فيروس كورونامنوعات

وباء كوررنا التطورات، الخوف والعزلة -مقالات مختارة- متجدد يوميا 5

الجزء الأول من هذه المتابعة على الرابط التالي

فيروس كورونا الذي اجتاح العالم، ماذا عن سورية؟ -مقالات مختارة- ملف محدث يوميا

الجزء الثاني من هذه المتابعة على الرابط التالي

الفيروس الذي يفتك بالعالم، فيروس العزلة والخوف -متابعة متواصلة ومقالات مختارة

الجزء الثالث من هذه المتابعة على الرابط التالي

وباء كوررنا التطورات، الخوف والعزلة -مقالات مختارة- متجدد يوميا

——————————-

الجزء الرابع من هذه المتابعة على الرابط التالي

فيروس كورونا الذي يعيد رسم ملامح العالم -معلومات، احصائيات، تحليلات ومقالات

لمتابعة الملف المتجدد عن هذا الفيروس اتبع الرابط التالي

فيروس كورونا

—————————————–

معلومات أولية

اسم الفيروس:

SARS-COV2

اسم المرض الدي يسببه:

COVID-19

كورونا تعني التاج وجاءت التسمية بسبب شكل الفيروس المشابه للتاج

لماذا تمت تسمية المرض بهذا الاسم، الواقع أن المرض اسمه هو التالي:

CORONAVIRUS DISEASE 2019

وتم اختصار الكلمات السابقة وأخذ الأحرف التالية منها يستكون اسم المرض

CO

VI

D

19

COVID-19

—————————

يورغن هابرماس: الديمقراطية الآن في خطر

الفيلسوف الألماني هابرماس.. إنهاء الإغلاق إجراء مطلوب أخلاقيا وقانونيا لحماية الحياة.

ليست هناك حلول وسط

نيكولا ترونغ

سلافوي جيجك وآلان باديو وغيرهما من الفلاسفة الأوروبيين المعاصرين قدموا أطروحات مختلفة لقراءة المشهد العالمي الراهن في ظل الوباء، محاولين استشراف عالم ما بعده، مقدمين أطروحات متنوعة أغلبها ينطلق من تاريخ الأوبئة وانعكاساتها، مرورا بأهم النظريات العلمية وصولا إلى أفكار أخلاقية وجمالية واقتصادية وثقافية تفكك واقع الوباء وترسم ملامح المستقبل البشري. لكن من يقرأ أطروحات هذه الأسماء الكبيرة وغيرها من وجوه الفلسفة الأوروبية المعاصرة قد ينتابه شعور بأن فلاسفة اللحظة الراهنة ما زالوا عالقين في أوروبا ما بعد الحربين العالميتين، وأنهم عاجزون عن مغازلة مستقبل قريب تلعب فيه البيانات الضخمة والخوارزميات الدور الذي لعبته دائما الكلمات ونظريات تأويلها، مستقبل قد تستعيد فيه مؤسسات الدولة نفوذها لكنها لن تتمكّن من ذلك دون توظيف تكنولوجيا قد تتآكل معها بالضرورة حريات الأفراد والمجتمعات وحقوقهم. يورغن هابرماس الفيلسوف الألماني الأشهر وأهم رموز مدرسة فرانكفورت النقدية يتحدث عن وباء الفايروس التاجي، وتحدياته الفلسفية والأخلاقية والسياسية، كما يحاول أن يستشرف مستقبل الاتحاد الأوروبي في عالم ما بعد الوباء. فهل يسقط في نفس الفخ أم يفتح لنا الباب أمام أسئلة جديدة؟

يورغن هابرماس، ما الذي تكشف عنه هذه الأزمة الصحية العالمية، من وجهة نظر أخلاقية وفلسفية وسياسية؟

يورغن هابرماس: من وجهة نظر فلسفية، يذهلني أن الوباء يجبر الجميع اليوم على تأمل أمور لم يكن يهتم بها في السابق سوى الخبراء والمتخصصين. اليوم، يعي جميع المواطنين ما يجب على حكوماتهم اتخاذه من قرارات، وهم مدركون تماما لحدود معرفة مستشاريهم من علماء الفايروسات. من النادر أن يكون فضاء الفعل في شرط من اللايقين بهذا الوضوح والحيوية. لذلك ربما ستترك تلك الخبرة غير العادية أثرا لا يمحى في وعي المجال العام.

التنازل عن المساواة

فماذا عن التحديات الأخلاقية؟

يورغن هابرماس: أرى حالتين، على وجه الخصوص، من المحتمل أن يُنتهك فيهما مبدأ “عدم المساس بالكرامة الإنسانية”، الذي يضمنه الدستور الألماني في ديباجته، وينص عليه في مادته الثانية، حيث يعلن أن “لكل شخص الحق في الحياة والسلامة البدنية”. الحالة الأولى تتعلق بما يدعونه “الفرز”، أما الحالة الثانية فترتبط باختيار اللحظة المناسبة لإنهاء التباعد الاجتماعي.

خطر الحمل الزائد على وحدات العناية المركزة في المستشفيات، والذي اصطلت به إيطاليا بالفعل، ويُخشى أنه يتهدّد بلادنا الآن، يذكّرنا بسيناريوهات طبّ الكوارث التي لا يتم اختبارها عادة إلا في أوقات الحروب. إذا تجاوز عدد المرضى في المستشفيات عدد مرافق الرعاية المتاحة في وحدات العناية المركزة فلا مفر أمام الأطباء حينها من اتخاذ قرارات مأساوية؛ مأساوية لأنها

ستكون، في كل الأحوال وبالضرورة، قرارات غير أخلاقية. سيغري ذلك بالتنازل عن مبدأ “المساواة” في المعاملة بين المواطنين، بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي، وأصولهم، وأعمارهم، إلخ. وفي حالتنا على وجه الخصوص سيتم تفضيل الشباب على المسنين الذين قد يرغبون هم أنفسهم في ذلك، في نوع من الإيثار المثير للإعجاب أخلاقيا.

ولكن أي طبيب هذا الذي يستطيع أن يزن “قيمة” إنسان في مقابل “قيمة” إنسان آخر، لينصّب نفسه بذلك سيدا على الحياة والموت؟ اللغة الاصطلاحية لـ”القيمة” التي ننصت إليها في الاقتصاد تقودنا إلى “التجسيد الكمي” الذي قد يكون مناسبا لمنظور المراقب الإداري، لكنه لا يمكن أن يكون الطريق التي نسلكها للتعاطي مع الوجود المستقل للأفراد: فعندما أتوجه إلى الآخر (أنت – أنتم)، فإن إرادته في تعريف ذاته وحقه في تقرير مصيره لا يمكنني إلا أن أقبلها أو أرفضها، أن أعترف بها أو أتجاهلها، ليست هناك حلول وسط.

الأخلاقيات المهنية للطب، في ما يتعلق بذلك، تتوافق مع الدستور وتتبع المبدأ الذي بموجبه لا يمكن أن توضع حياة إنسانية في تعارض مع حياة أخرى للاختيار بينهما، بل إنها تنص على أنه في المواقف التي لا مفر فيها من اتخاذ قرارات مأساوية فإن على الطبيب أن يسترشد حصريا بالإجراءات الصحية التي ترفع نسبيا من إمكانات نجاح العلاج.

والحالة الثانية؟

يورغن هابرماس: إن قرار اللحظة المناسبة لإنهاء الإغلاق -وهو إجراء مطلوب أخلاقيا وقانونيا لحماية الحياة- يمكن أن يتعارض، على سبيل المثال، مع حسابات الربح والخسارة. يجب على السياسيين أن يقاوموا “الإغراءات النفعية” للموازنة بين حجم الأضرار الاقتصادية والاجتماعية من جهة، والوفيات التي يمكن تجنّبها من جهة أخرى.

هل من الضروري قبول مخاطر انهيار النظام الصحي، وبالتالي، دفع ضريبة زيادة معدل الوفيات من أجل إعادة الاقتصاد إلى المسار الصحيح، وتقليل البؤس الاجتماعي الناجم عن الأزمة الاقتصادية؟ حول هذه النقطة بالذات، جاءت التوصيات الخاصة بالمجلس الألماني للأخلاقيات غامضة بشكل قاتل، حيث تمنع الحقوق الأساسية للمواطنين مؤسسات الدولة من اتخاذ أيّ قرار قد يؤدي إلى احتمالية القبول بإمكانية وفاة فرد واحد.

أليس هناك خطر في أن حالة الطوارئ الاستثنائية قد تتحول إلى قاعدة “ديمقراطية” مستقرة؟

يورغن هابرماس: بالطبع، إن الحد من عدد كبير من الحريات الأساسية يجب أن يكون استثناءً لا يسمح باستمراره بشكل قاطع، لكن الاستثناء في حد ذاته، كما أشرت من قبل، يتطلبه الحق الأساسي في حماية الحياة والسلامة البدنية. في فرنسا وألمانيا لا يوجد سبب للشك في التزام الحكومة بالدستور.

إذا انتهز فيكتور أوربان -الرئيس المجري- أزمة كوفيد – 19 كفرصة لتكميم أفواه المعارضين بشكل نهائي، فإن هذا يجب تفسيره بالتاريخ الاستبدادي الطويل للنظام السياسي المجري، الذي واجهه المجلس الأوروبي، وقبله، الديمقراطيون المسيحيون الأوروبيون بشيء من التسامح.

التضامن هو الحل

ما فائدة الاتحاد الأوروبي إذا لم يظهر، في زمن وباء الفايروس التاجي، أن الأوروبيين متحدون ويناضلون من أجل مستقبل مشترك؟ هكذا كتبتم في نداء جماعي بمجلة “Die Zeit” في الثاني من شهر أبريل الجاري.

يورغن هابرماس: لقد طرحنا، أنا وأصدقائي، هذا السؤال على حكومتنا: طرحناه على المستشارة ميركل ووزير المالية الذي ينتمي إلى الحزب الديمقراطي الاجتماعي. وقد تركني كلاهما مندهشا. فقد استمرّا بعناد في التمسك بالتعاطي مع الأزمة وإدارتها لصالح ألمانيا ودول الشمال فقط، دون الالتفات إلى انتقادات دول الجنوب المتوسطية.

تخشى الغالبية العظمى من السياسيين الألمان ردود الفعل الغاضبة لناخبيهم في حالة التراجع، خاصة وأنهم هم الذين قاموا بدغدغة تلك النزعة القومية الاقتصادية وإثارتها؛ ذات المرجعية الذاتية، والاحتفاء الذاتي بالصادرات الألمانية كبطل للعالم، وبالطبع لم يحدث كل هذا دون رضاء الصحافة.

هناك بيانات تجريبية مقارنة توضح كيف أن حكومتنا، بهذه الصيغة القومية البديلة، “طلبت القليل جدًا” من شعبها. إذا كان ماكرون قد ارتكب خطأً في علاقاته مع ألمانيا، فهو تقليله، منذ البداية، من ضيق الأفق القومي لأنجيلا ميركل (يشير هنا هابرماس إلى إحياء النزعة القومية على صعيد اقتصادي لا عرقي).

كانت الصين بؤرة الوباء والآن يبدو أن هذا الوباء يعطيها أفضلية وسلطة في مواجهة أوروبا والعالم. هل نحن أمام نقطة تحول جيوسياسية؟ هل يمكن القول إن الصين تعلن عن تفوقها السياسي والاقتصادي؟

يورغن هابرماس: هذا الاتجاه مستمر منذ بعض الوقت وينتج عنه تسارع انقسام الغرب الذي بدأ على أبعد تقدير مع “رئيس الحرب” جورج دبليو بوش. لذلك من الأهمية بمكان أن ترى أوروبا في صدمة الفايروس التاجي فرصة أخيرة لتحتشد للعمل معا بشكل تضامني.

كيف تعيش هذه العزلة؟ كيف هي الحياة عندما تكون مغلقة ومحدودة؟

يورغن هابرماس: الكسور العشرية البرلمانية للإنسانويين -الذين “يجلسون” أمام أجهزة الكمبيوتر في منازلهم على أي حال- يعانون أقل.

هل من المرجح أن تؤدي هذه الأزمة الصحية العالمية إلى زيادة تأثير القوى القومية الشعبوية التي تهدد أوروبا بالفعل؟ كيف يمكننا أن نقاوم هذه القوى؟

يورغن هابرماس: هذا السؤال بغض النظر عن حالة الطوارئ الراهنة يجب أن يجد إجابة مختلفة في كل بلد. في ألمانيا، حصَّننا الماضي النازي بالمزيد من القوة في مواجهة عودة الفكر اليميني المتطرف. لهذا السبب، يمكن للأحزاب والحكومات أن تتحمل، تحت حالة معاداة الشيوعية المهيمنة، أن تغض الطرف عن اليمين.

منذ وقت كورناد أدناور،  ومنذ عودة الوحدة مع ألمانيا الشرقية، سمحت لهم هذه الواجهة المعادية للشيوعية بإخفاء المكوّنات القاتلة لماضيهم السياسي.

في فرنسا، على العكس من ذلك، كان التطرف اليميني قد تم تنظيمه بالفعل قبل ذلك بوقت طويل، ولكن جذوره الأيديولوجية مختلفة عن جذور اليمين الألماني، فهي ليست عرقية قومية ولكنها دولاتية، الآن حتى بعض قطاعات اليسار الفرنسي ذات الخلفية الأممية تغرق هي أيضا في كراهية الاتحاد الأوروبي.

ما السردية الجديدة التي يمكن أن يخترعها الأوروبيون لإنعاش الزخم، وتجديد الانطلاقة نحو اتحاد أوروبي غير هذا الاتحاد غير المرغوب فيه والذي يعاني من ضعف التنسيق؟

يورغن هابرماس: في مواجهة الاستياء العام الحجج والكلمات المعسولة ليست صالحة. لن تسعفنا إلا قدرة النواة القوية لأوروبا (ألمانيا وفرنسا) على مواجهة المشكلات وحلها. فقط على “الحلبة” من هذا النوع سيصبح من الواقعي مصارعة قمع سياسة عالمية تهيمن عليها النيوليبرالية. وها نحن اليوم نرى أنه عندما تكون الحاجة حقا ملحة، الدولة وحدها هي التي يمكنها مساعدتنا.

أجرى الحوار نيكولا ترونغ ونشر في صحيفة “لا ريبوبليكا” الإيطالية في الـ12 من أبريل 2020.

الترجمة عن الإيطالية: وائل فاروق (باحث وأكاديمي مصري)

العرب

————————-

أسئلة في زمن كورونا/ بيار عقيقي

يختبر كثر في أزمة وباء كورونا تجارب عديدة، منها ما هو مرتبط بسوق العمل، ومنها ما هو متعلق بالسلوكات الاجتماعية، ومنها، وهو الأهم، الانعزال، الذي لم يكن مستحبّاً في البداية، قبل أن يتحوّل إلى نمطٍ يومي صعب التخلّي عنه. لا يتعلّق الموضوع بما هو صحيح أو خاطئ، بل بقدرة البشر عموماً على التكيّف، وقدرة الفرد على التأقلم مع المتغيرات، في سياق تطبيقي لمبدأ “البقاء للأصلح”. كل شيء طُرح على طاولة النقاش بينك وبين عقلك. لحظات التأمّل الكثيفة تجعلك في مستوى أعلى في العلاقة مع التفكير. تفقد الأسئلة التقليدية سيطرتها قليلاً على نمط تفكيرك، لمصلحة أسئلةٍ مرتبطة بالوجود والعدم. لا تعود المهيمنةَ أسئلةٌ من نوع “كيف سيكون يومي؟ كيف سأتعامل مع الزبائن؟ كيف سأواجه مديري؟ كم يبلغ سعر كيلو اللحم؟ ماذا عن الخضار؟ هل زادت أقساط المدارس وفواتير الكهرباء والماء؟ هل يمكن توفير بعض الأموال لنزهة عائلية في الطبيعة؟ هل سأستطيع السفر هذا الصيف إلى أوروبا أو أميركا الوسطى؟”. قد تكون هذه الأسئلة مشتركة عالمياً، مع حذف بعضها وزيادة أخرى بحسب التفاوت الطبقي. عموماً هذا النمط من التفكير ساد بقوة بعد الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)، ثم تجدّد غداة انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة عام 1991.

اليوم، سيطر فيروس كورونا على البشرية. طبعاً أمراضٌ، مثل إيبولا والملاريا وحمّى الضنك والهواء الأصفر والكوليرا، أكثر إيلاماً منه، لكنها لم تُصب الدول الصناعية، من الصين إلى أوروبا والولايات المتحدة، بل دائماً ما كان موئلها القارّة الأفريقية، وهو ما جعل الاهتمام العالمي بهذه الأوبئة شحيحاً. دفع الفيروس بعضهم إلى التفكير في كل شيء، من كيفية تدبير النمل نفسه وصولاً إلى الحراك الكونيّ، وما بين التساؤلين أفكار شتى تتجاذبها تجارب وقراءات، تؤدّي، في أحيانٍ كثيرة، إلى استيلاد أجوبة شخصية لا عامّة.

هذه الأفكار وأجوبتها تُفسح المجال أمام تنامي المعتقدات التي يُمكن وصفها بـ”السوداء”، أي أن يظنّ الشخص أنه أمام حائط مسدود، أو يعتقد أن لا حلّ قريباً للفيروس وأن الأمور تتجه إلى الأسوأ. وتزداد الأمور سوءاً إذا كان الشخص في بلدٍ غير قادرٍ أساساً على تلبية حاجات شعبه في الأيام العادية، فكيف في حالات الطوارئ. من حقّ كل فرد طرح الأسئلة الوجودية والتشكيكية، وربما من حقه التوصّل إلى نهاية سوداوية، بناء على ما يحلّله وما هو موجود أمامه، لكن الأوضاع ليست بالضرورة كذلك، فلو كانت البشرية عموماً أكثر ميلاً إلى السلبية في وجودها على كوكب الأرض لانتهى أمرها في بداياتها. بالتالي، ما هو الحلّ الذي يُمكن تنفيذه؟ في البدء، لا يمكن ادّعاء أن لا شيء يحصل أو كأن الأمور لم تتغير. علينا الاقتناع بذلك والتصرّف على أساسه. ثم، علينا البدء بالتفكير بأن فيروس كورونا عابر ولن يستمر، سواء بالتعايش معه أو مع إيجاد لقاح له. وبعد، يمكن التراجع خطوة إلى الوراء في أنانيتنا المفرطة، خصوصاً ببناء شبكة أمان اجتماعية، لا تحتاج بالضرورة إلى دولةٍ أو منظومة حزبية في حال غياب الدولة. ليست كل الدول ألمانيا أو النرويج، بل نحتاج إلى الجهد الشخصي عبر تعديل طريقة تفكيرنا التقليدية، وتفادي الهلع غير المبرّر الذي يفاقم المشكلة ولا يحلّها. طبعاً من الصعب حصول ذلك فوراً، لكن لا بدّ منه عاجلاً أم آجلاً.

وبما أن الإنسان كائن عاطفي، انفعالي، لا يُمكن منعه من التفكير بحزن أو الشعور بالاكتئاب، بل علينا إقناع هذا الفرد بأن الأمور لن تستمرّ على ما هي عليه. طبعاً، لا يمكن الاكتفاء بالكلام فحسب، بل نحتاج إلى التصرّف سريعاً وبالموارد المُتاحة. لم نعد بشراً بدائيين، لكن لا مانع من الاقتداء بهم من أجل مستقبلنا.

العربي الجديد

————————-

 3000 باحث من 600 جامعة حول العالم يتّحدون حول كيفية الخروج من أزمة “كوفيد – 19”

دمقرطة العمل، عدم سلعنته ومجابهة التلوث. أصدر أكثر من 3000 باحث من جامعات حول العالم دعوة عاجلة للتعلم من دروس أزمة كوفيد-19 وإعادة كتابة قواعد أنظمتنا الاقتصادية من أجل خلق مجتمع أكثر ديمقراطية واستدامة. هذه الدعوة، التي تأتي في خضم أزمة صحية وسياسية ومناخية غير مسبوقة، تمهد مسارًا إيجابيًا إلى الأمام، باتباع ثلاثة مبادئ أساسية: الديمقراطية (الشركات)، وإلغاء السلعنة (العمل)، وإصلاح (السياسات) من أجل احترام الحدود الطبيعية لكوكبنا وجعل الحياة مستدامة للجميع.

في مقال رأي نشر في 16 مايو في 29 صحيفة في 25 دولة ، أصدر أكثر من 3000 باحث من جامعات حول العالم دعوة عاجلة للتعلم من دروس أزمة كوفيد-19 وإعادة كتابة قواعد أنظمتنا الاقتصادية من أجل خلق مجتمع أكثر ديمقراطية واستدامة. إن دعوتهم ، التي تأتي في خضم أزمة صحية وسياسية ومناخية غير مسبوقة ، تمهد مسارًا إيجابيًا إلى الأمام، باتباع ثلاثة مبادئ أساسية: الديمقراطية (الشركات)، وإلغاء السلعنة (العمل)، وإصلاح (السياسات) من أجل احترام الحدود الطبيعية لكوكبنا وجعل الحياة مستدامة للجميع.

بالنسبة إلى إيزابيل فيريراس (جامعة لوفان – هارفارد)، وجولي باتيلانا (جامعة هارفارد) ودومينيك ميدا (باريز- دوفين )، الأساتذة الثلاثة الذين صاغوا مقالة الرأي، يعد مثل هذا الدعم القوي من المجتمع الأكاديمي الدولي أمرًا استثنائيًا: جمعت المبادرة أكثر من 3000 باحث من 600 جامعة حول العالم، يعملون في تخصصات مختلفة من الاقتصاد والعلوم السياسية والفلسفة وعلم الاجتماع إلى الرياضيات و علم المناخ و الفيزياء. يعتقد هؤلاء الأكاديميون أن نموذجنا المجتمعي الحالي غير مستدام، وتبرز بحوثهم سبب عدم الاستدامة. و هم اليوم يتشاركون في الالتزام بالمساعدة في تحديد الحلول والتوجهات التي تمكن من إرساء أسس اقتصاد ومجتمع أكثر ديمقراطية واستدامة. “

التشخيص

بدأ الباحثون الثلاثة بسؤال واحد: ماذا تعلمنا هذه الأزمة؟ تبدأ دعوتهم بملاحظة بسيطة: “البشر العاملون هم أكثر بكثير من” الموارد “. رعاية المرضى؛ توصيل الطعام والأدوية وأساسيات أخرى؛ إزالة النفايات؛ تخزين الرفوف وتشغيل السجلات في متاجر البقالة لدينا – الأشخاص الذين واصلوا الحياة تحت وباء كوفيد-19، وخاصة النساء والأقليات، هم دليل حي على أن العمل لا يمكن اختزاله إلى مجرد سلعة. لا يمكن أن تحكم صحة الإنسان ورعاية الفئات الأكثر ضعفاً قوى السوق وحدها. “

الاقتراحات

يتفق المؤلفون والموقعون على أن التغييرات الهيكلية الأساسية مطلوبة للخروج من الأزمة على مسار مستدام. تغييرات توفر إمكانيات ملموسة لسن هذه المبادئ الثلاثة:

1. دمقرطة العمل: يجب اعتبار العمال مواطنين في مكان العمل. يقر المؤلفون والموقعون بأن رفع الحد الأدنى للأجور وتقليص فجوة الأجور ضروري للغاية، ولكنه لن يكون كافيًا. لقد أثبت العمال مرة أخرى خلال هذه الأزمة أنهم هم المستثمرون  في العمل، الذين يشكلون الحلقة التأسيسية للشركات. ومع ذلك ليس لديهم الحق في إدارتها. يجب أن يكون للعمال الحق في أن يكونوا ممثلين في عملية صنع القرار في الشركات (مثل اختيار الرئيس التنفيذي، توزيع الأرباح، وما إلى ذلك). إن ترك استراتيجية الشركة في أيدي المساهمين وحدها أمر غير عادل وغير مستدام وخطير على المجتمع.

2. الغاء سلعنة العمل: لا يجب التعامل مع العمل على أنه مجرد سلعة يتم شراؤها وبيعها. يجب على المجتمعات أن تضمن توظيفًا لائقًا ومفيدًا لجميع الباحثين عنه – يجب تفعيل الحق في العمل، الذي سيسمح للجميع بالعيش بكرامة، من خلال برامج ضمان العمل. الذي سيوفر الحق في العمل للمجتمع ككل بالاستجابة بشكل أفضل للاحتياجات الاجتماعية والبيئية التي نواجهها.

3. الإصلاح: يجب احترام الحدود الحقيقية والملحة لكوكبنا. يجب على الدول أن تشرط دعمها للشركات بقبولها للتغييرات العميقة في نماذج أعمالها. بالإضافة إلى احترام المعايير البيئية والاجتماعية الصارمة، يجب على الشركات أن تخلق ديمقراطية داخلية حقيقية. إن احتياجات المجموعة – ولا سيما الاحتياجات البيئية والاجتماعية – لن تعلو على مصالح المساهمين وحدهم إلا إذا سمح بسماع أصوات العمال إلى جانب أصوات المساهمين.

نهج علمي

“مسؤوليتنا ، كعلماء وعالمات، هي مساعدة المجتمع على اختيار مستقبله من خلال توفير المعرفة المفيدة، بناءً على دراسات صارمة لطرق مختلفة للتنظيم” ،تقول إيزابيل فيريراس ، وجولي باتيلانا ، ودومينيك ميدا. “فمن خلال أبحاثهم العلمية ، يمكن للأكاديميين مساعدة المجتمع على التعلم من أخطاء الماضي ، ومن خلال دراسة المبادرات الحالية، يساعدون في تصميم بدائل تتعارض مع الوضع الراهن ، وتضع مجتمعاتنا على طريق مستقبل اقتصادي مستدام وديمقراطي.”

قيادة النساء للتغيير

وتجدر الإشارة إلى أن هذه المقالة الافتتاحية هي مبادرة نسائية. هذا يجعلها أكثر استثنائية في عالم البحث الأكاديمي. كما تلاحظ المبادرات بالمشروع بأن “ذلك بلا شك ينعكس أيضا على الدور الأساسي الذي تلعبه النساء في المساعدة في إدارة هذه الأزمة”.

و غدا؟

إن الـ 3000 الموقعين على هذا المقال مقتنعون بأن المجتمعات يجب أن تحدث تغييراً هائلاً في المسار وأن تعيد العمال (الممرضات ، الصرافي ، جامعي القمامة ، العمال الزراعيين ، المدرسين ، وغيرهم ) إلى حيث ينتمون: في صميم قيمنا و قراراتنا . فقط مثل هذا التحول العميق سيخلق نوع الدورة الفاضلة التي نحتاجها لمحاربة أزمتنا الصحية والمناخية والاقتصادية والسياسية الحالية. يقول الباحثون: “كعلماء وعالمات ، نعتبر أنفسنا حلفاء لجميع صناع التغيير – النقابات و رجال الأعمال ، المسؤولين المنتخبين ، الجمعيات المدنية ، أو المواطنين – الذين يريدون أن يروا العالم يسير في هذا الاتجاه”.

_____________

للإتصال بمنسقي المبادرة: democratizingwork@gmail.com، كما يمكنم الإطلاع على قائمة الموقعين على البي

https://democratizingwork.org

السفير العربي

——————————–

فورين أفيرز: كورونا و”مناعة القطيع”.. هل نجح خيار السويد ليصبح نموذجا عالميا؟

قال نيلز كارلسون وشارلوتا ستيرن ودانيال بي كلاي في مجلة فورين أفيرز الأمريكية إن دولة السويد تعاملت بشكل استثنائي مقارنة بدول أخرى في مواجهة فيروس كورونا المستجد، وتراهن على ما يسمى “مناعة القطيع”.

ويقول الكتاب إن السويد تعول كثيرا على سياسة التباعد الاجتماعي وتفهم السكان لهذه السياسة، بدل أن تفرض الحجر الصحي أو أن تفرض حالة الطوارئ الوطنية، لكن مع فرض بعض القيود بهدف “تسطيح المنحنى”،  منها منع التجمعات التي تزيد عن 50 فردا، والتعليم عن بعد في المدارس الثانوية والجامعات.

وبحسب المقال، لم تعلن السلطات السويدية بشكل رسمي أن الهدف هو الوصول إلى مناعة القطيع، لكن الحكومة تعتبر زيادة المناعة جزءا من الإستراتيجية الأوسع لها، أو على الأقل نتيجة متوقعة لإبقاء المدارس والمطاعم ومعظم الشركات مفتوحة.

ويعتقد معظم العلماء أن مناعة القطيع قد تتحقق عندما يصاب أكثر من 60% من السكان بالفيروس.

وتوقع أحد كبار علماء الفيروسات في وكالة الصحة العامة السويدية أن تصل مدينة ستوكهولم إلى “مناعة القطيع” في وقت مبكر من مايو/أيار، ولكن تحقيق 40% من مناعة القطيع بالعاصمة قد يكون كافيا لوقف انتشار الفيروس بحلول منتصف يونيو/حزيران المقبل، بحسب عالم رياضيات في جامعة ستوكهولم وبيانات يجري تحديثها بشكل يومي.

ويبدو أن أسلوب السويد في التعامل مع الأزمة لاقى استحسانا من بعض الأوساط، بحسب المقال، لأنها تحافظ على وضع اقتصادي شبه طبيعي، وعلى نسبة وفيات أقل مقارنة بدول أوروبية مثل إيطاليا وبريطانيا وإسبانيا، لكن البعض يوجه لها انتقادات بسبب أن معدل الوفيات لديها تجاوز بقية دول الشمال (مثل النرويج وفنلندا)، إضافة إلى عدم توفير الحماية للسكان المسنين والمهاجرين.

وقالت السلطات السويدية إن ارتفاع معدل الوفيات في البلاد سينخفض مع الوقت، وإنه عندما تصل موجة ثانية مميتة من الفيروس ستكون السويد قد تجاوزت الفترة الأسوأ ووضعتها خلفها.

ورغم أن استجابة السويد للفيروس لم تكن مثالية، إلا أنها نجحت على الأقل في تقوية مناعة الشبان والأشخاص الأصحاء، مع المحافظة على تسطيح المنحنى، ولم يخرج الوضع عن السيطرة في وحدات العناية المكثفة في البلاد ولم يجر إرهاق الطاقم الطبي (كما حدث في دول أخرى).

ويبدو أن عددا من الدول بدأت تعتمد بعض أوجه الطريقة السويدية، فقد أعادت الدنمارك وفنلندا فتح المدارس الابتدائية، وأعادت ألمانيا فتح المحلات التجارية الصغيرة، ويتوقع أن تعيد إيطاليا فتح المتنزهات قريبا، بينما تنوي فرنسا إعادة فتح أنشطة تجارية غير ضرورية.

وفي بعض الولايات الأمريكية، جرى تخفيف بعض القيود بعد طلب من الرئيس دونالد ترامب، رغم أن الأخير رفض الطريقة السويدية، ويتبين أنه يدفع البلاد نحو سياسة مشابهة.

وقد لا تنجح كل الدول بما فعلته السويد بسبب اختلاف الثقافة بين دولة وأخرى، إذ لا يقتصر الأمر على المستوى العالي من الثقة من الناس فيما بينهم، وإنما أيضا مستوى الثقة المتبادل بين الشعب والدولة.

ويختم الكتاب مقالهم بالقول إنه يجب على الدول التي تعتمد إجراءات السويد أن تتعلم من أخطائها، خصوصا فيما يتعلق بالمسنين والمهاجرين، كما يجب توفير الأقنعة وغيرها من معدات الحماية على الفور في دور رعاية المسنين.

القدس العربي

————————

الغارديان: تحت غطاء فيروس كورونا يعيث الأشرار فسادا في العالم

تحدث جوناثان فريدلاند، في مقال بصحيفة الغارديان البريطانية، عن “الإفساد في العالم” في عصر وباء كوفيد-19 قائلا: “تحت غطاء فيروس كورونا، يعيث الأشرار فسادا في العالم”، مضيفا: “لقد سمح الوباء للأقوياء والطغاة بالإفلات من العقاب عن القتل والفوضى بينما ننظر نحن في اتجاه آخر”.

وأضاف الكاتب أن البعض يعتبر كوفيد 19 “السلاح المفضل” فهو يتستر على كل أنواع الشر، وأن السلطات الاستبدادية تنتهز فرصة الأزمة الصحية العالمية، التي أصبحت بمثابة نعمة للمستبدين والطغاة والمتعصبين في العالم. “لقد أعطاهم أكثر ما يتحرقون شوقا إليه: الخوف وغطاء الظلام”.

وقال: “شاهد الأدلة الناشئة على أن بشار الأسد في دمشق وشي جينبينغ في بكين يسمحان للمرض بإحداث دمار بين تلك الجماعات التي لا يعتبرها حكامهم بشرا، ولا تستحق حياتهم الحماية الأساسية. فالأسد يتعمد ترك السوريين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة أكثر عرضة للوباء، بحسب ويل تودمان مدير مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية”.

وينقل الكاتب عن ويل قوله إن “كوفيد 19 أعطى الأسد فرصة جديدة لاستغلال المعاناة”.

وفيما يتعلق بالصين، يقول جوناثان إنها “تواصل احتجاز مليون مسلم من الأويغور في معسكرات الاعتقال، حيث يواجهون الآن ليس فقط الظروف اللإنسانية ولكن أيضا وباء كورونا”.

ويشير إلى أن هذه المعسكرات “ضيقة وتفتقر إلى الصرف الصحي الملائم ولديها مرافق طبية ضعيفة: لا يمكن للفيروس أن يحتاج أرضا أفضل من ذلك للتكاثر. والأكثر من ذلك، يُقال إن مسلمي الأويغور يُجبرون على العمل كعمال بدلاء لغير المسلمين المسموح لهم بالبقاء في المنزل وحماية أنفسهم”. وهذا، وفقا لأحد المراقبين، “يعكس كيف تنظر جمهورية الصين إلى [الأويغور المسلمين] على أنهم ليسوا سوى سلع يمكن التخلص منها”.

وأضاف قائلا: “في مكان آخر، أعطى الوباء للديكتاتوريين المحتملين ذريعة للاستيلاء على المزيد من السلطة. فقد أدخل (رئيس وزراء المجر) فيكتور أوربان، الذي كان رده على الفيروس فوريا: أقنع برلمانه المطوَّع بمنحه الحق في الحكم بمرسوم. وقال إنه بحاجة إلى سلطات طارئة لمكافحة المرض المخيف”.

غير أن الكاتب يقول إنه “لا يوجد حد زمني لهذه السلطات، فسوف تظل بيده حتى بعد انتهاء التهديد”. وتشمل هذه السلطة الحق في اعتقال الذين “ينشرون معلومات كاذبة”، مضيفا: “يسعى أوربان منذ فترة طويلة إلى حكم المجر كدولة أوتوقراطية، لكن الوباء منحه فرصته، ما سمح له بوصم أي شخص يقف في طريقه بأنه غير راغب في مساعدة الزعيم على محاربة تهديد مهلك”.

بينما اعتبر جوناثان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الحكام غير ذوي المبادئ الذين يحدثون الأذى بينما ينشغل المنتقدون في الداخل والخارج بأعمال عاجلة تتعلق بالحياة والموت، بالإضافة إلى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الذي وصفه بأنه من المعجبين بترامب. فقد “رأى الفرصة نفسها التي رصدها زملاؤه من القوميين المتطرفين”.

ويضيف: “تستخدم الشرطة الهندية الإغلاق لقمع المواطنين المسلمين وقادتهم “بشكل عشوائي”، وأن مودي “يحسب أن رأي الأغلبية سيدعمه، حيث يصف السياسيون الهندوس اليمينيون الفيروس بأنه “مرض مسلم” وتعلن المحطات التليفزيونية الموالية لمودي أن الأمة تواجه جهاد كورونا”.

ويضيف جوناثان رئيس وزراء إسرائيل إلى القائمة. ويقول: “منح الفيروس بنيامين نتنياهو – الذي يمكنه الادعاء بأنه ترامبي قبل ظهور ترامب – شريان الحياة السياسي”، مع أنه متهم رسميا بالفساد.

ويضيف الكاتب: “إن ائتلافه (نتنياهو) الجديد ملتزم ببرنامج تضم إسرائيل بموجبه أجزاء رئيسية من الضفة الغربية، وتبتلع بشكل دائم أراضي يجب أن تنتمي إلى دولة فلسطينية مستقبلية، على أن تبدأ عملية الابتلاع في أوائل يوليو”.

ويخلص جوناثان إلى أنه “حتى الآن، كان الوباء بمثابة نعمة للمستبدين والطغاة والمتعصبين في العالم. لقد أعطاهم أكثر ما يتحرقون شوقا إليه: الخوف وغطاء الظلام”.

القدس العربي

—————————-

“الصحة العالمية” تبحث الرابط بين كورونا ومتلازمة كاواساكي

أعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أنّها تدرس احتمال وجود رابط بين فيروس كورونا ومتلازمة كاواساكي التي تؤدي إلى أمراض التهابية لدى الأطفال.

وأعلن مدير عام المنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، خلال مؤتمر صحافي أجراه عبر الإنترنت في جنيف: “تشير فرضيات أولية إلى أنّ هذه المتلازمة قد تكون مرتبطة بكوفيد-19 (…) ندعو كل اختصاصيي التحليل السريري في العالم إلى العمل مع السلطات الوطنية ومنظمة الصحة العالمية لنكون في حالة استعداد ونفهم أكثر هذه المتلازمة لدى الأطفال”.

وأضاف: “من الضروري تشخيص هذه المتلازمة السريرية بدقة وسرعة لفهم أسبابها ووضع بروتوكولات علاج”، وطوّرت منظمة الصحة العالمية وشبكتها العالمية للأطباء السريريين تعريفاً أولياً، ووضعت في تصرف الأطباء استمارة تصريح لكلّ حالة مشتبه بإصابتها بمتلازمة الاستجابة الالتهابية الجهازية.

وأوضح مسؤول برامج الطوارئ في المنظمة، مايكل ريان، أن الحالات التي تم تسجيلها في العالم نادرة ولا يزال دور فيروس كورونا الجديد في تطور الالتهاب غير معروف، وأضاف ريان: “لا نعلم إن كان الفيروس يهاجم الخلايا أو إن كانت الاستجابة المناعية” المفرطة هي التي تؤدي إلى الالتهاب، كما هو الحال مع حمى إيبولا.

وأدى مرض التهابي، يُرجح أنه مرتبط بفيروس كورونا وأصاب بعض الأطفال، إلى تسجيل أول وفاة في فرنسا لطفل يبلغ تسع سنوات، لكن هذه المتلازمة الشبيهة بمرض كاواساكي لا تزال نادرة مع 135 إصابة معلنة حتى الساعة.

وقال البروفيسور فابريس ميشال، رئيس قسم إنعاش الأطفال في مستشفى لا تيمون في مرسيليا (جنوب شرق)، إن الطفل توفي في الثامن من مايو/ أيار بسبب “تلف عصبي مرتبط بالسكتة القلبية”، وأضاف في حديث لوكالة فرانس برس أن التحاليل أظهرت أنه “كان على احتكاك” بفيروس كورونا، لكن لم تظهر عليه أي أعراض.

وتابع أنه لدى نقله إلى قسم طوارئ الأطفال في مستشفى آخر في مرسيليا، في الثاني من مايو/ أيار، خضع الطفل لفحص وكان يعاني من أعراض “مشابهة لأعراض الحمى القرمزية (…) من دون مؤشر خطورة”، وأعيد إلى المنزل مع علاج. وقال الطبيب إنه في نفس الليلة “أُصيب الطفل بإعياء شديد مع سكتة قلبية” في المنزل، فنقل إلى قسم إنعاش الأطفال، حيث تلقى العلاج لسبعة أيام وتوفي السبت الماضي.

وأعلنت مديرية الصحة العامة في فرنسا، مساء الخميس، وفاة الطفل المصاب بمرض آخر هو “مرض عصبي نمائي”، لكن البروفيسور ميشال أشار إلى أن هذا المرض الآخر لا علاقة له بوفاة الطفل، وهذا أول طفل يتوفى في فرنسا جراء مرض التهابي مرتبط على الأرجح بكورونا.

وقالت البروفيسورة كارولين أفايرت، رئيسة قسم أمراض القلب لدى الأطفال في مستشفيات مرسيليا، إن هذا المرض “خطير، لكنه نادر جداً، ونحن مقتنعون بأنه تجب مواصلة إعادة الأطفال إلى المدارس”، وأبلغت عدة دول، في الأسابيع الثلاثة الماضية، عن حالات أطفال مصابين بمرض التهابي مع أعراض مشابهة لأعراض مرض كاواساكي، ومرتبطة على الأرجح بكورونا.

وبعد إعلان المملكة المتحدة عن أول حالة من هذا النوع، نهاية إبريل/ نيسان، أُبلغ عن حالات مشابهة في نيويورك وإيطاليا وإسبانيا، والوفيات نادرة جداً، مع وفاة فتى في الرابعة عشرة من عمره في بريطانيا، وطفل في الخامسة من عمره في نيويورك.

وفي فرنسا، سجّلت 135 إصابة بالمتلازمة “النادرة التي تبدو حالياً في تراجع” بين الأول من مارس/ آذار، و14 مايو/ أيار، أكثر من نصفها في المنطقة الباريسية، وفق مصلحة الصحة العامة، وتلقى 65 طفلاً العلاج في أقسام الإنعاش و25 آخرون في أقسام العناية المركزة.

وتشمل الأعراض حمى شديدة وألما في البطن واضطرابات في الجهاز الهضمي وطفحا جلديا والتهاب الملتحمة واحمرار اللسان وتورمه، وهذه الأعراض قريبة من مرض كاواساكي الذي يصيب الأطفال ويسبب التهاب الأوعية الدموية، ومع ذلك، هناك اختلافات، فالالتهاب وتلف القلب “أكثر وضوحاً” في الحالات التي يشتبه في ارتباطها بكورونا مقارنة بمرض كاواساكي العادي، وفق الأطباء.

ويقول البروفيسور ميشال إن هذه الحالات تتعلق “بعدد قليل جداً من الأطفال، ووفاة واحدة ويجب أن لا تثير القلق بلا داع”، ويضيف أنه تجب استشارة الطبيب “عندما يعاني الأطفال من الحمى لأكثر من يومين مع علامات مصاحبة”.

(فرانس برس)

——————————–

كورونا: “المسمار”.. قد يكون الحلَ

قالت شبكة “سي إن إن” الأميركية إن علماء يعملون على تطوير نوع جديد من لقاحات كورونا يعتمد على إعطاء الجسم الشيفرة الوراثية لأخطر جزء من الفيروس من أجل منعه من دخول الخلايا، وهى التقنية التى يرى خبراء أنها قد تمثل قفزة كبيرة فى مجال مكافحة الفيروسات.

وعرضت “سي إن إن” على موقعها الإلكتروني في نسخته العربية مقطعاً مصوراً عن الجهود التى يقوم بها البروفيسور روبن شاتوك من كلية “إمبريال كوليدج” لندن وفريقه لتطوير التقنية الجديدة التى تجعل جسم الإنسان يتعرف على أخطر جزء من الفيروس، وهو الخطاف أو المسمار من الخارج، حتى يكون الجسم جاهزاً إذا رأى الشيء الحقيقي. لا يُعطى الجسم جزءاً من الفيروس، بل يُعطى مخططاً للجزء الأكثر فتكاً من الفيروس.

