: «تلك السنة كانت الأفضل على صعيد تدفق الاستثمارات الخارجية إلى سوريا».

رامي قابل الاختبار بالصمت. حاول الاستثمار في الإمارات من دون ضجة. حصلت موجة أخرى من الضغوط الاقتصادية ودخلت سوريا في عزلة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، في 2005. توفرت شروط، داخلية وخارجية، استدعت عودته إلى البلاد وتوسيع دوره الاقتصادي. الهدف، كان نسخ «التجربة اللبنانية» في سوريا بما فيها المصارف التي كانت رئة الاقتصاد السوري. وبرز مصطلح «بيرتة (بيروت) دمشق». أي، لدى خروج الجيش من لبنان، سعى البعض إلى صنع «لبنان سوريا» في سوريا لتعويض ما فقد جراء الانسحاب خصوصاً في القطاع الاقتصادي – المالي. أسس رامي مع «شركاء» آخرين شركة «شام القابضة» في 2006 للإشراف على إدارة التوسع الهائل للدور الاقتصادي. ويوضح المسؤول: «كان مخلوف يسيطر على نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي الذي كان نحو 62 مليار دولار أميركي. لكنّ دوره في القرار الاقتصادي كان أكبر من هذه النسبة بكثير».

– «اعتزال الغرام»

لدى اندلاع الاحتجاجات في 2011، ظهرت لافتات وشعارات ضد دور رامي، الاقتصادي وشركة «سيريتل»، ومطالبات للرئيس الأسد بتقييد ذلك أو محاسبته. ترددت روايات عدة من معارضين أو منشقين، حول دور بيت مخلوف في اختيار النظام «الحل الأمني» وخطاب الرئيس الأسد في نهاية مارس (آذار) من ذلك العام، فيما تحدث مسؤولون أن الاحتجاجات كانت منذ البداية «جزءاً من مؤامرة خارجية».

كانت هناك لقاءات غير علنية لمخلوف مع مسؤولين غربيين، منهم السفير الأميركي الأسبق روبرت فورد، وسفراء أوروبيون بينهم الفرنسي إريك شوفاليه. كان رامي ووالده قد استضافا جون كيري عندما كان رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس. وفجأة، في منتصف ذاك العام وعلى غير عادته، كانت لرامي إطلالتان: الأولى، في مقابلة مع الصحافي الراحل أنطوني شديد في «نيويورك تايمز»، قال فيها: «لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا»، أي ربط أمن إسرائيل باستقرار سوريا. الأخرى، إعلانه «اعتزال الغرام» والتنازل عن ممتلكاته لـ«أعمال خيرية»، في إطار استيعاب الاحتجاجات السلمية بعد تسميته في المظاهرات. لكن نشطاء ومعارضين تحدثوا عن استمرار دوره ومساهمته في دعم قوات الحكومة عبر وسائل عدة، بينها «جمعية البستان» برئاسة سامر درويش وتنظيمات قاتلت إلى جانب قوات الحكومة.

– الأخ الأصغر

لعب الشقيق الأصغر لرامي، العقيد حافظ مخلوف رئيس فرع أمن دمشق التابع لإدارة المخابرات العامة، دوراً محورياً في مواجهة الاحتجاجات والاعتقالات وترجيح «الخيار الأمني». هناك من اعتقد أنه كان من «الحلقة الضيقة» وأنه دفع مرات عدة ضد وجهات نظر مسؤولين في النظام، كانت تقترح حلاً سياسياً للأزمة. وفي 2014، أُعفي العقيد حافظ من منصبه. غادر بعد ذلك إلى روسيا لفترة ثم عاد «بعد سماح» إلى دمشق، لكنه بقي هو ووالده محمد يقضيان وقتاً واسعاً بين موسكو وكييف بفضل علاقات أمنية وسياسية واقتصادية مع متنفذين في روسيا. هناك من يعتقد بوجود صلة مع يفغيني بريغوزين المعروف بـ«طباخ بوتين»، المعروف بتأسيس مجموعة «فاغنر» التي قاتل عناصرها في أماكن الصراع والتدخل الروسي لتجنب انخراط الجيش مباشرة وتكرار تجربة أفغانستان. لم تُعرف الأسباب الحقيقية للانزعاج من حافظ مخلوف وعزله. تحدث معارضون عن سعيه للعب دور سياسي ما في دمشق بتنسيق مع أطراف روسية وقبول قوى غربية، ضمن «محاصصة طائفية» برعاية خارجية تتضمن توسيع صلاحيات رئيس الوزراء السُّني وتقليص صلاحيات الرئيس العلوي.

– لاعبون جدد

في 2015، نقل رامي مخلوف ترخيص «سيريتل» من «بي أو تي» إلى رخصة بالتعاقد مع «الهيئة العامة للاتصالات» الحكومية. ونقل موقع «روسيا اليوم» قبل أيام عن باحثة اقتصادية سورية أن تعديل صيغة العقود المبرمة مع شركتي الهاتف النقال في البلاد «فوّتت على الخزينة أكثر من 338 مليار ليرة (نحو 482 مليون دولار)».

وبين عامي 2015 و2020، ظهرت عوامل جديدة. من جهة، واصل مخلوف دوره الاقتصادي الخلفي ودعمه لـ«جمعية البستان» بتوفير رواتب مساعدات لمصابين في الحرب وأسر عائلات في الجيش والأمن وفقراء في الساحل السوري و«أحزمة الفقر» حول دمشق والمدن الأخرى التي تضم عائلات موظفي مؤسسات الدولة من جيش وأمن وغيرها وتقديم امتيازات مالية لرجال متنفذين، إضافة إلى تمويل تنظيمات عسكرية قاتلت إلى جانب قوات الحكومة. كما واصل دعمه لـ«الحزب السوري القومي الاجتماعي» الذي بات ممثلاً في الحكومة.

في الوقت نفسه، بدأ بروز دور لرجال أعمال جدد خصوصاً من لبّوا الحاجات الجديدة للنظام مع تراجع الدور المرئي لمخلوف. كان بين الصاعدين مجموعة قاطرجي ووسيم قطان وسامر الفوز الذي اشترى حصص فندق «فورسيزونز» من مخلوف وآخرين. وتركزت أعمال هؤلاء في استيراد مواد غذائية ومشتقات نفطية بتسهيلات إيرانية، وصفقات نقل النفط من مناطق سيطرة حلفاء أميركا شرق سوريا ومناطق الحكومة. كما برز دور رجال أعمال شباب، بينهم محيي الدين مهند دباغ ويسار إبراهيم، في عقود لعل أبرزها واحد لتشغيل الهاتف النقال في سوريا مع شركة إيرانية تابعة لـ«الحرس الثوري»، وعقد آخر يتعلق بـ«البطاقة الذكية» التي تضبط مشتريات المواطنين.

عندما تحدث رامي في إطلالته التلفزيونية الثانية عن «الآخرين»، ربما كان يشير إلى هؤلاء. وأمام بروز «أمراء الحرب»، أدرج الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مخلوف والفوز وآخرين على قائمة العقوبات. وبعد غياب عن الضوء لسنوات، عاد مخلوف لعقد اجتماعات شركة «شام القابضة» في العام الماضي.

– تفكيك شبكات

في أغسطس (آب) الماضي، اتخذ الرئيس الأسد إجراءات صارمة ضد شبكات مخلوف وشركاته. شمل ذلك، «جمعية البستان» وحل جناحها العسكري، حيث كانت تعطي المقاتل راتباً يصل إلى 350 دولاراً، ما يعني أضعاف راتب الجندي النظامي. وقيل وقتذاك، إن «جمعية البستان» تستطيع الاستمرار في «العمل الخيري»، فيما أعلنت «الجمعية» أنها «كانت وما زالت وستبقى جزءاً من الشعب، في تقديم يد العون لكل محتاج ومريض، رديفةً للجهات الحكومية. فالجمعية نهضت بدعم ورعاية قائد الوطن السيد الرئيس، واشتد عودها فمدّت يد العون للآلاف من الأحبة وساعدتهم في محنهم».

إجراءات التفكيك، شملت الذراع السياسية. تبلغ عناصر في «الحزب السوري القومي الاجتماعي» تعليمات بفقدان مميزات كانت قد مُنحت لهم في الفترة الأخيرة، بسبب الدور البارز لآل مخلوف المعروف تاريخياً بتأييده أفكار الحزب ما أسهم في تمدده في مفاصل رئيسية وتكوين ميليشيات قاتلت إلى جانب قوات الحكومة، ذلك بعدما كان الحزب شبه محظور في السنوات السابقة، بسبب معارضة «البعث» الحاكم. وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أصدرت محكمة الاستئناف قراراً بحل «الحزب السوري – جناح الأمانة»، الذي كان قد أسسه رامي في 2011، وخاض انتخابات مجلس الشعب في 2012 بدعم من «جمعية البستان» وحصل على مقاعد في البرلمان.

في نهاية العام الماضي، أمام تراجع سعر الصرف جرى توجيه انتقادات إلى رامي لـ«عدم المساهمة في وقف التدهور» وسط اتهاماته له بتصريف مبالغ طائلة من عائدات «سيريتل» وغيرها في لبنان يومياً. طلب «المصرف المركزي» من رجال الأعمال تقديم دعم لإنقاذ الليرة، لكن المبالغ المحصلة كانت قليلة جداً لم تصل إلى طموح «التوجيه» بجمع نصف مليار دولار. فاستمر انخفاض سعر الصرف وزاد الانهيار بسبب العقوبات والأزمة المالية في لبنان.

عادت حملة مكافحة الفساد وملاحقة رجال أعمال. وتم فتح ملفات ضد رجال أعمال ومسؤولين سابقين وحاليين. وتحدّث الرئيس الأسد في مقابلة مع التلفزيون الرسمي في نهاية أكتوبر عن مكافحة الفساد في المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص. وقال: «في القطاع الخاص، طلب من كل من هدر أموال الدولة أن يعيد الأموال (…) نريد أموال الدولة أولاً قبل أن نلاحق ونحوّل إلى القضاء». وفي 23 ديسمبر (كانون الأول)، صدرت سلسلة قرارات بالحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لعدد من كبار رجال الأعمال بينهم مخلوف وزوجته وشركاته. ووجهت لهم تهم التهرّب الضريبي والحصول على أرباح غير قانونية خلال سنوات الحرب. وأصدرت مديرية الجمارك قراراً بالحجز الاحتياطي على أموال مخلوف. وفي بداية العام، فتحت ملفات تتعلق بالفساد في شركة للنقل الجوي. وفي 17 مارس 2020 أصدرت وزارة المال قراراً بتجميد أمواله بسبب علاقته بشركة مختصة بالنفط.

– «رسائل فاغنر»

هبّت في منتصف أبريل (نيسان) رياح إعلامية قاسية من موسكو، حيث لكل كلمة معنى، على دمشق والرئيس الأسد. تضمنت مقالات واستبيان رأي جاءت من طرف مؤسسات تابعة لـ«مجموعة فاغنر» الذي يملك مقاتلين واستثمارات في سوريا ومعروف قربه من الرئيس فلاديمير بوتين، وجرى «تطعيمها» لاحقاً بمقالات حادة في صحيفة «برافدا» وعلى مواقع فكرية رصينة. الحملة جاءت بعد زيارة خاطفة لوزير الدفاع سيرغي شويغو، تضمنت نقل «رسائل قاسية» من الرئيس بوتين، تتعلق بضرورة التزام دمشق بالاتفاقات العسكرية الموقعة بين بوتين ورجب طيب إردوغان حول إدلب وألا تستجيب دمشق لتشجيع من دول عربية على فتح معركة مع الأتراك وفصائل موالية لهم في شمال غربي سوريا.

كما جاءت الحملة وسط انتقادات روسية لعدم التزام دمشق بالتفاهمات الروسية – الإسرائيلية – الأميركية، ورغبة موسكو بتقييد دور إيران في سوريا وتحديد ملامحه وسط استمرار الغارات الإسرائيلية وانتقال تل أبيب من «مرحلة احتواء إيران إلى إخراجها من سوريا». كما سربت وسائل إعلام روسية معلومات عن صراع اقتصادي في سوريا بين شركات روسية وأخرى تدعمها إيران واعتراض شركات روسية وتنظيمات بعضها تابع لـ«فاغنر»، بسبب عدم توفر عائدات مالية موازية للتدخل العسكري، خصوصاً في قطاعات حصص النفط والغاز والصفقات الاقتصادية.

وفي مقابل تمسك مواقع بحثية روسية وخبراء محسوبين على الخارجية ومؤسسات أخرى، بالحديث عن الأسد بوصفه «الرئيس الشرعي للبلاد وأسهم في الحفاظ على استقرار الدولة»، استمرت مراكز أخرى قريبة من «فاغنر» في توجيه انتقادات إلى الأسد.

– حملة وإطلالة

في منتصف أبريل، اتخذت الحملة على رامي بعداً جديداً. إذ إنه حصل حدث يتعلق بـشركة «ميلك مان» التابعة له، لدى إعلان السلطات المصرية أنها ضبطت شحنة حليب محملة على باخرة سورية متجهة إلى ليبيا وعلى متنها 4 أطنان من الحشيش المخدر. من جهته، أعلن رامي أنها «مؤامرة لتشويه السمعة». وكان لافتاً، عدم حصول تأثير على دور «سيريتل» الإعلاني خلال شهر رمضان وخدماتها التي تصل إلى نحو 11 مليون شخص.

وفي 27 أبريل الماضي، أعلنت «الهيئة الناظمة للاتصالات» مطالبة شركتي الهاتف النقال بدفع مبلغ 233 مليار ليرة سورية (منها 120 من «سيريتل») قبل 5 مايو (أيار) 2020. (334 مليون دولار بينها 178,5 مليون مطلوبة من شركة مخلوف).

في نهاية أبريل، أسس رامي صفحة على «فيسبوك» بهيئة جديدة، برزت فيها لحيته. بدايةً، أصدر بياناً خطياً تمسك فيه بـ«العمل الخيري» في «جمعية البستان» لمساعدة الفقراء. لكن في اليوم الثاني، رمى مفاجأة أخرى بأنه قام بخطوة غير متعارف عليها في دمشق ومن شخصيات نافذة، إذ إنه بث فيديو على صفحته في «فيسبوك»، ناشد فيه الأسد، التدخل لإنقاذ شركة الهاتف النقال.

وفي الفيديو، ومدته 15 دقيقة، قال: «لا نتهرّب من الضريبة ولا نتلاعب على البلد (…) ندفع ضرائبنا وندفع تقاسم العائدات» للحكومة. ورغم اعتباره أن «مطالب الدولة غير محقة» وأن «المبلغ ليس موجوداً تحت البلاطة»، توجّه إلى الأسد، قائلاً: «سألتزم بما وجهت به (…) أحترم أمرك وواجب عليّ أن أنفّذه. أرجوك ومن أجل استمرارية الشركة، ومن أجل استمرارية عملها ومن أجل المشتركين، لئلا تتأثر الخدمة من خلال قصّ المبلغ بطريقة مجحفة، أرجو أن تكون توجيهاتك وتعليماتك لجدولة (السداد) بطريقة مُرضية، بحيث لا تنهار الشركة مع هذا المبلغ». لكنه قال: «تعبت كثيراً من الطاقم الموجود الذي يضعني دائماً في دائرة الاتهام ويعتبرني أنا المخطئ وأنا السيئ».

في 1 مايو، ردت «الهيئة الناظمة للاتصالات» على رامي في بيان أصدرته في الساعة 11:30 ليلاً، قالت فيه إنها ترفض محاولات «التشويش» من رامي ومتمسكة بمطالبته بأن يسدد «مستحقات الدولة»، في وقت قامت أجهزة الأمن في اليوم التالي باعتقالات شخصيات مفتاحية في شركاته.

– «رسائل الحطب»

بعد ساعة من حملة اعتقالات انتقائية صباح الأحد، ظهر مخلوف ثانيةً في فيديو ثانٍ، تضمن خطوات دبلوماسية محسوبة بالشكل والمضمون. وإن كانت لغته الدينية ليست جديدة، فإنه كما في الفيديو الأول، حرص على الظهور كرجل عادي سواء من حيث اللباس أو تموضع الكاميرا والخلفية الخشبية وقطع الحطب. كما حرص على انتقاء كلماته بدقة لجهة مناشدة الرئيس الأسد ووصفه بأنه «صمام الأمان»، لكن مع تحذيرات مبطنة لدى حديثه عن «مرحلة مفصلية» تمر فيها البلاد وعن «آخرين» في البلاد، وأنه يدرك «حجم المخاطرة»، لكن «لن يتنازل» أمام «ظلم» أجهزة الأمن التي «رعاها ودعمها».

قال في الفيديو، ومدته عشر دقائق: «بدأت اليوم الضغوطات بطريقة غير مقبولة (…) وبدأت الأجهزة الأمنية تعتقل الموظفين الذين يعملون لديّ»، متسائلاً: «هل يتوقع أحد أن تأتي الأجهزة الأمنية على شركات رامي مخلوف، الذي كان أكبر داعم لهذه الأجهزة وأكبر راعٍ لها خلال الحرب؟». وأضاف رامي ويُعتقد أنه في يعفور قرب دمشق: «طُلب مني اليوم أن أبتعد عن الشركات وأن أنفذ تعليمات… وبدأت الضغوطات بسحب الموظفين والمديرين»، مشيراً إلى أنه تلقى تهديدات «إما أن تتنازل وإما أن نسجن كل جماعتك».

«رسائل الحطب» التي بعث بها، تضمنت التحدث باسم «الفقراء» و«الموالين» ضد «الآخرين». رد السلطات، كان بتوسيع دائرة الاعتقالات بما في ذلك مناطق الساحل. مالياً, ردة «هيئة الاتصالات» بالتمسك بسداد المبلغ.

– الحل… مالي أم سياسي؟

منذ ظهور رامي الثنائي، ظهرت سيناريوهات كثيرة في محاولة لتفسير ما حصل واستقرار الممكن. الواضح، هناك مستويان:

الأول، مالي، يتعلق بشركات مخلوف ومستحقات على «سيريتل» والإجراءات المتخذة ضد شبكاته بفعل المتغيرات في التوازنات الاقتصادية في دمشق. بالتالي، فإن حل هذا الملف، سيكون على أساس مالي، إما بتسوية ما وإما أن يسدد المستحقات ويسهم في تقديم كشف دعم كبير من أموال الخارج مع الاستمرار في تفكيك شبكاته. حصل هذا في السنوات السابقة مع رجال أعمال آخرين، وإن كان مخلوف في موقع مختلف تماماً. ويذهب بعض المحللين، إلى اعتبار حادثة رامي «مسرحية متفقاً عليها هدفها ترتيب البيت»… كأن شيئاً لم يكن.

الثاني، سياسي، سواء كان رامي «شُجع من أطراف خارجية» أن «أطرافاً خارجية تستغل رامي» لممارسة ضغوط على الأسد، أو أن رامي نفسه «ركب الموجة الروسية» في وقت تصل إلى دمشق رسائل ضغط من موسكو تخص أموراً مالية واقتصادية أكثر مما هي سياسية، خصوصاً أن والده وشقيقه هما في موسكو، ذات السلطة المركزية الدقيقة. هنا، قارن خبراء بين هذه الحادثة وقصص أخرى في العقود السابقة، صراع رفعت الأسد مع شقيقه الرئيس حافظ الأسد في الثمانينات الذي امتد عسكرياً واقتصادياً من دمشق إلى اللاذقية. وقتذاك، حرص رفعت على استعمال لغة اللباقة الدبلوماسية والأصول العسكرية في تعاطيه العلني مع شقيقه – الرئيس. حُسم الصراع برعاية سوفياتية ودعم أوروبي إقليمي. هناك من قارن «رسائل رامي» بمحاولات أخرى واغتيالات وانشقاقات جرت في السنوات الأخيرة و«انتهت بحسم من النظام لصالح الرئيس».

الرئيس الأسد، اختار إلى الآن التجاهل العلني لظهور رامي وترك الملف في الإطار الحكومي – الأمني – المالي. لم تكن صدفة إطلالته التلفزيونية لدى ترؤسه فريق التعاطي مع «كورونا» وإرساله إشارات غير مباشرة، محذراً من «كارثة حقيقية» تتجاوز إمكانيات سوريا في حال حصول ارتفاع كبير ومفاجئ بإصابات الوباء. وقال: «تسع سنوات من الحرب لا توازي إلا القليل من الأسابيع القليلة الماضية».

لموسكو، هذه المرة أيضاً، كلمة في دمشق. موسكو تغيرت. فالبعد المالي – الاقتصادي بات مهماً أكثر من الآيديولوجيا. ودمشق الراهنة، ليست ذاتها التي كانت في الثمانينات. شخصيات النظام تغيرت كثيراً، لكن بنيته لم تتغير في العمق. ظهرت مراكز تأثير في الأمن والجيش والاقتصاد و«أمراء الحرب»، لكن القرار لا يزال مركزياً.

سوريا أيضاً، ليست ذاتها. إيران موجودة في مناطق الحكومة، إلى جانب روسيا التي تتعرض لضغوط عسكرية وسياسية لتقييد – إخراج إيران. تركيا موجودة ومستقرة في منطقة نفوذها وفي توسع برضا روسي. أميركا، مقيمة في مناطق شرق الفرات حيث تضع مجموعة «فاغنر» عيونها على النفط والغاز والثروات التي فيها.

ربما، أعاد ظهور رامي، طرح الأسئلة وفتح باب البحث عن الإجابات في دمشق والعواصم الخارجية، المنخرطة في سوريا.

الشرق الأوسط

—————————

عن رامي مخلوف والأسد وروبرت فورد/ بكر صدقي

عادت «السياسة» إلى «سوريا الأسد» بوصفها صراعات بين أقطاب النواة الصلبة في النظام، وهي نواة ذات طابع عائلي، لتتجلى اليوم بين رامي مخلوف وأسرة بشار الأسد بالمعنى الضيق وتمثلها أسماء الأسد. هذا هو الشكل الوحيد للسياسة في بلد محكوم بنظام سلالي كسوريا الأسد، وذلك بخلاف الدول «الطبيعية» التي تعني فيها السياسة تعبيراً عن مصالح اجتماعية متباينة وتيارات سياسية متنافسة تعكسها وسائل إعلام تتمتع بدرجات متفاوتة من الحرية والاستقلالية عن الفاعلين السياسيين.

أقول عادت السياسة لأن الحرب انحسرت إلى حد كبير بمعناها المباشر، وبدأ التنافس على الغنائم النهائية لما بعد ما يراه أقطاب النظام نصراً. وقد بدأت الحملة على عائلة مخلوف وأباطرة فساد أقل منها شأناً منذ أواخر الصيف الماضي، واستقر المقام بالأب محمد مخلوف وابنه حافظ مخلوف في روسيا، في حين يدير رامي استثماراته في الإمارات العربية المتحدة ولديه صلات قوية بالعائلة الحاكمة هناك. الحملة الجديدة على شركة سيرياتل ومنظمة راماك المملوكتين من رامي، وردة فعل الأخير عليها ببث مقاطع فيديو ، تشيران إلى أن العلاقة بين العائلتين، الأسد ومخلوف، وصلت إلى حد القطيعة التامة. وإذا كان مقطع الفيديو الأول قد عبر عن نوع من الاسترحام على أمل ضعيف بإصلاح ذات البين، فالمقطع الثاني الذي نشر بعد يومين يعبر عن تهديد مبطن. جاء في كلامه مثلاً:

«والله إذا استمرينا بهده الحالة سيكون وضع البلد كتير صعب، وسيكون هناك عقاب إلهي، حتمي… فقد بدأ الآن منعطف مخيف»!

ولكن ما هي الأدوات التي يملكها رامي في صراعه ضد النظام؟ فهو لا يحتل موقعاً سياسياً، ولا يملك قوة عسكرية، وليست هناك دولة أو دول داعمة له على رغم التكهنات الكثيرة التي نقرأها في وسائل الإعلام بهذا الخصوص. نجد الجواب، بصورة غير مباشرة، في كلام رامي نفسه، وعنيت به ما يخص حديثه عن (الفقراء) الذين يزعم انحيازه لهم بدلالة ما توزعه مؤسساته «الخيرية» من مساعدات على بعض الأسر المحتاجة، وتوكيده المتكرر على كونه «مُسخّراً» لإدارة الأموال التي هي «من الله» وليس من ابتلاعه لـ60 في المئة من الاقتصاد السوري بفضل مؤهلاته الفذة المتمثلة في صلة القرابة مع الأسرة الحاكمة. بل إنه اشترط على بشار الأسد أن يشرف شخصياً على توزيع ما ستحصله وزارة المالية منه من مستحقات ضريبية على الفقراء، شرطاً ليفي هو بتلك المستحقات. هو إذن «مكلّف» و«مسخر» من العناية الإلهية لرعاية مصالح الناس ومساعدة «الفقرا». تعبيرات ذات حمولة دينية كثيفة، تتضافر مع مظهر الورع والتقوى الباديين على رامي، ومع تعابير دينية صريحة أخرى، هي المناخ الذي أراد رامي إيصاله إلى جمهوره طلباً لدعمه في وجه الضغوط التي يتعرض لها. هذا هو «السلاح» الذي يظن رامي أنه يمكن أن يكون فاعلاً في حمايته، مما قد يرغم النظام على البحث عن حلول وسط معه. وتزداد أهمية الحمولة الدينية لكلام رامي إذا ربطنا ذلك بحديثه عن «الآخرين» الذي قد يفهم منه معنى طائفياً، بصرف النظر عن قصده الحقيقي منه. فالمهم هو كيف يتلقى الناس هذا الكلام، وهنا فقراء الطائفة المحسوبة على النظام، أي تلك الشريحة الموالية التي كانت تتلقى مساعدات جمعيات مخلوف الخيرية. فالآخرون بالنسبة لهؤلاء هم أهل السلطة من غير الطائفة، وتحديداً من السنيين. يتقاطع هذا التفسير مع ما بات معروفاً من صراع بين رامي مخلوف وأسماء الأسد «السنية» تحديداً. أما أجهزة المخابرات التي يشتكي رامي من ظلمها له من خلال القاء القبض على كبار موظفي شركاته و«تعديها على حريات الناس» (كذا!) فهو يعبر عن خيبة أمله بها لأنه «من أكبر داعميها ورعاتها ومموليها» كما يقول في أحد مقطعي الفيديو.

هناك تكهنات ربطت بين ظهور الصراع الأسدي – المخلوفي إلى العلن والحملة الإعلامية الروسية التي قادتها وسائل إعلام مقربة من الكرملين على الأسد ونظامه، لا شيء يشير إلى احتمال صحتها. وكما لم تستطع القيادة السعودية أن تساعد رفعت الأسد، في الثمانينيات، على رأب الصدع بينه وبين أخيه حافظ، لا يحتمل أن تنجح القيادة الإماراتية في مهمة مماثلة بين رامي وبشار. ولن يثور فقراء العلويين على النظام من أجل لص يزعم أنه محسن إليهم، أما أجهزة المخابرات فولاؤها مضمون لرأس النظام ما دام يتمتع بشرعية دولية مهما كانت متواضعة، وأعني بها الحليفين الصريحين، روسيا وإيران، والدول المهمة الأخرى التي لا مانع لديها من استمراره في الحكم، وأخيراً مظلة الأمم المتحدة. فإذا فقد الشرعية المذكورة وفقد معها ولاء الأجهزة، فمن المحتمل أن يكون رامي مطلوباً للعدالة، وليس بديلاً مقبولاً عن النظام.

هناك قراءة لافتة لهذا الصراع قدمها السفير الأمريكي السابق إلى سوريا، روبرت فورد، في مقالة نشرها في صحيفة الشرق الأوسط. يبدأ فورد مقالته بالحديث عن دعوة تلقاها من رامي للعشاء في بيته، يصف فيها رامي بالبخل الشديد (كان الطعام رائعاً، ولكن لم يقدم له سوى طبق صغير جداً). أما زوجة رامي فيقول عنها إنها كانت أنيقة الملبس لكنها لم تنطق بكلمة واحدة طوال مأدبة العشاء. وأبوه محمد مخلوف كان مهتماً بإطلاق تنبؤات مبنية على تاريخ ميلاد فورد وزوجته.

لست في وارد التشكيك في كلام فورد، لكني أتساءل عن التوظيف السياسي لهذه التفاصيل. فرامي مخلوف، وفقاً لتلك التفاصيل، ليس فقط رمز الفساد في المملكة الأسدية، بل كذلك شخص بخيل جداً على رغم ثرائه الفاحش (يقول فورد «منزل رامي ضخم جداً، إلى درجة أننا احتجنا إلى خمس دقائق للوصول من البوابة الخارجية إلى باب المنزل في سيارة تتحرك بسرعة 20 كلم في الساعة»)، وزوجته ذات حضور باهت على رغم مظهرها الخارجي الأنيق، وأبوه يؤمن بالخرافات. أما بشار الأسد، بالمقابل، فهو يظهر، في مقالة فورد، على أنه كان مرغماً على إرضاء «أوغاد المخابرات» على حد تعبيره! نعم، الرجل الذي أمضى حياته في العمل الدبلوماسي ويتقن اللغة الدبلوماسية كما تفترض مهنته، لا يتورع عن استخدام كلمة الأوغاد! لكي يعيدنا إلى تلك «النظرية» المضجرة التي شاعت أيام ما سمي بـ»ربيع دمشق» بصدد وجود «حرس قديم» يعرقل الخطوات الإصلاحية المفترضة لـ»الرئيس الشاب»!

فهل شعر فورد، مرة أخرى، بالخطورة على نظام بشار لتكون قراءته للمشهد بهذه الطريقة؟

كاتب سوري

القدس العربي

————————-

عشاء في منزل آل مخلوف/ روبرت فورد

وجَّه رامي مخلوف الدعوة إليَّ وزوجتي لعشاء استثنائي داخل منزله في دمشق في مارس (آذار) 2011. وكان منزله على درجة من الضخامة، لدرجة أننا مضينا خمس دقائق بالسيارة على سرعة 20 كيلومتراً في الساعة، لقطع المسافة ما بين البوابة الخارجية والمنزل. ونجح مصمم المنزل في بناء ما يشبه بيت أحلام في كاليفورنيا على أرض ريف دمشق.

بدت زوجة مخلوف أنيقة؛ لكنها لم تنطق حرفاً واحداً طوال الأمسية. وكان والد رامي حاضراً، وطلب معرفة تاريخ ميلادي أنا وزوجتي، وذكر تكهنات بخصوص مستقبل كل منا بناءً على تسلسل الأرقام، وكيف أن الإجماليات المختلفة للأرقام تشي بأحداث مستقبلية معينة. (ومع هذا، فإنه لم يتوقع انتقادي لقمع الحكومة السورية للانتفاضة السورية).

كان الطعام ممتازاً وشهياً للغاية، مثلما هي العادة مع المطبخ السوري؛ لكن كان هناك طبق صغير فحسب، وعلى خلاف جميع مآدب العشاء التي حضرتها على مدار 30 عاماً قضيتها في العالم العربي، لم يعرض المضيف علينا مزيداً من الطعام. وكان رامي مهذباً، ولم يستفسر عن العقوبات التي تفرضها الحكومة الأميركية ضده منذ عام 2008، وامتنعت أنا أيضاً عن إثارة هذه المسألة.

بعد شهرين، وخلال مقابلة مع الصحافي الرائع لدى صحيفة «ذي نيويورك تايمز» أنطوني شديد، حذر رامي المتظاهرين السوريين والغرب، من أن الصفوة الحاكمة في دمشق ستقاتل، ولن ترضخ للتغيير. وفي مطلع مايو (أيار)، في وقت اجتذبت مظاهرات الشوارع الناس من مختلف الفئات داخل سوريا، شدد مخلوف على أن الحكومة السورية «تقاتل في مواجهة تمرد يسيطر عليه سلفيون». وجاءت رسالته مختلفة عن تلك التي أخبرني بها (وزير الخارجية) وليد المعلم و(المستشارة الرئاسية) بثينة شعبان، والتي دارت حول التزام الرئيس بشار الأسد بـ«الإصلاح ووقف العنف». وأكدت بثينة لي أن «الرئيس غير راضٍ عن مخلوف»؛ لكن التاريخ يثبت أن الكلمات التي أطلقها رامي كانت دقيقة.

اليوم، وبعد مرور تسع سنوات، عاد رامي للحديث من جديد؛ لكن هذه المرة عبر «فيسبوك»، ليخبرنا أنه اكتشف أن «الجهاز الأمني يعتدي على الناس وينتهك حرياتهم». يا له من أمر مروّع! واكتشف أن الحكومة تحتجز وتهدد مواطنين مخلصين. هذا أمر غير إنساني! واكتشف أن هناك فساداً داخل الحكومة السورية، قائلاً إنه يرفض سداد الضرائب؛ لأنه لا يرغب في انتقال الأموال إلى جيوب آخرين. تخيلوا أن هناك لصوصاً في دمشق! واعترف بأن عائدات شركاته ساعدت في تمويل الجهاز الأمني، وبأنه كان الراعي الأكبر لهذا الجهاز، وبأنه شعر بصدمة لدى علمه أن جهاز المخابرات الآن يلقي القبض على مديرين بشركاته. الحقيقة أن من يزرع الريح يحصد العواصف.

بطبيعة الحال، هناك آراء متباينة إزاء السبب وراء الانقسامات داخل النظام السوري الغامض. واللافت أن بعض المحللين والشركات الروسية اكتشفوا هم أيضاً وجود فساد في دمشق ويشكون منه اليوم. أو بمعنى آخر أنهم كانوا يعلمون بوجود الفساد من قبل؛ لكنهم اليوم يطالبون بسداد قروض من خزانة الأسد الفارغة، ولذلك تحول الأسد بعينيه نحو أموال نجل خاله. وتبعاً لما ذكره أحد المحللين السوريين، فإن أسماء الأسد ورامي يقاتلان من أجل السيطرة على الاقتصاد السوري. وينبغي لنا هنا أن نتذكر أن أسماء الأسد كانت مديرة في بنك «جيه بي مورغان» الاستثماري بلندن، قبل زواجها من بشار، وبالتالي فإنها قادرة على استيعاب ألاعيب رامي. واطلعت على تحليل سوري آخر يشير إلى أن رجل الأعمال خضر الطاهر، أحد أفراد حاشية الجنرال ماهر الأسد، يحاول الآن منافسة رامي مخلوف في بعض القطاعات الاقتصادية. وفي وقت قريب، أدلى مسؤول أميركي رفيع بتصريحات لـ«الشرق الأوسط» ذكر فيها أن العقوبات الأميركية تستهدف الإضرار بالنخبة السورية، من أجل إقناعهم بقبول الانتقال السياسي.

جدير بالذكر أن الليرة السورية انهارت إلى مستوى 1300 مقابل الدولار (كانت 50 مقابل الدولار عام 2011). ولا تقتصر المعاناة اليوم على النخبة السورية. في الواقع، يكابد جميع السوريين المعاناة.

من جانبي، لا أتوقع أن تسهم الانقسامات داخل النخبة السورية الحاكمة في تحقيق انتقال سياسي قريباً. لقد كنت طالباً في القاهرة عام 1984، عندما حاول رفعت الأسد الانقلاب ضد شقيقه حافظ. في ذلك الوقت، لم يتدخل الروس، ونجح حافظ في الإبقاء على مقاليد السلطة بيده.

وكان شقيق رامي، حافظ مخلوف، مسؤولاً رفيعاً في جهاز الأمن العام؛ لكنه غادر البلاد عام 2014 بعد خلاف مع آل الأسد. ويعتقد كثيرون أن التفجير الذي وقع عام 2012، وقتل عدداً من كبار المسؤولين السوريين، بينهم وزير الدفاع وزوج شقيقة بشار، آصف شوكت، كان مدبراً من قبل مجموعة داخل النظام مناوئة لمجموعة آصف. لا أعلم الحقيقة؛ لكن أرملة شوكت وشقيقة الأسد، بشرى، فرت إلى دبي. ومع هذا، وعبر كل ذلك ظل آل الأسد في سدة الحكم. الأهم من ذلك، أن جهاز الأمن ظل موالياً لبشار. ويوحي حديث رامي عبر «فيسبوك» بأن بشار يعي أنه يجب عليه الاحتفاظ برضا أوغاد المخابرات

الشرق الأوسط

————————–

“لن أستسلم ولن أتنازل”: رامي مخلوف يصعّد لإحراج بشار وأسماء/ أحمد الأحمد

في التحليل وراء سبب عدم استسلام مخلوف لنفوذ القصر الجمهوري، يتّضح أن لدى مخلوف مجموعة نقاط قوّة، يأتي على رأسها انتزاعه الحاضنة الشعبية داخل المجتمع الموالي للنظام على أسماء الأسد.

عندما كنتُ في السنة الأولى في جامعة دمشق في بدايات الألفية الثانية، كان علينا دراسة مادة “ثقافة قومية”.

هذه المادة مهمتها أن تشرح لنا نحن الطلاب الجامعيون أفكار الرئيس بشار الأسد “الإصلاحية” ومبادئ حزب البعث، ومنجزات انقلاب والده حافظ الأسد في فترة السبعينيات والمعروف باسم “الحركة التصحيحية المباركة”.

في إحدى المحاضرات، كان المحاضر يتحدّث عن “اشتراكية” حزب البعث، وكيف تعتمد مبدأ توزيع الأموال على الشعب بشكل عادل.

كان ذلك يحصل في نفس حقبة صعود طبقة رجال الأعمال المحيطين ببشار الأسد ومنهم أقرباؤه. أذكر حينها أنني شعرت بالغضب. لم أتمكّن من تمالك أعصابي فرفعت يدي طالباً الحديث، فسمح لي المحاضر، فوقفت وسألته: ” شو حقيقية الاشتراكية في سوريا بينما هناك أشخاص بيملكوا أكثر من نصف اقتصاد البلد؟”.

ساد الصمت وطلب منّي الاستاذ الجلوس من دون أن يعلّق.

بعد المحاضرة استدعاني عناصر أمن الجامعة وهدّدوني بأن عائلتي لن تعرف شيئاً عنّي في حال كررت ما قلته، وذلك بعد سلسلة توبيخات وشتائم.

على مرّ السنوات العشرين الفائتة من حكم الأسد الابن، كان رامي مخلوف من مكوّنات “الأمن القومي” في سوريا، وتنطبق عليه تماماً قاعدة “الحيطان إلها آذان”، لا يجب الحديث عنه لا خيراً ولا شرّاً والأفضل عدم ذكر اسمه نهائياً في الجلسات العامة أو الضيّقة، حتّى أنّني كنت أحفظ نكتة سورية قديمة عن رامي مخلوف، ولكن لم أكن أتجرّأ أن أقولها أمام أحد وهي أن “رامي مخلوف لديه فقط منزل في دمشق وآخر في اللاذقية ويريد أن يفتحهما على بعضهما بعضاً”. كنا نروي تلك النكتة خفية ونحن نشهد اتساع امبراطوريته المالية التي كادت تربط مدينتي دمشق باللاذقية بأملاكه وأمواله.

اليوم، يبدو أن هذه القاعدة كُسرت تماماً، إذ بات الحديث عن مخلوف وحتّى شتمه أمراً عادياً، سواء داخل المنزل السوري الذي تُحجر داخله العائلة كاملةً بعد السادسة ليلاً، وقد يحدث أن تسمع البائع خلال تسوّقك في مدينة حلب وهو يقول “حاجتو صرلو عشرين سنة عم يبلع عملة”.

يعيش السوريون اليوم سلسلة مشاهد سريالية، إذ ما كان لأي مواطن سوري يعرف مكانة مخلوف في منظمة حكم الأسد الفاسدة، أن يتخيّل حالة الانقلاب عليه، أو أن يصبح شتمه أمراً عادياً، حتّى أنّه بات مادةً للسخرية، فمن النكات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، أن حاجزاً للمخابرات الجوية أوقف مواطناً وبدأ يفتّش ملابسه لعلّه يجد معه شريحة اتصال “سيريتل” التي يملكها مخلوف ليقوم باعتقاله إلى الفرع.

ظهوران مختلفان

لا يختلف الظهور الأول لرامي مخلوف على مواقع التواصل الاجتماعي عن الظهور الثاني من حيث “لوكيشن” التصوير وأجوائه، فقد ظهر الحوت الاقتصادي جالساً على الأرض جلوس “العبد الفقير لله” وعنون الفيديو بالآية القرآنية “وكان حقّاً علينا نصر المؤمنين”.

ولكن بعيداً من الشكل الإخراجي والبصري للفيديو، هناك فوارق هائلة بين الفيديو الأول والثاني من حيث المحتوى، ففي إطلالته الثانية، بدا مخلوف أكثر ثقةً بنفسه، كما أن حديثه اتسم بالهدوء ورفع حدّة الهجوم ضد من وصفهم بـ”الآخرين” المحيطين بكرسي الحكم، في إشارة إلى تلك “المرأة البريطانية الرقيقة” أو “أسماء الأسد”.

الفيديو الثاني أعطى مجموعة تأكيدات أن مخلوف الذي وصف نفسه بـ”خادم الأفرع الأمنية” لا يظهر أمام العامة لأنّ تواصله مع الأسد انقطع، بل لأنّه أراد القول إنّه جاهز لخوض أي معركة.

ثلاثة أسلحة

حتّى الآن، جميع المؤشّرات تذهب إلى أن مخلوف لم يستسلم أمام أسماء الأسد وزوجها بشّار، لم يستجدِ عطفهما، ولم يحاول استمالة أي منهما أو تهدئة الأجواء، بل إن مجرّد خروجه عبر الانترنت لنقل الصراع إلى العلن يعني أنّه ليس في موقفٍ ضعيف.

في التحليل وراء سبب عدم استسلام مخلوف لنفوذ القصر الجمهوري، يتّضح أن لدى مخلوف مجموعة نقاط قوّة، يأتي على رأسها انتزاعه الحاضنة الشعبية داخل المجتمع الموالي للنظام على أسماء الأسد، ففي الوقت الذي كانت أسماء تعيش حياةً باذخة، وتشتري لوحةً باهظة الثمن، كان مخلوف يدير حملة تبرّعات لتوزيعها على الموالين له من الطائفة في الساحل السوري، حيث تبرّع بـ500 مليون ليرة سورية على شكل مواد غذائية ومستلزمات أساسية للمجتمع الموالي، حيث يتحصّن بينهم الآن، وهذه الحاضنة تشكّل أقوى أسلحة مخلوف في وجه أسماء التي تهالكت صورتها أمام مؤيدي النظام السوري.

من وجهة نظر اقتصادية، فإن الباحث والخبير الاقتصادي السوري يونس الكريم، رأى أن الضريبة المفروضة على مخلوف تُعتبر “رقماً صغيراً” أمام حجم ميزانيته، إذ يستطيع مخلوف تعويض المبلغ بعملية مضاربة في السوق السورية، ولكنّه يرفض الدفع لأسبابٍ معنوية تجعله غير جاهزٍ للرضوخ أمام أسماء الأسد وزوجها بشار، مضيفاً: “لو كان مخلوف خائفاً لكان تخلّى عن شركة سيريتل وأنهى الخلاف، ثم تفرّغ لاستثماراته الأخرى التي توازي 65 في المئة من القوّى الاقتصادية السورية، والتي تقوم على آلاف الشركات الضخمة، لكنّه ليس في موقع الرضوخ.

كما أن لدى مخلوف سلسلة استثمارات وأرصدة مالية ضخمة في روسيا والإمارات العربية المتحدة وأوروبا ودولٍ عدّة حول العالم، وهذه الاستثمارات تزيد من قوّته على المواجهة، وتجعل القضاء عليه أمراً يصعب على الأسد وزوجته، اللذين لم يصدر عنهما حتّى الآن أي ردّ فعل واضح على فيديوات مخلوف.

رفع مستوى التهديدات

في سوريا، تتردد انباء يتداخل فيها الصحيح بالكاذب حول تضييق أمني يطال مقربين وعاملين لدى مخلوف. وكان مخلوف نفسه قد افتتح مقطع الفيديو الثاني له بالكشف عن أن الأفرع الأمنية التابعة للنظام السوري بدأت اعتقال موظفين تابعين له، رافعاً حدّة التهديدات بالقول: “الأمور وصلت إلى مرحلةٍ لم يعد يمكن السيطرة عليها، وأصبحت الضغوط بطريقة غير مقبولة وبشكل غير إنساني”.

وقال مخلوف: “الأفرع الأمنية بدأت تعتقل موظفين تابعين له مع العلم أنّه كان من أكبر داعمي وخادمي هذه الأفرع الأمنية”، مُعتبراً أن ما يحصل هو استخدام السلطة لمصلحة الأشخاص.

“طلبتُ من الرئيس التدخل لإنصاف شركاتي لأنهم طالبوني بأموال لم يكونوا محقّين فيها، ولم يكن الهدف من ظهوري هو عدم الدفع، ولكن كنت أريد أن تذهب هذه الأموال إلى مستحقيها”، يتابع مخلوف في المقطع الذي هاجم فيه أسماء الأسد بشكلٍ أكثر وضوحاً عندما دعا بشار إلى “وضع حد للتدخلات المحيطة حول صاحب القرار لأنّها أصبحت لا تطاق ولا تُحتمل إلى درجة مقرفة وخطرة”.

وقال أيضاً: “هيك ما فينا نكمل” وأن “ما يحدث بحقّه هو ظلم وتعدّي على الملكية الخاصة”.

مخلوف هاجم “الآخرين” موجهاً كلامه لبشار الأسد: “لا يجب أن نترك الآخرين يتعاطون معنا بهذه الطريقة لأنهم يتعدّون على القانون والدستور الذي أنت ترعاه”.

وخلال الفيديو أكّد مخلوف أنه لن يتنازل عن أمواله، مردفاً: “هؤلاء يضغطون علي لكي أتنازل وأنا لن أتنازل”، و”إذا استمررنا بهذه الحالة سيكون وضع البلد صعباً جداً، وسيكون هناك عقاب إلهي حتمي لأنه بدأ هنا منعطف جديد”.

كسر جدار الخوف

كانت الناشطة السورية الموالية للنظام ماغي خزام من أوائل من شنّوا هجوماً على مخلوف، حيث وصفته بـ”سارق البلد” بعدما وصف هو نفسه بأنّه “خادم الأفرع الأمنية”.

جاء حديث خزام في مقطع فيديو نشرته على “فايسبوك”، ردّاً على حذف مخلوف تعليق زوجها الذي خاطب مخلوف “متل ما عم تقاسمونا مشاكلكم تفضلوا قاسمونا أموالكم”، موضحةً أن مخلوف يستخدم الشعب ضد الرئيس كسلاح من دون أن يقدّم شيئاً له.

واستعرضت خزام مجموعة الشركات والأموال التي يملكها مخلوف خلال الفيديو ذاته، مثل “سيريتل”، “شركة شام القابضة”، بنك سوريا الإسلامي وحصة من بنك بيبلوس وشركة راماك للتعهدات، وغيرها من الشركات.

درج

—————————

في سوريا صراع ضوارٍ أم تفسخ نظام..؟/ محمود الوهب

ظلت عوامل التمرد على النظام السوري كامنة مدة خمس وعشرين سنة، لا بدفع من مجزرة حماة وما رافقها من مجازر تخطت بتوحشها وتأثيرها فصيل الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين، ولتطول أغلبية المجتمع السوري، بل بسبب ظواهر عديدة أخذت تبرز في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وما تلاه، كالفساد، وتعثر التنمية، وتخريب مفاصلها الرئيسة (القطاع العام)، إضافة إلى انعدام قدرة حكومات حافظ الأسد المتعاقبة على تلبية حاجات المواطن الأساسية، ناهيكم بإطباق قبضة الأجهزة الأمنية على آلاف المواطنين واعتقال اليمين واليسار على السواء، وسطوة العسكر، وفرض الإرادة البعثية بالمطلق، وإلغاء ما كان يسمى تجاوزاً بالهامش “الديمقراطي” إذ جرى حلُّ النقابات، واستصدرت قرارات تجيز لرئيس مجلس الوزراء أن يحل، حتى المؤتمر العام لأية نقابة، إذا ما جرى الاعتراض على نتائجه أمنياً..!

وإذا كان ما ذكر أسباباً وجيهة لهبة الشعب السوري في آذار 2011 إضافة إلى مراوغة النظام حول الإصلاح، والتملص منه بذرائع شتى لا تثبت أمام الواقع والحقيقة، فإن الفكرة الرئيسة المستفادة من مواجهة المحتجين بالرصاص الحي هي بإيجاز: أن الذي يحكم سورية عصابة بكل المعاني، نعم هي عصابة نهب وسلب لما يملكه الشعب السوري، ولكل ما في البلد من ثروات ومقدرات، وإلا ما مبرر تلك الحرب التي أشعلها النظام تحت شعار “الأسد أو نحرق البلد” مستعيناً بدولتين كبريين هما روسيا وإيران وتفويضهما بفعل أيِّ شيء لقاء أن يبقى النظام قائماً.. المعتقد أنه، من هنا، يمكن فهم تصفية ما عرف بخلية الأزمة في وقت مبكر بوجود الإيرانيين أو بأيديهم..! ويبدو أن خلية الأزمة أدركت عمق الجرح السوري، وتكوّن لديها رأي مفاده إصلاح ما يمكن إصلاحه.. (بغض النظر عن طموحها السياسي الذي أفقد رأس النظام صوابه.. ليقود الأحداث في اتجاه من له مصلحة بتدمير سورية). ومن هنا تفسير دخول روسيا على الخط.. إذ عند الشعور بعجز الإيرانيين عن القدرة على إبقاء النظام الذي تهدَّدَ وجوده، جاءت روسيا لا لتكون شريكة للإيرانيين فحسب، بل لـ: “تلهف البيضة وقشرتها”، فهي من قتل وشرَّد ودمر وثبَّت بشار في مكانه، ولكن المسألة في النهاية ليست بالبساطة التي ظنَّها الروس..! فثمة مجتمع دولي، وإن ظل متفرجاً، وثمة من له مصالح أيضاً سواء من دول الجوار أم من الدول العظمى وكلاهما يتربص.. وهذا ما يصطدم به الروس اليوم ولا يستطيعون القفز فوقه، فثمة من هم أقوى منهم في الميزان الدولي أو يوازونه، على الأقل، وثمة دول أخرى لروسيا مصالح اقتصادية وسياسية معها لا تستطيع تجاهلها أيضاً، صحيح أن النظام يحاول اللعب على هذه التناقضات في محاولة منه للبقاء أكثر مدة ممكنة..! لكن مجمل الظروف التي نشأت، وبإرادة النظام نفسه، لم تعد تؤهله للبقاء وأولها ذلك الشعار الذي رفعه، وعمل بموجبه، فإما بقاؤه أو حرق البلد، وها هي ذي البلد قد غدت قاعاً صفصفاً، فعلى أي أساس بقاؤه؟! قد يصدق نفسه بأنه حارب الإرهاب وانتصر عليه، ما يبرر بقاءه، لكن هذه المغالطة لا تنطلي على أحد فليس هو الذي انتصر كما أن الشعب السوري هو الذي دفع، وما يزال يدفع الثمن (ولا أعني قتلى الجيش وما يستتبع ذلك، أبداً، فذلك مؤجل إلى أن تصمت المدافع كلياً..) فهو الذي يعاني اليوم مرارة الحصول على رغيف الخبز أبسط متطلبات عيشه.. والمتوقع حدوث انفجار ما لهذا السبب بالذات، فالشعب ليس بغافل عمن يسرق قوت يومه، وقد نشر رجل الأعمال “فراس طلاس” يوم 20 نيسان 2020 توضيحاً حول ثروة عائلة الأسد ورداً على إشاعات تقدر الثروة بأربعين مليار دولار وبعضها توصلها إلى مئة مليار، محاولاً إنصافهم فهو قريب من العائلة (سابقاً) قال: “إنَّ ثروة عائلة الأسد/ مخلوف تتراوح بين أربعة عشر إلى ثمانية عشر مليار دولار، وهذه الثروة موجودة في عدة دول عبر شركات، وشراكات معقدة عُرِف معظمها، وقال: إنَّ هذا يشكل نحو ٧٥٪ من حجم الفساد الكبير في سورية ويبقى ٢٥٪ موزعة بين الضباط والمسؤولين بنسب متفاوتة”. ويبدو أن لفراس مصلحة في تخفيض حجم ثروة شركاء نهب سورية والسوريين..!

أما “لؤي حسين” زعيم تيار بناء الدولة المسمى “معارضاً”، فقد “فَسْبَكَ” على صفحته: بـ”أن الأسد باق، وسيترشح لانتخابات 2021 وسوف ينجح..!” وواضح ما في هذا التصريح من احتقار للشعب السوري، واستصغار لشأنه، وللتضحيات التي قدمها على مذبح سعيه نحو الحرية، وتخلصه من الاستبداد والفساد الذي أخذت روائحه تصفع روح السوريين كافة، بل العالم بالفضائح التي تمس رأس النظام وشركاءه وحاشيته، ويعد عاملاً رئيساً في تفسخه وبالتالي إسقاطه، وهو الذي قد سقط، في الحقيقة، منذ الأيام الأولى لهبة الشعب التي لم يكن أحد يتوقع لها أن تتجلَّى بتلك القوة وذلك الزخم، فالمجتمع الدولي ليس بأقل معرفة بطبيعة النظام، ولعل معظم دوله باتت تزدريه.. فما كتبه “ساطع نور الدين” في مقالة نشرتها صحيفة “المدن” التي (يرأسها) مشيراً إلى حلفاء الأسد ذاتهم بقوله: “إن موقف القيادة الروسية من الأسد شخصيًا، تدرج من عدم الثقة إلى عدم التقدير إلى عدم الاحترام، وصولاً إلى الازدراء المعبَّر عنه أخيرًا بطريقة لم يسبق لها مثيل.” واستند نور الدين إلى مواقف كثيرة سابقة وإلى عدة مقالات نشرتها الصحافة الروسية مؤخراً وتصاريح لروس مقربين من الكرملين، والأهم من ذلك كله هو دلالة “الاستبانة” التي استمزج من خلالها “معهد روسي رسمي” رأي عيِّنات من الشعب السوري “في سياق الحملة الروسية الراهنة على النظام في دمشق، أفادت أنه فقط 23% من السوريين يؤيدون إعادة ترشيح الأسد في الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل”.

