فيروس كورونامنوعات

يوميات وكتابات العزلة أدباء، فنانين، مثقفين -مختارات الموقع- متجدد يوميا -3-

يوميات وكتابات العزلة أدباء، فنانين، مثقفين -مختارات الموقع- متجدد يوميا –1-

يوميات وكتابات العزلة أدباء، فنانين، مثقفين -مختارات الموقع- متجدد يوميا –2-

————————–

ما أراه من النافذة/ علوية صبح

أنظر من النافذة المُطلّة على البحر والمنبسطة فوقها السماء، فلا أرى سوى العصافير والطيور المختلفة. الفضاء في زمن الحَجْر الآن ملك لها، تطير جماعات جماعات بلا حذر ولا خوف. ترفرف وتتلاعب وتغني كما يحلو لها. تقدِّم عروضاً رائعة مبتهجة بحالها.

لم يعد كلّ هذا الفضاء يتّسع لطائرةٍ واحدة. والسماء للمرّة الأولى في حياتي بلا طائرات ولا ارتجاجات عبور فوق شقتي. تفتح رئتيك لهواءٍ نقيٍّ وشفَّاف، لم تتنفّسه منذ زمنٍ بعيد. فلقد انخفض التلوُّث بنسبة كبيرة في بيروت وسائر المدن المكتظة بالأنفاس ومخلَّفات المصانع ودخان البنزين وزحمة السير الخانقة.

تحاول أن تتنفّس بدون انقطاع، فأنت أنت بلا كمامة تتنشّق هذه النعمة المفقودة. فهذا الجو النقي بسمائه الربيعيّة، منذور الآن لرذاذ الكورونا المجهول الإقامة والهويّة. فلا يسعك إلّا أن تكتفي بصمت الشارع، بهذا القدر انمسح أيضاً على أزقّة مغلقة بواجهات مظلمة وبوابات حديد.

وحدي في شقتي. وصيامي عن استقبال الضيوف قديم وراسخ. إنه التباعُد الاجتماعيّ أصلاً في البيت فقط. لكن هناك في المقابل، عند السواد الأعظم، حجْر عائلي. تباعد عمومي وتقارب خصوصي. وهذه القاعدة تجدها بين الدول والشعوب. تضامن كبير لمواجهة الكورونا، ولكن في الوقت ذاته، يغلق الجميع الحدود على الجميع. إنه الحظر الملياري غير المسبوق. إنها المرّة الأولى في التاريخ التي يعيش العالم فيها عزلاً كاملاً. ومفارقة المفارقات أن هذا الفيروس لم يوفر الأغنياء ولا الفقراء، ولا بين دولة وأخرى. الكلّ في الكارثة نفسها. إنها تراجيديا بقسماتٍ عبثيّة!

العالم مصاب بحمى الفراغ والتوتُّر والخشية. هل يدفع هذا الفيروس إلى إعادة الإنسان في هذه التناقضات الكونية إلى مخزوناته الإنسانيّة أم أنها مرحلة كغيرها من المراحل التي عرف فيها البشر أوبئة قاسية وشرسة وقاتلة أيضاً؟ لا. ينتابني الإحساس بأن العالم بعد الكورونا سيكون حتماً غير ما قبله.

أتأمّل من النافذة وأفكِّر. أرتعد وأصاب بالحزن. عائلات رمت كلابها وقططها بالآلاف من البيوت إلى الشوارع بعدما شاع خبر أنها تنقل الكورونا للبشر، ولا شكّ أن مصيرها الموت. وما آلمني أكثر أن مجهولين في مناطق عديدة في لبنان دسّوا السم للكلاب ليتخلّصوا منها. أيُّ إجرام أفظع من هذا؟

أفكِّر أن الحَجْر الصِّحيّ في المنازل يتيح فرصةً ثمينة في استرجاع العلاقة شبه المنقطعة بين الأهل والأولاد. من مثل أن يتعرَّف الواحد من الناس، وخاصّةً الآباء على ابنه وابنته اللذين لا يعرف عنهما شيئاً تقريباً. يمكن للأزواج والزوجات أن يستفيدوا من هذا الحَجْر مع بعضهم البعض لتوثيق العلاقة بينهم، وفهم بعضهم بعضاً أكثر، والمشاركة في أمورٍ كثيرة، لكن للأسف تعنيف الزوجات تكاثر إلى حدٍّ مرعب، وهناك حوادث قتل حصلت. فالمرأة «مكسر عصا» أو «كبش محرقة» في الحياة العادية، فكيف في حال الأزمات؟ يا للوجع من كلّ ذلك!

أكاد لا أصدِّق أن أشياءً كثيرة في العالم باتت أشبه بديكور مسرحي خالٍ من الحياة.

الإنسان لم يعد نفسه. صار كائناً مدجَّجاً بقفّازاتٍ من النايلون، وبكمامات تخفي نصف وجهه. إنه الخوف من الآخر. أفكِّر وأفكِّر بأن الشارع حين يخلو من الآخر يصبح أكثر طمأنينة. لكن هذا الخوف يتضاعف حين أتمنى أن أرى أمامي قطة أو كلباً أو أي حيوانٍ آخر. أحتاج وجود الآخر من أي جنسٍ كان.

يعتريني حين أحدِّق في عمق الأفق ما يشبه صخب المشاعر والانفعالات المُباغتة. أروح وأمشي في البيت. ما أصعب ألّا ترى ما يجب أن يُرى، ألّا تسمع ولا ترى دعساتك وأنت قريبٌ منها. وما أجمل أن تنهض صباحاً وتتأمَّل البحر لتهدهد لروحك وتمسح الغبار عن فوضى أحاسيسك من خوفك من الإصابة بالكورونا. ثمَّة فرق بين العزلة الاختياريّة وبين الحَجْر الطوعي. أفكر أن الأمر ربَّما أشبه بالعبودية الطوعية أو المفروضة. أضيع وأتيه وأنا داخل بيتي، وأشعر أنني محبوسة داخل نفسي. كأني وسط نار في محبس حولي. هذا الحَجْر الطوعي لا بد منه، لكنه الحبس الحقيقي. أستعيد جلساتي في المقهى الذي اعتدت الكتابة فيه خلف النافذة المُطلة على الشارع. أشعر أن الخروج إلى فضاء الشارع قد يشفيني من كلّ هذا الخوف والحزن على البشريّة والغضب الجاثم في صدري. أصل إلى الباب، ثم أنكفئ وأتوارى إلى الداخل، إذ يتراءى لي أن الكورونا ينتظرني ليصيبني، فأشعر بأني سأفقد وعيي.

صعب ألّا يكون لك منفذٌ إلى مكانٍ طلق لا تزنّره جدران ولا سقف. سجين في صندوق يضغط على كلّ جهاتك. أرتعد من الكورونا ومن السجن. ثم أروح أبحث عن قبس ضوء يعيد إليَّ الطمأنينة، على مزاج يعينني على ما يحدث هذه الأيام السود التي يكابدها كلّ مَنْ يعيش على هذه الأرض. زمن الكورونا. أغمض عينيّ في صندوقي الكرتوني وأروح أسير على طريق مفتوح، طريق في واقع الحال لم أعرفه سابقاً: أستعين بمخيلتي لأقاوم خوفي وسجني. فلها ألف جناحٍ وكلّ أجنحتها مرصودة لي. ربَّما كانت تكاد تكون النعمة الأكرم في حياتي. أستعين بها، فأرى خوفي ينكمش مثل فأرٍ ويتراجع. أحاول جاهدة أن أسمع صوت دعساتي في بيتي ثم يغلبني الظنُّ أنها صوت دعسات آخرين فأشعر بالأسى. يُخيّل إليّ أن زمن الكورونا انتهى. أرى الناس قاطبةً على الكرة الأرضية يركضون في الشوارع ويعانقون بعضهم البعض دون خوف من الآخر وأصدِّق ذلك. ألعب بطفولتي وأتخيّل ما يحلو لي على غير ما كانت. أرسم وجهاً بشوشاً لأمي التي لم أرَ ابتسامةً كاملةً عريضة تلمع على شفتيها طوال حياتها قبل أن ترحل. أختلق طفولة سعيدة وأصدِّق أنها كانت زمن الهناء لتكون زاداً لي لأحتمل المُكابدات، رغم أن طفولتي كانت مؤلمة وحزينة. ثم ينتابني الشعور بأنني سرقت أو انتحلت طفولة إحدى شخصيّاتي في رواياتي التي كتبتها، ثم يغلبني الظنُّ أنني أتلبّس طفولة لحياة بطلة سأكتبها. ألحق بمخيّلتي وأتنفس الصعداء، فهي الوحيدة التي تفتح لي الأبواب وتتيح لي عالماً افتراضياً لبرهةٍ أحياناً، وأحياناً أخرى لوقتٍ طويل تُبعد عني الاختناق والخوف لأغطس من جديد في لهاثٍ متسارع. متى ينتهي الكابوس؟ لا أحد يعلم. ليتني أنام ولا أفيق إلّا والبشر بكامل حرّيّتهم، وأنا أيضاً. أستعدُّ للخروج والسباحة في الهواء. ستنبت لي لو حدث ذلك أجنحة ستكون جاهزة للتحليق ليس في الفضاء فحسب، بل أيضاً في فضاء الكتابة.

في غمرة هذا الأبوكاليبس، في غمرة انحلال الحياة إلى درجة الصفر، لا أعثر إلّا على هذا الصراخ: ليتوقَّف الإنسان أن يكون رقماً في عداد القتلى والمصابين بالوباء في وقت تتحوَّل فيه الحياة إلى محرقة، والبشريّة إلى ما يشبه الشلو – فريسة في فمِّ العدم. وما أتمناه انتصار الإنسان على هذا العدو التاجيّ، وأن يستعيد هذا العالم وجهه الجميل، حيث يسود الخير. الحقّ. العدل. الأخوّة والمحبّة أوّلاً. وما أخشاه هو أن يعتاد الناس على هجر بعضهم بعضاً والتباعد الاجتماعيّ والخوف من الآخر. لا، سيكتشف الواحد منّا أنه لن يكون موجوداً بدون الآخر، إنْ كان في وطنه أم في العالم. وهذا ما يطمئنني.

———————-

تدريبٌ من الماضي/ عدنية شبلي

هنالك بيتنا على أطراف البلدة، أول بيوتها، يقف وحيداً بعيداً عن بقية البيوت. وأن يكون بيتك أبعد البيوت يحكم مسبقاً بأنك ستكون أبعد ما يمكن عن قاطنيها، وأقلّ ارتباطاً ومعرفة بما يحدث داخلها، ما سيجعل إمكانية العيش في نطاق البيوت وبينها أقرب إلى الاستحالة، مقارنةً مع إمكانية العيش في البرية التي تحيط بك من كلِّ صوب، في رحاب التلال وحول الوادي الهزيل. كنت أتجه إلى البلدة فقط للذهاب إلى المدرسة، حيث أستمر في الجلوس فوق المقعد ذاته طيلة النهار، يومياً بانتظار الاستراحات بين الحصص، ثم وأخيراً نهاية اليوم الدراسي، لأتجه عائدةً فوق طريق ستتلاشى البيوت منه تدريجيّاً وحياة البلدة التي يسودها النظام والإرغام، إلى أن أصل بيتي على جهة اليسار، وعلى اليمين البرية وكلّ ما تحوي من عزلةٍ وحرّيّة. بالتحديد أسفل التلة، حيث يجري الوادي، على ضفته الأخرى، هنالك قطعة أرض صغيرة، تقع في شكل أشبه بالمثلث وتضمّ أكثر اللحظات حميمية وسعادة التي عرفتها في طفولتي، قبل أن تختفي فجأةً وبالكامل.

في ذلك المثلث الصغير، شهدت أوّل تعبير للحبّ بين والديّ. والداي يقلبان أرضه معاً، ليزرعا بعض الخضار التي سيتمكنان من ريها من مياه الوادي، وأنا قريباً منهما أقفز مع الضفادع التي انتشرت على طول ضفاف الوادي. ثم بعد فترة وجيزة سيتمُّ طرد والديّ من هذا المثلث الصغير. الطرد يبدو أقلّ وضوحاً، ولا أعرف إنْ كنت قد شهدته فعلاً، أو إنني سمعت به فحسب، أو إنني كنت قد تخيّلته ولم يحدث بالمرّة. دوريات حماية الطبيعة ستظهر فجأة وتقلع ما زرع والداي من خضار، ثم ستدفعهما خارج المثلث بالقوة. سيقاوم والداي، وسيقولان بأن هذه أرضنا أباً عن جد، لكن أفراد الدورية سيستمرون بدفعهما، ولن يعودا إلى ذلك المثلث الصغير للعناية به، ولا سننعم بالحميمية والسكينة التي أغدقها على ثلاثتنا آنذاك، لأسبابٍ ربَّما لها كلّ العلاقة بذلك الطرد، أو ربَّما لا علاقة لها به.

أنا بدوري لن أوافق، ولن أنصاع إلى الأوامر. سأعود يوميّاً إلى ذلك المثلث الصغير، محاولةً جني ثمار خضار اقتُلِعت منذ فترةٍ طويلة، وأخرى وهميّة سأزرعها بقدرة خيالي. كما وسأخدم أعشاب برية عديدة وأتأمَّلها، ثم سأرتب حجارة كثيرة، كلّ يوم من جديد، في خطوط وأشكال هندسيّة مختلفة، تقسم أرض المثلث إلى غرف في بيتي في البرية، حيث سأجلس داخله وحيدة، وأنظر إلى بيت والديّ والبيوت الأخرى حتى المدرسة، تقف جميعها في خطٍ طويل على خاصرة الجبل المنتصب قريباً جدّاً مني، يماثل خطوط بيتي المُكوَّنة من الحجارة.

من هناك، من داخل مثلث العُزلة الصغير ذاك، ستنمو علاقتي ببقية الأماكن التي سأسكنها، والناس الذين سأحيا بينهم وقلما معهم، على أسسٍ يحكمها الخيال، وإن حدث وتسرَّب إليها ما هو واقعي، سأعمل جاهدةً على تحريفه ولو قليلاً، فلا يمكن لأحد طردك ممّا هو خيالي وليس خاضعاً لشروط الواقع.

————————

لا تحمِلْ الحياةَ على محمَلِ الجد/ هدى حمد

«لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم ولا تغييره للأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس. لم تعد ثمّة مقاومة ممكنة سوى ألّا نأخذه على محمل الجد». أتأمَّل ما يقوله كونديرا لنا في كتابه «حفلة التفاهة». إنّه يقول شيئاً مُلهماً لهذه المرحلة التي تعصف بالعالم. إذ في اللحظة التي يعترينا فيها العجز واليأس، تجعلنا هذه الجملة على نحوٍ ما أكثر اطمئناناً وراحة، لأنّ العالم يتغيَّر بتسارع أكبر من قدرتنا على تأمُّله، وبالتالي يغدو عدم حمله على محمل الجد مريحاً بعض الشيء.

لم يحدث طوال العقود الأربعة التي عشتها على وجه هذه البسيطة أن شهدتُ أمراً مماثلاً. لا أتذكّر أنّ المدرسة أغلقت لأكثر من يوم أو يومين لأسبابٍ تتعلّق بالأيام الممطرة، لا أتذكّر أوقاتاً صار فيها لمس وجهي أو حكّ يديّ أمراً ينطوي على مخاطر. لم أعد قادرة على الثقة بجسدي، فقد يصبح عدواً لي خلال أسبوعين وحسب. لم يحصل أن مرّ وقت بهذا الطول دون مصافحة أو أحضان متبادلة مع أحبتنا. لم أعتقد للحظة أنه سيتعذَّر عليَّ الذهاب إلى بيت أهلي لمجرَّد أنني أعيش في مسقط الواقعة تحت الإغلاق، بينما يعيشون في محافظة الباطنة، كما لم أتوقَّع أن تغدو أكياس الطعام التي أحملها لبيتي من الدكان المجاور مفزعة كمسخ كافكا!

من حُسن الحظ أنّ الكُتَّاب كائنات تحبُّ العزلة، ولذا يمكن أن يتحوَّل البقاء في البيت دون توقع زيارات طارئة نعيماً كبيراً. أتذكَّر الآن عزلة بوهوميل هرابال الصاخبة جدّاً، إذ وبرفقة الفئران التي تنهرس تحت أكداس الكتب، كانت تمضي حياة «هانتا» بطل الرواية، ذلك المضي المستمر في حقل السُّلطة المطلقة التي يتوهمها عن جنته، وأعني هنا مستودع الكتب، ذاك الذي أخد عمره كلّه، فهانتا قضى خمسة وثلاثين عاماً من حياته في سحق الكتب بآلة صغيرة، ولكنه قبل أن يفعل ذلك كان يغرق في قراءتها وتأمّلها كما يتأمَّل النجوم المُرصَّعة في السماء، بل إنّه يستدعي جُمَلاً منها ليقولها لحبيبته، أو ليضعها على قبر عمه المُتوفى. عزلة هانتا كانت كافية جدّاً بالنسبة له برفقة أرسطو وأفلاطون وسارتر وكامو وغوته، وغيرهم.

أكتشفُ أنّي وزوجي لدينا قدرة على التأقلم والبقاء برفقة الكتب ومشاهدة الأفلام، ومزاولة أعمالنا العالقة من البيت دون مشقة أو تبرم، إلّا أنّ ذلك لا يغدو سهلاً برفقة الأولاد. عندما سُئل القاص والشاعر الأميركي ريموند كارفر: «لماذا تكتب القصص ولا تكتب الروايات؟» أجاب أن بقاءه برفقة الأولاد في مكانٍ واحد يمنعه من ذلك. لقد تزوّج وهو في الثامنة عشرة من عمره وكانت زوجته حاملاً في السابعة عشرة من عمرها، ولذا لطالما كان يبحث عن عمل كتابي ينهيه في جلسة واحدة إلى المنضدة. الآن أفهمه جيّداً. إذ كنتُ على منضدة العمل أنهي الكثير من المسائل المتعلّقة بالعمل ومسائل أخرى تتعلّق بمشاريعي الشخصيّة، كالقراءة والكتابة، والآن أنا أجلس إلى منضدة البيت، ولا أنجز إلّا النزر اليسير. الأبناء يقاطعون كثيراً. الجلوس لساعة متواصلة بات أمراً شاقاً ويتطلَّب معجزة.

لا أتذكّر حرفياً ما قالته أليس مونرو، لكني لا أستطيع أن أنزع الصورة التي تركتها كلماتها في رأسي في أحد حواراتها البعيدة، وهي تقول إنها تضع يداً على رأس ابنتها المُتطلبة وأخرى على أزرار الآلة الكاتبة. إننا بطبيعة الحال نهوى العُزلة، ولكن الأبناء يقوِّضونها بطريقتهم. وبالمناسبة لم تكتب مونرو رواية أيضاً، لم تكن تستطيع الكتابة إلّا في قيلولة بناتها.

الأمر بدا سيئاً في الأيام الأولى. الأولاد يأكلون الوقت بمعنى الكلمة. الطلبات لا تهدأ. يريدون الطعام من يد الأمّ. يريدون النوم على قصص الأمّ. يريدون أن يملأوا بواسطة الأم الفراغ الكبير الذي أحدثه تغيُّبهم عن المدرسة، والأمّ تحلم بأن تجلس إلى منضدة الكتابة وحسب.

تتكثف العذابات عندما يرفعُ ابني الصغير، والذي ليس بحوزته كلمات بعد، سبابته مشيراً إلى حذائه، راغباً في المشاوير المعتادة للدكان أو للحديقة المجاورة لبيتنا كما عوَّدته من قبل. يبدو إفهامه أصعب ممّا توقَّعت، لكن باحة البيت وحديقته الصغيرة، كانت تؤمِّنُ لنا مشواراً صغيراً. ما إنْ تخفت درجة الحرارة بعد الخامسة مساء، وبينما نشرب الشاي ونتناول الكعك في الباحة الصغيرة، أفكِّر بحزن بالآخرين الذين يقطنون الشقق الصغيرة وتتضاءل مساحاتهم أكثر فأكثر!

بمرور الأيام بدأت الأشياء تنتظم. أحدنا بدأ يقدِّر احتياج الآخر. قلتُ في نفسي: على الأمّ الكاتبة أيضاً أن تتحرَّر قليلاً من أنانيتها، وأن تفتح شباكاً صغيراً للعب والضحك ومشاركات المطبخ. أمضينا وقتاً مشتركاً نحضّر أطباقاً لم نكن لنظن أنّ تحضيرها بالبيت ممكن، وقد شكّل الزوج العاشق للطبخ مشاركة لا تقلّ أهمِّية. يمكن لأيدي الجميع أن تُحرك البيض الآن، وأن تعجن الطحين، أو تضع البهارات المنتقاة ليكون طعم اللحم ساحراً بعد الطهو.

كما أنّ انقسام العائلة لفريقين صغيرين، يعيدان اكتشاف لعبة قديمة لعبتها الأمّ والأب في طفولة بعيدة، لم يعد أمراً يمكن استثناؤه من المخطط اليوميّ. فما إنْ تخفت درجة حرارة الشمس حتى نستعيد حرارة لعبة «صيد الحمام»؛ فريق يتكوَّن من الحمام، وآخر يتكوَّن من الصيادين، وتتغيَّر أدوارنا بحسب الربح والخسارة. الأمّ والأب اختارا كلمة «الكتب» للتعريف بفريقهما، واختار الأبناء كلمة «الألعاب» للتعريف بفريقهم. يقول الأبناء إن الألعاب الإلكترونية هي معرفة حديثة تنتصر على الكتب، إلّا أنّ فريق «الكتب» ما يزال متقدِّما بعِدّة انتصارات حتى لحظة الكتابة هذه.   

يتأخر موعد النوم قليلاً لمشاهدة أفلام عائلية. تنشب العديد من الخلافات. إذْ ليس من السهل أن نتفق على فيلم، ثم تجري المفاوضات، ويعقبها قرارات حاسمة. ثمّ يأتي وقت النوم «وفي النوم يتساوى الجميع، تذوب خبراتهم وذواتهم وذكرياتهم وتصبح كلّها مشاعاً بينهم، حتى غيابهم غير القابل للمشاركة يصبح مشتركاً، فالنوم يقترح نوعاً آخر من الجماعية. ليس حاصل حضور أفرادها، وإنما حاصل الغياب المشترك» هذا ما يقوله هيثم الورداني في كتابه الجميل عن «النوم».

عندما يمر شريط الأخبار بأرقام خيالية لإصابات كورونا نصاب بجرعة إحباط، ونتذكّر نفق ساباتو: «لا شيء له معنى. نولد وسط الآلام، على كوكب صغير، يسير نحو العدم منذ ملايين السنين. ونترعرع ونجاهد ونمرض ونتألم ونسبب الألم للآخرين ونصخب ونموت ويموت أناس، في حين يولد أناس آخرون، ليبدأ تكرار الملهاة من جديد».

أحاول أن أكون أقلّ سوداوية، إلّا أنني وفي هذه الظروف، أقرأ رواية للكاتب الألماني توماس مان «موت في البندقية»، أقرأ عن الموت الذي يترصَّد مدينة الجمال في رواية كتبت عام 1912، والتي حوَّلها المُخرج لوتشينو فسكونتي إلى فيلم أتوق لمشاهدته حقّاً. المدينة التي تتحوَّل في مشهدٍ عجائبي لعربات نقل موتى الطاعون، تحيلنا الرواية بشكلٍ دراماتيكي لعربات موتى عام 2020 في الصين وإيطاليا وأميركا وإسبانيا وفرنسا. مشهد مرعب بين حدثين يفصل بينهما مئة عام من اختلاف القيم الإنسانية والطب والتقنية، إلّا أنّه لا يمكن لأحد أن يرد الموت الكثيف! 

أفضِّل الآن أن أصغي لنصيحة كونديرا، وألّا أحمل المسألة على محمل الجد. إذ يمكن بعد هذه التجربة الشاقة أن يستيقظ العالم من أدرانه وخيباته، وأن يستعيد بعض سحره اللافت.

————————

كوفيد التاسع عشر.. أو الوباء العادي/ عارف حمزة

يصلح وصف “الوباء العادي” على وباء كورونا المستجد، أو ما يُعرف بكوفيد 19. إذ يبدو وكأنّه وباء مصطنع. أو فيروس هارب من المختبرات، مثل الإشعاعات التي تسرّبت من مفاعلات نووية، أو نفط من ناقلات نفط عملاقة، وتسببت بكوارث بيئية وإنسانية.

يبدو اسم كوفيد 19 اسمًا مثيرًا، لدرجة أن كثيرين وجدوه لقبًا ملكيًّا؛ كأن نقول: كوفيد التاسع عشر. ولكن تسبيق ذلك الاسم بكلمة “وباء” أو “جائحة” أعطى ذلك الملك اسمًا مرعبًا للرعيّة، أو من أجل أن يكون مرعبًا. وربّما اسمًا مضنيًا للملك نفسُه.

الموت الأسود

مجرّد كورونا أو كوفيد لن يُسبب الرعب كما سبّبته أسماء الأوبئة التي سبقته في الحكم على مصير جزء كبير من البشرية. هو لا يُشبه اسم “الطاعون” مثلًا. الطاعون بحدّ ذاته يبدو اسمًا مرعبًا؛ بغض النظر عن الأوصاف التي تعلّقت بهذا الاسم، وانتشرت معه في قتل ثلث سكان أوروبا بين عامي 1347 و1352.

وصفوا الطاعون بالموت الأسود، وكذلك بالموت العظيم. وفترة الست سنوات لا تعني بطء الوباء، وهو يبطش بالناس التي ما عادت تعرف كيف تنجو منه، بقدر ما يعني ثقل بطشه خلال تلك المدة الطويلة. ست سنوات من الذعر والابتهالات والفقدان المتوالي وقلّة الحيلة، وجمع الجثث في أكوام وحرقها من دون صلوات ولا وداع.

ذلك الطاعون قالوا بأنه بدأ في آسيا الوسطى أيضًا، وسلك طريق الحرير مع التجار إلى أوروبا، ليحمل منجله الأسود ويبدأ بقطع الرؤوس والأنفاس. أميركا نجت في ذلك الوقت لأنها لم تكن مُكتشفة بعد. نجت لأنّ لا سفن حملت تاجرًا أو عاملًا مصابًا إلى هناك، لكي يعمل الموت الأسود هناك عمله بإتقانه المعتاد.

وفي الوقت الذي لم يتجاوز عدد وفيات كورونا، حتى لحظة كتابة هذه المقالة، أربعمئة ألف شخص في كل أنحاء العالم خلال الخمسة أشهر الماضية، فقد فتك وباء الكوليرا الأول (1816 – 1826) بخمسة عشر مليون شخص في الهند وحدها.

كانوا يطلقون على وباء الكوليرا اسم “الهواء الأصفر”، وهذه دلالة مرعبة تذهب إلى أن حتى الهواء يتغير لونه وصار بالإمكان رؤيته، وهي دلالة على إمكانية رؤية الموت من خلال إمكانية رؤية الهواء.

البقاء في البيت

ما يُخفف الذعر من وباء مثل وباء كورونا هو أن الوقاية منه متوفّرة ومجانية وسهل الحصول عليها؛ وهي البقاء في البيت، وعدم الاحتكاك مع الآخرين من خلال ترك مسافة لا تقلّ عن المتر ونصف المتر.

هذه الوقاية السهلة تدلّ على عاديّته. وبوجود الناس في بيوتها ظنّت أن الأمر عبارة عن شيء آخر يُحاك في الجوار. كما كان يحدث في الأنظمة الفاسدة؛ التي كان أحد مسؤوليها يعلن حظرًا للتجوّل لكي تتحرّك سيارات التهريب الخاصة به بأمان.

عادية هذا المرض تظهر عندما نرى الكبار في السن يخرجون كل يوم، ويتسوقون ويتنزهون، بينما صغار السن يُلزمون أنفسهم البقاء في البيوت! لدرجة أن أحدنا يظن بأن قاتل كبار السن ليس الوباء، بل أولئك الشبان الطائشون الذين قد يخرجون فجأة من البيوت.

على الطرف الآخر، انتشرت فيديوهات بشكل سريع عن أناس تنتفض أجسادهم في شوارع ووهان أو طهران، ويموتون وهم يسعلون ويبصقون الدم. وهذا كلّه لكي تعرف الناس أنه ليس وباء عاديًا.

بعض الناس فكرت بأن مريض كورونا، قبل أن يلقى حتفه، تجتاحه حمى لأربعة أيام على الأقل، ولا يستطيع الحركة ثم لا يستطيع التنفس، فيضطرون لوضعه على جهاز التنفس، فكيف نزل أولئك المصابون، رغم الحمى والهذيان وعدم القدرة على الحركة والتنفس، ليموتوا هكذا في الشارع؟

ثم ظهرت فيديوهات من إيطاليا وفرنسا، وكذلك لأطباء عرب في بلدان أجنبية، يؤكدون “جدّية” هذا الوباء وقسوته وفتكه بالناس، خاصة الكبار منهم في السن والذين يُعانون من أمراض في الرئتين أو القلب، وكأنّهم يُحاولون القول بأن هذا الكورونا هو وباء قاتل، وليس مرضًا عاديًا معديًا.

نظريات مؤامرة

كذلك وصلتنا رسائل إلكترونية متوالية تتحدّث عن هذه الوباء ضمن فكرة المؤامرة. إحدى الرسائل تتحدث عن لعبة من القيادة الصينية لشراء أسهم الشركات الأجنبية العاملة في الصين، لأن المساهمين الأجانب سيبيعون أسهمهم، التي نال من أسعارها الوباء، وسيفرّون من الصين، رغم أن الوباء لم يكن في العاصمة بكين ولا في مدنها الإقتصادية الكبرى.

نظرية أخرى تتحدث عن عمل مشترك، وليس عن خطأ مشترك، لعلماء أميركيين وفرنسيين يعملون في المختبر الصيني الموجود في ووهان. وصاحب الفيديو يُظهر للناس وثائق كثيرة لا يُمكن لأحدنا التأكد من صحتها. وكل ذلك لكي تتخلص الدول من عجائزها الذين يُكلفون خزينة الدول مليارات الدولارات.

وينسى صاحب الفيديو بأن كبار السن يدفعون لشركات التأمين الصحي جزءًا شهريًا من رواتبهم، وبأن شركات التأمين وصندوق التقاعد هما من يدفعان الجزء الأكبر من تلك المصاريف، وليست خزينة الدولة.

نظرية أخرى تستفسر عن كيفية وصول الوباء إلى أوروبا وأميركا قبل وصوله للعاصمة بكين؟ وهذا يعني من الباطن أن الصين تكتّمت على الموضوع لمدة جيدة. وقبل الإفصاح عن الوباء كانت قد أرسلت قنابلها البشرية المحمّلة بالفيروس إلى أنحاء المعمورة!!

ولكن الذعر الذي انتشر من مختبر صينيّ مختص بالأوبئة، على حد قول عالم فرنسي حائز على جائزة نوبل، أدخل الذعر الآن في نفوس الصينيين؛ إذ يبدو أن الدول العظمى، بشكل خاص، قد حوّلت الوباء من أمر مرضي إلى تصفية حسابات سياسية.

الولايات المتحدة الأميركية لا تريد خسارة شيء، بل تريد استرداد خسائرها، وتحقيق الربح كذلك على حساب تكتّم الصين على “تصنيع” الوباء، وتسفير سفرائها حاملي المرض إلى كلّ أصقاع المعمورة!

وفق نظرية المؤامرة هذه أخرجت كل من أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وسيتبعها الكثير من الدول، فواتيرها التي ستطالب الصين بدفعها. وهذا يبدو كأقسى ردّ على أولئك الذين أفشوا نظرية أن الصين فعلت ذلك لكي تشتري أسهم الشركات الأجنبية على أراضيها بثمن بخس.

عالم أفضل أم أسوأ

هذه الأصوات خلخلت تلك النظرية التي تأملت “التضامن العالمي”، والتي تسرّعت بالقول بأنّ الدول ستنسى أنانيّتها، وستمدّ يد العون لبعضها البعض، وبأن “الإنسان” أهم من الإقتصاد والشركات والأرباح. وبأن العالم ذاهب، لا محالة، لعالم إنسانيّ أفضل.

هذه الأصوات سرعان ما تركت مكانها لأصوات صار تخاف من التضييق على الحريات وحقوق الإنسان. وهذا ما دفع الفيلسوفة الألمانية كارولين إيمكه للقول “إن مجتمعاتنا ستدفع أثمانا باهظة بسبب فيروس كورونا، ومنها الحدّ من حريتنا في التنقل. ولكن ينبغي علينا أن نطالب حكوماتنا بأن يتم اتخاذ القرارات الصحية بطريقة شفافة وشرح أسسها، وأن نتأكد من أن القيود مؤقتة حتى لا يتحول الأمر إلى ذريعة للمراقبة والقمع”. وبأن الوباء يُغري بمزيد من الاستبداد والقمع والمراقبة باستخدام الأدوات الإلكترونية.

هذا الذعر من تقييد الحريات، والذي قد يُبشّر بعالم أسوأ، نبّه إليه كذلك الفيلسوف الألماني الشهير يورغن هابرماس؛ إذ وجد أن تقييد عدد كبير من حقوق الحرية المهمة يجب أن يظل مرتبًا لمدة محدودة جدًا، ولكنه إجراء مطلوب كأولوية للوصول للحق الأساسي في الحياة والسلامة الجسدية، وإن كان البعض قد يستغله لغايات سياسية.

بينما ظهر الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري عنيفًا برؤيته للعجز الذي تعانيه أوروبا والعالم المتقدم، فرأى أن الوحدة الأوروبية ذاهبة للإنهيار، وبأن أوروبا أصبحت “العالم الثالث الجديد”!

بعيدًا عن تحويل الوباء إلى “وباء سياسي” ووباء مصطنع في المختبرات، ظهرت أمور جانبيّة تمّ التكتم عليها سريعًا، وهي أصوات شبابيّة قليلة رأت أن الفيروس سيخلصهم من كبار السن، و”أخيرًا سنسكن في بيوتهم الكبيرة والفارغة”، كما حدث في هولندا.

أدباء ومثقفون وفلاسفة يكتبون يومياتهم خلال الحجر الصحيّ، وتأملاتهم للعالم الجديد بعد التخلص من الوباء، يتمنون عالمًا إنسانيًا أفضل، ويحذرون من قدوم عالم أسوأ.. بينما السياسيون يكتبون فواتيرهم التي ستذهب بالعالم إلى الأسوأ لا محالة. والجمهور الذي تطبق عليه الإجراءات الجبريّة لا بدّ أن يتظاهر ضد فقد الحريّات.

ضفة ثالثة

————————-

يوميات الوباء: باريس.. الحياة تحت الضوء الساطع والقاتل للفيروس/ أوليفيا إلياس

منذ البداية، وأنا ملتجئة إلى الشقة التي أسكن فيها منذ زمن. كنت أعرف بأنني لن أقضي هذه الفترة خاضعة لمبدأ التباعد. أريد على العكس أن أغطس، أن أعيش هذا الزمن الاستثنائي بشكل ممتلئ، في الوقت الذي ينهار فيه العالم الذي كان يمشي مقلوباً. كنت أعرف أن السقوط لن يقف هنا. أركان كاملة من حياتنا سوف تنهار، ناطحات سحاب، معابد الاستهلاك، المصانع العملاقة. ثروات سوف تنهار، وأخرى سوف تُبنى؟

والموتى، كم سيكون عددهم؟

بينما أجلس على طاولة العمل، وأهيئ نفسي للكتابة في هذا اليوم الجميل (من نيسان)، ها إن أسئلة تسكن مختلف التنظيرات والحسابات بكل أنواعها، ومن بينها ما لا يثير اهتمامي، ولكنها تتجسّم سريعاً في الواقع. أسئلة تختبئ خلف أخرى، وصولاً إلى أكثرها واقعية: هل سأخرج من لعبة الحظ هذه بالرقم الصحيح؟

هذا السؤال كنت قد فكّرت فيه، طبعاً. دُعيت مؤخراً للمشاركة في قناة للشعر/ التفكير، فاقترحت المقطع رقم 33 من “كتاب الطاو” لـ لاو تسو والذي ينتهي بالعبارة التالية: “من يموت دون أن يكفّ عن الوجود حاز الخلود”.

لكن لم يحدث أن فكّرت في الرحيل بهذه الطريقة، وحيدة، صريعة فيروس مجهريّ في بضعة أيام. كما لم أتصوّر عالماً شبه متوقف بين ليلة وضحاها، وهو الذي يداوم على الركض المتواصل نحو المزيد. لا بضائع، لا أكياس محمّلة، لا يخوت، ولا مواد ترف، ولا تسلّح حتى، وقبل كل شيء لن يكون هناك مكسب ذاتي دون البقية.

الطائرات مسمّرة في الأرض، السيارات مركونة في المواقف، الشوارع والمدن خالية، مناطق سكنية وكأنها مغلقة، المغامرون ومطلقو شركات وجدوا أنفسهم جميعاً في بيوتهم. كل هذا لم يكن ضمن سيناريوهات النمو الذي كان يوهمنا بأنه في مصلحة الجميع، الآدميين وغيرهم.

باتت نجاتنا مرهونة بتفاني أصحاب الملابس البيضاء ومساعديهم، وبالنسبة لأشياء الحياة اليومية، فالأمر موكول إلى جهود المشاة. الفقراء، السترات الصفراء، الأميون، العاجزون عن قطع الشارع للحصول على عمل – كما يحب البعض أن يصفهم-، هذا الرئيس الذي يريد أن ينجح في مهمته، بحسب أقواله، من أعلى جبل الأولمب، على طريقة جوبيتر.

أصبح العالم غير قابل للعيش. ها إن أكثر من خمسة أسابيع مضت، وأنا منكفئة مثل بقية الناس بين أربعة جدران دخلتها في البداية بشعور كبير بالغضب. غضب ضد كل المفترسين الوقحين ممن تجاهلوا التحذيرات بلامبالاة، وأوصلونا إلى هذه النقطة. رغم الوعود اليومية، نحن الأغلبية الساحقة لا تتوفّر لدينا أية وسيلة من وسائل الوقاية – لا كمامات، ولا سوائل مطهرة، ولا أجهزة اختبار – الموارد هزيلة والمستشفيات باتت تعتمد نظام “الطب الحربي”. نعم الطب الحربي زمن السلم، هنا أيضاً، في هذا البلد المحظوظ. وأعلم جيداً أنه في نفس الوقت الذي أكتب فيه هذه الكلمات، فإن الوضع أكثر تعقيداً في أماكن أخرى، عشرة آلاف مرة أكثر تعقيد وسوءاً ربما.

أصبح العالم بالنسبة لنا غير قابل للعيش، غير أن السخط يُضعف الروح، وعليّ أن أقوّي روحي في هذه الأوقات الاستثنائية بالالتفات إلى الجميل والخيّر الذي هو بالقرب مني؛ لمعان ابتسامة طفل يركض خلف حمامة في الساحة محرّكاً يديه كطائر، تمايل الزيزفون الأخضر عبر النوافذ، الزهور التي أشاهدها بشكل خاطف من وراء أسيجة الحديقة، التعاون بين الجيران، الكلام، الضحك المطمئن، قصيدة أو هايكو.

الهبوط إلى الداخل (بما أن الخروج مختصر في ساعة يومية)، غياب الحرية الجسدية، استحالة المشي تحت الشمس، وكل ما شابه ذلك أصبح بلا شك عسيراً على التحمّل. لكنني بلا شك محظوظة، بما أنني معتادة على النفي منذ الطفولة، وأن لديّ بفضل سفري إلى بلاد بعيدة تجارب مع تمدّد الوقت في فضاء ضيّق. كيف تمر الأيام؟ إنها أكثر من عادية، أطبّق مبدأ: “إلى الجحيم، أيتها الإنتاجية” وأضع جانباً كل واجب غير أساسي. ومثل من تتعاطى المخدرات، أمتصّ الأخبار والتعليقات والمقالات. أخرج نادراً لأن مشهد الأجساد التي تتحاشى بعضها البعض وكأنها مصابة بالطاعون (وهذا ممكن ما دام هذا الفيروس معدياً) يشعرني بالكآبة.

في الثامنة مساء، في الشُرفة الطويلة والضيقة مثل بقية شرفات باريس، أُصفّق لأصحاب القمصان البيضاء وأيضاً لمن يساعدونهم وتساعدنهم (فلا يخفى أن معظم الإطار الطبي من النساء)، إضافة إلى كثير من غير المرئيين.

ما عدا ذلك، أحاول الكتابة والقراءة. في هذه اللحظة لدي ميولات نحو الشعراء الصينيين الذين عاشوا في عصور بعيدة. أحب تلك الطريقة المرهفة للحضور في العالم، أحبّ زهدهم، بساطتهم وأيضاً فنّهم في المتعة والذي نسميه بشكل غير دقيق بـ “الأشياء الصغيرة”. أعطي بعض الأمثلة بشكل اعتباطيّ؛ صوت ناقوس ما وراء الغيوم البيضاء، الطريق الطويل، عطر الربيع، زهرة عبّاد الشمس منحنية تحت الندى. كذلك أعيد قراءة فديريكو غارثيا لوركا الذي أراد أن يستثمر الفرح مثل الألم ويقاوم إكراهات الهيمنة والاستغلال، ونجح بشكل رائع في أن يخبر الجميع بذلك، والثمن كان حياته.

محنة العالم كبيرة. سأشير إلى المسؤولين الأساسيين عن ذلك: تلك الحفنة من المالكين والقيادات ممن يصرّون – من أجل سلطاتهم ومصالحهم الشخصية – على إنكار تداخل العلاقات ضمن سلسلة الحياة وحق كل فرد أكان من الشمال أو من الجنوب في العيش تحت ضوء الشمس. وها إن كتبتهم يُدبّجون لغة جديدة من أجل تهدئة غضبنا.

محنة العالم كبيرة. وفي ما عدا السن، فإن الفيروس لا يميّز، إنه يتصرّف مثل كاشف، يضع ضوءه الأعمى والقاتل على البلدان/ المناطق/ المدن/ الفئات السكانية ذات الدرجة الأعلى من الهشاشة. في هذا الوقت لا يصلني الكثير مما يدور في معسكرات الاعتقال، حيث يتكدّس في ظروف غير آدمية من نجوا من الحروب وعبور البحر والصحارى والغابات، من برمانيا أو من الشرق الأدنى أو الأوسط. لا تصلني أيضاً أخبار أميركا الجنوبية، وأفريقيا، وبلاد كثيرة في آسيا ومنها الهند. لكننا نعلم أنه ومع تركيزنا في صراعنا الصحي لضمان حياتنا فإن عمليات الاغتصاب والقمع تتنشّط في فلسطين وغزة. وهذا أيضاً ما هو متوقع في سنجان الصينية وفي أماكن أخرى، وفي الضفة الأخرى من الأطلسي، في بلد يعتبر الأغنى في العالم وفيه ملايين يعانون من البرد والجوع والخوف. وهنا أيضاً.

وكأنه يخرج من مقبرة جماعية، يريحني صوت لوركا:

أريد أن أنام مثل التفاحات

أن أبتعد عن صخب المقابر

أريد أن أنام مثل طفلٍ

أرادَ أن يقطّع قلبه

في أعالي البحار

أريد أن أنام للحظة،

لحظةٍ، دقيقة أو قرن،

لكن على الجميع أن يعرف بأنني لست ميتاً

هناك على شفتي إسطبل ذهبي

أنا الصديق الصغير للرياح الغربية

أنا الظل الكبير لدموعي

(لوركا، غزل 8، مجلة أوروبا، العدد 1032، نيسان 2015)

الهواء نقيّ، في سماء باريس، برج إيفل يظهر في الأفق. هذه السنة، تهدينا الطبيعة ربيعاً جميلاً كما لم نعرف مثيله منذ زمن. تنفتح الأزهار بكثرة. صباحاً ومساء، كما في كل الأيام لكل الفصول، تقدّم الطيور تحيتها المعهودة للشمس. منذ أن تركنا المكان، أصواتها باتت تُسمع بشكل واضح. بين أصوات المنبهات، تذكرنا بشكل درامي كم يسكننا النسيان والدمار.

أقوّي روحي وأنظر إلى تلألؤ إسطبل ذهبي، خلف ستارة دموعه وفوق شفتي لوركا.

* شاعرة فلسطينية تكتب بالفرنسية. وُلدت في حيفا قبل احتلالها واضطرّت أسرتها إلى اللجوء للبنان. انتقلت إلى كندا لدراسة العلوم الاقتصادية، ثمّ درّستها هناك حتى بداية ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تستقر في فرنسا. في 2013، أصدرت باكورتها الشعرية بعنوان “أنا من شريط الرمال هذا”. لاحقاً صدر لها: “الأمل كحماية وحيدة” (2015)، و”اسمك من فلسطين” (2017)، و”الفوضى، عبور” (2019).

** ترجمة عن الفرنسية: شوقي بن حسن، خاص بـ “العربي الجديد”

————————-

إدغار موران: كان علينا أن نستعدَّ للكوارث

ترجمة: عبداللطيف القرشي

حتى وهو في معزله الصِّحيّ ببيته بمدينة مونبلييه، يبقى الفيلسوف إدغار موران وفيّاً لنظرته الشموليّة للمجتمع. إنّ هذه الأزمة الوبائيّة، حسب تصريحه لنا، يجب أن نتعلَّم منها كيف نفهم العِلمَ بشكلٍ أفضل، وأن نعيشَ باللايقين، وأن نستعيدَ شكلاً من الأنسنة.

ألقت جائحة الفيروس التاجيّ فجأة بالعِلم في قلب المجتمع. فهل سيخرج هذا الأخير مختلفاً من هذه الأزمة؟

– ما يثيرني هو أن قسماً واسعاً من الجمهور كان يعتبر العِلم سجلاً للحقائق القطعيّة واليقينيات غير القابلة للدحض. فقد كان الجميع مطمئناً وهو يرى الرئيس (الفرنسي) وقد أحاط نفسه بمجلسٍ علمي. لكن ما الذي حصل؟ لقد انتبهنا بعد برهةٍ إلى أن هؤلاء العُلماء يدافعون عن وجهات نظر متباعِدة جدّاً، بل أحياناً متناقِضة. سواء تعلَّق الأمر بالإجراءات الواجب اتخاذها، وبالعلاجات الجديدة المُحتمَلة للتعاطي مع حالة الطوارئ، ونجاعة هذا الدواء أو ذاك، والمدة الزمنيّة التي تستغرقها التجارُب العلاجيّة التي سيقع اعتمادها… كلّ هذه القضايا الخلافية تزرع الريبة في أذهان المواطنين.

هل تقصدون بأنه من المُحتمَل أن يفقد الجمهور الثقة في العِلم؟

– أبداً، إذا فهم (الجمهور) بأن العلوم تحيا وتتطوَّر بالجدل. فالنقاشات حول الكلوروكين، على سبيل المثال، سمحت لنا بالتساؤل حول الاختيار ما بين الاستعجال والاحتياط. لقد شهد الحقل العِلميّ فيما سبق خلافاتٍ حادة عند ظهور «السيدا» في الثمانينيات. والحال أن ما أوضحه لنا فلاسفة العلوم، هو أن القضايا الخلافية بالذات مسألة لا محيد عنها في البحث، وأن هذا الأخير يحتاج إلى هذه القضايا الخلافية ليتطوَّر.

مع كامل الأسف، قليلون هم العلماء الذين قرأوا (أعمال) كارل بوبر، الذي برهن على أن النظريّة العلميّة لا تستحق هذه الصفة إلّا إذا كانت قابلة للدحض، وغاستون باشلار، الذي طرح قضيّة المعرفة المُركَّبة، وكذلك توماس كون، الذي بيَّن أن تاريخ العلوم عبارة عن سيرورة متقطِّعة. كثير من العلماء يجهلون عطاءات هؤلاء الإبستمولوجيين الكبار ويواصلون عملهم بمنظورٍ وثوقي.

هل ستكون الأزمة الحالية من النوع الذي يغيِّر هذه النظرة إلى العِلم؟

– ليس بوسعي التكهن بهذا الأمر، لكنني أتمنى أن تساهم (الأزمة) في إبراز أن العِلم مسألة أكثر تركيباً ممّا نودُّ اعتقاده، سواء كنا في جهة مَنْ يتصوَّرونه كسجلٍ لليقينيات، أو مَنْ لا يرون في العلماء سوى مجموعة من الدّجالين (على غرار ديافواروس في مسرحية المريض المتوهم لموليير) يناقضون أنفسهم بشكلٍ دائم.

إن العِلم معطى بشريّ، مثله مثل الديموقراطية يستند إلى الجدل الفكريّ، هذا مع العلم بأن طرق التحقُّق أكثر صرامة. ولكن مع ذلك فإن النظريّات الكبرى المقبولة تنحو نحو اليقينية، ودائماً ما وجد كبار المُجدِّدين صعوبةً في الحصول على اعتراف باكتشافاتهم. إن الفترة التي نعيشها اليوم يمكن أن تكون الوقت الأنسب لتوعية المواطنين، والباحثين أنفسهم، بالحاجة إلى إدراك أن النظريّات العلميّة ليست مطلقة، بل قابلة للتحلل طبيعياً.

بالمقارنة بين الكارثة الصِّحيّة وحالة العزل الصِّحيّ غير المسبوقة التي نعيشها حالياً، أي الوضعيتين هي الأكثر تأثيراً؟

– لا مجال لإقامة تراتبية بين الوضعيتين ما دام أن هناك تعاقباً كرونولوجياً بينهما، يفضي إلى أزمة يمكن أن نقول إنها حضاريّة، لأنها تفرض علينا أن نغيِّر سلوكاتنا، كما أنها تغيِّر حياتنا على المستوى المحلّي، كما على المستوى الكوني. إن هذا كلّه مجموع مُركَّب. وإذا شئنا التعرُّض لها من وجهة نظر فلسفيّة، يجب أن نحاول الربط بين كلّ هذه الأزمات وأن نفكر قبل كلّ شيء في اللايقين الذي هو الخاصيّة الأساسيّة المشتركة بينها.

والمُهمّ جدّاً في أزمة الفيروس التاجي، أنه ليس لدينا لحدِّ الآن أدنى يقين حتى حول أصل الفيروس، ولا حول أشكاله، ولا حول الفئات السكّانية التي يُهدِّدها، ودرجات خطورته… فنحن نجتاز مستوى عالياً من اللايقين حول كلّ تبعات الوباء في جميع المجالات، الاجتماعيّة والاقتصاديّة…

بأي معنى تشكّل هذه اللايقينيات، من وجهة نظركم، الرابط بين كلّ هذه الأزمات؟

– لأنه صار  علينا أن نتعوَّد على تقبُّلها والعيش معها، علماً أن حضارتنا غرست فينا الحاجة إلى يقينيات لا تفتأ تتزايد حول المستقبل، وهي غالباً ما تكون وهمية، وأحياناً تافهة (حدث هذا) عندما وصفوا لنا بدقة ما سيقع لنا سنة 2025. يجب أن يذكِّرنا هذا الفيروس بأن اللايقين يبقى العنصر الذي لا يمكن التغلُّب عليه في حالنا كبشر. كلّ التأمينات الاجتماعيّة التي يمكننا أن نكتتبها، ليس بوسعها أن تضمن لنا عدم الإصابة بالمرض أو أن نتمتع بالسعادة في بيوتنا! نحن نسعى إلى إحاطة أنفسنا بأقصى ما يمكن من اليقينيات، لكن الحياة هي إبحار في محيط من الشكوك، تتخله جزر وأرخبيلات من اليقين التي نتزوَّد منها (لمواصلة الإبحار).

أهذه هي فلسفتكم في الحياة؟

– إنها بالأحرى حصيلة تجربتي. لقد عاينت في حياتي عدداً من الأحداث غير المُتوقَّعة؛ بدءاً من المقاومة السوفياتيّة سنوات الثلاثينيات إلى انهيار الاتحاد السوفياتيّ، لكي نكتفي فقط بهذين الحدثين اللذين كانا غير متوقَّعين قبل حدوثهما- إلى درجة أن هذا الأمر أصبح جزءاً من كينونتي. أنا لا أعيش في قلقٍ دائم، ولكني أتوقَّع حصول أحداث كارثيّة بدرجةٍ ما. لا أقصد أنني توقَّعت حدوث الوباء الحالي. ولكني أقصد بأنه منذ سنوات، ومع تدهور محيطنا الحيويّ، كان علينا أن نستعدَّ للكوارث. وفعلاً هذا جزء من فلسفتي «توقّع ما ليس متوقَّعاً».

وفضلاً عن هذا فإنني منشغل بمصير العالم منذ أن استوعبت- أثناء قراءتي (لأعمال) هيدغر سنة 1960 – بأننا نعيش عصراً كونياً، ثم بعد سنة 2000 عندما استوعبت أن العولمة يمكنها أن تفضي إلى مزايا بنفس قدر ما تفضي إليه من رزايا. وألاحظ أيضاً تسارعاً مفرطاً للنمو التكنو – اقتصاديّ يُحرِّكه تهافت على الربح مدعوم من قِبَل سياسة نيوليبرالية مُعَمَّمة أصبحت هدَّامة وتفضي إلى أزمات من كل الأصناف… منذ تلك اللحظة أصبحت مستعداً فكريّاً لمواجهة ما هو غير مُنتظَر، والتصدِّي للتقلُّبات.

حتى نبقى في فرنسا، كيف تُقيِّمون تدبير الوباء من طرف السُّلطات العموميّة؟

– يؤسفني أنه تمَّ إنكار بعض الاحتياجات، مثل استعمال القناع الطبيّ، فقط… للتستر على عدم توفره! كما قِيل أيضاً إن الاختبارات الطبيّة لا تفيد في شيء لإخفاء حقيقة عدم توفرها لدينا أيضاً. سيكون من الطبيعي الإقرار بأن أخطاءً قد ارتُكبت، وأننا سنقوم بتصحيحها. فالمسؤوليّة تقترن بالإقرار بالأخطاء. ومع ذلك فقد لاحظت بأنه منذ أوّل خطاب للأزمة لم يكتفِ الرئيس ماكرون بالحديث عن المقاولات، بل تحدَّث كذلك عن الأُجراء والعُمَّال. وهذا أوّل تحوُّل. ونتمنى أن يتحرَّر في نهاية الأمر من عالم المال: والأكثر من ذلك أنه أثار إمكانية تغيير النموذج التنموي.

هل نسير إذن نحو تغيير اقتصاديّ؟

– إن نظامنا القائم على التنافسية والربح يفضي في الغالب إلى تأثيرات وخيمة على ظروف العمل. فالاعتماد المُكثف على العمل عن بعد الذي فرضه العزل الصِّحيّ من شأنه أن يساهم في تغيير طريقة اشتغال المقاولات التي لا زالت شديدة التراتبية، أو استبدادية. كما أن الأزمة الحالية من شأنها أن تُسرِّع العودة إلى الإنتاج المحلّي والتخلّي عن الصناعات التي تنتج مواد غير قابلة لإعادة الاستعمال. وتعيد فرص الشغل للحرفيين، وفي ذات الوقت لتجارة القرب. ففي هذه الفترة التي ضعفت فيها النقابات العُمَّاليّة، فإن هذه المبادرات الجماعيّة هي التي بمقدورها أن تضغط لتغيير ظروف العمل.

هل نحن بصدد تحوُّل سياسيّ تتغيَّر فيه العلاقات بين الفرد والجماعة؟

– لقد كانت المصلحة الفرديّة تهيمن على كلّ شيء، وها هي المُبادرات التضامنية تنهض من جديد. لننظر إلى مجال المستشفيات، لقد كان هذا القطاع في حالة من التصدُّع والاستياء العميقين، ولكنه أظهر أمام تدفُّق المرضى تضامناً منقطع النظير. وقد استوعب الناس ذلك جيّداً، حتى وهم في عزلٍ صحيّ، بالتصفيق كلّ مساء لكلّ هؤلاء الأشخاص الذين يتفانون في خدمتهم. وهذا يُعدُّ من دون أدنى شكّ لحظة تقدُّم، على الأقلّ على المستوى الوطنيّ.

لكن بكلّ أسف ليس بوسعنا الحديث عن صحوة التضامن الإنسانيّ أو الكونيّ، علماً أننا ككائنات بشريّة في مختلف الأقطار كنا نواجه نفس المشاكل أمام تدهور البيئة أو الاستهتار الاقتصادي. واليوم، ونحن في حالة عزلٍ صحيّ من نيجيريا إلى نيوزيلاندا، يجب أن ندرك أن مصائرنا مرتبطة، شئنا ذلك أم أبيناه. وهذه هي اللحظة المناسبة لبعث الحيويّة في إنسانيتنا، فما دمنا لا ننظر إلى البشريّة كجماعة ذات مصير مشترك فلا يمكننا أن ندفع الحكومات في اتجاه منحى التجديد.