وستبدأ التجارب البشرية على هذا اللقاح في منتصف حزيران/يونيو المقبل، ويأمل العلماء في إجراء 6 آلاف اختبار بشري بحلول تشرين الأول/أكتوبر، بحيث تكون هذه التقنية، التي وصفت بالثورية، جاهزة ربما في وقت مبكر من العام المقبل للجميع.

وعن طريقة عمل اللقاح، قال شاتوك إن “المسامير الموجودة على سطح الفيروس هي ما يسمح له بمهاجمة ودخول خلايا الجسم، وتعتمد تقنيتها على حقن الشيفرة الوراثية لتلك المسامير في الجسم ويتيح لخلايا عضلاتك صنع الكثير من تلك المسامير، ويدرك نظام المناعة لديك هذا ويبدأ فى صنع الأجسام المضادة التي تربك هذا المسمار”.

وأضاف “لذلك عندما ترى الفيروس بأكمله، فإن الجسم، بعد حصوله على اللقاح، سيقوم جهاز المناعة لديه فوراً بإنتاج أجسام مضادة يمكن أن تثبت على المسمار، ما يعني أن المسمار لن يعد قادراً على إصابة الخلايا، وتختلف هذه التقنية عن أغلب اللقاحات الأخرى التى تعطى الجسم فيروساً كاملاً ضعيفا ليتعلم كيفية القتال”.

في غضون ذلك انتشرت خلال الساعات الأخيرة تقارير تقول إن غسول الفم الذي يستخدم للمضمضة لديه القدرة على قتل وتدمير فيروس كورونا المستجد قبل أن يصيب الخلايا البشرية، لكن تدوينة سابقة لمنظمة الصحة حسمت الجدل بشأن الموضوع.

وقال فريق من الباحثين إن المواد الكيماوية المتواجدة في غسول الفم قادرة على تدمير الغشاء الدهني لفيروس كورونا.

لكن منظمة الصحة العالمية عبر صفحتها الرسمية على موقع “فايسبوك”، كانت قد قالت: “لا يوجد دليل على أن استخدام غسول الفم سيحميك من العدوى بفيروس كورونا الجديد”. وأضافت المنظمة “بعض العلامات التجارية لغسول الفم قد تقضي على بعض الميكروبات في الفم لدقائق، لكن ذلك لا يعني أنها قادرة على حمايتك من كوفيد 19”.

وأظهرت بعض التجارب والدراسات السريرية المحدودة أن غسول الفم يحتوي على ما يكفي من المكونات القادرة على استهداف الدهون بشكل فعال في فيروسات مغلفة مماثلة، وفق ما نشرت صحيفة “دايلي ميل” البريطانية.

ويتكون غسول الفم من مواد مثل الكلورهيكسيدين، كلوريد سيتيل البيريدينيوم، وبيروكسيد الهيدروجين وبوفيدون اليود، وكلها لديها القدرة على منع العدوى والعديد منها “تستحق التقييم السريري”، وفقا للباحثين الدوليين.

بالتزامن، أكد آلاف المتطوعين أنهم يرغبون في الإصابة بفيروس كورونا المستجد عن قصد، وبإرادتهم، من أجل حقن مجموعة منهم في ما بعد بلقاحات محتملة، وسط تجربة محفوفة بالمخاطر الصحية.

كما أن تجربة لقاح “التحدي البشري” المحتملة، ستعرض المتطوعين عن قصد، لمرض “كوفيد 19″، بعد حقن مجموعة منهم بلقاح محتمل. التجربة محفوفة بالمخاطر، وقد تكون مميتة، لكنها قد تكون أيضاً بمثابة مسار أسرع للوصول إلى لقاح حقيقي للعالم، وفكرتها تحظى باهتمام منظمة الصحة العالمية الآن.

ويعد الطالب أبي روهيغ واحداً من أكثر من 16 ألف شخص (معظمهم من الشباب) الذين أبدوا دعمهم لفكرة التطوع من أجل إنتاج لقاح ضد فيروس كورونا المستجد، حيث يقول إنه يريد أن يعمل ذلك لصالح الإنسانية.

وسجل الآلاف عبر الإنترنت في موقع جديد مهتم بالتطوع للإصابة بفيروس كورونا من أجل التسريع في تطوير لقاح جديد يكافح مرض “كوفيد 19” ، حيث يدخل الشخص على الموقع الإلكتروني “1 Day Sooner ” ثم يقوم بتحديد علامة بجوار العبارة: “أنا مهتم بالتعرض للفيروس التاجي من أجل تسريع تطوير اللقاح”.

وتسمى هذه التجربة ب”لقاح تحدي البشر” أو “دراسة العدوى البشرية الخاضعة للرقابة” ويمكن من خلالها التسريع في عملية إنتاج لقاح يسهم في علاج مرضى فيروس كورونا المستجد حول العالم.

—————————–

فيروس كورونا قد يصبح مثل الإيدز.. هل رفع العالم الراية البيضاء؟/ أسامة أبو الرب

قالت منظمة الصحة العالمية إن فيروس كورونا المستجد “سارس كوف 2” المسبب لمرض كوفيد-19 قد يصبح متوطنا مثل فيروس “إتش آي في” المسبب لمرض الإيدز، فهل استنفدت الحلول ولم يبق سوى رفع الراية البيضاء؟

وقال المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ في المنظمة مايك رايان في إفادة صحفية عبر الإنترنت أول أمس الأربعاء “من المهم أن نطرح هذا الكلام، هذا الفيروس قد يصبح مجرد فيروس آخر متوطن في مجتمعاتنا، قد لا يختفي هذا الفيروس أبدا”.

وأضاف “أرى أنه من الضروري أن نكون واقعيين، ولا أتصور أن بوسع أي شخص التنبؤ بموعد اختفاء هذا المرض، أرى أنه لا وعود بهذا الشأن وليس هناك تواريخ، هذا المرض قد يستقر ليصبح مشكلة طويلة الأمد، وقد لا يكون كذلك”.

ومع ذلك، قال إن العالم حقق بعض السيطرة بشأن كيفية تعامله مع المرض، لكن الأمر سيتطلب “جهودا هائلة” حتى لو تم التوصل إلى لقاح، وهو احتمال وصفه بأنه سيكون “إنجازا كبيرا”.

 هل يتوطن الفيروس؟

الفيروس المتوطن أو “المرض المتوطن” (Endemic) هو مرض يكون له وجود مستمر أو انتشار معتاد وضمن المعدلات المتوقعة داخل منطقة جغرافية، وهذا يعني أن المرض يستمر بالوجود لكن ضمن معدلات ثابتة تقريبا.

والفرق الأساسي بين المرض المتوطن والمرض الذي يسبب جائحة هو إمكانية التنبؤ، ففي حالة الفيروس المتوطن فإن العلماء يكونون قد وصلوا إلى معرفة الأرقام المتوقعة للإصابات والوفيات، أي أنه إذا لم يتم احتواء فيروس كورونا أو القضاء عليه فقد ينتهي به الأمر كفيروس متوطن آخر يتعرض له الناس إلى حد ما بانتظام.

أمثلة على الفيروسات المتوطنة

في المؤتمر الصحفي لمنظمة الصحة العالمية أول أمس الأربعاء استخدم الدكتور رايان فيروس “إتش آي في” المسبب لمرض الإيدز (متلازمة نقص المناعة البشرية المكتسب) مثالا على الفيروسات المتوطنة.

ويقول الدكتور رايان “مع أن فيروس الإيدز لا يزال يعتبر من الناحية العلمية وباء إلا أن سكان العالم لديهم مستوى من الوعي بالفيروس”، مضيفا أن “فيروس نقص المناعة البشرية لم يختف.. ووجدنا العلاجات ووجدنا طرق الوقاية ولا يشعر الناس بالخوف كما كانوا من قبل، والآن يوفر الطب الحديث حياة صحية طويلة للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية”.

 ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، فإنه في 2018‏ بلغ عدد المتعايشين مع فيروس الإيدز 37.9 مليون شخص، وأدى توسيع نطاق التوصل إلى الوسائل الفعالة للوقاية من الفيروس وتشخيصه وعلاجه ورعاية المصابين به إلى جعل العدوى بهذا الفيروس مشكلة صحية مزمنة يمكن السيطرة عليها، مما يتيح للمصابين به حياة طويلة وصحية.

ويهاجم فيروس الإيدز النظام المناعي ويضعف الدفاعات البشرية الطبيعية ضد الالتهابات وبعض أنواع السرطان، ويؤدي إلى تدمير وتعطيل وظائف الخلايا المناعية، مما ينتج عنه إصابة الأشخاص بالعوز المناعي تدريجيا.

وتقول منظمة الصحة العالمية إنه لا يوجد علاج لعدوى الإيدز، ومع ذلك فإن الأدوية الفعالة المضادة للفيروسات القهقرية يمكنها السيطرة على الفيروس والمساعدة في منع انتقاله إلى أشخاص آخرين.

الملاريا

الملاريا مثال آخر على مرض متوطن في مناطق معينة، وهو مرض خطير وفي بعض الأحيان مميت يسببه طفيلي ينقله البعوض إلى البشر، وتوجد علاجات له.

والملاريا مرض متوطن في أجزاء من أفريقيا جنوب الصحراء، ولهذا السبب قد يحتاج المسافرون إلى تلك البلدان إلى الحصول على أدوية للوقاية منها.

الزكام

وقال غراهام ميدلي مدير مركز النمذجة الرياضية للأمراض المعدية في مدرسة لندن للصحة والطب الاستوائي لموقع ذا فيرج إن هناك احتمالية أن يأخذ فيروس كورونا المستجد مسار فيروسات أخرى مثل المسببة للزكام أو الإنفلونزا الموسمية التي تكون عدواها أكثر شيوعا خلال أشهر محددة من السنة.

وأضاف ميدلي أنه على الرغم من أن الإنفلونزا غير مصنفة فيروسا متوطنا فإن هناك مستوى من القدرة على التنبؤ بها، كما أن الإجراءات المتخذة تقلل انتشارها مثل لقاح الإنفلونزا، أو تسرع الشفاء لدى الأفراد المصابين مثل الأدوية المضادة للفيروسات، ومنها تاميفلو.

 الشبه بين فيروس كورونا المستجد وفيروس الإيدز

قارن ديفد ويسنر أستاذ علم الأحياء في كلية ديفيدسون في مقال بمجلة فوربس بين فيروس كورونا المستجد واسمه العلمي “سارس كوف 2” وفيروس الإيدز، مع أنه أكد -حتى لا يصاب أحد بالذعر- أنهما مختلفان تماما.

وقال ويسنر إن بعض الدراسات الحديثة بشأن تأثيرات فيروس الإيدز و”سارس كوف 2″ تشير إلى أن لديهما بعض أوجه تشابه، إذ وفقا لباحثين في شنغهاي فإن فيروس كورونا يمكن أن يصيب الخلايا الليمفاوية التائية، وهي من خلايا الدم البيضاء، وهي نفس الخلايا المستهدفة بفيروس الإيدز.

كما وثق باحثون آخرون أن الأفراد الذين يعانون من كوفيد-19 قد يحدث لديهم انخفاض في الخلايا الليمفاوية في الدم، وبالمثل تؤدي الإصابة بفيروس الإيدز إلى ذلك.

بالمقابل، فإن فيروس الإيدز يتكاثر بقوة في خلايا الدم البيضاء، حيث تنفث الخلايا المصابة آلاف الجسيمات الفيروسية الجديدة، أما فيروس كورونا فمع أنه يصيب خلايا الدم البيضاء إلا أنه ليست لديه القدرة على التكاثر في هذه الخلايا، إذ يبدو أن هذه الفيروسات يمكن أن تدخل الخلايا، لكن العدوى فاشلة.

وحتى اللحظة لم ينجح العلماء في تطوير لقاح لفيروس الإيدز، وذلك لعدة أسباب، منها: أن فيروس الإيدز يتغير بسرعة عبر الطفرات ويغير مظهره باستمرار ويبقى متقدما على أي استجابة ينتجها الجسم، كما أن فينوم فيروس الإيدز يندمج عند دخوله الخلية في جينوم الخلية المضيفة، مما يجعله غير مرئي بشكل فعال للاستجابة المناعية للمضيف، إضافة إلى أن أجسامنا لا تستجيب لفيروس الإيدز بشكل طبيعي استجابة مناعية فعالة.

الأخبار السارة

أما الأخبار السارة فهي أن فيروسات كورونا لديها معدل طفرات أقل بكثير من فيروس الإيدز، وتشير البيانات الأولية إلى أن هذه الخاصية صحيحة بالنسبة لفيروس كورونا المستجد سارس كوف 2.

2- جينوم فيروس كورونا المستجد لا يندمج مع جينومات الخلايا المصابة.

3- تشير الأبحاث السابقة بشأن فيروسات كورونا إلى أن البشر لديهم استجابة مناعية قوية لهذه الفيروسات.

4- يجري حاليا تطوير أكثر من 100 لقاح محتمل لفيروس كورونا، العديد منها في مرحلة التجارب السريرية.

لذلك، فإن إعلان منظمة الصحة العالمية أن فيروس كورونا سيصبح متوطنا لا يعني أبدا رفع الراية البيضاء أو الاستسلام، بل يعني أنه مع الأبحاث المستمرة سيصبح العلماء أكثر قدرة على التنبؤ بمساره والتعامل مع مصابيه وتوفير الدعم والعلاج اللازم لهم، ولعل الأيام المقبلة تحمل لنا أخبارا سارة عن التوصل إلى اللقاح المطلوب.

المصدر : وكالات,الجزيرة,مواقع إلكترونية,الفرنسية,فويس,رويترز

————————–

الحصانة والوباء: مقاربات في المخاطر والصيدلة والسياسة والأخلاق/ مضر رياض الدبس

المحتويات:

أولًا: المخاطر أو تكتكتة القنبلة

ثانيًا: التأخر التاريخي للصيدلة

    شركات الأدوية وذهنية الربح  مكامن التأخر وأسبابه

ثالثًا: الأخلاق الكونية وتقاطعات الصحة والحرية، ألمانيا وسورية أنموذجًا

    كونية الحصانة

    الذاتي والموضوعي، المحلي والعالمي، الداخل والخارج

بقدر ما هي مزعجة هذه الأوضاع الاستثنائية التي يعيشها العالم هذه الأيام، هي مغرية للتفكير فيها، وهذه المساهمة استجابة بسيطة لهذا الإغراء المعاصر. واخترنا أن يكون التفكير في المسألة من جنس دوافعه، فوجَّهنا مقارباتنا وفق منهجية تنظر في المخاطر بوصفها نبوءات علميَّة اليوم، وأزمات وكوارث غدًا. ثم قادنا هذا المنهج إلى الصيدلة، وإلى أسباب إخفاق هذا العلم في نجدتنا، وصولًا إلى مقاربات أكثر اتساعًا في الأفق، فنتناول المسألة الأخلاقية من زاوية تقاطعات الصحة والحرية، متخذين من سورية وألمانيا أنموذجين؛ الأولى بما هي صورة فاقعة معاصرة للمخاطر المتحَققَة، والثانية بما هي مثال للتقدم العلمي والصحي الذي فشل في تحصينها من الوباء. ثم نجرد هذه التقاطعات ونعيد تعيينها في مجالات أوسع، مثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان. وصولًا إلى مقاربة أفضل لثنائيات المحلي والكوني، والذاتي والموضوعي، والداخل والخارج.

أولًا: المخاطر أو تكتكة القنبلة

يتضمن التفكير في المخاطر شيئًا من النبوءة، بما هو تحديدٌ يستند إلى رصد إمكانات عالية لتحقّق حدثٍ لم يقع بعد. تستند هذه النبوءة إلى تتبع عقلي لمآلات حقائق راهنة، وبهذا المعنى، يكون الاستشعار السليم للتهديد، والتكهن الصحيح بالضرر، هما أهم مؤشرات الأداء الرئيسة لتقييم مجمل نتائج هذا النوع من التفكير وأدائه. بتعبيرٍ آخر: إن تحديد التهديد وفهمه، ومن ثم تصوّر نتائجه إذا أصبح واقعًا في المستقبل، هو مادة التفكير الأولية في المخاطر.

هكذا يمكن أن نقول إن منهجية التفكير العريضة في المخاطر تقوم على ركيزتين: التحليل والنبوءة، وتبقى هذه المقولة صحيحة ما دام التفكير يقع على المستوى العلمي العقلي المجرد، ولكن ما إن نغادر هذا المستوى، بإضافة بُعد أخلاقي إنساني، حتى ندرك ضرورة وجود مؤشر أداء يتناقض مع الأول. فلا يعود الحكم على نجاح هذه المنهجية متوقفًا على وضع النبوءة الصحيحة، بقدر ما يتوقف على النجاح في منع تحققها في المستقبل، عبر اتخاذ مجموعة من التدابير الاستباقية. هذا يعني أن البعد الأخلاقي للعلم يوجب العمل على منع الكارثة لا التحذير منها فحسب.

إذا تحققت نبوءة نبيّ في أي شيء؛ أمكن أن نقول إن في ذلك دليل صدقه وأحقية نبوءته، ولكن إذا تحققت نبوءة عالمٍ في وقوع ما كان يحذّر من وقوعه، فهذا دليل ضعفنا واستهتارنا، وفشل أنظمتنا الأخلاقية بالدرجة الأولى، والسياسية بالدرجة الثانية. ولذلك، فإن التفكير في المخاطر لا يكون ناجحًا وناجعًا، إلا إذا تضمن العمل على إجهاض كلّ إمكانات تحقق نبوءاته وتوقعاته، لا العمل على تعظيم فرص تحققها كما يفعل أنصار الأنبياء.

كانت الجائحة، التي نشهدها اليوم، نبوءةً -على أقل تقدير منذ ظهورها في 2003 حين سببت “سارس”: المرض نفسه- وكانت تُعرف بـ “كوفيد (1)”، وكان العلماء متأكدين من حدوثها في يومٍ ما، كما هم اليوم متأكدون من أن العالم سيشهد جائحة أنفلونزا أخرى مثلًا، ولكن لا يعرفون متى على وجه التحديد. ومع ذلك لم يتحرك العالم، ولم تأخذ الأنظمة السياسية والصحية الأمر على محمل الجد، إلا عندما رأت الموت والكارثة والخسائر واقعًا ماثلًا فاقعًا! وعند هذه النقطة، لجأ العلم إلى التضامن لمواجهة الفيروس، ومشاركة المعلومات، حتى إن منظمة الصحة العالمية أطلقت تسمية “تجربة التضامن” (Solidarity Trial) على الدراسة الموَّسعة التي أطلقتها أخيرًا بمشاركة خمس وأربعين دولة، بهدف مقارنة سلامة ونجاعة أربعة عقاقير مختلفة أو تركيبات من العقاقير ضد كوفيد-19. ومن اللافت للنظر وصف منظمة الصحة العالمية لهذه التجربة بـ “التاريخية”؛ لأنها وفق تعبير المنظمة “تقلصّ إلى حد كبير الوقت اللازم لتوليد بيّنات متينة عن أنسب الأدوية وأنجعها”[1]. ولنا هنا أن نضع أسئلة منطقية، عن سبب غياب هذا النوع من التضامن قبل الكارثة، وعن سبب غياب هذه المبادرات لمنع حدوث كوارث صحية أخرى تتنبأ بها منظمة الصحة العالمية نفسها: مثلًا تتنبأ المنظمة، ضمن مقال عن مهامها في عام 2019، فتقول بالحرف: “سيشهد العالم جائحة أنفلونزا أخرى، وإن لم نعرف تمامًا وقت تعرضنا لها ومدى وخامتها. ولا تتسم تدابير العالم في مجال الدفاع ضد هذه الجوائح بالفاعلية إلا بقدر فاعلية أضعف حلقات نظم التأهب لمواجهة الطوارئ والاستجابة لها في البلدان”[2].

ويشي هذا المسار بأن العلم يعرف تمامًا أن هناك جائحة أنفلونزا قادمة، ولكنَّه لا يطوّر أي نوع من التضامن الطارئ، الذي يعكس رغبة حقيقية في منع حدوث هذه النبوءة، على غرار “تجربة التضامن التاريخية” التي بدأت بعد وقوع كارثة كوفيد 19. يدفعنا ذلك كله إلى التفكير في البعد الأخلاقي للمسألة العلاجية، وسياسات الصحة العامة.

كان التضامن في حالة كورونا نتيجةً للخوف، ولو أنه كان قبل كورونا نتيجة لدرء الخوف، لكان بالتأكيد تضامنًا أكثر إنسانية، لأنه كان سيكون أكثر أخلاقية، وكان سيجنب البشرية كثيرًا من الموت والخسائر الاقتصادية.

جزء ممّا نشهده اليوم هو الانتقال من مجتمع الطبقات إلى مجتمع المخاطر (risk society) -بتعبيرات عالم الاجتماعي الألماني أورليش بيك- وهو أيضًا انتقال “من التضامن في حالة النَّقص، إلى التضامن في حالة الخوف”، ولمسار التنبؤ بأن جماعة الخوف ستبدأ بمزاحمة جماعة البؤس على مسرح الحياة ما يبرره ويدعمه[3]. وفي الحقيقة هذا ما حمله كورونا اليوم، في أحد أهم جوانب الحياة الإنسانية أهمية، وهو الجانب الصحي، حيث لم يميز كوفيد 19، بين الغني والفقير، كما تفعل الملاريا أو شلل الأطفال، وما إلى هنالك من أمراض الفقراء التي لم يتضامن العالم من أجلها.

بهذا الشكل القائم على الخوف نفسه، يكون التضامن في الحروب أيضًا، وخصوصًا المحليَّة منها، فالتضامن الذي تولد بين أفراد قبيلة التوتسي في راوندا، مثلًا، هو تضامن يستند إلى الخوف، وتحولت أسس التضامن في المجتمع السوري من مجابهة البؤس إلى مواجهة الخوف. ويبدو أن العالم الحالي يتفاعل ويتضامن مع الخوف الكوني المعمم، الذي لا يتشكل بالنبوءة، بل يولد لحظة وقوع الكارثة، والذي لا يتعمم عالميًا بكارثة محدودة الجغرافيا كالحروب، بل بكارثة عابرة للحدود تساوي بين الجميع بتوزيع التهديد والموت.

تصبح هذه المقاربة مهمة لمستقبل الإنسانية؛ لأن التعرض للمخاطر لا يوصل بالضرورة إلى الوعي بوجود التهديد، بل قد يحدث عكس ذلك، وهو ما يسميه أولريش بيك “النفي الذي يثيره الخوف”؛ فنحن نميل إلى نفي وجود ما يخيفنا. وفي الوقت الذي لا يمكن إسكات الجوع بمجرد نفيه، يمكن تجاهل التهديدات طالما أنها لم تتحقق بعد. وتأتي مجمل تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول كورونا في هذا السياق، حيث إنها تراوح بين التطمين النزَّاع إلى النكران، وبين الكلام عن ضرورة فتح الاقتصاد. مثلًا، صرَّح في 17 نيسان/ أبريل بأن عدد الوفيات سيكون أقل، وطرح خطة لفتح الاقتصاد، في حين تشير الدلائل العلمية إلى أن الوفيات ما زالت بتصاعد، وحالات الإصابة بازدياد، والولايات المتحدة تواجه كارثة حقيقية تستدعي المزيد من التشدد في إجراءات الحجر الصحي. ولا يبدو أن تعرض الرئاسة الأميركية للمخاطرة يوحي أبدًا بوعيها به كمؤسسة، وهي مثال أنموذجي هنا، يمكن تعميمه على كثير من المؤسسات؛ حيث يبدو كما لو أن التهديدات لم تعد تثير المؤسسة الرئاسية، بل ما يثيرها هم الذين يشيرون إلى وجود هذه التهديدات. في هذا السياق فقط، يمكن فهم تغريدات ترامب التي نادى فيها بـ “تحرير” ثلاث ولايات، حيث قال في ثلاث تغريدات متتابعة: “حرروا مينيسوتا، “حرروا ميشيغان”، و”حرروا فرجينيا إنها تحت الحصار”! وتشهد هذه الولايات تظاهرات ضد قرارات الحجر، ويحكمها ديمقراطيون. تنتمي هذه الظاهرة الترامبية التي نشهدها اليوم إلى استنتاج سابق، وضعه أورليش بيك، مفاده أن العجز يؤدي إلى التطرف[4]، فعدم قدرة ترامب العقلية على إدراك التهديد، وما يواجه من عجز إزاءه، يعزز لديه ردات فعل وحركات متطرفة ومتشنجة.

يبقى هذا النوع من النكران -على الرغم من اعتلاله- أهوَن من نكران الأنظمة الشمولية، القمعية، الذي يصل إلى درجةٍ، بقدر ما هي مأسوية، هي مثيرة للهزل، كأن يعلن النظام السوري -بعد أشهر من الجائحة- أن عدد المصابين في سورية أربعة أو خمسة، وكوريا الشمالية تظل “محصَّنة”، ويبقى الغموض يكتنف الوضع الحقيقي للإصابات والوفيات في إيران، ومؤشرات كثيرة على تلاعب الصين بأعداد الإصابات والوفيات، الأمر الذي من الممكن أن يكون قد ورَّط العالم بأسره.

لن تتوقف المشكلة عند هذه الجائحة، فكورونا قنبلة وانفجرت، ولكننا نسمع الآن تكتكات كثير من القنابل، منها ما يمكن أن يكون أخطر. على سبيل المثال، يشكل انتهاء فعالية المضادات الحيوية بسبب مقاومة البكتيريا لها، تهديدًا للشكل الحالي الذي نعرفه عن الطب، لأنه ما إن تفقد المضادات الحيوية فاعليتها -وهذا على وشك الحدوث- حتى يصبح جرحٌ صغير، أو التهاب في البلعوم، على سبيل المثال، كافيًا ليكون سببًا للوفاة. ومع ذلك لا يزال الاستثمار في تطوير المضادات الحيوية الجديدة محدودًا جدًا. على الرغم من أن هذه النبوءة أصبحت معروفة وواضحة عالميًا[5]. ولن يتوقف الموضوع على الجانب الصحي فحسب، بل سيكون له انعكاساته الاقتصادية، حيث إن مقاومة المضادات الحيوية ستمارس عبئًا على الناتج المحلي الإجمالي العالمي (Global GDP) يقدر بحوالي 3.5%، بين عامي 2017 و2050[6]. إضافة إلى مجموع وفيات يصل إلى عشرة ملايين حالة وفاة حتى تلك السنة[7]، للسبب نفسه. ومع ذلك كله، لا يمكن رصد إلا تحركات خجولة هنا وهناك، واستجابات بطيئة لدعوات إجهاض هذه النبوءة.

ويفيد التقرير الأخير للمخاطر العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2020، بأن النظام الصحي العالمي، الذي يبدو متقدمًا، يحمل كوارث كثيرة كامنة، وهو مليء بالمخاطر. وخصص التقرير جزأه الأخير للتحذير من الضغوط الجديدة التي يتعرض لها النظام الصحي، تحت عنوان لافت جدًا، هو الإيجابية الزائفة (False Positive)، ويتطرق هذا التقرير إلى حقيقة مروّعة، ويقول بوضوح: “لا يوجد ضمانات بأن النظام الصحي سيستمر في تحسين الصحة”[8]. ويفيد بأن مقاومة المضادات الحيوية ستؤدي إلى نتائج كارثية، كأن تصبح الجراحات الروتينية اليوم شيئًا مستحيلًا، أو أن تصبح الالتهابات العادية البسيطة، وبعض الأمراض البسيطة، مهددةً لحياة الإنسان مرة أخرى. 

وفي الحقيقة، لا تقتصر المخاطر على النظام الصحي والبيئي فحسب، فنحن -بحسب أولريش بيك- نعيش في ما سمّاه منذ عام 1992 بـ “مجتمع المخاطر العالمي“، الذي يشمل كذلك سلسلة من التغيرات المترابطة المتداخلة في حياتنا الاجتماعية المعاصرة. ومن جملة هذه التغيرات: التقلب في أنماط العمالة والاستخدام؛ تزايد الإحساس بانعدام الأمن الوظيفي؛ انحصار أثر العادات والتقاليد على الهوية الشخصية، إلى ما هنالك من مخاطر ذات أثر كوني. ويتمثل جانبٌ مهمٌ، من مجتمع المخاطرة، في أن الأخطار تنتشر وتبرز بصرف النظر عن الاعتبارات الزمانية والمكانية والاجتماعية. وهي تؤثر في جميع البلدان والطبقات الاجتماعية، وتكون لها آثار شخصية وعالمية في الوقت نفسه. وكثير من الأخطار المصنَّعة، بفعل التطور والعولمة، تتجاوز حدود البلدان وتتعدى نطاقها القومي، ولا سيما في ميدان الصحة والبيئة. مثلًا، يقدّم الانفجار الذي وقع في منشآت الطاقة النوويّة، في تشيرنوبل في أوكرانيا، عام 1986 مثالًا صارخًا على ذلك. حيث تعرض السكان المحليون -بصرف النظر عن الطبقة والجنس والمكانة الاجتماعية- لمستويات خطيرة من الإشعاع. كما أن آثار الحادث امتدت في الوقت نفسه إلى ما هو أبعد من منطقة تشيرنوبل نفسها، وانتشرت درجات عالية من الإشعاع في أوروبا بعد زمن طويل من وقوع الانفجار[9].   

نريد من مجمل هذا المدخل السابق أن يخدمنا منهجيًا لنقاش المسائل الثلاث الآتية:

المسألة الأولى: كان من الممكن تفادي حدوث جائحة كورونا، لأن العلم تنبأ بها، فما الذي حصل؟ وهنا نتناول ما نسميه التأخر التاريخي للصيدلة، الظاهرة والأسباب.

المسألة الثانية: يوجد نبوءات مشابهة لسيناريو الجائحة -وربما أسوأ- ماضية إلى الآن باتجاه تحقق مؤكد، من دون أن نعمل على تفاديها. وهنا نتناول ديمقراطية الصيدلة، وكونية الحصانة.

المسألة الثالثة: التفكير الجدّي في ضرورة مراجعة المنظومة الأخلاقية الطبية الكونية في ظل تحقق الكارثة. أي الأخلاق الكونية، وتقاطعات الصحة والحرية. وفي سياق نقاشنا لهذه المسألة، نتخذ من سورية وألمانيا أنموذجين، الأولى بما هي صورة فاقعة معاصرة للمخاطر المتحققة، والثانية بما هي مثال للتقدم العلمي والصحي، الذي فشل في تحصينها من الوباء.

ثانيًا: التأخر التاريخي للصيدلة

على الرغم من التطور الكبير في التشخيص الذي حصل في السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من التطور الكبير في قدرة الطب على كشف الأمراض وتحديدها، وفهمها؛ فإن قائمة الأمراض غير القابلة للعلاج أو ما يُعرف بـ “الأمراض المستعصية” (incurable diseases) ما زالت كبيرة ولم تتقلص. ويترافق هذا الأمر مع ظاهرة لافتة، وهي الفجوة أو الانفصال الذي يزداد رسوخًا، بين التشخيص والعلاج في التطور الحالي للطب. والمستغرب أكثر، عدم وجود مشروع يجعلنا نترقب علاجًا قريبًا للكم الأعظم من الأمراض المستعصية، في حين أن هذا النوع من الأمراض يزداد عددًا، بفعل تطور إمكانات التشخيص، وفهم الأمراض، باستخدام قدرات استدلال طبية عالية.

في بداية القرن، كانت نسبة الوفيات بالأمراض الحادة تقترب من 40%، وفي عام 1980 لم تتجاوز هذه النسبة 1%؛ بالمقابل ازدادت نسبة الأشخاص الذين يعانون أمراضًا مزمنة من 46% إلى 80% في الحقبة الزمنية نفسها[10].

تشمل هذه الأمراض المستعصية مجموعة من الأمراض المنتشرة التي تؤثر في الإنسانية بالمجمل مثل: الشيزوفرينيا، السكري، الباركينسون، التصلب المتعدد (multiple sclerosis)، الذئبة (lupus)، الإيدز، الزهايمر إلى آخر هذه القائمة التي تطول جدًا وتظل مستعصية، على الرغم من تطور معرفتنا بها على المستويات الإيتولوجية والباثولوجية والإكلينيكية والتشخيصية إلى حدٍ كبير..

نجد المشكلة نفسها في الوضع الماثل أمامنا اليوم، في مواجهة جائحة كوفيد 19، فالفيروس معروف جدًا، وتبدو معرفته أمرًا يسيرًا، ولم يمضِ شهر، أو شهرين، حتى عرفنا عن الفيروس كل شيء تقريبًا، ميكروبيًا، وسريريًا. ونستطيع اليوم -بسهولة بالغة- تشخيص الإصابة قبل ظهور أي من الأعراض، ولكننا لم نتمكن من تطوير دواء أو لقاح له بالسرعة نفسها، على الرغم من الحاجة الماسة إلى ذلك. صحيحٌ أن شهورًا قليلة لا تكفي لتطوير دواء واختباره، ولكن كان يمكن لرحلة البحث هذه أن تنطلق منذ الظهور الأول لـ “كوفيد 1” في 2003، حين ظهر الفيروس، وسبب المرض نفسه المسمّى “سارس”: (SARS: Sever Acute Respiratory Syndrome) ولكن لم تنطلق هذه البحوث، وراهن العالم على أنه نفذ من “كوفيد” في عام 2003، ومن ثم تُركت القنبلة لتنفجر بشكلٍ مدهش الآن، مدهش لأننا كنا نعيش مع تكتكاتها، ولا نلقي لها بالًا. فأي نوعٍ من الأخلاق، والوعي، يحكم هذا المسار الانتحاري؟ لماذا لا تتطور الصيدلة بشكلٍ موازٍ لتطور الطب، وباقي العلوم مثل التكنولوجيا والفيزياء والميكانيك؟

نسمي هذه الظاهرة بـ “التأخر التاريخي لعلم الصيدلة”، ونحمّل هذا التأخر التاريخي مسؤولية ما نحن فيه اليوم، من موتٍ وفاقة وعجز أمام كوفيد 19. ولتفسير هذا التأخر وأسبابه نضع الفرضية الآتية:

يؤدي احتكار شركات الأدوية للبحث العلمي إلى قيام البحوث وفق منطق الربح، بوصفه هدف الشركات الأول والأسمى، وتبعًا لذلك لا يتم الاستثمار إلا بما يشكل فرصةً للربح. وبما أن المريض ليس دائمًا قادرًا على دفع الفاتورة، فإن البحوث توجه لتطوير دواءٍ لأمراض المقتدرين، وللذين يشكلون بمجموعهم فرصةً ثمينة للصيد المادي (Opportunity). وبما أن المخاطر خارج هذه المعادلة الاقتصادية، فهي خارج اهتمام شركات الأدوية، ومن ثم خارج اهتمام البحث الدوائي، لأن شركات الأدوية تحتكر هذا البحث.

ولنقاش هذه الفرضية، نضع أولًا عرضًا مقتضبًا لآلية العمل التسويقية في شركات الأدوية، وطرقها في جمع المال، وآلية اتخاذ القرارات فيها. ثم نحدد مكامن التأخر التاريخي، ومسببات استمراريته في المنظومة القانونية والاقتصادية العالمية.

    شركات الأدوية وذهنية الربح

 شركات الأدوية الموجودة في العالم نوعان: الأول هو الشركات المتعددة الجنسيات العابرة للقارات، والتي تنتج ما يعرف بالدواء الأصل (Brand)، والثاني هو الشركات التي تعمل على إنتاج ما يُعرف بالدواء الجنيس (Generic)، والتي غالبًا ما تكون محلية. تمتلك الأولى مختبرات للبحوث والتطوير، وهي التي تحتكر تطوير الأدوية الجديدة، ولها تأثير عنكبوتي في الأنظمة الصحية، وهذا التأثير تدعمه باستمرار آلة تسويقية ضخمة منتشرة على امتداد الأرض، تعمل على إدارة المناقصات، والمبيعات، والعقود، والأهم أنها تعمل، على نحو منهجي وحثيث، على زيادة الوصفات الطبية للأدوية المصنعة، وذلك من خلال مندوبي المبيعات الذين يقومون بزيارات دورية للأطباء، تحت عنوان عريض هو “الدعاية العلمية”. ولا تخلو هذه الزيارات من سلوكاتٍ تسويقية مشبوهة، واستغلال للعلاقات، وهدايا ترويجية، وسفرات سياحية مقابل الوصفات. بل وصل الحد عند بعض شركات الأدوية إلى دفع رشوات مادية مقابل الوصفات، وفي تطورٍ ملفت، فقد تسرّب، منذ ما يقارب ست سنوات، أن شركة GSK البريطانية، وهي واحدة من أكبر شركات الأدوية في العالم، تقدّم خدماتٍ جنسية في الصين، مقابل تشجيع الأطباء والموظفين الرسميين على استخدام الدواء وشرائه بهدف زيادة المبيعات، فضلًا على دفع الرّشاوى في الأردن ولبنان والعراق وبولاندا[11].

وعند التمعن في الأدبيات الداخلية لشركات الأدوية، وطريقة تصنيفها للأطباء؛ تجد أن هدف الشركة هو تحويل الطبيب إلى أداة من أدواتها، ومؤشر أداء موظفيها الرئيس هو مدى النجاح في ذلك. مثلًا، تصنف الشركات الأطباء اعتمادًا على معيارين اثنين، هما متوسط عدد المرضى الذين يداويهم، ومتوسط وَصفات الدواء التي يكتبها من أدوية الشركة، وبناءً على ذلك، تحدد حجم الاستثمار فيه. وإذا كان الطبيب ممَن يسمون بـ “قادة الرأي” (Key opinion leader)، وله تأثير على طلابه، وزملائه، مثل رؤساء الأقسام والأطباء الأساتذة مثلًا، فيكون هذا هدفًا رئيسًا للشركات. وتسيطر على أدبيات الشركات كلماتٌ مثل: المبيعات، النمو، العمولات، الهدايا، العينات، السفريات، الفعاليات (تقام في الفنادق)، الفرص الكامنة، سلم البيع، البضائع المجانية (البونص)، إلى آخر هذه القائمة التي يندر أن تجد فيها تعبيرات إنسانية، بل طبية. هم بالعموم يستخدمون لغةً تصف السلوك ولا تهتم بالجوهر، لغة تملأ الذهن بالصور على الدوام، سواء عند الطبيب أو عند الموظف، لغة من شأنها -إذا سادت- أن تعرقل نمو المفاهيم العقلية وقدرة الإنسان على التعبير عنها، وتكوّن وعيًا زائفًا منيعًا يسهّل إخضاع الأطباء، وموظفي الشركة، على حدٍ سواء. وتكون المحصلة وصفات ليس العلاج هدفها الوحيد، بل ينضم العلاج إلى شبكة المصالح الذاتية، والاقتصادية.

تصرف شركات الأدوية بمعدل 5000 دولار أميركي سنويًا على الطبيب الواحد في الولايات المتحدة، وبمعدل 2500 دولار أميركي في المملكة المتحدة، و2000 دولار أميركي في تركيا، حيث يبلغ متوسط دخل الطبيب السنوي حوالي 4500 دولار أميركي[12].

 وفي الوقت التي تتعزز هذه المنظومة باحتكار الشركات للمعلومات الدوائية، أو لمعظمها، فإنها أيضًا تتعزز بسلطة الطبيب التي يمارسها على مرضاه، فلا يترك لهم حقًا في الاعتراض، أو في تصور فهمٍ دقيق لسبب وصف هذا الدواء، وآلية عمله، والكيفية التي سيعالج فيها هذا المرض، وسبب اختياره من بين بدائل أخرى. هذه السطوة لا تكتفي بالتسلط المهني بل تتعداه إلى احتكار المعرفة والحقيقة، فتدخل في عداد الأمراض ما كان يُفهم على أنه من شؤون الحياة اليومية العادية، مثل الحمل والولادة.

يمكن أن نقول إن الدواء أصبح سلعة، تخضع لقوانين التسويق أيضًا، مع خصوصية واحدة هي أن المستهلك النهائي ليس صاحب القرار في ما سيستهلك، بل هو مضطر إلى أن يستهلك ما يقوله له الطبيب. فـ “الزبون” هو الطبيب الذي يكتب الوصفة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الطلب يبقى مرتفعًا إذا ظلت الأمراض مزمنة، لا إذا حقق الدواء غرضه الأسمى في المداواة التامة، وإنهاء المرض كليًا. وعلى ذلك؛ لنفهم الموضوع أكثر علينا أن نتمعن في أن وصفة واحدة لدواء يعالج السكري يقوم المريض بتكرارها دائمًا، وتؤدي إلى استهلاك عشرات العلب، تكون قيمتها أعلى بكثير من وصفة مضاد حيوي، يستهلك المريض منها علبة واحدة فقط ويشفى لاحقًا.. وبناءً على هذه المعطيات الربحية، تقوم شركات الأدوية باتخاذ قرارات البحوث، والتصنيع، ومن ثم شكل علم الصيدلة الحديث بالمجمل.

    مكامن التأخر وأسبابه

يؤدي اختطاف علم الصيدلة من قبل الشركات الربحية، والتسليع الوحشي للدواء، إلى تأخر هذا العلم قياسًا بالمأمول الأخلاقي منه، ومقارنةً مع العلوم الطبية الأخرى. ويمكن أن تتم رؤية التوحش الرأسمالي بوضوح. يتجسد هذا التوحش عندما نقرأ مثلًا في تقرير المخاطر العالمي لعام 2020 العبارة التالية: “تعدنا الأدوية التخصصية الجديدة، فائقة التعقيد، بتطور جذري في علاج الأمراض الخطيرة، ولكن أسعار هذه الأدوية مبالغ فيها إلى حدٍ كبير، على سبيل المثال، تصل تكلفة ثلاثة علاجات خلوية وجينية طرحت أخيرًا في الأسواق إلى 2 مليون دولار أميركي، للمريض الواحد”[13].

وبقدر ما يمكن رؤية الوحشية الرأسمالية في المسألة، لا يمكن معرفة حجم الأدوية التي حرمت البشرية من تطويرها، لأنها غير مجديّة اقتصاديًا، ومن ثم لا يمكن معرفة كم من الأرواح كان من الممكن لهذه الأدوية أن تُنقذ. ما لا يمكن رؤيته حقيقةً هو حجم الفرصة الحقيقية التي حرمنا منها هذا التوحش في تجنب أوبئة قاتلة مثل كوفيد، ولا نعرف كم سيكلفنا ذلك مستقبلًا، إذا انعدم تأثير المضادات الحيوية الموجودة مثلًا.

لا يتوقف هذا التأثير هنا، بل يمتد ليشمل الحياة الصيدلانية في منبتها، في الجامعات، حيث تمول الشركات كثيرًا من البحوث، وتساهم في تحديد شكلها وموضوعاتها، وتعقد كثيرًا من الاتفاقات في مجالات التدريب، وتتدخل بتوجيه سلوك طلاب الطب في كتابة الوصفات، وفي صياغة بعض الأسماء التجارية في المقررات الجامعية، وما إلى ذلك من مشاريع ربحية، ضمن كليات الطب والصيدلة.

وربما يكون لهذه الوحشية جوانب أكثر قتامة في الشركات الجنيسة، مثل التقارير المرعية التي تأتي من دول مثل مصر، حول تزوير دراسات التكافؤ الحيوي، والدفع للمتطوعين، وما إلى ذلك من وسائل غير أخلاقية لتسجيل دواء جنيس.

