وجها لوجه

فواز حداد: آنَ لعسكر الانقلابات الانكفاء في ثكناتهم ولنظام النهب أن يرحل

غسان ناصر

يُعَدُّ فواز حداد (مواليد دمشق، عام 1947)، من أبرز الروائيّين السوريّين والعرب في الوقت الراهن. وبين «موزاييك، دمشق 39» (1991) و«تفسير اللاشيء» (2019)، أرّخ صاحب «الشاعر وجامع الهوامش» في أربع عشرة رواية، لسنوات الظلام الطويل الذي عاشته سورية في حكم البعث، راويًا تفاصيل عذابات السوريّين وإذلالهم وتفقيرهم، وفساد الطاغية وأهوال حربه وفظاعاتها ضدّ شعبه، مُشرّحًا السلطة القمعية في بلاده؛ مشكلًا عالمًا حرًّا هاربًا من العالم المقموع من قِبل استبدادَين سياسي وديني تحالفا ضدّ حقوق الإنسان السوري، الذي تعرض في العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين لكلّ أنواع الجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الحرب، بدءًا من الاعتقال والاغتيالات والموت تحت التعذيب، مرورًا بعمليات الإبادة والاستئصال، وصولًا إلى حرق الأخضر واليابس، أمام أنظار المجتمع الدولي الذي يشيح بوجهه عن مأساة العصر، عصر الهمجية الأسدية الروسية الإيرانية الطائفية!

ومنذ ارتفع صوت أبناء وبنات شعبه بهتافات الحرية والعدالة والكرامة، في آذار/ مارس 2011، انحاز صاحب «السوريون الأعداء» إلى الضحايا من المظلومين والمقهورين السوريّين، هو الذي رأى أنّ ما بدأ كانتفاضة مفعمة بالأمل تضخم إلى صراع مدمّر ومستعص على الحلّ، مع إيمانه المطلق أنّه مهما كانت نتائج ثورات الربيع العربي، فقد أصبحنا في زمن آخر، زمن لن يعود إلى الماضي، فالمستقبل في طريقه إلى التشكّل.

فواز حداد، الذي اختار الكتابة فأصبحت قدره المحتوم بما فيها من متعة وشقاء، يرى أنّ الروائي لا يكتب بمعزل عن البشر، وأنّ الرواية تتفاعل مع عصرها، ومع ما يعقبه من أحداث وعصور، وما تحمله من متغيّرات في المفاهيم، بحيث تكتسب أكثر من حياة، وتعتمد أكثر من قراءة.

لاقت روايات صاحب «الرسالة الأخيرة» نجاحًا ملفتًا، وطبعت مرّات عدّة وترجمت إلى العديد من اللغات. وفي رواياته الثلاث المتتالية بعد عام 2011 عمل، بحسب النقّاد، للولوج إلى قطاعات المجتمع السوري، راصدًا علاقة كلّ منها مع تقلّبات الوضع السوري التي أزهرت في الربيع، ثم تداعت إلى جحيم أرضي.

صاحب «المترجم الخائن» التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2009، خصَّ (مركز حرمون للدراسات المعاصرة) بهذا الحوار العميق والشيق، في محاولة منّا للتعرف إلى أبرز آرائه في الكتابة والأدب والثورة والثقافة والسياسة.

وتطرق حوارنا مع حداد إلى العديد من القضايا المتصلة براهن القضية السورية، والبلاد في عامها العاشر للحرب مع تراكم النزاعات، ووصول “فيروس كورونا” إليها. هذا إلى جانب حديثه عن جملة التحوُّلات التي شهدتها أحوال المثقّفين السوريّين في الدولة الشمولية، مؤكدًا أنّه لا ثقافة من دون قدرة المثقّف على التأثير، سواء بالمنطق أو بالجدل، وتقديم مثال على تطابق الفكر مع العمل، والبقاء على الدوام في حالة تقص واجتهاد.

هنا نص الحوار معه:

    عالجت روايتك الأخيرة «تفسير اللاشيء»، الصادرة عن “منشورات رياض الريّس” في بيروت، مواضيع عالية الحساسية كفكرة التلاشي في عالم يصيغه الموت والدمار، معريًا أحوالَ المثقّفين السوريّين بعد ثماني سنوات من الاستبداد والطغيان، متغلغلًا في التفاصيل لكشف المخبوء وغير المرئي والدافق تحت السطح في عوالم السياسة والدين والجنس، هذا الثالوث المحرّم الذي يُعدّ من المسكوت عنه في أدبنا العربي المعاصر. فهل هذا يعني أنّ لا خطوط حمرًا لديك عند الكتابة؟

حاولت جهدي على الدوام ألّا يكون لديّ خطوط حمراء، ولم تكن أكثر من محاولات للحدِّ منها، وقد نجحت إلى حدٍّ ما في أعمالي الروائية.

جاء الربيع العربي وتخطى الخطوط الحمراء كلّها، وكانت هناك فرصة أتاحت لي مجاراته، في محاولة للتكيف مع واقع جديد من الحرية. وساعدني خروجي من سورية في عدم الالتفات إلى ما قد يثيره عدم التقيد بها. كان تجاهل الحدث السوري يخلق لا محالة بونًا شاسعًا بين الرواية والواقع، وكان على الأرض قد تجاوزها، لم تكن هذه الخطوط أكثر من قيود رقابية مفتعلة، اضطر الأدب إلى الخضوع لها، والتحايل عليها، وأفضل ما فعله كثيرون اللجوء إلى الرمز والمناورة به، ونجح كثير من الأدباء في قول ما يريدون، هذا الأسلوب استدعته الرقابة، لكن بعدما تغلب الواقع عليها، لم يعد الرمز يفي بمتطلبات الكتابة. 

كانت النقلة واضحة في روايتي «السوريون الأعداء» من ناحية السياسة، وفي «الشاعر وجامع الهوامش» من ناحية الدين. أمّا في «تفسير اللاشيء» فقد كانت الحاجة ماسة إلى تشريح المثقّف، وذلك بوضعه في مهب ثقافة العصر، والظروف الناشئة عن الثورة، اخترت ألّا يكون مثقفًا عاديًا، بل مثقفًا من النوع الثقيل.

الكتابة اكتشاف بالنسبة إلى الروائي، على أن تكون من دون أفكار مسبقة، ولا حلول مسبقة، لئلا تتحكم في عمله قبل البدء فيه. الرواية، كما أتصوّرها، عملية تفاعل بين الروائي وموضوعه وشخصياته، مع أنّني أعرف أنّ الروائي لا يكتب من فراغ، ولا شخصياته قادمة من العدم، إذا كان يصنعها من طرف، فهو من طرف آخر يتعرف إليها من خلال مخالطتها، والاصطدام معها، ما يقوده إلى محاولة تفسير تصرفاتها، وتحوُّلاتها من خلال حوادث ومواقف وأفعال وأفكار.

في الكتابة مفاجآت، هذه طبيعتها، أنا لا أعرف هؤلاء الذين أكتب عنهم معرفة جيدة، خلال الكتابة أتعرف إليهم، وقد أصبحُ ناقلًا لأفكارهم، وفي الوقت نفسه لا أكون منحازًا إليهم، وربّما أكون مجرد مشرف عليهم، أو منظم تحركاتهم. لا شكّ أنّ من مهام الروائي أن يُحسن إدارة شخصيات روايته، من دون أن يملي عليها تصرفاتهم أو أفكارهم وكلامهم. إنّها عملية بطيئة تؤثر فيّ أكثر ممّا أؤثر فيها، أنا لست في مسرح للعرائس أحرك شخصياتي، ولا في مسرحية نصّها على الورق، دوري يتجلى في إخراجها على خشبة المسرح. أنا في مسرحية مرتجلة تتكون بهدوء، وتُنجز بأناة، مهما تعالى ضجيجها وصخبها.