ماذا يمكن أن نستفيد منكم كفيلسوف لكي نقضي هذه الفترة الطويلة من العزل الصِّحيّ؟

– فعلاً، بالنسبة للكثيرين منّا- نحن الذين نقضي معظم الوقت خارج بيوتنا- هذا العزل الصِّحيّ المُباغت يمكن أن يشكِّل إزعاجاً لايحتمل. أعتقد أن هذه يمكن أن تكون مناسبة للتدبُّر، ولمراجعة الأمور التافهة، والتي لا فائدة منها في حياتنا. يجب أن لا يُفهَم من كلامي أن الحكمة تقتضي أن يبقى المرء حبيس غرفته طيلة حياته. أنا أقصد أن يعيد المرء التفكير في طريقة استهلاكه وفي تغذيته. لعلّها فرصة مناسبة للتخلص من كلّ هذه الثقافة الاصطناعيّة التي نعرف عيوبها، إنه الوقت الملائم للتخلص من الإدمان. وهي مناسبة سانحة لكي ندرك هذه الحقائق الإنسانيّة التي نعرفها جميعاً، والتي توارت في لا وعينا، ألا وهي الحبّ والصداقة والتلاحم والتضامن، وهي التي تمنح للحياةِ معنى.

حوار: فرانسيس لوكونت، (CNRS) صحيفة المعهد الوطني للبحث العلمي (6 أبريل 2020)

——————————

ماراثون/ نورة محمد فرج

ذكّرتني هذه الأرقام لأعداد الموتى والمصابين التي تشرد على نحو مسطح، برواية (غرارغنتوا وبنترغويل) لرابليه. فعلى نحوٍ اعتباطيّ ساخر تمتلئ الرواية بأرقام الموتى، وكلّ ما يتعلَّق بهم هو مجرَّد رقم. لكن بدا من العجيب أن نكون في القرن الحادي والعشرين ومرض من فصيلة الأنفلونزا يفتك بهذا العالم من حولنا. لقد كان من السهل الخروج للحصول على ما أشاء من الكيت كات، بينما الآن ثمّة أهوال ومخاطر دون شراء الكيت كات، ومعقمات وأقنعة وقفازات، وقلق لا ينتهي، حيث لا أمان من الخوف.

بدأ الحجر المنزلي بالنسبة لي عندما أُعلن عن تعليق الدراسة، وعن تعليق الحضانات. أحضرت طفلي من الحضانة، وبعدها لم أخرج حتى لحظة كتابة هذا المقال إلّا مرّتين، مرّة إلى حديقة المتحف الإسلاميّ بعدما أغلقت مناطق لعب الأطفال وقبل أن تغلق الحدائق، ومرّة إلى الممشى القريب من بيتنا.

أظنني من أولئك الذين لم يطرأ على حياتهم تغييرٌ كثير، لأنني لست مَنْ أسيطر على حياتي حالياً، ولست مَنْ أقول تفاصيل يومي، بل طفلي الذي يبلغ من العمر سنتين إلّا قليلاً. فالوقت ينقضي في ملاحقته، ومعنى ذلك أن لا وقت لديَّ لملاحقة ما عداه.

لكن ما حدث أنّ عليَّ أنْ ألاحق مسؤوليات الجامعة، وذهني قال لي إن عليَّ انتهاز هذه الفرصة- التي ليست فرصة كبيرة في مثل وضعي- لإنجاز البحث الذي أعمل عليه.

الوقت الذي أستطيع اقتطاعه لنفسي هو ساعة إلى ساعتين قبل النوم، بعد أن ينام طفلي، فهذا الوقت عليَّ أن أختار إمّا أن يكون للجامعة، أو لإنجاز بحث أيضاً للجامعة، أو لرفاهيتي، وهذا خيار صعب حالياً، فلا أستطيع الاستمتاع وأنا أشعر بأن ثمّة كومةً على رأسي تثقل عليَّ.

كان عليَّ أولاً أن أتعلَّم كيف أعطي محاضرات (أون لاين)، ومع أنني حضرت ورشة فيها إلّا أن التطبيق أمرٌ آخر غير التعلُّم على سبيل الإضافة من غير حاجة، ثم عليَّ أن أجهّز لهذه المحاضرات. ثمَّ كان عليَّ أن أتعلَّم كيفية إعداد الاختبارات الإلكترونية، وبعدها كان عليَّ أن أعدَّ واحداً على الورق، ثم أنقله إلى الشاشة، وبعدها كان عليَّ أن أعدَّ سلسلةً من الاختبارات، للدرجات الباقية، وهي أكثر من النصف، وللاختبار النهائي الذي تمَّ تقسيمه، يعني ازدادت الأعمال التي تعوِّض درجة هذا الاختبار، عدا عن التحدّي الأكبر، وهو الحرص على عدم وجود منافذ ما للغش.

وهكذا مرّت الليالي الأول، أحضّر اختبارات الساعة 12 ليلاً، بعيونٍ نصف مفتوحة.

بعدها صرت أعمل على بحثي، وبعد الانتهاء من الحصة اليوميّة أحاول أن أقرأ ولو صفحتين أو ثلاثاً. كنت أحاول البحث عن رواية رومانسيّة غارقة في الأحلام الوردية، لكن ما حصلت عليه أولاً، رواية عن حرب البوسنة تملأ القلب حزناً، ولم أكملها، لأن هذه الحال لا تنقصني بالتأكيد. الرواية الأخرى فرنسيّة، حسيّة باردة من زمن الحرب والتجريب، لم أجد فيها ما يشد، على الرغم من الجوائز التي حازت عليها والغموض الذي شاب اسم مؤلّفتها. الرواية الثالثة عن القراصنة، توقَّعت شيئاً ما جميلاً ومثيراً مثل شخصيّة جون سيلفر، وكنت قد شاهدت قبل سنة مسلسل (الأشرعة السوداء)، الذي تدور أحداثه قبل أحدث رواية جزيرة الكنز بعشرين سنة، وراقني المسلسل كثيراً على الرغم من العنف المفرط فيه. لكن هذه الرواية كانت قرصاناً ينط من بناءٍ إلى بناء، على نحوٍ يشبه الرجل العنكبوت أكثر من تلك الصورة المتخيَّلة لقرصان عتيد. تركت أيضاً هذه الرواية، وقرّرت الذهاب إلى خيار بدا أكثر وثوقية، إيزابيل الليندي، في رواية ما بعد الشتاء، حيث حصلت على رواية شدّتني، على الرغم من سخافة الحبكة ولا منطقيتها، لكنها غمرتني كعادة إيزابيل الليندي.

بعدها بحثت عن خيار أكثر كلاسيكيّة وأكثر تهذيباً، جين أوستن، رواية كبرياء وهوى، أجد الترجمة سيئة قد نزعت ثلاثة أرباع الأحاسيس، لكنني اكتفيت بالسرد البارد، واعتمدت على مخيلتي لتكمل الباقي.

كنت أودُّ أن أكون ممنْ يغطسون في (نتفلكس)، لكنني أكره الشاشات قبل النوم، لأنها تقلق نومي القلق أصلاً، وأنا بحاجة إلى ما يريح ذهني، لا ما يحفِّزه أثناء النوم، ليستدعي الأفكار والأحلام المختلطة من كلّ حدبٍ وصوب.

من جهةٍ أخرى، امتلأ الجوال بالأشياء التي أفكِّر أنني قد أشتريها حين الخروج من الحَجْر المنزلي، وحين يعود إلى الدنيا رونقها، أو رتابتها المعهودة. مواقع التسوُّق اتخذت كلّ منها خطة، بعضها أغلق محلّاته، وأغلق موقعه أيضاً حتى حين. مواقع أخرى أغلقت المحلّات، وقالت نرسل لكم ما تريدون حتى البيت. ومواقع أخرى استمرَّت، وقالت إن توصيلنا آمن. مواقع أخرى تجاهلت الموضوع تماماً، وأبقت على واجهاتها السعيدة المبتهجة، وألوانها الصيفية الرائقة، وتموضعات عارضاتها الراقصة والمتحدية.

وأنا أعيد التعرُّف على حوش منزلنا كنت أفكِّر في حلول لأزمة الاحتياجات بعد أن صار الذهاب إلى كارفور رحلةً ملغّمة، بعد أن كان تمشيةً آمنة.

قرأت عبارة على تويتر، أن العمل عن بُعد يعني عند الأهل أنك في إجازة، ويعني عند الدوام أنك متاح 24 ساعة! وهذا قولٌ حق فعلاً. فالظاهر أنك في إجازة، لكن الإيميلات الطويلة ذات التوجيهات والتبليغات والأوامر والتساؤلات لا تنقطع، بينما ليس ثمّة وقتٌ لقراءتها، أو للتفكير بها، أو للتعاطي معها، فتعمل ضمن الحدود القصوى، وبالسرعة القصوى أيضاً. نفِّذ فقط، لأن لا وقت للتفكير.

يقولون إما أن تقوم بالأمر بسرعة، أو أن تقوم بالأمر على نحوٍ صحيح.

لا أدري إنْ كان هذا النحو الصحيح يمكنه أن يأتي أبداً.

هذه الأرقام لأعداد الموتى والمصابين التي تشرد على نحوٍ مسطح، قد ذكّرتني برواية لرابليه، لم تتوفَّر لي، لكنني قرأت مقاطع منها، رواية غرارغنتوا وبنترغويل، إذ تمتلئ الرواية بأرقام الموتى على نحوٍ اعتباطيّ ساخر، حين يتحوَّل البشر إلى مجرَّد أرقام، وكل ما يتعلَّق بهم هو مجرَّد رقم، مثلما كان الأمر في الجائحات السابقات التي عرفها العالم، لولا أنْ اختلفت آلية العدّ. لكن بدا من العجيب أن نكون في القرن الحادي والعشرين ومرض من فصيلة الأنفلونزا يفتك بهذا العالم من حولنا.

يذكّرني في كل لحظة، كَمْ كان من السهل الذهاب للحصول على ما أشاء من الكيت كات، بينما الآن ثمّة أهوال ومخاطر دون شراء الكيت كات، ومعقمات وأقنعة وقفازات، وقلق لا ينتهي، حيث لا أمان من الخوف.

————————

يقتلنا الخوف مِنَّا/ عبد العزيز بركة ساكن

العُزلة لا ترعبني، أتعامل معها كرفقةٍ آمنة مشحونة بالضجيج. الموتُ لا يخيفني، كانت لنا صولات وجولات وخرجت منها منتصراً، بل أستطيع أن أقول إنني قتلتُ الموتَ في عِدّة معارك، ولم يستطع أن ينتصر عليَّ سوى مرّة أو مرّتين. ترعبني الكورونا: كلّما قرأت عنها ازددت جهلاً، وكلما ازداد جهلي، ازداد خوفي، وكلّما ازداد خوفي انفجرت عُزلتي بالضجيج الصاخب. بالتأكيد، لا يمكن أن تُفسّر عزلة الكورونا، بأي شيء آخر سوى أنها سجن اختياري، سجن منزلي مفتوح على الشخص، شاسعاً ممتداً مثل أوقيانوس مسحور، لا بداية له ولا نهاية، وسجن مغلق يسع العالم كلّه ويضيق بك أنت بالذات.

أنا بين السجنين، أصنع سجني الخاصّ، وهو سجن معتاد ويومي: جزء أساسي من طبيعتي هو أنني أحب العُزلة، أحب أن أكون في مكانٍ ما آمن من الآخرين، أقرأ وأكتب وأتتبع أخبار السودان، ثم أخبار العالم، أحب أن أكتب لأصدقائي وصديقاتي في كلّ أنحاء المعمورة، ولا يعني أنني أكتب إليهم مستخدماً اللّغة، قد أرسل لهم خطابات وأردُّ عليها بنفسي في عملية ذهنية بحتة، فالكتابة ترميز لعمل عقليّ عاطفيّ إنسانيّ لئيم. مغلقٌ أنا في مدينة دبرماركوس الإثيوبية، مغلقٌ على نصوصٍ مفتوحة، أكتشف لنفسي أوّلاً الأدب الإثيوبي المكتوب باللّغات المحلّية في فترةٍ تمتد لمئة عام، أدب لم يُترجم إطلاقاً لأية لغةٍ في العالم، كتبه أدباء عظماء بالأمهرا والتجرنة والأرمو، كتبوه بـ 85 لغة حيَّة في إثيوبيا، وأغلقت العُزلة عليه أبوابها: الجبال العالية، واللّغات، والتقويم الخاصّ، والخوف من الغُزاة، والحروب الداخلية.

أحاول فتح تلك الأبواب وتكسير مغلاق العُزلة، قريباً ستقرؤنه بالعربيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة، ولمَنْ أراد- لعشاق الهضاب العالية- بالأمهرية أيضاً: أنطولوجيا الأدب الإثيوبي لمئة عام. وهي أوّل أنطولوجيا للأدب الإثيوبي المكتوب باللّغات المحلّية في تاريخ هذا البلد الشاسع. أليس غريباً أن أعمل على أدب في عُزلة، وأنا في عُزلةٍ واقعيّة وفعليّة، عُزلة شبح الكورونا: أقبع الآن في غُرفة في فندق عجوز، عندما حضرت إليه قبل جائحة الكورونا كان يضج بالحياة: عمّال وعاملات، مسافرون عابرون، موظفو منظَّمات عالمية، موظفو وموظفات حكومة عابرو الولايات والأقاليم، تجار وسماسرة، أساتذة جامعات وما لا يعلمون. استيقظت ذات صباح على جلبة رحيل الجميع، حيث تم إعلان إغلاق حدود الولايات في إثيوبيا، بعد يومين من تأريخه. وما كان عندي خيار، أنا غريب في بلادٍ غريبة في فندق غريب، تتساوى عندي كلّ الأمكنة، وقد جئت إلى إثيوبيا من النمسا، وهي أيضاً ليست بلدي، بالتالي أن أكون محتجزاً في دبروماركوس لا فرق من أكون محتجزاً في أديس أبابا العاصمة، أو في فيينا، فالغرفة التي تحدها أربعة جدران هي ذاتها أينما كان موقعها من العالم، والخوف من الكورونا هو خوف من فيروس مجهول لا يعرف أحدٌ عنه معلومة صحيحة، الذين يعرفون المعلومات الصِّحية لا أحد يصدقهم في عاصفة الأكاذيب والشائعات التي تحمل منطقاً أقوى من منطق مَنْ يعرف الحقيقة، وهل الذين يعرفون الحقيقة راغبون في إطلاقها؟! فالشائعة أقوى وأجمل من كلّ حقائق العالم، لأنها نتيجة الظنّ العام والجهل العام، والرغبة في تصديقها رغبة عميقة في الإنسان المرعوب بما لا يعرف، لأنها نتيجة الحالة التي يعيشها: إنها رغبة جماليّة بحتة.

أقيم الآن وحدي في الفندق العجوز، ولأن تدفئة المياه تكلّف كثيراً، فأوقفت إدارة الفندق جهاز التدفئة، ولأنني لا يمكن أن آكل كلّ الأصناف التي ينتجها مطبخ الفندق العجوز، فتقلّصت القائمة إلى ثلاثة أصناف، منها صنفان لا أحب تذوقهما مطلقاً، إذن لا أطعم سوى من صنفٍ واحد، وهو «شيروا بالانجيرا»، وإذا كنت صادقاً، فإن ذلك لا يمثِّل عندي مشكلة، يمكنني أن أطعم على صنفٍ واحد لشهور عددا، فأنا ابن العُزلة: لا أتشهى شيئاً، ولا أرغب فيما لا أملك، ولا أحزن، لأنني لم أجد ما أرغب فيه. العُزلة هي بيتي المأهول بي. ولكن عُزلة الكورونا عُزلة مأهولة بالمخاوف والرُعب: الخوف من الآخرين، خوف الآخرين منك، خوفك على الآخرين، خوف الآخرين عليك، خوفكما معاً على هذا العالم الهش من الانهيار!! وأنت في عُزلتك تحيط بك الكورونا من كلِّ صوبٍ وحدبٍ، في المذياع: تحتل أذنيك. في التليفزيون: تخاطب عينيك التائهتين وترعبهما. في الشبكة العنكبوتية: تخاطب كلَّ حواسك ومشاعرك ولغتك وجنونك. في الطريق الذي لا تخرج إليها إلّا مضطراً: خوف المارة، وخوفك من المارة، يحتلان وعيك الهش، وعيك المحتلّ مسبقاً بكلّ مصائب العلم، بالشهداء والثوار والقتلة، بالجنجويد والعسكر ورجال الأمن، بالمجاعات وصراخ الأطفال والضحايا، بالبرد والجليد، بالصحراء والرمال، بالطين والليمون والزنجبيل، بالسفر الشاسع المُرعب، بهدير السيارات ونُعاس الحافلات، وزئير محرِّكات الطائرات الضخمة، عابرة القارات، وعيك المحتلّ بك، بالفراغ. العُزلة لا تعزلك من الكورونا: 

في البيت: الكتب والنصوص التي تنتظرك، وتطلب منك غسل يديك قبل أن تلامسها.

في البيت: الفراش والمرآة وجهاز الكمبيوتر، الأكواب الفارغة، الأحذية المُرتبكة من السكون والإهمال، التي يحرقها الشوق والحنين.

في البيت: الستائر التي لا تسترك من شيء غير ضوء الشمس والهواء النقي الطازج.

عقلك: ذاك المرعوب، يحاصرك بالأسئلة، فيعقد عزلتك وتحيط بك الأشياء وأنت تحيط بالعالم يفتك بك وتفتك به،… كورونا لا تقتلنا، يقتلنا الخوف مِنَّا.

العُزلة التي تحبها التي هي بيتك المأهول بك، هي الآن عدوك اللدود الذي يتربَّص بك، يغمز لك من النافذة، ويكح كلّما عبر تحت الشرفة، يعطس وهو يدعي مغازلتك في قبلة شيطانية تتبعثر في الهواء المُكهرب بالظنون. كورونا تكسر عزلتها في جنون وتسأل جان بول سارتر: هل الآخرون هم الجحيم؟!

———————–

الحَجْر، والعُزلة، والأمَل/ أحمد الخميسي

الحَجْر أن تجلس بمفردك، وكأنما أصبح للكون قلبٌ واحدٌ، وتنهيدةٌ أقرب إلى التضرُّع، وأنت تنصتُ شارداً إلى خفوتها. تتراءى لك نفسك كأنها طيفٌ في حلم. تلمح خوفك طافياً سابِحاً في خوف الملايين. خوف من عدو صغير جدّاً، غير مرئي، يحوم طول الوقت ليغرز أسنانه في صدر الحياة. تجلس وتأكل لقمة. تدخن سيجارة. ترقد على السرير ويطاردك السؤال ذاته: هل تنتهي حياتي الشخصيّة؟ حياة الأحباء؟ حياة الإنسانيّة؟.

أحاول النومَ بجرعةِ دواءٍ منوِّم. أصحو ورأسي ثقيل لأجدني عند نفس النقطة: أهي مجرَّد عطسة فيروس عابرة نمسحها عن وجوهنا ونستأنف الحياة؟ أم أن علينا أن نتأهب لرحيلٍ جماعي؟ وأن نلملم أوراق الإنسان، وتاريخه، وملاحمه، وكلمات الحب التي اخترعها؟. أجلس إلى المكتب لأنهي مقالاً عن ضرورة التفاؤل، عن أهمِّية الأمل، عن الإنسانيّة التي لم تُهزَم قط. أكتب سطرين وينحدر بصري بدون وعي ناحية الموت الرابض في ركن الحجرة. كتلة سوداء تفح في الهواء. وأنا مقيَّد، عاجز، لا أدري متى يختطف الفيروس حياتي. أنهض لأعدَّ فنجان قهوة. أرجع. أجري اتصالاً هاتفياً لأطمئن على صديق. يدور الحديث بيننا عن أي شيء، لكن في طيّات الكلام سؤالاً غير منطوق: هل أنت بخير؟. أقرأ قليلاً. يخطر لي أنني فوَّت فرصة الاستمتاع بالكثير من الكُتب الجميلة، ولم أعد أعلم هل ألحق قراءتها أم أن الوقت قد نفد. أسجل فكرة قصّة عن فتاة عصبيّة، سيئة الحظ، لكن الكلمات تظهر لي شاحبة لا تتوهج من حرارة. ما الذي يحدث؟ هل هذا هو الحَجْر؟ أن تقع في قبضة المخاوف والهواجس؟ أن يهزمك فيروس حقير حتى أنه غير مرئي…

أهذا هو الحَجْر؟ الخوف؟ حتى الجيران في الشقة المقابلة صاروا يتجنَّبون الحديث. يحنون رأسهم كأنما لم نرَ بعضنا البعض، ويغلقون بابهم بسرعة.

آكل لقمة. يتأرجح عقلي مثل بندول بين نقطتين. نقطة تكوَّمت فيها كلّ الأفكار والذكريات والانفعالات، ونقطة في الناحية الأخرى، حيث يطل الخوف من الموت. ثمَّة قاسم مشترك بيننا جميعاً في تجربة الحَجْر. ثمَّة علامات عامّة. لكن التجربة تتخذ كلّ مرّة وجودها الخاصّ بحكم اختلاف تفاصيل حياة كلّ شخص. لم أفزع من الحَجْر بمعناه العام، أي بصفته قيداً على الحركة والتواصل مع الآخرين، فقد قضيت نحو نصف عام معتقلاً في حبسٍ انفراديّ، من دون كِتاب، من دون رسالة، من دون صوتٍ بشريّ، وكانت الحركة الوحيدة المتاحة أن أقطع إسفلت الزنزانة الصغيرة ذهاباً وإياباً. أروح وأجيء في الصمت ويداي معقودتان خلف ظهري ما بين الباب المُصفَّح والجدار الأصم، أدوس بقدمي أيامي. أمرغ ساعات العمر، مجبراً على سحق حياتي بنفسي، مرغماً أن أكون القاتل والقتيل. لكنك في السجن لا تهلك حياة أحد ما عدا حياتك، أما في حَجْر الوباء فإنك بغير إرادتك تمسي أداة إبادة الآخرين، إذا صافحتهم، إذا عانقتهم، إذا تنفَّست بالقرب منهم، واليدان اللتان كانتا تقدِّمان الزهور للأحباء تصبحان مثوى للموت.

أهرب إلى الأغاني والموسيقى. أقول لنفسي لا ينبغي للإنسان أن ينشر الخوف. لابد للإنسان أن يذيع الأمل والنور في عزِّ الظلمة. أتذكَّر «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، لكن ما الذي بيدي الآن؟ الكتابة؟ أهذا كلّ جهدي؟ وما جدواها؟ أكان لها أو أن لها الآن نفعاً؟ أم أنني احترفتها من دون تخطيط، كما تحترف الزهور إطلاق العطر، ليس عن وعي، لكن بحكم التكوين والفطرة. أتساءل: ألم يكنْ من الأفضل لو أنني قضيت سنواتي مستمتعاً بالحياة دقيقة؟ بالبحر، بالشمس؟ بخفق الهواء؟ بالقبض على الكفوف الناعمة، بالضحك من أعماق القلب؟ ما جدوى الأدب؟ أن نعيش قصائد لا نكتبها أفضل من كتابة قصائد لم نعشها. تظل الحياة القضيّة الأولى والأخيرة.

أتساءل: إذا نجونا من الجائحة، ما الذي ينبغي أن نستخلصه منها؟ على الأقلّ أن نعي أن الإنسان لن ينجو بمفرده، وعليه لكي ينجو بنفسه أن ينقذ عدوه معه! ينتشر الوباء ولا يُميِّز بين الناس، فأصبح علينا أن ننقذ أعداءنا وإلّا هلكنا من عدواهم، وأمسى على أعدائنا أن ينقذونا لكي لا يهلكوا بسببنا.

أنقذ عدوك لكي تعيش! يا له من درس!

ذات يوم كتب الأديب الروسي أنطون تشيخوف: «هكذا هي الحياة، إنها أشبه بوردة تزهر بفرح في أرض خضراء، وتأتي ماعز تأكلها فينتهي كلّ شيء»، فإذا التهم الفيروس زهرة الحياة، فإن الإنسانية ستصعد إلى أعلى كما بنفس الكبرياء التي عاشت بها، فليس لدى الإنسانية ما تخجل منه.

يقولون إن العالم بعد فيروس كورونا سيتغيَّر ليحقِّق أحلامه بالحرّيّة والعدالة والحياة الكريمة. لكن التاريخ يشهد بأن الأوبئة والكوارث الطبيعيّة لم تبدِّل النظم السياسيّة والاقتصاديّة الجائرة، بدَّلها فقط الوعي والعمل الاجتماعيّ. في يومٍ ما أبادت الأنفلونزا الإسبانيّة نحو خمسين مليون نسمة عام 1918، ولم يغيِّر ذلك شيئاً من النظام العالميّ، وإنْ كان قد حرَّك الضمير الإنسانيّ.

الوباء الحالي أيضاً قد يهز الضمائر، لكنه لن يغيِّر النظام العالميّ السائد، وعلينا حتى نحقِّق أحلامنا أن نتشبَّث بالأمل، الأمل في استمرار الحياة أولاً، لأنه ليس أمامنا خيارٌ آخر، لذا علينا أن نكرِّر لأنفسنا كلّ دقيقة أن أيام الكابوس معدودة، وأن الإنسان سيخرج منها منتصراً، وهو الذي صارع الوحوش، والظلمات، والفيضانات، والرعود، وخرج من الكهوف الأولى إلى الحضارة، ومن الكرة الأرضيّة إلى الفضاء الشاسع، ورجع بمشاعل الأمل في التقدُّم والعلم والتطوُّر. وسوف يأتي من بعدنا أناسٌ لن يتذكَّروا وجوهنا أو أصواتنا، لكنهم سيقولون عنا: «لقد تمسَّكوا بالأمل»، حتى عندما لم يكن هناك أمل. وحين يتَّجه البندول إلى الناحيةِ الأخرى من خواطري، حيث الخوف من الموت، وحين أسمع طنينه في الجو، أنهض. أفتح النافذة. أرفع رأسي عالياً نحو الشمس. أقول بقوة: «ستبقى على الأرض الأغاني والقصائد والألوان والإنسان الذي اخترع الرقة، والعذوبة، والوحدة، والكتابة، والأمل».

—————————–

لم أجد أفضل من القراءة/ محمد الغزي

إنّ العُزلة كما أوضح المتصوِّفة، هي الجلوس مع النفس، أي إنّها ضرب من الوحدة لكنّها الوحدة المأهولة، وهذا الجلوس مع النفس عند (نيتشه) ضرورةٌ لاتساع الذات وامتلائها، وسببٌ مباشر في إيقاظ الإحساس بالحرّيّة، «فالذي لا يبتهج في العُزلة لا يحب الحرّيّة».. يقول شوبنهاور.

والواقع أنّي لم أجد أفضل من القراءة تنقلني من حالٍ إلى حالٍ، أي من حالِ الضرورة إلى حالِ الحرّيّة. لكنّ القراءة التي اخترتها، في هذا الظرف المخصوص، هي القراءة التي تُضيء وتكشف: تُضيء اللحظة الراهنة، وتكشف لي عن أسرارها وخفاياها.. القراءة التي «تفضح» وتدين، وربَّما تحاكم الإنسان المُعاصِر الذي ما فتئ يمضي إلى حتفه مفتوح العينين..

في اللحظة التي دخلت فيها البشريّة الحَجْر المنزليّ تذكّرتُ قولة كالفينو: «أعتقد أنّ عليَّ أن أطير في فضاءٍ مختلف كلّما بدت الإنسانيّة محكوماً عليها بالثّقل، ولا أعني بهذا أنّ عليَّ أن أهربَ في الأحلام، أو فيما هو لا عقلانيّ، بل أعني أن عليَّ أنْ أغيّر مقاربتي للعالم، أن أنظر إليه من زاوية مختلفة، ومنطقٍ مختلف».

أن أغيّر مقاربتي للعالم، أن أنظر إليه من زاويّة مختلفة، ومنطقٍ مختلف، هذا ما كنت أرجوه بعدما باتت كلّ المُقاربات القديمة للعالم والأشياء غير واضحة، وربّما غير صائبة..

هكذا وجدتُني أعود إلى قراءة أعمال مخصوصة، خلال الحَجْر، وهي الأعمال التي أدانت الإنسان المُعاصِر، بل حذّرت من صلفه وعنجهيته وسيره الأعمى نحو المجهول: مثل أعمال كافكا / كامو/ ناتالي سروت / بيكيت / إليوت… كلّ هؤلاء رفعوا أصواتهم بالصراخ، حاولوا أن يلفتوا الانتباه، أن يعلنوا عن الكارثة قبل حلولها، لكن لا أحد أصغى إليهم، لا أحد أولى «مواقفهم» أيّة أهمّية، بل عُدَّت، هذه المواقف، لدى فريق أول، مجرَّد احتجاجات رومانسيّة لا ينهض لها سبب قويّ يسندها ويدعمها، وعُدَّت، لدى فريقٍ ثانٍ، مجرَّد مواقف أيديولوجيّة ذات طابع يساري تعادي الليبراليّة المُنتصرة..

هكذا ظلّ الإنسان متوّجاً بكلّ إنجازاته وكشوفاته يسير قدُماً.. غير عابئ بأيّ تحذير حتى كان الربيع الأسود عام 2020.

في هذ الحَجْر قرأت أعمالاً كثيرة وكبيرة كانت كلّها دون استثناء قد آخذت الإنسان المُعاصِر على خياراته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة والأيديولوجيّة الخاطئة، وتوقعت أن يمرّ هذا الكائن الممتلئ بذاته بمنعرجات تراجيديّة خطيرة.. كلّ كاتب اختار لهذه «المنعرجات» معادلاً موضوعيّاً، أي صورة استعاريّة… لكنّ الكُتَّاب جميعاً اتفقوا على أنّ الإنسان يسير في الطريق الخطأ، وأنّ كل منجزاته مهدَّدة بالاندثار..

ذكرني هؤلاء الكُتَّاب بـ«العرّافات» في المسرح اليوناني، حيث كنّ «يتنبّأن» بالمأساة قبل حدوثها، لكنّ الأبطال لا يعيرون اهتماماً لنبوءاتهنّ، فيواصلون خوض الصِّراع، بكلِّ حماسة، دون أن يتوقَّعوا أنّ نهايتهم وشيكة.

أدب (كافكا) كان نعياً طويلاً وحزيناً للإنسان الذي فقد «آدميّته»، وكلّ حضوره الإنساني البهيج، أدب (بيكيت) كان صيحة في وجه نظامٍ اقتصاديّ واجتماعيّ ظالم قضى على كلّ القيم الإنسانية الكبرى.. قصائد (إليوت) كانت تصويراً للإنسان يسير بعينين مفتوحتين نحو خرابه الروحي…

في هذا السياق، أحبّ أن أتوقَّف عند عمل صغير الحجم، ربَّما كتبه صاحبه لليافعين، لكنّه كان، على بساطته ووضوحه، من أعمق الأعمال التي أدانت الإنسان المُعاصِر إدانةً شديدةً، وحذّرته من الفاجعة.. وهذا العمل هو كتاب «الأمير الصغير» للكاتب الفرنسي «سانت اكزوبري».

شخصيّتان اثنتان تتقاسمان في هذه القصّة غنائم البطولة: الشخصيّة الأولى هي شخصيّة أمير صغير لا يسكنُ الأرض، وإنما يسكنُ المدى يلفّعه الغمامُ. مملكته ليست من هذا العالم، وإنّما من عالم آخر بعيد. فقد جاء من الكوكب 612، وهو الكوكب الذي يكاد حجمه لا يتجاوز حجم بيتٍ من البيوت، لينزل ضيفاً على الأرض، أمّا الشخصيّة الثانية فهي شخصيّة طيار متمرِّس آثر السباحة بين الغيوم على البقاء بين البشر.

ينطلق الحديث بين هاتين الشخصيّتين، أي بين الأمير الصغير الذي ينظر إلى العالم بعفويّة ساحرة، وبين الطيار الذي ينتسب إلى العصور الحديثة يحمل ثقافتها.. ومن خلال هذا الحوار نقف على محاكمة الأمير الصغير للإنسان المُعاصِر، فيدين جشعه وأنانيّته وفقدانه القدرة على الحلم… هذا «الإنسان الأجوف»، على حدِّ تعبير (إليوت)، فقد الإحساس بالدهشة، وبات يرى العالم بعينين باردتين فقدتا نار الفضول من زمنٍ بعيد.

لكن الأمر الذي صدم الأمير الصغير هو: خلع الإنسان المُعاصِر على المال قيمة كبرى، بحيث بات في العصور الحديثة قيمة القيم، منه تتحدَّر القيم الأخرى انحدار الوليد من الوالدة.. هكذا يلاحظ الأمير الصغير أنّ الأشياء لم تعد تكتسب قيمتها من ذاتها، وإنّما من السوق. السوق هو الذي يقيِّم البشر، والأشياء، والبضائع، والآداب، والفنون، والعلوم.

يقول الأمير:

وإذا قلت للكبار: «رأيت بيتاً جميلاً مبنياً بالقرميد الأحمر، وعلى نوافذه الرياحين، وعلى سطحه الحمائم…» عجزوا عن تمثّل ذلك البيت، فإذا أردت الإيضاح وجب عليك أن تقول «رأيت بيتاً قيمته ألف دينار» فيصيحون قائلين: «ما أجمل هذا البيت!».

فالبيت، ليس «جميلاً»، لأنّ على نوافذه الرياحين، وفوق سطحه الحمائم.. وإنما هو جميل، لأنّ قيمته ألف دينار. الأمير الصغير، هذا الكائن السماوي لم يفهم هذا المنطق الأرضي الغريب.. لم يستوعب قوانينه وآلياته. لهذا ما فتئ الأمير يردِّد «هؤلاء غريبو الأطوار حقّاً»..

لكنّ أهمّ إدانة وجّهها الأمير الصغير إلى الإنسان المُعاصِر تعويله على «العقل» وتهوينه من شأن القلب… فالعصور الحديثة قامت على الإشادة بسلطان العقل، وتحقير بقيّة الملكات الأخرى التي يتميَّز بها الإنسان عن بقيّة الكائنات الأخرى: مثل الوجدان والحدس والرؤيا مع أنّ هذه الملكات مثَّلت قوى هائلة توسَّل بها الإنسان لحلّ ألغاز الوجود… لهذا ما فتئ الأمير الصغير ينقد ثقافة العين ويدعو إلى إحياء ثقافة القلب / أي ما فتئ ينقد ثقافة الرؤية ويدعو إلى ثقافة الرؤيا.. ومن أقواله التي تكرّرت داخل القصّة:

«– لا نبصر جيّداً إلّا بالقلب.. والشيء المُهمّ لا تراه الأعين.

—- ينبغي البحث بالقلب».

ومن أهمّ الدروس التي يقدّمها هذ الأمير الصغير هو الدعوة إلى التسامح وتجنُّب التعصُّب:… فالحقيقة حقائق، والواقع ليس واحداً، وإنما هو كثير.

«للناس نجوم يختلف بعضها عن البعض الآخر، فمن الناس مَنْ يسافر فتكون النجوم مرشداتٍ له، ومن الناس مَنْ لا يرى في النجوم إلّا أضواء ضئيلة… ومنهم مَنْ يكون عالماً فتكون النجوم قضايا رياضيّة يحاول حلّها، ومنهم مَنْ يحسب النجوم ذهباً، وهذه النجوم على اختلافها تبقى صامتة، أمّا أنت فيكون لك نجوم لم تكن لأحد من الناس».

هكذا تكلَّم الأمير. فكلٌّ له نجمه: نجم الملّاح يختلف عن نجم العالم، ونجم العالم يختلف عن نجم الرياضيّ، ونجم الرياضيّ يختلف عن نجم التاجر… فالنجم واحد في الأصل لكنّه يتعدَّد بتعدُّد الناظرين إليه..

تلك هي بعض مآخذ الأمير على الإنسان المُعاصِر… لكن هل هناك مَنْ سمعها؟ هل هناك مَنْ سيسمعها؟!

———————

عولمة الفزع/ محمد مروان

ربَّما ساهمت العولمة في هذا الانتشار المُثير للرعب والفزع، وربَّما ساهمت وسائل الإعلام أيضاً في ارتفاع حدَّة هذا الفزع في عالم تحوَّل إلى قريةٍ صغيرة. الدول والحكومات والساسة يفكِّرون عادةً في اتخاذ الإجراءات والتدابير في مثل هذه الحوادث قصد تقليص الخسائر إلى حدِّها الأدنى، مستعينين في ذلك بالمؤسَّسات الرَّسميّة والمجتمع المدني. أمّا المُفكِّرون والمُثقَّفون فإن اهتمامهم ينصرف إلى تحليل الأسباب وتقييم النتائج البعيدة المدى وتأثيرها على الوضع البشريّ في القادم من الأيام.

في أواخر سنة 2019 ظهر فيروس كورونا المُستجَد الذي أصبحت تسميته العلمية «كوفيد 19»، وانتشر بسرعة ليتحوَّل إلى وباء ضرب العديد من الدول الإقليمية، ثم تحوَّل إلى جائحةٍ مُعلَنة من طرف منظَّمة الصحَّة العالميّة، بعد أن غزا مختلف الدول والمناطق في العالم مطلع سنة 2020. صحيح أن البشريّة عاشت أهوال الأوبئة والجوائح غيرما مرّة، من قبيل «الطاعون الأسود» و«الأنفلونزا الإسبانية» وغيرهما، إلّا أن المُقلق والمخيف في هذا الفيروس الجديد هو سرعة انتشاره وقوة فتكه بالأجساد الضعيفة المنخورة بالأمراض المزمنة أو التي تنقصها المناعة الكافية. 

وإذا كان من الصعب الإحاطة بكلّ ما يروَّج في عالم الفكر اليوم حول هذه الجائحة، فإن بعض النماذج يمكن أن تقدِّم لنا صورة عن واقع اليوم وسيناريوهات المستقبل. لذلك انفتحنا على مفكِّرين لهم علاقة وثيقة بعلم الاجتماع والفلسفة وعلم النفس، وهي المجالات المعنية أكثر من غيرها الآن بهذه الجائحة العابرة للقارات، فلعلّها تمدّنا بإشارات إلى الطريق الذي يجب أن نسلكه مستقبلاً.

تبدو حالتنا اليوم على أنها حالة فزع الكلّ من الكلّ، حالة من الشك والريبة وانعدام اليقين إزاء المجهول؛ والسبب في هذا يعود إلى جائحة «كوفيد 19». إننا أمام فزع مُعولَم يدل على حجم الأزمة التي تعصف بصحّة البشر التي هي الخير الأعظم على حدِّ تعبير ديكارت. ومن أهمّ دروس هذه الأزمة الكبرى في نظر السوسيولوجي الفرنسي «إدغار موران Edgar Morin» أنه لا يمكننا الانفلات من الريبة واللايقين: نحن لا زلنا دائماً مرتابين بصدد إيجاد علاج لهذا الفيروس، وكذلك إزاء تطوُّرات ونتائج هذه الأزمة. بناءً على ذلك، يحدِّد موران مهمَّة أساسيّة للتربية، تتمثَّل في تدريس الريبة واللايقين. إلّا أنه من مفارقات هذه الريبة أنها تتضمَّن في نفس الوقت الخطر والأمل. نعتقد أننا نعيش تطوُّراً، بل تحوُّلاً جذرياً، لكن الفيروس يذكّرنا بأننا نعيش المغامرة؛ المغامرة أمام المجهول وداخله، المغامرة التي لم نسمع عنها من قبل بالنسبة للجنس البشريّ. ويبدو، في نظره، أن الفيروس يقتل النيوليبرالية ويقتلنا معها في نفس الوقت؛ ولذلك فإنه سيكون من المحزن جدّاً ألّا يخرج من هذه الأزمة فكرٌ سياسيٌّ يرسم طريقاً جديداً. من هذه الفكرة، أي ضرورة فكر سياسيّ جديد، ينطلق الفيلسوف والمُؤرِّخ الفرنسي «مارسيل غوشيه Marcel Gaucher»، معتبراً أن الأزمة التي نمرّ بها هي فرصة للحظة الحقيقة، الرهان فيها يتركز على علاقة كلّ مواطن بالجماعة السياسيّة. وينتقد غوشيه عبارة «إننا في حالة حرب»، لأنها بعيدة عن الواقع، وربَّما مجرَّد وصف مجازي لهول هذه الأزمة، مؤكّداً ذلك بقوله «لسنا في حالة حرب، أو إن الأمر يشبه الحرب الزائفة… تذكرون أنه خلال حرب 1914 – 1918 سقط أكثر من عشرين ألف قتيل في يومها الأوّل. نحن، لحسن الحظ، بعيدون جدّاً عن ذلك». 

إن أهمّ ما كشفت عنه هذه الأزمة هو عودة ما هو سياسي(le politique) ، أي ما يضمن بقاء ودوام جماعة ما، وقاعدة مشتركة تلزم الجميع لأنها تهم حياة وموت كلّ عضو من الجماعة. ففي نظر غوشيه أن الدلالة العميقة لهذا الحدث تتمثَّل في صحوة البعد المُتعلِّق بما هو سياسي والذي نسيناه واعتقدنا أنه يمكننا الاستغناء عنه. ما هو سياسيّ يرتبط بحياة الجماعة، وهو الأهم حالياً؛ أمّا الانتخابات البلدية، فهي ترتبط بالسياسة (la politique)، وهي تهتم بمَنْ نجح أو خسر فيها، وهي تافهة حالياً، بل ومدعاة للسخرية والتهكم. 

في تقدير غوشيه، أن «كوفيد 19»، رغم كونه يتطوَّر بشكلٍ تصاعدي، إلّا أنه لحد الآن، لم يصل بعد إلى هول الطاعون الأسود أو الأنفلونزا الإسبانيّة، وفي توقّعه وتساؤله معاً: أننا سنعرف في القادم من الأيام، إلى أي مدى ستتقلص أو تتمدَّد الفجوة بين الفرد والجماعة. يعني هذا أننا نعيش اليوم اختباراً سياسيّاً حقيقياً وعلى أعلى مستوى؛ فهل البعد الفرداني الليبرالي والخاصّ هو المُهيمن كلّيةً على مجتمعاتنا الغربية؟ سنكتشف هذا الأمر في المستقبل القريب. هذا هو ما يهم، وهذا هو الأساسي في هذه الأزمة على حدِّ تعبير غوشيه.

وعلى غرار إدغار موران، يرى غوشيه أن العولمة الليبرالية قد ماتت، وأن المبدأ القائل بأن «التجارة الناعمة» ستحلّ جميع المشاكل أصبح بائداً. وفي معرض الحديث عن مناعة الجسم السياسيّ، يقول بأنه ليس من البساطة والبداهة، في مجتمع يتكوَّن من أفراد، أن يضمن مناعته السياسيّة. ذلك أننا نطلب من الأفراد أن يبتعدوا عن بعضهم البعض قدر الإمكان (الحجر الصحي)، لكننا نقول لهم في نفس الوقت «فكّروا في الآخرين فقد تكونوا خطراً عليهم». هكذا يجد الأفراد أنفسهم بين شدٍّ وجذب، أي في حالة توتر بين المسافة الفردانية والالتزام الغيري. في الأخير، يؤكِّد بأن هناك رجّة فكرية وخلخلة أيديولوجية كبيرة وقويّة، ولا أحد يمكنه التنبؤ بخطورة الحدث وما سيترتب عنه، إلّا أننا في حاجةٍ ماسة إلى برنامج سياسيّ جديد.

وبالنظر إلى فرادة التجربة البريطانيّة في التعاطي مع أزمة «كوفيد 19»، ارتأينا أن ننفتح على بعض فلاسفتها الأكثر حضوراً إعلاميّاً، خاصّة على صفحات «الغارديان Guardian» وقناة الـ«BBC»، يتعلَّق الأمر بالفيلسوف الإنجليزي «جوليان باجيني Julian Baggini» الذي يتماثل للشفاء حالياً من أزمة التهاب رئوي. ما يبدو غريباً بالنسبة لنا جميعاً، هو تأكيد الوزير الأوّل «بوريس جونسون Boris Johnson» أن المملكة المتَّحدة لن تتخذ أي إجراء من قبيل إغلاق المدارس وفرض الحجر الصحي، إلخ. لكن بالنسبة لهذا الفيلسوف، يمكن فهم هذا الأمر بسهولة ووضوح بالنسبة لمَنْ يعرف طريقة تفكير الإنجليز. فقد حاول جاهداً في كتابه «كيف يفكّر العالم How The World Think» توضيح التشابهات القوية بين الخصائص المهيمنة على ثقافةٍ ما والنموذج الفلسفيّ الذي تجسده. ولعلّ الأزمة الحالية تجسيد واضح لهذه الفكرة. فهو يرى أن جونسون قدَّم استراتيجيته باعتبارها «أمبريقية empirique» في تعارض مع المثالية، إذ أوضح أن القرار الذي اتّخذه جاء بعد استشارة العلماء المرموقين حول الموضوع؛ وهؤلاء أقنعوه بأنه في مصلحة الشعب أن يطوِّر قدراته ودفاعاته المناعية (مناعة القطيع)، حتى لو كان ذلك يعني تكبُّد المزيد من الخسائر في البداية. بالإضافة إلى ذلك، إنها مقاربة ذرائعية. ومعلوم أن هذه الأخيرة تشير إلى مذهب فلسفيّ سياسيّ وأخلاقيّ، تبلور مع كلّ من «جيريمي بنثهام Jeremy Bentham» (1748-1832) و«جون ستيوارت ميل John Stuart Mill» (1806-1873)، ويقوم على مبدأ عام هو تجويد الوجود إلى أقصى حدٍّ لفائدة الأغلبية، حتى ولو ترتَّب عن ذلك إجحاف أو ظلم في حقّ بعض الأفراد، أي حتى ولو كان الأمر يتعلَّق بعدد من الوفيات في الحالة التي نتحدَّث عنها وهي الجائحة. يسعى باجيني من وراء كلّ هذا إلى توضيح أن الفلسفة الإنجليزية ليست عاطفيّة، إنها تريد أن تكون، عكس ذلك، هادئة وعقلانية، على حدِّ تعبيره. فالذرائعي الصارم والمُتشدِّد، لا يجب عليه فقط التقليص من عدد الوفيات، وإنما التساؤل أساساً عن عدد الذين سينعمون بإمكانية العيش المديد وبصحة جيّدة. بعبارة أخرى، إذا كان الأشخاص المُسنّون في البلد، هم مَنْ سيموت توّاً، فيما سيطوِّر الشباب مناعة ضد «كوفيد 19»، فالحساب جيّد؛ ولعلّ هذا الاستثناء يبدو إنجليزيّاً محضاً. يضاف إلى ذلك أن التقليد الليبرالي في المملكة المتَّحدة، يفرض على الحكومة اعتماد مبدأ المسؤوليّة الفرديّة وكأن الحكومة تخاطب الأفراد قائلة: ابقَ هادئاً وتابع طريقك. هذه هي الطريقة الإنجليزيّة في كيفية مواجهة الشدائد. وقد لاحظ باجيني أن تغيير نبرة خطاب الوزير الأوّل وبعض السياسيّين نابع من الشكّ في النموذج العلمي المعتمد في اتخاذ هذا القرار، والتخوُّف من عرض جثث الموتى بالآلاف في المستشفيات على مختلف وسائل الإعلام والتواصل. هذا التغيير يحرِّكه، في نظره طموحٌ سياسيٌّ شخصيّ وليس بدافع الغيرية. لكن يبدو أن المملكة المتَّحدة رضخت أخيراً لتتخذ نفس التدابير والإجراءات التي اتخذتها الدول الأخرى. وفي علاقة مع الأزمة الصحّية التي مرّ بها (التهاب رئوي) ودور الفلسفة فيها، انتقد الاعتقاد السائد عند الكثيرين في أن الفلسفة تجعلنا سعداء وتساعدنا على تخطي المصاعب، إلّا أنه يؤكّد في نفس الوقت أهمِّيتها: إنها تمنحنا فهماً أوضح لما نعيشه، وتحول دون انجرافنا مع الأهواء واللامعقول. وفي كلمةٍ أخيرة: ما هو أساسي، بالنسبة إليه، هو تقبل الجواز الذي يطبع الوضع البشريّ وكذا طبيعة الحياة العابرة.

ومن منظور يمتزج فيه التحليل النفسيّ بالنقد السياسيّ، خصص الفيلسوف السلوفيني «سلافوي جيجيك Slavoj Zizek» مقالاته الأخيرة لتقديم آرائه حول جائحة (كوفيد 19). وقد ركّز بداية على طريقة ردود أفعالنا إزاء هذه الجائحة، معتمداً في ذلك على خطاطة الطبيبة النفسانية «إليزابيث كوبلر-روس Elisabeth Kübler-Ross» والتي عرضتها في كتابها «اللحظات الأخيرة للحياة». تتكوّن هذه الخطاطة من خمس مراحل هي: الإنكار، الغضب، المساومة، الإحباط والتقبل. في البداية كان الإنكار (الأمر ليس على هذه الدرجة من الخطورة)، ثم الغضب «بنبرات لا تخلو من عنصرية أو عداء للدول»: (مرّة أخرى الخطأ صادر عن هؤلاء الصينيين)، (حكومتنا ضعيفة وغير فعّالة)، بعد ذلك جاء دور المساومة (هناك طبعاً ضحايا، لكن يجب أن نكون قادرين على الحدِّ من الخسائر)، وإذا لم تسر الأمور في هذا الاتِّجاه سيظهر الإحباط (يجب ألّا نخدع أنفسنا، نحن جميعاً مدانون)؛ أمّا مرحلة التقبُّل فقد عبَّر عنها جيجيك بقوله (يجب علينا تقبُّل واقع أن الوباء سيأخذ حتماً بعداً عالميّاً، وأنه لا يمكن احتواؤه عن طريق الحجر والعزل ولا عن طريق أي تدبير وحشي ناجم عن الذعر والفزع. يتعلَّق الأمر إذن بتقبُّله، مع الوعي بأن معدل الوفيات منخفض نسبياً، وبشيء من الحكمة ستكون لنا فرصة للنجاة…). إلّا أن ما هو أعمق من ذلك، وما يجب تقبُّله، وما يجب علينا التوافُق معه، هو أن الحياة كانت دائماً قائمة على أساس الانتشار الغبي والمُتكرِّر للفيروسات التي، مثل أموات أحياء، تلقي بظلالها علينا، مُهدّدة بقاءنا. هكذا تذكّرنا الفيروسات في العمق بجواز وعدم أهمِّية وجودنا: مهما كان حجم الآثار العقلية الروحية التي أقامتها البشريّة، فإن طارئاً طبيعياً غبياً مثل فيروس أو كويكب يمكنه أن يدمِّر كلّ شيء. هذا دون الحديث عن درس الإيكولوجيا الذي يمكننا استخلاصه من هذا: إن الإنسانيّة، من دون قصد، تخاطر بتعجيل نهايتها. كما يؤكِّد بأن الخطوة الأولى نحو التقبُّل، تفترض حدّاً أدنى من الثقة بين سلطات الدول وشعوبها. لذلك ينتقد جيجيك الطريقة التي تعاملت بها الصين مع الدكتور «لي وينليانغ Li Wenliang» الذي كان هو أوّل من اكتشف الوباء المُنتشر، وتمَّ منعه وإخضاعه للرقابة بدعوى محاربة الشائعات والحدّ منها لتفادي الذعر والفزع. من جهةٍ أخرى، يرى جيجيك ضرورة اتخاذ تدابير يعتبر أغلبنا بأنها شيوعية، مثل التنسيق والمُواءمة بين الإنتاج والتوزيع خارج معايير السوق وبمعزل عنها. والواقع أن المهمَّة التي تنتظرنا هي في غاية الصعوبة والتعقيد: يجب علينا التخلّص من أي حنين إلى شيوعيّة القرن العشرين البائدة، وإبداع أشكال جديدة متمركزة حول المشترك الإنساني؛ وإنه لمن اليوتوبيا المُجنَّحة الاعتقاد في طريقةٍ أخرى للخلاص. في معرض هذا الحديث، أشار جيجيك إلى أن الوزير الأوّل الإسرائيليّ، ومن أجل الحدِّ من انتشار الفيروس، اقترح على السُّلطات الفلسطينيّة المساعدة والتنسيق، معلِّقاً على ذلك بقوله، إن هذا الاقتراح ليس بدافع الخير أو الإنسانيّة، وإنما بكلّ بساطة، لأن الفيروس لا يميِّز بين اليهود والفلسطينيّين. إضافة إلى هذا، فشعار «أميركا (أو أي دولة أخرى) أوّلاً» انتهت صلاحيته في ظلّ عولمة الفزع. وفي الأخير يذكّرنا بما قاله مارتن لوثر كينغ منذ ما يزيد على نصف قرن: «لقد قدمنا على مراكب مختلفة، لكننا اليوم جميعاً على نفس السفينة». وإذا لم نترجم هذه الأقوال إلى أفعال، فإننا نجازف بأن نجد أنفسنا على متن «أميرة الماس»، وهو اسم السفينة التي اجتاحها الوباء.

———————-

في زمن الجائحة/ خالد بلقاسم

في مُقابل العَولمة، التي قامَت على إلغاء الحُدود وتمْكين خَصيصة العبور من التحكّم في نظام الحياة العامّ، فرضَ وباءُ كورونا المُستجدّ إقامةَ الحدود لا بَين البلدان وحسب، بل بين مُدُن البَلد الواحد، وحتى بين مكان المُصابين والمدينة التي فيها يُوجَدون، وبين سكّان الحيّ الواحد أو العمارة الواحدة، وَفق ما يقتضيه العزْل الإراديّ أو الحَجْر الطّبيّ. أبْعد من ذلك، فرَض الفيروس حُدودًا بين الفرد وذاته، مُلزِمًا إيّاه بتغيير عاداته، وقلْب سُلوكه اليَوميّ، وتقوية شعوره بجَسده، على نحو ما يُفصحُ عنهُ الخطابُ الطبّيّ وهو يُواصلُ تنبيهاته عبْر سلسلةٍ من الأوامر والنواهي: «اِعتزل التجمّعات»، «لا تُصافح»، «لا تُعانق»، «لا تلمس الأشياء إلّا وأنت مُرْتدٍ قفّازات واقية».. كما لو أنّ الحياة غدَت هي الانفصال والانغلاق. إنّ الحُدودَ التي رَسمَها الفيروس شديدةُ الصّرامة، وهي تتطلّبُ عُزلةً لا تَستثني أحدًا. لقد أعاد الفيروس للعُزلة وَضْعَها الاعتباريّ المَنسيّ وألزمَ بإدماجها في نَمط الحياة، ولكن على نحو مَمزُوج بالإكراه والتوَجُّس والهَلع وتعليقِ مَكاسب حُقوق الإنسان، لأنّ دلالةَ الحقّ في الحياة شهدَ إبدالًا دلاليًّا، على غرار الإبدالات التي مسَّت كلَّ شيء. إلى جانب هذه العُزلة الضروريّة، مكّنَ الفيروسُ الفراغَ من حُضور قويٍّ في كلّ الفضاءات العامّة، التي صارَت شبيهةً بالخَلاء، فغدا الفراغُ والإغْلاق والحَجْر أمورًا دالّة لا على رفْض الآخَر، بل على احترام حقِّه في الحياة.

رغم هذا المَنحى الذي يُلزمُ بالحُدود ويَفرض نظامًا وَفقها، يَحتفظُ الفيروس بخصائصَ مشدودةٍ إلى نتائج العولمة، ولا سيما في نظام تكاثُره الرّهيب وانتشاره الذي يَمتلكُ سِمة اللانهائيّ، انطلاقًا من صُعوبةِ تطويقه التي لا تستبعدُ احتمالَ الاستحالة المُرعب، إذ تبدَّى سُلوكُ الفيروس، بناءً على رحلته وعلى الخريطة التي رَسمَها انتشارُه، مُنسجمًا مع تحوُّل العالم إلى قريةٍ صغيرة. تحرَّكَ الفيروس، قادمًا من أقصى مكان قبْل أن يتوَزَّع في مُختلف بقاع العالم، بسُرعةٍ تَحملُ خصائصَ الإيقاع الذي أرْساهُ الزمنُ الرقميُّ والافتراضيّ. إيقاعٌ يبدو كما لو أنّ تناميه المَحمومَ يُنافسُ الزمنَ الضَّوئيَّ، في عَصْر غدَت فيه الأسلحةُ / الصواريخُ تُنافسُ سُرعةَ الصَّوت وتتفوّقُ عليها. فالرُّعبُ المُلازمُ، اليَوم، للجائحة مُترتّبٌ على كون الفيروس يَنتشرُ مِن كُلّ شيء، وفي كلّ شيء، وعبْر كلّ شيء، بإيقاع مُخيف. كما أنّ إبطاءَ الانتشار، الذي هو المُمكنُ المُتاح، لحدِّ الآن، في التصدِّي للفيروس، مُتطلّبٌ بصُورةٍ قريبة من الإعجاز، لِما يترتّبُ على هذا الإبطاء اقتصاديًّا واجتماعيًّا، ولِما يَقتضيه مِن تجهيزات طبّيّة، وتعليقٍ لمَكاسب حُقوق الإنسان، وقلبٍ في نظامِ الحياة ذاتها، مادام الفردُ قد غدا، في زَمن كورونا، مُرتابًا في أعضائه، ومَلابسه، وحذائه، واحتكاكاته، وفي الهواء الذي يَستنشقهُ، وهو يَتهجّى، إلى جانب ذلك كلّه، أبجديّةَ العُزلة ويتعلَّمُ ضَوابطَها وقواعدها. لقد التبسَ الأمرُ فجأةً على الإنسان حتى صارَ يشعرُ كما لو أنّهُ يُؤدّي، دون إرادته ودون استعداد قبْليٍّ، دَورَ شخصيّةٍ في رواية من روايات الرّعب، أو في فيلمٍ من أفلام الخيال العلميّ.