تؤدي مجمل هذه السياسات إلى زيادة قسرية، غير منطقية، في مبيعات الدواء، يعني أنها تخلق ربحًا إضافيًا تجنيه شركات الأدوية، يتجاوز الحد الذي يفيد به واقع الاستهلاك المنطقي، مثلًا ازداد استهلاك الدواء في تركيا، بين عامي 1983 و1989، بمقدار 127% فيما بلغ معدل الزيادة في عدد السكان 16% فقط[14]. وتدفع شركات الأدوية سنويًا 20 مليار دولار مصاريف دعاية وتسويق، وهذا يساوي ضعف ما يُخصّص للبحوث لتطوير أدوية جديدة[15].

ما يمكن أن نقوله، ونحن نواجه جائحة استثنائية تسببت -حتى الآن- في وفاة آلاف الأشخاص وفي معاناة آلاف الأسر، وحمّلت الاقتصاد العالمي أعباء كبيرة لا ندري مآلاتها، أن التأخر التاريخي لعلم الصيدلة، الذي تتحمله شركات الأدوية العالمية، هو السبب الأساس لما نحن فيه اليوم. ولا شيء سيضمن مستقبل الطب، ولا مستقبل صحة الإنسان وحياته، ما لم يتم العمل على الصيدلة بوصفها علمًا، وتحرير هذه العلم من سطوة الشركات.

ويبدو أن إنهاء العمل الجراحي لفصل علم الصيدلة عن شركات الأدوية أصبح ضرورةً إنسانية، من شأنها أن تضمن تطوير آلية لتحقيق المساواة في العلاج. ومن اللافت للنظر أن هذه المساواة أصبحت اليوم مطلبًا للذين يتوفر لهم الدواء، مثل ما هي مطلب الذين لا يتوفر لهم. فأهمّ دروس كورونا هو أن الحصانة في العالم واحدة، ولن تكون أي من الدولة المصنفة متقدمة بنظامها الصحي ومستويات الرفاه فيها، محصنة اليوم ضد الأمراض؛ ما لم تعُد الصيدلة علمًا يستهدف صحة الإنسان بوصفها صيدلة كونية تقوم على المساواة، وتكون شركات الأدوية واحدة من أدواتها الإنتاجية والبحثية الثانوية ليس أكثر، وتظل الصيدلة أكبر منها. هذا لا ينفي أن المساواة في الصحة ترتبط بعوامل اقتصادية، واجتماعية، وسياسية أخرى، ولكن تحرير الصيدلة يبقى شرطًا لازمًا لهذه المساواة، لكونها اليوم ضرورة عالمية، ولم تعد مطلب الشعوب الفقيرة البائسة فحسب.

ثالثًا: الأخلاق الكونية وتقاطعات الصحة والحرية.. ألمانيا وسورية أنموذجًا

وجّهت المستشارة الألمانية أنجلينا ميركل خطابًا إلى الشعب الألماني، في 18 آذار/ مارس، تناولت فيه فهم حكومتها للجائحة، وحاولت تهيئة المزاج العام لقرارات التقييد والإغلاق، بوصفها ضرورة للحفاظ على حيوات الناس. كان هذا الخطاب لافتًا للنظر، لأنه يصلح أن يكون نموذجًا لخطاب حكومة متقدمة، صُممَ ليكون محليًا موجهًا للمجتمع الألماني، ولكن لمعالجة مسألة عالمية. لذلك ربما يكون من المفيد، منهجيًا، قراءته بالعكس، أي أن تناول بعض مفاصل هذا الخطاب من زاوية كونية، لعلاج مسائل محلية، بهدف رؤية أدق للكيفية التي يتفاعل فيها الكوني مع المحلي اليوم، ومن ثم بناء تصور مبسط للعلاقة بينهما، استنادًا إلى كارثة كوفيد 19 الاستثنائية. ولبناء هذا التصور نتوقف عند النقاط الآتية في خطاب ميركل:

    كونية الحصانة:

تقول ميركل: “تترك لنا الجائحة رسالة في بيتنا، هي أننا كلنا غير محصنين؛ وأننا معتمِدون على الآخر الذي يراعي الغير في سلوكه. وبالمطلق، توضح لنا الجائحة، أننا نحمي أنفسنا من خلال العمل معًا، فنشجع ونساند بعضنا البعض، وكل فردٍ قادرٌ على إحداث فرق”[16]. أصبح هذا الكلام اليوم واضحًا في دقته، ودقيقًا في وضوحه، فالجائحة لم تُقم أي وزنٍ للحدود. ويبدو أن جميع الإجراءات المتخذة، وكلّ هذا التقدم على صعيد النظام الصحي، الذي نوَّهت به ميركل بشيء من الفخر في بداية هذا الخطاب، لم يكن كافيًا ليحصن هذه الدولة المتقدمة. ويبدو الدرس، بالنظر إليه من هذه الزاوية المعاكسة، أن الدول المتقدمة لن تكون محصنة، ما لم يكون العالم برمته محصنًا. وكل هذه المكتسبات، والتقدم، في النظام الصحي، غير قادرة على تحصين الناس ضد الأمراض، وعلى الحفاظ على حيواتهم، ما لم تعمم، وتعولَم. ربما يقرأ أحدهم في ذلك التعميم المجاني شيئًا من “الحيف” الذي يقع على الدول المتقدمة، أو تحفيزًا للتكور على الذات، لكيلا تهدر طاقات الأمم المتقدمة وجهدها على من لم يجتهد في حياته، وبهذا النَفس يعمل اليمين الأوروبي بالعموم؛ ولكن للمفارقة تقول الجائحة اليوم إن هذا “الحيف” ضرورة للحفاظ على الذات، وإلا فإنها لن تكون كما هي بعد ذلك، ولن يكون التكور عليها ممكنًا إذا انتهت.. فحتى التفكير اليميني المتطرف، إذا قارب أهدافه من هذه الزاوية، سيجد نفسه مضطرًا إلى الانفتاح من أجل الانغلاق، وهذه مفارقة عجيبة، ولكنها حقيقةٌ ماثلة.

والحقيقة أن لهذا النمط من التفكير بقيّة، فما إن نعمّم فكرة التحصين لتتجاوز الصحة إلى المكتسبات الليبرالية والديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، حتى نتعلم، بوحيٍ من هذا الدرس الكوني، أن هذه المكتسبات لن تكون محصنة أيضًا، ما لم تعمم وتنجز في كل بقاع العالم الآخر. ولذلك فإن الدرس، بأن العمل مع الآخر من أجل حريته وديمقراطية نظامه، هو أهم شكلٍ من أشكال تحصين الحرية والديمقراطية الذاتية. ومن هنا تفرض الحالة السورية نفسها، بوصفها مثالًا نموذجيًا معاكسًا للرفاه، وصل إلى أقصى حدود تقييد الحريات وعدم احترام حياة الإنسان. وتقدم الحالة السورية نفسها، وفق هذا السياق، بوصفها تهديدًا للديمقراطية في العالم، فيمكن فهمها اليوم على أنها، بواقعيتها الجاثمة، قادرة على إحداث انهيارٍ في منظومة الحريات العالمية برمتها، ما لم يتحد هذا العالم لمساعدة السوريين في مشروعهم التحرري الديمقراطي.

هكذا قامت الجائحة بتكبير المساحة التي تقع بين كرامة الحياة الإنسانية، وبين الكرامة الإنسانية، فأصبحنا قادرين على رؤيتها بوضوحٍ أكثر؛ فهذه المساحة المجردة تتعين اليوم في المنطقة الواضحة التي تقع بين سباق اللقاح، وسباق السلاح، اللذين يشكّلان اليوم مادتين متساويتي الأهمية، في نشرة أخبارٍ واحدة. ويبدو أن هذا التمييز بين كرامة الحياة الإنسانية المحفوظة في هبَّة العالم لحرب كورونا، وبين الكرامة الإنسانية المهدورة في سورية، ينعكس في فينومنولوجيا العلاقة المحمَّلة بالعواطف والمشاعر التي تخالجنا إزاء الموت في النوازل. الفكرة المبسطة الواضحة اليوم هي ضرورة أن تعمل البشرية على الكرامة الإنسانية، بوصفها كلًا واحدًا لا يتجزأ. وهذا ما تعبّر عنه ميركل في خطابها المصمم، ليكون محليًا، فتقول في بداية هذا الخطاب نفسه: “نحن بلدٌ ديمقراطي، نحن لا نزدهر لأننا مكرهون على العمل، بل نزدهر لأننا نتشارك المعرفة، ولأننا نشجع المشاركة النشطة. هذه مهمة تاريخية، لن تكون قابلة للإنجاز بنجاح إلا إذا واجهناها متعاونين معًا”[17]. وهذا ما يؤكد أن المشاركة، والتعاون، والتضامن، والنجاح، لا يجب أن تكون مخصوصةً لألمانيا -أو لأي أمةٍ متقدمة- وحسب، كما تتكلم ميركل -وهي مُحقة- بل يجب أن تعمم لتشمل الناس في كل مكان. ويقتضي هذا الشمول تطبيق معايير أخلاقية كونية موحَّدة؛ فلا تضمن الأخلاق، لأي جماعة إنسانية، حرية أن تكون لها حياتها الخاصة بها، إلا إذا كانت أخلاقًا كونية مفعَّلة بحزمة من الضوابط والقوانين الإنسانية العالمية. يعني ذلك أن الحرية، وفق معيار أخلاقي كوني، لن تتحقق، وستظل مهددة بعدوى مميتة، ما لم يتحقق مشروع كل شعوب العالم في الحرية والعيش الكريم، وما لم يتحقق مشروع السوريين، وحقهم في الحياة والحرية والكرامة. ويظل توازن الإنسانية واستقرارها مرهونين بتوسيع الحرب على كورونا، لتشمل الظلم، وثقافة القبول به، أو التغاضي عنه في أي بقعة من العالم، وعلى الأساس الأخلاقي ذاته. فلا يمكن للقيم الكونية أن تظل تجريدًا، وعليها أن تراعي مواقف حياة الجميع، ومشروعاتهم، وتطلعاتهم الفكرية، وهذا ما يتم بموجبه قياس مفهوم الأخلاق. ومفهوم الأخلاق هو الذي يجعل الفردنة والكونية متقاطعتين، ويجعل كل فرد قادرًا على إحداث فرق (بتعبيرات ميركل في الخطاب نفسه). وعند غياب هذا المفهوم؛ سيصبح الكون المسكون بالناس “كونًا لا يُحتمل”، بتعبيرات الفيلسوف الألماني يورغون هابرماس الذي يقارب الأخلاق على أنها “المسائل التي تهتم بواقعة العيش معًا في معايير قويمة”. فيبدو كما لو أن في هذا المشهد تأكيدًا على أن الفلسفة التي تبدو كالسلحفاة ما زالت قادرةً على أن تصل بنا إلى أهدافنا الإنسانية في الرفاه والازدهار، قبل السياسية التي تركض كالأرنب الذي يمتلك ثقة بالنفس زائفة تجعل منه متسكعًا. فالبطيء الرصين خيرٌ، على طريق الازدهار والعيش الكريم، من السريع المتسكع المندفع. والخلاصة من دون تردد: إما أن تكون الحصانة للجميع، أو أن نتهيأ جميعًا لكونٍ لا يحتمله أحد.

    الذاتي والموضوعي، المحلي والعالمي، والداخل والخارج

تقول ميركل في الخطاب نفسه: “علينا أن نُظهر مقدراتنا على التصرف بحُبّ، وبعقلانية؛ وبذلك ننقذ الأرواح. ويتوقف ذلك على كل فردٍ منا من دون استثناء، ولذلك فهو يتوقف علينا جميعًا”. والحقيقة للمرء أن يتوقف مطولًا عند هذه الثنائية التي وضعتها المستشارة في موضع السبب الذي يجعل من الناس منقذين لأرواح بني جلدتهم: ثنائية الحب والعقل. ففي الوقت الذي لا تستوقفنا فيه فكرة العقل، يستوقفنا الجزء الثاني المقترن بالعاطفة، والتعاطف، والمحبة، والحنان، وهي معانٍ يتضمنها تعبير (warm­­_heartedly) الذي وَرَدَ في الترجمة الإنجليزية الرسمية التي صدرت عن الحكومة الفدرالية الألمانية، حيث استخدمت ميركل كلمة (Herzlich) الألمانية التي تحيل بدورها إلى دفء عاطفة نابعة من القلب. تستوقفنا المسألة مطوّلًا لما فيها من ظهورٍ فاقعٍ للذاتي في الموضوعي، ووضعه مناصفةً في السببية، عندما يتعلق الموضوع بإنقاذ الأرواح. إذا مضينا قدمًا في هذا النهج المعاكس، جاز لنا أن نقول إن إدراج الذاتي في العقلانية التي تصبغ السياسة الدولية بلغة المصالح، بكل ما في هذا الذاتي من مشاعر، ورغبة في الحب والأمان والحنان واللطف، هو تطورٌ للعقلانية لتستحق اسمها أكثر؛ فالعقلانية، عندما تتسلح بالمحبة وبالتعاطف الذي يؤدي إلى حماية الإنسان في أي بقعة من بقاع العالم، تحمي نفسها بالضرورة، وتحمي معتنقيها أيضًا. وبما أن الأمر يتعلق بكل فردٍ فهو يتعلق بالكل، ويمكن أن نقول أيضًا إنه يتعلق بكل أمةٍ، ولذلك فهو يتعلق بالكون. وهكذا، من دون تردد، يمكن أن نقول إن الدرس اليوم هو أن إنقاذ أرواح السوريين من قبضة المجرمين الهمج هو إنقاذٌ لأرواح الناس جميعًا.

وفق المنهج نفسه أيضًا، يوجد كثير من الأمور أمام الإنسانية لتفعلها، فإنقاذ حوالي 800 ألف طفل، سيموتون بالإسهال هذا العام (2195 طفلًا يموتون يوميًا)[18]، هو أيضًا إنقاذ لأرواح الناس جميعًا، أينما كانوا.

يمكن أن نتعلم أن هذا الكثير من الموت الذي أصبح واقعًا، لن يدع أحدًا في مأمنٍ، أيًا كان، ومهما كان.. والأخلاق والمحبة القائمة على الأخلاق، التي تقوم بتطعيم العقلانية ومنظومة المصالح، هي التي ستنقذ الإنسانية كلها، أو أن الجميع سيواجه مصيرًا كارثيًا. وقد ورد في القرآن الكريم: ﴿منْ أَجْل ذَٰلكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَني إسْرَائيلَ أَنَّهمَن قَتَلَ نَفْسًا بغَيْر نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ في الْأَرْض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَميعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَميعًا﴾[19].

وفق هذا التوجّه، ربما تصبح مراجعة الحدود الصارمة، بين الذاتي والموضوعي، مطلبًا ملحًّا جدًا، وكذلك مراجعة الثنائيات الحديّة التي تضعها الذهنيات المتطرفة والنزاعة إلى الانغلاق، مثل ثنائية المحلي والعالمي، الداخل والخارج، السكان الأصليين والمهاجرين.. لأنها كلها ثنائيات تبدو اليوم متداخلةً أكثر مما كنا نعتقد. هذا أيضًا تفكير مع اليمين المتطرف، وبمنهجيته، ولكن ضده؛ أي إنه لِكي يحمي ذاته ليس له طريقٌ من دون حماية الآخر البعيد، لأنه من دون ذلك -ببساطة- لن يكون. وعندما يجد حزب البديل الألماني -مثلًا- نفسَه ميالًا إلى النظام السوري المجرم، ظنًا أن ذلك يخدم قضيته، فإنه لا يفعل سوى أنه يحرق نفسه ويحرق قضيته بحرق بلده، حين أراد أن يحميها.    

الهوامش:

[1] الملاحظات الافتتاحية التي أدلى بها المدير العام في الإحاطة الإعلامية بشأن كوفيد-19 في ‏‏27 آذار/ مارس 2020

https://www.who.int/ar/dg/speeches/detail/who-director-general-s-opening-remarks-at-the-media-briefing-on-covid-19—27-march-2020

[2] WHO (World Health Organization) 2019. “Ten Threats to Global Health in 2019”.

https://www.who.int/ar/news-room/feature-stories/ten-threats-to-global-health-in-2019

[3]  أورليش بيك، مجتمع المخاطرة، ترجمة: جورج كتورة وإلهام الشعراني، (بيروت، المكتبة الشرقية، أيار/ مايو 2019)، ص105.

[4] المرجع نفسه، ص 164.

[5] Annual report on Global risk. (WEF). 2003.

 [6] World Bank Group, Drug-resistant infections, a threat to our economic future. March 2017.

[7] Review on Antimicrobial Resistance. 2016. Tackling Drug-Resistant Infections Globally: Final Report and Recommendations. May 2016. Wellcome Trust and UK Government.

https://amr-review.org/sites/default/files/160525_Final%20paper_with%20cover.pdf

[8] World Economic Forum. 2020. The global risk report 2020.

https://www.weforum.org/reports/the-global-risks-report-2020

[9] Antony Giddens, Sociolog,4th edition (Ploity pressin association with Balckwell, 2001). 

[10] بيك، ص510.

[11] The Guardian, GlaxoSmithKline says it is investigating bribery claims in Jordan and Lebanon,

[12] Dilek Güldal and Semih _emin. THE INFLUENCES OF DRUG COMPANIES’ ADVERTISING PROGRAMS ON PHYSICIANS, study conducted in Azmir in Turkey.

[13] World Economic Forum. 2020. The global risk report 2020. P78.

https://www.weforum.org/reports/the-global-risks-report-2020

[14] Dilek Güldal and Semih _emin.

[15] Ibid

[16] German Federal Government: Die Ansprache der Kanzlerin auf Englisch – The Chancellor’s address in English. 19/03/2020

[17] Ibid

[18] US department of health and human services. Centre for diseases control & prevention.

https://www.cdc.gov/healthywater/pdf/global/programs/globaldiarrhea508c.pdf

[19] سورة المائدة، (32).

مركو حرمون

———————-

جائحة كورونا تنعش المنظومة القيمية السورية/ طلال المصطفى

وجدت عالمة الاجتماع البريطانية ماري دوجلاس (1921- 2007) أن مواجهة المخاطر والأوبئة البيئية، من منظور ثقافي (قيمي)، تختلف من شخص إلى آخر، فما يراه هذا الشخص خطرًا قد ينظر إليه شخص آخر بلامبالاة مطلقة. وهذا يرجع إلى تباين درجات الوعي والقيم الإنسانية التي يؤمن بها كل شخص.

تعدّ القيم الإنسانية من أهم الركائز التي تُبنى عليها المجتمعات كافة، باعتبارها الخصائص أو الصفات المرغوب فيها لدى أفراد المجتمع، ويرى البعض أن انهيار المجتمعات يبدأ بانهيار قيمها، التي تحدد وتضبط سلوك أفرادها.

إن التحلي بالقيم الإنسانية يساهم في قرارات الأفراد والمجتمعات، من حيث كيفية توجيه مسار حياتهم الفكرية والسلوكية، ومن الممكن تمييز الفرد الذي يتحلى بتلك القيم عن غيره، من خلال مساهماته وأفعاله بين أفراد عائلته، وزملائه في العمل وفي المجتمع الأكبر، ومن الموقف تجاه المجتمعات الخارجية، إضافة إلى تصرفاته في الطرقات والقطاعات الحكومية والخاصة، إذ يلاحَظ أنه أكثر ميلًا إلى مساعدة الآخرين والمشاركة في الأعمال الخيرية والتطوعية.

ومما لا شك فيه أن المجتمعات الإنسانية كافة، ومنها المجتمع السوري، تواجه اليوم تحديات ومشاكل كبيرة ناتجة عن انتشار جائحة كورونا، إضافة إلى عدد كبير من المشاكل السياسية والاقتصادية التي يعانيها عدد كبير من الأفراد والمجتمعات في مختلف أنحاء العالم.

في دراسة استطلاعية لوحدة الدراسات في مركز حرمون للدراسات المعاصرة [1]، من خلال استبانة إلكترونية على عينة بلغت (940) مفردة، في أماكن وجود السوريين، في الداخل السوري وخارجه، بهدف تبيان العلاقة بين التصورات والسلوك والتوقعات الخاصة بالسوريين تجاه فيروس كورونا؛ ظهرت النتائج الآتية.

1- معظم أفراد عينة الدراسة فضلوا مواجهة الحجر المنزلي الحاصل عن انتشار فيروس كورونا، بالقراءة والكتابة، وهي قيمة تعكس سلوكات عقلانية في مواجهة خطر الإصابة بفيروس كورونا في كل مجتمعات العالم، حتى المتقدمة طبيًا وصحيًا، وقد تبين أن السوريين في الخارج (تركيا ودول الاتحاد الأوروبي) يمارسون هذا السلوك العقلاني (القراءة والكتابة) بنسبة أعلى من السوريين في الداخل السوري، وهذا يعود -كما أعتقد- إلى توفر العديد من المراكز البحثية والإعلامية التي يعمل فيها السوريون بالخارج، مقارنة بالداخل السوري (مناطق سيطرة النظام والخارجة عن سيطرته)، إضافة إلى استمرار الجامعات والمدراس في تركيا ودول أوروبا في عمليات التعليم والاختبارات عن طريق الإنترنت.

2- توجه السوريون إلى إعادة التواصل مع الآخرين السوريين بعد فراق سابق، فجاء انتشار فيروس كورونا ضاغطًا لإعادة النظر في هذا الخلاف، من خلال إعادة التواصل مع بعضهم البعض، وهو مؤشر قيمي إيجابي مرتبط بالثقافة القيمية السائدة (العادات والتقاليد) التي تشجع على إعادة العلاقات الاجتماعية مع الأقارب والجوار، في حالات الموت والأحزان والمصائب بشكل عام. كما توجّهوا نحو زيادة التواصل مع المعارف، وهي مرتبطة بالثقافة الاجتماعية التقليدية التي تحض على ضرورة التواصل مع الأقارب والأصدقاء، التي تظهر أهمية الشعور بالآخر والاطمئنان عليه، وخاصة في حالة الأزمات من مرض وموت وغير ذلك.

3- عودة معظم السوريين إلى ممارسة قيمة التضامن الأسري والمجتمعي، التي تظهر في الأزمات المجتمعية الشاملة، وهي قيمة ترتبط بثقافة المجتمعات التقليدية (ما قبل الصناعة) وعادة ما تعود للبروز في المجتمعات الحديثة، في حالة عجز المؤسسات الرسمية عن مواجهة آثار الأزمات (حروب، أمراض، إلخ). وقد عدّها عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم سمةَ المراحل التنظيمية السابقة عن الرأسمالية، حيث يمارَس التضامن التقليدي عن طريق العادات والتقاليد والعواطف المشتركة بينهم، وتعمل تلك العناصر التي تسمى “روابط الضمير الجمعي” على إرساء طابع التكامل الاجتماعي، الذي يعد العامل الأساس في وجود العلاقات والتكامل بين الأفراد. حيث يستند إلى تكريس التوازن من خلال فكرتين أساسيتين: الأولى في الوعي الجمعي المتمثل في مجموعة من المعتقدات والمشاعر المشتركة بين أعضاء المجتمع، سواء أكان هذا الوعي حقيقيًا أم زائفًا، آنيًا أم مستقبليًا. أي الإيحاء بأن ما يجمع أعضاء هذا المجتمع أكثر مما يفرقهم، من خلال نمط واحد للمعتقدات والمشاعر يسود في المجتمع، والهدف من ذلك هو التصدي للأخطار المشتركة؛ والفكرة الثانية هي التضامن الاجتماعي أو التزام الفرد نحو الجماعة التي ينتمي اليها.

4- توقع السوريون انتشار ثقافة التسامح وقبول الآخر بعد جائحة كورونا، وهي تؤشر إلى وجود الثقافة الديمقراطية والإنسانية لدى بعض السوريين، خاصة المقيمين في الخارج (دول أوروبا)، وهذا مؤشر إلى تأثرهم بالثقافة الديمقراطية والإنسانية السائدة في تلك المجتمعات. كذلك أظهر الحجر المنزلي أهمية قيم الحب والصداقة لدى بعض السوريين، وهي قيم كادت أن تلاشى خلال سنوات الحرب السورية والشروخ الاجتماعية والنفسية العميقة التي ألمت بالسوريين، إلى أن جاءت جائحة كورونا، فأعادت السوريين للتأكيد على أهمية قيم الحب والصداقة في ثقافتهم القيمية.

5- توقع بعض السوريين انخفاض التوتر السياسي بين السوريين (موالاة ومعارضة) نتيجة انتشار فيروس كورونا، وهذه النتيجة ذات دلالة إيجابية، تؤشر إلى الشعور بوجود أخطار مشتركة على السوريين كافة، بعد تسعة أعوام من الحرب التي شنها النظام على الشعب السوري، حيث استطاع بث ثقافة الكراهية والحقد بين المكونات السورية كافة، خاصة الدينية والمذهبية، إضافة إلى أن هذه النتيجة تؤشر إلى إمكانية علاج الجراح العميقة لدى السوريين في المستقبل، التي طرأت في الحرب السورية، وعززتها ممارسات النظام والتنظيمات الراديكالية الإرهابية. وهذا مؤشر إلى إمكانية انزياح ثقافة الشماتة في النسق الثقافي القيمي لدى السوريين، خاصة الموجودين في أوروبا، الهاربين من إرهاب النظام السوري وأخواته من التنظيمات الراديكالية الارهابية، وبغض النظر عن الصراع السياسي والاجتماعي الحاصل بين السوريين من جهة، والنظام الاستبدادي من جهة ثانية.

ثقافة الشماتة تلك لمسها وعاشها معظم السوريين من قبل دوائر الموالين للنظام السوري، التي لوحظت في سلوكهم العنيف من قتل واعتقال للسوريين الآخرين لمجرد الاختلاف في الآراء السياسية في سنوات الحرب التسعة الأخيرة، وإن غياب ثقافة الشماتة، في ما يخص انتشار فيروس كورونا في سورية، من قاموس بعض السوريين المقيمين في أوروبا، يعود بالدرجة الأولى إلى ملامستهم أخطار كورونا في الدول الأوروبية المتقدمة صحيًا وطبيًا وعلى كل الصعد، ومع ذلك حصل ارتفاع في عدد الوفيات نتيجة هذا الفيروس، فكيف الأمر في سورية المدمرة اقتصاديًا واجتماعيًا وصحيًا… الخ، ومن هنا سيطرت هواجس الخوف والقلق على مصير الأهل والأصدقاء المقيمين في الداخل السوري، وهو مؤشر على استمرار مشاعر الانتماء إلى الوطن الأم سورية.

أخيرًا، لا بدّ من التأكيد أن المنظومة القيمية الرئيسة، لإرساء وإجراء مصالحات اجتماعية حقيقية بالمستقبل بين السوريين، يمكن إنعاشها وإعادتها إلى الحياة، حيث كل ما يحتاج إليه السوريون الانتقال إلى نظام وطني ديمقراطي، يساعد في إيجاد الآليات الرسمية والشعبية للمصالحات بين المكونات السورية كافة، التي تسهم في تجاوز آثار الحرب السورية.

[1] – طلال المصطفى، حسام السعد، السوريون ووباء كورونا: دراسة استطلاعية، حرمون للدراسات المعاصرة تاريخ 11/5/2020. https://www.harmoon.org/researches/

———————————

كورونا.. عائلات السجناء السوريين في مواجهة فيروس الصمت

في وقت يستحيل فيه على السوريين معرفة الخسائر الحقيقية لوباء كوفيد-19 في بلدهم فإن العديد من العائلات في المنفى تزداد قلقا على أحبائها الذين تعتقد أنهم محتجزون في سجون النظام السرية، خوفا من أن يستغل الجلاد فرصة الوباء لتصفيتهم.

وفي تحقيق لصحيفة لوموند الفرنسية، وصف الكاتب آنيك كوجان ما عاشه هؤلاء اللاجئون -في أي بلد كانوا- من رعب وقصف ودمار ودموع ومطاردة ونفي وموت أصدقاء وأقارب وأحباب، وما عانوه في رحلة اللجوء من إذلال وتحرش وابتزاز.

لم يبق لهم سوى ذكريات ومرارة وصدمة، ومن قبلوا منهم التحدث مع الصحيفة كان لديهم كلهم أمل يعيشون من أجله وهو في نفس الوقت ينغص عيشهم، إنه زوج أو أب أو ابن أو عم خلفوه وراءهم بعد أن اعتقلته شرطة النظام السوري واختفى دون أن يعرفوا عنه شيئا.

آلاف الأسئلة بلا إجابة

وقال الكاتب إن هناك الآلاف من الأسئلة بلا إجابة بشأن هؤلاء المفقودين الذين يعتقد أنهم اعتقلوا من قبل النظام، حيث لا معلومات ولا لوائح اتهام ولا حتى أدنى إجراء، ولا يوجد عنوان يذهب إليه أحد، ولكن مجرد ظن أنهم سجنوا في مراكز التعذيب التي وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها “مسالخ بشرية”.

ولا يوجد شيء يستطيع أحد القيام به كما يقول الكاتب، لا يوجد إلا الصمت، وكأن المفقودين تم مسحهم من جميع السجلات الرسمية ومن على وجه الأرض، وهم لا يقلون عن 83 ألف شخص حسب تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان التي توثق كل حالة.

أما الآن وقد بعث فيروس كورونا قلق عائلات هؤلاء المنسيين فإن قصصا متداولة داخل سوريا وخارجها تثير فيها الخوف وتجعلها تتخيل مذبحة في شبكة السجون ومراكز الاعتقال السورية الرسمية والسرية التي لا أحد يحق له أن يزورها.

وهكذا -يقول الكاتب- اتصلت بنا زوجات وأمهات وأخوات وبنات أخوات للمفقودين، للتعبير عن ذعرهن وللفت الانتباه إلى مصير المعتقلين السريين، وذلك في أعقاب دعوات وجهتها 43 منظمة غير حكومية لإطلاق سراح السجناء السياسيين تحسبا لانتشار كورونا، وفي أعقاب مطالبة مبعوث الأمم المتحدة بإجراءات عاجلة لتوفير الرعاية الطبية والحماية في جميع أماكن الاعتقال.

وتحذر المحامية أمل الناسين رئيسة مركز “هيلينغ أند أدفوكسي” الذي يقدم الرعاية لأسر اللاجئين من أن السجناء “هم الحلقة الأكثر ضعفا”، ومن الواجب “منع بشار الأسد من استغلال فيروس كورونا سلاحا جديدا في الحرب”.

50 سجينا في 24 مترا مربعا

وتقول أمل إن السجناء يعيشون في سجون نتنة ومزدحمة وبدون تهوية، حيث يحشر خمسون منهم في زنزانات مساحتها 4×6 أمتار، لا تكاد تسعهم جالسين وينامون فيها بالتناوب، مضيفة أن هؤلاء لن يقاوموا فيروس كورونا، وسيتوفون بالمئات ويختنقون دون أدنى رعاية “لأنه لا يمكن أن يتوقع من الجلادين الاهتمام بصحة ضحاياهم”.

وأشارت المحامية إلى أن هناك 45 حالة تم الإعلان عنها في أوائل مايو/أيار الحالي وثلاث وفيات فقط، وأنه لا أحد يصدق هذه الأرقام، وبالتالي فإن عائلات المختفين ترتجف خوفا من أن يتحول وباء كوفيد-19 إلى حليف للرئيس السوري للقضاء على السجناء المصنفين “معارضين”.

“سيكون الأمر مؤلما” كما تعلق المحامية، مضيفة “إذا كان هناك وقت نحتاج فيه إلى المساعدة من بقية العالم فهو الآن، الآن وقد أغلق كورونا الحدود ووضع شعوب العالم في الحجر وأرقهم الخوف من الموت، يجب أن يفهموا ما يمر به المعتقلون السوريون، وأن تلهمهم هذه الظروف التضامن معهم”.

وفي هذا الجو القاتم -كما يقول الكاتب- تتحول عودة سجين معتقل مفرج عنه إلى مبعث للألم، حيث يجتمع اللاجئون لسؤاله “هل قابلت هذا الشخص وذاك؟ هل سمعت عنه؟ ما مدى احتمال بقائه على قيد الحياة؟ وهو في معظم الأحيان لا يعلم شيئا”.

وهكذا يستمر الانتظار ويبقى الأمل قائما، وتتساءل زوجة الصحفي جهاد أسعد محمد الذي اعتقل في دمشق عام 2013 باستنكار: هل سيقتل كورونا هؤلاء الذين قاوموا التعذيب بكل أشكاله؟

إن هذه الفكرة -كما يقول الكاتب- تنسف كل أمل تبقى لديها بعدما قامت بحملات واستنهضت منظمات، واتصلت بمنظمتي العفو الدولية و”مراسلون بلا حدود”، وحاولت شراء المعلومات من المسؤولين، دون أن تجد أي أخبار عنه.

ونفس المعاناة عاشتها بسمة (55 سنة) التي لا تزال تأمل أن يكون ابنها الوحيد الذي اعتقل عام 2013 على قيد الحياة، بعد أن علمت أنه كان في سجن صيدنايا الرهيب، واستطاعت رؤيته لبضع لحظات محاطا بالحرس، وهي تبكيه وهي في جزيرة كوس باليونان.

وتقول بسمة “عندما أردت العودة إلى السجن كان اسمه قد شطب من جميع القوائم، غير موجود في هذا العنوان، لا أحد يعرف مكانه بعد ذلك”، وبحثت عنه وحاولت التقرب من الضباط وشراء المعلومات، حتى أنها أعطت خاتم زواجها كما باع آخرون منازلهم ليحصلوا على شيء في سوق المعلومات الكاذبة والفساد المستشري.

الموت بالسكتة القلبية

وفي هذا المناخ -كما يقول الكاتب- قد تصل شهادة الوفاة إلى العائلات ذات يوم كما حدث في عام 2018 عندما أرسلت عدة مئات من الوثائق تشير إلى وفاة أشخاص مفقودين بتاريخ 2013، وغالبا بـ”السكتة القلبية”.

ومع ذلك -كما تقول الباحثة سارة كيالي في هيومن رايتس ووتش- هذه الأخبار مروعة، ولكنها لا تدمر الأمل لأنها قد تكون غير صحيحة، حيث ظهر سجين بعد عام من إعلان وفاته وبعد ست سنوات من موته المفترض، ولكن كورونا مصدر جديد للقلق.

وأشارت الباحثة إلى أن مرسوم العفو الجديد الذي نشرته دمشق في 22 مارس/آذار الماضي لن يكون هو الذي سيريح أهالي المختفين لأنه “مجرد ذر للرماد في العيون”، وهو -حسب رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني- “محاولة كئيبة لطمأنة الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية في سياق الوباء”.

وقال الدكتور مثنى -وهو سجين سابق يعيش الآن في برلين- إنه مع كورونا “من حق العائلات أن تخاف، لأن الأسد أسوأ من الإيرانيين الذين أفرجوا عن آلاف السجناء تحت ضغط من كورونا، هو لن يفعل شيئا، بل قد يجد هذه فرصة للتخلص من جميع المنشقين”.

وختم الكاتب بأن تقريرا حديثا من منظمة غير حكومية كشف عن ضعف النظام الصحي لسوريا وانخفاض عدد المستشفيات العاملة والافتقار الشديد إلى الأطباء والممرضين بعد فرار 70% من أطقم الرعاية الصحية إلى الخارج، ومقتل 669 منهم على يد النظام، 83 منهم تحت التعذيب.

المصدر : لوموند

——————

يورغن هابرماس: جائحة كورونا تكشف محدودية معرفتنا

هابرماس والجائحة: في الحوار التالي يتحدث الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن وجهة نظره فيما يتعلق بتداعيات جائحة كورونا وماذا تعنيه لأسلوب تفكيرنا وحياتنا. هابرماس يعد أحد أهم فلاسفة العصر وممثلاً للجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت النقدية المدافعين عن أولية العقل ومكتسبات الحداثة وإرث التنوير النقدي.

في حوار مع الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، نشرته عدة صحف ألمانية وصحيفة “لوموند” الفرنسية، تحدث “منظر الديمقراطية الألمانية” الأول عن وجهة نظره فيما يتعلق بتداعيات جائحة كورونا وماذا تعنيه لأسلوب تفكيرنا وحياتنا.

يورعن هابرماس، أحد أهم فلاسفة العصر المدافعين عن أولية العقلانية وعن قيم الحداثة الديمقراطية، الذي يعتبر نفسه “إبن التربية الديمقراطية المولودة من رحم أحوال النازية”، اعتبر أن جائحة كورونا تجبرنا أن “نتصرف واضعين نصب أعيننا محدودية معرفتنا”.

ومن وجهة نظر فلسفية، يقول هابرماس حول التفكير في زمن كورونا:

“ألاحظ أن الوباء يفرض اليوم، في نفس الوقت وعلى الجميع، تحديا فكريا كان، حتى الآن، من اختصاص الخبراء: يتعين علينا أن نتصرف واضعين نصب أعيننا محدودية معرفتنا. تبيّن لجميع المواطنين في هذه الأيام كيف يجب على حكوماتهم اتخاذ قرارات واضعة نصب عينيها محدودية معرفة علماء الفيروسات الذين يقدمون لها المشورة. نادرا ما تم فك طلاسم مشهد العمل السياسي المنغمس في عدم اليقين بشكل قطعي. وفيما يبدو سيكون لهذه التجربة غير العادية في أدنى الحالات أثرها على الوعي العام”.

وفيما يتعلق بالبعد الأخلاقي لهذا الأزمة شدد هابرماس على أنه “وقبل كل شيء، هناك وضعين قد يكون لهما تداعياتهما في علاقة بعدم المساس بالكرامة الإنسانية الذي يضمنه القانون الأساسي الألماني في مادته الأولى على مستوى الفقرة 2: “لكل شخص الحق في الحياة والسلامة الجسدية”.

يتعلق الوضع الأول بما يسمى “الفرز””؛ والثاني باختيار الوقت المناسب لرفع الحجر. إن الخطر الذي يشكله عدم قدرة وحدات العناية المركزة على استقبال الأعداد الهائلة للمرضى في مستشفياتنا – وهو خطر يفترض سيناريوهات طب الكوارث التي لا نلجأ إليها إلا أثناء الحروب. عندما يتم استقبال أعدادا هائلة من المرضى بحيث تعجز الوحدات الاستشفائية عن توفير العلاج الضروري لهم، يضطر الطبيب حتمًا إلى اتخاذ قرار مأساوي، لأنه في جميع الحالات لا أخلاقي.

هذه هي الطريقة التي ينشأ عنها إغراء انتهاك مبدأ المساواة الصارمة في المعاملة بقطع النظر عن الوضع الاجتماعي أو الأصل أو السن، وما إلى ذلك، كأن نضحي بكبار السن من أجل إنقاذ حياة الشباب. وحتى لو وافق المسنون على ذلك يحدوهم في ذلك حس أخلاقي قوامه نكران للذات يثير الإعجاب، فمن هو الطبيب الذي يسمح لنفسه بأن “يقارن” بين “قيمة” حياة شخص و “قيمة” حياة شخص آخر وأن يقرر من يجب أن يحيا ومن يجب أن يموت؟ إن خطاب “القيمة”، المستعار من مجال الاقتصاد، يشجع على القياس الكمي الذي يتم من وجهة نظر الملاحظ. ولكن لا يمكن التعامل مع استقلالية الشخص على هذا النحو: لا يمكن أخذها في الاعتبار إلا انطلاقا من منظور آخر، حين نكون وجها لوجها مع هذا الشخص.

ومن ناحية أخرى، تُبين الأخلاقيات الطبية عن توافقها مع الدستور وتلبي مبدأ ليس ثمة ما يبرر “اختيار” حياة إنسان بدل حياة إنسان آخر. وفي الواقع، يملي الدستور على الطبيب، في الحالات التي تسمح فقط باتخاذ قرارات مأساوية، أن يستند حصريًا إلى المؤشرات الطبية التي تؤيد فرص نجاح العلاج السريري المعني بنسبة كبيرة.

كورونا من منظور فلسفي.. كيف يرى هابرماس هذا اللحظة المفصلية في تاريخ البشرية؟ الفيلسوف الألماني يدعو إلى مزيد من التضامن داخل الأسرة الأوروبية وتهذيب العولمة المتوحشة عبر تقييد النيوليبرالية الجديدة.

مقاومة “الإغراء النفعي” واحياء روح أوروبا

وعلى الصعيد السياسي طالب هابرماس الحكومة الألمانية ودول شمال أوروبا الغنية بمساعدة دول الجنوب الأوروبية المتضررة من كارثة كورونا، خاصة إيطاليا وإسبانيا، وتغيير نهجها فيما يتعلق بسندات كورونا الكفيلة بحماية اقتصادات اسبانيا وفرنسا وإيطاليا من ضغوط مضاربة الأسواق المالية.

هابرماس شدد على أنه حاليا لا يوجد بديل واقعي لسندات كورونا إذا أردنا إنقاذ اليورو وانقاذ مشروع الوحدة الأوروبية، لأنه نواة الاتحاد الأوروبي الأساسية.

وفيما يتعلق باحتمال تحول حالة الطوارئ وتقييد الحريات الأساسية في إطار إجراءات مكافحة كورونا إلى قاعدة ديمقراطية، نبّه ايورغن هابرماس إلى أن تقييد عدد كبير من حقوق الحرية المهمة يجب أن يظل مرتبا لمدة محدودة جدا، ولكنه إجراء مطلوب كأولوية للوصول للحق الأساسي في الحياة والسلامة الجسدية، وإن كان البعض قد يستغله لغايات سياسية شعبوية تضر بمصداقية النظام السياسي.

*المصادر:  لوموند، مجلة حكمة وصحيفة فرانفورار روند شاو

 ————————

لقاح للأمل/ عبد الحق ميفراني

لم تتوقّف التحاليل الصحافية كثيراً عند قيام الولايات المتّحدة بقرصنة سفينة صينية تحمل شحنة معدّات طبيّة إلى ألمانيا. وحين تكرّرت الحادثة في أماكن أُخرى بمُقرصِنين ومقرصَنين آخرين، كانت الدولُ منشغلةً بصراعها مع فيروس كورونا وعدّ أرقام الإصابات والوفيات والمتعافين. غير أنَّ هذا الشكل المنقرِض منذ حِقبٍ لا يطرح سؤالاً أخلاقياً بقدر ما يفتح تساؤلاً حول العالم الذي تشكّل اليوم في ظل تفشّي الوباء.

هل وصلت الإنسانية إلى الجدار؟ الكثير من اليقينيات والبديهيات يُعاد تشكيلها، ليس فقط على مستوى التفكير، بل على مستوى الممارسة كذلك. يَنطبق ذلك، أيضاً، على كثير من الأحداث والصُّوَر، سواءٌ كانت ذات طبيعة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية: فنّانٌ يعزف لجيرانه مِن على شرفة منزله فيتحوّل عزفه إلى مبعث فرحٍ وأمل… فنّانو باليه روسي، يجعلون لحظة الحجر الصحي أداء فنّياً… مواطنون يابانيّون يلجأون إلى حديقة الصلاة في أوماموري بحثاً عن صفاء نفسي واختلاء وتصالُح مع الذات.