في روايتي «تفسير اللاشيء» كان من الضروري تأمّل شخصية المثقّف، لماذا يقول شيئًا ويفعل شيئًا آخر؟ لماذا يختلق الذرائع؟ كيف يدافع عن نفسه؟ لماذا يتنكر لآرائه؟ ماذا عن الضمير؟ هناك عطب في داخل تلك النوعية من المثقّفين، يتخفون عليه، وربّما كانوا لا يعرفونه، ينكشف لهم عندما يتعرضون لخيارات قاسية أو مصيرية، فينهار عالمهم، ليس بالضرورة بسبب الثورة، ففي الرواية ظهر هذا العطب من جراء انفصال زوجته عنه، وإن جاء بالتزامن مع الثورة.

تتحرك الرواية في عوالم المثقّفين من مفكرين وفنانين ومحللين سياسيين، هناك أمراض وانتهازية وخيانات، على حساب الحقيقة والأخلاق والضمير، تتم لإرضاء السلطة وبتواطؤ معها. مثقفو السلطة لديهم حاسة شم، لا يحتاجون إلى إرشادات ولا تعليمات منها، يسارعون لتقديم خدماتهم إليها. لم أقصد أن أرسمهم على هذا النحو، بقدر ما يحيلنا الحدث السوري إليها وإليهم.           

لا يجوز إغفال سؤال ملحّ: هل تستطيع الثقافة أن تفعل شيئًا؟ نعم إذا كانت حقيقية، ولم نستعملها للاختباء وراءها، تُلزمنا الثقافة بالمسؤولية، إنّها مسؤولية حملة المعرفة، وما توجبه على أصحابها، فهي ليست مادة للكتابة أو جني المال فقط. وليس كثيرًا أن يكون المثقّف على سوية ثقافته، وإلّا فليصمت، الثقافة هي ضمير المثقّف، أعتقد بفعلها وقوّة تأثيرها، وإلّا فلا جدوى منها على الإطلاق.

    الرواية، كما قرأتُ، “لا يستبعد أنّها تدور حول نهاية التاريخ وإخفاقاته وسقوطه”، وعليه أسألك: هل تستطيع الكتابة الروائية التنبؤ أو استشراف المستقبل؟

تتطرق الرواية إلى فكرة التاريخ من زوايا متعدّدة. خلال السنوات الماضية، أدركنا أنّنا نعيش في ظرف تاريخي، مهما قيل عنه، سيشكل منعطفًا حاسمًا. ولو تأخر فهذه المرحلة ستؤسّس له، بعد انكشاف ادّعاء النظام تبني قيم الحرية والوحدة والاشتراكية، والصمود والتصدي، الممانعة والمقاومة، شعارات ظهر أنّها زائفة. هذا تاريخ من الأكاذيب رحل، كان يدّعي الحياة، بينما هو ميت، مهما يكن فقد كان تاريخًا لمجرد أنّنا عشناه ودفعنا ثمنه باهظًا، كان زمنًا ضائعًا. 

ليس التاريخ راكدًا، إنه يتحرك نحو الأمام، مثلما يتحرك نحو الخلف، ولا يشترط معرفة، ولا التيقن، إلى أين يتوجه، إنّه خزان احتمالات، وإذا كنت أعتقد بعدم قدرة الرواية على التنبؤ، ولا استشراف المستقبل، فأنا أقصد عدم المبالغة بهذا الأمر، فالرواية ليس هذا من مهامها. أقصد أنّ الروائي ليس متنبئًا فلكيًا ولا جويًا، حتّى روايات الخيال العلمي التي تذهب إلى المستقبل القريب والبعيد لا تفلح في إكمال شوط رؤية المستقبل، إنّها تتكهن به، وقد يتحقق قدر منها، وليس من الغريب أن تتقاطع مع المستقبل، فالاحتمال وارد، فإذا كنا نكتب عمّا نتوقعه مثلًا من مآل الربيع العربي أو الإرهاب، فنحن لا نتنبأ، نحن نقرأ.

الرواية صنو الحياة، وليست بديلًا عنها. فلا نبالغ بقدراتها، تنحو إلى مجاراتها، يصعب فيها التنبؤ، إن لم يكن مستحيلًا، فهو ليس مهارات ولا سبقًا صحفيًا، لو حاولت الرواية اقترافه، فلا يعني أكثر من أنّها تضرب في المجهول. هذا ما تعلمناه من الحياة، لوحت بكثير من الآمال، وأحيانًا تتحقق.

بالمناسبة، معظم رواياتي -إن لم يكن كلها- نهاياتها مفتوحة. انظر، على الرغم من طي صفحة الشيوعية من العالم، فالتاريخ لم ينته، ما زال عالقًا في صراعات متجددة، سواء أكانت باردة أم ساخنة. للتاريخ أكثر من منطق، وربّما كان يتحرك بلا منطق.

ماذا يعني التاريخ في بلدنا؟ إنّه المعاناة من إخفاق وعود الاستقلال، لكن ليس السقوط في اليأس. آنَ لعسكر الانقلابات الانكفاء في ثكناتهم، بعد حربهم المشينة على الشعب، ولنظام النهب أن يرحل، والأفضل محاكمته على ما ارتكبه من جرائم لا يصح أن تمرّ دونما حساب. عندئذ، يصبح لتاريخنا معنى.  

    علينا دحض رواية النظام..

    تميزت كتاباتك، سواء القصصية أو الروائية أو المقالات النقدية، بالجرأة والشجاعة، كيف كان وضعك في مواجهة مع النظام الأمني ببلدك؟ وهل ما زلت تتوجّس من سلطة الرقيب بعيدًا عن سقف الوطن؟ وقبل هذا كيف تتعامل مع رقيبك الداخلي أثناء الكتابة؟

قصة الجرأة والشجاعة لن أقطع فيها برأي، ولا يجوز المبالغة بها، كل ما جهدت فعله في رواياتي أن أكتبها بحيث أكون راضيًا عنها، لقد كتبت كما فكرت وأردت، ولم أعمل حسابًا لجهة، كانت الرقابة تمارس تأثيرها في لاوعيي، وإذا كنت لم أتجرأ كما ينبغي فعلًا، فلأنّني كنت في الداخل، ومع هذا قيل إنّني تجرأت على كثير من الخطوط حمراء. ومن حسن حظي، لم تُقم السلطة وزنًا لما كتبته، أو لم تعلم به. كما أنّ الرقابة في وزارة الإعلام لم تبلغ أجهزة الأمن بهذه التجاوزات، كانت تمنع وكفى.

 لم أتعرض لمضايقات النظام الأمني، ولهذا أسباب إضافية. أوّلًا، أسهم الوسط الثقافي بالتعتيم على كتاباتي، وتعمد تجاهلي. وأنا لم أشأ إثارة أيّ ضجة حول منع رواياتي، كان هذا قراري وبشكل مبكر، حتّى عندما أصبحت أيّ رواية أكتبها ممنوعة لمجرد أنّ اسمي على الغلاف. أعلم أن ليس لديّ القدرة على مقارعة النظام، ولو كان في سبيل الشهرة التي يسعى إليها كثيرون عن هذا الطريق. ثانيًا، عدم اعتراف “اتّحاد الكُتّاب” في دمشق برواياتي، وإذا أشار إليها ففي معرض الذم والتجريح، لمجرد أنّني لم أتقدّم بطلب انتساب إلى الاتّحاد، ولم أكن الوحيد، هناك كثيرون لم يفعلوها قبلي وبعدي. الخلاصة أنهم لم يعترفوا بي كاتبًا، وأظهروها في مناسبات عدّة. وأنا بدوري لم أعترف بهم. اعتبروا الموقف ضدّي دفاعًا عن اتّحاد هو ملكيتهم وعرينهم. وأفضل ما أصف الحالة بيننا، لم يهتموا بي مثلما لم أهتم بهم.   

عندما كنت في الداخل، توجّست من الرقيب، بينما منذ سنوات وأنا خارج سورية، لم يعد هناك مبرر لأعمل حسابًا له، ما دمت خارج سلطته، وليس لديّ سبب لمداراة أمزجته، كما لا مسكوت أخفيه، كل شيء قابل للكتابة عنه. المشكلة تتحدّد مع الرقيب الداخلي، هذا ما ينبغي التغلب عليه، ولا يمكن أن يتم إلّا بحوار مستمر وعميق مع أنفسنا، أشبه بتحليل نفسي، ومكاشفة بمنتهى العقلانية. يجب الاقتناع بأنّ هناك الكثير ممّا كنا نخشى الكتابة عنه، لدوافع شخصية أو لمخاوف ثانوية في نفوسنا، لا بدّ من التعرف إليها، لا البقاء طي الخفاء… إنّها معركة حقيقية إنسانية وأخلاقية ودينية ووطنية وسياسية، تمس معتقدات نشأنا عليها وتعايشنا معها، وسوف تكون الجرأة في الانقلاب عليها، وربّما التمسك ببعضها.