وتكاد تجمع معظم التقارير الصحفية التي نشرت خلال الأيام الماضية إلى أنَّ الروس هم من أخذ يسرّب أنباء حالات الفساد الخاصة برأس هرم السلطة، والغاية هي الضغط على بشار لتسوية الوضع بحسب اللجنة الدستورية التي شكلت وفق القرار 2254 فالأسد ما يزال يماطل ويطلب المستحيل بعينه وهو أن يبقى في السلطة كما كان قبل العام 2011 ويسعى الروس جادين إلى حلّ مناسب مدفوعين لا بضغط الأوضاع السورية الداخلية، ولا بالضغط الدولي وقرب موعد تطبيق قانون سيزر بل لأنهم في مأزق اقتصادي وضائقة مالية خانقة بعد كورونا، وانهيار أسعار النفط، ويتطلعون إلى إعادة الإعمار في سورية فلعلها تنقذهم، لكن الغرب عموماً وأمريكا يشترطون أن لا تبدأ مرحلة الإعمار قبل أن تسوَّى القضية السورية، ولا يمكن أن تسوَّى مطلقاً والحال كما كان عليه قبل 2011..! ولعلَّ ما نشرته وكالة الأناضول قبل أيام ترجمة عن “المجلس الروسي للشؤون الدولية” يوضح ما سيجري إذ يرى التقرير أن ثمة تحليلاً يقول بـ “توافق تركي أمريكي روسي إيراني” على تنحية بشار الأسد ووقف إطلاق النار، مقابل تشكيل حكومة انتقالية تشمل المعارضة والنظام و”قسد”. وفق أحد اثنين:

أولهما: أن تقبل القوى الموجودة على الساحة السورية بمناطق نفوذ بعضها بعضاً، وتبقى سوريا منقسمة على هذا الأساس إلى ثلاث مناطق للنفوذ والسيطرة.. الأولى تحت حماية طهران وموسكو، والثانية منطقة سيطرة المعارضة السورية بدعم من أنقرة، والثالثة منطقة شرق الفرات التي تقع تحت سيطرة واشنطن ومليشيات “قسد”. أما ثانيهما فيقضي بانسحاب كامل لجميع القوات الأجنبية، وتوحيد البلاد بعد تحقيق تحول سياسي يستند إلى قرار مجلس الأمن رقم 2254، ما يعني تنحي الأسد، ووقف إطلاق النار بشكل تام على مستوى سورية.” ولعلَّ الثاني أنسب للسوريين..!

وتأتي فيديوهات رامي مخلوف، و(بغض النظر عن دواعيها، أو من خلفها)، لكنها ببساطة تؤكد عمق تفسخ النظام ما يشير إلى قرب سقوطه أو إسقاطه.. وإزاحة العثرة التي تسد مجرى سريان مياه جديدة في النهر السوري..!

تلفزيون سوريا

—————————-

هل بدأ البازار على الأسد…؟/ أحمد عيشة

إن أكثر ما يدعو السوريين اليوم للسخرية رغم الظروف القاسية التي يعيشونها هو “الاكتشاف” الروسي مؤخراً المتمثل بتفشي الفساد في حكومة الأسد، وفي تدني شعبيته، لكن ما يدهشهم أكثر هو حديث رامي مخلوف، الشريك الكامل في قتل وإفقار السوريين عن حقهم في المال العام واعتقال أجهزة الأمن للمواطنين…

ما تسربه بعض المراكز الإعلامية الروسية، وبعضها مقرب من دوائر صنع القرار في الكرملين، إضافة إلى بعض المواقع الإسرائيلية عن الفساد المستشري في نظام الأسد وحكومته، يعكس أكثر من جانب، فالأول هو موقف روسي من حجم هذا الفساد الذي يعيق توجهات السياسة الروسية في استثمار “نصرها” العسكري – تدميرها لعدة مدن وبلدات سورية-  والثاني جانب من التصارع مع إيران حول سورية، والثالث رسالة للغرب والولايات المتحدة بأنها على استعداد للتفاوض على رأس هذا النظام -بشار الأسد- الذي أصبح عائقاً أمام أي تقدم في المسار السياسي يمكن روسيا من قطف ثمار تدخلها الذي كلفها مليارات الدولارات، وحان الوقت لاسترداد ما أنفقته.

فالتقارير الروسية بمجملها ركزت على تفشي الفساد في حكومة النظام، ومحاولة جني الثروات وتهريبها لبنوك الغرب، إضافة إلى محاولات عرقلة العقود مع الشركات الروسية التي ترفض تقديم رشاوى لكبار المسؤولين الحكوميين مقابل الحصول على تلك العقود، بينما تعتمد الشركات الصينية عموماً هذه السياسة (تقديم الرشاوى الكبيرة) في الحصول على عقودها. والروس يعرفون ذلك، لكنهم يرفضون دفع الرشاوى لسبب بسيط، وهو أنهم يعتبرون أنفسهم من أنقذ النظام من الانهيار عام 2015، ولذلك فمن حقهم الحصول على هذه العقود بشكل حصري.

والتقرير الأهم الذي تحدث عن انحدار شعبية الأسد واحتمال عدم “انتخابه” في العام المقبل، حيث بيّن التقرير أن نسبة 32 في المئة هم من سينتخبونه، في حين أن 54 في المئة يفضلون رحيله، وبالتالي فالنظام مفتقر للشرعية، وأن السوريين يتطلعون إلى سياسيين “جدد” في السلطة قادرين على تجاوز الأزمة، معتبرين أن “القيادة الحالية لم تحقق هذه التطلعات بعد”. وهذا يعود وفقاً للتقرير نفسه إلى حجم الفساد الكبير في بنية النظام وعجزه الكامل عن معالجة الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي يعيشها السوريون.

الأمر الآخر هو التصارع الواضح بين روسيا وإيران حول الهيمنة على سوريا بمواردها وثرواتها وموقعها، فكلا القوتين تحاولان اقتسام بقايا جيش النظام، وفروع مخابراته، فروسيا أسست فيالق جديدة وتدمجها ضمن جيش النظام تضم حتى معارضين سابقين لنظام الأسد، بينما تسعى إيران أيضاً إلى محاولة دمج الميليشيات الطائفية بعد إعطائهم الجنسية السورية في تركيبة ما تبقى من جيش النظام وترميمه بما يتوافق مع دورها في المنطقة، فضلاً عن اختلاف رؤية وتحالفات البلدين في سورية، وخاصة تجاه الدور التركي الذي يتعزز بالشراكة مع روسيا على حساب إيران، وهو الأمر الذي كان واضحاً في اتفاقين بين الرئيسين أردوغان وبوتين في أيلول 2018، وآذار 2020 حول إدلب، حيث تدرك إيران بأن ثمة محاولات لإبعادها عن تقرير مصير سوريا ونظامها، وخاصة أن هذا الإبعاد يلاقي ترحيباً كبيراً من الغرب والولايات المتحدة، والأهم من اللاعب الأهم -الحاضر الغائب- في تلك العملية، إسرائيل.

الأمر الثالث، وهو أن هذا الهجوم والانتقادات الروسية تأتي مع اقتراب الموعد الذي سيطبق فيه قانون قيصر الذي أقرته الولايات المتحدة (الكونغرس والإدارة)، كما صرح بعض المسؤولين الأميركيين، أي فرض العقوبات الأميركية بحق النظام وداعميه والمتعاونين معه، وبالتأكيد سيشمل شركات وشخصيات روسية وإيرانية، إضافة إلى عودة الولايات المتحدة إلى الانخراط مجدداً في العملية السياسية في سورية، خاصة بعد الهجوم الأخير على إدلب، وتعرض شريكها التركي لضغوط كبرى، مما دفعها مؤخراً إلى التحذير من أن هجوم النظام على إدلب هو خطر استراتيجي. والمهم أكثر من ذلك، هو أن عام 2021 سيشهد الجولة التاسعة من استفتاءات نظام العائلة الأسدية على الرئاسة (5 في عهد الأب، و3 في عهد الوريث الحالي)، حيث كان الموقف الأميركي واضحاً بأن التجديد للأسد لن ينال اعتراف المجتمع الدولي، أي الرفض لهذه العملية، وهو ما يدفع روسيا التي تعد نفسها مسؤولة بشكل مباشر عن ترتيباتها إلى البحث عن بديل يضمن لها استمرار مصالحها (المال من أجل إعادة الإعمار) ضمن تشابك عملية التصارع الجاري في سوريا.

على المستوى الداخلي، وضمن نفس السياق من التصارع تأتي رسائل التهديد المبطنة والمتبادلة بين القصر وامبراطور المال، رامي مخلوف، الذي بنى ثروته الباهظة بسبب قرابته مع عائلة الأسد (ابن خال بشار الأسد)، وابن محمد مخلوف، راعي الفساد المالي للعائلة الحاكمة. وقد بدأت تلك الرسائل بتسريب رامي مخلوف لخبر شراء الأسد لوحة فنية لديفيد هوكني (أشهر رسام إنكليزي حاليا) بقيمة 30 مليون دولار هدية لزوجته -الوجه الصاعد في عالم السلطة والنفوذ- بمناسبة شفائها من مرض السرطان في الوقت الذي يعيش السوريون في فقر مدقع، إضافة إلى مشروع البطاقة الذكية التي تعهدها قريب لأسماء الأسد وأخوها (شركة تكامل)، هذا المشروع الذي حقق أرباحاً طائلة (قيمة البطاقة 400 ل.س)، ناهيك عن محتواه المخابراتي في جمع كثير من المعلومات عن السوريين.

هذا التسريب الذي أتى نتاجاً لمطالبة القصر الجمهوري -المكتب المالي- الذي تشرف عليه أسماء الأسد مباشرة بمبالغ طائلة تصل لحدود 233 مليار ل. س (ما يعادل حوالي 180 مليون دولار أميركي)، بينما أقر رامي مخلوف في مقطع الفيديو الأخير بمبلغ 123 مليار (103 ملايين دولار).وسبق هذه المطالبات عزل إيهاب مخلوف (شقيق رامي) في أيلول 2019، من إدارة المناطق الحرة وتولي الفرقة الرابعة -فرقة ماهر الأسد- المقربة من إيران الإشراف عليها، وفرض الحجز الاحتياطي على أموال رامي في نهاية العام الماضي بحجة تهربه من سداد مستحقاته إلى “الدولة”، المتمثلة بالمكتب المالي في القصر بإشراف أسماء الأخرس-الأسد.

ما تشير إليه التسريبات الأخيرة أن تصارع القوى الفاعلة في سوريا، سواء الداخلية أم الخارجية قد خرجت إلى السطح، بالنسبة للقوى الخارجية، هناك مسعى لإقصاء إيران، كونه يحقق مصالح الفاعلين الأقوى (أميركا، إسرائيل، روسيا، تركيا)، وقطف روسيا ثمن أعمالها من خلال الانتقال إلى مرحلة جديدة (إعادة الإعمار) واحتكارها لأمواله المتوقعة. أما بالنسبة للقوى الداخلية (بقايا جيش الأسد وفروع مخابراته، والميليشيات سواء التابعة لروسيا أو إيران، والقوى الاقتصادية التي نشأت بفضل علاقة توزيع الثروة الناتجة عن احتكار الدولة للبلاد والعباد للمقربين والموالين، فتشكلت تلك الطبقة الجديدة حول رامي مخلوف، الذي كان يتحكم بنصف الاقتصاد في سورية)، فما تقتضيه ترتيبات المرحلة وخاصة بعد تحقيق “النصر” العسكري هو إجبار تلك الطبقة الجديدة على دفع تكاليف ذلك الانتصار -الدمار، أو مصادرة أموالها، ولا ندري إن كان تصفيتها سيكون أمراً لاحقاً لمصادرة أموالها.

وسط هذا التصارع، أين يقف السوريون، فهم يعرفون قبل غيرهم مدى وحشية نظام الأسد وعصاباته من الجيش والمخابرات التي أذاقتهم شتى صنوف التعذيب والقتل. كما يعيشون فعلياً حجم الفساد والنهب واللصوصية التي تخترق جسد الجهاز البيروقراطي لحكومات الأسد المتعاقبة، فالطوابير التي يشهدها السوريون للحصول على الحدود الدنيا من المواد التموينية والغاز مرعبة، فضلاً عن غلاء الأسعار الذي يأكل جسد وأرواح السوريين، أما الكهرباء، فهي من النوادر، في الوقت الذي يقوم فيه عماد خميس (المهندس المُخبر) والحكومات من قبله بتصدير جزء مهم منها إلى لبنان “دعماً” للمقاومة، وتحويل الأموال لحساباتهم الخاصة في بنوك الغرب.

تتطلع الدول الفاعلة لتقرير مصير سوريا من دون السوريين، وما يجري ويتم تسريبه اليوم يعكس في أحد تجلياته هذا الصراع، فالروس والإيرانيون استولوا على ما تبقى من موارد البلاد، وأقاموا قواعد عسكرية، ورجال الأعمال الجدد إما مرتبطون مع روسيا أو مع إيران. وما يجري من صراع بين عائلتي الأسد ومخلوف في جانبه الأهم – رغم أنه يحمل جوانب أخرى- ليس إلا صراعًا على النفوذ في سوريا بين إيران وروسيا، فهل سيأخذ السوريون دورهم في الترتيبات التي تلوح في الأفق خاصة إذا قررت روسيا التخلي عن رأس النظام؟ هذا هو المطلوب، ولكن ما مدى إمكانية تحققه وسط الحالة البائسة التي يعيشها السوريون و”معارضتهم”، أم أننا سنبقى ننتظر ما يقرره الآخرون؟، هذا ما ستكشف عنه الفترة المقبلة التي لن تتجاوز العام…

تلفزيون سوريا

—————————-

من يخلف عائلة الأسد في حكم سوريا؟ (مقال تحليلي)/ جنكيز طومار

قد يكون العنوان غريبًا في الظرف الحالي، إذ يواصل نظام بشار الأسد الحفاظ على الحكم في سوريا بمساعدة روسيا وإيران، والأصح أن نقول في غرب الفرات باستثناء إدلب، أي في المدن والموانئ الرئيسية والشرايين التي تربطه.

ومع ذلك، ينبغي ألا يكون هناك شك في أن النظام الذي قتل أكثر من نصف مليون مواطن منذ بداية الحرب عام 2011، والذي شرد أكثر من نصف سكان سوريا البالغ عددهم 22 مليونًا، كلاجئين ونازحين خارج وداخل البلاد، تمكن من تحقيق “انتصار بيروسي” (يرمز للنصر مع تكبد تكاليف مدمرة).

** إلى زوال

في واقع الأمر، قد تكون التحليلات والمقالات المنشورة في الصحافة الدولية حول نهاية حكم عائلة الأسد، والبدائل الجاري الحديث عنها لخلافة بشار، تدل على أن فترة صلاحية العائلة قد انتهت وأن موعد زوالها قد اقترب.

منذ البداية، دعت تركيا إلى “سوريا من دون الأسد”، والتطورات الجارية حاليا تظهر مدى صحة الأطروحة التركية.

ما قلناه منذ البداية هو أن إعادة بناء الدولة السورية المعترف بها من قبل المجتمع الدولي، لا يمكن أن يتم مع بقاء نظام قتل مئات الآلاف من المواطنين ودفع أكثر من نصف سكان البلاد إلى التحول للاجئين ومهجرين ومشردين بلا بأوى.

كما أن ملايين المعارضين لعائلة الأسد، داخل وخارج البلاد، بما في ذلك محافظة إدلب، لا يفكرون بالعودة إلى ديارهم طالما أن نظام الأسد بقي في سدة الحكم، هذا الوجود المستمر منذ نحو نصف قرن.

إضافة إلى ما سبق، لا يمكن الحديث عن عودة اللاجئين وعن سوريا موحدة في ظل استمرار عائلة الأسد في الحكم.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن نظام الأسد ميدانيًا لا يسيطر على كامل الجغرافيا السورية، في ظل وجود مناطق شرق الفرات المسيطر عليها من قبل قوات تشكل منظمة “بي كا كا” الإرهابية عمودها الفقري وتحظى بدعم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا بالإضافة إلى مناطق الشمال السوري التي تسيطر عليها قوات المعارضة المدعومة تركيًا.

لقد أظهرت التطورات أن كل من تركيا وروسيا وإيران، على الرغم من اختلاف وجهات نظرها، تدعم وجود كيان سياسي مركزي لسوريا الموحدة، إلا أنه وفي الوقت عينه، تدعم الولايات المتحدة فكرة إنشاء نظام اتحادي في سوريا ولو بالحد الأدنى.

وفي الوقت الذي تدعم فيه كل من موسكو وطهران فكرة كيان سياسي موحد في سوريا، إلا أنهما تعملان على أن تكون حكومة هذا البلد مكونة من الأطراف الموالية لهما والخاضعة لسيطرتهما، فيما تقترح تركيا تأسيس حكومة منتخبة تضمن تأسيس نظام ديمقراطي يضمن عودة اللاجئين إلى بلادهم.

في الواقع، الاقتراح المقدم من قبل تركيا، لا يحظى بدعم من قبل الجهات المعنية وعلى رأسها إسرائيل وإيران وروسيا والولايات المتحدة، إضافة إلى “بي كا كا” الإرهابية، لاسيما وأنه في حال عودة اللاجئين، فمن المرجح أن تسفر الانتخابات عن حكومة توصل العرب السنة أو الإخوان المسلمين والمجموعات المماثلة إلى سدة الحكم، لهذا السبب لا تتفق تلك الدول مع الطرح التركي.

ومع ذلك، فإن تجدد المطالب بتنحي الأسد عن السلطة وطرح أسماء بديلة عبر وسائل الإعلام خلال الأشهر القليلة الماضية، إنما يشير إلى دخول سوريا في خضم عملية سياسية جديدة.

** رؤية إسرائيلية

وبهذا المعنى، جاءت العروض الأولى من صحفي إسرائيلي يدعى إيدي كوهين، وهو مستشار في مكتب رئاسة الوزراء، والذي نشر رسائل باللغة العربية على وسائل التواصل الاجتماعي، تشير أن خبير العلاقات العربية الإسرائيلية، الصحفي فهد المصري قد يكون بين الأسماء المرشحة لخلافة بشار الأسد.

يمتلك فهد المصري (مواليد 1970) شخصية مثيرة، فضلًا عن انتمائه لأسرة عربية سنيّة ومحافظة، من سكان حي الميدان الدمشقي.

كان المصري، الذي عمل صحفيًا في القنوات الإعلامية المعارضة لنظام الأسد، على علاقة وطيدة مع السياسي السني عبد الحليم خدام الذي شغل منصبي وزير الخارجية ونائب رئيس الجمهورية، لفترة طويلة خلال فترة “الأسدين” الأب والابن، قبل وفاته في باريس، 31 مارس الماضي.

وبحسب ما جرى تداوله عن المصري، فقد أسس “الجبهة الوطنية لتحرير سوريا”، المدعومة من إسرائيل في باريس، وبحسب إيدي كوهين، فإن المصري الذي يتميز بهوية علمانية يتمتع بعلاقات جيدة مع تل أبيب، ومن أقوى الأسماء التي يمكن أن تخلف الأسد في منصبه بعد يوليو/ تموز 2020.

ومع ذلك، لم تأخذ الصحافة العربية تلك التعليقات على محمل الجد، بل اعتبرت هذه التعليقات على أنها أمنيات يحاول إيدي كوهين الترويج لها.

** كمال اللبواني

وبعد فترة وجيزة من الشائعات التي جرى طرحها حول “المصري”، سرت ادعاءات جديدة حول إمكانية أن يكون كمال اللبواني، مؤسس “التجمع الديمقراطي الليبرالي”، من بين الأسماء المرشحة لخلافة بشار.

اللبواني عمل طبيبا عسكريا خلال مذبحة حماة عام 1982، لكنه أصبح شخصية سياسية معارضة لنظام البعث الحاكم بعد أن شهد أحداث المذبحة.

من المثير للاهتمام أن اللبواني، الذي تربطه علاقات جيدة مع إسرائيل، يقول إن هناك اتفاقًا دوليًا على أن بشار الأسد سيترك منصبه ويحل محله الدمشقي “علي مملوك”، الذي يعتبر أحد الأركان المهمة في النظام السوري من خارج عائلة الأسد.

ووفقًا لـ اللبواني، فإن تسلم “مملوك”، المدير السابق للمخابرات السورية والمستشار الأمني لبشار، من شأنه تقليص النفوذ الإيراني في سوريا.

كما يدعي اللبواني أيضاً أن “مملوك” الذي لم يقبل هذا العرض، جرى تهديده من خلال إدراجه في القائمة السوداء ومقاضاته في المحكمة الدولية، لاسيما وأنه متهم في الضلوع بعدة جرائم منها تنظيمه لاغتيالات سياسية في لبنان وجرائم عديدة ضد المعارضة السورية.

** محمد زيتون

اسم آخر تداولته الصحافة الدولية وهو محمد ديب زيتون، من عائلة دمشقية سنية و يشغل منصب رئيس المخابرات السورية حاليا.

ويعتقد اللبواني أن إقصاء عائلة الأسد عن الحكم في سوريا سوف يتم بنهاية هذا العام.

** الرحيل المحتمل

إن تزايد وتيرة الأنباء في الصحافة الغربية والعربية والروسية حول رحيل محتمل للأسد، على مدى الشهرين الماضيين، يعزز هذا الاحتمال.

وفي الوقت الذي تذكرت فيه وسائل الإعلام الغربية، فجأة، بأن نظام الأسد استخدم أسلحة كيميائية وأنه لا بد من محاكمته على الانتهاكات التي اقترفها بحق المدنيين، أفردت وسائل الإعلام الروسية حيزًا واسعًا على صفحاتها لانتقاد فساد عائلة الأسد والانتهاكات التي تقترفها ضد المواطنين.

** قضية رامي مخلوف

الإعلام العربي تطرق إلى الخلافات التي تعصف بين زوجة الأسد، أسماء الأخرس، وأقاربها، وبين ابن خال الأسد رامي مخلوف، في ظل الأزمات الخانقة التي يعيشها الاقتصاد السوري، الذي يعاني من انتكاسة مدمرة بسبب انتشار وباء كورونا، وحالة الكساد الاقتصادي الذي تعيشه البلاد.

إلى جانب ما سبق، أجمعت وسائل الاعلام، على انغماس عائلة الأسد في قضايا فساد كبيرة، وشراء بشار لوحة لزوجته يقدر ثمنها بآلاف الدولارات، وممتلكات عقارية فارهة في موسكو، ووصول ثروة ابن خاله رامي مخلوف 5 مليارات دولار.

** حل وسط

وبالنظر إلى الأسماء المقترحة لخلافة الأسد، نستطيع القول إن مستقبل سوريا يجري التخطيط له بشكل يحد من النفوذ الإيراني وما يتماشى مع مصالح الأمن القومي لإسرائيل، والعثور على حل وسط يرضي كل من روسيا وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

ومن المحتمل أن يكون الهدف من هذه التسريبات، هو قياس ردود فعل المجتمع الدولي، فيما يتمحور الاحتمال الآخر حول رغبة موسكو بالضغط على نظام الأسد وإرغامه على فعل ما تريد، من خلال نشر تقارير إعلامية عن فساد النظام لإبقائه تحت السيطرة، لاسيما وأن الأسماء التي اقترحت كبديل لا يبدو أنها ستكون مقبولة من قبل أنقرة.

——————————-

البروفيسور الدكتور جنكيز طومار، نائب رئيس الجامعة التركية الكازاخية الدولية

الآراء المنشورة في المقال لا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لوكالة الأناضول

——————————-

دافعة أرخميدس السورية/ أحمد عمر

اشتهر العالم الإغريقي، أرخميدس، بصيحة الكشف عندما هتف، من غير خيل ولا ركاب: غوووول لسورية… عفواً لقد خلطنا بين عدنان بوظو وأرخميدس، وكلاهما عالمان، الثاني في الفيزياء والأول في تحويل الهزيمة إلى نصر للرئيس، وكان بوظو أحد علماء سورية الأفذاذ، إلى جانب شريف شحادة وبثينة شعبان التي نقلتْ ضحايا الكيماوي بسرعة الضوء من الغوطة إلى الساحل في مركبة فضائية.

وقد ذهلنا بظهور رامي مخلوف ظهوراً ثانياً، وكان المذكور زاهداً في الشهرة، متقشفاً في التصريحات، مكتفياً بالأسودَين: الأعمال الخيرية والاعتكاف في الحسينيات، وقد بلغ من زهده أنَّ لقبه صار السيد خمسة بالمائة، والناس تظن أنَّه يأخذ من كل مواطن خمسة بالمائة، والأمر معكوس، فهو يأخذ خمسة وتسعين بالمئة! وذُهلنا أيضاً باكتشاف رامي مخلوف أنَّ ظلماً يقع في سورية الأسد، واكتشفنا أنَّ صاحب الضريبة متدين ويعرف بعض الآيات القرآنية، واعترتْنا الدهشة ونحن نراه يصدّر العبارات الدينية على صفحته كالدعاة والوعّاظ، ولم نتأكد بعد: هل هو تأثير الدين الشاميّ، أم أنَّه مستوَرد من إيران التي لا تكفّ عن تصدير الثورة والمستشارين؟ واكتشفنا أنَّ بطل “سيريتل” رقيق القلب ويبكي على الفقراء. واكتشفنا أيضاً أنَّ الأسد، بخطابه أول من أمس، حريصٌ على شعبه، ولم يذكر ابن خالته بالاسم، فالدولة فوق العائلة. وعرفنا منه أنَّ التجار يخنقون الشعب، وليس المخابرات، ولا ابن خالته، وأنَّ الدولة ستتدخل وتنظّم العلاقة بينهم، وأنَّ الأمر سيتجاوز الضبوطات التموينية. وعرفنا أنَّ الأسد ليس طائفياً، بدليل أنَّه سيأكل ابن خالته، كما ذكر فراس الأسد في رسالةٍ من تحت الماء.

واكتشفنا أنَّ النظام السوري الذي برع في أمر واحد، إرساء الأمن والاستقرار، وإجبار الأرانب على الاعتراف بأنَّها غزلان، قد صحا من نومه، واكتشفنا أنَّ رامي مخلوف ثائر، وقد اختفى في غابات صلنفة لكي يدير الثورة بالفيديو، وأنَّ رسائله، من تحت حطب لم يشتعل، ناعمة، واستمتعنا بمشهد الحطب مصفوفاً مثل كتبٍ في مكتبة.

واكتشفنا أنَّ لكل قطيعٍ كبشاً أسود، وأنَّ فراس الأسد كبش أبيض في القطيع الأسود. واكتشفنا مع أرخميدس أنَّه يستحيل على من يعجز عن تركيب جملةٍ مفيدةٍ باللهجة العامية، جملة فيها بيان الجملة الشعبية، وللكلام العاميّ بلاغته، أنَّ يُؤتى كل هذه الثروة إلا بأمرين: النفوذ والسلطان أو الطماطم والباذنجان.

وقد امتدّ بنا العمر إلى اللحظة، لنكتشف أنَّ مخلوف والأسد، وملايين اللصوص الصغار في السلطة، لم يسرقوا مالاً، وإنَّما هي دماء، وأنَّ شعباً كاملاً كان يعمل بدل الساعة عشراً، وأنَّ أرض سورية وسماءها بيعتا، وأنَّ مخلوف كان عبداً مأموراً لحس إصبعه.

وجدير بالذكر أنَّ أرخميدس اكتشف قاعدة الانغمار، وهو قانونٌ فيزيائي يُعتبر من أساسيات ميكانيكا الموائع، وينصّ على أنَّ

انطلق أرخميدس مسرعاً شبه عارٍ، فرحاً بالقانون، صائحاً: وجدتُها، وجدتُها (باليونانية: Eureka) وأصلها عربي، ومن غير برهان، فكما أنَّ أصل البشر آدم، كذلك العربية هي أصل كل اللغات. ‏وانطلق إلى بيته، وأخرج التاج ووضعه في الماء بعد أن وزَنَه، ووضع في الإناء نفسه كتلةً من الذهب الخالص، لها وزن الجسم الأول نفسه، فلاحظ أنَّ كتلة الماء المزاح في حالة الذهب تختلف عن كتلة الماء المزاح الناتج عن وزن الذهب الخالص، وذلك نظراً لاختلاف دفع الماء على كتلة كل من الجسمين. وسنكتشف أن رامي كان بطريركاً، وكان يتجسّس على كل مكالماتنا، أما أرخميدس، فكان ذهبه من “جنى” عمره.

العربي الجديد

—————————–

الكرملين وصراع الأسد-مخلوف/ بسام مقداد

تتعدد الفرضيات حول خلاف الأسد- مخلوف وتتناقض في ما بينها ، وتثير من التساؤلات أكثر مما تقدم من الأجوبة . فهل الخلاف حقيقي أم مصطنع بهدف تعويم الأسد وتبييض صفحته ، بعد ما لحقها في الفترة الأخيرة من تشوهات، بسبب فضائح الفساد والعجز عن إدارة السلطة ، التي تبرع بكشفها إعلام “طباخ بوتين”، ونأي إعلام الكرملين بنفسه عنها. ولا يثير أقل من تلك التساؤلات موقف الكرملين من هذا الصراع ، وما إن كان يقف وراءه ، أو أنه يجري في حضنه ، ويعاينه متفرجاً ، ينتظر خواتيمه متحيناً  فرص القطاف.

جميع هذه التساؤلات وسواها الكثير، خاصة في ما يتعلق بالكرملين ، من الصعب الإجابة عليها ، في ظل صمت الكرملين المطبق بشأنها ، وابتعاد إعلامه ومسؤوليه كلياً عن التطرق إلى هذا الصراع ، من قريب أو بعيد. ولم يخرق هذا الصمت ، حتى الآن على الأقل، سوى صحيفة القوميين الروس “SP” المعارضة لسياساته الداخلية ، والمنتقدة “غزله” الموسمي بالغرب ، وصحيفة “NG” ، التي تدعي إستقلالية مزيفة ترتسم في خلفيتها بوضوح أبراج الكرملين .

الصحيفة الأولى “SP” كتبت في 3 الشهر الجاري مقالة بعنوان “سلطة الأسد يقوضها الشجار مع الأخ الملياردير (أبناء العم والخال هم إخوة في ما بينهم ، وفق العرف السلافي) بسبب روسيا ، مع عنوان إضافي “مواجهات أكثر عائلات دمشق نفوذاً لن تنتهي على خير”. وبعد أن يرسم كاتب المقالة لوحة شديدة القتامة لوضع الأسد المفلس والممنوع من الحرب من قبل روسيا وأميركا من أجل استرداد النفط من الأكراد ، تبرز للأسد على خلفية هذه اللوحة مشاكل سياسية جدية مع إبن خاله الملياردير رامي مخلوف. ومخلوف هو الأكثر غنى ونفوذاً في سوريا، حتى يقال بأن الأسد سن الكثير من القوانين لتلائم مصالح مخلوف بالذات ، حسب الكاتب. وبعد أن يسترسل في وصف ثروات مخلوف ومفاخرته، هو وأسرته، بهذا الغنى في سوريا الجوعى والمدمرة، يقول الكاتب ، بأنه مع كل هذه الثروات تبين أن مخلوف مدين لخزينة الدولة بمئات ملايين الدولارات كضرائب ، يقال بأنه لم يدفع شيئاً منها طيلة سنوات الحرب الأهلية .

إقتراح مخلوف عبر شريط الفيديو الأول ، بأن يضع الأسد إطاراً ما ليدفع مخلوف مستحقات الخزينة ، دون إلحاق الضرر بمصالح شركة سيرياتل، اعتبره الأسد تهديداً بوقف أعمال شركة الخليوي ، مما يطال كل سوري تقريباً . وثمة اعتقاد ، حسب الكاتب ، بأن لدى مخلوف خطة للدفع للأسد شخصياً ، بغية تفادي مشاركة المؤسسات الرسمية في الأمر. وليس مفهوماً لماذا ، ولأي سبب يخشى الملياردير مشاركة زوجة الرئيس أسماء الأسد في هذه الأمور ، ويقال بأنهما على عداء منذ زمن بعيد.

ما كان ليبدو من أمر مستهجن في كل هذه القصة ، مجرد شجار بين نخب محلية ، لو لم تعمد أجهزة الإعلام إلى حشر إسم روسيا في القصة، حسب الكاتب. فهذه الأجهزة تزعم، بأن الضغط على مخلوف وعلى سواه من كبار رجال الأعمال ، مرتبط بمسعى الأسد لجمع أكبر كمية ممكنة من الأموال ، من أجل تسديد الدين الكبير لروسيا . من الصعب الجزم بصحة هذه المزاعم أو خطئها ، لكن الدين الروسي المقصود بالكلام ، يتخطى مبلغ 3 مليارات دولار ، وفجأة قررت دمشق جمع هذا المبلغ على وجه السرعة ودفعه لموسكو.

يقول الكاتب بأن خطورة القصة تكمن في إمكانية زعزعة الوضع القائم حالياً في سوريا. مخلوف المشتبه به بقضايا كثيرة ، كان خلال سنوات طويلة ، مؤيداً وفياً لابن عمته الأسد ، وكان يرصد الأموال حيث ينبغي ، وشارك في جميع المشروعات التي كان يُلزم بها ، أي أنه كان يقوم بكل ما يحتاجه الأسد للإحتفاظ بالسلطة . ومن الطبيعي أنه ، خلال هذه السنوات الطويلة ، حشد حوله فريقاً من المخلصين له في سائر أجهزة السلطة ، وفجأة بدأ الجميع يعلنون طقوس التوبة . لو كان كل ذلك يجري في زمن الإستقرار ، ولو كان في السلطة الراحل حافظ الأسد ، لكانت العواقب في أدنى حد لها ، لكن في سوريا المعاصرة ، ليس سوى الغضب ، حسب الكاتب .

من جهتها، صحيفة “NG” نشرت في 2 من الشهر الجاري مقالة بعنوان “حرب النخب السورية تدور تحت أنف روسيا”، أرفقته بعنوان ثانوي “ما المقصود بشريط فيديو إبن خال الأسد” . بعد أن يسرد الوقائع المتداولة حول هذا الصراع وأسبابه المحتملة، يقول كاتب المقالة، محلل الصحيفة الدائم لشؤون الشرق الأوسط ، بأن الشائعات حول العقوبات ضد رجل الأعمال الشهير ، سيئ السمعة رامي مخلوف  ، بدأت تنتشر منذ السنة الماضية . ووفقاً للشائعات الأكثر تداولاً في الصحافة العربية ، يكمن سبب العقوبات القاسية إلى هذا الحد بحق مخلوف ، في الدين الكبير لدمشق الرسمية (من دون أن يذكر الجهة الدائنة ، وما إذا كانت موسكو أو سواها)، التي لا تستطيع توفير الإستقرار المالي بالطرق التقليدية ، ولهذا تجد نفسها مضطرة لجمع الأموال من رجال الأعمال الأكثر غنى. وما جرى ضد مخلوف، هو خلاف المصالح بينه وبين السيدة الأولى أسماء الأسد ، التي تطمع للعب دورها الخاص وسط النخبة السورية . وينقل الكاتب عن جريدة “المدن” تصريحاً للخبير في الشؤون الإقتصادية السورية يونس الكريم قال فيه ، بأن “أياً من الطرفين(أسماء ومخلوف) لن يقدم على التنازل . ومن الملاحظ الآن وجود تباعد كلي بين الطرفين ، وانتصار طرف على آخر يتوقف على العلاقات الدولية وبين الحلفاء المحليين ، مما يساعد روسيا على التوغل أكثر في الإقتصاد السوري” .

ويختتم الكاتب مقالته القصيرة بمحاولة الإجابة عن موقف الكرملين من هذا الصراع المتفجر، فيرى أن الجانب الروسي، ووفقاً لما تشير إليه الأمور، لا يميل للمشاركة العلنية في صراع النخب هذا .

المدن

——————————

لوفيغارو: وراء تسوية حسابات حاشية الأسد صراع نفوذ روسي-إيراني؟/ آدم جابر

قالت صحيفة لوفيغارو الفرنسية إن الرئيس السوري بشار الأسد في “حرب” مع ابن خاله الغني وممول نظامه رامي مخلوف؛ متساءلة: هل هي معركة بين الحاشيات المتنافسة في دمشق؟ أم أثر جانبي لمعركة روسية- إيرانية على تقاسم النفوذ في سوريا؟ أو القليل من الاثنين؟.

ووصفت لوفيغارو ما يحدث بـ”ملحمة رامي مخلوف..  النسخة  السورية لمسلسل دلاس الشهير”؛ مشيرة إلى أن الأخير يوجد حاليا- وفق بعض المصادر- في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تتردد عليها بشرى، شقيقة بشار الأسد، بشكل منتظم، منذ الوفاة المشبوهة لزوجها آصف شوكت عام 2012 . لكن الصحيفة أكدت أيضاً أن مصدراً “مقربا” أكد لها يوم الاثنين الماضي أن “مخلوف موجود في بيته بدمشق”؛ وأنه بعد ذلك بيومين (الأربعاء) أكدت مصادر أخرى هذه المعلومة، إذ تعرف أحدها على جدران الصالون الذي سجل فيه رامي مخلوف الفيديو الثاني الذي نشره.

وتعتبر لوفيغارو أن ما يحصل لا يمكنه إلا أن يرضي روسيا، الحليف الرئيسي للنظام السوري، طالما أنه يؤكد على الانقسامات في هرم النظام السوري، الذي يبدو أن فلاديمير بوتين غير راضٍ عليه؛ وفق ما يؤكد عليه بعض المعارضين السوريين، خاصة بعد نشر وكالة أنباء “ريا-فان” المملوكة من قبل صديق مقرب من الرئيس الروسي ، الشهر الماضي، لمقالات “عنيفة” ضد بشار الأسد، أدانا فيها “الفساد”  في سوريا معتبرة أنه “أسوأ من الإرهاب”؛ كما كتبت أن الأسد “ضعيف” حيث أن شعبيته لا تتجاوز 32 %، وفق استطلاع غامض شمل 1400 شخص.  غير أنه تم لاحقًا  سحب هذه المقالات ونفت السفارة الروسية في لبنان أي دعم من الكرملين لهذه الادعاءات.

أياً كانت حقيقة هذه المقالات- تقول لوفيغارو- فإن “الرسالة الروسية إلى الأسد قد تم تمريرها”. ويبقى أن فلاديمير بوتين كان لديه الكثير من اللوم ليعبر عنه لحليفه السوري. أولاً بخصوص الاتصال الهاتفي المثير للقلق الذي تم بين بشار الأسد وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، نهاية مارس/ آذار الماضي، والذي يُعدّ الأول من نوعه منذ بدء النزاع في سوريا عام 2011. وهو اتصال رأى مراقبون أن أبوظبي سعت من وراءه إلى نسف الاتفاق التركي- الروسي  حول إدلب. ويبدو أن بن زايد عرض مبلغاً ضخماً على الأسد.

لكن دبلوماسيًا في الأمم المتحدة أكد لـ”لوفيغارو” أن “الانزعاج الروسي من الأسد سببه حقيقة أن الروس  غير مرتاحين ترغم الإيرانيين وسيطرتهم على مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والإقتصادية في سوريا .. وهي منافسة غير عادلة في نظر الروس، الذين يعتبرون أنه بفضل تدخلهم تم انقاذ الأسد. ولذلك، فهم من يحق لهم الحصول على الجزء الأكبر من الكعكة، خلافاً لما هو حاصل حتى الآن.. إذ أعطى الأسد الإيرانيين ميناء اللاذقية واستخراج الفوسفات، وكانت يفكر في منحهم شركة للهاتف المحمول، لكن الروس عارضوا ذلك”.

واعتبرت “لوفيغارو” أن هذه الحلقة الجديدة من التوترات بين موسكو ودمشق، تعيد إحياء مسألة الحفاظ على المظلة الروسية على الأسد. لكن الدبلوماسي الأممي (مذكور أعلاه) يرى أن “الروس يمكنهم ترك الأسد لكن ليس الآن. لأنه سيكون عليهم قبل ذلك، إيجاد شخص له الوزن ليخلفه ويكون مخلصًا لهم”.

لكن جوست هيلترمان من مؤسسة الفكر الدولية للأزمات أكد أن “بشارالأسد كان دائما عنيدا في وجه الضغط الروسي لأنه يعلم أن روسيا لا تستطيع تحمل الفشل في سوريا”. فحتى وهو في موقف ضعيف، لكنه  يعرف أنه قادر على أن يستتب في فشل حليفه الروسي؛ بحيث إنه لم يتردد في الاقتراب من حليفه الآخر إيران لمقاومة موسكو؛ خاصة وأن طهران تتهم موسكو بعدم القيام بما يكفي لمنع إسرائيل من قصف القواعد العسكرية الإيرانية في سوريا.

وتخلص لوفيغارو إلى أنه استعداداً للانسحاب الأمريكي، فإن المنافسة  بين الروس والإيرانين جارية في شرق سوريا.  فموسكو تبني قاعدة مروحيات هليكوبتر على بعد 50 /كلم شرق الرقة.  لكن الإيرانيين لديهم السبق، بعد “تجنيد ضباط من القبائل الذين تشيعوا من أجل الحصول على ترقيات”.

فكما فعل بوتين، يريد بشارالأسد هو الآخر السيطرة على كبار الاغنياء النافذين .. فتحت غطاء العقوبات سيعاد النظر في آليات الاقتصاد. وقد تشهد هذه المرحلة  اعادة استيلاء الدولة على بعد القطاعات الحيوية بمساعدة من المخابرات. وهاذا ما لم يفهمه رامي مخلوف”، كما تنقل الصحيفة عن المعارض السوري المقرب هيثم مناع.

القدس العربي

————————

فايننشال تايمز: خلاف عائلة الأسد “مسلسل رمضاني حقيقي

قالت صحيفة “فايننشال تايمز” إن شكاوى رامي مخلوف ضد ابن خالته الرئيس بشار الأسد تكشف عن وجود توترات داخل السلطة.

وفي تقرير بعنوان “ملياردير ضد الرئيس، خلاف عائلة الأسد يسيطر على سوريا”. قالت تشولي كورنيش إن السوريين أثناء رمضان يعيشون على المسلسلات الرمضانية المتهورة، ولكنهم يعيشون في هذا الشهر المقدس ملحمة عائلية حقيقية لا تشبه غيرها من المسلسلات، وهو خلاف غير مسبوق داخل العائلة الحاكمة التي تحيط نفسها بجدار من السرية، حيث وضعت مليارديرا ضد ابن خالته، الرئيس.

وبعد تسعة أعوام في الظل أو تحت الرادار، قام مخلوف الذي يدير مملكة تجارية بتصوير نفسه الأسبوع الماضي وهو يشتكي بطريقة غير متوقعة.

وقال إن السلطات السورية تقوم بنهب تجارته، فيما يقوم الأمن الخاص باستهداف العاملين في مؤسساته. وتساءل: “هل توقع أحد قيام الشرطة السرية بملاحقة شركات رامي مخلوف الذي كان من أكبر الداعمين لها؟”.

وقال في شريط فيديو ثانٍ بثه على صفحته في فيسبوك: “طُلب مني التنحي” في محاولة منه لمناشدة قريبه الأسد أن يكون منصفا معه. وتقول الصحيفة إن مخلوف كان يعتقد أنه محصن ولا أحد يستطيع لمسه نظرا لعلاقته القريبة من عائلة الأسد، إلا أن مناشداته للرئيس تؤشر إلى تغييرات في بنية السلطة داخل العائلة الحاكمة التي تنتمي إلى الطائفة العلوية وتسيطر على سوريا منذ سيطرة حافظ الأسد على السلطة عام 1970.

ومع أن رفعت الأسد حاول الانقلاب على شقيقه حافظ عام 1984، إلا أن عائلة الأسد “لن تنشر غسيلها القذر من قبل” كما تقول لينا الخطيب، مسؤولة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس بلندن. وتقول إن استخدام فيسبوك يعني أن “الخطوط المباشرة مع الأسد قد انقطعت بشكل كامل”.

وتأتي المداهمات على إمبراطورية مخلوف المالية التي تعتبر فيها “سيرياتل” جوهرة التاج، في وقت يحاول فيه الأسد تقوية سيطرته على البلاد التي دمرتها الحرب.

وفي الوقت الذي ساعده التدخل الروسي والإيراني على استعادة 70% من الأراضي التي خرجت من يده منذ بداية الحرب الأهلية، إلا أن الجهاديين لا يزالون يسيطرون على جيوب في شمال- غرب البلاد، فيما يعاني الجنوب الذي استعادته الحكومة من انعدام الأمن. وتعاني نسبة 80% من السوريين من الفقر.

ولا يمثل رامي مخلوف أي تحد حقيقي للأسد، إلا أنه كشف عن “توتر داخل الدائرة الأولى في وقت باتت فيه الكعكة تصغر والتنافس والإتهامات المتبادلة حادة” كما يقول إميل هوكاييم، المحلل في شؤون الشرق الاوسط بالمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية.

وأضاف: “مخلوف ليس مستشارا (لزعيم العصابة) أو جنرالا، بل يجلس درجة تحت بشار”. وهو متهم بمراكمة الثروة بطرق الفساد، ولهذا فرضت عليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي العقوبات؛ لأنه استخدم ماله لتمويل الجهود الحربية للنظام.

ووصف مخلوف نفسه بـ”الداعم الأكبر” للقوى الأمنية. ولكن هناك إشارات بدأت تظهر العام الماضي أن قطب المال لم يعد مقربا للأسد أو دائرته المقربة. ففي كانون الأول/ ديسمبر، جمدت وزارة المالية أرصدته وتلك المسجلة في لبنان، فيما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركة نفط مسجلة في الخارج، لأنه لم يدفع الجمارك.

ونفى مخلوف لاحقا أن تكون له علاقة بالشركة. وفي نيسان/ أبريل، هاجمت السلطات المصرية سفينة شحن كانت محملة بالمخدرات التي تم حشوها في صناديق لتوزيع الحليب، وهي تتبع لشركة يملكها مخلوف.

ونفى مخلوف أن تكون له علاقة بالحادث عندما تحدث في الفيديو. إلا أن ما دفعه للخروج والحديث هو ما حدث الشهر الماضي، فقد قررت وزارة الاتصالات إعادة النظر بالرسوم التي تدفعها “سيرياتل” والمنافسة لها “أم تي أن” حيث طلبت الوزارة منهما دفع 180 مليون دولار كرسوم للرخصة التي تم إعادة تقييمها.

ودافعت الوزارة عن قرارها عندما قال مخلوف إن الأمر لم يكن له مبرر. وقال رجل أعمال: “لم تكن هزة م ب س التي جعلت أصحاب المليارات يتذللون لدفع الضريبة” حيث وصف إهانة مخلوف، في إشارة إلى حملة الاعتقالات التي قام بها محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي ضد رجال أعمال وأمراء واعتقالهم في فندق ريتز كارلتون بالرياض.

ونظرا للسرية التي تحيط بالقصر الرئاسي وسياسته، فلا أحد يمكنه فهم السبب الذي جعل مخلوف يخرج للعلن، إلا أن الدولة تعاني من نقص المال وتراجع في قيمة العملة المحلية، فيما يشتكي رجال الأعمال من ملاحقة مصلحة الضريبة لهم ومطالبتهم بدفع ضرائب تخلفوا عنها ورسوم أخرى.

كما أن الداعم الرئيسي للأسد، روسيا تورطت في حرب طويلة في سوريا التي تعاني كما يقول دبلوماسي روسي سابق من “استشراء الفساد”.

ولكن جذور الخلاف قد تكون أعمق، حيث قال شخصان يعرفان ما يجري داخل الدائرة المغلقة، وتحدثا عن خلافات عميقة بين مخلوف وأسماء الأسد، السيدة الأولى في سوريا.

وتترأس الأسد أكبر منظمتين للمساعدة في سوريا، حيث يتم تمرير الملايين. ورغم كراهية قطاعات واسعة لمخلوف بسبب اتهامات الفساد ودعمه للنظام، إلا انه يحظى بدعم داخل الطائفة العلوية.

وأكد مخلوف على نشاط جمعيته الخيرية في منطقة الساحل التي تعيش فيها الطائفة. وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على الجمعية “البستان” عام 2017، لعلاقتها مع ميليشيا مؤيدة للنظام.

وتقول الخطيب إن مخلوف استخدم سلاح الفيديو لتصوير نفسه كحارس للطائفة العلوية ومصالحها، فيما حذر عدد من المعلقين أن أي تحرك ضد مخلوف قد يخلق مشاكل داخل الطائفة.

وكتب النائب السابق في البرلمان شريف شحادة: “لا تعرّضوا (منطقة الساحل) للنار والحروب والدمار” متهما قوى الأمن بأنها تستهدف العاملين في “سيرياتل” بدون أن يكشف عن هوية الجهة الأمنية. وقال مخلوف مناشدا الأسد: “هؤلاء هم رجالك وموالون لك”. ولكن الأسد لم يرد، وطلب في خطاب ألقاه يوم الإثنين بالحد من زيادة الأسعار والفساد، ولم يذكر ابن خاله.

القدس العربي

——————————–

لأول مرة منذ 50 عاما في سوريا… صراع عائلي بهرم السلطة بين الأسد ومخلوف

منذ خمسين عاما، لم تكن عائلة الأسد التي تحكم سوريا ممزقة على رؤوس الأشهاد كما هي اليوم، بعد أن تفجر الصراع بين الرئيس بشار الأسد وابن خاله رامي مخلوف على وسائل التواصل الاجتماعي، خلافا لقاعدة كتم النزاعات في إطار العائلة.

بهذا الملخص، افتتحت صحيفة لوموند الفرنسية مقالا بقلم الصحفي المخضرم ومراسلها في بيروت بنيامين بارت، قال فيه إن المواجهة بين مؤسس النظام حافظ الأسد وشقيقه رفعت عام 1984، وإن لم تكن بعيدة من الخروج إلى الشارع، لم تكتب عنها الصحافة الرسمية كلمة، حتى لا تفسد الوهم بوجود نظام هرمي مثالي متحد في طاعته لسيد دمشق.

ولكن هذا المحظور -كما يقول الكاتب- كسر في الأيام الأخيرة بنشر مقطع فيديو على فيسبوك يخاطب فيه رامي مخلوف، أغنى رجل أعمال في سوريا، ابن خاله بشار الأسد الذي ينحدر مثله من الأقلية العلوية.

وفي المقطع الأول الذي بث على الإنترنت يوم الخميس 30 أبريل/نيسان الماضي، ظهر قطب الاتصالات الذي يمقته المعارضون للنظام باعتباره رمزا للفساد، وهو يتوسل إلى رئيس الدولة لإعادة جدولة المتأخرات الضريبية التي تبلغ 178 مليون دولار والتي تطالب مجموعة بأدائها، حسب قوله.

وفي المقطع الثاني، الذي صدر يوم 3 مايو/أيار الحالي، شجب مخلوف (50 عاما) الذي مول إلى حد كبير قمع ثورة 2011 ضد الأسد، الضغوط التي تمارس على شركته سيرياتل التي تتربع على سوق الهواتف المحمولة، لا سيما اعتقال موظفين فيها.

وتساءل مخلوف “هل يمكن لأي شخص أن يتخيل أن الأجهزة الأمنية تهاجم شركات رامي مخلوف الذي كان أكبر داعم وراع لهذه الخدمات خلال الحرب؟”، مضيفا، فيما يشبه التهديد المبطن “إذا واصلنا السير في هذا الطريق سيصبح الوضع في البلاد صعبا للغاية”.

بكائيات مضحكة

وقال الكاتب إن مثل هذا التباكي، من جانب رجل مثل رامي مخلوف اقتطع نصف اقتصاد البلاد، يعتبر أمرا مضحكا تماما بقدر ما تعد محاكمة السلطات له مثيرة للسخرية، فهي التي خفضت حصة الدولة من أرباح سيرياتل في عام 2014، من 60% إلى 20%.

واعتبر أن الخلاف بين الشريكين السابقين يمكن أن يكون دليلا على إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي السوري بعد تسع سنوات من الحرب الأهلية التي شهدت انخفاض الناتج المحلي الإجمالي للبلاد من ستين مليار دولار في عام 2010، إلى 17 مليار اليوم.