قدرةُ الإنسان على خلق مساحات من الفرح، والبحثُ عن المشترك الإنساني العميق في لحظةٍ تصدح أصواتٌ منادية إلى وقف إطلاق النار والصواريخ… كلُّ ذلك لا يدلّ على استيقاظ الضمير الكوني، وإلّا كيف نُفسّر هذه القرصنة التي تُعبّر عن منتهى الفردانية؟

يبدو أنَّ الرهان اليوم يتمثّل في فتحِ مزيدٍ من كوّات الأمل، ليس رغبةً في تجاوُز حالة الخوف والوسواس اليومية، بل لإعادة التفكير في إنسانية الإنسان المفتقدة. في منتهى تجلّي العجز الإنساني أمام عدوّ هُلامي، يتّجه الكثيرون الى التفكير في ما يخلق لنا إمكانيةَ الاستمرارية.

يحضُر التفكير لدى كثير من المبدعين والكتّاب والمفكّرين كحالةٍ مستمرة لا ترتهن الى سقف معيَّن؛ لأنَّ ما يحدث اليوم، في العالم كلّه وليس في جزءٍ صغير منه، يَجعلُ أسئلتَنا وكتاباتنا تتجاوز ذواتنا وعوالمنا وحيواتنا الصغيرة. فقط المشتركُ الإنساني الذي يُوحّدنا يستطيع أن يُشكّلَ الرهان والأفق والبديل لأي تفكير في المستقبل.

توارت خطابات المؤامرات والدسائس السياسية، وأمسى الجميع، دُولاً وأفراداً، منشغلين بما يحدث؛ بالموت والفقر والكساد الاقتصادي. أضحى العالمُ قريةً صغيرةً جدّاً لا يحتاج الموت فيها إلى مسافات زمنية، ولا تحدُّ من انتشاره جدرانٌ واقية. في هذه اللحظة المشهودة، يقف العالم ليعُدّ ضحاياه، عاجزاً عن إيجاد لقاح شافٍ لفيروس عابر للقارات. في هذه اللحظة تنفجر الأسئلة عن تلك القيم الإنسانية المفتقَدة.

يبدو الأملُ لقاحاً مثالياً يُمكنّنا من القدرة على الاستمرارية، بعيداً عن خطابات الهيمنة التي اكتشفت عجزها، بترسانتها التكنولوجية والعسكرية، أمام فيروس صغير فتّاك.

وبينما نعيش عزلةً فردية قاسية، لم تتقوّ لدينا خلايا الانعزالية بقدر ما تعزّز تفكيرنا في العودة إلى الإنسان. جعلنا غيابُ الخروج إلى الشارع واللقاءات وتبادُل التحايا نُعبّر عن مشاعرنا بأشكال أكثر إنسانية… أن نتضامن مع الآخر دون تفكير في عقيدته وأفكاره.

* كاتب من المغرب

العربي الجديدة

———————-

كائنٌ لا تُحتمل عُزلته/ عائشة بلحاج

رفعتُ يدي التي تحمل قلم الرّصاص خلف عنقي. وبحركةٍ لا إرادية، وخزتُ جلدي بطرف القلم، ثم نزلَت يدي على كتفي في حركات عمودية، واستراح الجزء العلوي من ظهري، أمام حركات القلم. أدركتُ حينها أنني اكتشفت للتوّ حركةً لاإرادية مريحة، ستكون ضمن أنشطتي الأثيرة في عزلة الحجْر. وهكذا صرتُ عندما أطرح على نفسي السّؤال نفسه كل يوم: ما العمل؟ مسترجعة لينين الذي طرح هذا السّؤال منذ أكثر من قرن، أُتبع السّؤال بوخزة من القلم على ظهر عنقي، لتساعدني على إيجاد جوابٍ سريع.

ولأنّنا جميعًا نبحث عن حلّ لوضع مستجد على الإنسان المعاصر، لذا نحتاج دليلا جديدا يحمل العنوان نفسه: “ما العمل؟”، ليُرشد هذا الكائن صاحب الكبرياء المبالغ فيها، المُعتمِدة على تطورّه التكنولوجي أساسًا، وقهره ظُروف الزّمان والمكان، لا على قوة خارقة للطبيعة، إلى الطريقة الأسلم لمواجهة هزيمته أمامها. بعد أن ذكّرتهُ، مرة أخرى، أنّه لا يمثّل إلا واحدًا من الكائنات التي تدبّ على الأرض، ولن تكون الأيام في جيبه دائمًا. وكم بدا العالم بحاجة إلى دليلٍ للحالات الطارئة، ليرشده في الوضعيات الجديدة التي كسرت الأنوف والأنفس. وفي انتظار ذلك، لا أحد يعرف ماذا يفعل، وإلى متى؟

المتفائلون منّا يقرأون، ويشاهدون أفلامًا ومسلسلات، ويتعلّمون الرّسم، واللغات.. فالوضع مؤقت، ويُستحسن استغلاله فيما يفيد. بينما ينكبُّ المتشائمون على الدفاتر “أو الحواسيب”، ليكتبوا بإيقاع محكومٍ بالإعدام؛ لعلّهم يُخلّفون شيئًا للمستقبل، ولا يغادرون مثل بقيتنا بأيدٍ فارغة.

يظنّون أنّهم سيخلدون عبر يوميات، أو رواياتٍ مأساوية عن الوباء. وبين الذين يكتبون اليوميات، هناك فئتان: المتفائلون الذين ينشرونها على “فيسبوك”، ويشاركوننا إياها، لأنّهم ليسوا واثقين من النّتيجة. في الغالب يعتبرونها كتابةً تُنفس عن ضغط الحجْر، وقد تؤدي إلى شيء جيد، أو لا تفعل. بينما يكنزها المتشائمون، لأنّهم غالبًا يقرأون ما ينشره الأولون، ويعيدون صياغته، بطريقة احترافية تتمُّ في الظل، وتستفيد من رؤية ما تحت الشمس. غالبًا ما يتصوّرون نهايةً مأساوية للوضع، ويكتبون عنّا، نحن المرتبكين، خفية وجهارًا، أشياء سيئة يظنّون أننا لن نقرأها. فيما يكتفي الكُتاب الصّحافيون بتسجيل أحداث الكارثة وآثارها، مثل أطباء يظنون أنّنا لا ننتبه إلى أنّهم خائفون أكثر من الجميع، ويحاولون التظاهر بالشّجاعة والكتابة بلا مشاعر، أو بمشاعر مضغوطة في جُمل باردة تصف الوضع الوبائي بدقة، لكن من دون انفعال. وهذه الكتابة المهنية عن الوباء تمتصُّ أي رغبة في الكتابة الإبداعية غالبًا، وعن الوباء بشكل خاص.

ماذا نكتب عن هذه التّجربة التاريخية في حياة معظم الناس، الذين عاصر بعضهم حروبًا طاحنة، وشهِدَ أهوالًا كثيرة؟ بالنّسبة لهم، هذا الوباء ليس إلّا هواءً فاسدا وسخيفا، لا يحرّك فيهم إلّا الخوف من تداعيات هذا الانتشار الكبير لبقعة الفيروس، مثل بقع نفط يتسرّب في المحيط على معيشتهم وما تبقّى من أُسرهم. ومع ذلك، يريد كثيرون أن يُنتجوا أدبًا لهذا الوباء، في حين يرى آخرون أنّ على الأدباء أن يكتبوا عن يومياتهم، وكيف يعيشون في الحجْر ويتخيّلون الخروج منه.

حين حكت ليلى سليماني، ببرجوازيتها، عن يومياتها في بيتها المُريح خارج ازدحام المدن الكبيرة، وبعيدًا عن الفيروس وحامليه، انزعج منها كثيرون، لأنّها تعالت على القارئ، ولم تكن متعاطفة أو منتمية إلى عالمه. وللأمانة، كثيرون يتخيّلون حياة الكتاب هكذا: منزل بعيد بحديقة، وكتب متراكمة في غرفة شبه مُعتمة جدرانها مغطاة بالكتب، يلجأ إليها الكُتّاب لحظة الإلهام العظيمة. باقي الوقت ينقسم بين الحديقة وأنشطة غرفة النوم، والشطرنج، والأكل.

لا أحد يتخيّل الكاتبات وهُنّ يركضن في البيت، بين ترتيبه وإعداد الوجبات وتهدئة الأطفال. والكتّاب وهم مضطرّون للعمل البيتي بمزاجٍ عكر، وبخلفية صوتية تختلط فيها شجارات الجيران مع صراخ أولادهم، وصوت التلفزيون الذي يعمل بحماسٍ مجنون على نقل أخبار الوباء بلا كلل، ويقتل كلّ شاعرية أو رومانتيكية في حياتهم.

وبالحديث عن البيت، يمكن أن نقول إنّه لم يكن للمرأة يومًا مكانًا حميميًا، بل لطالما نظرت إليه كقلعة ذكورية، حتّى وإن لم يره الرّجال كذلك، فصحيح أنّ الرجل لا يقضي وقتًا مهمًا فيه، لكنه لا يغادره عندما يخرج منه، فأشياؤه وطلباته حاضرة طوال اليوم. إنّه رب البيت، وصاحب العمل، الذي تقوم به المرأة، خصوصا ربّة البيت التي لا تغادره للعمل. وتلك الإشاعة عن أن البيت مملكة للمرأة، لم تعد تُغري بالتّرويج، بعد أن تفوّقت المرأة على الرّجال في ارتياد المقاهي، هروبًا من البيت. ومع ذلك، لا ينظر الرّجل إلى البيت ملجأ، لأنّ له فيه شركاء، وسلطته المزعومة غير حقيقية، بالنّسبة له على الأقل. صحيحٌ أن المرأة تطبخ له، لكنها تفعل ذلك على هواها، وهوى أولادها ولا أحد منهم يبدو أنه مهتم بما يرغب فيه، داخل هذا البيت.

ما العمل إذن؟ في عزلة ليست حقيقية؟ في بيت يُحاصَر فيه الرّجل والمرأة مع الأولاد، مثلما تُحاصر القطط والكلاب والفئران في قفصٍ واحد. نقٌّ طوال اليوم، واختناق كاملٌ لكل الأطراف. وما ارتفاع حالات العنف المنزلي إلّا تعبير عن هذا الوضع، لأنّها عزلةٌ مغشوشة، تفرض التعايش بين مساجين كثر في مكان واحد، تنتعش فيه الخلافات القديمة وتتفقس أخرى جديدة.

مع ذلك، هناك من هم في عزلة دائمة حيثما كانوا. في كتابه “اختراع العزلة”، تحدث بول أوستر عن أبيه الذي عاش باختياره في فقاعة خارج العالم والمحيط. وحتى عندما كان يعيش مع أسرته، كان منعزلًا عنهم، وهو داخل البيت نفسه، حيث يعيشون جميعًا. وعندما غادر الجميع، إلّا هو، ظل غير مهتم بما يعرضهُ عليه العالم من مباهج. وباستثناء روتينه اليومي، لم يعرف شيئًا آخر. إلى درجة أنّه عندما مات لم ينتبه أحد لغيابه، لأنّه لم يكن حاضرًا يومًا لأحد. وفي مقال لها عن العزلة، تقول أولغا توكارتشوك (الفائزة بجائزة نوبل للآداب 2019): “عشتُ فترة، هي الأطول، شاعرة بأنّ حولي قدرًا زائدًا من العالم، ومن السرعة، والصخب. لذلك لا أعاني الآن “صدمة العزلة” بالمرّة، ولا يشق عليّ إطلاقا أنني لا أرى الناس”. وتضيف: “ماذا لو تبيَّن أننا لن نعود إلى إيقاع حياتنا الطبيعي؟ وأنّ الفيروس ليس خروجًا عن المعتاد، بل العكس تمامًا، أي أنّ العالم المحموم الذي كان قبل وصول الفيروس، هو الشاذ المُنافي للطبيعي؟” وفي سياق العزلة نفسه، هزّت الكاتبة الهندية، أروندوتي روي، القلوب في مقال طويل، ذهبت فيه إلى أننا: “سنعيش فرادى أكثر مما فعلنا يومًا. سنعود إلى ذواتنا، وستصبح اللّقاءات البشرية ممكنة بقدر ضرورتها. أي أنّنا سنُصبح براغماتيين حتى في تعاملنا مع العائلة والمشاعر والصداقة .. كلها أشياء ستصبح غير ضرورية، وتفقد أهميتها في حياتنا”.

هذه احتمالات ممكنة، لكن تاريخ الإنسان المليء بالأوبئة يقول إنّ هذا لم يحدث قبلًا، فلِم يحدث الآن؟ المُتغيّر الوحيد حاليا أن الإنسان يمتلك بدائل إلكترونية وتكنولوجية، وقدرًا من المعرفة والأنانية، ما يجعل هذه الاحتمالات غير قابلة للحدوث، أو يجعلها خيارًا محتملًا بنسبٍ معقولة.

العربي الجديد

—————————

كيف نستفيد من دروس كورونا؟/ إبراهيم اليوسف

استطاعت جائحة كورونا التي انتشرت في العالم، واضطرت مليارات الناس، الذين يعيشون على هذا الكوكب، بمختلف قاراته، ورايات بلدانه، وألوانهم، وأجناسهم، وأديانهم، ومللهم، ونحلهم،  للاحتماء والحجر في بيوتهم، وهم يعيشون تحت سطوة عامل واحد هو الخوف ، بل الرعب، من هذا المرض الفتاك الذي يكاد يكون الأكثر تميزًا بسرعة انتشاره، وسهولة تنقله، والإصابة به، ما جعله يحتل موقع الصدارة بين الأخطار العالمية الراهنة المحدقة، بل ثمة من رأى ديمومته، ومقدرته على إزالة الوجود البشري، من سطح كوكب الأرض- استطاعت أن تحرك حالة الركود الفكري والفلسفي والثقافي، في هذه المرحلة المفصلية، في ظل التغييرات الطارئة في العالم، وحدوث نقلات كبرى على صعيد الحياة، وهيمنة الرقمية، وتوصيفها الافتراضي على العالم، وما يمكن أن يسببه ذلك من تأثير كبير على الفكر، فتح أبواب التحول على مصراعيه، من دون أن ننتبه إلى تلك الإشارات التي بدرت عمن تنبؤوا بواقع مجتمع ما بعد المعلوماتية، أو مجتمع المعلوماتية، بل تحديدًا مجتمع العولمة التي غدت المعلوماتية مجرد مفردة في عالمها،  وقد سخرتها وتسخرها من أجل مجتمع ذي مواصفات محددة؛ مجتمع الثلث الذي حذر منه كبار المفكرين اليساريين في العالم.

ما حدث، ويحدث حاليًا، منذ نهاية كانون الثاني/يناير 2020، وحتى الآن، من تحولات كونية، في مرحلة ما بعد كورونا، يذكرنا إلى حد بعيد بتلك المرحلة التي أنتجت فيها الكثير من البحوث والدراسات حول مرحلة العولمة، وكان كثيرون من بيننا يتعاملون مع ما يصدر، أو مع ما يقرؤون، على أنه ليس إلا محض إنذارات استباقية، متوهمة، لا أكثر، إذ إن الكثيرين من المشتغلين في مجالات الثقافة والفكر تناولوا هذه المرحلة، وإن كان الإعلام في هذه المحطة الجديدة هو السائد، بل وإن كنا نجد إحجامًا من قبل مفكرين وعلماء بارزين، لما نسمع أصواتهم، كما ينبغي.

ويعد عالم اللسانيات المفكر الأميركي نعوم تشومسكي (1928) أحد أبرز المفكرين المعاصرين الذين تناولوا هذه المرحلة، وهم يتكئون على ما طرحوه في نهاية الألفية الماضية، وبدايات الألفية الجديدة، من أطروحات وقراءات، تكاد تكون منسية من قبل كثيرين منا، إذ إننا ونحن نعيش أزمة كورونا، غير المسبوقة في التاريخ، على صعيد إلزام المليارات من سكان العمارة الكونية ليعيشوا في بيوتهم محجورين، بتنا في المختبر التطبيقي الميداني لهاتيك الطروحات، بالرغم من أن التركيز كان من قبل على ما ستوصلنا إليه النيوليبرالية المتوحشة التي تتحكم بالعالم، وما خطرها: الحرب النووية والاحتباس الحراري، إلى جانب رأس الثالوث الرئيس وهو تدهور بل تحطم الديمقراطية، إلا من أعظم التحديات التي تهدد أمن وجود العالم. ما نقل على لسان تشومسكي، اعتمادًا على حلقة من برنامج  DiEM25 TV، قدم رؤية تشريحية للواقع، تحت ظل النيوليبرالية العالمية، حيث أطلق، وبجرأة، آراءه، في دونالد ترامب- من ضمن القلة التي تقود العالم وتتحكم به- كي يراه مجرد مهرج، معتل،  يقود هو ومن معه العالم إلى الهاوية، ويرى أنه قد تجاوز أن يستحق مصطلح “فاشي” لأن للفاشي ذاته أخلاقياته، وقيمه، وإن خطورته تكمن في امتلاك بلده القوة العسكرية الهائلة.

وإذا كانت طروحات تشومسكي، حتى الآن، بحسب ما جاء في مقال سامية عيسى-  “نعوم تشومسكي: ما بعد كورونا أخطر من الوضع الراهن” والمنشور في الإندبندت عربي-  لا يزال في إطار تشخيص الحالة ما قبل الكورونية، فإنه يرى بأن تحديات كورونا قد عمقت الأزمة، ومن بين ذلك أن الذين يحجرون منزليًا أو صحيًا هم- في الأساس- يعتمدون في قوتهم اليومي على قوت يدهم، وهكذا فإن الحجر يمنعهم عن العمل، ما يقدمهم فريسة للموت، وتتجلى هنا إنسانية رؤاه، لا سيما عندما يبدي استغرابه، من استمرارية النموذج الكوبي في الحياة، بالرغم من الحصار الاقتصادي الأميركي لكوبا، منذ بداية استقلالها، من دون أن ينسى مد الكوبيين يد المساعدة لليونان، بالرغم من بؤس أوضاع بلدهم، اقتصاديًا، في الوقت الذي لم تفعل دول أوروبية مثل ذلك؟

نعوم تشومسكي: ما بعد كورونا أخطر من الوضع الراهن – سامية عيسى – المنار الثقافية الدولية https://t.co/7QJqs3YiBw

    نعوم تشومسكي: ما بعد كورونا أخطر من الوضع الراهن – سامية عيسى – المنار الثقافية الدولية https://t.co/7QJqs3YiBw

    — المنار الثقافية الدولية (@AlmanarJournal) April 14, 2020

“>

يرى تشومسكي أن كورونا كان” صدمة العصر”، إلا أنه لا ينظر إليه، إلا كتحد عابر، لأنه يركز أكثر على مرحلة ما بعد كورونا، إذ يراها الأشدَّ خطورة، لا سيما بالنسبة إلى الدول التي تعاني من العقوبات، وإن كان يمكنه إضافة ما تمارسه من ابتزاز للعالم، وعدم أداء دورها، من خلال موقعها الذي منحته لذاتها، في قيادة الأسرة الدولية، وما الحروب التي تشتعل إلا نتيجة أحد أمرين، أو كليهما معًا: التدخل في شؤون العالم، من جهة، ومن جهة أخرى: إدارة الأزمات، والحفاظ على توازنات كفتي الصراعات، كما عبر عن ذلك هنري كيسنجر- وزير الخارجية الأميركي الأسبق-  بقوله “إن مصلحة  أميركا  لا تكمن في حل الصراعات بل بإدارتها” والإمساك بخيوطها، وهو أبلغ ما يمكن أن يقال عن سياسات أميركا، ودورها في العالم، بما يختصر آلاف المجلدات حول تقويمها وواقعها!

ولم ينس تشومسكي حقيقة انهيار الأسواق، في ظل هذه المرحلة- وثمة تمهيدات سابقة لذلك-  باعتبار أن أزمة كورونا سرَّعت من إيقاع الانهيار، بل إن مستقبلًا  كارثيًا ينتظر اقتصادات بلدان كثيرة في العالم، فيما لو استمرَّ تحدي كورونا للعالم، بالرغم من أن تقهقر الأسواق العالمية ينتظم، في الأصل، ضمن إطار حالة الخلل المهيمنة على الدورة الاقتصادية العالمية، نتيجة ابتلاع الحيتان الكبرى في العالم- وفي مقدمها  الحوت الأميركي الأعظم- لمقدرات شعوب العالم، حتى الآن!

واقع هيمنة التكنولوجيا

ما هو أكثر أهمية هنا تركيز تشومسكي على واقع هيمنة التكنولوجيا، والهواتف الذكية، على الجيل الجديد، الذي بات يعيش عزلته، بعيدًا عن وسطه الاجتماعي، ويرى- خلاف ما هو سائد- أن هذه العزلة مفيدة، في مرحلة العزل وشساعة الفراغ، وذلك لتنظيم الناس، وتوجيههم، و”التباعد” في ما بينهم، كما أنه يشير إلى احتمال توقف شبكات الإنترنت وهو نفسه شبيه، أو نظير التخوف الذي كان يساورنا من توقف المعامل والمصانع العظمى، إذا ما تفشى- مثلًا- فيروس كوفيد19، بين عمالها، ما يؤدي إلى انهيارها، ويسرع من الانهيار العام، وخطر الوجود البشري.

ولاكتمال رسم ورصد النيوليبرالية، في أعلى صور وحشيتها، إشارته إلى تباطؤ، أو تراخي، أو إحجام شركات الأدوية عن إيجاد ما يلزم من لقاحات وعلاجات، أسوة بما فعلته إزاء ظهور فيروس إنفلونزا الخنازير في 2009، لا سيما وأن الدراسات كانت قد أظهرت بأنه ستكون لفيروس سارس الذي ظهر في 2003، سلالة من الفيروسات التي ستظهر لاحقًا، ويقدم تشومسكي مفارقة صاعقة وهي أن شركات الدواء تهتم بإنتاج الكريمات على

حساب إنتاج العقاقير والأدوية واللقاحات لأن الأولى منها أكثر استدرارًا للأرباح!

ومن بين أبرز ما جاء على لسان تشومسكي اعتباره أن فيروس كورونا كان إنذارًا للعالم، بل إنه “علامة تحذير ودرس للبشر، وعلينا أن نبحث عن الجذور التي تؤدي إلى الأزمات التي ربما تكون أسوأ مما نواجهه اليوم”، إذ إنه بالرغم من قتامة اللوحة، إلا أنه يرى “أن الناس سيجدون طريقهم وسيعثرون على وسائل أخرى للاستمرار وتوسيع الأنشطة وتعميقها وترميم انكساراتهم ولملمة جروحهم، ليبنوا عالمًا جديدًا قابلًا للعيش فيه. يكفي أن نمتلك الإرادة والعزم والتصميم، يكفي ألا نفقد الأمل”.

مثل هذا التفاؤل، من لدن مفكر معاصر، يعيش بين ظهرانينا، وهو يسير بثقة، وبرؤى عميقة، نحو استكمال قرن من حياته، يجعلنا نتوقف مليًا عند آرائه، لا سيما عندما نوقن أن قوى الشر ستواصل وظيفتها، إلا أن قوى الخير في العالم هي التي ستنتصر، في نهاية المطاف، لأن الحياة مبنية على معادلة السيرورة، والديمومة، وما المنجز البشري، عبر التاريخ، في مجالات الحضارة، والتطور، وأرومة الأخلاق، إلا الشاهد الأعظم على هذه النبوءة!

من هنا، فإن تشومسكي إذا كان قد قرع أجراس الخطر، منبهًا أن مصيرًا غامضًا ينتظر العالم، في مرحلة ما بعد فيروس كورونا، فهو بذلك  يشخصن، على منصة مختبره، الحالة الكارثية التي سيصبح عليها البشر، إن لم يستفيدوا من دروس هذه المرحلة الصعبة التي حضت كلًا منا لنفكر بخلاصنا الذاتي فحسب، ونتخلى عن أقرب ذوينا، بعد أن سلس فضاء العودة إلى الذات، في سبيل ديموماتنا الفردية، وفي هذا ما يحطم “الحضارة/ الأخلاقية” للبشرية، على مدى آلاف الأعوام، إلا إنه- في الجانب الآخر من خطاب التحذير- أشار إلى باب النجاة، المفتوح، في ما لو أجاد العالم كيفية تجاوز حقول الألغام التي زرعها حفدة قابيل وتشكل أعظم خطر على مصير ومستقبل العالم، في إطار تأبيد نظرية عالم القلة، عالم التوحش، بعد أن يكون سوادنا غائبًا عنه! إنها ثنائية السيرورة والزوال إذًا، في أخطر منعطف للتحدي البشري على مدار التاريخ، وليس علينا إلا أن نحذر!

(من مخطوط “جمالياتُ العزلة: في أسئلةِ الرُّعب والبقاء!”)

ضفة ثالثة

———————————–

نظريات المؤامرة تلاحق بيل غيتس..وتعطل إختباراته المنزلية

أمرت إدارة الدواء والغذاء في الولايات المتحدة “اف دي أي” بوقف برنامج واعد يسمح بإجراء اختبارات كورونا في المنزل، بانتظار إجراء المزيد من المراجعات بشأنه.

وقالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن مذكرة صادرة من الحكومة الفيدرالية طلبت من القائمين على البرنامج التوقف عن اختبار المرضى أو إعادة نتائج التشخيص إليهم حتى يتم الحصول على تصريح مناسب.

ويسمح البرنامج، المدعوم من قبل الملياردير بيل غيتس ومسؤولي الصحة في ولاية مدينة سياتل بولاية واشنطن، بإجراء اختبار الكشف عن فيروس كورونا بسهولة في المنزل وإرسال العينات للتحليل دون الحاجة لمخالطة الآخرين. ويقول الباحثون إن مثل هذا الاختبار ضروري للرصد المستقبلي للفيروس.

وتضمن البرنامج، المخصص لمدينة سياتل، إرسال مجموعات اختبار للمنزل لكل من الأشخاص الأصحاء والمرضى على أمل إجراء مراقبة واسعة النطاق يمكن أن تساعد المجتمعات على تخفيف إجراءات الإغلاق أو إنهائها بشكل آمن.

وقد اختبر الباحثون وسلطات الصحة العامة بالفعل آلاف العينات، ووجدوا العشرات من حالات الإصابة بالوباء القاتل، لم يتم اكتشافها سابقاً.

وأكدت شركة سياتل، التي تجري الاختبارات، أنها أجرت محادثات مع إدارة الغذاء والدواء حول برنامجها لمدة 10 أسابيع تقريباً وقدمت البيانات بشأنه قبل نحو شهر.

لكن متحدثاً باسم إدارة الغذاء والدواء أشار إلى أن مجموعات الاختبار المنزلية أثارت مخاوف إضافية بشأن السلامة والدقة وتتطلب مراجعة الوكالة.

وقالت “نيويورك تايمز” إن المشكلة قد تكون متعلقة بنتائج الاختبار، التي لا يتم استخدامها من قبل الباحثين فقط لمراقبة الفيروس داخل المجتمع، ولكن يتم أيضاً ابلاغ المرضى بالنتائج، وهذا يتعارض مع معايير وكالة الغذاء والدواء.

وتعليقاً على ذلك، قال مدير معهد العلوم الانتقالية في كاليفورنيا إيريك توبول إن “من غير المنطقي أن يقوم الناس بمسح أنوفهم ثم لا يعطونهم نتائج الاختبار”، مضيفاً أن “حجب هذه المعلومات عن الناس أمر سخيف تماما”.

في السياق يكثر عبر الانترنت كلام كاذب يتم تشاركه ملايين المرات حول بيل غيتس من قبيل إنه “اخترع كوفيد-19″ و”يريد إفراغ الأرض من سكانها” و”زرع شرائح إلكترونية في البشر”.

وأصبح الملياردير الأميركي الشهير الهدف المفضل لأصحاب نظريات المؤامرة الذين يستفيدون من خلال منشوراتهم في زيادة عدد المشاهدات مع تفشي الوباء.

وشرح مدير البحوث في “فيرست درافت” وهي شبكة من وسائل إعلام تقوم بمشاريع لمكافحة التضليل عبر الانترنت روري سميث أن غيتس الذي أصبح فاعل خير استحال “دمية فودو يزرع فيها المتآمرون من جميع المشارب”، مثل الإبر، “نظرياتهم المختلفة”.

ووصفت ويتني فيليبس من جامعة سيراكيوز، الملياردير الأميركي الذي انخرط منذ 20 عاماً عبر مؤسسة غيتس في حملات التلقيح ومكافحة الأوبئة، بأنه يستخدم “كفزاعة”.

فقد حصد مقطع مصور بالإنكليزية يتهمه، من بين أمور أخرى، بالرغبة في “القضاء على 15 في المئة من سكان العالم” عن طريق اللقاحات وزرع رقائق إلكترونية في أجساد البشر، ما يقرب من مليوني مشاهدة على “يوتيوب” في أقل من شهرين.

وهذه الادعاءات “زادت بشكل صاروخي” بين كانون الثاني/يناير ونيسان/أبريل بحسب روري سميث إلى درجة بات فيه الفيديو التضليلي باللغة الإنكليزية الموجه ضد بيل غيتس الآن أكثر المنشورات المرتبطة ب”كوفيد-“19” رواجاً.

ومن خلال الاقتباسات المحرّفة وتركيب الصور والاختصارات المضللة، تتهمه هذه المنشورات برغبته في إعطاء لقاح مسموم للأفارقة من خلال شل مئات الآلاف من الأطفال والسيطرة على منظمة الصحة العالمية واستخدام أدمغتنا لإنشاء عملات افتراضية.

وإذا كان جزء كبير منها متداولاً قبل تفشي فيروس كورونا المستجد، فإن الادعاءات التي تستهدف بيل غيتس تشترك في نقطة واحدة: اتهامه بالرغبة في الاستفادة من الوباء مثل شخصية “المستفيد من الحرب”: السيطرة على العالم أو زيادة ثروته من خلال بيع اللقاحات.

ومن بين النظريات، أن بيل غيتس هو من صنع الفيروس و”الدليل؟” لديه “براءة اختراع” و”تنبأ بالوباء” خلال مؤتمر في العام 2015.

—————————-

———————————-

في سورية… فيروس الصمت/ بدر الدين عرودكي

في الوقت الذي يستحيل فيه الحصول على معلومات موثوقة حول الحصيلة الحقيقية لوباء كورونا أو كوفيد ـ 19 في سورية، تشعر عائلات عديدة بالقلق من وضع أقربائها الذين تعتقد بأنهم معتقلون في سجون النظام السرية الرهيبة.

إنهن سوريات، لاجئات في تركيا أو في الأردن أو في لبنان أو في اليونان أو في ألمانيا أو في المملكة المتحدة. لقد عانيْن الحرب والشرور كلها: الإرهاب والقنابل، التدمير والتمزق، المطاردة والمنفى. لقد رأين جيرانهن، وأصدقاءهن، وأفرادًا من عائلاتهن يموتون. لقد غادرن منازلهن، وأماكن طفولتهن، تاركات وراءهن أحيانًا آباءهن وأمهاتهن الذين لا يستطيعون اللحاق بهن؛ عانين خلال هروبهن الإذلال، والتسلط، والابتزاز. لم تكن لياليهن هادئة أبدًا؛ ومنذ زمن بعيد هجرتهن الأحلام.

لم يبق سوى الذكريات، والمرارة، والصدمات. وفي نظر كل اللواتي أردن أن يحدّثننا، كان هناك هوس يبقي عليهن قيد الحياة ويحول بينهن وبين أن يحييْن: زوج، إبن، عم، اعتقلهم أمن النظام السوري واختفوا في سجونه من دون أن يُعرَفَ عنهم شيئًا ما.

آلاف الأسئلة بلا جواب

لا وجود لأية كلمة، ولا لأي معلومة، ولا لأدنى تهمة ولا لأدنى إجراء. لاوجود لأية وسيلة للدفاع عن النفس، ولا لأي عنوان يمكن الذهاب إليه. آلاف الأسئلة بلا جواب. فقط ظنٌّ قوي في سجن الشخص في مراكز التعذيب التي وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها “مسالخ بشرية“. والحداد مستحيل. إذهبوا في حال سبيلكم، إنسوا، لا شيء يستحق الرؤية. صمت. يبدو المفقودون وقد شطبوا من السجلات الرسمية كما لو أنهم اختفوا من على سطح الأرض. هناك ما لا يقل عن 83000 منهم اليوم، كما تقدر الشبكة السورية لحقوق الإنسان التي توثق كل حالة على حدة.

وها هو فيروس الكورونا الذي أحيا قلق هذه العائلات. وها هي الحكايات، التي تروى داخل وخارج سورية، تصيبها بالذعر وتحملها على تخيل مذبحة في شبكة السجون ومراكز الاعتقال لدى نظام الأسد، الرسمي منها والسري، التي لا يملك أي شخص الحق  بزيارتها. وها هي، على إثر 43 منظمة غير حكومية حثت يوم 16 آذار/مارس الماضي الحكومة السورية على الإفراج عن السجناء السياسيين بسبب وباء فيروس الكورونا، وتبعها ممثل منظمة الأمم المتحدة الذي طالب بإجراءات عاجلة من أجل تأمين العناية والحماية في أماكن الاعتقال كلها، ثمة زوجات وأمهات وأخوات وبنات أعمام المفقودين قمن بالاتصال بنا بصورة عفوية كي يقلن لنا رعبهن ويسترعين الانتباه إلى مصير المعتقلين السريين.

Amal Al Nasin, avocate syrienne et militante des droits de la personne, est directrice du centre d’aide aux réfugiés Amals Healing and Advocacy Center, installé à Antakya, en Turquie, ici, le 16 mars 2019.أمل النعسان، محامية سورية ومناضلة في مجال حقوق الأشخاص، مديرة مركز أمل للمناصرة والتعافي للاجئين، ومقره في أنطاكية بتركيا. (أخذت الصورة يوم 16 آذار/ مارس 2019)

“إنهم الأكثر ضعفًا بين الضعفاء؛ لو دخل فيروس الكوفيد / 19 السجن، فسوف يهلكهم جميعًا“، تحذر على هذا النحو أمل النعسان، المحامية ورئيسة مركز أمل للمناصرة والتعافي  لعائلات اللاجئين، التي حدثتنا من أنطاكية، في تركيا، حيث لجأت منذ عام 2012. لم تقم أبدًا بالطبع بزيارة المراكز السرية التي يُراكَم فيها السجناء المعتقلون خارج النسق الشرعي. لكنها تعتمد على التقارير التي نشرتها منظمة العفو الدولية والشبكة السورية لحقوق الإنسان، وكذلك على شهادات المعتقلين الذين هربوا أو أفرج عنهم، والتي تتلقاها منذ بداية الثورة، أي في آذار/مارس 2011.

خمسون معتقلًا في 24 متر مربع

تستطيع أن تصف المعتقلات ذات الرائحة الكريهة والمكتظة، والمفتقرة للتهوية، وفي أغلب الأحيان إلى ضوء النهار، والتي تملؤها الجرذان. زنزانات بطول 6 أمتار وعرض  4 أمتار تشتمل على خمسين سجين لا يستطيعون الجلوس والنوم إلا بالتناوب؛ محرومون من النظافة، والعناية حين يمرضون، ويستدعون بصورة منتظمة إلى جلسات تعذيب  يعودون منها وقد غطتهم الدماء. تقول السيدة أمل النعسان: “الجحيم”. الجحيم الذي دخلته من قبل أمراض مثل السل وحيث لن يواجه السجناء، وقد تمزقت جلودهم  وامتلأت أجسادهم بالقروح، فيروس الكورونا بأية مقاومة. “يكفي أن يكون حارس سجن مصاب به أو أن يصل سجين آخر من سجن آخر، حتى ينهارون بالمئات خنقًا بلا أدنى عناية. أذ لا يمكن أن ننتظر من  الجلادين أن يقلقوا على صحة ضحاياهم !“.

إنها ليست إلا مسألة أيام كما تخشى. لأن فيروس الكورونا ينتقل شئنا أم أبينا في سورية، رغم جهود النظام في تقليل الأرقام وضغوطه على الهيئات الطبية كي تصرح “ماتوا بسبب ذات الرئة” أو بـ”التهاب الرئتين” لمن ماتوا بسبب كوفيد 19، لاسيما وأن الجثامين لا تعاد إلى العائلات، كما أن عناصر المخابرات تقوم بمراقبة المستشفيات كي لا تتسرب منها أية معلومة.

خمسة وأربعون حالة اكتشفت في بداية شهر أيار/ مايو وثلاثة وفيات فقط. ولكن من يصدق هذه الأرقام؟ وسواء أكانت عائلات المفقودين تقيم خارج البلد أو داخله، فإنها ترتعد على كل حال من أن يصير الفيروس حليف الرئيس السوري من أجل القضاء عل السجناء المصنفين كمعارضين، حتى وإن كانوا مجرد طلبة أوقفوا في أولى مظاهرات ربيع عام 2011. 

“سيكون الأمر فظيعًا، تعلق السيدة أمل النعسان التي تواصل إعداد الملفات، وتحميس أقارب المفقودين وجعلهم يأملون الحصول على التفسيرات والحقوق والعدالة. إذا كان هناك وقت نحتاج فيه إلى مساعدة بقية العالم، كما تقول، فها هو الوقت، الآن. لقد أغلق الكورونا الحدود، وأغرق شعوب الكرة الأرضية في الحجر والقلق من الموت. لابد أن يحملها ذلك على فهم ما يعيشه المعتقلون السوريون وإلهامها بعض التضامن. يجب رفض أن يستخدم بشار الأسد فيروس الكورونا وأن يجعل منه سلاحًا حربيًا جديدًا. سواء للقضاء على السجناء المزعجين، أو ملاطفة الغرب للحصول على رفع العقوبات.“

والد وأخو غرام، وهي في الثلاثين من عمرها، وتقيم هي الأخرى بأنطاكية، خرجوا من السجن. لكن لم يخرج عمّاها اللذان فقدت آثارهما منذ 2013. كل العائلة تعيش حول صور الرجليْن، بذكراهما وبانتظارهما. كل شيء محظور، معلق.  فالأموال التي يملكونها لا يمكن أن تباع، والمساعدات التي يمكن أن يستفيد منها الأطفال الأيتام ليست شرعية، والزوجات لا يستطعن الزواج مرة ثانية. “حتى تنظيم حفل لزواجي لم يكن من الممكن تصوره مع وجود عمَّيْن معتقليْن لدى بشار.” كما تقول المرأة الشابة.

يثير وصول معتقل أفرجَ عنه كل مرة غليان كل جماعة المنفيين، الذين ينهالون على الناجي بالأسئلة: “هل صادفت فلان؟ هل سمعت أحدًا يتكلم عنه؟ إنه من قرية كذا، من عائلة كذا… هل نُقل؟ هل عُذِّب؟ ما هو احتمال أن يكون لا يزال حيًّا ؟” في غالب الأحيان لا نعلم شيئًا. ويستمر الانتظار. ويثابر الأمل. “قبولُ الموت يعني خيانة أهلنا والدخول في فخ بشار. إنه مدين لنا بالتفسيرات. وسيجب عليه أن يتحمَّل المسؤولية”  ضمن مطلب العدالة هذا،  تبدو فرضية فيروس الكورونا غير محتملة على الإطلاق.

“هل يمكن أن يموتون على هذا النحو؟ هم الذين يقاومون أشد ضروب التعذيب جنونًا، وحروق الكهربة، والجلد، وكل الأهوال  التي تمارسها عائلة الأسد منذ عشرات السنين من أجل تركيع شعبها؟ هل يمكن أن ينهاروا بفيروس يبرِّئ جلادهم؟ لا!.. لا!..” تصرخ على الهاتف زوجة الصحفي جهاد أسعد محمد، المعتقل بدمشق عام 2013 والذي لا تعرف عنه منذئذ أي خبر.

كانت مع ذلك قد حرثت الأرض والسماء، وأنشأت صفحة فيسبوك، وناضلت في عدة منظمات، واتصلت مع منظمة العفو الدولية، ومنظمة مراسلون بلا جدود، وحاولت شراء المعلومات من موظفين فاسدين. سوى أنها لم تصل إلى أية معلومة، لكن حياتها تستمر في التركيز على هذا الغياب، “الذي يتغذى بأمل” العثور على زوجها، لكنها “مهووسة بفكرة أن الفيروس، كالنار على كتلة قش، يمكن أن يحرق السجون، أو أن يعطي بشار حجة ارتكاب مذبحة“.

القلق ذاته بالنسبة إلى باسمة، وهي في الخامسة والخمسين من عمرها، أصلها من الغوطة على أطراف دمشق، التي تستمر في أن تأمل عودة ابنها الوحيد، الذي اعتقل عام 2013 وهو في الثانية والعشرين من عمره. “بحثتُ عنه طوال سنة ونصف، صرتُ مجنونة. كما لو أن الصاعقة وقعت عليَّ حين علمت أنه كان في سجن صيدنايا. استطعت أن أراه عدة لحظات، محاطًا بحارسيْن. كان هزيلًا، مرتديًا ملابس كالخرق، لم يكن يستطيع أن يرفع رأسه كي يواجهني. قال لي: “لا تقلقي يا أمي، ماشي الحال”. لكن بالطبع لم يكن الحال كما قال!” كانت تجهش بالبكاء عند تذكرها ذلك، هي التي كانت تنتقل إلى جزيرة كوس في اليونان.

“جئت إليه حاملة بيجاما، وحذاء، وجرابات، وبعض الغذاء، وقليلًا من النقود. بحثت عن محام فهزئوا مني. توسلت أن أراه ثانية. فوافقوا على أراه ثانية. كان هيكلًا عظميًّا، جفلًا، عاريًا. تركت له ما استطعت، وحين أردت العودة إلى السجن، هذه المرة، كان اسمه قد شطب من كل السجلات. مجهول في هذا العنوان. لم يعد أحدٌ يعلم  أين كان.” صاحت باسمة أنها كانت قد رأته من قبل، وأنها لم تكن تحلم. دمرت نفسها من أجل أن تحاول العثور عليه، أن تقابل ضباطًا، أن تشتري معلومات. بل لقد أعطت خاتم زواجها.غيرها  باعوا بيوتهم. ذلك أن الفساد كلي الحضور. وسوق المعلومات المزيفة على قدم وساق.

موتى بـ”السكتة القلبية”

يحدث أن تصل شهادة وفاة إلى العائلات. في عام 2018، مثلًا، مئات أرسلت عدّة من الشهادات مشيرة إلى وفاة مفقود، يعود تاريخها إلى 2013 وتسببت بالوفاة على الدوام تقريبًا “سكتة قلبية”. بلا أي برهان، بلا أي تفسير، ومن دون جسد. الخبر مرعب، لكنه لا يقضي على الأمل بما أنه حدث، كما تروي لنا ساره كيالي، الباحثة في منظمة حقوق الإنسان، أن سجينًا قام بعد سنة من إعلان وفاته، وبعد ستة سنوات من موته المفترض. من يصدق؟ “يلعب الأسد بمشاعر العائلات، لاشيء واضح، عدم اليقين هو السيِّد. وفيروس الكورونا بعد تسع سنوات من الآلام، مصدر جديد لقلقها.”