في زمن كورونا المُستجدّ، كلُّ شيء صارَ موضوعَ شُبهة. لقد توسّعَ هاجسُ الارتياب على نحو لم يَعُد يَستثني أيَّ شيء، بما في ذلك علاقة الفرد بذاته. لم يعُد مَوضوعُ الاشتباه خارجيًّا، بل غدا الاشتباهُ إحساسًا تُجاه الذات. صارَ المرءُ مُرتابًا لا من الأشياء وحسب، بل حتى من ذاته وهو يُجابهُ عدوًّا لا مَرئيًّا، شاعرًا، في الآن ذاته، أنّ هذا العدوَّ يترصّدُه في أدقّ تفاصيل حياته. تَرَصُّدٌ ألزمَ الفردَ بأنْ يُفكّر، على امتداد يَومه، بالفيروس، وأن يفكّرَ فيه وانطلاقًا منه؛ فأيُّ عرَض مَرضيّ يَستشْعِرهُ الفردُ، في زمن كورونا المُستجدّ، إلّا ويُفسّرُهُ بتَوجيهٍ من احتمالِ الإصابة بالفيروس. إنّها استيهاماتُ هذا الزّمن، الذي فرضَ لا نمطَ حياةٍ جديدة وحسب، بل استنبتَ أيضًا خيالًا وتوقّعات وأوهامًا وهلوسات وهلعًا. كما بدأ يفرضُ تعوُّدًا على جعْل الهلع جُزءًا من الحياة، بالتعايُش مع خطاب الرّعب وصُوَره ومشاهده. ذلك أنّ احتمالَ الإصابة بالفيروس ليس مُرتبطًا، في هذه الجائحة، بالغَير، بل بالذات نفْسها. لا يتعلَّقُ الأمرُ بخَطر العدوى من الغَير، بل من أنْ يكون الفردُ ذاتهُ حاملًا للفيروس، أي مصدرًا للعدوى وليس فقط مُعرَّضًا لها. كلُّ شَخص، بل كلُّ شيء، في زَمن كورونا المُستجدّ، مُصابٌ بالفيروس إلى أن تَثبُتَ صحّتُهُ وسلامتُه، لكنّ هذا الإثباتَ ذاتَهُ يَبقى هشًّا، غيرَ قادر على أنْ يَصمُدَ أمام الرّعب من الآتي، ومن المَجهول الذي يتّسعُ باتّساع انتشار الفيروس، كما لو أنّ النجاةَ مِن فتْك هذا الوباء ليْست سوى تأجيلٍ لقدَر حتميّ، وهذا أحدُ عوامل الرّعب الذي توَلَّد لدى الإنسان، بَعْد أنْ تأكّد العالَمُ من أنّ الأمْرَ يتعلّقُ بجائحةٍ غريبة أصابَت كوكب الأرض، وجَعلَت حاضرَ البلدان الأكثر تضرُّرًا في العالَم مُجسِّدًا لمُستقبَل البلدان التي مازال الوباءُ يَزحفُ فيها بإيقاع أبطأ. فالمراحل التي بها رَسمَتْ البلدانُ درجَةَ انتشار الفيروس كشفَت أنّ الزمنَ صارَ خاضعًا لنُمو هذا الفيروس، الذي غدا مُتحكِّما في تقسيمِ الزّمن. إنّ كورونا المُستجدّ لا يَصوغ زَمنًا جديدًا وحسب، بل يَفرضُ علاقةً جديدةً بالمكان، أي أنّ لكورونا المُستجدّ أثرًا حاسمًا في تصوُّر الزّمن والمكان، وفي إعادة ترتيب العلاقة معهما، أي أنّ له أثرًا على ما يُعَدُّ مُرتكزَ الحياة، ومُرتكزَ التاريخ بوَجهٍ عامّ.

لقد أعاد الفيروس، بَعد أن كشفَ هشاشةَ الإنسان ووَهْمَ طُغيانه، ترتيبَ علاقةِ الفرد بالأشياء وباليَوميّ، وغدا نمطَ حياة، لأنّه لم يَبق مُجرّد هاجس مقصور على أمْر بعَيْنه، بل صارَ مُوجِّهًا لكلّ السلوكات اليَوميّة وأسَّ الانشغال في كلِّ بقاع العالَم؛ به يُفكّرُ المَرءُ في كلّ ما يُقْبل عليه في يَومه، وبه تُفكّرُ المُؤسّساتُ والدول في الحاضر والآتي، بعْد أن أحْدثَ تحوُّلا في نَمط الحياة وفي نَمط التعامل مع الزّمن والمكان. ضمن هذا التحوُّل الذي طالَ نمط الحياة، أعادَ الفيروس الاعتبارَ لمفهوم البُعد، الذي كان قد تغيّرَ مُنذ القلْب الذي أحدَثهُ المفهومُ الافتراضيّ للمكان والزمن. في المسعى الشاقّ إلى إبطاءِ انتشار الوَباء، لم يَعُد القربُ الفعليُّ أمرًا مقبولًا ولا مُستساغًا، وهو، لِلْمُفارَقة، ما كان الإنسانُ يُفكّكُ خطورةَ التقنية في ضَوئه عندما نبّهَ على أنّها جعلَت القُربَ بين الناس مُفتقِدًا للقُرب. صارَ التواصلُ وتدبيرُ الحياة والتصدّي للجائحة أمورًا تتمُّ، في زمن كورونا، من بُعد، على نحو كشفَ الحاجة إلى التقنية، وأبرزَ الوَجهَ الآخَرَ للآلة، أي وَجْهها الإنسانيّ، لِما تُتيحُهُ مِنْ إمكانٍ في إنجاز الإبْطاء؛ إبطاءِ هذا الوباء المُتكاثر بإيقاعٍ يُضاهي إيقاعَ الزّمن الرَّقميّ. فالآلة، بهذا المَعنى، تعملُ على تأمين البُعْد المُحقِّق للإبطاء، كما لو أنّ الآلة تشتغلُ ضدّ مَنطقها، وضدَّ عالَمها الذي هو عالمُ السّرعة، ممّا كشفَ عن وَجهٍ مُغاير لحَقيقتها. فالآلة المهووسة بالسّرعة هي ما صارَ يُسْهمُ في الإبطاء. إنّه أحدُ مظاهر القلْب الذي أحْدَثهُ الفيروس لا في العديد من السلوكات والوقائع، بل أيضًا في تصوُّر العديد من الأشياء.

بانتشار الفيروس، تبدَّت الحاجةُ إلى التقنية، وهي حاجةٌ تَنطَوي على مَلمَحيْن؛ أوّلهما أنّها تُعيدُ ترتيبَ العلاقة بين العُزلة والتقنية، إذ أخذَت هذه العلاقة توَجُّهًا آخَرَ غيْرَ الذي تكرّسَ مع غزو التقنية للحياة الحديثة وتحوُّلِها إلى نمط وُجود. خلقَ فيروس كورونا المُستجدّ نمطَ حياةٍ آخَر، مُستفيدًا من الإمكانات التي أتاحتْها التقنيّة في تأمين الاتّصال مِن بُعد، وفي الحفاظ على الدِّفء الإنسانيّ، كما لو أنّ البُعْدَ المكانيّ المفروض، في زمن كورونا، مكّنَ بُرودَ الآلة من دِفءٍ اضطراريٍّ لم يَكُن من انشغالاتها. المَلمحُ الثاني هو أنّ النقد الفكريّ، المُوَجَّه إلى التقنية وإلى مظهر إجهازها على الإنسانيّ، لا يُمْكنُ أنْ يَنسى الدَّورَ الذي تضطلِعُ به في تأمين التصدّي لكورونا، وهو ما تبدَّى من تأمين تدبير مَرافق الحياة مِن بُعد، ومن الدور الذي يُمْكن أن يُؤدّيَه الذَّكاءُ الاصطناعيّ في الاستشفاء من فيروس ينتقلُ من الإنسان إلى الإنسان، لكنّه لا يَنتقلُ على كلّ حال بين الإنسان وداخل الآلة/ الروبو، التي يَظلّ ذكاؤُها الاصطناعيّ مَصونًا متى تمَّت بَرمَجتُها على تعقيمِ خارجِها.

زَمنُ جائحةِ «كورونا» غيرُ الزمن الذي كان قبْلها، ولا هو الزمن الذي سيكونُ بَعدَها، لا فقط لأنّ انتشارَ الفيروس صنعَ حدثًا كونيًّا وَضَعَ كلَّ شَيء مَوْضعَ مُساءلة ومُراجعةٍ إلى حدّ الشروع في الحديث عن تحوُّلٍ لاحق في النظام الاقتصاديّ العالميّ وفي النظام الاجتماعيّ للبُلدان، ولكن أيضًا لأنّ هذا الزمنَ أعاد النظرَ في مفهوم الحياة بوَجْهٍ عامّ، مُجسِّدًا رجّةً معرفيّة مَكينة، وليس رجّةً واقعيّة فحسب. إنّ ما ترتّب على ظهور الفيروس وانتشاره يُشكِّلُ إعادةَ نظرَ جذريّة في مفهوم الحياة، بما مَنَحَهُ من فسحةٍ، غيرِ مُنفصلة عن التوَجُّس والقلق والارتياب، للتأمُّل في هذا المفهوم وإعادة صَوغه بالحِرْص على رفْع الحُجُب عن الحياة، أي رفْعِها عمَّا لا ينفكّ ينأى في الحياة، ويُحْجَبُ فيها ويَختفي. لقد كانت الحياةُ حتى قبل كورونا تكشفُ عن أنّها تُسْرعُ في الابتعادِ عن نفْسها باسْم التطوُّر والتقدُّم، أي باسْم وجْهٍ آخَر للحياة يَبنيه تحوُّلُ البلاهة والتفاهة والجشع إلى أمورٍ بدَهيّة. وقد لَبسَ نأيُ الحياةِ عن نَفْسها صُورةَ بداهةٍ لا تكُفُّ عن تسويغِ توَحُّش الإنسان بسُبُلٍ عديدة، قبل أن تُلحّ الجائحة على إعادة ترتيب علاقة الإنسان مع الطبيعة بَعد أن تكشّفَ طغيانُهُ عليها، بما حجبَ عنهُ حقيقةَ هشاشته تُجاهَها، وعلى إعادة ترتيب علاقة الإنسان بنَفسه، وعلاقةِ الإنسان بالإنسان.

لقد كشفَ زَمن كورونا، على الأقلّ من مظاهره الأولى، أنّ غريزةَ البقاء لدى الإنسان لمْ تخترقها القيَمُ التي يُمْكنُ أنْ تنتقلَ بها من الوَضْع الغريزيّ إلى الأفق الرّحْب لمَحبّة الحياة. ذلك أنّ غريزةَ البقاء غيرُ محبّة الحياة، لأنّ محبّة الحياة قيمةٌ ترتكزُ على تقدير الذات للغَير، وعلى خروج الذات من الغريزيِّ نحو الثقافيّ. فالأوضاعُ التي شهدَتها المحلّات التجاريّة في مُختلف بقاع العالم، والتسابُق المحموم للظفَر بالموادّ الغذائيّة وغيرها، وظهور تُجّار الحروب والأوبئة والأزمات، أي تُجّار المَوت، أتاحتْ للإنسان أن يَتفرَّجَ، على حقيقةِ الذات البَشريّة التي لم تستطع أنْ ترقى بالبَقاء إلى فعلٍ قيميّ، بإبْعاده عن الغريزيِّ، وأتاحتْ له أن يشهدَ على انهيار فادح للقيَم. اِنهيارٌ تكشّفَت فداحتُهُ، التي كانت ملامحُها ترتسمُ بصُورة مُخيفة حتى قبْل كورونا، مع أوّل امتحان تُجاه الموت. والحال أنّ زمن الجائحة، أيًّا كان اسمُها وخطرُها، هو لحظة لإعادة ترتيب العلاقة مع القيَم. لابدّ من تعقيمٍ مُضاعَفٍ يَمتدّ من جَسد الإنسان إلى رُوحه. كلّما اهترأت الرّوح وأُصيبَت في جَوهرها الإنسانيّ وصارت خرابًا، يبقى كلُّ تعقيم وتطهير عاجزيْن عن صَون المعنى الآخَر للحياة من الوباء، المعنى الذي لا يُقابل المَوت بالضّرورة. إنّ الانهيارَ الاجتماعيّ الذي يُمْكنُ أن يُهدِّدَ، اليوم، مفهومَ المجتمع ويُهدّدَ الأسُسَ التي عليها يقومُ المجتمعُ واقعيًّا قادمٌ من خُطورة انهيار القيَم في زَمن الجائحة، بوَصفه زَمن قيَم، وزمنَ حاجةٍ مُلحّة إلى القيَم. وبما هو كذلك، فهو زمن مَحبّةِ الحياة، على نحو ما تبدَّى، في مَشاهدَ عديدة من بقاع العالَم، مِن رُوح المَرح والأمل، ومن روح السخريّة التي تُعدُّ قوّةً وانتصارًا على الهشاشة ما لمْ تتحوَّل إلى تهوُّر أو استخفاف بالجائحة أو قذفٍ بها في متاهة الخرافة والهلوسات. لا يتعلَّقُ الأمرُ إطلاقًا، في هذا السياق، بخطاب أخلاقيّ، بل برُؤية للحياة تجعلُ مَحبّتَها وتمجيدَها والفرحَ بها مُتوَقّفًا على نُبْل العلاقة بالآخَر. فالانفصال، الذي فرَضتْهُ الجائحة، وامتدّ إلى العلاقة بين الناس ليس سوى إعادةِ تأمّل لمفهوم العلاقة ولمفهوم الحياة، مادامت الحياة، في عُمقها، علاقةً مُتشعّبةَ الخُيوط.

رغم أنّ المجهولَ كان دومًا نُسغَ الحياة وأسُّها الحامي لأسرارها ودَهشتها وتجدُّدها، يبدو مجهولُ جائحةِ «كورونا» قاتمًا، ومُحتفظًا للمَوت بصُورةِ القتل. لربّما المُضيء في هذا المجهول هو أنّه كشفَ، من بين ما كشفَ عنه، عن الحاجةِ إلى العِلم الإنسانيّ وإلى العُلماء، وإلى نظام صحّيٍّ متطوِّر، في زَمن غدا فيه التسابُق على التفاهة وتطويرها قيمَةَ القيَم، حتى تحوَّلَ التنافُس على إنتاج التفاهة علامةَ الزمن الحديث، بما أفْضَى إلى إنتاج فائض من التفاهة. فائضٌ لا يبدو، في زمن كورونا، مُعيقًا وحسب، بل عاملًا من عوامل الإحساس بحدّةِ الهشاشة.

—————————–

في ظلال كوفيد.. حق «الحياة العارية»/ فخري صالح

فيما يقبع ما يُقارب نصف سكّان العالم وراء جدران بيوتهم، وتُقفر الشوارع من سكانها، وتحطُّ الطائرات في مهاجعها، ويكفُّ العالم عن الحركة، تبدو البشريّة وكأنها على أهبة قطيعة تاريخيّة مع ماضيها وحاضرها. لقد أجبرها فيروس كورونا (حاكم الأرض الجديد كوفيد- 19) على تغيير عاداتها، والتنازل عن حرّيّاتها، وإدارة الظهر لمفهوم الحقوق الأساسيّة، الذي أشاعه التنوير الأوروبيّ، وصادقت عليه المبادئ التي وضعتها الأمم المتحدة.

فما شهدناه، في إيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وأميركا، وغيرها من الدول، من ترك كبار السنِّ يموتون في بيوت المُسنين دون مدّ يد العون لهم، لأن النظام الصِّحيّ يعاني من الانهيار، ومن الصعب توفير أجهزة تنفس لكلّ المرضى، يشير إلى حقيقة فاجعة – إضافة إلى حقائق عديدة أخرى على رأسها هشاشة الأنظمة الصِّحيّة في بلدان العالم الأول- هي قدرة العالم المُعاصِر على غض البصر عن الالتزام بالمحافظة على حقِّ الحياة بوصفه الحقّ الأساسيّ الأوّل لكلّ إنسان يعيش على هذه الأرض، بغض النظر عن عرقه أو طبقته أو ديانته، أو معتقده الأيديولوجيّ؛ والأهمّ ممّا سبق كلّه، بغض النظر عن فئته العمرية، فالمُسن مثله مثل الشاب يتمتع بحقّ الحياة، وتُعَدُّ مساعدته للحفاظ على هذا الحقّ إلزاميّة. لكننا نشهد للأسف تضحية بهذا الحقّ في أعرق الديموقراطيّات الغربيّة، وكذلك في الدول التي تحكمها أنظمة ديكتاتوريّة أو شبه ديموقراطيّة. إننا نرى ونسمع عن آلاف المُسنين، وكذلك المُصابين بذبحاتٍ صدريّة حادة، يموتون لأن الجهاز الصِّحيّ في بلدانهم على شفا الانهيار، وهو لا يملك مدّ يد المساعدة إليهم، فهناك مرضى أولى بالمُساعدة، ممَّنْ يقبعون في المشافي أو من الشباب الذين همّ الأقوى، و«الأصلح»، والأكثر قابلية للشفاء. إننا نعبر عصراً يتسلح بمفاهيم وقيم داروينية جديدة تضرب عرض الحائط بكلّ ما دعت إليه فلسفة الأنوار وشرعة حقوق الإنسان. وهو أمرٌ مخيفٌ، بل مثيرٌ للفزع، أن تنحدر الإنسانيّة إلى هذا الدرك من سُلَّم القيم.

يجادل الفيلسوف الإيطالي «جورجيو أغامبين Giorgio Agamben» (مواليد 1942) في مدى أحقية تفضيل ما يسمّيه «الحياة البيولوجيّة» على بقية الحيوات الأخرى، السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، قائلاً إن ذلك يندرج ضمن التصوُّر الغربيّ لما يسمّيه «الاستثناء». يكتب أغامبين معترضاً: «إن أول الأشياء التي تكشف عنها هذه الموجة من الفزع التي أصابت بلادنا بالشلل هي أن مجتمعنا لم يعد يؤمن بأي شيء يتجاوز الحياة العارية… فنحن في هلعنا ذي الطابع الهستيريّ، نمارس جهداً جباراً لتجنُّب الأذى الجسدي. وبذلك عرَّضنا أنفسنا لخسارة نظام أرفع شأناً (من الحياة البيولوجيّة): لقد ضججنا بالعمل، والصداقة، والعائلات الممتدة، والطقوس الدينيّة (وعلى رأسها الجنازات)، والانتماءات السياسيّة. ونحن بذلك قد نحافظ على أنفسنا بيولوجيّاً، لكننا نضحي بكلّ ما يجعل للحياة معنى، بما يجعلها تستحق أن تُعاش».

بغض النظر عن وجاهة ما يقوله أغامبين بخصوص التضحية بأشكالٍ أساسيّة من الوجود الإنسانيّ لصالح ما يسميه «الوجود العاري»، المتمثّل، في الحفاظ على مجرَّد العيش واستمرارية الحياة، فإن ما يقوله يندرج ضمن نوع من الهرطقة النظريّة، التي تُعلي من شأن النظريّة على حساب الحقّ الأساسيّ في العيش. ففي الوقت الذي تتعرَّض فيه البشريّة لتهديد وجودي يتصل بفناء أعدادٍ كبيرة من أفرادها، سواء أكانوا مسنين أم شباباً، مرضى أم أصحاء، لا يكون هناك معنى للحديث عن «الحياة العارية» في مقابل أنواع من الحيوات أكثر غنى وتمثيلاً لمعنى الوجود الإنسانيّ. وإذا استعملنا نظريّة أغامبين نفسه فإن ما تمرُّ به البشريّة هو «الاستثناء» The Exception، فلكي نحافظ على أنواع الحيوات الأخرى «الأكثر غنى» علينا أن نحافظ على الحياة البيولوجيّة، أو «الحياة العارية» Bare Life، إذ بانتفاء «الحياة العارية» لن تكون هناك حيوات أخرى، ويصبح الحديث عنها نوعاً من الهلوسة النظريّة التي يتَّسم بها النقاش الفلسفيّ في بعض مدارس ما بعد الحداثة.

صحيحٌ أن القوانين الاستثنائية التي تُفرض الآن، في طول العالم وعرضه، بل في أعرق الديموقراطيّات في العالم، تندرج في سمة «الاستثناء»، التي تمثِّل في فلسفة أغامبين طابع الحضارة الغربيّة، حيث تكتسب الأنظمة في أزمنة الأزمات سلطات أكثر قوة وتتعطل الحياة الدستوريّة. ويتمثل هذا «الاستثناء» في إجراءات الحَجْر الصِّحيّ، ومنع التجوُّل، ونزول قوات الأمن والجيوش إلى الشوارع، حيث يجري خنق الحرّيّات الأساسيّة وتقليصها والاعتداء عليها، بصورة من الصور، وإحلال قوانين عرفية محل القوانين الطبيعيّة. وهو الأمر الذي يجعل الفيلسوف السلوفيني «سلافوي جيجيك Slavoj Zizek» (مواليد 1949) يتخوَّف من وباء السلطويَّة وشيوع الاستبداد، متوقعاً أن تنشأ في أوروبا: «بربرية جديدة بوجهٍ إنسانيّ- حيث تُفرض قيودٌ صارمة لا ترحم من أجل البقاء- تلجأ إلى آراء الخبراء لاكتساب مشروعيتها». لكن مع أخذ ملاحظات كلّ من أغامبين وجيجيك في الحسبان، فالبشريّة كلّها، وعلى رأسها الديموقراطيّات الغربيّة، تواجه مرحلةً فاصلةً في تاريخها، والحفاظ على الحياة، بمعناها الأولي العاري المتصل بالوجود البيولوجيّ، يعلو على أي نقاشٍ آخر في هذه الفترة العصيبة التي تعبرها الإنسانيّة. وهو ما يشدِّد عليه الفيلسوف الألماني «يورغن هابرماس jurgen Habermas» (مواليد 1929) قائلاً إن حماية ما يسمّيه «الحياة الضروريّة» تمثّل الآن أولوية كونية تعلو على أي حسابات نفعيّة، أو أضرار اجتماعيّة أو سياسيّة أو اقتصاديّة قد تتسبب بها القوانين الاستثنائيّة التي تتخذها الدول للحفاظ على حياة الناس. «مع اتخاذ القرار بشأن الوقت المناسب لإنهاء الحَجْر الصِّحيّ، فإن حماية الحياة الضروريّة على المستوى الأخلاقيّ، وكذلك على المستوى القانونيّ، قد تبدو متناقضة مع منطق الحسابات النفعيّة، مما يعني أنه عند الموازنة بين الضرر الاقتصاديّ أو الاجتماعيّ من جهةٍ، والوفيات التي يمكن تجنُّبها؛ يجب على السياسيّين مقاومة إغراء الحسابات النفعيّة». من جهةٍ أخرى فإن احتمال تحوُّل حالة الطوارئ إلى قاعدةٍ أمر يهدِّد الأنظمة السياسيّة الديموقراطيّة في العالم، وهو ما يجعل من الحفاظ على الحياة الضروريّة نوعاً من العبور إلى نظم استبداديّة وتوتاليتاريّات تتخذ من حماية حياة الناس جسراً للهيمنة والسيطرة على الحياة السياسيّة والاجتماعيّة لهؤلاء الناس. ولهذا يُنبِّه هابرماس إلى «أن تقييد عددٍ كبيرٍ من حقوق الحرّيّة المُهمَّة يجب أن يظلَّ مرتباً لمدة محدودة جدّاً، ولكنه إجراء مطلوب كأولوية للوصول إلى الحقِّ الأساسيّ في الحياة والسلامة الجسدية، وإنْ كان البعض قد يستغله لغايات سياسيّة».

رغم التحوُّطات السابقة التي يذكرها هابرماس، وهو الفيلسوف اللامع الذي قدَّم نقداً لاذعاً للحداثة، فإنه ينتصر لمبدأ الحياة الضروريّة، ويشدِّد على كون هذا الوضع، الذي تمرُّ به الإنسانية – في زمن انتشار (كوفيد – 19) الأسطوريّ، والكارثيّ، الذي يصعب تخيُّله قبل تصديقه، في جهات الأرض الأربع، عابراً حدود الدول، التي اضطرَّت إلى عزل نفسها وغلق حدودها، وكذلك منع الحركة بين مدنها، من جهةٍ، وبين مدنها وأريافها، من جهةٍ أخرى- هو الاستثناء لا القاعدة. لكن هل يتحقَّق بالفعل توقع هابرماس، أو أمله، أو رغبته، في عودة الإنسانيّة إلى ما كانت تعده «طبيعيّاً»؟ أم أننا نعبر إلى زمن تكون فيه الإنسانيّة قد عادت القهقرى إلى عصورِ الاستبداد التي تُخنَق فيها الحرّيّات وتسود فيها الصراعات التي قد يشعلها الجوع وفقدان الوظائف وازدياد التقاتل على الموارد في عالم تبدو فيه الديموقراطيّة مجرَّد قشرة خارجيّة طوَّح بها وباء كورونا إلى عالم النسيان؟ إنها أسئلة برسم المُستقبل القريب.

—————————

تصاريف الزمن الماكرة وفلسفة المصادفة/ صبري حافظ

منذ أن ألمّت جائحة (كرونا) الراهنة بالعالم، وبدأ تأثيرها يمتد إلى حياة الأفراد المحيطين بي، و إلى حياتي اليومية، شخصيًّا، بصورة غيَّرت إيقاعها ومساراتها تغييرًا جذريَّا، وأنا أفكر في تصاريف الزمن الماكرة، وقدرته على فرض منطقه وتغيراته علينا، حتى لو بصورة مؤقتة، وكيف تلتقي هذه التصاريف، أحيانًا، مع رغبات الأشخاص وتتعارض معها في أحيان أخرى. ولأنني لا أريد أن أنضم إلى جوقة المنظرين من رؤوسهم – فقد دفعت الجائحة كل من هبَّ ودبَّ للإدلاء بدلوه فيها. واتخذ البعض سمت علماء الفيروسات، دون أدنى معرفة بطبيعتها أو خصائصها؛ أو خبراء الطب الوقائي منه أو العلاجي؛ أو حتى علماء المستقبليات والتنبؤ بما سينتاب العالم من تغيرات بنيوية، لا وفق الإحصائيات والمعطيات العلمية الدقيقة؛ إنما بما هو أقرب إلى النظر في بلورات المستقبل الخرافية.. أقول: لأنني لا أريد الانضمام إلى تلك الجوقة المتنامية، فقد آثرت الاهتمام بموقع ما يدور في الزمن، وبتأمل قوانين المصادفات الماكرة وعلاقتها بما نحن فيه. ما دلالة حدوث هذه الجائحة في هذه اللحظة من تاريخ البشرية؟ أهي مجرد مصادفة أن تتكشف عمّا أسفرت عنه من عالم مختل؟ خاصة وأنني أنهيت ذكرياتي الشخصية عن طه حسين، في العدد الماضي، بالحديث عن بعض فعل تلك المصادفات الماكرة في حياتي الشخصية.

فما إن حان الموعد السنوي التالي، في خريف عام 1973، لانعقاد الجلسة السنوية في بيت طه حسين (رامتان)، وعملت سكرتيرًا لها لثلاث سنوات، حتى كنت في بريطانيا، وطلبت مني جامعة أكسفورد – التي كان لها الفضل في سفري إليها – الحديث عن طه حسين عقب وفاته في 28 أكتوبر، 1973. وقد أنهيت حديث ذكرياتي عن طه حسين بآخر كلماته لي: «وفقك الله، يا بُني!» قائلًا: «ويبدو أن الله استجاب لدعوته لي، رغم استحالة السفر إلى أوروبا لأمثالي في ذلك الوقت»، وهو أمر فيه شيء من الاستخفاف بفعل المصادفة التي دفعني تأمل دلالاتها، مع جائحة «كورونا» الراهنة، إلى العودة لكتاب محمود أمين العالم المهم عن (فلسفة المصادفة). فما أرجعته إلى المصادفة السعيدة، أو إلى استجابة الله لدعوة طه حسين لي، يدفعني، بعد قراءة بحث العالم المهم عن (فلسفة المصادفة)، إلى إعادة النظر فيما أنهيت به ذكرياتي عن طه حسين، قبل التفكير في دلالات وقوع جائحة «كرونا» على عالمنا في تلك اللحظة الراهنة، لأن التجربة الشخصية قد تكون أفضل مدخل لتناول أي قضية عامة.

تكشف لي قراءة بحث محمود أمين العالم عن (فلسفة المصادفة)، عن أمرين بالغَي الدلالة: أولهما: كيف كان مستوى البحث الجامعي في الإنسانيات في مصر في بداية خمسينيات القرن الماضي. لأن الكتاب – كما يخبرنا – هو رسالته التي تقدم بها للحصول على درجة الماجستير من قسم الفلسفة بجامعة القاهرة، عام 1954، وقد كان مدرسًا بها قبل أن يفصله نظام العسكر من وظيفته الجامعية فيها؛ لأن أي مراجعة لقائمة الكتب والمقالات التي استخدمها البحث، والتي تجاوز عدد المراجع الإنجليزية والمراجع الفرنسية فيها مئة مرجع، وهي مراجع تكشف قراءة الرسالة، بعناية، عن أن الباحث قد قرأها باستيعاب وتمحيص، واشتبك مع ما ورد فيها بالحوار العلمي قبولًا أو رفضًا، وردَّ ما ورد فيها لأصوله، في كثير من الأحيان. وهو أمر لا يكشف عن مقدرة الباحث، فحسب، ولكنه ينبئنا عن أن مستوى الجامعة المصرية العلمي، وقتها، يضاهي ما لمسته في أكبر جامعات العالم بعد أن أمضيت عمرًا في التدريس فيها. كما أن أي متابع مُخلِص لما يدور في الجامعات المصرية، اليوم، لا يمكنه أن يحلم بأن يجد ربع عدد هذه المراجع في رسالة للدكتوراه؛ لأن جلّ الحاصلين على درجة الدكتوراه من الجامعات المصرية لا يقرأون بأي لغة أجنبية، وكثيرين منهم لا يحسنون كتابة لغتهم العربية، ناهيك عن القراءة بطلاقة، بلغتَين، كما هو الحال في رسالة محمود العالم تلك.

والواقع أن قراءة الكتاب نفسه تكشف لنا عن جهد علمي وبحثي من طراز رفيع، يتتبع فيه الباحث موضوعه في تاريخ الفكر والفلسفة، بشمول ودقة، ثم في تاريخ الرياضيات والعلوم الطبيعية، بدأب معرفي لا مماراة فيه. وهو الأمر الذي يعدّ شهادة له، وهو ليس في حاجة لأي شهادة، وشهادة للجامعة التي درس فيها في الوقت نفسه – وهي أشدُّ ما تكون حاجةً لهذه الشهادة كي تدفع عن نفسها، ولو بماضيها، عار التردي البحثي والانهيار الأخلاقي معًا. فهذا الكتاب خير دليل على كيف كان الحال بجامعة القاهرة، حينما وفد العسكر لحكم مصر، لمن يعرف ما هو حالها – الآن – على جميع المستويات العلمية، والبحثية. ولو كان الأمر لا يزال بيد طه حسين وأمثال طه حسين، في الجامعة المصرية، لبعثوا بمحمود أمين العالم إلى أوروبا، يتعمق في دراسة الفلسفة فيها، ثم يعود لينهض بدوره في رفع مستوى الجامعة المصرية أدائيًّا وبحثيًّا، بدلًا من طرده من الجامعة، ثم الزجّ به في المعتقلات السياسية، لسنوات.

أما الأمر الثاني فهو أن هذا الكتاب المهم يصحب قارئه في رحلة معرفية من الحيرة، إلى مشارف اليقين الفكري والعلمي بالجدل الهيجيلي، عاشها الكاتب نفسه للخروج من التخبط بين الظلال الميتافيزيقية في قلب الفكر الفلسفي والعلوم الفيزيائية، إلى آفاق الوضوح العلمي بتعقيدات الرياضيات والفيزياء الحديثة. فقد كان يتحرك، في بداية بحثه، بإرادة نيتشه، ويتلمس طريقه بحدس بيرجسون، وطفرته الحيّة، ويرافقه لحن إليوت الجنائزي المفضل. وكانت تناوشه، طوال رحلته تلك، ظلال ميتافيزيقية في قلب الفيزياء الحديثة. ولكن مسيرة البحث المضني عن المعرفة، والمضي قدمًا في شعاب الاستقراء الفلسفي، قادته إلى بَلْورة المدلول الموضوعي للمصادفة، لأنها «تتعلق، من ناحية، بالمنهج الاحتمالي للعلم نفسه، ثم تتعلق، من ناحية أخرى، بظواهره وقوانينه مثل مبدأ عدم التحديد، وموجة الاحتمال، والمظهر التكميلي في الفيزياء»، ويقصد – هنا – المنهج الجدلي. (ص 15)

ولو أعدت تأمل ما دعوته بالمصادفة على وقع أحد التعريفات المتعددة لها، والتي ترد في صلب هذا البحث، وهي أنها «التقاء غير متوقع بين سلسلتين مستقلتين من الظواهر يولد حادثًا قد يبدو وكأنه مصادفة عشوائية»، لتكشف لي أن ما طرحه عليَّ طه حسين من أنهم كانوا يحرصون على إرسال النابهين من الخريجين في بعثات إلى أوروبا، هي تلك السلسلة التي تحققت، بسفري العجيب إلى أوروبا، وهي التي رسخت – أيضًا – نمطًا من التوقعات السليمة، بأن من يحرص على المعرفة، ويتفوق في تحصيلها ينفتح أمامه سبيل الحصول عليها حتى أعلى الدرجات، بصرف النظر عن إمكاناته المادية، وهو المنطق الصحي السليم الذي ترتقي به الأمم. برغم أن الواقع نفسه، بعد بداية حكم العسكر في مصر، عام 1952، وانفرادهم بالسلطة المطلقة فيها بعد أحداث 1954 التي عصفت بأي أمل في العودة إلى التبادل الديموقراطي الهش للسلطة، الذي أنجزه جيل طه حسين فيها، قد رسَّخ لسلسلة أخرى كانت هي التي سادت وقت حديثي الأخير معه.

وكانت سيادة تلك السلسلة في الواقع الذي سيطر فيه خلل المعايير، هي التي دفعتني للقول بأن من المستحيل على أمثالي السفر إلى أوروبا. فقد كان شعار تلك السلسلة المضادة، والذي صك مبرراتها النظرية محمد حسنين هيكل في كتابه الإشكالي الشهير، “أزمة المثقفين”(1)، هو الاعتماد على أهل الثقة بدلًا من أهل الخبرة؛ الأمر الذي نجم عنه العصف الممنهج بأهل الخبرة، وتهميشهم أو الحطّ من قيمتهم، وحتى التنكيل بهم. وقد تطورت آليات تلك السلسلة المضادة، وهي تكرس نفسها كقاعدة فاسدة بعدما كانت استثناءً؛ مما أدى، على مد أكثر من نصف قرن، إلى ما نحن فيه من تدهور وهوان.

فبعد مرحلة الاعتماد على العسكر في الكثير من المهام والمناصب غير المؤهلين لها، وخاصة في العقد الأول من حكمه، كي يتم للنظام الجديد التحكم الكامل في الواقع؛ أخذ النظام الاستبدادي في تخليق أجيال متتالية من أهل الثقة، تتخذ التفاني في الولاء سبيلًا للصعود حينما تعوزها الموهبة أو المعرفة. وكان من أيسر سبل اكتساب ثقة السلطة في كثير من المواقع، وخاصة في مؤسسات توليد الفكر والرأي العقلي المستقل، أي الجامعات، هي أن يصبح «المثقف» بين قوسين، عينًا للأمن على من ينتقدون النظام، وخصوصًا على من يعتصمون بالقيم الأخلاقية، ويحرصون بالمعرفة والموهبة على استقلال الرأي، والاعتصام بنزاهة القصد، ونقد قصور أهل الثقة في القيام بما ليسوا أهلًا له.

وحينما أعاود النظر الآن، في حديث الذكريات هذا، في تلك المصادفة التي نتج عنها سفري إلى أوروبا، أجد أنها بنت تلك السلسلة العقلانية النزيهة التي كرسها طه حسين وجيله في الواقع المصري؛ والتي كان السفر فيها إلى أوروبا لتحصيل العلم نتيجة منطقية للتفوق المعرفي. بل إن قيم تلك السلسلة، نفسها، هي التي دفعت شابًا مثلي إلى الحلم بالسفر إلى أوروبا، وتتبع خطى أعلام ثقافتنا فيها. مع أن حكم العسكر الجديد كان قد استأصل تلك السلسلة، كلية، من الواقع، وجعل السفر لمواصلة الدراسة في الخارج – وكانت وقتها قاصرة على منح من بلدان الكتلة الاشتراكية – مقتصرًا على أهل الثقة، وعيون النظام الأمني.

وما يربط هذه «المصادفة» بتلك السلسلة النزيهة، هي أن الفاعل الأساسي فيها، وهو الدكتور محمد مصطفى بدوي، كان، بحق، من تلاميذ مشروع طه حسين الفذ في جامعة الإسكندرية، ومن خريجي دفعتها الأولى التي بعث طه حسين بأوائلها، في جميع التخصصات، إلى أوروبا لمواصلة دراستهم فيها.(2) وكان قد ترك مصر عام 1962، وهو العام الذي أكملت فيه دراستي العليا، وبدأت النشر في المنابر العربية والمنابر المصرية، واستقر في بريطانيا، وعمل على تأسيس دراسة الأدب الحديث في جامعة أكسفورد. وقد قادته متابعته لموضوعه إلى قراءة بعض ما نشرته في لبنان ومصر، والاستشهاد به في بعض أبحاثه المنشورة بالإنجليزية، وإلى الاهتمام، بشكل خاص، بأول بيبليوجرافيا شاملة للرواية المصرية، كنت قد نشرتها في مجلة (الكتاب العربي) عام 1969، وكنت أنا – أيضًا – قد سمعت عنه، وقرأت، بل درست ترجمته المهمة لكتاب (مبادئ النقد الأدبي) الشهير لريتشاردز، والذي أصبح ركنًا أساسيًا في صرح مدرسة النقد الجديد الأمريكية.

وكان قد أرسل أوائل عام 1972 تلميذًا له، يعدّ رسالة للدكتوراه عن الرواية المصرية في جامعة أوكسفورد، إلى مصر، وطلب منه أن يبحث عني، ويشرح لي موضوعه كي أحدد له الروايات التي يجب عليه دراستها في هذا الموضوع، وأن يحصل على كل هذه الروايات من القاهرة، ويعود بها ليكمل دراسته، وقد أرسل تلميذه ذاك إلى زميله وصديقه القديم في جامعة الإسكندرية، إدوار الخراط، كي يساعده في الوصول إليّ. وما إن وصل هذا التلميذ إلى القاهرة حتى أرسله إدوار الخراط لي، فأرشدته إلى كل الروايات التي عليه قراءتها لدراسته تلك، كما صحبته إلى أماكن بيع الكتب القديمة في القاهرة، وقتها، للحصول على كل تلك الروايات، وانتهت علاقتي به بعد حصوله على ما أراد.

وتشاء الصدف – وقد أخبرنا محمود العالم أن لها منطقها الموضوعي- أن أمرَّ بعدها، ذات مساء، بإدوار الخراط في بيته، فيخبرني بأنه يكتب رسالة إلى صديقه محمد مصطفى بدوي، سيأخذها له هذا الطالب الذي ساعدته، والذي سيعود إلى بريطانيا بعد يومين، ويسألني: هل تريد منه شيئًا؟ فقلت له: إنني لا أعرفه إلا قراءةً، فكيف أريد منه شيئًا!؟ كل ما أريده من بريطانيا هو أن أسافر أنا إليها، فقال إدوار: إذن، سأخبره بذلك.

وكانت تلك السطور القليلة التي كتبها إدوار الخراط في رسالته تلك لصديقه، هي التي قادتني إلى بريطانيا في غضون عام واحد من كتابتها.

وما جعل لهذه الواقعة دلالة موضوعية أعمق، تؤكد خلاصات (فلسفة المصادفة)، هو أنها جاءت كَردّ على غبن فادح ألمّ بي، وقتها؛ فقد كنت قد أكملت دبلوم الدراسات العليا الجديد في النقد والأدب المسرحي بأكاديمية الفنون «المعهد العالي للفنون المسرحية»، وجاء ترتيبي الأول على الدفعة الأولى لهذا النظام الجديد. وأعلنوا عن بعثة، أو – بالأحرى – منحة لدراسة الأدب المسرحي في الاتحاد السوفييتي وقتها، فتقدمت لها، وتقدم لها معي الأول على أحدث دفعة للبكالوريوس من المعهد نفسه، ولكني لم أفز بتلك المنحة، ولا فاز بها الأول على دفعة البكالوريوس، أيضًا، إنّما أُرسل فيها من كان ترتيبه الثاني على دفعة البكالوريوس، ولم يكن قد أكمل، بعد، دبلوم الدراسات العليا في نظام الدراسات العليا الجديد بالأكاديمية؛ لأنه كان من أهل الثقة، بالمعنى الذي توطد لأهل الثقة الجدد.

هوامش:

1 – لأن مؤلفه حرص على أن يمنع إعادة طبعه، رغم حرصه على إعادة طبع كل مؤلفاته بانتظام شديد. لأن نشر هذا الكتاب عام 1961، أولًا على شكل مقالات في (الأهرام) وقبل أن يظهر ككتاب، أثار الكثير من الجدل والنقاش؛. ليس  فقط لأنه كتب موقف الدولة الناصرية من المثقفين ورغبتها في احتوائهم، وعدم ثقتها فيمن لا ينضوون تحت سلطتها منهم بطريقة فجّة إلى حد ما، ولكن أيضًا لأن الشريحة الكبيرة من المثقفين الذين تناولهم الكتاب، أي مثقفي اليسار خاصة، كانوا في المعتقلات الناصرية وقتها. وكانت ثمة رغبة من النظام في أن يتخلوا عن أجنداتهم الثقافية أو السياسية المستقلة وأن ينخرطوا كُلّيّةً في مشروع النظام. ولأن الكتاب وثيقة دامغة، تكشف عن عداء النظام العسكري، حتى في أفضل مراحله وطنية، وهي مرحلة عبدالناصر، للحرية وللمثقفين بشكل عام، فقد أصرّ محمد حسنين هيكل، فيما بعد، على ألا يعيد طبعه.

2 – كتبتُ في غير هذا المكان من قبل عن دور طه حسين اللامع في تأسيس جامعة الإسكندرية، وإدارته لها في سنواتها الأولى، وكان من بين أوائل دفعتها الأولى التي تخرجت، وطه حسين مديرًا لها، ومصطفى صفوان وسامي علي في علم النفس، وأصبح لكل منهم باع طويل فيه في فرنسا، وعبد الحميد صبرة في تاريخ العلوم عند العرب، والذي أصبح أستاذًا لهذا الموضوع في جامعة هارفارد، ومصطفى بدوي، نفسه، الذي أصبح أستاذًا للأدب الإنجليزي بجامعة الإسكندرية، ثمّ الأدب العربي الحديث في جامعة أوكسفورد.

——————————–

في مُواجهة الأكثر فُتوّة/ محمد برادة

قال الفتى للشيخ المُتحيِّر: منذ شهر وأنت تبدو «تالفاً»، مُتحيِّراً، لا تنفكّ تكلِّم نفسك، مع أن الربيع بدأ يُرسل أماراتِ حُلوله، والشمس بدأتْ تُدمنُ إطلالاتها؟

قال الشيخ المهموم: أنت شغوف بأن تلعب ورقة اللامُبالاة، مع أن كلّ مَنْ حولك، ومَنْ هُمْ في أرجاء البسيطة يصرخون ويحاربون هذا العدوّ اللامرئي الذي ابتدع له، هذه المرّة، اسم كورونا المُحاط بتيجانٍ فتَّاكة. وأنت تعلم أنها معركة محفوفة بأقسى المخاطر، لأن هذه الجائحة تشغل جميع الفضاءات، وتتسلل إلى ضحاياها في الليل والنهار، ناشرةً الرعب والخوف والترقُّب…

قال الفتى: بلى، أنا أيضاً خائف مُترقِّب. لكنني منشغل أكثر بما سنعيشه بعد انحسار الفيروس أوْ بعد التغلُّب عليه.

قال الشيخ: طبيعي وأنت في ميْعةِ الصبا والفُتوّة أن تشرئبّ نحو المستقبل، على الرغم من الضباب والهلع وتقلص الرؤية. أمّا أنا، وقد بلغتُ من السنّ عِتِيّاً، فأتشبث بالحياة مُتطلعاً إلى ما ستؤول إليه أوضاعُ الدنيا، وأوضاعُ هذا الفضاء الذي أنتمي إليه. وكما تعلم، فأنا عاصرتُ اهتزازاتٍ وانقلاباتٍ وأعاصير وحروباً وهجماتٍ إرهابيّة وأزماتٍ اقتصاديّة كاسحة، وعايشتُ تحوُّلاتٍ حملتْها العولمة المُتدثرة في طيْلسان العلماء والخبراء، من أجل تأمين الربح لذوي المال… كذلك، تابعتُ الكشوفات العلميّة والتقنيّة التي أغدقتْ على البشريّة وسائل الرفاهية، وأمدّتها بالأمصال والأدوية لمقاومة الأمراض، وبالمختبرات والمناهج الدقيقة لفكّ ألغاز الكوْن المجهولة منذ بدء الخليقة… وأنا أيضاً عشتُ في رحاب المعركة المُستمرة بين العلم والعقل، وبين الجهل والتعصُّب وقوانين الغاب. كلّ ذلك أعطى لرحلتي الحياتيّة معنىً أستعينُ به على مواجهة قلق الوجود في عالمٍ تتكشَّفُ هشاشته كلّما تحوَّلت الأوضاع من وضعٍ إلى آخر، غالباً حسبَ ما يُمليه الأقوياء المُتحكِّمون في مصير الدنيا.

قال الفتى: أيْ أنك كنتَ تُداري قلقك وخوفك من هشاشة الوجود المحدود في العالم، بِمُراهَنَتك على تحقّق أوضاعٍ مُكتملة تتسمُ بالعدالة والمساواة وحرّيّة الأفراد والأوطان، في عالم تحلم بأن يصبح ملموساً عبْر القرون؟

قال الشيخ: أعرف أنه رهانٌ لا يخلو من هشاشة، لأنه لا يحلّ مشكلة علاقتنا بالموت الذي هو «ضرْبٌ من القتْل» كما قال الشاعر؛ إلّا أن هذا الجانب المأسوي من وجودنا حاولتُ أن أواجهه بالمُراهنة على ما أسميْتُه، مع آخرين، بـ«اللحظات المُميّزة» في الحياة؛ أي تلك التجارب التي نحسّ من خلالها أننا نعيش بأقصى ما يمكن من الكثافة والتلذذ والأخذ والعطاء… وهذه الكثافة في العيش هي التي تُسوِّغُ قبولَ الحياة مُقترنةً بمحدودية العمر، وبلاء الفُقدان ووحشة القبر. ونفس تلك اللحظات المُميّزة تكون ممتلئة بالتحدّي لكلّ ما يحبس حرّيّتنا في قُمقم الماضي ودهاليز الوصايا التي يَعلُوها الغَمَلُ. تلك اللحظات، تجعل الحياة تعلو على كلّ ما يُرافقها من مللٍ وعنف وتزييف للمشاعر، وتوقظ الروح المُتمرِّدة لمقاومة الخيبة في العلاقات الاجتماعيّة وفي السياسة، وتدفعها إلى المُراهنة على تغيير المجتمعات المُتكلّسة…

قال الفتى: كأنك تُعوّض الأبديّ الموعودين به في جنّات الخُلد، بما هو وقتيّ محدود في تجربته ومفعوله؛ أي أنك تُضفي على الدنيويّ العابر، صفة المُتعالي الذي يستمرّ عبْر الأجيال والحضارات طوالَ استمرار الحياة؟

قال الشيخ: لك أن تقول هذا، إذْ ما مِنْ أحدٍ يستطيع أن يتابع العيش من غير تعلّاتٍ ورهانات يتكئ عليها في رحلته نحو مصيره المُبهَم. أنا لا تُقلقني مسألة الموت وحدها، بل يشغلُ بالي أيضاً هذا الكونُ الذي نرتاده من دون اختيار، ومن دون تفسيراتٍ علميّة تُسعفنا على فهم لُغزيّة الفضاء الذي نُمضي داخله رحلتنا. ذلك هو عمق المأساة المُزدوجة التي تُشقينا، والتي نجهدُ في مواجهتها بابتكار البدائل والاحتماء بالتفلسف…

قال الفتى: لكنك ابتعدتَ بنا عن فيروس كورونا، وعن تساؤلات الناس عن الحَجْر والمآل في ظلِّ هذا الغول الفتّاك، الناشر للرعب والخوف وأحزان الفُقدان؟

قال الشيخ: هذه الجائحة، على خطورتها، هي جزءٌ بسيط من مأساة الوجود في هذه الدنيا. هي من سلالة المجاهيل التي تشلّ ذكاءنا وتُطوّحُ بنا إلى أصقاع الحيْرة والشكّ والألم الصامت. لذلك تستيقظ لدينا غريزة إطالة البقاء في عالم ينطوي على اللحظات المُميّزة التي نسكرُ بسحرها ونسعى إلى إدمانها. وهي لحظات تتحقَّق على الأرض إذا عرفنا كيف نبتدع الطريق لمُعانقتها. بعبارةٍ ثانية، هي أضمنُ من جَنّاتٍ تُغدق الوعدَ بها فلسفاتٌ ودياناتٌ أخروية ما مِنْ أحدٍ تحقَّق من صدقها.

قال الفتى: لكن هذا الحاضر المُعتم سيضعنا، بعد فترةٍ، أمام مشكلات مادية صعبة، تخصّ الاقتصاد والتدبير والفوارق الاجتماعيّة التي تميّز فئاتٍ عن فئات… وهذا هو الوجه الأصعب، لأنه يقتضي تغييراتٍ في طرائق العيش وتوزيع الثروات، وتنظيم أشكال العمل والإنتاج، وتأمين صحة العباد؛ أقصد تلك الآراء التي تتوالى مؤكِّدة أن العيش بعد (كوفيد – 19) لن يُشبه ما قبله.

قال الشيخ: تقصد مسألة إعادة النظر في التعاقد الاجتماعيّ بين الفرد والدولة، وتغيير طبيعة المؤسَّسات ونوعية السياسة الجاري بها العمل؟ هذه مسألة حيويّة لها الآن الأسبقية، لأنها هي التي تتيح للمواطن أن يحقِّق الشروط التي تجعل رحلته على الأرض مقبولةً ومُحصَّنةً ضد العنف والاستغلال والسّخرة. هي مسألة تهمّ كلّ مجتمعات العالم، لكنها تكتسي أهمِّية أكبر عندنا في الفضاء العربيّ. ذلك أننا ضيّعنا فرصاً كثيرة تتعلَّق بجعل الديموقراطية التشاركيّة وسيلةً لتجسيد المواطنة المسؤولة، وتقليص الفوارق، وبناء مجتمع العلم والمعرفة. ما أكثر المعارك والضحايا التي قُدِّمتْ قرباناً في معبد الديموقراطية منذ الاستقلال عن الإدارات الاستعماريّة. لكنها لم تُؤتِ أكلها، لأن مَنْ آلتْ إليهم مهمَّة تشييد الدولة الوطنيّة آثروا انتهاجَ الحكم الفرديّ وحرمان شعوبهم من توفير ركائز المستقبل في عالم يجري بسرعة الصاروخ نحو حياةٍ أخرى، أساسُها حقوق المواطن والتضافر بين المجتمع المدنيّ والمجتمع السياسيّ… الآن الجميع مدفوع إلى إعادة النظر في حضارة المستقبل. لا مناص من أن يُعاد الاعتبار للإنسان وحقوقه التي تحرِّره من قيود الماضي ووصاية الشركات الربحيّة الرأسماليّة. لم يعد ممكناً الاستمرار في هذا العالم بأناسٍ معصوبي العيون مُسَرْنَمين، لأن كورونا فتحتْ العيون والأفئدة والعقول على ضرورة احترام الإنسان وقيَمه المُشتركة التي تتيح له أن يمضي في رحلته الدنيويّة من غير عنفٍ واستغلالٍ وسُخرةٍ.

قال الفتى: كأنك تستوحي ما كتبه نيتشه في كتابه «فجر Aurore» عن تغيير الجِلد: «يَهْلِك الثعبانُ عندما لا يستطيع أن يُغيِّر جِلده؛ ونفس الشيء بالنسبة للعقول التي تُمنَعُ من تغيير آرائها، إذ تكفّ عن أن تكون عقولاً»..

قال الشيخ: أنت تريد أن تنقلنا إلى منطقة الاستعارة والتشبيهات المُستقاة من حِضن الطبيعة. أوافقك، وأقترح عليك بدوري قصيدة للشاعر الفرنسي «بولْ إيلوار» (1895 – 1952)، يُوحي فيها بأن كلّ تغيير إنما يصنعه مَنْ هُمْ أكثر فُتوّة:

الضبابُ الخفيف يلعقُ نفسه مثل قِطّة / تنزعُ عنها أحلامها. / والطفلُ يعلم أن العالم يوشكُ أنْ يبدأ:

كلّ شيء شفاف/ القمر يتوسّط الأرض، / والخُضرة تكسو السماء وفي عينيّ الطفل الدّاكنتيْن العميقتيْن / مثل الليالي البيضاء، يُولدُ الضياء.

————————

صناعة السينما العالميّة في الحجر الصِّحيّ/ أمجد جمال

«السينما مُغلقة حتى يتوقَّف الواقع عن أن يبدو كالأفلام. حافظوا على سلامتكم وكونوا بخير». بهذه اللافتة استقبلت إحدى دور السينما في ولاية فلوريدا جائحة كورونا، وقد وضعت يدها على مصدر التضرُّر الأعمق للصناعة جرَّاء هذا الوباء الذي امتدَّ أثره السلبيّ على كافة المناحي.

صناعة السينما كانت بين المُتصدّرين لصفوف المُتضرّرين، بدايةً بالمنع والحذر من التجمعات التي هي أساس المشاهدة السينمائية، ومروراً بإيقاف تصوير عدد من الأفلام المهمّة خوفاً على صناعها من الاختلاط والإصابة بالفيروس، ووصولاً بتأجيل أهم الأفلام الجاهزة للعرض والتي كانت منتظرة في مواسم نهاية الشتاء والربيع وترحيلها فيما بعد ممّا سيؤثّر بالتبعية على الأفلام المجدول عرضها في الصيف والخريف، وهذا يعني ثلاثة أمور: إما مزيد من الترحيلات على طريقة تأثير الدومينو، أو تخمة من الأفلام تصدر تباعاً وتُحرَق كلّها بعد فوات الغمّة، وهو موعد في علم الغيب، أو التضحية بالعروض السينمائيّة وإتاحة الأفلام للمشاهدة عبر المنصّات الإلكترونية، أي أن الأفلام ستكون مُعرَّضة للحرق بتكدُّس المعروض مرة، والحرق لقدم المعروض مرة، وكذلك الحرق بالمشاهدة المنزلية وما يتبعها من فرص للقرصنة.

وفي كلّ الحالات فالاقتصاد السينمائيّ أصبح مهيأ تماماً لضربة كبرى، بدأت هذه الضربة تؤثر على الجميع بالفعل، من ملاك شركات الإنتاج وحتى أصغر الموظفين بتلك المنظومة ممَّنْ يعيشون بقوت يوم العمل. هي فاجعة غير مسبوقة تاريخيّاً للصناعة قد تفوق مثيلاتها في عصور الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية، والفارق أن مع الكوارث السابقة ظلّت صالات السينما ملجأ للبعض يهربون إليه من كابوسية الواقع، أما الآن فصالة سينما نصف ممتلئة تعني الكابوس نفسه.