وينقل الكاتب عن جوزيف ضاهر، الخبير السياسي السوري السويسري والباحث في معهد الجامعة الأوروبية في فلورانس إن “الأموال المقتطعة سنويا من الحكومة تراجعت بشكل كبير”، وبالتالي “يسعى الأسد وزوجته أسماء وأخوه ماهر إلى تركيز الثروة القليلة المتبقية في أيديهم وأيدي رجال الأعمال المرتبطين بهم، إذ لم تعد العائلة الصغيرة تريد الاعتماد على مخلوف الذي تنوي تقليل استقلاليته وإخضاعه للرئاسة”.

وقال الكاتب إن المؤشرات الأولى للخلاف بين الأسد ومخلوف ظهرت في أغسطس/آب 2019، ووقتها بدأت شائعات تتحدث عن توقيف مخلوف في المنزل والاستيلاء على جزء من ممتلكاته، بعد الصدمة التي أحدثتها الصور التي نشرها ابناه على منصات التواصل.

وهكذا -يضيف الكاتب- وجد المستفيد الأول من عمليات الخصخصة التي قررها بشار الأسد عندما وصل إلى السلطة عام 2000، نفسه متهما بالتهرب من الضرائب.

ومع أن وضع مخلوف في الإقامة الجبرية لم يثبت، فإن وزارة المالية جمدت أصوله في ديسمبر/كانون الأول 2019 بشكل رسمي، في إجراء شمل أيمن جابر المتخصص في المحروقات، وطريف الأخرس بطل صناعة المواد الغذائية، وسامر الدبس رئيس غرفة التجارة والصناعة بدمشق.

 وفي السياق، وضعت “أم تي أن”، ثاني أكبر شبكة للهاتف المحمول، تحت وصاية إحدى المقربات من أسماء الأسد، وربما يكون مصير مشابه ينتظر سيرياتل، إما التأميم وإما الاستيلاء على رأس المال، كما يقول الكاتب.

على منوال ريتز كارلتون

وينقل الكاتب عن رجل أعمال علوي يتنقل بين دمشق وبيروت قوله إن “بشار الأسد يريد استعادة أمواله”، في عملية “مستوحاة من عملية فندق ريتز كارلتون”، في إشارة إلى العملية التي سمحت لولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالسيطرة، في شتاء 2018، على أصول مئات الشخصيات المرموقة في المملكة، بينهم أعضاء في الأسرة الحاكمة.

وكما هي الحال في السعودية عندما استغل بن سلمان الأمر لتحييد المنافسين، فإن مناورة الأسد قامت بسبب الضرورات الاقتصادية إضافة إلى الحسابات الشخصية.

وقال أيمن عبد النور، مدير موقع إخباري مؤيد للمعارضة “إن الطوابير أمام المخابز أصبحت أطول. والحكومة بحاجة إلى المال لشراء القمح من الروس، كما أن أسماء الأسد أيضا تريد تأمين مستقبل أطفالها”.

وأوضح الكاتب أن الحملة أجريت بشكل انتقائي، ونجا منها العديد من المستفيدين من الحرب ممن ينظر إليهم على أنهم فاسدون، مثل سامر فوز صاحب فندق فورسيزونز، أرقى فندق في دمشق.

ومن بين جميع رجال الأعمال الذين استجوبتهم الحكومة، كان رامي مخلوف هو الوحيد الذي تجرأ على الدفاع عن نفسه علنا، لمكانته العائلية، لأن “أي شخص آخر كان من الممكن تصفيته خلال ساعة”.

ومن خلال النشر على فيسبوك، يرى الكاتب أن مخلوف يسعى للاستفادة من الدعم الذي يحظى به بين العلويين المستفيدين الرئيسيين من المساعدات التي توزعها منظمته الخيرية “البستان”.

ويرى جوزيف ضاهر أن “مخلوف على عكس رفعت الأسد، ليس لديه دبابات ولا نية الإطاحة ببشار الأسد، ولكن لديه نفوذ واتصالات ببعض الأجهزة الأمنية ومليشيات مستأجرة يمكن أن يخلق بها نوعا من عدم الاستقرار، مما قد يدفع ابن خاله إلى إيجاد تسوية معه، خاصة أن شخصيات من الطائفة العلوية تخشى أن تعاني الأقلية من هذه الأزمة، بدأت بالفعل وساطة بينهما.

المصدر : لوموند

——————————–

تفاصيل الصراع بين آل مخلوف وآل الأخرس.. وأثره على الاقتصاد/ فراس فحام

لا تمثل التصريحات التي أطلقها حوت المال السوري “رامي مخلوف” من خلال سلسلة المقاطع المصورة التي يبثها مؤخراً سوى رأس جبل من الجليد يطفو على سطح الماء، في حين أن كتلته الأكبر ما تزال مخفية عن الأعين.

خلال ظهور “مخلوف ” الثاني في مطلع شهر أيار / مايو الجاري، طالب “بشار الأسد” بوضع حد لتدخلات الدائرة المحيطة به، لأنهم يسعون وبحسب وصف “رامي” لجني الأموال لجيوبهم.

صراع قديم

شرارة الصراع الأولى بين الفريق الذي تتزعمه “أسماء الأسد” ويضم شقيقها “فراس الأخرس” وابن خالتها “مهند دباغ” وبين آل مخلوف بزعامة “رامي” ووالده “محمد” الذي يقيم في روسيا، تعود إلى صيف عام 2019، عندما بدأ النظام بإعادة توزيع رأس المال على رموز جديدة وتقديمها للمجتمع الدولي على أنها وجوه إصلاحية ونزيهة، وفي هذا السياق بدأت عمليات الحجز على أصول مالية تعود لشركات “رامي مخلوف” و “سامر الفوز” و آل القاطرجي.

وفي شهر أيلول / سبتمبر 2019 أوقف البنك المركزي التابع للنظام التعامل مع شركة “سيريا تيل” التابعة لـ “مخلوف”، تبع ذلك قرار من المديرية العامة للجمارك صدر في شهر كانون الأول / ديسمبر 2019، ينص على فرض الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لرامي مخلوف إلى جانب رجال أعمال آخرين أبرزهم “باهر السعدي” و “محمد خير العمريط”.

التضييق الذي مارسته زوجة الأسد وفريقها على “مخلوف” تضمن أيضاً الدخول إلى ميدان الاتصالات الخليوية في صيف عام 2019 عن طريق شركة “إيما تيل”، بالإضافة إلى الاستيلاء على “جمعية البستان الخيرية” الذراع الضاربة لـ “مخلوف” وتحويل ملكيتها لصالح “الأمانة السورية للتنمية” التي تديرها “أسماء”.

وشرع النظام في الأشهر القليلة الماضية في نزع صلاحيات المديرين التنفيذيين في شركة “سيرياتيل” عملاقة الاتصالات الخليوية، وإعطاء هذه الصلاحيات إلى محاسبين قانونيين مكلفين من قبل الرئاسة بشكل مباشر.

رد عائلة “مخلوف”

تمثل رد عائلة “مخلوف” على التضييق الذي يمارسه النظام بقيادة “أسماء الأسد” بسلسلة من التسريبات عبر الإعلام الروسي ، بهدف النيل من الصورة التي يسعى النظام رسمها للفريق الاقتصادي الجديد، وأبرز تلك التسريبات تفاصيل الصفقة الفاسدة بين شركة “تكامل” المملوكة لـ “مهند دباغ” ابن خالة “أسماء الأسد” والنظام، التي حصلت بموجبها الشركة على حقوق إصدار البطاقة الذكية التي أثقلت كاهل المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وآلية عمل تلك الشركة وكيف تجبي الأموال عن كل ليتر محروقات أو أسطوانة غاز طبيعي يتم توزيعه للمواطنين، تبع ذلك تسريب قضية شراء “بشار الأسد” لزوجته لوحة بقيمة 30 مليون دولار أميركي كهدية.

وجاءت الفيديوهات التي نشرها “رامي مخلوف” بشكل متتابع مؤخراً، كجزء من سلسلة إجراءات للضغط على “بشار الأسد” بهدف دفعه للعدول عن إجراءاته، خاصة بعد فرض الأسد وأجهزته الأمنية الإقامة الجبرية على المديرين والمستشارين العاملين ضمن شركات “سيرياتيل” و “راماك” و “آبار بتروليوم”، حيث ركز “مخلوف” في خطابه على تأليب الطائفة العلوية على “الأسد” وزوجته، من خلال إشعارهم بأن هناك جهات من خارج الطائفة تسعى للاستيلاء على رؤوس المال التي أنفق منها آل مخلوف على العوائل والقرى الموالية للنظام طوال سنوات الحرب.

تأثير الصراع على اقتصاد النظام

بحسب تقرير صادر عن منظمة “غلوبال ويتنيس” فإن الشركات التابعة لـ “رامي مخلوف” تمتلك قرابة 60% من الاقتصاد في سوريا، بسبب تغلغلها في قطاعات الاتصالات والعقارات والنفط والغاز وسوق المال.

وقبل ظهور مخلوف الأخير، ونقله المعركة مع الدائرة المحيطة ببشار الأسد إلى العلن، استطاع من تهريب المزيد من الأموال إلى شبكته المعقدة الموجودة خارج سوريا، حيث تقدر حالياً أرصدته خارج البلاد بأكثر من 70 مليار دولار أمريكي .

وخلال أسبوع فقط من آخر مقطع فيديو بثه “مخلوف” فقدت الليرة السورية المزيد من قيمتها، وهوت من 1330 ليرة مقابل الدولار إلى 1420 ليرة، في ظل تصاعد الطلب على الدولار خوفاً من تدهور قيمة الليرة السورية بشكل أكبر.

وصول الأزمة بين “مخلوف” و “الأسد” إلى طريق مسدود وتحولها إلى الفضاء العام، يعني أن اقتصاد النظام الذي يمر في أصعب مراحله سيتلقى المزيد من الضغط بعد فقدان الأمل برفد الخزينة بسيولة مالية كبيرة، حيث جرى تجميع هذه السيولة في بنوك دولية ومشاريع متعددة خارج سوريا وتحديداً في الإمارات وروسيا.

الفضائح التي نتجت عن أزمة مخلوف – الأسد الأخيرة، وما كشفته عن حجم الفساد المالي في الاقتصادي السوري من شأنها أن تساهم في دفع رؤوس الأموال الأخرى للهروب من سوريا، كما أنها تضعف احتمالات استقطاب استثمارات دولية جديدة في قطاع “إعادة الإعمار”، الأمر الذي سيفاقم من الأزمة الاقتصادية الحادية، كما أن توقف أكثر من 50 شركة كبرى تتبع لـ “مخلوف” عن العمل سيكون له تداعياته على معدلات البطالة المرتفعة أساساً.

كلمات مفتاحية

—————————

اعتقالاتٌ جديدة..زلزالٌ و وجوم: ماذا يجري داخل “سيريَتل”؟

رغم أن الحركة تبدو طبيعية، في مركز خدمة الزبائن، التابع لشركة “سيريَتل”، بساحة “المرجة”(الشهداء) بدمشق، إلا أن خلف جدرانِ الصالة الكبيرة التي تتوزع فيها مكاتب موظفي “خدمة الزبائن”، ثمةً قلقٌ طارئٌ في مكاتب المدراء؛ المُراقبينَ لعمل الموظفين، ولكل ما توردهُ وسائل الإعلام من أخبارٍ جديدة، حول شاغل سورية هذه الأيام؛ أي “الأستاذ رامي”(كما يُعرف بأروقة سيريَتل).

زلزالٌ وَ وجومْ

يقول أحد موظفي الشركة، إن “الوجوم سيد الموقف..جميع الموظفين حولي بحالة ترقب، غيرَ أن معالم القلق الأقرب للرعب، ستجدهُ عند المدراء الكبار(المدراء التنفيذيين ومدراء الأقسام وعموم مدراء الصف الأول والثاني)”، لكون بعضهم بات يخشى أن يتم اعتقاله، كما حدثَ مع نظرائه.

يضيف ذات المتحدث، وهو ثلاثينيٌ مضى على وجوده بـ”سيرتيل” خمس سنوات:”ما يجري الآن زلزال. أن تكون موظفاً في سيرتيل، يعني أن تَمُرَّ على الحواجز الأمنية دائماً بسلاسة، بل ومع تحية أحياناً. ثمة ارتياحٌ عند عموم الموظفين طيلة السنوات التسع السابقة، أنهم يعملون في شركة الأستاذ رامي(..)هذا يمنحُ موظفي الشركة(مدراء تحديداً، ومن تحتهم بدرجة أقل) امتيازاتٍ جيدة وأريَحيّة”، لكن “ما يحري الآن زلزال”.

فـ”الامتيازات والأريَحيّة”، باتت “اتهامات و ورطة”، إذ أن المشهد انقلب دراماتيكياً، رأساً على عقب، اعتباراً من 1 مايو/أيار الحالي، مع أول ظهورٍ لمخلوف على “فيسبوك”، ثم يوم الثالث من ذات الشهر مع الفيديو الثاني، خاصة لأصحاب المكانة الكبيرة في الشركة، الذين باتوا يخشون ملاقاة مصيرِ زملائهم، القابعين الآن في سجون مخابرات النظام.

وبعد يومين من أول ظهور لرامي مخلوف في الفيديو الأول، بدأت الاعتقالاتُ فعلياً، لمدراء “قادة” في “سيرتيل”، فجر الأحد الماضي، حيث انفردَ موقع “السورية.نت”، بنشر قائمة أبرز المدراء المُعتقلين يومها، وشملت كل من المدراء التنفيذيين في الشركة؛ سهيل صهيون(لبناني)، مدير الموارد البشرية، وبشر مهنا، مدير العلاقات الحكومية(ويشغل مناصب أخرى)، وبسام حتاملة(أردني)، المدير المالي العام.

كما طالت حملة الاعتقالات، التي نفذتها دورياتٌ أمنية، داهمت منازل الشخصيات المذكورة نحو الثانية ليلاً، مدراء “كبار” آخرين، في قسمي المحاسبة والمالية، بينهم محمد دوماني، ورضوان حداد، إضافة لمدير قسم الإعلام في الشركة، وهو علاء سلمور.

اعتقالاتٌ جديدة

لم تتوقف حملة الاعتقالات، عند الأسماء السابقة، بل واصلت أجهزة النظام الأمنية، في الساعات التالية، شن حملةٍ جديدة، حسبما أكد لـ”السورية.نت”، مديرٌ سابق، في شركة “سيريَتل”.

وقال المتحدث، إن دوريات “من فرع الخطيب، داهمت نحو الخامسة من فجر الاثنين، منازل مدراء آخرين، في أقسام المشتريات والتسويق، من بينهم؛ فراس مرادي، وتوفيق طواشي، وهناك شخصيات أخرى”.

وحسب معلوماتٍ أخرى، وصلت لـ”السورية.نت”، من موظفين في “سيريَتل”، فإن المديرة العامة للشركة مَجدة صقر(لبنانية الجنسية)، تواصل عملها “عن بعد، وتجيب أو ترسل رسائل من بريدها الالكتروني لتسيير العمل”.

منشوراتُ “تضامن” حُذفتْ

وقالت نفس المصادر، إن “بعض موظفي ومدراء سيرتيل، قلصوا نشاطاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي(…)البعض حذَفَ في اليومين الأخيرين، منشورات قديمة، تُعبّرُ عن اعتزازٍ بانتمائه لسيريَتل”.

وراجت هذه المنشورات، في الأسابيع القليلة الماضية(قبل ظهور مخلوف) كتعبيرٍ عن التضامن مع الشركة، عندما بدأت تخرج للعلن، أنباء ملاحقة وزارتي المالية و الاتصالات، لسيريتل، لدفع ما عليها من مستحقات، واحتمال أن تواجه “سيريَتل”، مصيراً سيئاً، مع حجزٍ احتياطيٍ طبّقته حكومة النظام على أموال مخلوف، الذي اعتبر أن قرار الحجز، لم يتوخى “الإجراءات والأصول القانونية”، في تصريحٍ نشرته جريدة “الأخبار” اللبنانية، أوائل فبراير/شباط الماضي.

بموازاة ذلك، لا يخفِ موظفون في الشركة “الشماتة” ولو همساً، بمصير بعض المدراء الذين يقبعون الآن، بسجون النظام، ومنهم مدير الموارد البشرية، سهيل صهيون، إذ وبحسب مصادر في “سيريَتل”، فإن الأخير “مشهور بعنجهيته، وضبط الآراء السياسية للموظفين، الذين يجب حسب سلوكه الحاد، أن يكونوا موالين لنظام الأسد دون أي تحفظ”.

لكن هذا السلوك، لا ينسحبُ على كافة من تم اعتقالهم، إذ بيّنت مصادر “السورية.نت”، بأن من المُعتقلين، من “لا ناقة لهم ولا جمل بكل الخلافات الحاصلة بين أركان النظام..هم موظفون يعملون بخبراتهم ومهاراتهم”.

قلقٌ عام.. يتعاظم في مستوياتٍ قيادية

تتفرع الهرمية الوظيفية في “سيريَتل”، إلى ستة أقسام، أو مستويات.

المستوى السادس، موظف (مثل موظفي خدمة الزبائن ونظرائهم)، أو ” agent”.

المستوى الخامس، قائد فريق(بين 5 و12 موظف)، أو ” Team Leader”.

المستوى الرابع، مُشرف(يُدير عمل قادة الفرق)، أو ” supervisor”.

المستوى الثالث، مُدير قيادي، أو ” manager”.

المستوى الثاني، رئيس قسم، أو ” head of section”.

المستوى الأول، مدير تنفيذي، أو ” Executive Director”.

وبينما يسود القلق، بين عموم الموظفين هذه الأيام، حول ضبابيةٍ تلفُ المشهدَ سريع التطور، فإن الخوفَ يتعاظم، كلما ارتقى المستوى الوظيفي، وخاصة في المستويات الثلاثة القيادية، ويزداد حدة كلما ارتقى المنصب، وصولاً للمستوى الأول.

—————————

=============================

=================

تحديث 10 أيار 2020

——————–

خطوةٌ أخرى نحو الهاوية/ ميشيل كيلو

ليس رامي مخلوف أول منشق عن الأسدية، ولن يكون الأخير، إن بقي بشار ممسكا بالسلطة، أو غادرها قبل أن تبتلعه زوبعة داخلية أو خارجية ما، كثر الحديث عنها أخيرا، ونشرت أطراف عديدة شائعات متنوعة عنها. لكن انشقاق الحرامي رامي يختلف عمّا سبقه من انشقاقات، بدءا بانشقاق رفعت الأسد الذي لم ينشق فقط، بل حاول القيام بانقلاب، لعب دورا مهما في كشفها سفير الأسد في لبنان، علي عبد الكريم، الذي زرعه الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية، علي دوبا، في حاشية رفعت، فنقل أولا بأول كل كلمه قالها في مجلسه السري إلى شقيقه حافظ، الذي كافأ المخبر باستقبال قصير نقده خلاله مائة وخمسين ألف ليرة، مكافأة له على غدره بالشقيق رفعت، فأنفق معظمها في شراء السيجار لسادة المخابرات الذين كان السيجار أقصر طريق إلى قلوبهم.

لم ينشق آصف شوكت انتقاما من ابن حميه المجاهد ماهر الأسد الذي أطلق النار عليه في أول محاولة لقتله، وعاهده على ألا ينجو في المرة التالية، لكن بشار سبقه إلى تسديد الضربة القاتلة لزوج شقيقته، ونسف، ليقتله، خلية الأزمة بمن فيها من أساطين السلطة، مسدّدا بذلك صفعتين، واحدة لدولة أوروبية كانت على صلة مع الصهر، وأخرى لروسيا التي كانت قد سألت وزير الدفاع الأسبق، حسن التركماني، عن رأيه في بشار.

انشقّ رامي مخلوف، بعد شريطين وجههما إلى بشار، لكنهما استهدفا زوجته التي يشهد الجميع بأنها راكبة عليه و”مدندلة رجليها”، كما يقول العارفون بها وبسجلها الباهر في توطيد قبضتها على سلطةٍ يحتلها وحوش، ليس بينهم من يتردّد في قتل أخيه من أجل سيجار من علي عبد الكريم أو سيجارة مالبورو، فكيف إن جلست على طاولة البوكر وسط لصوص السلطة، وبدأت تقش الفيش وأثمانه من حمولاتٍ مالية يقدّرها متابعوها بالمليارات التي توزعها على مراكز مالية جديدة، ليس شاغلوها من جماعة زوجها وابن خاله الذي حاول لفت أنظار بشار إلى الأبعاد الانقلابية لسلوك زوجته، واتهمها بمطاردة المخلصين من أمثاله الذين تريد تشليحهم “جنى عمرهم”، فكأن رامي نسي من وجدت جثثهن تحت دواليب سيارات التاترا من ربّات الصون والعفاف، زوجات هذا أو ذاك من آل الأسد، المشهورين بحبهم زوجات جميع الناس عدا زوجاتهم. لذلك، يا سيد رامي، طوّل بالك لتكون أسماء جمعت ما يكفي من لوحات، وبيّضت ما يكفي من أموال، وستراها ذات يوم تحت عجلات شاحنة تاترا، شريطة ألا تسبقها أنت إلي السقوط تحت عجلاتها، الأمر الذي أستبعده، مع أنني لا أستبعد إطلاقا أن تكون من ذوات الأربع ذات الآذان الطويلة.

والآن، سأقول لك لماذا عليك أن تصمد. أنت، يذكر ابن عم سميح بكل فخر واعتزاز، من أسرة قومية سورية بدلت اسم قرية بستان الباشا في الخمسينات إلى بستان الزعيم، وفرضت غرامةً على من يذكر اسمها الأصلي، فالمشكلة معك يمكن أن يكون لها ذيول سياسية، بما لجماعتك من حضور في “البعث” والأمن. وأنت من أسرة يدها طايلة في ريف الساحل، وتعتبر قصقصة جوانحها ضربة لتوازناتٍ لا بد أن يكون بشار عارفا بها، وتكون زوجته مصمّمة على تقويضها. أخيرا، في جميع الانشقاقات السابقة، وقف العالم ضد المنشقين مع الأسد. اليوم لا أحد يقف معه غير إيران التي لن تتمكن من حمايته ما لم يسبق عسكرها إلى طهران. بهذا المعنى، انشقاقك “قد” يكون ضربةً حقيقية لبشار، إن لم تسبقك زوجته إلى دفشه نحو الهاوية!

سيد رامي، قضيتك ليست ضعيفة، فلا تيأس. خشخش كيسك المليء بالدولارات في موسكو، القرفانة من بشار، وطهران التي يمكن أن تبيعك.

تحرّك يا فتى.

العربي الجديد

——————–

نعومة مخلوف وبسطار الأسد/ راتب شعبو

عرض النظام السوري منذ مارس/ آذار 2011 قدرة لافتة على التماسك. ومعروف أن التدخل العسكري الروسي المباشر الذي بدأ في 30 سبتمبر/ أيلول 2015، جاء في لحظة وصلت معها وسائل دفاع النظام، بما في ذلك الاستعانة بإيران وأتباعها، إلى حدود قصوى، وبدأ معها النظام بتراجع عسكري متسارع. وقد عبّر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عن تلك اللحظة بالقول إن النظام السوري كان على وشك السقوط قبيل هذا التدخل. مع ذلك، حافظ النظام على آليات عمله ولم يتفكّك. أي إن الضعف والتراجع العسكري للنظام لم يفعّلا آليات الصراع الداخلي فيه، إلى حد تخرج فيه عن السيطرة وتهدّد بتفكك النظام. ظل الأخير قادراً على استيعاب الخسائر، والحفاظ، وهذا هو الأهم، على الهرمية السلطوية فيه، ولا سيما في الجانب العسكري الذي ظل خاضعاً للسلطة السياسية، الشيء الذي افتقدته المعارضة العسكرية على نحو دائم، في لحظات ضعفها، كما في لحظات قوتها.

كان هناك في نظام الأسد، على طول الخط، آليات حسم داخل المركز الحاكم، تمنع تفجر المركز. مبدأ هذه الآليات هو ضبط مراكز القوى تحت سيطرة مركز واحد أعلى لا يُنازع ويمتلك الذراع العسكرية والأمنية التي تمكّنه من الحسم إذا تطلب الأمر، غير أن الأمر لم يتطلب ذلك إلا مرة واحدة وبحدود ضيقة في عام 1984 لمعالجة تمرّد رفعت الأسد وجماعته. وقد سمحت هذه الآلية للنظام بتجاوز مراحل شديدة الصعوبة، اعتقد كثيرون أنه يصعب تجاوزها، أهمها تداعيات سقوط شقيقه البعثي بالتدخل الأميركي المباشر في العراق في 2003، ثم تداعيات اغتيال رفيق الحريري في لبنان في 2005، ووصول التحقيق الدولي في الجريمة إلى البيت الداخلي للنظام. حافظ النظام دائماً على نسقه موحداً، وبدت الانزياحات “غير المتسقة” مجرّد حالات فردية تنتهي بمقتل صاحبها بتدبيرٍ ما، أو بخروجه من المشهد أو من البلد وشلل فاعليته، وذلك كله من دون أن تهتز جدّياً ماكينة النظام.

المرّة الوحيدة التي بدا فيها أن المركز الحاكم موشك على التفجر كانت في 1984، حين أبعد المرض المايسترو عن الجوقة، ما جعل الحلم الأكبر يستيقظ في دخيلة الشقيق رفعت الذي كان يمتلك في الواقع ما يمكّنه من تحويل حلمه إلى حقيقة، لامتلاكه أهم عنصرين يخشاهما “المركز الحاكم”: القدرة العسكرية، والامتداد المجتمعي، سواء داخل الطائفة العلوية، أو في أوساط سنّية بفعل الاستفادة المباشرة أو بفعل دغدغة المصالح الطبقية للتجار عبر سياسة الانفتاح. تجاوز النظام تلك الحلقة بشقّ النفس، وتخلى عن أحد أهم أركانه، واستطاع أن يعيد ترتيب علاقاته الداخلية بغياب قائد سرايا الدفاع الذي كان قبل سنتين فقط العصا الغليظة للنظام في وجه خصومه الإسلاميين. قبل ذلك، لم يكن أحد يتصوّر وجود نظام حافظ الأسد من دون الركيزة “العضوية” التي يوفرها وجود “القائد” وسراياه. واليوم يعرض الواقع على السوريين احتمالاً راجحاً لم يكن ليذهب إليه التصور من قبل، نظام الوريث من دون رامي مخلوف.

تتفوق آليات الحسم التي يجيدها نظام الأسد، ليس فقط على مبدأ الطائفة، بل على مبدأ العائلة أيضاً. لا يتعلق الموضوع بالولاء، فهو عملة فائضة لا يركن إليها، وهو إلى هذا قد يسبب غرق المركب، ما لم يمرّر عبر قنوات مضبوطة ومسيطر عليها. الولاء والتبجيل اللذان أظهرهما رامي لبشار في تسجيلاته، لا قيمة لهما من منظور النظام، المهم ألّا تتشكل لدى “الموالي” القدرة على تهديد مصالح النظام. الولاء موقفٌ لا يُركن إليه، فهو قابل للتبدّل، وقد خبر النظام انشقاقات موالين كثر كانوا شديدي الولاء، ولكن لم يكن لأحد منهم القدرة على تحدّي النظام وتهديد استمراره. لم تصل الانشقاقات إلى الكتلة الصلبة للنظام، ما خلا حالة وزير الدفاع الأسبق علي حبيب الذي اكتفى بالخروج الصامت من المشهد.

الثروة الهائلة التي راكمها رامي مخلوف، بوصفه الامتداد الاقتصادي للنظام في السوق، أعطته القدرة على تهديد تماسك النظام، غير أن الرجل حتى الأمس القريب كان جزءاً عضوياً من النظام بلا أي خطوط تمييز. ما الذي تغير؟ وهل لرامي مخلوف اليوم مصلحة تتعارض مع مصلحة النظام الذي أمّن له كل سبل النهب الممكنة؟ وهل من انعكاسات ممكنة لهذا الصراع المستجد؟

سنوات الصراع الطويلة استهلكت كثيراً من قدرات النظام الاقتصادية التي أنهكتها العقوبات، وزادت في تفاقهما أزمة النظام اللبناني. حرامي سورية الذي كان وفياً للنظام في سنوات الصراع الأولى، بدأ اليوم يشعر بأن النظام بات عبئاً عليه، هو الذي كان يشعر، مع بدايات الثورة السورية، بأنه عبء على النظام، بوصفه التجسيد الأبرز للفساد. وقاد استمرار الصراع إلى اهتراء نسيج العلاقة بين عائلتي القصر، وأدّى أيضاً إلى اهتراء العلاقة التي كانت راسخة دائماً بين عائلتي طلاس والأسد. بدأ “خازن القصر” يتذمّر جرّاء طلبات الدفع العالية والمتواصلة، وراح يتضح أكثر فأكثر تعارض مصلحته مع متطلبات النظام، ولذلك بدأ يخرج عن النسق. وما أظهره الملياردير المدلل من “أنانية” في خريف 2019، بامتناعه عن تسديد فاتورة الحرب الروسية التي بلغت ملياري دولار، واضطرار النظام إلى استخدام العنف مع مؤسساته، كان بداية طريق الشقاق الذي يبدو أن صاحب شركة سيرياتل “الورع” اختاره وتحمّل أول آثاره الداخلية، حين قامت وزارة المالية بالحجز الاحتياطي على أرصدته في ديسمبر/ كانون الأول 2019.

هل يمكن أن ينعكس الصراع المستجد بين الأسد ومخلوف انقساماً في الوسط العلوي؟ الراجح أن شيئاً من هذا لن يحدث، على الأقل لن يحدث بصورةٍ تهدّد جدّياً تماسك الأرضية المؤيدة للنظام. أولاً لأن رامي مخلوف لا يمتلك قوة عسكرية يمكنها تحدّي النظام، ثانياً لأن العصبية العلوية للنظام، التي هي على المستوى الشعبي الواسع، عصبية خوفٍ أكثر مما هي عصبية امتيازات، ستنحاز بصورة ساحقة إلى الأسد بوصفه الطرف الأقوى. أما البسطار الأسدي، فسينحاز إلى الجنس الناعم الذي يسكن القصر، على حساب “النعومة” المخلوفية التي لم تعد مضمونة الولاء، وسيشهد النظام لذلك إعادة اصطفاف وترتيب مواقع شبيهة بتلك التي أقدم عليها النظام عقب ضرب مواقع رفعت الأسد في 1984.

العربي الجديد

———————-

تنازع رأس النظام ومخلوف وتصدّع جوزة النظام الصلبة/ ماجد كيالي

يحاول مخلوف استنفار البيئة الشعبية ذاتها التي يستند إليها الأسد، وهذه سابقة تعد الأولى من نوعها…

أعادت قصة التنازع بين رامي مخلوف وبشار الأسد، أي ابن الخال مع ابن العمة، قصة الصراع الذي تفجّر بين رفعت الأسد (نائب رئيس الجمهورية للشؤون العسكرية وقائد سرايا الدفاع في حينه) وأخيه حافظ الأسد رئيس الجمهورية، في أواسط الثمانينات، والذي نجم عنه خروج رفعت من البلد ضمن تسوية مالية باهظة التكاليف، علماً أن الرجل كان من المداميك الأساسية للنظام الأسدي.

قصة رامي مخلوف مختلفة، فهو من الأركان الأساسية لنظام الأسد (الابن) لكن في المجال الاقتصادي، وهي حيثية مهمة، في تطور النظام الأسدي، من الأب إلى الابن، من جهتين. الأولى، أن نظام الأسد (الأب) كان يتصرّف، كصاحب مشروع سياسي (بغض النظر عن رأينا فيه)، وكصاحب سلطة عسكرية متوحدة، وعلى اعتبار أنه يمتلك البلد كلها، من خلال سيطرته على الموارد وعلى القطاع العام، وعلى العوائد الخارجية. وتبعاً لذلك، فإن الأسد (الأب) لم يكن يهمه، أو لم يكن يعنيه، إنشاء شركات، أو تكوين احتكارات، فهو يحتكر السياسة والفضاء العام والاقتصاد، تماماً مثلما يحتكر الجيش والأجهزة الأمنية، بمعنى أنه كان يترك ذلك الهامش الاقتصادي لتجار البلد، لكسب ولائهم، أو لإسكاتهم. الثانية، أن نظام الأسد في عهد الأسد (الابن) لم يكن يملك مشروعاً سياسياً، إذ أتته السلطة على طبق من ذهب، وبشكل سلس، ثم إن مشروع الأسد الأب كان تمخّض عن سلطة فقط، مع أدوار إقليمية محددة (لبنان فقط). أيضاً، الأسد الابن أتى في ظل تغيرات كبيرة، فثمة زيادة في عدد السكان، وفي تطور حاجات البلد الاقتصادية، كما ثمة تغيرات سياسية واقتصادية دولية، تمثلت بانهيار التجربة الاشتراكية واختفاء الاتحاد السوفياتي (السابق)، وفي التحول نحو الخصخصة، والانفتاح الاقتصادي على العالم، وفقاً لمسارات “العولمة”، وكلها تطورات حصلت في أواخر عهد الأسد الأب (المريض).

وربما يجدر التذكير هنا بأن سوريا لم تذهب نحو التحول إلى الخصخصة، وبيع القطاع العام، كما في مصر وغيرها، مثلاً، وإنما هي عملت على تنشيط القطاع الخاص وتوسيعه مع الحفاظ على القطاع العام، الذي بات متقادماً وخاسراً، كمرتع للفساد، ولامتصاص العمالة، كبطالة مقنعة، وللإبقاء على قاعدة اجتماعية مرتبطة في مورد عيشها بالنظام القائم.

هكذا، أي في هذا الإطار جاء دور رامي مخلوف، وصعوده، بالتلازم مع مجيء بشار الأسد كرئيس، باعتباره بمثابة الواجهة الاقتصادية للنظام لا أكثر، بيد أنه بحكم القرابة فقد كان واجهة بمرتبة شريك لكونه جزءاً أساسياً من السلطة/ العائلة، لكن ذلك يفيد، أيضاً، بأن سلطة مخلوف الاقتصادية، مع شركاته وثروته المالية الهائلة، إنما تأتت له من انتمائه للسلطة السياسية، إذ إن تلك السلطة هي التي مكنته من الاحتكار، وهي التي أمنت له الموارد والتراخيص، والنسب المئوية في معظم الشركات السورية. 

بدهي في التنازع بين رامي ومخلوف أن صاحب السلطة (العسكرية والسياسية) سيغلب صاحب السلطة الاقتصادية، ويمكن أن يصادر كل أملاكه بمجرد قرار، وهو ما حصل مراراً، عبر التاريخ، وفي معظم التجارب، وهذا ينطبق على حالة الأسد مع مخلوف. بيد أن ما نتحدث عنه يفترض مشكلات أخرى قد تنجم عن ذلك، بسبب عوامل متعددة، أهمها، أولاً، أن سلطة الأسد لم تعد كما كانت، وأن الوضع السوري في غاية الاضطراب. ثانياً، يحاول مخلوف استنفار البيئة الشعبية ذاتها التي يستند إليها الأسد، وهذه سابقة تعد الأولى من نوعها، لا سيما أن مخلوف ينتمي إلى عائلة لديها امتداداتها، إضافة إلى استثماره فيها من خلال إنشاء جمعيات “خيرية”، تقوم بتقديم إعانات لألوف العائلات المحتاجة. ثالثاً، يأتي ذلك التنازع في ظل شكوك كبيرة تدور حول الجدوى من الإبقاء على بشار الأسد، بعد 20 عاماً من وجوده كرئيس. رابعاً، لم تعد سوريا كما كانت سابقاً، فثمة جيوش لأربعة دول على الأقل تتحكم، أو تنشر قواها، في الجغرافيا السورية هي الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا، من دون أن ننسى إسرائيل التي لديها الكلمة الأولى في تقرير الأمر في الجنوب.

الفكرة أن التصدّع، هذه المرّة، أصاب جوزة النظام الصلبة، في ظروف صعبة وخطيرة، على خلاف، أو أكثر، من المرتين السابقتين. وللتذكير، فإن الأولى تمت في ظل التنازع بين الأخوين الأسد (رفعت وحافظ)، مطلع الثمانينات، أما المرة الثانية، فهي تلك التي نجم عنها اغتيال اللواء آصف شوكت، صهر العائلة، وزوج الأخت الكبرى بشرى، في حادثة تفجير ما سمي “خلية الأزمة” (2013) وذهب ضحيتها عدد من المسؤولين الكبار في النظام، وقيل وقتها إن الصهر يحاول أن يلعب دوراً قد ينهي الرئيس، في سياق إخراج سوريا من ذلك الصراع.

الآن، إذا كان تم تجاوز التنازع في المرة الأولى (وبطله رفعت)، وفي المرة الثانية (حين سقط آصف)، ففي المرة الأولى لعبت العوامل الداخلية والخارجية لمصلحة الأسد الأب، في حين أتت المرة الثانية في بداية الصراع السوري، فتم تجاوزها لمصلحة تكريس الجهود لوأد ثورة السوريين، لمصلحة الأسد الابن، فإنه يأتي في هذه المرة الثالثة (وبطلها رامي مخلوف) في ظروف اضمحلال، أو تآكل، النظام الأسدي برمته، وفي ظروف تحلل عوامل قوته وإسناده، الداخلية والخارجية، وفي ظروف يطرح فيها الفاعلون الدوليون المزيد من الأسئلة حول الجدوى من بقائه.

في كل الأحوال، وكيفما سار الأمر، فإن جوزة النظام الأسدي الصلبة باتت متصدعة، لذا فكل شيء يعتمد، في بقائه أو إزاحته، على ما تقرره عواصم الدول المعنية.

درج

———————–

“ملحمة” رامي مخلوف تشكّل تحديًا خطيرًا للأسد

لم يكن هناك تعبير أكثر سخرية من العبارة التي انتشرت في سورية: “يا مخالف يا مخلوف”، أي إما أنك من جماعة “مخلوف” أو أنك تعمل بشكل غير قانوني. وبينما ظلت العبارة دقيقة على مدى العشرين سنة الماضية، انقلبت الطاولة، وأصبح مخلوف الآن هو المخالف.

رامي مخلوف، الذي كان عرّاب إمبراطورية مالية يُقدر أنها تسيطر على 60 في المئة من اقتصاد سورية قبل الحرب، بات غير نافع، بات منبوذًا، وعلى ما يبدو فقد بلغ نقطة اللاعودة. ولكنه ما يزال شخصية قوية، على الرغم من سقوط حظوته.

مخلوف هو أكثر من مجرد اسم، إنه حاكم الظل للأسواق السوداء في البلاد، وهو عمود مالي مفتاحي لاقتصادها المتدهور، يقع تحت ضغط هائل من حملة الحكومة على الفساد (المدعومة بسكاكين أعدائه الداخليين الحادة) منذ نحو عام تقريبًا.

بعد تحقيق، على غرار محاكم التفتيش الإسبانية، أجرته وزارة الاتصالات السورية حول أصول مخلوف الثمينة، مخدّم شبكة الخليوي (سيرياتل Syriatel)، وحساباتها منذ عام 2015 إلى 2019، أصبح مخلوف وحيدًا منعزلًا. لكن الأمور أخذت منعطفًا دراماتيكيًا في الأسبوع الماضي، عندما أعلن رجلُ الأعمال البالغ من العمر 50 عامًا القصةَ من وجهة نظره، في سلسلة من مقاطع الفيديو المنشورة على (فيسبوك Facebook)، التي تتناول فيها كثيرًا من الأسئلة والشائعات المحيطة به ومصير شركاته.

ظهر مخلوف في مقطعَي فيديو، حتى الآن، يخاطب نخبة المؤسسة السياسية السورية، التي كان جزءًا لا يتجزأ منها طوال أكثر من عقدين. ومع استمرار الوضع وتزايد الإجراءات الصارمة ضده، من المتوقع أن يستمر في الظهور للدفاع عن نفسه. من خلال نقل خصومته إلى العلن، خلق مخلوف صدعًا غير مسبوق بين صفوف الموالين، وحوّل نزاعه مع النخبة الحاكمة في سورية، من نزاع كان يمكن ضبطه خلف الأبواب المغلقة، إلى نزاع مفتوح على الصعيد الوطني، لم يُشهد مثله من قبل منذ مواجهة حافظ الأسد مع أخيه رفعت عام 1984.

عندما ترددت عبارة “إلى الرئيس أقول، لن أحرجك، لن أثقل عليك، تمامًا مثل عام 2011″، عبر الإنترنت؛ تفاجأ السوريون وهم يشاهدون مخلوف يرتكب الخطيئة الأساسية في نشر غسيل النخبة القذرة في الأماكن العامة. ظهر الملياردير الحوت في مقطع فيديو مدته 15 دقيقة على (فيسبوك) في 30 نيسان/ أبريل، بعنوان مشبوه: “كن مع الله ولا تبالِ”، وقد وضّح مجموعة واسعة من المظالم والمخاوف بشأن التحقيقات الضريبية المتعددة بحق شركاته.

مرهقًا، يجلس على أرضية قصره (الذي يُعتقد أنه في سورية) يبدو مخلوف أن خياراته صارت قليلة. جاءت كلماته كتهديدات مبطنة: “إذا واصلنا السير في هذا الطريق، فإن الوضع في البلاد سيصبح صعبًا للغاية”. كانت هذه رسالة واضحة مفادها أنه لن يتراجع، كان مقطع الفيديو الأول في صميم الموضوع، ومحاولة أخيرة لنيل إعفاء من الضرائب، وحث الرئيس السوري بشار الأسد على التدخل.

زعم مخلوف أن شركة (Syriatel) تُخدّم 11 مليون مستخدم، وتدفع حوالي 12 مليار ليرة سورية من الرسوم الجمركية، وتعطي نصف أرباحها الإجمالية للدولة على الأقل. وقد طُلب منه أن يسدد ما يقدر بنحو 130 مليار ليرة سورية، وهو مبلغ -بحسب قوله- سيؤدي إلى “انهيار الشركة”. يقول أيمن الدسوقي، الباحث في مركز عمران للدراسات الإستراتيجية، إن الفيديو الأول له عدة أهداف “أعتقد أنه أرسل العديد من الرسائل. فهو يحاول التوصل إلى صفقة مع الأسد من خلال الوصول إلى آلية لدفع المال وإنقاذ شركاته وأصوله. يحاول جعل الأسد … جزءًا من الخلاف المستمر وزيادة الضغط الشعبي على الرئيس السوري.

من الواضح أن مقطع الفيديو الثاني الذي يحمل عنوان تحدّي “كان حقًا علينا نصر المؤمنين”، كان تصعيدًا ومحاولة يائسة أخرى للاستفادة من “النيّات الحسنة” التي جلبتها أموال فساده في سورية. كانت اللهجة الحادة دليلًا على أن الأمور لم تسر كما هو مخطط لها بعد مقطع الفيديو الأول. وبالفعل، أكدت لي مصادر خاصة في (Syriatel) اعتقال ثلاثة موظفين على مستوى المديرين. وأشار مخلوف إلى نيته عدم دفع الغرامات، وربما يرى أن الاعتقالات كانت حيلة أخرى لتهميشه.

لم يتراجع مخلوف، وكان غضبه يظهر بوضوح في مقطع الفيديو الثاني: “لقد وصلت الأمور إلى مستويات مقرفة وخطيرة من الظلم والهجوم على الممتلكات الخاصة، لذا أرجو منكم جميعًا، أيها الذين تشاهدوني، أرجوكم سامحوني. لا يمكنني أن أعطي ما ليس لي، هذا امتحان إلهي”. وتابع قائلًا: “هذا ليس عدلًا، الدولة تستخدم السلطة والقوة بطرق لا يجوز استخدامها”. هذه رسالة مباشرة للأسد، تسعى لتقويض شعبية الرئيس السوري. يحاول حوت المال خلخلة القاعدة الموالية للأسد. وأضاف مخلوف: “لم تُمنَح السلطة لإجبار الناس على تقديم تنازلات، بل أعطيت لمساعدة المحتاجين”.

يبدو أن المركز الرفيع الذي تمتع به مخلوف لسنوات قد انتهى الآن. توم رولينز، الصحفي الذي يغطي الوضع في سورية، يردد صدى هذه النقطة: “السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل انقطع الاتصال المباشر بين مخلوف وبشار الأسد اليوم؟ يبدو أن مقطع الفيديو هذا يشير إلى أن الحالة لم تعد كذلك. وفي حين يوجه مخلوف خطابه إلى جهتين -بشار والسوريين- لست متأكدًا أن لخطابه التأثير المطلوب الذي يبدو أنه كان يسعى إليه”.

في سورية، نادرًا ما يوجّه شخصٌ عادي الانتقادَ المباشر لإدارات المخابرات المخيفة، فكيف إذا كان ذلك الشخص بحجم رامي مخلوف! كان مخلوف يلعب بالنار عندما قال: “أريد توجيه رسالتي إلى الرئيس. لقد بدأت أجهزة الاستخبارات في التعدي على حريات شعبنا. هؤلاء هم شعبك، وهم مؤيدوك، ولا يمكنك السماح للآخرين بمهاجمتهم”. أوضح آرون لوند، وهو باحث في مؤسسة القرن، أن “مخلوف لا يساعد نفسه كثيرًا في هذه التصريحات البعيدة عن الناس، على غرار عبارات ماري أنطوانيت. لا أحد في سورية يعتقد بأنه حقق ثروته من خلال تجارة عادلة ونزيهة”. بعد ظهور مخلوف، حذف أولاده جميع الصور من (إنستغرام Instagram) التي تشير إلى نمط حياتهم المترفة، ومنها صور الرئيس السوري.

تجري الآن حملة قمع بوضوح، مع تقارير عن اعتقالات واقتحام قوات الأمن (فيلا) مخلوف في يعفور، إضافة إلى انتشار أمني كثيف في اللاذقية، حيث لمخلوف كثير من الموالين. وبحسب ما ورد بلغ عدد موظفي (سيرياتل) المعتقلين الآن 28 شخصًا. كان رد الأسد الفوري واضحًا، وإن كان غير مباشر: أكد بيان صادر عن هيئة الاتصالات السلكية واللاسلكية والبريد أنها ستطلب من (سيرياتل) تقديم إجابة نهائية، بحلول 5 أيار/ مايو، يمكن أن تكون أرضية للتفاوض بخصوص آلية دفع المبلغ المقدر بـ 233,8 مليار ليرة سورية، وهي إشارة وحشية تدل على أن مخلوف سيُجبر على دفع ما هو مستحق عليه بكل هدوء.

شركة الاتصالات المتنافسة MTN (التي تعرضت أيضًا لغرامة مماثلة) سارعت إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة، كي لا تكون شريكًا محتملًا مع مخلوف للاحتجاج على عدم المساواة القضائية. أبلغ مستثمرها الرئيس، شركة (TeleInvest)، هيئة الاتصالات السلكية واللاسلكية والبريد، سريعًا، بأن الشركة مستعدة لدفع ضرائبها المطلوبة، وفق جدول زمني يُناقش لاحقًا.

سوق قديم في العاصمة السورية دمشق في 24 آذار/ مارس 2020، أمسى مهجورًا بعد أن اتخذت السلطات إجراءات لمكافحة جائحة فيروس كورونا الجديد. (تصوير لؤي بشارة/ وكالة الصحافة الفرنسية/ عبر صور جيتي)

المواجهة خلقت عاصفة رأي عام في سورية

كانت ردة الفعل داخل المناطق التي تسيطر عليها الحكومة سريعةً وقاسية. وبينما لم يكن هناك رد مباشر من الأسد أو دائرته الداخلية، كانت وسائل التواصل الاجتماعي غير الرسمية الخاصة بهم غزيرة، وتعمل بفاعلية كمقياس لكيفية نظر أصحاب الخط المتشدد في الحكومة إلى مخلوف. أكرم عمران، وهو صحفي موالٍ للحكومة ومحرر مجموعة وسائل التواصل الاجتماعي “سورية: فساد في زمن الإصلاح”، كتب ردًا واضحًا، كان مضمون الكتابة “إلى السيد رامي: التزم بأوامر الحكومة، لأنه لن يقف أحد بجانبك ضد دولتهم”.

في غضون ذلك، أشارت صفحة “ماهر الأسد” غير الرسمية على (فيسبوك) إلى أن مقطع فيديو مخلوف كان محاولة لإخافة الرئيس، ولم ينجح، نقلًا عن إحدى مقولات الأسد: “يريدوننا أن نخاف، وهذا لن يحدث”. كانت ردة الفعل على الخصومة مختلطة بشكل عام، مع اختلاف وجهات النظر والعوامل التي تحتل مركز الصدارة. دافعت شبكة أنباء اللاذقية الشعبية عن مخلوف: “إنه يوفر رواتب لأطفال الشهداء، [ويقدم] سلال طعام شهرية للعائلات الفقيرة. لقد قدم الكثير، وهو أفضل من 99 في المئة من التجار والمسؤولين في هذا البلد”. أما مازن مصطفى، الصحفي السوري، فقال: “لو كان لدينا دولة قانون، لكان المدعي العام قد استدعى رامي مخلوف، مع كل الوثائق التي تحدث عنها، لإظهار الحقيقة وعرضها على الرأي العام. لو كان لدينا فقط دولة القانون”. وأضاف: “رامي مخلوف يشعر أنه معرض لخطر الاغتيال، لذلك أراد فقط أن يحمي نفسه”.

كان فراس الأسد، ابن عم الرئيس، صريحًا في رأيه إذ قال: “كلنا نعرف من يسيطر على (سيرياتل) الآن”، مشيرًا إلى قبضة الأسد المتزايدة على بعض حيتان الحرب. وعلى الرغم من أن القضية المرفوعة ضد مخلوف قد تكون دامغة، فإن الأساليب التي استخدمتها السلطات المالية كانت مفرطة، بحسب الصحفية السورية علا الباكير، التي جادلت بالقول: “يمكنك أن تنظر إلى ما حدث له على أنه ظلم أو خطأ، ولكن طُلب منه مبالغ مخيفة، وأُعطيّ مهلة محددة للدفع مع العلم أن إجراءات تحصيل الضرائب أعيد تنشيطها على نطاق واسع منذ عامين تقريبًا. المبالغ لا تتناسب بأي شكل مع حجم إيرادات الشركة”.

حملة ضغط شديدة

بدأت الجهود المخطط لها بعناية للضغط على مخلوف، باستخدام أجهزة مختلفة للسلطات المالية السورية في كانون الأول/ ديسمبر 2019، عندما صادرت المديرية العامة للجمارك بعض أصوله، وأصدرت غرامات كبيرة تصل إلى 11 مليار ليرة سورية عن منتجات مستوردة، ومنها النفط والغاز، من دون دفع الضرائب. وتحملت آبار بتروليوم، وهي شركة مخلوف لنقل الغاز والنفط ومقرها بيروت، العبء الأكبر من هذه الغرامات.

كما بدأت الرئاسة السورية في السيطرة بشكل مباشر أكثر على جمعية البستان، وهي كيان هجين تحت سيطرة مخلوف يمتلك قوة شبه عسكرية قوامها 20,000 رجل، ومؤسسة خيرية ممولة تمويلًا جيدًا تخدم الآلاف، وهذا ما أثار القلق تجاه المصادرة التي أزعجت مخلوف بلا شك. وبحسب صحيفة الأخبار اللبنانية الموالية للحكومة، فإن “الجمعية أصبحت تحت إشراف القصر”.

مع بدء الضغط في التصاعد، استمر هجوم الدائرة الداخلية على جبهات متعددة. في منتصف نيسان/ أبريل، أعلنت السلطات المصرية القبض على شحنة من الحشيش تزن أربعة أطنان مخبأة في منتجات الألبان من شركة (ميلك مان Milkman) السورية، وهي شركة يملكها مخلوف وحده.

على الرغم من أن الحوت الملياردير المحاصر نفى مسؤوليته، في بيان شديد اللهجة، بعد مدة وجيزة من مصادرة الشحنة، فإن الإنذارات انطلقت بوضوح بخصوص أنشطة شبكة أعماله. وردّ مخلوف مدعيًا براءته: “من شوه عمل هذه الشركة، بإفراغ هذه المنتجات وتعبئتها بمواد مخدرة، هو رجل جبان”، لكن الضرر حدث، وبدأ مخلوف يبدو كرجل في مرمى الهدف.

كانت رصاصة الرحمة التي أطلقها الأسد على إمبراطورية مخلوف تحقيقًا مفصلًا أجرته هيئة الاتصالات السلكية واللاسلكية والبريد في سورية، أجبر شركتي الاتصالات الرئيستين في سورية، (Syriatel وMTN)، على دفع 233,8 مليار ليرة سورية من الغرامات غير المدفوعة والضرائب المتأخرة بحلول 5 أيار/ مايو، مع تحذير صارم من أن هناك عواقب وخيمة إذا لم يتم الدفع. دفع هذا بمخلوف إلى اتخاذ إجراءات شديدة، لأنه على ما يبدو لم يكن قادرًا على الوصول إلى الرئيس لمناقشة إيقاف تنفيذ القرار.

كان الأسد يواجه صداعًا متزايدًا حيث يلوح قانون قيصر الأميركي في الأفق، ويرزح اقتصاد سورية في ضائقة شديدة، لم يكن بوسعه السماح لمخلوف بمواصلة سيطرته المالية. مع إجبار كورونا على إغلاق غير مرغوب فيه في سورية، قدرت الخسائر الاقتصادية اليومية بسبب توقف الخدمات والتجارة بحوالي 33,3 مليار ليرة سورية، وفقًا للدكتور علي كنعان، عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق.