On compte aujourd’hui au moins 83 000  disparus en Syrie, selon le Réseau syrien pour les droits humains. Ici, le 16 mars 2019, au Centre Amals Healing and Advocacy pour les familles de réfugiés, à Antakya, en Turquie.يُعّدُّ اليوم على الأقل 83000 مفقود في سورية، حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان. هنا، في 16 آذار/مارس 2019، في مركز أمل للمناصرة والتعافي للاجئين، بأنطاكية، في تركيا (AMALS HEALING AND ADVOCACY CENTER)

لن يكون المرسوم الجديد بالعفو الذي نشرته دمشق في 22 آذار/مارس هو الذي سوف يواسيهم. إنه “كذر الرماد في العيون!”، تقول ساره كيالي. “محاولة بائسة لطمأنة منظمة الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية في ظروف الجائحة”، يزيد فاضل عبد الغني، رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان. أولًا هذا العفو، كسابقيه، لا يعني إلا السجناء العاديين، ولا يعني بأي حال السجناء السياسيين  ولا النشطاء، ولا الصحفيين، ولا المناضلين، المصنفين جميعًا تحت صفة “الإرهابيين”.

بعد ذلك، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه يوجد 130000 سجين في مراكز الاعتقال السورية، تحسب المنظمة غير الحكومية أنه وفق إيقاع مراسيم العفو (سبعة عشر مرسوم منذ 2011)، لابد من انتظار ثلاث سنوات من أجل تفريغ السجون. وهذا من دون الأخذ بالحسبان أن الاعتقالات التعسفية تستمر (بلغ عدد المعتقلين 665 منذ مرسوم العفو الصادر في 15 أيلول/سبتمبر 2019)، وبلغ عددالموتى بفعل التعذيب (116، وثقت وفاتهم من قبل المنظمة غير الحكومية).

إذن، ماذا عن فيروس الكورونا… “العائلات على حق بأن تخاف” يؤكد الدكتور مثنّى، سجين سابق يقيم الآن ببرلين. الأسد أسوأ من الإيرانيين الذين أفرجوا عن آلاف السجناء تحت ضغط فيروس كورونا. أما هو، فلن يفعل شيئًا كي يوفر المعتقلين. على العكس! يمكن لكورونا أن يتيح له الفرصة للتخلص من كل المنشقين.”

يكشف آخر تقرير للمنظمة غير الحكومية هشاشة البلد القصوى في المجال الصحي، وضعف عدد المستشفيات التي تسير سيرًا حسناً، والنقص الخطير في المعدات وفي العاملين في المجال الصحي بما أن 70 بالمائة من الطاقم الطبي هربوا إلى الخارج. ويؤكد أيضًا أن قوى النظام قتلت 669 من مقدمي الرعاية الطبية منذ آذار/مارس 2011، منهم 83 باستخدام التعذيب، وأنها لا تزال تعتقل 3327 منهم في معتقلاتها.

عنوان المقال: En Syrie, le virus du silence

الكاتب:         Annick Cojean

المترجم:          بدرالدين عرودكي

مركز حرمون

————————————-

===========================

=====================

تحديث 20 أيار 2020

———————–

يطبخون البقدونس والخبز الجاف.. انهيار الليرة السورية يضاعف مأساة المواطنين

    تقشف وفقر..

    انهيار لم تشهده من قبل..

    أسباب مؤشرات الانهيار..

    عوامل سياسية وإدارية..

    هل روسيا راغبة فيما يحصل بسوريا من تدهور اقتصادي؟

تعيش الليرة السورية في هذه الآونة حالة من الانهيار والتراجع الذي يعد الأسوأ في تاريخها، بقيمتها السوقية غير المسبوقة أمام الدولار الأمريكي، الذي وصل سعره خلال اليومين الماضيين نحو 2000 ليرة سورية.

وهو الأمر الذي دفع إلى التأثير على الأسعار، التي ارتفعت بشكل جنوني،  وانعكس ذلك بشكل مباشر على المواطن السوري الذي بات لا حول ولا قوة له أمام أسوأ أزمة اقتصادية تمر بها البلاد.

تقشف وفقر..

أبو منذر، موظف حكومي من محافظة حماة وسط سوريا، قال لـ”عربي بوست”، إن الشعب السوري يعيش منذ ما يقارب العام حالة من التقشف والفقر، وإنه واحد من هؤلاء، فرغم أنه موظف حكومي ويتقاضى راتباً شهرياً بقيمة 55 دولاراً، فإنه يعيش وأسرته حالة من الفقر والحرمان على وقع المتغيرات الاقتصادية والأزمات المالية المتلاحقة التي تعصف بالبلاد.

ويضيف: “مع دخول الأزمة الاقتصادية الحالية والتراجع الرهيب بقيمة الليرة السورية، بات الوضع المعيشي لا يطاق، بسبب ارتفاع أسعار السلع بمختلف أنواعها بشكل جنوني في الأسواق، والمؤلم أكثر أن الأزمة الاقتصادية تزامنت مع شهر رمضان واقتراب عيد الفطر، وبإمكاننا القول إن ثمة مجاعة باتت تلوح بالأفق، في ظل عجز النظام عن توفير الحلول لإنقاذ الوضع، إضافة إلى توقف كثير من المصالح والمنشآت عن العمل”.

ولفت أبو منذر إلى أنه وعدداً كبيراً من أقاربه بات لديهم شعور مشترك بمجاعة قادمة ليس بمقدور النظام الحد منها، وهو الأمر الذي دفعهم إلى الاستعداد لمثل هذا الاحتمال الخطير، من خلال اتباع سياسة التقشف الشديدة بالاعتماد على الحد الأدنى من المصاريف كالاعتماد على الخضراوات الرخيصة، مثل البقدونس والبقلة في طبيخهم، والاعتماد على البرغل والخبز المجفف كوجبات رئيسية.

لا يستطيع كثير من السوريين حالياً تأمين اللحمة التي وصل سعرها مؤخراً إلى 10000 ليرة سورية، ومثلها أسعار الزيوت والسمون وأسعار الخضار، فمثلاً أصبح كيلو الفاصوليا بـ2000 ليرة ومثلها أسعار البندورة والباذنجان، فضلاً عن أسعار الشاي والسكر الجنونية.

انهيار لم تشهده من قبل..

أم بلال ربَّة أسرة في العاصمة دمشق، وأُمٌّ لـ8 أولاد، قالت إن حالة الانهيار الاقتصادي والفقر والغلاء الفاحش لم تشهدها منذ أن بلغت شبابها وحتى الآن، حيث كانت تنوي شراء كسوة العيد لأبنائها هذا العام ولكن بسبب غلائها في الأسواق لم تتمكن.

تقول أُم بلال: “سعر البنطال الجينز وصل إلى 30 ألف ليرة سورية، هذا عدا الحذاء والكنزة أو القميص التي تتراوح أسعارها بين 15 و20 ألف، وهو الأمر الذي أجبر شريحة كبيرة من السوريين على عدم شرائها، بسبب أحوالهم المادية المتردية”.

وختمت بأنها كانت تتوقع أن يكون هناك شيء من الغلاء في الأسواق، بسبب جشع بعض التجار، ولكن الآن الأمر زاد على كل التوقعات، حيث الغلاء الفاحش بسبب انهيار الاقتصاد السوري والعملة المحلية، مستذكرةً أيام زمان عندما كان البنطال بـ100 ليرة والقميص بـ50 ليرة، وحلويات العيد لا تتجاوز تكلفتها 500 ليرة.

أسباب مؤشرات الانهيار..

وتشير تقارير صحفية إلى أسباب وعوامل رئيسية أدت إلى انهيار الاقتصاد بشكل غير مسبوق، منها عوامل اقتصادية، وسياسية وإدارية، مفنّدةً كلاً منها على حدة، وأبرزها:

توقُّف شبه كامل لعجلة الإنتاج، وخروج البترول والقمح والبقوليات وعدد من السلع الاستراتيجية المهمة من أيدي النظام، وانخفاض الناتج القومي المحلي في سوريا، وتوقف عجلة الإنتاج والاقتصاد بدرجة كبيرة.

بسبب قيام النظام بتدمير المصانع وخطوط الإنتاج بنسبة 80%، وإلى ذلك انخفاض أسعار البترول في السوق الدولية، والذي أثر بشكل سلبي على الدول الداعمة للنظام، بسبب اعتمادها على تجارة البترول بشكل كبير في اقتصاداتها.

وانخفضت على أثر ذلك مساعدات إيران النقدية لسوريا، وخلا البنك المركزي السوري من النقد الأجنبي والذهب، حيث يعتبر وجود احتياطي العملات الأجنبية والذهب من الركائز الأساسية التي تستند إليها العملات الوطنية.

وقد أصبح البنك المركزي فارغاً من احتياطي النقد الأجنبي، بسبب توقف ايرادات ترانزيت النقل البري والبحري والجوي، وتوقف التصدير. 

عوامل سياسية وإدارية..

ثمة عوامل سياسية وإدارية ساهمت في انهيار الاقتصاد السوري والعملة المحلية كالعقوبات الاقتصادية على الدول الداعمة للنظام السوري، إيران أولاً ثم روسيا، إضافة إلى حالة عدم الاستقرار في كل من دول الجوار لسوريا “لبنان والعراق”، والعقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة على شخصيات رئيسية في النظام السوري، تعتبر أذرعه الاقتصادية، مثل رامي مخلوف، وسامر الفوز، ووسيم قطان.

إضافة إلى انحسار المال والتجارة بأيدي أمراء الحرب وقادة ميليشيات محلية مساندة للنظام، وهيمنتهم على مؤسسات الدولة والبنك المركزي والتي تعاني من الشلل، وعدم القدرة على اتخاذ القرار السيادي المناسب، وعدم قدرة المسؤولين على التصدي لمشكلة هبوط الليرة.

الصراع الأخير الذي بدأ بين رامي مخلوف أحد المقربين من نظام الأسد وحكومة الأخير إثر مطالبتها رامي مخلوف بالتنازل عن جزء كبير من شركاته وأبرزها شركة الاتصالات الخليوية “سيرتيل” لصالح الدولة، ساهم أيضاً في تثبت الانهيار الإقتصادي الحاصل في سوريا.

هل روسيا راغبة فيما يحصل بسوريا من تدهور اقتصادي؟

يقول الناشط الميداني في العاصمة دمشق أدهم الحسن: “كانت روسيا تقدم بعض المساعدات الإنسانية للشعب السوري خلال السنوات الأخيرة الماضية مع بدء تنامي حالة الفقر بين السوريين، إلا أنها منذ 6 أشهر أغلقت مراكزها ولم تعد تقدم أدنى مساعدة إنسانية للمواطنين، وتحديداً ذوي القتلى من قوات النظام”.

وعلى الرغم من أنها تسيطر على الموانئ البحرية السورية ومطار حميميم في اللاذقية التي تعتبر بوابة على العالم، وبإمكانها جلب كميات كبيرة من الغذاء والدواء، فإنها لم تحرك ساكناً أمام المجاعة التي بدأت تلاحق السوريين في الداخل وهذا دليل على أنها راغبة، والكلام على لسان أدهم الحسن.

كل ذلك مجتمعاً شكَّل أسباباً لانهيار الاقتصاد السوري الذي يعاني بالأساس منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011، والتي دفعت ملايين السوريين إلى اللجوء والنزوج بحثاً عن حياة ولقمة عيش كريمة.

عربي بوست

———————————

كورونا في المنطقة العربية: ضيق الحال وسعة القلوب../ محمد رامي عبد المولى

هناك “خيارات” سياسية واقتصادية واجتماعية فضح الوباء تبعات تجاهلها أو معاكستها. ففي المنطقة العربية كما في كل مكان، أثبتت جائحة كورونا أن توفير الصحة مرتبط بشكل وثيق بقطاعات أخرى: التعليم العام الجيد أولاً، والتمكن من استبقاء المتخصصين حيث هناك نزيف هجرة هائل للخريجين، السكن اللائق ثانياً، التغطية الاجتماعية التي توفرالعناية الصحية الجيدة والمجانية، الحق بالعمل كشرط لتأمين مستلزمات العيش والتغذية الخ.

يتحدث الكثيرون عن “عدالة” فيروس كوفيد-19 الذي يصيب الجميع بلا تمييز، لكنهم يتناسون أن هناك مناطق أكثر ضعفاً أمام الكوارث والطوارئ من غيرها، حتى وإن كان عدد المصابين فيها منخفضاً نسبياً. فالمنطقة العربية مثلاً (باستثناء بعض الدول) تعاني من عدة مشاكل بنيوية قديمة وجديدة، تجعلها مهددة لا فقط بخسائر بشرية كبيرة في حال تفشي الوباء، بل كذلك بعواقب اقتصادية واجتماعية وخيمة. أظهر كوفيد-19 مدى تدهور البنى التحتية الصحية في أغلب هذه البلدان، وكذلك هشاشة اقتصاداتها وحجم الدمار الذي خلفته عقود من الفساد والخيارات الفاشلة. ولكنه أظهر أيضاً أوجهاً جميلة مثل المبادرات الشعبية التضامنية، والبدائل الخلاقة لتعويض النقص فيما يلزم لمواجهة الوباء.

I- مجتمعات مرهقة زادتها الكورونا إرهاقاً

قبل الحديث عن آثار كورونا وتأثيراتها سيكون من المفيد أن نذكّر ببعض المعطيات الفصيحة. فلا يجب أن ننسى أن قرابة نصف البلدان العربية تعيش حالة حرب و/أو ضعف (وحتى غياب) الدولة المركزية أو انتفاضات شعبية اجتماعية – سياسية أو حصار أو احتلال: سوريا، اليمن، ليبيا، الصومال، العراق، فلسطين، الجزائر، لبنان.

تختلف مؤشرات التنمية البشرية، ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من دولة عربية إلى أخرى، لكن الكثير منها يحتل مرتبة متدنية، وأحياناً متدنية جداً على سلم الترتيب العالمي. وإذا ما استثنينا دول الخليج (حيث تتراوح نسب البطالة بين صفر وكسور وخمسة بالمئة) فإن بقية الدول تسجل- حسب أرقام البنك الدولي لسنة 2019- نسب بطالة رسمية تتراوح بين 9 و26 بالمئة. هناك أيضاً معضلة الاقتصاد غير المهيكل حيث تصل نسبة العاملين في قطاعاته إلى أكثر من 40 في المئة من مجمل السكان النشطين (بلا عقود تشغيل ولا تغطية اجتماعية)، دون احتساب الملايين الذين يعملون بشكل منظم، ولكن بأجور متدنية جداً. ولا يجب أن ننسى المعطى الرئيسي عندما يتعلق الأمر بوباء: مدى توفر الخدمات الصحية وجودتها.

البلدان العربية الأكثر ثراءً و/أو اعتناءً بقطاع الصحة توفر أقل من ثلاثة أسرّة استشفاء لكل ألف ساكن، وتنزل النسبة إلى أقل من 1 سرير في دول مثل اليمن. أما بالنسبة لعدد الأطباء لكل ألف ساكن فهو يتراوح ما بين 0.3 و 2.5. كل هذه المعطيات ضرورية لكي نفهم هشاشة الوضع في أغلب الدول العربية. هشاشة ستفاقمها الكورونا وستتعدد مظاهرها:

– نقص حاد في “عتاد” الحرب على كورونا:

تشكو أغلب الدول العربية – بشكل متفاوت – من النقص في مستلزمات الحماية الشخصية من العدوى (أقنعة وكمامات وبدلات خاصة ومحاليل كحولية للتعقيم والتطهير)، وأجهزة الاختبار ومختبرات فحص العينات والعتاد الطبي “الثقيل” اللازم للتكفل بالمصابين بفيروس كوفيد-19 الذين تتطلب حالتهم البقاء في المستشفى للمراقبة والإنعاش. ويفسَّر هذا النقص بسياسة مديدة وراسخة من عدم الاكتراث بمفهوم “الصحة العامة” كحق، ازدادت مع اعتماد “التعديلات الهيكلية” التي فرضها على الموازنات في معظم بلدان المنطقة صندوق النقد الدولي، وتدابير “التقشف” التي طالت خصوصاً القطاع العام في الصحة. ويصبح الأمر أكثر تعقيداً بالنسبة لأسرّة العناية المركزة وأجهزة التنفس الصناعي، والتي لا يفوق عددها الآلاف في أكثر الدول العربية ثراءً، وبضعة مئات في أغلب الدول، وعشرات في الدول الأفقر أو تلك التي دمرتها الحروب. وفي بعض الدول مثل تونس والمغرب ولبنان (في حدود 500 سرير) نجد أن عدد هذه الأسرّة في القطاع الخاص يساوي، أو يفوق تلك التي يوفرها القطاع العام.

ندرة كل هذه الأدوات والتجهيزات فتح الباب أمام الاحتكار وتضاعف الأسعار من جهة، والغش والفساد من جهة أخرى. فمثلاً قفزت أسعار الكمامات الواقية والمعقمات أضعافاً مضاعفة (عشر مرات في بعض البلدان) في لبنان ومصر والمغرب وتونس والجزائر والسودان وسوريا والقائمة تطول. وفتحت هذه الوضعية شهية بعض المؤسسات المختصة (وحتى غير المختصة) لتصنيع هذه المواد، ولإنتاج كميات كبيرة وتسويقها بأسعار مرتفعة، رغم أن الكثير منها غير مطابق للمواصفات. كما يتنافس العديد منها لعقد صفقات مع وزارات الصحة والصيدليات المركزية دون المرور بمسار الصفقات العمومية التقليدية.

وهناك نقص حاد في عدد الاطباء المتوفرين في أكثر من بلد، وبالاخص منهم العاملين في القطاع الصحي العام. ولأن مصر تواجه تهديداً بان تتحول كورونا الى جائحة في البلاد، يقترح الرئيس السيسي تأهيل الصيادلة “بسرعة” لسد النقص في عدد الاطباء! بينما نعلم ان هناك 70 ألف طبيب مصري يعملون في السعودية وحدها، وأن المسجلين في نقابة الأطباء يبلغ تعدادهم 220 ألف طبيب يوجد منهم 120 ألفاً خارج مصر. وفي العام الفائت وحده، وكذلك الذي سبقه، سجلت هجرة 800 طبيب تونسي متخرج حديثاً من البلاد. ويصح الأمر نفسه على الجزائر والمغرب والعراق وسوريا ولبنان الخ..

– حجر صحي يهدد قوت الناس

كثيراً ما تطالعنا مقالات ودراسات عن فوائد الحجر الصحي، والبقاء في البيت مع ما تتيحه من فرصة للتأمل والقراءة ومشاهدة الأفلام وتناول طعام صحي والتمتع بصحبة العائلة وإعادة التفكير في مفهوم الوقت والزمن. وقد يكون كل هذا صحيحاً، لكنه لا يصّح على الكل. فالبقاء في البيت دون الخوف من المستقبل (على الأقل القريب) هو ترف لا يقدر عليه الجميع. تجمّع العائلة لأشهر دون خروج قد يصبح جحيماً عندما يكون “البيت” مكوناً من غرفة أو غرفتين تأويان عدة أنفار، وعندما تكون غرفة الجلوس هي أيضاً غرفة النوم والطعام. وليس لكل الناس ثروات ومدخرات وأعمال ثابتة، تجعلهم يصبرون على الحجر ويتعاملون معه كعطلة.

الكثير من المجتمعات العربية يشكل فيها العمال المياومون والمشتغلون في قطاعات الاقتصاد غير المهيكل أغلبية من هم في سن العمل، ناهيك عن المتبطلين في أغلب أوقاتهم. حتى العمال والموظفون المرسمون في القطاع الخاص يخافون من إفلاس المؤسسات التي تشغلهم، أو إغلاق أبوابها لفترات طويلة. أصحاب المحلات التجارية والخدماتية الصغيرة، وكذلك الحرفيون هم أيضاً يخافون من تبعات الركود الاقتصادي، وتدني المقدرة الشرائية لحرفائهم.

ورغم اتخاذ أغلب الدول العربية لبعض التدابير التي تخفف من أزمة الفئات الاجتماعية الأكثر تضرراً، فإن الخوف باقٍ ويتزايد. فالإجراءات الحكومية في أغلب الأحيان غير كافية، إذ أن قيمتها متدنية (ما بين 50 و150 دولار في أغلب الدول العربية) لا تتناسب مع واقع الأسعار وتكلفة المعيشة، ولا تشمل كل مستحقيها نظراً لعدم تحديث قواعد البيانات الخاصة بالسكان وحالتهم العائلية والمهنية والمادية. وتزداد الأمور سوءاً في البلدان التي يحضر فيها الاقتصاد الموازي بشكل قوي وحتى مهيمن. هذا الخوف من الفقر الحاضر والجوع المستقبلي، دفع العديدين من الباعة المتجولين والحرفيين وبعض أصحاب المحلات في عدة مدن عربية إلى كسر الحجر والخروج لكسب القوت، فيما يشبه لعبة “غميضة” مع السلطات تتطور أحياناً إلى مناوشات وإيقافات وغلق محلات ومصادرة لأدوات عمل وحتى وسائل نقل. وهكذا تجد بعض الفئات نفسها محشورة بين طبقات من الخوف: الوباء والفقر وعنف السلطة. وقد وقعت عدة تظاهرات احتجاجية في لبنان الذي يعاني فوق الوباء من انهيار اقتصادي، وكذلك يهدد الوضع في العراق بانفجار جديد للاحتجاجات.

– النساء: الخاسر الأكبر؟

حسب كثير من الإحصائيات أوردتها دول مختلفة، عربية وغير عربية، فإن الذكور هم الأكثر عرضة للإصابة بوباء كوفيد-19. هذا على المستوى الصحي، أما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي فقد تكون الضريبة التي تدفعها النساء أعلى. فمن الناحية الاقتصادية ستنعكس المصاعب على المرأة سواء إن كانت تعمل أو مرتبطة مادياً برجال العائلة. إن فقدت عملها، فستفقد استقلاليتها المالية التي لا توفر لها فقط حاجياتها المادية، بل تمنحها نوعاً من المكانة الاجتماعية والحماية من الإذلال. وإن كانت بلا عمل وفقد “معيلها” مصدر رزقه، أو تراجع دخله فستصبح حياتها وحياة أطفالها أصعب. نستذكر هنا “بائعات الشاي” في السودان، وبائعات الكسكس في موريتانيا وبائعات الخبز والسندويشات والفطائر والحلويات الرخيصة وغيرها من “السلع” في الأسواق الشعبية في عشرات المدن العربية. والخطر يمس أيضاً قوت ملايين العاملات التونسيات والمغربيات والمصريات اللواتي تعملن في مؤسسات قطاع الصناعات الخفيفة (نسيج، صناعات غذائية، تعليب، الخ…) والتي قد يتعطل نشاطها لأشهر وتسرح عاملات، أو تغلق أبوابها بسبب نقص الطلبيات وتوقف حركة التصدير والاستيراد.

ملازمة النساء لبيوتهن رفقة أزواجهن لمدة طويلة لا يعني في الكثير من الأحيان المزيد من القرب والحب بل قد يتحول إلى جحيم عنيف. الكثير من الدول العربية (وهي ليست استثناءً في العالم) سجلت ارتفاعاً كبيراً في عدد النساء المعنفات منذ منتصف شهر أيار\ مايو الفائت. في تونس مثلاً تؤكد منظمات نسوية مثل “جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية” أن عدد المبلغات عن تعرضهن للعنف تضاعف خمس مرات مقارنة. وفي المغرب دفعت هذه الظاهرة منظمات نسوية لإطلاق حملة “عاون بلادك وخليك فدارك بلا عنف” للضغط على السلطات ومحاولة التأثير في الرأي العام، وكثفت من خلايا الإنصات للنساء المتعرضات للعنف. أما لبنان فلقد تضاعف -مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية- عدد المكالمات الواردة على الخط الساخن المخصص لتلقي شكاوى النساء المعنفات. نفس الشيء في الأردن حيث نبه “اتحاد المرأة الأردنية” إلى تفاقم حالات العنف المسلط على المرأة منذ الأيام الأولى لفرض الحجر الصحي.

– المنسيون

حال الفقراء عندما يكونون في أوطانهم ومدنهم الأصلية برفقة عائلاتهم تبقى أفضل من حال عدة فئات أخرى متجاهلة في زمن “الخير” ومنسية في زمن الوباء. فمثلاً يجد آلاف الطلبة العرب أنفسهم عالقين في دول أجنبية يدرسون فيها بلا أمل في أن تدعمهم دولهم الأصلية مادياً أو تجليهم. كما ظهرت في بعض البلدان كتونس وموريتانيا والمغرب مشكلة المواطنين من العمال المهاجرين الذين يشتغلون في دول مجاورة، ويريدون العودة إلى بلدانهم عبر الحدود البرية، لكن المعابر الحدودية أغلقت في وجوههم بمقتضى تدابير الحجر الصحي. تكدس المئات من التونسيين على الحدود الليبية – التونسية طيلة أسابيع بانتظار موافقة السلطات حتى عيل صبرهم واخترقوا البوابات، وعلى الحدود الموريتانية – السينغالية يعلق الكثير من الموريتانيين الراغبين في العودة إلى بلدهم وبعضهم ينجح في التسلل.

أغلب الدول العربية التي تحتضن أراضيها مخيمات لاجئين (فلسطينيين وسوريين وعراقيين وجنسيات أخرى) تركتهم لأنفسهم ولرحمة المنظمات الأممية وغير الحكومية. وفي بعض البلدان العربية مثّل انتشار الوباء وإعلان الحجر الصحي ضربة قاسية لفئة المهاجرين الفقراء و/أو الذين لا يملكون أوراق إقامة. يتعلق الأمر أساساً بأفارقة جنوب الصحراء في دول المغرب العربي، والآسيويين في دول الخليج. فعدد كبير منهم لم يعد قادراً على توفير حاجياته، ولا يستطيع التوجه إلى السلطات الرسمية خوفاً من الملاحقة القانونية أو لأن قوانينها تمييزية ضد المهاجرين. وأغلبهم يقتسم السكن مع عدد كبير من الأشخاص مما يصعّب مسألة الحجر الصحي والتوقي من العدوى.

II- مبادرات تضامنية متعددة الأشكال

منذ الأيام الأولى لانتشار الفيروس في الدول العربية، وخاصة مع تتالي قرارات الحجر الصحي التي تختلف درجة صرامتها من بلد إلى آخر، تبيّن للناس مدى هشاشة الوضع وخطورته. وفهموا (البعض منهم على الأقل) أنه لا مناص من التضامن لعبور المرحلة بأخف الأضرار. تتالت المبادرات الخيرية والتطوعية بشكل سريع مما يجعل إحصاءها وحصرها أمراً مستحيلاً. بعض أشكال هذا التضامن قديم وسابق للكورونا مثل التآزر العائلي والعشائري والقبلي وحتى المناطقي والطائفي. وبعضها “كلاسيكي” بمعنى أنه بمبادرة من جمعيات ومنظمات عمل خيري وإغاثة، محلية أو دولية، تعمل بشكل مستمر منذ سنوات ولديها الخبرة والإمكانيات للتدخل بسرعة وفعالية. أكثر المبادرات شيوعاً هي تلك التي تعنى بجمع وتوزيع مساعدات عينية من غذاء وأدوات حماية ومواد تطهير وتنظيف. وهناك أيضاً مبادرات جديدة ولدت مع تفشي الفيروس وهي التي اخترنا أن نسلط الضوء عليها.

– تطوع شبابي في الحياة اليومية

في تونس مثلاً لعب الشباب، وما زال، دوراً كبيراً في التوعية بوجوب التوقي من فيروس كورونا، وفي تخفيف آثاره الاجتماعية والاقتصادية. فضلاً عن حملات التعريف بالمرض وسبل الحماية منه، بادر العديد منهم، بالتعويل على جهودهم الخاصة أو بالتنسيق مع أجهزة حكومية ومكونات المجتمع المدني، إلى القيام بحملات تعقيم للشوارع والمباني، وتنظيم صفوف المواطنين أمام وداخل الإدارات والفضاءات التجارية الكبيرة ومحطات النقل للحفاظ على مقتضيات التباعد الجسدي. أما في السودان فلقد اعتبر شباب “لجان المقاومة” التصدي للفيروس وآثاره الاجتماعية معركة جديدة، فنظموا حملات توعية وحاولوا التصدي لمحتكري مواد التعقيم والتطهير عبر التنسيق مع مبادرة “اللجنة المركزية للصيادلة” وتوزيع مئات آلاف العبوات مجاناً على المواطنين، كما ساهموا في حصر عدد الأسر الأكثر حاجة للمساعدات الغذائية. وفي الصومال، ساهم طلبة من جامعة مقديشو في تنظيم حملة “درهم وقاية خير من قنطار علاج” الناشطة في المناطق الأكثر فقراً وعرضة لتفشي المرض مثل التجمعات السكانية الكبيرة ومخيمات النازحين المتاخمة للعاصمة. وهم لا يكتفون بالتوجه إلى مناطق خطرة ومخاطبة سكانها وتوعيتهم، بل يوزعون الأدوات الأساسية للحماية الفردية والجماعية مثل الصابون وعبوات التعقيم ومواد التنظيف المنزلية. وكذلك في الكثير من القرى المصرية الفقيرة والمتروكة لنفسها في الأزمة، يقوم الشباب بدور حيوي فيتولون -بإمكانيات بسيطة، وبلا دعم حكومي في الكثير من الأحيان – تعقيم الشوارع وتوعية الأهالي بماهية الوباء ومخاطره وسبل الحماية منه، بل ويساهمون أيضاً في تنظيم الحياة اليومية، وإيجاد الحلول للتزود بالسلع الغذائية وغيرها بأسعار مقبولة. وتميزت مبادرات الشباب في قطاع غزة بالمثابرة وبالإبداع، بناءً على وجود وعي حاد بأنوضع القطاع المحاصر منذ 14 عاماً، والذي تعرض لحروب اسرائيلية تدميرية متوالية سيكون كارثياً إذا لم يتم استباق انتشار الوباء من ناحية، ودعم شروط حياة السكان من ناحية ثانية، الذين يبلغ مستوى الفقر بينهم نسبة 70 في المئة.

الشباب من الأطباء والممرضين كانوا في الصفوف الأولى للمتطوعين في المستشفيات، وللعاملين في الأقسام والمسارات التي خصصت لاستقبال وفحص وعلاج المصابين بمرض كوفيد-19، فمثلاً نجد أن هؤلاء الشباب من أطباء الجامعة اللبنانية الرسمية (الجامعة الوحيدة المجانية في لبنان وتسمى “جامعة الفقراء”، ولكن مستوى كلية الطب فيها ممتاز) وممرضيها كانوا أول من ركّز خلية استقبال وإرشاد للمشتبه بإصابتهم بالفيروس في مستشفى رفيق الحريري الجامعي والمجاني في لبنان، بل وقاموا بعلاجهم في بلد يتغول فيه القطاع الطبي الخاص الذي لا تقوى على تحمل كلفته الأغلبية الساحقة من المواطنين.

– مبادرات تضامن مخصصة لفئات معينة

في السودان تسببت إجراءات الحجر الصحي وحظر التجوال في حرمان عشرات آلاف السيدات -جزئياً أو كلياً- من مورد رزقهن المتمثل في بيع الشاي في الشوارع، فنشأت مبادرة ” خليك ببيتك وقروشك تصلك لحد عندك” لجمع تبرعات تعوض بعض خسائر “ستات الشاي” كما تُسميّن في السودان، وهناك حتى من تبرع لهن بالمال الذي كان سيخصص لحفل زفافه. أما في بعض مناطق لبنان فلقد نظمت حملة “نحنا حدّك” لدعم سائقي سيارات التاكسي، وهم من الفئات التي تضررت كثيراً من الحجر الصحي. كما تشكلت أطقمٌ من الشباب لإجراء إحصاء للعائلات المحتاجة في مدينة طرابلس وهي أفقر مدن البلاد، التي تفتقد إلى المعلومات والإحصائيات الفعلية، تمهيداً لتوزيع المساعدات الرسمية أو التبرعية عليهم.

بعض المواطنين ليسوا بحاجة إلى التبرعات، لكنهم يجدون صعوبة في الخروج للتسوق وحتى الحصول على أدويتهم، ففي مدينة “تطوان” المغربية مثلاً (وكذلك في عدة مدن مصرية) تطوع الكثيرون للتسوق بدلاً عن الأشخاص المسنين والعاجزين والمرضى ضعيفي المناعة، ووضعوا أرقام هواتفهم على ذمة كل من يستحق العون.

وفي مصر تجندت عدة مطاعم لتقديم وجبات مجانية للعاملين في المستشفيات القريبة منها دعما ل”الجيش الأبيض” في معركته مع كوفيد-19، وكذلك للمارة ممن لا يجدون الرغيف. وفي تونس أيضاً تعددت المبادرات الشبيهة، فلقد نسقت عدة جمعيات ومبادرات أهلية مع أصحاب مطاعم لتوفير آلاف الوجبات يومياً للعاملين في قطاعات الصحة ورفع الفضلات، وكذلك للطلبة الأجانب والعمال المهاجرين خاصة الوافدين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.

– مبادرات مهنيي وطلبة قطاعات الصحة

في عدة دول عربية بادر أطباء وحتى ممرضون وطلبة الاختصاصات الطبية وشبه الطبية، باستغلال منصات التواصل الاجتماعي وتقنيات الاتصال بالفيديو، لتقديم معلومات حول فيروس الكورونا، والطرق العلمية الصحيحة للتوقي منه، وكذلك إرشاد المشتبه في إصابتهم بالعدوى. في العراق مثلاً نشأت عدة صفحات فيسبوك يضع عليها الأطباء المتطوعون أرقام هواتفهم لمن يحتاج إلى استشارة طبية عاجلة ومجانية في عدة اختصاصات. وفي المغرب أطلق أطباء مبادرة “شفاء” التي تقوم ببث فيديوهات توعويّة وإخبارية، كما تنظم جلسات حوار مباشرة مع المختصين.

وهناك أيضاً الدعم النفسي، وهو مهم جداً للمواطنين مع طول مدة البقاء في البيت وتعطل الحياة الاجتماعية، ويشمل حتى الأطباء أنفسهم. ففي مصر مثلاً أطلق أخصائيون نفسيون مبادرة ” الدعم النفسي للطواقم الطبية”. وللصيادلة ومحضري الأدوية والعقاقير نصيب في هذه المبادرات التطوعية، ففي السودان مثلاً لم تكتفِ “اللجنة المركزية للصيادلة” بتصنيع كميات كبيرة من المعقمات مجاناً (بالتعاون مع نقابة الأطباء وشباب الثورة السودانية)، بل استطاعت التغلب على صعوبات مثل عدم توفر بعض المواد اللازمة للتصنيع أو ارتفاع ثمنها، وعوضتها بتركيبات أقل تكلفة وبنفس الفاعلية والخصائص.

– مبادرات المهندسين والتقنيين والمختصين في التكنولوجيا

الكثير من خريجي وطلبة مدارس الهندسة والمعاهد التقنية وغيرهم شمّروا عن سواعدهم وحاولوا أن يقدموا البدائل لتوفير وسائل الوقاية من الفيروس والتجهيزات الطبية. ففي المغرب مثلاً أطلق مهندسون تجربة “الهندسة في مواجهة كوفيد-19 أفريقيا” بالتنسيق مع مهنيي الصحة وأساتذة من جامعات الدار البيضاء وطنجة، فطوروا نماذج أقنعة تحمي كامل الوجه ومكونات لأجهزة تنفس اعتماداً على السوق المحلية وعبر استغلال مكونات أقنعة وتجهيزات الغطس. وفي تونس أطلق طلبة مدارس الهندسة تحدياً لصنع نماذج أجهزة تنفس اصطناعي بإمكانيات محلية مع الحرص على الجودة والدقة، وفعلاً استطاع طلبة “المدرسة الوطنية للمهندسين بسوسة” تطوير نموذج حاز على مصادقة وزارة الصحة. وبرهنت غزة المحاصرة مرة أخرى على قوة عزيمة أبنائها وقدرتهم على استنباط الحلول، فتجندوا وتكاتفوا وتعددت مبادراتهم واختراعاتهم. بعضهم طور خوارزميات وتطبيقات لتتبع المصابين وحصر عدد الأشخاص المخالطين لهم، وهناك من عمل على تصنيع أجهزة التنفس رغم شح التجهيزات والمكونات الضرورية، وآخرون حاولوا إيجاد حلول لمشكلة النقص في أجهزة الفحص وأخذ العينات والمختبرات عبر استعمال برمجيات متطورة قادرة على تشخيصحالات الإصابة بدقة تناهز نسبتها 80 بالمئة.

● كل هذه المبادرات (وهذه هنا عينة صغيرة جداً) محمودة ومطلوبة، لكن هل يمكن التعويل عليها إلى ما لا نهاية؟ العديد من الخبراء يقولون أن الآثار الاقتصادية للوباء ما زالت لم تظهر بعد، وأن أصعب الأيام لم نعشها بعد، مما يعني أن الكثيرين ممن يتبرعون ويتضامنون اليوم قد لا يكون بإمكانهم الاستمرار في ذلك، بل وقد يصبح جزء منهم في حاجة إلى المساعدة والتضامن. ماذا ستفعل الدول حينها؟ هل ستفرض ضرائب استثنائية على الطبقات الأكثر ثراءً؟ هل ستتوقف عن سداد ديونها للمؤسسات المالية الدولية وتسترد أموال الشعب من الفاسدين والمتهربين ضريبياً؟

● أثبتت جائحة كورونا أن توفير الصحة مرتبط بشكل وثيق بقطاعات أخرى تبدو في الظاهر غير ذات صلة: التعليم العام الجيد أولاً، والتمكن من استبقاء المتخصصين ومنهم الأطباء والممرضين في البلاد حيث هناك نزيف هجرة هائل للخريجين بسبب سوء أجورهم أوحتى تبطلهم، السكن ثانياً وتوفر شروط حد أدنى لائقة ومنها تلك التي تخص النظافة ومساحات العيش، التغطية الاجتماعية التي تسمح لكل إنسان بالأمل بالعناية الصحية الجيدة والمجانية، العمل الذي يسمح لكل إنسان بتوفير مستلزمات العيش والتغذية الخ. وهذه “خيارات” سياسية واقتصادية واجتماعية فضح الوباء تبعات تجاهلها..

_____________

“شبكة المواقع الإعلامية المستقلة ” هي إطار تعاون إقليمي تشارك فيه “السفير العربي”، “الجمهورية”، “مدى مصر”، “مغرب امريجان”، “ماشا الله نيوز”، “نواة”، “حبر” و”أوريان XXI”.

هذا المقال هو مساهمة “السفير العربي” في ملف مشترك أنجز في إطار نشاط “شبكة المواقع الإعلامية المستقلة حول العالم العربي”.

————————

=======================

======================

تحديث 21 أيار 2020

—————————-

إدلب الأكثر عجزاً وهشاشةً في مواجهة “كورونا

مع وجود نقاط التفتيش العسكرية وآلاف المقاتلين المسلحين وملايين اللاجئين وحياة يومية مُدمرة، باتت إدلب السورية المكان الأكثر عجزاً وهشاشةً على وجه الأرض في مواجهة فايروس “كورونا”.

حصد كوفيد-19 بالفعل أرواح ما يقرب من 180 ألف شخص حول العالم وتسبب في معاناة الملايين. وقد واجهت حتى أكثر المجتمعات ازدهاراً وأفضل أنظمة الرعاية الصحية صعوبة في مجاراة الأمر. ربما تُعد محافظة إدلب السورية واحدة من أكثر الأماكن هشاشة وأشدها ضعفاً على وجه الأرض. وأصبحت المدينة، التي تأوي حوالى مليوني لاجئ من مختلف أنحاء سوريا والمدمرة بفعل حرب مستمرة منذ 9 سنوات والتي تعج بنقاط التفتيش وتحتشد على أراضيها قوات عسكرية من بلدان كثيرة، وجماعات محلية مسلحة، في حالة فزع تحسباً لتفشي وباء لا يرحم.

منطقة خالية من كوفيد-19

إلى الآن، كان عزل المحافظة التي لا يحلق في سمائها الطيران المدني ويصعب أيضاً السفر براً عبر أراضيها في صالحها. فحتى 23 نيسان/ أبريل، لم تُسجل إصابات جديدة بها. علاوة على ذلك، ساعد الفايروس في تحقيق اتفاق هشٍ لأكثر من شهر حتى الآن، إذ تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار بين تركيا وروسيا في 5 آذار/ مارس، وذلك بعد عملية عسكرية واسعة استمرت أكثر من شهرين قادتها قوات النظام السوري بدعمٍ من روسيا ضد المعارضة المسلحة في إدلب.

وثقت قلة قليلة باتفاق وقف إطلاق النار هذا، فقد كان القتال عنيفاً للغاية ولم يدم وقف إطلاق النار السابق سوى لبضعة أيام فحسب. لكن الآن أصبحت جميع الجهات الفاعلة الخارجية منشغلة في مكافحة الجائحة، وعلى رغم انتهاك وقف إطلاق النار مرات عدة، بات سكان إدلب يخلدون إلى النوم في هدوءٍ للمرة الأولى منذ كانون الأول/ ديسمبر من عام 2019 ويتمتعون بسماءٍ صافية دون مقاتلات عسكرية تحلق فوق رؤوسهم.

وفقاً لمنظمات الإغاثة، بدأ آلاف السوريين الذين يعيشون في مخيمات اللجوء بالقرب من الحدود التركية العودة إلى بيوتهم أو بالأحرى أطلال بيوتهم المهدمة في إدلب. تصور بعض أولئك المهجرين أن وقف إطلاق النار قد يستمر لفترة من الوقت، ولهذا أرادوا أن يكونوا بالقرب من منازلهم قبل بداية رمضان. في حين قرر آخرون العودة لإدراكهم أنه عندما يصل الفايروس إلى المخيمات المكتظة باللاجئين لن تتوافر وسائل وقاية من الوباء في ظل هذا الاكتظاظ مع غياب الحد الأدنى من الأوضاع المعيشية المقبولة.

إذا ما وصل كوفيد-19 إلى إدلب، سيكون من الصعب للغاية تقديم المساعدة للسكان. فقد قُصفت مستشفيات المدينة بل وحتى مراكز الإسعاف الأوليّ، إضافة إلى أن بعض الاحتياطات الأساسية مثل العزل الذاتي وغسل اليدين باستمرار، هي ببساطة إجراءات غير ممكنة في ظل أوضاع المخيم.

عالقون في المنتصف

أصبح سكان إدلب المدنيون محاصرين بين أطراف النزاع المتناحرين بشراسة.

فمن ناحية، تحاول قوات النظام التابعة لبشار الأسد استعادة سيطرتها على المحافظة بدعمٍ من القوات العسكرية الروسية التي تشارك بكثافة في العمليات الجوية والبرية، وبدعمٍ أيضاً من قوات مسلحة موالية لإيران.

ومن ناحية أخرى، توجد جماعات مختلفة من المعارضة المسلحة، معظمها متطرفة تسيطر حالياً على المدينة. ومن بينها جماعات كثيرة تعتبرها بلدان عدة، وأيضاً الأمم المتحدة، متطرفة.

ومن ناحية ثالثة، تدخل تركيا في تحالفٍ مع جماعات المعارضة السورية المسلحة الموالية لها، محاولةً الحفاظ على نفوذها في مناطق في إدلب لا تخضع لسيطرة النظام السوري، وسعياً أيضاً إلى وقف تدفق موجة اللاجئين الكبيرة المحتملة إلى أراضيهم.

استقبلت تركيا بالفعل ما يزيد عن ثلاثة ملايين و600 ألف لاجئ سوري، وبسبب الوضع الاقتصادي المتدهور في البلاد وتغيُّر الرأي العام، باتت تركيا ببساطة في وضع لا يسمح لها باستقبال موجة جديدة من اللاجئين. وعلى ما يبدو فإن حكومة أردوغان تأمل مستقبلاً بإعادة توطين ولو جزء على الأقل من السوريين المقيمين حالياً في تركيا في إدلب تحت حمايتها.