الخسائر الاقتصاديّة ليست بالأمر الجلل مقارنةً بأصل الفاجعة، فكسب قوت اليوم لن يجدي إذا كانت الحياة نفسها مُهدَّدة، بالتأكيد لن نفتقد مشاهدة الأفلام لأن- وكما تعبِّر اللافتة- الواقع نفسه أصبح أكثر إثارةً للانتباه والشحن العاطفي من أي فيلم يمكن أن نراه الآن، مهما بلغ من الخيال، لأننا أصبحنا نعيش الخيال، لدرجة أن أفلام كوارث بعينها تتكرَّر تفاصيل أحداثها الآن في عالمنا، كفيلم «Contagion 2011» للمُخرج ستيفن سودربرج، والذي تنبأت أحداثه بفيروس يضرب العالم، ويبدأ من الصين، وتتشابه أعراضه مع كورونا، ويتشابه في طريقة انتشاره، وتتعامل معه السُّلطات بنفس الشكل الذي نشاهده اليوم في البلدان الموبوءة. إعادة مشاهدة فيلم كهذا الآن بقدر ما يُحسب لخيال الفنَّان ويدلّل من جديد على أهمّيته في المجتمع كونه دائماً مَنْ يبدأ بدق أجراس الخطر، ويسبق الساسة بخطوات أو بأشواط، ومع ذلك فلم تعد مشاهدة الخيال جاذبة، بل قد تكون في تلك الحالة محبطة.

تأتي جائحة كورونا في موسم نهاية الشتاء والخريف السينمائيّ، والمعروف بأنه موسم ازدهار أفلام الرعب والحركة والخيال. «A Quiet Place Part II» أحد أبرز أفلام الرعب المنتظرة للمُخرج جون كراسينسكي، كان مفترض عرضه في العشرين من مارس/آذار، لكنه تأجل لأجل غير مسمَّى بسبب كورونا، الفيلم هو الجزء الثاني لفيلم مُتميِّز صدر عام 2018، عن عالم ما بعد قيامي تدور أحداث القصّة في مدن مهجورة تمثِّل العالم بعد غزو من كائنات غامضة تفترس البشر حين يصدرون أيّة أصوات، يقبع الناجون في منازلهم ويقتصر تواصلهم الإنسانيّ على النظرات وحركات الشفاه، هذا العالم الكابوسي يأتي متوافقاً مع حالة الحجر والعزل الصحّي العامّة التي يعيشها العالم الآن، بالبقاء في المنازل والحدّ من طرق التواصل الاجتماعيّ القديمة التي تنقل الفيروس، لعلّ الفيلم يتفوَّق قليلاً بحدّة عناصر كابوسيته، لكن عالمنا يتفوَّق على الفيلم بأنه حقيقي، ولا قيمة لأفلام الرعب في زمن صارت فيه نوبات الهلع طقساً إنسانيّاً يومياً يحدث بمجرَّد مشاهدة نشرات الأخبار ومتابعة عدادات الإصابة بكورونا وهي تقفز بمختلف البلدان.

الفيلم الأحدث من سلسلة جايمس بوند «No Time Time To day»، تمَّ تأجيل طرحه عالمياً من أبريل/نيسان إلى نوفمبر/تشرين الثاني القادم، بعد أن تحمّلت الشركة المنتجة مصاريف باهظة في الترويج والدعاية، وإعادة جدولته في نوفمبر/تشرين الثاني تعني أنه سيواجه منافسة شرسة مع أفلام موسم الجوائز والأعياد، لكن البعض يرى أن التأجيل في حدّ ذاته صنع دعاية من نوعٍ آخر للفيلم وزاد الترقُّب له. أفلام بنفس الضخامة تم تأجيل عرضها العالمي لآجالٍ بعيدة أو غير مسمّاة، وعلى رأسها فيلم الحركة «F9» وهو الجزء التاسع من سلسلة «Fast & Furious»، كما تأجل عرض فيلم «Black Widow» وهو عن بطلة عالم مارفل التي تظهر للمرّة الأولى باستقلال عن سلسلة «Avengers» و«Iron Man»، وقد كان من الأفلام التي تراهن عليها شركة ديزني، ثم تراجعت، بعد أن جازفت بعرض فيلمها «Onward» في الأيام الماضية ولم يحقّق الإيرادات المتوقّعة بتأثير كورونا ما اضطر ديزني لحرق الفيلم بإتاحته عن طريق المشاهدة المنزلية، ولذا كان حتمياً على الشركة أن تتعلَّم من الدرس وتدرك أن كورونا ليس مزحة، فأجلت عرض النسخة الحية الجديدة من فيلم «Mulan»، وأجّلت فيلمين من أضخم إنتاجاتها لهذا العام وهما «Antlers وThe New Mutants»، ولا أحد يعلم متى ستصدر ديزني تلك الأفلام خاصّة وقد خصّصت شهر نوفمبر/تشرين الثاني لعرض فيلم «The Eternals» الذي تراهن عليه ديزني بعد انتهاء سلسلة «Avengers». ديزني التي ابتلعت وحدها أكثر من 40 % من إيرادات العام الماضي، قد تكون أكبر الخاسرين هذا العام، ليس لأنها المتضرّر الوحيد، لكنها المُتضرّر الأكثر إنفاقاً، وليس أمامها الآن سوى تقليل الخسائر بعرض الأفلام سريعاً على منصّتها الإلكترونية.

وبجانب الأفلام الجاهزة للعرض التي تمَّ تأجيلها، هناك عدد من الأفلام في مرحلة الإنتاج تقرِّر إيقاف تصويرها خوفاً من كورونا، على رأس هذه الأفلام الجزء السابع من فيلم «Mission Impossible» والذي تدور جزء من أحداثه في إيطاليا أكبر المنكوبين من الفيروس. وهناك الجزأين الثاني والثالث من فيلم «Avatar» اللذين تنتجهما ديزني دفعة واحدة بميزانية ضخمة وقد توقف تصوير المشاهد بسبب كورونا. مزيد من الأفلام توقف تصويرها لنفس السبب مثل (The Batman، Jurassic World: Dominion، Matrix 4، Elvis) وغيرها.

الخسائر لم تقف عند أفلام هوليوود ضخمة الإنتاج وحسب، لكن امتدّت للسينما المُستقلّة والفنِّيّة والتي فقدت أكبر مصادر ترويجها وتوزيعها المتمثِّلة في مهرجانات السينما العالمية وهي تغلق أبوابها تباعاً، التأثير الأكبر على السينما المُستقلّة نجم من إيقاف مهرجان «SXSW» بمدينة أوستن، وهو من أكبر أحداث الصناعة في أميركا الشمالية، وكانت تستفيد الأفلام منه بالرواج والدعم، ثم جاء تأجيل مهرجان «كان» الفرنسيّ ليثير صدمة في الوسط السينمائي، خاصّة وأن موعد إقامته سيظل مهدّداً مع تفشي فيروس كورونا في فرنسا لدرجة وصلت إلى إعلان حالة الحرب. مهرجانات أخرى كانت متنفَّساً للأفلام الفنّيّة أعلنت الإيقاف أو التأجيل، مثل «تسالونيك» و«بكين» و«براج» و«ترايبيكا» و«إسطنبول»، وعربياً توقَّفت مهرجانات «قمرة» في الدوحة و«عمان» في الأردن و«البحر الأحمر» في المملكة العربيّة السعودية، والأخيران كانا يستعدان لدوراتهما الأولى.

لوهلة ظنّ البعض أن ما يحدث قد يصب في مصلحة منصّات المشاهدة المُستقرّة مثل نتفليكس، وأن عصر المُشاهَدة المنزلية أصبح أمراً واقعاً ومصيريّاً انتهى فيه التنظير، إلى أن أعلنت نتفليكس عن توقف تصوير أغلب أعمالها الأصلية حفاظاً على سلامة العاملين بها، وهو القرار المنطقيّ والمُتوقَّع والذي عاد ليؤكِّد من جديد أنها ليست أزمة سينما أو مُشاهَدة، هي أزمة حياة أو موت تواجهها حضارتنا. والسؤال ليس متى تعود السينما، ولكن متى تعود الحياة الطبيعيّة التي تحفظ للخيال مهابته؟

————————

في مواجهة الوباء: إيطاليا تبحث عن استعارات جديدة/  وائل فاروق

هل تتخلص أوربا من معضلتها مع المسنين الذين يلتهمون 15% من الناتج القومي؟

بعد أكثر من سبعين عامًا على نهاية الحرب الكبرى «كنت أظن أننا قد دفنا هذا المعجم للأبد». هكذا علق ماركو مونديني أستاذ التاريخ بجامعة بادوفا على سيطرة استعارة الحرب على لغة الخطاب السياسي في إيطاليا، فما إن أعلن رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي: «إننا في حالة حرب» حتى تبنَّت كلُّ وسائل الإعلام الإيطالية على اختلاف توجهاتها السياسية «لغة الحرب»، التي صارت اللغة الوحيدة التي يتحدث بها الجميع. دومينيكو أركوري، مشرف الطوارئ، يؤكد أن الأقنعة وأجهزة التنفس الصناعي هي «الذخيرة الحية التي نحتاجها لخوض هذه الحرب». أما ماسيمو غالي مدير مستشفى ساكو في ميلانو يعدُّ المستشفيات «الجبهة الأمامية لهذه الحرب»، ويتحدث الأطباء والممرضات عن «حرب يصعب خوضها لأن العدو غير معروف»؛ إذ إن «السلاح الوحيد هو البقاء في المنزل واحترام القواعد».

وقد امتدت استعارة الحرب إلى لغة الاقتصاد؛ إذ نشر ماريو دراجي الرئيس السابق للبنك المركزي الأوربي مقالًا في صحيفة فايننشال تايمز بعنوان: «نحن في حالة حرب ضد الفيروس التاجي ويجب علينا التعبئة وفقًا لذلك». أما فيلق علماء البيولوجيا فلم يتوانَ عن المشاركة في الحرب بالحديث عن «الفيروسات الغازية» و«الخلايا القاتلة» و«الأمن البيولوجي» حتى أولئك الذين لا يملكون إلا الخضوع لقواعد الحجر الصحي والبقاء في المنازل، شُبِّهُوا بالجنود في الخنادق.

غالبًا ما يُنسب إلى توماس سيدينهام، الطبيب الأكثر شهرة في القرن السابع عشر، والمعروف باسم أبقراط الإنجليزية، إدخال الاستعارات العسكرية في اللغة الطبية الغربية. في منتصف القرن السابع عشر، أعلن سيدينهام أنه «يجب مكافحة مجموعة قاتلة من الأمراض، وأن هدفه هو التحقيق في المرض، وفهم شخصيته، والمضي قدمًا مباشرة، وبثقة كاملة، نحو إبادة المرض». واصفًا مقاربته للمرض، قائلًا: «أنا أهاجم العدو من خلال المسهلات والمبردات» حتى اليوم ما زال قاموس الحرب هو المسيطر في التعامل مع هذا النوع من الأزمات رغم مرور كل هذه القرون.

يمكننا أن نتفهم جاذبية القاموس الحربي، كما يقول أنطونيو سوليدورو في المانيفستو، فهو يشحذ الانتباه. لكن الاستعارات التي تعمق الأثر النفسي للكلمات، هي أيضًا أدوات لخلق معانٍ جديدة منذ أن بدأ البشر التواصل بالكلمات. الاستعارات ضرورة لتنمية اللغة والإدراك والثقافة، وهي تلعب دورًا مهمًّا في طريقة تفكيرنا وخطابنا عن الصحة والمرض والطب، وتشكيل الطريقة التي نتصرف بها، بشكل فردي وجماعي.

لقد درس بشكل منهجي تأثيرَ الاستعارات، وتمثيلاتها الاجتماعية، على التفكير والتحدث والعمل في سياق الأمراض المعدية، علماء الاجتماع وعلماء الاتصالات بدءًا من مقالات سوزان سونتاغ حول السرطان والسل (عام 1978م) والإيدز (1989م). وقد كانت هي نفسها مريضة بالسرطان عند كتابتها عن المرض كمجاز، تقترح سونتاغ أن الاستعارات والأساطير المحيطة ببعض الأمراض، وبخاصة السرطان، تزيد بشكل كبير من معاناة المرضى عن طريق تثبيطهم في البحث عن العلاج المناسب. عند الحديث عن وباء فيروس نقص المناعة البشرية، تتساءل سونتاغ: لماذا من السهل علينا مواجهة حالة طوارئ صحية كما لو كانت حربًا، بدلًا من كونها مشكلة اجتماعية أو ثقافية؟ لتعود لتؤكد أن استعارات الحرب في الطب يمكن أن تكون مضللة، ومن ثم، من الضروري، ولا سيما من جانب العلماء والأطباء، أن يكونوا يقظين وواعين بالآثار المحتملة لاستخدامها.

تقول دانييلا كاسَّاندرو: الحرب هي واحدة من الأنشطة البشرية القليلة التي لا ينظر إليها الناس بطريقة واقعية، يخوضونها من دون تقويم للتكاليف أو النتائج. في حرب لا تعترف بالتفاوض، تنفق الموارد من دون أي تقدير، الحرب هي حالة طوارئ محضة، ومن ثم، إن أي تضحية في سبيلها ليس مبالغًا فيها. إن التعامل مع المرض كما لو كان حربًا تجعل منا كائنات مطيعة ومُنظِّمة، تقبل من دون جدال أن تكون ضحايا محتملة. يصبح المرضى خسائر مدنية حتمية للصراع، يكادون يُنزعون من إنسانيتهم، يفقدون هويتهم كمواطنين أصحاء ليحصلوا على بطاقة هوية باهظة الثمن للمرضى».

ماتيو باسكوليتتي يرى أنه قد يكون من الخطر مواجهة أزمة من طريق تشبيهها بالحرب. الحرب فوضى. الحرب هي الموت والدمار بلا حدود. فهي تتضمن أحداثًا عشوائية لا يمكن السيطرة عليها، وخطورتها أنها تحدث في لحظة فراغ تشريعي وشلل في العرف اجتماعي؛ فالقوانين والاتفاقيات التي تربط الناس والمجتمعات في وقت السلم لم تعد سارية. لقد رأينا كيف أُفرِغَت المتاجر الكبيرة من قبل أولئك الذين أصيبوا بالذعر، كيف حاولوا في سعي محموم -لا معنى له- تأمين احتياجاتهم على حساب الآخرين مدفوعين في ذلك بمنطق «أوقات الحرب»؛ في الولايات المتحدة، يصطف أمام متاجر الأسلحة أولئك الذين يعتقدون أن أفضل حماية لهم من وباء Covid-19 هو تسليح أنفسهم ببندقية بيريتا نصف آلية. في لومبارديا في الشمال الإيطالي، هرب العمال والطلاب من أبناء الجنوب إلى بلداتهم بغض النظر عن احتمال كونهم حاملين للعدوى، أما المناطق الريفية في فرنسا، فقد انتشرت فيها اللافتات تحذر الهاربين الباريسيين من الدخول إليها، في ترجيع مقلق ومزعج لما وقع من أحداث خلال الاحتلال النازي. في بريطانيا العظمى، مُرِّرَتْ قوانين خاصة تمنح الحكومةَ سلطاتٍ هائلةً، وإن كان ذلك لمدة عامين فقط. نحن نتحدث عن الحكومة نفسها التي قال زعيمها، قبل أسابيع قليلة: إنه صافح بهدوء مرضى الفيروسات التاجية؛ للتخفيف من خطر الذهان الجماعي.

طائرات من دون طيار لمراقبة المواطنين

في المجر، فقد فرضت الحكومة قانون طوارئ مناهض للديمقراطية، في محاولة لاستغلال الوباء للحصول على سلطة غير محدودة. إذا نجحت السلطة التنفيذية في تمرير هذا القانون فستقوم فعليًّا بإلغاء البرلمان تمامًا، وتعليق الانتخابات والاستفتاءات. كذلك بادرت السلطات المحلية في عدد من المدن الإيطالية الواقعة تحت الحجر الصحي الكامل باستخدام طائرات من دون طيار لمراقبة المواطنين والقبض على من يخرج من بيته، وقد أعلن عمدة مدينة مسينا الإيطالية، أن هذه الطائرات هي صوته الذي يأمر المواطنين بالعودة إلى المنازل. آنا ماريا تيستا خبيرة المعلومات تقول: إنه «لا وجود للحرب»، لا وجود لعدو يكرهنا، الفيروس التاجي لا يدرك حتى إننا موجودون، استعارة مثل الجيش الأبيض هي استعارة غير مقبولة، فالأطباء والممرضات ليسوا جنودًا نرسلهم إلى الجبهة للتضحية بهم، استخدام هذه الاستعارة لجعل تضحياتهم حتمية هو أمر غير عادل ومُخْزٍ. لسنا في حرب ومن الخطورة أن نقتنع أننا نعيش في إطارها؛ لأن هذا سيجعل التداعيات الاستبدادية للحرب مقبولة وشرعية، في الحرب نقاتل من أجل الدفاع عن أسلوب حياتنا، أما في حالة الوباء فإننا مطالبون بإعادة النظر في أسلوب حياتنا وفي تراتبية القيم الإنسانية والأخلاقية التي تحكمها.

تختتم دانييلا كاسَّاندرو مقالها بالتركيز على أن مواجهة الوباء، الذي لا يعترف بالحدود، تتطلب استجابة عالمية والحديث عن الغزو والبطولة والتضحيات، يبعدنا من هذه الوحدة العالمية الضرورية للخروج من هذه الأزمة، وهو للأسف ما حدث بالفعل في «الاتحاد الأوربي»، نحن في حاجة ماسة إلى استعارات جديدة وكلمات جديدة تعيد سرد مفردات حياتنا اليومية الآن، فما نستخدمه من استعارات قديمة لن تحول فقط هذا الحاضر إلى كابوس، وإنما أيضًا المستقبل الذي ينتظرنا.

الفيروس التاجي ليس عدوًّا يمكن مواجهته بالأسلحة أو الجلوس معه على مائدة المفاوضات، لقد باعد بيننا، وفرض علينا التواصل من خلال الوسائط التقنية، لهذا وفي سياق هذا الشرط الجديد لا بد أن نعيد اكتشاف المجتمع والقيم التي تحكمه، علينا إعادة النظر في مفهوم العمل، إذا كان الراتب الشهري هو ما يبقينا على قيد الحياة علينا أن نعيد النظر في الحياة التي نعيشها.

الكاتب الإيطالي الشهير باولو جوردانا يرى أن اللجوء لاستعارة الحرب ليس إلا محاولة للتهرب من «الجديد الذي لم نعرفه من قبل» محاولة لرفض «اللامتصور» الذي أصبح واقعًا قائمًا في حياتنا اليومية، اللامتخيل أصبح سمة أساسية لعصرنا، الطنين الذي لا ينقطع لوسائل الإعلام التي تروج استعارة الحرب تمنعنا من التفكير بأسلوب مختلف، تعرقل إمكانية أن نطرح أسئلة كبيرة كانت منذ ثلاثين يومًا فقط أسئلة مضحكة لسذاجتها، واليوم أصبحت أساسية لاستمرار الحياة، فمثلًا عندما ينتهي كل هذا هل نريد العودة لعالمنا السابق، هل نريد تكراره مرة أخرى أم نريد تغييره؟

في الظلام يتضاعف وزن الكلمات

التباعد الاجتماعي كاستبعاد: لا داعي للقلق الفيروس يقتل المسنين فقط. المعنى بوصفه مسافة، والمسافة بوصفها معنى، هكذا ينظر الكاتب جان فرانكو ماروني إلى العالم الذي انقلب رأسًا على عقب كمهرجان حزين؛ أغنياء الشمال أشد معاناة من فقراء الجنوب، برودة المشاعر التي تميز العلاقات الاجتماعية في الشمال أصبحت أفضل من دفء مشاعر أبناء البحر المتوسط، وصار التباعد بين الأجساد مرغوبًا أكثر من التلامس، وصارت العزلة أفضل من معاشرة الآخرين، أصبح الإنترنت بديلًا للميادين والشوارع، أصبح البقاء في المنزل أفضل من الخروج، لكن هذا البعد الفيزيائي يعني أيضًا بعدًا عاطفيًّا، فلكل مسافة معنى، وما يحدث اليوم هو أن المسافات تتغير وتتغير معها المعاني.

لقد أسقط الوباء القناع الذي كنا نرتديه ويخفي الكثير من عيوبنا، نعم حوَّل الإيطاليون العزلة إلى فضاء اجتماعي، بداية من الغناء على الشرفات، إلى التصفيق لأطقم العاملين في مجال الصحة، إلى صناعة الخبز والمعجنات معًا عبر الفيديو، حيث كان الدقيق أول السلع اختفاء من الأسواق، كتب الكثيرون أسماءهم على شرفاتهم، وبدؤوا يتناولون المشروب الكحولي الخفيف الفاتح للشهية قبل العشاء، وهو عادة مقدسة خاصة في شمال إيطاليا، مع جيرانهم القدامى الذين أصبحوا أصدقاءهم الجدد. كل هذا لا يغير ما يحدث في العالم الحقيقي خارج الإنترنت وشرفة البيت، حيث الخوف والارتياب والنظرات العدوانية، والابتعاد من الآخرين. كشف الفيروس عن قسوة كامنة تغطيها طبقة من القوانين والأخلاقيات التي سرعان ما انهارت مع اختبار الوباء، مرة أخرى اللغة كاشفة، فبمجرد ظهور الفيروس كان كثيرون يطمئن بعضهم بعضًا بأن الفيروس لا يقتل إلا المسنين الذين يمثلون تقريبًا ربع سكان أوربا.

الشريحة العمرية التي سقط منها معظم ضحايا الفيروس التاجي بين ٧٠- ٩٥ عامًا، تنتمي للجيل الذي بعث أوربا من الموت بعد الحرب العالمية الثانية، الجيل الذي حول حطام الحرب وأطلال المدن إلى دول الرخاء والرفاه، الجيل الذي دافع عن الحريات ورسخ ثقافة حقوق الإنسان، يموت وحيدًا في العزل وتمضي جثامين أبنائه إلى الحرق في طابور طويل من العربات العسكرية في موكب جنائزي يغلفه صمت مدن تخلو من الحياة في مشهد ختامي حزين لأوربا ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولأزمة جيل يقاوم الإقصاء منذ سنوات.

منذ عامين تقريبًا تقدم السيد إيميل راتلباند لمحكمة مدينة أرنهيلد الهولندية بطلب لتغيير تاريخ ميلاده من ١١ مارس ١٩٤٩م إلى ١١ مارس ١٩٦٩م، ليصبح عمره أقل عشرين عامًا مما هو مدون في أوراقه الرسمية، وقد قام بتعزيز طلبه بشهادات طبية تؤكد أن حالته الصحية وقدراته الجسدية هي لرجل في نهاية الأربعينيات من عمره. بنى راتلباند قضيته على أساس أن العمر أحد أهم العناصر المحددة لهوية الفرد داخل المجتمع، فإذا كان القانون يسمح للأفراد بتغيير أسمائهم أو أديانهم، وإذا كان يسمح لمن ولد ذكرًا أن يختار أن تكون هويته امرأة أو العكس؛ فلماذا «لا يسمح لي أن أقرر ما هو عمري؟».

رفضت المحكمة طلب راتلباند لأنه وإن كان العمر أحد محددات الهوية الفردية، فإن محو عشرين عامًا من الأحداث والوقائع سيترتب عليه مشاكل قانونية لا حصر لها، فهناك الكثير من الحقوق والواجبات المترتبة على العمر مثل الحق في التصويت والحق في قيادة السيارات، والزواج وتناول الكحوليات، … إلخ.

على الرغم من أن قضية الهوية الفردية من أهم القضايا الفلسفية التي تواجهها الثقافة الغربية اليوم، فإنها لم تكن الدافع الحقيقي وراء هذه القضية التي أثارت كثيرًا من الجدل والسخرية في العالم كله، فقد كان التمييز الاقتصادي والاجتماعي الذي يتعرض له جيل السيد راتلباند هو المحرك الحقيقي للقضية، حيث إن الانتماء إلى هذه الشريحة العمرية يقلل من فرص العمل وفرص الحصول على قروض شراء سيارة جديدة أو منزل جديد، أو حتى فرص الاشتراك في تطبيقات المواعدة على مواقع التواصل الاجتماعي.

في السنوات الأخيرة تتابعت الدراسات والإحصائيات التي تدق أجراس الخطر بسبب شيخوخة المجتمعات الأوربية، ولا يتعلق الأمر فقط بتراجع نسبة المواليد وإنما -وهذا انطباعي الشخصي- باستمرار تلك الشريحة العمرية (٧٠- ٠٠) في الحياة، واستنزاف اقتصاد تلك المجتمعات بسبب ما يحصلون عليه من امتيازات؛ إذ تشير إحصائيات مختلفة قام بها البنك الدولي، وإدارة الإحصاء التابعة للمفوضية الأوربية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛ إلى أن الإنفاق على المعاشات يصل إلى ١٥٪ من الناتج القومي لدول الاتحاد الأوربي، وأن دولًا مثل ألمانيا وإيطاليا تصل نسبة الإنفاق فيها على المعاشات إلى ١٦.٤ ٪ من الدخل القومي، وهذه النسب في كل الحالات تمضي في خط تصاعدي يؤكد الخبراء أن استمراره في الصعود سيدمر الاقتصاديات الأوربية ويخفض كثيرًا من مستوى المعيشة فيها، وهو ما دفع كثيرًا من كتاب الصحف الكبرى إلى الجهر صراخًا بما تشير إليه أرقام الإحصائيات بصمت محايد، فهذا فيليب إنمان من صحيفة الغارديان ينتقد بشدة البرلمان البريطاني الذي أجَّل البتَّ في خطة إعادة هيكلة الضرائب التي ستقلص من امتيازات أصحاب المعاشات وتقلل من العبء الذي تتحمله الأجيال الأكثر شبابًا إلى عام ٢٠٢٥م، زاعمًا أن الاقتصاد البريطاني لن يتحمل هذا العبء حتى ذلك التاريخ.

يقول إنمان: إن الفائزين بـ«اللوتاري» من المسنين يجب أن يساهموا في مواجهة مشاكل الاقتصاد البريطاني، ويضرب مثلًا بقائد الأوركسترا برنارد هايتنك الذي احتفل بعامه التسعين على خشبة المسرح والذي ما زال مصرًّا على الاستمرار، يقول إنمان: إنه يجب عدم السماح لأمثال برنارد ممن يمتلكون الثروة والصحة بالاستمرار في العمل، عليهم ترك الساحة لأجيال أصغر سنًّا، ليس هذا فقط، فهؤلاء المحظوظون بجيناتهم الوراثية وباستفادتهم من الازدهار الاقتصادي لأوربا ما بعد الحرب العالمية عليهم تحمل عبء أبناء جيلهم الأقل حظًّا، فقد زادت دخولهم في الاثنتي عشرة سنة الأخيرة بنسبة ٦٠٪ بينما لم يتجاوز الباقون سقف ٣٦٪؛ لذلك ربما يجب إجبارهم على مشاركة ثرواتهم.

مثل السيد راتلباند لم يستلم أبناء هذه الشريحة العمرية، وشرعوا في تأسيس أحزاب سياسية لا تقوم على أيديولوجيا سياسية أو اقتصادية معينة، وإنما على أساس واحد هو الدفاع عن حقوق ومكتسبات هذا الجيل، وقد تأسست هذه الأحزاب في ٢٣ دولة من بينها إيطاليا وألمانيا وإنجلترا والنرويج والدانمارك، ولعبت أدوارًا سياسية متفاوتة في هذه البلاد وصل بعضها إلى الحكم من خلال الدخول في ائتلافات مع أحزاب كبرى، وهو ما ساعدها في الدفاع عن مكتسبات المسنين، وزاد من سخونة الجدل الدائر حول ضرورة انسحابهم من الحياة العامة؛ ذلك الجدل الذي ساهم في عودة المالثوسية ( نسبة إلى توماس مالثوس ١٧٦٦-١٨٣٤م الذي يرى أن الزيادة السكانية تؤدي إلى تآكل الموارد، ومن ثم يجب للحفاظ على المجتمع ترك السكان الأكثر فقرًا وضعفًا للموت عن طريق الأوبئة والحروب والكوارث) وبخاصة مع انتشار الفيروس التاجي وانتشار عبارة «لا داعي للقلق فهذا الفيروس يقتل المسنين فقط» التي بدت شعارًا لممارسة منهجية إذا وضعنا في الحسبان إهمال بعض الحكومات مواجهة الفيروس في بداية انتشاره، أو في اعتماد بعض آخر لنظرية «مناعة القطيع» التي تعني التضحية بأبناء هذا الجيل.

إنه الجيل الذي رأى كل شيء ينمو ويزدهر -كان تعداد البشر ٢.٣ مليار نسمة حتى عام ١٩٤٧م، وتضاعف ثلاث مرات تقريبًا حتى عام ٢٠٠٦م حيث وصل إلى ٦.٥ مليارات نسمة مكذبًا تنبؤات المالثوسية وتشاؤمها من المستقبل، يرقد الآن في غرف العناية المركزة، يفارق الحياة يوميًّا المئات من أبنائه ليعلن عن نهاية عالم أوربا ما بعد الحرب وأهم ما يميزها تلك الإرادة التي لا تشيخ للحياة. يقول الخطيب الروماني شيشرون: «ليس هناك حقًّا من تبلغ به الشيخوخة حدًّا لا يجعله يتوقع أن يعيش عامًا آخر» وهذا الجيل لم يعش حياته في انتظار الموت، ولم يقضها في محاولات للهروب منه، وإنما في مطاردة الحياة في مستقبل أفضل حتمًا سيأتي.

يبدو أن دعوة الكثير من أبناء النخبة الإيطالية إلى نبذ استعارات الحرب، واستخدام استعارات أخرى مرتبطة بالشفاء، والتطهر، والرحلة، والنضج، لها ما يبررها ليس في حاضر الوباء الذي تعيشه اليوم فقط، وإنما وهذا هو الأهم، في ماضي المجتمع الذي وضعها في هذا الموضع البائس في اللحظة الراهنة.

العودة إلى الإيقاع الطبيعي للحياة

الكاتبة البولندية الحائزة على جائزة نوبل أولغا توكارتشسوك في مقالها الذي نشرته الكورييري ديللا سيرا تقدم إجابة غير مباشرة عن سؤال غوردانو؛ تتساءل صاحبة نوبل: «أليس من الممكن الرجعوع بفضل هذا الوباء إلى الإيقاع الطبيعي للحياة؟ ألا يمكن القول: إن هذا الفيروس ليس تغييرًا للطبيعي، بل العكس تمامًا؟ ألم يكن ذلك العالم السريع المحموم قبل وجود الفيروس غير طبيعي؟ لقد ذكّرنا الفيروس أيضًا بشيء أنكرناه بإصرار وشغف؛ ذَكَّرَنَا بأننا كائنات هشّة، مبنية من أكثر المواد رهافة. ذَكَّرَنَا بأننا نموت، وبأننا فانون. ذَكَّرَنَا بأن إنسانيتنا وفرادتنا لا تفصلنا عن العالم، فالعالم جزء من شبكة كبيرة ننتمي إليها، شبكة تصلنا بكائنات أخرى من خلال خيط غير مرئي من المسؤولية والتأثير. إننا نعتمد على أنفسنا، وبغض النظر عن لون بشرتنا، والبلد الذي ننتمي إليه، واللغة التي نتحدث بها، فإننا نمرض، ونخاف من أن نموت.

لقد جَعَلَنَا نفهم أنه بغضِّ النظر عن مدى ضعفنا وعن مدى أننا عزل في مواجهة الأخطار، هناك دائمًا أشخاص حولنا أكثر منا ضعفًا، يحتاجون إلى المساعدة. لقد ذَكَّرَنَا الفيروس بمدى هشاشة آبائنا وأجدادنا المسنين وحقهم علينا في الرعاية والاهتمام. لقد أظهر لنا أن حركتنا المحمومة تعرض العالم للخطر. وهو أخيرًا يحفزنا على مواجهة هذا السؤال الذي نادرًا ما امتلكنا الشجاعة لطرحه على أنفسنا: ما الذي نبحث عنه حقًّا؟

الخوف من المرض، جعلنا نعود أدراجنا من هذا الطريق الملتبس المجهول المصير الذي كنا نمضي فيه، وأجبرنا على تذكر وجود العش الذي منه انطلقنا، والذي فيه نشعر بالأمان. من يعرف كم من الرحالة الاستثنائيين، في مثل هذا الوضع، سيبحثون عن مأوى، وعن منزل يعودون إليه.

كشف لنا الفيروس عن عدد من الحقائق المحزنة، كشف لنا أنه في أوقات الخطر، نرتدّ إلى الأفكار المغلقة الإقصائية للأمم والحدود. في هذا الوقت الصعب، اتضح مدى ضعف فكرة الشراكة الأوربية أمام اختبار حقيقي لممارستها عمليًّا. في الواقع، تخلَّى الاتحاد عن اللعبة وترك القرارات في أوقات الأزمات للدول القومية. أعتقد أن إغلاق الحدود هو واحد من أكبر الهزائم في عصرنا الهزيل. لقد عادت الأنانية القديمة وتصنيفات «نحن» و«هم»، وهذا ما ناضلنا ضده في السنوات القليلة الماضية على أمل أنه لن يعود مرة أخرى لتشكيل أفكارنا ورؤيتنا للعالم. الرعب الذي أثاره الفيروس استدعى إلى الأذهان بشكل آليّ أكثر الرجعيات سطحية، وأن الجناة هم دائمًا الآخرون، وأنهم ينتمون إلى مكان آخر دائمًا، يحملون إلينا الخطر منه. في أوربا يأتي الفيروس «من …»، إنه ليس فيروسنا، إنه أجنبي جاءنا من عند آخرين. في بولندا، أصبح جميع الذين عادوا من الخارج موضع شك. الموجة العنيفة لإغلاق الحدود، والطوابير الوحشية عند المعابر الحدودية كانت صدمة لكثير من الشباب بالتأكيد. يذكرنا الفيروس: الحدود موجودة وتقوم بعمل جيد. نحن نعلم أيضًا أن الفيروس سيذكرنا بسرعة بحقيقة أخرى قديمة، كيف أننا لسنا متساوين حقًّا. بعض منا يطير بطائرات خاصة إلى جزيرة معزولة أو يبقى منعزلًا في غابة شجرية غناء، بينما بعض آخر لا يزال في المدينة للعمل في محطة المياه والكهرباء. بعض آخر سيخاطر بصحته ويبقى في المدينة للعمل في المتاجر والمستشفيات. سيتربح بعض من هذا الوباء، وسيفقد بعض آخر مدخرات حياته. عندما تصل الأزمة، فإنها تزلزل تلك القواعد التي بدت لنا مستقرة وثابتة، ولن يتمكن كثير من البلدان من الإدارة وفي مواجهة تفككها سوف يتولد نظام جديد، كما يحدث في الأغلب بعد الأزمات. نبقى في المنزل، ونقرأ الكتب ونشاهد المسلسلات على شاشة التلفزيون، ولكن في الواقع نحن نستعد لمعركة كبرى من أجل واقع جديد، واقع لا يمكننا حتى تخيله، أو فهمه ببطء، لن يكون هناك شيء كما كان من قبل.

قد يجعلنا وضع الحجر الإلزامي واحتجاز الأسرة بكاملها في المنزل نفهم شيئًا لا نود حقًّا أن نعترف به، وهو أن الأسرة ترهقنا، وأننا أصبحنا نشعر بالاغتراب داخل علاقات الزواج. سيخرج أطفالنا من الحجر الصحي مدمنين على الإنترنت، وسيفهم الكثير منا لا جدوى وعقم الشرط الذي نعيش فيه أسرى نمارس حياتنا بشكل آلي ونتحرك بقوة القصور الذاتي. وماذا نقول إذا كان عدد جرائم القتل والانتحار والأمراض العقلية سيزداد؟ أمام أعيننا، وكضباب تحت شمس فتية سيذوب نموذج الحضارة الذي شكلنا وشكل وعينا على مدى مائتي العام الماضية: «نحن سادة الكون، نحن قادرون على أن نفعل كل شيء، وأن العالم ملك لنا». فثمة أوقات جديدة قادمة. الفيلسوف الإيطالي الشهير ماسيمو كاتشاري، يؤكد هذا عندما يقول بينما نحن محتجزون في جحيم منازلنا، كل شيء متوقف إلا التاريخ الذي لا نعرف إلى أين سيأخذنا، ولكنه يقتضي منا بلا شك أن نبحث عن لغة واستعارات جديدة.

مراجع المقال:

– https://www.corriere.it/cronache/20_marzo_20/virus-dopo-ecco-mia-lista-cose-che-non-voglio-scordare-d860d476-6ad9-11ea-b40a-2e7c2eee59c6.shtml

–  https://www.interris.it/curiosita/come-cambia-il-linguaggio-nellera-del-covdi-19/

– https://www.internazionale.it/opinione/annamaria-testa/2020/03/30/metafora-guerra-coronavirus

– https://www.internazionale.it/opinione/daniele-cassandro/2020/03/22/coronavirus-metafore-guerra

– http://temi.repubblica.it/micromega-online/coronavirus-metafore-di-guerra-e-confusione-di-concetti/

– https://www.valigiablu.it/coronavirus-solidarieta/

– https://www.theguardian.com/commentisfree/2020/mar/21/donald-trump-boris-johnson-coronavirus

– https://www.repubblica.it/dossier/stazione-futuro-riccardo-luna/2020/04/05/news/con_il_coronavirus_e_iniziato_il_futuro_del_giornalismo-253159687/

– https://www.larena.it/home/cultura/il-nuovo-mondo-che-verr٪.

– https://www.corriere.it/esteri/20_aprile_02/coronavirus-verita-che-noi-cambiera-l-intera-esistenza-7aded0be-7524-11ea-b9c4-182209d6cca4.shtml

– https://www.bbc.com/news/world-europe-46425774

– hhttp://siteresources.worldbank.org/ECAEXT/Resources/publications/454763-1181939083693/chaw_151-176_ch04.pdf

– https://data.oecd.org/socialexp/pension-spending.htm

– https://ec.europa.eu/eurostat/statistics-explained/index.php/Social_protection_statistics_-_pension_expenditure_and_pension_beneficiaries#Expenditure_on_pensions_in_the_EU

– https://www.oecd-ilibrary.org/docserver/pension_glance-2017-30-en.pdf?expires=1585325642&id=id&accname=guest&checksum=02FC2A8D76761E7B7AD740F93D005511

– https://www.theguardian.com/science/2019/apr/27/ageing-retirement-work-taxation-social-care

– ماركوس توليوس شيشرون، في مديح الشيخوخة، ترجمة فتحي أبو رفيعة، مؤسسة بتانة، القاهرة، ٢٠١٧م. ص ٥٦.

—————————

كورونا بين الشرق والغرب.. سقوط العلم وانهيار الحداثة في أوربا وأميركا/ حسن حنفى

كنا ونحن صغار نسمع عن الصراع بين الشرق والغرب أنه صراع عسكري؛ تفوق أميركا بالطائرات، وروسيا بالصواريخ العابرة للقارات للهجوم، والمضادة للطائرات للدفاع. ولما كانت أميركا مع إسرائيل تعطيها كل شيء، فإننا كنا مع روسيا لتزويدنا بالسلاح. ثم أدركنا أنه ليس صراعًا عسكريًّا فقط بل هو أيضًا منافسة اقتصادية. يتفوق فيها الشرق لاستيراد ما نحتاجه من القمح. وروسيا تستورد منا القطن طويل التيلة الذي اشتهر به القطن المصري.

وعندما دخلنا الجامعة أدركنا أنه أيضًا صراع سياسي حول مناطق النفوذ في إفريقيا وأميركا اللاتينية، وتوسيع مناطق الأحلاف وانتشار القواعد العسكرية. ولما تخرجنا من الجامعة أدركنا أنه صراع ثقافي بين الكتلة الشرقية والحضارة الغربية. الأولى تعطي الأولوية للمجتمع على الفرد. والثانية تعطي الأولوية للفرد على المجتمع. وهو الصراع الأيديولوجي الشهير بين الشيوعية والرأسمالية، بين الحرية والخبز. وهو الصراع الذي انعكس لدينا في الوطن العربي. وآثرنا الخبز على الحرية بعد الثورات العربية الأخيرة منذ الخمسينيات في القرن الماضي بداية بالثورة المصرية في يوليو 1952م.

وبرزت الصين منذ الأربعينيات بعد المسيرة الطويلة من الغرب إلى الشرق وهزيمة شيانغ كاي تشيك، وانسحابه من الصين- القارة إلى جزيرة فورموزا. وظهر ماو تسي تونغ الزعيم الصيني العظيم قائدًا شعبيًّا، ماركسيًّا لينينيًّا، صلبًا لا يهادن. ووزعت الأرض على الفلاحين. وقامت بأكبر نهضة زراعية صناعية تجارية في تاريخ الصين، من شعب تجاوز الآن مليار نسمة أي سدس سكان العالم. وقد أدت ماركسية الصين إلى تقوية الشرق بالنسبة للغرب. ثم انضمت إلى الصين كوريا الشمالية، وفيتنام الشمالية، ثم الجنوبية فيما بعد، بعد هزيمة الغرب فيها، فرنسا ثم أميركا. ثم انضمت أوربا الشرقية إلى هذا المعسكر الاشتراكي الجديد. ولم تعد حلقة الوصل بين آسيا وأوربا، بين الشيوعية والرأسمالية.

ثم تقدمت الصين اقتصاديًّا، وغطت صادراتها كل آسيا، في الخليج خاصة، وإفريقيا. وصنـّعت كل ما كان الغرب يصنعه بأرخص الأثمان. فأصبحت الصين تغطي كل صادرات العالم حتى أوربا مهْد الرأسمالية. وبدأت الشركات الصينية للتنمية الزراعية والصناعية تَسُود كلَّ أرجاء الشرق في آسيا، والجنوب في إفريقيا. وأصبحت كل المنتجات الصينية تملأ الأسواق العربية بعد أن كانت أوربية ثم أميركية ثم ماليزية وإندونيسية وهندية أو جنوب إفريقية. وامتدت الثورة الاشتراكية إلى أميركا اللاتينية، إلى كوبا. وأصبحت أسماء كاسترو وجيفارا على كل لسان. والآن أميركا تخطب ودَّ كوريا الشمالية من أجل السيطرة على الصواريخ النووية العابرة للقارات والمحيطات التي يمكن إذا انطلقت أن تدمر أميركا في لحظات.

وسقط الستار الحديدي في أوربا الشرقية. وسقطت الاشتراكية التقليدية في الاتحاد السوفييتي. وجاءت أخرى أكثر تعاونًا مع الغرب الرأسمالي. وأصبح العالم ذا قطب واحد بدلًا من قطبين. وظهرت العولمة بوصفها الشكل الاقتصادي الوحيد الممكن للعالم. وهي شكل جديد من أشكال الرأسمالية القادرة على احتواء الآخر. وانقلب الوطن العربي مرة أخرى من الرأسمالية القديمة إلى الاشتراكية، ثم من الاشتراكية إلى العولمة حتى لا ينعزل بنفطه وتنميته عن نظام العالم الجديد.

وبدت الصين منعزلة عن كل هذه التغيرات. وبدا لها أن الغرب الأوربي والأميركي يعدّل من نفسه اقتصاديًّا وسياسيًّا ولكنه بقي ثقافيًّا رأسماليًّا. فأرادت أن تكسب الجولة بطريقة أخرى، بطريقة ضرب اليابان للأسطول الأميركي في بيرل هاربر في القطب الشمالي، وأميركا لا تتوقع ذلك، وضرب أميركا اليابان، هيروشيما ونجازاكي بالقنابل الذرية، واليابان لا تتوقع. وقد أدى ذلك إلى استسلام اليابان التام، وإغراق أسطولها الجوي في المحيط الهادي، وانتحار قادته رمزًا للبطولة والفداء.

الصين وفيروس كورونا

ثم خرج من الصين فيروس كورونا يمثل 1/1000 من الفيروسات العادية. لا يمكن السيطرة عليه بسهولة. ينتقل من حيث لا يدري المريض، أمن الهواء أم من لمس الأشياء أم من تنفس الآخرين؟

وانتشر بسرعة البرق من الصين إلى أوربا ثم إلى أميركا ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾. ولم تنفع أساليب الوقاية ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾. ولم ينفع معه علاج إلا الحجر الصحي، وعزلة الإنسان عن أخيه الإنسان. جذوره في الصين وفروعه في آسيا وأوربا وأميركا اللاتينية. نبْتُه في الصين وأُكُلهُ خارج الصين. وقد يكون غزوًا كونيًّا للأرض كلها. فلا مفر من الموت، يأتيكم من حيث لا تعلمون. وتتبادر أمثلة شعبية إلى الأذهان مثل: «يوضع سره في أضعف خلقه»، و«إن معظم النار من مستصغر الشرر». ووصل الفيروس اللعين لرؤساء الوزراء في ألمانيا، وإلى الوزراء في إيطاليا وإنجلترا وإلى بقية الشعوب في إيطاليا وألمانيا وإنجلترا وإسبانيا.

وأخيرًا ضرب الولايات المتحدة التي أصبحت الأولى في عدد الإصابات والوفيات التي تُقدَّر بالآلاف. ووقف الطب عاجزًا عن أن يفعل شيئًا. ولم يستطع حتى الآن إيجاد مصل لإيقاف هذا الغزو الميكروسكوبي. وأصبح الغرب الذي كان نموذجًا للحداثة التي كانت تقلدها الحضارات غير الأوربية نموذجًا للانهيار والوقوع في أية لحظة من دون استعمال الأسلحة النووية أو الهيدروجينية.

انتهى كل شيء في غمضة عين إلا من البقاء في المنازل ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ٱلْأُولَىٰ﴾. فتحول الرجال إلى نساء. وسقط العلم الذي كانت تفخر به أوربا وأميركا. وانهارت الحداثة التي ظل الغرب يبنيها على مدى خمسة قرون، منذ الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر، والدفاع عن الإنسان في القرن السادس عشر، وعن العقل في السابع عشر، والتنوير في الثامن عشر، والعلم في التاسع عشر. ثم بدأ الغرب يهدم حداثته بنفسه في التيارات المعادية للعقل والعلم والإنسان فيما بعد الحداثة، نظرًا لنهاية الحضارة الغربية بعد أن سادها الموت والعدم والقلق والهم ثم الانتحار. فجاء كورونا ليُساعِدهم على ما هم فيه.

الوطن العربي بين قطبين

وماذا عن الوطن العربي الذي يقع بين الشرق والغرب؟ لقد أصابه الوباء، ولكنه بصورة أقل فيما يبدو، نظرًا للإجراءات الوقائية الصارمة التي فرضتها الحكومات العربية على شعوبها مثل عدم الخروج من المنازل، وعدم لمس الأشخاص الغرباء أو الأشياء من دون تطهير. وضرورة لبس الكمامات لعدم استنشاق أي هواء غير نظيف، وارتداء قفازات اليد. وقد أُجِّلت الدراسة في المدارس والجامعات، وأُلغِيتْ كل التجمعات الثقافية في المكتبات والمراكز الثقافية. ومُنعت التجمعات الاجتماعية في النوادي والفنادق ومراكز التجمعات حتى لا تنتقل العدوى من شخص إلى آخر نظرًا للقرب الشديد بين الحاضرين، والقبلات والأحضان، والسلامات والأشواق. وبعد أن ظل الشعب المصري مطيعًا لهذه الإجراءات انتابه الملل. فخرج إلى الشرفات يغني بل يرقص جماعيًّا ليروح عن نفسه. فالبلاد النامية في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية والبعيدة من مركز الحضارة في أوربا وأميركا مثل أستراليا ونيوزيلاندا هي أقل المناطق إصابة بالوباء. قد تكون الأرقام التي تعلنها الحكومات العربية لحالات الإصابة والوفاة غير صحيحة، أو أقل من الواقع، ولكن أرقام منظمة الصحة العالمية تفيد الشيء نفسه، أن الوطن العربي أقل إصابة من أوربا وأميركا، ربما لخوف الشعب العربي من حكوماته.

وقد يفسر بعضهم هذه الظاهرة بأن غضبًا إلهيًّا قد حل بالصين وبالغرب نظرًا لبعدهما من الدين. أما أمة محمد فهي ما زالت بخير بخلاف القلة التي قلدت الغرب أو الشرق في كل شيء؛ لذلك أصيب الغرب بعدوى الكورونا أكثر بكثير مما أصاب الأمة الإسلامية. وهي خير أمة أُخْرِجَتْ للناس. تأمُر بالمعروف وتَنهَى عن المنكر. على الرغم من أنها أغلقت المساجد في صلوات الجماعة. وأولها صلاة الجمعة. ومنعت العمرة خشية العدوى. وأغلقت بيت الله الحرام. ورمضان، الشهر الكريم، قادم. فماذا ستفعل الأمة في هذا الشهر الذي فيه موائد الرحمن للفقراء، وصلوات التراويح، والتهجد والتعبد ليلة نزول القرآن. وفيه العادات الشعبية الجماعية من الزيارات المتبادلة والأعياد والتراحم. وفيه التزاحم على شراء مستلزمات رمضان للإفطار والسحور.

ويقول المؤمنون المتفائلون: ستنتهي هذه الغمة قبل حلول الشهر الكريم. ويعود الناس إلى حياتهم اليومية في العمل لجلب الرزق. ويقول العلماء والأطباء ووزارات الصحة المسؤولة في الدول: قد يبقى الوباء شهرًا أو شهرين، والأكثر تشاؤمًا: سنة أو سنتين. فنحن ما زلنا في البداية.

ما حدث هو مجرد نذير لما سيأتي، جرس إنذار بأن الحياة الإنسانية هشة، وأن الحضارة الغربية أكثر هشاشة. ويقول فريق ثالث: سيتعود الناس على الوباء. كما تعودوا على الفقر والقهر، وغلاء الأسعار، وصعوبة الحياة اليومية، والاعتقال والاختفاء القسري. ولسان حالهم يقول: ما أراد الله وما شاء فعل، حسبي الله ونعم الوكيل، ويوكلون أمرهم لله. وهو المنتقم الجبار من الظالمين. وهو الرحيم الغفور للمؤمنين.

—————————–

رهاب الكورونا الكوني: مقاربة نفسانية/ مصطفى حجازي

إنها لمفارقة أن يكون متناهي الصغر يُهدِّد جِدِّيًّا متناهي الكبر والسطوة

إنه الوباء مالئ الدنيا وشاغل الناس قولًا وفعلًا، لا يترك غنيًّا ولا فقيرًا، ولا بلدًا متقدمًا أو متخلفًا، حتى إنه يتحدى القوى العظمى وأكثر البلاد تقدمًا تقنيًّا وطبيًّا. إنه ذلك الكائن فائق المجهرية الذي لا يكاد يكون حيًّا، كما يقرر العارفون. واللافت هو انتشاره في أكثر المدن تقدمًا وريادية في التقنية كما في سواها من مثل: يوهان الصينية، وميلانو الإيطالية، ونيويورك الأميركية، وهي المدن الأكثر ازدحامًا بالسكان والحركة الاقتصادية. ولقد أصبح يهدد أعتى مراكز رأس المال وأسواقها التي تتربع على عرش السيطرة الكونية. وإنها لمفارقة أن يكون متناهي الصغر يهدد جِدِّيًّا متناهي الكبر والسطوة.

على كل حال ليس هذا هو موضوع هذه المقالة، وإنما سنتاول بالبحث ردود الأفعال النفسية والسلوكية لدى الجمهور مع تفجر ألوان الهلع والقلق والتحوط، وهو ما يشجع علماء النفس على تشغيل عدتهم التحليلية التشخيصية النفسية التي تلقي بعض الأضواء على المحركات النفسية لردود الأفعال تجاه الكورونا، التي تتجاوز النظرة الموضوعية العقلانية إلى هذا الوباء، وقواعد التعامل معه، وقاية ومجابهة وعلاجًا.

ولا بد قبل التوقف عند ردود أفعال الجمهور وتحولها إلى نوع من العصاب الرهابي الجمعي، من الحديث عن دور الإعلام المرئي ومواقع التواصل الاجتماعي على تنوعها؛ إذ لأول مرة في التاريخ البشري يصبح الكل متواصلا مع الكل، والكل متابعًا لأخبار الكل، في نسفٍ لحدود الزمان والمكان، أي في الآن واللحظة.

لقد تحول هذا الإعلام واسع الانتشار والحضور إلى الأداة الكبرى للترويج لأخبار الفيروس ووقائعه على مدى الساحة الكونية. إضافة إلى دور التوعية المهمة للجمهور بطبيعة هذا الفيروس وكيفية نقله وانتشاره وإجراءات الوقاية منه وعلاجه من خلال قائمة طويلة من ظهور الخبراء على الشاشة وتكرار الخصائص وآليات الانتشار وإجراءات التعامل، وهو ما يشكل دورًا فائق الأهمية للتعامل مع هذه الآفة وتثقيف الجماهير بصددها، في بروز نوع من الذكاء المعرفي الجمعي على مدى الساحة الكونية.

إضافة إلى هذا الدور المحوري فإن الإعلام من ناحية التعريف يبحث عن الإثارة ويذكي نارها بغية جذب المزيد من جمهور المشاهدين والمتابعين. لقد تحول الإعلام إلى عملية قصف على مدار الساعة للمشاهدين بأخبار الكورونا وتفشيها بمنزلة الوجبة الإعلامية الأساس. ويصاحبها تشغيل كل مبادئ التضخيم والتهويل والتكرار وعرض الوقائع بمنظورات مختلفة، وصولًا إلى ما يسمى «إدارة الإدراك» الشائعة في الحرب النفسية ومبدئها المعروف بجعل الآخر يفكر كما نريد، في نوع من أسر اهتمام الجمهور من خلال الإثارة المتزايدة للهواجس والمخاوف.

بذلك يعدُّ الإعلام أنه نجح مهنيًّا تبعًا للمبدأ القائل: إن «الخبر الأكثر إثارة وجذبًا هو الخبر الأكثر أهمية». تزداد ساعات المشاهدة ومعها استلاب الجمهور بالشاشات. ويتحول الأمر إلى استغلال قلق الجمهور وهواجسه لتحقيق أكبر قدر من المشاهدة والمتابعة، ومعها الربح بالطبع، إذا تذكرنا أن جل الإعلام العربي تجاري يبتغي الربح في الأساس، بعد أن تراجعت ثقة الجمهور بالإعلام الرسمي.

نتحول الآن إلى بحث ردود أفعال الجمهور تجاه الكورونا، وهي تتفاوت ما بين حالات عدة، من حيث الشدة ودرجة التأزم، كما تتفاوت من حيث المنحى وما يحتاجه من إجراءات. هناك بادئ ذي بدأ فئة اللامباليين الذين لا يأخذون خطورة العدوى على محمل الجِدِّ، أو هم إذا فعلوا فإن هذه الخطورة تظل نظرية. ويندرج ضمن هؤلاء فئتان: الأولى تقدر خطورة العدوى إلا أنها بإزاء مأزق معيشي يحتم على أفرادها الخروج من العزل الاختياري وتجنب الاختلاط سعيًا وراء الرزق، من مثل العمال المُيَاومين الذين يكسبون قوت يومهم يومًا بيوم. ولذلك فهم مضطرون للمخاطرة التي يقدرونها، ولكنهم يتحملونها كي يؤمنوا قوت عيالهم.

يتعين أن تسارع السلطات وهيئات المجتمع المدني إلى توفير صناديق الدعم لهذه الشريحة لتأمين موارد العيش ليس من باب الصدقة والإحسان وإنما لحمايتهم وحماية المجتمع من العدوى وتفشي الإصابات وكلفتها العالية، واحترام لكرامة الإنسان، المواطن في المقام الأول.

أما الفئة الأخرى فتصرُّ على عدم الالتزام بالحجر الذاتي وبمقادير متفاوتة، ومن دون أن تكون مضطرة للخروج من الحجر الذاتي. إنها تستهين بالخطر تمسكًا بنمط حياتها المعتاد. يبقى خطر الإصابة لدى هذه الفئة نظريًّا وتظل روادعه غير فاعلة.

التنكر للخطر الفعلي

نحن هنا بإزاء حالة التنكر للخطر الفعلي في نوع من وهم الحصانة الذاتية: «العدوى تصيب الآخرين وليس نحن»، تمامًا كعدم تقدير خطورة التهور في قيادة السيارة، حيث يرى الواحد من هؤلاء أن الحادث الخطير أو المميت يصيب الآخرين. إننا هنا بإزاء التنكر للإصابة أو الموت الذاتي. وهي آلية نفسية معروفة تحمي صاحبها من الوقوع في براثن القلق الذي يشكل السلوك.