وكذلك كان النقد يصدر من روسيا، حيث ازدادت همسات الاستياء عن المشاكل الاقتصادية في سورية وتفشي الفساد. ألكسندر أكسينينوك، وهو دبلوماسي روسي بارز، كتب: “دمشق ليست مهتمة بشكل خاص بإظهار مقاربة بعيدة النظر ومرنة، بل تستمر في البحث عن حل عسكري بدعم من حلفائها، وعن مساعدات مالية واقتصادية غير مشروطة مثل التي كانت في الأيام الخوالي في عهد المواجهة السوفيتية-الأميركية في الشرق الأوسط”. الضغط مستمر على الرئيس الأسد في الوقت الذي يواجه فيه أوقاتًا صعبة على الصعيدين الاقتصادي والمحلي، ومع ذلك فمن غير المحتمل أن تكون الخطة لملاحقة مخلوف قد أتت من موسكو، لأن النتائج المحتملة -مواجهة أكبر وتأثير سلبي على ما تبقى من الاقتصاد السوري- لن تكون لمصلحة روسيا. فضّل الروس دائمًا عدم التدخل في القضايا الداخلية الحساسة، خاصة أن مخلوف يحتفظ بدعم كبير في المناطق الساحلية، حيث توجد القواعد الروسية.

ما هو دور السيدة الأولى أسماء الأسد؟

نُسبت العديد من تحركات السياسات المناهضة لمخلوف، إلى أسماء الأسد، وربّما ساعدت السيدة الأولى في هندسة استيلاء القصر على جمعيات مخلوف الخيرية وضمان استمرار عملياتها، لكن من غير المحتمل أن تكون القوة الدافعة وراء ذلك الجهد.

على الرغم من أن الأمانة السورية للتنمية -وهي منظمة إنسانية ترأسها السيدة الأولى- كانت منافسًا رئيسًا لأنشطة مخلوف الإنسانية، فإن الأمانة السورية لديها موارد ونفوذ يفوقان بكثير موارد جمعية البستان، لذا فإن استيعابها في شبكة الأمانة السورية للتنمية سيكون إنجازًا محدودًا.

وفقًا لـ توم رولينز، “هناك شائعات ونظريات مختلفة حول سبب حدوث ذلك. يعتقد بعض المراقبين أن سيدة سورية الأولى أسماء الأسد تقود هذه الحملة ضد مخلوف؛ ويقول آخرون إن حملة “مكافحة الفساد” المفترضة هذه أتت بناء على طلب من روسيا. في كلتا الحالتين، هناك شيء واحد واضح جدًا، وهو أن مخلوف يبدو أنه في مشكلة خطيرة”.

ومع ذلك، لم يضيّع أنصار مخلوف وقتًا في إلقاء اللوم على السيدة الأولى. فالدكتور سميع روبة، قريب مخلوف، كتب في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي موجه إلى الرئيس السوري، ثم حذفه لاحقًا: “انتخبناكم وقدمنا عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى لكم لتبقوا في السلطة”. ويواصل تسمية عائلة السيدة الأولى بـ “العثمانيين الجدد” في إشارة طائفية واضحة إلى هويتها السنية.

لكن أعداء مخلوف لا يأبهون للسيدة الأولى. كان معروفًا أن مخلوف بمواجهة مع ماهر الأسد، شقيق الرئيس، بشأن علاقاته الوثيقة مع الإيرانيين ودعمهم وتدريبهم لميليشيات البستان، التي عملت كقوة قتالية شبه مستقلة خلال الحرب.

وفقًا لـ روان رجولة، المحللة السياسية المقيمة في واشنطن، هناك عدد من العوامل الكامنة وراء هذه الأزمة، أكثر من عامل واحد مرتبط بشخص معين. “من غير المحتمل أن يكون الصدع بسبب نزاع عائلي، بل سياسة خروج لتخفيف الضغط على العديد من الجبهات”، مضيفًا أن مخلوف ربما كان منافسًا، لأن جمعية البستان ليست جزءًا من مظلة الأمانة السورية للتنمية برئاسة السيدة الأولى”.

على الرغم من الاختلافات الشخصية المتضمنة في الموضوع، فإن الرئيس الأسد لا يزال صاحب القول الفصل، وقرار عزل مخلوف وإبعاده الآن قرار مدروس جيدًا. يرى فراس الأسد، نجل رفعت الأسد وابن عم الرئيس السوري، أن الصراع لا يتعلق بالدرجة الأولى بالدائرة الداخلية، بقدر ما يتعلق بالرئيس مباشرة. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي “رامي مخلوف يعرف جيدًا أن مشكلته ليست مع السيدة الأولى، ولكن مع الرئيس نفسه”.

هل أصبح مخلوف شخصية قوية جدًا؟

كانت المشكلة مع مخلوف تتخمر منذ عام 2018، وبدأت فعليًا في اللحظة التي انتهى فيها القتال حول دمشق والمحافظات الأخرى. لقد جمع هذا الممول الثري جيشًا، وثروة هائلة تقدر بـ 5 مليارات دولار قبل عام 2011، ونفوذ إعلامي، وشبكة كبيرة من العلاقات التجارية والعسكرية المعقدة التي بناها في مدة زمنية قصيرة، وقد جعله ذلك تهديدًا يلوح في الأفق وهدفًا مربحًا ومفيدًا.

خلال أعوام الحرب العجاف، كان الأسد يعتمد اعتمادًا قويًا على القوة المالية لمخلوف ومنظماته، إما للعمل كقوات رديفة للجيش أو للعب دور إنساني عندما كان النظام في أضعف حالاته. كانت البستان بطاقة النجاة لمخلوف مع السوريين، وعلق آماله على الدعم الشعبي من أولئك الذين استفادوا من مساعدتها الإنسانية، التي راوحت بين دفع تكاليف عمليات إنقاذ الحياة إلى توفير الرواتب لعائلات الذين ماتوا. ونظرًا لدورها الواسع النطاق، فإن أفضل وقت لمواجهة مخلوف سيكون عندما ينتهي التهديد العسكري لبقاء النخبة الحاكمة والبلاد.

أصبح مخلوف لاعبًا خطيرًا، له كثير من النفوذ والقوة، اللتين تزايدتا تزايدًا لا يمكن السيطرة عليه خلال الحرب. كانت دمشق غير راغبة أو غير قادرة على قص جناحيه، طالما كان الصراع العسكري لا يزال محتدمًا في المناطق الاستراتيجية. عندما تحدثت مع علي العك، قائد “القوات الجبلاوية شبه العسكرية” في حمص، وهي فرع لجمعية البستان، عام 2017، كشف أنه في محافظة حمص وحدها، كان لديهم ما يقرب من 5,000 مقاتل على الورق، بينما كان العدد الفعلي يراوح بين 3,000 و3,500 في أوقات الذروة. مع مثل هذه القوة، من السهل أن ترى لماذا تصبح الخطوة ضد مخلوف حتمية.

على الرغم من أن مخلوف ربما كانت لديه مظالم مشروعة من المحاولات المنهجية لإضعافه، فإن صورته وصورة أطفاله كانت سببًا لبعض الذعر في سورية. بينما يعاني الكثير من المعركة اليومية من أجل العيش وسط تكاليف المعيشة المذهلة والفقر والتضخم والبطالة، كان أبناؤه يظهرون على (إنستغرام Instagram) نمط حياتهم المترفة في دبي، ويستعرضون ثرواتهم الهائلة وسياراتهم الرياضية وطائراتهم الخاصة.

أوضح آرون لوند، الباحث في مؤسسة القرن، هذه النقطة: “لقد تسبب أطفال مخلوف الكبار عدة مرات، في العامين الماضيين، في إثارة ضجة من خلال التباهي بأسلوب حياتهم المسرف، يتباهون طوال الوقت بالفيراري والطائرات الخاصة وقصور دبي على (إنستغرام Instagram). معظم الرجال السوريين الذين بلغوا سنهم هم في الجيش منذ أعوام، يعيشون حياة بائسة ويخاطرون بحياتهم لإنقاذ الحكومة”. أدى هذا إلى استياء بين السوريين، وشُوهت صورة مخلوف، وقد عدّت الدائرة الداخلية للأسد هذا الأمر سلوكًا غير مبرر، في وقت كان فيه المعارضة والغضب في الداخل على نوعية الحياة في سورية تتصاعد في المناطق الموالية. وتابع لوند: “الأسد لا يستمر أو يسقط، بسبب الرأي العام، ولكن قد تكون هناك لحظة يحتاج فيها إلى إظهار من هو المسؤول. وربما تم الوصول إلى هذه اللحظة”.

ما هو القادم؟

مع تعرض مكانة مخلوف للتهديد الآن، لا يوجد نقص في الأشخاص الذين يمكنهم سد الفجوة، إذا استُولي على إمبراطوريته. يبدو أن الرئاسة ستكمل استيلائها على الجانب الإنساني من عملياته، في حين أن شخصيات جديدة مثل الحوت الغامض طارق خضر “أبو علي” أو الشخصيات الأكثر رسوخًا، مثل محمد حمشو وسامر الفوز، ستكون بلا شك مستعدة للانقضاض وتوسيع نفوذها على حساب مخلوف في قطاعات مثل الاتصالات والإعلام والعقارات.

لا يزال مخلوف يحتفظ بدعم كبير داخل سورية التي تسيطر عليها الحكومة. لديه مجموعة من الشركات التي وفرت فرص عمل لعشرات الآلاف من السوريين وولدت الولاء. من خلال مشاريع إنسانية معينة، تمكن من خلق متابعين أقوياء ومتعاطفين داخل الأجزاء الفقيرة من البلاد أيضًا، خاصة في المناطق الساحلية. وهنا تكمن أكبر معضلة للأسد: إن اقتلاع مخلوف بعنف يخاطر بفقدان دعم أتباعه، وإذا لم تسر الأمور كما هو مخطط لها، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة زعزعة استقرار البلاد.

التحدي الآخر الذي يواجه الأسد هو أنه إذا انخرط مخلوف في المعركة، فقد يؤدي ذلك إلى مزيد من تمزيق نسيج المجتمع السوري. حتى اعتقال مخلوف -إن كان لا يزال في سورية- لن يحل المشكلة أيضًا؛ لأنه سيبقى رمزًا لشخص يمكنه الدفاع عن نفسه والوقوف ضد الرئيس السوري. وإذا أوذي أو قُتل في هذه العملية، فقد يصبح مخلوف شهيدًا، وقد يؤدي ذلك إلى حدوث صدوع لا يمكن إصلاحها. يأتي كل هذا في وقت يعيش فيه 80 في المئة من السوريين تحت خط الفقر، وتؤدي جائحة كورونا إلى توقف الاقتصاد. باختصار: نسبة الخطر عالية جدًا، بسبب صراع مفتوح على السلطة بين الدوائر الداخلية للنظام.

اسم المقالة الأصلي         The Rami Makhlouf saga poses a dangerous challenge for Assad

الكاتب    داني مكي، Danny Makki

مكان النشر وتاريخه          معهد الشرق الأوسط، Middle East Institute، 6 أيار/ مايو 2020

رابط المقالة         https://www.mei.edu/publications/rami-makhlouf-saga-poses-dangerous-challenge-assad

عدد الكلمات       2893

ترجمة    قسم الترجمة/ أحمد عيشة

موقع حرمون

————————-

“لن أستسلم ولن أتنازل” : في وجه من يصعّد رامي مخلوف؟/ أحمد الأحمد

في التحليل وراء سبب عدم استسلام مخلوف لنفوذ القصر الجمهوري، يتّضح أن لدى مخلوف مجموعة نقاط قوّة، يأتي على رأسها انتزاعه الحاضنة الشعبية داخل المجتمع الموالي للنظام على أسماء الأسد.

عندما كنتُ في السنة الأولى في جامعة دمشق في بدايات الألفية الثانية، كان علينا دراسة مادة “ثقافة قومية”.

هذه المادة مهمتها أن تشرح لنا نحن الطلاب الجامعيون أفكار الرئيس بشار الأسد “الإصلاحية” ومبادئ حزب البعث، ومنجزات انقلاب والده حافظ الأسد في فترة السبعينيات والمعروف باسم “الحركة التصحيحية المباركة”.

في إحدى المحاضرات، كان المحاضر يتحدّث عن “اشتراكية” حزب البعث، وكيف تعتمد مبدأ توزيع الأموال على الشعب بشكل عادل.

كان ذلك يحصل في نفس حقبة صعود طبقة رجال الأعمال المحيطين ببشار الأسد ومنهم أقرباؤه. أذكر حينها أنني شعرت بالغضب. لم أتمكّن من تمالك أعصابي فرفعت يدي طالباً الحديث، فسمح لي المحاضر، فوقفت وسألته: ” شو حقيقة الاشتراكية في سوريا بينما هناك أشخاص بيملكوا أكثر من نصف اقتصاد البلد؟”.

ساد الصمت وطلب منّي الاستاذ الجلوس من دون أن يعلّق.

بعد المحاضرة استدعاني عناصر أمن الجامعة وهدّدوني بأن عائلتي لن تعرف شيئاً عنّي في حال كررت ما قلته، وذلك بعد سلسلة توبيخات وشتائم.

على مرّ السنوات العشرين الفائتة من حكم الأسد الابن، كان رامي مخلوف من مكوّنات “الأمن القومي” في سوريا، وتنطبق عليه تماماً قاعدة “الحيطان إلها آذان”، لا يجب الحديث عنه لا خيراً ولا شرّاً والأفضل عدم ذكر اسمه نهائياً في الجلسات العامة أو الضيّقة، حتّى أنّني كنت أحفظ نكتة سورية قديمة عن رامي مخلوف، ولكن لم أكن أتجرّأ أن أقولها أمام أحد وهي أن “رامي مخلوف لديه فقط منزل في دمشق وآخر في اللاذقية ويريد أن يفتحهما على بعضهما بعضاً”. كنا نروي تلك النكتة خفية ونحن نشهد اتساع امبراطوريته المالية التي كادت تربط مدينتي دمشق باللاذقية بأملاكه وأمواله.

اليوم، يبدو أن هذه القاعدة كُسرت تماماً، إذ بات الحديث عن مخلوف وحتّى شتمه أمراً عادياً، سواء داخل المنزل السوري الذي تُحجر داخله العائلة كاملةً بعد السادسة ليلاً، وقد يحدث أن تسمع البائع خلال تسوّقك في مدينة حلب وهو يقول “حاجتو صرلو عشرين سنة عم يبلع عملة”.

يعيش السوريون اليوم سلسلة مشاهد سريالية، إذ ما كان لأي مواطن سوري يعرف مكانة مخلوف في منظمة حكم الأسد الفاسدة، أن يتخيّل حالة الانقلاب عليه، أو أن يصبح شتمه أمراً عادياً، حتّى أنّه بات مادةً للسخرية، فمن النكات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، أن حاجزاً للمخابرات الجوية أوقف مواطناً وبدأ يفتّش ملابسه لعلّه يجد معه شريحة اتصال “سيريتل” التي يملكها مخلوف ليقوم باعتقاله إلى الفرع.

ظهوران مختلفان

لا يختلف الظهور الأول لرامي مخلوف على مواقع التواصل الاجتماعي عن الظهور الثاني من حيث “لوكيشن” التصوير وأجوائه، فقد ظهر الحوت الاقتصادي جالساً على الأرض جلوس “العبد الفقير لله” وعنون الفيديو بالآية القرآنية “وكان حقّاً علينا نصر المؤمنين”.

ولكن بعيداً من الشكل الإخراجي والبصري للفيديو، هناك فوارق هائلة بين الفيديو الأول والثاني من حيث المحتوى، ففي إطلالته الثانية، بدا مخلوف أكثر ثقةً بنفسه، كما أن حديثه اتسم بالهدوء ورفع حدّة الهجوم ضد من وصفهم بـ”الآخرين” المحيطين بكرسي الحكم، في إشارة إلى تلك “المرأة البريطانية الرقيقة” أو “أسماء الأسد”.

الفيديو الثاني أعطى مجموعة تأكيدات أن مخلوف الذي وصف نفسه بـ”خادم الأفرع الأمنية” لا يظهر أمام العامة لأنّ تواصله مع الأسد انقطع، بل لأنّه أراد القول إنّه جاهز لخوض أي معركة.

ثلاثة أسلحة

حتّى الآن، جميع المؤشّرات تذهب إلى أن مخلوف لم يستسلم أمام أسماء الأسد وزوجها بشّار، لم يستجدِ عطفهما، ولم يحاول استمالة أي منهما أو تهدئة الأجواء، بل إن مجرّد خروجه عبر الانترنت لنقل الصراع إلى العلن يعني أنّه ليس في موقفٍ ضعيف.

رامي مخلوف

في التحليل وراء سبب عدم استسلام مخلوف لنفوذ القصر الجمهوري، يتّضح أن لدى مخلوف مجموعة نقاط قوّة، يأتي على رأسها انتزاعه الحاضنة الشعبية داخل المجتمع الموالي للنظام على أسماء الأسد، ففي الوقت الذي كانت أسماء تعيش حياةً باذخة، وتشتري لوحةً باهظة الثمن، كان مخلوف يدير حملة تبرّعات لتوزيعها على الموالين له من الطائفة في الساحل السوري، حيث تبرّع بـ500 مليون ليرة سورية على شكل مواد غذائية ومستلزمات أساسية للمجتمع الموالي، حيث يتحصّن بينهم الآن، وهذه الحاضنة تشكّل أقوى أسلحة مخلوف في وجه أسماء التي تهالكت صورتها أمام مؤيدي النظام السوري.

من وجهة نظر اقتصادية، فإن الباحث والخبير الاقتصادي السوري يونس الكريم، رأى أن الضريبة المفروضة على مخلوف تُعتبر “رقماً صغيراً” أمام حجم ميزانيته، إذ يستطيع مخلوف تعويض المبلغ بعملية مضاربة في السوق السورية، ولكنّه يرفض الدفع لأسبابٍ معنوية تجعله غير جاهزٍ للرضوخ أمام أسماء الأسد وزوجها بشار، مضيفاً: “لو كان مخلوف خائفاً لكان تخلّى عن شركة سيريتل وأنهى الخلاف، ثم تفرّغ لاستثماراته الأخرى التي توازي 65 في المئة من القوّى الاقتصادية السورية، والتي تقوم على آلاف الشركات الضخمة، لكنّه ليس في موقع الرضوخ.

كما أن لدى مخلوف سلسلة استثمارات وأرصدة مالية ضخمة في روسيا والإمارات العربية المتحدة وأوروبا ودولٍ عدّة حول العالم، وهذه الاستثمارات تزيد من قوّته على المواجهة، وتجعل القضاء عليه أمراً يصعب على الأسد وزوجته، اللذين لم يصدر عنهما حتّى الآن أي ردّ فعل واضح على فيديوات مخلوف.

رفع مستوى التهديدات

في سوريا، تتردد انباء يتداخل فيها الصحيح بالكاذب حول تضييق أمني يطال مقربين وعاملين لدى مخلوف. وكان مخلوف نفسه قد افتتح مقطع الفيديو الثاني له بالكشف عن أن الأفرع الأمنية التابعة للنظام السوري بدأت اعتقال موظفين تابعين له، رافعاً حدّة التهديدات بالقول: “الأمور وصلت إلى مرحلةٍ لم يعد يمكن السيطرة عليها، وأصبحت الضغوط بطريقة غير مقبولة وبشكل غير إنساني”.

وقال مخلوف: “الأفرع الأمنية بدأت تعتقل موظفين تابعين له مع العلم أنّه كان من أكبر داعمي وخادمي هذه الأفرع الأمنية”، مُعتبراً أن ما يحصل هو استخدام السلطة لمصلحة الأشخاص.

“طلبتُ من الرئيس التدخل لإنصاف شركاتي لأنهم طالبوني بأموال لم يكونوا محقّين فيها، ولم يكن الهدف من ظهوري هو عدم الدفع، ولكن كنت أريد أن تذهب هذه الأموال إلى مستحقيها”، يتابع مخلوف في المقطع الذي هاجم فيه أسماء الأسد بشكلٍ أكثر وضوحاً عندما دعا بشار إلى “وضع حد للتدخلات المحيطة حول صاحب القرار لأنّها أصبحت لا تطاق ولا تُحتمل إلى درجة مقرفة وخطرة”.

وقال أيضاً: “هيك ما فينا نكمل” وأن “ما يحدث بحقّه هو ظلم وتعدّي على الملكية الخاصة”.

مخلوف هاجم “الآخرين” موجهاً كلامه لبشار الأسد: “لا يجب أن نترك الآخرين يتعاطون معنا بهذه الطريقة لأنهم يتعدّون على القانون والدستور الذي أنت ترعاه”.

وخلال الفيديو أكّد مخلوف أنه لن يتنازل عن أمواله، مردفاً: “هؤلاء يضغطون علي لكي أتنازل وأنا لن أتنازل”، و”إذا استمررنا بهذه الحالة سيكون وضع البلد صعباً جداً، وسيكون هناك عقاب إلهي حتمي لأنه بدأ هنا منعطف جديد”.

كسر جدار الخوف

كانت الناشطة السورية الموالية للنظام ماغي خزام من أوائل من شنّوا هجوماً على مخلوف، حيث وصفته بـ”سارق البلد” بعدما وصف هو نفسه بأنّه “خادم الأفرع الأمنية”.

جاء حديث خزام في مقطع فيديو نشرته على “فايسبوك”، ردّاً على حذف مخلوف تعليق زوجها الذي خاطب مخلوف “متل ما عم تقاسمونا مشاكلكم تفضلوا قاسمونا أموالكم”، موضحةً أن مخلوف يستخدم الشعب ضد الرئيس كسلاح من دون أن يقدّم شيئاً له.

واستعرضت خزام مجموعة الشركات والأموال التي يملكها مخلوف خلال الفيديو ذاته، مثل “سيريتل”، “شركة شام القابضة”، بنك سوريا الإسلامي وحصة من بنك بيبلوس وشركة راماك للتعهدات، وغيرها من الشركات.

درج

————————

صاندي تايمز: هكذا سقط رامي مخلوف في صراعه مع الأسد

تحت عنوان “رجل المال السوري في ورطة مع عائلة الأسد الحاكمة” نشرت صحيفة صاندي تايمز تقريرا لمراسلتها في الشرق الأوسط لويز كالاغان، كشفت فيه بناء على محادثات مع عدد من الدبلوماسيين ورجال الأعمال ممن لهم معرفة عميقة بعمل النظام السوري عن الكيفية التي سقط فيها رجل المال رامي مخلوف من علوه الشاهق.

وتظهر الشهادات أن الأسد الذي انتصر في الحرب يحاول تجريد الرجل الذي قام بتمويل الحرب من سلطاته وتأثيره. وفي عملية مواجهة مخلوف، كشف عن طريقة عمل الطبقة السياسية الدنيئة في سوريا حيث أصبحت مكشوفة للجميع.

وبدأت الشائعات عن ملاحقات مخلوف في العام الماضي، حيث قيل إن نزاعا اندلع حول تردد الملياردير عن دفع ملايين الدولارات اقترضها من الأسد وبسبب تباهيه بالثروة في الخارج. ولهذا السبب بدأت تقريرها بالحديث عن ابن مخلوف الذي يعيش في دبي، حيث قالت: “بالنسبة للمتابعين لحساب محمد مخلوف، البالغ من العمر  22 عاما على إنستغرام، فإنه يبدو وكأنه حصل على حلمه. وكابن أغنى رجل في سوريا التي تقدر ثروته والده بحوالي 2 مليار دولار، كان يحلق ما بين دبي وميكونوس وكان يخرج من سيارته الفارهة عاريا من الأعلى ويظهر عضلاته التي دهنها بالزيت وتلمع تحت أشعة الشمس. ثم هناك الطائرات الخاصة والقوارب السريعة والقصور التي كتبت الحروف الأولى من اسمه عليها. وتقاطعت صور الشاب الذي لا ينتهي من الرحلات والسفر وفي مناسبات مع صورة ابن خال والده، الرئيس بشار الأسد الذي بدا متواضعا وجادا. وكان والد رامي، محمد رامي مخلوف معروفا بأنه “صراف” عائلة الأسد. والتي كانت قبل الحرب تسيطر على 60% من اقتصاد سوريا. وظل رامي وعلى مدى التسع السنوات الماضية يمول الحرب التي انتصر فيها الأسد.

ولكنه اليوم يواجه مشكلة كبيرة جدا، فبعد حالة من الرفاه الذي لا يمكن تخيله، في وقت حصدت فيه الحرب أكثر من 400 ألف سوري، لم تعد عائلة مخلوف مقربة من النظام السوري. وتضيف كالاغان إن السوريين يتابعون ومنذ عدة أشهر الغسيل القذر داخل الطبقة المقربة من الأسد في وقت كان يحاول فيه رامي مخلوف مواجهة محاولات من الحكومة السيطرة على أرصدته وتجميده. وفي سلسلة من أشرطة الفيديو نشرها على فيسبوك حاول فيها المراوحة بين التهديدات المبطنة ومتجنبا الكشوف الفاضحة.

وبعد كل هذه السنوات من الخدمة، اشتكى مخلوف من استهداف قوات الأمن للموظفين العامين في شركاته ومصادرة عدد منها. وقال مناشدا الإنصاف من الأسد “لقد طُلب مني التنحي جانبا”. وتعلق الصحافية إن الشكوى هي إشارة مثيرة للدهشة عن عائلة قورنت طريقة عملها بعمل المافيا وتعيش مرحلة اقتتال داخلي حيث تحرك الأسد لتوطيد سلطاته على البلد.

وتقول كالاغان إن وزارة المالية السورية قامت في كانون الأول/ ديسمبر بتجميد الرسوم الجمركية، وأنكر مخلوف في حينه أية علاقة بالشركة المتهمة. وبدأت الرئاسة السورية لاحقا بالسيطرة على جمعية وميليشيا البستان والتي استخدمها مخلوف كإقطاعية شخصية.

وفي الشهر الماضي صادرت السلطات المصرية سفينة شحن تجارية قادمة من سوريا تحمل صناديق معلمة بماركة شركة يملكها مخلوف. وكُشف سريعا أنها محشوة بالحشيش. ورغم نفيه أي علاقة له مع السفينة، إلا أن القصة أعطت صورة لا تدعو للنفي عن محاولات مخلوف المستمرة لإثراء نفسه بطرق غير شرعية.

ويقول الدبلوماسي السوري الذي انشق عن النظام عام 2012 ويعيش الآن في واشنطن بسام بربندي: “أعتقد أنهم يريدون وجها جديدا؛ لأن رامي أصبح يمثل صداعا لهم”.

وتعلق كالاغان أن رامي مخلوف كان شخصا بارعا في جعل نفسه شخصية لا يمكن للنظام التخلي عنها. وكان والده المتشدد، صهر الرئيس حافظ الأسد، شخصية محورية في تحويل سوريا إلى مجمع صناعي- عسكري حديث على طريقة المافيا.

وحسب أشخاص التقوا به قبل الحرب، فقد ظل رامي محترما لرغبات والده، ومثل بشار، كان ابن نعمة يتحرك بين الدوائر المهمة في دمشق، وجزءا من الجيل الثاني الناعم الذي غيّر النظام الإقتصادي القائم على الطريقة السوفييتية القديمة إلى مجموعة أصحاب مصالح، “أوليغارش” على علاقة بالأسواق المثيرة للشك والذين حكموا دمشق؟

ويقول بربندي: “كانوا يريدون إظهار القوة لكل شخص حتى لا يتم تحديهم” و”عندما كنا في المدرسة الثانوية، كان كل واحد منا يريد شراء سيارة، ولكنك لا تستطيع شراء سيارة أحسن من سيارة مخلوف حتى لو كان معك المال لشرائها”.

ويقول إن هذه الطبقة كانت محصنة ولا أحد يستطيع لمسها. وتم تداول قصة في حينه عن إرسال مخلوف حرسه الخاص لضرب ابن وزير الخارجية لأن سيارته كانت أجمل. ولجأ الولد إلى مكتب والده حيث ترك الحرس الباب وسمحوا لحرس مخلوف بضربه. وكلما كبر كبرت ثروته وسلطته.

ويقول عمار العظم، أستاذ التاريخ والأنثروبولوجي في جامعة ولاية أوهايو: “من هنا بدأت تسمع برامي”، و”تحول أثناء السنوات الأولى من القرن الحالي إلى المصدر الرئيسي للاقتصاد في البلاد”. وبعد سيطرته على شركة الاتصالات “سيرياتل” تحول مخلوف إلى بقرة حلوب، حسب وزارة الخزانة الأمريكية. ولم يعد أحد يستطيع إدارة عمل اقتصادي بدونه، بعدما بدا واضحا أنه يدير الاقتصاد نيابة عن الرئيس.

ومع شقيقه حافظ الذي كان يعمل في الأمن، فقد توسع تأثير العائلة إلى داخل النظام المعقد ومصالحه. إلا أن التوتر بين العائلتين كان يغلي تحت السطح لوقت طويل، وحتى قبل اندلاع الحرب انتشرت الشائعات في دمشق عن وجود مشاعر سيئة بين السيدة الأولى أسماء الأسد وآل مخلوف. ويقول عارفون إن المشاعر السيئة أو “الدم الفاسد” كانت عميقة. ومع بداية الحرب الأهلية 2011 تحول المزاج العام ضد مخلوف والذي أصبح علامة على الفساد المستشري الذي جلب المحتجين إلى الشوارع، وتعرضت مكاتب “سيرياتل” للحرق.

وحسب مقابلات مع مخلوف في تلك الفترة فقد كان يعتقد بقوة أو كان يريد الاعتقاد أن المعارضة لم تكن سوى مجموعة متنافرة من مدمني المخدرات وعملاء الموساد الذين خرجوا بهدف تدمير النظام. ولكنه عقد في حزيران/ يونيو 2011 مؤتمرا غريبا أعلن عن تقاعده عن التجارة والأعمال وتمت التضحية به على ما يبدو لإرضاء مطالب المحتجين.

ولكنه لم يعتزل التجارة، بل وسّع البستان لتضم ميليشيا مسلحة وصل عدد أفرادها مرة 20 ألف شخص وكانت القوة المقاتلة الرئيسية للنظام. وفي عام 2014 اختلف شقيقه مع النظام، وأُجبر على الخروج إلى المنفى، ولكن رامي استطاع تجاوز المشاكل مع الرئيس حتى العام الماضي، عندما بدا بشار الأسد واثقا من نفسه بعد الإنجازات التي حققها بمساعدة الروس والتفت إلى رامي.

وقال شخص مطلع: “يفكر الأسد بالمستقبل” و” يرى داعموه الدوليون، خاصة الروس ألا حاجة للاستسلام لأن النظام لن ينهار ولهذا السبب تدخلوا لدعمه”.

وفي الوقت الذي يتراجع فيه مخلوف، حل محله آخرون، فقد حصلت عائلة الدباغ ذات الصلة بالسيدة الأولى على تأثير وكذا رجل الأعمال سامر فوز الذي بنى ثروة أثناء الحرب.

ورغم أن أسباب صعود العائلتين معقدة، إلا أن كونها من عائلة سنية ومخلوف مثل الرئيس من الطائفة العلوية، قد يلعب في صالح الأسد الذي يريد تقوية قاعدته وينال دعمها.

وعلى المدى البعيد، فإن الأسد سيحاول منع أي عقبة تعيق وصول ابنه حافظ إلى السلطة، ومع أن عمره لا يتجاوز الثامنة عشرة، ويمكنه الحصول على الجنسية البريطانية مثل والدته، سيقدم كوجه جديد. ويرى العظم، أن حافظ سيقدم مثلما قدم والده بأنه الرجل الطيب والصديق و”لو ظل بشار في السلطة حتى يخلفه، فستكون لديهم صفحة جديدة وفرصة جديدة لكي يقول: أنا لست مثل أبي ولا علاقة لي بالقتل”  ثم يتزوج امرأة جميلة مثل والدته ويتم إعادة تأهيله”.

وفي الوقت الحالي لا يعرف المدى الذي سيذهب فيه الأسد لتجريد مخلوف من قوته، وأحد الخيارات دفعه للخروج إلى المنفى، كما فعل حافظ الأسد مع شقيقه رفعت عام 1984 بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة.

القدس العربي”

———————

الأسد-مخلوف:سيناريوهات الحل تفضح أسباب الأزمة/ عقيل حسين

سيسهم أي حل يتوصل إليه قطبا السلطة في سوريا، آل الأسد وآل مخلوف لخلافهما الأخير، في تفكيك أحجية أسباب هذا الخلاف الذي تفجر بينهما بعد أشهر من التوتر، لكن ليس من المؤكد أنه سيؤدي إلى طي هذه الصفحة بشكل نهائي، على الرغم من أن بوادر انتصار (الأسد) باتت واضحة، وقد كانت تبدو كذلك منذ البداية.

أربع كلمات

فبعد اسبوع ملتهب بلغ فيه الصراع بين العائلتين ذروته، مع التسجيلين المصورين اللذين ظهر فيهما خازن بيت مال النظام رامي مخلوف، وكشف فيهما عن تعرضه لضغوط ومضايقات ومطالبات مالية “لا يمكن احتمالها أو القبول بها” وعن حملة اعتقالات شملت كبار الموظفين في شركاته، كانت أربع كلمات نشرت على الصفحة الرسمية لشركة “سيريتل” (أشهر شركات رامي مخلوف) كافية لتشير إلى أن معركة حسمت.

“الرجوع عن الخطأ فضيلة”.. هذه هي كلمات المنشور الأربعة التي وضعت حداً لسيل جارف من التحليلات والتوقعات والسيناريوهات المحتملة لتطورات الصراع بين آل الأسد وآل مخلوف، هذا الصراع الذي بدا بالنسبة للكثيرين، حتى ما قبل هذا المنشور، أنه ليس سوى رأس جبل الجليد الذي سيتكشف أكثر، وأن المعركة ليست إلا في بدايتها.

كيف انتهى الخلاف (على فرض انتهائه بالفعل) أو كيف أمكن لملمة هذه الفضيحة؟

هذا هو السؤال المركزي عند كل السوريين اليوم، موالاة ومعارضة، وحتى عند المحايدين الذين لا تعنيهم السياسة بشيء، فإن الفضول يوحد الجميع خلف البحث عن تفاصيل الحل، كما كان قد وحدهم قبل ذلك خلف البحث عن أسباب الخلاف.

سيناريو مبسط

في تعليقه على التطورات الأخيرة، كتب رجل الأعمال السوري المعارض، فراس طلاس، على صفحته في “فايسبوك”، أن “الأمور تتجه، بعد وساطات قام بها غسان مهنا (خال رامي مخلوف)، إلى أن يعتذر رامي عن الفيديوهات التي أصدرها، على أنها كانت تسرعاً وتهوراً، وأن (الرئيس بشار) بيمون عالروح، وبعد ذلك، وبهدوء، يتم التنازل عن كل حصصهم في شركتي “سيرياتل” و”راماك” التي تدير بقية شركات مخلوف، لمؤسسة حكومية أو شبه حكومية، وهنا يظهر بشار الأسد كمحارب للفساد، وأن مال الشعب عاد للدولة التي هي الشعب”.

وأضاف طلاس، وهو نجل وزير الدفاع الأسبق مصطفى طلاس، أن “هذه الشركات في الداخل تساوي عشرة بالمئة من الثروة الأسدية/المخلوفية، أما الثروات الباقية في الخارج  وهي في عدة دول، ويديرها (المخاليف) ومستشاروهم، فسيتم توازعها بين؛ بشار الأسد وأبنائه، وماهر الأسد وأبنائه، وبشرى الأسد وأبنائها، وأولاد محمد مخلوف؛ رامي – حافظ – إياد – إيهاب، كندة ، سارة، على أن يقرر بشار الأسد حصة كل شخص، ويغادر (المخاليف) سورية لفترة ويختفوا من المشهد”.

وسواء كانت هذه معلومات أو تقديرات، وبغض النظر عن أن صدورها عن شخص مطلع، أقله على طريقة تفكير العائلتين المسيطرتين على الحكم والاقتصاد في سوريا، فإن سيناريو الحل الذي يتحدث عنه طلاس ظل مرجحاً عند الكثيرين من المتابعين، الذين كانوا واثقين منذ البداية بأن رامي مخلوف سوف يرضخ حتماً لإرادة عائلة الأسد، سواء كان خلافه مع أسماء أو مع ماهر.

لكن لماذا يجب استبعاد السيناريوهات الأخرى، بل وقبل ذلك، هل يمكن لبشار الأسد وأسرته القبول بتنازل عائلة مخلوف عن كبرى شركاتها في سوريا (سيريتل وراماك) لصالح الدولة، وما الذي سيستفيده الأسد من ذلك؟

سؤال توجهت به “المدن” لفراس طلاس، الذي أكد أن قيمة هاتين الشركتين لا تمثل أكثر من عشرة في المئة من مجموع ثروة رامي مخلوف وأسرته، وهذا ما يجعل التنازل عنهما ثمناً عادياً في النهاية.

وأكد طلاس أن القيام بهذه الخطوة سيكون أثرها المعنوي مهماً لصالح بشار الأسد ضمن مساعي إظهاره كمكافح للفساد، وهي أكبر بطبيعة الحال من مكاسبه المادية فيما لو اقتصر الأمر على إعلان مصالحة ضريبة تدفع بموجبها شركات مخلوف ما عليها من مستحقات معلنة لخزينة الدولة على أن تبقى من أملاكه.

طبيعة الحل..والخلاف

وفيما إذا كانت طبيعة هذا الحل كافية للكشف عن أسباب الخلاف الحقيقية، أكد طلاس أنه “لا توجد دوافع سياسية أو أمنية للصراع بين الاسرتين أصلاً، وأن سبب الخلاف باختصار هو التنافس بين الأسرتين، سواء بين أسماء الأخرس “زوجة بشار الأسد” وبين رامي مخلوف من جهة، أو بين الأخير وبين ماهر الأسد من جهة ثانية، وكذلك بين أسماء وبين ماهر الأسد من جهة ثالثة”.

ينسف “طلاس” سردية الكثيرين عن أن أسماء الأخرس لا يمكن أن تكون قادرة على خوض صراع بهذا المستوى، وسط حقل ألغام عائلي وسلطوي معقد وخطير، مهما بلغت قوتها أو نفوذها كزوجة للرئيس، ويرى أنها تمكنت من النجاح حتى الآن في هذه المعركة، بفضل دمجها بين استخدام سلاحي أنها زوجة الرئيس من جهة، وأنها أم أبناء الرئيس من جهة الثانية، الأمر الذي مكّنها من فرض نفسها كرقم صعب في معادلة السلطة والحكم. ونوه طلاس إلى أن غياب محمد مخلوف، خال بشار الأسد، جعل زوجته أقرب إليه في السنوات الأخيرة، وبالتالي أكثر قدرة على التأثير عليه.

سيؤدي سيناريو الحل هذا إن حصل بالفعل، إلى إعطاء بعدٍ عائلي لخلاف الأسد-مخلوف بعدما أخذ بعداً إقليمياً دولياً بنسبه مباشرة إلى صراع النفوذ بين الدولتين الحليفتين للنظام، روسيا وإيران، من دون أن يعني ذلك أن وتر الصراع كان بعيداً عن المعركة، أو أنه لم يجرِ استخدامه بما يخدم أهداف أطراف الخلاف.

كذلك ترتبط فرضية الحل بالتصعيد الإعلامي الروسي ضد النظام في الفترة الأخيرة الماضية، هذا التصعيد الذي جاء من زاوية الفساد المستشري في دوائر الحكم والسلطة في سوريا، وهي الزاوية التي سيكون من المنطقي النظر إليها على أنها دعوة لإجراء إصلاحات والقيام بأي خطوات تحسينية، أكثر من كونها تلويحاً بالتخلي الروسي عن الأسد، حتى الساعة.

وعليه، يرى الكثيرون أن تطبيق سيناريو الحل للأزمة الداخلية، أي أن يجبر رامي مخلوف على تقديم اعتذار للأسد، والتنازل عن ملكيته لشركتي “سيرتيل” و”راماك”، أو حتى غيرهما من الشركات المحلية، سيعني ضمناً، وإلى جانب النصر المعنوي للأسد، استجابة سريعة ونية متوفرة من قبل النظام مع الرغبة الروسية، على أن يظل حبل إيران الممدود والسميك، جاهزاً لدى الأسد للعب عليه بمواجهة روسيا في حال قررت الذهاب أبعد من ذلك في مطالباتها “الإصلاحية”.

المدن

———————–

 نقاط عما يسمى خطأ “الصراع داخل العائلة”/ حمزة المصطفى

• لا يوجد في سورية “صراعات ضمن النظام” أو “ضمن الطائفة” أو “ضمن العائلة الحاكمة”. ثمة تباينات أو اختلافات وجهات نظر في حدود المعقول تحسم دائما لصالح الرئيس الذي يجمع في شخصه والنظام والدولة والمجتمع، ويناط به بحكم الدستور صلاحيات تفوضه سلطة مطلقة لا ينافسه فيها أحد ولا تسمح بوجود أقران أو منافسين. كل من في النظام بحاجة لحماية الرئيس وليس بالضرورة أن يكون الأخير بحاجة لهم ما دام قادرا على استبدالهم.

• لم يكن رامي مخلوف أو عائلة مخلوف جزءا من الحلقة الضيقة للنظام في مرحلة حافظ الأسد رغم وجود بعضهم في مواقع قيادية في الجيش والقوات الأمنية. خرج رامي مع ولادة النظام الجديد بوجه النيوليبرالي المشوه القائم على تحالفات اقتصادية بين أبناء الضباط الفاسدين تجارا وطبقة التجار في المدن الطامحين لمداخل سلطوية تسهل أعمالهم.

• تقمص رامي مخلوف شخصية التاجر الشامي، ابن السوق وثقافته، وأتقنها أيضا حتى تلبسته فأنسته أصله الذي لم يكن له مكان في النظام الجديد إلا عند الازمات الاجتماعية. عقد صفقاته وتحالفاته بمنطق التاجر الذي يحكم السوق ولا يسمح للغريب (المستثمر الخارجي) بمنافسته حتى وإن اضطر إلى مشاركته مؤقتا. انظروا الى حديثه واستحضاره الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. هو لا يمثل على الإطلاق بل يعبر عن شخصيته الحقيقية حتى داخل مخبئه في جبال اللاذقية.

• رامي وطبقته الجديدة وسياسات النظام النيوليبرالية كانت الرافعة التي سوقت بشار الأسد وحفرت قبره في ذات الوقت. التضحية به كانت مطروحة منذ بداية الثورة، لكن الحاجة إلى تمويل عمليات النظام ورعاية أسر قتلاه وأنسنة بعض نشاطاته ضمن الفضاء الاجتماعي للطائفة العلوية أوجدت مكانا له تحت مسمى “النشاط الخيري” الذي أتقنه أيضا.

• بعد 10 سنوات من الحرب، ظهرت طبقة رجال أعمال جديدة تضم مغامرين ترعرعوا في فضاء رامي ليخرجوا عنه مع حاجة النظام الى شخصيات لا تلاحقها العقوبات أو على الأقل قادرة على التهرب منها. أصبح رامي عبئا على بشار، لكن الأخير بحكم انشغاله بتثبت حكمه بعد التدخل الروسي لم يكن لديه الوقت اللازم لفتح الملفات بالكامل.

• التوقيت اليوم مناسب، رامي مكروه من الجميع داخل النظام وخارجه، والنظام بحاجة إلى بعض السيولة ومنح تجار الحرب الجدد بعض المكاسب على خدماتهم السابقة. الاستحواذ الذي أراده النظام هادئا، دون شوشرة، ربما لن يحصل كذلك، لكن لا سبيل لمقاومته. لا روسيا قادرة ولا أي أحد قادر أن يحميه إذا قرر بشار ذلك.

• قد تكون لأسماء الأخرس يد في ذلك، فهي تريد إعادة صياغة مفهوم وحدود العائلة الحاكمة بعد وفاة أنيسة وبلوغ نجلها الجهبذ الثامنة عشر. تحتاج الأخيرة إلى حصر السلطة الاقتصادية والسياسية داخل عائلة بشار الصغيرة بعد أن تعبت من الأدوار الإنسانية عن الطفولة والمرأة خلال العقدين الماضيين، والتي لم تؤت أوكلها. فرواية زهرة في الصحراء لم تعمر. لقد تحولت سيدة الياسمين إلى صبارة بور لا طيب فيها.

• قد ينفد رامي بجلده على صيغة رفعت، لكنه انتهى سياسيا واقتصاديا. هو لا ينتظر رحمة بشار بمقدار ما ينتظر جهة إقليمية او دولية تخرجه مع بعض الاستثمارات خارج المعركة التي خسرها بالكامل.

———————-

أين روسيا من خلاف الأسد ـ مخلوف؟/ أنطون مارداسوف

انطلق في الآونة الأخيرة العداء الكامن داخل الأسرة الحاكمة في سوريا من الخفاء إلى العلن، حيث أعرب رجل الأعمال المعروف رامي مخلوف، ابن خال الرئيس بشار الأسد، عن مخاوفه الكبيرة من تهديدات النظام السوري الحاكم لأعماله في البلاد، وربما لحياته.

تأكيداً للقول، لا تخجل دمشق من استخدام أدوات العلاقات العامة المعروفة في الإعراب عن آليات مكافحة الفساد المعتمدة لديها، أو إيجاد مظهر التنافسات السياسية الخاوية من أي مغزى. لذا، ربما نميل إلى تفسير أحجية مخلوف على النحو التالي: جانب من التحركات التمثيلية لدى النظام السوري الحاكم تعتزم المحافظة – بأي وسيلة – على شعبية الرئيس السوري في الجزء الذي يحكمه من البلاد. غير أن الأمور هذه المرة تبدو حقيقية، ولا يبدو أن موقف مخلوف يشير إلى إمكانات التلاعب.

ولكن ما سر ظهور وحديث مخلوف الآن؟ فمنذ ظهوره في مؤتمر صحافي وحيد في دمشق عام 2011، نأى رجل الأعمال السوري الكبير بنفسه تماماً عن أضواء الصحافة والإعلام. واضطر إلى كسر قيود صمته المطبق، في فبراير (شباط) من العام الحالي، بعد مرور شهرين من تحرك السلطات السورية ضده، ومصادرة ممتلكات أسرته داخل البلاد، بتهمة ارتكاب المخالفات الجمركية المتعددة. وفي رسالة موجهة نشرها في إحدى الصحف، نفى مخلوف اتهامات الفساد الموجهة إليه، وإلى أسرته، مع الإشارة الواضحة إلى سجله الحافل بالأعمال الخيرية والإنسانية المعروفة. وصارت منصات التواصل الاجتماعي هي المنفذ الجديد الذي يطل منه مخلوف على الناس لمضاعفة وتأييد دفاعه عن نفسه، وعن أسرته.

وتلك، كما يُقال، هي ذروة ملحمة رامي مخلوف السورية التي كان يزيد غليانها طيلة الشهور الماضية. وبدأت التقارير الإخبارية بشأن الخلافات المتنامية بين النظام السوري وأثرى أثرياء البلاد في التداول بدءاً من أغسطس (آب) الماضي.

ومن الناحية الظاهرية، اضطلع الجانب الروسي بدور حاسم في تحرك النظام السوري ضد مخلوف. فمن وجهة نظر كثير من المحللين، جرى تشجيع الحملة الراهنة ضد مخلوف من قبل حفنة من رجال الأعمال الروس، والقيادات العسكرية السورية، الذين يرغبون في الاستفادة من أصول شركات رامي مخلوف في إنعاش احتياطي البنك المركزي السوري، وسداد الديون التي أثقلت كاهل البلاد بسبب الحرب المستمرة. وليس خافياً على أحد الحصة التي تملكها موسكو في الاقتصاد السوري. على سبيل المثال، كانت مطبعة سك العملة الروسية «غوزناك» تزود النظام السوري بأوراق البنكنوت المستخدمة في طباعة الليرة السورية.

وربما يكون للعنصر الروسي دوره الفعال في التأثير على توقيت مناشدات مخلوف المتعددة إلى الأسد. فمنذ أبريل (نيسان) الماضي، كانت وسائل الإعلام الغربية والعربية المختلفة تنشر التقارير الإخبارية المتنوعة التي تشير إلى قرب نفاد صبر موسكو من النظام السوري، ومن زعيمه الأسد. وللدلالة على ذلك، استشهدت مختلف المنافذ الإعلامية بمقالات تحتوي انتقادات عدة موجهة إلى شخص بشار الأسد، جرى نشرها في وسائل الإعلام المقربة من يفغيني بريغوزين، قطب الأعمال الروسي الكبير المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، المالك المزعوم لمجموعة «فاغنر» الدفاعية الخاصة ذات السمعة السيئة للغاية. وكانت مؤسسة «الدفاع عن القيم الوطنية» ذات الصلة بالسيد يفغيني بريغوزين قد أجرت استطلاعات رأي داخل سوريا، أشارت نتائجها المنشورة حديثاً إلى خيبة الأمل المتنامية لدى جماهير الشعب السوري من النظام الحاكم، ومن فساده الكبير. كما أعرب المسؤولون الروس أيضاً عن شكوكهم، إذ أعرب الدبلوماسي الروسي الأسبق ألكسندر أكسينينوك عن أسفه الشديد لسوء إدارة الاقتصاد في دمشق. ولقد جاءت كل تلك المجريات على رأس التصعيد الروسي الأخير الذي طالبت فيه موسكو دمشق بسداد القروض المستحقة بقيمة 3 مليارات دولار، في إشارة إلى نمط حياة رامي مخلوف الفاخر للغاية، كدليل على توافر الأموال لدى النظام السوري.

وفي واقع الأمر، ورغم كل شيء، لم يكن الدور الروسي في ملحمة رامي مخلوف محورياً، كما صورته وسائل الإعلام. ورغم أن التقارير الصادرة عن الآلة الإعلامية المملوكة للسيد يفغيني بريغوزين قد أشاعت كثيراً من الزخم والضجيج، فإنه نالها – في أوقات لاحقة – استنكار من كثير من المحررين الروس، فضلاً عن انتقاد الكرملين لها. ومع ذلك، كانت هذه الحملة موجهة بصفة قليلة نحو شخص رامي مخلوف، وبصفة أكبر صوب النظام السوري، في إشارة إلى أن موسكو ترغب من دمشق بذل المحاولات الجادة لإحياء اقتصاد البلاد، فضلاً عن توفير مزيد من الفرص لرجال الأعمال الروس، في صورة شكل من أشكال التعاقدات المربحة على سبيل المثال.

ومع ذلك، لا يزال الأسد اللاعب الوحيد القابل للتعامل معه من جانب موسكو. ويسهل الوقوف على أسباب ذلك، بمجرد التفكير في الأمر من زاوية الإخفاق الروسي في تشكيل أي قوى سياسية بديلة داخل سوريا، يمكن الاعتماد عليها في تنفيذ أجندة الإصلاح الداخلية.

وتحاول موسكو منذ سنوات كثيرة إضفاء صفة المركزية على القيادة العسكرية السورية، حتى يتسنى للكرملين ممارسة نفوذه السياسي من خلالها. لكن من الناحية العملية، ورغم كل شيء، لم تسفر تلك الجهود عن أي نتيجة ذات شأن. كما تفتقر المجموعات العسكرية التي تعمل روسيا معها داخل سوريا – «قوة النمر»، أو الميليشيات القبلية التابعة لزعامة تركي أبو حمد، وغازي إبراهيم الدير، وسليمان الشواخ – إلى السلطة المؤسساتية داخل البلاد.

وبعد عودتي من رحلتي إلى سوريا في عام 2018، صار من الواضح لديّ أن النظام السوري يواجه عقبات وتحديات كبيرة فائقة، وقد شرع في التهام نفسه بنفسه شيئاً فشيئاً، رغم صموده الظاهري من الخارج. وفي تلك الأثناء، كانت الاستنتاجات التي خلصت إليها ما تزال مثيرة للجدل، بالنسبة إلى زملاء المهنة على أقل تقدير. ولكنني أرى الآن أن الأيام قد برهنت على صحة موقفي المتخذ من تلك القضية. شرع الأسد في الانتقال بعيداً عن النموذج الأسبق «الرأسي» لممارسة السلطة في البلاد، وبدأ يعمل على ترسيخ كافة الأصول الممكنة حول شخصيته الرئاسية. وتعد ملحمة مخلوف الأخيرة مجرد مثال آخر على ذلك، إذ يسعى الأسد الذي يعاني من ضائقة مالية كبيرة من أجل تأمين مزيد من الموارد تحت ستار إجراء الإصلاحات، ومكافحة الفساد، ومواصلة التودد للحلفاء في الخارج.

ربما تكون روسيا قد استغلت تلك الخلافات داخل نخبة النظام السوري في زيادة نفوذها، وممارسة مزيد من الضغوط من أجل فرض الإصلاحات الحقيقية. ومع ذلك، فإن الكرملين لا يملك في واقع الأمر أدوات قوية للضغط على النظام السوري، ولم يبذل إلا المحاولات القليلة ذات المغزى في تأمين تلك الأدوات وترسيخها.