في 27 شباط/ فبراير، هاجمت القوات السورية مواقع عسكرية تركية، ما أودى بحياة عشرات الجنود الأتراك. ورداً على ذلك، أطلقت تركيا عملية درع الربيع، ووفقاً لأنقرة فقد أبادت تركيا آلاف الجنود السوريين ودمرت مئات المعدات العسكرية والأسلحة.

وفي خضم هذه المعركة، يحاول المدنيون النجاة بأرواحهم. وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة يسكن إدلب حالياً ما يزيد عن 3 ملايين مدني. وليس لديهم ببساطة مكان للفرار إليه؛  فالحدود مع تركيا مغلقة ولا يملكون المال اللازم للرحيل إلى مكان آخر ويخافون من الانتقال إلى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام.

يحظى النظام السوري بصيت مروع، فقد قُتل عشرات الآلاف أو عذبوا حتى الموت خلال احتجازهم، مع تنفيذ عمليات قصف واسعة النطاق على السكان المدنيين واللجوء إلى التجويع باعتباره من وسائل الحرب، ناهيك بالانتهاكات الجسيمة الأخرى. ويعرف الناس في إدلب هذه الممارسات بصورة مباشرة (في كل عائلة فرد واحد على الأقل عانى من تلك الممارسات). وهذا بالطبع لا يساعد في بناء الثقة في الحكومة الحالية.

الوضع الراهن في إدلب

تُعد إدلب آخر معاقل المعارضة السورية المسلحة. عندما فرضت قوات النظام السوري، بمساعدة روسيا، سيطرتها على المناطق الأخرى التي كانت خاضعة للمعارضة في سوريا، تم توفير ممرات إنسانية لكل من يرغب في الرحيل، وكان من بين هؤلاء أعضاء في جماعات المعارضة المسلحة وأفراد من عائلاتهم وأيضاً مواطنون مدنيون معارضون لم يرغبوا في البقاء في مناطق خاضعة لسيطرة النظام.

تمتلك المجموعات المسلحة الكثيرة في إدلب توجهات أيديولوجية مختلفة وغالباً ما تتصارع مع بعضها بعضاً. منذ منتصف عام 2017، أصبح اتحاد الجماعات المتطرفة المعروف باسم “هيئة تحرير الشام” -(وهو تنظيم محظور في روسيا) ومُصنف على أنه منظمة إرهابية من قبل دول عدة ويُعتبر تابعاً لتنظيم القاعدة (المحظور في روسيا)- هو القوة المهيمنة في إدلب، لكن الهيئة نفسها تنفي ذلك. تهيمن الهيئة أيضاً على حكومة الإنقاذ السورية (المحظورة أيضاً في روسيا)، التي تدير المدينة فعلياً.

 وفي إطار “محادثات أستانا”، تولت تركيا مهمة نزع سلاح الجماعات المتطرفة في إدلب التي تُعد إحدى “مناطق خفض التصعيد” التي ينص الاتفاق على إنشائها.

هناك اعتقاد سائد في روسيا مفاده أن جميع المقيمين في إدلب يدعمون المجموعات المتطرفة الدولية. لكن هذا ليس هو الحال. جميع السوريين الذين حاورتهم في إدلب هم معارضون لحكومة بشار الأسد لكنهم في الوقت ذاته لا يدعمون المجموعات المتطرفة، مثلهم مثل معظم السكان. على سبيل المثال، قصفت “هيئة تحرير الشام” وغيرها من الجماعات المتطرفة المسلحة مراراً ومن دون تمييز، أحياءً مدنية. ما يحدث هو أن تلك الجماعات تشن هجمات على المناطق الخاضعة للنظام، موقعة ضحايا في صفوف المدنيين وهو ما يشجع الحكومة على تنفيذ عمليات انتقامية عشوائية، ويؤدي هذا بدوره إلى معاناة المدنيين في إدلب.

وفقاً للجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، تؤثر أنشطة هيئة تحرير الشام تأثيراً بالغاً في حياة السكان المدنيين. تتحكم “هيئة تحرير الشام” في فرصة الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية والتعليم، كما أدى وجودها إلى مغادرة منظمات الإغاثة الدولية للمنطقة، والتي تُعد مساعداتها بالغة الأهمية للسكان، نظراً لأن اقتصاد المحافظة يكاد يكون مدمراً بالكامل. وفضلاً عن ذلك، أدت مساعي “هيئة تحرير الشام” إلى خلق سلطة مركزية -في قرية كفر تخاريم على سبيل المثال- إلى رفع أسعار الخبز والوقود، وتسببت الضريبة التي فرضتها الهيئة على إنتاج زيت الزيتون في اندلاع تظاهرات في المدينة. ونتيجةً لذلك، هاجمت الهيئة المتظاهرين،  ما أسفر عن مقتل ثلاثة وإصابة 10 آخرين من بينهم مراهق.

تضطهد “هيئة تحرير الشام” معارضيها والنشطاء والصحافيين وتروعهم وتعذبهم وتقتلهم.

تمكنتُ من مقابلة أحد هؤلاء الصحافيين في إسطنبول. وقال لي، “لا يمكنني العودة إلى إدلب. لقد انتقدت تنظيم القاعدة في الإعلام وفجرَّوا منزلي، وحتى الآن لا يمكنني الذهاب إلى هناك”.

وفي 2018،  قُتل رائد الفارس الصحافي والناشط الشهير المدافع عن حقوق المرأة في محافظة إدلب. وكان رائد قد انتقد بشدة ديكتاتورية كلٍ من بشار الأسد والتنظيمات المتطرفة التي تتخذ من سوريا مقراً لها. ونتيجةً لانتقاد رائد جبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة في سوريا والمحظور في روسيا)، اختطف رائد وتعرض للتعذيب، لكنه واصل عمله حتى 23 تشرين الثاني/ نوفمبر، عندما أطلق عليه مسلحون النار هو وصديقه.

احتج سكان إدلب أكثر من مرة ضد “هيئة تحرير الشام”، لكن الجماعات المتطرفة المسلحة أصبحت اليوم أقوى من السكان المحليين الذين أنهكتهم الحرب.

العمليات العسكرية في شتاء 2019/ 2020

بدأت المرحلة الثانية من هجمات الجيش السوري العربي على إدلب بدعم من القوات الجوية الروسية في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2019. ونُفذت المرحلة الأولى من عملية فجر إدلب في الفترة ما بين نيسان/ أبريل وآب/ أغسطس 2019.  وفقاً لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، لقي 1089 مدنياً على الأقل مصرعهم من بينهم 304 أطفال، بين 29 نيسان و29 آب. ومن بين هذا العدد 1031 شخصاً قتلوا جراء قصف القوات الحكومية وحلفائها، بينما لقي 58 حتفهم على يد الجماعات المسلحة. وقد نشرت صحيفة “نوفيا غازيتا” الروسية عن تلك العملية في تقاريرها السابقة.

بدأت الهجمات الجديدة باستهداف مراكز الجماعات المتطرفة المسلحة في قرية أم جلال جنوب شرق المحافظة. وخاضت الجماعات المتمردة المسلحة معارك ضارية ضد الجيش السوري، دفاعاً عن القرى الواقعة جنوب مدينة معرة النعمان، وسعى الجيش السوري إلى السيطرة على قطاع كبير من الطريق السريع الاستراتيجي الذي يصل بين حماة وإدلب إلى جانب جزء من منطقة جبل الزاوية.

وفي اليوم التالي مباشرةً، اتجه الآلاف إلى الحدود التركية فراراً من القصف. وبعد أسبوع من القصف، تحولت معرة النعمان إلى مدينة أشباح شوارعها خالية إلا من أنقاض المنازل. وفي ضواحي المدينة، تشكلت صفوف من السيارات تمتد لكيلومترات متعددة.

بحلول 22 كانون الأول/ ديسمبر، أُطلقت حملة عسكرية شاملة تضمنت قصفاً كثيفاً على قرى ومناطق ريفية في محافظة إدلب. 

شهادات

يقول يزن، أحد سكان إدلب، الذي غادر سوريا منذ شهرين ويعيش الآن في تركيا، “لا يدخل الجيش المدينة مباشرةً،  بل يدمر المنطقة أولاً، وتتساقط القذائف فعلياً كل دقيقة. يفر الناس،  وبعد مغادرة جميع السكان، يدخل الجيش القرى”.

وتقول لبنى القنواتي، وهي ناشطة تعمل في منظمة مدافعة عن حقوق المرأة، “عندما يبدأ القصف، كانت القذائف تنهال فوق رأسي كالمطر، كان قصف كالجحيم. كان لدينا فرق محلية على الأرض، جميعها من النساء، واضطررنا إلى إجلائها بطريقة ما. كان ذلك رعباً حقيقياً”.

وفي كانون الثاني/ يناير، كانت تظهر معلومات تفيد بمقتل مدنيين كل يوم تقريباً. وفقاً لـ”هيومن رايتس ووتش”، أطلقت القوات الحكومية قذيفة باليستية محملة بقنابل عنقودية في الأول من كانون الثاني. وسقطت هذه القنابل على مدرسة، ما أسفر عن مقتل 12 مدنياً، بينهم 5 أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 و13 سنة. أصيب أيضاً 12 طفلاً ومدرسهم أثناء هجوم على مدرسة في مدينة سرمين. وفي 11 كانون الثاني، لقي 17 شخصاً حتفهم وأصيب 40 أثناء قصف شنته الطائرات الحربية السورية، وفقاً لمنظمات معنية بحقوق الإنسان ومصادر إعلامية.

في 23 كانون الثاني، شن المتمردون هجمات على القوات الحكومية في منطقة خفض التصعيد جنوب شرقي إدلب وقتلوا حوالى 40 جندياً سورياً. رداً على ذلك، أطلق الجيش السوري في 26 كانون الثاني عملية عسكرية للسيطرة على القطاع الغربي من محافظة حلب، ما أدى إلى موجة جديدة من النزوح، ففي ظل استمرار القصف اندفع آلاف المدنيين إلى الحدود التركية.

يقول مصطفى، أحد أبناء كفرنبل الذي وصل إلى تركيا مع أسرته بعد بدء العملية الأخيرة في إدلب، “تقصف الطائرات المستشفيات والأسواق والمدارس، فهم يريدون إثارة الخوف لدى الناس قبل أن يحكموا سيطرتهم”. 

ويضيف يزن، “كنا نعيش في طبقة يقع نصفها تحت الأرض. فقد أحجم الناس عن العيش في الطبقات المرتفعة، وأصبحوا يعيشون في الأقبية أو الطبقات الأولى. لم تكن في منازلنا نوافذ زجاجية لفترة طويلة، كنا نصنع النوافذ من مواد لا تنكسر عند الاصطدام مثل الزجاج. وأخيراً، قمت بتغيير زجاج النوافذ على الأقل 50 مرة، إذ أضطر إلى تغييره بعد كل غارة جوية. ومنذ أول يوم في حياة ابني البالغ 3 أشهر، وهو معتاد على القصف. فقد بدأ القصف فور ولادته، وتحتمت علينا مغادرة المستشفى بسرعة”.

في 31 كانون الثاني، أعلنت منظمة “أطباء بلا حدود” عن إغلاق أكبر مستشفى في جنوب إدلب بسبب القصف. وقبل ذلك بفترة وجيزة، وبالتحديد في 29 كانون الثاني، استولى المتمردون على المستشفى المركزية في إدلب وسخروها لأغراضهم الخاصة. وفقاً لـ”أطباء بلا حدود”، في كانون الثاني 2020، اضطرت 53 مؤسسة طبية للتوقف عن العمل بسبب القصف.

وقطعاً، بعد هذه الضربة القاصمة، ليس بإمكان مرافق الرعاية الصحية الأساسية في إدلب مواجهة الوباء.

رأى يزن أن السوريين تعلموا في السنوات الأخيرة التفريق بين الطيران الروسي والطيران السوري. بحسب ما ذكره، القنابل الروسية أكثر دماراً. لأنها تدمر المباني التي تستهدفها بشكل كامل، في حين تدمر الطائرات السورية جزءاً منها فقط. إضافة إلى أن لدى السوريين نظام إنذار ابتكره الشعب. عندما تقلع طائرة من القاعدة العسكرية الروسية ينشر السكان الذين يقطنون بالقرب منها الخبر على مجموعات واتساب خاصة ويذكرون الاتجاه الذي حلقت فيه كذلك، فيما يُبلغ آخرون يقطنون في المسار الذي تمشيه الطائرة عن تحركاتها. يسمح هذا للمدنيين بمتابعة عمليات القصف والقائمين عليها، والأهم أنهم يستطيعون الاحتماء قبل وصول الطائرات.

بدأت الشرطة العسكرية الروسية في 3 آذار/ مارس القيام بدوريات في مدينة سراقب ذات الأهمية الاستراتيجية والمهجورة والتي سيطر عليها الجيش السوري.

في 5 آذار توصلت روسيا وتركيا إلى اتفاق وقف إطلاق نار،  في الوقت الذي كان فيه مليون شخص بحسب ما ذكرته بيانات الأمم المتحدة عالقين عن الحدود، 80 في المئة منهم كانوا من النساء والأطفال. وكانت أزمة النزوح القسري هذه الأزمة الأكبر منذ بداية الحرب السورية قبل تسع سنوات. فقد هجر مليون شخص – بمن فيهم الأطفال والمرضى وكبار السن – منازلهم وأسرهم وعملهم في برد شباط/ فبراير القارس، فارين إلى الحدود التركية المغلقة. ما زالت المعلومات عن عدد القتلى والجرحى من المدنيين غير متاحة.

وثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وفاة ما لا يقل عن 100 مدني في إدلب، من بينهم 18 امرأة و35 طفلاً، إضافة إلى الجرحى الذين خلفهم قصف  القوات الروسية والسورية، وهناك 7 مدنيين قتلوا في هجمات برية نفذتها مجموعات مسلحة سورية. وبحسب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، قُتل ما مجموعه 1750 مدنياً بين نيسان/ أبريل 2019 وشباط 2020 أغلبهم بيد النظام السوري وحلفائه.

ستخلّد كتب التاريخ هذه الفاجعة

عثمان أتالاي عضو في “هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات”، وهي واحدة من أكبر المؤسسات الخيرية التركية، القريبة أيديولوجياً من العدالة والتنمية، الحزب الحاكم في تركيا. قدمت الهيئة المساعدات الإنسانية إلى سوريا منذ اليوم الأول في الصراع. وقبل الحجر الصحي المفروض بسبب كورونا كان 500 من موظفي المؤسسة يعملون في إدلب.

يؤكد عثمان أنه بحسب البيانات المتوفرة، فر مليون سوري إلى الحدود التركية قبل ثلاثة أشهر من اتفاق وقف إطلاق النار. وعلى رغم وجود مخيم للاجئين عند الحدود مسبقاً، لم تكن هناك أماكن إيواء كافية، ليس فقط ما لا يكفي من الخيم بل ما لا يكفي أيضاً من الأماكن لوضعها. يشرح عثمان: “هذه أراض زراعية يستحيل إقامة مخيم فوقها، لأنها عبارة عن طين رطب. المنطقة القريبة من الحدود صغيرة جداً، ولهذا السبب نعاني من الاكتظاظ في المخيمات”. عندما فر الناس تم إيواؤهم في المدارس والمساجد والملاعب والحافلات القديمة. نام كثيرون في السيارات، ونصب آخر الواصلين بطانيات تحت أشجار الزيتون. كان الشتاء بارداً جداً، كان الناس يتجمدون ومات أطفال جراء انخفاض الحرارة. يقول عثمان “بدأنا في جلب مواد التدفئة مثل الزيت والوقود والغاز”.

تؤكد لُبنى القنواتي أن “الوضع في المخيم مروع، لا سيما بالنسبة إلى الأطفال والنساء”. لقد خسر الناس كل شيء: أعمالهم ومنازلهم ومحيطهم، وتركوا في الشارع في جو بارد. وانقطع الأطفال عن الدراسة، ففي ظل ظروف النزوح، ليس بالإمكان توفير تعليم لهذا العدد من الأطفال. يعيش الناس في مخيمات متواضعة من دون مراحيض، ومكان لجمع القمامة ولا أي خدمات. وقد ارتفع مستوى العنف ضد النساء ليصل إلى أعلى معدلاته في هذه الأماكن.

العائق الأساسي في طريق المساعدات هو غياب الأمان

لم تسمح عمليات القصف قبل اتفاق وقف إطلاق النار للمنظمات الخيرية بالتحرك بأمان في الجوار. إضافة إلى أنه وبعد 9 سنوات من الحرب يحتاج 95 في المئة من السوريين إلى المساعدة. ربما دمشق واللاذقية هما المدينتان السوريتان الوحيدتان اللتان لا تحتاجان إلى مساعدات، أما بقية سوريا بخاصة إدلب فهي في حاجة ماسة إلى المساعدة.

تقدم “هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات” منازل وطعاماً ومواد النظافة، وأطرافاً صناعية، وأنظمة التدفئة، والمدارس للأطفال. فقد افتتحت المنظمة مركزاً للأيتام ليستقبل آلاف الأطفال السوريين الأيتام. يتلقى الأطفال والنساء مساعدة المعالجين النفسيين المختصين في علاج الصدمات، ويتلقون وجبات ساخنة توزع على 50 ألف شخص. تملك المنظمة مخبزين ينتجان 150 ألف رغيف خبز يومياً، توزع جزءاً منها في إدلب كذلك.

أكد عثمان أنه على رغم الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها البلاد، فلا يزال الناس ورجال الأعمال في تركيا يحاولون تخفيف المعاناة الإنسانية في سوريا.

“لعل أهم شيء بالنسبة إلى اللاجئين هو الخبز. ولذا دعونا إلى الحشد، وتبرعت حملات تركية بالدقيق لتوفير مخابز محلية صغيرة في سوريا. ونظراً إلى أن الموجة الأخيرة من اللاجئين تدفقت خلال فصل الشتاء، فقد أعلنا عن جمع التبرعات لبناء منازل موقتة بمساحة 24 متراً مربعاً: جدرانها من الطوب، أما السقف فمصنوع من القماش القوي المقاوم للماء لتقليل التكلفة. تتسم سوريا بطقس ​شديد الحرارة صيفاً قارس البرودة شتاءً، وكثيراً ما تندلع الحرائق في الخيام. لذا اخترنا هذا التصميم للمنازل. وفي حين أعلنا عن جمع التبرعات لبناء 10 آلاف منزل، فقد تمكنا من جمع الأموال اللازمة لبناء 15 ألف مبنى”.

يرى آتالاي أنه “بعد الحرب العالمية الثانية، تُعد هذه واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية على كوكب الأرض. فقد شاهدنا المآسي التي حدثت في البوسنة، ورواندا، ولكن ما تعانيه سوريا الآن أسوأ بكثير. وستذكر كتب التاريخ هذه الكارثة”.

ينفي الروس وجود كارثة إنسانية نجمت عن العملية السورية- الروسية المشتركة في إدلب، فيما يقول الجيش الروسي إن الأرقام التي قدمتها تركيا والدول الغربية مبالغ فيها بشدة، وأنه لا يوجد أكثر من 200 ألف نازح في المحافظة، منهم 85 ألف شخص يعيشون في مخيمات اللاجئين.

آراء الخبراء

لتوضيح الوضع، تواصلت صحيفة “نوفيا غازيتا” مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). وقد أجاب جينس لارك، المتحدث باسم المكتب على أسئلتنا.

كم عدد النازحين داخلياً الذين فروا إلى الحدود السورية التركية في إدلب؟

منذ الأول من كانون الأول من العام الماضي، أرغمت الأعمال القتالية العسكرية 960 ألف شخص على مغادرة منازلهم في إدلب وضواحيها (ما يقرب من 81 في المئة منهم من النساء والأطفال). وقد وجد معظمهم أنفسهم في مناطق محدودة شمال محافظة إدلب بالقرب من الحدود مع تركيا وفي المناطق الشمالية الغربية المجاورة لمحافظة حلب.

كيف تُحصي الأمم المتحدة أعداد النازحين داخلياً؟

تُقيم الأمم المتحدة أسبوعياً عمليات النزوح الأخيرة في شمال غربي سوريا، وعلى هذا الأساس تحدد حجم المساعدات الإنسانية العاجلة المطلوبة على أرض الواقع. وعند الضرورة، تُجرى أيضاً تقييمات خاصة.

يستند التقييم إلى البيانات الأولية التي تجمعها شبكة تضم أكثر من 100 مراقب في مختلف أنحاء شمال غربي سوريا، يعملون لمصلحة منظمات غير حكومية تمولها الأمم المتحدة. وتجرى مقارنة البيانات الميدانية الجديدة بالبيانات السابقة وسجلات السفر ومصادر المعلومات الأخرى لتقدير عدد الأشخاص الذين غادروا منازلهم الأسبوع السابق.

ونظراً إلى أن الوضع في شمال غربي سوريا لا يزال غير مستقر، يتم إجراء التقييم استناداً إلى المعلومات المتوفرة. فضلاً عن أن تقييم عمليات النزوح يساعد في تنظيم إيصال القدر الكافي من المساعدات الإنسانية إلى المناطق حيث يُشتد الحاجة إليها.

كم عدد الذين لا تشملهم المساعدات الإنسانية؟

تسعى الأمم المتحدة إلى زيادة حجم المساعدات، فقد أرسلت بالفعل 444 شاحنة إلى شمال غربي سوريا خلال شهر آذار وحده، وُجهت لمساعدة أكثر من 1.8 مليون شخص من النساء والأطفال والرجال المحتاجين. أما في شباط، فقد أرسلنا 927 شاحنة مُحملة بالمساعدات، ووصل العدد إلى 1227 شاحنة مساعدات في كانون الأول.

تُقدم المؤسسات المختلفة المساعدات إلى أعداد مختلفة من الناس. على سبيل المثال، تُقدم منظمة الصحة العالمية وشركاؤها إمدادات شهرية لما يقرب من 800 ألف شخص في شمال غربي سوريا، ولكن الاحتياجات الفعلية تتجاوز قدراتها. ويقدم برنامج الأغذية العالمي مساعدات لأكثر من مليون شخص شهرياً، من بينهم ما يقرب من 500 ألف مدني نزحوا مؤخراً.

 على حافة البقاء

عبر عُمر، وهو ناشط إعلامي من إدلب، عن ثقته بأنه على رغم عودة بعض اللاجئين، فإن كثيرين منهم لن يعودوا إلى ديارهم، قائلاً: “الكثير من الناس الذين يعيشون في المخيمات من القرى والمدن التي أصبحت تحت سيطرة النظام، لا يصدقون الحكومة، فضلاً عن أن منازلهم تعرضت للدمار بسبب التفجيرات، ولذا لا مكان ليعودوا إليه، ولا يملكون مالاً، الناس يعيشون في فقر مدقع، في ظل تردي الوضع الاقتصادي”.

لاعمل ولا نقود. يضيف عُمر: “تحدثت منذ بضعة أيام مع أحد الأصدقاء يعمل طبيب أسنان في البلدة. وقال إن الناس يأتون لتلقي العلاج، ولكن ليس لديهم أي مال لتغطية تكاليفه”. أما بالنسبة إلى الأطفال، فثمة مشكلة كبيرة تتمثل في التعليم، إذ تعرضت مدارس كثيرة للدمار، وأصبحت الفصول الدراسية مكتظة بالطلاب. “في السابق كان هناك 60 طفلاً في الفصل، والآن يوجد هناك 100 طفل في الفصل الواحد. فالأطفال يعانون من إصابات نفسية مروعة”.

تتسم محافظة إدلب بأنها منطقة زراعية. “في السابق، اشتهرت إدلب بأشجار الزيتون، وكان الزيت يُصنع ويباع في الخارج. والآن لم يعد هناك مكان لبيع زيت الزيتون. ولذا ليس بوسع الناس سوى العناية بحقول الزيتون للمحافظة عليها من الدمار، إذا استطاعوا ذلك”. في أعقاب العملية العسكرية الأخيرة، أغلق رجال الأعمال القلائل أعمالهم وغادروا. والآن تعيش المنطقة على المساعدات الإنسانية وعلى الأموال التي يرسلها أقارب المقيمين من الخارج.

ترى لُبنى القنواتي أن “الناس يحتاجون إلى الحماية، ولا بد أن يتمكنوا من العودة إلى ديارهم طوعاً عندما تصبح آمنة – ومن أجل تحقيق ذلك يجب التوصل إلى حل سياسي للصراع السوري؛ لضمان الحقّ في الحياة، والحقّ في الأمن، وإمكان الحصول على عمل”.

 هل ستعيد روسيا النظر في موقفها بشأن سوريا بعد جائحة “كوفيد-19″؟

تُشير بعض آراء الخبراء التي أثيرت في الآونة الأخيرة إلى أن العواقب الاقتصادية المترتبة على الجائحة تزامناً مع انخفاض أسعار النفط، يمكن أن تفرض ضغوطاً على الحكومة الروسية تدفعها إلى إعادة النظر في موقفها بشأن سوريا، بل وحتى تقليص الدعم العسكري باهظ التكاليف، وغيره من أشكال الدعم المُقدم لبشار الأسد. مُنذ عام مضى، أجرى مركز “ليفادا سنتر” للدراسات الاجتماعية استطلاعات للرأي أظهرت أن 55 في المئة من الروس يريدون إنهاء العمليات العسكرية في سوريا. وفي الوقت الراهن، يواجه الاقتصاد الروسي أزمة غير مسبوقة، وقريباً الكثير من الأسر لن تحصل على دخل من لإطعام الأطفال، لذا من الواضح أن “النجاحات” العسكرية التي تحققت على الساحة الدولية لم تعد ذات أهمية.

فبدلاً من إنفاق المال على العمليات العسكرية التي تدمر منازل ومستشفيات الآخرين، أليس من الأفضل استثمار تلك الأموال في تحسين أحوال الروس أنفسهم؟

قال أحد المشاركين في الحوار من إدلب “من فضلك أخبر قراءكم بأننا لسنا متطرفين، بل مجرد أُناس يقفون في وجه الطاغية”. مضيفاً “لقد ذُقنا الأمَرّين من جبهة النصرة، ربما أكثر مما عانيناه من الأسد وروسيا. لذا نحث الروس على التضامن معنا ووقف آلة التدمير هذه”.

سأل أحد المشاركين الآخرين في الحوار “لماذا قررت الحكومة الروسية أن مثل هذا التدخل في هذه الحرب يصب في مصلحتها؟ فالشعب السوري لم يقاتل ضد روسيا، لماذا إذاً تشن حرباً ضدنا؟  لم يكن لدى أحد هنا أي سبب يدعوه ليكون عدواً لروسيا، والآن باتوا أعداء! ولذا من الأفضل لروسيا أن تكف عن دعم الأسد لكي يبقى في السلطة بالقوة وأن تمنح الشعب السوري الفرصة لتقرير مستقبله”.

يبدو أن روسيا وتركيا ودول الغرب والشرق الأوسط منهمكة حالياً بمشكلاتها الداخلية. إضافة إلى أن العواقب الاقتصادية المترتبة على هذه الجائحة سترغم الجميع على خفض طموحاتهم على الساحة الدولية. وهذا من شأنه أن يمنح فرصة كبيرة للأطراف الرئيسية للنظر مجدداً في المشكلة ومحاولة إيجاد حل للأزمة السورية وإحياء العمليات السياسية والديبلوماسية.

فضلاً عن أن ذلك يتيح لنا نحن المواطنين الروس، الفرصة لكي نسأل أنفسنا بجدية: لماذا نحتاج إلى هذه الحرب؟

نشر هذا الموضوع في نوفايا غازيتا ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط هنا

https://novayagazeta.ru/articles/2020/04/25/85092-eta-katastrofa-voydet-v-uchebniki

درج

——————————-

العالم يريد تجنب “حرب لقاحات”… وترامب يختار اللعب المنفرد

واشنطن, :يُجمع شي جينبينغ وإيمانويل ماكرون وأنغيلا ميركل ومنظمة الصحة العالمية على ضرورة أن يكون أي لقاح ضد فيروس كورونا المستجد “منفعةً عالمية عامة”، لكن في واشنطن، لدى دونالد ترامب أولوية واحدة هي تلقيح مواطنيه قبل كل شيء.

وخلف مبدأ “المنفعة العالمية العامة”، تكمن في الواقع إشكاليتان منفصلتان، أولهما إشكالية الملكية الفكرية، والثانية إشكالية توزيع الجرعات الأولى. وقد يكون حلّ الإشكالية الأولى أكثر سهولةً من الثانية.

تطالب إفريقيا من جهتها بلقاح غير خاضع لقيود الملكية الفكرية، كما أعلن رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوسا.

لكن تحقيق ذلك يبدو غير مرجح، إذ ستكون المختبرات راغبة باسترداد المليارات التي استثمرتها، ويمكن لها الاعتماد في هذا الإطار على دعم الولايات المتحدة، المعادية لأي مراجعة لحقوق الملكية الفكرية الدولية، كما أكدت هذا الأسبوع رداً على منظمة الصحة العالمية.

وبدون شك، لن يكون اللقاح المرتقب مجانياً. أما بالنسبة للسعر، فستسعى المجموعات التي عملت في تطويره إلى استرداد سعر كلفة الإنتاج بالحد الأدنى.

وتعهّد سعر الكلفة أيضاً ليس بالأمر الموضوعي. كان قُطع تعهد مماثل لعلاجات فيروس نقص المناعة، كما يكشف ماثيو كافاناه من جامعة جوروج تاون، لكن المصنعين غير الرسميين وجدوا بعد ذلك هامشاً كبيراً للمناورة، وخفضوا الأسعار بعشرة أضعاف أو أكثر.

من جانبه يشير مارك فينبرغ المدير العلمي السابق لشركة “ميرك فاكسينز” والرئيس الحالي لـ”المبادرة الدولية للقاح الإيدز”، إلى أن المختبرات تعلمت الدرس ولن ترغب في التحول إلى طرف “منبوذ” في المعادلة، ما قد يسيء لسمعتها وقدرتها على تحقيق الأرباح.

ويعتقد فينبرغ أن تشارك الملكية الفكرية سيتم حتماً، لأن “لا أحد يستطيع بمفرده الاستجابة للطلب العالمي، وسيجبر أي طرف على البحث عن شركاء من أجل صناعة المنتج”.

من هنا، يكون السؤال الأصعب، في نهاية المطاف: أي من سكان الأرض البالغ عددهم 7,6 مليار نسمة سيلقح أولاً؟

– أمريكا أولاً –

تسعى منظمة الصحة العالمية وأوروبا والمنظمات غير الحكومية العاملة في مجال مكافحة فيروس كورونا المستجد، لإنفاذ آلية توزيع “عادل” غير مسبوقة، تنطلق بالمبدأ من تلقيح العاملين في مجال الصحة في كافة البلدان التي طالها الفيروس، ثم العاملين في وظائف أساسية كالشرطة والنقل، وبعدهم يأتي بقية السكان.

لكن ترامب الذي ينتظر عودة الحياة إلى طبيعتها بفارغ الصبر، لا يعير اهتماماً لهذا التضامن العالمي. وهدف حكومته إنتاج 300 مليون جرعة بحلول كانون الثاني/يناير، أي ما يكفي لتلقيح كافة الأمريكيين من شباب وكبار في السن، علماً أن ذلك لا يزال مجرد فرضيات كون الاختبارات السريرية قد بدأت للتو.

ويعتبر عميد كلية الصحة العامة في جامعة يال الأمريكية ستيفن فيرموند أن “عقليته (ترامب) شديدة الانعزالية، كارهة للأجانب للغاية، وهو عكس ما نحتاج إليه للسيطرة على الجائحة”. ويضيف أن “الولايات المتحدة ليست جزيرة منعزلة وتعتمد بشدة على الآخرين في الخارج للاستهلاك والغذاء، موضحاً “لن نعود إلى الحالة الطبيعية إذا كان فيروس كورونا لا يزال ينهش بقية العالم”.

يبقى أن حكومة ترامب استثمرت باكراً مئات الملايين من الدولارات في تجارب لقاحات تطورها مجموعات “جونسون أند جونسون” و”موديرنا” و”سانوفي”، أملاً في أن تثمر إحداها ويصنع بالتالي اللقاح في الولايات المتحدة.

وقال مدراء “موديرنا” وهي شركة تكنولوجيا حيوية و”سانوفي” ما مفاده إن بإمكان أوروبا أن تستوحي من الخطوة الأمريكية.

لكن، على العكس عام 2009 عند انتشار فيروس “اتش وان إن وان”، يجري “الانطلاق هنا من صفحة بيضاء، ليس لدينا لا لقاح ولا مصنع”، كما تقول باسكال بارولييه من مؤسسة “غافي” التي تشتري اللقاحات للدول النامية.

واستثمر “تحالف ابتكارات التأهب الوبائي”، الذي أنشئ عام 2017 لمواجهة الإخفاق الأولي في احتواء فيروس إيبولا، نصف مليار دولار في تسع شركات تطور لقاحات ضد كوفيد-19. ويطلب منها في المقابل أن يجري تشارك التقنيات المطورة من أجل عملية إنتاج سريعة وضخمة.

ومع هذا الدعم، تعمد المختبرات على إنشاء سلاسل إنتاج إضافية دون انتظار نتائج الاختبارات السريرية.

وتعقد الشركات تحالفات في ما بينها. ويمكن لمديرو الإنتاج في الولايات المتحدة (للسوق الأمريكي) وسويسرا (للسوق الأوروبي). وتتعاون سانوفي مع “جي إس كا” المنافسة. وتملك الشركتان العملاقتان مصانع في أوروبا وأمريكا.

لكن لتلقيح الكوكب كاملاً، لا بد من الأمل في أن تثمر عدة اختبارات لإنتاج لقاح وليس واحداً.

(أ ف ب)

—————————–

محاضرة اليوم على تطبيق «زووم»/ وديعة فرزلي

لم يترك فيروس كورونا جانباً من جوانب الحياة دون أن يؤثر عليه، ولا قطاعاً دون أن يؤثّر على حياة العاملين فيه. واحدٌ من هذه القطاعات المتضررة هو قطاع التعليم، الذي تعطل بشكل كامل في الدول التي لا تمتلك بنية تحتية جاهزة للتعامل مع التعليم عن بعد، بينما فضلت بعض الدول الأخرى إكمال عملية التعليم في المدارس والجامعات عبر الإنترنت.

تواصلَ الحديث خلال العقود الثلاثة الأخيرة عن التعليم عن بعد، بصفته خطوة منتظرة ستحدث في المستقبل القريب أو الآجل، وهو أحد الأهداف المستقبلية في عالم التكنولوجيا للدول المتقدمة، لكن الوباء فرض عملية التحول التجريبي هذه بسبب إغلاق الجامعات والمدارس، وظهر بذلك نوعٌ جديدٌ من الأسئلة عن العلاقة بين المجتمعات والتكنولوجيا التي سترسم هذا التحول، كما وضعت هذه التجربة الحكومات والجامعات الرسمية في العالم في مواجهة أسئلة أخرى أبعد من الجاهزية التكنولوجية، أسئلة عن عملية التعلم بحد ذاتها، عن أدواتها والتغييرات التي ستطرأ على مهنة المُعلّم والأستاذ الجامعي.

يُتيح التعليم عن بعد للطلاب مجموعة من الميزات التي يمكن أن تكون إيجابية، مثل توثيق العملية التعليمية وأرشفتها على مواقع الإلكترونية الخاصة بكل جامعة، ما يسمح باستخدام طرق التعلم غير المتزامنة، وهو ما  أشارت إليه شهرزاد، طالبة البيوتكنولوجيا في جامعة بوتسدام في برلين، عندما قالت في حديثنا معها إن إحدى الميزات هي إمكانية أن تفصل بين مجموعة مهام كانت تقوم بها في الصف بشكل متزامن مع الوقت المخصص لشرح الدرس، أما الآن صار بالإمكان أن تسمع المحاضرة ثم تعود إليها مرة أخرى لتسجيل بعض الملاحظات، والتوسع في قراءة المصادر، مما سهّل عملية الدراسة. أما الجانب الآخر الذي كان مصدراً للراحة بحسب ما ذكرت شهرزاد، فهو التعلم في البيت، حيث لا يجب على الطالب الذهاب للجامعة، بل يجلس كما يحب في بيته، مع تحضير الأكل والشراب متى ما يحب. لكن هذه المرونة ليست ممكنة في جميع المواد التي تدرسها شهرزاد، خاصة في المواد العملية، التي تتطلب منها الذهاب إلى المختبر: «لا أعرف كيف ستُقدَّمُ المواد العملية التي تتطلب منّا الذهاب للمختبر. لم نبدأ بعد في كورس المواد العلمية، لكن أتوقع أننا سنواجه صعوبة كبيرة، لأنه لا يمكن أن تُسجَّلَ لنا التجربة على شكل فيديو مثلاً لنتعلم منها، إضافة إلى أن الذهاب للمختبر وإجراء التجربة بنفسك يتيح لك المراقبة والتعلم، وبالتالي القدرة على تذكر نتائج التجارب التي قمت بها. لا أعتقد أن شكل التعليم هذا يمكن أن ينجح في المواد العملية كما في المواد النظرية».

تواجه بيان إشكالية مشابهة مع نوع المواد التي يمكن تدريسها عبر الانترنت في أكاديمية أوغست إيفردينغ للمسرح في ميونخ، إلى جانب مجموعة من التغيرات التي طرأت على طرق تدريس المواد العملية التي تتطلب من الطالب حضوراً مختلفاً أمام كاميرا اللابتوب، التي حلت مكان أعين المتفرجين من الزملاء والأساتذة  في الصف. تصف لنا بيان تجربتها الأولى في أداء أول مونولوج مسرحي لها عبر تطبيق زووم: «كانت تجربة صعبة فعلاً، يجب على الممثل ألّا يقدم مونولوجاً أكبر أو أقل من إمكانيات الزووم، أي أن يقدم مونولوجاً يناسب الوسيط ويصل إلى المشاهدين. وجدتُ نفسي محصورة في مربع صغير، ولا أرى أحداً أمامي كما على المسرح. حاولتُ الاستفادة من تقنيات يتيحها الزووم حتى أعوِّضَ عن غياب الخشبة، وحتى أحول الشحنة السلبية بسبب الظرف الحالي إلى طاقة إيجابية تسمح لي بتقديم مونولوج جيد قدر الإمكان».

وعندما سألنا بيان عن الاختلاف الذي لاحظته في عملية تلقي الدروس عبر الزووم: «في الصف أشعر بنفسي متورطة أكثر في الدرس، كما أن التفاعل الحي مع الطلاب والأساتذة يكتسب معنىً أكبر. أما في مواد أخرى مثل المواد التي نتدرب فيها على النطق، فقد كان الزووم وسيلة أفضل لتدريس المادة، لأن تسجيل الصوت يكشف بشكل أدق مشاكل النطق عند الممثلين». بالنسبة لبيان، التحدي الأكبر في تجربة التعليم عن بعد هو التداخل بين مكان التمثيل ومكان العيش؛ تقول: «في السنوات الأولى من دراسة التمثيل، تعلّمنا الفصل بين التمثيل والمسرح وبين العالم خارجه. هذا الفصل يحمي الممثل. أما في دروس الزووم، وجدتُ أن البيت الذي أعيش فيه هو مكان التمثيل، وعادت لتختلط الأمور في ذهني من جديد. لكن من جهة أخرى، يُتيح التعليم عن بعد للطالب إمكانية تعويض الدروس بسبب الغياب، أو عدم القدرة على التواجد فعلياً في الصف».

لا تقتصر أثار التعليم عن بعد على الطلاب فحسب، بل أيضاً على المعلّم، الذي ربما يكون المتضرر الأكبر في عملية التعليم بشكلها الإلكتروني الذي يؤثر على آلية التواصل، وعلى أدوات التعليم ومقومات المهنة ككل. تخبرنا شذا، وهي مُدرّسة في معهد لتدريس التسويق الإلكتروني في كندا، عن الصعوبات التي تواجهها  خلال التحضير للجلسات والاجتماعات، حيث تجد شذا أن التعليم الإلكتروني يهدد مهنة المعلّم، حالها كما حال كثير من المهن التي يهدد التطور التكنولوجي وجودها: «كان التعليم في طريقه إلى أن يصبح إلكترونياً، أما الكورونا فقد سرّعت حدوثه، وعلى أية حال، أجد أن التعليم الآن صار روبوتياً، فكيف نَصِفُ إذاً الأستاذ الذي يسجل المحاضرة، ثم يرفعها على الموقع، ويمكن بعد ذلك إعادتها إلى ما لا نهاية دون الرجوع إلى الأستاذ؟».

كما ذكرت لنا شذا اختلافات لاحظتها  في تلقي الطلاب للدروس والجلسات الإلكترونية: «عملية التلقي تختلف بحسب الطلاب، وتعتمد بشكل كبير على الفروقات الفردية بينهم. هناك أشخاص يتعلمون بسرعة أكبر من الآخرين، بينما هناك فئة منهم تتعلم أكثر بالتفاعل والحضور في الصف. بالإضافة إلى أن عامل العمر يلعب دوراً كبيراً في التعليم عن بعد، حيث أن استجابة البعض قد تكون أبطأ بسبب عدم المعرفة الجيدة في التواصل والتعامل مع  منصات التعليم المختلفة. لديَّ طلابٌ فضّلوا توقيف تسجيلهم بدلاً من المتابعة في الدروس أون لاين».

عندما سألنا عن تأثير عملية التعليم على مهام المعلم وحضوره، أثارت شذا إشكالية تتطلب التفكير في بروتوكول الحضور بين الطلاب والمُعلّم: «بعد بداية الجلسة يطفئ الطلاب كاميراتهم، وأجد نفسي أتكلم مع مجموعة مستطيلات فارغة. لا أعرف إذا كان الطلاب يسمعونني، ولا ما إذا كانوا يتابعون المحاضرة فعلاً، أم أنهم سجلوا حضورهم ثم اختفوا، وذلك يسبب الإحراج لي وللطلاب أو الطالبات الذين ما زالت كاميراتهم مفتوحة، حيث أُضطر أن أوجه نظري دائماً إليهم. كذلك من المحرج اختراق خصوصية الدرس أحياناً، مثلاً عند وجود الشريك/ة أو الأولاد، يتابعون معنا الدرس من باب الفضول. أجد عملية التواصل بالشكل الحالي غير متوازنة، وتُقلّص بشكل كبير أدوات التأثير عند المعلم».