    سؤالي عن الجديد الذي أضافته روايتك «تفسير اللاشيء»، وهي الرابعة عشرة في رصيدك الإبداعي، إلى تجربتك الروائية الثرّة، ما هو؟ وهل ستكون -كما ذكرت في حوار سابق- ختام رواياتك عمّا عشناه من منعطفات كبيرة في بلادٍ محتلّة أو مخطوفة منذ ما يقارب نصف قرن من قِبل الدولة الشمولية، التي تصفها في كتاباتك بـ “البلاء”؟

أوّلًا، خلافًا لما قلته سابقًا، امتد مشروعي الروائي عن الحدث السوري، لم يعد ثلاث روايات أصبح خمس روايات، وليس هذا من باب التطويل، ولا أنّني وجدت موضوعات جاهزة أكتب عنها، الأمر غير هذا تمامًا. إنّه حدث هائل، تتفتق عنه أسئلة أكثر من أن تحتويها مئات الروايات، حدث بالغ الأهمية على مستوى الداخل والمنطقة والعالم، يضطرنا إلى إعادة النظر إلى بلدنا وأنفسنا والحياة من زوايا مغايرة تمامًا لما اعتدناه، ولما درجنا عليه، حتّى كدنا أن نراه مألوفًا وعاديًا، ما دام هناك من يظن أنّها الحالة الطبيعية لسورية، وأنّ الدكتاتورية نعمة والثورة نقمة، يجب علينا دحض رواية النظام، لحساب رواية متحررة من قيود المنع ومنطلقة إلى العالم من دون أثقال النفاق والرياء. التأمل مسؤولية، لئلا نخسر التجربة، ومعها المزيد من الفرص. هناك أكثر من جيل، قضى حياته تحت وطأة هذا النظام، ما عاشه كان حياة مضيعة، وعذابات دفعها ثمنًا لقاء أمان كاذب واستقرار مهدد. كان العيش في انتظار الموت. كفى لا نريد للأجيال القادمة أن تعيش ما يشبهها.

ثانيًا، أضافت رواية «تفسير اللاشيء» إلى رواياتي، أجواء لم أتعامل معها من قبل، في الفلسفة بوجه عام، والفن والسياسة، كان حضورها في الرواية شائقًا، وله أهمية بالنسبة إليّ، وإلى سورية والسوريّين، أن نتوضع من خلال الثقافة في مهب أفكار معاصرة.

ثالثًا، كلّ رواية إن لم تشكّل أكثر من حاجة واحدة لدى الكاتب، وتخاطب شيئًا ما في داخله، وتشكّل عامل غواية له من ناحية الجدة، ودافعًا قويًا، سواء أكان أخلاقيًا أو سياسيًا، أو اجتماعيًا، أو شيء له علاقة قصوى بالحياة؛ فلا حافز لديه على تكريس نفسه ووقته، لزمن ٍقد يمتد إلى سنوات، والانشغال بها نهارًا وليلًا، هذا ما يعنيه الارتباط بعمل شاق، تلك هي متعته.

    قبل الشروع في كتابة هذا النصّ، هل كان في ذهنك مخطّط عام للرواية؟ وهل يمكن اعتبارها جزءًا ثالثًا لروايتي «السوريون الأعداء» (2014)، و«الشاعر وجامع الهوامش» (2017)؟

لا، لم يكن في ذهني مخطط دقيق ولا عام، عادة أنا أقود الحدث، والحدث بدوره يقودني، وكأنّ المسألة تبادل أدوار. ولديّ أفكار قد لا تكون واضحة تمامًا، تقلقني وتدفعني إلى التساؤل، فأسعى من خلال الكتابة إلى أن تكون واضحة. الكتابة في أحد وجوهها، محاولة لإزالة الغموض عمّا يواجهنا من حالات مشوشة محيرة، تجر الكاتب إلى عملية أخذ ورد، وتداعيات تتوالد منها تداعيات. الكتابة عملية معقدة، الكاتب نفسه لا يفهمها تمامًا، ولا يسيطر عليها أحيانًا، لذلك تبدو وكأن لديها أسرارها، وقد تكون خليطًا من هذا كله، ومن الغريب، أنّها تتشكّل، مهما واجه من صعوبات، ببطء في داخله، تظهر كأنّها إلهام، بينما هو يبحث عن منافذ لها.

فمثلًا بالنسبة إلى «السوريون الأعداء»، مجرد إدراكي أنّني أعيش في فترة قد تشكّل مفصلًا تاريخيًا في مسيرة البلد، ولحظة تاريخية لا يجب تفويتها، بصرف النظر عن نتائجها، والتساؤل لماذا حدثت بهذا الزخم والامتداد؟ ما الذي تراكم خلال أربعة عقود حتّى حصل هذا الانفجار؟ لا يمكن تجاهل هذه التساؤلات، ليس الجواب عنها، بقدر ما تطرح من خلالها مسألة البشر، ماذا عنهم؟ وهي المسألة الكبرى.

قيل: يجب أن ننتظر، هل التساؤل لماذا حدثت الثورة، ومحاولة الجواب يصح فيه الانتظار؟ أمر الدول لا يهمني، إلّا بمقدار تأثيره في الناس، من هذا الباب نتعرض إلى حماقة السلطة وجبروتها. يمكن تلخيص الروايات الحالية للثورة، بالمطالبة بالحرية والكرامة، بعدما تعرضوا للقمع طوال أربعين عامًا، كان الجواب؛ الرصاص والمجازر والتعذيب حتّى الموت… لإخضاعهم.. إنّها عن هذا الصدام غير المتكافئ. لم يطل الوقت، عندما جاءت الأسئلة الكبرى، الديمقراطية، الدولة المدنية، سيادة القانون، شكل الدولة… أسئلة تشق على الحصر.

هناك من ينتظرون نهاية هذا الحدث ليكتبوا عنه، هذا ما يقولونه، ويزيدون بأنّه من الأفضل مرور بعض السنوات أيضًا، ربّما ظهرت بعض الحقائق الجديدة. ويستشهدون بتولستوي الذي كتب “الحرب والسلام”، بعد مرور قرن على الحدث الروسي. لو أنّ تولستوي كان في زمن الغزو الفرنسي لروسيا، فلن ينتظر أكثر من عودة نابليون مهزومًا من موسكو، ثم يستقي معلوماته عنها ممن حضروا الحرب، لم ينتظر بضع سنوات، ليكتب عنها. كتب إيليا أهرنبورج روايته الكبرى «سقوط باريس» في عام 1942، كان قد شهد سقوطها عام 1940، بينما كتب جورج أورويل «الحنين إلى كتالونيا» عن الحرب الأهلية الإسبانية، وكانت لم تنته بعد. وماذا عن أندريه مارلو الذي كتب «الأمل» عن الفترة نفسها، كذلك «الوضع البشري» عن الثورة الصينية.  

كتابة الرواية خيار، قد تكتب اليوم أو فيما بعد، وما كتب اليوم لا يمنع ما سوف يُكتب فيما بعد، في جميع الحالات الحدث يفرض نفسه. أنا لا أريد كتابة رواية تاريخية، لا توثيق الثورة، سياسيًا ودوليًا، ولست بانتظار ظهور وثائق وحقائق جديدة، وسائل التواصل وفرت لي معلومات تفيض عن الحدث، ما أكتب عنه، يحتاج إلى موقف ونزاهة. لماذا؟ أنا أكتب عنا نحن، إنّها روايتنا.