* خاص بـ«الشرق الأوسط»

الشرق الأوسط

———————–

رامي مخلوف: تفكيك اللغز/ ساطع نور الدين

لكل عائلة أسرارٌ، لا تُكشف إلا بإذن أو بإنشقاق. وهو ما لا ينطبق حتى الآن على فضيحة رامي مخلوف، الذي أعلن تمرده، لكنه لم يحصل كما يبدو على تشجيع من أحد، ولم ينشق لكي يصبح معارضاً، ولم يلتحق  بمتمردين من العائلة أو من محيطها القريب يعيشون اليوم في المهاجر.

كشف الابن المدلل للعائلة الذي يحفظ الكثير من أسرارها السياسية والمالية والامنية، عن خلاف بسيط نسبياً ، مثل أي خلاف يحصل بين أقارب، يدور حول مبلغ مالي متواضع حسب معايير الاسرة، يتمثل بضرائب غير مدفوعة..مع أنها كانت تذهب للفقراء!

الخروج الى العلن، عبر الفايسبوك، هو الخطأ الوحيد، الذي يمكن التسامح معه، عندما يسدد ما عليه من متوجبات، فتعود الامور الى سابق عهدها، لأن الظرف لا يسمح بالتمرد ولا بالاجتهاد في سبل إدارة ثروة العائلة وأموالها وممتلكاتها.. ولأن روابط الدم لا تبيح التعامل مع إبن الخال وفق التقاليد المروعة والمتبعة في مثل هذه الحالات.

هذا وجه من الفضيحة التي فجرها إبن الخال المعروف بحرصه الشديد على صون الاسرار، وعدم الكشف عن بعضها إلا بإذن، كما فعل في العام 2011 عندما خاطب إسرائيل جهاراً نهاراً. يومها كانت العائلة كلها في حالة رعب شديد، وكان لا بد من ذلك النداء، الذي لم يفاجىء الاسرائيليين لكنه أمدهم بالثقة والأمل في النظام. وهو ما زال سارياً حتى اللحظة.

لكن للفضيحة التي ربما إنتهت بتدخل وجهاء العائلة وبدفع ال200 مليون دولار المطلوبة لمصلحة الضرائب، وجوهاً أخرى مستعصية، تمس صورة النظام، وتسلط الضؤ على بنيته الداخلية المستندة الى مزيج من القبضة الحديدية والسطوة المالية.. من دون مسوغات الشرعية السياسية التي كان النظام يتمتع بها في السنوات الثلاثين الاولى من عمره.

في موسكو، كما في واشنطن، ذهول وإرتباك، وتحفظ شديد في تفسير تلك الفضيحة، العابرة. ليس هناك سند للقول ان مصدر الفضيحة روسي. نصف أموال العائلة موجود في المصارف، او في الممتلكات الروسية التي جهزت لاستقبال أفراد العائلة عندما يحين موعد الرحيل من دمشق. الباقي من الاموال موجود في الامارات، وفي لبنان، او في جنات ضريبية بعيدة لا تصلها العقوبات الدولية.

لو شاءت موسكو الضغط على العائلة لكانت طلبت من أحد كبارها، محمد مخلوف، والد رامي، المقيم في موسكو القيام بدفع “الضريبة”. أما الاستنتاج ان الفضيحة هي تتمة لما كشفه “طباخ بوتين” أخيراً عن فساد النظام وضعف رئيسه، وعن لوحة الثلاثين مليون دولار، فهو بحاجة الى الكثير من التدقيق. ثمة في واشنطن من يلمح الى أن الضغط على رامي وجناحه في العائلة يصيب موسكو مباشرة. وثمة في دمشق أيضاً همس مسموع جيداً عن سؤ العلاقة بين النظام وبين الكرملين، أفصح عنه بطريقة كاريكاتورية البرلماني السوري خالد العبود!

ما سُرب في واشنطن عكس بعض العطف على موسكو في موقفها الصعب في سوريا، الذي يعبر عن نكران الجميل من قبل النظام لما فعلته روسيا لحمايته والمحافظة عليه. لكنه لم يصل حتى الآن على الاقل الى حد الشك في أن ثمة يداً إيرانية خفية تحرض النظام على الروس وتوجهه نحو تحجيم النفوذ والدور الروسي.. فالحاجة الايرانية الى روسيا تزيد اليوم أكثر من أي وقت مضى، لا سيما في ضؤ الحملة العسكرية والسياسية الاميركية والاسرائيلية على ايران، والمصلحة في التعاون وتقاسم الادوار والعقود أقوى من ذي قبل، وإن كان المردود ضعيفاً جداً.

كان النظام وسيظل يعتمد على الحليفين الروسي والايراني، اللذين يكرران في كل مناسبة أنهما لا يعتمدا عليه، ولا يثقا به، ولا يراهنا عليه، لكنهما في مأزق البحث الشاق عن البديل، قبل ان يتسبب الابن الضال بفضيحة جديدة.. وقبل ان يحل موعد الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.

المدن

————————-

سوريا من خلال ثلاثة كتب/ خيرالله خيرالله

النظام بات يعاني من ارتداد أزماته عليه في ضوء بروز الصراع الضيّق، القائم حاليا بين بشّار الأسد وزوجته أسماء وشقيقه ماهر من جهة وآل مخلوف من جهة أخرى.

كلّ ما يمكن استخلاصه من الصراع ذي الطابع العائلي الذي مسرحه سوريا هذه الأيّام، أن النظام لم يعد لديه مكان يصدّر إليه أزماته. بات النظام يعاني من ارتداد أزماته عليه في ضوء بروز الصراع الضيّق، بكلّ المقاييس والأبعاد، القائم حاليا بين بشّار الأسد وزوجته أسماء وشقيقه ماهر من جهة وآل مخلوف ممثلين برامي محمّد مخلوف من جهة أخرى.

ما تعيشه سوريا حاليا هو صراع بين عائلتين في عائلة واحدة لم يعد فيها مكان لآل مخلوف الذين شكلوا طوال سنوات الذراع المالية للسلطة التي تشكّلت في 16 تشرين الثاني – نوفمبر من العام 1970 عندما احتكر حافظ الأسد الحكم وصار في شباط – فبراير 1971 أولّ علوي يتولّى الرئاسة في الجمهورية العربية السورية.

متى عرضنا لتاريخ سوريا المستقلّة منذ العام 1946، يظهر علنا كيف أن صراعا على بلد ودوره في المنطقة، تحوّل إلى صراع ذي طابع مالي وتجاري ببعد عائلي محوره شركات تجارية.

من خلال الشريطين اللذين ظهر فيهما رامي مخلوف أخيرا وتحدّث فيهما عن دوره في دعم النظام والظلم الذي تتعرّض له شركة “سيريتل”، التي يمتلك أكثرية أسهمها، يرتسم إطار لنهاية مأساوية لبلد كان مرشّحا لأن يكون أحد أكثر البلدان ازدهارا في الشرق الأوسط، فإذا به في السنة 2020 تحت خمسة احتلالات (إيراني، روسي، تركي، إسرائيلي، أميركي).

هناك الاحتلالان التركي والإسرائيلي المرشحان لأن يكونا دائمين، فيما كل الأسئلة مطروحة في شأن مستقبل إيران وحليفها الصيني، الذي ليس لديه وجود بعد في الأرض السورية، ومتى تبدأ مرحلة انتقالية استنادا إلى القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن تنفيذا لتفاهم أميركي – روسي بدأت ملامحه تتبلور قبل فترة ليست بالقصيرة.

انتهى تاريخ سوريا، المستقلة منذ 74عاما، بصراع عائلي ضيّق هدفه تجميع كلّ السلطات وكلّ الثروات بيد آل الأسد، خصوصا أن النجل الأكبر لبشّار الأسد (حافظ) كبر وهو في طريقه إلى تولي موقع ما في تركيبة السلطة.

ليست الرغبة في جعل النظام الجمهوري في سوريا ملكا لعائلة جديدة. سبق للعراق أن مرّ بهذه التجربة. فعندما كبر عديّ صدام حسين وشقيقه قصيّ، بدأ التفكير في كيفية تهميش الإخوة غير الأشقاء لصدّام، أي سبعاوي وبرزان ووطبان، عن مواقع في السلطة. حصل ذلك عن طريق إيجاد توازن مختلف داخل عائلة صدّام حسين المجيد لغير مصلحة إخوته من أمّه. هذا ما يفسّر الزواج الذي تمّ بين حسين كامل المجيد وشقيقه من بنتي صدّام.. وإبعاد برزان عن موقع مدير المخابرات. يعتقد برزان شخصيا أنّ زوجة صدّام ساجدة لعبت دورا أساسيا في الدفع إلى زواج البنتين من حسين كامل وشقيقه. معروف تماما ما حصل بعد ذلك عندما انقلب حسين كامل على صدّام في 1995 وصولا إلى الانهيار النهائي للنظام نتيجة الاجتياح الأميركي في 2003.

في سوريا، ترافق صعود باسل الأسد، الذي كان مفترضا أن يخلف والده لو لم يقتل في حادث سير مطلع العام 1994، إلى الواجهة مع إبعاد عمّه رفعت الأسد في 1984. يترافق الآن صعود حافظ بشّار الأسد مع إبعاد رامي محمّد مخلوف وذلك في ظل بروز نجم أسماء الأخرس الأسد التي تعتقد أن شيئا لم يحدث في سوريا وأن من الطبيعي أن يخلف ابنها البكر والده في يوم من الأيّام.

في ستينات القرن الماضي، وضع الصحافي البريطاني باتريك سيل كتابا بعنوان “الصراع على سوريا”. وفي النصف الثاني من السبعينات، صدر كتاب الديبلوماسي الهولندي نيكولاس فان دام بعنوان “الصراع على السلطة في سوريا”. يشرح هذا الكتاب بالتفاصيل التحولات التي شهدها الجيش السوري من استبعاد للضباط السنّة أبناء المدن الكبرى.. إلى إنهاء دور الضباط الدروز والإسماعيليين، وصولا إلى السيطرة العلوية على الجيش بطريقة ممنهجة.

في عهد حافظ الأسد الذي استمر ثلاثين عاما، كان هناك دور كبير لسوريا على الصعيد الإقليمي، خصوصا بعد دخولها إلى لبنان وسعيها إلى الإمساك بالورقة الفلسطينية والحلف مع إيران الذي ظهر بوضوح من خلال وقوفها ضد العراق في حرب السنوات الثماني. ترافق ذلك مع نوع من المحافظة على المظاهر وذلك عبر وضع سنّة من الريف، مثل مصطفى طلاس وعبدالحليم خدّام وحكمت الشهابي وغيرهم، في الواجهة. أمّا السلطة الحقيقية والفعلية فكانت في يد الضباط العلويين من رؤساء الأجهزة مع هيمنة غير ظاهرة لمحمّد مخلوف (والد رامي وشقيق زوجة حافظ الأسد) على الجانب الاقتصادي. كان الدور الأساسي لمحمّد مخلوف يتمثّل في استرضاء العلويين بما يملكه من وسائل إقناع، يأتي المال في طليعتها.

كانت خلافة بشّار الأسد، بدل باسل الأسد، لوالده بداية تحوّل على صعيد انتقال الحكم من الطائفة إلى العائلة الواحدة في ظلّ توسّع للدور الإيراني. وصف أحد الزعماء العرب سوريا في عهد بشّار الأسد وفي ظلّ والدته أنيسة وخاله محمّد (أبو رامي) بأنّها تحولت إلى ما يشبه شركة مساهمة عائلية يديرها مجلس إدارة. ما نشهده الآن هو انفراط الشركة في ظل غياب الأم (أنيسة) ومرض الخال (محمد مخلوف) والتخلّص قبل ذلك، في 2012، من آصف شوكت الذي كان دخيلا على العائلة على الرغم من زواجه من بشرى الأسد، الشقيقة الكبرى لبشّار.

بغض النظر عمّا إذا كان تحالف بشّار – أسماء – ماهر سيتمكن من التخلّص من رامي وانتزاع شركاته منه، يظلّ ما يجري في دمشق أقرب إلى مهزلة. الحدث الكبير صار خارج البيت الرئاسي في دمشق في وقت ليس معروفا مدى الدعم الروسي لآل مخلوف من جهة وما الذي ستفعله إيران من جهة أخرى. يحصل ذلك كلّه في وقت صار الوجود التركي في شمال سوريا أقرب إلى الوجود التركي في شمال قبرص، القائم منذ العام 1974.

لم تعد سوريا لاعبا إقليميا بمقدار ما أن المطروح العودة إلى عنواني كتابي باتريك سيل ونيكولاس فان دام، أي إلى “الصراع على سوريا” و”الصراع على السلطة في سوريا”. العنوان الأوّل يضع الأزمة السورية الدائمة في إطارها الإقليمي.. والثاني يضع أزمة سوريا في الإطار الداخلي، أي في إطار طائفي ومذهبي صار الآن عائليا في المفهوم الضيّق، بل الأضيق، للكلمة. هذا ما تحدّث عنه كتاب ثالث لسام داغر صدر العام الماضي تحت عنوان “الأسد أو نحرق البلد”. هذا الكتاب يعرض على نحو مستفيض مقدّمات المرحلة الراهنة حيث لم يعد مكان سوى لعائلة واحدة بدل عائلتين في عائلة واحدة في ظروف تدعو إلى الاعتقاد أن توريث حافظ الصغير لوالده أقرب إلى توريث صدّام لأحد ابنيه عديّ أو قصيّ!

إعلامي لبناني

العرب

——————

اسماء ورامي vs موسكو وطهران/ باسكال صوما

التسريبات الأولى من الروس حول فشل إدارة الدولة السورية، وفيديوات رامي مخوف، وانسحاب إيران أو تغيير استراتيجيتها في سوريا، توحي بأن هناك تغييراً محتملاً في الساحة السورية…

تدلّ روزنامة سوريا السياسية على أن النظام يواجه تحديات إضافية وضغوطاً على الصعيد السياسي وتخبطاً في جناحه الاقتصادي، لم يعد خافياً على أحد. فالتسلسل الزمني للخضات الأخيرة ينبئ بأنّ حاكم القصر والبلاد وحاكم جحيم المعتقلات سيئة الذكر ومفجّر البراميل في أجساد الأطفال، سيكون على موعد مع ارتدادة أو أكثر من ارتدادات الزمن، التي لا مفرّ منها.

أولاّ، التسريبات الروسية التي طرحت سيناريو تخلي روسيا عن بشار الأسد، ثمّ تلزيم البلوك رقم 12 في سوريا للإيرانيين، بعدما كان من حصة شركة روسية، أحد مساهميها البنك المركزي الروسي، وفق المعلومات المتوافرة. ما يدلّ على بلبلة بين الحلفاء والأصدقاء، حامي نظام الأسد.

وأخيراً فيديو رامي مخلوف في 30 نيسان/ أبريل، وهو رجل النظام الأول وصاحب مئات الشركات، إذ خرج ليشكو من الضرائب و”القسوة”، معلناً صراحة الصراع الواضح بين النظام ورجاله. ثم أتت أخبار اعتقالات موظفين من “سيريتل” التي يملكها مخلوف، الذي ظهر مجدداً في فيديو يشكو فيه الطريقة “اللاإنسانية” التي اعتُقل فيها موظفوه.

حكم الترقيع

دعم روسيا النظام منذ 2011 حتى اليوم كلّفها أن تستخدم الفيتو 12 مرة في مجلس الأمن لحمايته من السقوط والمحاسبة، عدا عن الثمن المادي والعسكري، وبالتالي كان على النظام أن يردّ الجميل، وأن يبقى مديناً للروس متحمّلاً أي شيء منهم. لكن التسريبات الروسية تحدّثت عن تنحية بشار وتشكيل حكومة انتقالية، وبغض النظر عن صحة التسريبات أو عدمها لكنّ تزامنها مع فيديوات رامي مخلوف، يدلّ على أن تغييرات حقيقية قد تكون بانتظار سوريا في الفترة المقبلة. علماً أن سوريا تشهد إضافةً إلى صراع القوى، حصاراً اقتصادياً مستفحلاً، وهي تتصدّر قائمة أفقر دول العالم بنسبة 83 في المئة من الفقر بين أهلها. ويحاول النظام ترقيع الجوع بتوزيع بطاقات ذكية على العائلات للحصول على مواد غذائية غير كافية بأسعار مدعومة. تماماً كما حاول ترقيع وصول فايروس “كورونا” إلى سوريا، بالإنكار، وها هو بشار الأسد الأسد الآن يحاول سدّ الحفرة التي حفرها رامي مخلوف، بالصمت المطبق. فقد حصل ما حصل، وفضح رامي مخلوف صراع الأقرباء، فيما بقي القصر الجمهوري في دمشق هادئاً محجوراً عن الردّ.

في المقابل، قال موقع “ميدل إيست آي” الإلكتروني البريطاني إن رجل الأعمال السوري رامي مخلوف لا يزال مقيماً في سوريا، على رغم انتقاده العلني الرئيس بشار الأسد. وهو أمر إن أثبتت صحّته، فهو يحتاج إلى تفكير آخر حول الجدوى من رشق النظام والبقاء في كنفه في الوقت نفسه، ومن قد يستفيد من ذلك.

“الأجنحة المتكسّرة”

وفق الباحث في الشأن الاقتصادي السوري يونس الكريم: “رامي مخلوف لا يمثّل الجناح الاقتصادي للنظام وحسب، بل أيضاً جناح حرس النظام الذي دخل في صدام مع أسماء الأسد منذ بداية التدخل الروسي في سوريا، واستلائه على استثمارات كان جزء كبير منها للنظام ذاته، مثلاً ميناء طرطوس، الذي تم تجريد النظام (ممثلاً بمخلوف) من استثماراته في مناجم الفوسفات والملح لمصلحة الروس مع الكثير من التسهيلات والمنح. ورامي مخلوف كان يستثمر هناك في الكثير من المشاريع كالكهرباء. لكنّ الصراع انفجر حقاً مع إقالة دريد ضرغام (حاكم البنك المركزي السوري)، وتعيين حازم قرفول الذي أصدر الكثير من القرارات التي أعاقت عمل شركات النظام”.

ودرغام المدرج اسمه على قوائم العقوبات الغربية، تعرض وزوجته، عام 2011 للحجز الاحتياطي على أموالهما، بتهمة فساد بسبب تسهيلات ممنوحة من فرع المصرف التجاري رقم 8 في حلب، أثناء عمل درغام السابق كمدير عام لـ”المصرف التجاري السوري” 2003-2011. درغام استطاع رفع الحجز الاحتياطي عام 2018. علماً أنه عيّن حاكماً لـ”المركزي” عام 2016، وإقالته الآن وفق وسائل إعلام موالية للنظام في إطار “مكافحة الفساد”، إلا أن الواقع يقول أنّ إقالته لا تخلو من كونها جزءاً من الصراع القائم بين أجنحة النظام الاقتصادية، والحاجة إلى حاكم يخدم وجه سوريا الجديد كما يراه نظام الأسد وحلفاؤه. وسبقت إقالة درغام بشهر، إقالة صديقه مدير عام “المصرف التجاري السوري” فراس سلمان، وتعيين علي محمد يوسف مكانه.

يوضح الكريم لـ”درج” أن “الصراع اليوم في سوريا يقود إلى حقيقة واحدة وهي وجود تغييرات كبيرة وتحديات وضغوط أمام النظام بكل أجنحته. هذا الأمر يعطي فكرة أن هناك تغييراً محتملاً في الساحة السورية، إذ تزامنت رسائل عدة مع بعضها بعضاً، التسريبات الأولى من الروس حول فشل إدارة الدولة السورية، وأيضاً فيديوات رامي مخوف، وانسحاب إيران أو تغيير استراتيجيتها في سوريا. وبالتالي نحن نشاهد اليوم حلفاء النظام غير مهتمين بدعم الأسد. كما أن تيار أسماء الأسد عوّل كثيراً على دخول الصين، لكن مساعدات الصين فضحت أن تدخلها لمصلحة الأسد، هو أمر مستبعد”. ويتابع: “وبالتالي هذا التغير في المشهد السياسي، ستكون له انعكاسات كبيرة على المشهد الاقتصادي، فالتغيير السياسي اليوم متزامن مع وضع اقتصادي سيئ نتيجة “كورونا”، إغلاق الحدود، الاحتياطات النقدية التي تمر في أسوأ أوضاعها، وكذلك الزراعة واحتياط الأمن الغذائي، إضافة إلى الفقر المستشري، وانعدام الأمن الغذائي بنسبة 65 إلى 70 في المئة”. ويرى الكريم أن “الصراع اليوم يرسّخ الخوف لدى المستثمرين الموجودين حالياً أو المحتملين، ويخيف أيضاً أمراء الحرب، وبالتالي هؤلاء سيقومون بعملية تسييل لأملاكهم وأصولهم إلى الدولار، ومحاولة الفرار من سوريا للابتعاد من هذه المعركة بين رامي مخلوف وبشار الأسد، ما سيؤدي إلى تضخّم ركودي، مع توقف الأعمال والاستيراد، مقابل ارتفاع الأسعار بشكل كبير، في ظل كمية غير كافية من السلع، وبالتالي نحن الآن ندخل في حالة سيئة جداً بالنسبة إلى المواطن السوري والبلد ككل. وهذا ما تحدّث عنه رامي مخلوف، حين حذّر من الفترة المقبلة مع عدم وجود حلول للمشكلات، فيما ما زال الأسد صامتاً، على رغم كل ما قاله رامي مخلوف”.

ويوضح الكريم أن “رامي مخلوف يمثّل 65 في المئة من الاقتصاد السوري، إذ لديه أقنية واسعة جداً من الصناعات والتجار والاستيراد والتصدير. وكل العاملين في دائرته سوف يصابون بالرعب الآن، ما دام كبيرهم تخلّى عنه النظام. هناك 6500 موظف في “سيريتل” وحدها، علماً أن مخلوف يملك مئات الشركات وبالتالي هؤلاء سيشعرون بالخوف على أمنهم أولاً، وقد يفكّرون باللجوء أو الهرب، وقد نشهد موجة ثانية من اللجوء في هذه المعركة المستشرية مع النظام”.

ويشير الكريم إلى إعطاء بشار الأسد الإيرانيين حق التنقيب في البلوك رقم 12، بعدما كان منح عام 2013 لشركة روسية حق التنقيب عليه، معتبراً أن ذلك يثير الشكوك. ويسأل: “هل العلاقة بين النظام وروسيا انتهت؟ هذا سؤال بالغ الأهمية. هل زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف سوريا وملاقاته بشار الأسد ضمن هذا السياق؟”.

“هناك تغيّر في الساحة السياسية في سوريا. وهذا عبء إضافي على المواطنين”، يختم الكريم.

درج

—————————

 مخلوف والأسد ولعبة المصالح/ محمود أبو المجد

ليس بغريب ما يحصل من خلافات في الدائرة الضيقة لآل الأسد والتي تتمثل بخلاف واضح بين رجل الأعمال رامي مخلوف وبشار الأسد، لكن الغريب هو ردة الفعل للجمهور المتابع لهذه الخلافات. “مخلوف” والذي عرف بولائه المطلق للنظام، وربما هو أحد أركان هذا النظام، والذي لعب دوراً كبيراً في الحفاظ على بقاء الأسد على سدّة الحكم حتى اليوم.

والجمهور الذي تفاجأ بهذه الخلافات لم يعد للتاريخ الذي يؤكد أن آل الأسد لا صاحب لهم، بل قد يخون الأخ منهم أخاه خوفاً على كرسيه، ولم يصل حافظ الأسد الأب للحكم إلا عقب خيانته لأصدقائه، فهو الذي اعتلى على عرش سوريا عقب خيانته لصلاح جديد والذي أوصله لوزارة الدفاع، لكن الأسد الأب لا عهد له ولا ذمة ما لبث أن قام بانقلاب عسكري على صلاح جديد دخل على إثرها السجن، ومن هنا بدأت ملامح نكران الجميل تظهر على هذه العائلة.

وكما طعن حافظ بصديقه، طعن أيضاً بأخيه رفعت والذي دافع عن ملكه وقتل الآلاف في مجزرة لا ينساها التاريخ وهي مجزرة حماه عام 1982، واستمر الأسد الأب بنكران الجميل وأمر بنفي رفعت خارج البلاد.

وكانت الخيانة ونكران الجميل وراثة يتناقلها أفراد هذه الأسرة، لتصل ليومنا هذا بعدما ضرب بشار الأسد عرض الحائط كل صلات القرابة والصداقة مع رامي مخلوف، وهو الذي دفع ملايين الدولارات لتشكيل فصائل تشبيحية تدافع عن حكمه، ولم يتعظ مخلوف من الذي سبقوه بدءاً من صلاح جديد وانتهاءً برفعت الأسد، ليكون هو ضحية آل الأسد ويوضع على الرف.

ومما سبق نعلم أن لعبة المصالح هي الغالبة عند هذه العائلة، فلا غرابة من طعنهم لأي شخص وأياً كانت التضحيات التي قدمها في سبيل حمايتهم، فهم سيرمونه عند أول مطب، وبعد انتهاء المصلحة معه.

————————–

تفكك نظام الاستبداد السوري.. وتغيير يشبه فاعليه/ أسامة آغي

حين رسم حافظ الأسد، مؤسس دولة الاستبداد في سوريا، خارطة لديمومة حكمه، استطاع فهم تكوين المجتمع السوري من جهة، وفهم أنظمة الحكم العربية وتناقضاتها، فارتأى أن يقوم حكمه على ثلاث ركائز، هذه الركائز تمثلت بأضلاع مثلث متساوي الأضلاع.

الضلع الأول هو فرض هيمنة حكم عسكري/ أمني، وهذا ما فعله حافظ الأسد، حين أنشأ عددًا كبيرًا من الأجهزة الأمنية، التي أراد لها التدخل والهيمنة في كل مفاصل الحياة العامة في البلاد، ووضعها في دائرة تنافس عمل، ومهام، ومراقبة بعضها بعضًا، إلى جانب مراقبة المجتمع.

الضلع الثاني في مثلث الاستبداد، تمثّل باحتكار الاقتصاد ببواباته الكبرى، وهذا يعني تنمية الثروة بطرق غير قانونية، وتحويل “القطاع العام” إلى بقرة حلوب لخدمة هذا النظام، والسماح لغاسلي الأموال بالسيطرة على مناحي الاقتصاد السوري في قطاعاته الكبرى، مثل الاتصالات والبنوك والشركات القابضة والنقل وغيرها كثير، أي احتياز سلاح الاقتصاد.

الضلع الثالث في مثلث الاستبداد السوري هو الحاضنة الشعبية، هذه الحاضنة كانت برأي حافظ الأسد طائفته الدينية، التي ينتمي إليها، وهذا يعني فسح المجال لهذه الطائفة بالتورط من خلال انتهاك حقوق بقية مكونات المجتمع السوري.

مثلث السيطرة السياسية والهيمنة الاجتماعية، كان يجد تبريره لدى النظام من خلال الاختباء خلف شعارات ذات طابع وطني وقومي تحرري، في وقت كانت ممارسته السياسية والاقتصادية والاجتماعية تسير عكس شعاراته، وهذا تناقض جوهري في بنية النظام، ما يسمح بانتقال هذا التناقض إلى مستوى الصراع.

الثورة السورية التي تفجّرت عام 2011، كانت ذات هدف واضح وجلي، تمثّل بشعاراتها، التي تريد دولة ديمقراطية تداولية، وتريد حريات متكاملة وفي مقدمتها الحريات السياسية، وهذا يعني بفهم النظام تفكيك مثلث ركائز حكمه الاستبدادي، وهو أمر أرعبه، ودفعه لسحق هذه الثورة، دون التفكير ولو للحظة واحدة بضرورة تقديم تنازلات سياسية واقتصادية لمصلحة المجتمع وبناه المختلفة.

النظام الاستبدادي القائم على الركائز الثلاث، يدرك تمامًا أن خسارته لأي من أضلاع مثلثه الاستبدادي، تعني احتمال انفراط حكمه وهيمنته، ولهذا عمل على تمتين لحمة عمل الأضلاع الثلاثة بشتى الوسائل والطرق.

كانت أولى هذه الطرق، وضع المنتفعين من نظام حكمه الاستبدادي الفاسد في مواجهة استحقاقات ما اكتسبوه، عبر حمايته لهم، وتسهيلاته لنشاطهم الاقتصادي، الذي يتسم في غالب الأحيان بشراكته الخفية فيه، وهذا يعني استخدم الثروة المنهوبة وغير الشرعية من أجل الدفاع عنه للنهاية.

لم يدر ببال النظام، أن الثورة السورية قادرة على التجدد والاستمرار، وهذه الحالة، التي امتدت ولا تزال لأكثر من تسع سنوات، عملت على خلخلة أضلاع حكم النظام، وخلخلة ركائز سيطرته على الدولة والمجتمع السوريين، وهو أمر انتقل إلى صيغة نزيف حقيقي في جسد الحاضنة الطائفية، التي استفادت من بعض فتات النظام، مقابل القبول بتقديم أبنائها أضحيات لاستمرار حكم الاستبداد والقهر الاجتماعي، دون حساب لاعتبارها مكونًا من مكونات النسيج السوري.

نزيف الطائفة التي ينتمي إليها النظام، عبّر بالضرورة عن نزيف الضلع العسكري الأمني في مثلث سيطرة الاستبداد، ولكنّ النزيفين لم يؤديا إلى خلخلة نهائية لمثلث السيطرة.

الخلخلة الحقيقية ستأتي من داخل بنية النظام الاقتصادية، التي انبنت على الفساد والعمليات الاقتصادية المخالفة لشرعة القوانين الدولية، ومن هذه العمليات تجارة المخدرات التي كانت تتم عملية زراعة نباتاتها المخدرة في البقاع اللبناني وبرعاية حليفه “حزب الله” اللبناني، وكذلك عمليات تهريب الأسلحة، وعمليات غسيل الأموال القذرة الناتجة عن العمليات الاقتصادية غير القانونية.

البنية الاقتصادية للنظام الاستبدادي السوري هي بنية مغلقة عليه، ولهذا حين وصل الصراع السوري إلى عتبة تشابك الأجندات الإقليمية والدولية في مجراه، وتمّ فرض عقوبات على نشاطه، وآخرها قانون “قيصر” الأمريكي الشهير، فإن هذه البنية ستتآكل بسرعة، وتنشأ بين أذرعها صراعات السيطرة، لا سيما أن القوتين المسيطرتين في الصراع السوري من جهة النظام هما القوة الروسية وما تمثله من مصالح استراتيجية ومرحلية، وكذلك القوة الإيرانية وما تمثله من مصالح تتناقض مع مصالح روسيا في هذا البلد.

ولفهم الأمر أكثر، فإن الصراع المحتدم بين تيار زعيم الاقتصاد السوري غير الشرعي رامي مخلوف، وممثلي الهيمنة الإيرانية من آل الأسد، هو صراع انتقل إلى داخل بنية النظام الاقتصادية والسياسية بسبب تراجع قبضته على الحكم لمصلحة القوتين الروسية والإيرانية.

الصراع الحالي بين رامي مخلوف وآل الأسد، هو صراع بين النفوذ الإيراني الذاهب إلى مواجهة مع الغرب وإسرائيل، والنفوذ الروسي، الذي يتجه إلى صفقة مع الغرب. هذا الصراع وصل إلى مرحلة كسر العظم بالمعنى الاقتصادي والسياسي، وهو يرتّب على الطرفين استحقاقات مرحلة مقبلة، عبّر عنها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في ندوة صحفية قال فيها، “إن روسيا ليست حامية لنظام الأسد”، وهذا يختلف مع جوهر السياسة الروسية، التي استخدمت “الفيتو” أكثر من عشر مرات في مجلس الأمن حماية لهذا النظام.

وفق هذه الرؤية، يمكننا القول، إن مرحلة جديدة في الصراع السوري بدأت تشقّ طريقها، هذه الطريق ترتكز على تفكيك مثلث ركائز حكم نظام آل الأسد. ولهذا لن يقف هذا الصراع داخل بيت النظام، إلا بمحاولة كل طرف فيه الانتصار على الطرف الآخر.

الانتصار هنا ليس انتصار رامي مخلوف أو انتصار آل الأسد، فهؤلاء خسروا الصراع لمصلحة أجندات المتدخلين الإقليميين والدوليين.

الانتصار هنا سيكون انتصارًا لأحد تياري الهيمنة العسكرية والنفوذ السياسي، روسيا أو إيران، ولذلك فالخاسر الأكبر في معادلة هذا الصراع هو الشعب السوري، الذي قامر نظام استبدادي بثرواته واستقلاله مقابل وهم بقائه في سدّة الحكم.

النظام بركائزه الثلاث في طور تفككه النهائي، وهذا ما ظهر جليًا في التصريحات الروسية، وآخرها ما تحدث به بوتين. ولذلك يمكن لقوى التغيير في سوريا، بغض النظر عن اتجاهاتها الأيديولوجية، البحث مع شركاء محتملين بين المكونات السورية الأخرى، ممن لم يتورطوا بقتل ونهب الشعب السوري، لرسم، أو المشاركة برسم خارطة طريق، تنهي الاحتلالات الأجنبية، وتعمل على بناء دولة مواطنة بحدٍ مقبول، ما دام النفوذ الخارجي لا يزال ساري الفعل والوجود في هذه المرحلة.

بقي أن نقول، إن نظام الاستبداد يلفظ أنفاسه الأخيرة، وإن تغييرًا قادمًا سيحدث ولكن ليس كما أراده السوريون، بل سيكون تغييرًا يشبه فاعليه.

عنب بلدي

————————–

رامي مخلوف: رجل الأعمال الذي خذل المصرفي/ مازن عزي

لا يخرج الصراع بين أجنحة المجموعة المهيمنة في السلطة السورية عن كونه إعادة تموضع ضمن حرب مواقع محدودة، لا شك أن الخاسر الأول فيها هو الملياردير رامي مخلوف.

لا يخرج الصراع بين أجنحة المجموعة المهيمنة في السلطة السورية عن كونه إعادة تموضع ضمن حرب مواقع محدودة، لا شك أن الخاسر الأول فيها هو الملياردير رامي مخلوف. ورغم انتصارهم الوشيك، فإن الرابحين من النزال الراهن ضمن المجموعة المهيمنة، قد لا يتمكنون من المحافظة على عصبيتهم وتماسكهم، مع إخراج مخلوف، أحد أبرز أركان الدائرة الضيقة ومدير أعمالها الاقتصادية.

قليلة هي المرات التي أمكن فيها مشاهدة أحداث من هذا النوع ضمن السلطة السورية، فمنذ استيلاءها على الدولة منذ العام 1970، شهدت صراعين مماثلين في الثمانينيات، مرة بين الرئيس حافظ الأسد وشقيقه الأصغر قائد سرايا الدفاع حينها والرجل القوي في النظام رفعت، ومرة أقل حدة وصخباً بين حافظ وشقيقه الأكبر جميل. رفعت حاول مدّ نفوذه من اقطاعاته العسكرية إلى السلطة السياسية في لحظة مرض الرئيس. وجميل، حاول التمدد من اقطاعاته الاقتصادية إلى الحيز الديني للعلويين.

وهذا لا يعني أن النظام السوري لم يشهد صراعات عنيفة داخل هرميته الغامضة ذات السمات الشمولية القائمة على تعدد مواقع القوى الثانوية، سياسية حزبية وأمنية عسكرية، ومركز واحد. فالنظام حافظ على طبيعته التناحرية، كسبيل للاصطفاء والترقي في هرميته، ضمن سقوف زجاجية كثيرة، تتداخل فيها صراعات أهلية متعددة؛ طائفية وإثنية، ريفية ومدينية، عسكرية-أمنية وحزبية، بأشكال متعددة لم تغب عنها بطبيعة الحال الإيديولوجيا. إلا أن الصراع في قمة الهرم لم يكن إلا عائلياً بامتياز.

رامي مخلوف ورث حقيبة المالية في العائلة عن والده محمد، الذي استلهمها بدوره من جميل الأسد. ومنذ بداية عهد الرئيس بشار الأسد، قدّم رامي خدماته ذات الطبيعة الثنائية، كمصرفي ورجل أعمال، وتولى عملية رسم حدود اقتصاد العائلة، بضبط القطاعات التي يسمح لقلة من رجال الأعمال الأخرين المشاركة بها في السوق السورية. وترافقت هذه المرحلة مع تطبيق خطة تحرير اقتصادية مشوهة تحكمها المحاصصة الزبائنية، على بقايا كسادٍ اقتصادي وقطاع عام أشبه بالاقطاعات الريعية الفاشلة.

منذ العام 2011 فقد رامي مخلوف دوره كرجل أعمال، مع انهيار الاقتصاد بفعل الثورة والحروب التي أعقبتها، لصالح تكريس الحدّ الثاني من وظيفته؛ المصرفي، المسؤول عن تمويل اقطاعات الدولة العسكرية والأمنية. طبعاً، رجل الأعمال رامي وجد بضعة مصادر تمويل بديلة في اقتصاد الحرب، لكن محتويات خزائن رامي المصرفي ظلت تنكمش مع ميزانية تُنهِكُ فيها المصاريف غير الانتاجية الإيردات المتضائلة. اقتصاد الحرب فتح لرامي ميداناً جديداً بات فيه يلمس وهج السلطة العسكرية، وربما السياسية. فشكّل مليشيات ومولها، وأنشأ حزباً سياسياً وموله وأدخل بعض اعضاءه مجلس “الشعب”. رامي، أخذ يتحول عقائدياً أيضاً، وبات أكثر تديناً، وقيل إنه وجد في نموذج ولاية الفقيه إلهاماً دفعه لمحاولة تأسيس شبكة دينية بين العلويين. بهذا، اقترف رامي، خطيئتي أعمام الرئيس بشار؛ رفعت وجميل، معاً.

النظام تمكن خلال السنوات الماضية من تقديم طبقة جديدة من رجال الأعمال، من الوجوه الجديدة نسبياً، ممن ورثوا عن رامي وظيفته الأولى، وبدا ذلك واضحاً في تكرار مهاجمة وسائل إعلام يمولها رامي لتمدد رجل الأعمال سامر فوز السريع، حتى بات أبرز مديري أعمال الحلقة الضيقة من النظام. العقوبات الغربية الموضوعة على رامي منذ العام 2008، وتصاعدها منذ 2011، كانت قد قضت على صفة الأعمال فيه، وكان ظهور غيره، مهمة وظيفية للنظام. لكن رامي، بدأ مع فقدان ذلك الجزء منه، يستشعر الخطر على نصفه الثاني؛ المصرفي.

من الإشاعات التي تسللت خلال الشهور الماضية، بدا أن حروباً صغيرة تدور في قمة الهرم، بغرض تحجيم رامي، وضبط أذرعه السياسية والخيرية-الأهلية والعسكرية. ويبدو أن الخلاف تمركز حول تردد رامي في تمويل مصالح أقرانه في دائرة السلطة العائلية الضيقة التي اكتشفت وجود قنوات مالية سرية يخفيها رامي، بغرض بناء سلطته منفرداً. طموحات كهذه، لا بد أن تبحث عن حلفاء خارجيين، وهنا يبدو أن الروابط المالية لرامي مع رجل أعمال المافيا الروسية مؤسس فاغنر يفغيني بريغوزين، وقائد الهجوم الإعلامي الأخير على بشار الأسد في الصحافة الروسية، قد تسببت بفقدان الثقة فيه نهائياً كعضو في نادي الدائرة الضيقة.

في الأسبوعين الماضيين شهدنا حربين متزامنتين بحسب التعريف الغرامشي لهما؛ حرب مناورة دفاعية سريعة ومركزة، شنها رامي، لمواجهة حرب مواقع ابتدأت منذ شهور ضده ولا تبدو أنها ستتوقف قريباً. ويبدو أن رامي، في هجمته الميديوية الأخيرة، قد تمكن من تأليف تحالف حوله، رغم اشهاره سلاح الحديث العلني دفاعاً عن الطائفة العلوية المُفقرة بصفته الخيرية الأهلية. حرب رامي الدفاعية أشبه بشهاب عابر ليلة صيف، إذ إنه بات بحكم الرجل الميت الذي يمشي، عندما عصى الأوامر وكاد أن يجاهر بالتحدي العلني. خطيئة مميتة ارتكبها رجل الأعمال بحق المصرفي فيه. خوفه من الخسارة دفعه مجدداً للاستثمار. لكن المناورة هذه استثمرت في الموقع الأخطر الذي لا يجب الاستثمار فيه؛ تخويف الطائفة العلوية.

وحتى لو انتهت قضية رامي بسرعة، ومن دون ارتدادات واسعة، كما تتسرب الأنباء حالياً، فإن الدائرة الضيقة في النظام ستخرج منتصرة، ولكن أكثر ضعفاً وأقل تماسكاً. تراكب الاحتلالات الخارجية، وظهور صراعات في مركز السلطة، يضاف إلى أزمة تمويل تمتد من العائلة إلى مؤسسات الدولة، في ظل غياب أي اجماع ايديولوجي ضمن الطبقة المسيطرة، يجعل من وسائل الهيمنة لدى المجموعة الحاكمة شديدة التقشف. وعدا عن فشلها في جميع تعهداتها السياسية المحلية، كمصدر للشرعية، فليس بمقدور المجموعة الحاكمة، إلا اللجوء إلى المزيد من العنف، لاستدامة بقاءها. رامي، قد يكون بهذا، أول الخارجين، لكنه ليس آخرهم.    

درج

———————-

 جيفري: روسيا ضاقت ذرعاً بالأسد وتبدي مرونة للتعاون معنا

المبعوث الأميركي تحدث عن «انسحاب بعض ميليشيات إيران» من سوريا

واشنطن: إيلي يوسف

أبدى الموفد الأميركي الخاص المكلّف الملف السوري جيمس جيفري تفاؤلا حذرا بشأن إمكانية التعاون مجددا مع روسيا لوضع حد للحرب في سوريا، مشيرا إلى أن موسكو قد تكون «ضاقت ذرعا» بالرئيس بشار الأسد.

وقال جيفري في مؤتمر صحافي مشترك عبر الهاتف مع هنري ووستر نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى وكريستوفر روبنسون نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون أوروبا وآسيا، «قد تكون روسيا مستعدة بشكل أكبر الآن، رأينا بعض المؤشرات في الإعلام الروسي وفي تصرّفات روسية معيّنة، لتكون أكثر مرونة بشأن اللجنة الدستورية». وأضاف «قد يكونون على استعداد مجددا للتباحث معنا بشأن طريقة لحل المسألة بدون انتصار عسكري، لأنه من الواضح جدا في هذه المرحلة بالنسبة لروسيا أنهم لن يحققوا انتصارا عسكريا، بكل تأكيد ليس في أي وقت قريب».

وحول الانتقادات الروسية التي توجه للأسد، قال جيفري «لسنا متأكدين من أن الانتقاد الروسي العلني ومن قبل أشخاص قريبين من الرئيس الروسي بوتين للأسد يعكس إرسال إشارات لنا أو للأسد نفسه أو لمساعدة روسيا على بيع سوريا لبعض الدول مثل دول أميركا اللاتينية وأوروبا والشرق الأوسط لإعطاء سوريا اعترافاً دبلوماسيا وقبولاً دولياً لتأمين عشرات المليارات من الدولارات لإعادة الإعمار. ما زلنا نسعى لمعرفة خلفية هذا الانتقاد».

وفي ملف الخلاف المندلع بين الأسد وابن خاله رامي مخلوف، أكد جيفري أنه خلاف مهم كون الأخير يسيطر على الاقتصاد السوري الموازي وحتى الاقتصاد الرسمي. وأضاف أن مخلوف قريب جداً من الأسد ولاعب كبير في الطائفة العلوية التي تحكم في سوريا منذ خمسين عاما. وقال: «يمكن تفسير هذا الخلاف بطريقتين: الأولى بالقشة التي قصمت ظهر البعير ولا أعتقد ذلك. أتمنى ذلك ولكن ليس الأمر كذلك. والأمر الثاني هو أن هذا الخلاف مؤشر إضافي كسقوط العملة السورية والصعوبات التي تواجهها الحكومة لإدخال شحنات النفط إلى سوريا وكذلك الصعوبات في تأمين الخبز ومواد أخرى للمحلات التجارية حيث إن النظام يخضع لضغط كبير. وربما هذا هو السبب الذي يجعل الروس مهتمين بشكل أكبر بالحديث معنا من جديد حول إمكانية التوصل إلى تسوية».

وأضاف جيفري «لم نتوصل إلى أي خلاصة ولكن نرى مقاربة استثنائية لأنها تكشف الغسيل الوسخ لأسوأ الأنظمة في القرن الحادي والعشرين». وقال: «قضية الخلاف مع مخلوف بشكل خاص مهمة جداً لأنني رأيت أن هناك جهداً من قبل الحكومة السورية للرد على الضغط الروسي عبر دعوة النظام لتنظيف منزله والبدء بشخص مثل مخلوف. ورأينا كذلك أخبارا وشائعات تقول إن الروس يدعمون هذا الشخص وقلقون حيال ما يقوم به الأسد».

يذكر أنه وقبل أسبوع تقريبا، وجه مخلوف استعطافا للأسد، قال فيه إن «الدولة السورية فرضت دفع مبالغ» كبيرة تصل إلى 130 مليار ليرة سورية، على شركته «سيرياتل» للاتصالات.

وفي سياق منفصل، قال جيفري: نرى بعض التحركات الإيرانية حول سوريا من المناطق التي تعرضت لقصف إسرائيلي ورأينا انسحاباً لبعض الميليشيات المدعومة من إيران بعضهم من حزب الله وبعضهم من دول أخرى ولكن ما لم نره هو أي التزام استراتيجي إيراني بعدم محاولة استخدام سوريا كمنصة انطلاق ثانية لصواريخ طويلة المدى ضد إسرائيل وبعدم تسليم حزب الله أسلحة تهدد إسرائيل.

من جهته، اتهم كريستوفر روبنسون روسيا ونظام الأسد بأنهما يقدمان الدعم المالي واللوجيستي لمجموعة «فاغنر» لدعم عمليات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، وبأن روسيا «تستخدم الصراعات الإقليمية من أجل تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية».

وكشف روبنسون أن «روسيا وبالتعاون مع نظام الأسد أرسلت مؤخرا مقاتلين سوريين إلى ليبيا للمشاركة في عمليات فاغنر لدعم الجيش الوطني الليبي». وقال: «هذه المجموعة هي أداة يمكن استخدامها بكلفة قليلة وبمخاطر متدنية»، مؤكدا أن موسكو تواصل دعم الجيش الذي يقوده حفتر.

إلى ذلك أعرب هنري ووستر عن عدم ارتياح الولايات المتحدة للعلاقات بين حفتر والأسد. وقال: «هناك أمر آخر مزعج للغاية وهو إقامة حفتر ما يسمى بعلاقات دبلوماسية مع نظام الأسد، وهو جزء من مسألة المرتزقة السوريين على الأقل من جانبه».

———————–

تحدث خلالها عن فساد عائلة مخلوف.. “روسيا اليوم” تحذف مقابلة مع فراس طلاس

حذفت قناة “روسيا اليوم” حلقة من برنامج تلفزيوني تحدث خلالها  ابن وزير الدفاع الأسبق ورجل الأعمال السوري، فراس طلاس، عن فساد محمد مخلوف، خال رئيس النظام السوري، بشار الأسد، ووالد رجل الأعمال رامي مخلوف.

وقالت القناة  أمس، الجمعة 8 من أيار، عبر موقعها على الإنترنت إنها “قررت حذف حلقة برنامج “قصارى القول”، بتاريخ 4 من أيار، وذلك لمخالفتها المعايير الرئيسية للمحطة ولورود معلومات لا تستند إلى حقائق مؤكدة”.

ولم تحدد القناة طبيعة المعلومات التي وصفتها بأنها لا تستند إلى حقائق، غير أن طلاس تحدث خلال الحلقة عن فساد محمد مخلوف شقيق زوجة الرئيس السابق، حافظ الأسد.

و”قصارى القول” برنامج سياسي حواري يقدمه الإعلامي سلام مسافر، ويعرض على قناة “روسيا اليوم ” كل اثنين وخميس من كل أسبوع في الساعة 20:00 بتوقيت موسكو.

واستضافت الحلقة التي أعلنت القناة حذفها فراس طلاس، تحت عنوان “سورية.. خريف البطريرك”، في إشارة إلى رواية الأديب الكولومبي، غابريل ماركيز، والتي تسخر من التسلط والفساد في الطبقات الحاكمة.

وتحدث طلاس خلال المقابلة عن تراكم الثروة في يد عائلة الأسد ودور خال الأسد في إدارة مشاريع وأموال، ولاسيما بعد حرب تشرين عام 1973، وتدفق الأموال الخليجية على الخزينة السورية تحت شعار دعم الصمود.

واتهم طلاس خلال المقابلة محمد مخلوف بالاستعانة بخبراء من لبنان وبريطانيا، لتأسيس إمبراطورية مالية استندت إلى مبيعات النفط.

ويرى طلاس في أزمة رامي مخلوف مع حكومة النظام مؤشرًا على صراع لتقاسم الثروة بين أسرة بشار الأسد وعقيلته أسماء، وبين أسرة مخلوف التي ينبغي عليها التنازل عن جزء من ثروتها لصالح أسرة الأسد.

ولم ينشر فراس طلاس أي رد على حذف قناة “روسيا اليوم” للحلقة حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

وأثار عرض هذه المقابلة انتقادات الموالين للنظام السوري، واتهموا قناة “روسيا اليوم” بأنها معادية لسوريا “شعبًا وجيشًا وأسدًا” على حد تعبير سفير سوريا السابق في الأردن بهجت سليمان.

وبحسب موقع “اقتصاد”، انتقل محمد مخلوف بأمواله في العام 2012 للعيش في روسيا، ولم يعد منذ ذلك التاريخ إلى سوريا

وسبق أن ظهر فراس طلاس في ذات البرنامج مرتين خلال العام الماضي.

ومؤخرًا، ظهر رامي مخلوف ابن محمد مخلوف في تسجيلين مصورين كشف خلاهما عن خلافات بين شركاته وبين حكومة النظام، التي تطالبه بتسديد ضرائب وغرامات بمبلغ يتجاوز 233 مليار ليرة.

وخلال التسجيل الأول استجدى مخلوف الأسد التدخل لحل ذلك الخلاف، فيما حملت لهجة مخلوف في التسجيل الثاني نوعًا من التهديد، عندما أشار بالقول إلى أن الأمور بينه وبين السلطة انقلبت، مؤكدًا أن ما يُطلب منه يصعب تحقيقه.

ويُعتبر مخلوف من أبرز الشخصيات الاقتصادية في سوريا، ويمتلك بالإضافة إلى شركة “سيرتيل”، جمعية “البستان”، وإذاعات موالية للنظام السوري، كما يملك صحيفة “الوطن” الخاصة، ويدير شركات للسيارات، إضافة إلى نشاطات اقتصادية تتمثل في قطاعات مختلفة مثل الصرافة والغاز والتجارة والعقارات.

ووفقا لصحيفة “تايمز” البريطانية، سيطر رامي مخلوف على نحو 60% من الاقتصاد السوري قبل اندلاع الثورة عام 2011.

فراس طلاس في مقابلة تتضمن مواضيع سورية حساسة: الأسد همش ضباطه الكبار

تحدث رجل الأعمال السوري فراس طلاس، أن رئيس النظام، بشار الأسد، لم يستمع إلى كبار الضباط في عهد والده، بداية الثورة السورية، في مقابلة تضمنت الحديث عن عدد من المواضيع الحساسة التي رسمت السياسة السورية في زمن والده وزير الدفاع الأسبق، مصطفى طلاس.

وأوضح طلاس، لقناة “روسيا اليوم”، عبر برنامج “قصارى القول” أمس، الاثنين 4 من تشرين الثاني، أن عددًا من الضباط، من بينهم علي دوبا، عدنان بدر حسن، شفيق فياض، عز الدين الناصر، وأحمد ضرغام، التقوا مع والده (وزير الدفاع الأسبق، مصطفى طلاس وصديق الأسد الأب المقرب) في بداية الثورة السورية، وطلبوا إجراء لقاء عاجل مع الأسد، واتصل والده بمكتب الأسد عدة مرات، ولم يحصل على موعد.

لكن ابنه العميد مناف طلاس، قائد “اللواء 105” بالحرس الجمهوري، والمقرب من الأسد اتصل به وأخبره رد الأسد، بأن هؤلاء الضباط “إذا كانوا جايين ليحكوا (للأسد) عمتشتغل غلط ما عمتشتغل صح، ما بدو يسمع”، وأضاف مناف على لسان الأسد أن الضباط “ليست لهم علاقة بالبلد”.

كما شرح طلاس أسباب عدم سقوط النظام برأي والده، الذي قال له إن سقوط النظام السوري يعني سقوط النظام العالمي، ولا تستطيع حتى الدول العربية إسقاطه، “لأن حافظ الأسد هو من نسجه داخل النظام العالمي وسيسقطان معًا حال سقوطه، ولن يسلم النظام السلطة، ولن تروا في سوريا حجرًا على حجر”.

كوهين وعماد مغنية

وأشار طلاس إلى أن من يعرفون مكان جثة العميل الإسرائيلي كوهين، المدفونة في سوريا، شخصان أو ثلاثة فقط، وفي الستينيات غير مكان قبره مرتين، ولا توجد سجلات للتغيير.

وتطالب إسرائيل بتسليم جثة رفات كوهين إلى اليوم، وسبق أن حصلت على رفات جندي إسرائيلي من سوريا بوساطة روسية، في نيسان 2019.