يطرح التعليم عن بعد مجموعة كبيرة من المشاكل غير التكنولوجية، التي تتعلق بالعلاقة البشرية بين الطالب والمعلم، والتي تترك أثراً كبيراً على المحتوى والمعلومات التي يجب تدريسها. ولا ننسى أيضاً العلاقات الاجتماعية المبنية على التبادل المعرفي، أو حتى العلاقات التي يكونها الفرد خلال الحياة الجامعية. هذا كله سيختفي عند التحول إلى التعليم عن بعد. هذا بالإضافة إلى مُساءلة جودة المحتوى التعليمي ومصداقيته، وما هي الوسائل التي تُمكِّنُ الجامعات والأساتذة من اختبار وصول المعلومة بشكلها الصحيح إلى ذهن الطالب. في هذا الخصوص، تؤكد لنا شذا «أن غالبية الطلاب لا يعتمدون على أنفسهم في حل أسئلة الاختبارات، حيث كل المصادر على الموقع متاحة. وأحياناً أُلاحظ أن أحدهم قام بالنسخ واللصق من الكتاب ذاته، كما يمكنهم أن يرسلوا الإجابات لبعضهم بعضاً عن طريق لقطات الشاشة. لا يمكن التحكم بذلك، بل يجب إعادة التفكير أساساً في شكل الإمتحان وطبيعة الأسئلة». كلّ ذلك عدا عن الجوانب الاقتصادية التي يمسّها التعليم الإلكتروني، من ناحية أقساط التعليم التي صارت غير متناسبة مع الخدمات التي تقدمها الجامعات، التي لا تصرف على أية تكاليف ثابتة بما أنها أساساً مغلقة، وجوانب كثيرة أخرى منها معدلات القبول، وعدد الساعات المخصصة للدراسة من قبل الطالب في المستقبل، وأجور المعلمين والأساتذة.

ليست هذه المرحلة إلا مرحلة تجريبية فرضها الظرف الحالي بسبب جائحة الكورونا، إلا أنها تطرح إشكاليات أكبر من مسألة الجانب التكنولوجي، إذ أن هناك مجموعة من الجوانب التي يجبرنا الحل الإسعافي على التفكير بها على المدى الطويل. يفترض كثيرٌ من العلماء والخبراء في مجال التكنولوجيا أن العالم قطع أشواطاً كبيرة باتجاه التعليم عن بعد، لكن هذا الافتراض لا يأخذ في عين الاعتبار مدى جاهزية العنصر البشري، ولا يشمل التفكير في الفروقات الفردية والاجتماعية والاقتصادية التي قد تقف عائقاً أمام عملية التحول هذه، ذلك عدا عن التفاوت الكبير بين دول العالم في مدى الجاهزية التقنية، مما سيضخم الفجوة المعرفية والتعليمية على مستوى العالم.

موقع الجمهورية

——————————

قانون السوق وأزمة كورونا/ خالد عبد الرحمن

الرؤية الأولى رؤية نيوليبرالية صريحة تحاول تقديم الأرباح على الصحة، وتجادل بأن توقف الاقتصاد أخطر على المجتمع من الوباء، وأن عجلة الإنتاج لا بد أن تمر، ولو كان هذا على أجساد بعض البشر من كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، وأن عليهم حماية أنفسهم أو الموت في صمت، وما علينا سوى السماح بانتشار الفيروس، بهدف خلق مناعة مجتمعية، فمناعة القطيع هي الحل. وتبلورت هذه الرؤية في خطاب بوريس جونسون (ودّعوا أحبابكم)، وهي أيضًا ما يشير إليه ترامب مع كل خطاب جديد.

على الطرف الآخر كانت هناك رؤية ثانية ناتجة بالأساس عن حالة التخبط والفراغات الناتجة عن خلخلة ما بعد صدمة خطاب النظام المهيمن، وهي رؤية تقدم حياة البشر على الأرباح، وترى ضرورة توقف عجلة الإنتاج عن كل ما هو غير حيوي وغير ضروري حتى زوال الخطر، مع عمل كافة الإجراءات الوقائية اللازمة للحد من انتشار الفيروس مجتمعيًا، مثل التوسع في عمليات الفحص والرصد والتتبع، وفرض حظر تجوال جزئي وكلي، بالإضافة إلى وقف الرحلات بين الدول لحين السيطرة على الفيروس.

عمومًا سنجد داخل كل دولة مزيج من هاتين الرؤيتين بنسب متفاوتة، وصراع شديد بينهما، وهذا المزيج ناتج عن التطور المركب اللامتكافئ للاقتصاد العالمي، الذي خلق مراكز رأسمالية في دول الأطراف تدافع عن مصالحها، وجيوب شديدة الفقر بدول المركز تدافع عن حياتها، ونتج عن هذا مجموعة من الإجراءات التي تستحق تسليط الضوء عليها، ليس باعتبارها إجراءات ثورية، ولكن لكونها إجراءات كشفت عجز قانون السوق عن مواجهة الأزمة، بل ومفاقمته لها بالكثير من المواقع.

حظر صحي وتعويضات للعمال

تحت التأثير المفاجئ لانتشار الوباء، قررت بعض الدول الرأسمالية فرض حظر تجوال صحي، مع رفع الاستعداد داخل المستشفيات وكل القطاعات الصحية، وإلغاء فواتير الكهرباء والمياه والغاز والسكن وغيرها من الأعباء عن كاهل المواطن، كما قامت بمنح تعويضات مادية وعينية للمساعدة على الحياة في ظل الأزمة، مثل إجازات مدفوعة الأجر وبدل بطالة.. إلخ، مع فتح المجال للعمل في الصناعات الحيوية ببعض الدول لحين السيطرة على انتشار الوباء.

بالطبع هي إجراءات مؤقتة مرتبطة بالأزمة، وعليها صراعات ضخمة داخل النظام الرأسمالي نفسه الآن، ولكنها أيضًا إجراءات طرحت سؤالًا متجاوزًا للنظام الرأسمالي الحالي، لماذا فشل نظام السوق في التعامل مع الأزمة؟ ولماذا تطلب الأمر إجراءات استثنائية غير خاضعة لقانون السوق؟ وماذا عن الأزمات الدورية المتكررة داخل النظام؟ وماذا لو استمر الوباء وتأخر اكتشاف العلاج؟ وماذا لو انتشرت أوبئة جديدة؟

المنشآت الصحية الخاصة في إسبانيا

نتيجة لأزمة كورونا، والارتفاع الشديد في أعداد المصابين والوفيات، مع ضعف البنية الصحية الحكومية الناتج عن سياسات الليبرالية الجديدة التي قلصت الإنفاق على الخدمة الصحية المجانية لصالح القطاع الخاص، وبالطبع مع عدم إمكانية استقبال حالات كورونا في المستشفيات الخاصة الهادفة للربح، أعلنت الحكومة الإسبانية في 16 آذار/مارس، بحسب ما أوردته صحيفة الغارديان، عن وضع جميع منشآت مقدمي الخدمات الصحية الخاصة في إسبانيا تحت الإدارة العامة، ولم تحدد الحكومة إلى متى، وهو قرار مرحلي يحاول احتواء الأزمة بالطبع، كما أنه لن يمر بدون تعويضات للرأسماليين، ولكنه في النهاية طرح نفسه كأحد حلول الأزمة.

وهذا طرح تساؤلًا عالميًا كبيرًا، إذا كان النظام الصحي النيوليبرالي الحالي لا يستطيع مواجهة جائحة، فضلًا عن فشله في تقديم خدمة صحية شاملة من الأساس، فلماذا لا تكون فكرة وضع المنشآت الصحية الخاصة تحت الإدارة العامة بالمجان هي القاعدة؟! ولماذا لا تكون الخدمة الصحية كلها غير خاضعة لقانون السوق؟

تكريم الفريق الطبي

كشفت عالمية انتشار الوباء، أهمية وعالمية بعض المهن مثل الطب والصيدلة والتمريض والبحث العلمي، على عكس الكثير من المهن التي كانت محل احتفاء في السابق مثل ضباط الجيش والشرطة ورجال الأعمال. وعلى هذه الخلفية، احتفت معظم دول العالم بالطاقم الطبي، وتعالت الأصوات التي تتكلم عن ضرورة الاهتمام بميزانية الصحة والتعليم والبحث العلمي وتقديمها على كل إنفاق آخر، ورغم كون معظم مظاهر الاحتفاء كانت شكلية، إلا أنها كشفت عن دور العاملين بالقطاع الصحي والبحث العلمي، في لحظات التهديد العالمي كبرى، كأبطال يدافعون عن البشرية دون تمييز على أساس قومي أو عرقي أو ديني.

إسقاط الملكية الفكرية عن تصميم أجهزة التنفس الصناعي

في 31 آذار/مارس، أعلنت شركة ميدروتونيك، وهي إحدى أشهر الشركات المتخصصة في مجال التكنولوجيا الطبية وتصنيع أجهزة التنفس الصناعي عن إسقاط حقوق الملكية الفكرية الخاصة بأجهزة التنفس الصناعي التي تملكها، ومشاركة التصميمات كافة مع دول العالم، للبدء في تصنيعها فورًا بهدف تحقيق الكفاية عالميًا، وهذا القرار رغم نبله مرحليًا، إلا أنه كشف عن مدى غبن اتفاقيات حقوق الملكية الفكرية التي تقف عائقًا دائمًا  أمام حياة بعض البشر في الظروف الطبيعية، لمجرد الحرص على استمرار تدفق أرباح هذه الشركة وغيرها، وأنه لطالما كانت هذه الاتفاقية كانت عائقًا يهدد صحة البشر وقت الأزمة وتطلب الأمر إلغائها، فلماذا لا يتم النقاش حول جدوى وجودها في العموم؟

تحويل المصانع لخطوط إنتاجها

بتأثير الركود العالمي وأزمة كورونا، وتحت ضغط حكومات الدول المختلفة، أعلنت العديد من شركات السيارات الكبرى مثل جنرال موتورز وفورد الأمريكية، وشركة سيات الأوروبية وغيرها، البدء في إنتاج أجهزة التنفس الصناعي وأدوات الوقاية من العدوى لتلبية الحاجة الماسة لها حتى انتهاء الأزمة، كما أعلنت شركة آبل الأمريكية في 8 نيسان/أبريل تبديل بعض خطوط التصنيع الخاصة بها، لإنتاج أجهزة التنفس الصناعي، بالإضافة إلى إنتاج 20 مليون كمامة مخصصة للفريق الطبي، فضلًا عن تصميم دروع شفافة لوقاية الوجه من الفيروس، كما أنه في 6 نيسان/أبريل الماضي، أطلق عمال شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى بمحافظة الغربية، وهي إحدى قلاع صناعة الغزل والنسيج في مصر، عن مبادرة لتحويل بعض خطوط الإنتاج في الشركة لتصنيع الكمامات الجراحية الواقية، وبالفعل بدأ الإنتاج بمعدل 2400 كمامة في الساعة.

رغم أن هذا الإجراءات مؤقتة، وتتسم بكثير من البراغماتية، إلا أنها نماذج حطمت الادعاءات التي تقول باستحالة تعديل خطوط الإنتاج لصالح حاجة المجتمع من ناحية، كما أنها كشفت أنه في حال توفرت الإرادة فمن الممكن أن يعاد ترتيب أولويات الإنتاج لتتسق مع حاجات المجتمع وليس السوق.

كل هذه النماذج وغيرها، هي صور تكشف كيف فشل قانون السوق في التعامل مع الأزمة بنجاح، بل فاقمها في معظم المواقع، وتطلب الأمر تعطيل قانون السوق وعمل إجراءات استثنائية ومرحلية لمواجهة الأزمة، كما أن هذه الإجراءات حطمت الكثير من الثوابت المهيمنة التي روج لها النظام الرأسمالي في السابق، مثل مثالية وعدم إمكانية تطبيق خيار تحويل خطوط الإنتاج لما يخدم حاجة المجتمع وليس السوق، أو الدعاوى النيوليبرالية التي تروج لمشاركة القطاع الخاص في تقديم الخدمة الصحية كخيار أمثل لتحسين الخدمة الصحية، أو الجدل بأن قوانين احتكار الملكية الفكرية هي الحافز لتقدم البشرية تقنيًا.

وأخيرًا، على عكس المقولات التي تسخف من الإجراءات الوقائية التي قامت بها العديد من الدول التي انتصرت بها وجهة النظر الثانية، بحجة استمرار الوباء بها رغم الإجراءات الوقائية، فالحقيقة أنه لولا هذه الإجراءات لتضاعفت أعداد الوفيات من الفيروس مئات المرات عن الأرقام الحالية، فالهدف منها بالأساس هو تعطيل انتشار المرض وتقليل أعداد ضحاياه، وبالتالي تخفيف الضغط على النظام الصحي لحين اكتشاف العلاج.

—————————–

“ألوان كورونا”.. تقرير أمريكي يكشف العنصرية ضد السود خلال الجائحة

كشفت بيانات جديدة، نُشرت الأربعاء، عن حقائق صادمة فيما يتعلق بآثار تفشي فيروس كورونا الجديد في الولايات المتحدة، من ناحية الجماعات الإثنية، حيث كشفت الجائحة بشكل واضح، الفروق الهائلة بين البيض والأمريكيين من أصل أفريقي، فيما يتعلق بفرص الوصول إلى الرعاية الصحية، نتيجة الفجوة في فرص الإصابة بالمرض، واحتمالات الوفاة، وإمكانية الفحوص والقدرة على العلاج.

تشير البيانات التي جمعها APM Research Lab، وهو مؤسسة غير حزبية، أن الأمريكيين من أصل أفريقي تعرضوا للوفاة بسبب مرض كوفيد 19 الناجم عن فيروس كورونا الجديد، بنحو ثلاثة أضعاف معدل الوفيات في أوساط الأشخاص البيض.

وحسب صحيفة الغارديان البريطانية، التي نشرت تقريرًا يستند إلى تلك البيانات، فإن إحصائيات المعهد المنشورة تحت عنوان  “ألوان فيروس كورونا”، توفر أدلة إضافية، على اللامساواة الكبيرة في معدل وفيات “كوفيد 19”  بين الأمريكيين السود وبقية المواطنين، كما يعزز القناعة بوجود تمييز صارخ على أساس اللون، يسيطر على المنظومة الصحية والاجتماعية في البلاد.

وفي جميع أنحاء الولايات المتحدة، توفي الأمريكيون من أصل أفريقي حسب ما توضح الصحيفة، بمعدل 50.3 لكل 100،000 شخص، مقارنة بـ 20.7 للبيض، و22.9 لللاتينيين و22.7 للأمريكيين من أصل آسيوي. حيث توفي أكثر من 20000 أمريكي من أصل أفريقي، ما يعادل واحد من كل 2000 من السكان السود في الولايات المتحدة، بسبب المرض.

وحسب الصحيفة، فإن الإحصائيات في بعض الولايات على انفراد أكثر إثارة للصدمة. حيث يموت السكان السود بمعدل سبعة أضعاف البيض، في بعض الولايات مثل كانساس. وفي العاصمة واشنطن، يبلغ التفاوت في معدل الوفيات بين السود والبيض ست مرات.

وحسب الصحيفة البريطانية، فإنه على الرغم من الفروق الهائلة، التي تشي بسياسات عنصرية صارمة، لا تزال إدارة ترامب بطيئة في الاستجابة للأزمة. وعلى العكس، فقد ألقى مسؤولون في إدارة ترامب، اللوم على الضحايا أنفسهم، وعلى الوضع الصحي لهم، على افتراض أنه منفصل عن واقع التهميش، الذي يتعرضون له. بالإضافة إلى أن هناك أدلة متزايدة على أن الأمريكيين السود محرومون أكثر من الوصول إلى الاختبارات والرعاية الصحية.

————————————

=====================

=========================

تحديث 28 أيار 2020

————————–

سوريا:هلع من كورونا..والنظام يوقف إعادة المغتربين

حالة من التوتر تسيطر على المشهد الصحي في مناطق سيطرة النظام، مع ارتفاع حصيلة المصابين بفيروس كورونا وعدم توفر ما يكفي من بنية تحتية لاستيعاب أعداد كبيرة من المصابين، ما دفع الحكومة إلى وقف رحلات الطيران المخصصة لنقل السوريين الراغبين بالعودة من الخارج.

فقد أعلنت وزارة الصحة في حكومة النظام السوري، صباح الاثنين، تسجيل 20 إصابة جديدة بفيروس كورونا بين السوريين القادمين إلى البلاد، منهم 15 من الكويت، و3 من السودان، و1 من روسيا، و1 من الإمارات.

وحسب بيان صادر عن الوزارة، فإن إجمالي عدد الإصابات بالفيروس المسجلة في سوريا (مناطق سيطرة النظام) بلغ 106، شفيت منها 41 وتوفيت 4 حالات.

وكانت الوزارة أعلنت الأحد تسجيل 16 إصابة جديدة بفيروس كورونا بين السوريين القادمين من الخارج، ما رفع العدد إلى نحو تسعين حالة، بعد أن كان عداد حكومة النظام قد استقر عند الرقم 70 لمدة ثلاثة أيام.

الارتفاع المتزايد وتسجيل أرقام كبيرة من الإصابات (بالمقاييس السورية) خلال ساعات محدودة، تسبب بانتشار حالة من الهلع والتوتر في مناطق سيطرة النظام، حيث يخشى الكثيرون من أن يؤدي تفشي الوباء إلى انهيار المنظومة الصحية في البلاد والتي تعاني بالأصل من مشكلات كبيرة على صعيد الكوادر المتخصصة وعدد الأسرة ونقص المعدات، خاصة أجهزة التنفس الصناعي.

حالة الهلع كانت قد بدأت من قطاع المطارات والطيران المسؤول عن نقل المواطنين السوريين الراغبين بالعودة من الخارج، خاصة وأن جميع الإصابات المسجلة حديثاً تعود لأشخاص عادوا للتو إلى سوريا.

وعلمت “المدن” أن حكومة النظام علقت الرحلات الجوية المخصصة لإعادة السوريين من الدول الأخرى، وأن شركة الطيران الحكومية علّلت قرارها بالاستجابة لطلب من وزارة الصحة قالت فيه إن مراكز الحجر لم تعد قادرة على استيعاب أعداد جديدة من النزلاء.

لكن مصادر “المدن” أكدت أن قرار ايقاف الرحلات الجوية الأخيرة جاء بسبب الذعر الذي سيطر على موظفي “الشركة السورية للطيران” والعاملين في مطار دمشق الدولي، بسبب تأكيد إصابات عدد غير قليل بين القادمين من الخارج خلال الأيام الخمسة الماضية، وأن معظم طواقم الطيران باتت تتهرب من العمل وطلبت إجازة خلال فترة العيد.

ويبدو الحديث عن طاقة مراكز الحجر التي خصصتها وزارة الصحة للقادمين من الخارج، الذين يتوجب عليهم البقاء تحت المراقبة في هذه المراكز لمدة 14 يوماً، مثيراً للسخرية بالنسبة للكثيرين، خاصة وأن هذه المراكز ليست سوى غرف بائسة في المدينة السكنية الجامعية، وعنابر أخرى متهالكة في دار قديمة للأيتام في دمشق تم تجهيزها على عجل.

وشهد العديد من مراكز الحجر هذه اضطرابات وحالات اعتداء وضرب متبادل بين العاملين فيها والنزلاء، حسب معلومات حصلت عليها “المدن”، بسبب سوء المعاملة وانعدام النظافة وغياب الخدمات، بالإضافة إلى قلة عدد الكوادر العاملة، ما استدعى تدخل الشرطة في بعض الحالات.

وكانت حالة من الذعر قد انتشرت خلال اليومين الماضيين بين العاملين في مرفأ طرطوس، الذي تديره شركة روسية، بعد ما أعلنت وزارة الصحة أن نتيجة تحليل أحد الموظفين الروس جاءت موجبة، قبل أن تعود الوزارة وتنفي إصابته، مدعية وجود خطأ في نتائج التحليل.

وأوضحت الوزارة في بيان، أن “الفحص الأول لأحد عناصر الجانب الروسي في مرفأ طرطوس أمس كان قد أظهر نتيجة موجبة”، مشيرة إلى أنها اتخذت إثر ذلك قراراً بمنع العمال من الخروج من المرفأ الى حين إجراء الفحوص لجميع المخالطين للحالة المشتبهة، “حيث جاءت نتائج فحوص جميع العاملين سالبة وسمح لهم بالخروج إلى منازلهم وعاد المرفأ للعمل بشكل طبيعي”.

وأضافت الوزارة أنه تمت الاثنين اعادة إجراء اختبار “PCR” ثانٍ للحالة المشتبهة لتأكيد أو نفي إصابتها بالفيروس وجاءت النتيجة سالبة.

يشار إلى أنه وفق وزارة الصحة التابعة للنظام، لم تسجل أي إصابة محلية بالفيروس منذ بداية شهر أيار/مايو، فيما سجلت أول اصابة بفيروس كورونا في في مناطق سيطرة النظام رسمياً، في 22 آذار/مارس، لشخص قادم من خارج البلاد أيضاً، بينما تم تسجيل أول حالة وفاة في 29 من الشهر ذاته.

—————————————–

النظام السوري يلغي الإجراءات الاحترازية رغم ارتفاع الإصابات بكورونا/ عبد الرحمن خضر

أعلن الفريق الحكومي، المشكل من مجلس الوزراء التابع للنظام السوري، مساء الاثنين، إلغاء العمل بمعظم الإجراءات التي اتخذها بعد انتشار فيروس كورونا الجديد في البلاد، بالرغم من تسجيل أعلى رقم من المصابين وارتفاع العدد الإجمالي إلى أكثر من 100.

وقرر الفريق، وفق موقع مجلس رئاسة الوزراء، إلغاء حظر التجول الليلي المفروض بشكل كامل اعتباراً من مساء الثلاثاء، ورفع منع التنقل بين المحافظات، والسماح بالنقل الجماعي فيما بينها، وتمديد فترة فتح المحلات والأسواق التجارية لتصبح من الساعة الثامنة صباحاً حتى السابعة مساءً خلال فصل الصيف.

كما أكد على قرار وزارتي التربية والتعليم العالي بإقامة امتحانات شهادات التعليم الأساسي والثانوي والجامعي في موعدها المقرر، مع مراعاة الإجراءات الاحترازية والاشتراطات الصحية والتباعد المكاني والتأكيد على منع كافة مظاهر التجمعات، وزيادة التوعية بين الطلاب، كما تم تحديد دوام الجامعات من الساعة التاسعة والنصف صباحاً حتى التاسعة والنصف مساءً.

وأشار إلى الإبقاء على إمكانية اللجوء إلى فرض حظر التجول التام والشامل في أي لحظة، وفقاً للمتغيرات المتعلقة بفيروس كورونا، وأوضح أن كافة الإجراءات التدريجية تهدف إلى تحقيق التوازن بين السلامة الصحية والتصدي للفيروس من جهة، واستمرار الحياة الاقتصادية من جهة أخرى.

وأضاف أنه، وبعد إعادة تقييم استقدام المواطنين السوريين العالقين في الدول الأخرى بعد انتشار وباء كورونا، تقرر استمرار تعليق استقدامهم حتى إشعار آخر، وإحالة الداخلين إلى القطر بشكل غير شرعي إلى القضاء، بعد خضوعهم لإجراءات الحجر.

وفي وقت سابق الاثنين، سجّلت وزارة الصحة 20 إصابة جديدة بين السوريين الذين كانوا عالقين في الخارج، وأشارت إلى أن جميع الإصابات التي سجّلت أخيراً، كانت بين العائدين حديثاً.

وبالارتفاع الجديد في أعداد المصابين بالفيروس، بلغ عدد المصابين في البلاد 106، تعافى منهم 41، وتوفي أربعة، بينما تشكّك العديد من الجهات في الأرقام التي يعلنها النظام، وأحصى المرصد السوري أكثر من 150 إصابة.

من جانبها، أعلنت وزارة الصحة في الحكومة السورية المؤقتة، عدم تسجيل أيّ إصابة بالفيروس، في شمال غرب سورية، الخارج عن سيطرة النظام السوري، وذكرت في بيان أنّ عدد الفحوص التي أُجريت للحالات المشكوك فيها، حتى أمس الأحد، بلغ 789 فحصاً، جميع نتائجها جاءت سالبة.

العربي الجديد

——————————

ليس العالَم مكاناً سيئاً/ فوّاز حداد

تبدو صورة العالم قاتمةً، أضاف “كورونا” المرضَ والموت إلى الفساد المستشري على جميع المستويات، يشمل رؤساء وقادة وحكومات وأجهزة أمن وشرطة. الصورة مرعبة عندما تنطلق الشاحنات من المستشفيات محمَّلة بالجثث إلى المقبرة الجماعية أو المحرقة، لا يصحبها أهالي الضحايا، لا بكاء أو نحيب، ولا آيات قرآنية أو تراتيل كنسية، يُدفن الضحايا بأكياس سوداء، في أرض غريبة، بلا وداع أو تعزية، ولا عزاء… حرب غامضة شُنت على عالم يجهل ما ينتظره.

إذا أردنا رؤية العالم بهذه الصورة المتشائمة، والبقاء مكتوفي الأيدي، فالعالم في طريقه إلى التحلّل من شدّة الخوف. هذه الصورة حقيقية؛ البشرية مهدَّدة، لكن يجب ألّا تعمينا عن الإنسانية التي تدافع عن البقاء بأكثر الوسائل إنسانيةً. نادراً في تاريخ البشرية، ما أحسّ البشر بإنسانيتهم على الرغم من تنوُّع جنسياتهم وبلدانهم، وما يفصلهم من مسافات. وإذا كانوا قد تكاتفوا دفاعاً عن الحياة، فلم يتوانوا عن تكريس جهودهم إلى حد التضحية بالنفس لإنقاذ أشخاص لا يعرفونهم… إنه نداء الإنسانية يسطع في العالم.

الأكثر دلالة على الاستجابة لهذا النداء الإنساني تحرُّك آلاف الأطبّاء لمعالجة ضحايا الكورونا، ولم يكن العمل بلا مخاطر في مستشفيات تعجّ بالمرضى، وقابلة لنقل العدوى، فسقط الكثيرون منهم، كان من بينهم أطبّاء عرب لاقوا حتفهم في مستشفيات أميركية وبريطانية وإيطالية. الطبُّ مثل المرض لا جنسية له، برهن عليها أكثر من مائتي طبيب كوبي شجاع توجّهوا إلى جنوب أفريقيا لمواجهة الوباء. هؤلاء الأطباء جزء من جيش الأطباء العالمي، غادروا بلدانهم وتركوا عائلاتهم لمساعدة البلدان التي تحتاج إلى مساندة طبية.

وسقط أيضاً الكثير من جيوش العاملين في المستشفيات، من ممرّضين وممرّضات، وعلماء في مراكز الأبحاث، وأعدادٌ لا يُستهان بها من المتطوّعين كانوا من المقاتلين على خطوط التماس مع “كورونا”، لم يشمئزّوا من القيام بأي عمل، من بينهم لاجئون، كسوري شاب اسمه حسان عقّاد، وهو مصوّر سينمائي أخرج عدة أفلام قصيرة ونال جائزة الأكاديمية البريطانية “بافتا”.

تطوّع عامل تنظيفات في أحد المستشفيات في لندن عاصمة وطنه البديل، وكان حريصاً على تقديم ما يضمن لهؤلاء الذين يعيش بينهم قدراً من الأمان افتقده في بلده الأصلي، حيث عُذّب وطورد وسُجن مرّتين. لم يُقصّر عندما وجّه رسالة إلى رئيس الوزراء البريطاني، من خلال فيديو استغرق أقل من دقيقتين، انتقده على قرارٍ منح فيه الأطباء الإقامة الدائمة، وحجبها عن العاملين بالتنظيفات، ما اضطر الوزارة إلى تعديله بقرار يشمل جميع العاملين بالمشافي، خلال خمس ساعات.

كما أسهم ناس عاديون في عزلتهم بمساعدة بشر محتاجين للطعام؛ ففي بنغالور بالهند، انتشرت مطاعم صغيرة، يحضر فيها متطوّعون وجبات غذائية طازجة لعشرة آلاف محتاج يومياً بلا أي مقابل. لم تقتصر على بنغالور وحدها، ولا الهند، طاولت مختلف بلدان العالم. بينما في نابولي بإيطاليا اتخذت المساعدة إعداد “سلّات غذائية” تحتوى على طعام وخضار وفواكه، تتدلّى من الشرفات للعابرين، أو توضع على أرصفة الشوارع وطرقات السفر لسائقي الشاحنات. الظاهرةٌ تعدّت نابولي إلى العالم كلّه، وصار الناس يساعدون جيرانهم وأهاليهم فيؤمّنون لهم المواد الغذائية ويطبخون للمحتاجين”. الصورة مشجّعة، العالم متضامن ومتكافل.

هذا لا يُبعد أنظارنا عن الهامش الأسود، حيث حكومات تتبادل الاتهامات بالمؤامرة، بدلاً من التعاون على إيجاد لقاح وعلاج للوباء، وتستغل الكورونا بالتنافس بينها دعائياً، أمّا عملياً، فالسباق على جني المكاسب.

الهامش الأسود يتّسع في بلدان منطقتنا، ففي سورية، يعيش الأهالي حالة من الترقّب، يخشون أن يعمّ الوباء البلاد، تحت ظلال أسوأ كارثة اقتصادية من الغلاء وهبوط الليرة والفقر والجوع، واشتداد الخلاف بين رؤوس النظام حول تقاسم حصص الأموال المنهوبة، بينما تتجمّع المليشيات مع الجيش لشنّ هجمات على مدينة إدلب التي تضمّ إضافة إلى سكانها نازحين من مختلف المدن والقرى السورية، وطردهم إلى خارج الحدود، رغم أوضاعهم المأساوية.

بالمقارنة، في “كيب تاون”، جرت المصالحات بين جهات متنازعة، بعد سنوات طويلة من الصراعات، وبدأ المتقاتلون العمل معاً لتأمين الطعام للعائلات المحتاجة. حتى أن القسّ أندي ستيل صرح: “ما نشهده اليوم هو معجزة تتحقّق”.

يصعب أن نشهد معجزة في سورية، إنها وحيدة، ولا أحد يساندها، لو توفّرت ضمانة لملايين اللاجئين السوريّين، لعادوا إلى بلدهم، ليساهموا مع غيرهم في إعادة بنائه.

إذا كان للسلام أن يعمّ العالم، فليس بوجود نظام يقتل شعبه منذ ما يزيد عن تسع سنوات، آن لهذا الشعب أن يضمّد جراحه. لا يمكن لهذا العالم أن يكون بريئاً من دون مساندة السوريّين على التخلّص من نظام بات البقعة السوداء في ضمير العالم.

إذا كانت الحكومات فاسدة، فالناس ليسوا سيّئين، ولا العالم مكان سيّئ. نحن الذين نصنع من هذا العالم مكاناً قبيحاً أو جميلاً. لكن لا جمال من دون عدالة، ولا جمال مع البؤس.

* روائي من سورية

العربي الجديد

————————–

اعتبر ترامب معتلا اجتماعيا ومصابا بجنون العظمة.. نعوم تشومسكي: أميركا “تتجه نحو الهاوية” في عالم ما بعد كورونا

يرى الفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي أن الولايات المتحدة تتّجه نحو الكارثة نتيجة افتقادها إستراتيجية اتحادية في مواجهة فيروس كورونا، وعدم وجود ضمان صحي للجميع فيها، فضلا عن عدم إقرارها بخطورة التغير المناخي.

ويلزم تشومسكي -المفكر اليساري المؤثر والبالغ من العمر 91 عاما- الحجر في منزله في مدينة توكسون الأميركية منذ شهرين مع زوجته البرازيلية وكلبهما وببغائهما.

وأرجع تشومسكي -في حوار مع وكالة الصحافة الفرنسية- ما يجري في الولايات المتحدة، البلد الأكثر تضررا من فيروس كورونا المستجد، إلى عدم وجود إدارة متماسكة.

وأضاف “يقود البيت الأبيض شخص معتل اجتماعيا، مصاب بجنون العظمة، لا يكترث إلا لسلطته والاستحقاقات الانتخابية. عليه بالتأكيد أن يحافظ على دعم قاعدته، التي تضم الثروات الكبرى وأبرز أرباب العمل”.

وتابع تشومسكي -صاحب أكثر من مئة مؤلف والأستاذ في جامعة أريزونا- أن ترامب منذ وصوله إلى السلطة، فكّك آلية الوقاية من الأوبئة كاملة، فاقتطع من تمويل مراكز الوقاية من الأوبئة، وألغى برامج التعاون مع العلماء الصينيين الهادفة لتحديد الفيروسات المحتملة، مؤكدا أن الولايات المتحدة كانت غير مهيأة بشكل خاص.

وأضاف أن “المجتمع (الأميركي) مجتمع مخصخص، غني جدا، لديه ميزات كبرى، لكن تهمين عليه المصالح الخاصة. لا يوجد نظام صحي للجميع، وهو أمر شديد الأهمية اليوم. هذا ما يمكن وصفة بالنظام النيوليبرالي بامتياز”.

وعلى صعيد أوروبا، أوضح تشومسكي أنها أسوأ من نواحٍ عديدة في ظل برامج تقشف تزيد من مستوى الخطر، والهجمات ضد الديمقراطية، ونقل القرارات إلى بروكسل وبيروقراطية “الترويكا” غير المنتخبة (المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي). لكنها تملك على الأقل بقايا هيكل اجتماعي ديمقراطي يؤمّن قدرا من الدعم، وهو ما تفتقر إليه الولايات المتحدة.

واعتبر تشومسكي أنه رغم خطورة وباء كورونا، فإنه ليس الخطر الأكبر، “سنخرج من الوباء، مقابل ثمن عالٍ جدا. لكننا لن نتعافى أبدا من ذوبان الغطاء الجليدي في القطبين، وارتفاع منسوب البحار، والآثار الأخرى السلبية للتغير المناخي”.

وتساءل المفكر الأميركي “ماذا نفعل حيال ذلك؟ كل بلد يقوم بأمر ما، لكن ليس بما يكفي. الولايات المتحدة من جهتها تقوم بالكثير، تتوجه مسرعة نحو الهاوية عبر إلغاء البرامج والتشريعات التي من شأنها التخفيف من وطأة الكارثة”.

وأضاف أن هذا هو الوضع الحالي، لكن يمكن لذلك أن يتغير. لا تزال هناك قوى عالمية تواصل الكفاح. السؤال هو معرفة كيف ستخرج هذه القوى (من الأزمة) في المستقبل، وهذا ما سيحدد مصير العالم.

الولايات المتحجدة هي الدولة الأكثر تضررا بجائحة كورونا حول العالم (رويترز)

رقابة رقمية

وعما إذا كان العالم قد دخل حقبة جديدة من الرقابة الرقمية، خصوصا مع استخدام العديد من الدول التكنولوجيا لمراقبة السكان من أجل مكافحة الفيروس، رأى تشومسكي أن ما يعرف بـ”إنترنت الأشياء” أصبح رائجا، وأن بعض المجتمعات تطوّر تقنيات تتيح لأرباب العمل رؤية ما الذي يقوم به موظفوهم خلف شاشات حواسيبهم، والتحقق مما يكتبونه عبر لوحة مفاتيحهم، ومعرفة ما إذا ابتعد الموظف عن شاشته، واعتبار ذلك بمثابة فترة استراحة.

وأضاف أن كل أغراض المنزل باتت إلكترونية، وأن الأمر عمليّ، “لكن المعلومات تذهب إلى غوغل وفيسبوك والحكومة، وهذا يعطي إمكانية هائلة للمراقبة والرصد”، معتبرا أن “هذا ما نعيشه الآن، ليس أمرا سنصل إليه في المستقبل”.

وحذر المفكر الأميركي من أن ترك شركات التكنولوجية العملاقة تسيطر على حياتنا، سيجعل الأمر مشابها لما هو قائم في الصين، حيث توجد أنظمة (أرصدة) اجتماعية، وتقنية التعرف على الوجه في كل مكان، وكل ما يقوم به الناس مراقب، وإذا عبروا في المكان الخطأ، يمكن أن يخسروا من رصيدهم.

وختم تشومسكي حديثه بالقول إن “الأمر ليس حتميا، كما أن التغير المناخي ليس حتميا. بإمكاننا أن ندع ذلك يحدث كما بإمكاننا وضع حد له”.

المصدر : الفرنسية

——————–

زمن النهايات/ مالك ونوس

بدا العالم وقد وصل إلى حافةٍ وضَعَه عليها فيروس لا يُرى بالعين المجردة، تبيَّن أنه لا يصيب الأجهزة التنفسية للإنسان ويُعلُّه، بقدر ما يصيب منظومة العالم الفكرية، وإرثه الثقافي والمعرفي، ويجعل كل شيء يتوقف عند حافّةٍ أو حدٍّ، لا يستطيع تخطيه، وإن تخطاه وقع في هوّةٍ غير مدرَكة القاع. وعندما وصل إلى هذه الحافة جعله الفيروس يدخل حالة الترقُّب، لتصير الحافة أشبه ما تكون بنهايةٍ، أو نهاياتٍ، ستأتي من بعدها بداياتٌ جديدةٌ، قد تقطع مع كلِّ المتراكمات والسرديات، وقد تكون مجرَّد فراغٍ يتمدد لكي يحضِّر الأرضية لإعادة ولادة الإنسان، الإنسان الذي امحى حين جرَّده عصر الاستهلاك من قيمته، يوم دخل في سيرورة الانتقال من الصلابة إلى السيولة حيث سيادة السطحية والمتع الوقتية. وليس من الضروري أن يكون زمن النهايات زمنًا للآلام، إذ قد لا يترافق المخاض بالآلام التي رافقت ولادته منتصف القرن الخامس والسادس عشر، حين بدأت المعرفة تعطي قيمة للإنسان وتعلي قدّرِ إنسانيته وعقله، هذه القيمة التي انهارت مع تشييء الرأسمالية المتوحشة كل ما وقع تحت يدها، ومنها الإنسان.

ليس من اليسير توقُّعُ ما سيأتي بعد الحد الذي توقف عنده العالم بفعل كورونا؛ إذ لم يعطِ الفيروس العالم الفرصة لكي يتجهَّز لليوم التالي، فقد باغت الكوكبَ، مفرملًا حركته، واضعًا إياهُ أمام الأسئلة الكبرى عن كنهِ هذا الإنسان الذي يعيش على ظهره. ولم تنجح الحصون التي ابتدعها الانسان في وقايته من الوقوف عند الحد، بدت المدينة وما قامت عليه من معابدٍ ومساكنٍ ومصحّاتٍ ومراكز أبحاثٍ وعلمٍ وأدبٍ وفلسفةٍ وأخلاقٍ، بدت ستارًا شفافًا أمام المُباغت الذي سيحضر، لا ريب، بعد انحسار الفيروس، أو حتى بعد تعايشه مع أجهزة الإنسان الصَّادَّة، أو تعايش الإنسان معه في تمظهراته التي قد يحدثها تطوره وطفراته الجينية وهو يتطاير في الأثير أو وهو يتجول في خلايا الإنسان.

أوقف الفيروس كل حركةٍ على الكوكب، ومع توقف الحركة بدأت النهايات تطلُّ برأسها، رأى الأمر المفكر ميشيل فوكو قبل عقودٍ، ولم يصدقه كثيرون. وعلى الرغم من أنه لم يكن يتحدث عن أثرِ الفيروس، لكن من المؤكد أنه لم يكن ليتخيل أن يتكفَّل فيروسٌ ما بمهمة الإغلاق هذه. لقد “ذاب كل ما هو صلب”، و”تدنَّسَ كل ما هو مقدَّس” كرَّسته الرأسمالية التي استبدلت القيم الكبرى بالأمكنة والأشخاص والأشياء والسلع. توقفت المدن الحديثة التي لا تتوقف، وربضَت طائرات الكرة الأرضية، على أرضٍ تنوء تحت ثقلها الطارئ عليها. وجهدت السكك الحديدية لمقاومة الصدأ الذي بدأ يغزو قضبانها بعد غياب القطارات التي كانت تجلوه. وارتفع السؤال عن المدينة وعن الحداثة وعن العمارات والأفكار وهل كانت كلها حقيقية؟ أم أن النزوع إلى الأجمل والأقوى والأعلى والأكبر والأكثر غنى، لم يفعل شيئًا سوى إسباغِ قشريةٍ على الجمال والقوة والرِّفعة والغنى حتى تخلخلت كل المعايير التي حدَّدت ما صنعناه وأَسَرَنا طيلة هذه القرون؟ الآن بالتحديد، وُضعت الحداثة موضع التشكيك بمقولاتها حول العلم والعقل والقيم والتقدُّم والهوية والحقيقة، فهل كانت ناقصة، أم قاصرة، أم أنها توقفت عند حدٍّ جعل مهمة إيجاد الحلول لمشكلات الإنسان، كلُّ مشكلاته معلقةً؟

صيَّر الفيروس هذه المدينة سجنًا لأبنائها. طوبى لساكني القرى والمنفيين في الأدغال، المتقطعةَ بهم سبل التواصل مع الحضارة والمعتاشون على ما يزرعونه أو يصطادونه. هؤلاء هم الناجون من لوثة الصخب والتواصل اليومي واللحظي، ومن البحث عن حيِّزٍ أوسع للجسد وسط الزحام وحرارة الأجساد المحيطة المتلاصقة في طوابير محطات القطار ومواقف الباصات وأمام محلات بيع التجزئة وإشارات المرور، المتخمةُ رئاتهم بالهواء الملوث، الهواء الذي قنَّنته المدينة بعد أن لوَّثته. ولم يبقَ لك في المدينة سوى الشرفات، وللشرفات في المدينة حدٌّ، ولِيَدِكَ الممدودة منها حدٌّ، إن تجاوزته قطعها لك الفيروس بمنشاره.

أجبر الفيروس نجوم مدينة الحداثة اللامعة، أجبرهم على التخفي. اختفى مصممو الأزياء وصانعو العطور الفاخرة والمجوهرات والأزياء ونجوم السينما والغناء وأصحاب شركات الإنتاج الفني. واختفى نجوم كرة القدم والدعاة الدينيون الجدد الذين يتبعون لشركات الانتاج التي لها نفسها يتبع المغنّون. كما اختفت عارضات وعارضو الأزياء ونجوم تلفزيون الواقع، لقد كنَّستهم المدينة جميعًا، مثلما كنَّست من قبلُ عاصفةُ محمود درويش “صوتَ العصافير البليدة” تلك العصافير التي ربضت على “الغصون المستعارة” التي كنَّستها العاصفة هي أيضًا. وبقيت المدينة ترنو إلى نجومٍ حقيقيين، هم نجوم إنتاج القمح والبطاطا الذين بقوا خارج حدّها ولم يلوثهم لمعان أنوارها. كما صارت ترنو إلى أبطال حقيقيين، أصحاب الزي الأبيض في المشافي، والذين همَّشتهم حين أسبغت أنوارها ونياشينها وذهبها على نجوم كرة القدم المتوارين عن أعين الفيروس في جزرهم القصيّة في البحار والمحيطات.

قد نستفيق بعد فترةٍ قصيرةٍ، لنكتشف أننا كنا نعيش في ظلِّ قرونٍ وسطى مستجدّةٍ، ليست وسائل النقل الحديثة والتكنولوجيا المتطورة والصناعات الجبارة والإعلام سوى قشرياتٍ حاولت أن تطغى، أو تغطّي، على هذه القرون الوسطى التي عادت تسكن زوايا العقول، حين ساد الخوف واعتلى حياتنا وعُدْنا عبيدًا له، مثلما كان سائدًا في تلك العصور. ولن نبحث كثيرًا من أجل الوصول إلى اكتشاف أننا بحاجة إلى عصر نهضةٍ جديدٍ يليق بالإنسان الذي استقام على رجليه، بكل بهاء العقل الذي ميَّزه عن المخلوقات الأخرى. أصبح لزامًا علينا أن نكتشف قوانين الوجود من جديد، لكي نتحرر من جديدٍ من الخوف، ربما نعود لنكتشف ما نقصنا، وربما نهتدي إلى ما زَرِبَ في المسير الطويلِ من قُرَبِنا مع الماء، إنه الإنسان، سقط على التراب الذي صيَّره الماءُ الزارب وحلًا. هل ما سيبدأ من هذه النهايات التي نقف في حضرتها بكل أبَّهةِ هشاشتنا، هو ما سيمد يده ليُخرج الإنسان من الوحلِ ويأخذه إلى أرضٍ جديدةٍ؟ ربما.