بعد تسع سنوات من الثورة، هل ما زالوا ينتظرون؟ 

هذه الرواية، لا تشكّل جزءًا ثالثًا للروايتين السابقتين، كل رواية لا علاقة لها بالأخرى، لكنها على صلة بها، تجمعهم أرضية واحدة، ومناخ متقارب، الأشخاص متنوعون، وأحيانًا أنفسهم مع ما طرأ عليهم، أمّا ما يراد الخوض فيه فمختلف تمامًا، من ناحية أنّ الخطوط في داخلها لها سيرورتها الخاصّة. لا أعتقد أنّ لدى روائي واحد القدرة على الكتابة عن حدث استمر نحو عشر سنوات رواية واحدة، فما بالك إذا كانت نحو نصف قرن؟ إلّا إذا كانت على أجزاء. خاصّة أنّها رواية عن سورية، تسبقها خلفية عن حياة هائلة من الزمن والأحداث والبشر. هذا الحدث لم ينتهِ بعد، مع هذا كتبت عنه مئات الروايات، ليس أنّها جيدة أو غير جيدة، وإنّما كلّ منهم يكتب رؤيته وتجربته.

هل نسخر من الذين يريدون الكتابة عن المآسي التي عاشوها، بدعوى أنّها لا تستوفي شروط الرواية؟ ليس الأمر أنّها رواية أو غير رواية. الأمر هو أنّ كثيرين يريدون الكتابة عن معاناتهم، ولديهم ما يقولونه.

    الأدب يعيد للإنسان إيمانه بقدراته..

    إلى أيّ مدى تعتمد على سيرتك الذاتية في بناء هذه الرواية وما سبقها من رواياتك، خاصّة أنّ هناك من يقول: إنّه “ما من رواية إلّا وتحمل في طياتها جوانب من سيرة كاتبها”، كذلك يقال: إنّ “الرواية ما هي إلّا اختراع اختلقه الكُتّاب من أجل إيهامنا بأنّهم لا يتحدثون عن سيرهم وتجاربهم الإنسانية ومدنهم…”؟

قد تحتوي الرواية على قدر من السيرة الذاتية، وليس من نصيب محدد. تتسلل حياة الروائي وتجاربه وآرائه إلى رواياته، ولا تقتصر عليه وحده، بل تشمل سيرة الآخرين وآرائهم أيضًا، ولن تكون نسخة طبق الأصل عنها، بل تتعرض للإضافة والحذف والتعديل والتحوير، ويطالها التجميل والتشويه، عن قصد وعن غير قصد، بمعنى ما لا تعود هي، تصبح ضالعة في الرواية، بحكم أنّها باتت جزءًا منها، تخضع لمنطقها، لا لحقيقتها الأصلية.

يستفيد الروائي من كل ما هو لصيق به، أو يعرض له، وما حياته وحياة الآخرين إلّا مواد صالحة للاستخدام في الكتابة، مواد ملهمة، وربّما كانت محفزة على الكتابة، لولاها أحيانًا لما كان كتابه.

    هل يمكن تصنيف رواياتك التي رصدتَ فيها المتغيرات الاجتماعية والثقافية والسياسية في سورية، ضمن “الروايات التاريخية”؟ وبالتالي اعتبارها وثائق لقراءة التاريخ السوري المعاصر من كل جوانبه؟

ليس الروائي مؤرخًا، هناك مؤرخون، ونحن -الروائيّين- مدينون لهم، نأخذ منهم ونعتمد عليهم. المؤرخ يكتب التاريخ بالاعتماد على مصادر ووثائق. بينما ما يُدعى بالرواية التاريخية، مثل روايات “جرجي زيدان”، تستقي أحداثها من جهد المؤرخين، وتسبغ عليه أسلوبًا دراميًا، الحدث حقيقي، والأشخاص حقيقيون، لكن تعليل الأسباب يكون بمحاولة إعطائها تفسيرًا ما، مثلًا بالصراع بين ملوك وزعماء وقادة، وقد يرد انهيار الحكم لأسباب أخلاقية كانتشار التحلل والبذخ، أو يعلل سقوط عرش بدسائس القصور. في الرواية التاريخية، يلعب التاريخ الدور الرئيس، فهو الهدف، والبشر أدواته وعلى شكل مجموعات، يتحكم الملوك والقادة في مصايرهم، وتكون الحروب والمؤامرات آلية التغيير.

بينما ما نكتبه رواية لها جانب تاريخي، حدثت في زمان معين ومكان معين، أي أنّني أؤكد مسألة تحديد الزمان والمكان، ولا أهمل المناخ الاجتماعي والفكري في ذلك الوقت، وذلك لإعطائها صبغة واقعية، لأنّ ما سيجري في داخلها يدور حول البشر العاديّين، إنّهم الشخصية الرئيسة، أمّا التاريخ ففي الخلفية يلعب دوره كأحد المؤثرات. أي أنّنا لا نكتب التاريخ، ولا نحاول إعادة كتابته بشكل روائي، نحن نكتب عن البشر في التاريخ. ما أقصده أنّ اهتمامنا هو البشر بالدرجة الأولى، ولا نلغي تأثيره في مصايرهم. فمثلًا قصص الحب لا تختلف عن بعضها بعضًا، إلّا لأنّها حدثت في زمان ومكان معينين، ولو كان المكان هو الفراغ، والزمان متخيّل، وإلّا كانت قصص الغرام تكرر نفسها. فروميو وجولييت في زمن شكسبير، تختلف عن روميو وجولييت في عام 1980، الأولى وقعت حوادثها في مدينة فيرونا بإيطاليا، بينما الثانية في مدينة حلب بسورية. هل يصح القول إنّهما نفسهما، أو أنّ الأولى تاريخية، والثانية معاصرة. كلتاهما عن الحب، ويمكن اعتبارهما معاصرتين ومتجددتين، ولو أنّنا لم نغفل فعل الزمان والمكان. وإذا اعتبرنا الثانية هي المعاصرة فقط. اليوم، نحن في العام 2020، هل ما زالت معاصرة؟

من جانب آخر، لا يمكن اعتبار الرواية التاريخية، ولا الرواية التي لا تهمل الزمان والمكان، وثائق لقراءة التاريخ. ما دام الروايتان تأخذان مادتهما من كتب التاريخ، تستفيد منه، وتضفي عليه ما ليس فيه، أو تتقيد به وتسايره، أو تخرج عنه، تبعًا لمقاصد الكاتب. يفتقر التاريخ إلى البشر العاديّين، وإلى الدراما الإنسانية التي نعيشها، وهي لا تدخل في حساب حركة التاريخ الكبرى كانهيار الاتّحاد السوفيتي مثلًا، بينما استطاعت كاتبة، مثل البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش، في كتابها «زمن مستعمل: نهاية الإنسان الأحمر» رصد عوالم الانهيارات الإنسانية الشخصية للبشر الذين آمنوا بالاشتراكية، والأشخاص الذين تضرروا من الدولة الستالينية. وبالرغم من المادة التوثيقية شكل الجانب الروائي غير المعتاد إضافة هائلة في كشف التناقض بين عالمين راحلين، مثلت خسائر البشر في تحوُّلات التاريخ.

    من خلال تجربتك، ما هو الحدّ الفاصل ما بين الواقع والمتخيّل في كتاباتك شخوصًا وأحداثًا؟ وهل يحقّ للروائي أن يغير من حدثٍ ما أو من مصير شخصية حقيقية، عند معالجتها روائيًا؟

لا يصح الفصل بين الواقع والخيال، وليس هناك تعارض بينهما. يكتب الروائي الواقع من خلال الخيال، وليس من دونه. لا واقع بلا خيال. الخيال أداة لسبر الواقع لا لإلغائه أو تغييبه. يمكن القول إنّ الروايات تُصنع من الخيال وصميم الواقع. وإذا بدا ما سبق أشبه بعناوين كبيرة ترسم التداخل بين الخيال والواقع، ففي الوقت نفسه يجوز البناء عليها.

من طابع تجربتي الروائية، أنا لا أفصل بينهما، وأقول لا يمكن اكتشاف الواقع ولا التعرف إليه إلّا من خلال الخيال، لا يستطيع الروائي أن يعيش حيوات شخوصه، يمكنه التماهي معها، بحيث يصبح واحدًا منها. أرغب في أن ينظر القارئ إلى رواياتي على أنّها حقيقية، اختراق الواقع هذا نجاحي، فأنا أصنعها من تخيلاتي، لتبدو واقعية تمامًا. ليس لديّ إلّا هذا الواقع، أنا أقاربه، ولا أريد أن أكون انعكاسًا له، وإنّما هو بالذات. أريد إبعاد قشرته “البرانية” والغوص في داخله، هناك “الواقع” الحقيقي.