وقال طلاس إن مدير المكتب العسكري للأسد، العميد محمد سليمان، كان وراء مقتل القيادي في حزب الله، عماد مغنية، الذي قتل في دمشق عام 2008، نتيجة “علاقات عميقة مع إسرائيل والولايات المتحدة”، ليعود حزب الله ويغتال سليمان، في طرطوس قنصًا بثلات طلقات.

ولم يخرج العماد مصطفى طلاس من سوريا، إلا بعد قرار ابنيه فراس ومناف، بالخروج من سوريا عام 2012، لأنهما وقفا مع صوت الضمير ومطالب الشعب، على حد تعبيره، و”صدر قرار بقتلهما”.

من هو فراس طلاس؟

ولد طلاس في مدينة الرستن بريف حمص الشمالي، في آب 1960، ويعتبر من أبرز رجال الأعمال السوريين، إذ كانت له علاقات وحركات تجارية صنفت في المرتبة الثانية بعد نشاطات رامي مخلوف، ابن خالة رئيس النظام السوري، بشار الأسد، حتى أطلق عليه لقب “ملك السكر”.

محطات وحسابات اقتصادية كبيرة في خزينة طلاس، أبرزها مجموعة “ماسة الاقتصادية” التي أسسها مطلع 1980، والتي نشطت في المجال الزراعي، إلى أن وصلت إلى السودان بفروع تهتم بالمسالخ وتصدير اللحوم بجميع أنواعها إلى دول الخليج.

وفي تقرير نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، سابقًا، وصفت طلاس بأنه “ملك السكر والملياردير الكبير وتاجر سلاح ومستورد المواد الغذائية والأدوية، والمورّد الأساسي للجيش السوري وأجهزة الأمن”.

وجاء الوصف بعد إعجاب طلاس بإسرائيل، عبر “فيس بوك”، بالقول “منذ 17 سنة وأنا أنتمي إلى مجموعة من المعجبين بدولة إسرائيل”.

ويعتبر الممول الرئيسي لكتائب “الفاروق”، مطلع الثورة السورية، التي أسسها ابن عمه الملازم المنشق، عبد الرزاق طلاس، في حي بابا عمرو بمدينة حمص، وشاركت في المعارك الأولى ضد قوات النظام السوري في المدينة.

وخلال البحث في مسيرة رجل الأعمال “البارز”، تتسم جميع الأعمال التي بدأها، سواء على الأراضي السورية أو خارجها، بشيء من “الغموض”، خاصة مشروعه في تركيا تحت مسمى “تيار الوعد” السوري، ووجهت له عدة اتهامات فيما يخص “الثورة المضادة” للثورة السورية، والفصائل العسكرية العاملة تحت رايتها.

——————–

“روسيا اليوم” تحذف مقابلة فراس طلاس

حذفت قناة “روسيا اليوم” التابعة للكرملين، حلقة من برنامج “قصارى القول”، استضافت فيها ابن وزير الدفاع الأسبق ورجل الأعمال السوري، فراس طلاس، ناقشت فيها فساد محمد مخلوف، خال رئيس النظام السوري، بشار الأسد، ووالد رجل الأعمال رامي مخلوف.

وحذفت الشبكة الروسية المقابلة من صفحتها في “فايسبوك” وقناتها في “يوتيوب”، وذكرت “روسيا اليوم” في موقعها الإلكتروني أنها حذفت “المادة المتضمنة للمقابلة لمخالفتها المعايير الرئيسية للمحطة ولورود معلومات لا تستند إلى حقائق مؤكدة”، حسب تعبيرها، علماً أن الحلقة عرضت في الرابع من أيار/مايو الجاري، وأثارت ردود أفعال غاضبة من طرف شخصيات موالية للنظام.

على سبيل المثال، نشر اللواء السوري المتقاعد بهجت سليمان، تغريدتين اتهم فيهما مقدم البرنامج، سلام مسافر، بأنه “صهيوني مرتزق مكلف بالتشهير بالدولة السورية”، مضيفاً: “إحذروا هذا المخلوق: هو بيدق إعلامي صهيوني مرتزق لنواطير الكاز والغاز: مكلف بمهمة التشهير بالدولة الوطنية السورية على قناة RT الروسية. وهو يقوم بتلك المهمة القذرة متلطياً في قناة روسية”.

    [ إحذروا هذا المخلوق ( سلام مسافر ) : هو بيدق إعلامي صهيوني مرتزق لنواطير الكاز والغاز : مكلف بمهمة التشهير بالدولة الوطنية السوورية على قناة ال RT الروسية .. وهو يقوم بتلك المهمة القذرة متلطيا في قناة روسية . ]

    — د. بهجت سليمان (@drbahjat49) May 7, 2020

ولم تحدد القناة طبيعة المعلومات التي وصفتها بأنها لا تستند إلى حقائق، غير أن طلاس تحدث خلال الحلقة عن فساد محمد مخلوف، شقيق زوجة حافظ الأسد. وحملت الحلقة عنوان “سورية.. خريف البطريرك”، في إشارة إلى رواية الأديب الكولومبي، غابريل غارسيا ماركيز، والتي تسخر من التسلط والفساد في الطبقات الحاكمة.

وتحدث طلاس خلال المقابلة عن تراكم الثروة في يد عائلة الأسد، ودور خال الأسد في إدارة مشاريع وأموال، وتحديداً بعد حرب تشرين 1973، وتدفق الأموال الخليجية على الخزينة السورية تحت شعار دعم الصمود. واتهم طلاس، خلال المقابلة، محمد مخلوف، بالاستعانة بخبراء من لبنان وبريطانيا، لتأسيس إمبراطورية مالية استندت إلى مبيعات النفط، حسبما نقلت وسائل إعلام سورية معارضة رصدت المقابلة.

وسبق أن ظهر طلاس في البرنامج نفسه، مرتين، خلال العام الماضي. لكن ظهوره الأخير أتى بالتزامن مع مقطعي فيديو نشرهما رامي مخلوف كشف خلاهما عن خلافات بين شركاته وبين حكومة النظام التي تطالبه بتسديد ضرائب وغرامات بمبلغ يتجاوز 233 مليار ليرة. وعلق طلاس على هذه الأزمة بأنها مؤشر على صراع لتقاسم الثروة بين أسرة بشار الأسد وزوجته أسماء، وبين أسرة مخلوف التي ينبغي عليها التنازل عن جزء من ثروتها لصالح أسرة الأسد، حسب تعبيره.

ورغم حذف المقابلة، إلا أن جمهور الموالين مازال يهاجم الشبكة الروسية. وكتب اللواء سليمان مجدداً في “تويتر”: “إن شطب حلقة الجاسوسين سلام مسافر وفراس طلاس من صفحة محطة RT، إجراء غير كاف. وهو نوع من الضحك على اللحى. بعدما قيل ما قيل، وانتشر ما انتشر. والإجراء المناسب هو طرد سلام مسافر من RT لأنها باتت بوجوده تعطي انطباعاً بأنها معادية لسورية شعباً وجيشاً وأسداً، بل تبدو مشابهة للجزيرة وللعبرية (العربية)”.

    إن شطب حلقةالجاسوسين(سلام مسافر وفراس طلاس)من على صفحةمحطةR T ،إجراءغير كاف,وهو نوع من الضحك على اللحى,بعد أن قيل ما قيل وانتشر ما انتشر.

    والإجراءالمناسب هو طرد(سلام مسافر) من ال R T,لأنها باتت بوجوده تعطي انطباعابأنها معاديةلسورية,شعبا وجيشا وأسدا,بل تبدومشابهةللجزيرةوللعبرية. pic.twitter.com/HMtIw68cMD

    — د. بهجت سليمان (@drbahjat49) May 9, 2020

——————————–

موقع بريطاني: رامي مخلوف ما زال في سوريا

قال موقع “MiddleEastEye” البريطاني، إن رامي مخلوف، رجل الأعمال وابن خال رئيس النظام السوري، بشار الأسد، لم يغادر سوريا، مستبعدًا بذلك الأنباء التي رجّحت قبل يومين أن يكون في الإمارات، خاصة مع ظهوره بتسجيلات مصورة قال فيها إنه يتعرض للتهديد والابتزاز.

وأضاف الموقع اليوم، الخميس 7 من أيار، أن مخلوف لا يزال في أحد منازله في سوريا، مشيرًا إلى أنه لم يُعتقل بعد.

وكانت مؤسسة “جيرنيكا 37- غرفة العدالة الدولية” المعنية بالقضايا القانونية والدولية، قالت في بيان نشرته عبر موقعها على الإنترنت، في 4 من أيار الحالي، إن مخلوف يُشتبه بوجوده حاليًا في الإمارات العربية المتحدة، على الرغم من إدراجه على قائمة العقوبات الأمريكية والأوروبية لضلوعه في عمليات فساد عام، وتمويله التدمير الوحشي للثورة المؤيدة للديمقراطية منذ عام 2011.

وأضافت الشبكة أن رامي مخلوف جزء من مشروع إجرامي يقوده الرئيس السوري، وتنفذه شبكة من المؤيدين داخل أفرع مخابرات النظام، داعية إلى محاكمته.

وكان موقع “امارات افيرز” نقل عن مصادر سورية خاصة، أواخر عام 2019، أن رجل الأعمال رامي مخلوف سيغادر سوريا إلى الإمارات، بعد قرار سابق بالحجز على أمواله بتهمة التهريب وبهدف ضمان حقوق الخزينة العامة.

وخلال الأيام الماضية، ظهر مخلوف في مناسبتين على منصات التواصل الاجتماعي، عقب خلافات بين شركاته وحكومة النظام، التي تطالبه بدفع ضرائب وغرامات تقدر بـ233 مليار ليرة سورية.

وناشد مخلوف في المناسبة الأولى الأسد، لمساعدته في حل قضية الاتهامات التي وُجّهت لشركة “سيرتيل” المملوكة له، ودعمه في عدم انهيارها، نافيًا تهربه من تسديد الضرائب المترتبة على شركاته.

بينما أبدى في المناسبة الثانية استغرابه من قيام الأجهزة الأمنية باعتقال موظفين من شركاته، متسائلًا كيف تعتقل الأجهزة الأمنية موظفي رامي مخلوف الذي كان دائمًا خادمًا لهذه الأجهزة؟

ويُعتبر مخلوف من أبرز الشخصيات الاقتصادية في سوريا، ويمتلك بالإضافة إلى شركة “سيرتيل”، جمعية “البستان”، وإذاعات موالية للنظام السوري، كما يملك صحيفة “الوطن” الخاصة، ويدير شركات للسيارات، إضافة إلى نشاطات اقتصادية تتمثل في قطاعات مختلفة مثل الصرافة والغاز والتجارة والعقارات.

—————–

تسجيلات رامي مخلوف تنبش فضيحة صفقة الخليوي المغيبة في سوريا

الدراسة التي أعدها المعارض السوري رياض سيف والتي كشفت فساد “صفقة الخليوي” في سوريا والتي كانت “سيريتيل” لمالكها رامي مخلوف طرفًا فيها

قبل 21 عامًا شهدت سوريا “أخطر وأكبر” قضية فساد في ذلك الوقت، إذ حملت ما تعرف بـ”قضية عقود الخليوي” أضرارًا اقتصادية وتنموية واجتماعية، نسجت خيوطها الأولى عام 1999، حتى توقيع عقدين مجحفين يلحقان أضرارًا بالغة بالمصلحة العامة في 12 من شباط 2001.

ناشد قبل أيام قليلة رجل الأعمال السوري، رامي مخلوف، رئيس النظام السوري، بشار الأسد، بمساعدته في حل قضية الاتهامات التي وجهت لشركة الاتصالات “سيريتيل” المملوكة للمخلوف ودعمه في عدم انهيارها.

وجاء ذلك في تسجيل مصوّر نشرته صفحة “رامي مخلوف” عبر “فيس بوك” يوم الجمعة، 1 من أيار، في أول ظهور إعلامي له منذ سنوات، عندما أعلن تنازله عن أملاكه لمصلحة المؤسسات الخيرية.

اوفي الوقت الذي يتداول فيه المستخدمون عبر وسائل التواصل الاجتماعي هذا التسجيل المصور، كشفت جمانة سيف عن دراسة كتبها والدها المعارض السوري رياض سيف، حول كل ما يتعلق بعقود الهاتف الخليوي في سوريا.

    رداً على رامي مخلوف, قصة قضية عقود الخليوي من والدي رياض سيف:سأشارك الدراسة كاملة ( المؤلفة من 96 صفحة) التي أعدها…

    Gepostet von Joumana Seif am Samstag, 2. Mai 2020

قدم سيف في عام 2001 دراسة تفصيلية من وجهة نظره مستعينًا بما لديه من وثائق حينها وبمساعدة من المختصين في مجال الاتصالات والتنمية والمهتمين بالشأن العام.

قبل إغلاق القضية

بعد خمسة أيام من توقيع عقود صفقة الخليوي، في 17 من شباط 2001، وجه النائب سوري في مجلس الشعب حينها مأمون الحمصي أسئلة حول الصفقة، طالبًا حضور الحكومة للرد عليه.

وفي الجلسة النيابية المنعقدة في 26 من آذار، حضرت الحكومة وقدم وزير المواصلات آنذاك، محمد رضوان مارتيني، تقريرًا أكد فيه نزاهة العقود وقانونيتها وفوائدها الكبيرة للبلد، ليعلن رئيس مجلس الشعب بذلك إقفال باب النقاش وطي الملف.

ضياع 200 مليار ليرة

قاطع رياض سيف وقتها رئيس المجلس، مطالبًا إياه بعدم إغلاق الملف، قائلًا إن تلك الصفقة ستضيع على الشعب السوري 200 مليار ليرة سورية، مستندًا على دراسة تفصيلية لإثبات ذلك، مما اضطر رئيس المجلس لإغلاق مناقشة القضية.

تحذيرات بالسجن

تسرد جمانة سيف كيف نصح وزير المواصلات مارتيني المعارض السوري رياض سيف بالابتعاد عن القضية لخطورتها، حين زاره سيف ليطلب المساعدة في الحصول على وثائق تكشف عن الضرر الناتج عن تلك الصفقة.

وكانت نصيحة مارتيني لسيف حينها، التحذير بوجود نية لسجنه هو والدكتور المعارض عارف دليلة، إذا أصرا على متابعة ملف “صفقة الخليوي”.

الخسارة للدولة والمربح للشركات

حصلت عنب بلدي على نسخة من تلك الدراسة التي كتبت في 96 صفحة، وأوضحت الجدوى الاقتصادية لصفقة الخليوي وأهمية تبيانها من التعتيم الكامل.

وتؤكد دراسات الجدوى الاقتصادية للعقود بعد مقارنتها بالخيار الأمثل لاستثمار قطاع الاتصالات في سوريا، أن ما يضيع على الدولة خلال الـ15 عامًا المقبلة يقدر بـ400 مليار ليرة سورية، وفقًا لصفحات الدراسة.

وبينما تخسر المصلحة العامة هذه الأرقام الكبيرة، تحقق الشركتان المتعاقدتان “سيريتيل” و”سبيستل (إم تي إن لاحقًا)” أرباحًا احتكارية وغير عادلة تتراوح بين 200 إلى 300 مليار ليرة سورية.

ويوضح سيف في دراسته ما تعنيه تلك الأرقام، فإن مبلغ 200 مليار ليرة يعادل مجموع كتلة الرواتب والأجور والتعويضات لجميع العاملين في وزارات العدل والتعليم العالي والتربية والصحة والشؤون الاجتماعية العدل، في ذلك الوقت، والذين يعيلون ما يقارب المليون مواطن سوري على مدى 15 سنة كاملة.

200 مليار ليرة تساوي مجموع رواتب 220 ألف موظف عصامي في الدولة بخمسة آلاف ليرة شهريًا على مدى 15 سنة كاملة، وفقًا للدراسة.

التهرب الضريبي في “جزر العذراء”

وقعت صفقة الخليوي هذه مع شركتين أجنبيتين محدوتي المسؤولية، رأسمال كل منهما 50 ألف دولار أمريكي فقط، مسجلتين في “جزر العذراء البريطانية” وقد سجلت إحداهما قبل أربعة أيام من تاريخ إعلان مناقصة الخليوي مع إغفال اسم المسؤول والمدير العام لهما.

تعد “جزر العذراء” هذه “جنة الضرائب”، وفق الدراسة، حيث لا تدفع الشركات المسجلة فيها إلا الرسم السنوي مقابل عنوان الشركة وصندوق البريد، ولذلك فهي تستقطب الشركات الهاربة من الضرائب وشركات غسيل الأموال.

والشركتان المشغلتان (سيريتيل وسبيستل) كلاهما كانتا قيد التأسيس في ذلك الوقت، ولا تملكان أي خبرة في مجال الاتصالات، ولم تأخذا الصفة القانونية في وقت تاريخ كتابة الدراسة.

يملك رامي مخلوف شركتي “سيريتيل” و”إم تي إن” (سبيستل سابقًا) المشغلتان الوحيدتان لخدمة الاتصال الخليوي في سوريا، وهو الابن البكر لمحمد مخلوف، أخ زوجة الرئيس السابق، حافظ الأسد، والمقرب منه.

التعتيم على الصفقة

وفي اليوم الأول من عودة المجلس للانعقاد، في 15 من أيار 2001، طالب رياض سيف بتشكيل لجنة للتحقيق في موضوع “صفقة الخليوي”، وأيده في ذلك أكثرية أعضاء المجلس.

وقدم مذكرة من ستة صفحات تحت عنوان “لماذا التعتيم على صفقة الخليوي؟”، وزعها على كبار المسؤولين وعلى زملائه في مجلس الشعب، وطلب نشرها في جريدة “تشرين” الحكومية، لكن ذلك لم يتحقق.

وفي تاريخ 11 من حزيران من العام نفسه، حضر رئيس مجلس الوزراء للرد على سؤال سيف الخطي، مقدمًا اقتراحًا بإحالة الموضوع إلى لجان المجلس، وتم تكليف لجنتي القوانين المالية والخدمات بدراسة الموضوع.

قبل أربعة أيام من انتهاء الدورة التشريعية اجتمعت اللجنة المشتركة وحضر المدير العام للمؤسسة العامة للاتصالات مصطحبًا نسخة من الوثائق المتعلقة بالعقود، تحوي مئات الصفحات ومعظمها باللغة الإنجليزية، سلمها لرئيس اللجنة مؤكدًا اعتبارها وثائق سرية يحظر تداولها، وتحت إصرار أعضاء اللجنة على توزيع نسخ من الوثائق على أعضائها تمت الموافقة على ذلك.

حرص رئيس المجلس ووزير المواصلات حينها على إنجاز تقرير اللجنة قبل العطلة كان واضحًا بحسب منشور سيف، وكان من أهم ما أكده الوزير، هو أن التصديق النهائي للعقود لم يتم بعد، ونجحت اللجنة في تمديد المهلة الممنوحة لإنجاز عملها إلى الدورة التالية.

وحاولت في تلك الفترة وسائل الإعلام الرسمية تكذيب ما قدمه سيف من معلومات وأرقام، وقال “عندما طلبت من وسائل الإعلام نفسها نشر ردي على ما أوردته بهذا الشأن كان الجواب بالرفض دائمًا”.

إن منح شركات أجنبية امتياز إدارة واستثمار مرفق عام تملكه الدولة يتطلب إصدار قانون خاص حسب المادة 71 من الدستور السوري المعمول فيه بذلك الوقت.

إلا أن رغبة المستفيدين من العقود بإبرام الصفقة وسعة نفوذهم مكناهم من الالتفاف على الدستور، وإتمام الصفقة بسرية مطلقة، وفقًا لدراسة سيف.

حكومة الزعبي و”فضيحة B.O.T”

“ومما أثار الريبة أكثر هو الخوف الذي كان يسيطر على رئيس مجلس الوزراء، محمود الزعبي، في تلك الفترة من تمرير الصفقة”، وفق الدراسة.

إذ قدم مدير عام مؤسسة الاتصالات مذكرة لرئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 3 من شباط 2000 ترجح اختيار طريقة الـ”B.O.T” في التعاقد فيما يخص صفقة الخليوي، وهو ما لم يكن موافقًا عليه من الزعبي.

يلاحظ سيف في دراسته هيمنة قضية الخليوي على اهتمامات حكومة الزعبي في الأيام الأخيرة من عمره، والذي وافق على خيار الـ”B.O.T” في نفس يوم إقالة حكومته، وبقي رئيس مجلس الوزراء الجديد، محمد مصطفى ميرو، والوزراء ومؤسسة المواصلات مصرين على أن الزعبي هو من وافق على خيار الـ”B.O.T” قبل إقالته بساعات.

وكل الوثائق تشير إلى أن رئيس الوزراء الزعبي لم يعطِ موافقته على ذلك الخيار حتى صباح يوم استقالته.

يقول سيف في دراسته إن رفض الزعبي لخيار الـ”B.O.T” كان سببًا في إقالته، وقد كانت العداوة بين كل من محمود الزعبي وسليم ياسين (نائب رئيس الوزراء لشؤون الاقتصاد) مع محمد مخلوف معروفة للجميع، وكانا يشتكيان دائمًا من تغول محمد مخلوف على كل المشاريع الاقتصادية، وفقًا لسيف.

إن اختيار نظام الـ”B.O.T” كانت بمثابة “فضيحة”، حسب تعبير الدراسة، الذي أعطى المستفيد هدية ثمينة بتخفيض حصة الخزينة من العائدات من 40% إلى 30% في السنوات الثلاث الأولى من العقود، “لكي لا تتحمل الحكومة الجديدة تبعات هذا العقد المجحف”.

وقدرت المؤسسة العامة للاتصالات بتاريخ 7 من آذار 2000، وفقًا للدراسة ربح الشركتين قبل دفع الضريبة بـ 121.815 مليارًا عن مليون وسبعمئة ألف خط كحد أعلى، يحول منها 36% للخزينة كضرائب، ليصبح الربح الصافي للمستفيد 77 مليار ليرة فقط.

عدم صلاحية نظام الـ”B.O.T”

إن مبدأ “B.O.T” غير صالح للاستثمار في مجال الاتصالات لأسباب موضوعية، فالاتصالات وعالم التكنولوجيا بشكل عام سريع التطور وهناك الكثير من المتغيرات فيه بشكل دائم، وما يناسب هذا النظام من التعاقد هو المشاريع الثابتة وطويلة الأجل مثل بناء صوامع للحبوب أو محطات القطار أو البنى التحتية.

ويتم بناء هذه المشاريع واستثمارها لعدد من السنوات (10 إلى 20 سنة) من قبل الشركة المتعاقدة وتعود ملكياتها بعد انقضاء مدة العقد للدولة.

أن إصرار المؤسسة على اعتماد هذا المبدأ سهل إعفاء المستثمر من دفع 100 مليار ليرة سورية على الأقل، كدفعة مقدمة، وأتاح له استغلال كوادر المؤسسة وبنيتها التحتية بعيدًا عن أي آلية فاعلة للمراقبة.

مذكرة 7 من آذار 2000

أعدت هذه المذكرة في يوم استقالة حكومة الزعبي، وتبين هذه المذكرة التفصيلية الحرص الشديد من إدارة مؤسسة الاتصالات على تزيين خيار الـ”B.O.T”، إذ تحذر المذكرة من مغبة قيام المؤسسة بتشغيل الهاتف الخليوي والذي سوف ينعكس سلبًا على نوعية وجودة الخدمة وحجم العائدات المتوقعة حسب زعمها.

بينما تصف المؤسسة الـ”B.O.T” بأنه يدر على الخزينة أرباحًا طائلة دون الحاجة إلى استثمار أي أموال، ودون تعريض الدولة لأي مجازفة، وأنه يقدم للمواطنين خدمات أفضل، ويشجع على تحسين مناخ الاستثمار، مقابل نسبة أرباح قليلة يجنيها المتعاقد لقاء توظيفه لرأسمال كبير وما يدفعه من فوائد على رأس المال وما يتحمله من مخاطر في المشروع.

وقد تم التلاعب بالأرقام بما يخدم هدف المؤسسة المتمثل بإقناع الحكومة بضرورة تنازل المؤسسة عن تشغيل هذا المشروع لصالح صاحب العقود المستفيد، وفقًا للدراسة.

النتيجة.. سجن “عدرا”

يعتقد المعارض رياض سيف أن توزيعه لآلاف النسخ في عام 2000 من تلك الدراسة، كان أحد أهم الأسباب الرئيسة في قرار السلطة السورية باعتقاله بعد فترة لا تتجاوز الشهر من فضح صفقة الخليوي.

حوكم رياض سيف وأودع سجن “عدرا”، على الرغم من كونه عضوًا في مجلس الشعب في ذلك الوقت.

عنب بلدي

—————————-

صراع الأسد-مخلوف:مسلسل رمضاني بطولة رامي وأسماء

جريء يتحدى طاغية وزوجته التي لا ترحم وتريد تسديد الحساب مع العائلة الأوليغارشية، فيما غنائم الأمة على المحك. قد يصلح هذا لمسلسل تلفزيوني رمضاني، لكن ليس هذا العام. وبدلاً من ذلك، تم وضع كل مؤامرات الأسرة الحاكمة في سوريا ضمن دراما واقعية مذهلة استحوذت على البلاد والمنطقة.

بهذه الكلمات تصف صحيفة “الغارديان” الصراع المستجد بين رئيس النظام السوري بشار الأسد وزوجته أسماء الأخرس من جهة، وبين آل مخلوف يتصدرهم ابن خال رئيس النظام السوري ورجل الأعمال الثري رامي مخلوف.

وتقول الغارديان إن الأسد وزوجته يقودان الممثلين في هذا المسلسل. لكن دور البطولة ذهب بالتأكيد إلى رامي مخلوف الذي قام الأسبوع الماضي بما لا يمكن تصديقه. لقد نشر غسيل العائلة الوسخ على “فايسبوك”.

مخلوف، أقوى قطب أعمال في سوريا وأثرى أثريائها طوال فترة حكم الأسد الابن التي استمرت 20 عاماً، اشتكى من أن ابن عمته كان يرسل شرطة سرية للاستيلاء على ممتلكاته وإغلاق أعماله. من خلال القيام بذلك، كشف عن صراع على السلطة يهدد الآن وجود النظام السوري بحد ذاته، ما أثار شقاً في الطائفة العلوية الحاكمة، وترك السوريين العاديين مرتاحين.

وتقول الصحيفة ساخرة: “من دون سخرية، تفاخر مخلوف بتمويل قوات الأمن السورية المكروهة، التي قامت بتعذيب واخفاء آلاف الأشخاص في تسع سنوات من الحرب، ثم اشتكى من أن موظفيه عوملوا بطريقة غير إنسانية”.

وتضيف الصحيفة أن إطلالات مخلوف كانت مثيرة للسخرية على نطاق واسع، نغمة تفتقر إلى الوعي، ومحتوى تحده محاكاة ساخرة. ولكن في الأيام التي تلت ذلك، ألقت التصريحات العلنية من السوريين الأقوياء نوعاً آخر من الإضاءة على الإطلالتين.

وتنقل الصحيفة عن فراس طلاس، نجل وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس، أن مخلوف صوبّ مباشرة في إطلالته على زوجة الأسد، أسماء، وأخوه ماهر.

ويقول طلاس إن مخلوف أراد إحداث “صدع” بين مناصري الأسد، عبر الطلب من بشار أكثر من مرة أن توزع الأموال على الفقراء وعدم السماح لآخرين بالسيطرة عليها، في إشارة إلى أسماء وماهر. ما زالوا جميعاً يدعمون النظام ولكن البعض يدعم رامي مخلوف متسائلاً لماذا يفعل الرئيس ذلك لابن عمته. هذا أمر غير مسبوق.

وقد دفعت التصريحات الجريئة لمخلوف وصراحة طلاس مؤيدي النظام وأعداءه إلى الإيحاء بأن روسيا ترعى الخلاف. في الأسابيع التي سبقت ظهور مخلوف، تحدث المسؤولون الروس عن خيبة أملهم من رئيس النظام السوري، حيث أشار دبلوماسيان سابقان إلى أنه قام بخطوات قليلة نحو حل سياسي، وهو شرط مسبق لإعادة الإعمار، التي طالما انتظرتها موسكو. كما أعرب الدبلوماسيون عن أسفهم لأداء الجيش السوري في ساحة المعركة، قائلين إن الأسد قد تم إنقاذه إلى حد كبير من الهزيمة ب25 طائرة روسية.

لكن مناصرين للأسد باتوا يشككون في فعالية الصواريخ الروسية المضادة للطائرات التي لم تفعل شيئاً لوقف الهجمات الإسرائيلية المتكررة على أهداف إيرانية داخل سوريا. منشورات مناصري الأسد على مواقع التواصل الاجتماعي، اشتكت من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرض حلولاً سياسية على سوريا لكنه لم يقدم سوى القليل من المساعدات الغذائية.

—————————-

“سيريتل”: “الرجوع عن الخطأ فضيلة”.. تسوية مع النظام؟

بعد ظهور رجل الأعمال السوري رامي مخلوف في مقطعَي فيديو، كشفا خلافات بينه وبين رئيس النظام بشار الأسد، أثارت شركة الاتصالات “سيريتل” التي يمتلكها، جدلاً جديداً، عبر منشور في “فايسبوك” لم يتجاوز أربع كلمات.

وقالت الشركة بشكل غامض: “الرجوع عن الخطأ فضيلة” بشكل مشابه لعنواني مقطعي الفيديو اللذين ظهر بهما مخلوف الأسبوع الماضي، ما أثار تساؤلات عن تسوية بين مخلوف والنظام السوري حول قضية الضرائب، التي اعترض مخلوف عليها والتي تقدر بنحو 130 مليار ليرة سورية.

وكتب أحد المعلقين في “فايسبوك”: “نعم رسالة من ثلاث كلمات، لها مدلولات وتباينت حولها التفسيرات. ترى: هل تمت تسوية الخلافات؟ هل سددت الضرائب؟ بالمناسبة رامي مخلوف لم يخرج من سوريا”. هل تذكرون أنه في سوريا وعلى مدار خمسين سنة، لم يُحاسَب لص، الحساب القاسي كان طيلة كل هذه السنوات فقط على جرائم الرأي، على تباين المواقف السياسية، على ما يتعلق بأمن النظام”.

وقال معلق آخر: “حصل كما هو متوقع حرفياً. تراجع واضح وأسف وإعتذار ضمني من رامي مخلوف عن كل ماصدر منه في الفيديوهات الأخيرة السابقة والتي إكتفى بوصفها بعبارة واحدة فقط … لكن هذه المرة بدون ظهور في فيديو جديد بل الإكتفاء فقط بتغريدة عامة ومختصرة كتبت على صفحة شركته العامة سيريتل”.

وكانت الهيئة الناظمة للاتصالات، التابعة لوزارة الاتصالات في حكومة النظام، أعلنت أنه كان من الواجب على شركة “سيريتل”، أبرز شركات مخلوف، دفع المبلغ بحد أقصى في 5 أيار/مايو الجاري، لكن اليوم المحدد مر من دون أي إعلان رسمي، عما إذا كانت الشركة دفعت المبلغ المحدد أم لا.

ومنذ نهاية العام الماضي، كثف الأسد حملاته على مخلوف، فأطلق أحكاماً انتقد فيها شركات ومصالح الأخير، وآخرها حين أصدرت المديرية العامة للجمارك التابعة للنظام في سوريا قراراً بإلقاء الحجز الاحتياطي على أمواله مع آخرين من رجال الأعمال، ويضمن قرار الجمارك الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة لمخلوف وزوجته أيضاً.

————————–

طائفية رامي مخلوف ووطنية بشار الأسد/  منار الرشواني

عمان- في خضم الجدل المحتدم بشأن المفاجأة التي فجرها رامي محمد مخلوف -وهي مفاجأة لناحية كشفه عن نزاع داخل الحلقة الأضيق للنظام على الغنائم الاقتصادية، كما لناحية اكتشافه هو ذاته لوجود فساد في سوريا ومعاملة غير إنسانية لا تراعي حقوق الإنسان على يد الأجهزة الأمنية- ظهر بشار الأسد للحديث أخيراً عن وباء كورونا المستجد وتداعياته. وهو الذي لم يفعل ذلك في ذروة الذعر من الوباء، خلافاً لأغلب قادة دول العالم بمن ذلك حليفاه الروسي فلاديمير بوتين والإيراني حسن روحاني.

أحد تفسيرات ظهور الأسد الأخير والمتأخر، كانت رغبته، كما ذهب البعض، في تسخيف “زوبعة” ابن خاله وكشفه واكتشافاته. دليل ذلك أنه قرر الظهور للحديث عن موضوع هامشي وتافه بمعايير الأسد، ابناً ومن قبله أباً، وهو صحة المواطن وأحواله المعيشية. لكن اختيار الأسد للمواطن الذي سُخرت كل إمكانات النظام لإفقاره وإذلاله على مدى نصف قرن، قد ينطوي على رسالة أعمق بكثير مما قد يبدو على السطح وللوهلة الأولى.

كما أدرك كثيرون، توجه رامي مخلوف في حديثه إلى فقراء الحاضنة الاجتماعية للنظام، أي الطائفة العلوية، محذراً بشكل واضح، لاسيما في الفيديو الثاني، من أنهم سيكونون أكبر المتضررين من تجريده من إمبراطوريته المالية، أو جزء منها على الأقل، نتيجة حتمية انقطاع المساعدات والصدقات التي يقدمها لهم عبر “مؤسساته الإنسانية” وتلك المخصصة لتمويل الشبيحة وذويهم.

في مقابل طائفية رامي مخلوف، لاسيما إذا ما أضيف الاستنتاج الآخر من حديثه والمتمثل في تحذيره من انتقال الثروة إلى أسماء الأخرس المنتمية إلى الطائفة السنية أو المحسوبة عليها، فإن بشار الأسد في لقائه مع ما يسمى “المجموعة الحكومية المعنية بمواجهة جائحة كورونا وتداعياتها”، كان يتحدث عن جوع وفقر وعوز المواطن السوري عموماً، كما حاجته إلى التعليم وحتى الذهاب إلى دور العبادة. ومثل هذه الوطنية -الإنشائية والكاذبة بداهة- إبان ما يفترض أنها واحدة من أخطر الأزمات التي يواجهها النظام الذي هو الأسد شخصياً، إنما تدلل على اطمئنان الأخير لتماسك الطائفة خلفه حتى وإن كان ذلك يعني خسران فقرائها الذين يشكلون الأغلبية “الفتات” الذي يقدمه مخلوف لـ”سد جوعهم”، وفق تعبير الأخير الذي يدلل على احتقار للفقراء، أو أقلها انحدار في ملكات وقدرات المتحدث.

إذ بعد أكثر من تسع سنوات من الحرب على الشعب السوري، والتي نجح الأسد في تحويلها –بمساعدة لا تقدر بثمن من “داعش” وهيئة تحرير الشام” وعدد من فصائل المعارضة- إلى حرب طائفية، فقد صار البقاء في السلطة من وجهة نظر حاضنة النظام الاجتماعية ليس أقل من صراع وجود وبقاء بالمعنى الحرفي للكلمة، بما لا يسمح بأي نزاع داخلي يؤدي إلى إضعاف الطائفة الذي يعني حتماً فناءها وفقاً للمعطيات القائمة الآن. وهي معطيات لم تنتج عن سنوات الحرب فحسب، بل تأسست خلال العقود الأسبق من حكم آل الأسد الذي استمر فقط بفضل إرهاب السوريين وتطييفهم.

هكذا، وفيما قد يعبر البعض ضمن الحاضنة الاجتماعية عن تعاطف مع رامي مخلوف وحتى غضب لأجله، يظل القاسم المشترك، منطقياً، بين أبناء هذه الحاضنة هو القلق حد الذعر من خروج الخلاف/النزاع الحالي عن السيطرة. وهو أمر إن حصل سيكون محسوماً لمصلحة الأسد، كونه البديل الوحيد المتاح، من وجهة نظر حاضنته، لاستمرار الحكم، ومنع المذبحة “المفترضة” لأسباب مفهومة طبعاً ولكنها ليست حقيقية بالضرورة ولا حتى غالباً. وبالتالي، سيكون مقبولاً التضحية برامي مخلوف، ليس بتجريده من إمبراطوريته أو جزء منها فحسب، بل وحتى تجريده من حياته (انتحاراً كما جرت العادة) إن اقتضى الأمر.

هذا الاستنتاج، الذي تؤكده مآلات محاولة رفعت الأسد الانقلاب على شقيقه حافظ في ثمانينات القرن الماضي، يعني أن أي اهتزاز وتداع حقيقيين في النظام يفضي إلى خلاص الشعب السوري منه، لن يكون ممكناً من دون تحرير الحاضنة الشعبية التي اتخذها آل الأسد رهينة منذ وصولهم إلى السلطة. وهو ما يفرض، ببداهة شديدة، وجود بديل وطني. لكنه، وبعيداً عن المكابرة والرغائبية في التحليل والاستنتاج، بديل يبدو الآن بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى، مع تهتك المعارضة السورية، لأسباب كثيرة ذاتية وخارجية، وتسيد المشهد تنظيمات وفصائل لا تقل طائفية وفساداً وإفساداً عن الأسد.

————————-

صراع الأسد – مخلوف: من يدفع الثمن؟/ آلاء نصار

عمان- أثار ظهور رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد والمهيمن على المشهد الاقتصادي في سوريا، عبر مقطعي فيديو على صفحته على “فيسبوك”، الكثير من علامات الاستفهام والتعجب داخل سوريا وخارجها. فعقب ثلاثة أيام من ظهوره النادر الأول الذي تحدث فيه عن بعض تفاصيل خلافه مع الحكومة السورية بشأن مطالبات مالية تتعلق بعمل شركته للاتصالات “سيرتيل” ومناشداً بشار الأسد التدخل، خرج مخلوف بفيديو ثان، في 3 أيار/مايو الحالي، بدا فيه جلياً سعيه إلى حشد أبناء الحاضنة الاجتماعية للنظام، أي الطائفة العلوية ولاسيما فقراؤها، خلفه، في صراعه مع محيطين بالأسد لم يسمهم، إضافة إلى الأجهزة الأمنية التي اعتقلت عدداً من مديري شركاته.

ويتمثل السبب المعلن والمباشر للخلاف في مطالبة الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد شركة “سيرياتيل” التي يمتلكها مخلوف، كما شركة الاتصالات الأخرى “MTN” بدفع مبالغ مستحقة لخزينة الدولة، مقدارها 233.8 مليار ليرة سورية. وبحسب ما ذكر مخلوف في الفيديو الأول، تبلغ حصة “سيرتيل” بين 125-130 مليار ليرة سورية (أو حوالي 178 مليون دولار بحسب سعر الصرف الرسمي البالغ 513 ليرة للدولار، و87 مليون دولار استناداً لسعر الصرف في السوق السوداء والمقدر بحدود 1400 ليرة للدولار.

وفيما بدا، من خلال التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، أن حديثي مخلوف العلنيين قد أديا إلى نوع من الجدل والاستقطاب داخل حاضنة النظام الاجتماعية، اعتبرت الشابة ريتا عيسى (اسم مستعار)، والتي تنتمي إلى الطائفة العلوية، أن “ما يجري بين رامي مخلوف والدولة السورية ليس إلا حرب مصالح”. مضيفة في حديثها إلى “سوريا على طول” أن “رامي يسعى إلى إشعال فتيل أزمة بين العلويين أنفسهم بمظلوميته التي خرج بها ليسيّر مصالحه. وهو من يملك حاشية موالية في الساحل”. محذرة أن “لذلك عواقب وخيمة في المستقبل، لأن رامي بما يملكه من أموال قد يستطيع فعل ما فعله رفعت الأسد [شقيق حافظ الأسد الذي حاول الاستيلاء على السلطة في ثمانينات القرن الماضي] والسفر إلى خارج سوريا من دون أن يتضرر، لكن من سيخمد الفتنة التي أشعلها؟”.

كذلك، علّق فراس الأسد الذي ذاع صيته مؤخراً بسبب منشوراته المتبرئة من أفعال عائلته ولاسيما والده رفعت، بأن “ما يحدث اليوم مع محمد مخلوف و أبناءه هو ما حدث مع رفعت الأسد في الثمانينات، مع الفارق الكبير طبعا حتى أكون موضوعيا -وكلكم يعرف موقفي من والدي- بين وزن رفعت الأسد ومكانته في الثمانينات وبين وزن الريشة -أو البرغشة- الذي يتمتع به اليوم السيد رامي”. مطالباً مخلوف بـ”الكف عن اللعب على وتر فقراء العلويين وتسمينهم كعجول لذبحهم عند الحاجة”.

وهو ما يؤيده الباحث الأردني في الشأن السوري، صلاح ملكاوي. ذلك أن “رامي مخلوف قد سقطت ورقته بالنسبة للعلويين”، كما قال لـ”سوريا على طول”، و”لن يؤثر ما فعله على شعبية بشار لديهم، وهو الذي مرّ بظروف أصعب من ذلك”. متوقعاً أن يكون مصير رامي مخلوف “الخروج من سوريا بصفقة، كما حصل مع رفعت الأسد”.

دور روسيا

شرع النظام السوري في الحجز على أموال مخلوف وشركاته منذ العام 2019. إذ كانت البداية بشركة “آبار بتروليوم سيرفيسز” المسجلة في بيروت، والتي تتمثل أنشطتها في صفقات نقل المواد النفطية. كما تم، في آب/أغسطس الماضي، إلغاء ترخيص جمعية البستان التي أسسها رامي مخلوف العام 1999 في اللاذقية، وكانت تقدم خدمات إنسانية لأبناء الطائفة العلوية بالدرجة الأولى. يضاف إلى ذلك إقفال مكاتب الحزب السوري القومي الإجتماعي، التابع لمخلوف.

إلا أن إعلان رامي مخلوف عن الخلافات داخل النظام تزامن مع حملة إعلامية روسية تناولت فساد الأخير وتراجع تأييد بشار الأسد.

في هذا السياق أشار مركز جسور للدراسات، ومقره تركيا، إلى أن أحد أسباب الخلاف الأخير القائم بين رامي مخلوف وبشار الأسد هو كون الأول “يزود الإعلام الروسي بتفاصيل حول سلوكيات الأسد وزوجته، وكان أبرزها قضية شراء بشار هدية لزوجته مؤخراً قيمتها 30 مليون دولار أمريكي”، في وقت ينهار فيه الاقتصاد السوري.

وذهب ملكاوي إلى أن أحد الأسباب المبطنة للخلافات الأخيرة بين عائلتي مخلوف والأسد، هو “تهريب محمد مخلوف وابنه رامي أموالهما خلال الأشهر الماضية باتجاه موسكو، في خطوة فسّرت من جانب بشار الأسد على أنها عرض من محمد مخلوف لروسيا، كي تطرح اسم ابنه رامي، كحليف قوي لروسيا، ليكون بديلا عن بشار الأسد، ويتولى زمام السلطة في سوريا خلال المرحلة الانتقالية التي يماطل بشار في الوصول إليها”.

لكن على النقيض من ذلك، رأى الباحث في الشأن الروسي نصر اليوسف، أن “رامي مخلوف ليس مقربا لروسيا، كما لا يخضع للحماية الروسية”. مضيفا في حديث إلى “سوريا على طول” أن “عدم اعتراف روسيا بالعقوبات واللوائح السوداء التي لم تخرج من مجلس الأمن، سمح لعائلة مخلوف أن تتحرك بحرية في روسيا، وتنقل الكثير من الأموال المنهوبة إلى هناك”. كما أن “وجود محمد مخلوف في روسيا لا يعني أن روسيا تتبنى ابنه رامي، لكن الروس مستفيدون من المليارات التي تصب في السوق الروسية من استثمارات هذه العائلة”.

في الوقت ذاته، بينما استفاد النظام من روسيا في تغطية تكاليف حربه على السوريين لسنوات، فإن العطاءات الاقتصادية تذهب، بحسب اليوسف، لصالح إيران والصين، ما خلق حالة من “عدم رضا الشركات الروسية بشأن كيفية التعامل معهم من قبل المسؤولين السوريين”.

وفي ظل الانهيار المستمر والمتلاحق لليرة السورية، والضغوطات الاقتصادية التي تعيشها سوريا، والتي لم تكن آخرها أزمة كورونا، تتصارع كل من روسيا وإيران على أخذ حصتهما من الاقتصاد. كما دفع ذلك بشار الأسد إلى استهداف رجال أعمال سوريين قبل رامي مخلوف، أبرزهم محمد حمشو العضو في مجلس الشعب السوري. وعدا عن سعيه إلى التعامل مع متطلبات حلفائه ومواجهة الأزمة الاقتصادية في سوريا، ذهب ملكاوي إلى أن “إزاحة بشار الأسد لمنافسيه يساعده على فرض نفسه مجددا وقدرته على المناورة، خاصة وأن روسيا تريد إطاحته من دون تغيير بنية نظامه”.

لكن يظل أن الخلافات الأخيرة ستكون لها “تداعيات كبيرة على ما تبقى من الاقتصاد السوري”، كما قال رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا، د. أسامة القاضي، لـ”سوريا على طول”. إذ إن “استبدال منظومة رامي مخلوف سيكلف الاقتصاد السوري ثمنا باهظا سيدفعه الشعب الذي صمت أو أرغم على الصمت”. موضحاً أن “كل الشركات التي يديرها [مخلوف] منذ عشرين عاما إلى الآن ستتعطل بشكل جزئي أو كلي إلى أن يتم استبدال هذه الواجهة بواجهة أخرى، أو أن تتصاعد الأمور إلى انشقاق كبير داخل الكتلة الصلبة حول نظام الأسد. وهذا بطبيعة الحال سيؤدي إلى ارتفاع مستوى البطالة، كما سيبدأ تهريب الأموال لمنظومة رامي مخلوف نفسها”.

وبحسب القاضي كان الناتج القومي لسوريا يبلغ 64 مليار دولار تقريبا، فيما لا يتجاوز الآن ثماني مليارات دولار، و”في ظل حرب تصفية الحسابات، فإن الخسارة ستكون كبيرة، خاصة وأنه لا يوجد قطاع في سوريا إلا ودخله رامي مخلوف”.

—————————–

رامي مخلوف… القصة الكاملة غير مكتملة

تحمل الإطلالة التلفزيونية لرامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد، الكثير من الرمزية المبطنة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، من حيث الشكل والمضمون والتوقيت… والسياق التاريخي القريب والبعيد.

الظهور في تسجيلين مدتهما 25 دقيقة، لا يحيد عن سياق الدور المعلن والمضمر خلال 25 سنة. قاعدة الانطلاق كانت أنه ابن محمد مخلوف «أبو رامي»، شقيق أنيسة زوجة الرئيس الراحل حافظ الأسد. ثم، دخل في مرحلة «المهندس رامي» بعد تخرجه في الجامعة. أما الصعود الاقتصادي، فبدأ نهاية التسعينات. وخلال العقد الماضي، عُرف بـ«الاستاذ رامي». كان رجل الظل والصفقات الكبرى. لم يكن مغرماً بالشاشة والواجهات العلنية.

ما الذي استدعى أن يغيّر رامي طقوسه ليطلّ تلفزيونياً «نصيراً للفقراء» ويناشد «سيادة الرئيس» التدخل لإنصاف «الذين كانوا موالين… وما زالوا»، منتقداً «الآخرين»؟

– الصعود

كان لمحمد مخلوف، شقيق أنيسة زوجة الرئيس الراحل حافظ الأسد، دور محوري غير مرئي في الاقتصاد السوري. انطلق من «مؤسسة التبغ – ريجي» الحكومية ليتجذر في رعاية صفقات اقتصادية كبرى خصوصاً في قطاع النفط من الإنتاج والتصدير في منتصف الثمانينات. كان «العرّاب الخفي» للاقتصاد وغيره، فيما ركز الأسد على البعدين العسكري والسياسي الأمني في بنية النظام.

مع التغير البيولوجي – الجيلي في الأسرة والنخبة الحاكمة، انتقل دور الجيل الجديد لأبناء المسؤولين من «الشراكات» في الشركات إلى قيادة قطاع الأعمال الخاص في النصف الثاني. كان أبرزهم «المهندس رامي»، فبدأ في «راماك» المختصة في «السوق الحرة» على البوابات الحدودية البرية والجوية.

بالتزامن مع وفاة الرئيس الأسد وانتقال الحكم إلى الرئيس بشار الأسد، اتجه رامي إلى قطاع الاتصالات الواعد. وبعد مفاوضات ومحاكمات واختبارات، حازت «سيريتل» وشركة أخرى منافسة هي «إم تي إن» من الحكومة السورية، على ترخيص «بي أو تي» في 2001، وباتت الشركتان تحتكران قطاع الاتصالات وعائداته. وقتذاك، تعرض باحثون ونواب سابقون، بينهم رياض سيف، لضغوط يعتقد معارضون أنها بسبب إثارة هذا العقد والاقتراب من «الخط الأحمر». كان عقد «سيريتل»، القاعدة التي اتسعت منها مجالات عمل واهتمام شركات مخلوف، لتشمل معظم قطاعات النفط والمال والمصارف والسياحة والتجارة، في مواكبة لمرحلة الانفتاح الاقتصادي الانتقائي في البلاد في بداية الألفية. الانفتاح، الذي يعتقد خبراء أنه ضَيّق حجم الطبقة الوسطى وركّز الثروة لدى عدد قليل وخصوصاً شركات مخلوف، كأنه أكل من القاعدة الشعبية التقليدية للنظام وأربك «العقد الاجتماعي» القائم خلال ثلاثة عقود من حكم الرئيس الأسد. ويذهب بعضهم إلى اعتبار هذا سبباً رئيسياً في احتجاجات 2011.

– أول اختبار

أطلق عليه منافسوه ومعارضون سياسيون «الوكيل الحصري لسوريا». حسده من أراد «حصة في الكعكة». انتقده من أراد طريقاً آخر للبلاد، سياسياً واقتصادياً. وكان أبرز المعارضين للمفاوضات التي كانت تجريها الحكومة مع الاتحاد الأوروبي لتوقيع «اتفاق شراكة» تضع قيوداً لمنع «الاحتكار الاقتصادي». تراكمت انتقادات وملاحظات وتحذيرات إزاء اتساع دوره، من قطاعات عائلية وطبقية وسياسية واقتصادية، فكان أول اختبار يحصل معه. وفي 2004 غادر إلى الإمارات وبقي هناك بضعة أشهر. وقال مسؤول اقتصادي سابق: «تلك السنة كانت الأفضل على صعيد تدفق الاستثمارات الخارجية إلى سوريا».

رامي قابل الاختبار بالصمت. حاول الاستثمار في الإمارات من دون ضجة. حصلت موجة أخرى من الضغوط الاقتصادية ودخلت سوريا في عزلة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، في 2005. توفرت شروط، داخلية وخارجية، استدعت عودته إلى البلاد وتوسيع دوره الاقتصادي. الهدف، كان نسخ «التجربة اللبنانية» في سوريا بما فيها المصارف التي كانت رئة الاقتصاد السوري. وبرز مصطلح «بيرتة (بيروت) دمشق». أي، لدى خروج الجيش من لبنان، سعى البعض إلى صنع «لبنان سوريا» في سوريا لتعويض ما فقد جراء الانسحاب خصوصاً في القطاع الاقتصادي – المالي. أسس رامي مع «شركاء» آخرين شركة «شام القابضة» في 2006 للإشراف على إدارة التوسع الهائل للدور الاقتصادي. ويوضح المسؤول: «كان مخلوف يسيطر على نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي الذي كان نحو 62 مليار دولار أميركي. لكنّ دوره في القرار الاقتصادي كان أكبر من هذه النسبة بكثير».

– «اعتزال الغرام»

لدى اندلاع الاحتجاجات في 2011، ظهرت لافتات وشعارات ضد دور رامي، الاقتصادي وشركة «سيريتل»، ومطالبات للرئيس الأسد بتقييد ذلك أو محاسبته. ترددت روايات عدة من معارضين أو منشقين، حول دور بيت مخلوف في اختيار النظام «الحل الأمني» وخطاب الرئيس الأسد في نهاية مارس (آذار) من ذلك العام، فيما تحدث مسؤولون أن الاحتجاجات كانت منذ البداية «جزءاً من مؤامرة خارجية».

كانت هناك لقاءات غير علنية لمخلوف مع مسؤولين غربيين، منهم السفير الأميركي الأسبق روبرت فورد، وسفراء أوروبيون بينهم الفرنسي إريك شوفاليه. كان رامي ووالده قد استضافا جون كيري عندما كان رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس. وفجأة، في منتصف ذاك العام وعلى غير عادته، كانت لرامي إطلالتان: الأولى، في مقابلة مع الصحافي الراحل أنطوني شديد في «نيويورك تايمز»، قال فيها: «لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا»، أي ربط أمن إسرائيل باستقرار سوريا. الأخرى، إعلانه «اعتزال الغرام» والتنازل عن ممتلكاته لـ«أعمال خيرية»، في إطار استيعاب الاحتجاجات السلمية بعد تسميته في المظاهرات. لكن نشطاء ومعارضين تحدثوا عن استمرار دوره ومساهمته في دعم قوات الحكومة عبر وسائل عدة، بينها «جمعية البستان» برئاسة سامر درويش وتنظيمات قاتلت إلى جانب قوات الحكومة.