تحتاج هذه الشريحة إلى ممارسة السلطات للردع الحازم حفاظًا على السلامة العامة والوقاية من تفشي العدوى. وهناك في المقابل عدد من الحالات ذات ردود الأفعال التي تدخل ضمن الاضطراب النفسي لجهة الهلع والوساوس والقلق وفرط التحوط. في حالات الهلع يحس الشخص أن الخطر أصبح داهمًا وأنه سيصاب بالعدوى وآثارها المميتيْنِ لا محالة. فالهلع هو حالة من الذعر الذي يَشَلُّ تصرف الشخص ويشعره بفقدان السيطرة الكلية على الموقف. إنها نوبة من القلق المرضي الحاد تجتاح الشخص؛ إذ تتضخم الأخطار التي تصبح داهمة بشكل يتجاوز كثيرًا تقدير الخطورة الفعلية.

تَشَلُّ حياة الواحد من هؤلاء، دافعة إياه إلى اتخاذ احتياطات حماية من كل شيء حوله، ومن تجنب أي صلة، في حالة من سوء التقدير الموضوعي لما يصادفه، حتى يمكن أن يصادفه. نحن هنا بصدد اضطراب نفسي يتطلب التدخل العلاجي العاجل، ويشكل العلاج المعرفي السلوكي CBT إحدى الطرائق الناجعة على هذا الصعيد.

حالة الهلع هذه تكون ذات أسباب نفسية كامنة، لا يفعل خطر العدوى الواقعي سوى تفجيرها وإسقاط المخاوف المصاحبة لها على هذا الخطر الخارجي.

إضافة إلى رهاب العدوى هناك ردود أفعال نفسية أخرى ذات أصل نفسي جُوَّانِيّ تفجرها أخطار العدوى والإصابة. وهنا يتخذ الأمر حالة اضطراب وسواسي قهري OCD المتعارف عليه في الدليل الإحصائي التشخيصي المعروف عالميًّا تحت اسم ASMD الذي طوَّرته الرابطة الأميركية للطب العقلي الأميركي. وانطلاقًا من هذه الفئة الوسواسية القهرية أطلقت من جانبي على هذه الحالة تسمية COD أي اضطراب الكورونا الوسواسي.

تتمثل أبرز تجلياتها في هوس النظافة والتعقيم المتكرر لليدين والجسم وكل أدوات المنزل ومقابض الشبابيك والأبواب أكثر من مرة يوميًّا. وبعد كل مرة يعتقد الواحد من هؤلاء أن هناك شيئًا قد أفلت من التعقيم، أو هو تعرض للتلوث من جديد لأي سبب كان. وتستحوذ هذه العملية على نشاطه اليومي في المنزل خصوصًا من دون أن يرتاح أو يطمئن.

الجحيم هو الآخر

وقد يندرج وسواس العدوى ضمن هذه الحالة، ويؤدي إلى سلوكات تجنب للآخرين، إضافة إلى وسواس النظافة والتعقيم، بوصفهم مصدر خطر عدوى داهم. وهنا تبرز سلوكات الارتياب الذي قد يصل حدًّا هذيانيًّا اضطهاديًّا. ويقع الواحد من هؤلاء في قولة سارتر: «الجحيم هو الآخر»، وهو ما يدفع به إلى العزلة وعدم الخروج والاحتكاك بالناس، وإن اضطر للخروج فإنه يتسلح بكل عدة الحماية من العدوى، ويظل رغمًا عنه يخشى الأذى.

وهنا قد نصل إلى حالة رهاب الفسيح الذي يطلق عند المريض من هؤلاء حالة ذعر شديدة تدفع به إلى المسارعة إلى الاختباء في المنزل، أو هو يخشى الخروج منه تجنبًا لنوبة الهلع هذه. مختلف هذه الحالات هي بدورها مجرد إسقاطات نفسية على الكورونا وخطر عدواها، إذا بلغت هذا المستوى من الاضطراب. يكون لدى الواحد من هؤلاء صراعات نفسية مزمنة تظل كامنة في الحالات العادية ويأتي خطر العدوى بالكورونا، وهو خطر واقعي إجمالًا كي يفجرها في حالتها المرضية والمبالغ فيها هذه.

وهي تحتاج إلى تدخل نفسي علاجي. تمثل فنية إيقاف التفكير المتلازمة مع الاسترخاء وسيلة مجدية في هذه الحالة. وبمعزل عن هذه الحالات النفسية المرضية، تنتشر مشاعر الضغوطات النفسية لدى شريحة من الناس بسبب القلق على الذات والأسرة والآخرين، وكذلك بسبب، ما تحمله عمليات التهويل الإعلامي، وما ينجم عن الحجر المنزلي الاختياري من تعطيل للمصالح ونمط الحياة المعتاد. وتعرف الضغوط النفسية بأنها تلك الحالة التي تتجاوز فيها الشدائد المادية والموضوعية قدرة الشخص على التعامل معها والسيطرة عليها.

وكلما اختلَّت معادلة الشدائد في مواجهة القدرة على السيطرة ازدادت درجة الضغوط، والعكس صحيح. تتمثل خطورة الضغوط في إفراز هرمون الكورتيزول وهو الهرمون الذي يفرزه الجهاز الهرموني لمقاومة الأخطار. ولكن في حالتنا هذه يؤدي هذا الهرمون إلى تدني قوة جهاز المناعة الذي يمثل خط الدفاع الأول والأقوى ضد الفيروسات وسواها من الآفات. وبالتالي فانخفاض قوة المناعة ستجعل الفيروس يتفشى ويسرح ويمرح. ولذلك ينصح خبراء الصحة في هذه الحالة بتقوية جهاز المناعة بالوصفات المعروفة. على الصعيد النفسي تشكل تدخلات التنفس العميق والاسترخاء والتأمل وحسن التغذية والنوم الجيد والرياضة وتنشيط الدورة الدموية وسائل وقاية وحماية فاعلة؛ لأنها كلها تقوي جهاز المناعة، ويعززها جميعًا مشاعر الإيمان وكل ما يدخل السكينة والطمأنينة إلى النفس. وكلها يتعين أن تصاحب بالضرورة اتخاذ الاحتياطات الوقائية الواقعية القائمة على الأسس الصحية الموضوعية.

حالة السجين

يؤدي الحجر المنزلي الطوعي كما المفروض بحثًا عن التباعد في الاحتكاك الذي قد يحمل العدوى، إلى بروز مختلف حالات الضيق التي تتكاثر فيها شكوى الناس العاديين من الناشطين اجتماعيًّا، والتي قد تصل في بعض الحالات إلى المعاناة من حالة السجين.

تنتج هذه المعاناة من اختلال جدلية «الحميمية – الانطلاق» التي تعمل على توازن وتائر الوجود الإنساني. يُراوِح الوجود المتوازن في توزع أنشطته ما بين هذين القطبين. في الانطلاق يخرج الإنسان من قوقعته إلى العالم الخارجي الرحب فيخوض غمار أنشطة الدنيا وتحدياتها ومجابهاتها وإنجازاتها، كما خيباتها. إنه قطب التوسع والنماء والامتلاء وتحقيق الذات وبناء المكانة، وتوسيع العلاقات والتفاعلات والاستكشاف وتجريب الجديد والدخول في تحدياته وبناء العالم الذاتي. ويندرج في هذا المحور كل من السفر والسياحة والمغامرة والتعرف إلى الدنيا الواسعة.

ويعود الإنسان بعد خوض غمار الحياة وتحدياتها إلى قوقعته، منزله وركنه المحبب فيه، فأشيائه الخاصة وممارسته أشياءه المحببة، وطقوس حياته الحميمة، والتمتع بمشاعر الراحة والأمان والطمأنينة: إن له منزله وحياته الخاصة، كما يقول التعبير الفرنسي الشائع.

تجد الحياة توازنها من خلال تكامل جدلية الحميمية ـ الانطلاق هذه. كلنا عايش شوق العودة إلى الوطن والدار والركن الحميم بعد سفر يطول أو يقصر وبعد خروج إلى مجابهات الحياة، فيحط رحاله ويشعر بامتلاء وجوده. ولو لم يعد إلى داره وركنه الحميم وبقي على انطلاقه فسيتحول كيانه إلى حالة من الضياع على غرار الملاح التائه الفاقد للجذور والارتباط. وفي المقابل فهو إن قبع في داره لا يبرحها مرغمًا لأي سبب من الأسباب، ولم يخرج إلى الدنيا ويخوض غمارها فإنه سوف يعايش حالة السجين المهمش والممنوع من حياة الانطلاق. معظم الناس يخبرون ما بين الحين والآخر كلًّا من هاتين الحالتين.

يؤدي الحجر المنزلي الطوعي أو المفروض بسبب الكورونا إلى اختلال جدلية الوجود هذه: «الحميمية ـ الانطلاق». ومن هنا تتصاعد أحاسيس السجن أو شبيهة بها، ومعها تتصاعد مشاعر الملل والضيق وشكوى انحسار الوجود التي يعبر عنها الكثيرون من أصحاب الوجود المليء بالانطلاق وخوض غمار الدنيا. وتزداد هذه الحالة من الضيق والتبرم حتى تصل إلى الاكتئاب نظرًا إلى أن الحجر المنزلي يبدو أنه قد يطول، ويزداد تشددًا، وهو ما يفاقم حالة الاكتئاب التي تعبر عن اختلال جدلية الوجود.

يحتاج علاج حالات الضيق والاكتئاب إلى تعديل البرنامج الحياتي للحد من إثارة السلبية على الصحة النفسية، وبالتالي على قوة جهاز المناعة الأكثر تأثرًا بحالات الاكتئاب هذه.

على الإنسان أن يعيد تنظيم حياته ووتائرها كيما يتمكن من الصمود. وفيها على سبيل المثل ألّا يترك نفسه تقع ضحية التهويل الإعلامي الذي يقصف الجمهور على مدار الساعة. يكفيه أن يمارس الموضوعية العقلانية من خلال تطبيق إجراءات الحماية والوقاية التي أصبحت معروفة ولا يترك نفسه تقع ضحية التهويل. فالآفة معروفة وحدودها وطرائق التعامل معها معروفة، وأما التهويل وإثارة الهواجس فلا جدوى منها. يضاف إلى ذلك إعادة برمجة حياته وبرنامجه اليومي وملئها بأنشطة محببة تفرج الضيق، تبعًا لميول كل شخص واهتماماته.

ويمكن فوق ذلك تحقيق المزيد من الكسب الكياني بتحويل أزمة الحجر المنزلي إلى فرصة من خلال الانخراط في مشروع كان مستبعدًا لضيق الوقت. وخصوصًا أن إنسان العصر الرقمي أصبح موصولًا في الزمان والمكان بفضل الثورة الرقمية وإنجازاتها المدهشة.

إننا دخلنا في عصر الإنسان الموصول على مدار الساعة، بما يكسر عزلة الحجر المنزلي. وهناك الكثير غيرها التي تجعل الوجود مليئًا. على المرء أن يفتش عنها في عالمه. وهنا تحمل لنا معطيات علم النفس الإيجابي والتفكير الإيجابي الكثير من الإمكانات التي قد تكون خفية في عالمنا وتحتاج إلى التنقيب عنها واستثمارها. فالفرص موجودة دائمًا ولكنها خفية، فإذا نقَّبنا عنها وسلَّطنا أضواءنا الكاشفة على مكامنها الخفية فسنظفر بالعديد منها لا محالة.

علينا باختصار تحويل الأزمة إلى فرصة، كلٌّ منا، تبعًا لشَرْطِهِ الوجودي.

——————————-

المثقفون على ضفتي الأطلسي في مواجهة كورونا/  ديمة الشكر

سقوط الحضارة اليهودية – المسيحية

إنها دوامة كورونا التي يدور العالم برمته في فلكها، الجميع موجود فيها والجميع متفرج أيضًا؛ إذ لا يبدو في الأفق القريب مخرج من هاوية الفيروس، أضف إلى ذلك أن الإجراءات المتبعة في بلدان عديدة، مالت صوب الحجر الصحي والعزل ومنع التجول في غير ما بلد. للأسف، يتميز زماننا بإهمال وجهة نظر المفكرين والعلماء، بل تبخيسها حقها، مع ذلك فإن إطلالة على مواقف المثقفين ومقالاتهم، سيكون مفيدًا لتأكيد أن شيئًا لا يعلو العلم والمنطق والتفكير النقدي.

الفيلسوف الفرنسي الأشهر ميشيل أونفراي، لم يتردد في القول في إحدى مقالاته: «ليس كورونا فيروسًا ووباءً طبيًّا فحسب، بل هو استعارة: مجاز لما أصبحت عليه فرنسا». وزاد في الأمر تصريحاته للمجلة الأسبوعية لو بوان، وانتشرت على نطاق واسع: «بالطريقة نفسها التي أظهر بها سقوط الاتحاد السوفييتي أوهام الغرب لأزيد من نصف قرن حيال هذه الإمبراطورية الماركسية اللينينية التي تحولت إلى نمر من ورق، فإن الوباء يظهر بقسوة سقوط أوربا الماستريختية التي تُقَدَّمُ منذ أكثر من ربع قرن على أنها عملاق اقتصادي من شأنه التصدي لكبرى إمبراطوريات العالم: فهي غير قادرة على صنع الكمامات وتوفيرها للعاملين في القطاع الصحي، ومستقبلي الوباء! إيطاليا التي هي جزء من الاتحاد الأوربي ويبلغ عدد سكانها 60 مليون نسمة، لديها عدد وفيات جراء فيروس كورونا أكثر من الصين التي يبلغ عدد سكانها مليارًا و300 مليون نسمة! وبناءً عليه فإن أوربا قد أضحت العالم الثالث الجديد».

وقد أدرج أونفراي الأزمة بنطاق أوسع حين عدها «ضمن مسألة انهيار الحضارة اليهودية – المسيحية التي تطرق إليها في كتابه «الانحطاط». ولا يبدو أونفراي بتصريحاته اللاذعة كذلك ضد سياسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حالة خاصة، فها هو الكاتب والاقتصادي الشهير جاك آتالي يقول :«إذا كشفت السلطات القائمة في الغرب عن أنها غير قادرة على السيطرة على المأساة التي بدأت توًّا، فإن نظام السلطة برمته وجميع أسس السلطات الأيديولوجية ستكون موضع مساءلة، وسيُستبدَل بعد وقت عصيب نموذج جديد قائم على سلطة مختلفة وعلى الثقة بنظام قيم آخر مختلف. وبعبارة أخرى من الممكن أن ينهار نظام السلطة القائم على حماية الحقوق الفردية. وبانهياره تنهار معه الآليتان اللتان وضعهما: السوق والديمقراطية، حيث هما طرق لإدارة تقاسم الموارد الشحيحة مع احترام حقوق الأفراد».

استشراف عالم ما بعد الكورونا

بيد أن توجيه الانتقاد إلى النظام الغربي برمته، لن يجيء إلا مترافقًا مع استشراف عالم ما بعد الكورونا، وضمن هذا السياق، يبدو جاك آتالي ميالًا للتفاؤل إذ يقول: «حين سيبتعد الوباء، سنشهد ولادة شرعية جديدة للسلطة: وستكون مؤسسة لا على الإيمان، ولا القوة، ولا العقل ولا على النقود بالطبع. ستؤول السلطة السياسية لهؤلاء الذين عرفوا كيف يظهرون التعاطف تجاه الآخرين، ستكون القطاعات الاقتصادية السائدة: الصحة، الضيافة، الغذاء، التعليم والبيئة».

استشراف عالم ما بعد الكورونا، ووضع أزمة الحضارة الغربية في سياقها المعولم وتحدياتها التقنية، كان البحث الأقوى والأكثر انتشارًا الذي كتبه المؤرخ الإسرائيلي يوفال نوح هراري، ونشرته يومية الفاينانشال تايمز البريطانية المرموقة: «نواجه خيارين مهمين بشكل خاص. الأول بين الرقابة الشاملة وتمكين المواطنين. والثاني بين العزلة القومية والتضامن العالمي… إن لم نكن حذرين، فقد يمثل الوباء فاصلًا مهمًّا في تاريخ المراقبة… وإحدى المشكلات التي نواجهها في فهم أين نحن من المراقبة، هي أن أحدًا منا لا يعرف بالضبط كيف نُراقَبُ، وما قد تجلبه السنوات المقبلة».

ويلفت هراري النظر إلى أن «التدابير المؤقتة لها عادة سيئة في تجاوز حالات الطوارئ، وبخاصة أن هناك دائمًا حالة طوارئ جديدة تكمن في الأفق. حتى عندما تنخفض الإصابة بفيروس كورونا إلى الصفر، يمكن لبعض الحكومات المتعطشة للبيانات أن تجادل بأنها بحاجة إلى إبقاء أنظمة المراقبة البيومترية؛ لأنها تخشى حدوث موجة ثانية من كورونا، أو لأن ثمة سلالة جديدة من فيروس إيبولا تتطور في وسط إفريقيا، أو لأي سبب آخر».

ولئلا يبدو المؤرخ أَمْيَلَ للتشاؤم من ناحية هو يرسم أجواء المراقبة الكلية الشبيهة بأجواء رواية جورج أورويل الشهيرة (1984م)، يقترح هراري تفعيل الثقة -وقد فقدت- بين الناس والسلطة والعلم ووسائل الإعلام «قوض السياسيون غير المسؤولين عمدًا الثقة في العلوم والسلطات العامة ووسائل الإعلام. والآن قد يميل هؤلاء السياسيون غير المسؤولين إلى السير في الطريق السريع نحو الاستبداد، بحجة أنه لا يمكن الوثوق بالجمهور لفعل الشيء الصحيح» أما الخيار الثاني فيبدو هراري مروجًا له: «الخيار الثاني المهم الذي نواجهه هو بين العزلة الوطنية والتضامن العالمي. إن كلًّا من الوباء نفسه والأزمة الاقتصادية الناتجة عنه مشكلتان عالميتان. لا يمكن حلهما بشكل فعال إلا من خلال التعاون الدولي». وينهي مقاله بالدعوة إلى التضامن العالمي: «تحتاج البشرية إلى الاختيار. أنسير في طريق الانقسام، أم سنتبنى طريق التضامن العالمي؟ إن اخترنا الانقسام، فلن يؤدي ذلك إلى إطالة أمد الأزمة فحسب، بل سيؤدي على الأرجح إلى كوارث أسوأ في المستقبل. وإن اخترنا التضامن العالمي، فسيكون هذا النصر ليس فقط ضد كورونا، بل ضد جميع الأوبئة والأزمات المستقبلية التي قد تهاجم البشرية في القرن الحادي والعشرين».

أجواء الرقابة الكلية الشاملة التي شغلت المؤرخ هراري وغيره من الكتاب والمفكرين، ما كان من الممكن أن تمر من دون تعليق أحد أشهر الشخصيات المعبرة عن عصرنا الأميركي: إدوارد سنودن، الذي حذر من أن دول المراقبة التي ننشئها الآن سوف تستمر حتى بعد فيروس كورونا «وأنه بمجرد إخراج تقنيات المزج بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي- من بينها مثلًا خاصية التعرف إلى الوجوه- من «الصندوق» سيكون من الصعب إعادتها».

الاتفاق الأخضر الجديد

بيد أن المساءلة القوية للنظام الرأسمالي الليبرالي المتوحش، لم تأت بشكل مباشر من مفكري القارة العجوز، بل من الولايات المتحدة الأميركية، مثل الكاتبة والناشطة الشهيرة ناعومي كلاين المعروفة بكتبها ومواقفها المناهضة لسياسة بلادها الاقتصادية. ناعومي كلاين فندت خيارات الرئيس دونالد ترمب الأولية بمواجهة فيروس كورونا، من ناحية ميله لإنقاذ الاقتصاد أولًا؛ إذ بينت أنه يهدف إلى إنقاذ انتقائي، يَعْمِد بموجبه إلى ضخ النقود لصناعة السفن والطائرات مثلًا بدلًا من توجيهها نحو الفئات الأضعف، وخصوصًا المياومين ومن لا يحظون بتأمين صحي، وستضع ناعومي الأزمة في سياق أميركي وعالمي من الأمس القريب منطلقة من الأزمة المالية عام 2008م: «نحن نعرف سيناريو عام 2008م، وهي المرة الأخيرة التي شهدنا فيها انهيارًا ماليًّا عالميًّا، حيث راجت أنواع الأفكار السيئة نفسها عن عمليات إنقاذ الشركات.. ودفع الناس العاديون الثمن.

في كتابي «عقيدة الصدمة: صعود كارثة الرأسمالية» وصفت التكتيك القاسي الذي تلجأ إليه حكومات اليمين المتطرف. فمن بعد حادث- صدمة، مثل حرب، أو انقلاب، أو هجوم إرهابي، أو انهيار في الأسواق أو كارثة طبيعية، فإن الحكومات تستغل ارتباك الناس، وتعلق العمل بالديمقراطية، وتدفع باتجاه سياسات السوق الحرة الراديكالية التي تثري 1% على حساب الفقراء والطبقة الوسطى».

لكن الكاتبة تستدرك وتقدم حلًّا من خلال مثال آخر من الأمس القريب وكيف أن أزمة عام 1929م والكساد الكبير في الثلاثينيات من القرن المنصرم، قد أدَّيَا على العكس إلى تغيير في النظام القائم ونهضة اجتماعية واقتصادية، وصفتها كلاين بـ«القفزة التطورية»؛ إذ قامت الحكومات وقتها بإنشاء شبكات أمان اجتماعية تنقذ المواطنين إبان الأزمات الكبرى مثل الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي. وتذهب كلاين أبعد من ذلك حين تطرح حلًّا من وجهة نظر اقتصادية، تسميها الاتفاق الأخضر الجديد، فبدلًا من إنقاذ الصناعات القذرة من القرن لماضي، «علينا تعزيز الصناعات النظيفة التي ستقودنا إلى بر الأمان في القرن المقبل». الانحياز لبيئة وصناعات نظيفة واقتصاديات شفافة هي من الحلول المطروحة، فضلًا عن صواب المفكرين بانتقاد الحكومات التي تراكم الأسلحة وتكدسها وتهمل قطاعًا صحيًّا يستفيد منه كل الناس، ليغدو عاجزًا حتى عن توفير الكمامات.

———————————–

الأدب ضدّ الوباء أو الوجه المشرق من الكارثة/ أمّ الزين بنشيخة المسكيني

كلّ شيء ينبئ في نظر بعض العلماء والمفكّرين بأنّ هذه الحضارة تنحو سريعًا نحو الانهيار التام. الأزمة الإيكولوجية واستنفاد خيرات الأرض وثقب الأوزون الذي يهدّد بسقوط السماء فوق رؤوسنا… الأزمة الاقتصادية وسقوط بلدان برمتها في الفقر الفاحش وفي ديون لا تنتهي للبنك الدولي… الإرهاب العالمي المعولم الذي يهدّد بتفجير صورة العالم الحديثة حيثما شاء… بعضهم تحدّث عن نهاية العالم، وبعض آخر انخرط في تخيّل الحياة بعد نهاية العالم كما تفعل السينما الهوليودية منذ ثمانينيات القرن الماضي… لكن كيف ستكون نهاية العالم أو انهياره؟ أغلبهم توقّع أنّها ستكون نهاية نووية أو إيكولوجية.

لكن أن ينهار العالم بسبب فيروس يهاجم الحياة فجأة ويفتك بها حيثما حلّ..هذا هو ما يوقع هذه الأيّام الفزع العالمي من فيروس لا مرئي يداهم المدائن ولا يترك غير جثث الموتى والرعب الكوني. وفجأة يصبح الرعب هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس. بعض المفكّرين فسّر هذه الكارثة الوبائية بأنّها حرب جرثومية يشنّها قادة الإمبريالية العالمية ضدّ الأجسام العارية إلا من مجرّد الحياة، وذلك من أجل إعادة بناء النظام الرأسمالي وبرمجة أجنداته وخرائطه ومصالحه الاقتصادية. أمّا العلماء فقد انصرفوا للعمل على إيجاد اللقاح المناسب لمقاومة المرض.

لكن بين نظريات المؤامرة وخرافات العوام والمشعوذين وطموح العلم إلى الانتصار الطبي على الوباء يفترع الأدب لنفسه دومًا منزلة استثنائية: إنّه يتقن التقاط تفاصيل الوضعيات القصوى، والتوغّل في ظلمة سراديب الألم، فهو اقتدار على رسم تجليات الرعب كما تذهب إلى ذلك جوليا كريستيفا عادَّة الفنّ والأدب خاصّة «مبحثًا أنطولوجيًّا» يصاحب الأفراد في هشاشتهم وفي رعب المعاناة التي يعيشونها. وهي معاناة خاصة بعصر الكوارث من قبيل ما عاشه العالم بعد الحربين العالميتين من أزمة وجودية وضعت معنى الوجود الإنساني موضع سؤال وجعلت الأدباء ينخرطون في أدب العبث.

وهو أدب تجلى في فنّ الرواية والمسرح والشعر وظهر مع ألبير كامو وصامويل بيكت وسارتر وليونسكو… وفي هذا السياق مثّلت رواية الطاعون لكامو التي صارت الأكثر قراءة في هذه الأيام، براديغمًا استثنائيًّا للكتابة في زمن الكارثة، بحيث يمكن لهذه الرواية أن تمثّل نموذجًا فنّيًّا لتخييل ما يحدث لنا اليوم. إنّ الأطروحة التي سنختبرها في هذا المقال هي الآتية: أنّ الأدب إنْ كان لا يمنحنا حلولًا لهذه الكارثة الوبائية العالمية فهو يمنحنا إجابات عن خوفنا وهلعنا إزاء شبح الموت الذي يهدّد الجميع. لكن كيف الكتابة عن الأوبئة؟ وأيّ نوع من السرد يمكنه احتضان مساحة الألم التي تعيشها الأجسام المريضة وهي على حافَة الهلاك؟ إنّ تسريد الموت كأفق وحيد للكارثة الوبائية يفترض تصورًا دقيقًا للإنسان بوصفه جسمًا حيًّا فقط أي مساحة جرثومية مفتوحة على الفيروسات القاتلة.

يذهب الفيلسوف الإيطالي المعاصر جورجيو أغمبان في كتابه «الإنسان المهدور دمُهُ: سلطة السيادة ومجرّد الحياة»، إلى أنّ الأفراد تحت سيادة حالة الاستثناء التي دخلت فيها الإنسانية الحالية قد صاروا إلى ضرب جديد من «الإنسان المهدور دمُهُ»، الذي يجسّده المنفيون واللاجئون والمرحّلون.. وكلّ الذين يهربون من بلدانهم التي صارت تضيق بهم. من ذلك ما يحدث منذ سنوات تحت راية سفن الموت والمنتحرين غرقًا، وفي هذه الوضعية الاستثنائية التي تمثّل ضربًا من المنفى العالمي المعمّم يعيش الفرد مفارقة مقلقة: فهو على الرغم من كونه لا يزال يستأنف حياته بالمعنى البيولوجي للكلمة، فهو لا يملك حياة سياسية.

لقد صار إذن الإنسان إلى مجرّد الحياة. لكن يبدو أنّ الإنسانية اليوم في سياق هذه الحرب الجرثومية المرعبة، قد صارت مهدّدة حتى في مجرّد الحياة، أو في الحياة العارية من كلّ طموح غير قيد الحياة في المعنى البيولوجي المحض. لقد حوّل فيروس كورونا البشر إلى أموات مع تأجيل التنفيذ، وأقحم الجميع في حالة من الحجر والتعطيل لكلّ أنماط الحياة المشتركة. إنّ هذا الوباء العالمي يدفعنا إلى تنزيل هذا الوضع العام ضمن براديغم معارك الحياة ضدّ معارك الهويّة أو «حروب المناعة ضدّ معارك الجماعة» وفق عبارة رشيقة للمفكّر التونسي فتحي المسكيني الذي يكتب في مقال له عن الفلسفة والكورونا أنّ البشر قد صاروا اليوم إلى «مجرّد مساحة بكتيرية أو فيروسية عابرة للأجسام الحيوانية» وأنّه قد انتُقِلَ منذ اكتشاف الفيروسات بتاريخ 1892م من عصر الأمراض التقليدية بحيث تصبح أجسامنا «مساحة عدوية مفتوحة لا معنى فيها لأيّ احتياط أخلاقي».

وفي الحقيقة لقد دخلت الإنسانية منذ ثورة الجينوم ضمن براديغم بيوسياسي وفق تشخيص لميشال فوكو يستأنفه جيورجيو أغمبان الذي يقول: «إنّ عتبة الحداثة البيولوجية بحسب فوكو، إنّما تتنزّل هناك حيث يصير النوع البشري والفرد بوصفهم مجرّد أجسام حيّة رهانًا للإستراتيجيات السياسية». إنّ تسييس ميدان الحياة وجعل البشر مجرّد أجسام حيّة تحت سلطة السياسة التي صارت هي بدورها جهازًا للتحكّم بالأجساد بوضعها تحت المراقبة البيوسياسية، هو ما يجعل الكارثة الوبائية كارثة سياسية بامتياز. يقول أغمبان حول هذا البراديغم البيوسياسي: «… إنّ تسييس الحياة العارية بما هي كذلك إنّما يمثّل الحدث الحاسم للحداثة». لكن إذا كان للسلطة سياساتها الخاصة بالأجسام الحية، فإنّ للأدباء أيضًا بحسب أطروحة ينظّر لها الفيلسوف الفرنسي جاك رنسيار، سياسة خاصة بالأدب الذي «يمارس السياسة بوصفها أدبًا».

ما سياسة الأدباء إزاء الوباء؟ ومن أجل الانخراط ضمن هذا السؤال سنتولى في هذا البحث استعادة رواية الطاعون لألبير كامو بوصفها قد صمّمت براديغمًا سرديًّا فريدًا يتعلّق بأدب الأوبئة ويمكنه حينئذ أن يساعدنا في اختراع أفق رمزي لمقاومة الكورونا بالفنّ والخيال واستعادة العالم على نحو تخييلي أيضًا. سوف نختبر معًا إلى أي مدى يستطيع الأدب من خلال هذه الرواية أن يصاحبنا في جحيم الوضعيات العبثية القصوى، كيف للأدب أن يُخاتل الموت بالسرد وبالتضامن وبالتصالح مع الألم إلى حدّ الشعور بالارتياح ضمن الرعب. من أجل ذلك سنقرأ معًا هذه الرواية وسنسير في تضاريسها الوعرة ونتعلّم كيف نحيا مع الوباء وكيف نصارع من أجل الانتصار عليه معًا. وسيكتشف القارئ كم يمكن لهذه الرواية أن تشبه وجه العالم في زمن الكورونا: سياق كولونيالي عالمي، وباء مصدره حيواني، وحيث يقع ذكر تجربة الصين مع الوباء، إضافة إلى تجارب العزل والحجر والألم وشبح الموت الذي يسطو على مناخ الرواية وشخصياتها وأحداثها.

شخصيات معطوبة وحبّ مستحيل

تمثّل رواية الطاعون أوّل تجريب قصصي في أدب العبث ذات موضوع خاص بالوباء. وهي رواية صمّمها ألبير كامو في خمس لوحات سردية تنتمي إلى جنس الرواية الدرامية ذات الحبكة السردية. وتقع أحداث الرواية في مدينة وهران الجزائرية سنة 1940م حيث تفشَّى الطاعونُ بين سكان المدينة مما أجبر السلطات على غلق المدينة وعزلها. ويمثّل الدكتور برنار ريو بطلًا لهذه الرواية، وهو طبيب مطالب طيلة أحداث الرواية بمقاومة عدوى الطاعون ومساعدة المرضى ورعايتهم ومحاولة شفائهم. والطريف هو أنّ هذا الطبيب لا يؤمن بأيّ تبرير ميتافيزيقي لهذا الوباء القاتل ويتخاصم في ذلك مع الكاهن بانولو. وهي بذلك رواية تصوّر الطابع العبثي والتراجيدي للوجود الإنساني: فالبطل طبيب يقضي حياته في مداواة المرضى لكنّه ليس قادرًا على مداواة زوجته التي تموت وحيدة في مدينة أخرى بعيدة منه. والأب بانولو الذي يعتقد أنّ الطاعون هو لعنة الربّ على خطايا البشر، يلقى حتفه إثر مشهد طفل بريء يقتله الطاعون، كأنّما هو بذلك يكتشف عبثية القدر الإلهي وانهزام التبرير اللاهوتي إزاء الوباء. كاتارو الشخصية الكلبية التي استغلّت الوضع بشكل انتهازي فراح يستثمر في آلام الآخرين بالتجارة الموازية، انتهى مجنونًا. تارو الذي ساعد الطبيب ريو على إدارة مؤسسة صحية للتخفيف من معاناة المرضى ومساعدتهم في محنتهم مع الوباء، يموت أخيرًا هو الآخر بالطاعون. ريو الطبيب الذي يأتيه، خبر وفاة زوجته بعد صراع طويل مع المرض. ههنا كلّ الشخصيات معطوبة وأقدارها لا معقولة والسعادة لديها مستحيلة. ذاك هو معنى العبثية كجنس أدبي جسّدته رواية الطاعون التي توقّع على نحو نموذجي عبثيّة الوباء نفسه بما هو كارثة تحدث للبشر على نحو غير معقول وغير متوقّع وتراجيدي بامتياز.

قبح المدينة

كلّ ذلك يظهر منذ بداية الرواية التي تنفتح على وصف للمدينة التي أصابها الطاعون: «مدينة عادية» وهي أيضًا «مدينة قبيحة» وهي مجرّد مستعمرة على شاطئ جزائري. هي وهران مسرح الرواية حول الطاعون ومسرح الطاعون كما حدث فعلًا في ربيع 1940م. ويوغل ألبير كامو في وصف هذه المدينة بالهدوء والقبح وتفاهة مظهر الحياة معًا فهي «مدينة بلا حمام ولا أشجار ولا حدائق، حيث لا خفقات أجنحة ولا حفيف أوراق»..ربيعها «يُباع في الأسواق» وخريفها «فيض من الوحل»، لا شيء يتقنه أهلها حتى الحب لأنّهم منغمسون في التجارة وكسب المال. أمّا أكثر الأشياء طرافة في هذا الفضاء السردي للمدينة قبل أن يفتك بها الطاعون فهي «الصعوبة التي يمكن أن يلقاها الناس بأن يموتوا». وسيعرف القارئ لهذه الرواية أنّ المدينة ستدخل في معاناة طويلة مع الموت تستغرق حياة برمّتها، حياة القصّة نفسها التي لا موضوع لها غير الطريقة العبثية التي سيموت بها الناس بالطاعون.

هنا سياق الرواية التاريخي سياق استعماري في عالم لم يخرج بعدُ من الحرب العالمية الثانية. إنّه سياق الموت كعلامة كبرى على عصر الكارثة بوصفها قد دفعت العالم إلى شكل جديد من الموت يصفه كامو بالموت العصري. لذلك من المزعج جدًّا أن يموت الشخص في مدينة كهذه «حتى ولو كان موتًا عصريًّا». وما أشبهه بعالمنا في هذا الزمن الكولونيالي الموحش حيث لا شيء يعلو فوق سلطة رأس المال وأجنداته المفزعة. هدوء المدينة ورتابتها وقبحها وضجر الحياة فيها كلّها مقدّمات سردية لتناقض سردي يعدّ له المؤلف بكل حنكة: «لم يكن ثمّة شيء يدفع مواطنينا إلى ترقّب الأحداث التي وقعت في ربيع ذاك العام». إنّ للطاعون إذن سياسته الوبائية الخاصة: إنّه يحدث على نحو لا متوقّع، فيظهر على نحو صادم بحيث يحدث اختلالًا على نمط حياة المدينة التي يصيبها. هدوء المدينة وقبحها وتفاهة الحياة فيها كلها عناصر لا تنبئ بأيّ تغيّر.

أصل الوباء حيواني

إنّ الطاعون يحدث فجأة دون أيّ شكل من التبرير الميتافيزيقي ولا اللاهوتي. هو يحدث من جهة مغايرة لكل مخيال عقائدي جاهز. إنّ للوباء أسبابًا حيوية خالصة: إنّه يأتي من مجال الحياة. وهنا يظهر أوّل «جرذ ميّت في وسط سطيحة الدرج» منذ السطر الأوّل من بداية الرواية. تنفتح الرواية إذن على واقعة عبثية لا تسترعي اهتمام الطبيب برنار ريو لأوّل وهلة لذلك يقول: «فأزاحه على التوّ من غير أن يكترث له، وهبط السلّم.. وقر له أنّ هذا الجرذ لم يكن في محلّه..». أمّا عن بواب العمارة فظنّ أنّها «قضية مزاح أو دعابة». بحيث «لم يكن في البيت جرذان، ولا بدّ أن يكون هذا الجرذ قد نُقِل من الخارج». وتتواصل حكاية موت الجرذان وظهورها أمام الطبيب لكن لم يكن الطبيب يتوقع أنّ الأمر يتعلق بعلامات حيوية على مرض الطاعون. «وفي المساء نفسه، كان برنار ريو واقفًا أمام البناية ..فرأى جرذًا كبيرًا» هذا الجرذ الثاني هو علامة حاسمة لأنّه سقط ميّتًا أمام الطبيب «وسقط أخيرًا وهو يرسل الدم من شفتيه». لكنّ الطبيب سينشغل هذه المرّة عن الجرذ الميّت بأمر زوجته المريضة التي سيرسلها إلى محطّة جبلية للاستشفاء. هكذا تكتمل العتبة السرديّة بتجميع ملامح المشهد العام للرواية التي اتّخذت منذ البداية من المرض (الزوجة) والموت والدم (الجرذان) وجهة أساسية. لن يكون ثمّة حبّ وشوق وحبكة درامية كلاسيكية، ولن يكون الصراع مع الآلهة كما في التراجيديا اليونانية، ولا صراع حول الملك والسلطان كما في الحكايا التقليدية. لقد غيّر القصص من عناوينه: الموت هنا كتجربة إنسانية قصوى والصراع مع وباء معمّم سيكون هو موضوع الرواية.

ستكثر إذن موتات الجرذان المتساقطة في المدينة، وسيعمّ الهلع بين سكّانها وستبدأ العدوى في التفشي بين الناس هذه المرّة بحيث سيلتقي الطبيب ريو مريضه الأوّل في نفس الوقت الذي تغادر فيه زوجته إلى حيث لا رجعة. يكتب «ووجد مريضه الأوّل في السرير، في غرفة تطل على الشارع وتستعمل للنوم وللطعام في وقت واحد. وكان المريض شيخًا إسبانيًّا ذا وجه قاسي الملامح مخدّد». وهنا نتوقف عند اختيار السارد أن يكون مريضه الأوّل شيخًا إسبانيًّا في لحظة الحرب الأهلية في إسبانيا وأن تكون حياته بذاك المشهد من البؤس الشديد. فهو وحيد وغريب معًا يسكن غرفة واحدة للنوم وللطعام معًا.. الوجه مخدَّد بقساوة حياته وتعاستها. فالمرض ههنا وضعية وجوديّة تعكس بؤس البشر في عالم الحروب التي لن يكون الوباء سوى التعبيرة البيولوجية عنها، حتى وجه قاضي التحقيق «يشبه نصف الشبه حفّار قبور». وسيبدأ الناس يقلقون بشأن تكاثر موت الجرذان «ذلك أنّ المصانع والمخازن غصّت بمئات الجثث من الجرذان»، ثمّ تفاقمت وضعية موت الجرذان «بدأت الجرذان تخرج لتموت جماعات» و«أعلنت وكالة راندسوك (للاستعلامات) أنّه جمع ثمانية آلاف جرذ تقريبًا فبلغ القلق ذروته في المدينة». هكذا يتابع ألبير كامو كيف ظهر الطاعون أوّلًا لدى الفئران لكي يتحول إلى عدوى بين سكان المدينة بحيث سيصاب بواب العمارة وسيلجأ إلى الكاهن بانولو الذي سيفسّر ظهور الطاعون بعقاب من الربّ. («وكان العجوز يمسك بذراع كاهن عرفه الطبيب. إنّه الأب بانولو وهو عالم يسوعي..»).

وستكون نهاية البواب بالطاعون منعرجًا سرديًّا خطيرًا سيقع فيها اكتشاف أن الأمر يتعلق فعلًا بوباء الطاعون لكن قبل ذلك سيموت الكثيرون بحمّى هذا الوباء إلى درجة تجعل «المدينة كلّها محمومة». وبعد تضاعف عدد الموتى يختار السارد «زيارة كاستل وهو زميل أكبر منه سنّا» ليسأله عن حقيقة هذا الوباء. فبينما يجيب السارد بأنّه ينتظر نتيجة التحاليل يخبره كاستال الأكبر سنًّا أنّه قد عرف حقيقة الوباء يقول: «أمّا أنا، فأعرفها، لقد مارست فترة من مهنتي ففي الصين…». ويتواصل الحوار بينهما إلى حين يعلن ريو قائلًا: «نعم يا كاستل..ولكن يبدو واضحا أنّه الطاعون».

مشهد الطاعون وعربات الموت

وفي هذه المرة الأولى التي تظهر فيها عبارة الطاعون في الرواية، يتوقف السارد عند هول العبارة ووقعها على الطبيب الذي تردّد طويلًا في فهم ما يحدث. وهكذا يبدو تعثّر الطبّ في البداية بحيث يموت الناس وحيدين بلا أيّ مبرّر وتتكرّر دومًا عبر التاريخ عبثيّة الوجود الإنساني ويتدخّل المؤلف «والواقع أنّ البلايا هي شيء شائع.. لقد عرف العالم من الطواعين والحروب تفجأ الناس دائمًا». ويربط السارد بين الحرب والطاعون «ولا ريب أنّ حربًا ما هي أمر مفرط في السخف، ولكن ذلك لا يمنعها من أن تدوم. إنّ السخف يلحّ دائمًا». الحرب عبثية وكذلك الطاعون.. كلّ الكوارث التي تقتل البشر لا معقولة ولا شيء يمكن أن يبررها.. ويسترسل السارد في نثر معالم فلسفة العبث صلب الرواية قائلًا: «إنّ الطواعين الثلاثين التي عرفها التاريخ قد كبّدت البشرية زهاء مئة مليون نسمة» وأمام هذا الرقم المفزع من الحيوات التي ذهبت هدرًا لا يستغرب السارد ولا حتى يحزن بل هو يمضي قدمًا في التهكّم الأسود فيما أبعد من مشاعر الألم نفسها قائلًا: «ولكن ما مئة مليون نسمة؟ إنّ من يشترك في الحرب لا يكاد يعرف ما عسى يعنيه رجل ميّت. ولمّا لم يكن للرجل الميّت أيّ وزن إلاّ حين يُرى ميّتًا، فإنّ مئة مليون جثّة منتثرة عبر التاريخ ليست إلّا دخان في مخيلة».

هكذا تتجلى عبثية الموت في أكثر التعبيرات مأساوية عمَّا يحدث للبشر في حالة الحروب والأوبئة التي يعدُّها السارد أمرًا شائعًا رغم لا معقوليتها. ولعلّ أحلك صورة يرسمها ألبير كامو عن ذاكرة الوباء وما حصده من أرواح في تاريخه هي: «أثينا مطعونة قد هجرها الطير، والمدن الصينية غاصّة بالمحتضرين الصامتين، ومحكومي مرسيليا المؤبّدين مراكمين في الحفر الأجساد التي تقطر دمًا، والمرضى المسحوبين بالكلاليب، …وعربات الأموات المذعورة، والليالي والأيام مملوءة دائمًا وفي كلّ مكان بصرخة البشر التي لا تنتهي».

الوباء منفى الرعب

لقد أتقنت رواية الطاعون التوغّل عميقًا فيما يعيشه سكان المدينة من مشاعر بالنفي والسجن والفراغ كما لو كانوا في حفرة، يقول: «أجل كان حقًّا هو شعور بالنفي.. هذا الفراغ الذي كنّا نحمله أبدًا في نفوسنا» وأيضًا «كنّا نتلبّس وضعنا كسجناء..» أو «وحينذاك يكون انهيار شجاعتهم وإرادتهم وصبرهم فجائيًّا جدًّا، حتى ليُخيّل إليهم أنّهم لن يستطيعوا أبدًا الخروج من هذه الحفرة».

هو الشعور بالوحدة أيضًا، كلّ شخص يظلّ في عزلة مرعبة أمام الموت. كتب «وأخيرًا لم يكن بوسع أحد، في أطراف هذه الوحدة، أن يأمل المعونة من جار له، فظلّ كلّ امرئ وحيدًا…». لكن مشاعر النفي والسجن والوحدة تعتبر مشاعر المحظوظين قبل الإصابة بالطاعون فهؤلاء حتى يأسهم كان ينقذهم. لأنّ كل ما اجتاحه الوباء سيظلّ «ملقى دون ما انتقال في أكثف صمت في الأرض. إنّه لم يُتح له الوقت لأيّ شيء». هكذا تغرق المدينة في شبح الموت إلى حدّ الجنون «لا شكّ في أنّنا سنصبح جميعًا مجانين».

أمّا عن الكنيسة فقد قررت التدخّل في هذا المشهد وجمّع بانولو الناس في خطبة دينية تعيد الوباء إلى عقاب إلهي. يقول: «يا إخوتي، إنّكم في المصيبة يا إخوتي، وإنّكم لتستحقونها». ويضيف «لقد ظهر هذا البلاء للمرّة الأولى في التاريخ ليصعق أعداء الربّ…». لكن الطاعون كان أكبر من الكاهن وسارع محافظ المدينة إلى إجراءات عزل المرضى ونقلهم إلى المستشفى وعمّت «مشاهد الجنون» والقساوة «صراخ، أوامر، تدخّل رجال الشرطة واستعمال القوة المسلّحة فيما بعدُ: هكذا كان المريض يُؤخذُ عنوة». ويتحوّل الناس إلى أجسام تحت مراقبة السلطة، أجسام المرضى لم تعد ملكيّة لهم. إنّ الوباء يحوّل الإنسان من شخص أخلاقي له حرمته وضمانته الميتافيزيقية إلى مجرّد جسم على قيد الحياة أو من أجل الموت.

الطاعون يهزم الربيع

أمّا عن الربيع فقد أُنهك وانسحق تحت عبء الطاعون الذي طرد من المدينة كل فرح وحوّلها إلى «مقبرة خنق فيها الطاعون والحجر والليل كلّ صوت». لكن الليل لم يعد يقتصر على مجاز السواد الذي يلفّ المدينة تحت شبح الوباء بل تسرّب إلى جميع القلوب: «ولكنّ الليل كان كذلك في جميع القلوب». سوف يحتدّ مشهد المأساة ويزداد كلّما استفحل الوباء وسيطر على مجال الحياة في المدينة، وسوف يذهب السارد نحو مناطق أكثر ألمًا بأن يجعل «مجتمع الأحياء يخشى طول النهار أن يضطرّ آخر الأمر إلى التخلّي عن مكانه لمجتمع الأموات». لقد أدرك الجميع في المدينة أنّهم «بإزاء إحدى ثورات الوباء الكبرى». وأنّ المدينة ستتعوّد على هذه المصيبة أي على الحقيقة أي على الصمت. كما لو كان الصمت شكل المقاومة الوحيد لهذا الوباء. وغيّر الموت من طقوسه إذ ألغيت «الطقوس الموتية في الكنائس» و«سيقت الزهور والأموات إلى فرن حرق الجثث». وعمّ مشهد البؤس والألم وصارت «أيّام الطاعون تبدو كوطء شديد دائم يسحق كل شيء». أمّا عن المدينة فلا شيء تبقى منها غير «ضجيج هائل لأقدام وأصوات صمّاء، وانزلاق مؤلم لآلاف النعال، ذلك الإنزلاق الذي يوقعه هزيز الوباء في السماء المثقلة…».

في زمن الأوبئة «كل الناس مشتبه بهم» وستبدو الحياة كما لو كانت «تنمو في ثنايا المصائب الكبرى»، وسيعرف الجميع أنّ «الطاعون أقوى من ذلك كلّه» وأنّه «لم تبق ثمّة أقدار فردية، وإنّما تاريخ جماعي هو الطاعون، ومشاعر يتقاسمها الجميع». لا أحد يفلت من هذا الوباء الجماعي حتى الأطفال دخلوا تحت جائحة الطاعون. ولعلّ أهمّ مشهد تراجيدي يستثمر فيه السارد هو مشهد صراع الصبي ابن القاضي أتون مع الوباء إلى حدّ الموت. وكان الكاهن قد حضر موت الصبي. كتب: «ونظر بانولو إلى هذا الفم الصبياني الملوّث بالوباء، المليء بتلك الصرخة، صرخة جميع العهود». يموت الطفل تحت أنظار الطبيب والكاهن معًا، وكان الطاعون أكبر من الجميع مرّة أخرى. وهذا ما كان صادمًا للطبيب الذي دفع بالكاهن بعنف قائلًا: «آه لقد كان هذا، على الأقل بريئًا…». وكان هذا الموقف مزعجًا لرجل الدين الذي ما فتئ يقول: إنّ الطاعون عقاب إلهي للخطائين والكفرة.. فكيف يقتل الطاعون طفلًا بريئًا؟ وهنا يقع إرباك التصوّر الديني المسيحي ويجري حوار عبثي بين الطبيب الذي لا يهتمّ إلّا بصحّة الناس والكاهن الذي يعتني بخلاصهم. بحيث يقول الطبيب: «إنّ خلاص الإنسان كلمة كبيرة جدًّا عليّ. ..إنّما تعنيني صحّة الإنسان». ولقد غيّرت واقعة موت الطفل بوباء الطاعون كثيرًا من سلوك الكاهن ويبدو أنّها آلمته وأربكته معًا، فصار يخطب في الكنيسة «بصوت أرق وأهدأ، وقد لاحظ الحضور غير مرّة بعض التردد في خطابه».

الأدب ضدّ الطاعون

يبدو الأدب رغم كل الأفق الحالك الذي أطبق على المدينة تحت ليل الطاعون أحد منافذ التمرّد على عبثية الوضعية الوبائية، وهو ما يجسّده ظهور شخصية جوزيف غران الموظّف الصغير «المكلّف بإحصاء عدد الوفيات» الذي صار صديقًا للدكتور ريو والذي يظهر تحت قلم السارد بكونه لا يجيد التعبير عن أفكاره وهو «لا يجد كلماته» أو هو «ما فتئ يبحث عن كلماته»، والذي اقترن اسمه منذ ظهوره في الرواية بإحصاء موتى الطاعون وبالكتابة معًا: «كان يكتب دون ريب كتابًا أو شيئًا من هذا القبيل». ولقد كان غران بالرغم من عدم قدرته على التعبير عن أفكاره يحلم بنجاح كبير لمخطوطته بل كان يريد بعد الانتهاء منها أن يقول عنه الناشر لمعاونيه: «ارفعوا قبعاتكم يا سادة».

أمّا ريو فعلى الرغم من أنّه «كان قليل الاطلاع على شؤون الأدب» فقد كان ينصت إلى غران الأديب المفترض وكان يقول في نفسه: كيف لمدينة يعيش فيها مثل هذا النوع من الناس ذوي النوايا الشريفة، أن يصيبها الطاعون؟ قال السارد: «لم يكن يستطيع الاعتقاد بأنّ الطاعون أمكنه أن ينتشر حقًّا في مدينة يوجد فيها موظفون يغذون نزعات مشرّفة، وهو في الحق لا يتصور مكانًا لهذه النزعات وسط الطاعون، إلى أن انتهى به الحكم إلى أنّ الطاعون ليس له –عمليًّا- أيّ مستقبل بين ظهراني مواطنينا». وعلى الرغم من تردد الطبيب في أوّل الأمر في قدرة نجاح الأدب في الظهور في مدينة الطاعون، فقد انتهى به الأمر إلى التأكّد أخيرًا أنّ الموظّف الصغير غران المكلف بإحصاء الوفيات قد نجح أخيرًا في كتابة كتابه وأنّ «المؤلّف المحكيّ عنه يعدّ الآن كثيرًا من الصفحات» لكن يبقى أنّ بلوغ الكتاب مرحلة الاكتمال إنّما سيكلّف الكاتب جهدًا «مؤلمًا جدًّا». ولكن على الرغم من تلعثم الكاتب غران وتعثّره في التعبير وتعطّل اللغة على لسانه، وكلّها علامات على اختلال الأدب زمن الطاعون، يعترف الطبيب أخيرًا للكاتب بأنّ «قصّته صارت تهمّه كثيرًا»؛ ذلك أنّ غران الموظّف والكاتب سوف يكون أكثر الناس صدقًا وأمانة وإرادة في مساعدة ريو في مقاومة الطاعون بكل إيمان بأنّه ما دام هناك الطاعون «يجب أن ندافع عن أنفسنا». وبهذا المعنى كانت الكتابة شكلًا من مكافحة الوباء. بحيث أصبح الجميع فجأة يهتمّون لأمر ما يكتب غران مثل الصديق تارو الذي صار يتابع باهتمام ما يقوم به غران «صابرًا مثابرًا وسط الطاعون»، وكان يرى في هذا «لونًا من التفريج».

كلّ شيء في هذه المدينة قد صنعه الطاعون حتى الراوي نفسه الذي «سيظلّ مؤرّخ القلوب الممزّقة… ذلك المؤرّخ الذي صنعه الطاعون لجميع مواطنينا». وفي الحقيقة يظهر الأدب في هذه الرواية في وضعيات تأويلية معقّدة: فهو يظهر مع السارد الذي يكتب الرواية في صيغة المبني إلى المجهول، ومع الراوي الذي يظهر في كلّ مرّة ليرسم شكلًا مغايرًا من المشهد ومع غران الكاتب الذي كان دومًا بصدد كتابة قصّة لا نعرف منها غير مطلعها «ذات صبيحة جميلة من نوار كانت فارسة ممشوقة فرسًا فاخرة صهباء تجتاز ممرات غابة بولونيا الملأى بالزهور». لكنّ الطريف هو أن لا أحد منهم كان يعلم كيف تزدهر الممرات، وكيف نكتب عن الزهور في مدينة بلا حدائق، ورغم ذلك كان ما يكتبه غران كفيلًا بأن يزعزع خيال الطبيب وصديقه تارو إلى حدّ قول تارو: «ليس من يعرف كيف ينظر غير الفنانين».

وهنا لا بدّ أن نشير إلى أنّ قصّة غران هي نفسها قد غيّرت من مفهوم الأدب. بحيث سوف يكتشف القارئ في نهاية الرواية أنّ غران الذي كان يعد دومًا بقصّة مذهلة هو بصدد كتابتها، هو في الحقيقة لم يفعل إلّا كتابة ذاك المطلع المذكور ونسخه طيلة خمسين صفحة. بحيث أنّ قصّته لم تكن تتضمّن سوى جملة واحدة يكرّرها إلى ما لا نهاية له. كما لو كانت الكتابة في زمن الطاعون مستحيلة أو هي لا تقتضي الكثير من اللغة، بما أنّ ما يقع جدير بالصمت والألم.. وقد يكون الألم أكبر من اللغة وقد تكون كتابة الصمت أكبر من الكاتب نفسه. يقول: «كانت مخطوطة قصيرة من خمسين صفحة تقريبًا ولم تكن جميع الأوراق تحمل إلّا العبارة نفسها منسوخة إلى ما لا نهاية». وفي هذا السياق سيكتشف القارئ أنّ هذه المخطوطة سوف تظهر في سياق محزن جدًّا حيث أصيب غران بالطاعون وكان ثمّة خوف على حياته، وما دامت تلك المخطوطة هي أهمّ ما لديه، سلّمها إلى صديقه الطبيب ريو وطلب منه إحراقها. والسرّ الكامن وراء هذا الأمر هو قصة حبّ مستحيلة عاشها غران مع خطيبته جان التي أهداها المخطوط ويبدو أنّه قد فقدها قبل أن ترى المخطوط: «فمن أعماق السنين البعيدة كان صوت جان يعود الآن إلى غران في وسط هذا العالم المجنون». وكان غران الشيخ صاحب المخطوط يقول: «بأنّ العالم الذي لا حبّ فيه، كان كأنّه عالم ميّت».

لكن ينبغي الإشارة أيضًا أنّ غران بحسب كلام الراوي لم يكن سوى بطلٍ تافهٍ يعترف الراوي بأنّه قد اختاره عمدًا ضدّ الأبطال التقليديين للأدب الكلاسيكي، وذلك من أجل منح الحقيقة ما هي عليه فعلًا، أي مظهر التفاهة والرداءة معًا. لقد قرَّر المؤلف إذن أن يغيّر من سياسة الأدب نفسها بأن «يعطي للبطولة المكان الثانوي الذي ينبغي أن تحله دائمًا بعد مطلب السعادة السخيّ لا قبله». إنّ مطلب السعادة كان أهمّ من البطولة ومن القداسة أيضًا. لذلك كان الطبيب ريو يقول ضدّ الأب بانلو: «أنا أستشعر مع المقهورين حظًّا من التضامن أكبر ممّا أستشعر مع القدّيسين».