المعمار الروائي يدلنا إلى أيّ حدٍّ استطاع الكاتب الذهاب بعيدًا، لا تعني الرواية الكاتب نفسه، عالمه لا يقتصر على ما حوله فقط، ولو كانت الرواية كلها عبارة عن مونولوج، إنّها عوالم الآخرين أيضًا. لذلك لا يعني شيئًا تغيير شخصية أو التلاعب بحدث، هذه رواية، وما يجري فيها يحال إلى الواقع الروائي، ربّما كان أكثر دلالة من الواقع نفسه، فهو مختزل مكثف، دقيق ومرسوم، لا فراغات في داخله، إذ حتّى للفراغ مكانه ومكانته، ووظيفته ودلالاته.

    نعيش اليوم على إيقاع فظائع “جائحة كورونا”، وهو ما يدعوني لسؤالك عن ضرورة الأدب في اللحظة الراهنة، وفي أعقاب الوباء؟ وهل ثمّة دور له؟ هل ثمّة أمل نرجوه منه؟ وهل نحن أمام مرحلة جديدة تفرض إنتاج أدب عربي وعالمي مختلف عن السائد؟

الأدب ضروري مع “كورونا”، ومن غير “كورونا”، الأدب حاجة، يصلح للتعلم والمتعة والترفيه والتأمل، والتعرف إلى الذات والآخر والعالم، والذهاب إلى الحلم والماضي والمستقبل، وإدراك الحياة بمختلف وجوهها، إنّه نوع مثير من التجربة… دوره لم يختلف، وإذا كان يدفعنا نحو التفاؤل، فهو مضاد لليأس، ويدلنا على الجمال، ويضخ فينا الأمل. دائمًا هناك ما نجده فيه، ولا أقصد بشكل تعليمي، إنّه يتسلل إلى رؤوسنا وقلوبنا…. لكن لا يجب الحديث عنه، وكأنّ ما بعد “كورونا” سيختلف عمّا قبله. الأوبئة تجعل البشر يدركون عجزهم أمام كائن لا يُرى بالعين المجردة، الإنسانية مشلولة، الأدب يعيد للإنسان إيمانه بقدراته، سيتغلب على الفيروس، ولا أعتقد أنّه بهذه السرعة سينتج مرحلة أدبية جديدة، وإلّا كان الأدب يتطور ويتغير على إيقاع الطاعون والكوليرا…

ربّما يجب الإحساس بأنّ الحياة مهدّدة فعلًا، ومعرضة للموت، إزاء عدو غير مرئيّ، يتسلل بصمت، ويقتل بصمت، نقاومه بالتباعد الاجتماعي، ويضيق علينا ويمنعنا من الحركة، هذا إرهاب يعمّ البشرية، ويحيل الحياة إلى وساوس… هناك الكثير ممّا يمكن أن نستنبطه من هذه الجائحة.  وهو أيضًا ظاهرة، قد تمنح البشر شعورًا بالتضامن، هذا أفضل ما تفعله، العالم ممزق، الشعوب ممزقة، والإنسان ممزق، وقد يجعلنا ذلك نعيد النظر في الحروب وهذه الشموليات السخيفة.

نعم، يمكن تحويل “كورونا” من تجربة حياتية إلى تجربة أدبية، هناك روايات كُتبت بوحي من الطاعون والتيفوس، منحت الكثير من المتعة، و«الديكاميرون» للإيطالي بوكاتشيو مثال على ذلك.

    في الزمن الدكتاتوري، لا يختفي الأدب..

    بعيدًا عن زمن “جائحة كورونا”، ما هي أفضل شروط الكتابة بالنسبة إليك؟ في العزلة؟ بعيدًا عن العالم؟ أم على العكس؟

عادة أكتب في العزلة، إنّه الجو المثالي بالنسبة إليّ، للانخراط في الكتابة، واستطعت بعد ظروف طارئة، ألّا أتقيد بهذا الترتيب، أصبح كل وقت يتوفر لي صالحًا للكتابة، كما أنّ الملل من العمل دائمًا بين أربعة جدران، شجعني على الكتابة في المقهى، وفوجئت بأنّني أستطيع الانغماس في الكتابة بين البشر، ولا يزعجني الضجيج، كانت متعة أن تكون بين الناس، لكن في الوقت نفسه تصبح بعيدًا عنهم خلال لحظات. كانت وصفة جيدة لتجديد نشاطي. أصبحت أزاوج بين البيت والمقهى.

    ماذا عن الطقوس التي تمارسها عند الكتابة؟ وهل ثمّة قاعدة أو قواعد محددة في كتابتك الإبداعية؟

كان لديّ قواعد ارتاح إليها، كالكتابة صباحًا مع فناجين القهوة، والتدخين، وربّما بعض الموسيقا. العزلة ضرورية، والهدوء. بعدما أقلعت عن التدخين، منذ عشرين سنة، وغادرت دمشق قبل ثماني سنوات. وبسبب عدم استقراري، وتنقلي في السكن، لم تعد العزلة محكمة، كما لا تدخين، اضطررت إلى كسر العزلة بالكتابة في المقهى، كما أسلفت، مع الكثير من الضجيج، والانقطاعات أثناء الكتابة. لقد تأقلمت مع ظروف طارئة، أخشى أنّها أصبحت دائمة، إن لم يتوفر الهدوء الذي ارتاح إليه.

الفترة التي أكتب فيها صباحًا، بعد الإفطار من الساعة الثامنة حتّى الواحدة ظهرًا، مخصّصة للرواية. عدا يوم الجمعة، أخصّصه لكتابة المقالات والرد على الرسائل. من الممكن أحيانًا أن أكتب مساءً، ولو أنّ هذا نادر، عادة أخصّصه للقراءة ومشاهدة فيلم سينمائي، أو أقضيه مع أصدقاء.

بالنسبة إلى الكتابة، هناك قاعدة جيدة استفدت منها، هي عدم وضع نقطة النهاية عند التوقف عن الكتابة ظهرًا، قبلها لا بدّ من توفر بداية ما في ذهني، لما سأكتبه، أتابع منها، أو تصوّر للفصل التالي، أو لما يتبع. وهكذا في اليوم التالي، لديّ فكرة عمّا سأكتبه، مع العلم دائمًا أنّه لا بدّ من عملية تهيئة وشحن قبل البدء بالكتابة، تأخذ أكثر من ساعة أو ساعتين، أقضيها على “فيسبوك” وقراءة بعض المقالات.

أكتب يوميًا من دون انقطاع، أجلس وراء الطاولة، ولو لم أكتب شيئًا، أعيد قراءة ما كتبته البارحة أوّلًا، أُجري بعض التنقيحات، أو أشطب بعض ما كتبته البارحة، ثم أكتب جديدًا. أعيد الكتابة عشرات المرات، مسودات الرواية تبلغ ثمانية وقد تزيد عن خمس عشرة مرّة، دائمًا هناك حذف وإضافة. 

عمومًا، أعتقد أنّ على الروائي ألّا يبتعد عن عمله، وألّا تكون هناك فواصل متباعدة في الكتابة. الأمر الحسن، والمفروغ منه أن الكاتب، بالوعي أو باللاوعي، لا يغادر عمله، بل يبقى على اتصال به، أراد أو لم يرد، ومن الطبيعي أن يجد نفسه يفكر فيه أينما كان. إن بقاء الكاتب على صلة مستمرّة بما يكتب، ليس متعمدًا، عمله يحتويه من دون افتعال، يتعايش معه، إنّه جزء منه، خاصّة أنّه مع الوقت يدرك أنّ هذه حياته الأخرى، رغم أنّها متخيّلة، لكن الحقيقية جدًا، يتوكأ عليها، ولا يستطيع التنفس من دونها، يخلقها الاعتياد والانصياع لعالم يحرضه وعالم ينصاع إليه، وكأنّ حياته تستمرّ من رواية لأخرى، بينما حياته الواقعية مخصّصة للنوم وتناول الطعام ورؤية الناس، والشعور كأنّه يعيش.