– الأخ الأصغر

لعب الشقيق الأصغر لرامي، العقيد حافظ مخلوف رئيس فرع أمن دمشق التابع لإدارة المخابرات العامة، دوراً محورياً في مواجهة الاحتجاجات والاعتقالات وترجيح «الخيار الأمني». هناك من اعتقد أنه كان من «الحلقة الضيقة» وأنه دفع مرات عدة ضد وجهات نظر مسؤولين في النظام، كانت تقترح حلاً سياسياً للأزمة. وفي 2014، أُعفي العقيد حافظ من منصبه. غادر بعد ذلك إلى روسيا لفترة ثم عاد «بعد سماح» إلى دمشق، لكنه بقي هو ووالده محمد يقضيان وقتاً واسعاً بين موسكو وكييف بفضل علاقات أمنية وسياسية واقتصادية مع متنفذين في روسيا. هناك من يعتقد بوجود صلة مع يفغيني بريغوزين المعروف بـ«طباخ بوتين»، المعروف بتأسيس مجموعة «فاغنر» التي قاتل عناصرها في أماكن الصراع والتدخل الروسي لتجنب انخراط الجيش مباشرة وتكرار تجربة أفغانستان. لم تُعرف الأسباب الحقيقية للانزعاج من حافظ مخلوف وعزله. تحدث معارضون عن سعيه للعب دور سياسي ما في دمشق بتنسيق مع أطراف روسية وقبول قوى غربية، ضمن «محاصصة طائفية» برعاية خارجية تتضمن توسيع صلاحيات رئيس الوزراء السُّني وتقليص صلاحيات الرئيس العلوي.

– لاعبون جدد

في 2015، نقل رامي مخلوف ترخيص «سيريتل» من «بي أو تي» إلى رخصة بالتعاقد مع «الهيئة العامة للاتصالات» الحكومية. ونقل موقع «روسيا اليوم» قبل أيام عن باحثة اقتصادية سورية أن تعديل صيغة العقود المبرمة مع شركتي الهاتف النقال في البلاد «فوّتت على الخزينة أكثر من 338 مليار ليرة (نحو 482 مليون دولار)».

وبين عامي 2015 و2020، ظهرت عوامل جديدة. من جهة، واصل مخلوف دوره الاقتصادي الخلفي ودعمه لـ«جمعية البستان» بتوفير رواتب مساعدات لمصابين في الحرب وأسر عائلات في الجيش والأمن وفقراء في الساحل السوري و«أحزمة الفقر» حول دمشق والمدن الأخرى التي تضم عائلات موظفي مؤسسات الدولة من جيش وأمن وغيرها وتقديم امتيازات مالية لرجال متنفذين، إضافة إلى تمويل تنظيمات عسكرية قاتلت إلى جانب قوات الحكومة. كما واصل دعمه لـ«الحزب السوري القومي الاجتماعي» الذي بات ممثلاً في الحكومة.

في الوقت نفسه، بدأ بروز دور لرجال أعمال جدد خصوصاً من لبّوا الحاجات الجديدة للنظام مع تراجع الدور المرئي لمخلوف. كان بين الصاعدين مجموعة قاطرجي ووسيم قطان وسامر الفوز الذي اشترى حصص فندق «فورسيزونز» من مخلوف وآخرين. وتركزت أعمال هؤلاء في استيراد مواد غذائية ومشتقات نفطية بتسهيلات إيرانية، وصفقات نقل النفط من مناطق سيطرة حلفاء أميركا شرق سوريا ومناطق الحكومة. كما برز دور رجال أعمال شباب، بينهم محيي الدين مهند دباغ ويسار إبراهيم، في عقود لعل أبرزها واحد لتشغيل الهاتف النقال في سوريا مع شركة إيرانية تابعة لـ«الحرس الثوري»، وعقد آخر يتعلق بـ«البطاقة الذكية» التي تضبط مشتريات المواطنين.

عندما تحدث رامي في إطلالته التلفزيونية الثانية عن «الآخرين»، ربما كان يشير إلى هؤلاء. وأمام بروز «أمراء الحرب»، أدرج الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مخلوف والفوز وآخرين على قائمة العقوبات. وبعد غياب عن الضوء لسنوات، عاد مخلوف لعقد اجتماعات شركة «شام القابضة» في العام الماضي.

– تفكيك شبكات

في أغسطس (آب) الماضي، اتخذ الرئيس الأسد إجراءات صارمة ضد شبكات مخلوف وشركاته. شمل ذلك، «جمعية البستان» وحل جناحها العسكري، حيث كانت تعطي المقاتل راتباً يصل إلى 350 دولاراً، ما يعني أضعاف راتب الجندي النظامي. وقيل وقتذاك، إن «جمعية البستان» تستطيع الاستمرار في «العمل الخيري»، فيما أعلنت «الجمعية» أنها «كانت وما زالت وستبقى جزءاً من الشعب، في تقديم يد العون لكل محتاج ومريض، رديفةً للجهات الحكومية. فالجمعية نهضت بدعم ورعاية قائد الوطن السيد الرئيس، واشتد عودها فمدّت يد العون للآلاف من الأحبة وساعدتهم في محنهم».

إجراءات التفكيك، شملت الذراع السياسية. تبلغ عناصر في «الحزب السوري القومي الاجتماعي» تعليمات بفقدان مميزات كانت قد مُنحت لهم في الفترة الأخيرة، بسبب الدور البارز لآل مخلوف المعروف تاريخياً بتأييده أفكار الحزب ما أسهم في تمدده في مفاصل رئيسية وتكوين ميليشيات قاتلت إلى جانب قوات الحكومة، ذلك بعدما كان الحزب شبه محظور في السنوات السابقة، بسبب معارضة «البعث» الحاكم. وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أصدرت محكمة الاستئناف قراراً بحل «الحزب السوري – جناح الأمانة»، الذي كان قد أسسه رامي في 2011، وخاض انتخابات مجلس الشعب في 2012 بدعم من «جمعية البستان» وحصل على مقاعد في البرلمان.

في نهاية العام الماضي، أمام تراجع سعر الصرف جرى توجيه انتقادات إلى رامي لـ«عدم المساهمة في وقف التدهور» وسط اتهاماته له بتصريف مبالغ طائلة من عائدات «سيريتل» وغيرها في لبنان يومياً. طلب «المصرف المركزي» من رجال الأعمال تقديم دعم لإنقاذ الليرة، لكن المبالغ المحصلة كانت قليلة جداً لم تصل إلى طموح «التوجيه» بجمع نصف مليار دولار. فاستمر انخفاض سعر الصرف وزاد الانهيار بسبب العقوبات والأزمة المالية في لبنان.

عادت حملة مكافحة الفساد وملاحقة رجال أعمال. وتم فتح ملفات ضد رجال أعمال ومسؤولين سابقين وحاليين. وتحدّث الرئيس الأسد في مقابلة مع التلفزيون الرسمي في نهاية أكتوبر عن مكافحة الفساد في المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص. وقال: «في القطاع الخاص، طلب من كل من هدر أموال الدولة أن يعيد الأموال (…) نريد أموال الدولة أولاً قبل أن نلاحق ونحوّل إلى القضاء». وفي 23 ديسمبر (كانون الأول)، صدرت سلسلة قرارات بالحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لعدد من كبار رجال الأعمال بينهم مخلوف وزوجته وشركاته. ووجهت لهم تهم التهرّب الضريبي والحصول على أرباح غير قانونية خلال سنوات الحرب. وأصدرت مديرية الجمارك قراراً بالحجز الاحتياطي على أموال مخلوف. وفي بداية العام، فتحت ملفات تتعلق بالفساد في شركة للنقل الجوي. وفي 17 مارس 2020 أصدرت وزارة المال قراراً بتجميد أمواله بسبب علاقته بشركة مختصة بالنفط.

– «رسائل فاغنر»

هبّت في منتصف أبريل (نيسان) رياح إعلامية قاسية من موسكو، حيث لكل كلمة معنى، على دمشق والرئيس الأسد. تضمنت مقالات واستبيان رأي جاءت من طرف مؤسسات تابعة لـ«مجموعة فاغنر» الذي يملك مقاتلين واستثمارات في سوريا ومعروف قربه من الرئيس فلاديمير بوتين، وجرى «تطعيمها» لاحقاً بمقالات حادة في صحيفة «برافدا» وعلى مواقع فكرية رصينة. الحملة جاءت بعد زيارة خاطفة لوزير الدفاع سيرغي شويغو، تضمنت نقل «رسائل قاسية» من الرئيس بوتين، تتعلق بضرورة التزام دمشق بالاتفاقات العسكرية الموقعة بين بوتين ورجب طيب إردوغان حول إدلب وألا تستجيب دمشق لتشجيع من دول عربية على فتح معركة مع الأتراك وفصائل موالية لهم في شمال غربي سوريا.

كما جاءت الحملة وسط انتقادات روسية لعدم التزام دمشق بالتفاهمات الروسية – الإسرائيلية – الأميركية، ورغبة موسكو بتقييد دور إيران في سوريا وتحديد ملامحه وسط استمرار الغارات الإسرائيلية وانتقال تل أبيب من «مرحلة احتواء إيران إلى إخراجها من سوريا». كما سربت وسائل إعلام روسية معلومات عن صراع اقتصادي في سوريا بين شركات روسية وأخرى تدعمها إيران واعتراض شركات روسية وتنظيمات بعضها تابع لـ«فاغنر»، بسبب عدم توفر عائدات مالية موازية للتدخل العسكري، خصوصاً في قطاعات حصص النفط والغاز والصفقات الاقتصادية.

وفي مقابل تمسك مواقع بحثية روسية وخبراء محسوبين على الخارجية ومؤسسات أخرى، بالحديث عن الأسد بوصفه «الرئيس الشرعي للبلاد وأسهم في الحفاظ على استقرار الدولة»، استمرت مراكز أخرى قريبة من «فاغنر» في توجيه انتقادات إلى الأسد.

– حملة وإطلالة

في منتصف أبريل، اتخذت الحملة على رامي بعداً جديداً. إذ إنه حصل حدث يتعلق بـشركة «ميلك مان» التابعة له، لدى إعلان السلطات المصرية أنها ضبطت شحنة حليب محملة على باخرة سورية متجهة إلى ليبيا وعلى متنها 4 أطنان من الحشيش المخدر. من جهته، أعلن رامي أنها «مؤامرة لتشويه السمعة». وكان لافتاً، عدم حصول تأثير على دور «سيريتل» الإعلاني خلال شهر رمضان وخدماتها التي تصل إلى نحو 11 مليون شخص.

وفي 27 أبريل الماضي، أعلنت «الهيئة الناظمة للاتصالات» مطالبة شركتي الهاتف النقال بدفع مبلغ 233 مليار ليرة سورية (منها 120 من «سيريتل») قبل 5 مايو (أيار) 2020. (334 مليون دولار بينها 178,5 مليون مطلوبة من شركة مخلوف).

في نهاية أبريل، أسس رامي صفحة على «فيسبوك» بهيئة جديدة، برزت فيها لحيته. بدايةً، أصدر بياناً خطياً تمسك فيه بـ«العمل الخيري» في «جمعية البستان» لمساعدة الفقراء. لكن في اليوم الثاني، رمى مفاجأة أخرى بأنه قام بخطوة غير متعارف عليها في دمشق ومن شخصيات نافذة، إذ إنه بث فيديو على صفحته في «فيسبوك»، ناشد فيه الأسد، التدخل لإنقاذ شركة الهاتف النقال.

وفي الفيديو، ومدته 15 دقيقة، قال: «لا نتهرّب من الضريبة ولا نتلاعب على البلد (…) ندفع ضرائبنا وندفع تقاسم العائدات» للحكومة. ورغم اعتباره أن «مطالب الدولة غير محقة» وأن «المبلغ ليس موجوداً تحت البلاطة»، توجّه إلى الأسد، قائلاً: «سألتزم بما وجهت به (…) أحترم أمرك وواجب عليّ أن أنفّذه. أرجوك ومن أجل استمرارية الشركة، ومن أجل استمرارية عملها ومن أجل المشتركين، لئلا تتأثر الخدمة من خلال قصّ المبلغ بطريقة مجحفة، أرجو أن تكون توجيهاتك وتعليماتك لجدولة (السداد) بطريقة مُرضية، بحيث لا تنهار الشركة مع هذا المبلغ». لكنه قال: «تعبت كثيراً من الطاقم الموجود الذي يضعني دائماً في دائرة الاتهام ويعتبرني أنا المخطئ وأنا السيئ».

في 1 مايو، ردت «الهيئة الناظمة للاتصالات» على رامي في بيان أصدرته في الساعة 11:30 ليلاً، قالت فيه إنها ترفض محاولات «التشويش» من رامي ومتمسكة بمطالبته بأن يسدد «مستحقات الدولة»، في وقت قامت أجهزة الأمن في اليوم التالي باعتقالات شخصيات مفتاحية في شركاته.

– «رسائل الحطب»

بعد ساعة من حملة اعتقالات انتقائية صباح الأحد، ظهر مخلوف ثانيةً في فيديو ثانٍ، تضمن خطوات دبلوماسية محسوبة بالشكل والمضمون. وإن كانت لغته الدينية ليست جديدة، فإنه كما في الفيديو الأول، حرص على الظهور كرجل عادي سواء من حيث اللباس أو تموضع الكاميرا والخلفية الخشبية وقطع الحطب. كما حرص على انتقاء كلماته بدقة لجهة مناشدة الرئيس الأسد ووصفه بأنه «صمام الأمان»، لكن مع تحذيرات مبطنة لدى حديثه عن «مرحلة مفصلية» تمر فيها البلاد وعن «آخرين» في البلاد، وأنه يدرك «حجم المخاطرة»، لكن «لن يتنازل» أمام «ظلم» أجهزة الأمن التي «رعاها ودعمها».

قال في الفيديو، ومدته عشر دقائق: «بدأت اليوم الضغوطات بطريقة غير مقبولة (…) وبدأت الأجهزة الأمنية تعتقل الموظفين الذين يعملون لديّ»، متسائلاً: «هل يتوقع أحد أن تأتي الأجهزة الأمنية على شركات رامي مخلوف، الذي كان أكبر داعم لهذه الأجهزة وأكبر راعٍ لها خلال الحرب؟». وأضاف رامي ويُعتقد أنه في يعفور قرب دمشق: «طُلب مني اليوم أن أبتعد عن الشركات وأن أنفذ تعليمات… وبدأت الضغوطات بسحب الموظفين والمديرين»، مشيراً إلى أنه تلقى تهديدات «إما أن تتنازل وإما أن نسجن كل جماعتك».

«رسائل الحطب» التي بعث بها، تضمنت التحدث باسم «الفقراء» و«الموالين» ضد «الآخرين». رد السلطات، كان بتوسيع دائرة الاعتقالات بما في ذلك مناطق الساحل. مالياً, ردة «هيئة الاتصالات» بالتمسك بسداد المبلغ.

– الحل… مالي أم سياسي؟

منذ ظهور رامي الثنائي، ظهرت سيناريوهات كثيرة في محاولة لتفسير ما حصل واستقرار الممكن. الواضح، هناك مستويان:

الأول، مالي، يتعلق بشركات مخلوف ومستحقات على «سيريتل» والإجراءات المتخذة ضد شبكاته بفعل المتغيرات في التوازنات الاقتصادية في دمشق. بالتالي، فإن حل هذا الملف، سيكون على أساس مالي، إما بتسوية ما وإما أن يسدد المستحقات ويسهم في تقديم كشف دعم كبير من أموال الخارج مع الاستمرار في تفكيك شبكاته. حصل هذا في السنوات السابقة مع رجال أعمال آخرين، وإن كان مخلوف في موقع مختلف تماماً. ويذهب بعض المحللين، إلى اعتبار حادثة رامي «مسرحية متفقاً عليها هدفها ترتيب البيت»… كأن شيئاً لم يكن.

الثاني، سياسي، سواء كان رامي «شُجع من أطراف خارجية» أن «أطرافاً خارجية تستغل رامي» لممارسة ضغوط على الأسد، أو أن رامي نفسه «ركب الموجة الروسية» في وقت تصل إلى دمشق رسائل ضغط من موسكو تخص أموراً مالية واقتصادية أكثر مما هي سياسية، خصوصاً أن والده وشقيقه هما في موسكو، ذات السلطة المركزية الدقيقة. هنا، قارن خبراء بين هذه الحادثة وقصص أخرى في العقود السابقة، صراع رفعت الأسد مع شقيقه الرئيس حافظ الأسد في الثمانينات الذي امتد عسكرياً واقتصادياً من دمشق إلى اللاذقية. وقتذاك، حرص رفعت على استعمال لغة اللباقة الدبلوماسية والأصول العسكرية في تعاطيه العلني مع شقيقه – الرئيس. حُسم الصراع برعاية سوفياتية ودعم أوروبي إقليمي. هناك من قارن «رسائل رامي» بمحاولات أخرى واغتيالات وانشقاقات جرت في السنوات الأخيرة و«انتهت بحسم من النظام لصالح الرئيس».

الرئيس الأسد، اختار إلى الآن التجاهل العلني لظهور رامي وترك الملف في الإطار الحكومي – الأمني – المالي. لم تكن صدفة إطلالته التلفزيونية لدى ترؤسه فريق التعاطي مع «كورونا» وإرساله إشارات غير مباشرة، محذراً من «كارثة حقيقية» تتجاوز إمكانيات سوريا في حال حصول ارتفاع كبير ومفاجئ بإصابات الوباء. وقال: «تسع سنوات من الحرب لا توازي إلا القليل من الأسابيع القليلة الماضية».

لموسكو، هذه المرة أيضاً، كلمة في دمشق. موسكو تغيرت. فالبعد المالي – الاقتصادي بات مهماً أكثر من الآيديولوجيا. ودمشق الراهنة، ليست ذاتها التي كانت في الثمانينات. شخصيات النظام تغيرت كثيراً، لكن بنيته لم تتغير في العمق. ظهرت مراكز تأثير في الأمن والجيش والاقتصاد و«أمراء الحرب»، لكن القرار لا يزال مركزياً.

سوريا أيضاً، ليست ذاتها. إيران موجودة في مناطق الحكومة، إلى جانب روسيا التي تتعرض لضغوط عسكرية وسياسية لتقييد – إخراج إيران. تركيا موجودة ومستقرة في منطقة نفوذها وفي توسع برضا روسي. أميركا، مقيمة في مناطق شرق الفرات حيث تضع مجموعة «فاغنر» عيونها على النفط والغاز والثروات التي فيها.

ربما، أعاد ظهور رامي، طرح الأسئلة وفتح باب البحث عن الإجابات في دمشق والعواصم الخارجية، المنخرطة في سوريا.

«الشرق الأوسط».

—————————-

صراع العروش/ آدم قدرو  

رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد ،أو الرجل المهيمن على اقتصاد البلاد، لكن قبل هذا وذاك علينا أن نتذكّر أنّه ابن محمد مخلوف، وأنّ أبو رامي كان الواجهة الاقتصاديّة الرسميّة واليد اليمنى للأسد الأب. صراع العروش

رجل الأعمال الأبرز والأشهر في سوريا، يشعل الفتيل على مواقع التواصل، بنشر مقطعَي فيديو يتحّدث فيهما عن أزمته وإخلاصه وتفانيه، بكل “إيمان وخشوع”، ليبدأ بعدها السوريون (موالون ومعارضون) بالتحدّث في السر والعلن، ويبدأ المراقبون والمحللون في تفسير ما جاء على لسان رامي مخلوف.

فنرى أنّ معظم من كتب _وهم من أهل الاختصاص_ تناولوا الحدث على أنّه صراع على أموال منهوبة يريدها رأس النظام من شركات، واستثمارات يديرها رامي مخلوف، وأنّ الأخير لا يريد دفع المبالغ الباهظة التي كلّف بها. صراع العروش

وراح البعض الآخر يفسّر خطاب مخلوف على أنّه موجّه للعلويين من أجل حثّهم للاصطفاف معه ضدّ الأسد، وأنّ الخلاف ضمن الطائفة، قاب قوسين أو أدنى، بين أنصار الأسد وابن عمته الذي كان يدير جمعيّة البستان الخيرية أو أنّه صراع عائلي يشبّه الصراع الذي دار بين حافظ ورفعت الأسد في ثمانينيات القرن الماضي (عندما أخذ رفعت ما أخذ من مال وذهب ليبتعد عن السلطة)، وهنا وجب القول أنَ هذا النظام عائلة وليس عائلي أو طائفة وليس طائفي.

بعيداً عن الرغبوية والشعبوية التي يصرّ البعض على فرضها واعتبارها منهجاً تحليلياً وحقيقةً جليّةً، نجد أنّ لا شيء يقضّ مضاجع الديكتاتورية إلا السلطة ولا يمكن تفسير الخلاف على أنّه اقتصادي ومافيوي فقط، بل هو في جوهره صراع سياسي بحت يتمظهر بالصورة التي نراه عليها اليوم.

الخوف على السلطة، ليس من الحزب السوري القومي الاجتماعي التابع لمخلوف، والذي يملك أسلحة خفيفة لا يمكنه بواسطتها مواجهة أي ميليشيا مقاتلة في سوريا ولا من الشعبيّة التي يتمتّع بها مخلوف جرّاء الأعمال الإنسانيّة التي يقدمها للفقراء في جمعية البستان، الخوف على السلطة ليس من رامي أساساً الذي يدرك موازين القوى والدور الذي يجب عليه أن يلعبه. صراع العروش

حافظ مخلوف، والمقيم منذ أعوام بين مينسك عاصمة روسيا البيضاء وموسكو، رجل يتمتّع بنفوذ هائل داخل النظام ويدين له بالولاء العديد من القادة الأمنيين والعسكريين، بالإضافة لكونه يختلف عن رامي وإيهاب مخلوف، وينتمي للمدرسة التي تخرَج منها باسل الأسد، هو وعائلته لديهم علاقات اقتصادية متينة وقوية مع رجالات موسكو، وكل هذا يدركه بدقة رئيس النظام، ويرى أنّ حافظ مخلوف قد يكون البديل الأمثل المناسب للطرف الروسي، خاصة أنّ النظام يعرقل أي حلّ سياسي، وأفشل عمل اللجنة الدستوريّة عن طريق وفده في جنيف، الذي أسماه وفد مدعوم من قبل الحكومة، للانسحاب من أي اتفاق قد لا يرضيه، أحرج روسيا التي أكّدت بكل المحافل الدولية على ضرورة التوصّل لحلّ سياسي ينهي الأزمة السوريّة، مما يعني تأجيل عمليّة إعادة الإعمار، وبالتالي تأجيل دفع الديون المترتبة على دمشق لصالح موسكو.

والتفاهمات الروسية_التركية، والتي كانت لا كما يريد النظام الذي حلم باستمرار الدعم الروسي حتّى يتم استعادة محافظة إدلب. لذلك رأينا هذا النظام يلعب على تناقضات داعمَيه (روسيا وإيران)، اللذين يختلفان برؤيتهما للحلّ في سوريا.

بدأ الاستياء الروسي يظهر، من خلال إعلامه الذي تحدّث عن فساد النظام السوري، وعدم إمكانيته السيطرة على البلاد، وخطأ استمراره في اختيار الحل العسكري والأمني لحلّ الأزمة في البلاد.

بعيداً عن الإعلام الروسي، ظهرت تصريحات من مصادر رسمية روسية، أهمها ما جاء على لسان السيد ألكسندر شوفيلين، مدير مركز أوروبا والشرق الأوسط، حيث قال: “على الكرملين التخلّص من الصداع الروسي وأنّ المشكلة تتعلّق بشخص واحد هو الأسد وحاشيته”.

وكان قد كتب السيد ألكسندر سينيوك، مستشار المجلس الروسي للشؤون الدوليّة: “إنّ دمشق لا تبدو مهتمة بنهج يتمتّع بالمرونة وبُعد النظر، وهي مستمرّة في الاعتماد على الحلّ العسكري”.

يبدو أنّ الضغط الأوروبي والأمريكي على روسيا والعقوبات المترتبة عليها، والأزمة التي تعاني منها بسبب كورونا، أسباب اجتمعت لتكون روسيا أكثر جديّة في الضغط على النظام لإنجاح التسوية والوصول لحلّ سياسي عبر القرار 2254 قبل حلول انتخابات الرئاسة في العام القادم. صراع العروش

أخيراً، نعود للخطاب الذي بدأنا منه، والذي أكّد فيه “رامي مخلوف” أنّ الوضع في سوريا يتّجه للأسوأ، وهو محقّ في أنّه يملك من الحطب ما يكفي لإضرام النار ولزعزعة اقتصاد البلاد المتهالك، وقد يستقطب رجال أعمال وتجار وأصحاب رؤوس الأموال، ويشكّل كتلة اقتصاديّة في وجه نظام يفرض عليهم “الأتاوة” و”الخوّة”.

رامي مخلوف عابر للطوائف، رأسمالي يخاطب رأس المال، لا يخاطب الفقراء والمساكين والعلويين والسنة كما يصرّ البعض.

———————————

=======================

===================

تحديث 11 أيار 2020

—————————-

خلاف الأسد – مخلوف: أسبابه، وتداعياته، واحتمالات تطوره

هي الوحدة المكلفة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدراسة القضايا الراهنة في المنطقة العربية وتحليلها. تقوم الوحدة بإصدار منشورات تلتزم معايير علميةً رصينةً ضمن ثلاث سلسلات هي؛ تقدير موقف، وتحليل سياسات، وتقييم حالة. تهدف الوحدة إلى إنجاز تحليلات تلبي حاجة القراء من أكاديميين، وصنّاع قرار، ومن الجمهور العامّ في البلاد العربية وغيرها. يساهم في رفد الإنتاج العلمي لهذه الوحدة باحثون متخصصون من داخل المركز العربي وخارجه، وفقًا للقضية المطروحة للنقاش..

مقدمة

أثار الظهور العلني لرامي مخلوف، رجل الأعمال وابن خال الرئيس السوري، عدة تساؤلات. فقد خاطب الرئيس السوري في تسجيلَين علنيَّين على مواقع التواصل الاجتماعي، اتهم في أحدهما أجهزة أمنيَّة داخل النظام باستهداف مؤسساته وأعماله، فضلًا عن مطالبته من جهة وزارة المالية بدفع نحو 234 مليار ليرة سورية (180 مليون دولار أميركي تقريبًا) من استحقاقات ضريبية متراكمة. أخرجت خطوات مخلوف هذه الخلافَ، الذي ظل مكبوتًا على امتداد عدة شهور داخل الحلقة الضيقة للنظام السوري، إلى العلن. وكان آخر ظهور إعلامي مهم لمخلوف قد تمَّ قبل تسعة أعوام، وذلك عندما أجرى مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، في بداية الحراك الاحتجاجي، حذر خلالها من تداعيات سقوط النظام السوري، خصوصًا على أمن إسرائيل، ثم أعلن بعد ذلك عن تفرغه للأعمال الخيرية. وما بين إطلالتَي 2011 و2020، تغيَّر وضع مخلوف كثيرًا داخل النخبة الحاكمة، كما تغيرت السياقات السياسية والاقتصادية التي رافقت ذلك. تستعرض هذه الورقة الأدوار التي قام بها مخلوف منذ بداية الحركة الاحتجاجية في دعم النظام وتمويل آلته الأمنيَّة والعسكرية، وتحلل السياق والأسباب التي أدت إلى تآكل نفوذه، وصولًا إلى اختبار فرضيتَي التصعيد أو التسوية بينه وبين النظام الذي كان يُعد، يومًا ما، من أركانه.

أولًا: نشاط مخلوف خلال الأزمة

يُعتبر رامي مخلوف رمزًا لفئة “الذئاب الشابّة” التي صعدت داخل النظام مستفيدةً من اللبرلة الاقتصادية في مرحلة بشار الأسد، وتُعد شركاته نموذجًا لطريقة إدارة الاقتصاد السوري والخصخصة على نمط رأسمالية المحاسيب والأقارب، بحيث تبقى الموارد الاقتصادية ضمن مصادر النظام الاقتصادية – السياسية – الأمنيَّة، مع إثراء المقربين. فقد ضَمن هذا النمط ألّا تُضعف اللبرلة الاقتصادية النظام الاستبدادي، بل أن تعززه عبر التداخل بين الولاء السياسي والعطاءات، والتناسب الطردي بين القرب من دوائر الحاكم وهامش حركة رأس المال في السوق، وكذلك عبر تداخل الدوائر المحيطة بالرئيس (1. الأسرة، والأقارب، والطائفة، 2. قادة الأجهزة الأمنيَّة، 3. كبار رجال الأعمال). وقد كان الحزب، من قبلُ، يعتبر ضمن هذه الدوائر، لكنه هُمِّش في مرحلة بشار الأسد[1].

تردد اسم رامي مخلوف منذ اليوم الأول في هتافات الحراك الاحتجاجي، وكانت مقرات شركاته أهدافًا لغضب المحتجين الذين اتهموه بالفساد واستغلال النفوذ. وردًّا على ذلك، أجرى مخلوف مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، في أيار/ مايو 2011، ضَمَّنها رسائل مباشرة للخارج، وأكد فيها أن النظام سيقاتل حتى النهاية، كما حذَّر من تداعيات الفوضى في سورية على أمن إسرائيل واستقرارها[2].

ظهر مخلوف إعلاميًّا مرةً أخرى، في حزيران/ يونيو 2011، مُعلنًا تفرغه لـ “العمل الخيري”، معللًا خطوته هذه بعدم رغبته في أن يكون عبئًا على سورية ولا على شعبها أو رئيسها، على حد تعبيره، لكن خطوته هذه لم تنجح في تجنيبه هو وشركاته سلسلة من العقوبات الأميركية والأوروبية، أضيفت إلى تلك التي يخضع لها منذ شباط/ فبراير 2008[3].

كان إعلان مخلوف التفرغ لـ “العمل الخيري” عبر “جمعية البستان”[4]، بمنزلة غطاء للتمويه على نشاطه الجديد ضمن تحالف مركَّب يتكون من مراكز قوًى عسكرية وأمنية طائفية للدفاع عن النظام. وبناءً عليه، تولّت جمعية البستان، بدايةً من عام 2012[5]، تشكيل ميليشيات تابعة لها بمسميات متعددة منها قوات الكميت، وقوات المهام الخاصة، وفوج مغاوير حمص، وأسود البستان، وقوات الدفاع الشعبي، وكتائب الجبلاوي. وقد انحدر أكثر عناصر هذه المليشيات من محافظتَي اللاذقية وطرطوس. واقتسمت جمعية البستان مسؤولية هذه المجموعات بالتعاون مع المخابرات الجوية والفرقة الرابعة؛ إذ تولَّت جمعية البستان عملية التجنيد ودفع الرواتب للمقاتلين ورعاية أسرهم، في حين كانت المخابرات الجوية مسؤولة عن التدريب والتسليح اللذين تولاهما أحيانًا حزب الله، لينحصر دور الفرقة الرابعة في تنسيق هذا التحالف وقيادته ميدانيًّا.

قامت جمعية البستان، أيضًا، بتمويل مجموعات قتالية تتبع للأجهزة الأمنيَّة؛ إذ تعهدت منذ عام 2013 بتمويل قوات النمر التابعة للمخابرات الجوية برئاسة العقيد سهيل الحسن. وموَّلت مجموعات قتالية أخرى تتولاها شخصيات قريبة من آل الأسد، مثل “كتيبة الغيدق اقتحام” التي كان يتزعمها الغيدق ديب؛ ابن اللواء مروان ديب وبهيجة الأسد، شقيقة الرئيس الراحل حافظ الأسد.

كما تولَّت جمعية البستان رعاية الحاضنة الموالية للنظام ودعمها لامتصاص نقمتها والحفاظ على دعمها، وذلك بعد الخسائر البشرية الكبيرة التي تكبدتها دفاعًا عن النظام. وبدايةً من عام 2013، افتتحت الجمعية شبكة من المراكز والمقرات الموجهة لرعاية الموالين للنظام والمؤيدين له في عدد من المحافظات (دمشق وريفها وطرطوس وحمص وحلب والقنيطرة ودرعا والسويداء مثلًا)، وعلى الرغم من هذا الانتشار الجغرافي، تركزت خدمات الجمعية على الحاضنة الموالية للنظام، ولا سيما في أرياف اللاذقية وطرطوس وفي بقية المحافظات، على المناطق التي ينتمي إليها منتسبو مجموعات البستان القتالية، كما هو الحال في صلخد بالسويداء.

رغم الأضرار التي ألحقتها العقوبات الأميركية والأوروبية بنشاطاته وأعماله، فإن اقتصاد الحرب أتاح لمخلوف فرصةً لتنمية أعماله، واستثمار العائدات من أجل توسيع نشاطه في الاقتصاد الرسمي، فقد نشط في تجارة نقل النفط من المنطقة الشرقية إلى مصفاة حمص؛ عبر وسطاء متعددين أبرزهم آل القاطرجي (الأخوة حسام وبراء ومحمد)، بحماية مجموعات البستان القتالية والفرقة الرابعة وصقور الصحراء، كما استأثر مخلوف بعدة عقود حصرية لتوريد النفط للنظام السوري عبر شركات “أوف شور” مقرها في الخارج للالتفاف على العقوبات المفروضة عليه وعلى النظام، ومثال ذلك شركة آبار بتروليوم سيرفيسز ش. م. م. المسجلة في لبنان[6].

استثمر مخلوف جزءًا من العائدات التي حصل عليها من اقتصاد الحرب لتوسيع أعماله الاقتصادية والتجارية في سورية، مؤسسًا ما يزيد على ثماني شركات خلال الفترة 2011-2020، بعضها يملكها كلّها (مثل “مؤسسة نور للتمويل الصغير”[7])، وبعضها الآخر يشاركه فيها آخرون (مثل “شركة روافد دمشق” المساهمة المغفلة الخاصة التي تستثمر حصة مهمة في مشروع ماروتا سيتي[8]).

ثانيًا: تغير التوازنات وانفراط التحالف

بدأ تحالف مخلوف مع مراكز القوى العسكرية والأمنيَّة داخل النظام يتعرض للضغوط مع بلوغِ التدخل العسكري الروسي في سورية ذروته عام 2016، وتغيرِ التوازنات داخل القصر الجمهوري عقب وفاة والدة الرئيس بشار الأسد، أنيسة مخلوف، وهي عمة رامي، ومرضِ محمد مخلوف، “عراب العائلة”، بحسب ما يوصَف به، وتنامي نفوذ شخصيات من العائلة الحاكمة ليست على وفاق مع آل مخلوف، وصولًا إلى قرار بشار الأسد المتمثل بتهميش آل مخلوف وإضعافهم وإخراجهم كليًّا من الواجهة، مع بلوغ العمليات العسكرية نهايتها على الأرض صيف عام 2019، ومساعي بشار إعادة تركيز مصادر القوة، ومن ضمنها الموارد المالية، داخل النظام بين يديه.

1. التدخل الروسي

كان للتدخل الروسي العسكري أثرٌ حاسم في تثبيت النظام السوري وتمكينه من زيادة رقعة سيطرته الجغرافية من نحو 22 في المئة في عام 2015 إلى ما يقارب 63 في المئة في بداية عام 2020، كما كان لهذا التدخل أثره في تفكيك تحالف مخلوف مع المخابرات الجوية والفرقة الرابعة. وكانت قيادة العمليات الروسية في سورية (قاعدة حميميم) قد قامت بالاستثمار في قوات النمر وجعلت منها يدها المحلية الضاربة داخل مراكز قوى النظام، وصولًا إلى تنظيمها في صيف 2019 وتحويلها إلى “الفرقة 25 مهام خاصة”، بقيادة العميد سهيل الحسن. أما الفرقة الرابعة فقد منحها التدخل العسكري الروسي فرصةً لالتقاط أنفاسها، وإعادة ترتيب صفوفها. كما أخذت في التركيز أكثر فأكثر على أنشطة اقتصاد الحرب[9]. وقد ساهم هذا الأمر في تأجيج التنافس بين حلفاء الأمس؛ إذ زاحمت الفرقة الرابعة ميليشيات جمعية البستان القتالية في ممارسة مهمات الترفيق والترسيم[10]، وصولًا إلى إقصائها عن العمل في هذا المجال بقرارات رسمية[11]، كما أدى الاهتمام الروسي المتنامي بقوات النمر إلى تسرُّب عناصر ميليشيات جمعية البستان للعمل مع سهيل الحسن، طلبًا للحماية، وسعيًا وراء الامتيازات المادية، لينعكس ما سبق سلبيًّا على الحضور الميداني لميليشيات البستان القتالية.

2. تغير التوازنات داخل النظام

شهدت التوازنات داخل مراكز التأثير في النظام تغيرات مهمة منذ بدء الحراك الاحتجاجي، فقد خرج آل طلاس من سورية، وتمَّت تصفية زوج أخت الرئيس، والرجل القوي في المؤسسة الأمنيَّة – العسكرية، اللواء آصف شوكت في تفجير خلية الأزمة[12]، ولم يكن لهذه التغيرات أثرٌ ملحوظ على نفوذ آل مخلوف في القصر الجمهوري، لكنّ الحال تبدل بوضوح مع وفاة والدة الرئيس، أنيسة مخلوف، في شباط/ فبراير 2016، ومرض شقيقها محمد مخلوف، وهكذا فقدت العائلة أبرز داعميها داخل القصر الجمهوري. وزادت مشكلات مخلوف مع تنامي نفوذ منافسيه داخل القصر الجمهوري، أي زوجة الرئيس أسماء وشقيقه اللواء ماهر. وقد بدا واضحًا، خلال الفترة الأخيرة، تنامي دور أسماء الأسد داخل القصر الجمهوري، ومساعيها لإعادة توزيع الثروة داخل العائلة الحاكمة[13]، وقد ألمح إلى ذلك رامي مخلوف في إطلالاته الثانية على مواقع التواصل الاجتماعي، في إطار اتهام بعض المحيطين بالرئيس بمسؤولية التحريض ضده.

انعكست التغيرات داخل القصر، أيضًا، على تنامي نفوذ اللواء ماهر الأسد، قائد الفرقة الرابعة، ومزاحمته لمخلوف في أنشطة اقتصاد الحرب، وكذلك في الأعمال التجارية التي يتولاها، الأمر الذي بدا جليًّا مع إقصاء ميليشيات مخلوف عن قطاع الترفيق والترسيم في البداية لمصلحة شركة القلعة الأمنيَّة التي يملكها رجل الأعمال المعتمد من مكتب أمن الفرقة الرابعة خضر طاهر[14] الذي دخل قطاع الاتصالات عبر التأسيس لشركة إيماتيل، إلى جانب استخدامه من قبل ماهر الأسد للهيمنة على بعض الاستثمارات التي تعود إلى آل مخلوف[15].

3. تركيز مصادر القوة

كان قرار بشار الأسد العامل الحاسم في إضعاف نفوذ رامي مخلوف وصولًا إلى إنهائه. وقد جاء قرار الأسد في سياق مساعيه لتفكيك مراكز القوى التي تعزز دورها خلال الأزمة، ولا سيما ما كان منها على مستوى الطائفة، وإعادة تركيز مصادر القوة سياسيًّا وماليًّا وأمنيًّا في القصر الجمهوري وتحت إشرافه. وقد انعكس هذا التوجه بحملة الضغوط التي بدأت على رامي مخلوف منذ صيف 2019، والتي هدفت إلى تفكيك شبكاته “الخيرية” والأمنيَّة والاستحواذ على شركاته وأمواله. ظهرت أولى بوادر هذه الحملة عبر إخضاع جمعية البستان لإشراف القصر الجمهوري، من خلال تعيين معن إبراهيم المشرف العام على ضريح حافظ الأسد رئيسًا للجمعية بدلًا من سامر درويش، إضافةً إلى تفكيك مجموعات البستان القتالية وإلحاقها بالأجهزة العسكرية والأمنيَّة للنظام. وعلى سبيل المثال، تمَّ إلحاق قوات الكميت التابعة لجمعية البستان التي يقودها فراس عيسى بقوات الغيث/ الفرقة الرابعة. وصدر قرار قضائي، في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، يتعلق بحل الحزب السوري القومي الاجتماعي – الأمانة العامة، المحسوب على رامي مخلوف[16]. وأخيرًا، صدرت سلسلة أوامر الحجز الاحتياطي في حق مخلوف، بضوءٍ أخضر من الرئيس نفسه.

ثالثًا: الأزمة الاقتصادية

لا شك في أن تأزم العلاقات هو من مظاهر شُحِّ الموارد مع توقف اقتصاد الحرب من دون العودة إلى اقتصاد السلم؛ وذلك بسبب العقوبات، والتحفظات الدولية الكثيرة على إعادة الإعمار، وغيرها من الطرق التي ظنت روسيا أنها يمكن أن تقود إلى إنعاش الاقتصاد من جديد.

ومع انتهاء العمليات العسكرية على الأرض، والخروج من اقتصاد الحرب، بدأ ينكشف الوضع الاقتصادي الهش للنظام. وقد انعكس ذلك بوضوح مع انخفاض الإيرادات العامة، وتدهور سعر صرف الليرة السورية وتراجع الإنفاق العام، وزادت متاعب النظام الاقتصادية بسبب مطالبة حلفائه بتسديد المستحقات المترتبة عليه. وقد دفع ذلك النظامَ إلى الضغط على رجال الأعمال، خاصة الذين أثرَوا خلال الحرب، وأجبرهم على دفع مبالغ نقدية لتمويل استحقاقاته الداخلية والخارجية. وفي بداية الأمر، تجاوب مخلوف مع هذا التوجه، لكنه بدأ يتذمر حينما أدرك أن الأمر يتعدى دعم النظام إلى رغبة النظام نفسِه في السيطرة على أصوله المالية وشركاته.

تعرض الاقتصاد السوري خلال الأزمة إلى انهيار كامل تقريبًا، وتُقدر بعض المصادر الخسائر التراكمية منذ عام 2011 إلى عام 2019 بنحو 428 مليار دولار، أي نحو ستة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري في عام 2010، كما تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 65 في المئة عمَّا كان عليه قبل الأزمة[17]. ويمكن الوقوف على مظاهر الأزمة الاقتصادية الحادة التي يعانيها النظام من خلال ثلاثة مؤشرات رئيسة.

أول هذه المؤشرات تدني الإيرادات العامة التي انخفضت من أكثر من 17 مليار دولار في عام 2011 إلى نحو 9 مليارات دولار في عام 2019، بحسب بيان موازنتَي عامَي 2011-2019، ويمكن تفسير هذا الانخفاض بعدة عوامل أبرزها: 1. تضرر القطاعات المُدِرَّة للقطع الأجنبي (مثل السياحة والنفط)، 2. تقييد حركة الصادرات بفعل العقوبات الغربية والأميركية، وتضرر القطاعات الإنتاجية (مثل الصناعة والزراعة)، 3. تدني إيرادات الضرائب من مستوًى يعادل 7 مليارات دولار في عام 2011 إلى أقل من 942 مليون دولار في عام 2018[18].

أما ثاني المؤشرات فهو يتعلق بانهيار سعر صرف الليرة السورية؛ إذ زاد الانهيار الاقتصادي وأزمة المصارف اللبنانية، مضافًا إليها سياسة البنك المركزي في تجنُّب التدخل المباشر لدعم الليرة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وخصوصًا المشتقات النفطية التي تقدر بنحو 200 مليون دولار شهريًّا، الضغوطَ على الليرة السورية التي انخفض سعر صرفها من 46 ليرة سورية مقابل دولارٍ أميركي واحد في عام 2010، إلى ما يزيد على 1300 ليرة سورية في السوق السوداء في ربيع عام 2020، الأمر الذي انعكس سلبيًّا على القدرة الشرائية للسكان وعلى أسعار السلع. وقد أشارت صحيفة قاسيون المحلية إلى ارتفاع تكاليف المعيشة لعائلة مكونة من خمسة أشخاص بنسبة 13 في المئة منذ بداية عام 2020، لتصبح 430 ألف ليرة سورية شهريًّا خلال ربيع 2020 (ما يعادل 320 دولارًا) بعد أن كانت في حدود 380 ألف ليرة سورية في كانون الثاني 2020[19].

يتصل المؤشر الثالث بانخفاض الإنفاق العام وتراجع الدعم الاجتماعي الحكومي؛ إذ تشير الأرقام المستقاة من تحليل بيانات الموازنة العامة في سورية في الفترة 2010-2020 إلى انخفاض حادٍّ في قيمة الموازنة بالدولار، من 16.5 مليار دولار في عام 2011، إلى 9.2 مليارات دولار في عام 2020، باحتساب سعر صرف البنك المركزي.

انعكس تراجع الإنفاق العام على سياسات الدعم الاجتماعي الحكومي، وذلك بحسب ما تظهره المقارنة بين موازنات 2018-2019-2020، حيث تم تخفيض الكتلة النقدية المخصصة لدعم المشتقات النفطية، وهو ما يُعد مؤشرًا على تحرير النظام لأسعار هذه السلع. يُلاحَظ كذلك انخفاض دعم الدقيق في موازنة عام 2020 مقارنةً بما كان عليه في موازنة 2019، في ظل صعوبات تعترض قدرة النظام على تأمين احتياجات الدقيق التمويني، واضطراره إلى ترشيد استهلاك العائلة السورية من مادة الخبز عبر آلية البطاقة الذكية. وفي المقابل، لا يُلاحَظ تغيرٌ فيما يتعلق بدعم قطاع الكهرباء الذي زاد على 1.6 مليار دولار، من دون أن يطرأ تحسن ملحوظ على واقع التغذية الكهربائية. إلى جانب ما سبق، لا يُلاحَظ كذلك تغيرٌ كبير في حجم الدعم المخصص للإنتاج الزراعي والصندوق الوطني للمعونة الاجتماعية اللذين يعتبران ضئيلَين، ذلك أنّ قيمتهما مجتمعَين لا تتجاوز حاجز 50 مليون دولار.

لقد زاد وضع النظام سوءًا مطالبات حلفائه بضرورة دفع ما يترتب على الخدمات التي قدموها للنظام خلال الأزمة. فعلى سبيل المثال، توقف الخط الائتماني الإيراني في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، الأمر الذي أحدث اختناقات في توفير المشتقات النفطية في مناطق سيطرة النظام، ليعود الخط الائتماني الإيراني في أيلول/ سبتمبر 2019 بحسب تصريحات حكومية[21]، من دون الكشف عن أسباب الانقطاع والاستئناف، الأمر الذي يمكن تفسيره بالتفاهم على آليات جديدة ناظمة لدفع الأموال المستحقة على النظام.

لجأ النظام تحت ضغط الحاجة إلى السيولة المالية، في مواجهة استحقاقاته الاقتصادية ومطالب حلفائه، إلى انتزاع أموالٍ من رجال الأعمال تحت مسمى “مكافحة الفساد”[22]، وجاء قرار الحجز الاحتياطي المتعلق بأموال رامي مخلوف وشركائه ضمن هذا السياق. استجاب مخلوف في البداية لهذا الأمر، وعقد تسوية مالية مع مديرية الجمارك فيما يتعلق بقضية شركة آبار بتروليوم[23]، لكنه احتج في وقت لاحق على قرار الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد القاضي بضرورة تسديد كل من شركتَي Syriatel وMTN مبلغًا مقداره نحو 234 مليار ليرة سورية لخزينة الدولة[24]، ولعل احتجاجه يُعدّ إقرارًا منه بأن القضية تتجاوز حاجة النظام إلى سيولة نقدية لتمويل استحقاقاته إلى قرار اتُّخذ متعلق بتحجيمه وانتزاع أمواله المنقولة وغير المنقولة، ولا سيما ما كان منها خارج سورية. وما عزز لديه هذه القراءة استمرار قرار الحجز الاحتياطي رغم إجرائه تسوية مالية مع مديرية الجمارك في وقت سابق، وهو الأمر الذي قد يبدو أنه دفعه إلى نقل الخلاف للعلَن، عبر إطلاق تسجيلَين على مواقع التواصل الاجتماعي.

رابعًا: احتمالات التسوية والتصعيد

يتجه الموقف العام بين عائلتَي الأسد ومخلوف إلى أحد السيناريوهين التاليين: إمّا التوصل إلى تسوية من نوع ما وإمّا التصعيد، ولئن كانت للنظام تجارب سابقة في التخلص من منافسيه فإنّ خيار التسوية يبدو هو الخيار الأرجح، خاصةً في ضوء موازين القوى التي تميل كليًّا إلى مصلحة النظام.

وفضلًا عن أنّ النظام يمتلك سجلًّا حافلًا بالتخلص من منافسيه والمتمردين عليه، كما حصل مع وزير الداخلية الأسبق غازي كنعان في عام 2005، فإن الأسد يتحكم بكل مفاصل السلطة ومؤسساتها، ويستخدمها ضد منافسيه، على غرار ما ظهر في قرارات الحجز الاحتياطي التي أصدرتها وزارة المالية ومديرية الجمارك العامة في حق رجال الأعمال، ومنهم رامي مخلوف. يُضاف إلى ذلك أنّ الأسد قد قام بإجراء تعيينات جديدة في المؤسستين الأمنيَّة والعسكرية خلال الفترة السابقة؛ بهدف ضمان ولائهما[25]، واحتواء أي مراكز قوًى ناشئة موالية لروسيا أو إيران. وإلى جانب ما سبق، نجح الأسد في تفكيك الجزء الأكبر من شبكات مخلوف والسيطرة عليها. وفي المقابل، خسر مخلوف جزءًا كبيرًا من نفوذه داخل سورية من جرَّاء الإجراءات التي اتخذت ضده خلال الفترة السابقة، ولكن يبقى لمخلوف أوراق قوة تعزز موقفه التفاوضي تجاه الأسد؛ إذ يتمتع آل مخلوف بنفوذ داخل الطائفة العلوية، بالنظر إلى المساعدات المالية الكبيرة التي قدمها لها خلال الأزمة، وما زال يقدمها، وبالنظر إلى المخاطر التي يمكن أن يتكبدها الكثيرون في حال الاستحواذ على أصوله المالية. كما يُعد مخلوف أحد خازني أسرار العائلة الحاكمة، وقد نجح إلى حد ما في وضع الأسد تحت الضغط، عبر نقل الخلاف المستتر إلى العلَن. إضافةً إلى ذلك، طالب مخلوف الأسدَ بصرف الأموال المطلوبة منه على “الفقراء”، في محاولة منه للإشارة إلى أن غاية النظام من مصادرة أمواله هي تحويلها إلى حسابات العائلة، كما حمَّل مخلوف النظام المسؤولية في حال تعرُّض حياته للخطر. الأهم من كل ذلك أن جزءًا كبيرًا من الأموال، المنقولة وغير المنقولة، ولا سيما الأموال الموجودة في الخارج، هي باسم مخلوف، وهو وحده من يمتلك سلطة تحريكها.

وفي وقت لا تزال فيه الأجواء مشحونة بين الطرفين، وعلى الرغم من أن صاحب القرار داخل النظام السوري هو منصب الرئيس، حتى في حالة ضعف النظام وتبعيته وفقدانه للقرار السيادي الخارجي، فإن خيار التسوية يبقى الأرجح، على الأقلّ في هذه المرحلة؛ إذ قد يتخوف النظام من تضرر صورته لدى الطائفة العلوية التي دفعت الجزء الأكبر من تكلفة الدفاع عنه. وربما يخشى النظام من انعكاسات الخلاف المعلن مع مخلوف على الوضع الاقتصادي، فضلًا عن حاجته الماسة إلى السيولة المالية لمواجهة استحقاقاته الاقتصادية التي يتوقع أن تتصاعد مع دخول “قانون قيصر” حيز التنفيذ في الفترة المقبلة. علاوةً على ذلك، أبدى مخلوف، إدراكًا منه لضعف موقفه، استعداده للتسوية، عارضًا ملامح أولية لشكلها في التسجيلين اللذين نشرهما. وثمة تقارير تتحدث عن وساطات لإنجاز تسوية، من نوع ما، تسمح بإضعاف مخلوف من دون أن تؤدي بالضرورة إلى القضاء عليه. ولكنّ التجربة تثبت أنّ النظام السوري لا يسامح حتى في حالة التسوية المؤقتة، وأنه سيحفظ في ذاكرته محاولةَ مخاطبة الرأي العام من فوق رأسه، أو مخاطبة الرئيس علنًا.

[1] ينظر: عزمي بشارة، سورية: درب الآلام نحو الحرية،محاولة في التاريخ الراهن (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 55، 305-313.

[2] “رامي مخلوف ابن خال الأسد : ’لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا‘”، France 24، 11/5/2011، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/3bktpxL

[3] “رامي مخلوف.. المال والسياسة بسوريا”، الجزيرة، 4/10/2011، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/3bkcvzi

[4] سميت الجمعية بهذا الاسم نسبة إلى قرية بستان الباشا التي ينحدر منها آل مخلوف.