ومن أجل فهم تعقّد وضعية الأدب في رواية الطاعون ينبغي لنا أن نتوقّف عند خطّة الكاتب كما أرادت الرواية تصميمها على نحو غامض ومذهل معًا. فالكاتب ههنا لم يكن فقط هو الراوي المجهول الذي يظهر من حين إلى آخر كي يصحّح مسارات الرواية، وليس فقط الموظّف غران الذي يعد منذ البداية بأنّه يكتب كتابًا، بل هو تارو أيضًا تلك الشخصية الغامضة التي تظهر منذ بداية الرواية والتي سوف تساعد كثيرًا ريو في مقاومة الطاعون طيلة أحداث القصة لكنه سيكون آخر ضحية للطاعون في الوقت نفسه الذي يقع فيه الإعلان عن نهاية الوباء. تارو هو بحسب تدخّل الراوي شخص غريب عن وهران نزل فيها منذ أسبوعين فقط «ولم يكن بوسع أحد أن يعرف من أين أتى ولماذا هو هناك…». هذا الغريب هو أيضًا أحد من ساهم في كتابة هذه القصّة بحيث تشكّل «مذكّراته..نوعًا من التأريخ لهذه الحقبة» فهو كان «يحرص في أثناء هذا الذعر العام، على أن يجعل نفسه مؤرّخ ما لا تاريخ له». لكنّ أشدّ ما يعيب عليه فيه الراوي هو «جفاف العاطفة». وقد يكون تارو هو من كتب فعلًا هذه القصة فمخطوطه يبدأ كما يشير الراوي بوصف قبح المدينة وأكثر من ذلك بالتعبير عن رضاه بأنه «يوجد في مدينة قبيحة بذاتها هذا القبح… حيث انعدام الأشجار والبيوت البشعة وتخطيط المدينة السخيف».

غير أنّ تعقّد وضعية الكاتب وخلخلة طمأنينة الأدب والدفع به إلى نوع من اليتم وغياب الكاتب الواحد أب النص ومصدره الوحيد، لا تقف عند هذا المستوى بل تتجاوزه إلى حدّ الاعتراف في آخر صفحات الرواية بأنّ ريو الطبيب الذي كان هو البطل الحقيقي للرواية لأنّه المصارع الرئيسي للطاعون، هو في الحقيقة من كتب هذه القصّة؛ لأنّه هو من أرادها على هذا النحو. وهنا نلمس مخاتلة سردية ملتبسة في خطّة الكاتب نفسه. لقد سقطت كل الفواصل ههنا بين الخيال والواقع وبين الأديب والطبيب. ولم يعد الكاتب هو من يكتب قصّة عاشها الآخرون كما لو كان يكتفي بفعل الفرجة، بل هو من صنع هذه القصّة أي من أنجز كل هذا الفضاء السردي الذي يحتّم على الكاتب أن يصمّم سياسة وبائيّة خاصّة جدًّا: تقوم على الانضمام إلى الناس من أجل أن يقاسمهم «الحبّ والعذاب والنفي»، وذلك لأنّه كان يعلم جيّدًا أنّ عالمًا يتوحّد فيه الناس في الألم هو عالم فاضل، وأنّه في كلّ صراعه معهم ضدّ الطاعون إنّما «كان يشعر دومًا أنّه ينضمّ إليهم من فوق كل ألم». لقد قرّر ريو أن يكتب هذه القصّة إذن «كي لا يكون من أولئك الذين يصمتون وليشهد لصالح هؤلاء المصابين بالطاعون وليترك ذكرى الظلم والعنف اللذين تكبدوهما…». الشهادة بالكتابة على ألم المصابين بالوباء تلك هي مهّمة الأدب الذي صار أيضًا إلى ضرب من الذاكرة الخاصة بالضحايا.

الأدب هو الوجه المشرق من الكارثة

تعلّمنا هذه الرواية أنّ مهمّة الأدب هي أخيرًا نشر الأمل بين الباقين والناجين وتعليمهم «أنّ ما يستحق الإعجاب والتمجيد في البشر أكثر ممّا يستحق الاحتقار والزراية». وأنّ الأدب يصلح أيضًا لتوقيع نهاية الوباء وتحويل سواد العالم إلى مجرّد ذكرى سرعان ما تُنسَى. والنسيان ههنا أيضًا إنّما هو طريقة البشر في التغلّب على الكوارث التي تحلّ بهم. بحيث أنّ رواية «الطاعون» ليست رواية لوصف عنف الطاعون وبطشه وشرّه الأعظم، بل هي رواية للتبشير أيضًا بأن كلّ الكوارث تنتهي ويبقى البشر وهو ما يبشّر به المؤلّف في المقطوعة السردية الخامسة والأخيرة؛ إذ يعلن أنّ «الوباء كان يتراجع بالإجمال في كل مكان» وأنّ «القلوب كلّها تضطرم بأمل عظيم مكتوم». وأنّه «من العدل أن يأتي الفرح، فيكافئ الذين يكتفون بالإنسان وبحبّه المسكين والفظيع». وأنّه أخيرًا يمكن للأدب أيضًا أن يمنح الناس إمكانية «أن يبدؤوا من جديد»، وذلك هو الدرس الأخير الذي نتعلّمه من الكتابة في عصر الكارثة.

إنّ الأدب إذن أفق ممكن لرسم الأمل كلّما انهار الواقع واهتزّت ثقة الناس بالحياة. هذا هو الدرس الكبير الذي نتعلّمه من رواية الطاعون لألبير كامو التي على الرغم من سواد العالم الذي جمّعته بين دفّتيها فهي قد تركت دومًا في أحلك لحظاتها شمعة يمكنها بها أن تنتصر على الظلام. من ذلك وجه الأمّ التي صاحبت هذا الطاعون في صمت وصبر وهدوء، بجمال عينيها كانت تبثّ الأمل في ابنها الطبيب ريو. يقول: «ونظر ريو إلى أمّه، فإذا عيناها الجميلتان الكستنائيّتان تحييان في نفسه سنوات من الحنان». ذاك الأمل هو الذي كان وراء صمود ريو أمام الطاعون فقرّر الصراع وعدم الاستسلام للكارثة وكان يقول: «من يرى الشقاء والعذاب اللذين يحملهما الطاعون في ركابه ينبغي أن يكون مجنونًا أو أعمى أو جبانًا حتى يستسلم له».

إنّ عالم الطاعون هو عالم لا حبّ فيه ولا عواطف. يقول: «إنّ الطاعون قد انتزع من الجميع القدرة على الحبّ؛ ذلك أنّ الحبّ يتطلّب شيئًا من مستقبل». كلّ الشخصيات إذن تحت تهديد الموت كانت تعيش وحدة عاطفية مرعبة: ريو الطبيب يتقبل خبر موت زوجته بكل هدوء، وأمّه زوجها في معسكر العزل ولا تتحدث عنه إطلاقًا، وكوتار عاش وحيدًا دومًا، وغران فقدَ خطيبته، وتارو لا أهل له، والقاضي أتون قد فقد ابنه طفلًا، ورامبير الصحفي عاش طيلة القصة يريد الالتحاق بحبيبته في باريس، وحين وجد إمكانية لذلك قرّر البقاء معهم لمقاومة الطاعون لأنّ الجميع كانوا قد «دخلوا في نظام الطاعون نفسه.. لم يبقَ لأحد عندنا عواطف كبيرة». أمّا كاتارو الذي انتهى مجنونًا فقد كان «مرتاحًا في الرعب»؛ لأنّه كان يتقاسمه مع الآخرين ولقد كان «يؤثر أن يحاصر مع الجميع على أن يُسجن وحده».

الأدب في زمن الأوبئة هو أيضًا اختراع للحبّ في عالم لا مكان فيه لغير الألم والموت. تلك هي رسالة رواية الطاعون التي أفردت للمسرح أيضًا كشكل من الأدب مكانة خاصة. فلقد ظهر المسرح في الرواية بوصفه المكان الذي كان يستعيد فيه الرجال طمأنينتهم التي كانوا يفتقدونها وسط «شوارع المدينة السوداء» وكانت النساء يستمعن لشكاوى «أورفيه» و«يفصّلن شقاءها تفصيلًا شيّقًا»، وترتفع في أجواء المسرح «أغاني الحب خفيفة رقيقة»، تلك الأغاني التي كانت مستحيلة في مدينة قد افتكّها الوباء والموت. ورغم بشاعة هذا الوباء وقبحه وبطشه فلقد كان المسرح ينتصر على الطاعون «لقد كان اللباس يطرد الطاعون» وينتهي «الطاعون على المسرح في مظهر مهرّج مفكَّك المفاصل».

وحده الفنّ أدبًا كان أو مسرحًا بوسعه أن يسخر من كلّ تراجيديا الوضع البشري. وبوسع الفنّ أيضًا تحويل هول ما يحدث إلى مجرّد قصّة أو إلى ركح لتفكيك الكارثة وتحويلها إلى ضرب من التهريج. بالأدب يستعيد الناس عالمهم ويتصالحون مع الألم ويتعلمون أيضًا نسيان ما حدث وسيعرفون كم أنّ الإنسان جدير بالتمجيد، وكم أنّ الحياة جديرة بأن تُعاش أيضًا، وأنّ المستقبل يظلّ دومًا ممكنًا بالأمل. إنّ الأدب هو -وفق عبارة جميلة للفيلسوف الفرنسي روني جيرار- «الوجه المشرق من الكارثة»، بل ينبغي لنا أخيرًا «أن نتخيّل دومًا سيزيف سعيدًا».

هوامش:

1. Julien Wosniza, Pourquoi Tout va s’effondrer, éditions les liens qui libèrent, 2018.

2. Pablo Servine, Raphaiel Steven, Comment Tout va s’effondrer, Seuil, 2015.

3. Julia Kriesteva, Pouvoirs de l’horreur : Essai sur l’abjection, Seuil, 1980.

4. Giorgio Agamben, Homo Sacer : le pouvoir souverain et la vie nue, Paris, Seuil, 1998.

5. فتحي المسكيني، الفلسفة والكورونا : «من معارك الجماعة الى حروب المناعة» ، موقع مؤمنون بلا حدود، 24 فبراير، 2020م.

6. G. AGamben, Homo Sacer, l’Intégrale, (1995, 2015), Paris , Seuil, 2016, p.12.

7. Ibid, p.17

8. جاك رنسيير، سياسة الأدب، ترجمة د.رضوان ظاظا، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2010م، ص.15.

9. ألبير كامو، الطاعون ، ترجمة د. سهيل إدريس، بيروت، دار الآداب، 1981م، ص.5.

10. نفسه.

11. نفسه، ص.7

12. نفسه.

13. نفسه ص.8

14. نفسه، ص.9

15. نفسه.

16. نفسه، ص.11

17. نفسه، ص.13

18. نفسه، ص.17

19. نفسه، ص.18

20. نفسه، ص. 19

21. نفسه، ص.35

22. نفسه، ص.40

23. نفسه.

24. نفسه.

25. نفسه.

26. نفسه، ص.42

27. نفسه، ص.44

28. نفسه، ص.75

29. نفسه، ص.78

30. نفسه، 79

31. نفسه، ص.83

32. نفسه، ص.97

33. نفسه، ص.98

34. فسه، 92.

35. ص.173.

36. نفسه.

37. نفسه، ص.174

38. نفسه، ص.116

39. نفسه، ص. 176

40. نفسه، 179.

41. نفسه، ص.180

42. نفسه، ص.185

43. نفسه، ص.117

44. نفسه، ص.122

45. نفسه، ص.161

46. نفسه، ص. 169

47. نفسه، ص.213

48. نفسه، ص.215

49. نفسه، ص. 216

50. نفسه، 219.

51. نفسه، ص.46

52. نفسه، ص.50

53. نفسه، ص.51

54. نفسه، ص.105

55. نفسه، ص.51.

56. نفسه، 106.

57. نفسه.

58. نفسه، ص.137.

59. نفسه.

60. نفسه، ص.135.

61. نفسه، ص. 139

62. نفسه، ص.138

63. نفسه، ص. 259

64. نفسه.

65. نفسه.

66. نفسه، ص. 140

67. نفسه، ص.251

68. نفسه، ص.26

69. نفسه.

70. نفسه.

71. نفسه، ص.294

72. نفسه، ص. 301

73. نفسه، ص.263

74. نفسه، ص.293

75. نفسه، ص.272

76. نفسه، ص.125

77. نفسه، ص.129

78. نفسه، ص.182

79. نفسه، ص.181

80. نفسه، ص.195

81. نفسه، صص.195-196

82. نفسه، ص.197

—————————–

مثقفون في العزلة القسرية.. قراءات ومشاهدات وتأملات في مآل البشر

صبحي موسي

أعاد كورونا صياغة العالم، وفرض حظرًا على الجميع في البيوت، كما لو أنه قرر أن يذيق العالم تجربة السجون، والحبس الانفرادي في الزنازين، فكيف يرى الكتاب العزلة القسرية التي عثروا على أنفسهم مقادين إليها؟ كيف يقضون يومياتهم في ظل تهديدات كورونا، أي طعم للكتابة وللقراءة، وعلى مقربة منهم وباء يكاد يعصف بالعالم في لحظة؟ المدن العربية التي سلمت من حروب الربيع العربي، في لحظة تحولت مدن أشباح؛ بسبب التدابير التي اتُّخِذَتْ لتجنب وباء كورونا، فهل هي عدالة من نوع آخر، أم أن ذلك يكشف هشاشة المؤسسات الرسمية في العالم العربي؟ إلى أي حد شكل كورونا تحدِّيًا لمجتمعات العولمة وللعولمة نفسها، بتفشيه على هذا النحو، وجعل حكومات الدول الكبرى في العالم عاجزة، عن فعل أي شيء؟ هل المناخات القائمة الآن، من عزل، ومن احتياطات وتدابير، قد تصلح في يوم ما لتغذي المخيلة وتشحذها لكتابة تقارب ما يحدث؟

أحمد المديني: يومٌ في بستان العزلة

انتهى هذا اليوم والوقت يلعب بين يديّ ورأسي ينتقل من رشفة القهوة إلى صفحة كتاب عيناي عليه تجريان فيه بكسل وتوان، ويحملهما الملل إلى سماء عالية زرقتُها تتدفق على شرفة مكتبي أراها لاهيةً عني وعن حالها كأنها غير موجودة وإنها لكذلك، غائبة؛ إذ لا ينظر إليها أحد، فالشيءُ، الطبيعةُ، الكائنُ نفسُه لا يكتمل وجوده ويكتسب معناه إلا وهو واقع في دائرة نظر وإحساس؛ لذلك الطبيعة ليست حزينةً ولا جَذْلَى، لا غَضْبَى وما هي منشرحة إلا بما نسقطه علينا نحن، هكذا فكر بودلير في زمن سابق، يتحدث عن الشجر، لا عجب وهَب النباتَ خَصْلةً (أزهار الشر) فلم يعد محايدًا؛ أوَيوجد حقًّا شيءٌ محايدٌ في هذا العالم؟!

لست في عزلة أبدًا؛ لأن هذا هو عيشي الطبيعي، لكنّ الإعلامَ المهلوس، والصمتَ المطبق، والفراغَ الموحش في الشارع، وتذكيرَ زوجتي لي الملحاح بغسل يديّ مرات كلما فتحت الباب، ومُنَغِّصَات أخرى، تفسد عليَّ عزلتي الحقيقية، طالما عَدَدْتُها كنزًا من دون الأثرياء ومنجمَ ثراءٍ لا ينفد؛ ها هو بإرادة وباء تافهٍ يُقعد البشرية جمعاء في غرفة الصمت والوحشة ويُملي عليها شروط البقاء من الفناء، ألتفتُ إلى مكتبي فأحس به بغتة لا يشبه ما كان عليه وينبغي، وصدره الفسيح بي يضيق، والأشباح المدفونة في كتبي يا لها دفعةً واحدةً تستفيق.

إنني بالضرورة هذا الكائن بقوة آخرين في الجماعة، والآخرون من يصنعون شروط وضعي ويتحكمون في نوع إحساسي، سواء أجرمت أو كنت بريئًا من أي ذنب، فائضُ الحرية الذي أعيشه في هذا البلد الغربي جعلني أسرف في تقدير قوة إرادتي وفسحة حركتي، بين الليل والنهار أستطيع أن أصبح على هواي وقتًا ثالثًا في مدار الزمن وخارج فَلَكه، أتمدد أتقلص أطُول أقصُر أكبُر أَضْؤُل أشِبُّ أشيخُ أرقصُ أغنِّي أنتحبُ أصدحُ أصيحُ أصرخُ، تنطفئ جميع أضواء الغرف في العمارات المقابلة، وحدها عيونٌ تبقى تتلصّص عليَّ تقتل وحدتي كـ(متلصص) رواية روب غرييه ينفّذ جريمته ويمضي لا يدري وهو يتلصص.

يسرقون عزلة الذهب، «أعز ما يطلب» عندي من كتاب ابن تومرت، انظروا لا شك ممسوس، يعنونني، ننام نصحو نتناسل نركض في الأنفاق نلهو بالصفقات نمجن بالصفاقات ونعود نؤوي إلى أسِرّتنا مُترعين بالشبق، بينما هو، هو، حيث تركناه، لا يَظهر وجهُه، فالعتمة غلالتُه، وحدها الأبجورة ضوؤُها مسلَّط على حاسوب أمامه ترقص فوق لوحته أصابع مثل ساقَيْ بهلوان، ربما هو يُغنِّي، يروي ربما نكتة، أو لعله يحبك لعبة من حِيل يقال يلعبها في روايته، لِمَ لا صورةً شعريةً يقبسها من أولمب الأزل، أوَلا يحب، يغضب، يمرض، يجوع ويعطش مثل سائر الناس حتى وهو ليس مثل سائر الناس؟! في الوقت الثالث بين الليل والنهار ومن نوافذ وشرفات العمارت المقابلة الأعناق مشرئبةٌ والناظوراتُ مسددةٌ نحو نافذتي وأنا خلفها جالس هنا في مكتبي كما أنا منذ الأزل، قد استنفدت تاريخ البشرية، ولا أمل، أراهم يحدقون غير مصدقين أني.. أتغذى، أعيش فقط…بفاكهة العزلة!

روائي وكاتب مغربي

محمود زعرور: إيجابيات كورونا

تتسم يومياتي، قبل موجة فيروس كورونا، بشيء من الثبات، وببعض الانتظام في تفاصيل وأجزاء الانشغالات المختلفة، وهي عادات كنت قد ألفتها منذ أمد بعيد، ومكنتني من متابعة سلوكاتي بشيء كبير من الاستمرارية، غير أن ظهور الوباء وانتشاره الحالي، وما تبعه من ظروف متصلة بالإجراءات المتعلقة بالحذر، واتخاذ أسباب الوقاية، والتشدد في مراعاة القواعد الصحية، وغير ذلك، أكثر من أي وقت مضى، قد أكد أكثر فأكثر على أوضاع الثبات، وعلى بعض التقييد في الحركة العامة.

لكن هذا الوضع، نفسه، الذي يمتاز بندرة الالتزامات والعزلة، والوقت المديد، قد مكنني كذلك، من الإقبال على انشغالات محددة، كنت في السابق أتردد في التعامل معها، مثل إعادة قراءة أعمال بعينها، كبعض الأعمال الأدبية الكلاسيكية، في الرواية والقصة القصيرة، وكذلك في النقد الأدبي أيضًا، وهي فرصة، كما أظن، لقراءة جديدة، لبعض أهم الموضوعات والأساليب والرؤى المختلفة.

وعلى صعيد الكتابة، أتابع العمل في كتاب في النقد الأدبي كنت قد بدأت به منذ مدة ويتعلق بالرواية والثورة السورية، وهو دراسة نقدية في أعمال روائية محددة، قامت بالرد على تحدٍّ عاصف، وواكبت لحظة فاصلة، وفارقة، في التاريخ السوري.

تتسم الحياة المعاصرة، في هذه الأيام، بملاحقة هموم ومكابدات عديدة، وتتوزع في أكثر من صعيد، ولقد انضاف القلق من تبعات ونتائج فيروس كورونا، والخشية من انتشاره وتفشيه في عالمنا، إلى هموم مختلفة أخرى، استطاعت أن تحاصر الإنسان المعاصر، وتقيد من دوره، بشكل عام.

قد يكون لكورونا جانب إيجابي على حياتنا الاجتماعية والثقافية، إذا استطعنا أن نجعل من بعض القيم والتقاليد المتصلة بالتمسك بالعلم والطب من أجل مكافحة الأمراض والأوبئة سبيلًا رئيسًا ضد الجهل والخرافة، كذلك، وفي النظر إلى بعض ما ظهر من قصور ونقص في استعدادات وإمكانيات دول كثيرة في مواجهة الوباء، ينبغي، مجددًا، ودائمًا، التأكيد على أولوية نظم التعليم المتقدم والمتطور، والرعاية الصحية المقدمة كحق من حقوق الإنسان.

ومما يكون له الدور الأكبر، أيضًا، تعزيز التضامن الدولي، وتقوية التكافل الاجتماعي، للتأكيد، مرة أخرى، على المسؤولية المشتركة في طرق المواجهة الفعالة، لكوننا أمام مصير واحد، وعلى الثقافة إعادة التأكيد، مجددًا ودائمًا، على معنى المعاني: الإنسان أولًا، أي الحياة أولًا.

من أجل هذا تتوالد بقية الالتزامات الفردية والجماعية، وهي التزامات تستثمر في مجالات تعزيز دور الإنسان، واستمراره، ومدّه بالحقوق والسبل التي تمكنه من العيش الكريم، ومناهضة كل المعوّقات لها من أي جهة أتت، لقد نجح العلم، في السابق، في الفوز بتحديات عديدة، وأنا متأكد من نجاحه الآن، أيضًا، في هذه المعركة الشاملة.

ناقد وروائي سوري مقيم في هولندا

زاهر الغافري: إيقاع البيت

أعيش حياتي يوميًّا على إيقاع لا يختلف كثيرًا عن حياتي الماضية، ولقد وفَّرت لي البيئة التي أعيش فيها إمكانية التحرك ولو على نحو أقل من السابق، فأنا أعيش في السويد في مدينة مالمو والناس هنا يتحركون بحذر ويحسبون الخطوة تلو الخطوة ولا يختلطون معًا في مجموعات كبيرة، أقضي أوقاتي في البيت في القراءة والكتابة وسماع الموسيقا الكلاسيكية، وأشاهد الأفلام ذات التوجه الطليعي، حتى الأفلام التي شاهدتها سابقًا في دول مختلفة.

أظن أن هذا هو الوقت المناسب لكي يعود الإنسان إلى ذاته ويتأمل ماضيه وحياته السابقة، فالإنسان فوق هذه البسيطة وصل من الغطرسة والقوة بحيث نسي أن الطبيعة التي يقوم بتدميرها ستنتقم وتعاقبه ذات يوم، وفي ظني أنه على الإنسان أن يتواضع قليلًا وينصت إلى الطبيعة ويستمتع بالانسجام أو الهارموني في هذا الكوكب الذي نعيش فيه.

كان الربيع العربي تعبيرًا عن رفض الشعوب للطبقات الحاكمة، وكان حركة احتجاج ضد الهيمنة والقوة، وكان هذا الأمر طبيعيًّا وفق حركة التاريخ الذي لا يعرف ثباتًا، لكن ما نعيشه الآن هو زمن مختلف، هو زمن مدن الأشباح، ففيروس كورونا المستجد لا يضرب بلدًا واحدًا أو اثنين بل يمتد في كل الكرة الأرضية بكاملها في أوربا وفي الأميركتين وفي آسيا وإفريقيا وأستراليا وكندا إلى آخره، بهذا المعنى إنها مطحنة الجثث، أنا شخصيًّا أفضل البيت لأنه المكان الحميم للكائن، وتحديدًا أفضل العلية مثلًا أو الشرفة المغلقة بالزجاج كما كتب مرة غاستون باشلار في كتابه جماليات المكان. صحيح أن هناك حالة من الخوف والهلع عند الناس ولكن في المقابل هناك حالة من المبالغة، وربما كانت وسائل الإعلام تقوم بهذا الدور طبعًا.

هناك نظريات كثيرة حول فيروس كورونا المستجد كوفيد ١٩ بما في ذلك أنه فيروس مصنع في مختبرات أميركية أو أوربية أو صينية، لا أحد يعرف يقينًا حول الأمر لكنه واقع حال. علاقتي بالآخر لم تتغير كثيرًا، زوجتي معي، أما ابنتاي فهما في بلدان أوربية أخرى، أطمئن عليهما وأتابعهما هاتفيًّا بشكل يومي تقريبًا.

شاعر عماني مقيم في السويد

علي لفتة سعيد: تأمّل هذا المخلوق غير المرئي لإنتاج ما هو مرئي بعيدًا من العاطفة

كلّ شيء محاصر باليأس حتى من قبل أن يولد كورونا، سواء كانت ولادته سماوية أم ولادة مختبرات عالمية تسعى لتحطيم بعضها بعضًا، قبل هذا كان الأمر عبارة عن صراع وجود لإثبات أن الحياة جميلة فنسعى للقراءة والكتابة ومن ثم الإنتاج.. من أجل أن نثْبِت لذواتنا المبعثرة أن الحرف هو الوحيد الذي يمكنه لصق ما هو مبعثر، وننفخ فيها الروح كي تكون حيّةً حيث يشاء الحرف البقاء في أماكن يريدها، سواء تلك التي يتلقّفها القرّاء أو التي تبقى حبيسة الرفوف، المهم أنها عملية مواجهةٍ ما بين الحرف كنوعٍ ثقافيٍّ، والواقع كنوعٍ سلطويٍّ قامعٍ أو متكبّرٍ أو حتى متجبّر، في محاولة لصناعة الأمل.

ولهذا فإن المناخات التي تعصف بالكاتب هي مناخات غير طبيعيةٍ من أجل أن ينتج أو يقوم بتخليق نصوصٍ طبيعية، وهو ما يعني أن المؤلّف لا يتعامل مع المناخات التي حوله على أنها قامعة، بل هي حافزة، ومنها هذا المرض اللعين أو الفيروس القاتل الذي يشغلنا الآن بالكثير من القلق وأيضًا الكثير من التفكير الاستهلاكي عن جدوى الحياة ذاتها، بل العمر الذي يسحق سواء تحت عجلات الواقع الاجتماعي أو السياسي أو الديني أو حتى الاقتصادي، في المحيط الذي نعيش فيه أو في الواقع العام الكوني الأرضي، الذي اكتشفنا كم نحن غافلون عن كوننا نتشارك في الأرض ليس في العيش بل في الهموم، حتى لو اختلفت البيئات.

إن المثقف المنتج للنص الأدبي هو مخلوقٌ كي يجد فعلًا، فينتج ردّة فعلٍ لما حوله، إذا عددنا الكتابة بحدّ ذاتها هي ردّ فعلٍ لما ينتجه الواقع، باتجاه المخيّلة؛ لكي يسطّر الحلم أو الأمل أو حتى حين ينتقل الواقع المأساوي إلى الإبداع، فإنه يريد رسم العوالم والخرائط التي تؤدّي إلى التفكير بعمقٍ بالأسباب التي يريدها للمتلقّي أن تكون فاعلةً، لتنتج عنده فعلًا آخر هو فعل الحياة.. ولهذا فإن التدابير التي يحيط بها الكاتب المثقّف هي تدابير متناسلة

لما سيأتي.

الكتابة الشعرية الآن تنفع لإنتاج ردّ الفعل الآني، ولكن الرواية والقصة قد تكون بحاجة إلى تأمّل هذا المخلوق غير المرئي لإنتاج ما هو مرئي بعيدًا من العاطفة.. ولهذا فإن المعادلة صعبة بأن تعيش داخل تفكيرٍ محبطٍ عن جدوى الحياة العاجزة عن إيقاف فيروس غير مرئي، يبطش بالعالم ويجعل البشرية في حجرٍ إجباريٍّ، وبين أن تترك حرية للشخص الآخر الماكث في الداخل المشغول بالإبداع والباحث عن فعل لينتج رد فعل، كي يجمّل الحياة، ويجعلها مقبولةً وكأن الكتابة هي قدرٌ آخر للإيمان بجدوى الحرف ذاته.. ولهذا نجد الأديب أو الفنان يعمل على تخليق الخزين المعرفي وتزويده بمهاداتٍ عديدةٍ حتى لو كانت إعادة ترتيب المكتبة أو القراءة التي لم يكن يجد لها وقتًا.. وها هو الوقت الزائد يأتي طائعًا ليقول له: تزوّد بالمعرفة لتؤمن بالقدر.

صحفي وروائي عراقي

سليمان شفيق: سينتهي كورونا لتتبوأ شركات الأدوية العالم

تجربة العزلة التي حفرت وجداني كانت في الحبس الانفرادي في سجن القلعة عام 1977م. السجن الانفرادي جعل اليوم عندي يبدأ وينتهي من خلال النظر إلى الجدار والنافذة وإعمال الخيال، وفعلًا هناك جزء كبير من روايتي الوحيدة «ثلاثة وجوة» كتبتها في مخيلتي بالزنزانة الانفرادية، هكذا أستيقظ اليوم وأنظر إلى شباك غرفة نومي وأبتسم مرددًا ما قاله محمود درويش: «لا زلت أحيا شكرًا للمصادفة السعيدة»، ثم أذهب إلى الكلور وأنظف الحمام وأنا أفكر: من اخترع الكلور؟… أترك الحمام وأفرك يديّ بالكحول، وأنظر إلى طاولة الطعام في خوف وأتخيل أن معي نظارة ميكروسكوبية كاشفة للفيروسات، أجدها تخرج لسانها استعدادًا للهجوم، أنظف بعناية الطاولة، وأركض إلى الحوض أغسل يديّ بعناية ولمدة عشرين ثانية، أعود إلى الطعام، رائحة الفنيك والكلور تختلط بالفول، أترك الفول وأستنشق رائحة القهوة. أحاول القراءة، السطور معقمة والكلمات تصارع الوباء.

يا إلهي حاربت مرتين حيث كان العدو واضحًا، ولكن هذه الحرب مع ذلك العدو الخفي تحتاج إلى مزيد من الخوف والحزن والكتابة، نعم أكتب لكي أعيش، أكتب وأتذكر في سفر الرؤيا ليوحنا اللاهوتي كتب القديس كلمة أكتب سبع مرات، وفي مطلع إنجيل يوحنا كانت «في البدء كانت الكلمة، والكلمة صارت بشرًا» وهكذا أحاول أن أكتب، ولكن لا بد من رؤيا حتى تصير الكلمات بشرًا، لا يعرفون الخوف.. أتخيل مليارات الفيروسات تهاجم المليارات من العالم، الإنسان يواجه المجهول والعلم يبحث عن قنابل دوائية لقتل هذا

العدو الخفي.

في الليل عرفت أن هناك مظاهرات في الإسكندرية تطلب من الله سبحانه وتعالى إبادة هذا العدو؟! تذكرت أجدادي حينما خرجوا لمقابلة الحملة الفرنسية بالنبابيت ولكن حينما أطلق عليهم نابليون «القنبل» أي القنابل، صرخ الناس مع مشايخنا: «يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف». وفي الليل أتوقف أمام سؤال: هل سقطت العولمة أمام فيروس صغير الحجم جعل الحكومات تغلق الحدود، ورحلات الطيران تتوقف، والشركات المتعددة الجنسيات تخسر المليارات وتغلق فروعها في كل مكان؟ هل يتجه العالم الآن إلى الاشتراكية ومبادئها المعنية بالفقراء؟

سؤال محيِّر جعلني أعود إلى أكبر وباء حدث للبشرية وهو الطاعون: وباء الطاعون الذي اجتاح أنحاء أوربا بين عامي 1347م و1352م، وتسبب في موت ما لا يقل عن ثلث سكان القارة الأوربية. انتشرت أوبئة مشابهة في الوقت نفسه في آسيا والشرق الأدنى، وهو ما يوحي بأن هذا الوباء الأوربي كان جزءًا من وباء عالمي أوسع نطاقًا. لكن رغم ذلك بعد انتهاء الوباء تعاظم موقف الكنيسة ورجال الدين في أوربا والعالم، ثم وباء الكوليرا في عام 1820م، كان وباء الكوليرا الذي اجتاح العديد من دول العالم ومنها إندونيسيا وتايلاند وأيضًا تسبب في وفاة 100 ألف شخص آخرين، ونحو 30 ألفًا يوميًّا في مصر، وبعد وباء الكوليرا عرف العالم بداية ظهور الحركات الدينية والفاشية في الغرب. أما الآن فسوف ينتهي كورونا لتتبوأ شركات الأدوية العالم، ويتم تبديل العولمة من قيادة الدول إلى قيادة الشركات، فنجد مثلًا الأمم المتحدة أو مجلس الأمن يتكون من شركات عدة، وتتحول الدول إلى مدير تنفيذي للشركات ومنسق بينها وبين السوق. وتظل الاشتراكية حلمًا متجددًا في أحلام المناضلين العشاق للعدل والحرية.

باحث وصحفي مصري

الحبيب السايح: رسائل الطبيعة

صدقًا، إنه يقع انقلاب جذري في حياتي لعاملين اثنين؛ الأول: الحراك الذي تعرفه الجزائر منذ 22 فبراير 2019م، والذي نقلني إلى بُعد جديد؛ إذ دخلت في تأمل جديد لما أعيشه كإنسان وككاتب، وقد أعجزني فعلًا عن أن أجد له اللغة التي تصف زخمه وتحويله وتأثيره، بالرغم من أني كنت ولا أزال أحد الفاعلين فيه. إني في حال استيعاب للاستعارات التي أفرزها؛ مما يتطلب مسافة زمنية للكتابة عنه كفعل سياسي واجتماعي وثقافي. وقد كان قلقي على خطورة الانفلات أكثر من أي شيء آخر.

العامل الثاني: هو وباء كورونا الذي، قبل أسابيع قليلة جدًّا، لم أكن أعدُّه سوى مجرد طارئ مرضي عارض يصيب مجموعة بشرية في مساحة ضيقة من هذه الأرض بعيدة مني بآلاف الكيلومترات. ثم فجأة ها هو يقترب، كما عاصفة. وفي صباح تالٍ، أفقت على قتلاه ومصابيه عند النافذة والباب! هنا أحسست، لأول مرة، أني فقدت اللغة ونسيت أني كنت كاتبًا ولم تعد كتب مكتبتي بين عيني فجأة سوى مجرد أشياء جامدة. وبخطفة أخذني رعبي إلى الفضاء الأزرق. هنا وجدت العالم لم يعد كما كان قبل أسابيع قليلة. هنا وقفت على هشاشة الإنسان، على ضعفه ورعبه وعجزه وموته. وهنا، وهنا فحسب، عاينت استهتارنا برسائل الطبيعة إلينا.

اليوم، أحس مثل انكسار حدث في علاقتي مع القراءة، التي كانت جزءًا من حياتي اليومية. فذهني مشدود كله إلى هذا العدو الخفي. إني أحاول أن أجبر الأمر بنحو ثلاثين دقيقة قبل النوم. ومن الطريف، لنفسي، أن أعيد قراءة «بينوكيو ـ قصة دمية متحركة». يبدو أننا لسنا سوى دمى لن نكتسب صفة البشر الحقيقيين إلا إذا تعلمنا الحوار مع طبيعة كوكبنا حتى لا تغضب غضبتها المدمرة والنهائية.

يمكن لنا، نحن الأمة العربية، قبل غيرنا، أن نستخلص الدرس من مخلفات هذه الجائحة الفادحة، بأن نخصص نسبة معتبرة من عائداتنا -كيفما تكن طبيعتها ويكن حجمها- إلى الاستثمار في إنساننا وفي البحث العلمي وفي الصحة العمومية والتعليم والاستشراف.

أما الدولة المتقدمة، وبعيدًا من نظرية المؤامرة والحرب البيولوجية وما شابه، فإنها ستكون مدعوة إلى إعادة النظر في سياسة التكفل بالإنسان، وبخاصة الشرائح الهشة. وأن تراجع مواقفها تجاه حماية الطبيعة. وأن تخلص النية حقيقة في التقليل من الإنفاق على التسليح. وأن تسهم في إخماد بؤر التوتر والحروب؛ لأن كورونا أظهر للبشرية كلها أنها تعيش في كوكب واحد وفي زمن واحد وهي معرضة، بلا تمييز، للمخاطر ذاتها.

روائي جزائري

أنور الهواري: ليست عندي مشكلة مع الموت

في الساعات الأولى من ميلاد ٢٠٢٠م كان الشرق الأوسط يقف على حافَة الحرب بين أميركا وإيران، وكانت المنطقة تسلم نفسها -دون تمنع- لما عرف باسم صفقة القرن أو خطة ترمب للسلام في الشرق الأوسط ، ساعتها كتبت لأقول: ٢٠٢٠م عام صعب. لم يكن يدور في خيالي من قريب أو من بعيد، أن يكون ٢٠٢٠م قد دخل علينا يطوي تحت جناحيه بذور فنائنا جميعًا، وأخذت وقتًا طويلًا أقرأ وأسمع وأشاهد دون أن أصدق.

وجدتني في تمزق على عدة جبهات، أو بالأدق ثلاث جبهات: جبهة قديمة هي الديمقراطية التي كنت وما زلت أتخيلها زورق الإنقاذ الوحيد الذي يمكنه خلاص بلادنا وشعوبنا من التخلف المزمن والاستبداد المستقر والفساد المطمئن. ثم دخلت على الخط قضية وجودية أخطر مليون مرة من قضية الديمقراطية وهي مياه النيل بعد أن وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود. ثم لم أكد أبتلع الصدمة حتى جاءت أخطر قضية وجودية دقَّتْ طبولها على رؤوس البشر منذ طوفان نوح عليه السلام في الأيام الأولى للإنسانية كما يسردها سفر التكوين في العهد القديم.

ليست عندي مشكلة مع الموت، فقد سبق وتقدمت له بكامل إرادتي، ووقعت للأطباء على وثيقة تُبَرِّئهم من موتي، وتُحَمِّلُني مسؤولية ما يؤول إليه أمري، قبل ساعات من جراحة كبرى، دامت عشرين ساعة من دون انقطاع، استأصلوا كبدًا تلف وتليَّف وكان على حافَة السرطان، وزرعوا مكانه نصف كبد تطوَّعت به شقيقتي، وأبقوا لها النصف الآخر تعيش به.

مددت رُوحي قبل جسدي على محمل طبي في استسلام كامل للقضاء والقدر لا يشغلني شيء مما كان في حياتي ولا شيء مما أتوقع أن يكون موتًا كان أم حياة جديدة.

فقط تألمت ألمًا شديدًا، حين وقعت عيناي على شقيقتي، وهم يحملونها ليبقروا بطنها، وليجزوا كبدها، ولينزعوا نصفه، ثم يعيدون زراعته عندي. كانت تبتسم فوق سرير العمليات كطفل ذهب به أهله إلى مَلَاهٍ يحبها أو إلى ملاعب يشتهيها، كانت طفلة بريئة بكل معاني البراءة والطفولة، آلمني ذلك أشد الألم، وما زال يؤلمني أشد الألم، إحساس عميق بالذنب أني فعلت فيها ما فعلت وأخذت منها ما أخذت.

كنت في تلك الأيام عضوًا في نادٍ للصحفيين والأدباء والسياسيين من أبناء جيلي ومن أجيال تسبق وأجيال تلحق، كنّا جميعًا قد أدركنا فيروس الكبد الوبائي، ولم يكن له علاج، وكنا نضطرب في أسواق الطب من دون مغيث، كنّا نشحب، وتضعف قوانا، وتخبو جذوة الحياة في أوصالنا، كنّا نصبح على همود، ونمسي على خمود، ونطوي الصدور على حزن دفين وأسف مقيم.

أتذكر كل ذلك الآن، ويؤلمني أشد الألم، وسوف أبقى ما حييت رهين الألم، فقد ماتوا جميعًا، ماتوا ولم يبقَ منهم أحد، مات الروائي محمد ناجي وكان يقاسمني دواءه، مات المستشار الثقافي والصحفي في الأهرام المسائي محمد عبدالواحد وقد دخل غرفتي في المستشفى ثم لم يخرج منها وكانت طفلته الصغيرة تنتظره مع والدتها على الباب، مات الصحفي والسياسي عزازي علي عزازي وكان سعيدًا بنجاح عمليتي وشجعه ذلك على المغامرة، كثيرون جدًّا ماتوا، وتركوا في نفسي لوعة وجودية عميقة لا مهرب منها إلا بأن أطلق ساقي على طريق مفتوح، وأظل أمشي ثم أمشي ثم أمشي حتى تنفد طاقتي على الحركة والتفكير، فأوقف سيارة تاكسي وأرمي فيها ما بقي من روحي وجسدي عائدًا إلى البيت وقد تخدرت اللوعة وسكنت إلى حين.

ليست عندي مشكلة مع الموت، عندي مشكلة مع موتِ مَنْ أُحب. بطبعي تقليدي وريفي ومحافظ وأحب انتظام الحياة وفق قواعد أعرفها سلفًا، تروعني المفاجآت والثورات والانقلابات والزلازل والفيضانات والمجاعات، ومن باب أولى تروعني فكرة الطوفان، روعتني منذ كنت  أتلقى سُوَر القرآن المجيد على الألواح في كتاب سيدنا الشيخ محمد حسبو -الله يرحمه- وقد ارتفعت الأمواج لتفصل بين الأب وابنه، بين نوح وولده، في مشهد مهلك للأعصاب.

تذكرت الطوفان القديم وأنا أتابع طوفان الوباء يكتسح العالم ويشلّ حركته ويعزل القارات والبلدان والشعوب والأفراد. قرأت العهد القديم أول مرة في العام الدراسي ١٩٨٠- ١٩٨١م وكنت في الصف الثاني الثانوي، قرأته بما يكفي لأن يكون مألوفًا عندي، لكن ليس بما يكفي لأكثر من ذلك، حتى دارت الأيام وقرأت الإلياذة، وتعودت على مجتمع الآلهة، بينما العهد القديم -ومن بعده الإنجيل والقرآن- أسس لمفهوم الإله الواحد، والكون الواحد، والإنسانية الواحدة، والمصير الواحد، فكرة في حد ذاتها مريحة وملمومة وبسيطة.

وجدتني، في لحظتنا هذه التي نعيشها كإنسانية تحت سيف الوباء، أتوقف عند النص الأخير من الطوفان: «أقيم عهدي معكم، فلن ينقرض ثانية بمياه الطوفان أي جسد حيّ، ولن يكون طوفان آخر لخراب الأرض»! وقد أعجبني، أن ترجمة النسخة التي أقرأ منها، تضع عنوانًا مثيرًا جدًّا لصحفي مثلي مشغول بالكتابة في السياسة، فعنوان الفقرة التي أعقبت فقرة الطوفان من سفر التكوين هو «نظام جديد للعالم»! وأظن أن هذا ما نحن، والإنسانية كلها، بصدده الآن. عالم جديد أو الفناء. ليس بطوفان من الله ولكن بحماقات من الإنسان.

كاتب وصحفي مصري

صلاح بوزيان: وداعًا للرأسمالية

تجدني خلال هذه الأيّام ونحن نتابع انتشار فيروس كورونا، أرابطُ في البيت فلا أغادره إلّا عند الصّباح مسرعًا لأجلب بعض اللّوازم: الخبز والحليب والخضراوات. أمرّ بالشّوارع المقفرة فيطالعني باب الجلّادين مقهى طقطق حيث كنتُ أمضي سويعات مع مثقّفي القيروان نخوض في أمور الأدب، الأشجار والفوانيس وسور المدينة حزينة. المقهى مقفلٌ وكآبة تنتشر في الشّوارع والأزقّة، حيرة على الوجوه، الطّوابير تملأ المدينة، أقف في الطّابور أشتري الخبز وقليلًا من الخضراوات من المغازة العامة، وأعود إلى البيت. أجلس في المطبخ رفقة زوجتي وأمّي وأبنائي، نتحدّث ونتابع التّلفاز للحظات، ثمّ أخلعُ ملابسي وأرتدي الدجوقنق، أرتقي الدّرج إلى مكتبي في الطّابق العلوي أنفق كامل وقتي في المطالعة ومن حين إلى آخر أتنقّل بين المحطّات التلفزيونية التونسية والعالمية لأتابع الوضع في جميع أنحاء العالم.

أنزل لتناول الغداء، وأعود وأنزل في الليل لأتعشّى مع العائلة وعندما تهدأ الحركة، أترك المطالعة والكتابة، أدخل غرفتي لأنغمس في مشاهدة التّلفاز، وملاحقة الأخبار، أتفرّج في الملفّات التلفزية التي تتناول كورونا وأسبابها وتوقّعات عالم ما بعد كورونا. تمضي الأيّام بهذه الوتيرة. وأعتقد أنّ هندسة خريطة العالم الجيوسياسية والمالية ستتغيّر وفق النتائج التي ستحصل بعد كورونا، وستضطرّ كثير من البلدان إلى التوجّه نحو التشاركية الاشتراكية، بمعنى سيطفو على السّطح نظام سياسي مالي جنوب جنوبي تتقدّمه الصّين وروسيا والهند، وستتغيّر ملامح أوربا ويتفكّك الاتّحاد الأوربي. وستصعد قوى جديدة تهيأت لها الأسباب قبل الكورونا لتكون فاعلة أكثر في العالم، وقد يحتدم الصّراع بين قدماء الهيمنة والمهيمنين الجدد، ولكن بلا عودة إلى الرّأسمالية القبيحة. الثّقة في الله وحده أن يعمّ السّلام العالم.

روائي وصحفي تونسي

ليلى عبدالله البلوشي: أزمة كورونا تُحدِث صدمة هائلة

بالنسبة لكائن بيتوتي مثلي لم أشعر مطلقًا بعزلة كورونا. صارت العزلة والجلوس في البيت خيارًا شخصيًّا منذ أعوام، منذ سحبتني الكتب إلى عوالمها الغامضة، ومنذ جاءت الكتابة إليّ. كان المنزل هو منعزلي المثالي، بعيدًا من صخب العالم، أحببت ألفة البيت حتى إنني قدمت استقالتي من الوظيفة كي أجلس في البيت أقرأ وأكتب، ويحدث أنني في كثير من الأحيان لا أفعل شيئًا، لكن الشعور بالحرية المطلقة يكفيني. أن أكون سيدة نفسي، وزمني.

حتى مسألة العمل عن بعد هو نمط اعتدت عليه منذ وقت طويل، فقد اخترت أن أعمل في منزلي، أن أبعث مقالاتي لمجلات وصحف متنوعة، وأتواصل مع العالم المترامي عبر شاشة صغيرة.

* * *

أزمة كورونا أحدثت صدمة هائلة على الأصعدة كافة، ربما الذي خفف من جرعة الأزمة مع الوقت هو في كونه صار وباءً عالميًّا، أي أنه يشمل جميع سكان الأرض. منذ أعوام وجزء من هذا الكوكب يعاني، حروبًا ومجاعات وأزمات سياسيةً واقتصاديةً إلى لا آخره.. وجاءت كورونا لتخبرنا أن جميع من في هذا العالم معرض للخطر والموت في أي لحظة، ولن تفلح أسلحة العالم كلها للقضاء عليه أو الحد من تفشيه!

* * *

هذه العزلة جاءت مفاجئة وبلا مخطط مسبق، بل إنها نسفت كل خطط العالم، وصار الإنسان حبيسًا في عزلة ليست من اختياره؛ لذا سيسعى جاهدًا للتخلص من هذه العزلة، بتقويضها عبر القيام بأعمال لم يقم بها سابقًا، فوفق ما قرأت ولاحظت أن معظم الرجال صاروا يمارسون ما يسمى في ثقافتنا المجتمعية (أعمالًا منزلية) التي صارت منذ وقت طويل لا حكرًا على النساء فحسب بل على عاملات المنازل، حتى النساء العاملات، صرن يتعرفن إلى مطبخهن وإلى عادات صغارهن أيضًا. لكن مفهوم العزلة في حد ذاته ليس سواء بين الرجال والنساء في مجتمعاتنا العربية، فالمرأة تظل تحت ضغوط اجتماعية في مجتمع هو ذكوري حتى النخاع، بينما الرجل يملك مساحة عزلته ويتحكم فيها على النحو الذي يريده.

وقد عرضت الناقدة الكندية نانسي هيوستن في كتابها «أساتذة اليأس» هذه المسألة؛ إذ أعلنت قائلة:«لا وجود لمُعادِل نِسوي للكاتب هنري دافيد ثورو، الذي عاش لسنوات في عزلة فردية مكتفيًا بذاته. ولا وجود «لروبينسونات كروزو» في جزيرة مقفرة. فاستيهام العزلة التامة نادرًا ما يكون استيهامًا نسائيًّا».

كاتبة عمانية

————————

«كورونا» الذي يُعيد «تربية» العالم / عبد الرحيم العطري

لربَّما من السابق لأوانه، الدخول في محاولة لاستخلاص الدروس والعبر من رعب كورونا «السائل»، لربَّما من غير المنطقي، الحسم في مآلات الوضع المربك والمخيف الذي نختبره آناً، ومع ذلك لا بأس أن نجرِّب القراءة ونهفو إلى تلّمس الخلاص. الأمر جلل والموقف عصي على الفهم والتأويل، فالعالم الذي كان مطمئنا إلى يقينياته واعتقاداته المتصلّبة، بات غائصاً في حيرة كبرى، وكأنه يجرب دهشة البدايات وقلق النهايات كما في العود الأبدي، فلا حقيقة تصمد ولا معنى يُؤَوِّل ويُؤَوَّل، فقط هو «اللايقين» ما يشمخ عالياً في كلّ المسالك والمتاهات، فقط هو الضعف والخوف والمرض والموت، ما يعيدنا إلى الصفر ويدفعنا نحو المجهول.

لا الحكومات التي أدمنت طويلاً «البلطجة الدولية» والاستبداد السياسي، في الشمال أو الجنوب، استطاعت أن تتغلَّب على هذا العدو اللامرئي، الذي ينتشر سريعاً ولا يبقي ولا يذر. ولا الحكومات التي أدمنت «التبعية» أو «الأنفة وعزة النفس» استطاعت بدورها أن تتحرَّر من لعنة كورونا، وتبقى في حِلٍّ من «رعبه» و«ترعيبه»، فالفقراء كما الأغنياء، المشاهير والمغمورون، آل الشمال وآل الجنوب، الكلّ بات خائفاً من الجائحة، ومُوقِناً بأن رساميله الرمزية والمادية لن تمنع عنه «الوباء السائل».

فجأة توارت عن قصاصات وكالات الأنباء ومسائيات الإذاعة والتلفزة أخبار داعش وقفشات ترامب وتداعيات بريكسيت وثورات الربيع، تراجع كلّ ذلك إلى الوراء، ليصير خبزنا اليومي هو فيروس كورونا القاتل، نداعب شاشات الهاتف وأزرار الريموت كونترول، بحثاً عن أعداد القتلى والمصابين في الهنا والهناك، ونتطلَّع إلى أخبار تُبشّر باكتشاف اللقاح، نَتَنَدَّرُ حيناً بِنُكَتٍ للضحك والتهوين من الواقعة، أو ننخرط خطأ في مسارات التهويل والرفع من منسوب الذعر جراء تقاسم بعض الأخبار الزائفة أو الصادقة.

يبدو أنه «وباء مُعَلِّمٌ» جاء ليضع الإنسانية أمام ضعفها المتأصّل، ليذكّرها بألا شيء يمكن التحكّم فيه، وأن للطبيعة منطقاً آخر، و«رياضيات» أخرى، لا تخضع لقوانين السوق ومتاهات الحداثة المفرطة، جاء لِيُعْلِيَ من فرضية «سردية الرعب المعمم»، حيث قلق الموت ينتصر على قلق المعنى، وحيث غريزة البقاء تحاور غريزة الموت، وتفاوض بشأن التجاوز والانتصار على فيروس، يعبث بالأبدان والأرواح والاقتصاديات ويقودها قسراً نحو أحلك الاحتمالات.

لقد تحوّل العالم إلى محجر صحي كبير، وانسجن الأفراد تحت ضغط الجائحة في منازلهم، وتوقَّفت دورة الإنتاج في كثير من المصانع والإدارات، وباتت البِيَّعُ والكنائس والمساجد، توصد أبوابها في وجه المصلين، فمن كان يعتقد يوماً أن يصير الحرم المكي فارغاً؟ وأن تنتهي السعودية من منح تأشيرات العمرة؟ من كان يعتقد، يوماً، أن تصير المطارات والفنادق والمزارات السياحية بلا مسافرين وزائرين؟ من كان يتخيّل أن تصير فينيسيا «البندقية»، مدينة الحبّ والجمال، خاوية على عروشها؟

إن سردية الرعب المعمم نابعة أساساً من خطاب التهوين أو التهويل الذي رافق الفيروس منذ ظهوره الأول في إقليم ووهان الصيني، فلم تَنْتَهِ الآلة الإعلامية، ولو من غير قصدية مباشرة، من بث القلق والذعر في نفوس المواطنين في أكثر من سياق، مثلما لم تنته قنوات التواصل الشعبية من إنتاج النكت والشائعات والأخبار الزائفة بصدد الفيروس، ليتدخَّل «تجار الحروب وأثرياء الأزمات»، لصب مزيد من الزيت على النار، باحتكار السلع وتوجيه المستهلك نحو سُعار الشراء والتخزين استعداداً للأسوأ، كلّ ذلك كان سبباً رئيساً في تعميم الرعب والهلع وفتح علبة شرور العالم من جديد.

الفيروس فعلها، وأعاد كلّ شيء إلى الصفر، أعاد الإنسان إلى سردية الرعب الممتدة عبر الأزمنة، والتي دعته في حالة «حرب الجميع ضد الجميع» إلى الاحتماء بالسحر والمعتقد والخيال لمواجهة ظلام الجهل والمرض وباقي الشرور. كورونا فعلها وأعاد الإنسان إلى ضعفه وعجزه، فلا يجد بدّاً من الاختباء والامتناع عن اللقاء بالآخر. إنه الفيروس الذي يعيد بناء المسافة الاجتماعية ويعمل في الآن ذاته على تحيين أو تهجين الرابط الاجتماعي. ففي لحظات الخطر تلوح الحاجة إلى الشبيه، لمواجهة عنف المتوقّع واللامتوقّع، فكيف يستقيم الأمر في ظل فيروس يقتضي التباعد لا التقارب؟ هنا يشتغل الرمزي بدرجة أعلى وتصير المسافة «صحية/احترازية»، مع عودة دالة إلى الذات والآخر، في أشكال تضامنية وحدوية لمواجهة الخطر، بل وحتى في مستوى أشكال عدوانية تعلن انتصار الأنانية والجشع والاحتكار. وهو ما لاح بقوة في التسابق نحو إدخار الطعام وإعادة ترتيب الأولويات.

لقد تنازل الفرد، مكرهاً، عن طقوسه اليومية، وانسجن، ضداً على رغباته، في بيته، مذعوراً من خطر محدق، قادم من لمس زر مصعد أو فتح باب أو مصافحة مريض، لم يعد ذات الفرد منشغلاً بالبحث عن الأسفار والرحلات الأَقلّ سعراً، أو مهووساً بالتمشهد الرقمي لحصد اللايكات وتسويق الذات، ما يهمه في سردية الرعب المعمّم هو البقاء وتلافي ممكنات العدوى والاعتلال.

لقد بات الهمّ الوجودي للأفراد والجماعات هو تخزين الطعام والتسابق نحو تأمين أكبر قدر من الدواء، وهو ما فتح الباب لظهور الأنانيات المستحكمة والفردانيات المعطوبة والهويّات القاتلة، وكأن الأمر يتعلَّق بهندسة اجتماعية جديدة أساسها التباعد الاجتماعي والإعلاء من شرط البقاء. فكلّ التعليمات الاحترازية توصي بضرورة الانتهاء من طقوس التحية والتقبيل والعناق، لصالح أشكال جديدة من «اليومي التواصلي»، تنبني على التباعد لا التقارب، وعلى الانفصال لا الاتّصال. وهو ما تعضده خيارات منع التجمعات العامّة وإغلاق دور العبادة والمطارات والمقاهي والمطاعم.