    يرصد المتابع للمشهد الأدبي السوري أنّ السواد الأعظم من الروايات التي صدرت في العشرية الأخيرة هي روايات سياسية/ أو روايات حرب. برأيك، إلى أيّ درجة يمكن لهذا الشكل من الكتابة أن يؤذي فن الرواية؟ وهل من جماليّات يمكن الحديث عنها في النتاج الروائي السوري في سنوات الثورة؟

أنا لا أميز بين الأدب والسياسة، أعتقد أنّ الأدب في جوهره سياسي، طالما كان موضوعه الإنسان والحياة، مثلما السياسة موضوعها الإنسان الحياة، ولو اختلفت الوسائل، نحن نزاحم السياسيين على موضوعاتهم، فتتقاطع أهدافنا ونتصادم أكثر ممّا نتفق أو نتلاقى. لذلك نحن الروائيّين لا نتعدى على الموضوعات السياسية، وإلّا كان هناك حجر علينا لعدم الاختصاص، هل الحياة اختصاص، وهل الإنسان محتكر؟ وهكذا يمكننا اعتبار الدين والعيش والحب موضوعات سياسية بكل جدارة. من هذه الناحية، إذا كان هناك سياسيون فاشلون، فهناك أيضًا مثقفون فاشلون، يتشاركون في وصف واحد: الخيانة. نتعرف دونما عناء على السياسيين الذين يخونون شعوبهم، بينما الروائيّون هم صنف من المثقّفين، ولا بدّ من بعض الجهد، لاكتشاف الذرائع التي قد تخدعنا.   

أمّا عن هذه الموجة السياسية الحربية، فلا خشية منها على الرواية. هناك في سورية والمنطقة متغيرات، والأصح ثورات وانتفاضات وحروب.. يصعب على الكاتب تجاهلها، تفرض نفسها وتتعلق بمصيرنا نحن البشر، ومصير مجتمعات المنطقة، أغلبها تريد التخلص ممّا علق ببلدانها من قمع وقهر. فإذا اعتبرناها محاولة للشفاء من الدولة الشمولية، فالأدب يقوم بدوره في مقارعتها، وإذا كانت دعوة لعدم النسيان لئلا تتكرر، فلا بدّ أنّها أدت مهمة عظيمة. وإذا كانت للأجيال القادمة، أو تحية لهؤلاء الذين ضحوا بأرواحهم من أجلنا، فلا شكّ بأنّها مهمة نبيلة، فإذا كتبت عن الحرب فلأنّها أحد موضوعاتها. وإذا كانت سرديتنا عن هذا التاريخ الذي نعيشه، مضادة لسرديات النظام، فهذا عمل يمجّد الحقيقة. وسوف يبقى من هذه الرواية ما يعني فعلًا الأدب والتاريخ والحقيقة عن مرحلة كانت قاسية ومروعة وعظيمة…. وبالنسبة إلى الجماليات، فهي لا تختلقها من المآسي والآمال والآلام والقهر، بل من التأثير الذي تخلفه في القارئ. ويُعزى ذلك إلى قدرتها على الإلمام بمشهدية واسعة، من المهم توصيلها إلى أكبر قدر من البشر. أحيانًا يكون الأدب رسالة، وهو جانب لا يجوز خسرانه، فالأدب متعدّد الأهداف.

    هل يمكننا اليوم أن نتحدث عن “أدب الثورة السورية”؟ وما هو تصوّرك لمستقبل الأدب السوري عامّة، والرواية على وجه الخصوص؟

ليس هناك ما يُدعى بـ “أدب الثورة السورية”، وإلّا كان هناك “أدب الثورة الفرنسية”، والثورة الروسية، وربّما “الكومونة” و”ربيع براغ”؛ تصنيفات لها أوّل وليس لها آخر، أطلقنا عليها هذه التسميات، أهميتها من ناحية تأثيرها في الأدب. يمكن الحديث عن الربيع العربي وما أصاب الأدب تحت تأثيره، لقد أصبح أكثر حرية، وقدرة على القيام بمراجعات، وإعادة النظر بالمرحلة السابقة.

الثورة من موضوعات الرواية، ولا تتحدّد بها، إلّا إذا فرضنا على الأدباء الكتابة في هذا الاتّجاه، عندئذ سنحصل على الموجة التي أعقبت الثورة الروسية، ولم تفلح بإنتاج إلّا القليل من الأدب الجيد. توقعاتي بالنسبة إلى الأدب السوري، خاصّة الرواية، أن هناك تحوّلًا لا محالة، من ناحية انزياح الرقابة عنها، بعدما خنقتها طوال نصف قرن، رغم التغلب عليها بالرمز والتلميح، وبالاصطدام معها أحيانًا كثيرة… واستطاع روائيون مرموقون كتابة روايات رائعة، مثل هاني الراهب، حنا مينه، عبد السلام العجيلي، وغيرهم.

في الزمن الدكتاتوري، لا يختفي الأدب، يستغل كل ثغرة وهامش، وقد قدّم أعمالًا مدهشة، كانت الكتابة تحت وطأة المحاسبة على الكلمة والحرف، وماذا تقصد؟ وماذا تريد؟ وما نياتك؟ حتّى أصبحت ظاهرة المنع عادية جدًا، لا تستثير الاستغراب، ماذا يعني أن تُمنع رواية أو مسرحية أو فيلم؟ لا شيء، الممنوعات بالعشرات والمئات. من هؤلاء الذين يمنعون؟ ليسوا أكثر من أُجراء، المزعج أنّهم أحيانًا يبالغون بوظائفهم التافهة، مهما يكن فهم سلطة، انظر إلى هذه السلطة السخيفة، وتذكر دائمًا إساءاتها إلى الأدب والأدباء.

    لولا الفساد والفاسدون لسقط النظام في الشهور الأولى.

    كثيرون منا يتفقون معك في قولك: “لا يفتقر عصرنا إلى المثقّفين. لكن بالمقابل، لنعترف بأنّ هناك فائضًا من الثقافة الزائفة، وفي المشهد الثقافي، طغيان من المثقّفين الزائفين، مثقّفي المال والجشع والشهرة والانتهازية، ويحلو للسلطات القائمة على الاستبداد إطلاق وصف المثقّفين الوطنيّين عليهم، مع ما فيه من إنكار للثقافة والوطن معًا، طموحاتهم لا تزيد عن الطمع بالسير في ركاب سلطة بحاجة إليهم، تستغلّهم وتحتقرهم، لمجرّد اختيارهم الخدمة بدرجة عملاء”. هنا، أسألك: عن موقفك الآن من المثقّفين السوريّين تحديدًا، سواء من هم في صفوف المعارضة أو الموالاة؟

هناك اختراع عربي، بلغ في سورية الذروة، وهو قدرة المثقّف على أن يكون مواليًا ومعارضًا في آنٍ واحد، هذا أصبح شائعًا، حتّى لو كان مع التحرك السلمي والثورة وضدّ قتل المتظاهرين، واعتقال الشبان. في الوقت نفسه، يقف في صف السلطة، يدعي أنّ النظام في قصفه المناطق المحررة كان على حقٍّ، فهي حاضنة للإرهابيين، وعلى ذلك فالمدنيون إرهابيون. ويدافع عن هذا الرأي بشتى الوسائل، وإذا تجرأ فإنه يساوي بين النظام والثورة، من واقع يسارية مزعومة، ويجد في ماضيه اليساري حماية له ودفاعًا عنه. أمّا ما كنه هذه اليسارية؛ فهي الانتقاد بشكل لا يمس النظام فعلًا، وإذا انتقد فالفساد بشكل محدود، مستهدفًا وزارات الدولة ومؤسّساتها التي لا حول لها ولا قوّة، ويبلغ به التحايل، أنّه يتّخذ موقفًا محايدًا إنسانيًا، ويتباكى على الدماء المهدورة. ويساوي بين الشبان المتظاهرين والناشطين في الإغاثة والمعتقلين في السجون، ورجال المخابرات والشبيحة وجنود البوط المقدس. ويبلغ حياد بعض مثقّفي الداخل الذروة في التشويه، بالدأب على ابتكار سردية مغايرة للثورة والحرب، فيصبح قمع الثورة حربًا ضدّ الإرهاب. وينزعون عنها توصيف “ثورة” وتصبح زلزالًا، وربّما دفاعًا عن الوطن، مشى على نهجهم آخرون فكانت إعصارًا وعاصفة، أي حدث سببه الطبيعة، وهكذا تستمرّ هذه الزلازل والعواصف والأعاصير تسع سنوات حتّى الآن. أليس هناك مسؤول عن هذه الجرائم؟