ضفة ثالثة

—————————–

سُوسْيُولوجيا المُستعجلات: السوسيولوجيا في قبضة كورونا/ عثمان لكعشمي

منذ اللحظة الأولى التي تجاوز فيها فيروس كورونا المجال الترابي الصيني، قبل إعلانه وباء عالمياً، مروراً بإعلانه وباءً عالمياً وانتشاره على مدى واسع في أرجاء المعمورة، وصولاً إلى اليوم، وخرجات عُلماء الاجتماع بخاصة، وغيرهم مِن الباحثين في مجالات العلُوم الاجتماعية بعامّة، لا تنفكّ عن التوقّف، سواء عندنا في المغرب والعالم العربي أو عند غيرنا في الغرب.

مُجمل ومُعظم هذه الخَرجات كانت في البداية بمثابة خرجات صحافية في هذا المنبر أو ذاك، مرئية ومسموعة كانت، أم صحافية مكتوبة، التي أخذت في الغالب شكل حوار صحافي. إلى أنْ تتطوّر لاحقاً إلى مقالات أكاديميّة في العديد من مراكز الأبحاث والدراسات، وفي العديد مِن المجلاّت التي خصّصت أعداداً خاصة بالجائحة المعنية. إلى درجة تأليف بضعة كُتب خاصّة بهذه الجائحة مِن تأليف باحثين يُراد لهم أنْ يكونوا عُلماء اجتماع. بغض النظر عن تنظيم لقاءات وندوات افتراضية، و«لاَيْفَاتْ» يومية في الوسائط الإعلامية الجديدة، كما هو حال فيسبوك على سبيل المثال، مِن طرف هذه الجهة أو تلك، مِن طرف هذا الباحث أو ذاك.

ما هذا التهافت؟ متى كانت السُّوسيولوجيا مُتهافِتة إلى هذه الدرجة… على المُستعجل والطارئ والسريع والجاهز؟ هل يُراد للسُّوسيولوجيا أنْ تكون عِلماً للمستعجلات؟ هذا إذا سلّمنا فعلاً بسوسيولوجية (عِلمية وموضوعية) تلك الخرجات والمواقف- المشبوهة علمياً- الخاصّة بكورونا.

هناك الكثير من الكلام قيل بخصوص التداعيات والانعكاسات الاجتماعية لفيروس كورونا المُستجد. وهو كلام محسوب على باحثين يُسجّلون انخراطهم في مجالات معرفية خِصبة، لها قواعدها الإبستيمولوجية الرصينة، وصرامتها المنهجية اللازمة، في أيّ تشخيص أو بالأحرى في أي كلمة تقال باسم هذا التخصص العِلمي أو ذاك. فهذا يُحدّثنا عن تداعيات كورونا على الرابط الاجتماعي، وذاك عن التضامن الاجتماعي، وآخرون عن المابعديات «ما بعد كورونا»، وغيرهم عن الدولة الوطنية والدولة الاجتماعية، وهناك مَن يتحدث عن «النوع الاجتماعي»، ومجتمع المخاطر، والخطاب، إلخ. وبغض النظر عن الإسقاطات القاتلة للاجتماعي بكل أشكاله وألوانه، في ما يُسمى صحافياً بـ«زمن كورونا».

كلام كثير وفضفاض يَلبس لباساً سوسيولوجياً مُلغماً، قد ينفجرعلى أصحابه في أيّ لحظة، قد يمنحنا انطباعاً مغلوطاً، يُمكن أنْ يفضي بنا إلى الاعتقاد بأنّ كورونا ابتلعت العالَم الاجتماعي، ماذا تعتقدون، هل تعتقدون أنكم ابتلعتم العالَم الاجتماعي؟

كلّ هذا التهافت المُعمَّم قد يكون مفهوماً إلى حدّ ما كآراء وانطباعات منفصلة عن أصحابها، ومجالات تخصُّصهم العِلمي، إذا ما نحن استحضرنا وَقع كورونا على البشرية برمَّتها، فضلاً عن العنف الذي يُمارسه علينا الراهن باستمرار: عنف الراهن. الأمر الذي يفرض على المرء نوعاً مِن المواكبة والراهنية، أيْ المراهنة على كلّ ما هو راهني وجديد، مِن طرف الإعلام والعُلماء والمثقفين والمفكرين، بتعدّد مشاربهم وانتماءاتهم الاجتماعية والسياسية والمعرفية، في رصد الوضع الراهن ومجرياته المتدفِّقة، فضلاً عن كون كورونا اليوم يُمكن أنْ يَعنينا أكثر من أيّ شيء آخر. قد يدقّ على بابنا في أيّ لحظة، مهدّداً لوجودنا وكينونتنا، منتزعاً لحيواتنا، خاصّة إذا أخذنا في الحُسبان أنّ الأمر يتعلّق بجائحة عالمية اجتاحت الكثير مِن الأجساد، وانتزعت الكثير مِن الحيوات الإنسانية مِن مجتمعات ودول وطبقات وسياقات ووضعيات مختلفة. لكن ينبغي أن لا يُسقطنا ذلك التهافت المبرّر إلى حدّ ما، بالخوف مِن المجهول(كورونا، الموت) حتى في أكثر المجتمعات تديناً أو بعنف الراهن، في الارتجالية المعرفية، أو سذاجة الحسّ المشترك، أو بلاهة القول (الأفكار الجاهزة). ومن ثمّ المُساهمة في توليد وعي زائف.. باسم تخصُّصات علميّة مخصوصة، كما هو شأن العُلوم الاجتماعية.

تخصُّصات عِلمية، تتطلّب الكثير مِن الحذر الإبستيمولوجي والمسافة المنهجية الضرورية للتعاطي العلمي الرصين، مع واقعة لا تزال جارية.. لم تكتمل معالِمها بعد، حتى لا نسقط في مطبّ وَهم الفهم والتفسير، عوض الفهم والتفسير الحقيقييْن، اللذين يفرضان نوعاً مِن الممارسة الإمبريقية الاستقرائية. وهو أمر متعذر حالياً لكوننا بصدد واقعة لم تُصغ بعد، كما أسلفنا الذكر. ماذا عن التنبُّؤ، هل يُمكن للعلوم الاجتماعية بعامّة والسوسيولوجيا بخاصّة، أنْ تمنحنا إمكانية التنبّؤ بالمفعولات والانعكاسات الاجتماعية لكورونا؟ الجواب قطعاً هو لا. فعلى عكس العُلوم الطبيعية، فإنّ التنبّؤ غير ممكن إبيستيمولوجياً في مجالات العلوم الاجتماعية. ما الذي يُمكننا فعله؟ لا نملك في الوقت الراهن إلاّ التفكير، ولا شيء غير التفكير. من خلال استشكال كورونا، وطرح الأسئلة بصددها، مع صياغة فرضيات أو أجوبة احتمالية ومؤقتة، يمكنها أنْ تساعدنا بشكل أو بآخر على الاستفهام والفهم، الاستفسار والتفسير، وبالتالي المساهمة في وضع أسس وبرامج وخطاطات لمشاريع بحثية ممكنة في الأفق.

قد نتفهم هذا التهافت، إذا نحن أخذنا بعين الاعتبار الطلب الاجتماعي المتمثل في فهم ما يجري ويُعتمل اجتماعياً ومجتمعياً، جراء انتشار وباء كورونا، لكن لا ينبغي على ذلك أنْ يُسقطنا في سوسيولوجيا الجاهز والطارئ والمستعجل. ومن ثمّ رمي السوسيولوجيا في مستعجلات كورونا، فتصبح السوسيولوجيا، نتيجة لذلك في قبضة كورونا عوض أنْ تصير كورونا في قبضة السوسيولوجيا. فتغدو السوسيولوجيا، بمثابة سوسيولوجيا للمستعجلات، سوسيولوجيا مُتهافتة.

كاتب مغربي

القدس العربي

————————

دراسة: الإصابة الخفيفة بكورونا قد تمنح المصاب أجساما مضادة

كشفت دراسة فرنسية جديدة أنه من الممكن لمن عانوا من مرض خفيف بفيروس كورونا أن يطوروا أجساما مضادة قد تحصنهم لعدة أسابيع أو أكثر من الفيروس.

واختبرت الدراسة موظفي مستشفى مصابين بعدوى خفيفة من “كوفيد-19”. وقالوا إن النتائج، كانت “مشجعة” حيث لا يعرف سوى القليل عن آليات المناعة ضد فيروس كورونا الجديد، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من أشكال طفيفة من المرض.

وقال أرنو فونتانيت، رئيس قسم الصحة العالمية في معهد باستور، الذي أجرى البحث مع المستشفى الجامعي في ستراسبورغ: “علمنا أن الأشخاص الذين يعانون من أشكال شديدة من المرض طوروا أجساما مضادة في غضون 15 يوما من ظهور الأعراض”.

وأضاف: “نعلم الآن أن هذا ينطبق أيضا على أولئك الذين يصابون بأشكال طفيفة من المرض، حتى لو كانت معدلات الأجسام المضادة أضعف على الأرجح”.

ويشير نوعان من الاختبارات المصلية، التي تهدف إلى البحث عن عدوى سابقة، إلى أن جميع العاملين الصحيين تقريبا، 153 من أصل 160 في اختبار أول، و159 من أصل 160 في اختبار آخر، طوروا أجساما مضادة في غضون 15 يوما بعد ظهور العدوى.

وباستخدام اختبار منفصل لتحديد ما إذا كان الجسم المضاد يمكنه إبطال مفعول الفيروس، وجدت الدراسة أن نحو 98% من المتطوعين لديهم هذه الأجسام المضادة لمدة بين 28 و41 يوما بعد ظهور العلامات الأولى للعدوى.

وقال الباحثون في بيان يوم الثلاثاء، إن نشاط تحييد الأجسام المضادة قد يتزايد بمرور الوقت.

—————————-

زمن كورونا..دروس مجانية بالرقص واستبدال جائزة بريطانية بمنح

على إيقاعات الموسيقى الصاخبة في غرفة معيشته، ينفذ مصمم الرقصات ومدرب الرقص حنا طمس حركات الدبكة المعقدة فيما يتابعه عشرات الطلاب عبر الإنترنت ويحاولون تقليده، من غرف المعيشة الخاصة بهم أيضًا.

وطمس (25 عامًا) عضو في فرقة رقص مقرها القدس، وهي فرقة دوبان للرقص المتخصص، التي تجمع راقصين محترفين من جميع أنحاء العالم عبر منصة لتقديم دروس الرقص عبر الإنترنت لمن يرغبون في الاستمرار في التدريب أثناء إجراءات العزل العام بسبب فيروس كورونا المستجد.

وخلال الفترة من الثامن حتى التاسع عشر من مايو/أيار، قدم الراقصون والمدربون من 12 دولة مجموعة متنوعة من دروس الرقص المجانية عبر الإنترنت من ثقافات مختلفة، ليجتذبوا ما بين 30 و90 مشاركا من جميع أنحاء العالم كل يوم.

وتولدت فكرة إقامة ورشة العمل بعد أن أعرب راقصون من أنحاء العالم عن شعورهم بالإحباط بسبب عدم عجزهم عن الرقص معًا منذ اندلاع الأزمة.

وأعلن مسؤولو الصحة عن 602 إصابة مؤكدة بالفيروس في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، مع خمس وفيات.

وفي القدس الشرقية، فرضت سلطات الاحتلال قيودًا على الحركة، وإجراءات عزل عام جزئي، وتعليق صلاة الجماعة في المساجد بما في ذلك المسجد الأقصى وقبة الصخرة للحد من انتشار المرض.

استبدال جائزة تورنر البريطانية هذا العام بمنح لمساعدة الفنانين

أعلن متحف “تايت” البريطاني أن جائزة تورنر العريقة للفن المعاصر ستستبدل هذا العام بمنح مخصصة لدعم عشرة فنانين في فترة وباء كوفيد-19 الراهنة.

وسيجري اختيار الفائزين بـ”منح تورنر” في حزيران/يونيو. وسينال كل منهم عشرة آلاف جنيه استرليني (12300 دولار).

وفي العادة، تُمنح جائزة تورنر إثر معرض لأعمال المتنافسين النهائيين في الخريف ويحصل الفائز على جائزة 25 ألف جنيه استرليني فيما ينال الآخرون خمسة آلاف جنيه لكل منهم.

وأوضح رئيس لجنة الجائزة أليكس فاركوهارسون، وهو مدير متحف “تايت” في لندن، أن “إغلاق دور المعارض وتدابير التباعد الاجتماعي تعرقل أيضا بصورة كبيرة حياة الفنانين وسبل بقائهم”.

وأشار إلى أن “تنظيم معرض لجائزة تورنر مستحيل في الظروف الحالية لذا قررنا مساعدة الفنانين أكثر في هذه المرحلة الشديدة الصعوبة”.

وستُمنح جائزة تورنر مجددا لفنان واحد في 2021، وتضم بين الفائزين بها ستيف ماكوين وأنيش كابور وغرايسون بيري.

تاجر أعمال فنية يهب متحف “ريكميوزيم” لوحة تكريما لضحايا كوفيد-19

أعلن متحف “ريكميوزيم” في أمستردام أمس الأربعاء أنه سيعرض منذ إعادة فتح أبوابه عملا جديدا في مجموعته وهي لوحة من القرن السادس عشر للفنان الفلمنكي سبراغنر وهبها تاجر أعمال فنية تكريما لضحايا فيروس كورونا المستجد.

وأشار المتحف في بيان إلى أنه تلقى “لوحة استثنائية لبرتولوميوس سبراغنر من جانب تاجر الأعمال الفنية وهاوي الجمع بوب هابولت”. وكان سبراغنر الرسام والنحات الفلمنكي أحد أبرز ممثلي تيار النهجية الشمالية (للفنون البصرية في شمال جبال الألب في القرنين السادس عشر والسابع عشر).

وستعرض لوحته الزيتية بعنوان “المسيح المائت محمولا من الملائكة” والتي أنجزها بحدود سنة 1587، اعتبارا من الاثنين المقبل، تاريخ إعادة فتح المتحف في أمستردام الذي بقي مغلقا منذ منتصف آذار/مارس بسبب وباء كوفيد-19. وقال بوب هابولت في تصريحات أوردها البيان: “فيروس كورونا أصابني خصوصا على الصعيد العاطفي. لقد دفعني إلى التفكير. كيف يمكنني المساهمة؟ كيف أتذكر هذه الفترة؟”.

وأضاف “قررت أن أهب هذا العمل الاستثنائي لبرتولوميوس سبراغنر لمتحف ريكميوزيم”. ولفت إلى أن هذه الهبة “بادرة تكريمية لضحايا الوباء ولكنها أيضا نموذج يحتذى به ليقوم الجميع ببادرة حسنة للمتاحف”.

وسط أشجار الزيتون.. طلاب في إيطاليا يخوضون الامتحانات 

تخيل أنك تخوض الامتحانات النهائية وأنت جالس على طاولة رحلات أسفل السماء الزرقاء ووسط أشجار الزيتون وتغريد الطيور والهواء العليل في يوم ربيعي في ريف إقليم أومبريا الإيطالي.

هذا السيناريو الذي يشبه الحلم هو ما ينتظر طلاب معهد سيوفيلي الزراعي بعدما أدت جائحة فيروس كورونا إلى جعل إجراء الامتحانات في الأماكن المغلقة أمرا غير آمن وغير عملي.

وأجرى سبعة أساتذة وطالب واحد تجربة للامتحان الشفوي المقرر الشهر المقبل بحرم المعهد الممتد على مساحة 185 فدانا والواقع مباشرة خارج أسوار مدينة تودي والتي تعود للعصور الوسطى والواقعة في أعلى تل.

ويخضع جميع الطلاب في إيطاليا لامتحانات شفوية وأخرى تحريرية للحصول على شهادة التخرج. وتُجرى الامتحانات عادة داخل المباني لكن الامتحانات التحريرية أُلغيت هذا العام لتجنب ازدحام الفصول.

وقرر مسؤولو المعهد نقل الامتحانات الشفوية الشديدة الأهمية إلى الهواء الطلق. وجلس الأساتذة الذين وضعوا كمامات على وجوههم ومعهم أجهزة الكمبيوتر المحمولة والطابعات على طاولات النزهة التي وضعت متجاورة على شكل حدوة حصان أمام الطالب ماتيو لينتيكيا (19 عاما) الذي أجاب على سيل من الأسئلة النظرية عن اللبن والجبن وسلامة الغذاء وأنماط الاستهلاك والتوزيع. وقال لينتيكيا “في الحقيقة أن تكون في الخارج بينما تغمرك الطبيعة يجعلك تشعر بالارتياح”. وأضاف “سماع تغريد الطيور مريح أكثر بكثير من سماع أصوات السيارات أو حركة المرور بالمدن”.

(وكالات)

—————————-

دول تفتح مدنها بعد إغلاق كورونا.. هل اختار العالم سكون الموتى على ثورة الجياع؟/ د. أسامة أبو الرُّب

فجأة بدأت دول في العالم بالتوجه إلى تخفيف إجراءات الحجر الصحي التي كانت فرضتها لمجابهة وباء فيروس كورونا المستجد “سارس كوف 2” المسبب لمرض كوفيد-19، لتعود تدريجيا للحياة الطبيعية..

فما الذي تغير، وما المعطيات الجديدة التي جعلتهم يفعلون ذلك، وهل ما فعلته هذه الدول محاولة لمنع حدوث “ثورة جياع” إذا استمر الإغلاق؟

في البداية، دعونا نؤكد أن ما سنعرضه في التقرير هو معطيات وآراء تعبر عن أصحابها، وتفسيرات قد تحتمل الخطأ والصواب. أيضا نحن نؤكد هنا أيضا ضرورة أن نستمر في اتباع الإرشادات والتعليمات التي تزودنا بها وزارات الصحة في بلداننا والتي هي على تواصل دائم مع منظمة الصحة العالمية.

ويجب علينا الالتزام بالتوجيهات التي تصدرها وزارات الصحة والجهات الحكومية الرسمية في الدولة التي نعيش فيها، فلكل بلد خصوصيته وظروفه، والتوصيات التي تصدرها وزارة الصحة في بلد معين قد لا تصلح لآخر.

وحتى اليوم الخميس بلغ عدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد حوالي خمسة ملايين وثمانمئة ألف، وعدد الوفيات حوالي 357 ألفا، في حين بلغ عدد المتعافين من المرض حوالي 2.5 مليون، وفقا لموقع “وورلد ميتر”.

في بداية الجائحة تعاملت غالبية دول العالم عبر تطبيق الحجر الصحي والإغلاق، ويعتقد أنه في مرحلة معينة كان حوالي أربعة مليارات شخص على سطح الكوكب خاضعين لإجراءات الحجر.

لكن خلال الأسابيع الماضية بدأ العديد من الدول بتخفيف هذه الإجراءات، مثل اليابان وإيران وإيطاليا وكرواتيا والمجر والسعودية والكويت والأردن وغيرها.

تراجع الإصابات

الأمر الأول الذي قد يبرر بدء بعض الدول في تخفيف إجراءات العزل، هو تسجيلها نتائج جيدة في السيطرة على المرض، فمثلا سجلت فرنسا أقل من مئة وفاة جديدة بكورونا لليوم السابع على التوالي، وذلك يوم الأربعاء مما يعزز الآمال في أن البلاد تجاوزت الأسوأ فيما يتعلق بالوباء.

وفي إسبانيا، قالت وزارة الصحة إن عدد الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا في البلاد ارتفع إلى 27118، بزيادة حالة وفاة واحدة عن اليوم السابق.

ولم تُسجل سوى 39 وفاة بالمرض خلال الأيام السبعة الماضية، في حين سُجلت 236769 إصابة في المجمل منذ بدء التفشي وفقا لأرقام الوزارة.

وكان تقرير قد نشر في صحيفة “ليزيكو” الفرنسية للكاتب إيف بورديون، قد قال إن جائحة كورونا بدأت بالتلاشي في كل أنحاء العالم تقريبا. وإن لم تقع هناك قفزة غير عادية، فإنه من المتوقع أن يشهد عدد الإصابات ركودا تاما في غضون شهر واحد.

وأضاف التقرير أن عدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد انخفض خلال الأيام الأخيرة في مختلف أنحاء العالم، إذ لم يتجاوز 1.2% من العدد الإجمالي للمصابين على مستوى العالم، وانعكس ذلك على تخفيف الضغط في أقسام الطوارئ التي كانت تعاني من الاكتظاظ.

في فرنسا أيضا كان هناك تصريح للطبيب الفرنسي اختصاصي الأمراض المعدية ديدييه راؤول، الذي نقلت عنه عدة وسائل إعلامية ومواقع إلكترونية، تأكيده أن فيروس كورونا المستجد على وشك الانتهاء، مستبعدا ظهور موجة ثانية للوباء.

راؤول قال إن الفيروس يتراجع بشكل ملحوظ عالميا وإن الأزمة قاربت على الانتهاء.

إذن المبرر الأول لتخفيف إجراءات الحجر الصحي هو السيطرة على تفشي الحالات الجديدة في بعض الدول، وانخفاض عدد من يدخلون وحدات العناية المركزة. والآن دعونا ننتقل للمبرر الثاني.

تأثير الحجر على المرضى

مع بداية تطبيق الحجر الصحي، برزت تحديات جديدة، إذ جرى تأجيل المواعيد التي تصنف أنها غير طارئة، كما أن إجراءات العزل الصحي قد صعّبت على البعض الوصول إلى الأدوية.

كما أن بعض المرضى أصبحوا يخشون الذهاب للمستشفى، لأنهم يخافون من العدوى بكورونا، وقد لا يبلغون عن أعراض خطيرة لديهم من أمراض أخرى حتى لا يضطروا لدخول المستشفى، وهذا قد يعني أن يصابوا بمضاعفات دون الإبلاغ عنها إلا بعد فوات الأوان.

ووفقا لمقال في نيويورك تايمز فإن تأجيل العلاج نتيجة جائحة كورونا كان أمرا خطيرا بشكل خاص للمصابين بالسرطان، وهو ما يتعارض مع سنوات من رسائل الصحة العامة التي تحث الجميع على تلقي علاج السرطان مبكرا قبل تفاقمه.

ولكن مع وباء كورونا يقول الأطباء إنهم يحاولون توفير الرعاية لحالات السرطان الأكثر إلحاحا، ليس فقط للحفاظ على الموارد الطبية المستنزفة نتيجة كورونا، بل أيضا لحماية مرضى السرطان الذين لديهم احتمالات كبيرة للإصابة بمرض شديد إذا أصيبوا بفيروس كورونا.

ففي أميركا مثلا أبلغ ما يقرب من واحد من كل أربعة مرضى بالسرطان عن تأخيرات في رعايتهم بسبب وباء كورونا، بما في ذلك الوصول إلى المواعيد الشخصية والتصوير والجراحة والخدمات الأخرى، وفقا لمسح أخير أجرته شبكة مكافحة السرطان التابعة لجمعية السرطان الأميركية.

وقبل أيام، دعا أكثر من ستمئة طبيب في رسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى إنهاء حالة الإغلاق الذي يهدف إلى إبطاء انتشار فيروس كورونا، وقالوا إن الإغلاق له “عواقب صحية متزايدة باطراد”، وفق ما نقلته شبكة فوكس نيوز.

وتوضح الرسالة مجموعة متنوعة من التداعيات التي لاحظها الأطباء نتيجة استمرار الإغلاق، مثل:

1- عدم إجراء الفحوصات الروتينية للمرضى والتي يمكن أن تكشف مشاكل مثل مشاكل القلب أو السرطان.

2- زيادة في تعاطي المخدرات والكحول.

3- زيادة في عدم الاستقرار المالي والفقر اللذين يرتبطان ارتباطا وثيقا بتراجع الوضع الصحي.

وقال الأطباء في رسالتهم، “نحن قلقون مما يبدو أنه عدم الاهتمام بالصحة المستقبلية لمرضانا.. إن التأثيرات الصحية يتم تقديرها وتقليلها بشكل كبير”.

وقال الرئيس والمدير التنفيذي لمراكز علاج السرطان الأميركية الدكتور بات باسو، إنه يجب على المرضى الذين قاموا بتأجيل أو إلغاء مواعيد الأطباء أو علاجاتهم بسبب وباء كورونا التواصل مع أطبائهم واستئناف إجراءات الرعاية الصحية الخاصة بهم، محذرا من حدوث ارتفاع حاد في الأمراض غير المشخصة وغير المعالجة والوفيات كأثر جانبي للوباء.

وصرح الدكتور باسو لفوكس نيوز بأن الأطباء يكتشفون الكثير من السرطانات أثناء الفحوصات عن طريق المصادفة عندما يراجعهم المرضى لإجراء فحوصات، وهذه الفحوصات لا تجري حاليا كما كانت قبل تفشي فيروس كورونا، و”هذا بالنسبة لي هو مصدر قلق كبير”.

ومع أن أكبر مختبرات تتسابق لإنتاج لقاح أو علاج لكورونا، لكن الآمال تتراجع في الوصول إليها قريبا. فمثلا عقار كلوروكين الذي كانت معلقة عليه آمال كبيرة، أظهرت دراسة نشرت في مجلة “ذي لانسيت” الطبية عدم فاعليته، وأشارت إلى أخطار له على المصابين بكوفيد-19. هذا يعني أنه على العالم أن لا يتوقع قريبا علاجا فعالا لكورونا.

إذن نحن نتحدث هنا عن عدم الوصول للقاح أو علاج لكورونا قريبا، وعن آثار لاستمرار حالة العزل الصحي تشمل الأشخاص المرضى الذين لم يعودوا قادرين على متابعة حالاتهم مع الأطباء بالمستوى المطلوب، أو يخشون الذهاب للمستشفى خوف الإصابة بكورونا أو حتى الأشخاص المتعافين الذين من المهم فحص بشكلهم روتيني للتأكد من وضعهم الصحي وعدم تطور أمراض عندهم.

ماذا عن المبرر الثالث؟

ثورة الجياع

قبل أيام استبعد ترامب تماما تطبيق إغلاق آخر إذا تعرضت أميركا لموجة تفشي ثانية من فيروس كورونا في فصل الشتاء، وهذا خلال جولة في مصنع فورد في ميشيغان.

كما ضغط ترامب على الولايات لإعادة فتحها كجزء من جهوده للانطلاق في تحسين الاقتصاد المضطرب نتيجة تداعيات كورونا، حيث يعتقد البعض أن ترامب يريد أن يستند في الانتخابات المقبلة على اقتصاد قوي ويريد من الشركات إعادة فتح أبوابها. وتشير معطيات إلى أن فيروس كورونا أدى لفقدان 36 مليون شخص في أميركا لوظائفهم.

وعالميا، فإن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كورونا فادحة للغاية. ووفقا لتقرير الاستقرار المالي العالمي الذي صدر عن صندق النقد الدولي في أبريل/نيسان الماضي، فإن جائحة فيروس كورونا تشكل تحديا تاريخيا.

وقد أدى عدد من العوامل إلى تضخيم تحركات أسعار الأصول، مما ساهم في تدهور الأوضاع المالية بشكل حاد وسرعة غير مسبوقة، وحدث أيضا تدهور كبير في سيولة السوق.

وقد تحتاج البلدان التي تواجه الأزمة المزدوجة المتمثلة في الصدمة الصحية وصدمة التمويل الخارجي -كالبلدان التي تعتمد على التمويل الخارجي أو المصدرة للسلع الأولية التي تعاني من هبوط أسعار هذه السلع- إلى مساعدات.

هذه الصدمة المالية التي سبّبتها جائحة كورونا تهدد بارتفاع حاد في مستويات البطالة والفقر، مما قد يقود إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية، وقد تؤدي إلى اهتزاز عميق في بنيان الدول. وفي أماكن كثيرة من العالم تجري احتجاجات ومظاهرات للمطالبة بإعادة فتح الدول.

وخلال هذا الشهر، شهدت عدة مدن ألمانية مظاهرات لافتة احتجاجا على الإجراءات المتعلقة بكورونا، ورفضا لإجراءات العزل التي اتخذتها الحكومة الألمانية لمواجهة التفشي.

ففي العاصمة برلين، خرج عشرات الآلاف من الأشخاص للمشاركة في مظاهرات احتجاجا على إجراءات كورونا. وفي مدينة ميونيخ وصل عدد المشاركين في مظاهرة هناك احتجاجا على قيود كورونا إلى ألف شخص قبل بدء المظاهرة، وهو الحد الأقصى المسموح به في مثل هذه التجمعات.

اللافت أن ألمانيا تعد من أفضل الدول بالعالم في توفير شبكة أمان اجتماعي للعاطلين عن العمل، وأيضا في توفير العلاج والرعاية الصحية، ويعد النظام الصحي الألماني أحد أفضل الأنظمة الطبية في العالم.

ولكن كل هذا لم يشفع لإجراءات كورونا فخرج الناس للتظاهر، فكيف سيكون الوضع في الدول الأضعف التي لا تقدم تعويضات للعاطلين عن العمل، أو التي لا توفر تغطية صحية شاملة لكافة مواطنيها.

لذلك، قد يكون إعادة فتح الدول أمرا لازما لمنع حدوث ثورة جياع، نتيجة الكساد الاقتصادي والبطالة، مما سيقود لاضطرابات تتخطى في أخطارها تفشي كورونا.

ولهذا قد تجعل المبررات السابقة تخفيف إجراءات الحجر الصحي عالميا أمرا حتميا، وعلى العالم أن يتعلم التعايش مع كورونا، مع استمرار تطبيق إجراءات الوقاية والتباعد الاجتماعي، حتى تتطور مناعة لدى أجسام البشر للفيروس، أو ينجح العلماء في إيجاد لقاح أو علاج للمرض، أو يفقد فيروس كورونا شراسته.

———————————–

فيروس كورونا يستفز خلايا مناعية قاتلة.. هل اقتربت ساعة الخلاص؟

توصل علماء إلى أن الأشخاص الذين تعافوا من فيروس كورونا المستجد “سارس كوف 2” المسبب لمرض كوفيد-19، تكوّنت لديهم خلايا مناعية قاتلة، يمكنها محاربة الفيروس عن طريق القضاء على الخلايا المريضة به.

ونشرت الدراسة في دورية “سيل” العلمية، وأجرى الباحثون مقارنة بين 10 أشخاص أصيبوا بالفيروس و11 شخصا آخرين لم تنتقل إليهم العدوى.

وجد الباحثون أن الأشخاص الذين تعافوا من فيروس كورونا لم تتكون لديهم أجسام مضادة ضد كوفيد-19 فحسب، بل تكوّنت لديهم نوعية أخرى من الخلايا تسمى الخلايا التائية “سي.دي 4″، وهي ما يطلق عليها أحيانا اسم “خلايا تي مساعدة”، التي تضطلع بدور مهم في الحصول على استجابة جيدة من الأجسام المضادة في مواجهة المرض.

كما اتضح أن أجسام المتعافين تحتوي أيضا على نوع آخر من الخلايا اسمه الخلايا التائية “سي.دي 8” أي “خلايا تي القاتلة”، ويتمثل دورها في قتل خلايا الجسم المصابة بالفيروس.

جهاز المناعة

جهاز المناعة هو نظام يحمي الجسم من التأثيرات البيئية الداخلية والخارجية الضارة كالبكتيريا والفيروسات والخلايا الخبيثة. ويتكون من أعضاء مثل نخاع العظم والعقد اللمفاوية وبعض أجزاء الطحال والقناة الهضمية والغدة الزعترية واللوزتين، بالإضافة إلى ذلك يتكون من خلايا مثل الخلايا الليمفاوية والخلايا القاعدية والحمضية والمتعادلة، والخلايا الأحادية التي يمكن أن تتمايز إلى خلايا البلعمة (تبتلع وتهضم الأجسام الغريبة عن الجسم) وخلايا قاتلة طبيعية، وبروتينات مثل الأجسام المضادة.

ويعمل جهاز المناعة عبر معادلة الخلايا الغريبة التي تدخل الجسم والقضاء عليها، مثل الفيروسات والبكتيريا والفطريات، والتعرف على السموم والمواد الضارة من البيئة التي تدخل الجسم، ومحاربة خلايا الجسم نفسه التي تغيرت نتيجة المرض، مثل الخلايا السرطانية.

ويضم جهاز المناعة العديد من الخلايا، من أبرزها:

– الخلايا البائية، وتفرز الأجسام المضادة.

– الخلايا التائية، ومنها نوع “خلايا تي مساعدة”، وهي التي يهاجمها فيروس “الإيدز”.

– الأجسام المضادة التي تتعرف إلى مولدات الضد “الأنتيجين”، وترتبط بها لتسهل القضاء عليها من قبل خلايا الجهاز المناعي الأخرى.

ونقلت وكالة بلومبرغ عن الباحث فلوريان كرايمر من كلية ماونت سيناي إيكان للطب في مدينة نيويورك الأميركية، الذي شارك في إعداد الدراسة العلمية، قوله إنه من المنطقي أن نفترض أن معظم الأشخاص الذين أصيبوا بفيروس كوفيد-19 تتراجع لديهم احتمالات الإصابة مرة أخرى، كما أنه من المستبعد أن تظهر عليهم أعراض حادة، إذا ما أصيبوا بالمرض مرة ثانية.

وأضاف أن المسألة التي لا تزال غير معروفة حتى الآن هي ما إذا كان رد الفعل المناعي قويا بما يكفي للحؤول دون التقاط عدوى ثانية أقل قوة ونقلها إلى آخرين.

ويعكف كرايمر حاليا على إجراء دراسة طويلة المدى لمتابعة الحالة الصحية لمرضى كورونا على مدار عام، لمعرفة ما إذا كان من الممكن أن يصابوا بالفيروس مرة أخرى، وكذلك عدد مرات إصابتهم بالمرض من جديد.

وأظهرت الدراسة التي نشرتها دورية “سيل”، أن قرابة نصف الأشخاص الذين لم يسبق لهم الإصابة بفيروس كوفيد-19، يحملون في أجسامهم “خلايا تي” تكونت لديهم بسبب الإصابة بفصائل أخرى من فيروسات كورونا (30% من نزلات البرد التقليدية تكون ناجمة عن فيروسات كورونا بأنواعها).

وفي حين أن بعض التقارير الصحفية الأولية ألمحت إلى أن الخلايا التائية، التي تتكون في الجسم بسبب الإصابة بنزلات البرد، قد تحمي من كوفيد-19، إلا أن كرايمر يستبعد أن تلعب هذه الخلايا دورا كبيرا. فالجميع سبق لهم الإصابة بنزلات البرد في الماضي، ولا توجد مؤشرات قوية على أن ذلك قد ساعد في تجنب الإصابة بفيروس كوفيد-19.

قرود

ونشرت دورية “ساينس” العلمية دراسة أخرى هذا الأسبوع تؤكد الأدلة الخاصة بالمناعة بعد الإصابة بالفيروس عن طريق محاولة نقل العدوى إلى قرود مرتين. فبعد أسبوع من تعافي القرود من الإصابة الأولى بالمرض عن طريق رش جزيئات من الفيروس في أنوفها، قام الباحثون بتعريض القرود “للتحدي” نفسه مرة أخرى. ولكن القرود هذه المرة قاومت الإصابة بالمرض لمرة ثانية.

وتقول الكاتبة فاي فلام في تقرير لها نشرته وكالة بلومبرغ، إن هذه النتائج بشأن المناعة ضد فيروس كورونا تعطي سببا جديدا للتفاؤل بشأن إمكانية التوصل إلى لقاح يدفع الجسم لتكوين رد فعل مناعي ضد الفيروس.

وتعتبر النتائج الخاصة بالخلايا تي ذات أهمية كبيرة في هذا السياق لأن الأجسام المضادة التي سوف تتكون بسبب اللقاح من الممكن أن تتلاشى بسرعة في حالة عدم وجود خلايا تي، لذلك فإن اللقاحات الواعدة هي تلك التي تساعد في تكوين خلايا تي وأجسام مضادة لفيروس كوفيد-19 في آن واحد، على حد قول البروفيسور ستانلي بيرلمان خبير فيروسات كورونا في جامعة أيوا الأميركية.

الخلايا التائية والإيدز وعلاج كورونا

ومن المعروف أن الخلايا التائية المساعدة هي التي يهاجمها فيروس “الإيدز”، ولذلك قد لا يكون مستغربا موافقة المعهد الاتحادي للأدوية والمنتجات الطبية في ألمانيا على إجراء تجارب سريرية لمرضى مصابين بكورونا عبر استخدام عقار “ABX464”.

وحسب المعهد، فإن هذا العقار له علاقة بالأساس بعلاج نقص المناعة المكتسب (الإيدز) لكنه لا يزال في طور الدراسة.

وأكد متحدث باسم المعهد في مدينة بون غربي ألمانيا الاثنين أن المعهد وافق على إجراء تجارب سريرية لمرضى بكوفيد-19 باستخدام المادة الفعالة “إي بي أكس 464”.

ويذكر أن العقار المحتمل يجري تجريبه من شركة “أبيفاكس أس أي” (Abivax SA) الفرنسية للتكنولوجيا الحيوية. وحسب بيانات المعهد الألماني، فإنه تم التصريح بإجراء 22 تجربة سريرية لها علاقة بمرض كورونا أو كوفيدـ19.

وأفادت شركة أبيفاكس بأن الدراسة التي تجريها هي للعلاج المبكر لـ1034 مريضا مصابا بكورنا، معظمهم متقدمون في السن أو يعانون مخاطر عالية. في المقابل أوضح المعهد الألماني أن هناك 200 شخص سيتطوعون في ألمانيا للمشاركة في هذه الدراسة.

ومن المنتظر أن توضح الدراسة ما إذا كانت المادة الفعالة “إي بي أكس 464” بإمكانها منع استنساخ الفيروس لدى هؤلاء المرضى. وستركز الدراسة على متابعة ما إذا كانت المادة الفعالة يمكنها أن تمنع حدوث ردود الفعل المفرطة للجهاز المناعي والتي تؤدي لاحقا إلى حدوث ضيق خطير في التنفس.

من جانبه، قال كريستوف بوزيكه، من مستشفى بون الجامعي، لوكالة الأنباء الألمانية إن الدراسة تتطلب لهذا السبب مرضى حالاتهم جيدة نسبيا لأنه بخلاف ذلك لن يكون تقديم هذا الإثبات متاحا. وسيعالج كل مريض لمدة أربعة أسابيع تقريبا وسيأخذ قرصا كل يوم خلال هذه الفترة.

أكد بوزيكه أنه على الرغم من سرعة وتيرة الاختبارات حاليا لدى مرضى كورونا، فإنه من المحتمل أن يستغرق الأمر حتى العام المقبل لحين ظهور نتائج. وأوضح أن هذه المادة الفعالة لها علاقة بالأساس بعلاج مرض الإيدز، لكنها لا تزال في طور الدراسة.

المصدر : الألمانية + دويتشه فيلله + مواقع إلكترونية + وكالات

———————————–

ماذا نعني تحديدًا بسيناريو “الموجة الثانية” من جائحة كورونا؟

الترا صوت- فريق الترجمة

يتفق خبراء الأوبئة تقريبًا على أن إصابات العدوى بفيروس كورونا الجديد ستشهد قفزة أخرى جديدة مع نهاية الصيف، لكنهم يختلفون على مدى شدّة هذه الموجة الثانية وأرقام الإصابات والوفيات التي يمكن أن تنجم عنها.

وتقارير منظمة الصحة العالمية عن الأشهر القليلة المقلبة ليست مبشّرة، فنحن ما نزال في الموجة الأولى من الجائحة، وما نزال نشهد ارتفاعًا بالإصابات والوفيات، وقد تتضاعف الأرقام بشكل كبير في أي وقت، بحسب ما تقول منظمة الصحة العالمية نفسها، وهذا ما بات يعرف اليوم باسم الموجة الثانية من جائحة كورونا.

هذه الموجة الثانية من كورونا لن تأتي بشكل متوقع أو تدريجي، فالموجة الثانية من الجائحة تعني ارتفاعًا كبيرًا مفاجئًا في عدد الحالات، قد تربك القطاع الصحي مجددًا، وينجم عنها تصاعدًا في أعداد الوفيات بسبب كوفيد-19، بشكل قد يكون أسوأ من الموجة الأولى.

سيناريو الموجة الثانية

في سيناريو الموجة الثانية، ستكون هنالك قفزات حادة ومتسارعة في أعداد الإصابات، لتصل إلى ذروة جديدة عليا، بعد فترة من استقرار معدل العدوى نسبيًا.

وقد تؤثر الموجة الثانية من الإصابات على مناطق جديدة في العالم، وقد يترافق ذلك مع موسم الانفلونزا، الأمر الذي سيضاعف العبء على أنظمة الرعاية الصحية والعاملين فيها، وزيادة احتمال وقوع حالات وفاة كان يمكن منعها في الحالات الطبيعية، وهو ما يطلق عليه اسم “Preventable Deaths”.

وهذا هو التخوف الرئيسي إزاء الارتفاع الحادّ والمفاجئ بالإصابات، والمتعلق بالحيلولة دون وقوع حالات وفاة يمكن التعامل معها في الظروف الطبيعية عندما لا تكون أنظمة الرعاية الصحية تحت ضغط كبير، بحيث يحصل كل مريض على الرعاية اللازمة في أسرع فرصة ممكنة، وهذا هو السبب أيضًا وراء سعي الحكومات في الدول الأكثر تأثرًا بالعدوى إلى “تسطيح المنحنى”، والذي يعني خفض معدل الإصابات بالعدوى وثباته، بحيث تزداد قدرة القطاع الصحي على التعامل مع الحالات وتوقّعها.

لماذا تعدّ الموجة الثانية سيناريو خطرًا؟

الموجة الثانية من الإصابات بعدوى كورونا تعني زيادة احتمال حدوث وفيات كان يمكن منعها في الظروف الطبيعية، سواء من مرضى كوفيد-19 أو سواهم، وذلك بسبب الضغط الحاصل على القطاع الصحي واحتمال انهياره، بحيث يفقد القدرة على استقبال المرضى وعلاجهم.

فالأثر سيمتد إلى أشخاص يعانون من أمراض أخرى، مثل مرضى السرطان أو السكري أو القلب، والذي يعتمدون بشكل كبير على المستشفيات للحصول على الرعاية الصحية، والذين قد يفقدون هذه الفرصة في حال حدوث قفزات مفاجئة وحادة في إصابات كوفيد-19، إضافة إلى العجز المحتمل في التعامل مع الحالات الطارئة التي تصل إلى المستشفيات بسبب الضغط الحاصل على الكوادر الطبية ونسب إشغال الأسرّة، ما يؤدي إلى حدوث وفيات “غير ضرورية” في الأوضاع الطبيعية.

يُذكر أن عدد الإصابات المؤكدة بعدوى فيروس كورونا الجديد حول العالم قد بلغ حوالي 5.7 مليون إصابة، من بينها حوالي 1.7 مليون إصابة في الولايات المتحدة فقط. أما عدد الوفيات عالميًا جراء مرض كوفيد-19 فقد بلغ أكثر من 355 ألف حالة وفاة، وذلك بحسب مؤشر جامعة جونز هوبكنز الأمريكية.

 ————————–

========================