إنها مجتمعات الخطر والمخاطرة التي أهدتنا إياها النيوليبرالية المتوحشة، وقادتنا إليها التفكيكات والتذريرات المتواصلة للرابط الاجتماعي ولكافة أشكال وبنيات التضامن والتعاضد الجمعي، إنها ذات المجتمعات، التي تعرَّضت، ولأسباب تاريخية وسياسية واقتصادية صرفة، للمزيد من التهجين والمسخ والاحتباس القيمي، وأنتجت في النهاية «مسخاً إنسانياً» هشّاً، لا يصمد طويلاً أمام اختبارات الجوائح والأوبئة، بل يكشف سريعاً عن الجانب المخفق والبائس المتأصّل في أعماقه، يستيقظ فيه الوحش، ويموت فيه الإنسان.

رسائل/دروس الجائحة لا تنتهي، إنها تتجاوز المحلي إلى الكوني، وتتفوّق على كلّ السرديات الدائرة بغير انقطاع، لتعلن للجميع، وفي عتبة العتبات، أن الجائحة ديموقراطية، في استهدافها للدول الغنية كما الفقيرة، وللفئات المهيمن عليها، كما الأخرى التي تهيمن وتمتلك وسائل الإنتاج والإكراه، فهو فيروس لا يختار ضحاياه بسبب اللون أو الدين أو الانتماء المراتبي، مثلما هو الحال بالنسبة لمرض السل الذي يصيب آل القاع الاجتماعي من الذين يقيمون في سكن حاط بالكرامة، أو فيروس الإيبولا الذي استهدف مواطنين من إفريقيا الوسطى بالتحديد. هنا الجائحة تعلن أنها جاءت لتقول للجميع، بألّا واحدة من الدول الكبرى أو الصغرى بمقدورها التحصّن ضد الفيروس.

في عتبة ثانية يعلن الفيروس للجميع أن العلم هو مفتاح الفرج، وأن المراهنة على التفاهة ونجوم الكرة والغناء والبلاهة، لن تنقذ العالم من مصير الهاوية، فقط هو البحث العلمي ما قد يقود إلى اكتشاف اللقاح وتأمين المستقبل، وهو ما يكون قبلاً بالاستثمار في بنيات التربية والتعليم والصحّة. فالفيروس وضع الإنسانية مرّة أخرى أمام حقيقة القطاعات الحيوية التي أُهْمِلت بسبب توصيات المؤسَّسات المانحة والمُقرِضة، والتي توصي دوماً بوجوب تخلي الدولة عن الإنفاق العمومي لصالح الصحّة والتعليم وباقي القطاعات الاجتماعية.

ثمّة عتبة أخرى للفهم والسؤال المستفز، تنكشف من خلال تداعيات «حرب كورونا»، وهي بالضبط عتبة المصير المشترك، فالإنسانية تختبر اليوم، عبر سردية الرعب المعمّم التي أفرزتها وعززتها جائحة كورونا، تختبر أن الألم مشترك والمعاناة واحدة، وأن الخوف من المجهول يتسيّد الوضع، ويلقي بثقله على كلّ الديناميات والفعاليات الإنسانية، فالكلّ بات منشغلاً بعدد المصابين والمتعافين والراحلين تباعاً، في الصين وإيطاليا والمدينة الفلانية والحي الأقرب، لم تعد أهداف ميسي ولا مؤخرة كارديشيان تغري بالمتابعة على اليوتيوب، وتحقّق بالتالي أعلى أرقام «الطوندونس»، فقط هو الخوف من الاعتلال ما يشكل أُسَّ الانهمام ومَكْمَنَ الرهاب.

لقد أحدث كورونا، فينا ومن حولنا، فائق الارتباك وعميق الصدمة، لقد عَرَّانا من الداخل قبل الخارج، وكشف جروحنا النرجسية العميقة، وأعطابنا الاجتماعية والسياسية الثقيلة، وكشف، وهذا هو الأهمّ، خسائرنا القيمية الكبرى، في إنتاج «إنسانية جمعية» أو حتى «فردانية عقلانية» تدبر الأزمات العصيبة بمزيد من الحكمة والتبصّر والإيثار. لهذا يتوجَّب علينا الاعتراف بأن الإنسانية رسبت في هذا الامتحان العسير، وأن ما بشّرت به العولمة والحداثة وحوار الحضارات، وما إلى ذلك من «مفاهيم مسكوكة  وترحالية»، لم نجد له من أثر في قلب الإعصار، وتحديداً في الدول التي لم يُبْنَ فيها الإنسان، وتُرِكَ فيها منذوراً لأدوات «التضبيع» والتتفيه.

في الختام لا بدَّ من التأكيد على أن درس الدرس الذي يتوجَّب الخلوص إليه، من هذي الجائحة، هو البناء الحضاري للأمم والشعوب، عبر بناء الإنسان وجعله محور كلّ الاستهدافات التنموية، مع ما يوجبه هذا البناء من تعاقدات مجتمعية جديدة، ومصالحات ذكية بين الطبيعة والإنسان، وبين الإنسان والإنسان. فهذا الوباء المُعَوْلِمُ للألم والفزع والشر، سيغرس في ذاكرة الشعوب خبرات مؤلمة عن سوء التدبير والتعاطي مع الأزمات، وسيذكرها بأن ما حقّقته البشرية من انتصارات مزعومة على الطبيعة، وما بلغته من شأوٍ في باب المستحدثات التقنية، وأن ما كرّسته من قيم الاستهلاك واحتمالات الضبط والتوجيه، بات بلا معنى، أمام فيروس مجهري أصاب العالم في مقتل، وعمق من جرحه النرجسي.

ستدرك البشرية، ولو بعد حين، أن الحياة تستمر بالضروري من أساسيات حفظ النفس والحياة، وألا حاجة إلى العلامات الفاخرة لتأكيد التمايز الاجتماعي، وألا حاجة إلى «المؤثرين» من صنَّاع التفاهة والبلاهة، لصناعة الرأي العام، وأن ما يمكث وينفع الناس هو العلم/مفتاح الفرج.

إن الحجر الصحي الذي يختبره العالم اليوم، هو أشبه ما يكون بعودة مفروضة إلى الذات، في شكل خلوة تفكير وتغيير وتنوير، لإعادة اكتشاف الأنا والآخر، وإزالة السحر عن الوقائع والأشياء، فالمطلوب أن تصير هذه «الخلوة القسرية» عتبة تأسيساتية فارقة ومائزة لإعادة قراءة وتأويل الحال والمآل، عبر اكتشاف الذات في محدوديتها القصوى، بعيداً عن وهم التضخّم الهويّاتي.

لربَّما كان من الضروري، أن تصفع الجوائح، الإنسان من حين لآخر، علّه يستفيق وينتهي من «رأسمالية الكوارث»، فعالم ما قبل سردية الرعب الكوروني، كان غائصاً في بلطجة دولية فجّة، لم يكن معها يعير أدنى انتباه لِأُمِّنَا الأرض، ولا إلى تلوثها ونهبها وتدميرها الذي فاق كلّ المعدَّلات، كان منشغلاً فقط بالتحريض على الاستهلاك وتوطين قيم السوق والتفاهة. وها هو الفيروس يصفع الجميع، ويعيد الإنسان إلى عُريه وضعفه ودهشة البدء، فهل سيستوعب الواقعة والدرس؟ والتي تتلخّص في هكذا عبارة «ألا ما أضعفك أيها الإنسان».

———————————

الخيال الوبائي.. روايات لـمستقبل محتمل!/ رشيد الأشقر

في سياق حالة الحجر، والحظر، والطوارئ الصحية، التي يعيشها العالم اليوم، طفت على سطح المشهد الثقافي، في الآونة الأخيرة، بعض الأعمال الروائية التي أثارت اهتمام المنابر الإعلامية والثقافية الدولية، بقدرتها العجيبة على توقّع واستشراف ما يُشبه الجائحة الوبائية الحالية، منذ سنوات وعقود، قبل أن يشهد الناس هذه «الكورونا» التي تزحف على العالم وتحاصره منذ شهور. وليس المقصود هنا ذلك الصنف من الروايات التي تناولت أوبئة وجوائح «حقيقية» عمّت البشرية ذات فترة من تاريخها العليل، كرواية (الجبل السحري)، 1924، للألماني «طوماس مان»، و (الطاعون)، 1947، للفرنسي «ألبير كامو»، و(حب في زمن الكوليرا)، 1985، للكولومبي «غابرييل غارسيا ماركيز»؛ فمثل هذه الروايات الخالدة، إنما تقدّم واقعاً داهمته- بالفعل- أوبئة حقيقية، كالسلّ والطاعون والكوليرا. بينما الروايات التي يتناولها هذا المقال تحكي عن مستقبل بشري يُحتمل أن يعمّه مثل هذا الوباء، لذلك فهي روايات لا «تحاكي» واقع الوباء، وإنّما «تستبق» وقوع الوباء، وتستشرفه، وتُنذر بحصوله. إنها روايات الخيال «الوبائي»، على غرار قصص وحكايات الخيال «العلمي» التي دأبت على تخييل أحداث ووقائع محتملة قد تصير، في المستقبل، حقائق واقعية.

تأتي رواية (نهاية العالم) للكاتب الأميركي الشهير «ستيفن كينغ»، في مقدِّمة هذه الروايات الاستشرافية التي لفتت انتباه القرّاء عبر العالم في هذه الأيام، نظراً لما لمحوه فيها من تشابه واضح بين ما ترويه أحداثها، وبين ما يجري الآن؛ فعلى غرار ما يفعله بالعالم اليوم فايروس «كوفيد 19»، تحكي الرواية عن جيل رهيب من فيروس الإنفلونزا، يتسرّب من إحدى المختبرات العسكرية، ليفتك بأكثر من تسعين في المائة من سكان العالم.

(نهاية العالم) الصادرة سنة 1979، رواية ضخمة بصفحاتها التي تصل الألف وخمسمئة صفحة، وتشابك حبكاتها الرئيسية والفرعية، وتعدّد شخصياتها وفضاءاتها. وهي من الكلاسيكيات السردية الرائدة لـ«ستيفن كينغ»، ومن الروايات الاستباقية لما يعيشه العالم اليوم من وباء. إنها بمثابة «كوريغرافيا» لانهيار عالم لا يحتلّ فيه البشر سوى موقع أقلّ من فيروس قذر.

(نهاية العالم) التي أصبحت مطلب القرّاء ومبتغاهم في هذه الأيام، من أجل استكشاف مجاهل الوباء، وكسر روتين الحجر المنزلي. اعتُبرت (نهاية العالم) من أكثر الروايات اقتراباً وتطابقاً، في بعض مظاهرها، مع واقع الوباء الحالي. وهذا ما دفع بـ«ستيفن كينغ» إلى التدخل عبر حسابه الشخصي على التويتر، لينفي كلّ تشابه مطلق بين الفيروس الذي تخيّله في روايته، وبين الذي يدمّر العالم اليوم، منبّهاً قرّاءه بقوله: (لا، الكورونا ليس كما الوباء الذي أحكي عنه في «نهاية العالم»، فهو لا يصل بتاتاً إلى خطورته. الوباء الحالي يمكن تجاوزه قريباً، فلا تجزعوا، وخذوا ما يلزم من حذركم). نفس الرأي، سبق أن عبّر عنه «كينغ» خلال مقابلة تليفزيونية، خصّ بها شبكة CNN، قال فيها: (منذ سنوات، كتبت «نهاية العالم»، وهي رواية تحكي عن وباء أباد غالبية الجنس البشري. نحمد الله، أن الوباء الحالي ليس بهذه الدرجة من الشراسة، ولكن منذ أن كتبتُ ذلك في العام 1979، لم نفعل شيئاً غير أن ننتظر؛ ليأتينا الوباء). وهو بهذا الكلام، إنما يتوجَّه بالنقد إلى خصمه اللدود، الرئيس الأميركي «دونالد ترامب»، محمّلاً إياه مسؤولية التردّد والتأخّر في تدبير أزمة الكورونا بالولايات المتحدة.

سنتان بعد ظهور (نهاية العالم)، ينشر «دين كونتز»، المنافس العنيد لـ«ستيفن كينغ» في مجال الكتابة السردية التي تتلاعب بهواجس القارئ ومخاوفه، روايته المثيرة (عيون الظلام)، الصادرة سنة 1981. وهي رواية لا يملك حيالها القارئ سوى أن يفغر فاه، وهو يتابع وقائعها التي تجري عند نهاية 2019 وبداية 2020. تقول الرواية في بعض فقراتها: (عالم صيني يفرّ من بلده، ويلجأ إلى الولايات المتحدة، حاملاً معه أسرار أخطر سلاح بيولوجي صيني، تمّ ابتكاره في العقود الأخيرة يُدعى «يوهان 400». وإنما سُمّي كذلك لأن تطويره تمّ داخل مختبرات تقع بضواحي المدينة التي يحمل اسمها). وتضيف الرواية: («يوهان 400» سلاح فتّاك، لا يُصيب غير الجنس البشري، ولا يُمكن لكائن آخر أن يحمل عدواه. وهو شبيه بداء «الزهري»، إذ لا يستطيع فيروس هذا الوباء أن يعيش خارج الجسم الإنساني أكثر من دقيقة واحدة). بل إن رواية (عيون الظلام) استطاعت أن تستبق حتى أطروحة «المؤامرة» التي تتردّد بقوة هذه الأيام على هامش الأزمة الصحية العالمية التي تسبّب فيها فايروس «كوفيد 19»، إذ يرد على لسان أحد شخصيات الرواية قوله: (حسب ما فهمت، يمكن للصينيين، بواسطة «يوهان 400»، أن يدمّروا مدينة أو دولة بكاملها. وعندها لن يحتاجوا في غزوهم للعالم إلى عمليات ترميم، وإعادة بناء مكلّفة، وطويلة المدى).

ومع ذلك، لم تحظَ (عيون الظلام) منذ صدورها، سنة 1981، بأدنى اهتمام قرائي أو نقدي، إلى أن حلّت بنا جائحة «كورونا» لتضع الرواية على واجهة العناية الإعلامية، وعلى رأس ما تتداوله مواقع التواصل الاجتماعي من مواد فنّيّة وأدبيّة تلبّي تطلعات الجمهور في ظروف الاجتياح الوبائي والحجر الصحي. وهكذا أصبحت (عيون الظلام)، التي لم تكن مصنفة من ضمن لوائح الروايات المرغوب في اقتنائها، هاجس ملايين القرّاء عبر العالم، ممّا رفع من ثمن النسخة الواحدة منها إلى مئات الدولارات، بعدما كانت بعض طبعاتها الاقتصادية لا تتعدّى الدولارين أو الثلاثة دولارات. وقد بلغت إحدى نسخ طبعتها الأولى، الموقَّعة بخط يد كاتبها، ألف دولار، في حين تجاوز ثمن نسخة نادرة من الرواية، منشورة سنة 1989، وملفوفة داخل علبة خشبية أنيقة، الألفي دولار.

الكاتب الأميركي «دين كونتز»، وإن لم يكن من الأسماء المتداولة بكثرة خارج الولايات المتحدة، إلّا أنّه أحد العلامات الرائجة داخل سوق النشر الأميركي في صنف روايات الرعب والخيال العلمي. ومن أشهر أعماله، رواية (الأشباح) التي تم تحويلها، على يد السيناريست والمُخرج الأميركي «جو شابيل»، إلى فيلم سينمائي عام 1998. وهي من الأعمال التي يتكهّن فيه «كونتز»- أيضاً- بوباء خطير من فصيلة بيولوجية كيميائية.

أمّا رواية «حجر صحّي»، للصحافي والسيناريست الإسكتلاندي «بيتر ماي»، التي كُتبت قبل خمس عشرة سنة، ولم تُنشر إلّا قبل أيام قليلة فقط في نسخ إلكترونية متوفِّرة على كبريات مواقع المكتبات الرقمية، فلربَّما كانت أكثر هذه الروايات إثارة وتشويقاً للقرّاء عبر ربوع العالم، ليس لأنها تتجاوز سابقتيها في توقّع الوباء، والاقتراب بسردها وأحداثها إلى ما يعيشه العالم اليوم، وإنما لحكايتها الغريبة مع مغامرة النشر والطباعة.

ففي سنة 2005، كتب «بيتر ماي» رواية حول جائحة وبائية تعيث في الأرض موتاً وخراباً، وخلالها تبدو مدينة «لندن» كبؤرة للوباء الذي يغزو العالم. وقتها، وُصِفَت مخطوطة الرواية بأنها «لا واقعية» و«غير منطقية»، وبالتالي رفضتها كلّ دور النشر؛ بداعي طابعها «السوداوي» القاتم. اليوم، وبعد مرور عقد ونصف من الزمن، تعود رواية (حجر صحي) لتتصدّر واجهات الإصدارات الروائية داخل المشهد الثقافي «الموبوء» الذي يعيشه العالم حالياً.

وكان «بيتر ماي»، بعد أن تمّ رفض روايته، قد أهمل مسودّتها داخل أحد أدراج مكتبه، إلى أن اتصل به- مؤخَّراً- أحد الناشرين، يطلب منه أن يكتب شيئاً عن وباء «كورونا» الذي يجتاج العالم في هذه الأيام، وما أن روى الكاتب للناشر قصّة الرواية، حتى كاد هذا الأخير أن يقع من فوق كرسيّه، حسب وصف « بيتر ماي»، في حوار له مع الموقع الإخباري الإلكتروني «إي نيوز». وبعد أن قرأ الناشر الرواية في ليلة واحدة، قرّر نشرها في اليوم التالي على الفور.

وقد عبَّر الكاتب، نفسه، عن «اندهاشه» للتشابه الكبير بين الأزمة الوبائية الحالية، وبين ما ورد في روايته؛ إذ يقول (فعندما عدت لقراءة المسودّة، فاجأتني شدّة دقتها في وصف العزلة المنزلية، وكيفية تطبيق حالة الطوارئ الصحية، فكلّ شيء فيها كان يتطابق- إلى حدّ كبير- مع ما يجري أمام أعيننا الآن).

وفي تصريح لشبكة (CNN)، حاول «بيتر ماي» تفنيد تهمة (الإغراق في اللاواقعية واللامنطق) التي حرمت روايته (حجر صحي) من رؤية نور النشر، والخروج بالتالي إلى القرّاء، وذلك بالقول إنه قد حرص كلّ الحرص، أثناء كتابته للرواية على ألّا تعوزه هذه «الواقعية»، وذلك باستناده إلى وثائق رسمية صادرة عن السلطات البريطانية والأميركية، تتضمَّن الاستعدادات والإجراءات التي يُمكن اتخاذها في حالة اجتياح وبائي محتمل، كان يحذّر، من عاقبة وقوعه، العلماء والخبراء في تلك الفترة. وفي هذا الصدد يقول «ماي»: (لقد كانت فرضية مرعبة، لكنها حقيقة محتملة الوقوع، حسب ما استنتجته بعد بحث معمّق في الموضوع، وهذا ما أوحى لي بالفكرة التالية: ماذا لو انطلق الوباء من لندن؟ وماذا لو وجدت مدينة كهذه نفسها داخل حصار صحي شامل؟).

ولعلّ من أكبر المفارقات التي يصادفها قارئ هذه الرواية، تكمن في ذلك المشهد الرهيب الذي يصوّر مدينة «لندن» وهي ترزخ تحت وطأة إنفلونزا كاسحة تسمّى بـ«H5N1»، لتُجبر سلطات المدينة على تحويل (إكسيل)، مركز المعارض الفنية الشهير بالعاصمة البريطانية، إلى مجمع استشفائي للطوارئ، يضمّ أربعة آلاف سرير طبّي. وهو نفس المشهد الذي رأى فيه الناشرون قبل خمس عشرة سنة (تمثيلاً غير مستساغ لـ«لندن»، ولا يُمكن للمدينة أن تكون كذلك أبداً) !.

تلكم- إذن- أهمّ روايات التخييل «الوبائي» التي شغلت القرّاء، وتصدّرت واجهات المنابر الثقافية، ومنصّات التواصل الاجتماعي، في هذه الأيام الموسومة بالوباء وبالحجر الصحي الإجباري. وهي روايات أدّى الفضول الشديد لمعرفة حقيقة توقّعاتها وتفاصيل تكهّناتها، إلى طرح عدد من الأسئلة الجوهرية، من قبيل: هل يتعلّق الأمر- فعلاً- بـ«مؤامرة» تدبّرها القوى العالمية الكبرى في إطار لعبة السيطرة على العالم، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون محض «تشابه بالصدفة»، ما دام أن التاريخ يكرّر نفسه، بشكل أو بآخر؟

—————————–

كل شيء يشبه الجحيم/ يارا عيسى

كل شيء يشبه الجحيم، العالم والمدن، والحدائق المعلقة على طواحين الهواء. الخوف سيّد المستعبَدين، يُداهم حجراتِهم ليلاً، ينام في أسرّتهم، يأخذ الغطاء الرقيقعنهم، يكسر مراياهم، فلا يبصرون. مُجنَّدون في خدمته، لأنه من صنعهم، ولأنهم من صنعوه.

هو منهم، وهم منه، مجبولون به بطريقة لا أعلم فيها من منهم الآخر. في يد كل منهم كسرة خبز وسكين تُسنُّ كل يوم لذبح جديد. عيونهم الخائفة والقاسية أيضاً فوهات فارغة لبراكين جائعة، تريد التهام كل شيء ومن ثم تقيّؤ كل شيء أيضاً.

هذا هو العالم؛ قبيح، مشوّه، مُستعبَد، مظلوم، ينفث ما يتنفس من غمام الشر.

مدن الظلام تقتات على الخوف، تختزن القلوب في أقفاص من التراب كتدريب صغير على بيوت ستُحفر تحتها.

 كارثة الوباء كفيلة بإعادة إعمار كبير للقبور والخيبات، ففي مدينتي الفرنسية الصغيرة، منذ انتشار الوباء وفرض الحجر الصحي على الناس، تحوّلت البيوت الأوروبية الجميلة إلى سجون طوعية فخمة.

أجلس بمحاذاة النافذة التي تطلّ على نباتات زرعتها داخل المنزل، والتلفاز يبث محطة ترصد أعداد الوفيات والإصابات في العالم، ويقوم بتحديث لحظي للتطورات التي تحصل جراء انتشار جائحة “كوفيد19”.

أشاهد التلفاز وأودّ استبدالها بموسيقا كلارينيت لـ”حسنو شلنديرجي”، تٌنزل عيناي قطرتين من الدمع، وأنا أقرأ قسوة الأخبار العاجلة التي تبثّها المحطة.

 لا ملامح تعلو وجهي، لا خوف، لا حزن، لا فرح ولا غضب، في يدي كأس نبيذ أحمر يترنّح مخموراً كعصفور يؤدي رقصته الأخيرة وأنا أراقب برودة الحياة وسخافتها. أقهقه: “فليتذوّق العالم مرارة الخضوع وألم الفقدان، أما الآن لن أفكر بمآسي الكون، وبالآلاف الذين قُتلوا ويُقتلون كل يوم في الصين وإيطاليا وفرنسا والعالم، سأفكر كيف تستطيع سوريا أن تمزج بين كونها سجناً كبيراً عالي الأسوار، وقلعة مهترئة بجدران هشة قابلة للانهيار”، سأفكر كم أحتاج إلى أن أسند رأسي إلى أحد جدرانها.

أرتشف بضع قطرات من النبيذ ويتوالى على ذهني رصاص الأسئلة:

“ماذا لو متُّ هنا؟”

“ماذا لو أصيب أحد أفراد عائلتي بهذا الفايروس؟”

“المخيمات.. نعم المخيمات، كيف سيواجه سكانها الجائحة؟”

“كيف سيستطيع الناس البقاء في بيوتهم دون أن يكون لديهم من المال ما يبقيهم أحياء؟” “كيف سيحمي الناس أنفسهم من العدوى؟ والطوابير المزدحمة على الأفران والمازوت والبنزين والمؤسسات الاستهلاكية تكاد تجعل التنفس صعباً؟”

“كيف سأمنع عائلتي من التعامل مع الحرب والفقر والخوف والموت والوباء؟”

“لماذا كل هذه الحرب؟”

“هل أنا شخص خطر لدرجة أن بلادي نفتني إلى قارة أخرى وأغلقت جميع حدود الدنيا في وجهي؟”

قاطعت نفسي لأبعد عني أفكاري السيئة وأسئلة تبدو كالمقصّات المستعدة لبتر زهرة الأمل التي تكافح لتحيا داخلي.

ابتسمت لفكرة العائلة، وعاد إلي الشعور اللحظي بالدفء والأمان. تخيّلت في تلك اللحظة أمي النائمة، والتي، كعادتها قبل النوم، تخلع عنها زيَّ المحارب الحديدي الذي تلبسه منذ عشر سنوات وتضعه بجانبها، لتعود إليه في الصباح التالي. أبي، أيضاً، سيكون مستلقياً، لكن بعين نائمة وأخرى مفتوحة تتربّص كل الذئاب الجائعة التي تحوم حولهم. أما أخوتي، أشك أنهم نائمون الآن، فلكل منهم ألمه الخاص وقهره الخاص وجوعه المُنكّه بمرارة الحرب.

هدّأت قلبي بأن عائلتي بخير، واستطعت خلال جلوسي إلى جانب النباتات النضرة –مقارنةً بي- أن أقنع نفسي بأن كل شيء سيكون على ما يرام.

ولكن ماذا بعد؟ الكون يشتدّ ظلاماً وظلماً، وهذه الكارثة البيولوجية تبدو كبداية لتغيير الصورة النمطية عن الأسلحة.

أدندن أغنية “غرفة زغيرة ” لسميح شقير بصوت منخفض يخبو ويخبو، وأنا أشعر أنني، بالرغم من كوني بعيدة آلاف الأميال عن كل ما في البلاد من الحرب والحب، لم أستطع أن أحقق إلا تغييراً في نوع السجن وكثافته، وأنا أعلم أنني، كما ناقل الفايروس، أنقل معي حربي الخاصة أينما حللت، وفرض الحجر الصحي في هذه المدينة ليس إلا امتداداً لحجر وضعتني فيه الحرب منذ زمن، وإلى أجل غير مسمى.

البارحة كان لي بلد واسم وذاكرة وعنوان، اليوم كل شيء يشبه الجحيم الذي أشعر به في داخلي ويتغذى على وجبات من ذاكرتي المنتهية الصلاحية. ما أصعب أن تتعاطف مع الناس في خضّم أزماتهم وكوارثهم، وأنت كل يوم تنعي نفسك وبيتك وعنوانك وبلادك!

أرغب في أن أشعر الآن بنفس الخوف من انتشار الجائحة الذي يعانيه الناس، لربما سأبدو حينها إنساناً طبيعياً في ردّات فعلي، لكن خوفي من نوع آخر، من جائحة أخرى، مخصصة للسوريين على اتّساع حزنهم، جائحة لا تزال إلى الآن تأكل قوت من أحببتهم، تعيش على خوفهم، وتتغذى من ابتسامات أطفالهم.

———————————-

توابيت أنيقة.. كمّامات وقرارات أممية !/ أحمد بغدادي

لم يخطر في بالي يوماً ما أن أمشي في الشوارع وبين الأزقة داخل هذا المغترب وأحصي على أصابعي عدد الناس! وكأني أمارسُ لعبةً للتسلية، مؤقتة؛ ببساطةِ طفلٍ يلهو مع أترابه خلال لعبة (الغميضة)، بأن يكتشفَ أماكنهم وهو يضحكُ، أو يلهث خلفهم وكأنه قد ربحَ جائزةً ما، أو حصل على وسامٍ من الدرجة الثالثة قلّده إياه ابن الجيران الخاسر!

هنا في “غازي عنتاب” خرجت اليوم بعد أسبوع تقريباً من الجلوس في المنزل، كالعادة، فأنا لا أخرجُ إلا نادراً، للضرورة أحياناً، وأقضي بعضاً من حوائجي عن طريق الهاتف، حيث أخبر عامل بائع الخضار السوري في الحي المجاور وأعطيه قائمة متطلباتي، فأنجو بهذا من سطوة الحياة الهلامية في الخارج، ومن ألسنة العجائز اللائي يجلسنَ بشكل يومي عند زاوية الحي.. يقشرنَ بسكاكينَ مثلمةٍ فاكهةَ النميمة، ويلفظنَ بشفاههن الرخوة بذور الأحاديث المستهلكة، وينكّهنَ خاتمةَ الجلسة برائحة الثومِ المرصوفِ كالجنودِ الأسرى فوق رؤوسهنَ!

كنتُ كلما خرجتُ من المنزل متجهاً نحو الحديقة المجاورة كي أنتهي عبرها إلى السوق، أجدهنَ بذات المشهد، لا شيء تغيّر مطلقاً؛ واحدة تتكئُ إلى جدارٍ نصفهُ مهدّم، بفستانٍ مزركش، ألوانه نارية، وساقاها متباعدتان بهيئة ملاكمة تتلقى النصائح بعد أن هُشّمَ أنفها في الجولة الأولى، وتلتفتُ يميناً وشمالاً كأن عنقها رادارٌ يستكشفُ حركةَ الأعداء! أما الثانية فظهرها مقوسٌ ولم تقوَ يوماً على رفع عنقها.. دائماً تحملقُ نحو الأسفل، وفي قبضة كفّها عصا متعرجة، تحرّكها أمامها كضريرة، أو أنها لربما تحصي أعداد النمل العابرة، كما أنا كنتُ أحصي اليوم الناس الغائبين عن المدينة!

العجوز الثالثة، هي صاحبة المتجر الذي يقع عند زاوية الحي، تماماً تحت منزلها؛ عمرها كما تفرّستُ ملامحها يتجاوز الستين عاماً، ولها شامةٌ كبيرة تقعُ عند طرفِ أنفها الضخم، مثل ثمرةِ لوزٍ جافّة تكاد أن تسقطَ. هذه العجوز تفتح باب ذاكرتي على مصراعيه، حيث إني أرى في وجهها تلك العجوز التي كنا نخافها في صغرنا، عندما تأتي حكاياتٌ الليل، بأن هناك عجوزاً تخطفُ الأطفال وتضعهم تحت ثوبها، ومن ثم تذبحهم وتأكل قلوبهم…!

طبعاً.. هي ليست “ليليث…!”

اليوم… مررتُ وأنا أتحاشى النظرَ إلى مكان جلوسهنَ المعتاد، فهنّ دائماً حين أمرّ يبدأنَ بالهمس والضحكات مع الإشارة إليّ بأصابعَ مرتجفة، ولا أدري حتى الآن، لمَ ذلك؟! إلا أن شيئاً في داخلي أخذ يناديني ” التفت إلى الشمال، إلى الشمال.. أبحر بنظركَ إلى الشمال.” فعلتُ ذلك، بحركة لا إرادية؛ ومن ثم، لم أجد العجائز الثلاث، بل إنني شاهدتُ بساطاً أزرقَ، مُوَشّىً بألوان نارية أيضاً، لكنه لا يشبه فستانَ تلك العجوز!

 أخذتُ أفكرُ، وأنا أسمعُ صدى خطواتي الرتبية في هذه المدينة الساكنة، رغم أنّ الساعة لم تتجاوز الواحدة ظهراً.. ” أين تلك العجائزُ؟”

لم يجبني سوى بابُ المتجر المغلق، الذي لم يكُ مفتوحاً مثل باب ذاكرتي ! نعم، إنهنَ في الداخل، أو لربما ماتت إحداهنَ جرّاء سقوطها عن درج البناء، ودُقَّ عنقها الذي لا يشبه الرادار، فأنا أجزم أن تلك العجوز ذات الفستان المزركش والساقين المتباعدتين أنها على قيد انتظار القبر.. لكن ليس اليوم، فهي لن تموت بهذه البساطة، لمجرد أنها تهبط الدرج، فلقد رأيتُ فيها تاريخاً حذراً، ومتوجساً، ولربما كانت منذ عقدين توبّخ حتى الرجالَ الوقحين، ولعلّها ذات يوم صفعت زوجة ابنها بسبب تراكم أطباق الطعام في المطبخ دون تنظيفها؛ لذلك، لن ينتهي أمرها عند آخر درجة، مع صرخةٍ خفيضة، أو أنينٍ متصاعد، فهي جديرةٌ بميتةٍ أخرى، وعلى سبيل المثال: ” تلقي بنفسها من مول تجاري شهير  في عنتاب مثل “السانكو بارك” احتجاجاً على نقصِ أعداد الرجال غير الوقحين بسبب الحروب، أو نكايةً بفيروس كورونا الذي حرمها وصديقاتها من الجلوس في الخارج والحديث حول المستجدات الأُسرية وارتفاع سعر البيض الذي يمنح عنصر الكالسيوم “.

نعم… اليوم، سقطتُ عن الدرجة الحادية عشرة، وأنا أهبط تجاه منزلي  في “القبو”،  بعد خروجي صباحاً للمرة الأولى نحو جارنا البقّال كي أبتاعَ “الفول الأخضر”، لأطهو عشاءً يليقُ بربعِ رطلٍ من “الثوم”، الذي ارتفعت قيمته أكثر من قيمة جثث السوريين عند الحدود وعلى شواطئ البحار، وفي المنافي!

هكذا.. عند الحدود، لا تتجاوز قيمة السوري سوى رصاصة بين حاجبيهِ أو في قلبهِ، ثمنها لا يتعدّى “ثلاثة دولارات!” – أي أن رأسَ ثوم واحد، يضاهي بثمنه رأس سوري واحد!

وحيث الشواطئ، لا تتجاوز قيمة الغطاء الذي يوضع على جثةِ الغريق دولاراً واحداً.. وفي المنافي، وعلى الأرصفة في سورية، وبين أكوام القمامة (بحثاً عن الجوع)، وفي أقبية المخابرات والسجون، لم تتخطَ قيمة الضحية ثلاثة دولارات، كيفما استنتجنا أو تم عرض قيمة الأدوات التي قتلوا بها !!

بعد أن تجاوزتُ زاوية الحيّ، وأنا أفكّر بغيابِ العجائز، وأجيبُ نفسي بالإيجاب.. عسى أن خيراً هناك، وليس مكروهاً أصابهنَ، قلتُ مُدمّدماً وأنا أحكُّ باطنَ كفّي بظفرِ سبّابتي” هنّ كأعمدة البناء، لا يتزحزحنَ طيلة النهار، أما حين الغسق، يتوارينَ مع الشمس، لذا، عليّ ألا أقلق من وحدتي الآن في الخارج“.

… وحدتي!!

“أهااا“.. الآن تلقّى قلبي صفعةً أدارت بوصلةَ وجيبه نحو اليمين، حيث الحديقة المغلقة بأشرطةٍ بلاستيكية، درءاً لدخول الناس، وللتجمّعات البشرية.. وتلك الإجراءات جاءت لمنع انتشار “فيروس كورونا” كما يُشاع!

لم ألقِ بالاً لهذه الحواجز البلاستيكية، فالصمت داخل الحديقة الفارغة يصرخُ بي ” تعالَ .. فلتنهِ خطواتكَ حذوَ الورودِ.. وعقبَ ذلك اذهب حيث رائحة الإسمنت وفخاخ الخائفين من العطاسِ أو السعال والمصافحة.”

رفعتُ الشريطَ البلاستيكي بظاهرِ ساعدي، وانحنيتُ كإحدى العجائز، بعمودٍ فقري مقوّس، ومن ثمّ رفعتُ عنقي ولم أدره كـ”رادار”، إنما نحو الأمام، تماماً باتجاهِ باب الحديقة الآخر، لأخرجَ  منها فقط بنظري.. حينها، لم أرَ أحداً بقلبي! سوى الصمت، وزهورِ الربيع التي تصطفُّ وتتجاورُ إلى بعضها مثل فساتينَ مزركشةٍ بألوانٍ نارية تُعرضُ على واجهات المتاجرِ قُبيل الأعياد!

صوّرتُ هذا المشهد… بهاتفي المحمول؛ الزهورَ، وحتى جُذوعَ الأشجارِ، وسكونَ النهرِ الضحل، الذي لا يشبهُ “بردى“، وأرسلتُ من الصور لأصدقائي، ومنها كانت أيضاً للسنجابة الجميلة “أم عجقة“.. – وهي فتاة جميلة كالفرات، من جنوب سوريا، كانت تغفو بعمقٍ كما قالت لي وقت الظهيرة من فرطِ التعب والنعاس… إلا أنني لم أصدّقها، فأنا أعرفُ أنَ الورودَ لا تكلُّ أمام منحِ ضوعها للمُدَلِّه حتى في رقادها..

لم أقل في نفسي شيئاً وقتها، بل مضيتُ بخطواتٍ رتيبة، بلا صدى، وأنا أحكُّ بظفر سبّابتي الأخرى باطنَ أُذني،   لَعَلِّي أسمعُ صدى أصوات من رحلوا .. ومن غابوا .. ومن غرقوا؛ ومن قتلوا في المعتقلات ضمن مخططِ تخفيضِ نسبة الرجال اللطفاء في الأوطان الكليمة! وأيضاً، كنتُ أسمعُ صدى أصوات بائعي “الثوم” في سورية، وبالأخص (جغرافياً) في مدينة “الكسوة“، عندما كانوا يصحيونَ متجاهرينَ بلا حسدٍ ومنافسة ” كيلو الثوم بعشر ليرات”..آهٍ، كم أحتاجُ من السنين كي أحصيَ عددَ رؤوس السوريين الضحايا مقابل رؤوس الثوم، وقيمتها ؟!

دخلتُ إلى “مول السانكو بارك“، وعند الباب، نهرني موظفٌ يضعُ كمّامةً حول أنفه وفمهِ؛ قال لي بسخطٍ “قفْ جانباً كي أتمكّنَ من تفتيشكَ مع قياس درجةِ حرارتكَ.. و.. و.. إلخ؛” هكذا، نعم، كان عليه فقط أن يقولَ لي عقبَ انتهائه من “فحص” ثلاثةِ أشخاص سوريين أمامه، وليس –ثلاثة دولارات– ” تعال.. تعال؛ فلتنهِ خطواتكَ خارجَ هذا الباب، وعُدْ إلى المجزرة“.

 لا أعرف، هل تكفي الأشجارُ حول العالم والفؤوس لصنعِ التوابيت؟

الأقمشةُ الرخيصة، وما تنتجهُ “ديدانُ القزّ” هل تليقُ بجثثنا الباردة التي اغتابتها الحروبُ والقذائفُ والمنافي.. وألسنةُ الطغاةِ وسيوفهم.. وشفراتهم الحادّة، وصواريخهم، وطائراتهم… هل!؟

 هل هذا يُطاقُ؟!

كمّاماتٌ لإخفاءِ الملامح الصلدة، أو الجرائم المستجدّة والمتربصة.. وكفوف بيضاء وسوداء للمصافحة الخجولة.. ونشرات أخبار بيروقراطية، وعواجل فاسدة.. وتوابيت أنيقة.. وقرارات أممية واضحة مثل مؤخرات قادة الأنظمة العربية.. وصرعى في الشوارع .. وسعال تاريخي، وقبلات بالإيحاء، وتوجّس، وريبة، ودماء ممجوجة على أطلالِ القدسِ .. وحصار.. وحصار.. وحجرٌ في قنِّ المجتمعِ السافرِ.. وهكذا… إنه “كورونا” –  النكرة – وليس قنبلة نووية تبيدُ مئات الألوف!

نعم.. العالمُ الآن يلهثُ أمام حذاءِ التاريخ الزائف!

———————————–

يوميات الوباء: وحيداً في كون شاسع/ فتحي إمبابي

أتي ربيع هذا العام وقد ضرب الوباء العالم، أروح في النوم على أريكة بالصالة وأصحو على التلفاز وأرقام الموتى والمصابين تتصاعد وتقفز بصورة جنونية، أشاهد قادة العالم مجتمعين لأول مرة على مواجهة عدو واحد، لا يفرق في الأعراق ولا النوع أو الطوائف، لا يمنح المهيمنون على السلطة استثناءات… لكن سرعان ما انفضّت روح التضامن وانتصرت روح التزاحم والعداء ثانية.

تحت سطوة الحجر الصحي، صرتُ أسيرَ جدران الوحدة، وبدأت الحياة تأخذ منحى غريباً، بتُّ أرى نفسي وحيداً في كون شاسع، أستيقظ وأنام على مهاد ساكنة من مياه المحيط الشاسعة، تبدو السماء فارغة، والشمس خابية، عقلي ساكن مستسلم لسحر هذا الوجود الذي يبدو وكأنه ينتمي لعالم آخر. ينتابني شعور غريب مفعم بالراحة، لديّ رضا لم أعرفه من قبل… ولا أفهم كيف انبثق من صدري هذا الشعور الممتلئ بالفرح…

أعيش يوماً أو اثنين في هذا الصفاء، وفجأة ينقلب الوجود رأساً على عقب، يتحوّل السكون إلى أمواج هادرة ترتفع ذراها عشرات الأمتار، سماء سوداء والسحاب جحافل تجرّها عربات البرق، تنهمر الأمطار وسط هزيم الرعد، وأنا محض جسد ضئيل يتأرجح بين القاع والقمم على براكين الصخب والهلاك…

أُمضي الوقت منعزلاً تحت حصار الوباء والحياة، أستيقظ ليلاً ولدي شعور أن وجودي المادي محض هباء… هل أنا حيٌّ حقاً… هل أنا ميت… هل أعيش عالم الأشباح؟

للوباء وجه آخر، إنه يصحح المناخ ويغلق فتحة الأوزون، ويُعافي طبقات الجو العليا من مخلفات البشرية، كوميديا ساخرة لكائنات كونية تنتقم من حماقة البشرية وحماقة قادة يتجاهلون الدمار الذي سيتركونه للأجيال القادمة…

تحت ظلال الوباء تستعيد ذاكرتي أول تلك الأحداث الكبرى مع العدوان الثلاثي عام 1956، كنا نسكن أحد أحياء شُبرا الجميلة، أذكر وجه أمي الذي أعشقه، ولم أتمكن من البوح لها بذلك قبل موتها، كانت تأخذني كل أسبوع إلى مستوصف بشارع مسرة، كي آخذ مصلاً أو لقاحاً لا أذكر عن ماذا. رغم العلاقة النافرة بين الأطفال والحقن، أذكر أنني كنت متماسكاً لا أبكي، كنت سعيداً بعدم بكائي واستمرت تلك الرحلة المسيجة بعطرها ووجها الفاتن ستة أسابيع، لا تروح رائحتها من خياشيمي وأكاد أبكيها الآن، في المرة الأخيرة لم أتمالك وبكيت، لأثاب بحضنها الدافئ… آه يا أمي كم أحبك… كم أعتذر لك عن أخطائي…

في ذلك اليوم عدتُ إلى المنزل حيث كان الأزرق يلوّن نوافذ القاهرة، نشاهد طائرات العدوان الثلاثي وصوت المدافع المضادة للطائرات يسري في السماء…

على مائدة طعام الظهيرة سألت أبي إذا كان ينوي أن يحمل السلاح ليقاتل مع المقاومة الشعبية، أذكر أنه أجابني ببرود بالنفي… أصبت بالصدمة وددت لو أسأله عن السبب، فحماسة الجماهير والأناشيد الوطنية، وخطب عبد الناصر (سنقاتل… سنقاتل… سنقاتل…) كانت تملأ اللحظة، لكن الزمن لم يمنحني الوقت الكافي، فقد مات بعد عامين ورحل وأنا في التاسعة من عمري، وتمضي الحياة..

إحدى اللحظات الكبرى في حياتي حدثت في ثلاثينيات العمر حين كنت في أوج نشاطي وطاقتي الذهنية والجسدية، أعمل صباحاً ومساء في مشروع مترو أنفاق القاهرة، وأكتب في الليل رواية “نهر السماء”، وأمارس الحب بدهشة، وفجأة أصبت بمرض السلاسيميا (تكسير كرات الدم الحمراء في الدم)، اضطرني المرض لعمل نقل دم شهري ما أصابني بانهيار عصبي، في ذاك اليوم رتبت نفسي أن حياتي لن تستمر لما بعد الأربعين، ولن يتيسر لي من الحياة سوى أربع أو خمس سنوات، لكني شُفيت فجأة وبمعجزة، وعشت لأشهد “ثورة 25 يناير” (2011)، أعظم ثورة في تاريخ مصر المعاصرة، كانت حدثاً غير متوقع على الإطلاق، وأذكر في ندوة أقيمت في الحادي عشر من يناير/ كانون الثاني 2011 في المجلس الأعلى للثقافة أني قلت إبانها إنني أعيش منذ أربعة عشر عاما كابوساً لا أستطيع التفرقة فيه بين الواقع والبلاء الذي نعيشه في ظلال الجمهوريات الوراثية، وأن تاريخ مصر المعاصر الذي استهل في مطلع القرن التاسع عشر، بالتخلص من حكم المماليك (العبيد)، ها نحن في مطلع القرن الواحد والعشرين بين يدي طغمة من سدنة الجمهوريات الوراثية تقودنا كالقطعان إلى مجتمع العبودية.

لكن مصر البهية ولّادة، فبعد أسبوعين بالتحديد قام الشباب المصري بثورته العملاقة رافعاً رايات الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية… ولأن حياتي شهدت سلسلة من التطوّرات المذهلة، حل كوفيد-19 مثل حلم يصعب الاعتراف بكونه حقيقة أم مجرد قبض من الخيال…

يعودني ذاك الشعور الذي انتابني قبل “ثورة 25 يناير”… وهو أنني أحيا داخل كابوس… قبل الثورة كنّا أحياء فرض علينا أن نعيش الموت، الآن الأمر مختلف، لديّ رضا كبير عن حياتي، غير مهتم بشيء سوى استكمال ما يمكنني إنجازه من رواياتي وعددها كثير جداً، لن يسمح لي العمر بإنجازها جميعاً… حسناً وليكن… لم يعد هناك ما يهم، فالعالم يعيش على حافة الجنون، وما أظنه صائباً صار بعيد المنال، والجولان والقدس تم ضمهما، والضفة الغربية يجري ابتلاعها برعونة مقززة، كاغتصاب الأطفال الرضع، ولا يزال الساكنون في قصور الرئاسة يتأتئون حيناً وحيناً يهددون بالانسحاب من الاتفاقيات، حسناً الشيء الوحيد الذي يمكنني فعله، هو الكتابة ثم الكتابة ثم الكتابة…

* روائي من مصر

العربي الجديد

——————–

يوميات الوباء: خارج العيش في حدود الشاشات/ خليل قويعة

ربّما أحتاج إلى عشرين سنة من “الحظر المكتبي” و”الحظر الفنّي” و”الحظر الأدبي” لملازمة مكتبي وكتبي وورشتي ولوحاتي وإعادة النّظر في قصائدي القديمة التي كتبتها ونشرت بعضها في الثمانينيات ومقالاتي حول مواقف نقديّة من تجارب إبداعيّة عربيّة ومواضيع شرعت فيها سنوات التّسعينيات مثل جماليّات التّلقي المطبّقة على الفنون البصريّة… ومشاريع في فنّ النّحت والاهتمام باللّغات وترجمة المصطلح الفنّي والنّقدي إلى العربيّة.

والفرصة مواتية أيضاً لممارسة هواياتي المهجورة بعض الشّيء، أو المؤجّلة، وخاصّة مشاهدة أفلام لم يتسنّ لي مشاهدتها مثل “Forrest Gump” لروبارت زاماكيس و”The English Patient” لأنطوني مينغالا وأفلام قديمة أخرى شاهدتها سابقا مثل “المومياء” لشادي عبد السلام. ها إنني أذكر أنّي شاركت في كتابة نصوص بعض الأفلام الوثائقيّة واشتغلت في السّمعي-البصري بالتّلفزيون أواخر التسعينيات في إنتاج وثائقيّات حول تاريخ الفنّ، كما قمت بتدريس جماليّة الصّورة السّينمائيّة لطلبة الاختصاص…

ومهما يكن من أمر، فقد كُتب علينا العمل، لا محالة، في الحظر الصّحّي كما في سير الحياة التي ننعتها بالعاديّة، ولا وجود لحياة عاديّة في الواقع. ولقد احتكم جلّ نشاطنا الفكري والفنّي في العقود الأخيرة إلى اللّقاءات والملتقيات والنّدوات والمعارض والورشات، ضمن محاولة لتجسيد مقولات “المشاركة المواطنيّة”، “الفضاء العمومي” وغير ذلك من المفاهيم التي جعلت من الفعل الإبداعي لحظة انخراط ضروريّة في أتون الحياة الجماعيّة وتفاعل ومواجهة، بما يقتضي العيش جنباً إلى جنب مع الآخر، الفنّانين، الجمهور، الحضور… أمّا في الحجر الصّحّي هذا، فترانا منسحبين إلى فضاءاتنا الخاصّة. ومن شأن ذلك أن يوفّر لنا لحظة تأمّل ومراجعة واستدراك… فهل يمكن للفضاء الافتراضي أن يقوم مقام الفضاء الحي، الأداء الحي، النّبض التّواصلي الجماعي، إيقاع الجماعة؟

ميديا

أتعامل مع شبكة التّواصل الاجتماعي لطرح أسئلة، استنكارية بالأساس، وأفكار أضمّنها مواقف شخصيّة حول مجريات الأحداث في العالم، لتكون امتداداً لبرامجي الإذاعيّة الثقافيّة وخاصّة “ديوان الأسئلة” الذي أُعدّه لإذاعة تونس الثقافيّة صحبة المولدي عزديني. بعض التّساؤلات والمواقف والخواطر هي بمثابة يوميّات. لكنّني أتعامل باحتراز من فيسبوك وهو الذي فشل في تطوير معرفة ذات مصداقيّة يُعتدّ بها، وأعرف أنّ ليس من أهدافه تحقيق “مجتمع المعرفة”. ولكنّه بالمقابل، نجح في تحقيق مجتمع الإثارة والإشاعة والتّعبئة الأيديولوجيّة وحتّى المؤامرة…

وفي رأيي، يجب التّعامل بقفّازات واقية مع هذا الدّفق اللّحظوي المستمر لمواد الشبكة وضرورة التّسلّح بالحسّ النّقدي وترك المسافة. فالتّماسف ضروري في الواقع وكذلك في التّواصل الافتراضي. وتقتضي المرحلة، أكثر من أي وقت مضى، التّواصل أكثر فأكثر مع الأشخاص النّاقلين للمعلومة.

فأن أكون حرّاً اليوم، هو أن يكون لي نصيب في المعلومة بقدر الإمكان. إذ إن الإحاطة المعرفيّة تمكّنني من فهم الظواهر والتّموقع الفكري في العالم ومقاومة الخوف النّاتج عن غياب المعلومة أي عن الجهل. وكم نحن في حاجة إلى ربط الميديا ومضامينها الإعلاميّة بالمعرفة. ففي حين يقول الخبراء، على سبيل المثال: “الخوف المفرط يُنقص من المناعة ويعرّض للإصابة”، فإنّ الإحاطة “المعرفيّة” بالموضوع تمكّن من الاحتياط ومن تبديد الخوف. فلا للتّهويل ولا للتّهوين أيضاً، نعم من أجل تطابق العقل مع الواقع قدر الإمكان.

المدينة

حجر صحّي، ذاتي أو مفروض، نعم. ولكنّ الإنسان مدنيّ بالطّبع. فهل تكفي الحواسيب ليعيش الإنسان وفق كيانه الاجتماعي ويحقّق ذاته المدنيّة؟ أيُّ بديل لجماليّة المكان والاجتماع؟ كيف اقتضت المرحلة ضرورة التّكيّف مع نمط جديد من العيش… هل يقتضي الأمر إنتاج مفهوم لـ “المدينة”، خارج منظوماتها العلائقيّة التي تأسست عليها؟

هل يستقيم اليوم وجود دولة دون علاقات دوليّة حيّة؟ بعض الدّول قامت على فُتات دول كبرى، تقتات منها وتعيش وتتفيّأ ظلالها؟ وها هو الوباء يضرب بقوّة لفرض الحدود على نحوٍ بيّن، حيث لا مجال للتّفضية والتّواصل والتّزاور والتّضايف والتّبادل والتّعالق الاجتماعي والاقتصادي والسّياحي والاستراتيجي… وبات جليّاً أن الدّول الأكثر قدرة على مجابهة الأزمة الجديدة والتّأقلم مع حدّة الخارطة وصَلفها، هي الأقدر على تحقيق اكتفائها الذّاتي والانكماش بين تضاعيفها الخاصّة والحميمة والانطواء داخل ماهيّتها القوميّة والقُطريّة. فيما أصبح نموذج “العالم قرية” مسألة إلكترونيّة سيبرنيطيقيّة في برامج تسويق “عالم الصّورة والصّوت”، أي في حدود الحواسيب والشّاشات.

أم هل يُفترض، في ظلّ هذا الوضع، أن يعيد المهندسون والمصمّمون تدبّر أشكال جديدة للطائرات والبواخر… وغير ذلك من الكيانات التّكنولوجيّة العابرة للحدود؟ أكثر من ذلك كلّه، هل يقتضي الأمر إنتاج هندسة جديدة للعلاقات بين البشر والدّول؟ كيف يتحوّل “المكان” الحسّي الحيّ إلى “فضاء” هندسي متصوَّر ومبتكر؟ ومن جديد، ماذا عن الشعوب التي عوّدتها العولمة ألاّ تتذوّق خبزها الفاخر ولا تأكل إلاّ من وراء البحار؟

هل نحن بإزاء معادلات جديدة لمنطق القوّة؟ كثيراً ما نظرنا إلى قوّة الأنظمة في تقابلها مع المعرفة الإنسانيّة والجماليّة التي سعت العولمة، منذ عقدين من الزّمن على الأقل، في تدمير مقوّماتها لدى المجتمعات لغاية تحويلها إلى آلات استهلاكيّة نهمة، وهو ما يذكّرنا بالنّقد الذي وجّهته مدرسة فرانكفورت النّقديّة أواسط القرن العشرين للمجتمع الاستهلاكي زمن ظهور الرّأسماليّة.

القوّة

مقياس القوّة اليوم ليس المال ولا العتاد، بل مدى “الوعي” بخطورة الوضع وضرورة الحظر. المشكلة أنّ هذا الوعي غير متاح للعموم وغير قابل للتّعميم، بين عشيّة وضحاها، إذ هو نتاج تراكم معرفي ووعي بـ”المواطنة” بما هي اليوم قدرة على “المُرابَطة” ذاتيّاً في البيت!

المجتمعات “الضّعيفة” هي المستهترة، ومن ثمّة، فهي الضّحيّة. وهو مأتى كلّ الخوف. ذلك ما أدّى إلى بكاء رؤساء الدّول ووزرائهم. من جهة أخرى، هناك 100 ألف في ربوعنا ينقطعون مبكّراً عن التّمدرس سنويّاً. فعن أيّ وعي نتحدّث؟ وإن كان الحظر الصّحي حلاً إجرائيّاً آنيّاً ضدّ كورونا فإنه ليس ثمّة حلول آنيّة ضدّ غياب الوعي، في الوقت الرّاهن. تقول لي: قوّة العسكر، أقول لك: لا يوجد عون قوّة (عنصر أمن) لكلّ مواطن يراقبه ليلاً ونهاراً، حتى تكون الدّولة القويّة هي الدّولة القويّة.

بالعكس، اللّجوء إلى حالة الوعي بقوّة القوّة إنّما هو تأكيد على حالة الضّعف في الوعي وسوء فهم له. تقول لي: الإعلام، أقول لك أن الإعلام السّمعي – البصري، مثلاً، حتى يتحمّل هذه المهمّة بنجاح، ولو نسبيّاً، يجب أوّلاً أن يكون على وعي بمهمّته حتى يتخلّى عن الأكاذيب والإثارة ويحوّل نجومه، وهي قوى استقطاب، من أدوات للتّهريج إلى مثال جيّد في الوعي بالمواطنة وقدوة للنّاس. وهذا نفسه يتطلّب وعياً…

نموذج إنساني

كنّا نقول إنّ الأمم التي استثمرت في البحث العلمي والتّكنولوجيا والذّكاء والتّجديد على أرضها، هي الأقدر على الصّمود والمواجهة ضدّ الجائحة. لكنّ ذلك لا يفي بالحاجة كليّاً، طالما لم تتحوّل المعرفة إلى بنية وعي متاحة لدى الكلّ الاجتماعي. فمن الدّروس التي أفادتنا بها الجائحة أنّ الوعي لا يُجدي نفعاً كبيراً طالما انحصر في فئة بعينها. فالوعي شامل أو لا يكون. يكفي وجود فرد واحد مستهتر حتّى ينقل العدوى إلى كافة أهالي المدينة على نحو شبكيّ.

هكذا يكون الدّرس، وهو أن تكون بنية الوعي جماعيّة، ويفترض أن تلعب الميديا وكذلك الفنّ دوراً في هذا التّعميم على أساس مفهوم ملائم للمواطنة. وأن يشمل الوعي المواطني كافة النّاس، ليكون جميعهم على قدم المساواة في الإفادة من فكر خلاق للقيم، متمكّن من المعلومة، فذلك ما لم تتهيّأ له البشريّة بعد، بسبب طغيان التّفاوت المفرط في الاستعدادات والتّمثل وآليّات الإدراك… بل التّفاوت حتّى في تمثل قيم المواطَنة أصلاً.

ومن خلال القول ببنية الوعي الشّاملة هذه أتفاعل مع ما نسمع به اليوم من طروحات لاستعادة النّموذج الإنساني الكوني، على شاكلة ما طرحه نعوم تشومسكي مؤخّراً، حيث نادى بالتّضامن الإنساني، مثلما نادى إدغار موران الآن ومنذ زمن بالمصالحة مع الطّبيعتين، طبيعة الاجتماع البشري ومنتجاته وطبيعة كوكب الأرض الإيكوسيستاميّة، في مواجهة النيو ليبيراليّة بما هي النّموذج الأكثر عرضة للاتّهام اليوم، وهي التي بدّدت مكاسب الطبيعيّة واختزلتها في كونها مصدراً للثروة، على حساب التّنمية المستدامة.

أقول قولي هذا، وأنا على يقين من أنّ مفهوم الوعي نفسه غير قابل للمحاصرة المفاهيميّة. إذ الوعي نفسه مفهوم هلامي غير قابل للتّحديد. فكيف تتحدّد على أساسه سياسة دولة بأكملها في خوض الحرب؟ سلاح غير متعيّن ضدّ عدوّ مجهول. وفي كتابه “قراءات ميتافيزيقيّة”، كان البريطاني وليام هاميلتون في القرن التّاسع عشر قد أكّد أن الوعي هو معطى أساسي من معطيات الفكر ولكنّه نفى إمكانيّة تحديده والإحاطة به “Consciousness cannot be defined”.

بقي أنّه لا مندوحة عن أخذ الوعي من حيث هو “بنية شاملة” ونقطة استناد ضروريّة في البرامج والسّياسات ومن حيث هو مقياس، على أساسه يتحدّد السّلوك الاجتماعي بما فيه السّلوك السّياسي، على نحوٍ ما. دون ذلك تعمّ الفوضى وينتشر العنف في غياب فكر يصنع نماذج الفعل والخطاب ويجمع البشريّة على المشترك ومقوّمات العيش معا، داخل المدينة والفضاء الإقليمي والدّولي. لا مفرّ من ذلك. كلّ من موقعه يحافظ على خصوصيّاته وأسس اختلافه في كنف التّنوّع، ولكن ثمّة ما يجمع البشر على الكوكب من خلال فكر جامع.

وهناك نماذج مهمّة في تاريخ الفكر البشري ضمن هذا السّياق مثل الذي قدّمه الخطيب الرّوماني القديم شيشرون في تصوّره لهارمونيّة العالم وتناغم الأدوار داخل الدّولة أو مثل نماذج أخرى، من طبيعة طوباويّة، نعم، ولكنّها قادرة على أن تكون جامعة على أساس الوعي الخلاّق بدور البشريّة على الأرض، أو بدور جميع الرّبّان على سفينة كونيّة واحدة في بحر يتيح التّحرّك التواصلي بين المجموعات.

التراث

اليوم، نلاحظ عودة إلى السرياليّة، من جهة، وإلى الخيال العلمي، من جهة أخرى (وأحياناً إلى خرافات الأوّلين). وبين هذا وذاك، يتأكّد لنا أنّ العقل البشري قد تورّط في منتجاته ذات عصر رأسماليّ اختلّت فيه منظومة القيم… وليس هذا الوباء الفيروسي سوى كشف أوّليّ عن قصور العقل ما بعد الحداثي وضعفه في استيعاب محتواه الإنساني. أصبح على الشعوب اليوم أن تعيد الاعتبار إلى تراثها وتستلهم منه قيم الحبّ والإيثار والعيش المشترك، بعيداً عن الفردانيّة وغلوّها. ومن ذلك ما أسماه الماوردي في “أدب الدّنيا والدّين” في تراثنا، بـ “الألفة الجامعة”.

كما يفترض الأمر أن نعيد تصوّر علاقاتنا مع المنظومات الطّبيعيّة بما هي ذات قيم خلاّقة، أفادت الفنّ والأدب، وليس فقط من حيث هي أدوات إنتاجيّة على ذمّة الصّناعة. وفي مجال التّراث اللاّمادّي، حريّ بنا إعادة اعتبار التّراث الغذائي لدى الشعوب والمصالحة مع طبيعة الجسم واحتياجاته من الطبيعة، بعيداً عن الإفراط في التّصنيع والتّهجين والهدرجة. مصالحة مع الطبيعة ومع منظوماتها الحيويّة.

شرق وغرب

ولقد لاحظنا تعمّق البون في مواقف المحلّلين ما بين معسكرين تقليديّين في الظاهر ولكن بحلّة جديدة. وذلك في غياب وجود مقاربة مكتملة وواضحة وحاسمة لمسبّبات الوباء العالمي. حينما ينقسم العالم إلى نصفين على الأقل، البعض يقول بالابتكار المخبري (in vitro) وأنّها مؤامرة عولميّة جديدة بقيادة لوبيّات الليبراليّة المفرطة والبعض الآخر يقول بخلل جيني طبيعي من تلقاء الطّبيعة (ipso facto) يحدث مع تنامي الأخطاء الإنسانيّة ضدّ الطّبيعة نفسها وضدّ نفسه، فلنا، في كلتا الحالتين، أن نشهد على هشاشة العقل الإنساني في تقديره لوظيفة القوّة والسّلطة، أوّلاً، وفي تقديره لمنطق الحياة على الأرض، ثانياً.

ربّما تكون السرياليّة وكذلك الخيال العلمي، اليوم، من أجمل ابتكارات العقل البشري، ولكنّ الاقتصار عليهما فقط في تفسير العالم ليس سوى زيغ بقوى الإدراك عن مهامّها الأصليّة، بل وانزياحاً لقوى العقل نفسه في أشدّ حاجة الإنسان إليها لمواجهة ضعفه الأصيل واغترابه المتنامي.

الفنّ

على الفنّانين والأدباء اليوم، أن يقدّموا المثل الجيّد في التأقلم مع رهانات المرحلة الجديدة وفق منطق الحياة وقيمها المشرقة وأن يكونوا سنداً للنّاس في مقاومة الرّهاب والنّكد، على عكس الابتزاز التي نلحظه في بعض الإنتاجات الدّراميّة العربيّة، حيث التّعامل التّجاري مع أزمة المجتمعات ونقاط ضعفها ومخاطبة بقايا التّخلّف في مقاربات ساذجة تفتقر إلى طرح فكري ورؤية جماليّة مقاومة…

شخصيّاً، كثيراً ما أسائل أعمالي الجديدة: أمَا آن لهذه اللّوحة أن تكون انكشافاً متدرّجاً لأنطولوجية الذات ما بين الخطوط واللّمسات وترحالاً داخل المناطق المهجورة في قاع الرّؤية، بل وفتحاً من فتوح عالم آخر تصنعه هذه الذات في نفس الوقت الذي تسترجع فيه ذاتيّتها الإنسانيّة المسلوبة فتقدّمُها على نحو آخر؟ إنّ الذات تنكشف وتنمو بين ما ترسم، كما تسكن داخل ما تبني.

أجل، أن أكون فنّاناً في هذا الزّمان هو أن أعيد طرح سؤال ماهيّة الفنّ من جديد وأن أعيد صياغته باتجاه إعادة ترتيب موقع الذات في فضاء العالم…

ليس الفنّ رسماً لأشكال الحياة بل هو بعث للحياة في الأشكال، بعد أن جمّدتها الحضارة وسطّحها الاستهلاك وحنّطتها الذاكرة… والنظر مستمرّ.

* باحث وفنان تشكيلي تونسي

—————————

عن أقنعة خفيّة نرتديها علناً/ عمار المأمون

“امتلكت لزمن طويل وجهًا بلا فائدة،

أمّا الآن،

لي وجه كي أكون محبوباً،

لي وجه كي أكون سعيداً.”

بول إيلوار، قصائد من أجل السلام، 1918

تفصل الكمّامة حالياً بين الأصحاء والمرضى، أو لا نعلم بدقة، فالتوصيات الرسميّة مختلفة بين البلدان في ظل الجائحة، البعض ينصح المصابين بكوفيد 19 بارتدائها، في حين تنصح دول أخرى الأصحاء، لكن، غالبيّة التصريحات الرسميّة تقول إنها إلزاميّة للجميع، “الكلّ” سيغدو مُقنّعاً/ مُكمما في الفضاء العام.

تخفي الكمّامة الفم، فتحة الصوت والضحك والتذوق والالتهام، يفقد مرتديها جزء من وجهه ليبقى صوته من خلفها، تكميم الفمّ سياسي دوماً، فنان الأداء الروسي بيوتر بافلينسكي أخاط فمه، احتجاجا على ممارسات السلطة في روسيا، أيضاً هناك عمليّة جراحية تخاط بها الشفاه للتحكم بما يدخل من “الخارج” حفاظاً على شكل الجسم، فقدان فتحة الفم والـ”تقنّع” يظهر دوماً إثر قرار استثنائيّ، يعاد عبره تقديمنا للـ”خارج” أمام الآخرين، وهنا يظهر دور القناع، هو علامة علنيّة نختفي وراءها نعم، لكنها “تفضح” أكثر منها تخبّئ، وتظهر سياسيّة القناع حين نعلم أن بعض الدول تمنعُ “إخفاء” الوجه، وتغرّم من يتنقل علناً دون أن يتطابق شكله مع صورته على الهويّة الشخصيّة الرسميّة، أي من يهدد إمكانية التعرُف عليه.

انفصل القناع عن الوجه، وتلاشى ماديّاً ضمن الكثير الفضاءات الجدّية، لكن أثره ما زال قائما، وكأنه يختبئ تحت الجلد أو يتطابق معه، لنشهد فقط “أعراضه” علناً، الكثرة و”الآخرون” والسلطة” يفرضونه عليناً أداء محدداً، Persona بصورة أدق، المشتقة من كلمة قناع باليونانيّة والتي تعني فرد حالياً، فردٌ يحدق به الآخرون و يحدق بهم، وحسب عالم الاجتماع الكندي إيرفينغ غوفمان، كلّنا “نؤدّي” ذواتنا أمام الآخرين علناً، هناك دوماً ما هو خفيّ أمام الأداء/القناع العلنيّ، نحن نؤدّي الصدق والكذب، الحب والكراهيّة، نؤدّي نماذج علنيّة ونحاول إنتاج “الصدق” كي نحقق “الصورة” التي نريد عن أنفسنا، اختفاء الأقنعة حلّ مكانه أوجه وأشكال من الأداء لا يمكن رسمها بدقّة، هي التي تكشف عنّا وكيف نصنّف أنفسنا سياسياً وثقافياً.

قناع نيرون: الطاعة والاستنساخ

تورد الباحثة الأمريكيّة ليزا ويدن في كتابها “الهيمنة الغامضة” اقتباساً عن وزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس يقول فيه إن “كل السوريين هم حافظ الأسد”، قال طلاس ذلك عام 1980 في 11 مارس أثناء حديث على الراديو، إبان ظهور الإخوان المُسلمين، لكن، ماذا يعني أن يتطابق “الجميع” مع شخص واحد، مع صورة شخص واحد بشكل أدقّ، صورةٍ منتشرة في كلّ مكان، تبنّيها يعكس السلطة والخضوع للقانون والقدرة على إنتاج “النظام العام” من قبل أي شخص.

كأنّ صُورةَ السيدّ تلك التي تتطابق مع “شكله” تظهر حين يواجه تهديدياً، فتسعى موضوعاته للتطابق معها لضمان انتمائها وحمايتها لنفسها، هذه “الصورة” السياسيّة، القناع، الذي يمكن تبنّيه عبر الطاعة وإنتاج “الأسد”، يُشابه القناع الرومانيّ الشمعي “Imagines” أو قناع الموت، قناع الأسلاف الجنائزي، الذي يتطابق مع صورة “الميت” ذو السلطة، ويمكن تناقله بين المنتمين لذات الأسرة.

 قيمة هذا القناع السياسية تكمن بأنه لا يظهر فقط في الجنازة بل أيضاً في مجلس العموم، أي يتم استعراضه، ويكتسب المنتمون له ذات السطوة السياسيّة التي كان يمتلكها الجسد الأصلي. هذه الأقنعة تُصنع أثناء حياة “الميت” وترتبط بالجاه والمكانة السياسيّة، وحين موت صاحب القناع، وأثناء العزاء، يرتدي “ممثلون” القناع و”يؤدّون” النحيب والطاعة استمراراً لجاه من رحل وسطوته، وكأنهم جميعاً “يؤدّون” دوره أمام أعين بعضهم البعض، يتطابقون معه رافضين رحيله.

لم يصل لنا من الحقبة الرومانيّة أي واحد من تلك الأقنعة، هناك فقط وصف لها، لكن، يقال إن نيرون، قيصر روما، كان مؤديّا مسرحياً، ومن عشاق الاستعراض، وكان يرتدي قناعاً يتطابق مع وجهه حين يؤدّي أدوار أوديب الأعمى، أو هرقل المجنون أو أوريست المفجوع. نيرون، السيّد، السلطة العليا، يؤدّي دور نفسه عبر قناع سياسيّ حين “يلعب”، وكأن أي شخصيّة ولو متخيّلة، يجب أن تنتج السيد فيما تقول أو تؤدّي، سواء أثناء اللعب أو الجد.

قناع السيد أشد سطوة من وجه السيد نفسه، وسلطة صورته تمتد في الزمن، متجاوزة حدود جسده الذي يحمل احتمالات الفناء والتلاشي، لكن هل كان نيرون مقنعاً حين ردد كلمات أوديب ناصحاً الجوقة :” صلّوا، لكن إن استمعتم إليّ، ستنالون ما تتمنون، استمعوا إلى ما سأقول، واشفوا أمراضكم، ربما يمكن أن تجدو بعدها حلاً لمشكلاتكم، أتحدث كغريب عن القصة، وغريب عن الجريمة”، أوديب هنا لم يدرك بعد ما فعله، كنيرون الذي لم يكن يدرك ما سيفعله.

التطابق مع صورة السيّد وإنتاجها، سواء كان حياً أو ميتاً، أشبه بارتداء قناع للطاعة، إذ يتبنّي الفرد أسلوب علنيّ لتقديم الذات ورسم العلاقة مع السلطة السياسيّة عبر إنتاج أشد رموزها علنيّة، ولو اختفى جسد السلطة، يبق أداء الطاعة ظاهراً، تزيينيّاً، ولو كان مبتذلاً، الأهمّ، أن الـImagines ، يعني الاعتراف السياسيّ، فمن يفقد قناعه تُهدد مكانته، من يكسر هويته أو يمزق صورة القائد أو يفسد أداء الطاعة، يصنّف كعدو، يحتوى داخل النظام السياسي على الحواف الخطرة.

قناع الساتير: إعلاء قيمة “الانتهاك”

لم يصلنا من المسرحيات الساتيريّة شيء يذكر، وحالياً، لا يظهر الساتيري إلا في مساحات اللعب غير الجديّة والموسومة بالـ”مُعيب”، وكأن تلك الرغبة بالرذيلة ونفي الأخلاق محكومة بالاختفاء، ربما ذات الأمر حصل مع المسرحيات الساتيريّة التي “أٌخفيَت” لفحش محتواها.

يشبه قناع الساتير رجلاً كثيف الذقن، فاتحاً فاه دوماً، ، يصرخ أو يبلع لا يتضح ذلك بدقّة، لكنه يمتلك قضيباً ضخماً يتدلى بين قدميه، المثير للاهتمام أن هذه الأقنعة، لا يمكن أن نميز بسبب شكلها العبد من الحرّ، لا يوجد دليل مرئي على مكانة الساتير السياسيّة، وكأن ذاك الكائن الشبقي، العصيّ على التعريف، عدو الأخلاق والنظام السياسيّ الجدّي، يمكن أن يكون أي أحد، لا هويّة واضحة له، ليبقى أسير المخيّلة فقط، أثره مسموع في ضحكه الذي يتردد، ونكاته الفاحشة.

خطورة قناع الساتير تكمن في مُخيّلته الشبقيّة، ما هو مشتهى لديه يختلف عن التصوّر التقليديّ عن المتعة واللذة، إذ يعيد ترتيب لحم الآخرين في عقله، لا حكايات لديه، بل سلسلة من اللوحات المتصلة يعيد إثرها ضبط إيقاع العالم ليتماشى مع إيقاع مائه، الساتير كالمستمنيّ، أشد الأعداء خطراً على السلطة فاختفى قناعه وراء وجهه، لأنه يراهن على التضخيم والفضح، تحركه الرغبة نحو ما نخشى الإفصاح عنه، هو يدعو الجميع للتشكيك بأنفسهم لأنه بالأصل لا يقتنع بالشكل الظاهر، يرى ما يحصل أمامه “أداءً” و تنكراً، ويدعونا لتخيل ما هو موجود وراء الثياب، وراء اللحم، وكممثلي الساتير، المقنّعين، لا يهم من وراء القناع ولا تصنيفه السياسي، المهم هو حواره مع الغرائز و انتقاده للشكل القائم.

هناك سبب سياسي وراء اختفاء الساتيريّ، ووصمة العار التي تلحق من يمارس فحشه، فالساتيري “ضاحك” نرى فمه بوضوح تنبعث منه القهقهة واللعاب، وهو يدفعنا للانحلال حين ندخل عالمه المتخيلّ، الشهوانيّ والمغري، لكنه أيضاً سياسيّ، كونه يجسد المفارقة بين “القبيح” و”الجميل”، خصوصاً أن هذا القبيح، لا يتألّم حين يمارس عليه العنف، هو دوماً ناج من كلّ ما يحصل، لا يعطي درساً سوى في الترفع عن الأخلاق، وانتهاكها، الضحك وغياب الألم نراه في الأشكال الثقافية المعاصرة، في مقالب توم وجيري، وفيديوهات السادو مازوخيّة، بالرغم من كل ما يحصل من أذى، يمشي بعدها المؤدون دون أن يمسّهم مكروه، يتحول ما مروا به إلى كوميديا، لا “تطهير” فيها.

يشير جون هوبز إلى الإشكاليّة المرتبطة بالضحك الساتيري، إذ يرى أنه يمنح الضاحكين “مجداً مفاجئاً” ونشوة عبر إبراز عيوب الآخرين وفحشهم الشديد، فالساتيري الشهواني يُضخم “أذيّة” الآخرين وقد يتبناها لمتعه الشخصيّة، لكن، كيف “نرى” هذا الساتيري الآن، المضحك، المستمني، الشبقيّ، الذي لا يتألّم، هو بلا قناع، بلا أي علامة، حتى فمه المفتوح متلاشي وراء الكمّامة، يمكن تتبع “أثره” في المواقع الإباحيّة عبر التعليقات والفيديوهات الهاوية التي يتلاشى فيها “الوجه/القناع” خوفاً، ونرى فقط الأداء المبالغ به وأشكاله ضمن سياق اللعب.

القناع السينيكي: مفارقات المزاح المُفرط

نستعير معنى كلمة سينيكي هنا من إيرفينج غوفمان، والمقصود شكل من أشكال تقديم الذات، الذي لا “يصدّق” خلاله الفرد ما يقدمه للآخرين من أداء، ولا يعنيه إن صدّقو أو لا، السينيكيّة هنا ترتبط بامتياز يظن الفرد أن يمتلكه، وهو عدم أخذ شيء أو من حوله على محمل الجدّ، السينيكيّ يحطّم جديّة مخاطبه، يهزأ من حججه ومن الإطار الذي يقدّم نفسه ضمنه، نرى هذه السينكية مثلاً في حوار قرآني بين النبي إبراهيم ومن يقال إنه نمرود الجبار:

– قَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ.

– قَالَ (نمورد): أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ !

رد نمرود متسرع، ساخر، يستخف بـ”النبي”، ليهدد إطار “المعجزات” الذي أتى به إبراهيم، ينفي السينيكي الصدق، ما يجعله دوماً مُهدّداً، إذ يمكن أن تتلاشى حجته و منطقه بسبب سلوكه ذات، كذلك هو يستطرد بالمسلّم به، يدور حوله، يسائله، لماذا تهتز طاولة المطعم دوماً ؟، لماذا يتألّم البعض بصوت عال والآخر منخفض؟

تخلط أسئلة السينيكي التراجيدي مع الكوميديّ، تفكك الجدّية وتطرح سؤالاً لا يمكن الإجابة عنه، صديق لي كاتب وناقد ثقافي، سألني مرّة : “في كل مرة أرى صور الجثث على الشاشة، أحاول معرفة نوع الثياب الداخليّة التي يرتديها الضحايا، وهل مات واحد منهم بذَكر منتصب؟”

يتلاعب السينيكي بالآخرين والإطارات التي يقدّمون فيها أنفسهم، وفي هذا مُتعة ناتجة عن اضطرار الآخر أخذه على محمل الجدّ بالرغم من عدم جديته، ربما هناك فائدة ما من اللاجديّة أو من الأداء الساخر، لكنها تظهر في بعض الأحيان كمسافة عميقة، بين الأنا وتلك النقطة العميقة التي تؤسس للوعي، هي عدم يقين بجدّية ما يحصل بسبب إدراك عيوب العالم، وكأن السينيكي على علاقة وطيدة مع الموت، لا ذات حقيقية أو شكل حقيقي قادر على جعله “يصدّق” ما يحصل من حوله.

لا يقيم السينيكي وزناً لشيء، يقبل العالم بشكله الحالي، هو متصارح مع العيوب الحاضرة، ويستخف بها فقط، و يتهكم من المفرطين في جدّيتهم، لأن قيمة ذاته نفسها مهددة، كونه لا يراهن على صدقه أو صدق الآخرين، بل على المفارقة التي يخلقها معهم، هو قادر على التبدّل والتغير حسب “الإطار” الذي يظهر ضمنه، القناع السينيكي غير موجود بوضوح، يتطابق مع الوجه والأداء العام، نكتشف عبر أسئلة غريبة ومفارقات منطقيّة تلوّح في جوهرها للموت، استخف الملك لير بجواب كوريدليا حين قالت أنها تحبه فقط، ولا تمتلك شيئاً لتضيفه، المأساويّة تكمن بالمفارقة والحيرة حين محاولة تحديد هوية الصادق من الكاذب، في الفصل الأخير نقرأ علامة إخراجيّة تقول: يدخل الملك لير مرة أخرى وكورديليا ميتة بين يديه، وأثناء نحيبه يسألها: “ما الذي قلتيه ؟”، يريد لير أن يستمع الآن، أدرك أن استخفافه بكورديليا و”لا جديّته” أودت بحياتها.

استُخدم “القناع” السينيكي كأسلوب للسخرية من رجال السلطة، والتهكم من أوجههم المتعددة والجدّية المحيطة بهم حتى لو كانوا يهذرون، الوجه نفسه تحول إلى قناع ساخر، نعلم أن وراءه حقيقة ما خفيّة، و ما نراه علناً ليس إلا أداءً من نوع ما، هذه “الأوجه” نراها في رسومات و كاريكاتوريات الفرنسي أونوريه دومية التي تعود للقرن التاسع عشر، ونلاحظ حين تأمل الرسوم أنه جعل الملك مشوهاً في منتصف الأقنعة خوفاً من الرقابة، وحوله رجال المجلس العمومي، المثير للاهتمام أنه لم يحاول فقط التقاط معالم وجوههم، بل أيضاً تعابير مختلفة رسمتها ملامحهم، هذه التعابير نستخدمها حتى الآن حين “نؤدّي” في سياق ما، ونحاول إخفاء ما نشعر به حقاً، ألا وهو استخفافنا بالقائل، هي نوع من الألعاب الاجتماعيّة غير اللفظية، نفصل فيها ما نقول عن حقيقة ما نريد قوله.

مجلة رمان

————————————

ما الذي تدور حوله حكايات الأوبئة؟/ جيل ليبور

ترجمة: سارة حبيب

نُشر المقال في مجلة نيويوركر في 23 آذار (مارس) 2020.

حين وصل الطاعون إلى لندن عام 1665، فقدَ أهل لندن عقولهم. استشاروا العرافين، والمشعوذين، والكتاب المقدس. بحثوا في أجسادهم عن علامات ودلائل على وجود المرض: نتوءات، تقرّحات، أو بقع سوداء. استجدوا التنبؤات، دفعوا أمولاً للحصول على توقعات. صلّوا وصرخوا. أغمضوا عيونهم، غطّوا آذانهم، وبكوا في الشوارع. قرؤوا التقاويم المنذرة بالخطر: «أخافتهم الكتب للغاية، ما في ذلك شك». لهذا، حاولت الحكومة، حرصاً منها على احتواء الذعر أن «تمنع طباعة الكتب التي تسببت بالخوف للناس»، كما يقول دانييل ديفو في كتابه مذكرات عن عام الطاعون؛ تأريخٌ كتبه ديفو مرفقاً بدليل إرشادات حمل عنوان «استعدادات واجبة للطاعون». كان ذلك عام 1722، وهو العام الذي خشي فيه الناس من احتمال عبور المرض للقناة الإنكليزية مرّة أخرى، بعد أن سافر من الشرق الأوسط إلى مارسيليا واتجه نحو الشمال على متن سفينة تجارية. كان ديفو يأمل أن تكون كتبه هذه مفيدة «لنا وللأجيال القادمة، رغم أننا يجب أن نُعفى من حصّتنا من هذه الكأس المريرة». تلك الكأس المريرة خرجت من خزانتها.

عام 1665، هرب القلقون إلى الريف، والمتعقّلون كذلك. وكان للذين تلكؤوا سببٌ للندم: ففي الوقت الذي قرّروا فيه المغادرة «لم يبق في المدينة أحصنة ليشتروها أو يستأجروها»، كما يقول ديفو. وفي النهاية أُغلقَت البوابات عليهم، وحوصروا جميعاً. تصرّف الجميع آنذاك بشكل سيء، إلا أن الأغنياء كانوا الأسوأ تصرفاً. فكونهم لم يصغوا للتحذيرات المتعلقة بالمؤن، أرسلوا خدمهم الفقراء إلى الخارج ليؤمنوا لهم احتياجاتهم. «اضطرارنا للخروج من منازلنا لشراء المؤن، كان إلى حد كبير سبباً في دمار المدينة كلها»، كما يروي ديفو. واحد من كل خمسة لندنيين كان مصيره الموت، على الرغم من الاحتياطات التي اتخذها التجار. على سبيل المثال، كان الجزّار يرفض إعطاء قطعة اللحم للطباخة، فتضطر لانتزاع الخطاف بنفسها. ولم يكن يلمس نقودها؛ كان عليها أن تُسقط القطع النقدية في دلو من الخلّ.

«جثم الغمّ والحزن على الوجوه كلّها»، بحسب ديفو. وأثبت تضييق الحكومة على طباعة الكتب المثيرة للذعر أنه بلا جدوى، مع وجود الكثير من الرعب للقراءة في الشوارع. يمكنك مثلاً أن تقرأ شهادات الوفيات الأسبوعية، أو تحصي الجثث التي تتكدس في الأزقة، أو تقرأ الأوامر التي يُصدرها عمدة المدينة: إذا قام أيّ شخص بزيارة مصابٍ بالطاعون، أو دخل بإرادته منزلاً موبوءاً، وبما أن ذلك غير مسموح: فالمنزل الذي يعيش فيه سوف يتم إغلاقه. «في وسعك أيضاً أن تقرأ اللافتات على أبواب البيوت الموبوءة المراقبة بالحراس؛ فوق كل باب موسوم بصليب أحمر بطول قدم، تُطبع عبارة ‘ارحمنا يا رب’، بحروف كبيرة بحيث يمكن قراءتها عن بعد».

القراءة عدوى، تغلغلٌ في الدماغ: الكتب تُلوِّث، ليس بالمعنى المجازي فحسب، وإنما على المستوى الميكروبيولوجي أيضاً. ففي القرن الثامن عشر، كان قباطنة السفن عند وصولهم إلى المرفأ يتعهدون أنهم قاموا بتعقيم سفنهم بأن يقسموا على أناجيل غُطسَت في ماء البحر. وفي المراحل التي دبّت فيها المخاوف من انتشار السل، كانت المكتبات العامة تطهّر الكتبَ بإحكام الإغلاق عليها في براميل فولاذية مملوءة بغاز الفورمالديهايد. اليوم، يمكنك أن تجد طرق تعقيم الكتب في قسم المكتبات على موقع ريديت. ويبدو أن أفضل خياراتك هو استخدام مسحات من الكحول المغيَّر أو وضع مطهرات المطبخ في عبوة ذات رأس بخّاخ، رغم أنك إذا وضعت الكتب في فرن صغير وسخنّتها إلى مئة وستين درجة فهرنهايت، فستحصل على ميزة إضافية: ستقتل أيضاً بقّ الفِراش. (العجيب أن هذا لا يؤذي الكتب!). أو يمكن، كما حدث مؤخراً أثناء عمليات الإغلاق بسبب فيروس كورونا، أن تغلق المكتبات ومتاجر الكتب أبوابها بشكل كليّ.

لكن ما لا شك فيه أن الكتب أيضاً بلسمٌ وعزاء. خلال القرون الطويلة التي اجتاح فيها الطاعون أوروبا، كان المحجورون، إذا كانوا محظوظين بامتلاك كتب، يقرؤونها. أما إذا لم تكن لديهم كتب، وكانت صحتهم جيدة بما يكفي، فكانوا يقومون بسرد القصص. في  كتاب الديكاميرون لجيوفاني بوكاتشيو من القرن الرابع عشر، يتناوب سبع نساء وثلاثة رجال على سرد القصص لمدة عشرة أيام أثناء اختبائهم من الموت الأسود(الطاعون) -«الهلاك الوبائي الأخير المؤذي لكل من يشهده»- الوباء الذي كان شائناً لدرجة أن بوكاتشيو استجدى القرّاء ألا يتوقفوا عن قراءة كتابه الذي سيبدو لهم شديد الشناعة: «أتمنى ألا يكون هذا الكتاب مروّعاً جداً لكم، لدرجة تعيق تقدمكم في القراءة».

أدب الأوبئة مُنفِّر. والأوبئة أشبه بجراحة فصيّة. فهي تستأصل العوالم العليا، أسمى القدرات البشرية، وتترك الحيوانيّ فقط. «وداعاً لقوى الإنسان الجبّارة»، كما كتبت ماري شيلي في رواية الإنسان الأخير (1826)، بعد أن اجتاح الوباء العالم. «وداعاً للفنون، وداعاً للبلاغة». كلّ  قصة عن وباء هي قصة عن الأميّة؛ اللغة تصير عاجزة، والإنسان بهيميّاً.

لكن في تلك الحالة، وجود الكتب، مهما بلغت قساوة الحكاية فيها، هو في حد ذاته إشارة، دليل على أن البشرية تستمرّ، عبر عدوى القراءة ذاتها. القراءة قد تكون معدية، فعقل الكاتب يتسرّب، دون سبيل لإيقافه، إلى عقل القارئ. مع ذلك، فالقراءة -في الرفقة التي تعرضها علينا، الرفقة التي هي بكل الطرق الأخرى محظورة في أوقات الوباء- هي أيضاً ترياقٌ، مثبَت الفعالية، فائق الجودة، ولا يمكن أن يخذلنا.

تمتد قصص الأوبئة من «أوديب ملكاً»  إلى «ملائكة في أميركا». «أنتَ الوباء»، يقول رجل أعمى لأوديب. «إنه العام 1986 وثمة وباء، الأصدقاء الذين يصغرونني سنّاً ماتوا، وأنا لم أتجاوز الثلاثين»، تقول شخصية في مسرحية طوني كوشنر. ثمة أوبئة في هذا المكان وأوبئة في ذاك، من طيبة إلى نيويورك. أوبئة رهيبة ومروّعة، لكن لم يجتح أي منها كل الأمكنة دفعة واحدة، إلى أن قررت ماري شيلي أن تكتب ملحقاً لرواية فرانكشتاين.

الإنسان الأخير، التي تدور أحداثها في القرن الواحد والعشرين، هي أول رواية بارزة تتخيل انقراض الجنس البشري جرّاء وباء عالمي. نشرت شيلي هذه الرواية في عمر التاسعة والعشرين، بعد أن مات تقريباً كل من تحبهم، تاركين لها، كما تقول، «آخر بقايا الجنس البشري المحبوب، رفاقي ينقرضون أمامي». يبدأ السارد في هذا الكتاب حياته كراعي غنم انكليزي، فقير وغير متعلم: رجل بدائي، عنيف، خارج عن القانون، ومتوحش أيضاً. لكنه، بعد أن يثقّفه أحد النبلاء ويتيقظ للعلم-«حب جدي للمعرفة…جعلني أقضي أياماً وليالٍ في القراءة والدراسة»- يرتقي بفعل هذا التنوير ويصبح باحثاً، مدافعاً عن الحرية، جمهورياً، ومواطناً في العالم.

ثم يحلّ الوباء عام 2092، ليجتاح القسطنطينية أول الأمر. وسنة بعد سنة، يستمر الطاعون بالتلاشي كل شتاء. «طبيبٌ عام لا يعرف الفشل» ليعود في الربيع، أشدّ فتكاً وأكثر انتشاراً. ينتشر الطاعون عبر الجبال. يجتاز المحيطات، وتشرق الشمس سوداء، في إشارة إلى المصير المشؤوم، وفق ما كتبت شيلي: «عبر آسيا، من ضفاف النيل إلى شواطئ بحر قزوين، من مضيق الدردنيل حتى بحر عمان، اندفع رعبٌ مباغت. فملأ الرجال المساجد؛ وأسرعت النساء المحجبات إلى القبور، وحملن القرابين إلى الموتى، لكي يحموا الأحياء». لكن طبيعة الوباء تظلّ غامضة: «كان يسمى طاعوناً. غير أن السؤال الأهم حول كيفية نشأته وانتشاره لم يكن محسوماً بعد». لذلك، وبسبب جهلهم بكيفية عمل الوباء، وامتلائهم بثقة زائفة، تردّد المشرّعون في اتخاذ التدابير: «إنكلترا كانت ما تزال في مأمن. فقد شكّلت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا فاصلاً، أسواراً دون ثغرات، بيننا وبين الطاعون». ثم تأتي أخبار عن بلدان بأسرها، مدمرة ومهجورة، «مدن أميركا الشاسعة، سهول هندستان الخصبة، ومساكن الصين المزدحمة، مهددة بالدمار الكامل». يتجّه الخائفون إلى التاريخ متأخرين جداً، ليجدوا في صفحاته، وفي صفحات الديكاميرون كذلك، العبرة الخاطئة: «استذكرنا طاعون عام 1348، عندما قُدَّر أن ثلث البشرية قد هلكَ. حتى الآن، كانت أوروبا الغربية غير مصابة بالعدوى، فهل سيبقى الحال هكذا؟»  لن يظلّ هكذا دائماً. سيصل الوباء حتماً في آخر الأمر إلى إنكلترا. لكن الأصحاء حينها لن يجدوا مكاناً ليذهبوا إليه، لأنه، حين يبلغ الذعر من الوباء أقصاه، لا يعود ثمة «ملجأ على الأرض»: «العالم كلّه أصيب بالطاعون!».

إذا كانت ماري شيلي في فرانكشتاين قد تخيّلت إمكانية خلق إنسان عبر خياطة أجزاء الجسد، فهي في الإنسان الأخير تخيّلت تقطيع أوصال الحضارة. موتاً تلو موت، وبلداً تلو الآخر، ينحدر الجنس البشري، درجة فدرجة، إلى أسفل السلّم الذي بناه يوماً، وتسلّقه. السارد عند شيلي، راعي الغنم سابقاً، يصبح شاهداً على الدمار والتخلّي عن كل «زخرف بشري»  كان قد وشّى ذاتَه العارية: القانون، الدين، الفنون، العلم، الحكم الليبرالي (الأمم لم تعد موجودة!)، الحرية، التجارة، الأدب، الموسيقى، المسرح، الصناعة، وسائط النقل، الاتصالات، الزراعة. «عقولنا، التي كانت تمتد في كل اتجاه، عبر مجالات لا حصر لها وتوليفاتِ أفكارٍ لا تنتهي، تحدّ الآن من نفسها إلى ما وراء أسوار الجسد، توّاقةً لحفظ سلامتها وحسب». وبينما يدمّر الوباء الكوكب، تُختزل القلة الناجية إلى قبائل متحاربة، إلى أن يبقى منها رجل واحد فقط، السارد، الذي يصبح راعي غنمٍ من جديد. متجولاً وسط أنقاض روما، يدخل الراعي منزلَ كاتب ويجد مخطوطة على طاولة الكتابة: «كانت تحوي بحثاً علمياً حول اللغة الإيطالية». الكتاب الأخير هو دراسة عن اللغة، أول زخرفٍ بشري. ما الذي سيفعله السارد، بعد أن أضحى وحيداً في العالم؟: «أنا أيضاً سوف أكتب كتاباً، صرختُ. لكن من سيقرؤه؟»  يعنون السارد كتابه هذا: «تاريخ الإنسان الأخير»، ويهديه للموتى. لن يكون له قرّاء؛ سوى، بالطبع، قرّاء كتاب ماري شيلي.

حلم التنوير الكبير كان تقدماً؛ ورعب الوباء الكبير كان تقهقراً. لكن ذلك الدمار يأتي غالباً في الأدب الأميركي مصحوباً بتحوّل ديمقراطي: العدوى هي عامل المساواة الأخير. تدور أحداث قصة قناع الموت الأحمر (1842) لإدغار آلان بو في عالم ينتمي للعصور الوسطى، يجتاحه مرض معدٍ يقتل على الفور تقريباً: «آلام شديدة، ودوار مفاجئ، يتبعه نزيف حاد من المسام، وموت»، كتبَ بو. «انتشار البقع القرمزية على الجسد، لا سيّما على وجه المصاب، كان بمثابة الحجْر الذي يحول دون وصول المساعدة إليه أو تعاطف أصدقائه معه». ووفقاً لبو، لم يُبدِ الأغنياء، على وجه الخصوص، أي تعاطف مع الفقراء (يرتبط هذا دون شك بحقيقة أن زوج والدة بو، الغني، كان قد قطع عنه المال كلياً. تاركاً إياه مفلساً حين كانت زوجته تحتضر جرّاء السل). في قناع الموت الأحمر، يلجأ أمير متغطرس مع مجموعة من النبلاء والنبيلات إلى «العزلة العميقة لدير شبيه بالقلعة»، حيث يعيشون في ترف فاسق إلى أن يأتي إليهم في إحدى الليالي، أثناء حفلة تنكرية، شخص يرتدي قناعاً «مصنوعاً بحيث يبدو شبيهاً بملامح جثة متيبسة، لدرجة أن أقرب المدققين سيجد صعوبة في اكتشاف الخدعة». الزائر هو الموت الأحمر عينه؛ ففي تلك الليلة يموت كلّ من في الدير. لا يستطيع النبلاء إذاً أن يفلتوا ممّا يُفرَض على الفقراء تكبّده.

الموت الأحمر عند إدغار آلان بو يصبح طاعوناً في رواية جاك لندن الطاعون القرمزي، التي نُشرت على نحو متسلسل عام 1912 (المرض ذاته: يصبح الوجه والجسد قرمزيَين بالكامل خلال ساعة). في هذه الرواية، يحلّ الوباء سنة 2013 ويقضي على الجميع تقريباً، وفي كل أرجاء المعمورة؛ الغني والفقير، الأمم القوية والأمم الضعيفة، تاركاً الناجين متساويين في بؤسهم، ولا انتمائهم. أحد الناجين هو البروفيسور بيركلي؛ أستاذ اللغة الإنكليزية في جامعة كاليفورنيا. عندما يضرب المرض المنطقة، يختبئ البروفيسور في مبنى كلية الكيمياء، ويتبين أنه منيع ضد المرض. يعيش لسنوات وحيداً في فندق قديم في يوسميتي، معتمداً على الطعام المعلّب في متاجر المدينة، إلى أن ينضم عند خروجه إلى عصبة صغيرة -عصبة السائقين، الذين يقودهم شخص متوحش كان يعمل سائقاً في السابق- ويجد له زوجة أيضاً. عند بداية الرواية، سنة 2073، يكون البروفيسور رجلاً عجوزاً جداً، راعي غنم، يرتدي جلد حيوان ويعيش مثل الحيوانات: «حول صدره وأكتافه تدلّى رداء أجرب من قطعة واحدة مصنوعة من جلد الماعز». يروي البروفيسور قصة الطاعون القرمزي لأحفاده الصبيان الذين «يتحدثون بكلمات أحادية المقطع وجمل قصيرة متقطعة أشبه بالرطانة منها باللغة»، لكنهم بارعون جداً في استخدام القوس والنشّاب. بدائية الصبيان هذه تكدّر البروفيسور الذي يتنهد بينما يجيل النظر عبر ما كان يوماً يشكّل مدينة سان فرانسيسكو: «في المكان الذي كان أربعة ملايين من البشر يرفّهون فيه عن أنفسهم، تتجول اليوم الذئاب البرية، وتدافع ذريتنا المتوحشة عن نفسها بأسلحة بدائية، ضد المخربين ذوي المخالب. تخيّلوا ذلك! وكل هذا بسبب الموت القرمزي».

سرق جاك لندن فكرة الموت الأحمر من إدغار آلان بو وأخذ حبكة الطاعون القرمزي من رواية الإنسان الأخير، إلا أن فكرة جاك لندن حول انحطاط الإنسانية وسقوطها أقل حذقاً بكثير من فكرة شيلي. «محكوم على الجنس البشري أن يغوص أكثر فأكثر في الظلام البدائي قبل أن يبدأ من جديد تسلّقه الدامي نحو الحضارة»، يشرح البروفيسور. بالنسبة إلى جاك لندن، الرأسمالية الصناعية والإمبريالية هي من يقود هذا الصعود من الهمجية إلى الحضارة، ومن الندرة إلى الوفرة، وليس محرك التقدم الأخلاقي في عصر التنوير. انحدار الإنسان عند جاك لندن هو انحدار إلى قلبِ ظلام عصر إمبراطورية محدد للغاية، ولأحفاد البروفيسور «جلد بني اللون». قبل وصول الطاعون، كان الرأسماليون والإمبرياليون قد كدّسوا ثروات هائلة. «ما هي النقود؟»، يسأل الصبْية جدهم حين يستخدم هذه الكلمة ليصف قطعة نقدية عثروا عليها، ويعود سكّها للعام 2012، «لمعت عينا العجوز عندما حمل القطعة النقدية»، فكلّ هذا-البشرة البيضاء، الثروات- قد فُقد!

ما كان يسبّب للبروفيسور أبلغ الأسى أن أحد السائقين تزوج، عنوة، الزوجة السابقة لأحد الأشخاص المهمين: «ها هي فيستا فان وُرْدن، الزوجة الشابة لجون فان وُرْدن، مرتدية أسمالاً بالية، بيدين مشوهتين، متصلبتين من العمل، ومليئتين بالندوب، منحنية فوق نام المخيّم، تقوم بأعمال الخدم؛ هي ذاتها، فيستا، التي عاشت في كنف أعظم بارونات الثروة في العالم». ما كان يثير الحزن بالقدر ذاته، هو أن الرجل الأبيض، الذي غزا القارة فيما مضى، خسر في النهاية الغرب، والشرق أيضاً. يحاول البروفيسور أن يصف لأحفاده الهمجيين تداعي المدن الأميركية، التي علم مصيرها في الأيام الأولى للوباء، حين كانت الأخبار لا تزال تصل إلى كاليفورنيا من أجزاء البلد الأخرى، قبل أن يموت عامل التلغراف الأخير:

    كانت مدينتا نيويورك وشيكاغو في حالة فوضى…مات ثلث رجال الشرطة في نيويورك. مات رئيس الشرطة أيضاً، وكذلك عمدة المدينة. تعطّل القانون والنظام. وكانت الجثث ممددة في الشوارع دون دفن. توقفت كل السكك الحديدية والسفن التي كانت تحمل الطعام والحاجات المماثلة إلى المدينة الكبيرة، وراحت حشود الفقراء الجائعين تنهب المتاجر والمخازن. انتشرت الجريمة والسرقة والسكْر في كل مكان. كان الناس قد هربوا من المدينة بالملايين؛ الأغنياء أولاً، في سياراتهم ومناطيدهم الخاصة، ثم السواد الأعظم من الناس على الأقدام، حاملين الوباء معهم، متضورين من الجوع وآخذين بنهب المزارعين، وكل المدن والقرى التي يمرّون بها في طريقهم.

كل المدن احترقت. حتى مناطيد الأغنياء اندلعت فيها النيران، كما حدث يوماً في حادثة منطاد هيندينبيرغ.

رواية الطاعون القرمزي، التي نُشرت قبل الحرب العالمية الأولى، تتضمن أيضاً تحذيراً حول تكلفة الحروب العالمية، وتكلفة العيش في العالم. يقول البروفيسور «في زمن بعيد، بعيد جداً، عندما كان هنالك عدد قليل من البشر فقط في العالم، كانت الأمراض قليلة. لكن، مع تزايد أعداد البشر وعيشهم قريبين من بعضهم في مدن وحضارات كبيرة، ظهرت أمراض جديدة، ودخلت أجسادهم أنواع جديدة من الجراثيم. هكذا قُتِل ملايين لا تحصى من البشر. وكلما ازدادت كثافة تجمع البشر معاً، ازدادت فظاعة المرض الجديد الذي يظهر». لا يستطيع أحفاد البروفيسور أن يتخيلوا أيّاً من هذا، حين يقول لهم البروفيسور إن «إحصاء السكان سجّل عام 2010 وجود ثمانية مليارات نسمة في العالم». هم بالكاد يصدّقونه، وليست لديهم أيّ فكرة عن معنى مليار، أو إحصاء، أو عالم.

يقول البروفيسور لأحفاده إن «عشرة آلاف سنة من الثقافة والحضارة انقضت في لمح البصر»، وقد جعل عمله شبيهاً بعمل أمين مكتبة، لكي يؤرشف هذه الآلاف العشرة من السنين. ففي كهف في حي تلغراف هيل، خزّن البروفيسور كل ما استطاع إيجاده من كتب، رغم أنه الإنسان الوحيد الذي يعرف القراءة ممن بقوا على قيد الحياة. «في هذه الكتب الكثيرُ من الحكمة »، يخبر أحفاده في الفصل الأخير من الرواية، شارحاً لهم أنه ترك كذلك مفتاحاً للأبجدية. ويعد أحفاده الذين لا يعرفون عما يتحدث: «يوماً ما، سيقرؤها البشر مرة أخرى» غير أن القارئ، بالطبع، يعرف.

تتناول بنية الروايات الحديثة الأوبئة أيضاً، وصولاً إلى رواية ستيفن كينغ الموقف وما بعدها. هي مجموعة تنويعات على مذكرات عن عام الطاعون (قصة تدور أحداثها داخل جدران الحجر) والإنسان الأخير (قصة تدور أحداثها حول مجموعة من الناجين ذوي الملابس الرثة). إلا أن مجال القص ضمن هاتين البنيتين واسع، كما هو حال مجال النزعة الأخلاقية، والحجة التاريخية، والتأمل الفلسفي. كل رواية عن الأوبئة هي حكاية رمزية.

عرّف ألبير كامو الرواية يوماً بأنها الموضع الذي يُتخلَّى فيه عن الكائن البشري من أجل كائنات بشرية آخرين. رواية الأوبئة، من ناحية أخرى، هي الموضع الذي تتخلّى فيه جميع الكائنات البشرية عن جميع الكائنات البشرية الأخرى. وخلافاً للأنواع الأخرى من أدب نهاية العالم، حيث يكون العدو مواد كيمائية أو براكين أو زلازل أو غزاة من الفضاء، العدو هنا هو بشر آخرون: لمسة بشر آخرين، أنفاس بشر آخرين، أو مجرد وجود بشر آخرين في كثير من الأحيان، جرّاء التنافس على الموارد المتناقصة.

في روايته الطاعون (1947)، يحدّد كامو مكان الأحداث بين جدران مدينة جزائرية خاضعة للاحتلال الفرنسي، وموضوعة تحت الحجر أثناء الحرب العالمية الثانية (يُحدَّد العام على أنه -194). ومع كل نُذُر الشؤم، والنبوءات، وأكباش الفداء الموجودة في الرواية، يمكن أيضاً أن تكون المدينة هي لندن عام 1665. في الطاعون، يفشل الدكتور برنار ريو، مثل الجميع، في قراءة الإشارات (تزعم الرواية أنها كُتبت بناء على دفاتر ملاحظات الدكتور ريو ومذكراته عن عام الطاعون). يشاهد ريو جرذاً يترنح على عتبة بابه:

    كان الحيوان يتحرك بتردد، وفراؤه مبتل للغاية. توقف وبدا أنه يحاول أن يتوازن، ثم تقدم للأمام مجدداً باتجاه الطبيب، توقف مرة أخرى، ثم دار حول نفسه مطلقاً صيحة قصيرة وسقط على أحد جانبيه. فمه مفتوح قليلاً والدم يطفر منه. تأمله الطبيب لهنيهة، ثم صعد إلى منزله.

كانت الجرذان تخرج من الأقبية وتموت في الشوارع أكواماً. مع هذا، لم يفعل الطبيب أو غيره أي شيء مطلقاً، إلى أن حدث الموت الإنساني الأول؛ وفاة البواب. عندها، يبدأ عهد الندم: «بعد إعادة النظر في المرحلة الأولى، في ضوء الأحداث اللاحقة، أدرك مواطنونا أنهم لم يتصوّرا يوماً أن يتم اختيار مدينتنا الصغيرة لتكون مسرحَ أحداث عجيبة، كموت الجرذان بالجملة في وضح النهار، أو موت البوابين جرّاء أمراض غريبة».

بعد وقت قصير، كما يصل إلى علمنا «يعاني كل سكان المدينة من الحمّى». يزداد عدد المصابين، ثم يرتفع بقفزات سريعة. إحدى عشرة وفاة في ثماني وأربعين ساعة، ثم أكثر من ذلك. تحاول اللجنة الصحية الحكومية تجنب استخدام كلمة «طاعون»، لكن ما لم تستخدمها، لن يكون بالإمكان وضع تدابير الطوارئ موضع التنفيذ. يبدأ إلصاق التحذيرات، إنما فقط في أماكن مخفيّة، وبحروف صغيرة جداً، وكما يلاحظ الدكتور ريو: «كان من الصعب أن نجد في تلك التحذيرات أية إشارة إلى أن السلطات تتعامل مع الحالة كما ينبغي». في آخر الأمر، وبدافع من اليأس، تتبنى الحكومة سياسة «إبادة الجرذان»،  وعندما يموت ثلاثون شخصاً في يوم واحد، تُغلق المدينة.

الوباء، بالطبع، هو فيروس الفاشية. لا أحد في المدينة يعير اهتماماً للجرذان إلى أن يفوت الأوان -على الرغم من أن الطاعون «يستبعد كل مستقبل، ويلغي الرحلات، ويوقف تبادل الآراء»- وقليلون من يعيرونها اهتماماً كافياً حتى بعد أن يفوت الأوان. وفي هذا تكمن حماقتهم: «لقد توهموا أنهم أحرار، لكن أحداً لن يكون حرّاً قط ما دامت هنالك أوبئة».

رغم أن رواية الطاعون لا تضع الوباء في إطار زمني، بمعنى أن الطاعون لا يغادر المدينة قط، طاعون كامو هو طاعون بلا نهاية. لكن الدكتور ريو يعرف من قراءته للتاريخ أن هنالك طاعوناً واحداً فقط، عبر التاريخ البشري، ينتقل من مكان إلى مكان بمرور الزمن، من «المدن الصينية التي تغصّ بالضحايا الذين يتألمون بصمت» إلى «النقّالات الرطبة العفنة الملتصقة بالأرض الموحلة لمَحجر القسطنطينية، حيث يُسحب المرضى من أسرّتهم بالخطاطيف»، إلى «العربات المحمّلة بالجثث وهي تقرقع في ظلام لندن المسكون بالغيلان؛ أيام وليالٍ ممتلئة على الدوام وفي كل مكان بصرخة الألم البشري الأبدية». ماذا في القائمة بعد؟ معسكرات الاعتقال والتعذيب؟! الطاعون هو الإنسان.

مسكوناً بهذه المعرفة، كان ريو، المحتجز في مأواه المقيت، يعاني من أقصى درجات العزلة، ومن الاغتراب ووحشية الحداثة:

    أحياناً عند منتصف الليل، في الصمت المطبق للمدينة الغارقة في النوم، كان الطبيب يدير زرّ الراديو قبل أن يأوي إلى فراشه لينال ساعات النوم القصيرة التي أباحها لنفسه. فتأتيه من أقاصي الأرض، عبر آلاف الأميال براً وبحراً، أصوات المتحدثين اللطفاء ذوي النوايا الطيبة وهم يحاولون أن يعبّروا عن شعورهم بالتضامن، ويفعلون حقاً، لولا أنهم في الوقت نفسه يُظهرون عجز البشر التام عن المشاركة الصادقة في معاناة لا يرونها بأعينهم.

وبالنسبة للقابعين في عزلتهم، فما من عالم خارجها: «الطاعون ابتلع كل شيء وكل شخص». لكنهم في رواية الطاعون يُنقذون، في اللحظة الأخيرة، بفضل مصل، وتضجّ المدينة باحتفالات بهيجة. في ختام الرواية، يفكر الدكتور ريو في قراءاته: «كان يعرف ما كانت هذه الجموع المبتهجة تجهله، لكن كان من الممكن أن تتعلّمه من الكتب: إن عُصيّة الطاعون لا تموت ولا تختفي بشكل نهائي…وقد يأتي يوم يقوم فيه الطاعون، نهياً للناس وتنويراً لهم، بإيقاظ جرذانه من جديد وإرسالهم ليموتوا في مدينة سعيدة». البشر سيصبحون، دوماً، جرذاناً من جديد.

ملاحظة كامو بشأن «عجز البشر التام عن المشاركة الصادقة في معاناة لا يرونها بأعينهم» هي موضوع إعادة التصوّر البارعة والمفجعة التي قام بها جوزيه ساراماغو لحكاية الطاعون، في روايته العمى عام 1995. في هذه الرواية، البطل، طبيب كما في رواية ديفو، مختص بطب العيون، والمرض الذي يحوّل البشر حيوانات هو العجز عن الرؤية. «العمى»، كحكاية رمزية تاريخية، تنتقد الدولة السلطوية في القرن العشرين، ومأسسة المستضعفين ووحشية الحكام العسكريين. عندما يحدث المرض، تقوم الحكومة بجمع العميان وحبسهم في مصحة عقلية، حيث يبدؤون، على نحو أعمى، بالتحارب فيما بينهم، ويسرقون ويغتصبون. «العميان في حالة حرب دائمة، لطالما كانوا في حالة حرب»، يكتب ساراماغو، في أكثر ملاحظات الرواية قتامة.

لكن العمى يبقى أكثر قتامة من أي درس في التاريخ. فبالنسبة إلى ساراماغو، العمى ليس مرضاً؛ العمى هو الشرط الإنساني. يحتفظ شخص واحد فقط ببصره في هذه الرواية، وهي امرأة تقرأ للعميان، ما يشكّل لهم نعمة ونقمة في آن معاً: «هذا كل ما نحسن القيام به، الاستماع إلى شخصٍ يقرأ لنا قصة جنس بشري وُجِد قبلنا». ذلك هو منتهى الرعب الذي يبلغه كل وباء مدمّرٍ للعالم في الروايات الحديثة التي تتناول الأوبئة: فقدان المعرفة الذي تشكّل القراءة ذاتها علاجه الوحيد. هذا الإدراك هو ما يستحوذ على طبيب العيون في رواية ساراماغو في اللحظة التي يفقد فيها بصره قبل أن يُعرَف المرض: إدراكُ  نفاسة وجمال وهشاشة المعرفة. متحيّراً من حال المريض الذي أتى إلى مكتبه بعد أن أصيب فجأة ودونما تفسير بالعمى -كان يرى بياضاً حليبياً وليس سواداً- يذهب طبيب العيون إلى منزله، وبعد العشاء، يبحث عن جواب في كتبه، يكتب ساراماغو: «في وقت متأخر من تلك الليلة، وضع الطبيب جانباً الكتب التي كان يقرؤها، فرك عينيه المتعبتين ومال إلى الخلف في كرسيّه». يقرّر الطبيب أخيراً أن يأوي إلى فراشه: «حدث الأمر بعد دقيقة عندما كان يجمع الكتب ليعيدها إلى رفّ المكتبة. أدرك في البداية أنه لم يعد قادراً أن يرى يديه، ثم عرف أنه صار أعمى».

كل شيء أضحى أبيض؛ أبيض مثل صفحة فارغة.

موقع الجمهورية

———————————-

===========================