موقفي تجاه المثقّفين بوجه عام، يحدده موقفهم من النظام. وأعتقد منذ بدء الاحتجاجات، كانت الأمور واضحة جدًا، ما عاناه الناس تحت القمع، طوال أربعة عقود، كفيل باتّخاذ أي مثقّف موقفًا واضحًا، لا أحد أعمى، جميعنا كنا نرى ونعرف، وكل مثقّف اتّخذ موقفًا حسب مصالحه، فمن كان منتفعًا من النظام وقف إلى جانبه، بصرف النظر عن أيّ ادّعاء مهما كان. ومن وجد أنّ كرامة الإنسان تتفق مع الخلاص من دولة المخابرات، وقف إلى جانب الثورة. كان الأمل أن يدرك المثقّفون أنّ هذا الحدث أهم حدث سوري في العصر الحديث. مهما كانت نتائجه، لن تكون سورية بعده كما كانت قبله.

    كيف تنظر إلى ما يجري في سورية الآن؟ وما هو دورك ككاتب في ما يحصل، ومن قبل هل تحرص على تقديم أيّ إجابات أم تُشرع باب التساؤل والبحث والاجتهاد في كتاباتك الصحفية والروائية؟

سورية تعيش كارثة؛ هناك فقر وغلاء وبؤس… إضافة إلى ظاهرة أثرياء الحرب، واللصوص والشبيحة وعصابات الخطف وميليشيات السلب والنهب، ما يجري عملية استنزاف للناس، لكل ما يملكونه، إضافة إلى جهدهم وعرقهم، أولادهم. مهما قلت، فالحال أسوأ بما لا يقاس. مصير سورية بأيدي قوات الاحتلال، أربعة جيوش، النظام يواصل أكاذيبه وادّعاءاته بأنّ الأمور على ما يرام تحت لافتات المقاومة والممانعة والحرب ضدّ الإرهاب، ينتظر أعطيات الروس والإيرانيين، كلاهما يبتزه وهو يعاند، لكن مصيره معلق على ما سوف تتفق عليه الدول الكبرى يومًا ما. لم يقدّم الرئيس تنازلًا واحدًا لشعبه، بينما هو مستعد للتنازل عن سورية كلها في سبيل البقاء على رأس السلطة. لم يكن هناك من هو أشد عداء منه لشعبه، لولا الفساد والفاسدون لسقط النظام في الشهور الأولى.

ليس لديّ إجابات، ولا أستطيع المغامرة بجواب، لدى الروس والإيرانيين أجنداتهم، أصبحت سورية في صلب طموحاتهم السياسية، هناك مساومات وتحالفات تتغير من فترة لأخرى. ليس بوسعي سوى الاجتهاد في البحث وطرح تساؤلات، بينما الغرب الديمقراطي لا يريد التدخل، لا أكثر من بيانات الاستنكار. تُرى ما هذه الديمقراطية؟

    هل تعتقد أنّ الشعب السوري سيحصل في المستقبل القريب على مطالبه بإقامة دولة ديمقراطية حرّة؟ بمعنى أدق هل ترى ثمّة تغييرًا في الأفق؟

لا أضمن المستقبل القريب، إذ ليس لدى الدول المحتلة صيغة ما للتعاون النزيه بينها لإيجاد حلّ عادل، وإن كان يضمن مصالحهم في سورية كما يرغبون، فالنزاع على الحصص لن يكون عادلًا، لأنّ النهب لا يحمل أيّ صيغة قانونية أو شرعية، يتحكم فيه الجشع، يعتقدون أنّهم ينهبون من لصوص الداخل، وهو مفهوم انتهازي يتفوق على مفهوم النهب الاستعماري. لذلك القضية السورية مؤجلة حاليًا.

من جانب آخر، سيبقى عدم الاستقرار سمة الوضع السوري. لن يستقر، إن لم يحدث تغيير ما يضعنا على عتبة مرحلة جديدة، يأخذ بالحسبان إطلاق سراح المعتقلين، وعودة ملايين النازحين في الداخل والخارج، الكثير بحاجة إلى إصلاح وترميم، تحت ظلال سيادة القانون. ما يجب فعله كثير إنّها صياغة سورية جديدة.

    الجوائز الأدبية العربية ضدّ الثورات..

    أترى أنّ أعمالك الروائية قوبلت نقديًا بما تستحقه، وبالشكل الذي يرضيك؟

لا أعتقد أنّ أحدًا من الكُتّاب قوبلت كتاباته بما تستحقه من نقد، لا يعني المديح أنّ العمل جيد، ولا القدح أنّه سيئ. الوسط الثقافي يعاني الكسل، والصحافة الثقافية هزيلة، مع أنّ هناك مواقع ثقافية مرموقة، لكن ماذا عن النقّاد وناشطي الثقافة، أكثر ما يسيء إلى هذه الجهود طغيان المجاملات والعلاقات الشخصية والشلل، عدا عن وجود مافيا ثقافية مهيمنة في الداخل والخارج وفي المهاجر، بصراحة: لا يوجد ضمير ثقافي، أي أن يكون الولاء للثقافة فقط. عدا أنّ عائد الجهد النقدي، غير مشجع على صرف الوقت على قراءة عمل روائي يومين أو ثلاثة، وما يلحقه من جهد، مقابل ماذا؟ أقصد لا عائد ماديًا مجزيًا، العائد المعنوي وحده لا يصمد.

رأيي أنّ الصحافة الثقافية اليومية لا تحتمل أكثر من استعراض للكتاب، وهو عمل جيد، بحيث يعطي القارئ فكرة معقولة عنه دونما تحيز أو استخفاف، أو مديح مبالغ به، أو نقد زائف. أمّا أن تُعطي الصحافة لنفسها سلطة القضاء على الكُتّاب، وهي غير مؤهلة لتصدر هذا الحكم، فذا جريمة بالنسبة إلى الكُتّاب الناشئين. هناك صحافيون اختصوا بهذا النوع من الجرائم، وبجرائم أخرى كالترويج لمعارفهم وأصدقائهم، إنّها القصة المعتادة نفسها. كما أنّ هناك صحافيين يكتبون عن الكتاب من دون قراءته، أو لمجرد تصفحه لا أكثر، أو قراءة ما كتب عنه، فيدلون بدلوهم عنه بثقة، وهي مهارات أصبحت معروفة في زمن “جوجل”. 

الصحافة الثقافية لا تتسع لدراسات مطولة، لذلك نحن بحاجة إلى نقّاد يكتبون عن جديد ما يظهر، نادرًا ما يصادفك مقال مكتوب بمهنية وموضوعية مع حسّ نقدي، يمنحك الثقة بأنّ الناقد يكشف لك عن الكتاب، أي تتبيّن إلى ماذا يتطرق، وهل يهمك أم لا، وما الذي يحرض على قراءته.

إذا كان الناقد بحاجة إلى تجرد، فهو أيضًا بحاجة إلى ثقافة، وأقصد ثقافة متنوّعة ومتينة. يلعب الناقد الدور الأهم في أيّ عملية ثقافية تتطلب التغيير، بالوسع في أيّ وقت إجراء ثورة في الأدب، إذا توفرت مجموعة من النقّاد المهتمين فعلًا بإطلاق حركة نقدية حقيقية، عندئذ تستطيع أن تمارس تأثيرًا فعالًا على الأدب. للناقد سطوة، لكن هذه السطوة تُمنح -مع الأسف- لمن لا يمتلكون أدوات النقد، وهم من الأنواع الذين يصلحون للعمل في الأرشيف، وبلا إتقان، لمجرد أنّهم يحفظون عناوين الكتب.