[5] خضر خضّور، “القوة في الضعف: قدرة الجيش السوري العرَضية على الصمود”، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 14/4/2016، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/2WcACeB

[6] يمتلك رامي مخلوف هذه الشركة بالشراكة مع علي محمد حمزة، ومحمد خير العمريط، وباهر السعدي، للمزيد ينظر: “للمرة الثانية خلال 4 أشهر الحجز على أموال رامي مخلوف”، سناك سوري، 20/4/2020، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/2WDAofO

[7] “مؤسسة نور للتمويل الصغير”، الاقتصادي، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/2SLANLM

[8] “شركة روافد دمشق”، موقع شركة دمشق الشام القابضة، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/2zipXGo

[9] أيمن الدسوقي، “شبكة اقتصاد الفرقة الرابعة خلال الصراع السوري”، مسارات الشرق الأوسط، مركز روبرت شومان للدراسات العليا بالجامعة الأوروبية، فلورنسا، 13/1/2020، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/2WfgcSw

[10] الترفيق: تولي مجموعة عسكرية رسمية وشبه رسمية مرافقة وحماية شاحنات النقل التجاري عند عبورها من منطقة إلى أخرى، وذلك مقابل تقاضي أموال من مالكي هذه الشاحنات. أما الترسيم فهو تقاضي القائمين على المعابر الداخلية، وهم من المجموعات العسكرية الرسمية وشبه الرسمية، رسومًا مالية على عبور البضائع والأفراد من منطقة إلى أخرى.

[11] أحمد إبراهيم، “النّظام السّوري ينافس الفصائل في جباية الأموال على حواجز الطرق”، صدى الشام، 24/4/2018، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/3fvcETw

[12] Kirill Semenov, “Who Controls Syria? The Al-Assad family, the Inner Circle, and the Tycoons,” Modern Diplomacy, 14/2/2018, accessed on 10/5/2020, at: https://bit.ly/34XIp28

[13] “فراس طلاس يكشف ملفات إمبراطورية مخلوف المالية! قصارى القول”، روسيا اليوم، 6/5/2020، شوهد في 6/5/2020، في: https://bit.ly/35LV2yy

[14] الدسوقي.

[15] داهمت قوات من الشرطة مقر أحد الشركات التابعة لإيهاب مخلوف، بحجة وجود دولارات، وعلى الرغم من عدم العثور على دولارات في الشركة فقد تقرر إغلاق مقرها، وطُلب من شريك إيهاب مخلوف المقيم في الخارج إلغاء الشراكة مع إيهاب، وإعادة تنظيمها مع خضر طاهر، في حال أراد أن تستمر شركته. حوار أجري مع مصدر مقيم في بيروت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، 6/5/2020.

[16] “سوريا تحل حزبًا يدعمه رامي مخلوف!”، قناة الجديد، 13/10/2019، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/2SMM3Ia

[17] Zaki Mehchy, “The Syrian Pound Signals Economic Deterioration,” Chatham House, 26/9/2019, accessed on 10/5/2020, at: https://bit.ly/2AbZB9A

[18] جوزيف ضاهر، “الأسباب العميقة لتدهور الليرة السورية”، مسارات الشرق الأوسط، مركز روبرت شومان للدراسات العليا بالجامعة الأوروبية، فلورنسا، 31/1/2020، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/39U2sAC

[19] “دراسة: تكاليف معيشة الأسرة في سوريا 430 ألف ليرة شهريًا”، سناك سوري، 7/4/2020، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/2SONhCC

[20] الأرقام الواردة في الجدول بحسب ما أوردته صحيفة الحلّ، ينظر: حسام صالح، “موازنة سوريا 2019.. لا زيادة في الرواتب وخفض للدعم وإعادة الإعمار تحتاج لنصف قرن!”، الحلّ، 5/11/2018، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/2B0k9zA

[21] وسام الجردي، “محروقات: خط الائتمان الإيراني عاد للعمل ومشتقات النفط تتوفر عبره”، الاقتصادي، 27/10/2019، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/35U8oZH

[22] فتحي أبو سهيل، “ابتزاز كبار رجال الأعمال السوريين عبر لعبة الحجز الاحتياطي”، الحلّ، 24/12/2019، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/2SLVJCu

[23] “مخلوف يرد: الوثائق تثبت عدم المخالفة والحملة هدفها تشويه السمعة”، الأخبار، 06/2/2020، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/2AcdfJO

[24] الهيئة الناظمة للاتصالات تطلب من شركتَي سيريتل وMTN تسديد مبلغ 233.8 مليار ليرة مستحقة لخزينة الدولة، مؤسسة دام برس الإعلامية، 27/4/2020، شوهد في 6/5/2020، في: https://bit.ly/35KhwQ9

[25] عبد الله الغضوي، “تركيبة جديدة في الهيكل الأمني للنظام السوري”، Chatham House، تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، شوهد في 10/5/2020، في: https://bit.ly/2YLhmXx

وحدة الدراسات السياسية

————————

عندما تصل شفرة الموسى إلى عظام الرقبة/ رياض معسعس

هل نتعاطف مع سارق ضد سارق آخر يريد أن يستحوذ على سرقاته؟

سؤال راودني أكثر من مرة عند مشاهدتي شريطين مصورين لرامي مخلوف وهو يتضرع لسيده وولي نعمته وابن عمته بشار الأسد كي يكف يد المخابرات عن شركاته، وأن يعيد النظر في مبلغ الضرائب المترتبة عليها، والتي تصل إلى رقم فلكي بالنسبة للسوري البسيط الذي يئن تحت سوط غلاء المعيشة وهبوط سعر العملة مقابل الدولار جراء التضخم السريع.

الفقراء والمحتاجين

رغم أن رامي كرر أكثر من مرة أن هذا المبلغ خصص للفقراء والمحتاجين، لكن لم يحدد فئة وهوية هؤلاء المحتاجين.

فنحن نرى يوميا على الشاشات مئات الآلاف من اللاجئين السوريين المحتاجين لا تصلهم أي معونة من رامي وغير رامي.

ظهر رامي في أحد أقبية منزله يتكلم بنبرة رجل تقي نقي طاهر علم بلحية خطها الشيب، مضمنا خطابه أدعية للرب أن يحمي سوريا بوصفه أن سوريا تمر بمرحلة حرجة جدا، ويحميه من ظلم ابن عمته وتخليه عنه بدفع رجال المخابرات لاعتقال مدراء شركاته، هؤلاء الرجال الذين كما أكد أنه كان أكبر الداعمين لهم أثناء الثورة.

وهذا يعني أنه ساعدهم في اعتقال مئات الآلاف من الشعب السوري، وقتل عشرات الآلاف منهم تحت التعذيب. ونسي مخلوف أنه وفي بداية الثورة التي كادت أن تكنس النظام تضرع لإسرائيل أيضا ضمنيا بإيعاز لها « أن أمنها هو من أمن سوريا « وهذا يعني أن النظام السوري «الممانع المقاوم المتصدي» هومن يحمي أمن إسرائيل.

وهنا رامي على حق فمنذ العام 1973 لم يطلق حتى حجرا في اتجاه الأراضي المحتلة من جبهة الجولان. رغم أن طائرات إسرائيل تعربد وتفعل ما تريد في الأجواء السورية حتى قبل الثورة، وتقصف المواقع التي تحب كما فعلت في العام 2007 بقصف المفاعل النووي في منطقة الكبر قرب دير الزور. ولكن لماذا يتوجه رامي إلى بشار عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟

هل هو بداية تفكك الدولة العميقة؟ أم تفكك العائلة الحاكمة؟ أم الاثنين معا؟ في الواقع تاريخ العائلة مليء بالتناحر والجرائم، وهذه ليست المرة الأولى وبالتأكيد لن تكون الأخيرة.

ففي العام 1984 كاد رفعت الأسد أن يطيح بأخيه حافظ الذي كان مريضا وانتهت العملية بأن سرق أموال البنك المركزي وغادر سوريا إلى فرنسا بجيوب متخمة بأموال الشعب السوري، نجله فراس الأسد طائر غرد خارج السرب الأسدي بعد أن انتابته صحوة ضمير فراح يكشف أسرار العائلة الكريمة ويتشاتم مع أخيه دريد فيقول:

« ليس ذنبي أنه لم ينقض على عمك في كفرسوسة كما كنت تريد عندما كانت الفرصة متاحة له وهو محاط بدبابات سرايا الدفاع»… ليس ذنبي يا دريد أن عمك كان قد انتصر على أبيك… بيني وبينكم أشلاء الآلاف من أطفال سوريا التي مزقت براميلكم وقصفكم العشوائي أجسادهم، وطمرتهم تحت ركام بيوتهم… لن أصمت» ولكن يبدو أنه صمت بعد التهديد، لأننا لم نسمع بعدها أي تصريح منه.

إذ يرد عليه أخوه دريد مهددا: « أقسم بذات الله لخليك تصير عبرة لمن يعتبر… وللمرة الأخيرة بقلك استهدي بالله وفكر مليا بنفسك … أعذر من أنذر».

وهذه شهادة شهدها شاهد من أهله… ثم خلال الثورة أودى انفجار «غامض» في غرفة اجتماع في مبنى الأمن بحياة آصف شوكت صهر بشار «زوج أخته بشرى»، ووزير الدفاع داوود راجحة ومسؤولين آخرين، وتشير أصابع الاتهام إلى بشار الذي أراد تصفية آصف لأنه كان يسعى مع شخصيات أخرى للدخول في مفاوضات مع المعارضة، وهذا خط أحمر بالنسبة للحلقة الأولى المسيطرة على الحكم. كما صفى والده صديقيه في اللجنة العسكرية وابني طائفته: محمد عمران الذي اغتيل في لبنان، وصلاح جديد الذي أمضي في السجن ثمانية وعشرين عاما ومات فيه.

«بنك العائلة الكريمة»

واليوم جاء الدور على رامي «بنك العائلة الكريمة»، وواجهة النظام المالية الذي يملك شركة سيرياتل وشركات أخرى تجني أرباحا خيالية. فابن العمة يحاكم ابن الخال لأسباب مالية مدفوعا ربما من حرمه المصون أسماء الاخرس لإزاحته عن احتلال المشهد الأول من ألبوم العائلة، وتبحث عن استبداله بشخصيات بيت الأخرس على غرار ما فعلت بعض زوجات زعماء عرب آخرين بغمس أصابع عائلاتهن في عسل الفساد اللذيذ.

ومن فلاديمير بوتين الذي يطالبه اليوم بدفع ثلاثة مليارات دولار ثمن التدخل الروسي لإنقاذ النظام كورقة ضغط لدفعه إلى التنازل عن تعنته في الانفتاح على المعارضة والدخول في مفاوضات معها تفتح الطريق أمام حل سياسي ينهي الأزمة السورية.

القدس العربي

————————–

دمشق بين رئيس الجمهورية ورئيس شركة/ عبد الرحمن الراشد

في حساب الأوزان، لا يجوز أن نقول إن هناك تنافساً بين رئيس الجمهورية، الذي يملك سلطة شبه كاملة، وبين رئيس شركة هاتف وإنْ كان ابن خاله. فمن بيده الجيش والأمن والمال له الكلمة الأخيرة.

هذا التقديم على هامش التحدي المفاجئ من رامي مخلوف لمؤسسة الحكم السورية، وبوضوح شديد احتجاجه موجه للرئيس بشار الأسد وتردد صداه في أنحاء العالم. عند السوريين، لو خيروا بين أبناء الخال والعم فالغالبية لن يهمها، خاصة أن فيديوهات دراما رامي تزامنت مع موسم شهر رمضان المزدحم بمسلسلات الدراما. وكما نعرف لسنوات، فإن الدراما السورية المثيرة للخيال تهيمن على سوق التلفزيونات العربية كل الليالي الثلاثين في رمضان. حتى ظهور وباء «كورونا» لم يمنعها من إكمال إنتاج نحو عشر مسلسلات قوية يصعب على أفلام رامي مخلوف مزاحمتها. هناك مسلسل «أولاد آدم» من تأليف الكاتب السوري رامي كوسا، ومسلسل «سوق الحرير» عن دمشق في منتصف القرن الماضي، من أبطاله بسام كوسا وكاريس بشار. ومسلسل «الساحر» من بطولة عابد فهد، قصة رجل يتمتع بكاريزما يدخل في عالم الكبار!

المسلسل الواقعي «رامي مخلوف» سينتهي قبل نهاية شهر رمضان إلا إذا تأكدت حقيقة التأويلات حوله، مع أن معرفة الحقيقة في الشام دائماً صعبة. فإذا كان الخلاف مالياً وعلى مائتي مليون دولار فالموضوع سهل الحل عائلياً. لكن إن كان حول الحكم ومقاليده وهيبته فإن النتيجة معروفة سلفاً لصالح الرئيس. ماذا لو كان الهدف من الفيديوهين اللذين صورهما رامي بنفسه، عن معاناته، هدفهما استثارة عواطف الشعب، أو بعضه، أو حتى الرئيس نفسه؟ صعب أن نصدق أنهما سينجحان، فقد سبقتهما عشرات الآلاف من الفيديوهات من إنتاج الشعب السوري، منذ عام 2011 عن معاناتهم ومطالبهم وتوسلاتهم وتهديداتهم؟ وكلها لم تحرك عضلة واحدة في وجه الرئيس.

ليس مهماً للخارج، كثيراً، لو تبين أن الخلاف عائلي أو مالي، لكنه إن كان سياسيا، كما يرجح، فالشأن السوري مهم جداً للمنطقة. سوريا، ساهمت بشكل رئيسي في إخراج الأميركيين من العراق لصالح إيران. وسوريا، هي التي مكنت إيران من لبنان. ولعقود، سوريا، هي التي حجّمت اتفاقي «كامب ديفيد» و«أوسلو». وسوريا، هي أرض المواجهة الروسية الأميركية، ولا يفصل بينهما سوى نهر الفرات. سوريا اليوم هي مفتاح مستقبل العراق.

قيل إن الخلاف بين رئيس الدولة ورئيس شركة سيريل يعكس صراع المحاور الدولية، ولو صح، فالقضية مهمة ليست للعائلة وحسب، بل لكل المنطقة وللدول الكبرى.

لتبسيط الخلاف وتحليله، وليس للتقليل من شأنه، إن كان التنازع هو على أي الحليفين الروسي أم الإيراني أن يغادر البلاد أو يبقى، فإن الجميع سينصت بانتباه. فقد انتهت الحرب الأهلية وخمدت الثورة، وهزمت المعارضة الوطنية، وطردت معظم التنظيمات الإرهابية ومعها تركيا، لكن، رغم ذلك، لم ينتصر النظام بعد. لهذا فإن المرحلة المقبلة للنظام، كما أشار مخلوف، ربما أكثر خطورة من حرب التسع سنوات الماضية. وفي رأيي كلها ستعتمد على قرار دمشق في حسم خيارات أحلافها الخارجية. فقد ركن الرئيس الأسد على إيران منذ توليه الحكم، وأصر على علاقة خاصة معها، وإيران بدورها هبت لإنقاذه في محنته خلال الحرب، لكن لولا نجدة الروس في الأخير، لخسر الأسد وحليفه الإيراني. بين روسيا وإيران، ستفضل دول المنطقة الروس كحليف لدمشق التي كانت تاريخياً في فلك موسكو منذ زمن الاتحاد السوفياتي. أما استمرار علاقة الأسد الخاصة مع نظام خامنئي و«الحرس الثوري» فسينظر إليه على أنه يمنحه الفضاء والشرعية التي يحتاجها لزرع الفوضى وتهديد أمن العراق ولبنان وفلسطين واليمن.

الشرق الأوسط

————————-

مخلوف الذي وضعَ السوريين على قلقٍ/ مالك ونوس

لا ندري سبب المظلومية التي دفعت رامي إلى الظهور بهيئة الضحية التي أخذها التكليف الضريبي على حين غرّةٍ، وهو الذي يملك مجموعةً من الشركات التي جعلت منه المتحكِّم الأكبر بالاقتصاد السوري على مدى 20 سنة.

اختلف مزاج السوريين بين الشريطين الذين أطلَّ عبرهما رجل الأعمال السوري، رامي مخلوف، قبل أيامٍ. كانوا مع الشريط الأول محايدين جالسين يتفرَّجون على تظلُّم من استغلَّهم طيلة أكثر من عشرين سنةً، وعمَّر من تعبهم امبراطوريةً ماليةً واقتصاديةً هائلة الحجم، فانتابهم شعور الشماتة والتشفّي. ثم انقلب مزاجهم مع الشريط الثاني ليستبدَّ بهم القلق حين استشعروا أن أمراً جللاً قد يقع فيعصف بحياتهم، ليضاف إلى النكبات التي نزلت على رؤوسهم طيلة السنوات التسع الماضية. فهذا الرجل الذي راكمَ أمجاداً وفَّرت له شعبيةً وأتباعاً قد يلجأ إلى تحريكهم لإحداث فوضى أمنيةً، هي آخر ما ينتظر السوريون حدوثه بسبب ما قد تحمله من فظائع.

لا ندري سبب المظلومية التي دفعت رامي إلى الظهور بهيئة الضحية التي أخذها التكليف الضريبي على حين غرّةٍ، وهو الذي يملك مجموعةً من الشركات التي جعلت منه المتحكِّم الأكبر بالاقتصاد السوري على مدى 20 سنة، وحققت له أرباحاً قدرت بعشرات مليارات الدولارات. فالأرباح السنوية لشركة سيريتل للاتصالات الخلوية التي يملكها، تزيد بعشرات الأضعاف عن المبلغ الضريبي المكلَّفة به والمقدَّر بحوالي 135 مليار ليرة سورية، أي ما يعادل 100 مليون دولار عن خمس سنوات عمل. ومن المفترض بكل شخصٍ في موقعه أن ينتظر التكليف الضريبي كل سنة، ما عدا أمثاله ممن اعتادوا على الربح الكبير من دون وازعٍ، والتهرب الضريبي من دون محاسبة.

تحدَّثَ مخلوف عن استعداده لدفع ما يترتب عليه من ضرائب طالبته بها “الدولة”، كما سماها (وليس الحكومة)، لكنه وضع شرطاً لذلك، ربما لأنه اعتقد أن الأموال لن تدخل القنوات الحكومية التي من المفترض أن تدخلها. أي أنه أظهر نفسه بمظهر القادر على الرفض، أي قادر على التهرب من دفع الضرائب، وفي هذه الحالة يعلن عن قدرته على مخالفة القانون. كما أنه أبدى استعداده للدفع، لكنه وضع شرطاً وهو أن يشرف الرئيس السوري الذي خاطبه في الشريطين، على توزيعها على الفقراء. ومع ذلك يبقى هذا الشرط شكلاً من أشكال الرفض لمبدأ دفع الضريبة، وهو الذي ليس له حق التدخل في مآلاتها. أي أن الرجل ومع كل هذا التظلم الذي أظهره، ما يزال يرى نفسه فوق القانون. إذ يعزُّ على من تهرَّب من دفع الضرائب طيلة هذه السنوات الخمس الماضية، على الأقل، أن يدفع الآن، معتقداً أن عامل الزمن سيساهم في إغفال دفعه الضريبة.

ولكن، وبالعودة إلى سردية الفقراء، وطلبه توزيع المبلغ عليهم، أليس امتناعه عن تسديد الرسوم الضريبية المترتبة على شركاته هو أحد أسباب وجود فقراء في سورية؟ لأن جباية الضرائب مهمة الحكومة التي من المفترض أن تعيد توزيعها على القطاعات الاقتصادية والإدارية والخدمية العاملة في البلاد لتعود بالنفع على الناس. وعند جباية الرسوم الضريبية بالشكل الصحيح، ومن دون أي استثناء أو محاباة، وتوزيعها كما هو مفترض واستثمارها بالشكل الأمثل، لا يعود هنالك من أناس محتاجين (سماهم الفقراء)، يتجمعون أمام أبواب المتصدقين، من أمثال مخلوف وغيره، لكي يفوزوا بمساعدة عينية أو مادية، يتكرَّم بها عليهم فتدفع عنهم الجوع، من دون أن تسمنهم، كما تفعل مؤسساته الخيرية التي جاء على ذكرها. أما حديثة عن الأموال التي ينفقها على الأعمال الخيرية، فلا تعادل نسبة ضئيلة من الرسوم الضريبية المستحقة على أرباحه. كما أنه وبحكم كونه من رجالات الدولة التي دعم مؤسساتها، كما قال، كان من المتوجب عليه تقديم المشورة لهذه الدولة للقيام بوظيفتها لتحقيق التنمية المستدامة التي هي الشرط الأساس لتقليل أعداد الفقراء، لكن الفقراء بالنسبة له أتباعاً سهلين، وتقليل نسبتهم يخفف سطوته ويقلل اتباعه.

لقد أرجع كثيرون ظهور مخلوف على هذه الشاكلة، وتظلُّمه وحديثه عن المضايقات التي يتعرَّض لها ويتعرَّض لها موظفوه، إلى ما ساقه الإعلام الروسي، قبل أيامٍ، وانتقد به النظام لتلكئه في حل مشكلات البلاد التي استعصت على الحل. تلك المقالات والتصريحات التي فتحت الباب واسعاً حول التكهنات بإمكانية حدوث تغييراتٍ في البلاد، ربما يكون موضوع مخلوف فاتحتها. كما أرجعه آخرون إلى الصراعات الإقليمية، وخصوصاً بين روسيا وإيران، وهو الذي يناقض الأقوال حول موقع مخلوف بينهما.

ومن فورهم، تحسَّس الفقراء الذين هم دائماً ضحية أي مشكلات أو قلاقل تقع في البلاد، خطراً سيجعلهم يدفعون ثمن هذه الخلافات؛ إذ توقعوا حدوث ارتفاعٍ كبيرٍ في سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة السورية، ما يؤدي إلى زيادة في أسعار السلع التموينية فتتدهور القدرة الشرائية المتدهورة عملياً، بعدما صار دخل الفرد في سورية الدخل الأضعف، ربما على الكرة الأرضية. فالدخل الذي لا يتجاوز ما يعادل 40 دولار شهرياً، في أحسن الأحوال، ستؤدي مشكلات من هذا النوع إلى جعل قيمته تتراجع إلى النصف أو أقل، ليصبح بالتالي غير كافٍ للإيفاء بأجور وسائل النقل للذهاب إلى العمل. أما المتشائمون أكثر، فقد ذهبت بهم مخاوفهم إلى توقع حدوث اشتباكات بين أنصار الطرفين، النظام وأنصار مخلوف، ربما في دمشق أو في الساحل، ما سيكلفهم أرواح أبنائهم التي لم تشبع الحرب من دمائهم حتى الآن.

بعد هدوء مزاجهم، فكَّر السوريون بأن محاكمةً علنيةً قد تكون أكثر ملاءمةً، ليوضع فيها مخلوف، وغيره، ممن تتهمهم بعض الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي بالفساد، تحت قوس المحكمة، ويدانون على ما تهرَّبوا من دفعه للحكومة، أو ما سلبوه من أموال الدولة ومن تربُّحٍ غير مشروعٍ واستغلال مكانةٍ. بهذه الطريقة يمكن أن ينتعش اقتصاد البلاد إن أدين هو أو غيره، واستعادت الدولة الأموال التي تربَّحها بفضل موقعه وتغوله في كافة قطاعات البلاد الاقتصادية. وبهذه الطريقة أيضاً، يمكن تجنيب البلاد إشكالات أمنية يتضرر منها فقراء السوريين، وليس غيرهم.

درج

———————–

رامي وبشار.. لا ترميم لما انكسر؟!/ يحيى العريضي

مع انطلاق الربيع العربي، اعتبر نظام الأسد نفسه محصناً تجاه أي تغيير؛ وأتى ذلك على لسان الأسد نهاية 2010 في مقابلة مع صحيفة “وول ستريت جيرانال”، حيث قال: “هكذا أمور لن تحدث في سوريا”. عملياً، حدثت؛ ولم يكن النظام مستعداً لها؛ ولكنه لملم نفسه؛ وصمد، مستعيناً بالتوحش والإرهاب وإيران وروسيا. وها نحن الآن، ندخل مرحلة جديدة وحاسمة تتمثل بقيام منظومة الاستبداد- مع استشعارها بأنها ستُقتَلَع- بتصفية بعضها البعض لحظة مواجهتها قدرها المحتوم. وها هو خلافها الحالي يعكس طبيعتها الوضيعة؛ إنه خلافٌ على المال المنهوب والمعَفَّش، وليس خلافاً حول القِيَم الأخلاقية المفترض أن تتحلى بها حاشية الحكم.

خرج علينا زعيم أساطين المال الحرام “رامي مخلوف” بإطلالتين مرئيتين بدا فيهما مهزوماً ليعلن انتقال كيس المال من كتف إلى كتف؛ مستخدماً مفردات تشي بكثير من الإدانة القانونية الجنائية الصريحة لقائلها وشركائه (كقوله إنه كان يمول الأجهزة الأمنية المُغرِقةِ إجراماً بحق الشعب السوري)، وتعطي دلالات نفسية فصامية عن الحالة التي وصل إليها، لاسيما عندما يستجير بالمولى عز وجل للمساعدة (ولكنه لا يعترف لله بما اقترفت يداه من ذنب بحق فقراء وطنه)، ويطلب من شريكه في الإثم تحقيق معايير العدالة والإنصاف؛ فأتت كلماته المتهدجة صريحة تُنبئُ بأن العقد الشيطاني بين أفراد العصابة الحاكمة قد بدأ بالانفراط.

إن صفة “العقوق” مألوفة جداً في سلوك منظومة الاستبداد؛ و”جزاء سنمار”- الذي لم يحصد سوى الخذلان والفناء إكراماً لتفانيه الصادق في خدمة سيده- هو النهج. فلن يشفع لرامي مخلوف مناشدته واستجداؤه لسيده، وتذكيره بأنه من “عظام الرقبة”، تماماً كما لم ينفع من خدم النظام أي مناشدة أو استجداء، فانتحروا ببضع رصاصات أو بطريقهم إلى ذلك المصير.

يثير هذا المشهد السؤال الأهم والأكبر عن مغزى تَكُشُف مشكلة “مخلوف” في صيغتها وتوقيتها الحاليين: إنه عامل التدخلات الخارجية وأهمها الروسية، حيث أدرك زعيم الكرملين أن أعمدة السلطة السورية بدأت تتداعى، لاسيما بعد الإدانة الموثقة للنظام باستخدام الأسلحة الكيماوية، واقتراب دخول قانون قيصر “القاصم” حيز التنفيذ؛ إضافة إلى معاناة طائفة النظام والسوريين عامة من الجوع والفاقة؛ حيث أضحى كثيرون يقارنون واقعهم الحالي المزري مع الفترة التي مرّ بها أجدادهم زمن المجاعة الكبرى المسماة “سفر برلك” في عشرينيات القرن الماضي؛ وبدؤوا أيضاً يطرحون أسئلة جادة عن جدوى الحرب العبثية، التي أدخلتهم بها الطغمة الحاكمة ضد إخوتهم في الوطن.

ثمة فرضية أخرى تفيد بأن بوتين، منذ تدخله المباشر في سوريا عام 2015، كان حريصاً على تثبيت دعائم نظام الأسد؛ وبالتالي فإن بوتين يستخدم مهاراته في إقناع العالم بجدوى استمرار بشار في الحكم، لأنه الوحيد القادر على استئصال رموز الفساد الاقتصادي في سوريا؛ ويدلل على ذلك بأن ما حصل بين رامي مخلوف وبشار الأسد هو مؤشر قوي على حزم الأخير في مكافحة أساطين الفساد بغض النظر عن قربهم منه. وهكذا سيبدو بشار بمثابة المخلص “Messiah” الذي يرغب بوتين في تسويقه أمام العالم الغربي الرافض لاستمراره في حكم سوريا المسقبل.

ولخيبة أمل الأسد وبوتين أيضاً، يبدو أن الاعتراف الصريح الذي أدلى به رامي مخلوف بقوله (حدا بيسرق حاله) قد جعلت المسرحية والحيلة تفتقران إلى المصداقية أمام العالم الخارجي، أو حتى أمام مؤيدي بشار الذين يسبغون عليه صفة القداسة. لقد أسقط هذا الاعتراف الصريح ورقة التوت عن عورة النظام أمام مواليه، الذين لم يكونوا يحاولون أن يصدقوا، حتى الأسبوع الماضي، أن بشار “المتسامي المتعالي وسند الأمه” بنظرهم هو شريك في الإثم مع “رامي” ابن خاله، الذي كان يحلل اقتراف الكبائر.

للحقيقة أن الصغير والكبير بين أفراد الموالاة كانوا يعرفون أن رامي مخلوف هو “خازن بيت مال ” بشار؛ ولكنهم كانوا يرفضون فكرة تأثيم الأخير، أما الآن فقد أصبحوا يقرون علانيةً أن رامي مخلوف وبشار هما وجهان لعملةٍ واحدة؛ وأن الخلاف بين الإثنين ناجم عن سعي بشار، بتحريض من زوجته، للاستحواذ على الأموال المسروقة من قبل رامي وبمباركته كرئيس للجمهورية شخصياً. ولعل السؤال الكبير الذي تطرحه الموالاة تعبيراً عن الريبة (والصدمة بآن واحد) التي تعتري نفوسها هو عن مغزى توقيت مطالبة بشار من شريكه رامي لتسديد قيمة الضرائب، حيث يتساءل هؤلاء: ألم يكن بشار يعلم خلال السنوات العشرين السابقة أن شريكه رامي يتهرب ضريبياً؟

لقد غدت حقيقة العلاقة التشاركية بين رامي وبشار في نهب أموال الشعب السوري لا تنطلي على كل من حاول إغلاق عينه عن الحقيقة؛ وأن الموالاة تعلم أن “حاميها هو حراميها”؛ وأن رأس النظام لم يفعل شيئاً سوى أنه استبدل جوقة شركائه القدامى (آل مخلوف) بأقرباء زوجته (آل الأخرس)، ويدللون على ذلك بحديثه الأخير الذي تصاغر فيه إلى دور “مرّوج إعلامي” لمزايا “البطاقة الذكية”، التي هي في الحقيقة مُنتَج لشركةٍ يديرها حوت المال الصاعد المدعو “مهند الدباغ” ابن خالة زوجة بشار. أما الحديث عن توسط “للملمة” الأمور، فلن يكون إلا بمثابة مهدئ لمرض عُضال؛ فما انكسر يصعُب ترميمه.

مما لا شك فيه بأن الوعي المستجد لأبناء طائفة النظام على حقيقة رأس النظام سيساهم في تقويض نظرة الألوهية التي كان يحتلها في العقل الجمعي الباطني بين أتباعه. وستساهم هذه النتيجة في تقويض مهمة بوتين أيضاً لتلميع صورة بشار خارجياً للمصافقة به مع الغرب مقابل حل مشكلات روسيا المتفاقمة؛ ولكن ربَّ ضارة نافعة؛ فقد تساعد هذه المسرحية بوتين في مهمة التخلص من العقبة الكأداء، والذي تفيد المعطيات أنه ليس ببعيد. وفي هذا السياق تأتي تهديدات خالد عبود لبوتين- وحتما بمباركة العقبة إياها- لتحرق المراكب لاستشعارها الخطر الحقيقي، ولتقول للروس: “اقتلاعنا يعني مواجهة مع إيران الحامي الأساس، ومع داعش في البيداء السورية. في المحصلة؛ لقد اقتربت المصافقة.

تلفزيون سوريا

———————–

وانتهت ملهاة رامي مخلوف/ عدنان عبد الرزاق

وها قد مرت عاصفة رامي، من دون أن تقتلع أي حصن بمملكة الأسد، بعد أن رأى “المشايخ” أن بتعميق الخلاف، تهديد للحكم أو تسريع الانهيار على أقل تقدير، فسووا الخلاف بما تقتضي الضرورة والمرحلة، وستشاهد على الأرجح، وبالقريب العاجل، نهاية لائقة لمسرحية خروج رامي من سوريا، تتشابه مع مسرحية إخراج رفعت، وإن كان الوقت والممثلين، لا يمنحان القدرة على “التاريخ يعيد نفسه”.

ربما يتفق السوريون، وقلما اتفقوا، على أن رامي مخلوف ليس عدوهم الأول ولا السبب الحقيقي بدمار سوريتهم وتشريد الشعب وبيع الثروات ومقدرات البلاد، حتى وإن كان أداة مهمة بمعظم ما جرى، منذ صرح بأن “أمن إسرائيل من أمن سورية” و ما سبقه عبر السيطرة بالقوة على الاقتصاد قبل ذاك، أو ما أجاد به من استقدام وتمويل الشبيحة بعده، وذلك حتى إعلان نهاية “الامبراطورية المخلوفية” بالمطلق قبل أيام، إثر خلل مخلوف بأهم شروط أسرار مافيا الأسد، وهي إخراج ملفات الخلاف الأسري إلى الإعلام وفتح العين على الأموال المنهوبة والتأكيد أن سورية الدولة ما هي إلا أداة لخدمة العصابة الحاكمة.

لأن رامي مخلوف، خاصة بعد موت عمته أم بشار الأسد، ومرض وابتعاد عراب النظام الأسدي، أبوه محمد مخلوف، بات مهيض الجناح ومثالاً يرمى بالواجهة، خلال أي دعاية لمحاربة الفساد، يروجها الأسد لنظامه أو تقوم بها زوجته لتلميع صورتها، أو لرمي المسؤولية عن كاهل حكومة الأسد، بعجزها أمام كفاية الشعب السوري الذي تعدت نسبة الفقر بصفوفه 90% والبطالة 84%، ولعل بالصفعات المتكررة لعيال محمد مخلوف، سواء بإبعاد حافظ عن “الأمن” وتهجيره إلى روسيا منذ ستة أعوام، على خلفية اتهامه بالتقصير واختراق ساحة العباسيين من “الإرهابيين” أو بالحجز الاحتياطي على أموال رامي العام الماضي على خلفية قضايا جمركية أو هذه الأيام بسبب تهرب ضريبي، إلا أدلة على تبدل الكتلة الصلبة السابقة بعد أن تفتت جلها وإحضار ثقات جدد حول وريث السلطة بدمشق، لضرورات محلية تخدم دعاية لا طائفية النظام، ودولية تصب في متابعة ترويج إعادة التأهيل والإنتاج.

بيد أن نقطتين هنا جديرتان بالذكر كي لا يساء الفهم، الأولى أن “مخلوف” ومنذ انقلاب حافظ الأسد عام 1970، هم بيت مال النظام وأداته الأولى بالسيطرة على مقدرات البلاد، ولعل بمسيرة الأب، محمد مخلوف من موظف بالمطار ثم مديراً لمؤسسة التبع قبل أن يتبوأ إدارة أهم وأكبر مصارف سورية “العقاري” ويتحول بعدها ل”السمسار الحصري” و”السيد عشرة بالمئة” للقروض والاستثمارات والعقود الخارجية، قبل أن يوكل لبكره رامي مهمة المتابعة، فيؤسس ويشارك ويدير أكبر خمسين شركة ومؤسسة مالية واقتصادية بسورية، أوصلت ثروة رامي لنحو 16 مليار دولار وأسرة مخلوف لنيف و26 ملياراً.

والنقطة الأخرى، من السذاجة بأقل الأوصاف، إبعاد أو تبرئة “مخلوف” عن كل فعل إجرامي اقترفه الأسد، إن عبرهم أو من خلال سواهم من رجال أعمال وساسة، ارتضوا عبر نصف قرن، أن يكونوا واجهات و”كركوزات” لتكريس الدولة العميقة، حتى باتت سورية دولياً وليس محلياً فقط، تختصر بسورية الأسد.

لكن تلك الأدوار وعلى مآسيها، قام بها رامي وقبله أبو رامي، من قبيل “وحيّ يوحى” وإن كان لهم مقابلها، مكاسب وأرباح وسطوة، وضعتهم بالواجهة وفق ما خطط مؤسس المافيا السورية حافظ الأسد، للحد الذي ظنّ السوريون، كما يجري اليوم، أن بنهاية رامي أو الامبراطورية المخلوفية، نهاية لنظام الأسد أو ملامح لسقوطه.

نهاية القول: بميزان الربح والخسارة، ترى ما الذي خسره وما الذي يمكن أن يكسبه بشار الأسد من “مسرحية رامي” التي تشابه وإلى حد بعيد، “مسرحية رفعت” التي كتبها وأخرجها حافظ الأسد مطلع ثمانينيات القرن الفائت. ؟!

لنبدأ باحتمالات الخسارة والتي أغلب الظن، أنها الأقل.

ربما يخسر الأسد الوريث، بعض الشعبية من حواضنه، خاصة بمدن الساحل السوري، فأن يلفظ “أبو الريم” ويعرضه لكل هذا الإذلال، فربما بذلك عدم ثقة مستقبلية بآل الأسد، ممن كان يظن نفسه مقرباً أو صاحب نفوذ ومال، وقد تتبدى آثار فقدان الثقة إن تطورت الأحداث وتحولت لصدام أو استطلاعات رأي واستفتاء.

كما يمكن اعتبار فضح أسرار الأسرة، من الخسائر التي تكبدها الأسد، فقبل فيديوهات رامي، ربما كانت الخلافات والجشع ومحاولات هيمنة أسماء الأخرس، مجرد نبوآت وتحليلات، لكنها بعد ظهور “الأستاذ” على وسائل التواصل وعرضه بخشوع وإيمان، محاولات “الآخر” قطع الشك لمن يهمه الأمر، باليقين.

وقد يمكننا إضافة تكشّف عورة الدولة وأن مخلوف والأسد هم القانون والدستور، ضمن خسائر رئيس النظام، والتي ربما تحتاج لكباش فدى كثر، كي يعود بعض بعض الثقة، بأن ثمة قانونا ناظما يطاول الجميع بسورية الأسد.

وأما لجهة الأرباح أو المكاسب التي حققها وسيحققها بشار الأسد، فهي وعلى ما يبدو، أكثر من أن تعد، ربما أولها، تلك الرسالة التي فهمها رجال الأعمال ولمتنفذين، بأن من لا يدفع فهو ليس أغلى وأهم من رامي، فما أقوله أو تقوله السيدة الأولى، ينفذ ومن دون الخروج عبر الفيس بوك، وفي ذلك تقوية لنفوذ الأسد الذي تراجع بعد تعدد المرجعيات بسورية وانقسام الجيش والأمن والاقتصاد، بين فسطاطي إيران وروسيا.

كما سيحصّل بشار الأسد بعض المال، جراء ذريعة الضرائب اليوم، أو مصادرة الأموال غداً، ما يمكن أن يمد بعمره ولو لبعض الوقت، بعد أن أعلنت الدولة الأسدية إفلاسها مراراً وعجزها عن زيادة الرواتب أو دفع الديون لشركاء الحرب بطهران وموسكو.

ولعل الفائدة الأهم التي سيجنيها الأسد جراء قصقصة أجنحة آل مخلوف، هي بالرسالة الواضحة لروسيا وإيران، بأني لم أزل الرأس وفق النظام الذي أسسه الوالد، ويخطئ من يظن أن برامي أو غير رامي، بديلاً يمكن التنسيق معه أو دفشه إلى مالا نحب ونرغب.

وأما ما قد يكون أهم مكاسب بشار الأسد خلال مرحلة على غاية من الحرج، فهو رمي رامي مخلوف بوجه الشارع السوري وحتى الخارجي، ليلتهي بفصول يومية لن تنتهي قريباً، فتشغل الخارجي بإعادة الحسابات وترهب الداخلي أو تشغله عن تهالك الدولة وفقره وما ينتظره من تجويع ومآس، خاصة إن لاقى قانون “قيصر” طريقه للتنفيذ كما تلوّح واشنطن الشهر المقبل.

لتأتي “الصفقة الطائفية” اليوم بإبعاد رامي عن سوريا، بعد الاعتذار وترك ممتلكات الداخل للأسد، فيزيد بشار من مكاسبة المالية أنه بوجه الفساد، حتى لو كان ببيت المال الأسدي.

بيد أن كل تلك الخسائر والأرباح، هي وبغالب الظن، مهدئات وقفز للأمام ليس إلا، إذ العامل الخارجي الدولي وحده، والصفقة الروسية الأمريكية خاصة، ما سيحدد الأرباح أو يحصي الخسائر، سواء بإبقاء وريث السلطة لأجل أو الاستعجال باستئصال نظام بات حمله عبئا على حامليه.

—————————-

ابحث عن المرأة.. مزن مرشد/ مزن مرشد

مقولة للكاتب الفرنسي الشهير ألكساندر دومان أصبحت فيما بعد مثلاً فرنسياً، بل وعالمياً، في أي قصيةٍ شائكة: “ابحث عن المرأة”.

في بداية حكم الأسد الأب لسوريا، كانت عائلة الأسد وأقاربه، شبه مغيبة تماماً عن السوريين، فمن الصعب معرفة أسماء أبناء الأسد ناهيك عن زوجته أو إخوته.

وفي بداية الثمانين من القرن الماضي، عرف السوريون شقيق الرئيس، قائد سرايا الدفاع سيئة الصيت، رفعت الأسد، الذي ما إن مرض أخوه الرئيس منتصف الثمانينيات، حتى قاد سراياه لمحاصرة دمشق لا مهدداً، بل راغباً بالإطاحة بحكم الشقيق الأكبر، والاستيلاء على السلطة، الصراع الذي انتهى بإفراغ البنك المركزي السوري من كامل العملة الصعبة في البلاد، وإعطائها لرفعت الأسد، شرط تنازله عن المعركة ومغادرته البلاد، وكان الوسيط في هذه العملية الرئيس الليبي آنذاك معمر القذافي، والذي دفع أيضا جزءاً لا بأس به من المال في سبيل رحيل رفعت.

بعد هذا المنعطف الخطير في حياة الأسد الأب، أعاد النظر تماماً، بالمقربين له من العائلة، وسحب ثقته من الكثيرين، فمن خذله أخوه، من الصعب أن يمنح ثقته لأحد بعد ذلك.

وهنا جاء تدخل زوجته أنيسة مخلوف، والتي لم يكن أحد من السوريين قد رآها حتى ذلك الوقت، إلى أخذ دورها الخفي بجر زوجها إلى حظيرة أهلها، فقربت زوجها الرئيس من أخيها محمد مخلوف، ومن أبنائه، الأمر الذي جعل الأسد يعتمد عليهم كلياً، ويضع كامل ثقته بهم، فهؤلاء باعتقاده، إن أرادوا أذيته، فإنهم لن يخذلوا أختهم وأولادها، ما جعل الأسد يعطيهم الصدارة في استلام الزمام الاقتصادي، فلم يعد يثق إلا بأولاد أشقاء، وشقيقات زوجته، حتى في حمايته الشخصية فظهر ذو الهمة شاليش خلف الأسد منذ ذلك الوقت وحتى وفاته.

وهكذا باتت البلد في يد الدائرة الأولى من أنسباء الرئيس وأولادهم وأقاربهم المقربين.

ولم يختلف الوضع بعد رحيل حافظ الأسد، وتسلم بشار الأسد تركته السياسية في رئاسة سوريا، وتركته الاقتصادية، التي بقيت بيد أولاد أخواله وعلى رأسهم ابن خاله الأشهر رامي مخلوف.

منذ تسلم الأسد الابن، لم يظهر أي خلاف على السطح، مع أبناء أخواله، أو داخل عائلة الأسد، سوى بعض الشائعات عن خلاف بين الكنة الجديدة، والسيدة الأولى السابقة.

إضافة لبعض الأخبار عن خلافات عميقة بين الشقيقة الكبرى للرئيس، بشرى الأسد وزوجة أخيها الشابة أسماء الأخرس.

وبقيت الأمور على حالها حتى بداية الثورة السورية التي ظهر فيها رامي مخلوف على الملأ للمرة الأولى، مصرحاً بأن أمن إسرائيل من أمن سوريا وبالطبع كان يقصد أمن عائلة الأسد وأعوانها وليس سوريا.

ومن ثم ليظهر بمظهر المحسن الكبير، حين أعلن تنازله عن شركة سيرياتل لصالح الشعب، في حركة مسرحية لامتصاص غضب الشارع الذي لم يهدأ.

تجاوزت الثورة عامها التاسع، وبدأت أسماء الأسد تأخذ الدور الذي أتقنته حماتها منذ عقود، بالاعتماد على أقربائها، فاخترعت ما أسمته بالبطاقة الذكية وأوكلتها إلى شركة تعود ملكيتها لابن خالتها، وبات الضغط يكبر على رأس النظام من زوجته، بضرورة التخلي عن أقارب والدته، والاعتماد على أقاربها، فبدأ بشار الأسد الضغط على ابن خاله رامي، بهدف كف يده عن ممتلكات العائلة فكل سوريا تعلم أن رامي مخلوف، ما هو إلا واجهة لأملاك الأسد وشريك بسيط فيها.

وعليه ظاهرياً، يعتبر رامي مخلوف أغنى رجل في سوريا.

واستمر التجاذب بين أسماء وسيطرة آل مخلوف حتى بات الشرخ صعب الردم بين القوتين المتصارعتين على ميراث اقتصادي لبلد غارق بالفساد والحرب والخراب، وتلعب فيه الأصابع الروسية والإيرانية وسواها، لنشاهد ولأول مرة في تاريخ سوريا فيديوهات لرامي مخلوف، مرة يهدد بلطف بكشف المستور، وأخرى باستجداء “السيد الرئيس” وتذكيره بما بينهما من تاريخ ومودة وثقة، ليظهر الخلاف على العلن، وليشمت السوريون بخلافات اللصوص الذين سرقوه لعقود، دون أن يستطيع الاعتراض، ولنقرأ بين السطور، أن القضية لا تتعدى صراع الكنة مع ابن حميها.

ولا تنتهي ملحمة مخلوف -الأسد من صراع على السيطرة على ثروة العائلة، ليبقى التنافس قائماً بين محمد مخلوف وابنه رامي من جهة والسيدة الأولى من جهة أخرى، خاصة في ظل دعم تجار دمشق لأسماء، وشماتتهم غير المعلنة، برامي، رجل الأعمال المدعوم، الذي كان يأخذ الفرص من أمامهم بكل يسر.

وبالطبع ليس مستغرباً أن يكون وراء كواليس القضية المالية، يكمن التنافس بين عرابي النظام، روسيا وإيران، اللذين يقاتلان من أجل التأثير على الأراضي السورية، وتقاسم الكعكة.

فما تزال حلقات المسلسل في بدايتها، وما تزال الحلقة الأخيرة تكتب بهدوء في أروقة قصور ناهبي سوريا، ومحتليها على حد سواء.

زمان الوصل

——————–

رامي مخلوف .. مهزوما وضعيفا ويتحدى دولة الأسد في فيديو ربما يكون الأخير/ علي عيد

أخيرا ظهر رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد ليؤكد كل ما أشيع حول حرب تدور رحاها بين فريق بشار الأسد الذي تديره زوجته أسماء من جهة وفريق رامي الذي يتمتع بنفوذ من خلال امبراطورية الممتلكات المقدرة بعشرات مليارات الدولارات والتي جمعها من خلال السطو على أملاك الدولة والاستيلاء على أموال شركائه في القطاع الخاص.

فيديو “ربع الساعة”، الذي ظهر فيه مخلوف مرتجلا أعطى مجموعة من الدلالات السياسية حول مواجهة بين الخال محمد وابنه رامي وفريق آخر يدعمه بشار وهو أكثر نفوذا اليوم داخل القصر الجمهوري، ويمكن استخلاص ما يمكن أن تكون مؤشرات ضمن “بازل” لأجزاء النواة الصلبة للنظام بعد تحالف عائلي ـ أمني ـ سياسي ـ اقتصادي مديد، وأبرز تلك المؤشرات تتلخص في الآتي:

ـ ليس هناك اتصال مباشر بين رامي وبشار، وهذا يعني أن التسريبات الروسية حول فساد آل مخلوف كانت بدفع من بشار الأسد وفريقه وهدفها تحجيم نفوذ آل مخلوف وإبعاده دون إحداث هزّة داخل جسم النظام والبيئة الموالية، ومن جهة أخرى فإن مثل هذا التحجيم يؤثر إيجابيا في خطط التغيير السياسي المطلوبة للدخول في مرحلة إعادة الإعمار، والتحكم بالسوق بعيداً عن “الهوامير” التقليديين الذي يعملون مع الحوت الاقتصادي ممثلا بعائلة مخلوف.

ـ يستخدم رامي مخلوف لغة مبطنة مع بشار الأسد للإيحاء له باستمرار الولاء، لكن اللغة ذاتها تسعى لفصل بشار عن الدولة، ما يعني أن مخلوف يريد القول إن بشار تديره مجموعة فاسدة تستغفله لاستهداف هذه العلاقة بينهما، دون الإفصاح عن مكونات المجموعة التي أصبح معروفا أن أسماء الأسد تشكل رأس الحربة فيها، وإذا وصلت الرسالة إلى بشار وهذا حصل فعلاً فإنه أمام خيارين، الأول زيادة الضغط إلى الحد الأقصى باتجاه تصفية أعمال مخلوف، أو تدمير ما تبقى من نواة البنية الداخلية لمجموعة الحكم مع معارضة رؤية موسكو في هذا الملف وهذا احتمال صعب التطبيق.

ـ الظهور على العلن بمواجهة فريق بشار الأسد يشير إلى أن رامي مخلوف يحاول الإيحاء بأنه ما زال يملك نفوذا يمكنه به أن يؤذي بشار الأسد إذا لم يستجب لمطلبه في انتهاج طريقة يراها رامي ملائمة لتحصيل المبلغ المطلوب من شركتي الاتصالات سيرياتيل وMTN اللتين يرأس مجلس إدارتهما مخلوف، والذي يصل إلى نحو 233 مليار ليرة سورية (تعادل 455 مليون دولار حسب سعر صرف المصرف المركزي الحكومي)، وتظهر صيغة التهديد بالطلب منه أن يتم توزيع تلك الأموال على جيش من الموظفين والمساهمين والمستفيدين من أعمال جمعية “راماك” الخيرية والتي كانت تدير جمعية “البستان”، وفي هذا محاولة لتأليب هؤلاء المستفيدين على قرار التحصيل الذي يرى مخلوف أنه يحرمهم من تلك الأموال، خصوصا إذا ما عرفنا بأن ميليشيا مقاتلة بالآلاف وتنتمي إلى بيئة حواضن النظام هي التي يجري تحريضها في هذا الفيديو بطريقة مبطنة.

ـ توقيت الفيديو يؤكد أن التطورات الأخيرة فيما يخص الكشف عن تهريب كمية ضخمة من الحشيش المخدر جرى ضبطها في مصر ضمن شحنة ألبان متوجهة إلى ليبيا وتتبع لشركة “ميلك مان” التي يملكها مخلوف، وحرب الفضائح الخاصة بشراء الأسد لوحة بمبلغ يفوق 23 مليون جنيه إسترليني لزوجته أسماء الأسد، أضف إلى الحرب الدائرة حول تورط أسماء وبشار الأسد في موضوع بطاقات “تكامل” الذكية التي يملك شركتها “فراس أخرس” شقيق أسماء الأسد، وابن خالتها “مهند الدباغ”، وأشخاص من فريق القصر التابع لبشار بينهم وزير القصر منصور عزام، ووزير النفط علي غانم.

ـ حمل الفيديو إشارات تؤكد أن قرارات الحجز التي طالت أموال مخلوف وشركاته في عدد من القطاعات ومنها الاتصالات والنفط (آبار بتروليوم) و”الفونديشين” ممثلة بمؤسسة “راماك” ومنظمتها الخيرية “البستان” عام 2019، ووضعها تحت رقابة مباشرة من لجان مشكلة من القصر الجمهوري، إذ يتحدث مخلوف بعبارات يقول فيها بأنه لا يريد كل تلك الأموال، وهذا يعني أيضا أن منعه من السفر مع مجموعة من رجال الأعمال هي صحيحة وماتزال سارية المفعول، وأن قرار خروجه ناتج عن شعوره بالوصول إلى حائط مسدود وعجز عن مواجهة ملفات الفساد، وعدم قدرته بالضرورة على إقناع بشار لعدم وجود اتصال مباشر.

ـ لغة تعابير الوجه واستخدام عنوان “كن مع الله ولا تبالي”، تحمل دلالات على حالة يأس يعيشها رامي مخلوف مع بشار الأسد، وهو يحاول تعويضها مع شريحة يستهدفها باستخدام أدوات بسيطة بتلاميح دينية للتأثير في البيئة الحاضنة، ويزيد من احتمالات هذا التمرير استخدام مكان بسيط، حيث بدا متربعا على فراش جلدي وخلفه زاوية حجرية وبعض قطع الخشب التي تستخدم في وقود “الشومينو” (المدفأة الجدارية)، وربما استخدم مخلوف زاوية في بيته، لكنه بدا مهيئا لهذا البث، لأنه استخدم كاميرا وحزمة إنترنت تضمن جودة عالية، ولم يظهر أي اهتزاز، بعنى أن الكاميرا مثبته بشكل جيد، وقد يكون اعتمد على مهندس متخصص لهذا الغرض، كما أنه خرج فقط لمدة 15 دقيقة و24 ثانية، وهي مدة زمنية مثالية لإحداث الأثر دون ملل حسب دراسات السوشال ميديا، كما أنها المدة الزمنية المفضلة لسرعة الانتشار والتحميل لمختلف المنصات وحتى الأجهزة المحمولة.

ـ أراد رامي مخلوف أن يقول إنه يخرج للمرة الثانية، مذكرا بظهوره الأول الذي هدد فيه إسرائيل عام 2011، وبأن النظام ـ وكان جزءا منه ـ سيقاتل حتى آخر رجل، لكنه اليوم ليس جزءا من معركة سياسية، بل اجتماعية، وهذا يخرجه من إطار المنافسة، لكنه سيجرّ تطورات أكبر.

خلاصة:

ليس معروفا إلى أين ستنتهي هذه التطورات، إلا أن انتحار رامي مخلوف