    وصلت روايتك «المترجم الخائن» إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2009، كما رُشحت رواية «جنود الله» لجائزة “روكرت” الألمانية لعام 2013. من منظورك، ما قيمة وأهمية الجوائز الأدبية؟ وهل تساهم فعلًا في صناعة الروائي وتطوير تجربته وترويج اسمه؟

مع الأسف، الجوائز في بلادنا العربية مشكوك فيها، وتظهر عليها بصمات مريبة، لا أرغب في التحدث عنها كثيرًا، الخلاصة أنّها مخصّصة لتسيير الثقافة في اتّجاه معين، وتحديد انشغالاتها، هناك موضوعات ممنوع الاقتراب منها، على رأسها الربيع العربي. لنفهم جيدًا، الجوائز ضدّ الثورات، مع الوقت أصبحت لا تقل تأثيرًا عن الرقابة، بوسعك حاليًا أن تُطلق عليها الرقابة الناعمة، المجزية ماديًا. الأمر السيئ أنّها تسوق لروائيّين وتضعهم في الصدارة، والمؤسف أنّ القراء يقبلون على الفائزين بالجوائز، يعتقدون أنّ هذا هو الأدب، وهكذا تطوى صفحة كثير من الروايات، على أنّها لا تستحق القراءة. الطريف أنه أصبح لدينا ما يدعى بصيادي الجوائز، ويتباهون بمآثرهم، لكنهم يعرفون أنّه لولا شبكة علاقاتهم الشخصية، وتواطؤهم في الكتابة، لما أحرزوا هذا السبق.

لا أريد التعميم، ولا التخصيص. الوسط الثقافي بحاجة إلى الجوائز، لكنها ارتدت على الروائيّين بالذات بأسوأ النتائج. أحد الأسباب، بالإضافة إلى الممنوعات، ضعف التحكيم، وانحيازه أيضًا، عدا مراعاة التوزيع الجغرافي، وإرضاء بعض الأسماء، عمومًا لا تلعب الرواية دورًا في الفوز، هناك عوامل أخرى ترجح كسب الجائزة.

    تُرجمت بعض أعمالك إلى لغات عدّة، ماذا يعني لك أنّها قُرِئْت من قِبل قراء في ضفاف أخرى؟ من ثمّ ألّا تخشى أن تفقد كتاباتك شيئًا من قوّتها غداة ترجمتِها؟

ترجم عملي «جنود الله» إلى الألمانية، وترجمت فصول من رواياتي إلى الإنجليزية، لكن المافيا الثقافية كان لها حضورها في بلدان الاغتراب، فعطلت هذا التواصل، وتدخلت في منع ترجمة روايتي «السوريون الأعداء» وغيرها. بالنسبة إلى الرواية التي ترجمت كان استقبالها جيدًا، وكتب عنها بشكل ملموس مراجعات عديدة. أمّا أن تفقد بالترجمة شيئًا من قوّتها، فهذا ليس مستبعدًا، وهي مشكلة الترجمة بشكل عام. الجدوى أنّها قُرِئْت من قِبل كثير من القراء العاديّين، وأيضًا من المهتمين وأثارت تساؤلات جدّية، بعضهم كتبوا أنّهم أصبحوا أكثر تفهمًا للإرهاب المتأسلم، وحرضهم على معرفة أسبابه، فلم يعد إرهابًا مجانيًا، وأنّ إرهاب الدولة لا يقل عنه وحشية وهمجية.

مع الأسف، لم تفلح الترجمة حتّى الآن في تعريف الغرب بأدبنا ولا مجتمعاتنا، أغلب ما يترجم كان لإرضائهم، وكأنّ بضاعتهم ردّت إليهم. وفي الترجمة يعمل “قانون غريشام” أيضًا: البضاعة الرديئة تطرد البضاعة الجيدة. يجب أن نكتب عن أنفسنا ومجتمعاتنا، ما الفائدة من مجاراتهم، والكتابة لحسابهم، وما الجدوى في الكتابة عن دكتاتور من أمريكا اللاتينية، بينما لدينا طغاة يتميزون بسخافاتهم، لماذا نستعير واحدًا من عندهم؟ لماذا نكتب عن مثليين وجنس مأخوذ من عندهم، ونسعى للتفوق عليهم، بزيادة عيارات الشذوذ؟ لماذا لا نكتب عن مثليينا؟ أنا لا أصادر أيّ موضوع، لكن المطلوب أن يعرف كاتبنا عن ماذا يكتب، ولماذا؟

    سؤالنا الأخير: ما الذي تعكف على كتابته في الوقت الحالي؟

أكتب الرواية الرابعة من هذه المرحلة، وكما آمل سأختمها برواية خامسة. وهي رواية تلامس الحدث السوري من زاوية مختلفة أخرى حساسة، أتعرض فيها لقصة الأكثرية والأقليات التي تعانيها المنطقة كلها، وليس سورية وحدها، كذلك بودي إعادة التفكير بمفهوم الوطن في هذه المرحلة. من الصعب أن يتكلم روائي عن روايته، ففي الرواية دائمًا قنبلة تتفجر في اتّجاهات عدّة، فتثير كثيرًا من الإشكالات. فالرواية ليست مقولة واحدة، وإنّما مجموعة أفكار مترابطة. إنّها عالم ليس بمقدور الكاتب ضبطه تمامًا، ولا تقييد شخصياته، ولا أحداثه، إلّا بقدر كبير من التعسف، وهذا ما يجعلها أكثر ثراء من الواقع، وإلّا لم يكن للخيال جدوى.   

لا يستفزني في الكتابة إلّا ما يقلقني، ربّما حصلت على جواب، وإن كنت غالبًا ما أخفق، الرواية ليست عملية تحصيل مكاسب، بقدر ما هي غالبًا خسارات لليقين والطمأنينة وهدوء البال، المهم في المحاولة إنّها تؤدي إلى التعرف إلى أنفسنا والآخر، تعرية فساد الواقع والروح، التأمل في نضالات البشر، ثمّة أشياء كثيرة من الضروري الكتابة عنها، وحاولت فعل ذلك دائمًا في كتاباتي، أعتقد أنّ ذلك أصبح صداميًا في «السوريون الأعداء»، بالحديث عن مجتمع يتمزق تحت وطأة سياسات التسلط. ألحت عليّ مسألة الدين من ناحية أنّ الأنظمة في المنطقة باتت تعتبرها محورية، لتأمين السيطرة على العقول، واستدراج الناس لطاعة أولي الأمر، وعدم الخروج على الحاكم، ولو كان مستبدًا، وإلغاء العقل والجدل. الأنظمة تعمل على تسويق دين آخر صلته واهية بالإسلام، بل إنه مضاد له. هناك من يجتهدون في تكريس الدين المصنوع في أقبية المخابرات.

فواز حداد في سطور:

ولد الكاتب السوري فواز حداد في مدينة دمشق عام 1947.

حاز إجازة في الحقوق في جامعة دمشق. كتب القصة القصيرة، والمسرح، والرواية. بدأ النشر عام 1991. شارك في الإعداد لموسوعة «رواية اسمها سورية».

تنقل حداد بين أعمال عدّة قبل أن يتفرغ كليًا للعمل الروائي في عام 1998.

وصلت روايته «المترجم الخائن» إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” لعام 2009. كما رُشحت رواية «جنود الله» لجائزة “روكرت” الألمانية لعام 2013. وشارك كمحكم في “مسابقة حنا مينة للرواية”، و”مسابقة المزرعة للرواية” في السويداء.

نتاجه الروائي: «موزاييك، دمشق 39» 1991، «تياترو 1949» 1994، «صورة الروائي» 1998، «الولد الجاهل» 2000، «الضغينة والهوى» 2001، «مرسال الغرام» 2004، «مشهد عابر» 2007، «المترجم الخائن» 2008، «عزف منفرد على البيانو» 2009، «جنود الله» 2010، «خطوط النار» 2011، «السوريّون الأعداء» 2014، «الشاعر وجامع الهوامش» 2017، و«تفسير اللاشيء» 2019.

وصدر له عام 1994، مجموعة قصصية وحيدة بعنوان «الرسالة الأخيرة».

موقع حرمون

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق